حكيم جليل الصباغإلى أين؟ّ

الفراقُ لا يفكُّ اشتباكَ روحَينِ وُشِما على بعضِهما، وانزلقا مِنْ حكمة التفرّدِ منذُ زمنٍ غامضٍ، اتقنَ تفاصيل هيامِنا، فأنشَدنا للناسِ نشيدًا واحداً يشبهُنا كثيرًا، أرى في إيقاعِهِ المخضرِّ طربًا

خُطانا الراسخة، أرأيتِ كما رأيتُ؟! ذلك النغمَ المضفور من أنفاسكِ، أسمعُهُ يصدح ُملامحَكِ على ملَئي -أنا المحتشدَ فيكِ-.

إلى أين إذاً؟!

وها أنتِ تخلّيتِ عنكِ، الى قصائدي، وأنا افقدُني بين يديكِ

إلى أينَ؟!

وعشقي مرآتكِ المستحيلة، حدّقي بي أو بها، فكلانا أوشكَ أن يكونكِ

بحبّكِ بايعَتني الجهاتُ جميعُها ضالة أجدُها حيثُ أُريدُ، والأرضُ - كما تعلمين حبيبتي - لا تنقضُ بيعتَها للعاشقين.

***

رسالة عاجلة:

نَسيْتُني على طريقكِ، وعُدتُ ادراجَ حيائي

إذا ما ارتبكتْ خطاكِ واضطربتْ لحظةً ما، تنبّئيني قَدَراً

يشتلُني على ضميركِ شرق عشقٍ وجهاته المتمرّدة الاخرى، ذات شِعرٍ

تنبّأْتُكِ : فصولَ قُبَلٍ ومواسمَ نجوى إليك ومنك بلا خاتمة .

***

حكيم جليل الصّباغ

 

عادل الحنظلفي بلدي

تتهاوى أدعيةُ البؤساء

في أرضٍ لا ينبتُ فيها زرع

لا تسمعُهم سماء

إنْ رفعوا أيديهم بدعاء

أو سجدوا

إن هتفوا لنبيّ

أو وليّ

ما أكثرهم في بلدي الاولياء

**

يُحدّثُ الجياعَ

ملتحيٌ فهيم

رسَمَتْ جمرةُ ملعقةٍ حديدية

على جبهتِهِ العريضةِ

ثقبا أسود

يبتلعُ التاريخ

ويشِعُّ صنوف الافك

تتناثرُ من فمهِ المقدسِّ

علومُ من عاش ومن مات

وحكاياتُ جميع الأجناس

يتربّعُ فوق الشبهات

يخاطبُ أفواها فَغَرَتْ

إنْ ضام أصغرَكُم كرْب

أو سام أكبرَكم ذل

إن طاف بكم بلاء

فذلك من فرط الايمان

يعلّمُ الحُفاة

مراسيمَ الطهارةِ

وآداب المضاجع

وعناوين بيوت الجنة

وخرائطَ  دور الحوريات

وسواقي الخمر الابدي

**

في بلدي

نسَجَتْ عناكبُ علمِ الجهل

آلافَ الأثواب

تتعرّى

إن لم تلبس منها

أو تتستّر في غير بلاد

**

عادل الحنظل

يوسف جزراوي- سألتُ ذات مساء

جدتي لأبي- رحمها الله

وهي تصلي مسبحتها الوردية:

متى سيعود عمي

من جبهات القتال؟.

ومتى سيخلع عنه بسطال الحروب؟

فأجابتني همسًا لكي لا تقطع الصلاة:

الله كريم. 

بعد أيامٍ علمنا

أنّ عمي يرقدُ مُصابًا

في مستشفى الرشيد العسكري

تنخر جسده الشظايا

وبسطاله يسبح بالدماء!.

**

ذات يوم

كان أبي -عليه رحمة الله-

طريحًا على فراش المرض فسائلتُه:

متى ستغادر مستشفى ابن النفيس

وتعود للبيت يا أبي؟

فأجابني: غدًا يا بني.

- أكيد يا أبي.

فقال: الله كريم.

**

في ذات الليلة

رأيتُ والدتي الحبيبة

لوحدها في المطبخ

تذرفُ دموعها بلوعة

لمرض أبي المستعصي

فحدثتني دون أنْ أسئلها:

إنّه البصل يا ولدي من أدمعَ عيني!.

حاولتُ أن أستنَطقَها:

هل أبي سيكون غدًا بيننا؟

أجالتْ بنظرها إلى أيقونة السيّدة العذراء

ونطقت بعيونٍ دامعاتٍ:

الله كريم.

وفي اليوم التالي مات أبي؛

فقد أقنعُه الموت ليمضي معه

إلى حيث لا يعود الناس!.

**

قبل التاسع من نيسان

زعقت الغارة بعويلها ليلاً

لتعلن طائرات التحالف

  بدء طلعاتها الجويّة

لدكِّ الأمان  في بلدي؛

  فتكوَّر أهلي مع بيت خالتي

  على بعضهمِ البعض

من شدّة الخوف 

 في حجرةٍ  مُحصنة بالفانوس فقط (الالة).

فسألتني أختي الصغرى

وهي ترتعش بين يدي

عن أخي الكبير

الذي أُستدعي لخدمة العلم

فاقتادوه عنوةً للحرب؛

وإن كنا سندحرُ الأمريكان

 على أسوار بغداد؟.

ضمّمتها الى صدري

ورحتُ أمسحُ بأكمام كلماتي

دموعها التي لسعت قلبي

بعبارة:

الله كريم.

**

بعد أيام احتلَّ الأمريكان بلدي

بمعيّة الجارةِ إيران!

فدَمَروا بلدًا مشت

على أرضهِ  أقدام أوّل

إنسانٍ خلقه الله.

 

**

مَرّت الأيام والسنون

وفرقتنا تداعيات الإحتلال

في قاراتٍ عدة

ولم تزل والدتي تسألني بإلحاحٍ:

ولدي متى سأكحلُ عيني بلقياك؟

فلا جواب لي سوى:

الله كريم.

ثم تعاود عليَّ السؤال بإستفسارٍ آخر:

متى ستقلع عن التدخين؟

فاضحك بملءِ شدقيي وأجيبها:

الله كريم يا أمّي.

**

صباح أوّل أمس

هاتفتُ والدتي (الحجية)

كما يحلو لي أن أناديها؛

فراحت تَقصُّ عليَّ

أحداثًا قرأتها في الفيس بوك

عن حالِ العراق الأليم.

وما عَساي ان أجيبها

سوى انْ أصْبرَها ببعض الرجاء

بلهجتنا العراقيّة:

قولي الله كريم يا أمّي.

**

ليلة البارحة

زارني العراق في المنام

فتهللت أساريري وأخذتُه بالأحضان؛

وكم جميل هو العناق

بعد سنوات من الاشتياق.

في الحالِ سائلتُه عن بغداد.

فصرخَ بملءِ الفم:

وا حسرتا على بغداد!!

منحتُه هو الآخر قرصًا من المسكنات:

غدًا ستشرق الشمس

فتفتح الورود أوراقها في أرضك

وتحلق حمائم السلام في سمائك

فيعاود الله  نشر  ظله في رحاب ربوعك

كما فعل في بدء التكوين.

تَجهّم وجهُه

وسار على قبورِ أحلامي وقال:

الله كريم.

وعرفتُ أنَّ الجواب بان من العنوان؛

فصرختُ في سرّي:

حتّى أنت!!

حقًا لك الله يا عراق.

فأجابني:

الله كريم ....ثم تركني ومضى.

***

الأب: يوسف جزراوي

(من ديوان جثة تثأر من قاتلها)...

 

آلاء محمودعازف الليل

لتهدأ ألحانك

ففي فصول ذاكرتي العاطفية

بقيت لك وردة صفراء

ترفض أن يطالها خريف المشاعر

دعني أكتبك حُبّاً

فليس من السهل إغتيال قصيدة

يا سيدي

يرتدي الوقتُ معك

معطف الحكايات

منذ غروب شمس اللهفة

حتى أول شعاع من حنين

تتراءى لي دفئاً

رُغمٓ ثلوج بُعدك

المتساقطة عند أبواب قلبي

في غضبك ..

لا رصيف يسكن خطواتي

لا شمعة تضيء نافذة انتظاري

حتى هاتفي

يرتدي الأصفر حداداً

يقولون أني أغار!!

لذا الاصفر لون حدادي

هو فقط بركان صغير

يتبعه الإعصار

رغبةٌ بالموت قربك

فهل يعني حقاً أني أغار؟

في اشتياقك

هناك ما لا افهمه؟؟

يهرب حرفك بعيداً

نحو مرافيء الصمت

تاركاً لي مهمة الإبحار في محيط اللوعة

وكأنه يكفي أن تحس لي  بإشتياق

وعليّ  إلتقاط هذا الاحساس

بمراكب ورقية فارغة

من تنهدات قلبك

وأنا أجذّف بقلمي

نحو بحور هواك الغارق في الصمت

يا لكثرتك بداخلي

**

أيها اللا منسي

كيف يكون مساؤك هادئاً

ورياح الهوى تعصف بقلبي

أما آن لهذا الغرام

أن تتساقط عن أغصانه تلك الأوراق

الموغلة في تاريخ العشق

تتجدد عليه الفصول

ليجرب قلبي مرة أخرى ربيع البدايات

دفء الحكايات

ويعود طفلاً معك

ربما

أحياناً

احتاج ان تبتعد عن سطوري

تغادر مدن اشتياقي

احتاج أن اعقد هدنة

مع قلمي

لأكتبك بحبر جديد

بعيداً

عن وردتك الغافية

فوق وسائد ذكرياتي

وأتساءل

أيمكنني فعلا

أن أكتبك أجمل مما أنت عليه

الآن؟

***

آلاء محمود

من ديوان مواسم يغيرها الحب

 

الهام زكي خابطعيناكَ دفءُ المشاعرِ وعبقها

وأنشودةُ  الصبحِ وعطرها

ولهفةُ العاشقِ المأخوذِ

بنبضِ اللهفةِ وسرها

ولهفةُ الاشجارِ رغم عريها

لوقفةِ طيرٍ مشتاقٍ لغصنها

وضحكةُ طفلٍ

في وجه أمّه وحضنها

ومشيةُ فتاةٍ مزهوةٍ بحسنها

عيناكَ مرساةٌ

لأحلامي الشارداتِ وحزنها

ولهداةِ سنواتي التائهاتِ وعسرها

أبدرٌ تجلى في السماءِ وما اختفى؟

والسعدُ من طولِ انتظارٍ مني قد دنا

لتكونَ أنتَ الربيعَ ونسائمه

يغازلُ فنجانَ قهوتي في صبحها

والروحُ ترقصُ ولَهاً

عند ذكراكَ أحسُّها

فألملمُ شتاتَ الحنينِ

لنفسي الثائرةِ وشموخها

ولأيامٍ زاهياتٍ ما زلتُ أذكرها

فأضرمُ النارَ في قلبي تولعاً

فكيف لي للنار أن أطفئها

وأنتَ شوقُ السنينِ وعطرها

ولحنُ وجودي

وأيامي الآتياتِ وخمرها

***

إلهام زكي خابط

 

ريكان ابراهيملماذا إذن، كُلُّ هذا؟

إذا صار كُلُّ الذي لم يكن ممكناً... ممكناً

‏إذا صار يصلُحُ كُلُّ الذي في الكلام جواباً عن الأسئلة

‏لماذا، إذن، كل هذا التباطؤ، هذا التلعثم، هذا الخُواء؟

‏إذا كنت انت، وكنت أنا عارفين بأنَّ الخبر

مع المبتدأ

‏يصيران جُملة كُلِّ الشفاه

‏لماذا، إذن، ادخلوا كان بين السطورِ  فعاثت فساداً،

وفرّقتِ الشملِ في رفعها المبتدأ

وفي نصبها للخبر؟

‏إذا كنت تدري بأنّيَ ادري، و أنّيَ أدر ي بأنّكَ تدري

‏لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

**

‏لماذا يسيرُ على بطنهِ عنترة؟

ويجثو على رُكبتيهِ المهلهل؟

ويلثغُ بالراءِ قُسُّ بنُ ساعدةَ المستريحُ على رُمحِهِ من زمان

وقوفاً على رئةِ الأمنية

على شفةِ الأغنية

‏على سطحِ ذاكرةٍ خاوية

وقوفاً إلى أن يفكّرَ ثانيةً عنترة

إلى أن يفكّرَ في أمرِ ركبتهِ الزيرُ، أو يستفيقَ من السُكرِ

راويةُ القافلة

أما كلنَ يجملُ بالمُستجيرِ بحُمّاهُ من نارِها أن يُحسَّ وأن يتّقي النازعات

لقد كان يُمكنُ لكنّما...

ولكنّما قاسية

**

إذا كانَ للشعر أن يستريحَ، ومن حَقِّهِ،

لماذا، إذن، كُلُّ هذا الزعيق، وقاعاتُنا فارغة؟

إذا كنتَ تعرفُ أنّي كبيرٌ على خَرم إبرة

لماذا تُجرجرُ ذيلي الطريَّ، وتجبُرني أن أمرَّ، وهذا الممرُّ

صغيرٌ على رِجلِ نملة؟

لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

وهذا، كما تعرفُ، اسم إشارة

إلى ضيّقٍ في العبارة

وإعرابُهُ قَتْلُ مليونَ أو ما يزيدُ من الجاهلينَ بما يستحقُّ إليهِ الإشارة

**

توسّد هُدوءَكَ كالسلحفاةِ إذا سرتَ بين حُطامِ السؤال

وعرّج على خمسةٍ: يديكَ، ورجليكَ، والخامسِ: الذيلِ

هل تستحي؟

لقد كان قبلكَ سُقراطُ حين يُجيبُ عن الاسئلة

يُمدِّدُ ساقيهِ، يرفعُ رِجليهِ، يخرجُ للجالسينَ اللسانَ، وذيلُكَ مثلُ لسانِ الفلاسفةِ الأولينَ، لقد قالَ ذيلُكَ كُلَّ الكلامِ،

وليسَ لنا غيرُ هذا السؤالِ:

لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

**

تَصوّر لو انّكَ في ليلةٍ،

ودَقَّ عليكَ امرؤ القيسِ باب السياجِ، يُناشِدُ نخوتَكَ الماضيةْ

تصوّرْهُ يبحثُ عن ناصرٍ أو مُعينْ

أتطردُهُ أم تقولُ: كلانا بلا والدٍ يا صديقْ

تَصوّرْ لو أنّكَ واجهتَهُ بالصحيحِ، وقُلتَ له:

يا امرأ القيسِ كانَ أبوكَ شهيدَ الجُناةِ، وكان أبي

شهيدي أنا

نعم، قُل له هكذا، قُل له: إنّني قاتلٌ والدي

أتبحثُ عن ناصرٍ في فتى قاتلٍ والدَه؟

**

لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

لماذا: هُراءٌ، إذن: مهزلةْ

وكُلُّ: ضجيجٌ، وهذا: نعيقٌ، وكُلُّ الذي في السؤالِ

دليلٌ على عبثِ المسألةْ

تُرى أينَهُ حاجبُ بن زُرارةَ ينجو من الموتِ ثم يعودُ

إلى آسِر القوس يسألُهُ فديةَ القوسِ رأساً، وأينَ النجاشيُّ

يعرفُ أن الجديد سينضو قديماً فينصرُهُ، كُلّنا اليوم

نعطي وعوداً بلا ارصدةْ

وندعو إلى صفحةٍ في الحِوارِ ولكنّنا ننصبُ المصْيَدةْ

ألا ليتَ هذا الذي لا يرى غير مترين وَسطَ الضبابِ،

يُقايضُ زرقا اليمامةِ عيناً بعينٍ قُرابةَ يومٍ لكي يَتّقي أو يقينا السقوطَ إلى دركِ المهزلةْ

**

تُرى مَنْ يُعيرُكَ أرضاً إذا ما فقدتَ التي في يديكَ،

وهل كُلُّ أرضٍ تُسمّى وطن؟

ومَن يستوي عندهُ الإقترابُ من الأهلِ والبُعدُ والاغترابُ

استوت عندهُ قبل هذا معاني الكرامةِ والإنحناءُ أمام الغريبِ، ومَنْ لا يُفرِّقُ بين وبينَ

سيجهلُ أينَ هو الرأسُ فيه وأينْ القدَم

سلامٌ على النهرِ يمرقُ فيها كأفعى تُفتِّشُ من جوعها

عن فريسة

سلامٌ على النخل مرتفع الرأسِ، يعلو بقامتهِ كي يقي مسجداً وكنيسة

سلامٌ على موجة النهر تركبُ أُخرى وتزني بها فلا يُشتكى أمرُها عند قاضٍ، ولا يخجلُ الناسُ من رؤيةِ العاشقاتِ

يمارسنَ فنَّ الهوى في الظهيرةْ

إلى أينَ يا وطنَ الأبرياءِ نمضي، وأنتَ القميصُ الذي نرتديهِ صباحاً إذا ما خرجنا،

وأنتَ الفراشُ الذي يحتوينا إذا ما أوينا

تملّكنا هاجسٌ أنْ نُحبَّك حتى وإنْ كنتَ تقسو على عاشقيكَ، ونبكي عليكَ،

ونسقطُ مثلَ اليتامى على قدميكَ،

نُقبِّلُ فيكَ ثنايا أبٍ غاضب من بنيهِ،

ونسجدُ عندكَ مثلَ مُريدٍ يرى شيخَهُ فيرى فيه عيونَ السماءِ، ويرتجفُ الخوفُ فيه من الخوفِ، أينَ نُولّي الوجوه التي

عشقتكَ، وأنت لها كعبةٌ كلّما بَلّلتها دموعُ

التزامنِ قُمْنا نُوضِّئُها بالدماءْ

...ويا وطني المستغيثَ، إلى أينَ تذهبُ بعد العشاءِ،

وشُربِ قليلٍ من الشاي عندي، إلى أينَ تذهبُ بعد الصلاةِ؟

أعندكَ شيءٌ من الوقتِ نقضيهِ في سدرةِ المتنبي؟ هناكَ لنا موعدٌ،

فالخليلُ سيأتي الينَا، وفي جيبهِ الأصمعيُّ،

تعالَ،

لماذا تُضيِّعُ هذا اللقاءَ فقد لا يَمنُّ علينا الزمانُ بأمثاله؛

إنها فُرصةُ الزمنِ الزئبقيِّ الذي يمرُّ علينا، ولا

نلتقيه فيضحكَ مِنّا

أعندكَ شيءٌ من العربية في نحوها؟

إنّهم يسألونَ، وأخشى، إذا وجدونا بلا لغةٍ، أن نكونَ

كما فارسٌ دونما فَرسٍ، أو نكونَ هناكَ غريبين وجهاً

وقلبا

إذن فاحترسْ قبلْ أن نلتقي أن تُعيدَ القِراءةَ نحواً وصَرفا

وخُذْ من هُلامِكَ زاداً تواجهُ فيه الرجالَ الأُلى شرّفونا

ولم يتَشرّف لهم واحدٌ بالذّي خَلّفوه لدينا

فقد وضّأونا ولم نتوضّأْ

وصرنا قُلامةَ ظُفْرٍ، وأُضحوكةً في العراءْ

**

بخيطٍ وإبرةْ

سأخصِفُ نَعْلَ البلادِ، وأرتِقُ ثوبَ الضميرِ الذي مَزّقتهُ

زُليخةُ وهي تجرُّ إليها إبائي ورفضي

بخيط وإبرةْ

أعيد خياطةَ كُلِّ التراثِ الذي مَزقتهُ الحداثةُ يوماً ولم تَتهيّب. أُلملِمُ هذا القميصَ على صَدرِ أمّي وأختي فإنّا عوائل شرقيةٌ، عندها العُريُ عيبٌ، ولا باركَ الله

في مَن تَعرّى وَعرّى صدورَ ذواتِ الخدورِ،

ولا سامحَ اللهُ مَنْ يدعي أنه بطلٌ لا يلينُ

ولكنهُ يستكينُ إذا داعبوهُ بحلوى

-... وهُزّي إليك بجذعٍ

وهزّتْ فلم يتساقطْ

-وهزّي إليكِ...

وهزّتْ ولم يتساقطْ إليها من الجذعِ شيءٌ

وهَزّتْ إلى أنْ تساقطَ في حِجرها الجِذْعُ

واكتشفتْ أنه عاقرٌ لا يحيضُ

وليس يبيضُ،

وأنَّ الذي ناشَدَ امرأةً أن تهُزَّ قليلُ الحياءِ،

كذوبٌ كما كذبَ الأوّلونْ

***

د. ريكان إبراهيم

 

صحيفة المثقفأبحثُ عن خيالْ

يقبلني

ظلاً من الظلالْ

لأنني

فقدتُ ـ يومَ قبَّلتْ كفي أكفَّ أرخصِ الرجالْ ـ

هُـويتي الأصيلهْ

فـأنكرتني أميَ القبيلهْ

و لمْ يعدْ في سلتي الهاربةِ الثمارْ

سوى بقيةٍ، حثالةٍ من النِّثارْ

منَّتْ به على ندوب جبهتي الكليلهْ

ريــحٌ أتتْ، موبوءةَ الذراتِ،

من حظيرةٍ نافقةِ البغالْ ...

لكنني

ما زلتُ، رغمَ زلتي

و خيبتي وضلَّتي،

أبحثُ عن خيالْ،

يقْبلني،

يجعلني

ظلاً من الظلالْ.

***

 شعر: أ. د. حسن البياتي

 

 

فتحي مهذبيوم ميلادي

بصق غراب خلسة

في فمي..

قبل أن تطارده ممرضة بعكازة الضرير ..

بينما أمي في ثلاجة الأموات

تحصي عدد البواخر الحربية

التي ستخيم في ميناء صدري..

يوم ميلادي

قرع جباة ضرائب باب البيت

هشموا مصابيح الروح الكابية

بمكانس طويلة..

ثم سقطوا في بئر معتمة

بحثا عن كنوز يوسف الضائعة..

يوم ميلادي

بال قاطع طريق على قماطي

لأن وجهي مخيف ومقزز جدا

ومثير للغثيان..

كاد يصوب مسدسه باتجاه وجهي

المتهدل مثل نهد حيزبون جاف..

لولا عبور ثور هائج تحت قميصه

واندلاع حريق هائل في غابة رأسه..

يوم ميلادي

هاتفني الحظ بسرعة فائقة

أن عربته معطلة ..

والطريق مطوقة باللصوص..

يوم ميلادي

إستشرت الأوبئة والمجاعة والحروب وغارت الينابيع وعز الخبز وكثر السفسطائيون والقتلة والإخوة الأعداء..

والنخاسون وبائعو الذمم..

وصار الموت ضرورة يومية .

يوم ميلادي

يوم ولدت بعين واحدة مثل مسيح الدجال..

قال الطبيب : سيكون لهذا المسخ

شأن عظيم..

سيعيد التاج والمجد لقصيدة النثر

سيحرر العبيد من ظلمات العادة..

سيبني سورا عظيما من الكلمات..

لحراسة الأعماق من الخواء القادم..

سيهذب طباع الفهد في مرتفعات النثر..

سيقتل أربعين ناقدا أمام مغارة التأويل .

يوم ميلادي

إحترقت سيارة الإسعاف تحت سريري..

واختفي السائق داخل عمودي الفقري..

ناداني دب بني من الشرفة

لا تبق في المدينة يا بني..

حياني ومضى مثل راهب أنيق..

يوم مولدي

جد عراك رهيب بين متناقضاتي..

بين ملاك وشيطان يفتحان النار

في حجرة الولادة..

حيث يتطاير ريش مبقع بالدم

في الهواء ..

يتقاتلان من أجل وليمة قذرة .

***

فتحي مهذب

 

عبد الله هاشيبقلم: جون- بيير كوفيل

ترجمة: عبد الله هاشي

***

الفلوس. يمكن العثور عليها. على الأرض. على الأرصفة. على الشاطئ. قطع نقدية تكون في حالات معينة أجنبية. منها الصغيرة، ومنها الكبيرة. أحياناً بيضاء، وأحياناً ذهبية اللون. وفي ظروف خاصة، تكون أوراقاً نقدية مطوية بإتقان أربع طيات. تلتقطها، أيها الصديق. الأمر ليس لا سرقة ولا اختلاساً. هذه الفلوس ليست ملكاً لأحد. وإذا لم تأخذها، فسيفعل ذلك أحد غيرك بدلا منك. هذه الفلوس، لك وحدك. هو الله من أرسلها إليك. ذلك إن الفلوس المعثور عليها، ليست لا مسروقة ولا مختلسة. وأنا، لست باللص من أولئك اللصوص الذين يدسون أصابعهم في جيوب الناس، أو يحترفون معالجة شفرات الموسى. وهذه الفلوس، أيها الصديق، أحتفظ بها. فالريال، زائد الريال، زائد الريال، يساوي...ليس لك سوى أن تقوم بعملية الجمع، أيها الصديق. أنا أضعها في صندوقة صغيرة. وعندما أجمع منها ما يكفي، أذهب إلى مدينة الفنيدق لشراء أنواع مختلفة من السلع المهربة أعيد بيعها على الرصيف. وإني في هذا الأمر آخذ من الوقت ما يفي بالغرض.

هناك أولئك الذين يضعون فلوسهم في حفرة يحفرونها، وتحت الأشجار، أو في ثقب جدار. وهذه طريق غير آمنة وغير موثوقة. فثمة دائماً متشردون وقطاع طرق ينقبون الدنيا بأرجلهم، ولا يندر أن يعثروا على المخبوء. أما أنا، يا أخي، فإني شاطر. أضع فلوسي عند جدتي ماما عشوشة. وهي تقيم قريباً من هنا - بمدينة طنجة – في حي المصلى. تعيش وحيدة في غرفة صغيرة وسط أعداد كبيرة من الجيران. قد ضعف منها البصر، وأضحت رؤيتها مشمولة بالضباب. طاعنة في السن، وتكون في غاية السعادة عندما أذهب لزيارتها، أو بغرض المبيت عندها. وجميع ثيابي المفضلة موضوعة هناك في غرفتها. وإنه لمن المعيب أن يعطي المرء الانطباع بأنه معوز وفقير. في منزل أبي – هنا بمدينة طنجة – في حي كازا باراطا، لا شيء يكون في أمن وأمان. الأيادي لا تكف عن الامتداد إلى أمتعتي وحوائجي. وكانت فلوسي وسراويلي الجينز وأحذيتي الرياضية ستختفي منذ مدة طويلة. أما عند جدتي ماما عشوشة، أقولها لك وأعيدها، أيها الصديق، فالعالم برمته لا يمكنه إلا أن يشعر بالاطمئنان.

وأبي. يجلس في البيت لا يفعل أي شيء. أما أنا، فألف وأدور وأتحرك. أخيط وأرقع الأزقة والشوارع. المدرسة، انتهى أمرها وأصبحت من الماضي. لم يكن النجاح من نصيبي ولا كان التفوق في التحصيل من سهمي. وقد تعرضت للطرد في الشهادة الابتدائية. غير أنني أعرف القراءة، لأنني شاطر.

البارحة مساء، فترة خروج الناس للتمشي على جنبات شارع باستور – الشارع الرئيسي لمدينة طنجة -، عثرت لمرتين متتاليتين على درهم. وفي يوم سابق، لمحت ثلاثة سياح كبار، بوجوه وردية اللون، وببنطلونات قصيرة، يجلسون على دكة بالحديقة الصغيرة المحاذية لشارع اسبانيا. ولما انصرفوا، عثرت على قطع نقدية متناثرة فوق الدكة من حيث قاموا. لا شك أنها سقطت من جيوبهم. وقد التقطتها الواحدة تلو الأخرى. وجيوبي أنا، واسعة وبعيدة الغور، ليس مثل جيوب السياح التي تظهر منها الأوراق النقدية فتأخذ غوايتها الآسرة بعقول الأطفال البؤساء والصبيان الأشرار. يمكن العثور على الكثير من الأشياء في الدروب والأزقة والشوارع، وبالخصوص مع كل هؤلاء الوافدين الأجانب المتغافلين والطائشين : رقيقة من الطوابع البريدية الجديدة داخل مظروف جميل. بطاقات بريدية لم تمسسها يد إنسان. كل هذا عثرت عليه والتقطته بيدي. وفي ذات مرة، عثرت على سلسلة دملج. وفي أخرى...

الفلوس. يمكن العثور عليها. ويمكن الحصول عليها أيضا عن طريق العمل. ذلك إنني، بين الفينة والأخرى، أشتغل مرشداً سياحياً. أعرف بأن ذلك محظور. وأنا لا أملك الشارة الخاصة بالمرشدين السياحيين. وعلاوة على ذلك، يلزمك أن تحضر نفسك جيداً للمشاجرات والمشاحنات العنيفة مع المرشدين الآخرين، الحقيقيين والمزيفين. ثم إني أحياناً أقدم خدمات صغيرة. فذات يوم، وأنا في الساحة المشرفة على ميناء طنجة، والتي يمكنك أن تطل منها على إسبانيا، استوقفني شخص أنيق المظهر، بديع الهندام. طلب مني الذهاب الى الصيدلية المقابلة لنا لكي أشتري له عوازل طبية واقية من الأمراض الجنسية المعدية. لم يكن هو ليجرأ على الذهاب إلى الصيدلية لطلبها. ولقد تخلى لي عن النقود المتبقية كلها. مثل هذه المهمات الرثة، أيها الصديق، تكون غالية الثمن.

في بيتنا، لا تجد أحداً يطلب مني شيئاً. آكل وأشرب وأنام. فنحن اثنا عشر نفراً في هذا البيت، أيها الأخ. بالكاد تقع عليٌ نظرة واحدة. وعندما أبيت عند جدتي ماما عشوشة، لا أحد يسألني أين كنت ولا أين بت. إذ لا أحد يهمه أمري.

من حين إلى آخر، حينما يتحسن الطقس وتسود الأحوال الجوية المناسبة، أصعد إلى المنظر الجميل. هناك أعيد بيع كمية من علب الشوكولاطة الاسبانية، وشذرات ذهبية وفول سوداني. ولا يفوتني دائماً أن أحمل معي بعض الخرق الصغيرة أمسح بها زجاج السيارات،إذا سمحت الظروف بذلك. خذ حذرك، أيها الأخ، فالأمر في المدينة ليس على ما يرام دائماً. فهناك منافسون حقيقيون، وعلى درجة لا يستهان بها من الخطورة. فكل ماسح أحذية، على سبيل المثال، يعتبر نفسه المالك المطلق لقصاصة الرصيف التي يقف عليها، والتي تجده على أهبة الاستنفار التام للدفاع عنها بشفرة الموسى وحد السكين. بإمكانك، كذلك، تجميع الجرائد وإعادة بيعها للراغبين فيها. وإذا جمٌعت منها ما يصل وزنه الى كيلوغرام أو اثنين، يمكنك أن تذهب لبيعها بالكيلو لأصحاب معمل الورق.

أما بشأن رجوعي من المنظر الجميل، فثمة دائماً من يتوقف ليعيدني على مثن سيارته. ذات مرة، رجعت بصحبة شخص هولندي برفقة زوجته. منحاني أثواباً مختلفة، ودعواني للعشاء معهما في مطعم صينيٌ فاخر. لا باكودا. مطعم يعرفه القاصي والداني. ولست بالجاهل لآداب الجلوس الى موائد الطعام، أيها الأخ. الرجل الهولندي، حين انتهينا، سدد الفاتورة بواسطة بطاقة تحمل اسماً شبيه النطق باسم الفيزا للمغادرة الى الخارج. وكان يرغب في أن أرافقهما الى رأس مالا باطا، الذي يبتعد عن مدينة طنجة بحوالي اثنا عشر كيلومتراً، فرفضت. ثم إني، في تلك الساعة المتأخرة من الليل، ارتأيت أن أقصد بيت جدتي ماما للمبيت.

يوجد في طنجة ما لا عد له ولا حصر من المقشدات الجميلة جداً، والعصرية جداً، لحد ما يخيل اليك بأنك تعيش في أوربا. فهناك مقشدات فيينا ومانيلا وإسكيما، والبانكيزا والفلانسيانا. ومقشدة لاكولومب، وغيرها كثير. وتكون جميعها ممتلئة عن آخرها بالزبناء في كل وقت وحين. إنني أدخلها كلها. هل تظنني أتهيب من ذلك ؟ وأجلس لوحدي الى إحدى طاولاتها. غالباً ما يكون النادل قد تخلف قليلاً عن إخلاء الطاولات التي غادرها المرتادون مما تركوا عليها من البقشيش والقطع النقدية المختلفة. أنتظر بعض الوقت، أشاهد القطاعات الفارغة من القشدة المثلجة، والفناجين بثمالة القهوة والشوكولاطة. ذات يوم، قدمت المساعدة لذبابة باحثة عن الخلاص بواسطة ملعقة صغيرة. وأظل أنتظر، حتى إذا تأكد لي من أن أحداً لا يراني، أمد يدي لالتقاط قطع النقود المتروكة على الطاولات الزجاجية، ثم أغادر المكان. وأنا لست لا لصاً ولا سارقاً، ولكنني شاطر. وهناك من الناس من يترك الكثير من البقشيش على طاولات المقشدات. يبدو على هؤلاء الوافدين الأجانب علينا أنهم يجهلون قيمة الفلوس عندنا وتقديرنا الحقيقي لها.

اليوم، كنت بمقشدة فيينا. وهي محل واسع الأرجاء، على درجة لا مثيل لها من الأناقة، بدرج جميل من الرخام المتلألئ الذي تستطيع أن ترى على صفحاته وجهك، وبمرايا سامقة متوهجة. الطاولة التي أجلس عليها، غادرها قبل لحظة أربعة أشخاص من شباب المدينة. مراهقان اثنان مصحوبان بفتاتين في مثل عمريهما. أناقة في اللباس، وأدب في الحديث ورقي في التصرفات والمعاملة. وكالمعتاد، يتأخر النادل عن المجيء لإخلاء الطاولة ومسحها مما علق بها. كان الأربعة قد تركوا في الصحن الصغير على الطاولة ثلاثة دراهم ونصف – يعني سبعون ريالاً – بالإضافة إلى ملاعق صغيرة لزجة من الفراولة والفستق. هي لذيذة. حصل مرات عديدة أن تناولت منها، طبعاً حين تكون جيوبي ممتلئة بالنقود. وإلى الطاولة المجاورة، كان يجلس رجل بدين، بارز العضلات، من صنف رجال البوليس بالزي المدني. شاربه كثيف، وعيناه واسعتان لا تكفان تحت حاجبيه الغليظين عن الدوران. إنه ينظر إليٌ. أتراه مهتم بي ؟ وهل سيتوفر لي الوقت الكافي لأضع يدي على النقود في الصحن الصغير من دون أن يراني ؟ ها هو، الآن، ينظر الى الشارع في الجهة الأخرى خلف زجاج المقشدة، متتبعاً بنظراته المارة المتسكعون و المسترسلون بعضهم وراء بعض، وممعناً في النظر الى حركات السير الصغيرة على الطريق. هل تراه لمحني حين سحبت النقود ؟ هل تراه فهم شيئاً ؟ لقد اتجهت نظرة عينيه الى الموضع الذي كانت فيه النقود قبل قليل. من يستطيع أن يعرف أو يخمن شيئاً ؟ بكل هذه الملامح المنغلقة و القسمات الملتبسة، لا أحد بإمكانه قراءة شيء على صفحة وجه الرجل.

ثم إني قمت من مكاني، وخرجت. انعطفت نحو اليمين، واتجهت صوب سان ريمو. وما لبثت أن انتبهت الى أن الرجل يسير ورائي. كان طويل القامة أكثر مما كنت تصورته في البدء. هو الآن يسير بمحاذاتي. وإني أصغي الى أنفاسه تشتد أكثر فأكثر. وعمد فأبرز في وجهي ورقة نقدية باهتة الخضرة. خمسون درهماً. " هل ترغب في كسب بعض الفلوس، أيها الغلام ؟ إنها مسألة في غاية السهولة. اتبعني، يا سيدي ". وكر راجعاً صوب مقشدة فيينا، ثم توقف. قال : " هل ترى النساء الثلاث الجالسات الى الطاولة الرابعة انطلاقاً من أقصى المحل في اتجاه اليسار، بالقرب من الفسقية ؟ " أراهن يا معلٌم، أجبته. " هل ترى تلك التي نرى منها الظهر، المرتدية الجلابية الوردية ؟ عندما تنهض من مكانها وتغادر المقشدة، تعقٌبها أينما ذهبت وحلت. " ثم إنه دس في يدي ورقة الألف ريال، والتي لم أنتظر رمشة عين حتى وضعتها في جيبي. " تعال للقائي هذا المساء، الساعة السادسة، في الحديقة الصغيرة بمحاذاة فندق فيلا فرنسا. هل تعرف المكان، يا سيدي ؟ ". نعم يا معلٌم، أعرف، أجبته. ووعدني بثلاثة آلاف ريال.

وسرت في أعقاب المرأة صاحبة الجلابية الوردية. كانت تسير بسرعة لافتة. يبدو أنها تعرف جيداً الى أين هي ذاهبة. لا تلتفت أبداً. بالنظر اليها من الظهر، تبدو بارعة الجمال، وفي عمر أصغر بكثير من عمر الرجل. إنها ابنته. وقد تكون زوجته، أو أخته. اذهب أنت واسأل كي تعرف من تكون. كانت مكشوفة الرأس، يتطاير شعرها ذو اللون الفاتح متراقصاً على إيقاع خطواتها الرشيقة. قصٌة شعرها رائعة، ولا شبه بينها وبين قصٌة الشعر الجامحة والمتبعثرة التي لدى خديجة الكواطرو، العاهرة العجوز في شارع سي موح باكو، حي كازاباراطا. وظلت الغزالة تبث من حولها شذى الزهور العطرة، وعبير حناء برافيا. تستطيع ألا تخطئ في تعقبها بواسطة حاسة الشم لوحدها. ثم إنها ولجت شارع فيرناندو البرتغالي. عرفت ذلك من قراءة الصفيحة المعدنية. ولدى وصولها الى الرقم 17، دلفت رأساً فدخلت الى العمارة. بناء من عدة مساكن، بدون بوٌاب.

في انتظار حلول الساعة السادسة، طلبت ساندوتش بوكاديللو. ولما حان الموعد، كنت، مثلما طلب مني المعلٌم، متواجداً بالحديقة الصغيرة المثلثة الشكل. وكان بها أيضاً عدد من العاطلين والمتكاسلين ومن المدمنين على المخدرات، منهم من يجلس على الدكات القائمة هنا وهناك، وآخرون يقتعدون الجدران الصغيرة للحديقة. فيهم الذين يلعبون الضامة بقطع السدادات على رقعة رسموا على صفحتها بالفحم مربعات قد نسقوها تنسيقاً. لم يكن المعلٌم قد جاء بعد. إنه هناك، ورائي. لم ألمح مجيئه، ولم أسمع لقدومه من صدى. ثم أخبرته بالذي جرى. وقد بدا عليه الرضى و السرور. مد لي الأوراق النقدية الثلاثة. قال : " غداً، تعيد القيام بنفس الشيء، يا سيدي. تتعقبها انطلاقاً من الساعة الثالثة. هي ستكون إما في مقشدة فيينا أوفي مقشدة كريسطال بالاس. نلتقي هاهنا في السادسة ".

المرأة اليوم، ترتدي جلابية زرقاء في غاية الجمال و البهاء، لكأنها مياه المضيق عندما يروق الجو. أهدابها تتطاير خافقة ما بين ساقيها وهي تحث الخطى مسرعة. جسدها، اليوم، واضح المعالم، بارز القسمات. وكانت الريح تهب على المكان. التفتت، غير أنها لم تلمحني. ثم اتجهت صاعدة صوب الحلاق جون مارك. مكثت في انتظارها. ثم إنها بعد انتهائها من الحلاق، تقدمت في ما يشبه الهرولة عبر شارع فيرناندو البرتغالي. لكنها ما لبثت ان انعطفت عنه وقد ارتسمت عليها علامات توتر واضحة. تبدو على عجلة من أمرها، لكأنها متخلفة عن شأن يهمها كثيراً. وظللت أسير خلفها الى حين ولوجها شارع هولندا. هنالك، لمحتها تركب سيارة زرقاء اللون من نوع رونو خمسة.

وبدا على المعلًم غير قليل من الاهتمام للأمر. غير أنه لا يمكن الجزم في ما إذا كان قد انتهى مما أخبرته به الى مراده. فما برح وجهه الضخم موضعه، ولا بانت على ملامحه لمسة تبدل أو حركة. ثم إنه انصرف الى حال سبيله متمشياً. ولم يكن لي أن أتجرأ على مرافقته. أعتقد أنه دخل حديقة فيلا فرنسا. وكان قد دفع لي مستحقاتي قائلا : " بعد ثلاثة أيام ".

اليوم، لأجل تغيير ملابسي، قصدت ماما عشوشة. وجدتها طريحة الفراش من المرض. ثم انطلقت بعد ذلك في اتجاه المنظر الجميل، وذلك بقصد العمل في حراسة بعض السيارات وبيع عدد من علب السجائر الأمريكية بالتقسيط. كانت الغزالة هناك برفقة شاب من مدينتنا في مثل عمرها. فتى في ريعان الشباب، بادي النضارة والحيوية والألق، حسن الهندام، بملامح المتعاطين للرياضات. لقد جاءت الى المنظر الجميل في سيارتها الرونو خمسة. في صوتها رخامة وعذوبة شديدة كأنه عسل متدفق. تبدو اليوم هادئة، ووجهها يتضوع بالإشراق لكأنه قمر مكتمل. وأخذ ثغرها من الوردة شكلها. أما عيناها، فما أشبههما بالبحر حين يكسوه الاخضرار. هما، الغزالة والفتى، من أرجعاني الى المدينة. لم أخبرها بأي شيء. فأنا لست ببغاء يبادر الى الكلام من دون تفكير. وسوف لن أخبر المعلٌم إطلاقاً بأي شيء أيضاً. فأنا لا أشتغل بالساعات الإضافية. ماهرة في السياقة. في البدء، أنزلت صاحبها الفتى على رصيف شارع فيرناندو البرتغالي. من الواضح أنه يقيم غير بعيد من هنا. بعد ذلك، أنزلتني في أحد الشوارع. قالت لي : " أنا، سأتوقف هاهنا ". وقرأت الكتابة على الصفيحة المعدنية. إنه شارع ليون الإفريقي.

سألني المعلٌم : " هل تعرف القراءة، أيها الرئيس ؟ ". أجبته : " نعم، قليلا ". فقال : " ستدخل العمارة المعلومة. هل أنت متيقن من أنها بدون بوًاب ؟ خذ حذرك جيداً حتى لا يراك أحد. تسجل على ورقة جميع الأسماء المثبتة على علب الرسائل. على كل حال، تلك التي باستطاعتك كتابتها. نلتقي هذا المساء ". وأنجزت المهمة بكل امتياز. لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق. أنت، أيها الأخ، بصدد الكلام عن بلد تصول فيه وتجول الأوباش واللصوص وقطاع الطرق. كانت هنالك علب للرسائل بلا باب، وأخرى مهشمة تماماً. ومع ذلك، ثمة أسماء منها ما هو منقوش بحد السكين، ومنها المكتوبة على بطاقات. ثم إني صعدت الدرج بغرض قراءة الأسماء مسجلة على الأبواب في مختلف طوابق العمارة. لكنني فوجئت بكلب أسود اللون هب لملاحقتي نابحاً. تناول المعلًم اللائحة من يدي. وشرع يتفقد ما كتب عليها بإمعان شديد. مما حملني على الظن بأنه ربما عثر على ما يروم إليه. هذه المرة، ابتسم. لكن الابتسامة التي صدرت عنه كانت بعيدة كل البعد عن رقة الابتسامات ولطافتها. قال :  " جيد جداً، يا سيدي ". ثم إنه انصرف عني دون أن يحدد لي موعداً. لعله الآن على معرفة تامة بالأشياء التي يريد أن يعرفها. ولقد دفع لي مستحقاتي جميعاً. لكن، وماذا لو كان يسعى الى إلحاق الأذى بالغزالة، أو بذلك الفتى اللطيف المهذب، أو بهما معاً ؟

ولقد أدركت من كلام المعلًم ما مفاده أن الأمر الذي يجمع ما بيني وبينه قد بلغ نهايته. وإنني، الآن، أشتغل بالأصالة عن نفسي، وتنزيلا لرغبة عندي لا يستقيم بأمرها تفسير ولا تعليل. وهكذا، انتظرتها بالقرب من سيارتها التي تعودت دائماً أن تتركها في شارع هولندا. وحين لمحتها قادمة، أخرجت الخرقات الصغيرة من جيبي، وشرعت أمسح الزجاج الأمامي للسيارة. من اللباس الذي ترتديه، لا يمكن أن تظنها إلا امرأة أوربية. ابتسمت لي، ووضعت في يدي بقشيشاً. لكن سيارتها أبت أن تنطلق. وظهرت على محياها مسحة طفيفة من الانزعاج ما لبثت أن زالت. ثم نظرت إليً. قالت : " أنت، إذن، ذلك الطفل الذي أرجعته في يوم سابق من المنظر الجميل. ناد لي على سيارة أجرة، من فضلك ". ولكي تحظى بركوب سيارات الأجرة، لا بد لك أن تقدم على إيقافها وهي طائرة في الهواء. ولقد بلغ سمعي العنوان الذي كانت تقصده. لقد قالت للسائق : " شارع ليون الإفريقي ". قالت ذلك باللغة الفرنسية. لكنني شاطر. وقد فهمت المقصود فهماً كاملاً شاملاً.

عندما حل المساء، لاحظت أن سيارة رونو خمسة، الزرقاء اللون، غير موجودة في شارع هولندا. لا بد أنها بعثت بشخص ما لاستقدامها. لعله المعلًم نفسه. ثم إني قصدت شارع ليون الإفريقي. كان ثمة طريق مسدود تقوم على جنباته أربع فيلات قديمة. وكانت الرونو خمسة، ذات اللون الأزرق، متوقفة أمام بوابة الفيلا الثالثة، القائمة في أقصى الطريق المسدود. وها هو المعلًم قد حضر، يقود سيارة مرسديس من آخر الطراز. لم يلمحني، ذلك لأنني اختبأت بسرعة البرق بين الأغصان المتدلية حتى الأرض لشجرة ميموزا مغروسة هناك بغرض جمالية مظهر المكان. دخل الى الدار، لكنه سرعان ما عاد ليغادرها برفقة الغزالة. كانت ترتدي قفطاناً في غاية الجمال، مرصع كله بأحجار اللؤلؤ وشذرات الذهب. امتطيا سيارة المرسديس، ثم انطلقا. لم تقع أنظارهما عليٌ، فأنا شاطر. لم يدر بينهما طرف ما من أطراف الحديث. وكان بادياً عليهما معاً رداء سميك من التعاسة و الشؤم، ومن الانفعالات العصبية العسيرة.

إنها الليلة الثانية التي أذهب فيها للاختباء تحت شجرة الميموزا. من هناك، أستطيع رؤية كل شيء. النوافذ العليا، كما النوافذ السفلى، تضيء أنوارها ثم تنطفىء، فتضحى مشمولة بالظلام. وبين الفينة والأخرى، ألمح خيالا يعبر من خلف الستائر. خيالها هي، أو خياله. أتمكن من التعرف على كتلة جسمه البدينة والمكتنزة. وأميزها هي بقدها الممشوق الشبيه بذلك الغصن الرقيق الذي رسمته أنامل فنان بارع في لوحة صينية شاهدتها معلقة في مطعم لاباكودا. هما، في هذه اللحظة، وحدهما في المنزل. فالخادمة كانت قد غادرت في الساعة الخامسة. رأيتها بأم عيني.

ويجتاحني الشعور بأن الخطر يحدق بها . يجب أن أخبر الشرطة. كلا. إنهم سينهالون عليٌ هناك بالضرب والصفع والركل بمجرد ما أقول لهم . ثم إنهم سيعمدون بعد ذلك الى اتهامي بالكذب.

انتصف الليل وانطفأت آخر الأنوار في النوافذ العليا، وغمر المنزل رداء من الظلام الدامس. وبعد لحظات، أضاء النور في مرأب السيارة. وكنت قد لمحت في يوم مضى وجود باب في أقصى المرأب يمكن من الولوج الى البيت. واجتاحتني سحابة كثيفة من الرهبة والخوف. لقد انصرمت أزيد من عشر دقائق على إشعال مصابيح المرأب، ومع ذلك لم يحدث أي شيء. عندما كنت ألمح ظهور واختفاء ظليهما خلف الستائر، يمكن القول بأنهما غارقان في صمت مطبق. وفي لحظة، لمحت خيالها هي يرتد متقهقراً الى الخلف بقوة وعنف. وأعلم الآن بأنه هو من يتواجد في المرأب أسفل البيت. لقد تأخر في الظهور. وبلغ سمعي صدى انفتاح باب المرأب. لم يلبث المعلٌم أن انكشف أمامي. قام بإلقاء نظرة فاحصة على الطريق المسدود. من المؤكد أنه لا يستطيع أن يراني، وإن ظلت عيناه تنقب وتفتش في الوجهة التي أختبئ فيها. وبدا أن فرائصه ترتعد، وبأن الأرض تهتز تحت قدميه اهتزازاً. عمد ففتح الباب الخشبي الصغير على مصراعيه. بعد ذلك، أشرع الباب المعدني للمرأب بكامله، فأحدث احتكاكه بالأرض صريراً جارفاً. ثم صعد الى المرسديس، وباشر عملية رجوع بالسيارة الى الخلف. كانت الأنوار الحمراء تضيء مواقع الجدران وأزهار الحديقة. ولمحت سيارة الرونو خمسة جاثمة في مكان قصي من المرأب. ثم إنه نزل من السيارة دون أن يوقف دوران المحرك. و شرع في إطفاء المصابيح وإغلاق الأبواب. فعل ذلك بكل ما أوتي من التمهل والبطء والتوان. وترسخ لدي اليقين بأنه منشغل شديد الانشغال بالتفكير المركز في الحركات التي يقوم بها الواحدة تلو الأخرى. يحسبه الناظر مثقل الكاهل بحمل عظيم. ها هو يصعد الآن مرة ثانية الى المرسديس. أبطأت، ولم تتحرك في الحين. ثم ابتدأت في الادبار، بكل الهدوء، وبكل التمهل، رويداً رويداً. تلقيت في البدء أضواءها الحمراء على مستوى الساقين، ثم مصابيحها مباشرة على مستوى الوجه. أغمضت عيناي، وكادت تند عني صرخة غاصبة. إنني مختبئ وسط أغصان الشجرة. لا أعرف لا كيف ولا لماذا حصل ذلك. وببطء شديد، تحولت عني شيئاً فشيئاً مصابيح السيارة، وشرعت تشمل الطريق بأضوائها المتوهجة. ولقد استغرقت العملية برمتها زمناً طويلاً. بعد ذلك، بدأت أصغي الى السيارة وهي تنعطف الى اليسار، وما لبث ضجيجها أن خفت خفوتاً.

وبدا المنزل خالياً تماماً من أي حس. ثم إني قفزت متجاوزا جدار الحديقة. وبدأت أتقدم كأي لص محترف بكل الحذر في خطوات واسعة. كان الحصى تحت أقدامي لا يكف يصدر أنينه الموجع . وأمر خلف البيت. سادت الظلمة الكالحة، لكنني لبثت أتعود ثقلها الكثيف. ثمة درج خارجي شبيه بالحلزون. وشرعت في الصعود درجة بعد أخرى. ووجدتني في سطح المنزل. كان ثمة باب لم يغلق قمت بدفعه. ووجدتني في قلب الدار. وما لبثت أناملي أن عثرت على قاطع التيار الكهربائي. ولما أضاء النور، تبينت أني في الغرفة العلوية حيث كانا يتواجدان قبل قليل. في حالة ما إذا رجع، سأسمع ضجيج محرك سيارته، دييزل، وسيكون لدي ما يكفيني من الوقت للفرار. سيظن أنه نسي إطفاء النور. إنها غير موجودة في البيت. الغرفة واسعة. وأنا لا أملك فائضا من الوقت حتى أدقق في استعراض التفاصيل المبسوطة حولي. غير أن كل شيء هاهنا يتكلم لغة الثراء والأبهة والنعمة الباذخة. كانت ثمة كذلك مساحات فارغة. وإذا بي أقف إزاء ما يشبه غرفة الاستحمام. هكذا بلا شك تكون الحمامات. زرقاء اللون من أولها الى آخرها. ثم هذه البقعة الكبيرة الحمراء على البلاط، والتي لم يكن بريقها الآسر يقل في لمعانه عن تلك التي تزين مقشدة فيينا....إنها بقعة دم.

ازداد خفقان قلبي واشتدت ضرباته. واجتاحتني رغبة قوية في القيء. يجب أن أغادر هذا المكان على الفور. أغادر من هنا، من حيث دخلت. وما كان مني سوى أن أطلقت ساقيٌ للريح، ووليت هارباً.

في مقشدة فيينا، بعد عدة أيام، انتبهت الى وجود جريدة باللغة الفرنسية فوق الطاولة التي أجلس إليها تركها زبون سابق. ووجدتني وأنا أقلب صفحاتها وجهاً لوجه مع صورتها. من الصحيح أنني لا أعرف أن أقرأ جيداً باللغة الفرنسية، لكنني أستطيع أن أتدبر أمري لكي أفهم . الكتابة تقول: " بحث عن متغيبة ". لم يكن بمقدوري أن أستوعب بقية ما كان مكتوباً بشأن الموضوع. لكن كان ثمة اسمها كاملاً : لطيفة سلاك. وكان المطلوب هو إخطار الشرطة.

ثم إنني عدت من جديد للاختباء تحت شجرة الميموزا. كانت الخادمة وحيدة في البيت. هي امرأة ريفية متقدمة في العمر. وقد لبثت بين الفينة والأخرى تطل من النافذة. كانت الساعة تشير الى الواحدة بعد الزوال. طال انتظاري. لكن، ماذا يا ترى كنت أنتظر ؟ عودة الغزالة ؟ لقد ماتت. أعرف ذلك. قتلها المعلٌم. ثم إنني نزلت من الميموزا بنية الانصراف الى حال سبيلي. لكن المرسديس تنبثق منتصبة الخطم عند مدخل الطريق المسدود. لقد رآني المعلٌم. ضغط على الفرامل، فتوقفت السيارة بقوة شديدة. بينما أنا أطلق ساقيٌ للريح، أجري، وأجري، وأجري، بكل ما أوتيت من قوة. سوف لن يلحق بي. ليس بإمكانه الإمساك بي. فأنا شاطر. أنا شاطر. أنا شاطر.

تم العثور في الساعات الأولى من صباح اليوم، بمحاذاة السكة الحديدية، على بعد ما يقارب أربع كيلومترات عن محطة القطار طنجة – المدينة، على جثة مقطعة بوحشية رهيبة، تبين أنها لطفل، ذكر، في نحو الرابعة عشرة من العمر. ولم يتم، الى حدود الساعة، تحديد هوية الضحية. وعلم أن مصالح الدرك الملكي قد فتحت تحقيقاً في النازلة، وأنها لا تستبعد (مرة أخرى) فرضية حادثة دهس بالقطار.

 

.........................

  •  Jean- Pierre Koffel : L’argent facile. Coté Maroc ( nouvelles). I/VII ( 2004 ). Collection de nouvelles. Editions MARSAM. Rabat. MAROC.

 

 

 

فالح الحجيةاللهُ يَخْـلُــــقُ في الانْســــانِ مَـكْرُمَــــــةً

فيهــا المَفــاخِرُ بالايمـــــــانِ وَالخُـلُـــقُ

.

تَـزْهــو مَغـاني ظِلالِ العَــزْمِ تَرْفَعُـهــا

نـــورٌ تَهـــادى بِعيـــنِ الدّهْــرِ يَنْـفَـلِــقُ

.

حَتّى غَـدى الـــوُدُ يَسْــمو بِهــا قَـــد َراً

مِـنْ بَعْـدِ ما كــادَ في الارْواحِ يَـنْخَـرِقُ

.

عِشْتُ الأماني وَذي الأحْلامِ تُسْــــعِـدُني

هذي الـــوُرودُ وَما بِالقَـلْـــبِ يَـتّسِــــــقُ

.

الشَّــــوْقُ مِنْ أَلَــــــقٍ مازالَ يَغْـمُــرُني

إذْ كُـنْتُ بالحُـبِّ مَجْروحــاً فَـلا أطِــــقُ

.

كُـــلّ الليــالي وَبِالأوْهــــــامِ تَـــرْفِـــدُني

تِلْكَ الحَيـــــاةُ .. فَما للنَّـفْـسِ تَـحْتَــرِقُ !!

.

حَتّى إذا ما ارْتَـوَتْ عَيـْنايَ مِنْ شَــــــجَـنٍ

ذابَ الفُــــــؤادُ وَفــي كُــــلّ لَـــهــا أ رَ قُ

.

شَـعّـتْ شُـموسٌ مِنَ الأنْفـاسِ مَصْدَرُهـــــا

رَ قَّ النّســـــــيمُ بِضَــــوْءٍ كــــــادَ يَأتَـلِـــقُ

.

نــــــورٌ يُؤَجِـــــجُ بالأرواحِ مُـعْـجِـــــــزَة ً

تُحْي النُفــــوسُ وَنَحْوَ المَجْــدِ تَنْـطَلِـــــــقُ

.

شَعّتْ سَـــــناءاً بِحــارُ الشّوْقِ تُسْــــعِـدُني

كَالفُـــلّ تَسْـــــــــنى عَبيـــراً ثُـمّ تَـــنْبَثِـــقُ

.

إنّـــــا لَفــي زَمَـــنٍ ضاعَــــتْ مَحامِــــدُهُ

إذْ طالَما شَـــــرِبَ العَطْشــــانُ ، يَـخْتَـنِـقُ

.

لا خَيْرَفي مَنْ سَــعى بِالشّــرِّ يَقْـدَحُهــــــا

بَعْضُ النّفـــوسَ بِما ســادَتْ لَتَخْتَـلِـــــــقُ

.

تَنْحـــازُ عن جَهَــلٍ تَبْــــــدي طَويّتَهـــــا

أو تَنْـشُـــــدُ الحَــقَّ نِبْراســاً لَهـا طُـــرُقُ

.

بالخَيرِ تَسْــمـــــوعَـلاءاً في مَباهِجِـهــــــا

وَالشّــــــرُّ تَـنْدى لَهُ الأبْـــــدانُ وَالخُلُــــقُ

.

إنّ القُـلــوبَ اذا انْزاحَـــتْ تَعـاسَـتُهـــــــا

ياسَعْـدُ أقْبِــلْ فَنــورُ العـــــدل يَـنْــدَفِـــــق

.

وَالشّمْسُ تُشْــرِقُ وَالأقْمـــارُ ســـــاطِعَــةٌ

وَالأرَضُ مُخْضَــرَّةٌ الاطـــرافِ تَعْـتَلِـــقُ

.

وَاللهِ مـــا فَتِـئَـتْ تَـزْهــــــو مَـراحِـلُهـــــــا

إلاّ لَهــا فــي مَـغــاني السَّـــــعْـدِ مُـنْطَلَـــقُ

.

خَمْسٌ وَسَـــــــبْعونَ تَـجْـري حَيْثُ أحْصُـدُهُ

لِلخَلْــــــقِ زَهْـراً بِـــهِ الإيْمــــانُ يَـرْتَـفِـــقُ

.

كا نَتْ شــموسـا وفي الاداب نشــهـدهــــــا

حَتّى اسْــــتَـنارَتْ بِهــا الأفنـــانُ تَحْـتَـــذَقٍ

.

إنّ الحَيــــــــاةَ صَفــــاءُ الناسِ يُسْــــعِـدُهــا

وَالخَيْــــرُ مَورِدُهــا والأمـْــرُ ما اعْتَـنَـــقـوا

.

أسـعى بِلَيـــلٍ سَــــجى أبْـغي تَـهَجّــــــــدَهُ

واللهَ أنْشُــــدُهُ وَالقـَلْـــــــبُ يَـغْـتَـبِــــــــــقُ

.

حَتّى تَســامَـتْ بِهِ الاطيـــــار حـائِـمَـــــةً

روحـي لِـروحـي مـَعَ الايّـــــامِ نَسْـــتَـبِـقُ

.

مِنّـي الــــــوِدادُ لِـكُلِّ النّـــــاسِ أغْـرُسُــــــهُ

يَعْـلــو أريجـــاً وَبالانْســـــامِ يَأ تَـلــــــــــقُ

.

عا دَتْ بِهـا أمَـلاً في النّـفْـسِ يَسْــعَـدُهـــا

تـَرْقـى الامـاني وَبِـالآمــالِ مـا صَـدَقُــوا

***

الشاعر

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز

 

حسين يوسف الزويدمنذُ أنْ لزَّت خيولُ الشوقِ

في واديكِ والأهاتُ

ما تنفكُّ تجتاحُ المنى،

كأسيرٍ يرفعُ الرايةَ بيضاءَ

ارتضى عمقَ المهاوي

 * *

منذُ أنْ لجَّتْ نياطُ القلبِ

والأشجانُ تثوي

يا لهولِ الهولِ من هذي المثاوي

 * *

منذُ أنْ دارتْ رحى التحنانِ في عينيكِ

حتى صرتِ في قلبيْ

كـ (إينانا) السَّماوي (١)

كلما مرَّت بهذا القلبِ ذكراكِ

أيا فيضَ هيامي

جاءني الضليلُ :

لا نومٌ ولا صحوٌ

لمن كانَ لهذا الوجدِ حاوي

 * *

منذُ ذاكَ المنذُ باتَ القلبُ

مهووساً وموجوعاً

على دربِ المغاوي

 * *

أيهذا القلبُ مهلاَ

فلتكفَّ اللومَ

كمْ كنتَ هزيلَ الرأيِ

في أذنيكَ وقرٌ

رغمَ ما شقّ عناناً في السماواتِ الهوى

كمْ كانَ داوي

 * *

إنَّكَ المسؤولُ عما فاتَ

ذاكَ اليومَ لما كنتَ غُمراً

بالتجاريبِ وفي معنى الهوى

حيثُ التداوي

 * *

كنتَ طفلاً في الربى

تتقنُ أن تقطفَ تفاحاً من الأشجارِ

أو غيماً من الأفقِ

ولكنَّكَ يا قلبُ قصيرُ الكفّ

والبنتُ التي أحببتَها أعلى من النجمةِ

كالزهرةِ كانتْ في الربيعِ الطلقِ

لكنكَ يا القلبُ الذي في الصدرِ ذاوي

 * *

كنتُ أعدو في السماواتِ

كطيرٍ في الأعالي

غيرَ أنَّي عندما

أطلقَ صيادُ القلوبِ / الحبُ سهماً

أصبحَ القلبُ

كعصفورٍ ـ على كفيكِ ـ هاوي.

 

د. حسين يوسف الزويد

.....................

(١) إينانا : هي إله الحب و الجمال في المثولوجيا السومرية وقد أكثر من ذكرها الشاعر الكبير يحيى السماوي في العديد من قصائده الباذخة كرمز لطهر الحب ونقائه.

 

قصي الشيخ عسكرقصص قصيرة جدا،

ومن قصص اللمحة

***

1

عاد ولم يجد نومة السطح بانتظاره.

2

لحظتها أدرك إذ لم يبصر وجهه أن المرآة مثل بقية خلق الله تفقد ذاكرتها.

3

راح يطعن ظهره لئلا يسبقه أحد ومايزال.

4

بالموت هددوه منذ عقود ومازال.

5

ارتفع نسر للشمس لينقض على جرذ.

6

غيّرت الرصاصة آخر ثانية مشوارها.

7

غادرت الغيمة  لمكان ما بلا دموع.

8

غنّى قبل موته لحنا مفعما بالفرح.

9

استبدت به السعادة لدرجة الجنون.

11

أثبت صورته بالماء ونفاها بالمرآة.

12

حلم الخفاش بشمس لاتشرق.

13

فاخر الغراب الليل أنه أكثر سوادا.

14

الموتى كالنبات بحاجة لرعاية وعرضة للآفات تمتم مع نفسه ثمّ نثر الورد في المقبرة ورشّ على القبور الماء.

15

إنها تحب المزاح الثقيل،قال الطفل ذلك حالما خرج من غرفة المرأة الأربعينية وأضاف ظلّت تعصرني بين فخذيها إنها تحبّ المزاح الثقيل.

16

قبل عام ،حين ابتاع بيتا كانت أبواب البيوت في ذلك الزقاق ذات لون بنّيّ،فطلا بازرق لونه الأثير بابه،وبعد عام بدت أبواب البيوت بألوان شتّى.

من قصص اللمحة

البائعة

اعتادت المرأة صاحبة البقالة أن تسألنا ونحن عائدون من المدرسة عن ابنها المعلم كيف يعاملنا وهل يضربنا لأنه لو فعل ذلك معنا نحن أحبابها الصغار لكانت تجعله في البيت يتمدد على السرير فتجلده على رجليه أو إليته مثلما كانت تفعل وهو صغير في سننا. جميع أهل الحارة يعرفونها امرأة تعادل مائة رجل تعتمد على نفسها بقيت في بقالية زوجها بعد وفاته ولم تقبل أن تعتاش من راتب ابنها معلم مدرستنا.كنا نرتاح لحديثها ونحن نتوقف عند بقالتها في أثناء عودتنا من المدرسة فتستمع إليها وهي تقلب العالم لنا رأسا على عقب إذ المفروض أن يسألنا الآخرون عن رأي المعلم فينا لا عن رأينا فيه .

والحق لم نكن نشعر بالخوف إلا يوم ماتت ... رحنا نسأل أنفسنا ونحن نمر من أمام البقالة المغلقة : هل ييّر المعلم طبعه بعد وفاة أمه؟

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها :

روحي

تحومُ حولَ مرافئِ النُّجومِ

تسألُ الأُفقَ

عنِ العشقِ

كيف يستوي على نارِ المسافةِ

وجمرِ الزَّمن

**

يا وجعَ الأوردة

حين يفيضُ فيها

عشقٌ

كأنَّه الرُّؤى

فتترجرجُ النَّارُ

في مرايا القناديل

ويَضيقُ على حدِّ شفتي

المدى

**

أعبرُ الأحلامَ

وحيداً

فتأتيني أُنثى الجليدِ

وجهاً بلا ملامح

كأنَّها نجمةٌ خرجتْ

كالجنونِ

من زُهرةِ السَّماءِ

واتَّخذتْ من روحي

وطن

**

سمائي التي تزدحمُ

بالنُّجومِ التي انشقَّتْ

عن ثورةِ روحكِ

تلتوي كالطَّريقِ

إلى الشَّيطان

فتعجُّ الرُّوحُ

بالضَّباب

وتنحني المسافةُ

على صدرِ الآه

فتدمعُ عيني

ويسجدُ في خاطري

البُكاء !

***

د.عاطف الدرابسة

 

فلاح الشابندررسالةٌ

 إلى..... حتفِهِا..

قصاصةُ يومٍ

ألرملةُ ثقيلةٌ.... ثقيلةُ جداً

 إلا على ظهِر

ألريح...؟؟

**

جاءَ بما ..... استطاع َ

أن يودع صدى ...

لفح َزفيره ِفي ألضباب

فأشتعل.....

فغابت ْ....

كلها ألأبعاد

***

فلاح الشابندر

 

جواد غلومأيتها الليالي الحمرُ

ما الذي أبقاكنَّ نائماتٍ جنب وسائِدِنا

تنثرْنَ الأقاحي على أنفاسِنا

تفرشْنَ الزّغَبَ في بساط جسَدينا

ما زال القزُّ في شرنقة اللذّة

وفورة الحرير تتلوّى في محبسِها

لمّا تتحررْ بعد

وخبايا التوت لم تحمرّ حباتُها

مازال " الأوركيد " لم يزهر

أكادُ أتضوّر شهوةً

متى أرتقي صهوةَ فحولتي ؟

أعيش دوري كفارسِ أحلامٍ

مترعٍ بالزهو ؛ مكسوٍّ بالخيلاء

خاطفاً أنوثة حواء المشتعلة بالآثام

عمِّدِيني عاشقتي ، أنا رِجْسُك الشّهيُّ

أنا نِعْـمَ الاسمُ غير الفسوقُ

حينها سأغتسلُ بالطّهْر

أتوضّأُ بالحياء

أتزيَّنُ بالتوبة

نابذاً الكلماتِ النابية

واللعناتِ البذيئة

والشتائمَ الرخيصة

ودبقَ العهْر

واللسانَ السليط

أتعلّم حسْنَ التلوّن بمعسول الكلام

أتصنّعُ البكاء

حتى يندى جبيني بالاستحياء

***

جواد غلوم

 

سيروان ياملكيفي أُمسيةٍ شعريةْ..

قاطعَني رجلٌ وأنا أقرأُ أبياتاً

أُعلنُ فيها حُرقَةَ قلبي

وأقولْ:

أن اللهَ بكى وطني

فعشقتُهُ حينَ بكى لبُكائي..

قلْقَلَ وتملْمَلَ

بسْمَلَ حوْقَلَ وتعوَّذَ

قامَ من المقعدِ..

وبحِنقَةِ قلبٍ قالْ:

أو ما تخشى غضبَ اللهِ عليكْ؟!

فأجبتُهُ مُبتسماً:

أنتَ العبدُ المملوكُ

وأنا العاشِقُ يا هذا

فأخافُ اللهَ على ماذا؟!

***

سيروان ياملكي

فانكوفر 14/7/2014

ديوان (مَن يمنع البحر!)

 

عبد الزهرة شباريإليها وحدها!!

بعد المسار فأعيني لا تبصرُ

وطوى النهار إزاره ...

وتبددت أنواره نحو الظلام،

فأوجس النائي يريد المعبرُ .

فوددت لو أن العيون ..

مراكب لا تبحرُ،

أواهُ ....

كم برحت عيونك  ...

تقتفي الأسرار والأخبار ...

والأشعار لا كلّتْ ولا ملّتْ ..

ولا أدمى بها السهرُ،

يا زهرتي وبيان تلك قصائدي

هذي العيون الناعسات المطفآت،

كما الشوارع إذْ مادت فراقدها ..

بليلٍ أجدرُ،

كفي الملام حبيبتي ..

فاللوم في غسق الليالي ..

الحالكات يكدرُ .

كفي عتابي زهرتي

ففي عتابك أدمعي أضحت ..

دماءٌ تقطرُ،

هبّي على جسدي النحيل ..

نسائماً،

فيها عبيراً من ودادك ...

 يزهرُ،

الله ما أحلّى وداد الخافقين ..

بصمت عند ليلك وهو يمسي مقمرُ .

جفّتْ عيوني الصامتات الساهرات ...

واصبحتْ حيرى حبيسةِ  ..

شدوك المتحيرُ .

ما بالها عين الوداد شحيحة ..

لا تمطرُ،

هي أدركت عمق الفراق ..

بلا لقاءٍ بيننا ..

فأوجستْ تيها حيالك تفخرُ،

لمّي وريقاتي ونفحة أسطري ..

لمّي صباحات تناثر زهرها ..

وبدتْ تلوك قصائدي وعقاربي ..

الولهى لوصلكِ معبرُ،

بيّ صرخةٌ تدمي الفؤاد ..

فيا لها من صرخةٍ

حتى الحديد تفجرُ،

تدوي بطياتِ الضلوع ..

وبالحشاشةِ تنخرُ،

هاك  اليراع حبيبتي..

وهاكِ بلسمُ عنبري،

تالله أمسى عبيراً في ..

مسارك يقطرُ .

فبقيتُ أحدو في مواويل الهوى ..

وبالملامة أسهرُ،

لمّي الوصال حبيبتي ..

ها بتُ أمسي في غيابكِ أفقرُ،

وألوك بعض قصائدي ..

فلعلها تفضي بليلٍ سامقٍ

أشكو إليك مغاولي ومكابدي ...

علّ العتاب حبيبتي ..

هو أجدرُ،

فكسرتُ عكازي الذي أحبو به ..

فهو الدليلُ على سلامة

مصدري،

وهو الأسى الدامي لقلبٍ

تاه في وهد الصحارى ..

يبحث في هجير الرمل ..

وهو ظامئ يسعرُ .

تالله أفنيت القوافي كلها

فلعل في شدو القصائدِ ...

أحبرُ،

فلك الوداد حبيبتي ..

وقصائدي الولهى التي ..

أضحت لوصلك تهدرُ  !!

ولك شوقي وشدوي عند ...

عند ذاك الليل ...

في ذاك السكون المقمر  !!

***

عبد الزهرة الشباري

في البصــــــــــــــــ3/2/2018ـــرة

عبد اللطيف الصافي- ستار -

يفتح الستار

يظهر المهرج الوديع

يمشي مكبا على وجهه

كذئب صريع

ينهار الجدار

الرابع

يصفق الجمهور الرائع

و يسدل الستار

**

- نافذة -

شجر كثيف

يرتق شقوق النافذة

يد نافذة

تفقأ عيني رجل كفيف

**

- أمرأة -

امرأة تلامس السبعين

على مهل

تكشف للمرآة

عن خصرها المهلهل

ولا تخجل

**

- تلاشي -

يغالبني الشوق

والهذيان.

أمامي طيف امرأة

في قعر فنجان.

أجثو لأقبلها،

تتلاشى أمامي هاربة،

كخيط دخان.

**

- قبلة عابرة-

تفر مني أصابعي،

حين تلامس نبضك.

تذوي يدي،

حين أطوق خصرك.

تسألينني بنظرة ماكرة :

هل تأذيت ؟

ثم تعطيني قبلة عابرة.

**

- صدى نباح-

على غير هدى

تسير القافلة

خلفها

بعض السابلة

تزين صدورهم

ازهار ذابلة

من بعيد

يسمع صدى

نباح كلبة حابلة

**

عبد اللطيف الصافي : كلميم/ المغرب

 

محمد المهديمُسْرج كالرّيح،

تُسامِقُ الطّودَ..

تُلامِسُ أديم الأفق،

وفي يدكَ قَصفَة من أفلاك ونجوم .

يَمضي ماضيكَ،

حَسيرا وجريحا .

بالذكريات مُثقلٌ كأحلام العشاق.

ويأبى حاضركَ الحضورَ ..

بين الأمس والآتي عَوان،

قد أعجبه السّديم ..

وكلما راحت الرّيح،

وأسلمَت مفاتيح الفجر،

إلى طلاىع الربيع،

تهاوى إلاهُكَ خلف المساءات الكليلة ..

يُواري سوءة الزّمن المُتّشِحِ بالعروبة،

ويُرَتّقُ ما تَفَتَّقَ من مَتْن الحكاية،

وما سَقَطَ  من عِقْدِ الكلام .

وإذا ما هَلّ الهَجيرُ،

و أَوْقَدَ نارَ الفتنة،

وسَرى في أوصالِه شَغَفُ الدّم الأحمر،

نزعَتْ أمّي عن الكلام سناء البوح،

ولَوّحت بمنديلها في وجه الطّوفان .

وأسمَعَتْ صُراخَها الهامات المَوات..

لعلّ أجداثَ الغابرين تَهْوي إلى خَرابنا.

وتشهَدُ على نَسل الخريف ..

ثم تُغادرنا وقد ضَيّعْنا مَضَارِبَنا،

وأحرقنا مُروءتنا،

وَأَوْدَعْنا تاريخنا مزابل الغابرين .

***

محمد المهدي - المغرب

 

انعام كمونةتهاليل شمس مشرئبة النوى بأسى اللوعة الذاوية الأنفاس وفلول الاشتياق. ندى اغتراب  منهمرة الدموع من شرفات ربوة الرؤية، تنازع بلوى أشواط الوداع المكلومة العطش. تهرول بشذرات الروح حنينا، تباهل جسد الصبر هلاهل هاشمية الفجيعة تنادي: يااااجداه .. يااااجداه قد أُسبُل لجام سيفك وتَهشَمَ زُبر ضلوع التسابيح، وتفطر فؤاد ريحانة أحضانك سنام ملح على ظهر العلقم، فانقصم فقار الكواكب منار فج عميق باشتعال سنابك الدجى ركضة أعوجية السرادق، ها قد فاح شجى الوعد قربانا يسري لسدرة الخلود ياقوتا أحمر السنا مراقا، من نحر القُبل، توضأ دمه طوفان المدى فأرتقى صلوات فجر بمحراب وديعة ذااااابلة التهجد، وسبط أريج النبوءة ملأ قرطاس النور منذ سر ضفيرة القلم بأتراب عجينة آدم، قد اِندسَّ الظمأ صلاة هجير فغيض منبر التعبير وفيض شفاه الترتيل على رماح سكنت أوزارهم تيارات ذرائع يغشاهم ضجيج أشعث التناسل بلا شُربة غد، فكيف لا تميد دموع الأرضون في تخوم صفعات رحى الخجل.. ؟؟.

 

إنعام كمونة

15 /9 /2019 ...