زكية المرموقالذين يدخلون النارَ

بقوارب ماءٍ

الذين يلمسون السحابَ

بطائراتٍ ورقية

الذين يحشون ثقوبَ السقفِ

بالغيمِ

ويختبئون تحت الأسرّةِ

كلّما تلعثم في حلقِ الخطى

الطريقُ

الذين يدخلون الضبابَ

ولا يعودون من نقطة التفتيشِ

إلا بجثثِهم

الذين ينامون في مِحبرةٍ

كلّما ضاقَ الكلامُ

الذين كلّما تهدّلَ الجدارُ

غرسوا مساميرَ في دمِهم ..

مساميرَ أكثر

كي لا تتلاشى في زحام الصمتِ

  صورُ الحبيبِ

الذين يحتطبون رمادَهم

كلّما الوسادةُ تيبستْ

في الغيابِ

الذين ما تعبوا من التلويحِ

للبعيدِ ..

والخرائطُ مقفلة

الذين يراودونَ العشبَ

قبل أنْ يتغضنَ الماءُ

الذين يحتفظون بالمفاتيحِ

وهم يعرفون ..

أن الأبوابَ قد سُرقتْ

الذين يتركون عكازهم

على عتبةِ الغيبِ

كلّما ودعتهم الحياة

الذين يستدلون عليهم

بالجرحِ

كلّما نامتِ الحربُ

في عيونِهم

وهي مطمئنة على رعاياها

أقولُ :

الغابةُ أولُها شجرة

فاترك يسراكَ نكاية بالكراسي

تصافحُ يمناكَ

ربما تُفقسُ بينهما

الأحلامُ !

***

زكية المرموق

فاس / المغرب

عبد الزهرة شباريأحبك في ربى عينيكِ قافيتي

            وفي فيروزكِ العاجيِّ أشعاري

 أحبكِ ما علَّى قلبي شجوناً

              وما أفنت سنوني من غماري

 أعوم البحر ضمأناً ويهمي

               رفيف الدمع من عينِ النهارِ

 إذا ما حرَّكتْ أشجانكِ ولَجَتْ

               بي الآهات في حقلي استعار

 أولي شطرَ بوحي واشتياقي

               ويعروني التكلف في المسارِ

شدا قلبي سنيناً في هواكِ

              وما في القلبِ غيرُكِ والوقارِ

كتمتُ الحبُ في قلبي فماسَتْ

                  سنّيَ العمرُ شيباً في عثارِ

فما أدري سليمى تبكي شوقاً

                        أم الأُيامُ تُنبئ بالدمارِ

              **

أحبكِ ما علا شدوي أنيناً

               بهِ موتي وتعجيلُ احتضاري

 فيا شدوي تعالي واحتويني

        وميسي الزهرُ من خضراءِ داري

 فأنتِ جلَّ قافيتي  وبوحي

              وأنتِ الشعرَ في بركانِ ناري

 إذا عوفتي ما الآهات ضيرٌ

                  ولا لا في هيامي من بوارِ

 لأنكِ بلسمي وبكِ أعافى

                   وأهات الليالي في دثاري

 وأنت الأرضُ والوطن المعلى

               وأنتِ السيفُ في غمدِ النهارِ

 فيا دفئي ودفء الأولينا

                تغنى فيكِ من همُّ  افتخاري

 لأنكِ جنةُ الله بأرضهِ

                 وأنكِ بابَ حطةَ في المزارِ

 بك الأنامُ تفترشُ الأماسي

                ويغمرها الحنانُ وفي حوارِ

 ويمسي الوافدون إليكِ زهوا

                ويحدوها على الشطِ السمارِ

**

فأين النخلِ والشجرِ المعلّى

                  وأينَ التمرِ يا شدو الهزارِ

 ثوى حزناً يناجي الملحُ يوماً

                     ويوماً يبكي أيامُ الدمارِ

 تنقينا جموعُ الحبُ شوقاً

              ويحدونا انتصاراً في أنتصارِ

 هبيِّ أن الطغاةَ غزوكِ ظلماً

               فأين المجدِ يا عزَّ الصواري

 وأينَ المرهفاتِ لأهلِ مجدٍ

             تسطرها الأصولُ على الفخار

فيا لهفِ الديارُ بدتْ ضباباً

                   مشت فيها عرابيد البوارِ

 وكادتْ تمحو الأثارُ فيها

               وتنشرُ في أزقتها الضواري

 ولكن غرسكِ المغوارُ لبّى

                هتافُكِ يا حبيبتي في الإزار

 هنيئاً أن يزفَ النخلُ عرساً

                 يصافحكِ على غيرِ انتظار

 وأن يسمو مقامُكِ للثريّا

                 ويندحرُ البغاةُ على احتقار

**

فيا شعبي عهدتكَ في المنايا

                  مغاويرا وحشداً في القفارِ

صدورا عرّكتها أسدُ قفرٍ

               لها صولات من دون افتخار

فهذي بصرة الأمجاد تشكو

                  عرابيدا سعت في كلِ دارِ

فهبوا حول ناصية المعالي

               وميروا في سواعدكم لناري

أرى شدو النخيل كموجِ رعدٍ

                   يصفقُ ساحراً عزَّ الديارِ

               ***

عبد الزهرة الشباري

في البص5/12/2018رة

 

محمد ايت علوأنا الرَّذاذُ! أنا الشَّبحُ! أنا الرِّيحُ، أنا القِناعُ! أَنَا لاأَحَدْ...! فكيفَ يسقطُ الصُّبْحُ حزيناً مُنْكَسِراً؟ كيف ينْضُجُ الحزْنُ المغْبونُ في بكاءِ القَلْبِ؟! وكيفَ تُورِقُ الهمومُ في الضُّلوعِ والورق...؟ يقولُ الممَثِّلُ وهو يجرِي منَ اليمينِ إلى اليَسارِ على خشبةِ المسرَحِ، مسحتُ زجاجة نظارتي، لم أستَطِعْ أن أتبيَّنَ شيئاً، شيءٌ ما كان يتحرَّكُ في ذلك السَّوادِ أو هكذا بَدَا لي، ربما شبحٌ أو صَحْنٌ طائرٌ، والممثِّلُ لا زال يصيحُ: كيفَ يسقطُ الصُّبْحُ؟كيفَ ينضجُ الحزْنُ؟ ويهروِلُ بينَ جنباتِ الخشَبةِ...رفعتُ يديَّ أُشيرُ إليهِ، لكنَّه لم ينتَبِهْ، رفعتُ يديَّ مرةً أخرى وأنا أصيحُ لأَجْذِبَ انتباهَهُ، وفي تلك اللحظةِ انفجرَ الممثِّلُ وغاصَتِ القاعةُ في القهقهةِ..التَفَتْتُ،..لم يكنْ هناكَ أحد، فقد مضى وقتٌ طويلٌ ولم يحضر أحد، في وسط الخشبةِ صنادبق وكراسي خشبية متعانقةٌ، وفي أقصى اليمين أعمدةٌ وإطارات أفقية تشبهُ السِّجْنَ، وأثوابٌ وأقمشةٌ مدلاة، وأقنعةٌ مختلفةُ الأحجامِ والملامح، والممثلُ لا زال يجري من اليمينِ إِلى  اليسار ويصيحُ، ثم سرعان ما اشتعلت ملابسهُ ناراً من الأسفلِ رافعاً وَمُمَدِّداً يديهِ كأنَّهُ يحاولُ الطَّيرَان، يحرِّكُهُما عابثاً نحوَ الأعلى وأجنحة الريش على طول اليدينِ والدِّراعيْنِ لاتصفق، ولا أحدَ هُنا غيري يصفِّقُ، والممثلُ المسْعُورُ وحدَهُ يَصيحُ، يقفُ ويسقُطُ، دائم الصِّراعِ بين الأحاسيس والنيران في  ذيلِ دثارهِ لا زالت مشتعلة، لعلَّها إحدى الخُدَعِ التمثيلية، فهو لم يحترِقْ ولم يمتْ لحدِّ الساعة وقد مضى وقتٌ طويلٌ، أو هكذا توهَّمْتُ، يقفُ بصعوبةٍ يتمايَلُ ويترَنَّحُ يميناً وشمالاً، يوشِكُ أنْ يقَعَ على الركخِ، يقتربُ قليلاً منَ الوسَطِ، ينكشفُ الوَجْهُ الغضوبُ عن فجاءة الفرح المصنوعِ وراءَ القناعِ، ثم يردِّدُ: أنا الرَّذاذُ! أنا الشَّبَحُ! أنا الرِّيحُ، أنا القِناعُ! أَنَا لا أَحَد...!

وقبلَ أن تُرفَعَ السِّتارَةُ، انزَوَيْتُ في رُكْنٍ قَصِيٍّ، جِسْمِي يرفُضُ الاستمرارَ في الشُّرودِ، حتى ظهَرَ الممَثِّلُ، لكن هذهِ المرة كان يضعُ رأسَهُ وسطَ مِشْنَقةٍ، وفي الأسفلِ بقايا رمادٍ، وبدَا المنْظَرُ برُمَّتِه متعدِّداً من خلالِ المرايا الَّتي عكَسَتْهُ والمبتوثةُ وراءَهُ، ثم صاحَ: أين هذا الزيف، أين يختبئ؟ أين هذه الأنا؟ وجسدُ من هذا؟ ومن هذه الرُّوحُ التي تسكُنهُ؟ أروحٌ خيِّرَةٌ أم شرِّيرة؟ اخرجُوا من أقنِعَتِكُم! ثم ما لبثَ أنِ انكفأَ على إحدى المرايا محتضِناً خيالَهُ الَّذي ضَمَّهُ وانزلَقَ، وأنا ما زِلْتُ مُنزَوياً في رُكْني القَصِيِّ..، لم أرَ الممثِّلَ ولا نِصْفَه، السَّوادُ هو السواد، فلم أكن قد حملتُ معي نظَّارتي، وكأنَّني كنتُ أعرفُ مُسْبَقاً بأنني لن أرَ شيئاً مما قد يُبْهِجُني، الممثلُ لا زالَ ساقطاً، والأوراقُ تبعثَرَتْ في كلِّ جنباتِ القاعةِ، وتحتَ أَرْجُلِ الكَراسي الفارغَةِ، الفصلُ الأَوَّلُ الَّذِي لم أَحْضُرْهُ تقريباً، والفصولُ الأخْرَى الَّتي انْقَطَع فيها التيارُ الكهربائي وغابَتْ فيها الإنارةُ بكافَّةِ ألوانها وفُصولها، والظلامُ أيضاً اكتَسَحَ القاعة، والمشاهدُ والمسامِعُ انفلتَت وضاعَ النص بينَ الأَرْجُلِ، والممثِّلُ الوَحيدُ ما زالَ ساقطاً على الخشَبَةِ حتى الآنَ!! الأوراقُ لا عَدَّ لها، لا بداية لها ولا نهاية، ولم تكن مرقَّمَةٌ أو متسلسلة، ثم هَا أنَذَا أراكمها واضعاً بعضَها فوقَ بعض،  فجأةً يقفُ الممثِّلُ ويَصيحُ: تحرَّكُوا إن هذا العالمَ الَّذي تتواجَدونَ فيهِ يتعذَّبُ في جُلِّ بِقاعِهِ، وإلاَّ فالأخطاءُ ستستمِرُّ حتى فوقَ هذهِ الخشبة، ولا أحدَ سيحرِّكُ منكُم ساكناً! ولَنْ تتلَذَّذُوا بِعَذابي! ولَنْ أُسَلِّيكُمْ أو أقدِّم لكم أيَّةَ فُرجَةٍ بعدَ اليومِ! وسأصيرُ هَشيماً وتَذْرُوني الرِّياحُ، وسَتَخْرُجونَ إلى مُعْتَركِ الحياةِ رغماً عنكُم لِتَرَوُا الحقيقَةَ وتَسْتَنْجِدُون! هيَّا تحرَّكُوا ألا تحُسُّون، فالموتُ واحدٌ والحرباءُ تنتَظِر!! ثم يصيحُ أنا الرَّذاذُ! أنا الشَّبَحُ! أنا الرِّيحُ، أَنَا لا أَحَد...! سَأَتَبَخَّرُ إِنْ لَمْ تَتَحَرَّكُو، أنا النَّارُ في الهشيمِ حتى تَتَحرَّكُوا لوَقْفِ هذا النزيفِ، أنا الرَّذاذُ! أنا الشَّبَحُ! أنا الرِّيحُ، أنا القِناعُ، أنا الرِّيحُ الًّتي ستُغَيِّرُ قُبْحَ هَذَا العالم!!

***

محمد ايت علو

 

نور الدين صمودالإهداء: إلى كل رؤساء الشعوب،

الراكضين نحو القصور.

* **

سيدي الشعبُ قـُلْ لكل رئيـس ِ**** سـوف يأتي من بعـد هذا الرئيس:

"لا تحـاولْ تمطيـط فـَترةِ حكـْمٍ***** تحْـتَ سيـفِ القانـونِ بالتدلـيس

أو بـِحـزبٍ يَظـَلُّ يُصْـدِرُ أمرًا *****هـو أقـسَى مِنْ سَـطـوة البوليس ِ

ثم تـبْـغي توريثَ عرشِـكَ لابنٍ**** لِـيَسـوسَ الحِمَى بـرأْيٍ خَـسيس ِ

نحن جيلُ الأحرارِ نرفـُضُ عيْـشًا* يُصبـحُ الشعـبُ فيه مثلَ الحبيس ِ"

                                * *ب* *

سيدي الشعبُ قـل لهذا المُحَكَّـمْ*: "باشِـرِ الحكمَ في الملايينِ، واعْلـَمْ..

أن هـذا الكُـرسيَّ للشـعـبِ، لكنْ*** قد رأى الشعب أن تكـونَ المُـقـدَّمْ

وهْـو لـو دام للـذي كـان قـَبْلا******* لم تـنلـْهُ ولم تكـُنْ فيه تحْـكـُمْ"

فلـْتـَسِرْ بالقوانيـن والعـدلِ فـيهِ**** كي تكون الشَّهْمَ العظـيمَ المكـرَّمْ

أنتَ مِنـّا ولـسـت أعـظمَ مـنـّا***** إنـما الشعبُ مَنْ دعاك المُعَـظـَّمْ".

                                    **ج**

 سيدي الشعبُ هذه الأرض جَنَّهْ****وهْـيَ من خالـق السمواتِ مِنـَّهْ

قد حـماها أجـدادنا مـن قـديـمٍ****** يـوم كانوا لها سِـلاحا وجُنـَّهْ

وحَمَـْوا بالجهـاد أرضًـا وعِرْضًا* فهْـو فرضٌ على الحمى ليس سُنَّهْ

نحن سُـورٌ لـهُ حَـفِـظـناهُ دَوْما***** وسنـبقَى نـَفـْدِيه في كل محنـهْ

فاحفـَظـوه مـدى الحياة وكونـوا******* أبَـد الدهـر سَيفـَهُ ومِجَنـَّهْ

                              * *د* *

سيدي الشعبُ قـدِّسِ ِالأوطانَا *******إنـَّها جَـنـَّة ُالخُـلـود مـكانَا

تـَفـْـتِــنُ الزائرين مـن كل صوبِ* فهْي للحـسـن أصبحتْ عنـوانا

قد شربنا مياهها مُــذ ْخُـلِـقـْنا ********وأكـلـنـا ثِـمـارها ألـْوانـا

ونـَهَـلنا حَـنـانـها، فـهْـي أمٌّ *****قد رضـعـنا من ثـديـها الألبانا

وحـبـانا بـها إلهُ البـرايـا***** فاحفظـوها ولـْتحمِدوا مَنْ حَبانا!.

***

أ. د :نورالدين صمود

 

1103 ابراهيم الخياطالى روح صديقي الراحل:

 الشاعر ابراهيم الخياط

***

ماكنت أرثيك لولا زاد بي ألمي

                       واستوحش الذكر في عليائه بفمي

كم لي من الطيب في ذا الذكر مفخرة

                            ثوت لمثواك حتى تهت بالكلم

هذا صباح به ندب يؤرقني

                     قد ألهب النبض في قلبي وفي قلمي

ياسائرا في الليالي بين ظلمتها

                          قد أطفئت شعلة سعيا الى الظلم

كم طاب لي فيك اطياب ومكرمة

                         والكل يعرف نبع الطيب والكرم

نم يا ابا احمد فالخيل قادمة

                       من حيث انت فلن تنزل من القمم

تبقى المكارم مرفوع علائمها

                           وقد جزيت وقد جازوك بالعدم

قد اسقطوا راية للعز شامخة

                            ياويلهم انهم قد اسقطوا علمي

كم عاهدوك ولم تامن لعهدتهم

                           حتى تعبت ولم يجزوك بالذمم

هم نازعوك ولم ياسوا لما فعلوا

                         اذ مرغوا جسدا بالترب والرمم

يانائح الطلح اشباه الرجال سمت

                         لتنزع العرش ممن صمته المي

عاثت باجيالنا ارجاس امتنا

                       لترتضي الذل مصحوبا مع السقم

قد اقبل الليل ماللصبح وااسفى

                         لا ينزل الضوء ميالا الى الهرم

تابى المروءات ان تاتيك نادمة

                            لتسقط النسر مذبوحا بغير دم 

ماللرزايا وقد ازرت بنا وجعا

                              ومزقتنا ولم نسجد الى صنم 

لا يستقيم لنا صرح الحياة اذا

                        لم يقطع النصل مايدميه من ورم

تابى المروءات ان تصبو مقنعة

                           لكل ما يعمل الاذناب من جرم

قدمت للارض عز النفس مؤتمنا

                             ولم تكن ترتضي ذلا بمحتدم

بغضا اضاعوا طريق الحق حين سرت

                          اصواتنا في طريق الحق بالنغم

تبقى النسور وان ضاعت مواطئها

                          بالعز تعلو ولن تبقى على الندم

فليسمعوا صوتنا يابؤس موعدهم

                       فقد اصيبوا بداء الصمت والصمم

***

جاسم العبيدي

 

 

صالح موسى الطائيبسِحر ِ عيون ِ وأجنحة العصافير

وبزقزقة الروح في باحة القلب

وبقوة مجنون ٍ خجول

كنتُ أحلمُ يوما ً

أن أمسِك هذا الزمن الفاسد

وأحرُقه على أنفاس الامهات اللواتي

اغتصبَ حليبهن التراب

وبعدَ خمسين عاما ً

وخمسين حلما ً

وجدتني فتاتاً يابساً

أتآكلُ  تحت مَناقير الغربان...

تحت هذي اللحى الدبلوماسية

والخنازير الديمقراطية

والذئاب المتحدة التي

ضَيّعتني

ومَزّقت ْ أهلي وصباحي

بالمخالب والأنياب الرباعية

والسداسية الدفع والنهش ِ

وبالشبق الديني...

بالجيران العاهر ِ

بالنفط المخلوط ِ

بدماء الاطفال

حيث لا شيَ في المدينة

غير حفيف الموت

والأنين والإنتظار

حتى هرب الليل من

هذا السواد

ومن طوفان الجثث

حينها ضِقتُ ذرعا ً

ولطما ً

وصمتاً

وبكاءً

حين رأيت (الحسين)

ينفض القبر والدنيا لاطما

وهو يردد:

(أبدْ والله ما ننسى عراقاه)

أبَدْ والله ما ننسى أبدْ

أبدْ والله

أبد والله.......

***

صالح الطائي

صحيفة المثقفمطفأة الوعود

كساعة صدئت أميالها

حلقتُ غدائر الغضب

عن كرتي الأرضية

ناءت الأكتاف تحملها

وأزمعتُ النكوص الى مرج الطفولة

حيث عطر رائحة الحليب

                            تهز خدري

وتلتف الغلائل مثل خيمة

لتحرس أنفاسي

 وتمنعني الغرق

وجهي كقطعة حلوى

وفستاني المطرّز يحتويني

وراحي مثل وردة

غفت فوق اللحاف بلا منازع

وهامت أمي ظلاً

       على مهدي المغلّف بالأماني

وسحر المغرب المعطور

                 زجاجاً تاه صانعه

هدرت  على شجر الحديقة

نحلةٌ عاملة ْ

يذوب من فمها الرحيق

وأكواز السكر الملفوف بالأزرق

تحيط المهد

            مثل سياجنا المزهو بالأفراح

لون قلائد البرق في فستان امّي

ذات تعدد الأولاد

هزّها جذل الانوثة

زغرد ابنها الثاني يقبل خدها

وتكتف الأكبر البسام في دعة

يقرأ الفرح المكتوم في الأهداب

وتنتصر الرزانةْ

حسنا يا اُم ... أبعدك الزمان ولم تري غرق السفينة

حسنا يا اُم ... أخليت المكان ولم تري من في السفينة

حسنا يا اُم

مطفأة الوعود أنا

كالسنابل

يروّعها المطر

قبيل أيام الحصاد

ما عاد في جسري نوابض

لا أنا ....... حسب

         بل كل اُنثى

               - في بلادي -

                                  أو ذكر

                                   ***

سمية العبيدي  

 

نادية المحمداويأعرف أن الخريفَ

ندىً ملائكيٌ

تجيءُ بهِ الفصولُ منذُ الأزلْ.

وأعرفُ أن روحي كلما

يجيءُ الخريفْ

يتملكها شعورٌ بالرضا

يأخذني إلى عوالمَ رائعةْ.

البردُ المباغتُ، ينسلُ تحتَ

رداءِ الليلِ قشعريرةً وحلمْ.

انثرهُ بوجهِ الفلاةِ سحاباً ماطراً

وحقولاً من العشبِ والكمأ.

قبل موسِم الخريفِ

الأشياءُ حولي لم تكن

حقيقةٌ ماثلةْ.

الطرقاتُ والأشجارُ والموسيقى.

البردُ والشمسُ وطيرُ الماءِ

في البراري البعيدةِ

والترابُ الموشى بطعمِ

أبجدياتِ الجنوبْ.

والنسوةُ الذاهباتُ قبيلَ الفجرِ

كلَّ يومٍ

ينشدنَ سوقَ المدينةِ

حتى صلاتي ونسكي، تختلف الآنَ

عما الفتهُ قبلَ مجيءِ خريفْ.

***

نادية المحمداوي

 

جميل حسين الساعديأوّاهُ مِـنْ هــذي الليالــــي الجاحـــــدهْ

كمْ أخلفـــــتْ مِنْ قبْلُ ما هيَ واعـــدهْ

 

الأمنيـــاتُ هجرتهــــــــا لمّـــــا بَدتْ

كالوهْــــمِ واستثنيتُ منها واحـــــــدهْ

 

هـــيَ أنْ أضمّــــكِ عند لقيانــا إلـــى

صدري لألْمسَ فيـــهِ عطْــفَ الوالدهْ

 

قدْ كـــانَ لِي أمــــلٌ بأنّــا نلتقـــــــي

يومــاً وتجتمـــعُ الخطـــى المتباعدهْ

 

لكـــنْ رحلتِ فأيُّ شــيءٍ يُرتجــــى

مِنْ عالـــمٍ فانٍ ودنيــــــا بائــــــــدهْ

 

ما كان َهــــــذا بالفــراقِ وإنّمـــــــا

هذا رحيـــلٌ لسـتِ منـــــهُ عائــــدهْ

 

هــدأتْ جراحـــاتي زمـــــاناً بعدما

عالجــتُ بالصبــرِ الهمــومَ الوافدهْ

 

لكـــنْ بموتــكِ عادَ همّــــي كُلـــــهُ

واستيقظتْ فــيِّ الجروحُ الراقـــــدهْ

 

والصبــرُ فارقني ونادمنـــي الأسى

وتفجّـرتْ دمعــا ً عيـــوني الجامدهْ

 

لا تحسبـي حزني عليكِ سينتهــــي

أوْ تنقضـي  حســراتيَ المتصاعدهْ

 

ما زلتُ أذكرُ تلكـــمُ الأيّــــــــامَ إذْ

ألقــاكِ فجــراً في خشــــوعٍ ساجدهْ

 

إنْ غِبتِ عنّـــي في الترابِ فإنّمـــا

فــي القلب صورتكِ البهيّــة خالـدهْ

 

يا مــنْ معاني الطُهْـرِ فيها جُسّـدتْ

إنّـــي لاقســــمُ والتجـــاربُ شاهدهْ

 

لو فتّشَ الإنســـانُ يومــا ً لـمْ يجــدْ

قلبا ً حنـــــونا ً مثلَ قلب الوالـــــدهْ

***

جميل حسين الســاعدي

..............................

(1): هذه القصيدة أكملتها البارحة حين بلغني خبر وفاة الوالدة حيث كتبت سبعة أبيات منها في رثاء أم أحد الأصدقاء منذ سنين تلبية لرغبته أن أكتب له أبياتا تعبر عن مشاعره تجاه والدته وقلت له وقتها: هذه الأبيات ستنقش كذلك على قبر أمي بعد أن أضيف إليها أبياتا أخرى.

 

قصي الشيخ عسكرانفرج الستار، وكان المسرح خاليا، انتظر الجمهور، غير أنّ وقتا غير قصير مرّ ولم يظهر الممثلون. كل ماوقعت عليه الأعين عرش ذهبي يتوسط خشبة المسرح.

أخيرا أطلّ المخرج، رجل بدين قصير أصلع، دقيق الأطراف. كان يبدو ضجرا إلى درجة الإعياء. يشغله شيء يشلّ إرادته. تمعن في الجمهور، ثمّ أخذ يذهب ويجيء وتوقف في المنتصف.

أيها السادة.. قال هذه العبارة متشنجا ثم واصل: أنتم ترون العرش الآن، إن مايمنع البدء هو خلو المسرحية من الملك، من منكم يقبل أن يؤدي الدور؟

ظنّ الجمهور أنّ المخرج يمثل أو إنه يخفي بكلامه السابق مفاجأة من لعب المسرح. طال الانتظار. تطلع أفراد الجمهور في وجوه بعضهم البعض. قال المخرج بيأس:

أيها السادة لاتعتقدوا أني أمزح. أنا بحاجة إلى ممثل يؤدي دور الملك.. نزل عن الخشبة تاركا العرش خلفه. توقف في الممر تفرس بأحد الوجوه:

- هل توافق أيها السيد؟

- كلا

انتقل إلى سيدة تجلس قرب الجدار:

- سيدتي سأغير الملك إلى ملكة أتقبلين؟

- كلا كلا.

 مر على الصفوف. ضجر الجمهور. بدأ يزعق . تراجع المخرج خائفا إلى خشبة المسرح. قال بصوت حزين:

- أيها السادة لا أعتقد أننا يمكن أن نؤدي المسرحية الليلة بدون ملك، لكن الدور لايتطلب أيّ مجهود... الملك هو شخص يجلس على العرش، ويصدر الأوامر فقط.

 توقف عن الكلام. ارتفعت اصوات من القاعة. قال المخرج:

- من حقكم أن تقولوا يسقط المخرج لكني أقول لكم الحقيقة الممثل الملك مات الليلة، هذا مالم أكن أتوقعه.

 توقف عن الكلام ثانية ليرى تأثير عباراته على الجمهور. عاد الهدوء إلى القاعة، واصل الكلام:

لا أحد يستطيع أن ينجو من الموت. الحل الوحيد لبدء العمل هو أن يتطوّع أحد الحاضرين ليؤدي دور الملك.

 استغل الحاضرون صمت المخرج، فعادت الضجة من جديد... ومن آخر صف ارتفع صوت:أنا، أنا. .

 في هذه اللحظة تغيرت ملامح المخرج، وانقلب اليأس في عينيه إلى أمل حقيقيّ.

 قال:حسنا ماعليك إلاّ أن تصعد على الكرسي الذهبي.

 عندما اقترب الشاب من حافة الخشبة، بانت ملامحه تحت الأضواء للجمهو، في الثلاثين من العمر، ذو نظرة غامضة. طويل القامة يرتدي بدلة رماديّة.

 يعلو الصفير والهتاف وتصيح الحناجر بنبرة رتيبة:

 سلطان، سلطان، سلطان.

 يرتد الشاب إلى الخلف ويتمتم: سيدي كانت مزحة مني. لقد دفعوني إلى هنا، يقع المخرج في حيرة. إنه أمام وجه جاد القسمات لايصلح أن يؤدي مزحة ثقيلة . مهما حدث فهو بحاجة إلى شخص يؤدي دور الملك.

 يعلو الصفير والهتاف ثانية، وتصيح الحناجر:

 سلطان، سلطان. .

 اسمي سلطان بن الوالي لذلك صدرت مني المزحة، ودفعتني الأكف إلى هنا .. يصمم المخرج على التعامل مع هذا الوجه الذي يجيد المزاح وهو صارم، فكل من في القاعة يرفض.

 أنت قريب من الخشبة واسمك سلطان؟

 لكن الشاب قاطع بلهجة صارمة:

 إن لي شرطا قبل أن اصعد على العرش الذهبي.

 لابأس سنتفق حين تذهب إلى غرفة الملابس.

 مازال الشاب واقفا لايتحرك . وضع المخرج يده على كتفه، لكن الشاب لم يتحرك قال: مادمت سأرجع إلى التاريخ فلديّ شرط !

 هل تظنني أرفض؟

 حسنا والجمهور؟

 توجّه المخرج إلى الجمهور، حكّ صلعته . قال:

أتحبون أن نبدأ التمثيل؟

 حدثت ضجة – هتف الحاضرون بالموافقة . قال الشاب : شرطي أن توافقوا على كلّ شيء آمر به .

 كان الجمهمر متحمسا لبدء التمثيل. ترنموا صفقت الأكف، ملأت القاعة .. سلطان موافقون، سلطان موافقون!!. .

 توجه الشاب إلى غرفة الملابس. كان يبدو وقورا صامتا، وهو يجلس على العرش بملابس قديمة، كأن التاريخ تراكم على جسده، يحيط به جنود يحملون الحراب، وخلف عرشه حارسان يمسكان سيفين. كل شيء في اللوحة يرمز إلى حدث كبير. الملك صامت. الجنود مستعدون، الحارسان متهيئان لأيّ أمر مفاجيء، بقي الملك صامتا، والممثلون ينتظرون الأوامر بفارغ الصبر . طال الانتظار . ضجر الجمهور.

 بعد لحظات تحرك الملك. نهض من كرسيه . اقترب من حافة المسرح، سبقه الجنود وبقية الحرس . أخيرا نطق: أيها السادة مادمتم قد وافقتم على شرطي فأنا أحكم عليكم بالاعدام !!

 استدار أحد الحارسين نحو المخرج، أما الجنود حاملو الحراب فقد انتشروا بين المقاعد !

 

قصي الشيخ عسكر

...................

نشرت في مجلة العربي الكويتية العد 338 يناير 1987.

 

 

صحيفة المثقفمنذ الخليقةِ

ها هما متعانقان

مازالا شقيقين

يسيران معاً

كتفاً إلى كتفٍ ،

يخيفهما غيمٌ وضيمٌ

عبرَ أقنية

الهواجس والغرقْ..!!

**

يتناغمان حيناً

وآخر، يفتك بالحصادِ وبالبشرْ..

وجَرادُه الشرقيُ لا يبقي إخضراراً

في العراءِ ولا يذرْ..

تستصرخ الأرض السحاب

وتبكهِ عندَ الظهيرةِ

والصباحُ

يرددُ المتعانقان

في أعلى صراخهما المديد

" قل أعوذ برب الفلقْ " ..!!

**

ونراهما يتأبطان الغيم ، سيان

مع الغم المشرب بالرعود

وبالمذلة والجحود..

**

كانا يفوران

على كل السنين ويطفحان

على القلوب الواجمات

بلا سدود..

والغيم يمرح في السماء بلا حدود..

وإليكمو تلك المواويل الحزينة

مسكونة اللحن الحزين..

والعمر، يقتات من وجع السنين..

تلكَ المزاميرُ تعزف لحنها الطامي

وترفل شمسها سحراً

تُطلُ ، سبيكته شفقْ..!!

ونراهما اليوم في وضح النهار

بلا سند هناك ولا مدد

كهلان في الرمق الأخير نراهما

جف الهواء ومات العشب

حتى لم يعد سرب الحمام

يشرب الماء الزلال

ما عاد في الجرفِ صلاة وابتهال

من يشتكي حزن النواعير الهزال؟

من يشتكي الهم المشبع بالنحيب؟

من في الحياة نراه مكموماً، يجيب ؟

الخوف في كل المسالك والمعابر

يزني ، ويرقص في أرقْ ..!!

وتظل، تلمع في الصباح

وفي المغيب سحابة سوداء

تعبث في نزقْ..

ومخاضها غضبٌ

يخامره الحنين إلى الغسقْ..!!

***

جودت صالح العاني

فتحي مهذبطردته (أ) مثل ذبابة قميئة تثير القرف والغثيان وتستفز الأصابع المتشنجة لسحلها واستئصال شأفتها ..

لم تعد ترغب في النظر الى وجهه الشبيه بكهف مليئ بالسحالي والعظايا..

لم يعد ذا جدوى .. ذا معنى .ذا نكهة آدمية..فقد ما تبقى من رصاصات الفحولة في جعبة ذكورته..اغتالته عنقاء الحاجة  ودهسه دب المرض الوبيل..

تصيح (أ) بلهجة مغلفة بغلالة البراقماتيزم : أنت كابوس ليلي فظيع سقط من مخيلة  هلامية على فروة رأسي..لعنة تلاحقني الى الأبد..

ثم دفعته بكل ما أوتيت من جنون  وحيوانية صفيقة خارج البيت..

لقد عاشت في ظل سلطته أميرة

ترفل في الحرير والذهب..

تسكن فيلا فاخرة اقتاتت من لحمه ودمه وأعصابه حتى استوت على سوقها..

لم يأل جهدا في اسعادها ومقاسمتها أحلى لحظات الحياة..

وهاهي بعد مرضه لفظته مثل قطعة أثاث غير مرغوب فيها ثم فتحت هذا البيت الفاخر ماخورا تختلف اليه فئة من صائدي  اللذة ومستهلكي الحشيش..

البائس(ب) قطعت رجله اليمنى

اثر حادث مرور رهيب..

وانكفأت عينه اليسرى على ذاتها

غار ألقها وامحت معالم بهجتها

وجمالها صارت عبئا لا يطاق..

عضو ميت تسكنه ظلمة أبدية..

لم يعد بمقدوره مزاولة أي عمل لتأصيل ذاته وفرض صوته في عالم لا يعترف بالضعفاء..

غزته عشيرة وثنية متوحشة من

الأمراض المزمنة والتي تهدده باقامة مطولة في عالم البرزخ..

استنكف منه ذوو القربى  وتحاشاه القريب والبعيد..

اغتدى يتسول في الشوارع المترامة المزدحمة بالأناسي..

الساق اليتيمة التي يجرها مثل قطعة من الخشب اليابس مهددة بالبتر..

ومن خلال عدسة واحدة ينظر الى العالم ويمتص ما بقي من ضوء المسافات..وعلى صدره تخيم بناية هرمة من الهواجس السوداوية.. صار يتنفس ببطء شديد كما لو أن وحشا  عصابيا غرز فكيه في عنقه الهش..

كم تمنى لو كانت له غلاصم سمكة ليتنفس ويتلاشى ضغط هذه الحجارة الكبيرة الملقاة على صدره من أعلى جبل العذاب اليومي..

نواقيس كاتدرائية تقصف شحمة أذنيه المتهدلتين..

أحيانا يشعر بانعدام نصفه الأسفل..باختفاء جذعه الهزيل..

حالة عصبية غامضة تنتابه من حين الى آخر..

كان أمام محطة الحافلات يستجدي المارة مستندا الى عصا

تعج بالنتواءت..

فجأة استحال وجهه المائل الى صفرة فاقعة الى قرية صغيرة ملآى بالأشباح.

عيناه تجمدتا مثل عيني منحوتة اغريقية ضاربة في القدامة..ارتمى على الأرض كتلة من الخشب المتداعي مبتوت الصلة بجوهر هذا العالم الحي..

انهال مطر غزير من الناس حواليه.

سحبت بنت خلاسية  قارورة عطر ..رشت دارة وجهه المبعثر مثل قطع من زجاج الغياب المهشم

أراقت إمرأة في العقد الخامس من عمرها تقريبا ماء باردا غلى جبينه

قال أحدهم: أطلبوا الاسعاف..

قال ثان: أوقفوا سيارة أجرة حالا..

قال شيخ طاعن في العتمة : ذروه

انه قاب زفرتين من الله..

انه يحتضر.. انه يحتضر..

طوقت هذه الجثة الساكنة غابة كثيفة من الوجوه الحائرة..

طفق طائر الوعي يحلق ببطء فوق عش رأسه..

وبحركة بطيئة للغاية شرع شباك عينيه المفتوحتين على عوالم لا مرئية..

أخذ لون وجهه يحمر تدريجيا..

لقد فر لص الموت الى جهة غامضة..

ونجت الجثة من مخالب القبار..

طفق يتحرك بهوادة راشقا تلك الغيمة البشرية التي تحلق بجواره

بنظرة مكتظة بالشكر والمديح..

انها نوبة عصبية حادة..

استوى على سوق وعيه كلية..

تحامل على نفسه..

عاد نصفه الأسفل الى جسده آليا مثل شاة جامحة..

واختفى فجأة في مطاوي هذه السحابة البشرية التي تنتظر الحافلة منذ قرون .

 

فتحي مهذب

 

بن يونس ماجنأنا لست ناطقا باسم الشعر

ولا اتسكع على المنابر

ولا اتهافت على الامسيات

**

انا ناطق باسمي فقط

فقصائدي ليست بناتي   

لقد طلقت الام

حين وجدتها تخونني مع قلمي

**

منذ نعومة اظافري

كتبت خربشات

بعضهم يقول انها مجرد هلوسات

لم تبلغ سن الرشد بعد

اوشعر تنقصه خميرة  الانضاج

او مجرد مراهق يعبث بدفاتره المدرسية

انه يسليني سماع كل الاحكام والانتقادات

بيد اني لست مولعا برفع القباعات

 **

من حسابي الخاص

أفلسني ناشري

دواويني مكدسة فوق الرفوف

احيانا اعيد كتابة عناوينها

بسبابة الغبار

  **

بعض من هلوساتي

قد ماتت قبل الولادة

في مخاض عسير

**

لم احترف قول الشعر

وعليه فانا اقدم اعتذاري

لكل من حمل تابوت الشعر على كتفيه

  **

عندما دخلت بحور الشعر

لم يكن عندي سوى مجذاف واحد

فغرقت في لجة التيار

 **

هوايتي المفضلة

دق الاجراس المسموعة

في دير مهجور

تسكنه عوانس غجرية

**

في ذروة الانتشاء

ابحث عن الشعر

المكتوب على شاهدات القبور

 **

قلمي انتهى حبره

غير ان الحبر

يريد الاحتفاظ بلونه

 **

تجاهلت النصيحة الربانية

فدخلت الشعر من باب واحد

لعلي أصير يوما شاعرا

يتبعه الغاوون

 ***

بن يونس ماجن

لندن

 

 

عبد اللطيف الصافيأمشي

مدفوعا برعشة

دافئة خفية

خلف نعش الذكريات البعيدة

قابضا على رمشي

لا أثر لخطاي

كي لا تتعقبني شوارد هواي

وعيون الحرس القديم

بين تجاويف ذاكرتي

مخفية

وأمشي

**

أمشي

مرفوعا على سرير

العدم

أرتب دقات المواعيد المجيدة

أغني لثورة الحقول

ألوذ بالصرخة  الواعدة

و نجمة تخطط لولادة جديدة

والفراشات

حبلى بالأسئلة الشاردة

تمنحني جناحين لكل الفصول

و نشيدا و علم

وأمشي

**

أمشي

متبوعا بهديل الحمام

وحب لاعج

تحت ظل غيمات نحيلات

اثقلتها سواقي الحنين

وصراخ الأمنيات

وريح الجنوب تهب لافحة

تتربص بي

تلقي علي ما تيسر من لهب

في ليل واهج

وأمشي

***

عبد اللطيف الصافي

 

عبد الستار نورعليمقطوعتان بينهما أكثر من خمسين عاماً، لم تكتملا:

الأولى كتبْتُها في أواخر ستينات القرن العشرين،

والثانية في أوائل هذا العام 2019 .

***

(1) رقصَ الحبُّ

رقـصَ الـحـبُّ بـأبـهـى حُـلَـلِ

                       واحتسى العاشقُ أحلى مُقَلِ

وارتدى القلبُ جناحاً منْ رؤىً

                      غافيـاتٍ فـي انـطلاق الأمـلِ

أيُّها المعشوقُ مهلاً إنّهُ

                             أولُ الليلِ فساعاتٌ تلي

قـلبُـكَ الخـافـقُ قلبـي مثـلُـهُ

                      شوقَكَ الجارفَ شوقي يعتلي

خلقَ اللهُ الدُنا في سـتةٍ

                           فاصبرِ القادمُ سيلُ القُبَلِ

                       **

(2) شرخٌ على القلب

شَرْخٌ على القلبِ بينَ الدهرِ والحُلُمِ

               "أحلَّ سـفكَ دمي" بالحرفِ والقلمِ

ما سطّرَتْ ريشتي ما كانَ شاطرَها

              مِـنْ مبتغىً يُرتَجَى أو نـازفُ النَغَـمِ

هذي مشيئةُ دنيـاً كـلُّها عـدَدٌ

                     حسابُهُ بين أيدي البنكِ والقِمَمِ

أفـقْـتُ مـنْ عَـدِّهِ عـدّاً بـقـافـيتـي

              كما استفاقَتْ عيونُ القَهْرِ في الظُلَمِ

وسيرةُ النارِ مِنْ أيامِ مُوقدِها

                       بين الأخاديدِ عدٌّ فائقُ الرَقَمِ

                    ***

عبد الستار نورعلي

 

هشام مصطفىهُزِّي الحُروفَ يُساقِطِ المعنى الأسيرْ

وَ كُلي وَقَرِّي عَيْنِكِ الحيْرى

فَكُلُّ عُقولِنا سَكْرى بِأسْئلَةِ المساءِ

على شواطئِ تيْهنا الأبَدِيِّ ثاوٍ

فوْقَ أَجْنِحَةِ النَّوارِسِ لِلْغَدِ الأعمى الكسيرْ

ــ جَلَسَتْ تُراوِدُ عَنْ فتاها سِرَّهُ المَسْكونَ

خَلْفَ مِدادِ الحرْفِ والسَّطْرِ الأخيرْ  ــ

لا تحْزني ...

فَجَنينُكِ المَصْلوبُ يَحْمِلُ فَوْقَ ظَهْرِ الحَرْفِ

أَجْوِبَةَ المَتاهةِ إذْ يسيرُ على طريقِ الشعْرِ

مَوْثوقَ اليَدَيْنِ مُشَوَّهَ القدمينِ مشوق الّلمى

مازالَ يَذْكُرُ ...

كَيْفَ خانَتْهُ السّطورُ على موائدِ عُرْيها

تَغْتالُ مِنْ طُهْرِ القصيدةِ كيْ

تُلَمْلِمَ ما تَبَقَّى مِنْ شِتاتِ مِدادِها

لِتُعيدَ رَسْمَ ملامحِ الوَجْهِ الغريبِ

على قميصِ الشِّعْرِ كي

يرْتَدَّ إبْصارُ المعاني من متاهات المشاعرِ

في مساءاتِ الضريرْ

حَيْثُ الفراغُ يُنازعُ الحَرْفَ الكسيحَ لكيْ

يُزيحَ عَنِ المُخَبَّأِ خَلْفَ أبوابِ السؤالِ جوابَهُ

ماذا سَيَحْمِلُ في جِرابِ الشعْرِ للسَفَرِ البعيدِ بلا خُطى ؟

أتُرى ... سَيُجْدينا نهارٌ لمْ يَجِدْ عينا ترى ؟

هي في النّهاية مِنْحَةً ... (لا تُشْترى )

كالّليل إذْ يَنْسَلُّ مِنْ بَيْنِ أَجْنِحَةِ الضِّياءِ ظلامُهُ

كيْ يَمْنَحَ الحُزْنَ الجمالَ بأعْيُنِ الآتي مِنَ الصَّمْتِ العسيرْ

فاللاوجودُ هناكَ يَخُطُّ في لَوْحِ الحياةِ قصيدةً

كُتِبَتْ على صَدْرِ المساءِ و فَوْقَ أنْجُمِهِ الّتي

أهْدَتْ ترانيمَ الغيابِ إلى خُطى صَوْتِ الضَّميرْ

جاءَتْ وأنْتَ تسير فوقَ موْجٍ مِنْ دماء الوَقْتِ

تسْألُهُ الخلاصَ لِتَشْرَبَ المَطَرَ المُعَتَّقَ مِنْ

نَبيذِ الدَّمْعِ في عينِ الضريرْ

لا السّطْرُ ... لا الكلماتُ ...  تطْفئُ مِنْ لَهيبِ الحرْفِ

حيثُ مَخاضُ آلامِ الحقيقيةِ لانعتاقِ الفكْرِ مِنْ

قيدِ البلاغةِ عِنْدَ مُفْتَرَقِ المعاني في نهاياتِ المسيرْ

فالعابرونَ إلى جزائرِ حُلْمِهمْ

حيثُ المسافاتُ البعيدةُ والمتاهاتُ التي

لا المَنُّ والسَّلوى سَتُطْعِمُهمْ

ولا الغيماتُ تَحْميهمْ فكلُّ دُروبِهم حُبْلى

بأشواكِ المُخَبَّأِ في طريقِ الأنبياء إلى دجى المعنى المنيرْ

صَمْتُ الحقيقة حينَ يعلوها ضبابُ الأغنياتِ غدتْ سنا

كالموتِ كالميلادِ كالفرح المُغَبَّرِ بالدموعِ إذا

تعانقَ شوقُهُ بِخُطى الغيابِ وأحْرُفِ العَتَبِ المريرْ

فدعي الحروفَ ....

فلم تَعُدْ تُجْدي المعاني أو مسيحُ الشعرِ

في زمنِ العبيدِ  مدادُهُا

  فالأمنيات ضلالةُ الصوتِ الحسيرْ

***

شعر / هشام مصطفى

 

آلاء محمودكيف لي

أن أتأمل وجهي

في مرايا قلبُكِ

أنا المنفي في وطني

مجهولة قافيتي

مترعةٌ بالحزن كؤوسي

وفي الكف جمر

يحرق أوراقي

سطراً

سطراً

لأعود بصمت موجع

نحو اشتياقي المُكابر

أتجرع وحدي

مرارة لوعتي

كيف لي

أن أرسمك قدراً

في خطوط يدي

أن أدعوكِ قمراً

وظلال الماضي تسكنني

يمتدالوجع الآثم

في صدري

يتكاثر

بين ضلوعي

يعتصر أحلامي

فتنزف قهراً لغتي

ليتك

يا جنتي الخضراء

تعرفين

أنني عمداً مزّقتُ أشرعتي

وقلبي غارق في قاع أزمنتي

ما كنتُ أُدركُ أن حبها

تسرب في الأعماق

 حتى بات صومعتي

عليل هذا الهوى

معذبتي

شوقٌ وآهاتٌ

 والدمعات

ما بارحت مقلتي

سافرتُ بعيداً

أبحثُ عن وهمٍ معتق

عن خيال

من طيوفِ هواكِ

يشاطرني وحدتي

أدمنت السير فوق جراحي

حتى ماتت الخطوات

في قدمي

أكاد أحس وجيب القلب

يناديك سوسنتي

وتهفو اليك في شغف

أجنحتي

أرى ربيع عينيك

فيه الزهر يبتسمُ

وأسوار الصمت

تطّوق مدن لهفتي

غريب أنا

بعد هذا الهوى

لا قلب يُؤويني

ولا استراحت

من لَظى الحنين ذاكرتي...

***

الشاعرة العراقية آلاء

من ديوان  تقاسيم الذاكرة الأخرى محمود

الهام زكي خابطيـا طيـورَ اشتيـاقـي

والحـانَ لهـفتـي

طيـري

و أنثـري صرخاتـي

وأوجاعَ صـدري

فـوقَ الديـارْ

فـوقَ هامـاتِ المـدافعِ

والأمطـارْ

فـوقَ عذابـاتِ الأرامـلِ

و الصغــارْ

كأني أرى مـدامـعَ الأطفـالِ

فـي إسفـار

شلالاتَ دموعٍ كالأنهـارْ

اشتاقُهم

والـوسنُ الجميـلُ

مـلأ  جفونـي

وأطيافُهم على الوسـادةِ

تتربـع ُ

مالي بذاكَ الـوسـن

وذكراهـمُ مـا  أنشـدُ

عِـراقٌ ..عِـراقٌ. عـِراق

مـع نبضِ الفـؤادِ

اسمهُ يتـرددُ

وفـي كلِّ لحظـةٍ حبُـهُ

يتجـددُ

ما ظنناكَ يومـاً يا عــراقُ

عرضُـكَ يُنتهــكُ

على يـدِ طغـاةٍ

جميعهـم للشيطـان

قـد ركعــوا

وأحقـادٌ مـن كل صـوبٍ

تتصـارعُ

على قتـل شعـبٍ ذلهُ القـدرُ

إمعاتٌ هـمُ مـن حكمـوا

فيـا ويلهـم

مـن غـدٍ قـادمٍ

وأسيادُهم عليهـم ينقلبـون

وكـؤوس الـذلِّ

يتجرعـون

فصبـراً عـراقـَـنا صبـرا

فأنتَ العراقُ

و راياتـُكَ للعلا

مرفوعـة ٌ

لا لـن  تــُكسرَ

فيـا طيـورَ  اشتيـاقـي

قُبلـة ٌمـن الضيـاءِ

على جبينِ الريـاضِ

انثـري

وقُبلـةٌ  مـن السـلام ِ

على أرضِ السـلام

انشـري

وللحي الأزلـــــي

ابتهلـي

كفـانا عذابٍ ... كفـانا ظُلـمٍ

كفـانـا

أحقـادٍ فـي كلِّ شبـرٍ

مـن أرضِ بـلادي

تستعــرُ

***

إلهام زكي خابط

 

يوسف جزراويفي التاسعِ من نيسان

تصعلكَ الأمريكان ببلدي

فغتصبوا شوارع مدينتي.

الجثثُ في الدروب

والموتى بِلا قبور

الناسُ فوق الجسور

يهتفون بغير شعور

مَرْحَى....مَرْحَى

لقد أسَّقطُوا الديكتاتور.

**

في التاسعِ من نيسان

غمسَ الأمريكان رماحهم

في خاصرةِ حضارتي

فرثت المتاحفُ آثارها

والشناشيلُ بكت سكانها.

في التاسعِ من نيسان

نهب الحاقدون بلدي

فأنتحبت عروس الشرق

.وغدت أرملة الفرح

تماثيل المتنبي والمنصور

تنوح والدموعُ تهطل

من عيونها الحجريّة

بقلبٍ مفجوعٍ ومكسور.

**

في التاسعِ من نيسان

نفضتْ الأشجار أوراقها

.وبدأت مواسم الحداد

بغداد حاضرة الدنيا

حزينة، منكوبة تحتضر

في فصلِ الإحتلال.

مهجورة كمدينةِ الأشباح

 أو كشجرةٍ صلعاء

بِلا ثمرٍ وأوراق.

لقد عبثوا بملامحها

 ولوثوا عطر ورودها

برائحةِ القنابل والبارود.

**

في التاسعِ من نيسان

عدتُ من حي الكرادة

مع أمّي وأختي

بسيارةِ أجرةٍ خصوصي

فوجدتُ مدرعةً أمريكيّة

تجمهر بقربهِا شعبُ فخور

يركلُ تمثالاً أسقطُوه

لحاكمٍ قاسٍ وديكتاتور

يعرفهم مليًا ويعرفوه

يضربونه بقسوةٍ ويلعنونه

كأنهم يُصفّون معه

حساب السنين الضمور

بساديةٍ وفرحةٍ هستيريّة.

فجأة توقفت السيارة

ونطق السائق:

 ترجل معي من السيارة.

قلتُ: إلى أين؟!

أجاب:

لنبصق على تمثالِ الديكتاتور.

.فحشرة مع الناسِ عيد

 أومأتُ برأسي وقلتُ

 ببحةِ صوتٍ خنقتُه العَبرَة

لن أكون واحدًا من هؤلاء،

وتأسفتُ على وطني المغدور.

**

في التاسعِ من نيسان

عُدنا لمنزلنا المهجور

فوجدتُ في الحي

صليبًا يعانقُ الهلال

وكنيسةً ومسجدًا يبكيان

مع النخيلِ المقهور.

حدقتُ في البيوت

وتطلعتُ يمينًا ويسارًا

فوقع على مسامعي

بكاء أمّي ونساء الجيران

على عاصمةٍ ليست كغيرها

سرق الأمريكان بمعية إيران

ثوب عرسها.

بكيتُ ولم يسمع بكائي

إلاّ أنا وأخي والزهور

فبغداد غدت مُستعمرة

وأسقَط من عقدها جوهرة.

**

في ليلةِ التاسع من نيسان

توقفت صافرة الغارة

وشكر الأمريكان الحلفاء

وعلى رأسهم إيران

.فنعى الناعون عاصمتي

أغلقتُ عيني بحزن

عن ذرفِ الدموع

وطلبتُ من روح أبي المعذرة

فليالي بغدادنا لم تعد مُقمرة.

غزا النعاس عيني

لكنني لم أنم

فقد افزعني نباح مُدرعاتهم

في شوارع بغداد المُقفرة.

**

منذُ ليلةِ التاسع من نيسان

وبغداد لم تعد

 تصحو على أمَان.

***

الأب يوسف جزراوي/ هولندا

 من ديوان جثة تثأر من قاتلها

 

محمد المهديايها اليم العظيم تريث قليلا

واصرف عن الموجات ريح الشمال ..

فان الصخور لا تخفي عريها

ولا الشواطئ  تكتم أسرار اللقاء ..!!

تسبح الغيمات كليلة

تملا الافق رياء ..

تحاكي نزول المطر ايام الصيف.

وترتد الى حيث مخبأ الشمس .

 تلك الشفاه تقطر لذة،

كعنقود تدلى على جوانب الحديقة .

والقى شراك العشق في ممر المشاة..

وانا والبحر والليل

سهرنا سويا على بساط بوح سرمدي

لا يكاد يرى من خلال الظلمة .

تظللنا النجوم ،

وتسمعنا عيون الكلام ..!

كم ارتحلنا من خريف؟

وكم من قافلة سافرت بنا؟

كالأحلام صرنا ..

تتقاذفنا المراقد

وتضاجعنا المخدات المبطنة

بمواعيد الغرام ،

ووعود الساسة الكذوب .

وعندما يحين اللقاء

تهجرنا الكلمات

وتغور في عيوننا العبرات ..

فيصير تحاورنا

معسول الكلام وزيف الشعارات .

هؤلاء نحن ..

نباع ونشترى بالأوهام ،

ونساق بالأوهام ..

ونعرض في سوق السياسة كالأنعام.

ليس بيدي ان اظلم الليل

وارتمى في اتون الموج

القادم من الشمال ..

ليس بيدي ان اسلم الليل

نجومه الى حاد ضل سبيله ،

واسقط مفردات الحياء ..

فما عاد يكتب الا الفناء ،

وما عاد يأتينا الا بالفناء..

وطن فيه صرنا عبيدا

لا حظ لنا الا الشقاء ..!!

***

شعر: محمد المهدي

تاوريرت