عبد الجبار الحمدييحكى أنه رأى في ما يرى النائم ان جميع من حوله نائم، وغاية أحدهم ان يدعو في منامه حظه أن يجد مصباح علاء الدين، كي يفك عقدة عند الشعوب العربية تلك التي تنادي بالحرية ثم تنال العبودية.. شعب تعود أن يبيع ملابسه الداخلية وكل ما يشتريه لمجرد التغيير في زمن أباح المفتي جهاد النكاح وسمح باللواط، والرقص حلال، وأن محمدا رسول الله كان يشرب الخمر في عالم كثر فيه الامر بالمنكر والنهي عن المعروف.. فجأة!! راعه في منامه ما رأى جمهرة من الناس تعلن صراحة أن الدين خرافة الإسلام يتخذ منها خطيب المنبر وسادة للعبادة، وفي ذات يوم تنامى الى سمعه ان الشعب يقول بأن الملك رجل عنين لا يقوى على ان يجامع إمرأته أو أي إمراة رغم كثرة النساء اللاتي فاض عددهن عن المئات وهن في باحة قصره.. فأرسل الى وزيره وقد اغضبه ما سمع فقال له:

الملك: يا وزير الشؤوم كيف تسمح أن يشاع عني ما سمعت؟

فقال الوزير بتهرب: وما ذاك الذي سمعت؟

فقال الملك: أخرس... قطع الله لسانك.. او تظنني لا أعلم دهاليز لؤمك.. الآن تبحث لي عن وسيلة تفند ما يشاع عني وإلا ستلتصق بي هذه الإشاعة وتكون سببا في خراب ملكي.. وقتلك

الوزير: سمعا وطاعة يا جلالة الملك هون على نفسك.. ولكن عليك ان تضع في حسبانك أنها مسيرة الحياة، أطال الله وأمد في عمرك حتى تجاوزت المائة وهذا أمر طبيعي ..

الملك: عليك اللعنة كأنك أنت من أشاع ذلك؟!

الوزير: حاشا لله يا مولاي أترك لي فسحة من زمن سأجد الحل إن شاء الله

كأني بينهم أسمع حديثهما فدخلت دون إستئذان صائحا.. عندي الحل يا جلالة الملك على أن تعطيني ما أرغب وإن لم أكن قدر كلمتي لك ان تقطع رأسي في الحال..

قال الملك: أتراك كنت تسترق السمع والبصر يا هذا؟

فأجبت... نعم إني خادمكم لكن لا ليس من شيمتي استراق السمع، غير أن صراخك يا مولاي وصل أذني بعد ان وصل آخر أروقة قصرك، الجميع مثلي سمعوا وخرسوا، لكني لا استطيع ان أصمت وأنا أرى ولي نعمتي في أزمة بعد أن حَكَمت حتى خلدك التأريخ بمن زحف الموت عليهم عقود بعد أخرى وانت تشهد وباق الى الأبد كأن الله خلقك كي تكون أزليا فما أسعدنا بذلك

الوزير: اللعنة عليك يا هذا!!! ما الذي تقوله؟ كيف يمكن ان تتدخل في موضوع يمس الملك والمملكة؟ إنها لكارثة إن عاث الخدم في امور وشأن جلالة الملك..

الملك: اخرس يا وزير الشؤوم، دعه يفصح وإلا سأقطع رأس كل من في القصر من الذين سمعوا ما قلت، هيا قل لي ما هو الحل؟

الخادم: عليك يا جلالة الملك أن تعطيني الأمان أولا كي أتحدث دون خوف من سياف قد سل سيفه لينال من رأسي، كما أن عليك ان تثق بي وتؤمن بأن ما اقوله لك واعطيه إياك هو الحل الناجع لمثل حالتكم، ولا أظنك يا جلالة الملك وحدك الذي يعاني منها فهناك الكثير من الملوك والوزراء والامراء الذين مر بهم ما حل بك، فما هي إلا مسألة بسيطة، شرطِ الوحيد هي ان تهب لي نصف مملكتك وتوليني على أحد ضياع المملكة التي اختارها انا .. فإن رضيت كنت لك المنقذ والمنجي، وإن رفضت فلك رأسي فاقطعه وليعوض الله عليك بمملكتك وقد دبت الإشاعة على ألسن قوم لا ينسون ولا يكفون قضمها كما هي حكاية ابو ضرطة الذي ابتلى بإطلاق ريح دون ان يدري حتى هرب سنين عدة، وعندما اشتاق حنينا عاد فأراد ان يرى أهله ومحبيه فسمع حديث بين بائع ومشتري واختلافهم على السعر.. فضجت التي تبيع من الذي أراد ان يشتري وقد فعل فعلة كما فعلها فقالت: لعنة الله عليك؟ أتراك مثل ذاك الذي هرب بعد ضرطته!!؟  فما أن سمع ذلك حتى دب هاربا .. فماذا تقول يا جلالك الملك!؟ ضرطة لم ينسها شعبك لرجل من العامة فما بالك بملك وصاحب صولجان..

الوزير: أرى انك من منتهزي الفرص يا لئيم الخدم، بح بالذي تعرف وإلا سأقتص منك بنفسي وأنا الذي سأقطع رأسك..

الخادم: الأمر ليس لك إنما لجلالة الملك يا وزير البين..

الملك: قلت لك دع عنك أيها الوزير، دعني أفكر قليلا في شرطه.. بعدها قال:

إسمع أما نصف الملك فأراه صعبا وما أجدني كريما الى هذا الحد وإن كان على الاشاعة فبالترهيب اقمعها وقطع الرؤوس يمكن تغيير الكثير، لكن رغبتي في جماع الفتيات اللاتي حولي هو من يعطيك الفرصة كي تنال كرمي... غايته ان أعطيك سلطة في المملكة منصب هذا الوزير الكلب حيث سيكون مصيره بين يديك فأفعل ما تراه فيه وأظنني بذلك ضمنت لك عيشا رغيدا وسلطان لم يكن في واقعك..

الخادم: موافق يا جلالة الملك..

وقع الوزير مغشيا عليه.. وما أن أفاق حتى وجد نفسه في زنزانة لا يرى ضوء الشمس منها ولا صوت يُسمع بعد صراخ وعويل

جاء الخادم بعد ان بات وزيرا الى جلالة الملك وهو يحمل بيده العلاج الناجع لمشكلة الملك .. فقال:

الخادم: جلالة الملك سأعطيك هذا الدواء على ان لا تسألني ماهو؟ كما عليك ان تثق بي ولا تخف مما اسقيك إياه، وإن رغبت أأخذ منه قبل ان تشربه أفعل، غير أني أأسف على ذهاب نصفه الى جوفي وأنت أولى به مني.. حتى تستريح دع سيافك هذا يقطع رأسي في حال حدوث أي شيء لك لا سامح الله بسبب الدواء الذي سأسقيك إياه

الملك: حسنا وكن على ثقة بأني سأبيد أهلك وعشيرتك وكل من يمت لك بصلة إن جرى لي شيء عكس ما ادعيت، خاصة أني دعوت من ارغب في نيل فرجها بعد ان تلظيت على أحر من الجمر أشهر بل سنين.. هيا هات ما عندك

الخادم: حسنا يا جلالة الملك هاك ابلع هذه وأنت مغمض العينين حتى لا تبصر ما تراه، بل دع ما تشعر به يكون دليل فعلي إنها المفاجأة لك بعد مرور زمن قصير، ستغزو فرج من رمتها مرارا وتكرارا خذها وتسلطن كمارد النكاح...

عجبا قالوا!!! ما ان ابتلعها الملك وانتظر برهة من زمن حتى انتصب قضيبه فهرول ناسيا المملكة والحاشية والخادم والحاشية جريا ليطرح من كانت فريسة له، فركبها حتى أهلك فرجها إي أنها ضجت و ولت هاربة، فجاؤوا بأخرى ففعل بها مثل الأولى فهربت، استمر حاله هكذا يهلك كل من ينال منها فترة من الزمن حتى وقع مغشيا عليه من الإرهاق..

أحاط السياف وحفنة من جنود الملك بالخادم الوزير، عنفوه وقد رؤوا من الملك ما لم يروه في حيوان مفترس ينال من الجميع.. بين مؤيد له ورافض كشف الطبيب على الملك الذي كان مرهقا إلا أن قضيبه بقي منتصبا وهو بالكاد يقول: هل لي بجارية أخرى؟ فقال الخادم الوزير

الخادم: جلالة الملك أرى ان تكتفي اليوم بما حصلت عليه، ودع فعلتك تُروى عن الجواري بعد ان تُطلِقهن بين العامة لتحكي والخدم صولاتك التي هتكتك بها فروج من وئدت حريتهن بعد غزو ممالك وقرى كثيرة، كونك الغازي الأوحد الذي لا يبارى ولا يجارى..

الملك: إبن الكلب أيها الخادم الوزير لقد جعلت مني شيطانا أرغب في الجنس حتى وإن سئمته، لكني أنا السبب فلا أدري هل أجازيك؟ ام أقضي عليك؟ هب جميع الوزراء بل دعه يا جلالة الملك فبمثله وخبرته ودوائه يمكن ان يفيد جميع من في مملكتك من وزراء وأمراء فكلنا يا جلالة الملك نعاني ما تعانيه وأمر..

الملك: اللعنة عليكم جميعا يا عنيني المملكة، حسنا لكن من يرغب بعلاجه عليه ان يعطيني نصف ثروته وما ملكت يمينه.. ولهذا الخادم الخمس منها .. ما رأيكم؟؟؟

هز الجميع رؤوسهم بالموافقة ..

عندها قال الملك... الآن أيها الخادم الوزير عليك ان تطلعنا على سر علاجك..

الخادم الوزير: حسنا يا جلالة الملك سأبوح لك ولهم بالسر على ان تحفظ عهدك وعهدهم لي بما فرضت..

الملك: لك ذلك وكتب الأمر بداة و قرطاس

الخادم: إن سر الدواء يا جلالة الملك هو حبة الفياكرا الزرقاء والسلام.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي 

 

 

سليم الحسنيكانت الأيام تمر على أبناء المعلم الأول، متوحشة حادة الأنياب، جائعة تأكل أرواحهم، مجنونة تعبث بجلودهم، وضيعة تستهدف كبرياءهم. لكنهم أخذوا من معلمهم درس العمر، فانطلقوا يطاردون الموت، تتبعوه في الليل والنهار، بين القصب، في البساتين، على الطرقات، ولاحقوه في الزنازين المظلمة.

تمنّى ملك البلاد أن يراهم مطأطئ الرؤوس ولو ساعة من نهار، فأبوا إلا كسر أمنيته، صاروا نخيل الأرض وجبالها، استطالوا مع الألم والحزن، لقد أخذوا من معلمهم كلمات غاليات، فكانت دليلهم وهم يضعون الخطوات على الطريق.

وقبل ان يرحل معلمهم الأول نثر روحه على الجميع، حبّات برّاقة كأنها كوكب درّي. احتفظوا بها في صدورهم، فكان كل واحد منهم يُعرف من صدره.

لكن أهل الغبار نقموا منها، قالوا إنها حبّات التهلكة، فرموا بها بعيداً، حذّروا منها الناس، همسوا بآذانهم يخوّفونهم.

وفيما كانت السنين تمر على أبناء المعلم بشراسة ذئب، فانها مرت على الأمير ناعسة لينة، يمضي الى الدرس مهطع الرأس، وكذلك يعود. لقد احتمى بالخوف، لجأ اليه لائذاً راغباً، والخوف لا يرد قاصده. عرف أن ملك البلاد لا يقترب من الخائفين، إنه يريدهم هكذا، فبهم يكثر سواده.

لم يترك الأمير الخوف، كان يجلس في قلبه، يتدثر به في نومه، يتسربل به عند خروجه، يحكم ربطه عند قعوده، يتحسسه بين دقيقة وأخرى، يمسح به وجهه، فملامح الخائف مزيد نجاة.

مرّ الزمان منشطراً على الجَمعين، حتى سقط التمثال، عاد أبناء المعلم الى المدينة القديمة، تشع صدورهم بمشكاة معلمهم. لكنهم وجدوا الحال غير الحال. فالبيت الكبير يقف على بابه الأمير، جاءته سهلة يسيرة، استلّها من الغرفة المجاورة ووقف في باحة الدار يتحكم بالزائرين.

نزع أردية الخوف، لكنها أورثته رهاب المشكاة، فقد كان يتفحص الرجال، يصوّب نظره نحو الصدر، فاذا لمح ضوء المشكاة، استبد به الغضب، يكتمه في قلبه، يُخرج من جيبه ابتسامة مصطنعة، ثم يشيح بوجهه يُدبّر لهم أمراً.

 كان يخرج من غرفته وجيوبه مملوءة بالابتسامات والأحزان والوقار والغضب وملامح أخرى، فلا يعود إلا وقد أنفقها كلها.. كان مُسرفاً في ملامح الجيب.

ظل على هذا الحال، ينظر الى الرجال، فما أن يرى ومضة في الصدر، حتى تسري فيه رعدة البلوش. نوبة مجنونة تضرب المصاب بها، فتشعل في قلبه سبعة ألسن من النار، يجف ريقه، وينفث أنفاساً لافحة كأنها من صحراء البلوش.

يقول الطاعنون في السن، إنها تصيب رجلاً واحداً كل مائة عام، وقد رأوها تصيب الأمير في صباه.

لم تنته بعد، لها تتمة

***

سليم الحسني

 

حسين يوسف الزويدفي (موصلي) أنّى ذهبتَ تراني

خاوي الوفاض ومثقلَ الأشجانِ

أنا مثقلٌ

فيها و في امجادها

تاريخها يغلي بعمق جناني

أنا إبنُ (باب الطوب) و(قُليعاتها)

في (سوق عُتمتها)

يجودُ لساني

أنا إبنُ (راس الكور)

فهي محلتي

أشدو لعزف الناي في الحاني

أنا أبنُ (ثلمتها)

وفي جنباتها

(دواسةٌ)، (مياسةٌ) تحناني

أرنو (لجوسقها)

وفي شطآنهِ عبقٌ

وفي (دَنَدَانها) خلاني

لاتنسوا (الميدان) مهد عمومتي

من آل (توحلةٍ)

فهم عنواني

لا ما نسيتُ

ليالياً رعتِ الهوى

(حي الجزائر)

نشوةُ الحيرانِ

(بالفيصليةِ)

كان عهد صبابتي

أيضاً

وفي (الحدباءِ) كان رهاني

اشدو (المصارفَ)

عاشقاً مترنماً

(حي الزهورِ)  حلاوة الاوطانِ

حُييتِ (سيدتي الجميلةُ)

فالهوى

عبر (المثنى) دفقةَ الشريانِ

هذي محلاتٌ نُقشنَ

وفي دمي تجري

ويسكنُ طيفُها وجداني

هي نينوى

أهلي

ودار جدودِنا

هي عزوتي و ذخيرتي و سناني

هي نينوى الحدباءُ

زهوُ حضارةٍ

هي ترتديهِ على مدى الازمانِ

هي رأسُ جسمكَ يا عراقُ

فدلّني

هل تستقيمُ بدونهِ ككيانِ؟! (١)

هي رأسُ رُمحكَ يا عراقُ

وها ترى

من غيرِ رمحكَ

كيفَ أنتَ تعاني

هي نينوى آشور بين ربوعها

امجادُ (سنحاريبَ)

وهْيَ عواني

فصلين يسكُنها الربيع

محبةً

أُم الرماحِ و صولةُ الفرسانِ

قد خصها ربي

بكلِ تيمُنٍ

سكنى النبوةِ ، دارةُ الرحمنِ

فيها ثرى (شيتٍ)

و(يونسُ) قلبُها

إخوانُ (أحمدَ) خاتمُ الأديانِ

هذي هي الحدباءُ

فوق جبينها

أكليلُ غارٍ شمعةُ البلدان

هي نينوى الابداعُ

تُلهمُ ريشتي

من عهد (طائيها) القريضُ رَماني

ستظلُ (موصلنا)

كما عهدي بها

تاجَ العروبةِ

دُرةَ الأوطانِ

 

د. حسين يوسف الزويد

............................

(١) مأخوذة من مقولة اطلقها الملك فيصل الاول خلال النزاع على الموصل بين العراق و تركيا بعد الحرب العالمية الأولى حيث قال إن الموصل بالنسبة للعراق هي كالرأس من الجسد .

* كل ما ذكر بين قوسين هو اسماء محلات و اماكن و احياء و حواري و شواهد تاريخيه يعرفها ابناء الموصل جيداً .

** كتبتُ هذه الكلمات مع انطلاقة معركة تحرير الموصل يومها كنت قلقا متوجسا عما سيحصل في هذه المدينة جراء الأعمال الحربية و كنت قد نشرتها في المثقف الغراء قبل اكثر من سنتين يومها لم يكن عندي هذا العدد من الأصدقاء الأعزاء و اليوم أعيد نشرها لاطلاعهم .. فهل كنت محقا في قلقي و توجسي ؟

 

سوف عبيدأهداها وردة

ليقطفها

أهدته قميصا

لتفتح أزراره

ثم جلسا وجها لوجه

وعصير البرتقال بينهما

رفعا الكأسين

وترشفا قبلة البلور...

 

سوف عبيد

 

عبد الرزاق اسطيطولمادخلت حمام النساء لمحطة الحافلات في غفلة مني، وجدتها تضع بعض المساحيق على وجهها، وتصفف شعرها الأشقرالطويل بمشط صغير... بدت جميلة للغاية، فتاة في مقتبل العمر، مكتنزة، وطويلة القامة. زادها جمالا بياض بشرتها، واستدارة وجهها، ولمعان عينيها المشع من الكحل كنور الصباح... كان الحمام فارغا من المسافرين، ونظيفا تفوح منه رائحة الصابون قضيت حاجتي وانصرفت ...صعدت إلى الحافلة ثم شرعت في قراءة الجريدة، وتصفح مواقع الأخبارعبرالهاتف في انتظارموعد السفر، كانت أصوات الباعة، والمارة والمسافرين، والمتسولين، وهديرالمحركات تفسد علي متعة القراءة... لم أعرف متى جلست ولم أشعر بذلك ! فقد كنت منشغلا بمتابعة خلاف من خلف زجاج النافذة نشب بين شرطي المحطة وسائق الحافلة .. لما التفت وجدتها هي بلحمها وشحمها، فيمازاد صوتها، وهي تعرض علي بأدب قنينة مائها من تأكيد ظني، نفس الملامح... نفس العيون ... ونفس الصوت ! إذن هي تلك المرأة المعتوهة التي كانت تجوب المحطة متوسلة المسافرين والمارة من أجل مساعدتها على شراء تذكرة للسفر إلى مدينة أكادير، فعادت بي الصورة إلى أيام خلت فتذكرتها من جديد إنها نفس المرأة التي كانت تبكي، وتنتحب عند باب المسجد الكبيرليلة القدر، وهي تطلب مساعدة الناس لها لعلاج أمها من السرطان ..يا للعجب ! كيف تستطيع هذه الفتاة أن تتقن كل هذه الأدوار كممثلة بارعة أوأكثر... تركتها على عواهنها، وهي تقدم لي قنينة الماء أوقطع الحلوى أو وهي تقتسم معي الأكل...بدت كريمة للغاية، وأثر النعمة والرفاهية عليها باد للعيان، مضمخة بعطر باريزي، وساعة أنيقة تزين معصمها، وهاتف نقال تداعبه بحنو، وتتبادل من خلاله رسائل الحب مع أكثر من عاشق صوتا وصورة...

.في الطريق حدثتني عن نفسها قائلة بأنها تشتغل بإحدى الشركات التجارية، وتكسب من عملها هذا دخلا مريحا، مكنها من شراء شقة، وسيارة، وتوفير رصيد بنكي لا بأس به، وأنها تسافرمن مدينة إلى أخرى من أجل عرض منتوج الشركات على المحلات، وعقد صفقات البيع، وأنها لا مانع عندها إذا ما أردت زيارتها ذات يوم بشقتها.... لما وصلنا إلى مدينة العرائش وجب علينا تغييرالحافلة بأخرى لإكمال بقية الرحلة حملت حقيبتها الجلدية الصغيرة السوداءاللون، وودعتني بحرارة كما لوأنني على معرفة بها منذ زمن طويل بعد أن تركت لي رقم هاتفها، وعلبة شكولاطة... وغابت بين زحام المسافرين والمارة كما تغيب الشمس.. بدا اسمها على البطاقة الصغيرةالملونةالتي منحتني بارزا، ومدونا بخط أنيق ولامع "الداهية"... فتحت الجريدة بعد أن ركبت حافلة أخرى بنفس المحطة، وشرعت في قراءة إحدى المقالات فسمعت من جديد صوت بكاء وعويل، ولم يكن غير صوتها كانت ترتدي جلبابا بلون أخضر، وتخفي وجهها بفولار متسخ وممزق من جوانبه، وتطلب من الراكبين مساعدتها من أجل اقتناء الدواء لأمها المريضة..لما اقتربت من مقعدي وهي تجمع المال من الراكبين أعدت لها علبة الشكولاطة، ورقم هاتفها متمنيا لها سفرا سعيدا .

 

عبد الرزاق اسطيطو

 

نور الدين صمودكم رسمنا، لِمَنْ نـُحِبُّ، حَمامَا

                                ومـلآنــا مِـنقــارَهُ أنـغـامَـا

(دو رِي مي فا صول لا سي) دون ضبطٍ

                         وهي في الأصل تضبط الأنغامَا

وأتـيْــنـا بأ لـْــفَ (حــاءٍ وبــاءٍ)

                          في عِـنـاق ٍ، كيْ يَسْـتـَمِرَّ دوامَا

فهي في رسمنا البريء حروفٌ

                              ونـــراها أمامَنا تــتـــنــامَى

خارجاتٍ كأنهـــن صِـغـارٌ

                        فارَقـوا الدرس، يَخْرِقونَ النظاما

وكتــبنا أسماءنا بحــروفٍ                

                      حــامــلاتٍ لـمَـنْ نـُـحِـــبُّ ســلاما

 وهَدِيلُ الورقاءِ أشجَــى لقـَلـــبٍ                                                 

                             وهْو عند الحَمام يغـدو كلامَا                                                       

وانتقينا اللحون من ألف طير ٍ

                                  ومضينا نـُحقق الأحلاما                  

 وسألنا مَنْ ذابَ في الحب وجدًا:

                              كم سنبقى نـَستعذبُ الآلامَا؟

 وعذابُ الحبيبِ عذبٍ يضاهي

                              شاربَ الشهد إذ يراها مُداما

ونـُرَجّي أن نلتقي من جديــدٍ

                                ويـدوم اللقـاء عامًـا فعـامَا

ويظل العبير يأتي بــرفـْــق ٍ

                                 وَمُـنــانا أن يستمرَّ دوامـا

ما أنا بائحٌ بــسِــرِّ التي قــدْ

                        زدتُ فيها، مدَى الحياة، غـَــرامَا

بيد أن الشعرَ الذي قلتُ فيها

                            ظل في البوح يسبق الإعلاما

وغدَا حُـبُّــنا شريــط َ غــرام ٍ

                           زاد فيه أهــلُ الغــرامِ هُـــيامَا

فيه غـَنـّتْ فـيروزُ ألحانَ حُبٍّ

                       تـُرجع الشيخَ، في الغرام، غـُلامَا

 وتـَغَـنـَّى الوجودُ لحـنَ خلودٍ

                            ما سَـمِـعْــنا أمْــثالـَهُ أنــغــامَا

صبَّ في الكأس ألفَ (حاءٍ وباءٍ)

                             في عناق، ولا تصبَّ المُدامَا

يا هزارَ الغرام في بَدْءِ عمْري 

                           تلك كأسي فارْسُمْ عليها حَمَامَا

 إنّ صوت الورقاءِ يسكبُ حزنا

                                في فؤادٍ يستـعذب الآلامــَا

(أ بَكتْ تلكمُ الحمامة) وجدا

                              (أم تَغـَنتْ) وجوَّدَتْ آنغاما؟

ثم غـَصّتْ (بالحاءِ والباءِ) حَتـَّى

                           (بُحَّ) صوتُ المُحِبِّ لمّا تنامَى

ومضى في الدجَى ينادي بليل ٍ

                               فـَنـَرَى الليلَ يُبْطئُ الأقداما

يتأنـَّى مَجيءَ (ليلَى) إلى أنْ

                           يطردَ الصبحُ بالضياء الظلاما

وكلام العيون أبلـَغٍ مِـمّا

                             يُـبْـلِغ ُاللفـْظ ُ إذ نـقـول كلامَا

والطيورُ التي  كتبنا عليها:

                   (سي لا صول فا مي ري دو) أنغاما

وأطـَرِنـا في الجـوِّ (حاءً وباءً)

                            رمز حُبٍّ لا يستطيعُ انفصاما

 وجعلنا الحرفين أمرًا ببوح ٍ:

                          بُـحْ بـِحُبٍّ فالبَوح يذكي الغرامَا

 ***

نورالدين صمود

  

قصي الشيخ عسكرهل يعد نفسه خاسرا حين جلب ذات يوم جرثومة إلى نوتنغهام وعاد من دونها في الوقت نفسه ترك بعضا منه في إحد المختبرات فَهُرِعَ بعد سنين يبحث عنه.

ليست مصادفة مفتعلة ..

ماظنه عبثا أصبح حقيقة أغنته عن الحاضر نفسه وما عاشه من صخب ولهو، ولعل جوستينا شجعته من دون أن تدري. لم ير الدموع بعينيها، ولم يعرف أية مسحة حزن إذ يغادر إلى حيث لا عودة. كانت تبدو متماسكة سوى لمحة من الجدّ لاحت على وجهها. أشبه بالحزن قطعا. أصبح بقاؤه في نوتنغهام وعودته ممكنة جدا. سيكون هناك بعيدا وهنا أيضا. المستحيل تلاشى .. يمكن أن يحقق ذاته في مكان واحد بوقت واحد أو بأكثر من زمن ومكان. نحن نعيش عصر العلم والخيال وقد جمع بينهما حين حشر نفسه في قارورة وهو طليق .. سنين وهو يحاصر اللشمانيا، يحجز الخفاء ويراقبه، فهل يعجز أن يمنح نفسه سعة ليكون في أي مكان:

- سآتي بعد نصف ساعة.

ليحاصر بعضا منه حتى يعيش سنوات أخرى!

استقل الحافلة إلى المشفى الملكي، أيمكن أن تجده جوستيانا ساعة تشاء. في أيَّة لحظة. خاتم سليمان بيدها. شبيك لبيك، تعيد إليه الحياة من جديد، فتجده أمامها وإن عاد إليها بشكل آخر. كانت ترى أنها هي التي صنعته من خلال عالم النساء. شخص بريء لا يعرف عالم المرأة .. جعلته يقدر فحولته، وحاول أن يجرب مع غيرها فأخفق. عافت نفسه البيكادللي وقرفه، هذه ليست دلال التي صفعت أستاذا قديرا فأنهت كيانه، محقته، أجبرته يهرب من الجامعة، ولا فتاة طريق تبصق على أصابعها كي ترطب مكانا في جسدها. انفرد بها في المختبر قدّمها لمن يعرفهم بصفتها صديقته. انحنت على عدسة المجهر وراقبت ذبابة ذات شعر أصفر محمر. ورأت المياه والرطوبة يحاصران الكائن الخفي. بحر متلاطم لاقرار له. عالم آخر يثير دهشتها. ابتسامتها تتسع فتتألق وسط اجواء تحيطها روائح المطهرات. الذبابة وإن تبدو بصورة وحش ذي شعر محمر إلا أنها لا تكاد تخلو من مسحة من الجمال لكنها لا تصفعه، ولوكانت في مكان آخر لقبلته، أما النساء اللائي تهافت عليهن بعد أن رجع من أعوام البعثة فيظن أنهن لون آخر. لايبعثن القرف مثل سيدة البيكادلي. مرحلة جديدة فرضتها عليه حفنة دنانير ليست بذات قيمة تعبّيء الحكومة بها جيبه كلَّ شهر، وخضار ولحم ودجاج يستلمه من طلاب متملقين فيرسله إلى أخواته وإخوانه، .. كل شيء عزيزتي جوستينا تغير ولو عاد الزمن ثانية لابتعت من دجاج التجارب أكثر من قفص أرسلته إلى مستخدمي أنجم ولا غثيان يراودني.

لا قرف!

الآن المسألة لاتثير الاشمئزاز.

مادمتَ ترى رؤوسا تطير، وأشلاء لبني آدم تتبعثر، وتبصر من يكرع دما من صدر جريح ينزف .. فيمكنه بعد كل ذلك أن يترك بقاياه في أي مكان أما هنا فالحالة تبدو أفضل. شيء ما يصبح امتدادا له. وفي باله احتمال آخر، في الجامعة أخبروه أن هناك تجارب ممتازة لكنَّ المؤسسات الخاصة هي الأكثر خبرة، بعد ساعة كان يحتاز طريق داربي في مركز المدينة إلى مختبر الخصوبة، تجاوز المدخل إلى ممر على اليمين، أمور محظورة كثيرة وقوانين جديدة. فحوصات ولائحة شروط أخلاقية. أنت لايحق لك أن تسأل عن سيدة تحبل منك لكنك مادمت ذكرت صديقتك جوستينا .. نعم my girl friend حسنا القانون لا يمنعك تستطيع في أي وقت أن تطلب التفاصيل .. القانون، والأخلاق. مسألة تبدو سهلة وصعبة:خطان متوازيان يمكن أن يلتقيا في دائرة مجهولة. كان يحضر مرتين في الأسبوع. حسن جدا أنه انتبه إلى عامل الوقت، وكانت عنده بقايا نقود تكفي للمغامرة الجديدة. إن لم تنته الحرب سيكون هناك في الجبهة وهنا في بريطانيا.

بكتريا تنسخ نفسها.

ينشطر شطرين!

وربما أكثر. رتابة السكون من حوله تلاشت. في المرحلة الأولى بعد الفحوصات والتحاليل استلم أنبوبة، قيل له ستكون في الحمام ولو جئت متطوعا من غير قصد لدفعنا لك ثلاثين جنيها أجرة الحافلة! دخل من دون تردد، الممرضة الحسناء ذات اللكنة الإنكليزية البحتة قالت له ستسمع موسيقى، وتحيطك أضواء متباينة الألوان .. أنوار حساسة تساعدك على الخيال، فتخيل ماشئت، ولم يتخيل نفسه مع جوستينا قط، كاد يقرف إذ خطرت امرأة البيكادللي واللعاب يلمع على أطراف أصابعها، أما آجر الحمام اللماع المستطيل والأرضية المفروشة بغطاء مرمري وثمة الرف الذي أطلت منه أو عية العطور والصابون، فذلك ماطرد عنه القرف. في الخارج من يعرف أنه الىن يبدا لكن لايهم. خمس مرات بدأ الأولى مع دلال .. البانيو. نعم دلال ممتلئة الجسد عريضة الوجه ساقاها لامعتان فخذاها ملفوفتان جذبها إلى المختبر قبل أن يراها في مطار ما عجوزا مترهلة تسحب حقيبة السفر. بعض الطلاب أحبوا التقرب إليها. كانت مثل الفرس الصعبة انقادت له مختارة بجسدها الأبيض الممتلئ الريان، وطولها الفارع، في البانيو السحري لايخشاها ولا يخاف أن تنقلب عليه.

بدت أليفة مثل جوستينا التي انحنت على عدسة المجهر وهي تقول له بابتسامة واسعة:كم هي مقرفة هذه الذبابة وهي طليقة أما هنا فتكاد لا تخلو من جمال!

 .. اللعبة انكشفت،

تأوه وتأوهت .. أنتَ لستَ في ترعة انحسر عنها المدّ واقفٌ رجلاك في الرطوبة وخيالك يسرح، مع ارتفاع الموسيقى وآهات النغم انقلبت فوقه ثم انقلبت على يديها وركبتيها تأوه معها. مارس مختلف الأوضاع، وكانت الزجاجة بين يديه تمدّ عنقها وتفتح فمها المدوّر لسائله اللزج!

قارورة الحياة الجديدة ..

المرّة تلو المرّة يتخيل في البانيو الترعة الصغيرة فتاة لا يكررها .. يملأ جرتها، قضى وقتا ممتعا على وقع الموسيقى مع طالبة في الفيزياء يجهل اسمها تسبقه بعامين في قسم الرياضيات، هادئة ممتلئة .. لاتعجبه الفتيات النحيفات كلّهن شرقيات عذراوات .. أبصر دم البكارة على منديل أبيض وسمع صراخ اللذة يختلط بالألم وكاد يخصص الجلسة الأخيرة لجوستينا إلا أنه استثنى في آخر لحظة واختلطت بخياله أكثر من فتاة. ليربح امرأة يجهل جسدها. ثم وصل الى مرفأه الاخير عندئذٍ توقفت الموسيقى.

ران السكون على الحمام.

كان وحده مع الوعاء.

ابتسم للمرضة الشقراء التي استلمت وعاءه، وخطت برشاقة نحو الممر خارج الغرفة، ها هو يتخلص من حمل ثقيل. كان يشعر أنه انتشر في العالم، يكاد يطير من الفرح .. انشطر، وتناسخ. بعض البكتريا تنقسم. تعيش إلى الابد .. لا تموت .. لا تندحر قطّ كاللشمانيا. سيبقى أربع سنين أخرى، سوف يظل محبوسا في زجاجة تحت صقيع قاس عندئذٍ تكون حياته الجديدة بيد جوستينا أو امرأة أخرى لا يعرفها .. جوستينا التي يعرفها ويقرؤ خرائط جسدها يمكن أن يتتبع بذرته فيها أما التي لايعرفعها والتي سوف تسأل عن بعضه ولا تعرفه، فالقانون والأخلاق لا يسمحان له أن يعرفها، هناك أيد ستأتي لتخرجه من الوعاء الصغير من بينها يدا جوستينا.

مغامرة هنا وهو محبوس ومغامرة هناك وهو طليق!

شبه متفائل أو متأكد!

وخرج من مكمنه المؤقت عالم الموسيقى ليدفع إلى موظفة أخرى قائمة الحساب، ثم غادر مركز الفحولة يراوده زهو وبعض الإرهاق، بعض منه يظل محفورا في الزمن أربع سنوات مالم تأت إليه جوستينا لتنقذه. مارد محبوس في قارورة. ، قد تأتي أخريات ليطلقنه، شخص يحارب في جبهة ملتهبة وهو يكمن بمكان لا تحرره منه إلا النساء. وحين وصل السكن الجامعي وجد، عند واجهة المدخلِ، قصاصةَ ورق من عبد العال محشورةً في الصندوق الخاص به يحثه فيها أن يقدم إليه على عجل، فظنه يروم السفر معه إلى بغداد، فدخل غرفته يرتاح ساعة أو أقل ثم يغادر!

12

وهاهو هو يبدأ من جديد.

يقف متأملا ..

المطعم القديم اتسع وانفتح على محل آخر فاندمج الاثنان ليصبحا معرض مفروشات. أطل من الزجاج فوقع بصره وسط الداخل الشاحب على شراشف وأسرة ومقاعد، وخطر في ذهنه أن البيت الكبير تغيَّر. أكثر من ثلاثين عاما لكن العائد الى بريطانيا بعد سنين يجدها كما هي وإن تبدلت. واصل سيره في الطريق الضيق. واستغرقته الشوارع الفرعية ثم انحرف إلى اليسار. انحدر على الرصيف المثقل بأشجار الكستناء والزيزفزن. واجتاز بيوتا انمحت ملامحها من ذاكرته. هناك .. عند نهاية الطريق حيث الشارع العام .. وقف والدهشة تعقد لسانه.

البيت تغير تماما ..

الوحيد دون سائر البيوت اختفت حديقته الأمامية .. ترآى له أنه أشبه بعمارة صغيرة . بدا بواجهة أخرى، وعلى حافة الباب يقرؤ لافتة تشير إلى أن البناية مركز للصمّ. بسط بصره في الشارع من واجهة اليمين كأنه يلاحق بعينيه نهرا إلى منبعه. هل مايزال مرتعا للبغاء مثلما عرفه قبل أكثر من ثلاثين عاما؟إنه لم يأت ليطرق الباب فيأمل أن تطل عليه جوستينا. ذلك مالم يخطر على باله. وإن شطح به الخيال بعيدا فإنه يجد واحدة أخرى تخرج إليه تظنّه زبونا غريب الشكل يسألها إن كانت تعرف ساكنة قبلها بعمر أمها تحمل اسم جوستينا. فكرة سخيفة. غير أنه الفضول الذي يدفعه إلى أن يرى محلا قديما عمل فيه للمرة الأولى في حياته، وبيتا سكنته امرأة كانت هي الأولى التي شفته من حرمان طويل، أما اللائي جئن بعدها من زمن الحرب والحصار فتكاد أية منهن لا تبقى معه سوى بضعة أسابيع. كانت جوستينا هي الثابت الوحيد في حياته وسط عالم متغير مثل رمال متحركة دائمة الهيجان تبتلع كل من يدفعه حظه العاثر للوقوع فيها. ساعات الحرب تذكّرها، وكم حسد عبد العال على نعمة فراره، لو أدرك وهو في بريطانيا بشاعة الرؤيا لما عاد، ليبع والده البيت ويسدد ثمن كفالته، فلتبق عائلته من دون مأوى، ذلك أهون من مشهد موت يطبق مثل حبل على عنقه في أيّة لحظة، وهاهو يتذكر إلحاحها عليه أن لا يغادر. يقول مبتسما:

- سيظلّ بعض مني هنا معك!

- لا أفهم ماتعنيه.

يتأمل قليلا ويتريث في الجواب. أكثر من اربعمائة جنيه دفعها غير نادم. قيل له قبل أن يمارس الفحص سنمنحك مبلغا زهيدا مقابل حيامنك. اعتبره أجرة الحافلة. هذا لايتنافى مع القانون والأخلاق إما إذا رغبت في التجميد فلن تبقى الحيامن أكثر من أربع سنوات عندئذٍ عليك أن تدفع مائة وعشر جنيهات عن كلِّ سنة .. المهم ان يحقق نفسه، فقد يقتل في الحرب وهومطمئن إلى أنه مازال يعيش في مكانٍ آخر. ولا يظن أن له رغبة في الزواج إذا ما نجى:

- ألا تراودك رغبة في أن تصبحي أما؟

فمطت شفتيها اهتماما وقالت:

- بالتأكيد لكن ليس الآن.

فتنفس الصعداء بارتياح وقال:

- ستجدين بعضا مني مجمدا فقط احذري أن تتجاهلي لا يغلبنّك الوقت لديك أربع سنوات فقط!

منحها أربع سنوات لتعيده بصيغة أخرى إلى الحياة سواء كان حيا أم ميتا. إنه يغامر على الحياة والموت معا .. ويفاجؤها أنه دفع للعام الواحد مائة وعشرة جنيهات. كان يحلم أن يشتري أدوات لمختبر واسع، لقد تغيّر كلّ شيء . التفصيلات حذفتها أحداث جانبية أكبر من إرادته ولا خلاص لديه من قدر يلاحقه بقسوته:

- لا تشغل بالك مهما يكن سأقدم على الأمر !

احتضنته وقطعت عليه صمته:

أعدك بذلك لا لأنك حشرتني في زاوية ضيقة لكن لا أحب أن أراك محبوسا في علبة صغيره!

وحين غادرها صامتا من دون أن يخبرها بيوم الرحيل كان يعول على الكتابة إليها. جندي في الجبهة يزور أهله مرة كل شهرين وربما أطول. تلك الأيام جللتها صورة العنف وحدها. ثلاث سنوات عنف. لم تظهرفيها بعد صورة جريئة لطالبة تزوره في عشّ صغير هاديء .. لاسكر ولا شقة ولا عبث. العنف عجز عن يمحي صورتها من ذاكرته. جسدها عطرها. الخدر الذي يشعر به حين يتنفس وأنفه بين نهديها. عبق. نشوة. عطر لا حدودله:

- ماهذا؟

- كلامور!

- أي عطر تحب؟

جرب كل العطور ولم يرسخ في ذهنه إلا الموسى والتمساح فكانت تقدم له في اليوم السابع من أبريل قنينة لا كوستا وتغرد معه عيد ميلاد سعيد، ومن حسن حظه أنه ولد في اليوم السابع من هذا الشهر ولو حدثت ولادته في اليوم الأول لتحول إلى أكذوبة كبيرة تذيعها الصحف ووسائل الإعلام ويتندر بها الناس في الشوارع. كل عام وأنت بخير حبيبي. ولم يكن ليجرؤ أن يكتب لها كل شيء وفق هواه. الجندي العائد من الجبهة يظن أنه لن يضمن نفسه في الإجازة القادمة، مع اختلاف كبير فيما يراه:الحرب حين تلسع الوجوه والأجساد تشوهها لكنّ اللشمانيا تشوّه وجوها وتبدوجميلة مع أخرى. لا يكتب لها عن الأجنة والتجميد خشية من أن يؤّل كلامه باتجاه آخر. يتحدث عن عطر الكلامور وعيد ميلادها. فهل وصلت رسائله إليها. هل كتبت إليه؟سيعرف أمورا كثيرة في غد وقد ساوره شك ما في أنها نسيته. عدته لحظة عابرة مرت. مثل أي حدث صغير أوكبير. أن تصبح عبثا أفضل بكثير من أن تكون أكذوبة. جوستينا لم تكذب عليه.

غدا يدرك الأمور كلها. الحقائق تصبح ماثلة بين يديه. فلعلّ جوستينا أبقته في العلبة ولربما جاءت أخرى لا يحق له أن يسأل عنها أطلقته من القارورة !

لم يستقل الترام الذي يبعد بضعة أمتار عن البيت القديم . اقترب من محطة "المدرسة العالية" ، وتلفت. انتقل إلى الرصيف الآخر. "ساينس بري" سوبر ماركت جديد، الطريق صديقه. كان يفضل إن يعود ماشيا إلى البيت الجامعي، فيوفر بعض النقود. تتبعَ أثر الترام، ولاحقته السكة المغروزة كدبوس منتصف الدرب، وبين حين وآخر يطل عليه من خلفه أو أمامه شبح الترام كأنه يسخر منه. يعبره مقبلا أو عابرا مثل غراب يأتيك من خلف وأمام. كان يلهث لكنه أصر على المشي. وعندما وصل مركز المدينة ازداد لهاثه. وقف في مركز المدينة وجلس على الدكة أسفل أحد الأسدين أمام مبنى البلدية، وحين استعاد أنفاسه نهض ثانية، فاستقلّ الترام حيث هبط إلى القسم الجامعي .. فاستسلم لنوم عميق ..

وفي الصباح استقبل يومه على مضض بعمل روتيني زار المختبر الذي عرفه قبل عقود، واطلع من مستقبليه على أحدث ماتوصل إليه القسم، وشعر حين انتهت الساعات الأولى أنه نفض حملا ثقيلا عن صدره، فقد تشتت ذهنه ولا احتمال إلا أن يزور مركز الذكورة في وسط المدينة. استقبلته موظفة شابة بابتسامة واسعة وأبدت اهتماما لما يقوله. أنصتت باهتمام لحديث جرى قبل أكثر من ثلاثة عقود. كان يسألها عن رقم مازال يحتفظ به ويريها وصولات قديمة .. امرأة تدعى جوستينا .. هل قدمت إلى هنا تبحث عن بعضه؟ أشارت إليه بلطف أن يتبعها إلى غرفة أخرى حيث قابله مكتب وجهاز حاسوب .. بقي ينتظر دقائق حتى فتح الباب بهدوء . استقبلته خبيرة ترتدي الصدرية البيضاء وتتأبط ملفا ذا غلاف أخضر وخطوط سوداء:

- مرحبا سيد نادر أنا الدكتورة إيملي المسؤولة عن ملفك!

- أظن أنني جمدت حيامن عندكم وفق الوصولات والرقم المطلوب قبل أكثر من ثلاثين عاما.

- لحظة من فضلك.

دفعه الفضول ألا يتوقف:

- أعرف القانون جيدا فأنا لا أسال عن أية امرأة تبنت بعض حيامني لكن هناك سيدة تدعى جوستينا؟

تصفحت الملف، وانصرفت إلى الحاسوب، وقتها، تلك اللحظة الحاسمة تراقصت حساباته الكثيرة. جوستينا فعلتها أم لم تأت. هناك مجهولة أخرى جاءت كي تتلقح .. كل شيء ممكن وكل شيء محال. لن يخسر شيئا، لاشيء إن لم تفعلها جوستينا سوى الإحباط والشعور بالمرارة. لكنه يود لو أنها فعلتها. لا يعرف لم تراوده مثل تلك الرغبة. وقطعت عليه تأملاته الدكتورة إيملي وهي تقول:

- سيد نادر يوم السابع من شهر أبريل عام 1985تلقحت منك حسب تعهدك السيدة جوستينا .. .وقد تركت لنا معلومات عنها تسمح لك بمقابلتها واللقاء بالمولود!

تراقصت فراشات جميلة عبرات أمام عينيه حدائق تموج بالزهور، وقاطعها بشوق يشف عن رغبة قديمة:

- ماذا كان جنس الجنين؟

- بنت سمتها أمها نادية!

فازداد فضوله. وربما ناقض نفسه عن عمد كأن جوستينا فتحت شهيته على حمل ثان لسيدة أخرى. صورة جديدة له. انشطار آخر. كان يعرف الجواب الجواب سلفا رغم ذلك يجده يندفع لعله يحظى بكلمة ما:

- هل هناك سيدة أخرى جاءت تتلحقح مني "وأضاف" لا أسأل من هي لكن مجرد نعم أو لا؟

فطالعته بنظرات جادة ظنها تحذيرا :

- هذا موضوع آخر من المحال الحديث فيه!

إذن لم يمض عام حتى تلقحت جوستينا. كانت صادقة في مشاعرها معه ووعدها له، لا يهمّه بعد انشطاراته حتى لو انقسم إلى مئات أو ملايين، ولم يلبث إلا لحظات في غرفة يرين عليها الصمت والبياض ..

ثم ..

تأبط الملف ذي الورقات الأربع وهبط إلى الشارع كأنه يضمّتحت إبطه الدنيا كلها، فقد عثر على ذاته التي حبسها في قارورة ذات يوم.

13

نادية نادر سعيد

1986 نوتنغهام

تفصيل غير ذي أهمية:

مكان الولادة المشفى الملكي في نوتنغهام

الأب نادر سعيد

الأم جوستينا فريدريك

1956 ليستر

تفاصيل مهمة أخرى تعنيه:

السيدة جوستينا في الخامسة والعشرين صحيحة البدن. لا أمراض. الطول 170. فصيلة الدم .. الوظيفة طالبة في قسم علم النفس جامعة ترنت!

تفاصيل ثانوية:

رقم هاتف أرضي وآخر نقال ملحق ..

إذن تركت البغاء الذي تسميه عملا حرا أو تجارة، والتحقت بالجامعة بعد سنة. لابدّ أن تكون تخرجت ومارست التعليم. يظن أنها لما تزل حية، ونادية ماشكلها .. لونها. شعرها أسود أم ورثت شعر أمها .. أيهما أقرب إليها في الملامح. مفاجأة متوقعة تسره وتدفعه إلى القلق. يتذكر أنها قالت له ستشتري بيتا هل فعلتها في نوتنغهام أم مدينة أخرى. أمنيته وهو وحيد الآن يتخبط في بحر من الأسئلة والهواجس أن يجد عبد العال، نوتنغهام تعني جوستينا أولا ثم عبد العال، وحميدة بللوز، يا سيد عبد العال يا صديقي العزيز سأدعو جوستينا إلى الإسلام كما ترغب الست حميدة الحمد لله إنها امرأة نصرانية لا تخاف يوم الحساب مع ذلك أخشى أن أدعو أي رجل. في هذه الحالة سيفقد قضيبه حين يدخل دينناcircumcision ياسيدي أما إذا فكر أن يخرج فسيفقد رأسه. أنت تعرف جيدا لو لو تكن حميدة في المطبخ تحضر عصير الفرح لما تجرأ نادر على أن يطلق تلك النكتة السمجة. يقول لوكنت شجاعا قل ذلك أمامها. قل بصوت جهوري .. يتراجع مبتسما ويدعي أنه لا يريد أن يخرب بيت صديقه العزيز، وها هو يأمل أن يجد صديقه القديم كي يشعر بالراحة والأمان إن لم يكن رجع من دون رأس، فأين هي المصادفة التي تجعل اثنين يلتقيان بعد ركام من السنين؟. قد لا ينفعه عبد العال بشيء سوى أن يرى فيه سندا له وهو يبحث عن حقيقة أرادها ان تكون قبل أكثر من ثلاثة عقود. قد يعثر عليه أو لابدّ من أن يعثر. كانا في حركة متوازنة، إما أن تعيش الحرب ثم حين تنجو تغادرها فتجد أن لا شيء يستحق شيئا كما لو أن الفوضى أصل الأشياء، أو أن تعيش في الخارج ثم تعود مختارا إلى الحرب وتنجو فلا تغادر فتجد أيضا ألا شيء يستحق شيئا سوى الفوضى. لا بدّ أن يلتقيه، فلعله يستعين به. كانا في حركتين متناقضتين، ذهاب وإياب، لديه إحساس أن حميدة بللوز بعد أن لاح العنف في الجزائر وظهرت حالات قطع الرؤوس والانتقام وغطى الدم الغابات والحقول وضعت يدها بيده وهربا إلى الخارج. عادا إلى نوتنغهام، أو قد تكون هي نفسها تطرفت وحملت فأسا فعاد زوجها وحده.

كل شيء محتمل!

مثلما كان محبوسا في نوتنغهام طليقا في مكان آخر ربما يعيش عبد العال في الجزائر من دون رأس فيجده في الوقت نفسه براس في نوتنغهام!لكنه بحاجة إليه حتى لو لم يفضِ بأدقّ التفاصيل .. لم يخطر في باله وقتها سوى أن يسافر ا معا، وعندما وصل وجد كل شيء يكاد يكون على غير ما توقع. حميدة بللوز عنده بشكل آخر. ارتدت فستانا يغطي ساقيها. شعر رأسها الكثيف اختفى تحت حجاب يصل أعلى حبينها وينزل أسفل حنكها. مشهد جديد على نادر تماما، ولربما تباهى عبد العال في بعض الأحيان أنّ لديه الحرية المطلقة على جسدها ويستثني العذرية. قطع عليه ذهوله رفيقه مداعبا:

- مالك صعقت كلّ مافي الأمر أن حميدة تحجبت!

- مبارك لك !

والتفت إلى رفيقه ممازحا:

- إلهذا دعوتني على عجل!

- إسمع أمس ذهبنا أنا وحميده إلى الركز الإسلامي حيث تزوجنا!

- مبارك مبارك!

وردت حميده مزهوة:

- الله يبارك فيك ياخوي إن شاء الله يوم نراك عريسا هل تعرف يا نادر لك أجر عند الله إذا تزوجت تلك الإنكليزية وجعلتها تتحجب يكفي الإنسان حياة الحرام وليس هناك أحسن من الحلال!

- كل شيء ياست بأوانه والله ظننت أنك دعوتني لتتحدث معي بشأن موعد السفر!

- بالمناسبة لا تعدّه تطفلا هل صديقتك طالبة؟

- أنهت الثانوية قبل سنتين وفي نيتها أن تسجل في الجامعة أما الرياضيات أو علم النفس لا أدري!

- أنا سأسافر غدا إلى الجزائر وستبقى حميدة هذا العام حتى تكمل دراستها!

- يعني لن تسافري هذه العطلة!

قالت ممازحة: سأبعثه بالبريد قبلي!وأردفت" الدراسة صعبة وأحتاج أن أبذل جهدا هذا العام!

- هل فكرت جيدا بما سيحدث لأهلك!

- الكفالة أجلك الله هي وحذائي ولن يقولوا هرب ثلاث عطل تطوعت فيها. عشت الحرب ورأيت الموت، أثبت أني لست جبانا لكني غير مقتنع !

فبدت حميدة كأنها تلوم:

- قبل أول رحلة قلت لك هذا غلط لا تذهب ثم أخيرا اكتشفت أني على حق!

- طيب قد كان الذي كان لنترك الماضي!

- وأيش يا خوي كان الذي كان واحد يلقي نفسه في النار عمدا

- طيب ماذا عن العمل وقد أصبحت الان لست وحدك وقد تصبح أبا؟

- والدي سفير وعضو في جبهة التحرير وخالي مدير شركة الغاز غير أعمامي وأقاربي الذين يحتلون مراكز مهمة أترى يعجزون عن أن يجدوا شغلا لزوجي وسيبقى في بيتنا حتى لو وجد عملا إلى أن أكمل وألتحق به ؟

مهما يكن فقد قرأ براءتها في اللقاء الأخير معهما، فلا يظنها بعدُ قطعت رأس عبد العال ولا يتصور أنهما بقيا في الجزائر ، من سوء حظه أنّ الموت انتشر هناك فدفعه إلى الهجرة.

وحده أو معها لافرق!

إحساس يدله على أنه يلتقيه كأنه جاء، وفق ترتيب ما يبحث عن اثنين، صديقه القديم ونطفة منه كبرت وأصبحت تتكلم تحس تنطق . كائن حي ذو إحساس، امتداد له ظنه يكون فكان، أو ظنه لا يكون فكان، في حين لا تهمه قط نطفه الأخرى. الملايين التي ذهبت هدرا أو تلقحت ببعضها أخريات.

قليل من اليأس وبعض من الأمل.

مبكرا نهض في اليوم التالي . أعرض عن زيارة المختبر، وفكر بالقطار. الطريق إلى ليستر يمنحه بعض الراحة .. مجاولة .. تخفق أو أو تنجح .. المكان ذاته لم يتغير .. وقفز في ذهنه خلال الهواجس المتضاربة خاطر سريع، هبط إلى مركز المدينة، تناول فطوره في كافتريا .. ثمّ غادر يحث خطاه إلى مكاتب جامعة ترنت، تحدث مع موظفة تعنى بشون التسجيل أحالته إلى موظف رحب به، ونصحه أن يقصد شؤون المتخرجين حيث التقى موظفة بارعة الطول ضخمة تبدو قاسية الملامح لا تغطي ابتسامتها المفتعلة قسوتها:

- لِمَ جئت تسأل الآن؟

- ياسيدتي أعرف أن من حقك أن تشكي لاسيما أني قادم من مكان يعج بالقتل وقطع الرؤوس هذه الفتاة جوستينا ولدي صورة بطاقتها كما ترين كانت صديقتي حينما كنت أحضر الدكتوراه قبل أكثر من ثلاثين عاما في جامعة نوتنغهام وقد علمت فيما بعد أنها حامل مني ورزقت ببنت.

فقطبت حاجبيها ورفعت النظارة عن عينيها كأنها تتمعن فيه:

- ألم تتصل بها طوال هذه العقود.

فهز رأسه متواضعا لبديهيتها:

- سيدتي رجعت والبلد في حرب الخليج الأولى كتبت لها عدة رسائل خلال إجازاتي متأكد أنها أجابت لكن في مثل هذه الظروف يضيع كل شيء "استلّ يده من جيبه"وأردف هذا هو جواز سفري جئت زائرا للقسم الذي تخرجت فيه بتكليف من قسم البيولوجي وهذا هو رقم هويتها جوستينا مكنز فريدريك لدي شهر واحد لو ..

توقف عن الكلام، فتمعنت فيه بصمت ثم نهضت:

- انتظرني لحظة.

غادرت المكتب فبقيت عيناه تحلقان في لاشيء غابت عنهما صورة تشكيل ضوئي ارتسمت على الحائط وأنبوب الماء الذي هبط من الزاوية عند السقف، والشباك ذو القضبان المعدنيةواستفاق أخيرا على وقع خطواتها وهي تداريه بابتسامة وتقول:

 السيدة جوستينا مكنز فريدريك أنهت دراستها في علم عام 1989هذا كل ما لدى الجامعة!

فراوده أمل آخر :

- أتظنينن أنها عملت في التدريس؟

I dont know

وحين لمس منها تجاوبا:؟

- أتظنين أن البوليس ينفعني؟

maybe

كلّ شيء يبشر بخير، هناك أمل، فهل حدثت جوستينا ابنتهما نادية عن شارع ويلفرد، والبيتزا. أبوك كان يوصل البيتزا إلى البيوت. الإنكليز صرحاء. لم يكن يهمها إلف أخوها. العائلة كلها تعرف ممارستها البغاء، لم تنثني أن تقول إنه صديقها .. boy friend .. كلّ شيء يبعث على التفاؤل وإن بدا يخفي ملامح غامضة تستعصي على الحلّ، وفي نهاية نهار بين البحث والسؤال يأوي إلى غرفته في السكن الجامعي. يومان مرا، ولم يزر ليستر بل ألغى الفكرة تماما، لايشك أن السيدة تيري توفيت، قد يظل يضغط على زر الجرس ولا يخرج إليه أحد وفي أحسن الحالات يقابله شاب .. عجوز يصغي إليه والشك يلوح على ملامحه. تضيع جهوده سدى. ثمانية وعشرون يوما مازالت في جعبته لعلها تجمعه بابنته وصديقته القديمة ثم بعبد العال أو قد يلتقيه قبلهما!استرخى على سريره ، وأغمض عينيه، ابتسم في سره ابتسامة المنتصر، قبل عقود حاصر اللشمانيا في علبة ولم يطلقها وكمن يسير نحو المجهول حشر بعضا منه في علبة، بعدها انشطر وراح يبحث عن نفسه التي شطرها نصفين:واحد معه والآخر يقبع في قارورة صغيرة فكان من الممكن جدا أن يموت وينتهي إن لم تخرجه جوستينا أو أية امرأة مجهولة غيرها.

فجأة ..

انقلبت ابتسامته إلى ضحكة قوية حادة ارتجت لها الجدران، وراح يتابع الأيام الباقية له وهو يضحك ضحكة المنتصر الذي يدرك من دون شكّ أنه سيعثر على كل شيء فقده ثم تذكر شيئا كاد ينساه:يوم حاصر اللشمانيا كان الوقت معه وفي متناول يده، ثلاث سنوات وهويطالع كل يوم كائنا مخفيا لايراه أحدغيره، يتأمله، يراقبه بحذر، يخطو لقتله، أما الآن فتقابله- إذ حررته جوستينا دون أن يدري - أيام معدودة، فهل يغامر من جديد ليعثر على كل شيء أم لن يجد صورته الأخرى قط؟

نوتنغهام

انتهيت من كتابة هذه الرواية في يوم:

الثلاثاء 27 / 11 / 2018

 

ملاحظات مهمة

قبل ثلاث سنوات خلال إحدى المكالمات الهاتفية جاء اقتراح من الناقد الكبير د صالح الرزوق بالشكل التالي:لماذا لا تكتب رواية عن نوتنغهام او رواية تجري أحداثها في نوتغهام. طبعا هذا تحفيز لذاكرتي.

حوالي 12 سنة مرت زارت دكتورة في البايولوجي جامعة نوتنغهام باتفاق مع جامعة البصرة واستضافتها عائلتي في منزلنا حدثتنا عن قضية يوم كانت طالبة وهي أن هناك أستاذ مغرور صعب في العلامات صعب أقسمت أحدى الطالبات أن تلقنه درسا ستدعي انها لم تفهم التجربة وسيأتي معها في المختبر وطلبت أن لا يأتي احد من الطلاب معهما وفي المختبر صفعته وصرخت أنه حاول التحرش بها فانكسرت شخصيته ي الجامعة. كتبت الواقعة في دفتر الملاحظات، تخيلت وقتها أن الطابة بعد سنوات طويلة ستقابل الدكتور الضحية في المطار وقد تغير شكلها وشكله!

هناك في بريطانيا يحق للشخص أن يؤجر بمبلغ رمزي مزرعة صغيرة أو حديقة تسمى بالدنماركية plot وبالإنكليزية allotment قلت لصديقي العزيز د صالح رزوق إني سأشتري دجاجا أربيه في المزرعة فأنا من قرية نهر جاسم الزراعية ذات النخيل وأحن إلى الفلاحة، فأخبرني أن هناك حيوانات تجارب وطيورا ودجاجا يباع حيا في campus جامعة نوتنغهام يبيعونها حية بعد الانتهاء منها بسعر زهيد ودائما يشتريها الطلاب العرب ليذبحوها شرعا ركبت الحافلة وزرت المكان رأيت الطيور والأرانب والدجاج والخرفان فقرفت نفسي وتخيلت المواد الكيماوية التي تتحملها أجساد تلك الحيوانات"طبعا لم يكن الوقت وقت بيع لكن نفسي قرفت من مشهد تخيل التجارب على تلك الكائنات"

أخبرني صديقي رئيس قسم البايولوجي في جامعة ترنت بنوتنغهام والذي كانطالب دكتوراه خلال حرب العرلق وإيران أن في كل جامعة فيها عراقيون هناك طالب مسؤول حزبي يجتمع بهم كل أسبوع أو أسبوعين الاجتماع الحزبي ويبلغهم عن تجمع في لندن بعض الاحيان يكون شهريا تنقل الطلاب حافلات على نفقة السفارة يطالبون بوقف الحرب في كل مقاطعة هناك حافلة باص وكنت أظن أن التجمع يكون أمام السفارة الإيرانية لكن الطلاب الدكاترة الآن أخبروني أن السلطات البريطانية منعتهم من التجمع عند السفارة الإيرانية فاختاروا اللقاء في الهايد بارك ثم ينطلقون في شوارع لندن.

حدثني صديق لي طبيب مدير مشفى وأخصائي عيون خلال الاجتماعات كان المسؤولون الحزبيون يسألون إذا كان بإمكان الطالب الذي يسافر إلى أهله في العطل لأن يتظوع في الجبهة لكن يبدو أنهم لم يجبروا أحدا على ذلك. وأكد لي الخبر أكثر من صديق.

زودني الدكتور صالحالرزوق بمعلومات عن تخزين الأجنة وقمت أيضا بزيارة أحد المراكز فعرفت أن المتطوع إذا كان يرغب في تجميد أجنته فيعظنه مبلغ النقل يمكن ثلاثين باوند ولا يحق لهمطلقا وفق القانون والأخلاق أن يسال عمن أخذت أجنته لكن في حال أن يوصي لامرأة ما فيتحمل دفع 120 باوند عن كل سنة والإجالي 280 أو أقل بقليل لأن الأجنة لا تتحمّل تجميدا أكثر من أربع سنوات.

كان في بريطانيا نوعان من الطلبة الطلبة المتفوقون وهؤلء يُبتعثون على نفقة وزارة التعليم العالي والطلبة الذين يبعثهم الحزب بغض النظر عن مستواهم لكن طلبة بعثات وزارة التعليم العالي يضطرون للانضمام إلى الحزب سواء في العراق قبل ترتيب البعثة أو في بريطانيا تفاديا لمواجهات غير محمودة من قبل السفارة.

أخبرني الدكتور صالح عن المبلغ الذي يستلمه الطالب السوري وسالت الأكاديميين العراقيين فأخبروني أن الراتب كان يأتيهم من السفارة بحوالة أو صك بالبريد للمتزوج 450 باوند وللأعزب نصف المبلغ.

قمت بزيارة إلى شارع البغاء في نوتنغهام واستطلعت المكان جيدا لكني لم أحاول أن أتوغل في المكان أكثر وقد عدت ماشيا أتتبع طريق الترام لأن الشارع إلى مركز المدينه كانت تعبره السيارات في ثمانينيات القرن الماضي حيث بني خط الترام قبل خمس سنوات.

هناك مكان زاره الدكتور صالح رزوق عندما كان طالبا في ثمانينيات القرن الماضي برفقة أستاذه وهو منزل سيدة في القرن السابع عشر. السيدة تزوجتأربع مرات في المرة الرابعة من ثري ورثته بعد موته فاصبحت في عصرها تحتل المركز الثاني أو الثالث في قائمة أثرياء بريطانيا في ذلك العصر وقد جعلتها المثل الأعلى للبطلة جوستينا. لقد ذهبت إلى مركز الاستعلامات وأخبروني عن حافلة تقلني إلى مدينة صغيرة معينة بين لستر ونوتنغهام ثم أستقل حافة أخرى بعد ذلك أمشي ميلين لأصل إلى القصر. لقد كانت الرحلة منعبة للكنها لذيذة.

زرت المختبر بفضل صديقي رئيس قسم البايولوجي وعلمت أن الأجهزة الحالية متطورة عما كانت عليهي عام 1982

لكنها قريبة الشبه بها.

قابلت بعض الزائرين القادمين من جامعة البصرة وحكى لي بعضهم عن أيام الحصار وقد أخبرني من قبل أستاذي الدكتور ( .. ) أطال الله في عمره أنه عمل سائق أجرة بعد الدوام.

وفق المعلومات أعلاه جعلت البطلة بغيا والطالب الذي كان يتطوع في الحرب يتخرج ولا يرجع للعراق في حين لم يذهب البطل الذي شغل باللشمانيا في أية عطلة لكنه اختار الذهاب مع أنه كان يعرف مصيره.

نسختتعليقات السادة الأدباء والنقاد السابقة لكي أطبعها مع الرواية إن كان أي منهم يرغب في نشر تعليقه وسأطبع مع الرواية أيضا ما أجد من تعليق معن هذه الحلقة من باب الاعتزاز.

في المخطط الأول تراءت لي نهايتان:الأولى التي يجدها القاريء والثانية أن البطل يعثر على البطلة يقابلها بعد تلك السنين ثم يقابل ابنته النهايتان كلتاهما ناجحة لكنني فضلت النهاية التي بين يدي القاريء الكريم وقد أشار د الرزوق أن لا مانع أن أجعل للرواية نهايتين ثم بعد نقاش أخبرني أن النهاية هذه هي الأرقى.

 

قصي عسكر

..........................

في الختام أشكر كل من زودني بمعلومات دونتها ثم صغت منها هذه الرواية يأتي في المقدمة د الرزوق وأشكر أيضا صحيفة المثقف والاستاذ ماجد الغرباوي على اهتمامه بنشرها في حلقات. 

 

 

عاطف الدرابسةقلت لها:

لا تحاولي أن تسرقي النَّدمَ من عينيَّ

أو من تفاصيلِ الجسد

فلن أحجبَ عن نفسي وعنكِ

خيبةَ الأمل !

*

كلَّ يومٍ أقتربُ من الحقيقةِ

كلمةً أو كلمتين

أحاولُ أن أُمسكَ بكلِّ الخيوطِ المجهولةِ

التي تُحرِّكُنا كالعرائسِ في مسرحِ الحياة !

*

لن أهربَ من هزائمِنا

لن أهربَ من أسرارِ عذابِنا

أو أسرارِ فسادِنا

لن أهربَ من جهلِنا

ومن حمقِ أحلامِنا

لن أهربَ من عينيكِ

حين كانت تنظرُ إليَّ باحتقارٍ

وهي تُفتِّشُ عن معاني الرُّجولةِ

أو البطولةِ

في ملامحِ وجهيَ المهزوم !

*

هل تعرفينَ ؟

لقد خلعتُ إرادتي على ذلك السَّريرِ

وتركتُ كرامتي تتألمُ على وسائدِ اللَّيل

وفقدتُ شهامتي على شواطئِ شفاهِ بناتِ اللَّيلِ

لم أعدْ أُتقنُ المشيَ واثقاً دونَ انحناء

لم أعدْ أجيدُ الغضبَ

لم أعدْ أُتقنُ لغةَ الثَّورةِ

أو فلسفةَ الرَّفض

باختصارٍ ..

 لم أعدْ أنا .. أنا !

كلُّ الدموعِ التي أذرفها

لا تُطهِّرُ إثماً واحداً من آثامي

فالغارقُ بالآثامِ لا يخشى الخطأ !

*

أخجلُ من عروبتي

وعينايَ لا ترى سوى امرأةٍ

بثوبِ نومٍ أحمرَ

وشعرٍ على الصدرٍ منثورٍ

وعطرٍ يفوحُ بالعبيرِ

وشفاهٍ بلونِ الكرزِ

أو بلونِ القرميد

وجسدٍ يفيضُ رغبةً

كموجِ البحورِ

وكأسٍ مُعتَّقةٍ

وسريرٍ في فندقٍ لا تَحدُّه النُّجومِ

وغرفةٍ مجنونةِ الألوانِ

مجنونةِ الشُّموع

ترقصُ فيها الأضواءُ

على الجدرانِ

كدوائرِ الماءِ

حين يتنزَّلُ عليها المطرُ !

*

أخجلُ من عروبتي

وعينايَ لا ترى

سوى وطنٍ من الغثيانِ

يضيعُ

يتبخَّرُ كالماءِ دون درجةِ الغليانِ

يتجمَّدُ على درجةِ حرارةٍ فوقَ الأربعين !

*

أخجلُ من عروبتي

وعينايَ ترى كالأعمى بلا عصا

أفكاراً مُستعادةً

أحلاماً مُنتهيةَ الصَّلاحيةِ

شباباً ينامُ على حافَّةِ اليأسِ

نساءً لا تلدُ إلا القهرِ

آااااه

ما أكثرَ البعوضَ في ليلِ وطني

لا أعلم :

هل الدَّمُ الذي يجري في شراييني يكفي ؟

*

أخجلُ من عروبتي

والكذبُ يتسلَّلُ إلى دماغي بتثاقلٍ

كأنَّه دودةٌ عجوزٌ

أو سلحفاةٌ عمياءُ

تشبهُ اقتصادَنا

وصوتٌ كاذبٌ يخطبُ في الحشودِ :

افتحوا كلَّ الأبوابِ

واتركوا البلادَ

تعبثُ بها أيادي الفساد !

افتحوا كلَّ المعابرِ

للعُهرِ وشياطينِ الاقتصاد !

افتحوا كلَّ المنافذِ

وكلَّ الأسواقِ للبيعِ والشراء !

فالأسعارُ هنا - كما علَّمنا حكماؤُنا الجهلاءُ - أرخصُ من التُّرابِ

فضاعَ كلُّ التراب !

آاااه

ما أفسدَ ثقافتَنا !

وما أغلى التُّراب !

***

د. عاطف الدرابسة

 

رحيم زاير الغانمولأني قريب من الماء

اتيت منسابا شفيفا

وأنا بلون أسمر

بعض الشيء

فالخلجان تدور ...تدور

بخجل وقليلا ما تتدافع

فأتيت رحيماً،

وهكذا أسمتني الأيام

وهي تقرأ عن الحب

وجوه من البشر تمضي،

وجوه ملتاعة بالليالي البيض

وسَمر المناجاة

هكذا أحبو

*

بانتظار موجة جزلة

سريعا ما تتكسر

عند سواحل أحلامي،

مشيت ولم أتوكأ

على من لا يتقن حمل

جسد صبي يافع

2

أُحلق عاليا

سارحا بقمر مهيب

في نأيٍ عن الجدران

التي لا تتسع لجناح

ودَّع الزغب حديثا

أحلق سريعا

خوفا على نجومي البيض

خشية اسمرارها

هكذا اشتد لحني

وصارت لي كلمات ونغم

ما أرى من حياة

هكذا دنوتُ مني

كي ابقى محلقا بي

بعيدا ....بعيدا... هناك

3

ان أنفلت من ادنى

مبضع يتوسط اناملي

ان اتقي غدر

رحى لا تدور

الا باغتيال كفيَّ،

عندها فقط

سأتخذ من شتاتي منفى

وأمضي وحيدا

ومن خلفي عكازٌ

يتلقف ما قد يتساقط من جسدي

4

لهذا كنت قريبا

في هذه اللحظة

لهذا اعيدك

حاضرا وذكرى،

فلا غرابة لو

أورقت الفصول

وسرحت الضفاف

عن النهر

في عود الى احضان

الشتات

هكذا نمتُ

هكذا صحوتُ

على رهافة نايات عصافير البهجة

التي ما تنفك تداعب رحيق الذكرى

هكذا أراني منتظرا من يسكب

صورتك في الكوز

ليوقظ سكرتي

أنا

الذائب حد التلاشي

5

مع من اقف؟

مع من لا يجيد

التلاعب بالرموز؟!

او مع من لا يجيد

الاحتماء بالكلمات؟

هكذا اقف متجمدا كنهر

غزته موجات

زمهرير خواطر قاتلة

كأي غريق

منسابا بلا هوادة

الى التجمد

وبلا ترائب من احجيات الصقيع

***

رحيم زاير الغانم

 

صبيحة شبرلم يكن ذلك بالحسبان، ان يتم التنكر لكل متاعبك، وما قدمته لهم من محبة، نسيت نفسك، وما تحبين، وسعيت من اجل اسعادهم، قدمت قلبك، فتغافلوا عن هديتك، وابتعدوا عنك، آلمك وضعك القاسي وآليت على نفسك الا تنطقي حرفا يدل على غصتك الكبيرة، كل شيء توقعته، الا ان يتركوك في وقت تكونين باحتياج الى كلمة منهم، تخفف بعض ما انتاب قلبك من آلام، ماذا يمكن ان تقولي لمن يحرص على الاستفسار منك عن مصيرهم المجهول، وما الذي جعلهم يبتعدون عنك ذلك الابتعاد اللئيم؟ لم تقترفي اثما، ولم ترتكب أياديك خطأ يمكن ان تحاسبي عليه، كل ما جنيته محبة قلبك الكبير لهم، وحنانك الذي وهبته لمن لايستحق، هل كنت تدرين ان عواطفك الثمينة سوف يتم تجاهلها؟ وان تضحياتك الجسام لاتجد من يعترف بأهميتها، وان أيامك ستضحى باردة ميتة، تمضي بلا حياة، غادرتك المودة بعيدا، وبقيت تعتاشين على الذكريات المؤلمة

تذكر بطاقة ميلادك انك جئت الى الدنيا في الاول من حزيران كأغلب ابناء بلادك وانت مسرورة تضحكين آملة ان تكون ايامك القادمات حافلة بالنعيم، ولكن الايام قضت على احلامك البسيطة بالفرح، بقيت تشعلين الشموع بعيد ميلادك، وافراد اسرتك الاولى يبادلولونك التهاني ويشاركونك الفرح ويقدمون لك الورود، فتجعل ايامك مترعة بالبهجة، ولكن ما ان ارتبطت بالرجل الذي ظننت انك سوف تصلين معه الى الفردوس، ارسل سهام النقمة لتصيب قلبك وتئد فرحتك :

- لماذا تحتفلين بعيد ميلاد كاذب؟

- جئت الى الدنيا بالاول من حزيران كما اخبرتني الوالدة !

- ولكن اكثر اصدقائي وصديقاتي قد سجلت اسرهم يوم ميلادهم في الاول من حزيران بوصفه منتصف العام !

- جئت الى العالم بهذا اليوم !

- لا اظن انك صادقة فيما تزعمين !

ابتعد احبابك ووالدك وامك عنك مرغمين، وغادرت بلادك واصدقاءك مضطرة، ولم تجدي في بلاد الغربة من يعرف تاريخ ميلادك، ويأتيك مهنئا، فآثرت ان تحتفلي مع نساء العالم بعيدهن الوحيد ..

في الثامن من آذار من كل عام أصبحت تتأهبين للاحتفال بمولدك، تهيئين ما كانوا يحبون من ألوان الطعام والشراب، لتكون مائدتك عامرة بما لذ وطاب، وفي خضم ذكرياتك تراودك الأحلام ان واقعك المر يحمل لك بعض قطرات من السرور، وانهم قد يفكرون بك كما كانوا في ماضيك البهيج، ويشاركونك الاحتفال ويطول انتظارك، ولا احد يفكر في عذاباتك المتجددة وسعيرك المقيم، اية لعنة حلت بك، فجعلتك تأملين في مودتهم المنقطعة، وفي حنانهم المفقود، لماذا يحل عليك السراب ويجعلك تتقلبين في نيرانه المشتعلة؟ ماذا اقترفت من جرائم لتستحقي هذا العذاب؟

تنظرين الى هاتفك اللعين، علهم يتصلون، ويطول الترقب، وتشربين سما زعاقا قاتلا، هاتفك لاحرارة به، تنقذك من حتفك المنتظر، تنظرين من النافذة ، آملة ان تأتيك بالخبر السعيد، ولكنها خرساء، لايمكن لها ان تنطق بما يسرك

- عيدك سعيد، وأيامك رافلة بالنعيم

تتلألئين كالنجوم، والفرحة تنطلق منك، ينبثق السرور من نسمات الهواء، ومن حروف الناس، وتغريد البلابل، وانت تبثين الفرح لكل معارفك وأصدقائك، صورك تتحدث عن بهجتك العظيمة وسرورك الرائع

أين ذهبت تلك الأيام؟ ولم حل الخراب في أرضك، وغادرتك الفرحة؟ ونعقت الغربان في عالمك البائس

انقلبت الدنيا وحل الظلام، وتركتك البهجة ميممة وجهها صوب السعيدات،اللاتي يصنعن الفرح بأنفسهن، ولا يبالين بمن يغير عاطفته كل يوم

يطول عذابك في كل عام، يا للأمل من وقع مر على القلوب المتعطشة، أضناك طول الانتظار وقسوة الأحلام، يمضون بلا عودة، لماذا تحلمين؟ واية قدرة تملكينها على ايلام روحك؟

- هل كلمة مبارك صعبة عليكم؟

- لكن هذا اليوم ليس عيدا لك، انه عيد كل النساء، عيد المرأة في كل العالم، وانت سجلت ميلادك في1/ 7 وهو يوم من لاميلاد محدد لهم

تشتعل نيرانك، لم يكثر من ايلامك؟ ولم تخطئي في حقه، وقدمت له كل ما يحب بنو البشر

- هنأت كل النساء من أعرفها، ومن لا أعرفها بهذا اليوم، كيف ترضين ان تحتفلي بعيدك بيوم ليس لك؟

يواصل طعنك برغبة وتصميم :

- قدمت هدايا عديدة لصديقاتي سندس وسهام وعالية وخديجة في أعياد ميلادهن، لم تأتي احداهن في 1\7 انما لكل منهن تاريخ ميلاد محدد

كنت سعيدة تملؤك الفرحة

روحك تزغرد،ونفسك تبتهج وانت مرتاحة لحب تتوهج به حياتك، ولكن لاشيء يدوم، كل ما فرحت به قد انقلب وداسته اللامبالاة التي تزهق قلبك

لم تنتظرين؟ ولم يحزنك موقفه اللامبالي؟ الم تعرفي بعد كيف تتناسين جراحك؟ وألا تكترثي لما مر بك من منغصات؟

هل تأكد من اعياد ميلاد صديقاته المزعومات؟ وهل اطلع على جنسياتهن، ألم تخبره كل واحدة بيوم ميلادها لتنعم بهدية منه؟ ما شأنك بمن أحب كل امرأة، وتناسى من لم تعرف أحدا سواه، فلتجربي نسيانه، فالحياة لحظة واحدة تمر مر السحاب..

تذهبين الى انغامك المفضلة، تفتحين الة التسجيل، تستمعين الى ما يحبه قلبك من ألحان، ترقصين على الأنغام الجميلة، تشعرين أن عذاباتك يمكن نسيانها، وتصممين على مواصلة الاحتفال مع ملايين النساء في العالم ، انه يومك المشهود، تذكري ما قدمته المرأة من فرح للبشرية وما ناضلت من أجله ملايين النساء واشعلي شمعتك لتبتهجي بعيدك السعيد، الفرح يبدأ بخطوة، تعيشين يومك الباسم وتتنفسين ملء نفسك وانت تصممين على ايقاظ البهجة في قلبك المحب، اصبح لك يومان تحتفلين بهما الاول من حزيران يوم ميلادك والثامن من آذار عيد كل النساء ..

 

صبيحة شبر

5 آذار 2013

 

فاتن عبد السلام بلانمرثية مُهداة إلى روح أخي الحبيب أيمن عبدالسلام بلان

 في أربعينه الذي يصادف في ٢٠١٩/٠٢/٢٠م

 

أربعـون غيابـًا

أربعـون وجعـًا

أربعـون جمـرًا

والأحجية الثلاثية الحروف

تتوه في أبخرة الضباب .. !!

فكم يلزمني من العُمر

لأفكَّ شفرة الموت

وأربّت على حدبة حزني

وأيمني* يسافر في أيسري

وفي قلبي مآذان لـ الآه

وكنائس لـ العويل .. ؟؟

كم يلزمني من الوقت

لأضفرَ خصلات ذكرياتك

وأصفّفها في ألبوم صور ؟

كم يلزمني من الوعي

لأنتفضَ صحوة

تحت صفعة رحيلك

وأعبّئ دموعي

في غربال الإنتظار .. ؟؟

وا أيمناااااه

لماذا تعقّني قوافل عناقك ؟

وا أيمناااااه

كيف تبرّني واحات سرابك ؟

 وأحلامي فيك تثكلني

بأكفان الفراق

فيضربني الأرق

عُرض الحرقة إلا صبرًا .. !!

أيرضيك فراغي

إلّا من غيابك

وسوس الفقد

ينخر خافقي

بألدّ غصّات الوحدة .. ؟

فعلى صدر الليل

تبكي أصابعي

 شهقات قصائد

وتمتمات عتاب

وأيمني الموغل في أيسري

يهزّ فنجانه مودّعًا

فتشيخ قاحلة صباحاتي .. !

أربعـون يومـًا

ويمام الأمل نائح

في قفصي الصدريّ

أربعـون خنجـرًا

تنخز شرايين روحي

وأيمني* شحيح الوصال

أبكيه طوابير أشواق

وحشود نداءات

ورمشه عضَّ البريق

تحت أكمام المغيب ونام .. !!

 ***

فاتن عبدالسلام بلان

.......................

* أيمني: أخي الحبيب أيمن رحمه الله

 

 

 

صحيفة المثقفكثيرون هم الذين كانوا يأتون الى محل والدي، ليس فقط زبائن دائميين أوعابري سبيل، بل وايضا اصدقاء وجيران من المحلة التي نسكن فيها، يقضون أوقاتهم في الأحاديث وتبادل المعلومات والآراء. منهم من يرتدي العقال والدشداشة، وهم أكثرية، ومنهم من يرتدي البنطال والسترة، بعضهم يأتون مهندمين بربطة عنق عريضة وطويلة، مختلفة الألوان. مما يبدو انهم موظفون في دوائر الدولة، او معلّمون، هؤلاء يلقبونهم في مدينتنا بالأفندية. وكنت اتسائل في سري:

- لماذا  يخنق هؤلاء انفسهم  بهذه القطعة من القماش؟      

كما يأتي احيانا الى المحل، اشخاص، يرتدون ملابس لم تكن مألوفة، على الاقل بالنسبة لي، فأنا لم ار مثلها سابقاً، فبدلاً عن العقال يضعون على رؤسهم كوفية مكورة، وبدلاً عن الدشداشة يرتدون سروال عريض من الخصر حتى الركبة ثم يبدأ بالتقلص عند القدم، ويتكلمون بلغات ولهجات مختلفة عن اللهجة التي نتحدث بها نحن في مدينتنا. مرة واحدة اتذكر جاء رجل يرتدي قبعة تشبه قارباً مقلوباً، عرفت فيما بعد انها تسمى سدارة، وأن اكثر من يرتديها هم اهل بغداد.  ولهذا الرجل حكاية سأرويها لكم لاحقاً، اذ لها علاقة بمجريات أمور البلد السياسية والاجتماعية ...الخ. 

 اغلب الرجال الذين يأتون الى المحل، لديهم شوارب كثيفة، او خفيفة، تتجمع تحت ارنبة الأنف، أو على امتداد الشفة العليا، بعضهم ملتحون والبعض الآخر حالقوا الذقن.

لكن احد الاشخاص الذين يترددون على محل والدي وبفترات متباعده هو شيخ حسين، اعرفه لأنه قريب لعائلتنا، ولكن من بعيد، من اطراف العائلة. كان هذا الرجل، وهو شاب ربما يكبرني بعشر سنوات، أو أكثر بقليل، وسبب عدم وجوده الدائم في المدينه هو سفره للدارسة في النجف، في مدرسة تسمى الحوزة. هو متدين، يطلق لحية كثيفة، ويلف على رأسه عمامة بيضاء اللون. اتذكره انه كان محبوبا من قبل ابناء المدينة، خلوقاً وبشوشاً لاتفارقه الابتسامة، ابداً. لم يكن متزمتاً، كما سمعت من احاديث الناس عنه، ان اغلب اصدقائة ليسوا متدينين، فهم لا يؤدون الصلاة وماشابه من الطقوس الدينية، حتى أن بعضهم يشربون الخمر، يبتعاونه من الدكان الصغير الوحيد في المدينة، قرب الشط، وكان هو يحاول تقديم النصائح لهم بضرورة الالتزام بمبادئ الإسلام في الصلاة والصوم ...الخ، ثم يختتم حديثه دون ان يتخلى عن الابتسامة بجملة "الله يشهد انني بلغت" ثم تستمر جلسات السمر مع اصدقائة.

كان جلاّس المحل يقضون اوقات فراغهم في تبادل اخبار المدينة وما يدور في اسواقها، وخلف ابوابها المغلقة، لكن كثيراً ما يكون للوضع السياسي في البلاد مساحة كبيرة من تلك النقاشات، وفي بعض الأحايين تعبر النقاشات في الامور السياسية حدود البلاد الى بلدان اخرى.

- مدينتا ورغم صغرها وقلة عدد نفوسها، لها تاريخ سياسي مهم، وماتذكره الكتب عنها قليل جداً.

هذا ما سمعته، لأول مرة، من أحد الجالسين، بينما اثنى آخر على هذا الكلام..

- اي والله يخوي ابوعمر لا عاب حلكك... تذكر ثورتنا بسنة الخمسه وثلاثين اشسوينا بالانجليز؟".

كان هذا الرجل ولا اتذكر اسمه الآن، يتحدث عن ثورة فلاحي المدينة عام 1935.

كنت كثيراً من الاوقات اجلس في المحل مجبراً، نزولاً عند رغبة ابي، بل بالأحرى هي أوامره التي يجب أن انفّذها كولد صالح. ولكن في بعض الحالات، والشهادة لله، يمنحني حرية اللعب مع اصدقائي، لبضع ساعات، خاصة ايام الجمعة، وهي عطلة المدرسة، والاثنين عطلة الحلاقين.

في أغلب الأحيان كنا نلعب في ساحة المدرسة.. كان الدخول اليها والخروج منها سهلاً، ونادراً ما كنا نستخدم الباب الرئيسي للمدرسة، حيث كانت مفتوحة من الجهة التي تقع فيها غرفة الصف الخامس، وهو الصف الأخير في مدرستنا، في تلك الفترة.. كان سياج المدرسة مهدّم وكأن هزة ارضية اصابت البناية، وباتت مفتوحة لاي كان الدخول اليها.

- صارت خان جغان، قال احد المعلمين ذات مرة.

اتذكر في إحدى المرات هرب ثور من المستوصف البيطري الملاصق للمدرسة ودخل الصف الخامس لاجئاً، لكنه خلق بلبلة وبث الرعب بين التلامذة الذين هربوا من الصف الذي أصبح حطاماً إذ كان مبنياً من القصب.

أكثر وسائل اللهو التي كنا نقضي فيها اوقات ما بعد المدرسة كانت لعبة كرة القدم. أنا كنت العب في اغلب المرات اما دفاع او يختاروني مراقب خط. لكننا كنا نلعب "الكعاب" و "الدعبل"، وغيرها. كانت المدرسة قريبة من بيوتنا، فنحن زملاء في المدرسة وجيران واصدقاء في المحلة. وكنت عندما أجد نفسي مجبراً على الجلوس في المحل، بعد المدرسة، احاول التهرب بحجج كثيرة، وفي بعض الاحيان كنت انسحب، بهدوء، دون أن يلحظ ابي خروجي من المحل، حيث يكون هو منهمكا في قص شعر زبون.

لكن حدث شئ ما، لا اتذكر تماماً ما هو، جعلني انشد الى الجلوس في المحل، فبعد أن كنت في البداية اشعر بالضجر، بدأت استمتع بأحاديث الجالسين. وخاصة ابي..

نعم، لقد تذكرت الآن، الشئ الذي جعلني أحب كثيراً الجلوس في المحل، فقد قرأنا في المدرسة قصة "الحلاق الثرثار".

كنت أتابع بنظراتي ابي وهو يحرك المقص مع المشط بالتوالي في شعر الزبون وباتجاهات مختلفة، وايقاع متواصل، وفي ذات الوقت يتحدث الى الآخرين، واقول في نفسي.." هنا بور آرثر وهنا انكسر كروباتكين وهنا انتصر يوهاما وهنا اندحر ..كنت اشعر بالخوف احيانا من ان ياخذ الحديث ابي ويلهيه عن عمله وهو يقص شعر الزبون، خاصة اذا كان يمسك بموسى الحلاقة، فتحدث الكارثة. كما في تلك القصة الخيالية للكاتب المصري احمد المنفلوطي، لكن لم يحصل شئ من هذا القبيل، فكل شئ كان تحت السيطرة. أو تحت موس الحلاق.

قصة الحلاق الثرثار تلك، كانت الطُعم الذي فتح شهيتي على القراءة بنهم.

مواقف واحداث كثيرة مرت وانا اتابعها واعيش تفاصيلها من خلال جلوسي في المحل، الا ان امرا واحدا ظل عالقاً في ذاكرتي بشكل راسخ، وهو حكاية احد اولئك الذين كانوا ياتون الى المحل لقضاء الوقت.

كان ذلك رجلاً في متوسط العمر، وعلى ما اتذكر يعمل موظفا في البلدية. كان هو الوحيد الذي يجلس مرتديا معطفا بياقة واقفة يغطي بها اذنيه. صحيح الطقس في الشتاء عندنا بارد جداً لكن هذا خارج المحل، واما في الداخل فهنالك "صوبة علاء الدين" التي تنشر في المحل حرارة تجعلني مضطرا لأتحرر من سترتي التي كنت ارتديها على دشداشة البازة المقلمة.

كنت اتابع حديث هذا الرجل الذي يبدأ رزيناً ينطق الكلمات والحروف وكأنه استاذ امام تلامذة، لكن وبعد برهة من الوقت، يبدأ حديثه يتباطئ، ويلوك الكلمات بطريقة لم افهمها، ثم تتهدل شفتيه ويظل ينطق مخارج الحروف بصعوبة شديدة.

في بداية الامر لم انتبه الى تلك الحالة فقد كنت مشغولاً بالاصغاء الى النقاشات التي كانت تدور على السنة الجالسين بشكل دائم، دون نقاط او فوارز، حتى بعد مجئ خلف القهوجي وهو يحمل صينية سطرت فوقها استكانات الشاي. فهم يواصلون الأحاديث مع ايقاعات الملاعق الصغيرة التي يحركون بها السكر الذي يحتل نصف الاستكان ويذوبونه بها في الشاي.

لا اريد الاسترسال بالوصف حتى لا افقد تسلسل الحدث في ذاكرتي، اعود الى حكاية الرجل. قلت اني لم اكن مهتماً به في البداية، لكن ما اثار انتباهي هو عندما كان يهم بمغادرة المحل، فهو ينهض من كرسيه بحذر وبطء كمن يحاول استرجاع توازنه. حسبته بادئ الامر يعاني من مرض ما، يجعله هكذا، وكدت ان اسأله ان كان يحتاج الى مساعدة، لكنني انتبهت الى  امر آخر انه كان بين فينة واخرى يخرج من جيب معطفه قطعة خيار يلوكها دون ان يسمع لها صوت وهو يطحنها بين اسنانه.. هذا الاكتشاف اثار فضولي اكثر وجعلني اتابع كل حركاته بإهتمام شديد..

في احدى المرات فطن الى انني انظر اليه فابتسم وطلب مني ان اجلب له ماء من الصنبور المنصوب في زاوية المحل:

- عمي ما تجيب لي أمّية يرحم موتاك.

- إي عمي صار.

حملت له كاس ماء بارد من الصنبور حيث أراد أن اتركه مفتوحا ليتخلص من الشوائب التي تأتي مع الماء عند فتحه ثم ينساب بارداً صافياً.. شكرني وكرع الكأس دفعة واحدة. في تلك اللحظة وبينما كان يرفع رأسه لارتشاف الماء رأيت امراً غريباً، شيئاً لم اعرف سبب وجوده. كان ذلك يشبه انبوبة رفيعة سوداء كما لو كانت سلكاً كهربائيا مقطوعاً ومفرغاً من محتواه، بانت من تحت اليشماغ الذي كان يلف به رأسه وعنقه. اردت ان اسأله عن ذلك الشئ، لكني لسبب ما لم افعل ذلك، فلربما اعتقدت انه مريض، وتلك الانبوبة من لوازم العلاج.. لكنني وعندما قلت لأبي ما شاهدت، ابتسم الوالد، بعد أن طرق يفكر، وكان قد اخذته الدهشة قليلاً بادئ الامر، ثم قال:

- هو يشرب دوه على شكل سائل، فقلت:

- يجوز، لكن ليش الخيارة كل ساع ياكل شوية منّهه؟

اجابني والابتسامة لاتفارقه.

- لأن الدوه اللي يشربه الرجل مر  ما ينجرع، فيحتاج الى شئ يزيل المرورة. 

 

طالب عبد الأمير

 

السيد الزرقانيكانت السماء غائمة، في نهار شتوي عاصف، تصفر فيه الرياح الباردة فتنال من أجساد نحيفة نيل الأسود من فريستها، كانت الصغيرة تدفن جسدها الضعيف بين ضلوع أمها التي توسدت تلك الكنبة العتيقة التي ورثتها عن أبيها الذي رحل منذ عده سنوات بعد أن زوجها من جار له عائد من بلاد النفط العربي معوج اللسان منفوخ البنيان، تاركا عقلة رهن ملذاته الدؤبة في مقاهي العاصمة ونواديها الليلة، حين زغلل أعينه بتلك الأوراق الخضراء التي حصدها من ترحاله في تلك البلاد البعيدة عن هويتنا وحضارتنا، لم تنسي ابد حين زفت أمها خبر خطبتها لرجل ثري سوف ينتشل فقرهما إلي كينونة أخري كانت مجرد أحلام اليقظة تراودهم كلما ضاق بابيها الخناق من قلة الحيلة في كسب العيش، كانت ذو جمال أخاذ يشد كل الناظرين في تلك القرية الفقيرة في البنيات حيث كسا فيها الحزن وجوه خرت مهمومة من عوذ الحاجة، كانت رغم ملابسها البسيطة تبدو وكأنها (سندريﻻ) في خطواتها الرنانة في تلك الحارة العتيقة تمنحها حالة من الانبهار الداخلي بعد ظهور أنوثتها البكر وهي لم تزل تخطو خطواتها الأولي في المدرسة الاعداية الكائنة عند الطرف البحري من قريتهم، نهداها مشدودان خلف تلك البلوزة الضيقة التي حصلت عليها والدتها من تلك السيدة التي كانت تمسح لها شقتها في كل أسبوع حيث منحتها بعض من ملابس أبنائها البنين والبنات، كانت كلما خلت إلي نفسها جلست تقيس تلك الملابس سواء الخارجية أو الداخلية وتمارس أمام تلك المرأة لعبة البروفات المنزلية فتلك تمنحها زهوا بجمال صدرها وخسرها وذاك يطير بها من تلك الحارة المتربة إلي مصاف نجمات السينما في بهاء الخطوات وجمال البشرة البيضاء، كانت تمتلك نظرات ساحرة تبهر بها كل ناظر إليها وتمتلك من الحديث أعذبه ولديها لسان ذواق لجمال لغتها وثراء مداركها العلمية، كانت تمنح نفسها دائما فرصة القراءة والاطلاع الواسع في مناهل الأدب كانت تعيش ليال طويلة مع حكايات" نجيب محفوظ"فتسبع في حواري الجمالية وباب الخلق وتعيش مع بطالاته وشرودهن العاطفي ومغامراتهن مع أولاد حارتهن، وكانت روايات" إحسان عبد القدوس " لها مفعول السحر عليها بما يملكه من جمال الأسلوب وسحر الحوارات العاطفية حتي تنبه إليها مدرس اللغة العربية فمنحها شهادة تقدير وتوعد لها بمستقبل باهر وسطت المتفوقات من أقرانها وأبناء عمرها، توسمت في نفسها احدي المذيعات الفضلاء اللاتي ينتظرهن السود الأعظم من جمهور المشاهدين كل مساء، تذكرت تلك المساءات التي ولت وكانت تحتضن أحلامها الخيالية في تلك الحجرة ذات الحوائط الطينية التي تحتويها هي وإخوتها وكم كتبت في دفاترها المدرسية عن طموح لم يتحقق منه شيء، حيث جئتها أمها لتخبرها بأن أبيها قد قبض ثمن زفافها إلي رجل يكبرها بثلاثين عاما ﻻ تعرفه ولكنه فقط ساوم أبيها علي ثمنها، ضمتها أمها في تلك الليلة وقلبها يصرح في فضاءات العالم دون ان يسمعه احد، كانت ذبيحة اللسان حين نظرت دموعها أمها في الحجرة الأخرى ونظرات أخواتها الصغار (والله وكبرتي) كانت أغنيات الجيران وهم يودعونها إلي المقصلة ترانيم حزن علي الزهرة التي قطفها هذا الكهل ليلقي بها في محراب متعته المجنونة التي تهرب من حين يغيب منشطه الطبي فلم يطل بها الوقت حتي هربت منه لتعود وفي أحشائها حلم ليس أوانه ورحل الجميع وهاهي مازالت ترتب ملامحها في مرآة الشتاء العاصف في انتظار المطر كي يغسل عنها ما علق بها من دنس تلك الزيجة البالية، الصغيرة تتقلب في أحضانها تبحث عن الدفيء وهي تبحث في كنف السقف المعروق بالأخشاب عن سند يحميها من سيل المواجع التي ترسبت في براءة قلبها الصغير .

***

قصة السيد الزرقاني - كاتب مصري

 

محمد صالح الجبوريوقفت سلمى امام المرآة تنظر الى صورتها، وقد تسلل الشيب الى شعرها الأسود، وكأنه جناح غراب، وقد بدات التجاعيد تهاجم وجهها القمري الجميل، لنكها لازالت محافظة على رشاقتها وأناقتها، رغم مرور السنين، وهي تتذكر كيف كتب الشباب في محاولاتهم الشعرية عندما كانت طالبة تسير في ازقة المحلة، وعن تلك الايام التي أحبها شاب من المنطقة لكن لم تحقق، امها ترفص جميع الشباب المتقدمين للزواج منها، هي تحلم ان يكون لهابيت وزوج واولاد،وهي طلبات تبحث عنها اي فتاة،أرهقتها الوظيفة والروتين، هي تعلم ان احلامها مؤجلة،ادركت انها وصلت الى طريق مسدود،ولا تريد أن تغضب والدتها التي تحب المال، حتى أن كان على حساب راحتها، اتعبها السهر والتفكير، وهي تعيش في حالة من عدم الاستقرار، وهي تدرك ان مشكلتها صعبة الحل، فهي صابرة، وأحيانا تقول في نفسها (انما للصبر حدود)، وهي تعلم ان احلامها مؤجلة، وان جميع الذين تقدموا لطلب يدها، هم شباب وأخلاقهم عالية وامكانياتهم جيدة،كانت تجلس في غرفتها، وهي تفكر في حل لمشكلتها، راودتها فكرة ان تجمع مصوغاتها الذهبية والنقود التي تملكها، وكتبت طلبا بالاستقالة من دائرتها، دخلت الغرفة الى والدتها، وقدمت الاستقالة  الذهب والمال الى والدتها، وقالت لامها اعذريني ياماما، وغادرت البيت.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - العراق

فتحي مهذبالذين رقصوا

ثم اختفوا مثل صحون طائرة..

الذين فكروا في ماهية الذات..

في بلاغة الضوء الزارب من أصابع الصيرورة..

في متواليات الليل والنهار..

في مكر الحواس..

في الندوب الزرقاء التي تكسو

جسد العقل..

واشتهوا مقاعد فاخرة في الجنة..

مناطيد لغزو ذكريات هائمة في الفضاء..

أنهارا تتدفق  بالنساء الجميلات..

واقيات صدرية ضد قناصة مفترضين..

نقودا لا تحصى لشن مغامرة

في جزر هاواي..

وافتراس سمك سلمون مقلي

وشطائر البيتزا..

مثل دببة مهذبة جدا..

الذين أقاموا مدنا من زئبق..

ومشوا فوق فوهة بركان..

الذين هاجمهم ذئب الليل

في غابة المحو..

الذين أفرغوا مياه أعمارهم

في دوارق مثقوبة..

شيعوا موتاهم الى كهف المخيلة..

ناموا مثل اوز بري آمن..

الذين دحضت براهينهم

لعبة الحتميات..

واحتموا طويلا بظل البدهي..

الذين ركبوا البحر

وطاردوا قوارب المستقبل..

الذين تقاتلوا في أزقة مظلمة..

هشموا مصابيح الملائكة بالحجارة

ثم طاروا مثل حمام زاجل

نحو اللامكان..

الذين اختفوا سريعا تحت الأرض

لم يرقهم تأبين القس في ساحة المقبرة..

وتساقط دموع كاذبة من محاجر الأصدقاء..

همهمة عربة الأموات..

ضحكة القبار المريبة..

الذين سقطوا في الغياب..

سأراهم لاحقا في دار الأوبرا .

***

فتحي مهذب

 

اطياق رشيدالبدايات

نقطة حبر موجعة

تحتاج الى سطر جديد

وحبل غسيل فارغ.

(٢)

ها انا

منذ عام

اقف عند نافذة

احدق بالعالم

نافذتي عارية وقلبي زجاج

وها الاصحاب

يمرون كشرر متطاير

من جمر العطش حينا

وحينا من الغدر

نبال الموت تمطرها حروب اسكرها الدم.

عند حافة عالمين

اترنح من شدة الظلام

اغني من شدة الصمت

اشتهي الرقص،

شفتاك وذراع اللهفة.

عند حافة عالمين

لا يصح التفكير

اعتدل في جلستي

ابدل لون الشال على احلامي

اغير قناة الراديو

واغفو باكرا

(٣)

تقول احبكِ،

وترسمني شجرة عند منحدر

تقول احبكِ

وترسم جدارا ...

وتقول:

كم انت جميلة

خلف الجدار.

وأنا ....

حلم

ضوء جنان غافلة

ورق الخيال

اعبث

بسيمياء الحقيقة

فتتلوني السطور قصائد حضور

 ***

أطياف رشيد - كاتبة وناقدة مسرحية وشاعرة

 

 

لالة مالكة العلويقضمت الهواجس وأرجعت سر الهوى

 للناثر من وجع الذكرى ..

فأنا مدينة قزحية

ألهت خلف مغارمي

وآنس بكونشرتو البيانو

وأغني صامتة كعصفورة مسترقة ..

أنشب محبسي ..

وأغضب حواس العتمة

يا لسعادة الصنو الذي يراقص المخيال

 وينزع بالشوق حبات الهوى ..

يثمر الهمس في الغياب

ويبعث بالغيب طابق الشفتين ..

كسحر بارق يأسرني

ويرعوي في سماء الملكوت ..

قلت : جاءني الشعر ولم يزل !

وأشركت بمتراسه غرائب الحب ودسائس الحاقدين ..

 

لالة مالكة العلوي

شاعرة وباحثة مغربية

 

صحيفة المثقفاندفعت عبر باب بيتها الخارجي الى الشارع فلفح وجهها البائس المبلل بالدموع برد كانون الثاني.. نعم كانت تبكي .. تبكي قهراً وألماً حركت وجهها يمينا ثم التفتت الى اليسار حائرة في أيّ اتجاه تسير ولمن تذهب والى أي مكان تتجه، غير إن خطاها البطيئة المترددة الحائرة قادتها الى الشارع العام القريب من دارها، لم يكن أهلها في هذه المحافظة بل في محافظة قريبة غير إنها لم تشأ أن تحمل زكائب مشاكلها المتواترة لتلقيها على أكتاف أُخوتها فما لديهم منها كاف ويزيد . قادتها خطاها كما هي العادة الى المركز الصحي القريب حيث تأخذ أولادها بين حين وآخر للعلاج كلما ألح بهم المرض . لم تجد بدا من ولوجه فلا مكان لها لتذهب اليه . كان الدمع لا يزال ينسجم من عينيها وتمسحه تارة بأطراف أصابعها وتارة أُخرى بذيل العباءة السوداء التي كللتها من أدناها الى أقصاها . ولجت الباب مع ثلة من الموظفين المتريثين قرب الباب ليبصموا قبل دخول المبنى . لم يكن عجبا أن يحضر بعض المراجعين مبكرا لذا لم يلتفت اليها أحد بسؤال أو استفسار، دلفت واتجهت الى حيث ينتظر بعض مراجعي المركز الصحي وهنا بدأت موجة أُخرى تجتاحها من الأسى على نفسها فانهمر بكاؤها غزيرا خارت اثره الى الارض متلفعة بالعباءة السوداء التي تغلفها مثل خيمة . لاحظت احدى منتسبات المركز الصحي اهتزازها الصامت .. لم تبال أول الأمر فهي في عجلة من أمرها كي تبدأ العمل المناط بها  بعد ما يقرب من ساعة رفعت الموظفة رأسها لتجد المرأة المتكورة لما تزل في موضعها وقد عرتها موجة طاغية من البكاء الحار . استنجدت المنتسبة بزميلاتها وانتدبتهن لرؤية ما يحدث للمرأة، خرجت منهن اثنتان لنجدتها واستقراء الأمر وبين البكاء المتقطع والموشح باللهاث فهمتا انها لم تكن مريضة بحاجة الى نجدة طبية آنية بل كانت مبتئسة منقبضة الصدر لا تعرف اين تلتجأ مع حزنها الطاغي وقلبها المتقطع، ربتت احدى الموظفتين على كتفها وهونت عليها الأمر وطلبت منها الكف عن البكاء والتماسك . سقتها كاس ماء وحينما تناولت بعض الطعام ذكرتها ب " لفيفة " صغيرة من افطارها الذي تتناوله واقفة فهي كما المرأة لم تذق طعاما منذ الصباح . لم تكن المرأة تريد العودة الى حيث أولادها المشاكسين الذين يرفضون الاستماع لما تقول والذين يبددون طاقاتهم بالخصومة والنزاع حتى لا يتبقى منها ما يقومون به بأعمال تنفعهم وعلى رأسها الدراسة والنجاح . حتى إنهم يرفضون مغادرة سررهم للذهاب الى مدارسهم .  كان المركز الصحي وبين حين وآخر يقوم تطوعياً بأعمال الرعاية الاجتماعية فطالما أتت اليه النسوة خاصة بحاجاتهن ومشاكلهن فهن يألفن موظفاته بحكم مراجعتهن المركز الصحي لمعالجتهن أو لعلاج أولادهن كلما شعروا بوعكة مهما كانت صغيرة . تذكرت الموظفات تلك المرأة المراجعة التي قصدتهن قبل أشهر لينقذنها من الحاجة المادية المؤذية والآخذة بتلابيبها فجمعن لها ثمن تنور تستطيع من ريعه أن تنفق على اسرتها وتسد حاجتها . حاولت المنتسبات اقناع المرأة المتهالكة بؤساً بالذهاب الى دارها غير إنها أبت أولاً .. ثم بعد ذلك لم تجرؤ مر وقت وحل الضحى وحين رفعت الموظفة رأسها من بين السجلات رأت رجلاً طيباً ينحني على المرأة يحاول تهدئتها ويعدها بتأديب صغاره .. ويتوسل اليها لتذهب معه الى الدار فهي دارها وهم أولادها أولا وأخيرا .

***

سمية العبيدي

 

صالح البياتيحالت الظروف دون القيام بزيارته للشيخ المندائي، ولما اتخذ قرارا بعدم العودة لمدينته، كان لابد عليه القيام بهذه الزيارة التوديعية، قصد داره في الظهيرة، استقبله الشيخ، قاده لحجرة الضيوف، على  الجانب الأيمن من المجاز الطويل، جلس على كنبة واسند ظهره على وسادة مريحة، احتفى ورحب بضيفه، وصديق ابنه القديم منذ ايام الطفولة، رد نوح ترحيبه الحار بتهنئته بعيد البنجة، وتساءل لماذا لم يبق صديقه الدكتورهلال مع العائلة، حتى انتهاء ايام العيد الخمسة، وكان في الحقيقة قلقا عليه، لأن نشرات الاخبار المسائية المتلفزة، للأيام الثلاثة الماضية، كانت تعرض صورا من الجبهة الجنوبية، المشتعلة بمعارك طاحنة، وكانت الموسيقى التصويرية تثير الاعصاب. قال نوح

" لندعو له بالسلامة."

"  الحي العظيم مبارك اسمه يرعاه."

قال ذلك واحتضن ضيفه، قبل وجنتيه، فغرق وجهه في لحيته البيضاء، الناعمة، وبنبرة حزينة مواسية عزاه بوفاة المرحومة امه:

"  لترتاح روحها الزكية في عالم الانوار مع القديسين الابرار، ويؤسفني جدا اني لم أستطع المجيء لبيتك لأعزيك.. البقية بحياتك."

"وحياتك الباقية."

رأى نوح ان يخبره بزواجه ليباركه، فتفاجئ ان صديقه هلال قد سبقه بالخبر، قام الشيخ من مكانه وقبله للمرة الثانية.

"واهنئك أيضا بالزواج."

" لتبارك زواجي أيها المبجل."

" مبروك ابني نوح، أكملت نصف دينك كما تقولون."

ابتسم، وتساءل مع نفسه، عجيب أكنت بنصف دين ولا أعلم! 

فقال يمزح ضاحكا:

"أ خشى ان مسؤولية الزواج ومشاكلي الأخرى تذهب بالدين كله، إذا لم انتبه."

" اهلا وسهلا بك ابني نوح، تشرفنا بزيارتك. خذ راحتك، انت في بيتك."

جلسا صامتين لبرهة، بدت لنوح طويلة جدا، حول بصره، وتطلع من خلال النافذة المفتوحة على الشارع، فرأى شمس الظهيرة، تضئ نهر الكحلاء، فيعكس الماء شعاعها للسماء، كمرآة صقيلة تلمع بوهج ساطع.

كان في تلك اللحظة يفكر بالمجنون.. ويريد ان يخبره بموته المجاني، ولكنه تردد، كي لا يفسد فرحة العيد، ولكن الغريب، ان الشيخ بادره بالسؤال عنه، وعندما لاحظ الاستغراب باديا على وجه ضيفه، قال كان يريد تقديم مساعدة للمسكين، الذي أصبح بلا اهل.

" استجد شيء.."

"ما هو يا نوح!"

 " قتلوه."

" من قتله!"

 أخبره.. أمعن النظر بوجه ضيفه، كانت عيناه تتحركان قلقتين، تبحثان عن شيء من المصداقية، في الخبر الذي سمعه توا، ولما تأكد أن ضيفه جاد فيما اخبره، امتقع وجهه وغشت عيناه سحابة حزن.. لم يقل شئيا، كان صمته تعبيرا عن شجبه لهذا العنف..

سيطر الوجوم على الرجلين، كانا صامتان، ينظران لبعضهما، دون ان يحاول احدهما ان يبدد الصمت الذي اطبق عليهما، اخيرا قال الشيخ بنبرة حزينة:

" قتلوا انسانا بريئا.. وديعا لا يؤذي احدا"

" وبدأوا حملة اعتقالات واسعة."

" يا للعار.."

نهض الشيخ، قطع حجرة الضيوف، وقف في وسط الغرفة، كعمود ابيض، بقامته المديدة، وثيابه البيضاء، ثم تحرك ونادى من وراء باب مغلق، يفضي على الباحة المكشوفة للسماء، تناهى لسمع نوح اجنحة طيور، وسمع أصوات أطفال، يلعبون ويتصايحون بمرح ، تخيلهم يدورن حول النخلة، التي رآها عندما كانت فسيلا، وصار بالإمكان رؤيتها من الخارج.

 فتح صبي الباب واطل برأسه، عرفه نوح، كان واحدا من احفاد الشيخ، امره الا يزعجونهم، وطلب منه ان يحضر لهما شرابا.. وبعد قليل جاء الصبي يحمل صينية وعليها كأسين من ماء الورد والعسل الطبيعي، قدمهما وخرج.

تحدث الشيخ عن الزمن الاول. غير البعيد كثيرا، والذي لا يزال أثره باق، ويحلو له ان يسميه زمن الخير.

انتهز نوح الفرصة النادرة، ليحفزه على الإسترسال في الكلام، كي يقارن بين الزمنين، الأول الذي افتقده، والثاني الذي يعيشه. فإختار سؤاله بدقة:

" اليس بالإمكان عودته "

" ممكن إذا توحدت جهود الطيبين، ولكنهم قلة وضعيفة، ومع ذلك هم كالأنبياء والصالحين، نور الله على الأرض، عندما يخيم الظلام على العالم"

" صحيح فلو خُليت قُلبت"

  فترة صمت تأملية.. ربما كان الشيخ يفكر بشئ يقوله لمحاوره. ولكنه رفع يديه داعيا:

" ارحمنا يا رب."

تناول نوح كأس الشراب صكت شفتاه عليه حتى ارتوى، أنعشه مذاقه الطيب، فامر الشيخ بالمزيد..

تجاذبا أطراف الحديث، وخاضا بسيرة الحرب الشيطانية، كان نوح يحب ان يسأل الشيخ عن قصيدة للشاعر المندائي سنيجر، الذي تنبأ عن الحرب، ولكنه اجل ذلك، كان هناك سؤالا آخر يلح عليه ان يطرحه، فسأله عن محنة الجنود المندائيين.

" أفكر بالذين قتلوا من ابنائكم وتعذر اخلائهم، ولم يحضوا خلال الأيام الثلاثة للوفاة، بمراسم دفن صحيحة حسب العقيدة المندائية..  قاطعه الشيخ، لم يجب عن السؤال وإنما على ما تضمنه من تساؤل:

" أتريد ان تقول، لماذا لا نطالب بإعفائهم من الخدمة العسكرية في الخطوط الأمامية؟

 لم يقل نوح شيئا، اجاب الشيخ عن سؤال يفترض ان يساله نوح " لماذا لا؟"

 "ومن يجرأ على طلب كهذا يا نوح!"

" الطيبون.. لنرجع اليهم يا شيخ، فهم ملح الأرض، وهم نورها المبارك كما قلت."

"  ماذا عندك عنهم؟"

" سأحكي لك قصة حقيقية، اعتقد انك تعرف الأستاذ مقبل، صديقنا المشترك، هلال وأنا."

" نعم.. سمعت انه معتقل."

" والله اعلم اين!"

- سأحكي لك عنه، عن ذاك الزمان الذي يحبه قلبك، عندما كانوا نزلاء في بيتنا، وكانت المرحومة امي تساعدهم، حينما تسمح الظروف، وخاصة عندما طرد الكيال سعيد الأخ الاكبر من العمل، واجهوا ضائقة خانقة، وذات يوم هاجمت امي نوبة شقيقة حادة، فقامت أم سعيد بالعناية بها، وشوت لها سمكة صغيرة للغداء، وقدمتها ملفوفة بالخبز، ولما عاد مقبل من المدرسة ظهرا، كان جائعا، ولم يجد شيئا يأكله، راج يبكى، وكان الولد لا يتحرج الذهاب لأمي، عندما يكون جائعا، كانت تحبه وتعطيه كل ما لديها.. وقف يحملق فيها، رآها تشد عصبة سوداء حول صدغيها، ظل واقفا عند الباب، لا يتكلم، فأحست به جائعا، ولا يوجد عندهم شيء من الطعام، وأومأت بيدها ان تعال، اشارت للمنضدة التي عليها الطعام، مد يده للسمكة الملفوفة بالخبز واخذها.. هذه المرأة التي احبت الناس، أتعلم ماذا كان جزاؤها؟

"ماذا ؟"

 " سرقوا خاتمها الذهبي."

" كيف..!"

حكى نوح ما حدث لها في مغتسل الموتى القريب من المقبرة، قامت واحدة من المرأتين بنزعه من اصبعها اثناء غلسها، كانت امي تريده تذكارا احتفظ به، خاتم ثمين، فصه شذرة زرقاء جميلة، وعندما سألتهما عنه، انكرتا علمهما به، ولكن سيناء فتشتهما، وجدته عند احداهما.. قالت سيناء، لا يستحقا ثوابا لا ماديا ولا معنويا، ولكني اعطيتهما اجرهما وزدته، وقلت : اتسرقا امكما!

قال الشيخ:

- ضاع المعروف..

 استلطف الشيخ الحكاية الاولى، وتألم على الثانية، وتحسر على ذاك الزمان البريء، الذي احبه كما يحب النهر القريب من بيته.

فإسترسل بالحديث عن النهر، والمياه الجارية، اليرد نا، المقدسة في العقيدة المندائية، فأفاض مسترجعا ذكرياته عن الزمن الجميل، عندما كانوا يقيمون طقوسهم في مياه النهر، قبيل الشروق، فيرى أرواح الأجداد ترف كأجنحة النوارس على صفحته الهادئة.

يتبع

 

صالح البياتي

.............................

حلقة من رواية : بيت الأم

 

قصي الشيخ عسكرترجلا من الحافلة الساعة العاشرة، وكانت هناك حشود لحافلات وصلت من مقاطعات أخرى ثمّ غادرت ، وثمة بعض من موظفي السفارة، استمعوا إلى هتافات يمكن أن يترنموا بها .. لايمكن لأحد أن يخرج عما هو مرسوم من قبل. لا نريد ارتجالا يسبب لنا إحراجا يقول رجل السلك الدبلوماسي. وهاهي لندن تستقبله ضمن حشد التمّ لينطلق إلى حيث لا يدري، فيظنّ أنّها تفتح ذراعيها له وحده بجوها الضبابي الخجول .. أم الدنيا .. لها طعم آخر. زارها بعد أسبوع من وصوله إلى نوتنغهام. لحظتها شعر أن المدينة ليست غريبة عنه. أليفة بحق. أهو الصخب الذي يجعلنا نحن القادمين من الفوضى نظنّ أنفسنا نعرف الأماكن المزدحمة؟من قبلُ سمع بمدن كثيرة .. طوكيو نيويورك . باريس .. لا يظن أن هناك مدينة تشبهها .. عجوز شابة .. جسد جميل وخزته السنين فتركت أثرها فيه ولم تشوهه .. رآى متحف الشمع .. وساعة بيغبن .. معالم يمكن أن تختلط في ذاكرته، ياترى هل يشعر بغربة لو أنه حصل على مقعد دراسي في جامعة لندن أو أية من جامعاتها الاخرى. المختبرات نفسها. واللشمانيا هي هي لا تتغير أبدا سوى أن الصخب في كثير من الأحيان يطرد عنا الكآبة. وفي أقل من لحظات كان يلتفت إلى الطابور الطويل واللوحات. الدبلوماسيون والطلاب أو رجال أعمال وآخرون تستهلكهم أحاديث عامة عن الحرب والهتافات المتفق عليها وهومشغول بلندن. عبد العال قريب منه وبعيد عنه. أحيانا يحطّ مثل نحلة هنا وهناك. نحلة صافية لا تلسع .. يرى أن العراق بدأ الحرب وفي ظنه أن تطوعه في الجبهة أكثر من مرة يشفع له .. استدرجونا إلى فخّ لو كنا نحس ونسمع ونرى لوجدنا أن الثورة الفرنسية تماسكت حين هوجمت من الخارج. هل يجرؤ على أن يقولها علنا في التظاهرة. يتحدث يبتسم. يهز رأسه ثم يكرر الكلمات الموعودة سلفا. أوقفوا الحرب .. العراق لن يرضخ .. عبارات تتكرر كل يوم وفي كل مكان على لسان الأطفال والشيوخ والشباب. إيران أوقفي الحرب .. يذكره ذلك بالمدرسة الابتدائية والثانوية يوم يجمعهم المعلمون والمدرسون في الرحلات المدرسية، وعند المناسبات الوطنية ينشدون للوطن والحرية والسلام بكلمات قد لايفهمون بعضها. الصورة نفسها تعود بإطار آخر في شوارع لندن. طلبة بدرجة بكلوريوس ودراسات عليا يصفّهم مسؤولون حزبيون. لوحات بالعربية والإنكليزية. كان التلاميذ يتنافسون أمام معلمهم ليحوز أيّ منهم شرف حمل اللوحة. إيران جاك جاك حزب البعث الإشتراكيّ. فلسطين جاك جاك .. فمه يهتف .. يردد مايسمع .. عيناه تتابعان الصور .. الإعلانات على الحافلات .. أفلام السينما .. لوحات المطاعم .. .. وجه مستر بن الساخر على حافلة .. تشرشل وكلب صغير ضخم الرأس نحيف الجسدopen days London theater فمه يردد عن غير وعي "أوقفوا الحرب" وعيناه تحومان كالنسر في شوارع يعبرها. تقعان على عبد العال فيجده مشغولا بالهتاف .. صحيح العراق بدأ لكنْ ماكان على إيران أن تستمر .. عبروا شوارع وقطعوا مسافات .. من الهايد بارك انطلقوا وإليه يعودون .. كل شيء وفق خطة يتحرك بها التلاميذ. فلسطين حرة حرة .. يا رفاق .. ستقف الحافلات في المكان نفسه الذي ترجلتهم عنده، في ذهنه أمر آخر .. راح يخطط ليعود وحده .. . الآن في رحلة العودة أصبح حرا .. غادر الهايد بارك معرضا عن الحافلة وادعى أمام عبد العال أنه سيزور عائلة يعرفها .. هبط محطة الأنفاق .. لندن الصاخبة ستكلفه مبلغا إضافيا لا يخصّ صفقة اللشمانيا .. ليس بنادم .. كانت الرغبة تدفعه لئن يكتشف تلك العوالم التي يعرفها ويجهلها. قد تكون الاشياء والأفكار قريبة منا جدا فنجهلها مع قربها الشديد لنا. بين يديه اللشمانيا .. يراها كل يوم يتابع حركتها، يكتب عنها ولا يفهم جوانب كثيرة فيها. جوستينا أقرب الناس إليه. تتأوَّه .. تمنحه جسدها. تحتضنه بعنف .. توقف الترام في محطة البيكادلي صعد مهرولا درجات طويلة وخلف مدخل المحطة وراءه.

كان يحث السير نحو حارة سوهو ..

البيكادللي الذي يشخص أمام ناظره.

يتلتفت كأنه يتاكد أن لا أحد يراه.

عرب وأجانب وسواح .. قابل عربا وأجانب. آسيويون وأفارقة .. تجارة وبغاء .. صيف لندن وشتاؤها واحد .. بردها وضبابها، توغل في بداية سوهو، محلات، وشقق تطل .. بنايات قديمة، وعلى الرصيف عند تقاطع الشارع العريف بآخر فرعي وجدها تقف بشكل مريب. متوسطة الطول ممتلئة خضرة على جفنيها العلويين. جسد مثير وابتسامة مصطنعة. عالم آخر جديد قديم:

Sorry how much

بمزاح وغمزة:

Ten pound

اقتادته إلى قبو يبعد خطوات يسيرة ، يا ابن الكلبة كم من الجنيهات .. دعها لأمك .. لو عاملتها ستربح باوند أو اثنين .. ولعلها تسبّكَ وتشيح بوجهها عنك .. هبط خلفها درجات معتمة فطالعه مصباح خافت يتدلّى من السقف، وخيل إليه أنه رآى خيوطا فخالها صبغا قديما متآكلا أو خيطا من "مخاط الشيطان". غرفتان أحداهما مغلقة الباب والأخرى عن يساره جاهزة. أشلعلت المصباح وردت الباب وراءها. بدأت تتعرى .. خلعت قميصها انسلت من تنورتها ثم حمالة النهدين .. تجردت عن ملابسها الداخلية ثم ارتمت فوق السرير .. راح يخلع ملابسه، بحث عن رغبته المحمومة فوجدها مازالت تراوده، وحين انتهى من خلع ملابسه بسطت يدها تستقبله. تعال .. com hurry up أطلقت ضحكة خافتة، واستقبل الفراش بركبتيه، تمايل رأسها نحو كتفيها ثم رفعت يدها إلى فمها وبللت أطراف أصابعها بريقها .. تدفق منها لعاب كثيف دعكت به ذلك المكان من جسدها .. . come

فجأة .. .

تراخى جسده ..

مات كل شيء فيه. تلاشت الرغبة.

بقايا خشبة يابسة. عود كبريت مهمل. اشتعل وانطفأ، فذوى في حاوية على الرصيف.

غثيان .. .

قرف لا نهاية له .. .

كانت دلال تطل عليه من تحت قبعة المصباح .. هو الأستاذ المتعجرف. تذمر الطلبة والطالبات. قالوا عنك يا نادر إنك متعجرف. أناني. أصعب أستاذ. بخيل في العلامات. يمكن أن يحوز أي طالب مجتهد ذكي على أكثر من تسعين عند الاساتذة أما أنت فلا تمنحه أكثر من ثمانين هذا إذا كان من النوابغ. تآمر عليه الطلبة، استدرجته دلال إلى القبو وصفعته ثم صرخت. تلوثت سمعته. وبخه العميد فبان عليه الانكسار والخجل.

- مالك تعال؟

 .. .. .

- أنت لم تمارس من قبل؟

 .. .

- لا تخجل؟أنت عربي؟الكثيرون مثلك بدوا خجولين وانحلت عقدتهم معي. تعال.

أمامه على الحائط الكونتيسة ذات الوجه الطويل والنظرة الثاقبة بطوقها ذي الزعانف العشرين وشعرها المنتفش كالزغب .. يداها مبسوطتان. ابتسامتها تتسع ، ودهشتها أيضا:

- أنا متاكدة أنك ستعود إليّ ثانية بعد أنت رجل .. فحل .. تعال.

ماتت رغبته بين القرف والغثيان. في أي مكان يتقيّأ؟جوستينا دلعت لسانها في فمه وضمته .. راحت تتأوه. تتراجع الى الخلف وهبط من السرير إلى الأرض الرطبة، ارتدى ملابسه على عجل، أخرج من جيب سترته الداخلي عشرة جنيهات وضعها على المنضدة الصغيرة. راحت تحدق فيه من دون أن تعلق بأية كلمة. لحظات صمت باردة. لقاء ابتدأ شبه صامت وانتهى كذلك. فتح الباب وصعد درجات القبو.

كان بعد لحظات على الرصيف، بين المشي والهرولة. هرب من كل شيء ولاشيء. لا يرغب أن يلتفت إلى الخلف. يمكن أن تكون هذه آخر مرة يزور فيها لندن. ربما تستدعيه البعثة مرة أخرى عندئذ سيأتي ويرجع بالحافلة وقد أدرك في لحظة هروبة من سوهو أنه يقرف من كل شيء، ويكره ويحب مثلما يرغب سوى أن جوستينا وحدها هي التي تبدو له خالصة النقاء.

9

كانت السنوات والأحداث القريبة والبعيدة تتآكل في عيد ميلاد الأم السنويّ، كلّ عام يكشف عن نكتة جديدة يرويها الزوج الثالث، أو عما يخفى عن العائلة الكبيرة المشتتة من بعض الأمور وفي السنة الرابعة انتبه إلى أن سنيتا التي تكتفي بقدح ماء أصبحت أكثر ذبولا ونحافةولم يفته أن يلتفت إلى نظرة خاصة تلقيها الأم بين لحظة وأخرى على ابنتها التي لا تراها إلا مرة كل عام .. . وسط الجلسة الأخيرة راودته الليشمانيا أكثر من الحاضرين أنفسهم. هم عائلته لكن اللشمانيا طموحه ولا بدَّ أن يضحي بأحدهما على حساب الآخر. استثى سنيتا .. حبّة بغداد تجعلها أكثر تعبا. لايدري ولا يحبّ أن يسأل:هل بدأ السرطان بالكلية السليمة الوحيدة أم أصابها عارض آخر سبب لها الهزال. إلف مازال بحدته وشراسته. الوحيد من بين الحاضرين الذي لا يمكن حَشْره في زاوية ما. بقي فضا وهو الوحيد الذي لا يتغير، الكل يضحك وهو لايزيد عن ابتسامة مشوبة ببعض الكدر .. ليذهب إلى الجحيم أو ينتحر وإن كان أخوك، فأطلقت ضحكة عالية وقالت:لا بأس إنه كاثوليكي بحت يؤمن بمعجزات العذراء وبركاتها لو كان بروتستانيا لفعلها، تأمل لحظة في كلام جوستينا، وشعر بفراغ رهيب، ياترى لو أعاق حدث ما إلف عن حضور عيد ميلاد الأم هل كان لذلك العيد طعم مثلما هو عليه الآن، لايتحدث غير أن وجوده كاف ليبعث الزهو. ليس الغريب أن يشعر بفراغ حين لا يلقي نظرة كل يوم على ذبابة اللشمانية الحمراء ذات الشعر الناعم. ياترى لو وفق لإنهاء بحثه وهو يوشك على ذلك فهل يتجاذبه شعور بالوحدة. كثير من الأشياء الصغيرة والكبيرة لا نحبها لكننا نشعر أن وجودنا مرتبط بها. حقا شعر أن تلك العائلة الكبيرة المتناثرة عائلته هو قبل أن تكون الأم حلقة الوصل فيها. وقبل آخر عيد ميلاد تغيرت الأمور، سيغادر وفي جعبته شهادة الدكتوراه. انتهى كل شيء وحاصر اللشمانيا. انتصر عليها ولم يهزمها .. مختبر وبحث على الورق لعينة جلبها معه من البصرة.

كان يحاصرنفسه ولا مخرج أمامه.

يغلق عليه الدائرة تماما.

والحرب لما تنته ، فهل تحدث معجزة يوم يهبط في مطار بغداد!

مع ذلك أصر على موقفه، عبد العال نفسه كان يأمل أن تنتهي الحرب بعد عام. بضعة أيّام تحولت إلى أسابيع .. والأسابيع أشهر ثم سنوات .. انشطرت. بكتريا لا تقدرعلىحصرها في علبة .. كل طالب بعثة بات يراهن على تلك النهاية وآخر مرة اعتذر عن الذهاب إلى لندن. تحدث في الاجتماع الشهري أن استاذه عين له لقاء مطولا في اليوم ذاته يوم التظاهرة الموعودة في الهايد بارك .. كانت المظاهرات - كالحرب- تنشطر كل عام بهتافاتها ولوحاتها، ولندن تنسخ نفسها مثل بكتريا غير قابلة للفناء. الطلاب صحبوا أصدقاءهم من العرب والإنكليز، وعبد العال يحكي عن سلوك آخر. وليس هناك من شيء أمام نادر سوى بيت يستر العائلة. هل يبيعه أبوه ثم إنه لا يهمه كل هذا الهراء. لايؤمن بالعبث غير أنه لا يرغب أن يهرب من واقع مفروض عليه. وقع ورقة الحزب فكان بعثيا وأصبح في نوتنغهام. التقرير السياسي يقتفي أثره والاجتماعات تلاحقه، ويتابع هو بدوره اللشمانيا كل يوم، وسوف يعود ليخوض تجربة الحرب، خالها تطول فإذا هي ثلاث سنوات تمر وثمة كل شيء كماهو. عالم آخر سيلخصه لها ببضعة عبارات، والأفضل له أن يستوعب تجربة الجامعة. أمك ماتت خلال الحرب ووالدك بعدها بسنتين. إخوتك يانادر توزعوا. أختاك تزوجتا، هذه سنّة الحياة. كل هذا وأنت تستقبل الحصار بمنزلتك الجامعية. رتبة تفرض احترامها، في الوقت الذي طبعت فيه الحكومة الدنانير من ورق عاديّ كان راتبك خمسة دولارات. جوستينا بعد ممارسة البغاء ببضع سنين أصبحت تملك سيارة وتفكر بشراء بيت.

هل ضاعت رسائلك إليها؟

- لا تسافر؟ تسافر في مثل هذه الظروف.

يقول لها لا بد من العودة. من يدفع كفالة البعثة، وليس في ذهنه قط أن يكون أستاذا بخمسة دولارات. ولعله يضحك إذ يذكر لها أن أحد الأساتذة أخذ يعمل بعد الدوام سائق أجرة. إيه جوستينا أحد الطلاب جاءني بخمسة كيلوات باذنجان وكيلو لحم مقابل بعض العلامات أربع علامات. اللحم والخضار أرسلته إلى بيت أختي .. لن أخسر شيئا نحن نعيش ظروفا شاذة، كلّ يمكن أن يبدع وفق طريقته الخاصة .. أما الطالبات اللاتي يشبهن تماما في الشكل دلال فلي حساب معهن.

- إني اعترف لك!

- طيب حبيبي هذا العام لن تحضر عيد ميلاد أمي مارأيك أن نذهب إليها في عيد رأس السنة لأن أختي الصغرى ستقضي الكرسمس ورأس السنة مع صديقها في أسبانيا!

أخيرا نطقت. إنه الحبI like you : انتهت بعد أربع سنوات. لابدّ من أن يمرَّ على المكان نفسه. الكونتسية وقصرها ويرى اللوحات. مرة واحدة في السنة تكفي لأن نرى الأشياء على حقيقتها أو نجدها أضافت حقائق أخرى لحقيقتها الأولى. الزمن نفسه يمكن أن يترك آثاره على الجماد، وكلّ مرة يستقلان الحافلة . يمشيان. يهرولان، ربما يريان الغابات تصغر، وبيوتا جديدة تنهض. ينسى أن هناك حربا، ويضيع الاتصال بينه والعائلة، I love you

I love you so

لكنهما هذه المرة استقلا القطار وغاب عن أعينهما قصر الكونتيسة. كانت السيدة "جوزي" تنتظرهما في الصالة وقد بدت متأنقة في ملابسها وتسريحة شعرها. كل شيء يوحي بهدوء وسكينة ينفجران عند منتصف الليل. الكراسي اختفت، ولم يبق منها إلا ثلاث والمنضدة المستطيلة التي ارتقى عليها ديك رومي وزجاجة نبيذ. كانت الشموع تضفي مسحة من الجمال والهيبة على المكان. جلال يكاد يكون أبديا يتجدد كل عام. احتفال خال من أيّ افتعال. كأنه شعر بهدوء عنيف لغياب الآخرين. حتى إِلْف نفسه، إِلْف الثقيل بأنفته وتعاليه بات يضفي على الحضور السنوي نكهة خاصة. أما سنيتا فمازال يتردد بشأنها .. لا يحبّ أن يطبع على خدها الذابل قطعة لشمانيا ويعرض عن ذكرها. راحت جوستينا تتحرك مثل النحلة وبين فترة وأخرى تحط جنبه وتقبله. تجرأ أن يشدها من يدها ويطبع على يدها قبلة. راودته جرأة غير معهودة فالتفت إلى الأم:

- إن لم يكن هناك مانع هل يمكن أن تخبريني أيا من أزواجك أحب إليك؟!

فاتسعت ابتسامتها وقالت بعد صمت قصير:

- دعني من ذلك لن أخبر أحدا لئلا أعكر مزاج أي من أبنائي لكن أخبرني هل نويت حقا الرحيل في مثل هذه الظروف؟

تسأله عن شيء يبدو ثابتا، السفر والعنف هناك بل الدم. هل يكون جبانا فيفرّ من الموت المتربص أم يبيع أبوه بيت العائلة كي يسدِّد مبلغ الكفالة؟. يرنّ الهاتف، تغادر وتنطق اسما ما .. لا يهمه سواء أكان إِلْف أو أي من أبنائها أو أزواجها:

- لا بدّ من ذلك.

- أيّة حرب هذه تستغرق سنوات أكثر من الحرب العالمية الثانية "وأردفت بحماس "حربنا في الفوكلاند دامت ثلاثة أشهر.

وعقبت جوستينا:

- إنه مصر في حين يمكن أن يجد بيسرٍ عملا هنا!

- ياسيدتي حتى لولم تكن هناك حرب فأنا محكوم بكفالة مادامت الحكومة أرسلتنا هنا فقد اشترطت علينا الكفالة وألا يتزوج أي منا من أجنبية!

فحملقت فيه ثواني وهزت رأسها:

- لكن هذا قانون عنصري!

قالتها وهي تشير إلى بدء موعد العشاء، أما الخارج فقد اندلع في أقل من بضع ساعات فقط، بصخب جديد يعلن عن انصرام سنة جديدة وحلول عام آخر تمثلت بقاياه في جثة ديك رومي ممزقة على الطاولة، وألعاب نارية تتصاعد في السماء تشكل دوائر متباينة وتخبو. وقف الإثنان حول السيدة "جوزي"وطبع كل منهما قبلة على خديهان وتبادلا الأنخاب معها:

Happy new year

يرنّ الهاتف مرة أخرى، تعلن الأم أنها "لويزا" من أسبانيا، سنة سعيدة، وتطل مكالمة أخرى وأخرى، دقيقة تفصل بين عامين وتحتشد بمكالمات من مانستر وليدز وأماكن متناثرة بين العامين القديم والجديد في حين استمر الصخب والضجة والغناء راحا يدوران حول المنضدة ثم يغيبان في قبلة طويلة فيغطي بعدها المدينة كلها صمت طويل.

10

لكن بأية من تلك السنوات يطل عليها؟

بل من أيما سنة يهبط في هذه المدينة التي تتشح أمامه بالضباب ..

الحرب أم الحصار، هذه المرة أتى إلى نوتنغهام بغير عينة من اللشمانيا ولا يحصر أيّ كائن خفيّ بين يديه، لعله يبدأ من حيث يشاء فبعد أن رآى مارآى من قتل وجثث لم تمحها من ذاكرته الأيام. الموت نفسه يخدع. سيحدثها عن جنديّ اقتحم الساتر الترابيّ بعربته المدرعة. مات وبقيت قدمه متصلبة على دواسة الوقود إلى أن اصطدمت العجلة بالساتر فانقلبت. ميت يقود عجلة .. بعض الأمور تبدو غريبة لنفهمها متأخرين، ومن حقّ الآخرين ألا يصدقوها إلا حين يتقمصون الحرب دقيقة بدقيقة. ليست جوستينا وحدها تتهمه بالانفصام أو الكذب فبعض مارآه وأبصره لا يقدر أن يذيعه .. كان يأمل أنه لو قُتِلَ هناك فإنّ هنا شيئا باق منه في نوتنغهام.

حلم ذات يوم :إن عاش فسيبحث يوما ما عن بقاياه التي انفصلت عنه من دون حرب!

كان يمكن أن يختصر ذلك بكلمة واحدة .. سأبقى وليكن مايكون. هناك من تظاهر بحماس يلعن الحرب، ويشتم إيران، ويوم حانت ساعة الرحيل ضرب عرض الحائط بالكفالة وأهله، وقد شعر بالارتياح يوم قالت له ستذهب معه إلى لندن، يمكن أن تعدها إجازة عمل، ساعة أو ساعتين. تركب الحافلة، يزهو بها أمام طلاب البعثة. رائعة أنيقة ذات قوام. تمسك ذراعه. تبتسم بوجه من يطالعهما. أسف لغياب عبد العال الذي التزم بالحضور أمام أستاذه المشرف وهو على ثقة أنه لو رآى جوستينا لحدث عنها حميدة بللوز. اختارا المقعد خلف السائق. كانت تبدو بسلوك راق مثل أية طالبة في الجامعة تنحدر من عائلة عريقة. صديقة لن تنتهي العلاقة معها بالزواج وفق شرط اختاره على مضض. يدها بيده، تهتف مع الآخرين، يعلو صوتها:لا للحرب، stop the war,no to the war متطوّعون ضيوف، عرب وأجانب، أمّا الأكثر خوفا فهم الطلاب الذين شارفت سنينهم في بريطانيا على النهاية. ترآى الحشد لعينيه أشبه بعائلة السيدة"جوزي" الكبيرة العدد حين يلتقي أفرادها في عيد ميلاد الأم وكأن لا علااقة تربطهم سوى أغنية يرددونها جميعهم ثم ينتظرونها في عام آخر . عيد ميلاد سعيد. إيران لتقف الحرب، لكن لو انتهت الحرب لما اجتمعوا، ولما كان هناك من داع للسفر إلى لندن. كانت تقبض على ذراعه وتلوِّح متحمسة باليد الأخرى. غابت عن عينيه اللافتات، ولوحات الأعلان على الحافلات وفوق الواجهات. ice cream لتقف الحرب war should be stop .. سارا في شوارع لاتعنيه وخطرت أمام عينيه عناوين مثيرة تجاهلها، ومثلما شغل فمه وعيناه بالهتاف والنظر إلى اللافتات، تذكر اللشمانيا. انتقلت عيناه إلى الوجوه. دار رأسه يمينا وشمالا وتعمد أن يلتفت مرات إلى الخلف، لا وجه يلوح عليه أيّ تشوّه. وجوه متباينة. لم ير اللشمانيا تلك اللحظة. أين اختفت من بعض الوجوه؟العابرون على الرصيف، ومن توقفوا يتطلعون في التظاهرة لا آثار في وجوههم، وليس هناك من المتظاهرين من ينظر إليهما بفضول فيحسّ من نظراته أنه يعرف حقيقة جستينا، وتساءل هل يُعْقَل هناك أحد من طلاب البعثة يعرفها؟ربما زار أحدهم بيتَ دعارةٍ آخرَ غير الذي تقيم فيه جستينا. فكرة سخيفة تلاعبت برأسه سرعان ماطردها بعيدا وظل يطاردها. ماذا لو بدأ بقبلة طويلة. ضحك في سره من سخف ٍ يدَّعيه ولا يمارسه. وعاد يرددمع الآخرين .. .

- تعجبك لندن؟

كان هناك ثمّة حاجز بينه وبين تلك المدينة العجوزالشابة، حاجز جعله يقرف يوم زار البكاديللي وانسل هابطا درجات وعاد خارجامن ضوء خافت متآكل وصوت يلاحقه أن يعود مرّة أخرى:

- التايمز ومتحف الشمع وأجوار روود .

ومثلما تأتيه الأفكار أحيانا متأخرة، فاجأته قبلتها له حالما انفضت التظاهرة، القبلة التي هم بها وطاردها حتى اختفت .. وبدأ الرفاق يصعدون في الحافلات التي تكدست أمام الهايد بارك .. هي المرة الأولى التي يصحبها، وجودها معه يثبت حضوره للرفيق ، ومشيتها جنبه تعلن عن وجوده أكثر مما لو جاء وحده، فنفث عن صدره عبئا ثقيلا، وفاجأه قولها ثانية فهب من سرحانه:

- أترغب أن نتجول في لندن بضع ساعات؟

ارتسمت على وجهه علامة ما:

مازال يبحث في الوجوه عن تلك الرقعة التي يحاربها كلّ يوم. يمكن أن يعتذر. يجد حجة ما، النهوض مبكرا غدا. حشرة صغيرة. . جرثومة .. فطر لايبين يجعلك تقطع مسافات طويلة كي تحاصره داخل علبة صغيرة. مال طائل يُصْرَف .. أستاذ مشرف يطالبك ببحث. كم أنت عظيمة وحقيرة أيتها الحشرة .. الرفيق مسؤول المنظمة لا يهمه أن تغيب يوما من كل شهر فتشارك في مظاهرة لندن، لتنفضّ التظاهرة الطويلة العريضة بقبلة. من المعقول بعد كل تلك الأسباب أن تقضي ساعات في أماكن لا تعنى بالسياسة والحرب:

- أبدا لا.

ترددت وبعد صمت قصير:

- لن تتكلف كثيرا سأدفع عنك بطاقة العودة!

قال شبه معترض:

- معي بطاقة طالب وسأدفع نصف الكلفة لا تفكري بذلك!

فضغطت على يده وقالت:

- تعجبني تقطيبتك وذلك القتام على وجهك!

وتلاشت من عينيه نظرة حائرة وهما يغادران الهايد بارك. تحاشيا الحديث عن الحرب والرحيل، صحبته إلى ساعة بيغبن، تطلع فيها ببرود. لاشيء يجذبه في تلك الدائرة التي تؤطر الزمن، ولا البرج الذي يحملها. وجلسا على مدرجات النهر عند مقدمة جسر لندن. هل يهرب من الحرب عندها أم يهرول منها إلى الحرب. كان الجو يميل إلى البرودة والغيوم التي على الرغم من كثافتها لا توحي بمطر مازالت تلقي بظلالها على هواجسه، ولعلها تلتمّ وتنهمر مثلما كان عليه المشهد يوم زارا منزل الأرملة السوداء، فيا ترىبعد عام أم أشهر، أين يكون، :

- هل يعجبك المكان؟

قالها محاولا أن يتحرر من أية فكرة تعكّره:

- طبيعتي أحب الهدوء معع ذلك أحن إلى الصخب. أحتاجه بضعة أيام في العام.

وغادرا مدرجات الجسر، فتابعا سيرهما إلى الجانب الآخر، وانحرفا إلى اليمين حيث المرفأ، فأشرفا على زورق ينتظر السائحين. كأنّ خطاهما كانت تقودهما إلىحيث لا يدريان، عام واسع صاخب مفتوح أمامهما .. مشيا طويلا، واستقلا قطار الأنفاق .. صعدا سلّم النفق إلى أجوار رود حيث تناولا طعامها في أحد المطاعم الشرقية. طلبا كبة وكبابا وحساء عدس .. ثرثرا عن نهر التايمز، ومتحف الشمع، وساعة بيغبن. تحدثا عن أشياء ومعالم بعيدة .. عن مشاكل وأزمات يحياها العالم، جعلته جوستينا ينسى اللشمانيا والمختبر، والمظاهرة التي قادت خطاهما إلى لندن، تحدثت خطواتهما على الرصيف أكثر مما تكلما. قبََّلها مرات من دون تردد، كان يحسّ أنه هرب معها إلى مكان آمن. إلى نفسه .. خرج من المختبر وبيت الطلبة فهبط من الطائرة إليها جنب النهر من دون أن يقف في أيّ مكان آخر .. لا أحد يعرفها هنا في هذا المكان الصاخب الواسع:

- هذا اليوم لا يكفي لزيارة معالم مدينة لندن .. المرة القادمة نقصد متحف الشمع أوحديقة الحيوان!

- أجل أجل.

حلم جميل يعيشه بعيدا عن المنغصات، ويأبى المختبر إلا أن يعيده إليه. ينسى فيتطلع في الوجوه لعله يجد علامة بوجه أيِّ عابر يمرّ بالقرب منه:

- مارأيك أن تزوري الجامعة فأريك المخبر وذلك الكائن المخفي الذي جئت إلى نوتنغهام من أجله!

عظيم! أوكي!

أما في اليوم التالي فقد استيقظت مبكرة قبل الساعة التاسعة. جهزت الفطور، وعندما داعبت خده وقرصت أذنه قرصة خفيفه تدعوه لأن يستيقظ لكنه ادعى أن وعكة ما اعترته من أرهاق أمس ، وسيعتذر اليوم للجامعة عن الحضور، ربما ادعى المرض لكنه أراد أن يبقى في الفراش كما لو أنه يغمض عينيه على حلم جميل يخشى أن يهرب منه!

 

قصي لشيخ عسكر

.....................

حلقة من رواية: نوتنغهام