آمال عواد رضوانأَيَا قَزَحِيَّ الْهَوَى

هذِي الْعَوَالِمُ الْحَالِكَةْ

مَا أَرْهَبَها

بِمِلْءِ مَرَايَاهَا الْكَالِحَةْ

لَمَّا تَزَلْ طَاعِنَةً فِي الْمَجْهُول

تَتَمَزَّقُ وَبَاءً.. تَتَفَتَّتُ مَجَاعَةْ

وَهَاءَنَذَا الْغَرِيبُ الْمَحْمُومُ بِالتَّمَنِّي

يَمْلَؤُنِي الْحُزْنُ.. يَسْكُنُنِي الْحَنِينُ

أَتَحَسَّسُ أَنْفَاسَ نَايٍ تَحُفُّنِي

تَتَغَلْغَلُ بِأَنْفَاسِي.. تُنَاغِي أَغْلَالِي

حَتَّامَ أُكَابِرُ حُطَامِي وَالتَّجَنِّي؟

أَنَّى لِي أَرَانِي إِنْسَانًا .. مَشْحُونًا بِالْحَيَاةْ؟

***

أَيَا فَزَّاعَ النُّورِ

يَا مَنْ تَتَرَصَّدُ سُبُلِي.. بِمَرائِرِ زَفَرَاتٍ لَا تَفْنَى

تَتَبَخْتَرُ فَوْقَ جِرَاحِي الْمَثْقُوبَةْ

بِقَوْسِكَ الدَّمَوِيِّ.. تَرْمِي فَضَاءَاتِي الْمَلْغُومَةْ

تَكْسُونِي بِفَوْضَى الْغَضَبِ

مُذْ سَيَّجْتَ رَجَائِي بِحِجَارَةٍ مَنْحُوتَةْ!

ومُذْ كَلَّلْتَ نُجُومِي بِهَالَاتِ ظُلْمِكْ

كَلَّتْ عُيُونِي.. وَأَظْلَمَتْ!

بِتَّ تُشْبِعُنِي مَذَلَّةً.. لَا تَزُولُ

وَغَدَوْتُ.. غَشَاوَةَ لَعْنَتِكَ وَمِيرَاثِكْ!

***

أيَا سَيِّدَةَ الْأَكْوَانِ

ها مَوَاجِعِي سَرْمَدِيَّةْ

ثَقِيلَةً.. أَضْحَتْ قُيُودِي وَأَحْمَالِي

وَلَيْسَ مَنْ يُرِيحُنِي أَوْ يَنْهَانِي!

هَا عُيُونِي تَفِيضُ.. بِأَنْهَارِ الْمَرَارِ وَالنّارِ

أَمَا مِنْ غَيْثٍ يُغِيثُنِي؟

أَتُرَانِي فِي عَيْنَيِكِ

بَرِيقَ خَرَابٍ لَا خَلَاصَ فِيهْ؟

أَتُرَانِي فِي عَيْنَيْكِ

إِبْرِيقَ خَزَفٍ لَا تِبْرَ فِيهْ؟

إِلَامَ لَهِيبُ جَرْحِي يَشْتَعِلُ زَبَدًا

فِي صَخَبِ الصَّمْتِ؟

***

هَا قَفَصُ الرُّعْبِ.. يَرْتَسِمُ فِي عَيْنَيَّ

 يَمُدُّ مِنْ حَوْلِي قُضْبَانَهْ

وَبِتَنَاغُمٍ كَاسِرٍ

تَحُومُ نِيرَانُ الْوَجَلِ.. فَوْقَ أَدْغَالِ نُورِكِ!

أَنَّى لِي أَحْمِيكِ

مِنْ عُيُونٍ اسْفِنْجِيّةٍ.. تَمْتَصُّ رَحِيقَ رُوحِكِ؟

***

هَا مَلَامِحِي مُفَخَّخَةٌ .. بِمَوَاعِيدَ مَوْقُوتَةْ

تَتَلَهَّفُ إِلَى زَمَانِ وَصْلِكِ!

وقَلْبِي .. كَزُرْزُورٍ نَاشِزٍ

يَفِزُّ فَزِعًا.. مِنْ كُوَّةِ زِنْزَانَتِهْ

يَخْلَعُ عَنْهُ سِتْرَ أَسْرَارِهْ

لكنّه "لَا يَجْزَعُ مِنْ جِراحِهْ"

يُهَمْهِمُ.. وَصَوْبَ الْمَدَى

يَهْتَزُّ مَشْدُوهًا رَاقِصًا .. فِي أَسْرَابٍ بَهْلَوَانِيَّةْ

يَفْرِدُ جَنَاحَيْهِ نُورًا .. يُمَزِّقُ حُجُبَ الْعَتْمَةْ

وَخَلْفَ ظِلِّكِ الْجَامِحِ.. يَجْرِي وَلَها

أَيَظَلُّ يَشْلَحُنِي

عَلَى شَوَاطِئِ الضَّيَاعِ.. وَفي مُدُنِ الْغُرْبَةِ؟

***

أَيَا قُدُسَ الرُّوحِ

يَا الْمَسْكُونَةُ فِي كَمَائِنِ الْإِثْمِ.. بِالْمَآسِي الْمُلَوَّنَةْ

هَا عَلَى عُنُقِكِ اشْتَدَّ نِيرُ الْمِحْنَةْ

وَمَا فَتِئْتِ تَتَرَاخَيْنَ أَلَمًا .. تَسَوُّلا

وَهَا الْمَسْكُونَةُ مَا انْفَكَّتْ

فِي غَفْلَةٍ عَنْ نُذُورِكِ

أَمَا مِنْ إِنْذَارٍ.. يُنْبِي الْكَوْنَ بِنَذِيرِ شُؤْمِ؟

***

يَا مَنْ عُلِّقَ بَهَاؤُكِ الْقُدْسِيُّ بِأَذْيَالِكِ

وَامْتَلَأْتِ بِبُؤْسِ الْعُبُودِيَّةْ

يَا مَنْ تَوَارَيْتِ خَجَلا.. تَهْجِيرا.. رَحِيلا

وَلَيْسَ مَنْ يَبْكِيكِ.. وَلَيسَ مَنْ يُعَزِّيكِ

وَلَا مَنْ يُوارِي الثَّرى بَنِيكِ

فَمَا أَنْجَدَكِ خِلَّانٌ وَلَا خَلَّصَكِ عُرْبَانُ

 أَوَلَسْتِ تَقْوَيْنَ عَلَى النُّهُوضِ؟

***

صِحْتِ بملءِ المَسْمَعِ: صَهٍ صَهْ

مَا سَقَطَ إِكْلِيلُ هَامَتِي بَعْدْ

 وَمَا فَتَرَ مِدَادُ نُورِي

مَا فَنِيَتْ رُوحِي .. مَا بَيْنَ تِيهَانِي وَتِيجَانِي

وإنّي .. أنَا أنا

لَمَّا أَزَلْ .. سَيِّدَةَ الْأَكْوَانِ!

***

آمال عوّاد رضوان

 

 

محمد الذهبي(إذا كان الغرابُ دليلَ قومٍ)....فلا عادت بما تهوى الديارُ

ولا حازتْ بما تبغي علاها...... وما بقيت تدورُ ولا تُدارُ

وما قولي بجوقاتٍ حداها............ غدافٌ لا يقرُّ له قرارُ

مصيرُ الشيبِ أنْ يلقى حكيماً..وبعضُ العارِ لا تمحوهُ نارُ

تَرَنّم ربما نيرون يشقى.............إذا ما أطفأ الليلَ النهارُ

إذا سقط النصيف نقولُ عيبٌ...ولا نخشى إذا سقط العَذارُ

اذا كانت تزمُّ الثوبَ خوفاً..... علاها البين فانحلَّ الإزارُ

فُجِعْنا بالعراقِ على النوايا...كما فُجِعَتْ (بفارسها نِزارُ)

وبغداد الهوى أضحت خراباً.....وأمّا الغانياتُ فلا غُبارُ

اذا ما رُمتَ أنْ تهوى خليلاً.....ففي بغداد يشتعلُ الأُوارُ

وفي بغداد تزدحمُ المنايا..........وفي بغداد ينهدِمُ الجدارُ

وفي بغداد تُفْتَضحُ الليالي.......وفي بغداد أوغادٌ أغاروا

ذريني ألقى ما يلقاهُ غيري...ولا ألقى الذي تهوى الجرارُ

تكرّش بعضهم حتى تلاشتْ...... ملايين لنا وغدتْ تُعارُ

ترفق لا تقل مرمى الليالي...هم الأوغادُ ما اخذوا وجاروا

***

محمد الذهبي

 

 

احمد الحليتُشيرينَ بإصبَعِكِ

إلى فراءِ نمرٍ مرقّطٍ

تُسمَعُ من مكانٍ ما

زمجرة

 *

تُشيرينَ بأصبَعِكِ

إلى قوسِ قُزَحٍ

فينزرِعُ بجانبِهِ قوسانِ

*

تُشيرينَ بأصبَعِكِ

إلى آلةِ كمانٍ

فيأخذ قوسُها بالعزفِ

من دونِ أن تمَسَّهُ يد

 *

تُشيرينَ بإصبَعِكِ

إلى نجمة

تتحلَّقُ حولَها نجمات

ويؤدّينَ معَها رقصَه

 *

تُشيرينَ بأصبَعِكِ

إلى دُمية

تعرو جَسَدَها لوهلةٍ

رعشة

 *

تُشيرينَ بأصبَعِكِ

إلى نورس

فيتأقلمُ مع المكان

ولا يفكّرُ في هِجرة

 *

تُشيرينَ بأصبَعِكِ

إلى فراشة

تكتسِبُ الأزهارُ

ألواناً أخرى

 *

تشيرينَ بأصبَعِكِ

إلى شجرةٍ هرمة

فتخلعُ عنها ثوبَها

وتتبرعمُ فيها أغصان

 *

تشيرينَ بأصبَعِكِ

إلى غمامَهْ

يرقصُ الغيمُ من حولِها

وتُصبِحُ علامَهْ

***

أحمد الحلي

 

 

صحيفة المثقفكما أنتِ، قولي

أهذا إعتراف الحنينْ..

وهذا الجنوح

لتلك الضفاف

وما بينها من سليلٍ

تلاوينه، ماءٌ وطينْ..؟

**

إليك إعترافي

كما كانَ عهدي

يشاطرك الوجد في قبلتين

بها نكتوي

بعدها

يبزغ الفجر

لا نجدْ، حولنا

غير تلك الشحارير

فارقت صوتها

بين تلك الغصون

تطير فوق الأعالي، هناكْ ..

وتخشى علامات تلك المثابات

ومنها الشِباكْ..

**

إليك إعترافي

بأني نسيت لساني

حين راحت تطاردني نفحة

من جحيم السبات

حتى غدوت أصارع قهر الممات..

على مذبح تنحني

عندها ناصيات السنين..

**

إليك إعترافي

غدا، واهنًا مشرئبًا

في دهاليز الحيارى

يشتكي حاله

في ظلال الوجوه المكتئبة

التي نحرت عقلها

في طوابير العيون المشرئبة..

صوب أدعية

وتلاوين كلام

أو مديح باهت

يطفو على نهرٍ، لم يعد جاريًا

فيه غل، فيه أدعية خانها الدهر

وما عادت على نهجها في يقين ..

أقول، خذيني الى حيث تمضي النواعير

في صحارى الهموم

تلوك صبري..

وترسم في المغيب علامة

ويشدني في كوتي صوتا

يهدهده الرحيل

يلوك قهري..

**

إليك إعترافي

كأني، أغامر كلما سجى الليل

وباتت نجوم البراري الناعسات

تداعب سهري..

أهذا، هو الشغف المميت

تزاحمت هالاته في

في متاهات الغيابِ

أهذا عتابْ..؟

دعيني أشاور قهري واغترابي

فهل من جوابِ..؟

**

إليكِ اعترافي

على طبق من ذهب

فهل تستحقين مني الغضب..

إذا ما سفحت عويلي

وتركت قافيتي في ضرام اللهب.؟!

**

أتبكين مثلي عناء الرحيل

الى عالم الذكريات..؟

وهذي المتاهات،

من حولنا يعتليها الغبار..

فماذا نقول

وانشودتي في صقيع القفار..؟

تخبو وتحبو،

على أمل أن يجيئ النهار.؟!

***

د. جودت العاني

20/06/2019

صادق السامرائيتجدّدَ وعْيُنا والنورُ إلاّ

                 فهلْ وفدتْ إلى روحٍ تجلّى

وتاقتْ نحوَ علياءِ انْتماءٍ

                     تبادِلها النواهيُ مُسْتهلا

وطافتْ كونَ أكوانٍ بذاتٍ

                   وعادتْ من عوالِمها بكلاّ

وقالتْ كيفَ أدْريها وأنّي

                     أكابدُ في مرابعها وأبْلى

تعاقبَ سؤلُها والكُنهُ كُنهٌ

                   وما كشفتْ لنا سِرّا وحَلاّ

تحيّرُنا دوائرُها كأنّا

                      نطاردُها سرابا مُسْتقِلا

أميرُ الفكرِ هلْ خلعَتْ حِجابا

                وأبدتْ حسنَها ورَعَتْ مُجِلاّ

فحارَ العقلُ في بَصَرٍ وشكٍّ

         وأضْحى الرأيُ من عجبٍ مُضِلا

وما بلغَ اليقينَ بها مُريدٌ

                    ولا مَنحتْ لمخلوقٍ مَدَلاّ

أخاصمُها فتغريني بوَعدٍ

                   وألقاها، وما أهوى تولى

فلا أدري إذا وجبتْ كأني

                      كمجهولٍ بجاهلةٍ تسلّى

أعانقُ شوقها والقلبُ يَفْنى

                        بغانيةٍ ترقّبَها ليَصْلى

أهيمُ بلحظها أرْعى مُناها

                     وأبْصرُها فتغمُرني بألاّ

عجائبُ فكرةٍ من فيضِ فكرٍ

                      يحاسبُها وينهرها بهلاّ

وإنّ النفسَ ما هبطتْ إلينا

                  وقدْ وَجدَتْ لنزْعَتِها مَحلاّ

ترغِّبُنا بسيّئةٍ وأخرى

                      نعاقرها فتمنحنا المُذِلاّ

نفوسٌ رهنُ أفكارٍ وروحٍ

                  وكمْ فازتْ إذا جلبتْ مَزلاّ

سمَوْنا في مَعارجها ودُمْنا

                      نُعانقُ فوقها نورا مُهِلآ

كذا بَرَقتْ وقلبٌ إحْتواها

                   فأوْردهُ التعشّقُ ما يُقلّى!!

***

د. صادق السامرائي

 

تواتيت نصر الدينأيا قمرا يطلع من فؤادي

ويرسل نورا بدنيا ودادي

ويلبس وجدي وشاحا جميلا

ويمسح لون الدجى والحداد

لقد كان نورك يا قمري

يضيء سواحل قلبي الكبير

ويكشف سرّ الدجى والسواد

**

مضى الصيف آه أيا قمري

وحلّ الخريف خريف الضنى

وغطى سمائي بلون الرماد

ولفّ بياض فؤادي الرّحيب

فهلاّ أعدت بياض فؤادي

وأن خسوفك يا قمري

ظلام رهيب بأفق البلاد.

***

 شعر / تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

 

حاتم جعفرهافانا، هذا هو إسم الماركة التي تُعَد اﻷشهر في العالم بين أنواع السيكَار، حيث بان على واجهة العلبة وبحروف خُطَّت باللون الذهبي البارز ومن جهتيها، كان قد جلبها له زميله من أحد اﻷسواق الحرة حين عودته الى البلاد، بعد أن أنهى دورة أمنية خاصة، ظلَّت طي الكتمان حتى على المدير المباشر لدائرته الى حين إنقضاء الفترة المخصصة لها، هكذا كانت اﻷوامر وهكذا استجاب لها. إستل منها  سيكَارا في حركة أرادَ لها أن تكون إستعراضية، لكن أركانها لم تكتمل حتى كاد أن يسقط من بين يديه لولا تدارك المأزق في اللحظة اﻷخيرة وبمساعدة مرافقه الذي كان واقفا على يساره، وذلك لحداثة إستخدامه لها على أكثر تقدير. وكي لا يستمر هذا الحرج فقد سارع مرافقه الى القيام بإشعال السيكار بدلا عنه، ثم إعادها اليه جاهزة.

مرافقه الثاني والذي يقف على يمينه راح يسرد السيرة (النضالية) لمسؤوله اﻷمني وما قام به من (بطولات)، أجبرت الكثيرين على (التعاون) مع أجهزة الدولة القمعية. الهدف من هذا التقديم وعلى ما يبدو، هو إعطاء مؤشر قوي للمتهم أو الضحية وربما أراد من خلاله الوصول الى حد التحذير، وبما يفيد من انه يقف أمام رجل مهم بل مهم جدا، لذا فمن الأفضل ومن أولها الإستجابة والرضوخ لما يُطلب منه، وليس هناك من مجال لإظهار ما أسماه بعض البطولات الفارغة وبأي شكل من اﻷشكال. لذا على (زوار هذا المكان) ومن الجنسين، كبِاراً كانوا أم صغاراً، أن يدركوا هذه القاعدة ويضعونها نصب أعينهم ويتعاملوا على ضوئها، والاّ. (شدَّدَ على الكلمة اﻷخيرة وكرّرها عدة مرات).

ثم راح هذا المرافق مسترسلا: فمع هكذا حالات وبحسب القوانين المعمول بها في هذه الدائرة والدوائر المشابهة لها وعلى مستوى الدولة ومن أقصاها الى أقصاها، سيستوي العاقل بالمجنون والمتهم بالبريء فكلهم ووفق الصلاحيات الممنوحة لنا مذنبون حتى إثبات العكس، ومن لا يروق له هذا القانون أو العرف، فهناك غرفة أخرى، بها من الامكانيات والوسائل ما يمكننا من إستنطاق مَنْ لا قدرة له على النطق.

صاحب السيكَار لم تخرج من بين شفتيه الاّ عبارة واحدة، وجَّهها للسيدة التي تقف أمامه: لكِ كل الحق وكامله في كيفية تدوين الأقوال والاعترافات ولكن بما نمليه نحن فقط، دونما إعتراض أو تعليق. أعقب ذلك أن سحب نفساً عميقاً من سيكَاره، محاولا تقليد سيده اﻷعلى شأنا ومقاما، حتى كاد أن يختنق لولا جرعة الماء التي أسْعِفَ بها، ليدلل مرة أخرى وبما لا يدع مجالا للشك على حداثة عهده وبجهالته لكيفية إستخدامها، غير انه أصرّ على تكملة ما أرادَ قوله، وباسلوب لا يخلو من تهديد: لكي يكون الأمر واضحا وحتى لا نُلام أو نُعاتب، فلنا في ذلك طريقتين (يقصد هنا كيفية إنتزاع الاعترافات)، وسنترك لكِ حق اختيار أي منهما.

أحد مرافقيه راح مضيفاً: فأما أن تدوني مباشرة وبيديك الناعمتين، الحلوتين، أي نعطيك أوراقا أنيقة ومذهبة الأطراف، مُعطَّرة، وأقلام حديثة الصنع وبإمكانك الإحتفاظ بها إنشئت وبعد إكتمال المهمة، وتتخذي من إحدى الغرف اﻷنيقة داخل الدائرة، مكانا للشروع في الكتابة. أو إن رغبتِ وكي لا تجهدي نفسك ويخونك التعبير، وحتى نُسهل اﻷمر ونثبت لك كم نحن مرنون، متسامحون، فهناك طريقة أخرى، وذلك من خلال ما يسمونه بالتسجيل الصوتي، وهو جهاز متطور جدا وسهل الإستخدام، ولا أظنك قد رأيتِ أو سمعتِ به من قبل.

عند وصوله الى هذه النقطة، قاطعه مسؤوله اﻷمني موضحا: نرجو أن لا تسيئي الظن بنا، حاشى لله، فليس في نيتنا الترويج أو التسويق لهذا الجهاز الحديث الصنع، بل هذا ما إعترفت به كبرى شركات اﻷمن المختصة في كيفية إستنطاق المتهم والحصول على المعلومة، والتي سبق لبعض الدول الصديقة والشقيقة أن دشنته ودخل حيز التنفيذ وقبل أن يصلنا، وإذا لم يرق لك أي من الخيارين فهناك طريق ثالث لإنتزاع ما نريده من النساء تحديدا، ونتمنى أن ﻻ نصل اليه، ولعلك فهمت القصد . (هنا بدأ يصعد من لغة التهديد).

حتى اللحظة لم يلحظ أي ردة فعل من السيدة التي تقف أمامه بإستثناء موضوع واحد حين سَألَته: ما هي نوع التهمة الموجهة لي. ردَّ عليها، سَبٌ الذات الإلهية، واﻷهم من ذلك التطاول على قيادة الدولة. وعن التهمة اﻷخيرة راحت معلقة: مَنْ تقصد بالقيادة، فأنا أرى مجموعة من الصور خلف ظهرك وكلهم زعماء، فبها المعمم و اﻷفندي ومن لا زال محتفظا بطربوشه رغم أفول عهدهم. وبسبب من ذلك الإعتراض الصادر من قبل السيدة والذي إعتبره قدحاً بالزعامات التأريخية، راح مصعدا ولينتقل الى اسلوب آخر من الضغط والتصعيد، فتجده ناهضا من كرسيه وبردة فعل عنيفة، ليقف أمامها وليفتضح أمره، لما بدا عليه من هزالة في هيئته وبنيته. الملفت في اﻷمر هو شكل بزته والرتبة العسكرية التي يحملها على كتفيه، فكلاهما لا تعكسان هوية بلد بعينه، فهما خليط ولاءات متعددة، وهنا إختلط اﻷمر على السيدة وباتت في حيرة، فراحتُ متسائلة في سرّها، أمام مَنْ أقفُ ويمثّلُ مَنْ؟

تخلَّصَ من كرسيه الهزاز بصعوبة، فإندلاق كرشه ومن كل جهات بطنه كان عائقا واضحا في ذلك ، ثم راح يقطع الغرفة ذهابا وإيابا، متطلعا في ضحيته بين حين وحين وقد بانت عليه جلية علامات التعب والارهاق، شاكيا لمرافقيه من أمرين، أولهما صعوبة تنفسه، وثانيهما طول فترة التحقيق، التي لم يتوقع لها أن تستغرق كل هذا الوقت، مقارنة مع تجاربه السابقة، واﻷنكى من ذلك انه  لم يخرج منها بحصيلة ترتجى، لذا أعطى إيعازا لمرافقيه بإقتيادها الى إحدى الغرف الواقعة في الطرف الثاني من المبنى والمخصص أصلا للحالات الصعبة والعصية كما يسمونها.

أدخِلَتْ السيدة في غرفة بدت معتمة، ما خلا بصيص ضوء بالكاد تسلل خجولا من بين ثنايا نافذة صغيرة جدا، معلقة في سقف المبنى رغم انَّ الوقت وقت ضحى،. مسحت الغرفة بعينيها المتعبتين، علّها تعثر عما يريح جسدها المنهك فلم تجد. سلَّمت قدرها لنعاسها الذي غلبها فراحت ممدة كما المسجية على أرض خشنة الملمس، فراشها الحصى وغطاءها بقايا كرامة وطهر لا زالا لصيقين بها. لم تمضِ الاّ دقائق معدودات حتى بدا الطرق على باب الغرفة عنيفاً، متواصلا وليفتح الباب على أربعة رجال من طوال القامة، تراهم متدافعين، متبارين للوصول اليها والنيل منها،  لتبدو كما الغنيمة التي طال إنتظارها. وحسما للخلاف الدائر بينهم، راح كل واحد منهم ينهش فيها كما يطيب له ويحلو حتى أغشي عليها، وبقي اﻷمر كذلك لقرابة اسبوعين متواصلين، حتى تم الإفراج عنها لعدم كفاية اﻷدلة. وعندما سئلت عن أي اﻷماكن تفضل إيصالها، فكان لها شرطا واحدا، وهو رفض العودة الى مدينتها بعد أن جرى لها ما جرى، مفضلة أن تكون بعيدة عن اﻷهل، كي لا تتسبب لهم بفضيحة أو طول لسان.

فيما بعد وكما جاء في الاخبار، فقد شوهدت ولمرات عديدة في إحدى المدن البعيدة، مفترشة اﻷرض عند مدخل أحد المقاهي، بشعر أشعث والشيب قد غزا مفرقيها، وملابس بالكاد تغطي جسدها المتهالك، تتسقط من هنا وهناك عقائب السكائر التي يرميها المارة، لتنفضها عما تعتقده قد علق بها، ثم تقوم بمضغها وتبصقها بإتجاه أي شبيه بأولئك اﻷربعة الذين تناوبوا على إغتصابها وخامسهم كلبهم ومسؤولهم اﻷمني، لتُحرم  والى الأبد من اللقاء بأهلها مرة ثانية.

....................

سعدية، يمّه سعدية، الساعة تجاوزت العاشرة صباحا، كان عليك النهوض قبل هذا الوقت. استفاقت بصعوبة بعد سماع مناداة والدتها المتكررة وهي متصببة عرقا، وأصوات  تشبه الهذيان تصدر منها بين لحظة وأخرى. في البدأ إختلط عليها اﻷمر وتأرجح، بين أن تكون في حالة حلم أم حالة صحو،  وبعد أن إستقرت وعدَّلتْ جلستها، شكت لوالدتها ثقل الحلم الذي رافقها طيلة الليلة الفائتة، ولتبتسم أخيرا بملأ شدقيها وتعم الفرحة أجواء البيت. فها هي سعدية بعفتها وببدلتها الناصعة البياض، كفراشة زاهية الألوان، تضوع منها الطيوب، تطير على أنغام الحب والموسيقى كما تشاء وتحط أينما تشاء.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

ريكان ابراهيمنقاءُ العِرق شيءٌ مستحيلُ

وأمْرٌ ...

ظلَّ يَنقُصُهُ الدليلُ

فقد مَرّتْ على الدنيا حروبٌ

بها اختلطَ

المُقاتِلُ والقتيلُ

أأضمنُ أنَّ جَدّاتٍ لأمّي

شريفاتٌ

وقد مَرَّ المَغولُ؟

أتضمنُ أنَّ جَدَّكَ

صَحَّ عِرْقاً

فلم يَعبَثْ بوالدةٍ دخيلُ؟

***

... ودِينٌ واحدٌ

وَهْمٌ يطولُ

لأنَّ الدينَ رَفْضٌ أو قَبولُ

فرَبُّ سواكَ تنِّينٌ

مخيفٌ، وربُّكَ

خَالِقُ الكوْنِ  الجليلُ

يرى الهنديُّ في الأبقارِ

ربّاً ...

وفلسفةُ الهنودِ لها أُصول

إذا ماتتْ عن الهنديِّ

أمٌّ ...

فأبقارُ الحليبِ هي البديلُ

فكيفَ تَحلُّ مُرضعةٌ

لذبحٍ ...

أَيذبَحُ أُمَّهُ رجُلٌ نبيلُ؟

لنا دينٌ وللهنديِّ دينٌ

ويبقى الرأيُ مختلفاً يدولُ

***

يظلُّ الناسُ مختلفينَ

لوناً

وليسَ بلونِه الرجُلُ الجميلُ

فهتْلَرُ أشقَرٌ بلئيم طبعٍ

وماندِيلّا بأسوَدهِ

فضيلُ

وتختلفُ القبائِلُ في جلودٍ ...

ولكنْ تلتقي فيها العُقولُ

وطَرْفُ جميلةٍ لولا سوادٌ

بأبيضِهِ لما قالوا: كحيلُ

***

توزّعتِ الشعوبُ على

لغاتٍ ...

وصارَ لكلِّ شعبٍ ما يقولُ

لها في الطيرِ مختَلِفاً لِساناً

مِثالٌ ...

في التآلُفِ لا يزولُ

وموسيقى دواخلها تُغنّي؛

فَعولنْ ...

فاعلنْ ...

فَعلُنْ ...

فَعولُ

***

لقد آمنتَ بالإسلامِ

ديناً ...

وآمنَ بالمسيح سِواكَ

جيلُ

وقَدَّسَ بعضُهم تِمثالَ

بوذا ...

ويَسألُهُ إذا عَزَّ السبيلُ

وأبكى حائِطُ المبكى

يهوداً ... على جَنْبيهِ يجمعُهمْ

عَويلُ

فمَنْ مِنا سيربحُ وَصْلَ

ليلى

وليلى مُتعِبٌ فيها الوصُولُ

أنأتي مثل أبرهةٍ

بجيشٍ ... تَقدِّمهُ

إلى التخريبِ فِيلُ

أم انَّ الأمرَ مُختلِفٌ؟

وخيرٌ ... لمختلفِينَ إنْ قامتْ

حلُولُ؟

***

أرى أنَّ اختلافَ الناسِ  حَقٌّ

تُقرِّرهُ ...

المذاهِبُ والمُيولُ

فلا دينٌ ...

بأفضلَ من سِواهُ

ولا رَجلٌ أعزُّ ولا قبيلُ

ولا لُغةٌ تبزُّ

عَطاءَ أُخرى

وإنْ أرسى قواعدَها فُحولُ

ولا عِرْقٌ

يفوقُ الناسَ عقلاً

فللناسِ المُوازي

والمثيلُ

ولا التاريخُ مجدٌ عندَ

بَعْضٍ ...

وعندَ الآخرينَ له أُفولُ

فهذي الأرضُ مركبةٌ

وفيها ...

لكلِّ الناسِ تاريخٌ

طويلُ

وتصلُحُ أنْ تصيرَ لنا

دياراً

بها تتعاقَبُ العيشَ الفصولُ

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

خيرة مباركيهبيني وداعكِ أيّتها المباركة بفوضايَ ..

ولي نفاد جوازكِ بعلل عسى ..

ما عذرُكِ وأنتِ تزيّنينَ

السَّماءَ بعِجافِ الخِصبِ ،

وتفّاحتُكِ القاصية

يقضمها الخاطفون؟؟

ياعرشَها المرصّعَ بنداءِ المُهلِّلينَ ..

واشتعال الصدى..

ما اعتذارُكَ حينَ يموءُ الغيابُ في هيبةِ الشّمسِ

يتجرّعُني لُهاثي في سكينةِ الغرقِ ..

وتستطيل المسافات؟؟

يا أنتَ .. يا خطيئة الرحيل، وغصة التنائي ..

ياأناااااااااااي في سكراتكَ اللاذعة

هذه عيناكَ تستخيرُني نغمَةً في رئات  اليمامِ

وأنا أعزِفُكَ نبضا مكتظّا بآخر أنفاسِ الفجرِ

بين أذينة يُسرى تقرع صدى ضحكة مغامرة

فتلوذ بشائكِ  الأسئلة ...

وأذينة يمنى متطرّفة ..تنوء بإيقاع الغياب

وتستجدي اغترابك عن جموح التائبين

بلى..

عينُ المسافات تتلمّظُ بأقراطي ..

وأنا أعزفُكَ عرْشًا من قُبُلٍ ومن دُبُرٍ ..

وعلى هديرِ المدى دثّرتُك ،َ كأحاجي الموجِ

بين الضلوعِ حتى مطلع الحنينْ ..

ما بقي غيرُ سبااااااااااااتكِ الطويييييييلْ ..

فيه أصافحُ اللاّئلينَ نجمةً ..نجمةً..

ثمّ أنثرُ رمادها في منفضةٍ جدّتي !!

ترفّقتُ كثيرا، بالذين غادرُوني ..

يقبضُون على أوزاري بفصَاحةٍ مشتعلةٍ ..

وحلاوة خوخة مرتحلة ..تلهجُ بالغفرانْ

وأنا أتبرّع بآخر قطرة دمٍ

لفرسٍ صهباء أسرجت ظعنَكَ وارتحلتْ..

تلكَ جبالي ..تتباعد  في سداكَ..

وخرائطي تلعثمت

بين رغوةٍ طافيةٍ

ونفاد نسمةٍ صفراءْ

من أغنية عمر بليدْ !!

يا ليتني شراعا يرحَلُ مع الرّيحْ

أسافِرُ مع الفصولِ بينَ حنايا الصّخبِ ..

يموسقني الرذاذُ المشتعلُ،

وأهادنُ الليلَ بالمناجلِ حين تلعقُ آخرَ سنابلي

سأودّعُ أماسي الربيعْ ..

وأكتفي بآخر نسمات ريحك وأندثرُ

كآخرِ قصيدةٍ حالمهْ

يا منتهايَ في سفر الخروج !!

***

خيرة مباركي

ديوان مخاض الأشرعة

 

جابر السودانيوحيداً مثلَ المخمورْ.

أترنحُ في قلبِ الإعصارِ الصاعدِ

يستوطنني حلمٌ ارعنْ.   

أبحثُ في هذا القَـرِّ المضني

عن مرقاةٍ تحملُ وجهي

لسماواتٍ أخـرى. 

ما للأرضِ تميدُ بخطوي

وتدووووووووورُ،

كقاربِ ورقٍ في الطوفانْ.

أغشتني أنوارُ البرقِ الساطعِ

من وجهِ الغيمْ. 

ورأيتُ الأنهارَ جميعاً

تركضُ عائدةً نحوَ البحرْ.     

ينهمرُ المطرُ المجنونُ تباعاً

يغسلُ وجهَ الأرضِ ووجهي

من أدرانِ الحقبِ الرعناءِ 

والبَـرَدُ المتجمدُ

يتقافزُ فوقَ الإسفلتِ

مثل ضفادعِ شطآنِ الريفْ. 

حملتْها الريحُ إلى اليابسةِ

وماتتْ في طرقاتِ المنفى

أمهلْني يا زمنَ الخيباتِ رويداً

أسترجعُ من ظلماتِ الغيهبِ

خطـوي التائهَ مذُ صباي 

مازالتْ في الروحِ بقيةُ عشقٍ

صوفيِّ المعنى  

تأخذُني في الليلِ وئيداً، 

يا صاحبَ سرّي

والقولُ تفاطينٌ تترى  

ماذا لو أدركتُ القطبَ المتجمدَ

قبلَ الموتْ.  

أدفنُ تحتَ ركامِ الثلجِ القطبيِّ

ملامحَ وجهي.

منفياً في الأبعادِ قروناً أخرى

يوقظُني من عزلةِ يأسي 

ذاتَ مصادفةٍ خطوٌ مخبولْ. 

لم يقرأ في كتبِ السيرِ الأولى

عن وطنٍ هـدَّ مآذنَهُ اللاهوتيون الغرباءْ.

فأعودُ وحيداً

أبحثُ في أتربةِ حرائقِ بيتي

بعد قرونٍ

عن ذاكرةِ الوطنِ المغلوبِ وعني.   

***

جابر السوداني

 

سعد جاسم(قصيدة للاطفال)

***

سَلّمني مُعلّمي

شهادةَ النجاحْ

أخذْتُها مبتهجاً

أسابقُ الرياحْ

واذْ وصلتُ البيتْ

بفرحةٍ رأيتْ

أُمي وأَصدقائي

بالوردِ أَمطروني

ووالدي وجَدّي

بالحبِّ قبَّلوني

فصارتِ الورداتْ

وصارتِ القُبلاتْ

لآلئاً تشعُّ بالسعادهْ

وعندَها قرَرتْ

أنظُمُها قلادةْ

تُزيّنُ الشهادةْ

***

سعد جاسم

 

 

فتحي مهذبجهزت حصاني

مثل بوذي هارب من جواسيس ..

ومجرمي حرب..

أممت سمت المطلق

بأسمال خلقة..

أطلقت بلبلا محنطا وردته

رسالة من مومياء..

شكرني تمثال يحرس بيتي

من هواجس يولسيس..

(كان ضيفي منذ سقوط أوديب

في هاوية الطابو)..

**

أغزو قرى ومدائن

وعلى كتفي ببغاء

يطارد الكلمات بشراهة..

أبصر ثيرانا مجنحة تتحاور..

نشأت في شقق نظيفة..

تبتلع ضبابا طازجا

ثم تدخل بوابة صدري..

أبصر قسا يستقبل غرقى

في بهو كنيسة..

يصعدون تلة ماضيهم

ويتلاشون.

**

لن أزور تمثال غوتاما بوذا

لأني مفلس ومفتش عني..

تلاحقني تماثيل مسنة..

نساك عميان , أجهزة الأنتروبول..

لأني قتلت بوذيا في قارب صيد..

اختلست ذكرياته المملحة..

وكيس أرز .

**

أنا وحصاني وكلبي

هربنا من آخر صفحة

في رواية

الى غابة مجاورة..

ثمة استقبلنا هنود الأباتشي

بقذائف الآربجي..

***

وليمة قصائد

في جحر ترتاده جوقة من الأضداد

أيل حصد ذكريات صديقته بمنجل

نسور محنطة دائمة البكاء..

تمثال فر من فضيحة..

جحر أثثته لي سحليات

وزينه غراب بضحكته المريبة.

***

سعيد بصداقة شجر الهندباء..

أنا قارئ جيد لأسرار الهاوية..

أنام مع ذئبة على سرير ضحوك..

بينما غيمة تفر مذعورة من مجزرة

في حانة يرتادها صيارفة من القش..وباعة شواهد القبور .

***

دائم النسيان

أبتلع شجرة آخر الزقاق..

يرشقني سرب متناقضاتي بفواكه جافة..

يحوم غراب فوق رأسي

بحثا عن شقة أنيقة

مؤثثة بحرير ذكريات حلوة..

آلات موسيقية لتهدئة الأشباح..

امرأة لشن مظاهرة في مرتفعات النوم..

دائم النسيان..

مخيلتي في المستشفى..

يطاردها ممرضون بالعصي..

والهراوات..

وحين يشتد زئير الأضداد

تختفي في مغارة .

***

لم أره الا وأنا سكران

هذا الهواء الذي تحول الى كنغر..

يضرب الباب بحوافره..

يقفز من تلة كتفي الى مخيلتي

يختلس قصائد نيئة..

كنت سأطبخها على نار هادئة..

هاهو يسقط مثل تفاحة نيوتن

من أعلى الرأس ..

مكركرا عظامه الهلامية..

باتجاه شباك جارتي الأرملة

طارقا بابها مودعا قصائدي

بين ظهرانيها ..

طعاما لفرائس لم تأت..

**

أعذروني

أنا في تابوت

في مقبرة مهجورة..

أهاتف طفولتي التي قتلوها

في قطار نائم يتنفس بصعوبة..

ان شئتم

اتصلوا بي من خلال موميائي الحنونة .

**

حياني ميت

من شباك المشرحة..

كان يحاضر في رواق الأبدية..

أنا بانتظار زوجتي آخر الأرض..

لتسلمني مفاتيح الخميلة..

تشيعني دموع الموتى..

الى كهفي القديم .

**

مثل نيزك

ابتسم لي حظي الأعمى..

اختلست مصباح علاء الدين

من طائرة صغيرة

تنام في مخيلة قس..

صرت مربي خيول في شقق ضحوكة..

رائدا جيدا لفضاء اللازورد..

صديقا صميما لخيميائيين ومهربين..

ونجوم متهتكة

تخبئ نقودها في حديقتي..

لا أدفع الضرائب للأشباح..

لا أمشي وراء جنازة الأضداد..

يحترمني ناس كثر..

جبلوا من قش الحداثة..

تنحني لي ذئاب المستنقعات..

ويلمع حذائي كبير الدببة

يحملني أسخيليوس على ظهره

(في زقاق ضيق) .

**

أنا ميت منذ قرون

يحرسني جنود أفارقة..

ويزورني قس مرة في الأسبوع..

يهديني ملابس نظيفة في عيد الشكر..

لا أخرج الا نادرا الى مقهى أو حانة

أروض متناقضاتي في دار الأوبرا..

وأغني لهاديس في مظاهرة..

أو في رحلة صيد مروعة

داخل غابة الذكريات ..

أنا متورط في جريمة نسيان..

سأقتل اوزة بيضاء يوم القيامة..

وأبيع قوارير عطر فاخرة للملائكة.

سأبحث عن باخرة ضريرة

فرت على ظهر حصان من محرقة

هتلر .

***

فتحي مهذب

 

 

زياد كامل السامرائيابْتعدَ عنكَ الضّيم . 

طارتْ في سَماكَ لَوْعَة

أَمْضَى مِنْ حدّ السَّيْف . 

تجاوزَ الشُحّ قبيلتكَ

والضِّياء يشدو عِنْد صَبَاح نوافذها

يَأْنَسُون ويمرحون ويَدْرُسُون كبَاقِي خَلَق اللَّهُ

إلَّا انتَ ؛ 

ايتها القَلعَة المُتهالكة . 

التملّص منكَ .. لا يَعْنِي إنَّ الدَّم

يُلقى على الرَّصِيفِ كنردٍ، 

ضمّتها، نصف وجوه،

وهي على ظَهْرِ مَلَاك، بِكِيس

مَاضٍ إلَى الجنّة . 

الحبُّ لَا يَسْتَقِيمُ بحذاءٍ مِن ذَهَبٍ ! 

لهذا زاوَل الْعُشَّاق طِوَال أَيّامِهِم، الهِجْرَان . 

لنْ تَعرفَ المكان، وهو يتحيّرُكَ

بَطَلٌ، تُكذّبهُ آيَات الأَسَاطِير؟

 أمْ إلَه، يَرْعَى في زَوَايَا مُخيلتكْ؟ 

فِي زَوَايَا مُخيلتي،

قَرْيَة يَنْضج على أَكْتَافِها الشمّام 

وعازِف ناي

أَحْرَقَتْه الشَّمْس والمواويل 

ثَمَّة نَهْر وَامرَأَةٌ ملفّعة بالسَّوَاد . . 

لَن يطردهُ سوى، أُفُق لنباحِ كلِمَاتٍ 

وشاعر 

خصّته الكوارِث بِكَأْسٍ تَتَخَمَّر

رويدا 

رويدا 

حَتَّى يتواى الإله.

دِفْء الأَرْحَام يَلهجُ

أَصَابِع الطريق... طويلة إليْكْ .

***

زياد السامرائي

 

ياسمينة حسيبيوللآن، ينْدغِم طحينُ الروح بتراب الجسدْ

والطريق تُكدّسني في حقيبةِ السّفرْ

أخفقْتُ فيكَ مثنىً وثلاثاً ورباعاً ...

وأدركتُ قوافلَ العشق على مطيّة السّرابِ

انا الشيْهانةُ في جوارحي

أُحلّق على جسر النوايا وأهْدرُني في تَصيّدِ الوِدّ

وفيرةٌ في صبري، تخْضَرّ الآهة في جوفي

وليلي مكشوفُ الأرقِ.. والورقِ

يدِي ما عادتْ يدِي ..

بلْ مِكواة أُملّسُ بها تجاعيد روحِي

وكم نفذَتْ عيْني …

لكنّ عينُكَ ما أطلقَتْ سراحي !

كلّما رفعتُ مرساتي عاليًا، يسقط المدى تحتي

وتقضمُني أنيابُ الشكّ !

وهيهات أن تُكْمل الأرض دورتها …

وانت ترشُقني بالطريق وتُسْهبُ في اختصار الوداعِ

قد حسبتكَ أوّابًا مُنيباً

فقلت : أحتاجكَ وإنْ تجفجفَ ثوب العمرِ

وأستأنفُني فيكَ بِـألفيّة الشوقِ، 

فما كُنْتَني إلاّ بالنزْر القليلِ

تساقطتْ صباحاتي من وجهكَ تِباعاً 

وانْثَنـَى كاحِلُ الروح !

أوَ كانَ حُبكَ عابرًا لِسبيلي؟

أمْ عصفت بِنَا الريحُ في الحرّ والقرّ؟ 

وأدري..  تكبّدْنا عَناءَ التّجافي

ودخلنا الموسوعة بِقياسيّة الهجْرِ

لكنّ الطريق بيننا محضُ إشارات   

ولا يشْفَع للنوايا حُسْنُ افتراضي

فلا تستدرجْني لحتوفِ الورد

أو تغزل الفراغ من حولي 

سأَخْتصِرُني على سبيلِ العَدِّ ...

وأدقُّ مسماراً في نعشِ قلبي !

***

ياسمينة حسيبي

 

شلال عنوزيتضوّر الرمل باكيا

رعونة أقدام القطيع

يشهق ...

حيث تنتحر مرافىء الأزمنة

بجناية اليباس

تحترق الفصول

بلهب العواصف

يشتعل شغف النواعير

حينما ينضب ماء السواقي

تسرق شراهة طوفان  الندم

ممرات الحلم

حيث لا مرور الى مناسك الأمل

في ضجيج المدن (الخشخاش)

تتجلّى (الحقيقة) خائبة

خلف قضبان المحنة

مأزومة تبكي وداع الصادقين

تنهزم زرافات الأماني

مهاجرة في دروب اليأس

وتسخر المقادير من قبائل الدمى

هنا وأنت تجاور صمت المقابر

لاتكون الا وشاية تقبّل لحد الصمت

أخدود وجع يزفر عند نهايات الهاوية

يوميء الى هزيمة تأكل مناسيب القلق

تتعرى كغانية سرقت جدائلها

في ليلة النكول

أو كألعبان بلا رأس

يرقص في ميدان

شغب الغجر

الممتلىء بفحيح الأفاعي

وبلاهة الخرافات

ولا شىء الا عواء ذئب المأساة

يتمترس مستبدّا في رؤاك المبعثرة

منذراً ديمومة شهقات الفواجع

أزليّة الهلاك الجمعي

هنا تموت بالتقسيط

في لُبِّ صمت المقابر

تقيم طقوس شعائر

موتك المجّاني

تهزج للراحلين ...

نشيج الوجع

تكتب على شفاه الجفاف

أبدية اللوعة

يامن تروم دخول بوابة المرايا

من (سَمّ الخِياط)

من أين لك النفاذ ؟

كل الطرق معصوبة العيون

وكل المسافات يحتسيها شبح الأفول

هنا المزاد الذي أنشأته ريح (صرصر عاتية)

في جشع الصيرفة

هنا الناكثون ..القاصطون ..المارقون

الخائنون ملح  الزاد

الناكرون أبوّة الطين

هنا تزوّج الشيطان

فولد شيطانا عجيبا

غلب بمكره

شياطين الأرض

هنا المشاوير حبلى

ولم تزف (الآزفة)...

***

نص / شلال عنوز - النجف الأشرف

 

قصي الشيخ عسكر1- النهار خرافة قال الأعمى ذلك وحين ارتد بَصِيرا أنكر ماقاله.

Day is a myth, said the blind. But when he returned seeing, he denied what he had said

 

2- ولد بستة أصابع في كل يد، لكن إصبعيه الزائدتين لم تسرقا قط

He was born with six fingers on each hand, but the two extra fingers have never ever stolen.

 

3- بالمطار في صالة المغادرة التقت أستاذها الذي طرد من الجامعة بسبب فريتها قبل عقود عليه. طبعا لم يعرف احدهما الاخر.

At the departure lounge  she has met her university tutor who was sacked from university as she had invented lies against him years ago, but they didn't recognize each other.

 

4- اعمى اخرس واطرش مع ذلك فقد ألقيت على عاتقه كل حوادث الشغب الاخيرة

In spite of being blind, dumb and deaf, all the recent incidents of rioting have been thrown on his shoulder.

 

5- كل صباح اول ما يطالعه في الجريدة صفحة الوفيات لعله يبصر خبرا ما ينعيه

First thing he reads in the newspaper every morning is read the obituaries column.

 

قُصي عسكر

................................

ملاحظة : قمت بإعادة كتابة هذه القصص باللغة الانكليزية لأجرب حظي في هذه اللغة

 

صحيفة المثقفترف سراويلهم المفرغات رفَّ المراوح المنهكة

تطير خصلاتهم البيض  تكشف عراءً يتنامى

يتذبذبون مشي رقاص ساعة

كنبت ناس ضعفاً

مع الريح

يحملون  رباعياتهم .. صورهم .. والهويات

يمدون أكفّاً ضوامر

يرجون تحديثا

لا يفقهون من جدواه شيئاً

فهم ولدوا لزمان آخر

بعضهم يدفع بلغوب كرسيه المدولب

أو يرتفق على "حجلة"معدنيةْ

يحملون مناسىء مختلفات حجما و شكلا

بمقاعد .. أو بمساند .. أو بأربع أرجل ..أو بثلاث أو  مفردة حسبُ

هذا صار بصيرا

وذاك اضطربت رجلاهْ

وذا لا يطيق الوقوف .. خارت قواهُ

وجوهاً جعّدها العمرُ

وظهورا أحناها الضيمُ

غاضت أسنانهم في بحور أفواه

اختلفت تضاريسها بعوامل التعرية والتآكل

يهزأ خُدّام المرائب منهم

كأن لم يروا إنهم سائرون لمثل هذا

جلهم يحمل بين برديه حلما صغيرا

حلما أخيرا

ليُفسرَ

يرجون فضلة مال

بعضهم ينشد أسنانا

بعض يرغب عدسات

بعض يرجو أن يتخلص من الم البروستات

أو يبدل ركبته اليابسةْ

أو ليرى عرس ابنه قبل الرحيل

أو ليقصدَ بلداً ثلجياً

أو ليشتريَ الكفنْ

***

سمية العبيدي / بغداد

سعاد الورفلييا أمي أخاف من الظلام- بدت ممسكة تلابيب رداء أمها المتشح باللون الرمادي ظهرت عليه آثار مختلطة زادت من متاهة الألوان المتداخلة ..!! دفعتها دون أن تجيبها بينما انشغلت الأم بتعبئة قوارير ضخمة الحجم من سلسل يسترسل ضعيفا عند أقصى نقطة من خلف ملجأ بني من الأوراق السميكة، والنايلون أحاطته الأعشاب، كأنه قلفة حجر انفلق بين اثنين في قاع بحر تحوطه الأعشاب البحرية وتلتف به، كلما نمت ازداد حجم الالتفاف .أما الأطفال الآخرين، فكانوا قبل أن يعلنَ الرجل الذي تكفّل بمسائل الصلاة وعقد القران أذان المغرب، يملؤون الأزقة المتقابلة المتكدسة فيها البيوت المصنوعة من النايلون والبلاستيك، بالضجيج وبإعلان حرب تشبه حروب الكبار، فكلهم يشكلون فرقَا صغيرة يسمونها ميلشيات آخذين ألقابا مميزة كان آباؤهم يتداولونها في أحاديثهم، كلما انتهت نشرات الأخبار، وحكايات ألف ليلة وليلة للسادة والمسؤولين كلهم يعِدون ووعودهم دهانات مسكنة لحرقة قلب انهار واهترأ، ينتظر الصباح علّ الصباح قريبٌ لكن ذلك الصباح امتد واستطال وصار مساءً بقناع الصباح القريب .

قال الرجل يخاطب الشيخ الذي بيده مسبحة متلألئة: تعبنا وأدركنا الموت ولم نحقق شيئا ضاعت آمالُنا في عرض البحر هذه القوارب تنزف بأجسادنا، والحيتان تقيم وليمةً شهية في قاعها .تُرى منذ متى ولم تتذوق الحيتان لحوم البشر؟ .

ما كان على الشيخ إلا أن يزيده دفقةُ من علوم البلوغ ومسْلك الواصلين الذين صبروا وامتدوا على جمر الحياة واهترأ لحمهم وهزل بنيانهم وشحبت الحياة على وجوههم ..ثم ماتوا وهم يضحكون.

ينصرف الشيخ مستغفرا .. ويظل الرجل مفكرا في كلماته ... يعود لبيته ..تستقبله أم العيال بتقرير يستنزف قواهيضع يديه على رأسه صارخا: أخْ آهْ ..أه .. يا امرأة توبي توبي لماذا لاتصبرين ألا تريدين أن تموتي بهدوء، كفِّي عن الولولة والصراخ .

كانت رؤوسُ الأطفالِ الخمسة تُطِلُّ من خلف الستارة يشاكسونهما، ويدخلون متوزعين في قلب الخيمة البلاستيكية ضاحكين بصوت عال ..يلعنهم منْزلا غيظَه ووعيدَه على اللحظة التي استنزلهم فيها من ظهره، يتفُّعلى نواحي المكان يركل وسادة كانت مركونة بالقرب منه ترتبك المرأة تهرع نحو الستارة، تُنْزِلُجامَغضبِها على أقربِهم مودةً تضربه بلا رحمة تبكي وتبكي، يهرب من بين يديها يستلقي عند شاطئ البحر سمع حكايات كثيرة عن القوارب والمسافرين والمدينة الفاضلة،مدينة بلا حرب - تمتلئ بعرائس الظل وأوانس بيضاواتوحلوى غزل تملأ الشوارع .. تذكر ابنة الجيران الجميلة، لقد سافرت مع أهلها لكنها لم تركب البحر، بل ضربت في الجو شراعا طارت بها الطائرة الورقية . هكذا أخبرته أمه قبل الخروج من بيتهم كانت تظن أنهم سيستقرون وستستمر حياتهم لكن القنابل لم تدع مجالا للحب ..

استلقى على شاطئها يسترضع الأحلام نام ويداه مفتوحتان للغد . قلبته الأمواج تدحرج على الحصى،سمع ضجيجا وأناسًا يركلون بعضهم يتزاحمون على عوّامة كبيرة، مسح وجهه، شعره الأشقر الملبد برمال الشاطئ ظل ينغزُه، تذكر رفيقًه لاعبَ الكرةِ المتمكن أين يجده يا ترى؟! هو أيضا لم يذق طعما للنوم، رغم الغربة وتوحد المشاعر في البيوت البلاستيكية إلا أن زوجة أبيه كانت تذيقه صنوفا من العذاب .. الطائرات من جهة وأرملة أبيه تمنُّ عليه بعلب الحليب التي كانت تسرقها من بيوت الدعم، تأتي لتحرق أصابعه ثم تسقيه حليبا مشوبا بالماء الملوث . لمحه من بعيد كادوا أن يدوسوه، صرخ: معاذ ..معاذ .. هرع إليه، لم ينتبه أحدٌكانوا يملؤون القوارب، حتى الإطارات الملتفة التي كانت متعة الحياة في البحر؛ صارت نعوشا تنقلهم حيث لاجهة .

اضطر أن يصرخ، فصديقه معاذ تحت كتل اللحم والعرق وشعور الرجال الملبدة. يالَهذه الليلة السوداء ! دار حول المكان، لم يشعرْ بشيءٍ سوى بيدٍ تبدو غير حانيةٍ التهمته بشراسة، ألقتْ به في قاربٍ امتلأ بالنساء، تفاجأ بأمه وأبيه وصاحبته وأخيه كلهم –أبتعين- شعر بقلبه ينقبض، لايريدهم معه:_ الغربة لاتحتمل العائلات، ولاتحتمل كلماتِنا لانحتملُها !..سحبتني أمي ضمتني بقوة، صفعتني أين كنت طيلة الليل ؟ لم أستطع إجابتها . كان القارب يرقص والنساء تصرخ والأطفال يتهاوون في البحر؛ أما الرجال فقد التزموا بالصمت . رأيتهم يسحبون الآيادي بهدوء،عرقهم وعرق البحر قاتلا قامعا لكل الشهوات،لانطمع بأكل أو شرب، فقد سُدت طرق اللذائذ الموجة: صرخ شاب في مقتبل العمر- ثم سرعان ما تهاوى في البحر، قلت لأمي التي تحضنني بقوة، أخرجوا الرجل من البحر، سمعتهم يقولون: من يقع لايعود - هنيئا له بالموت - تحدثوا عن الموت كثيرا (الموجة الموجة!) لم يكن من أحد، كنت أنا والقارب وشاطئ البحر. أحسستُ بأقدامٍ تمشي من حولي يرتدون ثيابا ملونة على وجوههم كمامات يغطون رؤوسهم بالخوف، تحرك أصبعي الصغير تنهدتُ قليلا . كنت أحتضنُ شاطئ الحياة بقوتي شعرت بصدر أمي وريحتها وعنفوانها، لم تبرحني صورة أبي وهو يركل الوسادة لمحت الدموع تسّاقط من عينيه يمنعها من الانهمار، ورأيت عينيه جيدا وهو معنا، ملتزما الصمت . دمعه كحبة الحلوى أردت أن ألعقَها -أردتُ أن أقول له: لاتلعن ظهرك يا أبي، الحياة ليست فقط في الدنيا، سنلتقي هناك ونضحك كثيرا كثيرا ! سنكمل باقي أحاديثنا ونحن نتوسد صدور أمهاتنا. سمعتهم يقولون: لقد مات الطفل، لقد مات الطفل !

رأيتهم يرسمونني على حوائطهم، وصفحاتهم، رأيت دموعهم التي لاتشبه دموع أبي.. رأيتهم للمرة الأولى .

 

القاصة: سعاد الورفلي

 

خالد جمعةالشخصيات:

المرأة

الشاب

الفتاة

السائق

***

شبه عتمة تغطي فضاء المسرح، هنالك بعض الضربات الضوئية الخفيفة التي تسقط على وجوه السائق والركاب، أصوات محرك الحافلة والإطارات والريح يتداخل بعضها مع بعضها الآخر، الركاب على مقاعدهم يجلسون بوضعيات مختلفة ويلف المكان السكون.

المرأة: (كمن يستيقظ من نومه فجأة، تقف وتتجه صوب الفتاة التي تجلس أمامها)  المعذرة بنيتي، كم بقي من الوقت لنصل؟

الفتاة: .......

المرأة: عفواً، أردت أن أعرف كم من الوقت أمضيناه ونحن هنا جالسون؟ لا ليس هذا السؤال، أنا كنت أعني يا بنيتي كم الساعة لديك الآن؟

الفتاة: (تنفجر منفعلة) لا أعرف، ومن أين لي أن أعرف؟

المرأة: (ترتدّ الى الخلف بدهشة وتقول بصوت خافت) من ساعتك التي ترتدينها يا بنيتي ستعرفين الوقت.

الفتاة: (بالانفعال نفسه) لا عليك بي ولا بساعتي، لا أعرف، لا أعرف أي شيء، هيا ابتعدي عني.

يترك الشاب مقعده ويتجه صوب المرأة الواقفة قرب مقعد الفتاة محاولاً تهدئة الموقف بإعادة المرأة الى مقعدها.

الشاب: ( للمرأة) لم يحن وقت الوصول بعد سيدتي، ليس الآن.

المرأة: (تعود الى مقعدها، وترمي بصرها الى الخارج وتحدّث نفسَها)  كم مضى من الوقت ونحن هنا؟ ساعة، ساعتان، يوم، يومان. كم بقيَ من الوقت لنصل؟

الشاب: (وهو في مقعده ينظر الى الخارج ويحدث نفسه) كل شيء مظلم في الخارج والسماء بلا قمر، لا أستطيع أن احدد أين نحن الآن، لا أستطيع أن أعرف متى نصل، لا أثر يبدو للعين خارج هذه الحافلة، منذ متى ونحن هنا؟ منذ متى ونحن نسير وسط كل هذا الظلام، نشقّ الليل بهذه الحافلة؟ منذ متى ونحن هنا؟ ساعة، ساعتين، يوم، يومين، لحظة سأحاول أن أتذكر (صمت) منذ متى ونحن هنا، ما الذي يحدث؟ هل تجمد الزمن؟ أريد أن اعرف (ينهض من مقعده ويتجه صوب الركاب وهو يردد) كم الساعة الآن لو سمحت؟ عفواً  كم الساعة الآن؟ أخي ممكن ان تقول لي كم الساعة؟ (يصل للفتاة  ويسألها) كم الساعة الآن؟ ( الفتاة مستغرقة مع نفسها) أختي كم الساعة الآن؟ أنا أسال عن الوقت.

الفتاة: ........

الشاب: لو سمحتِ أختي، كم الساعة لديك الآن؟

الفتاة: (فجأة تنفجر) لا أعرف، ومن أين لي أن أعرف؟!

الشاب: (محاولاً تهدئة الفتاة) آسف، أخطأتُ، أعتذر، أنا مشوش قليلاً، لقد رأيتُ ساعة في يدك ونسيتُ فسألتك، لم أكن أقصد سوءاً، خوفي من جواب السؤال هو الذي زاد من تشويشي وسألتك، خوفي من الجواب هو الذي أعماني، أعرف أنكِ لا تريدين أن يسألك احد، كان يجب ان أنتبه، لم أكن اقصد إثارة غضبك إنه مجرد سؤال، إنسيه، اهدئي أرجوك.

الفتاة:(تصرخ) لا عليك بي، لا عليكم بي، لا وقت عندي، لا دقائق ولا ساعات، ساعتي هذه عاطلة، إنها حجر لا حياة فيها، إنها متوقفة، إنها ميتة (الشاب يبتعد قليلاً للخلف مذهولاً ثم ينسحب الى مقعده، صمت، الفتاة تدير وجهها الى الخارج وتحدّث نفسها) أنا أكره الركاب، أكره نظراتهم المريبة، دائماً أرى بوجوههم أنياباً تريد أن تنهش، لستُ أخاف أحداً، لم أفعل شيئاً كي أخاف (صمت، ثم تعود لتحدّث نفسها) منذ متى ونحن هنا؟ كم مضى من الوقت؟ وكم بقي منه؟ ظلام كثيف في الخارج، كم الساعة الآن؟ (صمت ثم فجأة تقف وتستدير متجهة صوب الشاب، تقف عند رأس الشاب الجالس على مقعده وتصرخ به) أنت، نعم أنت، كفّ عني، أنا لا أخافك، منذ أول لحظة صعدتَ فيها مع تماثيلك الى هذه الحافلة وأنت تصوب نظراتك اليّ، ما الذي تريده مني ها؟

الشاب: كنت أظن العكس.

الفتاة: (متسائلة بانفعال) عكس ماذا؟

الشاب: كنت أظنكِ قد أعجبتِ بالتماثيل، وتتأملين كلَّ تمثالٍ أصعد به الى الحافلة بشغف واعجاب لذلك كنت انظر اليك وابتسم معبراً لك عن شكري وامتناني.

الفتاة: انتَ الآن تسخر مني، أنا لا أقبل بالهزء، لا اسمح لك بذلك ولن اسمح، هل فهمت؟ هل تسمعني؟ لا أسمح لك..

تنهض المرأة من مقعدها لتمسك الفتاة من كتفها وتعود بها وتجلسها في مقعدها.

المرأة: تعوّذي بالله يا بنيتي، انه لم يقل شيئاً، سألك عن الوقت فقط، هو شاب طيب وقد أعتذر، اهدئي، سأجلب لكِ كأساً من الماء البارد، لا شيء يستحق الغضب يا حبيبتي، لحظة وأعود اليك (تأخذ المرأة الفتاة وتعيدها الى مقعدها، ثم تتجه صوب السائق وتسأل): أين الماء؟ (تصل الى خزان عليه قدحٌ فارغ، تحاول ملأه، لكن من دون جدوى، ليس هناك ماء) أ لا يوجد ماء؟ هل نفد الماء؟ (تتحرك بالحافلة وهي تنظر عبر النوافذ الى الخارج) منذ متى ونحن هنا؟ كم قد مضى من الوقت ؟ كم بقي من الوقت لنصل؟

الفتاة والشاب ينهضان من مقعديهما ويردّدان ما تردّده المرأة، يتحركون ثلاثتهم باتجاهات مختلفة في الحافلة، تتعالى أصواتهم وتتداخل معاً حتى تملأ الحافلة، فجأة يحدث صوت كابح وصوت احتكاك الحافة على الاسفلت، يميل الركاب الى جهة واحدة من الحافلة، يصبحون على جانب واحد، ظلمة تعمّ المكان، صمت لحظات، ثم بعدها تتعالى صرخات الركاب.

الفتاة: لقد اصطدمت الحافلة بشيء ما.

الشاب: لقد تعطل الكابح، أظنه الكابح.

المرأة: الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم..

تضاء الحافلة فيظهر السائق واقفاً قرب مقود الحافلة، ووجهه صوب الركاب والمقاعد.

السائق: ما بكم؟ لِمَ كل هذا الخوف؟ ما الذي حدث؟

الفتاة: كدتَ تقلب الحافلة بنا.

المرأة: كدتَ تقتلنا.

الشاب: كان يجب عليك ان تركز على الطريق.

السائق: (يصرخ بهم) إخرسوا، توقفوا أيها الحمقى، كفّوا عن الصراخ كما الأطفال، انا لستُ سائقاً غشيماً كي تتحدثوا معي هكذا (صمت، ثم يضحك بهستيريا، وبطريقة مائعة يقول) لقد تعلمتُ السياقة منذ نعومة أظفاري (برقة أكثر) حركتُ سيارة أبي أول مرة وأقدامي بالكاد تصل الى الكابح، لقد كنتُ صغيراً جداً، اعرف كل شيء عن قيادة السيارات، لكني لستُ روبوتاً، والله العظيم لست روبوتاً.

المرأة: (تلتفت صوب الشاب وتسأله بصوت أقرب الى الهمس) ما معنى روبوت يا ولدي؟

الشاب: ليس الآن يا سيدتي، لحظة، دعينا نفهم ما يجري.

المرأة: ( تتلفت الى الفتاة وتسألها بهمس) ما معنى روبوت يا بنيتي؟

الفتاة: (بسرعة تجيبها) انسان مصنوع من حديد.

السائق: (يصرخ) لا تتهامسوا، اخرسوا، أريد التركيز، لا أريد تشويشاً (صمت، ثم يعود الى الشاب) ما الذي سألتني عنه أيها الشاب؟ ماذا قلت؟

الشاب: لقد قلت كدتَ تقلب بنا الحافلة.

السائق: لا ليس هذا، لقد كان سؤالاً.

الشاب: لم اسأل يا سيدي.

السائق: (بخبث) ولكني شعرت أن لديك سؤالاً تريد قوله، أ ليس كذلك، هيا قُله؟

الشاب: بلى.

السائق: إسأل إذن.

الشاب: ما الذي اردتَه يا سيدي حينما قلت انك لستَ روبوتاً؟

السائق: (بغضب) لأني نعسان، نعسااااااااان، لا أدري كم قد مرَّ من الوقت وأنا هنا خلف مقود السياقة متسمراً على هذا الكرسي، لا أعرف منذ متى نمتُ آخر مرة، كم قد مرّ من الوقت و لم أغمض عينيّ لحظة، أنا نعسان، نعساااااان، هل فهمتَ؟ هل فهمتم؟( يصرخ بصوت عالٍ) هل هنالك احد يخبرني منذ متى وأنا أقود هذه الحافلة؟ هل هنالك من يخبرني متى نصل؟ أتعرفون كم ليلة ونحن هنا في هذه الحافلة؟!..

ظلمة

أصوات الركاب: منذ متى ونحن هنا؟ كم بقي لنا لنصل؟ (الأصوات تستمرّ بترديد هذين السؤالين)

السائق: (يقاطعهم) كفى، توقفوا، دعوني أركز كي أجد حلاً فأنا نعسان.

الشاب: لستَ بحاجة الى التركيز، الموضوع سهل، دعْ احدنا يقود الحافلة ولتنمْ أنتَ، خذ كفايتك من النوم.

السائق: لا يمكن، هذا مستحيل، لا أحد يعرف أن يقود هذه الحافلة غيري، إنها مصممة لي خصيصاً، آسف أيها الشاب اقتراحك وُلد ميتاً.

الفتاة: نترك الحافلة متوقفة على جانب الطريق لتأخذ قسطاً من النوم وبعدها ننطلق.

السائق: هذا هو المستحيل بعينه.

المرأة: لماذا مستحيل؟

السائق: لأن خزان الوقود يسرّب الوقود إلى الخارج، ولا وقت لدينا للتوقف، وإن توقفنا فسيفرغ الخزان وتبتلعنا الظلمة ها هنا.

المرأة: لا حول ولا قوة الا بالله.

الشاب: ما الحلّ مع هذا الكابوس يا ربي؟

الفتاة: يجب ان يكون هنالك حل، دعونا نفكر.

ينشغل الركاب بالتفكير من خلال اظهار همهماتهم التي تتعالى، صوت طنين كطنين الحشرات يتعالى..

الشاب: (يقاطع تلك الهمهمات المتعالية وصوت الطنين بصرخة اعلى)  وجدتها (صمت، يكفّ الركاب عن الهمهمة، ويختفي صوت الطنين، لحظات ويقترح) نشغل مذياع الحافلة الى أقصاه ونجعل صوته يرج المكان رجاً وبذلك ستكون يقظاً ومنتبهاً طوال الطريق.

السائق: (بمرح) فكرة ممتازة، لكن مع الآسف إن تحقيقها مستحيل أيضاً.

الشاب: لماذا؟

السائق: (بمرح) االمذياع وجهاز التسجيل كلاهما عاطلان (يطلق ضحكة مجلجلة)

الشاب: مستحيل، هذا الذي يحدث مستحيل.

الفتاة: لدي اقتراح.

السائق: قولي، لا تتردّدي، ليس لدينا وقت، ما هو؟

الفتاة: كل واحد منا يجلس قربك، أنت تقود وهو يبقى قربك، يثرثر معك، يشاغل نعاسك بحكاية ما، يتحدث معك طوال الطريق ليضمن انك لن تغفو، ها ما رأيك؟

السائق: (بحماس) فكرة جميلة، ولكن بشرط.

المرأة: قل ما هو الشرط؟

السائق: أريد حكايات تدوّي، ترعد، تقصف الروح، حكايات ترجّ الرأس كالقنابل كي تطرد النعاس والنوم.

المرأة: موافقون.

الفتاة: موافقون.

الشاب: موافقون.

السائق: (يعود لمرحه) هنالك شرط آخر.

المرأة: (بيأس) ما هو؟

السائق: أن لا يكون في الحكايات حلم.

الشاب: (ينتفض) ما الذي تقوله يا رجل؟ هل تريد أن تدمر أعصابنا؟...

السائق: (يوجه كلامه الى الشاب وهو يبتسم ساخراً) شرط صغير جداً ولا وقت لدينا فالخزان يسرّب الوقود، ونحن هنا واقفون.

المرأة: قل هذا الشرط وسنوافق، قله.

السائق: الحكاية التي لن تعجبني سأرمي صاحبها خارج الحافلة، أرميه خارج الحافلة، هل سمعتم؟ هيا فكروا بسرعة واخبروني، لا وقت لدينا، هل أنتم موافقون؟

الشاب: ( بهمس مع الركاب قربه) هذا شرط مجنون.

المرأة: (بهمس مع الركاب الذين حولها) لا أظنه سيفعلها، انه مجرد تهديد.

الفتاة: (بهمس مع الركاب الذين  حولها) وقد يكون جاداً في ذلك، مَن يدري؟

السائق: (يصرخ) ها، ماذا قلتم؟ ليس لدينا متسع من الوقت.

أصوات الركاب معاً: نعم موافقون.

ظلمة، صوت محرك الحافلة يدار، صوت إطارات الحافلة المتحركة على الإسفلت، يضاء المكان.

الشاب: (للفتاة) أنتِ التي ستبدأين اولاً.

الفتاة: (للمرأة) أنتِ التي ستبدأين أولاً

المرأة: (للشاب) انتَ الذي ستبدأ.

تتعالى وتتداخل أصواتهم معاً

السائق: (يصرخ) كفى، ما هذه الفوضى؟ (يعمّ الصمت في المكان) اعملوا قرعة، لا، لحظة أنا أكره ذلك، إختاروا انتم، هيا اغلقوا النوافذ.. رشحوا واحداً منكم وإلا سوف أقومُ انا بالانتظار، هيا انني أنتظر.

الفتاة: (مع نفسها) هل سيفعلها حقاً؟ ماذا لو اختارني أنا في البداية؟ لا أستطيع تذكّر شيءٍ الآن، رأسي بلا ذاكرة في هذه اللحظة.

الشاب: (مع نفسه) سيفعلها هذا المجنون، أظنه يعني كل ما يقوله، عيونه التي تقول هذا، ماذا لو بدأ بي؟ هل سيرد بخاطري شيء؟ آه رأسي يؤلمني، رأسي سينفجر.

المرأة: (مع نفسها) لا أدري ما الذي يدور برأس هذا السائق حقاً؟ واذا اختارني انا ماذا سأحكي؟ بل السؤال الأهم هل سأستطيع أن أروي شيئاً، لاشي في رأسي الآن، كرة فارغة أحملها على كتفي ليس فيها سوى صرخات الم (تحاول تحفيز الآخرين بصوت عال) تذكروا يا أولادي، انتم مازلتم صغاراً، ذاكرتكم نشطة، انتم تستطيعون التذكر أفضل مني، تذكروا أرجوكم.

الشاب: آه رأسي

الفتاة: لا أتذكر شيئاً، كل شيء ممحوّ من رأسي.

المرأة: تستطيعون، ابدأوا بأي شيء وبعدها تأتي الذكريات مهرولة، سأحاول معكم أنا ايضاً، هيا..

السائق: (يصرخ بهم) هذا كله من الوقت ومن حصة الوقود، الخزان ينزف أيها الحمقى، الحافلة ستموت إن لم نصل.

الفتاة: (للشاب) يا صاحب التماثيل حاول أن تتذكر أي موضوع، أية قصة وانا سأساعدك، آه رأسي سوف ينفجر.

الشاب: لا أستطيع، لا أتذكر، أشعر أني بلا رأس!.

الفتاة: رأسي سينفجر.

الشاب: (للمرأة) تذكري أنتِ سيدتي، فلديك حكايات أطول من أعمارنا يا سيدتي، تذكري فقط.

المرأة: أتذكر! كيف؟ ..

الشاب: (يقاطعها) ساعدينا سيدتي، فهذا السائق لا نعرف ما يفكر به، ساعدينا يا أمي!.

الفتاة: احسبيني كأبنتك إنني أتوسل اليك، ساعديني يا أمي.

المرأة: (بدهشة) هاا؟

الفتاة: أنا مثل ابنتك، أتوسل بك الآن ان تساعدي ابنتك.

المرأة: (تمسك وجه الفتاة بيديها وتستغرق فيه) لكني لا أعرف يا بنيتي سوى الحكايات المليئة بالقهر، حكايات تزيد هذه الظلمة سواداً.

الشاب: (بتوسل) حاولي أرجوك.

الفتاة: (بتوسل) حاولي يا أمي.

ظلمة تعمّ المكان، لحظات وتظهر المرأة داخل بقعة ضوء.

المرأة: هذه الكلمة هي التي انتظرتها سنيناً طويلة، هذا الكلمة هي التي كانت سبباً في صعودي لهذه الحافلة، هي التي جعلت الارض تهتز تحت قدمي، تموج.

أصوات مدوية تأتي من الخارج هي مزيج من تداخل رعد وقصف طائرات ومدافع،  برق بأضواء متقطعة مصحوب بصراخات خوف وذعر.

الفتاة: السماء ترعد، انه المطر.

الشاب: قصف، قصف شديد، أخفضوا رؤوسكم تحت مقاعد الحافلة.

الفتاة: لكن مع ذلك ايها السائق، تأكد من ماسحات النوافذ، ماسحات النوافذ الأمامية للحافلة هل تعمل؟ حاول تشغليها فلربما سيكون المطر كثيفاً هذه المرة وسيعدم الرؤية.

الشاب: أيها السائق توقف على جانب الطريق، دعنا نلطخ الحافلة بالطين كي نموه الطائرات ونتحاشى القصف.

يرتفع صراخ الركاب، صرخات خوف وصرخات توسل وصرخات تطالب بالتوقف.

السائق: (يصرخ) عن أي زلق طريق تتحدثون؟ وعن أي قصف؟ عن أي رعدٍ ومطر؟ كل هذا الذي سمعتموه ليس خارج الحافلة، إنه هنا، داخل الحافلة، تحديداً في رأس هذه المرأة (يقهقه) دعوها تروي، لا يتدخل احد بروايتها، اني بحاجة لسماع هذا النوع من الحكايات التي تجعل دماء من يسمعها تغلي من شدة الترقب والتوتر والتفاعل والانفعال، الله، الله، دويّ رعد وقصف، هذا الذي سيجعل النوم من عيني يطير كعصفور مذعور.

ظلمة، أصوات مطر وقصف، صوت طرقات عالية على الباب تسمع وسط هذا الصخب، المرأة كانت نائمة على الأرض ثم أنها تنهض خائفة.

المرأة: مَنْ، مَنْ الذي يطرق الباب؟

الفتاة: خالة، خالة..

الشاب: أين أنتم يا خالة، أما زلتم أحياء، أجيبي أرجوك.

المرأة: لحظة، لقد أتيت، ما الذي يحدث؟ ما الذي يجري؟ لِمَ كل هذا القصف والدويّ؟

الشاب: افتحي الباب بسرعة.

الفتاة: ليس هنالك وقت لدينا، هيا بسرعة.

صوت فتح باب

المرأة: (بخوف) ماذا؟ ماذا هناك؟

الفتاة: هنالك حديد ونار.

المرأة: اريد ان افهم.

الفتاة: الدنيا احترقت.

الشاب: الذي حدث ان النار صارت تأكل البيوت بيتاً بيتاً، هيا اجلبي ابنك، أيقظيه  ودعينا نهرب معاً.

المرأة: (باستغراب) نهرب! الى أين؟

الفتاة: الى مكان آمن.

المرأة: ما الذي تقولانه، لن اهرب أنا.

الشاب: لا وقت لدينا للنقاش أو الاعتراض.

الفتاة:  هيا لنخرج، لقد نفد الوقت، هيا من اجل الولد ايتها المرأة.

المرأة: (بتردّد) ها، هيا سآتي معكم، هيا.

يركضون بظهور منحنية وبطريقة متعرجة .

الشاب: أين ولدك ؟

المرأة: امسكه بيدي، هو يستطيع الركض، لا تخف عليه.

الشاب: دعيني أمسك به انا، انه نحيف جداً، وزنه وزن ريشة، سأحمله وأركض به، هل هو مريض يا سيدتي؟..

الفتاة: هيا اسرعوا، لا وقت لدينا.

يعودون الى الركض، اًصوات انفجارات، أضواء تبرق، فجأة يتوقف الشاب رافعاً يده للاعلى بكف مفتوحة في اشارة منه لكي يتوقفوا.

الشاب: توقفوا، هذا الركض العشوائي مجازفة غير محسوبة، الأرض ملغومة، وأية حركة خطأ ستشظّينا.

تتوقف الفتاة والمرأة ايضاً.

الفتاة: (بغضب) ما الذي تقوله؟ هل تريد أن نبقى هنا وألسنة النار كالأمواج الهائجة تطاردنا، هل  تريدنا أن نستسلم للموت؟.

المرأة: (تقترب من الشاب وتشده من ياقته) لقد كان الأجدر ان أبقى في البيت، لقد خدعتنا أيها الجبان.

الشاب: (يبتعد عن المرأة بعد ان يتخلص من قبضة يدها) لا وقت للّوم سيدتي، انا أفكر كيف نصل الى بر الامان، ولذلك خطرتْ في بالي فكرة تنقذنا أو تقلل خسائرنا على أقل تقدير.

الفتاة : قل ما هي الفكرة، لا وقت لدينا.

الشاب: لنبدأ بالولد، علينا ان نتركه يركض قبلنا بمفرده، نتركه يركض الى خارج مدى النيران، هو الذي سيفلت أولاً من هذا الطوق.

المرأة: أ مجنون انت؟ هذا مستحيل، لا يمكن أن أتركه، لا يمكن هذا، (تبرك المرأة على الارض وتبدأ بالبكاء والصراخ محتجة).

الشاب: اهدئي سيدتي، واسمعيني جيداً، الألغام في الغالب لا تنفجر تحت أقدام الأطفال، الاطفال أوزانهم خفيفة، أن ولدك اخف من ريشة، لذلك خلاصه سيكون اكبر حينما يكون بمفرده ليركض في حقول الالغام، سيدتي أسمعيني وثقي بي ارجوك، سيكون خلاصه أكبر مما لو كان معنا.

المرأة: (باستسلام) هل هذا الذي تقوله صحيح؟، أمتأكد أنت مما تقول؟

الشاب: يا سيدتي ان الذي سنفعله هو الأقرب الى الصحيح، لا يقين في مثل هذه الأمور، الغايةُ إبعاد احتمالية الخطر عن الولد، هيا لا وقت لدينا للنقاش في مثل هذه الأمور، هيا، دعينا نطلق الولد كالطائر نحو الأمان، وليحرسه الله بعينه التي لا تنام...

الفتاة: (تهمس للشاب) هل أنت صادق في ما قلته للمرأة؟

الشاب: (بهمس وغضب) ما الذي ترمين اليه ايتها الفتاة؟

الفتاة: (بهمس) أنا الذي اسأل، هل كنت صادقاً فعلاً فيما قلته عن الالغام ووزن الطفل والانفجار، ام انك اردته كبشاً ينظف المنطقة من الالغام.

الشاب: (بهمس) أ مجنونة انت؟، كيف خطر ببالك مثل هذه السؤال؟

ظلمة، صوت أقدام تركض

صوت الفتاة: هيا اركضْ بعيداً، لا تخفْ، سنلحق بك.

صوت الشاب: أركض، اركض أيها الصغير، أنت دليلنا الى الأمان..

ظلمة تعمّ المكان، بقعة ضوء على المرأة وهي راكعة على ركبتيها.

المرأة: (مع نفسها) لقد كان الذي يركض إنما هو قلبي، والتي كانت تحوم فوقه بقلق إنما هي روحي، روحي التي كانت مربوطة به كما الطائرة الورقية، كنت أرفعه عن الأرض حين أشعر انه في خطر، أطير به للأعلى ولا أدعه يلمس الأرض، وأحطه على الأرض حين أشعر بالأمان، آه يا وجعي، لقد كانت أصعب اللحظات تلك التي غاب فيها قلبي، اختفى بالظلام وظلت روحي ترفرف، تحوم في المكان مرفرفة، تبحث عن تلك اليد الصغيرة التي تمسك بالخيط الذي يربطها به.

ضوء متقطع وخافت يظهر كضربات خاطفة يسقط على الشاب والفتاة وهما واقفان، فيما المرأة مازالت راكعة على ركبتيها.

الشاب: لقد ابتعد الولد مسافة مناسبة، هيا بنا نركض، فهذه المسافة التي بيننا وبينه أظنها كافية لضمان أنْ ليست هنالك شظية ستصل إليه فيما لو انفجر لغم بأحدنا، هيا نركض.

الشاب والفتاة يركضان فيما المرأة تبقى راكعة على ركبتيها.

المرأة: (بصوت مبحوح وواهن، يكاد لا يسمع، وهي راكعة على ركبتيها) هيا نلحق بصغيري...

صوت إطفاء محرك الحافلة، وظهور السائق يقف منتصباً قرب المقود ووجهه الى الركاب

السائق: (يقف مصفقاً وهو يردد)  الله، الله، هذا المشهد أعجبني كثيراً، وها إني أوقف الحافلة احتراماً رغم حرج الموقف الذي نحن فيه، ليس مهما إن خسرنا بضع قطرات من الوقود. الله، جميل، رائع، يا لهذه الحكاية، قصف، نار، طفل يركض، طائرة ورقية وأخيراً قلب يهفو ملتاعاً...

المرأة: (بغضب مكتوم وصوت لا يكاد أن يُسمع) دعني أكملْ ...

السائق: (يقاطعها بضرب سقف الحافلة بيده بقوة ويصرخ بغضب) إلى هذا الحد وكفى، انتهت الحكاية.

المرأة: (مازالت على غضبها المكتوم وبصوت يكاد أن لا يسمع) لم أكملها بعد..

يعود السائق إلى مقعده خلف المقود، صوت تشغيل محرك الحافلة يعقبه صوت إطارات على الإسفلت.

الفتاة: (للمرأة بصوت واطئ وبتوسل) لقد اكتملت الحكاية، أرجوك لا تثيري غضبه.

الشاب: أنظري إلى عينيه في تلك المرآة العاكسة، إنها تتطاير شرراً، أخشى أن ينفّذ ما قاله لنا (يلتفت الشاب صوب السائق وبصوت عالٍ صاح) لقد اكتملت الحكاية يا سيدي السائق، اكتملتْ، وبعد قليل سيبدأ واحد منا بحكاية جديدة، لحظات سيدي السائق وسيحضر راوٍ جديد وحكاية جديدة.

السائق: (بغضب) لا تقلها أنت بالنيابة عنها، أريد أن اسمعها منها مباشرة، هيا قولي لقد اكتملت الحكاية.

المرأة: (مع نفسها وبصوت واهن) سأندم أن لم أكمل حكايتي (ظلمة، أصوات أقدام راكضة، صوت المرأة يظهر بقوة) هل رأى أحدٌ منكم إلى أية جهة ذهبَ الولد؟ أيها الناس أ لم تروا الولد؟ إلى أية جهة أخذته الريح؟ (يضاء المكان فتظهر المرأة وهي تمسك بالفتاة متوسلة) خبريني أيتها الفتاة اذهب إلى الشرق أم الغرب؟ أي الجهات ابتلعتْ خطواتهِ الترفة (صمت) آه وما الذي حدث بعدها؟ ما الذي حدث بعدها يا رأسي؟...

السائق: أكملي إذن، هيا لقد غيرتُ رأيي، وأريدكِ الآن أن تكملي..

المرأة: لحظة، دعني أتذكر..

السائق: (بانفعال اكبر) أكملي.

المرأة: دعني أتذكر وكفّ عن الصراخ (صمت، ثم تعود) آه، لا أتذكر من الذي اختفى أولاً، صورة جسده أم صوت أقدامه، رأسي يوجعني، أريد أن أتذكر...

صوت كابح الحافلة قوي جداً على الإسفلت، يهتز الركاب، يقف السائق ثم يستدير كما العسكري ويتقدم بوجه صارم وجسد مشدود صوب المرأة، يصل إليها ويمسكها من رقبتها بكلتي يديه في محاولة منه لخنقها.

السائق:  أكملي، هيا أكملي وإلا قتلتك.

يندفع الشاب صوب السائق ويفك يدي السائق عن المرأة ويبعدهما عنها، فيما تحتضن الفتاة جسد المرأة الذي يتهاوى بين يديها، تضع الفتاة رأسَ المرأة على الحافة الخلفية للمقعد أمامها، وتتركها على هذه الوضعية وتعود إلى السائق.

الفتاة: (تصرخ بغضب صوب السائق) ما الذي فعلته كي تخنقها، كدت أن تقتلها، إنها امرأة مسكينة، ما الذي تريده أنت منها بالضبط؟  ما الذي تريده منا؟.

الشاب: (يهمس للفتاة) احذري منه، فهذا السائق غريب الأطوار.

يعود السائق إلى الجلوس خلف مقود الحافلة، صوت تشغيل محرك، تتحرك الحافلة، فيما تعود الفتاة إلى المرأة.

الفتاة: (تهمس بحنو للمرأة)  اهدئي سيدتي، أنتِ الآن في أمان، أنسي كل شيء، ليس مطلوباً منك أن تتذكري (صمت، تتلمس يد المرأة فتلتفت للشاب وتهمس له) إن جسدها بارد، يا إلهي، سيدتي، سيدتي...

الشاب: ما الذي تقولينه أيتها الفتاة (يقترب من المرأة ويمسك يدها، يحاول أن يتأكد من نبضها، بعدها يعود إلى السائق ويقف على رأسه) لقد قتلتَها أيها المجنون، لقد قتلتها..

السائق: اخرس وعدْ إلى مكانك ولا تتفوه بأية كلمة أخرى، اعرفْ حدودك ولا تتكلم معي بهذه الطريقة، أنا لستُ قاتلاً، إن كانت المرأة قد ماتتْ فهذا نصيبها، هيا عدْ إلى مكانك،  وفكروا لي بحكاية أخرى أقضي بها الطريق، هيا عد لمكانك..

صمت يعم المكان، شبه ظلمة، أضواء خاطفة تمرق على وجوه الركاب، لحظات ويظهر الشاب يسحل جثة المرأة، يتركها في إحدى زويا المكان ويعود خائر القوى متعباً.

الشاب: (بصوتٍ واهنٍ)  آه رأسي، لا أستطيع التذكر (يضاء المكان تماماً فيظهر الشاب واقفاً قرب مقعد الفتاة ويخاطبها) هيا تذكري أنت أو ساعديني.

الفتاة: لا أستطيع، رأسي سينفجر.

الشاب: حاولي، تذكري أي شيء، تذكري أيّ جزء من حكاياتك، من الوسط أو النهاية أو البداية، يقولون إن الحكايات الأولى، المغامرات الأولى تكون عالقة في الرأس أكثر، محفورة كالنقش، أنا أحاول الآن، والله أنا أحاول، لكني كلما حاولت صار رأسي بعيداً أكثر، في كل مرة أحاول وأفشل تزداد الهوة اتساعاً بيني وبين رأسي، كلما أردت أن أتذكر يتدحرج رأسي بعيداً عني كالكرة، ساعديني، تذكري البدايات، البدايات فقط، حاولي ربما تساعدينني بالتذكر، تذكري أرجوك، أحتاج فقط إلى ما ينشط ذاكرتي، وستبقين رأسي على جسدي سأتذكر، هيا ساعديني.

ظلمة، بعدها بقعة ضوء على الفتاة

الفتاة: أتذكر حينما كنت طفلة، هل كنت طفلة حقاً؟ (تضحك).. أتذكر كنت ارسم بالطباشير على الجدران والشوارع، أرسم مدناً، وبيوتاً، وأشجاراً..

صوت المرأة: أيتها الشيطانة ما الذي فعلتِه اليوم ببيوت الناس؟

الفتاة: ما الذي فعلتُه يا أمي؟

صوت المرأة: الناس تشكو منك، لقد حوّلتِ جدران بيوتهم إلى لافتات ملونة بطباشيرك التي تسرقينها من المدرسة.

الفتاة: (مستنكرة) أنا؟!

المرأة:لا علاقة لي أنا بالأمر، أبوك السكير هو الذي سيضع لك حداً..

الفتاة: (مع نفسها) كان من المفترض ان يأتي أبي ويحاسبني، لكنه في كل مرة يأتي في الليل متأخراً وتنشغل أمي بموضوع آخر وتنسى أن تنقل لأبي تلك الشكوى، الشكوى التي تتحدث عن سرقة الطباشير وجدران الناس لأرسم عليها، الأمور بدأت هكذا:  لقد كنت اكتفي بربع طبشور أو نصف طبشور، كنت في البدء أتعلم به كتابة الحروف، كم كان عصياً عليَّ كتابة حرف الدال، دائماً أخطئ بكتابته (تتوقف وتتساءل) حرف الدال أم انه العدد اثنان؟ لحظة ما هذا التشويش؟ كنتُ اكتب دالاً أم اثنين؟ ما الذي كان عصياً عليَّ كتابته؟ ما هذا التشويش، لحظة أركز، دال ألف راء، نعم حرف الدال، دار نعم لقد كانت الدار، أتذكرها الآن كما لو أني أراها أمامي، لقد كانت كبيرة وواسعة، وليس فيها سواي أنا وأمي وأبي، أتذكر أن هذه الدار ستصغر وتصغر لتستطيل وتضيق، لتصبح كحافلة طويلة، أتذكر أن أبي كان يأتي كل ليلة للبيت سكراناً، ويتفتح باب البيت الخارجي ويقف هناك.

ظلمة، بعدها بقع ضوئية على الشخوص تظهر فيها ممددة نائمة وجنبها الفتاة أيضاً، بمكان قريب يكون الشاب واقفاً.

الشاب: (بصوت عالٍ) أدخلْ عزيزي، السيارة فارغة فلا تقف في طريق الركاب، ابتعد عن الممر ولا تزاحم الركاب، تحرك للأخير السيارة فارغة.

المرأة: (تستيقظ) لقد جاء السكران كالعادة، وهاهو الآن سيوقظ بصراخه الموتى (تلتفت للفتاة وتحاول إيقاظها بهز احد كتفيها) استيقظي وساعديني.

الفتاة: (تستيقظ بصعوبة) ماذا حدث يا أمي؟

المرأة: أبوك واسطوانته المشروخة نفسها التي تتكرر كل ليلة، حفلة الصراخ التي لا يمل منها ولا يكل، هيا تعالي معي يا صغيرتي ساعديني.

الفتاة: أما زال يتخيل البيت حافلة طويلة، ألا يتعب من تكرار هذا الخيال؟ طيب أ لم يستهلك من كثرة الاستعمال؟.

المرأة: (تبتسم) طولك شبران ولك هذا اللسان، يا لتعاسة الذي سيتزوجك، هيا انهضي.

الفتاة: اتركيني أنام يا أمي، وما الذي تفعله فتاة صغيرة مثلي في مثل هذه المواقف، ففي كل مرة أنت التي تتولين الأمر برمته، سأعود إلى الفراش..

تمسك المرأة الفتاة من يدها وتساعدها بالنهوض

المرأة: هيا معي يا صغيرتي تعالي نؤدي المشهد الذي نستدرجه فيه لداخل البيت، المشهد المكرر ذاته، تماماً مثلما كنا نفعل معه كل ليلة.

الشاب: (يصرخ) اصعد عزيزي الراكب، أرجوك لا تقف في الطريق، تقدم للأمام لو سمحت، السيارة فارغة.

المرأة: (بافتعال تصرخ وبحركات متصنعة تتمايل بجسدها) ابتعد عني أيها الوغد، كفّ عن التحرش ايها الوسخ، المكان ضيق فلا تدفع بجسدك عليّ (تلتفت للفتاة وبصوت واطئ) هيا دورك أنتِ قولي.

الفتاة: (وهي تفرك بعينيها وتتثاءب، وبحركة مصطنعة تلوك الكلمات بملل) ابتعد عن أمي أيها الحقير، المكان ضيق، رائحة الأجساد لا تطاق، ابتعد أيها الحقير.

المرأة: (بأدائها المفتعل نفسه) أ لا تخجل أنت؟ أليس لديك شرف، ابتعد عني، أيها السائق، أين أنت أيها السائق؟.

الشاب: (بغضب) ما هذا الذي يحدث؟ اعتداء!، تحرش!، عنف ضد المرأة!، من هذا الذي تجرأ على فعل ذلك؟

يتحرك الشاب من مكانه ويتقدم صوب المرأة والفتاة، يقترب منهما فيمسكانه ويجرانه لمقدمة المكان، ظلمة تعم المكان، لحظات وتظهر الفتاة بمفردها، معزولة عن الظلمة ببقعة ضوء.

الفتاة: (مع نفسها) هل قلت إن دارنا ضاقت؟ هل قلت إنها كانت ضيقة؟، لا، لم اقل هذا، لقد كانت أكثر سعة من كل بيوت الكون، أمي وأبي وطباشيري، لم تكن الدار ضيقة أبداً...

السائق: (يقهقه) هذه الفتاة مجنونة، تتحدث بلغة غريبة، لغة ساحرة، هيا اكملي.

الفتاة: (تتجه لمقدمة الحافلة وتمشي كالمنومة مغناطيسياً) لا أستطيع أن أكمل.

صوت المرأة: (بصوت واهن وضعيف يأتي من بعيد، جاف وبلا مشاعر) انتبهي يا أبنتي، الباب، باب الحافلة مفتوح، احذري ستسقطين.

الفتاة: (لا تلتفت لصوت المرأة وتستمر على حركتها تلك ) دا.. دا.. دا ( تقفز من الباب وتختفي بالظلمة التي ستعمّ المكان، ليحل الصمت و يهيمن على المكان، بعدها سيخرق الصمت صوت الشاب وهو يرتجف)

الشاب: ليس دا إنما واحد وعشرون (بقعة ضوء على الشاب وهو متكور في مقعده ويرتجف) جدي اخبرني يا سيدي، أن اذهب بعيداً كي أعيش، فالمرض قد نخر جسدي، قالوا لي اذهب وحدك بعيداً وقاتل مرضك القاتل هذا، أخذت معي هذه المجموعة من التماثيل، تشبه كثيراً أفراد أسرتي، جدي قال لي خذها معك لتكون سلوتك في الوحدة، خذها وتحدث معها هناك ستكون بحاجة لمن يصغي إليك، فصعدت هذه الحافلة وانتظر الوصول إلى المكان الذي أرسلني جدي إليه، ولم نصل إلى الآن، يا سيدي أنا الآن بعمر الواحد والعشرين وجدي قال لو أنك تعدّيت سنكَ هذا العام فلن يقتلك المرض وستعيش طويلاً، سيدي السائق منذ متى ونحن هنا؟ كم بقي ونصل؟ منذ متى ونحن هنا؟ كم عمري أنا الآن؟ منذ متى ونحن نسير في هذه الطريق؟ كم أمضينا من الوقت؟ ساعة، ساعتين، كم عمري الآن؟ هل عبرت المرض والموت أم مازلت فيه؟ وهذه الظلمة الجاثمة كالوحش على الحافلة إلى متى ستبقى؟ كم الساعة الآن؟

يتحرك الشاب وسط التماثيل ويتجه إليهم بأسئلته التي سيكررها عليهم.

السائق: (يصرخ به وهو خلف المقود) توقفْ عن أسئلة الركاب، ركّزْ في الحكاية، أنا مصغٍ إليك، حكايتك أعجبتني، هيا أكملْ.

الشاب: (مازال يردد أسئلته على التماثيل غير آبه بما يقوله السائق) أرجوك كم الوقت؟ كم مضى من الوقت؟.

السائق: (يصرخ به) كف عن هذا وأصغ إليّ، هيا توقف (يكف الشاب ويعم صمت في الحافلة ماعدا صوت المحرك والإطارات على الإسفلت) والآن اجلسْ وركزْ على ما أقوله (الشاب يجلس على إحدى المقاعد واضعاً رأسه على صدر احد التماثيل الجالسة بقربه ويغفو) ركزْ معي، هنالك أسئلة إذا عرفنا أجوبتها فسنعرف أين نحن الآن، مثلا كم كان عمرك حين صعدتَ الحافلة، عمرك محسوب بالأيام والدقائق والساعات، إذا عرفت هذا فسنعرف كم مرَّ عليك من الوقت (يقهقه، ثم يتوقف عن الضحك، يضرب مقود الحافلة بيديه بانفعال شديد) ما الذي أقوله؟ كلام فالت وغير مترابط وغير منطقي، ما علاقة الذي أقوله بالوقت الذي قضيناه في الحافلة؟ هل صرتُ أهذي من شدة النعاس؟ أهلوس أنا الآن؟ (فجأة يصرخ) أنت أيها المريض أكمل حكايتك، هيا أكمل حكايتك فان النعاس بدأ يكبر ويزحف كأفعى ضخمة ستبتلع جسدي كله ، وستبتلع الحافلة كلها، هيا أكمل، أ لا تسمعني؟ (تتوقف الحافلة فجأة بصوت كابح قوي، يقف السائق ويتجه نحو الشاب، يمسكه من شعره ويحاول رفعه لينظر في عينيه، ثم يعيده إلى وضعيته) لقد مات، كان يجب أن يموت، هو في الأصل ميت (يصفق محفزاً الآخرين) هيا واحد آخر يروي لي  حكايته، واحد منكم، ما لكم لا تردون، أيعقل إنكم كلكم موتى؟ (يضحك) هيا لا تخافوا، لا أريد سوى واحد منكم يقصُ علي حكايته، ليس مهماً أن كانت أعجبتني الحكاية أم لا، أنا نعسان وبحاجة لصوت إنسان يبقيني يقظاً، أنا أخاف أن أغفو وتنقلب بنا الحافلة، أخاف أن أتوقف كي لا ينفد الوقود، هيا أرجوكم أتوسل إليكم، أنا لست بهذه البشاعة، كل الذين قد ماتوا هم قد اختاروا الموت لا أنا، أنا مسالم، لا أفعل شيئاً للذي حكايته لم تعجبني، هيا قصّوا علي المزيد، أنا وحيد، وحيد وخائف..

انتهت

 

خالد جمعة_ العراق

 

جميل حسين الساعديلا تنســــــخي منّــــيَ طبــاعــيَ لا

                              أرضـــــى بأنْ تتحّـــولي رَجـــلا

وأنـــــا طباعــــــــي لا يشابهــــها

                             طبــعُ النســـــاءِ لأظهرَ الخجَــــلا

لكنَّ بي لُطــــــفَ النسيـــــمِ فــــلا

                           أؤذي ولو أصبحـــــت ُ مُنفعــــــــلا

أنــــا لمْ أقـُـــدْ يومــــا ً عسـاكرَ لــمْ

                              أفتــــحْ ممالكَ لمْ أكُـــنْ بطـــــــلا

لكـــــنْ جُبلـــتُ علــى الإبــاءِ فلــمْ

                             أخشَ الطغـاةَ ولمْ أكـُـن وَجلِا (1)

ونهجــتُ نهـجَ الحبّ مِنْ صِغَــري

                              لـمْ أرْضَ يومـــــا ً غيــــــرهُ بدلا

قاســـــي الطبـــــاعِ ألنْتــُـــهُ فـــإذا

                              هــــــوَ لِــــيْ أخٌ يهدينـــيَ الـقـُبَلا

ونبــــــذتُ تُجّـــــارا ً بدينـــــــــهمُ

                              قــدْ شوَهـــــوهُ وأتقنـــــوا الدَجَـلا

قدْ كبّـروا الرحمــنَ ، ما صــــدقوا

                             لـمْ يهدمــــوا العزّى ولا هُبـلا(2)

سفَكــــــوا دمـــــــاءَ الأبريــاءِ بـلا

                              ذنــبٍ أهـــــانوا كُلَّ مَــنْ عـَـــقلا

فكــأنَّ ربَّ الكـــــونِ طاغيـــــــــة ٌ

                              بالزهْــــــوِ يشعـــــرُ كلّمـا قتـــلا

مـــــا عــادَ يعــزفُ لحْنــَــهُ وتـرٌ

                            والزهْـــــــرُ فــي روضاتنـــا ذبـلا

عِشْنــــــا قرونـــــا ً نازفيـنَ دمـا ً

                            فالجـرحُ نفْسُ الجُرْح ِ مـــا اندمــلا

خبـــــتِ الحــروبُ وأقبلــــت أممٌ

                            تغـزو الفضاءَ فشارفـتْ زُحـَـلا(3)

وحــــروبنــا لا تنتهـــــي أبــــــدا ً

                            لوْ قـــــدْ أضعنـا مرّةً جَمَــــــلا(4)

ويحـــي عليـــــها أمة ً غرقــــتْ

                            فــي الجَهْــلِ، فاقــتْ كلَّ مَنْ جَهَـلا

أســــدى لها الطعنـات خنجـــرُها

                            فَهِــــيَ القتيلــــــة ُ وَهْـــيَ مَنْ قتَلا

                                 ***

حيــرانُ فـي الطرقــاتِ مِن زَمـنٍ

                            فمــــنِ الذي يهدينـــــيَ السُبــُـــــلا

خطـــــــفتنيَ امــــراةٌ برقّتـــــــها

                            أذكــتْ بقلبــــي الشوقَ فاشتعلا(5)

أرخــــتْ علــيَّ الَشـعْرَ قائلــــــــة ً

                            ستكـــــــونً عنـــــدي اليومَ مُعْتَقَلا

وتنـــــالُ منّــــي قـُبْلـــــــةَ ً عجَبَا ً

                            تحيـــــــا بهــــا فـي نشوة ٍ ثَمِـــــلا

طبَـعـــتْ على شفتـــــيَّ قـُبْلَتَهــــا

                            فخضعـــتُ مثل الطفْــــلِ ممتثــــلا

ثمَّ اختَفـــــــــتْ عنّــــي فلمْ أَرَهـا

                            كالطيْــــــفِ زارَ العيْــــنَ وارتحلا

سكـــــران لـــمْ أبرحْ بقبلتـــــــها

                            هــــــيَ قبلـــــة ٌ أنستنـــيَ القبــــلا

ساءلـــتُ نفســـي مَنْ أكـــونُ أنـا

                            أصبحــــتُ عنْ دُنيــــــايَ مُنْفصلا

وبحثــتُ عنـــــها دونمـــا كــــللٍ

                            طافــتْ خُطـــــايَ السهْــلَ والجبلا

حتّـــى النجــــــوم سألتُها قـَلِــــقا ً

                            وبعثـــــــتُ أنّـــــاتي لهـــا رُسُـــلا

أنـــــا لمْ أجـــــــدْ شَبَـــها ً لها أبدا ً

                            فبــــها الجمــــالُ وسِحْــرُهُ اكتمــلا

ربّــــــاهُ أرْجعْـــــها إليَّ فمــــــا

                            أحـــــد ٌ سواكَ يُعيــــدُ لي الأمَــــلا

يزدادُ شـــــوقي والشكـــوكُ معا ً

                            وأحــــسُّ أنّـــــــي نــادب ٌ طلــــلا

أتـُـرى وضعْـتَ السـرَّ في امرأة ٍ

                            عـــــمْدا ً لتضرب َ لِـي بهــا مثــلا

                                     ***

 جميل حسين الساعدي

.....................

(1) وَجـِـــل : خائف .

 (2) ألعزى: من آلهة العرب، التي عبدها أهل مكة. هُبَـل: صنم على       شكل إنسان، وله ذراع مكسورة، عبده العرب قبل الإسلام.

(3) خبت الحرب: سكنت وهدأت. زُحَل: ثاني أكبر الكواكب في النظام الشمسي بعد عطارد.

 (4) إشارة إلى حرب البسوس، التي وقعت بين قبيلتي الأخوة بكر وتغلب بسبب مقتل ناقة البسوس، وهي من الحروب الطويلة، استمرت أربعين عاما.

 (5) أذكى: أشعلَ، ويقال أذكى النار أو نحوها: أوقدها وسعّرها .