سوف عبيدحُورِيَّةُ اَلْإِنْـسِ جَـاءَتْ * وَوَجْـهُـهَـا مِحْـرَابُ

كَأَنَّهَا اَلشَّمْسُ لَاحَـتْ * نُــورٌ وَفِـيـهِ تُــذَابُ

تَـنْـدَاحُ فَـهْــيَ رَدَاحٌ * رَقْرَاقَــةٌ وَاِنْـسِـيَـابُ

تَمْشِي بِوَقْعٍ خُـطَــاهَا * أَلْـحَانُـهُـنَّ رَبَـــابُ

كَأَنَّ مِنْ خَطْـوِهَا قَــــدْ اِسْــتَـلْـهَـمَ زِرْيَـابُ

وَاَلشَّـعْـرُ جَـذْلَانُ رَفَّ * مِثْلُـهُ رَفَّـتْ ثِــيَابُ

فَشَالُـهَا فِي اِنْـثِـيَـــالٍ * مُهَفْهَـفٌ جَــــذَّابُ

مُوشّــحٌ كَالـــرَّبِـيـــع * وَرَفْرَفَـتْ أَسْــرَابُ

فَاِخْضَـرَّ حَتَّى اَلرَّصِيفُ * إذْ نَـوَّرَتْ أَعْشَـابُ

حَـتَّى اَلْبِـحَارُ تَحَـلَّـتْ* أمَّا الضِّـفَافُ رُضَابُ

حَتَّى اَلصَّحَارِي رَوَتْــهَا * فَمَـادَتِ اَلْأَعْـنَـابُ

فَـاِزَّيَّـنَـتْ وَاحَــــاتٌ * بَـنَـانُــهَا عُـنَّــــــابُ

وَاَلصَّابَـةُ قَـدْ جَـادَتْ * وَزَالَ ذَاكَ اَلْـيَـبَــابُ

آلَاءُ خَـيْـرٍ وَعَـمَّـتْ * مِنْ حُسْنِهِا كَمْ عُجَابُ

آيَــــاتُ حُسْنٍ تَــرَاهَا * وَاَلْلُّـطْـفُ وَاَلْآدَابُ

فَـــإِنَّــهَـا اَلْإِبْــــدَاعُ * لَا يَـحْـتَـوِيــهِ كِـتَـابُ

تَـبَـارَكَ اَلْـلَّـهُ خَـلْقًا * لَا شَيْءَ فِـيـهَا يُـعَابُ

يَا عَاشِـقًـا تَـتَمَـنَّـى * وَاَلْوَصْلُ لَا يُـسْتَجَابُ

ثَغْرٌ هُوَ اَلْكَوْثَرُ اَلْعَــــذْبُ لَـيْـتَــــهُ أَكْـــوَابُ

ظَمْآنُ أَنْتَ وَلَكِنْ * هَيْهَاتَ يُرْجَى اَلسَّرَابُ !

***

سُوف عبيد

 

فتحي مهذبأنا خيميائي وساحر..

أفرغت مياه البحر..

حشدت متصوفة كثرا..

هنودا بمناظير ليلية..

فرقا من الدببة المهذبة

والمارينز الأمريكي..

شياطين وقديسين..

حراس قبور أثرية..

قردة من جزر صديقة..

بحثا عن خاتم راقصة الباليه..

ضاع في قاع باخرة التايتنيك

المنكوبة..

بحثا عن مسدس نادر وهبنيه

جني من كتاب ألف ليلة وليلة..

*

ساحر..

من جيبي طارت حمامة..

حطت على كتفي تمثال جائع..

يشتمه جندي في مدرعة..

يرشقه ضباب عابر بزفرتين..

عبثا حاول عض يدي..

كم أضحكه هذا المشهد اليومي

حين سقطت نقوده دفعة واحدة..

التقطها ثعلب هارب من فضيحة .

*

أوقفني لص

صنع جسرا من حبال المخيلة

ليصعد الى تلة رأسي..

بحثا عن اخوان الصفا..

عن هدايا ثمينة أسلمنيها

مهرب كوكايين..

لكن هاجمه بغتة أسد

كان ينام في ورشة مجاورة

لحديقة رأسي..

مكسور الخاطر .

*

صفصافة تناديني بعذوبة

الى حفل شواء..

لم أك وحدي

في داخلي ضيوف كثر

وأضغاث نساء .

*

أمسك ظلي بيدي

مثل عصا موسى

وأرتاد الأقاصي .

*

معجزتي

الدخول والخروج

من فراشة الى فراشة

على صهوة قوس قزح .

*

أحيانا

وأنا في قمة جبل النوم

أعثر فوق وسادتي

على فواكه لذيذة

وأوراق نقدية..

وبردية ممكتوب عليها

الى الجسر حيث ثمة نجمة

متقدمة في السن

تبحث عن بواب لقصرها الأبدي .

*

مطر

يبكي بصوت عال

أمام البيت .

*

غراب

يحدق في تفاصيل وجهي

من كوة الباب..

يرشقه عامل النظافة

بمكنسة..

يطلق دمعتين في الهواء

ثم يتلاشى .

*

لا أحد هنا

غير شجرة تبحث

عن رضيع جارتها

التي وقعت في الأسر..

قطع حطاب متوحش

أصابعها بفأس .

*

حزين

لأني سأفقد النهار الى الأبد..

سأضطر الى الانزواء مثل فيل

اختلسوا جرايته في قطار

يقل ثعابين ولصوصا .

*

أهداني نظارات نادرة جدا

هذا اللقلق الذي يقود دراجة

في الهواء..

ويحرك دواستيها

بجناحيه الضحوكين..

كان طيار من كوكب شقيق

يأخذ له صورا تذكارية

قبل تنفيذ الاعدام في صديقته

المتلبسة بجريمة قتل تمثال معارض .

*

بيتي يناديني

مثل أرملة تنادي ثعلبا متأنقا

في حانة..

أو مهربا على حافة نهدين خطيرين..

يناديني بأسماء القطان القدامى..

يا لعازر .. يا أيوب.. ياذا النون..

أرد بنبرة ديك يفاوض قطاع طريق..

تحت مظلة الميتافيزيقا..

أنا آخر ترجمان الحجر .

***

فتحي مهذب

عاطف الدرابسةقال لها:

هذه السِّياسةُ،

لا أعرفُ أبجديَّتها

كأنَّها

أصواتُ موتى

أو ألغازٌ اسطوريَّة

أو كأنَّها امرأةٌ

تنامُ كلَّ يومٍ في فِراش

وتنثرُ خصائلَ شعرِها

على أجسادِ مئاتِ الرِّجال !

*

هذه السِّياسةُ - حين أُصغي إليها

لا أعرفُ ماذا يحدثُ في عمَّانَ

أو لبنانَ

إو مصرَ

أو العراقِ

او صنعاء !

*

أُحسُّ عصوراً من الأكاذيبِ والحيلِ

تتراكمُ في عقلي

أو تنهارُ على صدري

كأنَّها الصُّخور !

*

ما أصعبَ تلك اللُّغة التي

يصاغُ بها الخِطابُ

كأنَّها فيزياءُ السُّكونِ

أو كيمياءُ الصَّقيع !

*

السِّياسةُ هنا

حالةٌ قذرةٌ

أو حالةٌ مرضيَّةً

تشبهُ لحمَ ناقةٍ هزيلٍ

تُصيبُ العقولَ

بعسرِ الهضمِ

والعيونَ

بالنُّعاسِ الثَّقيل !

*

شمعةٌ واحدةٌ لا تكفي

فالطَّريقُ المُظلمُ

طويلٌ

والخلاصُ المُنتظَرُ

بعيد !

*

كأسٌ واحدةٌ لا تكفي

فالدَّمُ الذي تخمَّرَ منذُ أولِّ فتنةٍ

كالبترولِ المحروق !

*

القلوبُ صحراء

إلا من أشجارٍ يابسةٍ

في كلِّ قطرٍ

أو قبيلةٍ

أو دولةٍ

أو ضميرٍ

شجرةٌ

وكلُّ شجرةٍ

لا تطرحُ إلا الثَّمرَ المسموم

والغيومُ

التي تحجبُ الضُّوءَ

لا تشربُ السُّموم !

*

ليتني أبحرُ في اللاشعورِ

عكس الرَّيحِ

فالوعي المجنونُ

يأتيكَ من هناك

كأنَّه سُلَّمٌ شفَّاف

يرنو إلى السَّماءِ !

*

عفواً فيثاغورس

كلُّ العقولِ مائلةٌ

وكلُّ الخطوطِ متعرِّجةٌ

والخطُّ الواصلُ من أرضنا

إلى السَّماءِ

مقطوع !

***

د.عاطف الدرابسة

 

 صحيفة المثقف(نص مفتوح)

ظلت تسكن هنا تلكم الشجرات الرائعات في هذا المكان المعزول البعيد في الركن القصي من عالمي الذي عرفت فتصورت إنه نهاية مدينتي الحبيبة بل ربما تصورت إنه نهاية العالم . عرفتهن وأنا طفلة  وعشقتهن باسقات أرفع رأسي عاليا حتى أرى قممهن شبه المدببة، أما عن الاخضرار الذي يلبسنه فلم أعهد في أيّما شجرة اخرى مثل هذا اللون الجميل وأما عن ظلهن فكلهن وارفات الظل يتمنى المرء أن يبقى حيث هن أبدا ليتمتع بالفيء اللذيذ . اقترنت صورتها بواعيتي  قبل ما يزيد عن ستين عاما فلزمتها.. يومذّاك في سنة 1954 أو السنة التي تليها كان الفيضان يهدد مدينتي العزيزة ولم يكن من حديث لأحد سوى عنه، وكأن دجلة الخير غاضب من شيء لعلي لم ادركه لصغري فهو يفور ويغلي ضاربا صفحا عن المستوى والخطر . كانت الاسر في ركننا من المدينة الكبيرة تخرج يوميا لترى مستوى ارتفاع الماء في النهر لتطمئن وتهدأ، تخرج الاسر لترى أبناءها وهم يصارعون الفيضان بسواعد الخير وبأكياس الرمل يكدسونها فوق حافات النهر التي يرون فيها ضعفا أملا أن لا  "يكسر" عليهم دجلة منها . أما أنا الطفلة فلم يكن لي من عمل سوى التحديق بشجراتي السوامق والتي تتدلى أغصانهن حتى أسيجة الدار العامرة التي تحتويها في حديقتها الفسيحة . تلك الدار التي تطل وهي في ركنها المكين على شارعين وتشكل مقدمتها الشارع الثالث الصغير ولما تزل . لم تكن الشجرات تحمل ثمرا يؤكل لكنها تحمل للروح غذاء لا ينضب من الجمال الذي أغدقه الله على البشر وكنت أنا واحدة من السابحين في ملكوته المتنعمين بجمال خلقه . ما أن تصل اسرتي الى المكان لهفى لمعرفة أخبار الفيضان وما آل اليه الماء ارتفاعا أو انخفاضا حتى أعبر الشارع الهادىء والذي يشكل أحد أضلاع الدار لأظل تحت الظل الوارف المرفرف بهدوء وتعال وكبرياء أنظر الى شجراتي وما حباهن الله به من جمال. كان بعض الأطفال من عمري فأصغر أو ربما أكبر يلعبون في الشارع الهادىء ريثما يكمل ذووهم ما جاءوا لأجله. أما أنا فلم أكن لأفعل أي شيء سوى التمتع بشجراتي . لم أكن أعرف أسماءهن ولم أسأل أحدا عن أسمائهن ليومنا هذا غير إني أحفظ الى اليوم شكل أغصانهن المدلاة وتركيبة أزهارهن ولونها فبعضهن تشبه أزهارها كرة صغيرة صفراء مزغبة  وبعضهن تشبه أزهارها البنفسجية الرائعة شكل عناقيد العنب  أما النوع الثالث فله ما يشبه الثمرة وكأنها البازلاء تصطف في جرابها الأخضر اليانع .

بعد أن نمت المدينة وتوسعت بل تفجرت سكانيا ومكانيا تحول سكني مع اسرتي الى الجهة التي كنت أظنها نهاية العالم، لذا صارت شجراتي في طريق ذهابي وإيابي اليومي الى حيث الدراسة ثم العمل وكنت ولا أزال اعزها جدا طوال عقود لا يبرح نظري يعلق بها جيئة وذهابا  فأتمتع وأحس إن الدنيا ما زالت بخير وإن النعمى لم تزل تغطي مدينتي بوشاحها الرائع وظلها الوارف وجمالها الفتان . وما حزَّ في نفسي مؤخرا إن الأحفاد اقتسموا دار جدهم فابتنى كل منهم لنفسه دارا فيها - ولا ألومهم - على حساب الشجرات التي زانت المكان وعمرت نفسي كما عمرت نفوس مئات الآخرين الذين لا أعرفهم ولا أحصيهم وعمرت المكان ما يربو بكثير عن ستة عقود من عمر مدينتي الحلوة أدامها الله لأهلها وأدامهم لها .

***

سمية العبيدي - بغداد

 

عبد الجبار الحمديعقرب الثواني على عجل يتسلق جدران عقارب الساعات، هكذا هو الوقت عندما تسلقوه من أمسكوا بي وأنا مستلقي على أريكتي البالية التي بالكاد تحملني، لم أشعر إلا وضجة، بلبة وصياح... جُرجِرت عنوة وبعنف أدخلوني الى حيث لا أدري غير أني سمعت صوتا يصيح... أمسِكوا به قبل أن يفر إنه هو.. هو المجنون الذي لا زالت ثيابه ملطخة بالدم والذي رأيته يولي هاربا من غرفة السيدة ميرلين حين فاجأته وهو فوقها وهي ملقاة على وجهها والخنجر مغروز في رقبتها، لم أعي نفسي إلا وتراشق من اللطمات على وجهي أسقطتني أرضا وأيد أخرى تعمل على وضع قميص ذو أكمام طويلة، ألصقوه علي بشدة بعد ربطه حتى كاد يخنقني لولا صراخي بسؤال بحشرجة من أنتم؟؟ ما الذي يحدث هنا؟

أفقت بعدها فإذا بي مكبل بالأصفاد وامامي رجل محشو بالترهل أصلع الرأس إلا من جانبيه، ذو شوارب رفيعة ينضح عرقا لا يكاد يمسح وجهه أو رقبته حتى يعود الى فعلته مرة أخرى... لم أعي إلا صوته الذي خالف شكله مما جعلني أضحك.. فقال:

تضحك ها؟... حقا أنك مجنون بالتأكيد! فتصرفك هذا يثبت أنك لا تعي عواقب فعلتك والجريمة التي قمت بها، لكن كما يبدو لي أنك من الأشخاص الذين يرغبون بالممطالة بعدم الاعتراف، خاصة أن هناك شاهد عيان على رؤيتك وانت تقتلها...

لحظتها توقفت عن النظر إليه وركزت على حركاته حين أخذ يمسح وجهه وفمه فأنتهزتها فرصة فقلت:

ببرود عذرا للمقاطعة... أرجو ان تفسح لي مجالا للحديث لتبيان الأمر إن سمحت لي.. فأنا الى الآن لا اعرف ما هو سبب جلبي وتقييدي بهذا الأصفاد؟ لكن بالتأكيد أنتم مشتبهون بي، إن وجهي وملامحي يحملها الكثير من الناس.. ألم يقول المثل يخلق من الشبه أربعين، لم افعل شيئا يذكر لقد كنت في الايام الماضية أعاني من كوابيس أثارت الرعب والهلع في نفسي بعد ان اجدني محاط ببركة من الدم يدفعني ذلك الى الصراخ كالمجنون، أظن ذاك ما أزعج من جيراني من الناس، كانوا قد حذروني بالشكوى، الغريب!! أني لا أعرف هل هو كابوس أم هلوسة؟ وانها بركة دم إلا بعد أن أفتح الباب الموصد بشدة ومحكم الأغلاق؟! غير أني تمكنت من فتحه لكي أخرج الى عالم النور الذي كشف لي أني مغطى بالدماء من رأسي حتى اخمص قدمي، حاولت لكن شيء ما يمسك بي يمنعني فتراجعت الى الوراء مغلقا الباب فإذا بخيال شخص يتوقف قرب الباب ويد تمتد الى جارور، هذا ما اعتقدته كان مجاور للباب الذي اقبع خلفه! لا أعلم كيف لمحت أنها وضعت شيئا ما!؟ لقد كان خيال إمرأة، أعدت مجددا المحاولة لكني لا استطيع إخراج سوى نصف جسمي أما النصف الآخر كأن احدا ما يمسك به يمنعه من اللحاق بِرَكب نصفي الآخر... شعرت بالخوف والاستغراب!! ثارني ذلك فغضبت دفعت الباب بقدمي التي في الخارج لكني انزلقت مما أتاح لي الفرصة كي اتوقف عن صراعي في محاولة الخروج منصتا الى الحديث الذي يجري بعد أن وصل مسامعي... لقد كان بين أثنين لم أتبين أهما رجل وإمرأة ام إمرأتان، غير أن ذات الصوت الرفيع متشنجة بعصبية تقول: إنك السبب في جعله يفقد عقله ويتصرف بجنون دون ان يحسب للخطوات او الخطة التي وضعناها كي ينفذها دون وعي منه بعد ان سيطرنا على عقله الباطن بالتنويم المغناطيسي، لكنه الآن يثير الجلبلة والشبهة لنا حتى بعد ان ألقينا به في بركة من دم الحيونات كي يظن أنها بركة دم الضحية..

حتى تلك اللحظة لم أعرف أأنا من كانت تعنيه أم شخصا آخر؟ لكن عند سماع حديث الصوت الثاني تبينت أني أنا المعني بعد أن رد قائلا: لا عليك لن يدرك او يعلم او حتى يفكر بالذي أقدم عليه، إنه يعيش عالمه الذي أحطناه به، لا تنسين أنه يعتبر مريض نفسيا، فبعد حادثة موت أبنته الوحيدة التي إإتمنتها زوجته قبل وفاتها فقدها أثناء قيادته للسيارة، لا زال يلقي اللوم على نفسه بموتها عندما يستفيق يصرخ أنا القاتل.. أنا قتلتها ذاك ما شجعني على ان أتخذه شخصا مناسبا لما خططنا له..

رد الصوت الآخر: بل ما خطتت له وحدك بعدها شاركتك مجبرة بعد تهديدك لي بكشف سرقتي للمال من جارورك الى الشرطة، ولولا كاميرا المراقبة سجلت ذلك ما وقعت رهينة فعلتي ولما كنت أشاركك الجريمة التي تنوين فعلها للخلاص من....

أستغربت أكثر!! وانا استشعر بأني أنا المعني بخططتهما، فلا زلت اتلقى العلاج النفسي بعد تلك الحادثة المشؤومة التي قلبت حياتي رأسا على عقب، لذا دأبت على العمل لاخراج نفسي بسرعة كي أمكنها من الهرب.. فعلا سارعت بمد يدي الى الخزانة الصغيرة المجاورة للباب والتي تمكنت من فتح جارورها للبحث عن اي شيء يُمَكنني من فتح ما يمسك بقدمي الاخرى، كان آلة حادة وأشياء أخرى تمكنت بها فتح القفل بصعوبة مما اتاح لي الخروج من الغرفة، تسللت خلسة حتى وصلت الباب أظنه الرئيس كي اهرب، غير أني توقفت فجأة الى رغبة بداخلي تدفع بي كي أكمل سماع الحديث.. فعدت بعد أن تاكدت أنه لا يوجد غيرهما في المنزل، جلست خلف كرسي عريض قريب من المكان الذي يتحدثان فيه...

كان المحقق ينصت ويدون ثم ردد... حسنا تفعل فالإعتراف يقيك الكثير من سوء المعاملة، كما أنه يبقيني بعيدا عن البحث في حيثيات أخرى كوني قادم على التقاعد ولا اريد ان تنال مني هذه القضية الجهد والإرهاق، فقد بت أمقت مهنتي التي احب لكثرة ما رأيت من جرائم قتل وأغتصاب وأبتزار وغيرها.. عليكم اللعنة أنتم لستم بشر ابدا بل مخلوقات شيطانية همها قتل الحياة.. هيا اكمل عليك اللعنة

لا ادري بم تحدث هذا المحقق، فالصور تتطلاطم في رأسي، لكني شعرت بأنه ممتعض بعض الشيء فأسترسلت على سجيتي وصف الكابوس الذي يزهق انفاسي في كل مرة أراه.. تلك اللحظة قررت صاحبة الصوت الرفيع ان تسدل الستار على خطتها بنهاية مفجعة بعد ان أقدمت على قتل من كانت تحاور، عرفت ذلك بعد أن فُتح الباب وجسم ينم عن قوة يجر جثة إمرأة، الدم يتدفق من رقبتها حيث نصل مغروز حتى نهايته، وضعت يدي على فمي خوف ان تدخلها في الغرفة التي كنت فيها، لكن سرعان ما تبين لي أنها قد فتحت باباً أخر دافعة بجثة المرأة الى الداخل، بعدها رجعت حيث كانت، شعرت بأني أتدحرج نحو متاهتي التي ابحث فيها عن مخرج يقيني من الجنون، اخرست أنفاسي حتى لا تسمع صوت هلعي، بحذر شديد.. شديد جدا، جعلت بؤبوا عيناي يتحركان دون ان يحدثا شبهة في حركة الى هذا الحد كنت مرعوبا أتصدق ذلك؟!! تحركت صوب الغرفة التي وُضِعت فيها الجثة فقط لمعرفة من تكون؟! أيعقل أن تكون هي نفسها الطبيبة النفسية التي تعالجني!؟ يا لسخرية القدر كم هي نحسة الحياة التي تتبعني بويلاتها التي لا تنتهي، ترى ما هي جريرتي ما الجرم الذي اقترفته كي تسخر نفسها تدمير حياتي؟ دخلت.. اقتربت فقط كي أرى وجه الجثة الملقاة على وجهها، مددت يدي اقلبها كي أتبين من تكون؟ سرعان ما تراجعت الى الخلف مصطدما بالطاولة الصغيرة التي كان عليها آنية الزهور فسقطت الى الأرض محدثة الضجة... سارعت بدوري نحو أقرب باب كان أمامي غير ذلك الباب هاربا من الغرفة، كان هناك باب آخر يقود إليه دهليز مظلم حيث أمطت اللثام عن ظلمته حال فتحي الباب موليا مطلقا لأرجلي الريح... بعدها لم أشعر إلا وأنتم تلقون القبض علي... هل أنتم جزء من الكابوس الذي أراه في كل ليلة؟ أم انكم جئتنم كي تنهوا كوابيسي بعد ان ألبستموني هذا القميص!؟

المحقق: ههههههههه لا بأس إدعي الجنون، فمثل حالتك مر علي الكثير بعد ان وجدوا انفسهم قريبين جدا من الكرسي الكهربائي.. يا هذا إن الشاهدة التي سمعتك تتحدث مع القتيلة قبل ان تقتلها مهددا إياها، وشاهدتك تولي هاربا بعد إقدامك على قتلها... 

صرت أنظر إليه وهو يثرثر دون ان أجيبه، لكن بعد أن عيل صبري قلت له:

يا سيدي إني أنا الضحية ولست القاتل، لقد سردت لك الكوابيس التي كنت أراها ولم تفكر لِلحظة بأنها ليست كوابيس بل هي ما زرعته تلك الطبيبة النفسية والمرأة الشاهدة في عقلي الباطن، جعلتني أصدق بإني مجنون أعاني هول الكوابيس لغرض ما هما يعلمانه وانا أجهله، يبدو أنك لم تصدق ما قصصت لك وصدقت أنت أيضا بأني مجنون مريض نفسيا مغرم بالقتل، هذا ما اوحته لك المرأة التي تشهد بأنها رأتني ولم تتبع قولي بأنها كانت لصة وشاركت في العمل على القيام بجريمة القتل التي يجب علي أن أقوم بها، ولولا اختلافهما وقتل الشاهدة للمرأة لما كشفت الحقيقة.. أم تراك غير مهتم ومتابعة ما أقول في البحث عن الحقيقة.. اشبعت نفسك ترهلا واتخمت حياتك من الجرائم حتى أحالتك الى التقاعد فأردت أن تختمها بي كي تقنع نفسك أنك رجل قانون بحق وغفل عنك أن ليس كل جريمة قتل يكون المشتبه بها هو القاتل... عليك مراجعة أقوالي ومن ثم اعطيك برهان برائتي...

المحقق: هيا اختلق قصة من نسج الخيال، ها أنت تبدو عاقلا بعد أن علمت بضيق الخناق حول انفاسك، لكن لا يعني ذلك أنك لست بعيدا عن الجريمة، تمثيلك بأنك الضحية لا يعطيك المجال لإقناعي.. فجأة دخل شخص آخر وهمس في أذن هذا المترهل ثم أخرجه معه... فترة من زمن عاد المحقق ورجل آخر قائلا:

حسنا لقد أقنعت من سَمِعك في الخارج وعليك الآن تأكيد قصتك وإقناعنا جميعا بالدليل..

حسنا سأفعل أولا عليكم التحقق من هذا الدم، فأنا متأكد بأنكم ستجدون أنه دم حيوان وليس دما بشريا، أما الدليل الآخر ارجو فك هذا القميص كي أعطيكم الدليل الأكيد على صدق حديثي وبرائتي..

الرجل الآخر مشيرا الى المحقق بنزع القميص والاصفاد عنه...

هاهو الدليل المؤكد إن صدق حدسي هذا القرص يبين لكم ما قامت به الشاهدة من سرقة اموال القتيلة وإتخاذه دليل تهديد للتعاون معها في جريمة قتل شخص ما لا اعرفه، لكنكم بالتأكيد ستعرفونه من الشاهدة.

***

بقلم/ عبد الجبار الحمدي

 

كريم مرزة الاسديقصيدة شكر وعرفان من ( البحر الكامل). لمن احتفى بإصداراتي الجديدة من كبار أدباء وشعراء بابل وبغداد، وبقية أنحاء العراق وأخص بالذكر الشاعر والناقد العراقي الكبير، الأستاذ حسين عوفي الذي تولى - وكالة مني - للتوقيع  على إهداء الإصدارين. إليكم قصيدتي الحنون.

 

قالوا : لصحبكَ هلْ لديكَ يدانِ؟***بهما تردُّ فضيـلةَ الإحســـانِ

وتخط في نهج الحيـــــاةِ معالماً***تهديـــــكَ والخلانَ للإيمـــانِ

وتجــــسُّ نبضَ عراقِنا برجالهِ*** وبرافديـــه وحســـنهِ الفتـّــــانِ

هلْ ما يزالُ على مكـارم ِ إرثــــهِ**يحنوعلى الملهوفِ بالأحضان؟ِ

هلْ ياعراقُ تعيدُ أيّــــــامَ المنى***مغناكَ أم ضــرب ٌ مِن الهذيان ِ؟

واذا بهمسات ٍ تكفكفُ أدمــعاً***ويصك ُّ صــــوت ُ الحزمِ بالآذان ِ

لا تقتل الأملَ البصيصَ لصــغرهِ *** فلربّمــــا ثمراتُـــه القمــرانِ

كم ذي المروءاتُ الّتي بضمـائرٍ *** ماتتْ ولطـف ُالله ِ ليس بفان

هذي الحياة ُ ترى الممات َ بدايةً *** لتفتح الأجيـال ِ في الزمكانِ

فتعيدُ نشأتها ،وتسحقُ سلفـها *****وتركّـــــبُ الإنســـانَ بالإنسانِ

أمرٌ خفى ، وهو الجليّ بداعـــــة ً*شـــرٌّ وخــيرٌ كيف يمتزجـان

***

أأبا الليوث !! وإنَّ ينبوع الوفـا*** - حقّا - يجسّدُ روعة َ الإخــوان ِ

فالشـاعر ُ الحسّاسُ يلهمهُ الثنـا***نورًا ليسكبَ نفحـــــة َ الوجدان ِ

كالسلسبيل ِ زلالـُـها ونميرُهــــــا*** فيضٌ من الأخلاقِ ِوالعرفـانِ ِ

بمحطةِ الآداب ِ قلعـــــة ُ فكرنــا** تزهو كطود ٍ ـــشامخ ِ البنيـــان ِ

بُنيتْ على أسس الأصول ِجذورُهـا***فالجذرُ منبعنا إلى الأوطــان ِ

نسعى إلى المجد ِ الرفيع ِ تفانيًـــاً*** فالمجدُ للإنــــــــسان ِ عمرٌ ثـان

 ***

كريم مرزة الأسدي

 

جواد غلومكيف للأرض ان تُرسخ ثآليل طويلة من المنارات

وقباباً بدينة مثل مخاصي الفيَلة؟.

***

خبثُ النار انها لا تحرق مُشعليها

تهادنُ قاذفي كُرة المنجنيق

 تبعث الدفء في مواقدهم الارستقراطية

يبلغُ بها الصلَفُ انها تُلهب جِلد الجَمال وتدبغه بالملح ليشتدّ وجعه

***

سَـفَهُ العقائد الوقحة انها أولدت عمائم وقلنسوات

لا تكتفي بإيقاع المكدودين بكل فخاخ وشِباك صائدي ..

ذوي المرارات والنكبات الدنيوية

تقودهم معصوبي الأعين نحو مزالق المتاهات السماوية

وتصرّ على عنَتِها وسفالتها

حتى أنها تشتهي اللواط مع صغارهم

***

بلادةُ الملأ المنهك أنهم اعتمروا الجهالة على رؤوسهم

صيّروها تاجاً من زجاج سرعان ما يتهشّم على هاماتهم

***

خطأ يدي إنها قد تصافح بحرارةٍ  قاتلي المقبل

وهي موقنة أنها مبتورة لاحقاً

***

خطلُ الحياة انها لا تساوي بين عالكي الكرَب وماضغي الرطَب

لا تعبأ بما تنتظمه الأواني المستطرقة

***

بذاءة ملابس الجينز

انها تنتقي الممزقَ منها ليكون الأغلى والأندر

ليبرز في العروض

ويعدّ بالصفّ الأول من صدارة الجمال الباهر

***

جواد غلوم

 

عدنان الظاهر(مطرٌ في جُزُر الكناري)

مطرٌ يسّاقطُ مِلحاً أجّاجا

مُرُّ لسانِ دخولِ اللولبِ في الغيهبِ بابا

مطرٌ في الصيفِ خفيفُ الظلِّ إهابا

يهبطُ في خَدَرِ الشذرِ البحريِّ يماما

طوّقتُ رِدائي معصوباً رأسا

معطوبَ الرؤيةِ في عينِ الرؤيا

أسحبُ آلائي للرُجعى زحفا

أشهقُ إذْ يتكسّرُ عظمٌ في صدري ضِلعا

تظلمٌّ الدُنيا فرْطَ الكوكبِ إشعاعا

يا مولى سجنِ الطقسِ المتمرّدِ بَحْرا

فَكِكْ قيدَ السدِّ الواقي دمعا

عَذْبٌ ماءُ المُقلةِ إنْ فاضَ وأرغى

يسقيها ملحاً ممجوجاً مجّا

إشربْ نَخبَ الهَوَسِ المتمترّسِ أشداقا

غثاً يسري لا يدري

يصحو لو ثارَ وخارَ الثورُ الدوّارُ

أو فرَّ يُعاني إرهاقا

أو ضربتْ جِذعَ نخيلكَ زِلزِلةٌ إحراقا

عاثَ السوسُ فساداً فيها

جفَّ النبعُ المتهدّرُ خفّاقا

الرملُ سواقي جنّاتِ الثَمَرِ المتدلّي أعذاقا

يتساقظُ أوراقا

هذا الباقي شئتَ فأهلا !

عودي ....

عُدتِ شفيفَ شُعاعِ البلّورِ المُنبتِّ

يتعكّرُ في رؤيةِ مِرآةِ المِشكاةِ

كَثّرتِ سقوطَ سلالمِ مَرقاةِ الأنواءِ

تعصفُ بي دمعاً من رملِ

يتواترُ قصفاً أضعافا

يعتوتمُ في نصِّ قراءةِ فنجانِ البختِ

يتقطّرُ أمواهاً في عيني سُودا

يا بختَ النائحِ في صمتِ

رحلوا طوعاً أسرابا

كانوا صمامَ أمانِ الذبحةِ في الصدرِ

كانوا أهلي قبلي كانوا

وجّهتُ الصاري وحبالَ سفينِ قلوعي

لأكسّرَ أوتادَ الدفّاتِ

مشلولَ الساعدِ مبحوحَ الصوتِ

يا بختَ النائمِ تحتَ التخديرِ

يتلّونُ حِرباءَ

أخطرَ ما في الدنيا أهواءَ

كوّرْ ألواحَ سفينكَ أبصارُكَ شتّى

تتراجعُ ساعاً ساعا.

***

عدنان الظاهر

 

قصي الشيخ عسكرالفصل العاشر

لم يعد يخشى من نسيان المعلومات فذاكرته بعد تجربة غرب المجرة أصبحت مثل كتاب مصور يمكن أن يستعيد أية لحظة عاشها قبل ثلاثين عاما بدقة متناهية .

لنعد أنفسنا في سباق مع الروس من لحظة العثور على"ضحى العبد الله "فأنا مقتنع تماما أن روسيا أدركت خطأها.. حين كانت اتحادا سوفيتيا حاولت إلغاء الماضي بصفته برجوازية ورأسمالية الآن تحاول أن تروِّضه بعد أن شعرت بخطأها الفادح. تفكك الاتحاد السوفيتي بمفهوم العلم: الماضي قتله أنهاه. ومحاولة روسيا ترويض الماضي تجعلها أكثر شراسة نحن لسنا في عداء مع الماضي منذ البدء لكن نستطيع أن نتفاعل معه بشكل آخر!

القراءة الدقيقة لكل الصفحات الأيونية التي ماتزال تنهال في كتاب الكون!

ماذكرته في تقريرك الخاص إنك خلال احتكاكك بالآيونات المتدافعة تستطيع أن تتوغل في زمنك الماضي فتتذكر تفاصيل ثلاثين سنة إلى الوراء ثانية بثانية إلى يوم كنت طالبا في جامعة البصرة!

المسألة ليست تذكرا فقط بل معايشة ومعاناة أيضا!

قل لي لو حاول أي فرد منا أن يطلع على آيونات سلالة عائلته إلى ماض بعمق عشرين مليون سنة هل تستوعب ذاكرة ذلك الشخص تلك المعلومات؟

ران صمت قصير وواصل المدير"هنري " أو حياة حشرة وسلالتها.

اعتقد أننا أمام أمر مهم هو أن نجعل العمل جماعيا بعد أن ننتخب المهمَ والحسّاسَ الإيجابيّ َ من الماضي والصحيحَ فنلغي الخطأ الموروث الذي أثقلنا نحن ومن سبقنا!

فابتسم رجل المخابرات ابتسامة ماكرة:

لتتعد مهمتنا مجال القراءة وهي النقطة التي توقفت أنت عندها فمشروعك الذي جعل عالما يَعْلَق بالمستقبل وآخر يعود إلى الأرض ليستقيل من عمله وينزوي بعيدا في منزله الريفي يجب ألا يتوقف عند حدود القراءة فقط.

ماذا تقصد بالضبط؟

أقول علينا أن ننقل الأيونات نفسها من شرق المجرة باتجاه الغرب وهذا ممكن من الناحية الفرضية فنصفيه إنه نوع من الاستنساخ إذا قدر العقل البشري أن يستنسخ على الأرض عجولا وأغناما فبإمكانه أن يستنسخ ماضيا في الفضاء ثم نعيد ذلك الماضي من المستقبل إلى الحاضر فنكون سلفا عرفنا نقاط ضعفه وسلبياته .

سويسرا الصغيرة الوادعة الجميلة بلد التزلج والساعات الدقيقة الفاخرة تكشف عن نفسها بعقلية عالم تمتزج بفكر مخابراتي ُيعنى بشؤون الفضاء. إنها ترشيح وغربلة للماضي عبر المستقبل وليست قراءة. لقد قرأ الماضي بعقلية عالم لم تطغ عليها عقلية رجل المخابرات. الساعة السويسرية حددت توقيت العالم..كان غاغارين عالما قبل أن يكون رجل مخابرات.. فلم يكن ليعرف أن الأرض سوف تقتله لا الفضاء الذي كان أول من هاجر إليه ..والدكتور معه في المكتب لم يتنازل عن عقليته المخابراتية يتمعن في العالم بعقل عالم ورجل مخابرات سيعيد الماضي نفسه عبر ترشحه من فلتر المستقبل خاليا من السلبيات والإنسان يريد عالما مثاليا خاليا من الكوارث والأمراض سواء عبر القراءة أم الاستنساخ وفي هذه النقطة تتفق كل العقول من دون خلاف حول التفصيلات:

أقول بصراحة أنا مندهش للفكرة فمتى نبدأ؟

فقال وهو يهز كتفيه ثم تنقلب قسماته:

ليس قبل أن ننتهي من قصة "ضحى العبد الله"!

وكانت تلك الجملة كافية لأن تجعله يتنفس الصعداء فما قاله رئيس لجنة مخابرات علوم الفضاء يعني أن الرحلة يجب أن تنطلق ثانية باتجاه الكوكب اللازوردي من دون أية شروط وأن اعتمادا ماليا سوف يفتح لها عما قريب ولن تلغى محطة الأبحاث على الكوكب القزم بانتظار النتائج الجديدة لكن صوت المدير استدرك قائلا وهو يتطلع بعينيه على نحو مريب:

هناك مسألة مهمة في علاقتك بالسيدة "ضحى" قلت إنها كانت من ضمن مجلس النوابغ الذي اختاره البروفيسور " برهان الفضل " مؤسس قسم الفيزياء في جامعة البصرة!!

لقد ذكرت ذلك لمجلس تحقيق البلدية حين قررت حكومة بغداد أصدار مرسوم يقضي بمعاقبة كل شخص يواصل الدراسة على نفقته أو على جهة ما حينها فضلت أن استمر على نفقة سويسرا ثم حين منحت الجنسية السويسرية وطولبت بكتابة تقرير مفصل عن حياتي ذكرت المعلومات نفسها لقسم الداخلية ثم تكرر الموضوع حين انضممت هنا في بحوث الفضاء!

ماذكرته لاغبار عليه لكن مايهمنا نحن أن نعرف مدى علاقتك بالآنسة "ضحى".

" هنري" سويسري من عرق نمساوي .. مستودع أسرار مركز البحوث..يشك ولايشك.. مطلق الصلاحية .. سخي في الصرف على البحث والرحلات الفضائية لكن عقليته المخابراتية تتفوق أحيانا على مركزه العلمي وقد ظن بعد المحاورة أنه لم يعد يُعنى بالتفصيلات :

ماذا تقصد بالضبط بكلمة علاقة؟

هل كنت تحبها؟

تردد قليلا حتى خشي من أن يفضحه تردده:

أبدا ليست هناك من علاقة سوى الزمالة!

وعنها هي؟

لاأعتقد ذلك!

لماذا تستبعد الأمر؟

كنا مختلفين في التفكير هي شيوعية متحمسة غارقة حتى أذنيها في المباديء وانا كما تصفني برجوازي لكنني غير متخلف!

لكن ألم يتبين لك عنها شيء ما خلال قراءتك لآيونات الماضي!

موقف حرج.. أرق البارحة ثانية.. صراع الليل والضمير.. الواجب والعواطف صراع بين الأرق والنوم:

لأن كلا منا كان ينصرف إلى المستقبل والبحث!

أرجو ألا تضايقك اسئلتي فأنا أريد فقط أن أعرف عن تجليها لك أهو بسبب حب قديم منك أم منها أم منكما معا أم كان ظهورها لك ناتجا عن مطاردة خططت لها المخابرات الروسية منذ زمن وكنا نحن غافلين عنها وعن مركز حجبوه عن العالم ولم يظهروه إلا لك وحدك!

بدا لين الملمس شأنه كلما شك في شيء فتنفس" بهاء" الصعداء وقال:

مادمت سأصعد وأواصل البحث فأرجو منك ان توافيني عنها بأية معلومات تراها ضرورية لمواصلة رحلتي القادمة.

الحق اتصلنا ببعض اصدقائنا في وكالة الفضاء الروسية كما سألنا بعض العلماء الذين هاجروا من روسيا إلى الخارج ومنهم من وصل إلى جنيف فلم يعرفوا عن هذا الاسم شيئا!

لاأي ملف أو..

فقال كالواثق من نفسه:

هناك العشرات من علماء الفضاء الروس مخفيون عن زملائهم.. إنهم ذوو مواصفات خاصة وقدرات فائقة حتى المخابرات الروسية ومخابرات الفضاء لاتعرف عنهم كثيرا من المعلومات بعضهم استقر في الفضاء يواصل بحوثه ولاينزل إلى الأرض إلا لبضعة ايام ومنهم من سكن الفضاء يواصل بحوثه هؤلاء مثلهم كالمتصوفة والرهبان المنزوين في صوامعهم وأنا بدأت أشك بعد تقاريرك العلمية وقضية الكوكب الجديد المخفي أن يكون هناك علماء روس اتخذوا من أحد الكواكب مستعمرة لهم ليعودوا إلى الأرض فيعلنوا عن نظام شيوعي جديد يسمونه الشيوعية الثانية تمييزا عن الشيوعية الأولى التي انطلقت من الأرض إلى الفضاء!

وهذا ماتوقعته أنا من قبل

قال عبارته التي ختم بها لقاءه مع السيد " هنري" ذي النفوذ الواسع في مركز البحوث الأرضي!

الفصل الحادي عشر

ابتسم وهو يتلقى سائلا أزرق شفافا في وريده يقيه اختلاف الغضط بين الفضاء والأرض. كان قد اعتاد على تلقي ذلك السائل كلما صعد في رحلة جديدة وربما لم يغب عن عينيه مشهد أول طلعة فضائية له وحقنة الوريد ومنظر فأرين حُقن أحدهما بالسائل ذاته واستثني الآخر لكنه شعر بالارتياح حين انطلقت مركبته ثانية إلى الفضاء فقد كان يخشى من أن يحول تغير الأنواء الجوية دون انطلاق الرحلة من جديد في وقتها المحدد إلى مجرة درب التبانة حيث الكوكب القزم ثم الاتجاه إلى شرق المجرة مرة أخرى بحثا عن الكوكب اللازوردي و " ضحى العبد الله"

الكوكب اللازوردي!!

 ذلك السر الغامض الذي بقي مخفيا عن العالم إلى هذه اللحظة واختص به وحده من دون خلق الله أهو الحب القديم المخفي أم عمليات مخابرات؟

ربما تذكر وهو غير بعيد عن نطاق الجاذبية الأرضية أن الآنسة "ضحى العبدالله" قد لاتلتقيه ثانية.بالتأكيد سوف يضع نفسه في موقف حرج فتزداد الشكوك حول احتمال هلوسة وخيالات راودته لمح إليها في آخر اجتماع العالم الكرواتي المتحمس" توداج" الذي حذر من عبث المحاولة ودعا لإلغاء الرحلة. كم من المبالغ صرف المركز الأرضي لبحوث الفضاء من أجل كوكب لم يره إلا هو.. وأي دليل لدينا فنعرف أنه كوكب حقيقي وليس انعكاسا لولبيا لضوء تكثف في رقعة هائلة من الفضاء لسبب ما؟. كان الرائد " بهاء"عاجزا عن أن يقدم عن الكوكب الجديد المجهول صورة مطبوعة على اللوح الألكتروني ولا عن الآيونات السادرات شرق المجرة السابحات باتجاه عمق الكون اللانهائي اللائي أطلق عليهن المتجردات فقد امتنعن و امتنع الكوكب نفسه عن طبع ذاته على أي لوح مما تأكد له مدى تقدم تكنولوجيا علم الفضاء والاتصالات لدى الروس:

أيها السادة المجتمعون سأروي حادثة مرت بي وأنا طالب في الجامعة أظنها تعزز حججي التي بين أيديكم أذكر بعد انقلاب البعثيين في العراق عام 1968 بسنة زارت بارجة روسية البصرة ورست في مياه شط العرب مقابل منطقة تسمى الخورة حيث نسكن.كان طلاب المدارس الثانوية والجامعة يحاولون أن يلتقطوا صورا للبارجة وهم على ضفتي نهر شط العرب أنا نفسي جربت .. للأسف كل الصور كانت تمحى بعد الغسل والتحميض تبدو بيضاء.هذا يعني أيها السادة والسيدات أن من يستطع أن يمنع الرؤيا عن عدسة كاميرا صنعت بمواصفات العين يمكن أن يحجب رؤية أي شيء عن العين نفسها.تذكروا أن روسيا أرسلت كاكارين إلى الفضاء في ستينيات القرن الماضي ثم بعد فترة وجيزة جعلت مركبة تهبط على القمر ماذا يعني ذلك إنه يدل بكل تأكيد على مقدرة الروس في ذلك الوقت وخبرتهم الفائقة في علم الاتصالات، فهل يبقى بعد شك في نفوسكم حول قدرة الروس؟

كان يستعرض كلمته البليغة في مجمع العلماء فيخالطه زهو بانتصار سريع حققه على الأرض في الوقت نفسه كانت " ضحى" التي تحفَّظ أن يكرر اسمها وسط المحفل ذاته تواجهه بثقب صغير نتج عن سائل حارق سقط خطأ من دورق في يدها المرتجفة كأن الثقب نفسه كبر وأصبح فضاء شاسع الأبعاد ظهرت فيه فحدثته ثم تقلص الفضاء إلى حجمه الأول وتوارى فدست نفسها فيه واختفت تماما فعاودته الوساوس والأفكار السوداء من جديد!

هل يكون اختفاؤها أبديا ياترى؟

هلوسة... انعكاس ضوئي... أم حقيقة..

كيف يعود إلى الأرض إن لم يعثر عليها.. سوف تتحق بلا شك نبؤة الهلوسة المزعومة!

ليس هناك من حل سوى التوجه إلى شرق المجرة وبدلا من مراقبة الأيونات وهي تزيح بعضها بعضا يحاول أن يتأين هو نفسه يصبح ماضيا ليعثر عليها قد يعود إلى سنوات الدراسة طالبا في جامعة البصرة في السنة الثانية وهي طالبة في السنة الأولى ثم يقومان بتجربة الثقب والمغسلة من جديد يمازجان بين علمي الفيزياء والكيمياء وفي ذهن كل منهما تصور عن المستقبل لأنهما عاشاه من قبل. سوف يصبح المستقبل ماضيا والماضي حاضرا ومستقبلا فقط فيعيدان وفق تلك الرؤيا صياغة العالم من جديد!

ماهي إلا بضعة كيلومترات قطعها مبتعدا عن جاذبية الأرض حتى شعر بارتجاج في الجانب الأيمن من المركبة..إنه في مكان أبعد مايكون عن النيازك والغبار الذري فتوجه بنداء إلى الأرض والمركز الأرضي في الآن نفسه:

ألو المركز القزم هل تسمعني هل تسمعني؟

ألو المحطة الأرضية... المحطة الأرضية..

المركبة تتعرض لهزات هل سجلت المجسات مايحدث في الخارج؟

أنا مازلت قريبا من الأرض لم أبتعد كثيرا!

يبدو أن الإرسال أخفق فأعاد المحاولة ولم يسمعه أحد.. اللوحة الحساسة على الواجهة لاتشير إلى أي خلل..جهاز الإشعار بالخطر لاينم عن شيء..إنه بارد ساكن مثل المحيط الخارجي..صندوق التبؤ بالكوارث لايشي عن أي أمر يثير القلق.. سكون وظلمة وكواكب متناثرة في الفضاء. هكذا لاح لعينيه المشهد ثم في بضع ثوان أسفر الفضاء عن اتجاه غائم كما لو غطى الفراغ كله جٌو يشبه وقت الفجر على الأرض. فجر لايشوبه أي لون آخر..

فجأة...

هكذا فجأة من دون مقدمات أبصر خلال النافذة الجانبية على مسافة غير بعيدة من مركبته الكوكب اللازوردي..ثمة بياض وخضرة وزرقة واسعة غطت كوكب الأرض ثم راحت تتلاشى عن عينيه شيئا فشيئا ليحل محلها وسط عتمة الفضاء الباردة كوكب غريب الشكل..هنا في هذا المكان الذي لايبعد إلا بضع كيلومترات وفق القياس الأرضي يحقق الكوكب اللازوردي حضوره.لم يكن هو الزمان الذي حقق فيه حضوره المرة الأولى ولا المكان. بضعة كيلومترات عن الأرض.. يمكن أن يجذب أي منهما الآخر فتحدث الكارثة الكامنة في نفس أي إنسان عن خراب العالم المنتظر! لعبة أخرى من الروس.. انعكاس ضوئي أم إنهم قاموا باستنساخ ظل الكوكب الأصلي فقطعوا عليه الطريق..التلاعب بمكونات الفضاء مثلما يفعل التايلنديون والصينيون حين يستنسخون ساعات أصلية..شيء محير...تقنية متطورة لنسخ الكواكب أو ظلالها. اغلب الظن أنهم كانوا يراقبونه ولا يستبعد زرعهم أجهزة حساسة في مركبته ولربما رشوا على جسده مادة مخفية نقلت لهم كل كلمة قيلت خلال اجتماعاته مع لجنة العلماء في مركز المخابرات الفضائي.الاتحاد السوفيتي انهار على الأرض لكنه لم يسقط في الفضاء..السماء باقية له وخاضعة لنفوذه حرب نجوم بدأت بعد رحلة كاكارين ولمح إليها خروشوف يوم ضرب هيئة الأمم المتحدة بحذائة فقال عنه الغرب فلاح همجي ..الحرب الباردة لم تنته ومن عاشر "ضحى العبد الله " يعرف جيدا أنها لاتحب الهبوط إلى الأرض سوف تجد لها كوكبا آخر تطبق فوقه شيوعيتها التي لم تستوعبها الأرض!

ولفت انتباهه شيء جديد طرأ على الكوكب التركوازي..شيء لم يره من قبل ولم يدونه في الألواح أو التقارير المكتوبة على الورق.. كيف ظهرت تلك الهالة الحمراء فوق سطح الكوكب فبدا أشبه براقصة شرقية يلتف على خصرها شال من الحرير الأحمر الشفاف!

كانت الهالة تدور بعكس اتجاه الكوكب الأم.. وظهورها المفاجيء مع ذلك الكوكب الذي استقر دائرا قرب الأرض أوحى إليه بلعبة روسية متطورة . مازالوا أسياد الفضاء فالاتحاد السوفيتي سوف يبني قوته هنا في الفضاء لكي يعيد نفسه على الأرض فيكون أقسى وأشرس وأقوى فهو الآن إما يقابل كوكبا مستنسخا أو حدثا مرعبا لعله رسالة أولى حمّله إياها الروس عبر " ضحى" بعد ذلك يكلفونه بمهمة أخرى مباشرة من دون الحاجة لصديقته القديمة.

الكوكب القزم... المركز الأرض...الكوكب الخفي غيّر موقعه إنه قريب من الأرض الآن!

كانت اللوحة تشير إلى استلام الرسالتين الصوتية والمرئية من دون أن يجيبه أحد..بقي يتأمل الكوكب لحظات ويتمعن في الهالة الحمراء المحيطة به وتساءل ترى أين هي "ضحى"؟

الكواكب تغير مساراتها تستنسخ نفسها حقيقة أم خيال؟

ومع الحيرة التي أخذت تشده للكوكب والهالة الحمراء أدار المقبض ضغط على الزر الألكتروني فاهتزت المركبة هزة ثقيلة اندفع خلالها إلى الخارج فخالطته وهو في أول الطريق متجردة فتساءل كيف جاءت في هذا الموضع القريب من الأرض فوجد نفسه في الفضاء على مسافة من المركبة معها هي وجها لوجه. تلك الساعة لم تكن غريبة عنه فقد رآها ضمن طلاب السنة الأولى الجدد القادمين من الثانوية...كل الوجوه الجديدة تصبح مألوفة بعد مرور بضعة ايام. بعد ستة اشهر بالضبط كما تشير متجردة الزمن في وسط الفراغ الكوني ستة أشهر وثلاثث ساعات ... اربع دقائق وخمس عشرة ثانية .. بدت في قميص نهدي وتنورة طويلة زرقاء داكنة وثمة صليب يتأرجح فوق فتحة قميصها.. لوحة الفضاء تقرأ كل شيء،أما السمرة فتلاشت وأما البياض فقد ساد وجنتيها ساطعا لامعا ككوكب يبهر عينيه من قرب:

زميلك الطالب بهاء

قال ذلك الأستاذ فتصافحا ثم جلسا متقابلين

أهلا ومرحبا

أهلا بك

وأضاف البروفيسور الذي بقي محتفظا بلونه:

الآنسة "ضحى العبد الله" عبقرية مجتهدة أثبت حضورها خلال الأشهر الستة المنصرمة والطالب" بهاء" عبقري مثلك يمكن أن تتعاونا في البحوث والتجارب وإن صعب عليكما أمر تستطيعان استشارة الطالب الأقدم في السنة الثالثة قبل أن تعودا إلي!

الشيء الذي التفت إليه وهو يقف أمام المتجردة أن الاشياء كلها احتفظت بألوانها من دون سطوع البروفيسور نفسه وشجيرات الممر المفضي من باحة الجامعة إلى الكلية. لونه هو نفسه لم يكن ساطعا .. هناك مفاهيم أخرى غامضة تربكه .. حسابات دقيقة .. مادام قادرا على أن يغير لونا ما بصفته جزءا من التجربة فبإمكانه حقا أن يعيد الماضي متجردا عن سلبياته مثل عالِم النبات الذي يختلق أنواعا محسنة من النبات تقاوم الأمراض.. عالِم الفضاء يقدر على استساخ الماضي ثم إعادته خاليا من كل السلبيات ليعيش الناس في دورة جديدة من عالم المثال.

كان عليه أن يبدأ الخطوة فيقطع على الزمن والمتجردات عنصر المفاجأة .هذه المرة لم يدع المتجردة تقتحم عليه المركبة من الفتحة العلوية التي اعتاد أن يتخذ منها باب طواريء للعودة كلما خرج يتفحص المركبة من الفتحة الجانبية حيث تربض شجيرة الصبار!

إذن كانت تراقب عن بعد .. مازالت تريده لها ومازالت تحتفظ به كأي ماض قديم أصيل لايرغب في أن يتحرر من جوهره فأيتهما المتجردة وأيتهما الأصل:

ها أنت أتيت بنفسك!

الكوكب اعترضه في هذا المكان الذي لايخطر على بال .. ظهورها المفاجي وقد ظنها في مكان ما.. وكان يستجمع شتات ذهنه ليفصل بين الصورة والأصل:

كنت أعلم أنك ستأتي!

كانت سيدة الفضاء تتنصت بلا شك:

هل يهمك حضوري!

بالتأكيد مثلما يهمني حضورك!

على الأرض هو الذي يتابع تجربتها بحكم الأقدمية وفي الفضاء هي التي تراقبه إحدى المتجردات بل المتجردة الوحيدة التي تهمه ..ثانية من ثواني الزمن كانت تدعى على الأرض "ضحى.."ظن أنه على الأرض يفهمها فاكتشف خبايا كان غافلا عنها أولها أنه لم يضحِّ بها للطالب الأقدم تخلصا من شبهة سياسية قد تلحقه من مرافقتها وثانيها ارتياحه لتكليفها من قبل البروفيسور "برهان الفضل "بمرافقة طالبة جديدة قدمت من الثانوية العام التالي :

لاأريد أن أفقدك مثلما فقدتك بعد التخرج!

هزت رأسها وقالت بلطف:

لن أتركك سوف تأتي معي!

فتردد بعض الوقت وأردف وهو لايُعنى بما يقول:

يمكنك أن تأتي معي عندنا في سويسرا الامتيازات أكثر والحال أفضل.. روسيا الآن في اضطراب والأمور لن تتحسن قبل أن يمر زمن طويل!

راحت تنظر في عينيه كما ينظر منوم مغناطيسي في عيني زبون قلق حائر، فنسي الأجهزة الحساسة والتنصت وتفوق الروس المخابراتي واندفع كطفل يفصح عن ذاته دون تعقيد:

أنا تخليت عن الجنسية العراقية وأظنك حصلت على الجنسية الروسية لم يعد هناك من مبرر لبقائك في بلد مضطرب اللهم إلا إذا كنت تحاولين أنت وبعض العلماء الهيمنة على كوكب آخر تعيشون فوقه وفق ماتريدون!

لاتتوغل في الحلم بعيدا.

ليت زميله الألماني يفلت من قبضة المستقبل فيأتيه بالخبر اليقين عما يحدث غدا فيعرف فيما إذا كان هناك انقلاب جديد يقع في روسيا بتحضير من علماء الفضاء عندئذ سيصرخ الرئيس الروسي بالعالم انعونا ونحن أحياء لكن روسيا لن تكتفي بالشيوعية لها وحدها بل تجبر العالم كله على تذوق الكعكة التي تحط على الأرض من أعلى. قال بيأس:

إذن هل تأتين معي!

بل أنت!

ثقي إني كنت أفكر فيك بعد التخرج وأتابع أخبارك قبل أن أعرف أني أحبك بزمن طويل" وصمت برهة ثم واصل" أنا على يقين من أنك بدأت التجربة ذاتها معي سوف أقول لك أمرا قد تكونين لمسته مثلي هو أني ارتحت كثيرا حين علمت أنك أصبحت بعد أن نجحت إلى السنة الثانية مرافقة مسؤولة في مجلس النوابغ عن طالبة قادمة من الثانوية .. طالبة .. ربما هي الغيرة..و أني لم أكن جادا في التخلي عنك يوم فكرت أن اقترح على البروفيسور" الفضل"  أن يعين خليل العمران " مشرفا بدلا مني لكني لم أجرؤ قط!

فهزت رأسها كالشاردة:

الآن لايهمني ذلك!

ألم تكشف لك التجربة أني في الليلة ذاتها حلمت بك." توقف محاولا أن يقترب منها لكنه شعر بثقل يكبل رجليه إنها هي التي تلاحقه فلا يقدر إلا على الجري خلفها برجلين موثوقتين. عجيب...الأمور مقلوبة تماما .لم تطارده الدولة في العراق إذ لم ينمُ بعد للحزب الحاكم مخلب وبعدئذٍ طاردتها .. وهنا في الفضاء الواسع بدأت "ضحى" تطارده .. تتعقبه خطوة خطوة فكيف يصبح العلماء رجال أمن يتجسسون:

كدت أتخلى عنك لأني خفت أن أستدعى للتحقيق..

اتعرف أين "خليل العمران" الآن؟

مدرس في إحدى الثانويات !

امتد إصبعها إلى حيث الكوكب:

إنه هناك على الكوكب نفسه وقد ارتدى من أجله زنارا أخضر يوم قدومه!

كل شيء يتطلب صياغة جديدة..رآه في سيل الزمان الهاديء منزويا فلم يلتفت إليه.كان يجلس في المقهى يدخن أو يغادر منزله محبطا إلى المدرسة. يكاد يقرأ اسم المدرسة لكنه لايعنيه.. زادت أناقته وترفعه فكيف بدا لي الماضي بهذه الصورة.. لم تكن هلوسة ولا أحلاما..هي الحقيقة أن تقف في الفضاء تجعل منك محورا والكون كله يسري من حولك. كانت على مايبدو سبقت تلك التجربة..فأعادت الماضي وفق رغبتها..سوف تصوغه وفق إطار جديد..قالت له ذات يوم: ليس المخلص المسيح ولا المهدي المنتظر بل هو الناس أنفسهم..ذهب به الظن أنها استغلت التجربة فأعادت صياغتها وفق نظريتها القديمة .. لابد أنها جعلت الزمن يتشذب من انقلاب عام 1968 فهيّأت الظرف لـ "خليل العمران".. جعلته يحوز على بعثة ثم صنعت منه رائدا للفضاء بدلا من كونه مدرسا في مدرسة مهملة بإحدى النواحي، وفي هذه اللحظة الحالكة والبرودة الثقيلة آوته إلى كوكب مخفي عن العيون وأجهزة التكنولوجيا المتطورة، فهل كانت تحبه من قبل. لكن ماعساه أن يقول.. فجأة يئن في رأسه سؤال غريب بعيد:

وماذا عن "نوال غريب"؟

ظلت صامتة فألح:

هل تعرفين شيئا عنها؟

كذلك لم تنطق فتجاوز الصمت إلى الحديث عنها هي تلك الواقفة أمامه التي لاتنطق فلعلها ترغب في أن تشكل معه على الكوكب الغريب الجوال مثلثا آخر يضمهما هو وهي مع خليل العمران:

دعينا من كل شيء الآن الحق بقيت قلقا عليك بعد سفري حتى علمت من بعض العابرين أنك هاجرت إلى الاتحاد السوفيتي بعد الحملة التي شنها البعثيون على الحزب الشيوعي عقب إلغاء الجبهة!

كل ماوصل إليك من معلومات كانت غير دقيقة؟

ماذا؟ ماذا تقولين؟

فكررت جملتها السابقة:

لم أسافر إلى الاتحاد السوفيتي!

ماذا تقولين؟

أقول كل ماسمعته خاطيء؟

شيء لايصدق.صديقته الشيوعية العنيدة ليست في الاتحاد السوفيتي. لم تعايش سقوط الشيوعية المفاجيء وهي الآن معه في الفضاء تخوض تجربته نفسها لايشك أنها سبقته فكيف اخترقت الأرض ولأي ٍ ّ من الدول تعمل. إنه يقف حائرا أمام هذه المرأة التي امتازت بالوضوح والشفافية إلى حد الغموض والابهام:

أين كنت إذن؟

فقالت على البديهية:

كنت في العراق؟

أكملت دراستك هناك؟

كلا لم أكمل دراستي!

صدمة أخرى تلقاها. لم يعرفها كاذبة.. وضوح آخر يقربه من عالم مبهم.. رائدة فضاء.. العراق.. الحصار.. المشاكل..الدكتاتورية.. التمرد.. الحرب أم أي تشويه ياترى تعرضت له الآيونات فبدت المتجردة مختلفة كل الاختلاف عن الماضي بل لعلها في موقفها هذا الاسوأ:

هل تمزحين؟

أنت تعرف بصفتك رائدا للفضاء أن الفضاء لايسمح بالمزاح!

 لعبة أخرى وعليه أن يستسلم.. يتبعها لا أن تتبعه قوانين الفضاء تختلف عن قوانين الأرض ففاضت أمامه جارفة إليه الفضاء كله يقدر أن يلمسها ويسمع صوتها من غير ما حاجة لأن يغادر مكانه لقد جاءته تلك الثانية المتجردة بالكون كله فما قيمة العراق وسويسرا وما ذا تساوي الأرض كلها، لعبة أخرى وعليه أن يستسلم يتبعها لا أن تتبعه قوانين الفضاء تختلف عن قوانين الأرض ففاضت أمامه جارفة إليه الفضاء كله يقدر أن يلمسها ويسمع صوتها من غير ما حاجة لأن يغادر مكانه فقد جاءته تلك الثانية المتجردة بالكون كله فما قيمة العراق وسويسرا وما ذا تساوي الأرض كلها أو قد تكون تلك المتجردة ثانية استعصت على الترجمة إلى الواقع فانحدرت باتجاه معاكس من الزمن فرأت نفسها لم تغادر العراق كاد يترنح إذ تخيل ذلك لأنه منذ البدء غفل عن تقدير الأمر لولا قسوة عنيفة سرت فيه.. وغاب عنه الانفعال تلاشى الخوف والرهبة وبقي شيء من الحيوية.. عليه أن يجد "ضحى "الأصلية المتجردة غير المستعصية التي لامجال أمامه إلا أن يذهب معها:

معك حقك لكن يبدو أن الصدمة جعلتني أفقد توازني!

أنا أفهمك جيدا .. هناك وقائع وحقائق لاندركها حقا إلا إذا حولناها إلى مبهم أقرب إلى الأساطير.

قال يائسا:

مثل موقفي الآن معك. تقولين لم تغادري العراق وأنت هنا في الفضاء.لغز جديد أم تمويه آخر .

كاد يترنح لولا قسوة عنيفة سرت فيه وغاب عنه الانفعال..تلاشى الخوف والرهبة وبقي شيء من الحس:

أنا فعلا لم أغادر العراق فكل ماوصل إليك عني خطأ؟

بماذا تعليلين لقاءنا هنا؟

إسمع جيدا.. بعد إلغاء الجبهة مباشرة تم إلقاء القبض علي عذبت وشردت .. اعتقلت عدة مرات .. خضع والدي لابتزاز من الحزب الحاكم وفكر في مغادرة البلد إلى بريطانيا. كان يعتزم الرحيل بعد أن يبيع عيادته ويصفي حساباته . كنت أعارض فكرة السفر على الرغم من أني عذراء وتعرضي لأي اغتصاب يجعلني في موقف حرج من قبل مجتمع متخلف عنيف لايرحم مع ذلك صرخت في وجهه وامتنعت.

كانت عيناه تنتقلان بين الكوكب التركوازي وعينيها ووجهها الذي شف بياضه عن جمال نقي هاديء:

كان عليك أن تغتنمي الفرصة وتهربي عبر كردستان.

أبدا قلت إذا هربت أنا وهرب غيري فلمن يبقى البلد.

اندفع بحماس:

لكن كثيرا من الشيوعيين غادروا العراق وهم أقل منك درجة في السلم الحزبي.

لكل في الحياة طريقته وقناعاته. كنت أرفض مبدأ الرحيل إلى الخارج في حين كانت السلطة تظنني أحاول الهرب فدبرت مكيدة اغتيالي حيث خرجت عصر أحد الأيام من عيادة والدي بعد نقاش حاد حول مهادنة السلطة كنت أسير مجتازة محور عمارة النقيب حين اندفعت نحوي سيارة يقودها سائق مخمور هكذا سمعت الناس يتهامسون وهم يتجمعون حولي قبل أن ألفظ أنفاسي الأخيرة: سائق مجنون من سجل رقم العربة؟!

ماذا تقولين!

نعم قلها ولاتتردد قل مت!

كشف آخر أم هبة نسيم قدمت من جهة غرب المجرة مع الألماني الذي تمكن من الإفلات.. صمت. لاشيء بين يديه سوى الصمت حتى الدهشة اختفت وتساؤل يكاد لايخرج من شفتيه:

ميتة؟ميتة؟

وأنت كذلك!

خرافة أم واقع والفضاء لايعرف المزاح.كيف تستنسخ الكواكب والنجوم وتنقل من محلها في عمليات تمويه.أم ياترى هذيان رائدة فضاء من هول مااكتشفته وهاهو حي فتقول عنه ميت:

إني أبصرك وأبصر نفسي وكان الكوكب اللازوردي من قبل وحده ولاهالة حمراء تدور معه!

لقد ظهرت لتعلن عن قادم جديد هو أنت!

تمعن فيها وفي الكوكب وقال:

مازلت في شك!

ألم تقل إنك تحب أن تعيش في الكوكب اللازوردي . أنت اخترته من قبل وجئت إليه من تلقاء نفسك!

وأشارت إلى المركبة بإصبعها:

انظر في الداخل!

التفت إلى حيث أشارت واطلق لنظره العنان فرآى نفسه واقفا عند حافة النافذة جنب شجرة الصبار التي اشرأبت تبحث عن بصيص ضوء في حين راح يحدق في الكوكب اللازوردي، وكانت تواصل: تلك هي جثتك، هناك في هواء الأرض مطبات تسمى الجيبوب الهوائية وهنا في الفضاء مطبات الخلاء في الفراغ.. بعض جيوب الخلاء التي إذا مااجتازتها مركبة فضائية اختلف الضغط على جسم رائد الفضاء ..الم أقل لك سوف تأتي وكنت متأكدة من مجيئك هيا لنذهب معا!

كل شيء اتضح الآن.. وازداد غموضا في الوقت نفسه..أهي "ضحى العبد الله" التي قتلت بحادث سير مفتعل في البصرة ذات يوم أم ثانية متجردة فصلتها نحوه تجربته الجديدة التي حذره من نتائجها سلفا زميله السيد " بيزاري " المدير السابق لمحطة الكوكب القزم الذي فر خشية من أن تصيبه بعض شظايا تلك التجربة!

أيعقل حقا أنه هو نفسه وقف يدافع قبل يوم عن مشروع موته أمام لجنة العلماء ومسؤول المخابرات الدكتور " هنري" دون أن يدري أن جميع تقاريره كانت على خطأ... . خطأ وأي خطأ.. معلوماته السابقة وهم.... خرافة.. ليست هناك من سيطرة للروس على الفضاء ولا للأمريكان أو اليابانيين... كنا نبني معلوماتنا على دلائل غير دقيقة.. مغفلون .. مخدوعون..رسمنا حول أنفسنا والآخرين هالة من العظمة وقد ظننا أن كل شيء اصبح خاضعا لقبضتنا كان ينعم النظر في جثته التي غادرها داخل المركبة الفضائية التي أخذت تتلاشى هي وشجيرة الصبار عن عينيه شيئا فشيئا ، فاستدار نحو "ضحى" فلم يبصر شيئا حتى الكوكب اللازوردي بهالته الحمراء بدأ يختفي رويدا رويدا فأحس أنه يتمدد مع رغوة الفضاء.. لم يعد هناك من غموض قط..فلا يهمه من هو ولا من هي ضحى فكل شيء يتداخل في شفافيته الواسعة حتى الظلام نفسه تلاشى وكذلك ضوء النجوم... شعر أنه أصبح هو الفضاء الواسع المترامي الأطراف الذي لانهاية له بل لانهاية ليديه ورجليه ولاثقل لجسده وثمة ارتياح كبير يعتريه من دون حدود قط!!

تمت

 

زياد كامل السامرائيأردتُ أن أرسمكِ،

فارتبكتْ الريح، ومشتْ بموكبٍ أخضر.

أردتُ أن أجعل من الحلم نورا،

فأشرقتْ في سماء الروح نجمة.

أردتُ أن أكتبكِ في عيون المارّة،

أغنية،

فطار اللحن في غابة الحنايا

حتى آخر رفيف.

ألجميع كان يصفكِ

وهو ساهم في إنشودته على إنكِ فجر وناي

فتفزع المدينة،

وتمشي الأيام دون شاعر،

يكتب عنكِ كطاووس.

***

زياد كامل السامرائي

 

بن يونس ماجنفقل لهم: 

1

للقصيدة منزل واحد

يطل منه القمر

ويختفي الى حين     

2

للقصيدة باب واحد

يطرقه الالهام

ويسكن قوافيها شيطان مارد

3

للقصيدة شظايا

وشذرات ملونة

واشباح في زي الاحياء

4

للقصيدة هلوسات وترية    

تسعى ان تكون  ايقاعا

 للومضة النثرية      

5

للقصيدة جزر منعزلة

يقطنها المتمردون

ومنفصلي الشخصية

6

في محراب القصيدة

ترقص الومضة

على ايقاع الهايكو الياباني

7

للقصيدة ساعة رملية

ذات اجراس صامتة

اما الوقت فله وجهان متناقضان

8

 للقصيدة مدارات مقفرة

يعتريها السواد

في هياكل الضباب

9

للقصيدة حقل

يرتع فيه العشب الملوث بالنفايات

وخريطة على امتداد زرقة البحر

10

على رصيف الابداع

يعصر الشاعر خمرة الاملاح

لبلوغ الذروة الشعرية

11

للقصيدة هواجس عفوية

يعزفها جوق بهلواني

وراء كواليس المنفى

12

لطالما حافظت القصيدة النثرية

على غشاء بكارتها

وتسببت في تساقط الاقنعة

13

وعندما يولد جنين القصيدة

لا احد يتجرأ على قطع حبل سرته

خوفا من دفاترها المرتبكة

14

للقصيدة مرايا نرجسية

تغار منها الخربشات

التي لم تكتب بعد

15

بشق الانفس

يضع الشاعر اللمسات الاخيرة

ويتسربل اوجاع القصيدة

16

للقصيدة جعبة مطرزة

فيها ضفائر

تخصب العميان في العتمة

17

لا ادونيس يتفلسف في غثيانه    

ولا درويش  يمخر عباب بحوره

ولا نزار يعبث في نزواته

***

بن يونس ماجن

اديب من المغرب يقيم في لندن

 

 

 

صحيفة المثقفقهرمانة

قدَّتْ خوفها، خالجتها صرخات المفجوعين، توعدتْ بالثأرِ، حفرتْ عقلَ سيزيف، طمأنتهم بدهاء، غرقوا في بحر الخديعة، تعالى الصُّراخُ، سقطوا في شِباك التَّأريخ.

*

سفَّاح

تلوَّنَ عبرَ العصورِ، خلعَ أسمالَ النَّقاءِ، احتضنَ نوايا المغول، لبستْ الضّفتان عباءةَ الليل،، ابتسم بوجه القتلة، التهمَ أبناءه، قررَ استعارة حمرة الشَّمسِ في حضرةِ الغيوم ، طعنَ في براءة الرافد الآخر.

*

تطبيل

في لقاءٍ ذي سقر انبعثْ الدَّجالُ، تزلَّفتْ الأيادي، انعتقَ مسدُ الحقِ من قبضتها، انغرستْ السّهامُ في القفا، عندما تعثرتْ الأفعالُ بنقصها ادَّعتْ الأسماءُ الكمال.

*

تكميم

حلَّتْ المُناظرةُ، تبوَّأ عرشَ الكلمةِ، ازدهى باسمهِ العظيم، جاءَ بالدليل منْ الكتابِ المقدَّسِ، برهنتْ الممحاةُ على ضعفه أمام سحرها، صمتَ عاجزاً، اسعفهُ الوحي بالخلاصة فقال: يكفيني إنّي أُخرج النُّورَ منْ ظلمةِ وشاحي .

*

ابتئاس

سكنَ النَّبضُ على ناصيةِ الذّكرى، تجمهرتْ الكلماتُ ممزقةً حروفها شعثاء النّقاطِ، التحفتْ السُّطور بوجع البوحِ، احتضرتْ الوعودُ، أنارتْ الشُّموعُ مكانه في الجهة الأخرى.

***

دعــاء عــادل

 

صالح الرزوقانتصف النهار ولم تظهر دافيد. وبعد رحيل رجاء لم يبق معنا امرأة غيرها في القنصلية.

كانت رجاء من نمط الحياة الاستهلاكي. نوع اقتصاد السوق. مغرمة بحياة الليل.

وأرجو أن تفهم كلامي بالشكل المحترم.

لا أعني أنها مستهترة لكن تحب اللهو والسهر، وسمعت مؤخرا أنها هاجرت إلى كندا. وكان هذا هو حلمها الذهبي. الهجرة والذوبان بالحياة. وأنا متأكد أنها تعاني الآن من كوابيس الحرية المزعومة.

لكن دافيد شيء آخر.

على العكس في كل شيء. بالإضافة لاسمها العجيب تفضل الثياب الخشنة. ولم أشاهدها في كل حياتي بتنورة أو حذاء امرأة. كانت بأفضل الأحوال ترتدي الجينز والصندل. حتى الحفلات تأتي إليها بهذا الشكل المريب.

قلت لها على سبيل الطرافة: يا لك من امرأة مسترجلة.

ردت وهي تبتسم: يا عزيزي. أنا ضد المظاهر.

وأشارت لربطة العنق التي أشنق بها نفسي وقالت: هذا بريستيج.

ولكن أنا لا أعتقد ذلك. المسألة ليست بهذه البساطة. ترتيب الهندام يدل على حسن التنظيم. ولا علاقة له بالقشور. هذه فلسفة في الحياة.

وباعتقادي لدى دافيد عقدة لأنها ربيبة ملجأ للأيتام. وعلمت بطريقة غير مباشرة أنها فتحت عيونها على هذه الدنيا نتيجة غلطة. ولا تعرف بالضبط من هو أبوها الحقيقي. وتبناها أستاذ في جامعة أو معهد لغات. لست متأكدا.

ولكن لم تبرأ تماما من جرح ماضيها.

***

وقفت أمام باب مكتبها المفتوح. ولمحت الطاولة أولا. عليها أكوام من الملفات. وبجانبها جهاز الهاتف الأسود بظله الكئيب. كانت دافيد متمسكة بهذه الترهات. لديها نوستالجيا لكل ما هو قديم.

حتى أنها تزين جدران مكتبها بصور من البادية..

بيوت شعر. وأمامها قطعان المواشي. أرض عليها أخاديد مثل جرح مفتوح بسبب الجفاف. أكوام حجارة وتبزغ من بينها وردة صبار.

كان ولعها بهذا الحرمان واضحا. إنها حياة مبنية على الندرة. وأغلب الظن هي ظل لأيامها الأولى في الملجأ. أضف لذلك أنها لم تسكن في البيوت التي وفرتها القنصلية واختارت بيتا في الفرافرة.

بباب من الحديد الأسود. مع سقاطة من الفولاذ ومنحوتة بشكل رأس الأسد، مثل شعار سيارات بيجو القديمة. هناك بمقدورها أن تهرب من ذاتها. كان رأيي أنها تود غسل أخطاء الماضي بهذا التقشف.

و لكن كانت في الحقيقة تعذب نفسها فقط. ولذلك تقول رجاء عنها إنها مازوكية. وهي بحاجة لطبيب نفسي.

***

ماذا أخرك يا دافيد لهذه الساعة؟.

سألت نفسي وأنا أدخل لمكتبها. وجلست على كرسي الجلد البرام. كان بمواجهتي لوحة لمنظر طبيعي. أرض رملية متموجة. وفوقها سماء بلون الحديد المصهور. كانت تلمع بهذه الإضاءة الخفيفة مثل تيار نهر يجري.

حتى الأشياء المتنافرة تتشابه بنظر الإنسان في أوقات الشدة.

ورفعت سماعة هاتفها، ثقيلة بوزن المطرقة أو السندان. وطلبت رقمها.  يا له من ذوق يا دافيد.

قلت بنفسي وأنا أستمع لصوت الأرقام وهي تدور في القرص..

 

صالح الرزوق

 

رضا آنستهجنَّ اللیل، وأخرجوني من جحري، أرنو إلی سماء بعیدة، ملمَّعة بقنادیل مشعَّة، أستنشق هواء علیلاً، یملأ رئتي بفرح طري، تهبُّ ریح ندیّة حاملة معها رائحة ياسمين، تشعرني بالانعتاق والحریّة.. تكنس الرائحة الزنخة العطنة، لحاویة القمامة التي قذفوني فیها. أظل واقفاً هكذا للحظات، كأنها ساعات وسنین طویلة... تتسرّب فیها حبّات الزمن من بین أصابعي، ویمرُّ شریط حیاتي، على شاشة ذاكرتي"سناء، كوت الشيخ، المحرزي، سوق السيف..." أشعر بأني شجرة نبتت في قفر، وكأن لیس في هذا الكون إنسان سواي. تتساقط حبّات مطر ربيعي  عذب، تذيقني طعم كارون، وتروي ظمأ صحراء روحي، أنتعش، ویولد للعالم معنی، كنخلة نبتت في واحة.

 بعد الانتهاء من ممارسة طقسي المسائي، في الأربعاء السوداء تلك، لآخر مرة، أحدق فیهم كرصاصة، وأعود إلی جحري، لیخرج آخر سواي، فلا یحرم أحدنا فرصة الاستمتاع  بكرم الطبیعة وبذخها، ومائدتها السماویة، وأرقب أنا البقیة.. من فوق كنورس حوَّم حولهم من بعید، شاخصاً ببصره إلیهم، يدعوهم إلی التحلیق معه عالیاً، وأن یتخفَّفوا من أعباء أعمارهم وحیاتهم الیومیة المبتذلة.. أنظر طابور المترقِّبین دورهم، كصف من النخيل"ناصر، محيي، دِهراب..." وكأنَّ الطیر علی رؤوسهم، متعجِّلین، كي یخرجوا إلی السماء، ویمتِّعوا نواظرهم، بمنظر القبَّة الزرقاء الفسیحة، وقد بدت البهجة علی وجوههم، وشفَّت مرایاها عن حلم عذب بنكهة البِرحي، أقرأ في صفحاتها قصائد غزل عذري جمیل بنغمة الصبا. خاصة محيي الذي لم يكمل البارحة زفتَّه. تتدافع الصفوف، وتتسابق إلی الخروج والهجرة، كما تتدافع موجات الماء المتكتِّل وراء سدِّ عال. أشعر بأنِّي محظوظ، وبغبطة، لأني كنت أوَّل قطرات ذلك الماء، التي استطاعت أن تخترق جدار ذلك السد، وترسم ثغرة في جسده الإسمنتي الصلب، عطشانة، إلی شرب رذاذ الضوء المتناثر، من الكأس المعلَّق فوق رأسها. شعرت أن كارون قد بدأ يتحرر.. لم یكن أحد منَّا یحبُّ أو یرید الصحو. فكلَّما أخذوا منَّا واحداً، غرسوا في جبینه نجمة، وأنبتوا له جناحین، كانت تُزهر لنا ریشات بیضاء تتلامع، تثیر غیرة النجوم. لم أكن قبل تلك اللیلة أصدِّق ولا حتَّی في الحلم، أن بإمكان الإنسان أن یطیر. كنت أظنني أحلم. كنت أرید أن أتأكد أن ما أعیشه وأطیره، لیس حلماً یتبدد مع همهمات الصباح.

 بعد أن تحوَّل آخرنا إلی آخر طائر، وحلَّق بعیداً،  مطوِّفاً في الآفاق، مودّعاً المحمَّرة، مهاجراً ناحیة الخليج.. جمعوا جثثنا من الساحة، وفكُّوا وثاق من كان مصلوباً إلی جذوع النخل، حلُّوا عنَّا عصائب أعیننا، لفُّونا بخِرق بالیة، وبصمت اللیل المطبق، كدَّسونا في شاحنة قذرة، كما تُكدَّس أكوام اللحوم، التي یذهب بها من المسلخ إلی سوق الجزارين. كان أزیز الشاحنة یشُّق ستار اللیل، ویقرع أسماع الحصی، في الطریق، لكنَّ لا أحد من المدینة استیقظ! توقَّفت بنا الشاحنة عند مقبرة، وتناهی إلینا نباح كلاب مسعورة في صقيع الشتاء، رجفت أعماقنا بالغربة.. سحبونا كما تسحب الذبائح، ثقبت حديدة ناتئة كمسمار، بأرضية الشاحنة خاصرة ناصر. أضراس الأسفلت تكشط جلودنا، وسهم الدم یخترق الأرض... ألقونا في حفرة عمیقة مظلمة، واحداً فوق الآخر. كنت شاهداً علی تلك المجزرة، لكنِّي لم أشأ أن أعود، وأهبط إلی الأرض، لأخبر الناس عنها، نشوة الطیران كانت تمنعني، وأیقنت أن المدینة لو كانت ستصحو، لأیقظها أزیز الرصاص ونحيب محرِّك الشاحنة، صراخ الحصی، وهو یتلوَّی ألماً، تحت ثقل إطاراتها، ولَفَزُّوا علی رائحة الدم، وضوئه الذي انتصب كعمود أو منار... لكننا تركنا خط الدم للأطفال... كنت ما أزال خائفاً ومرعوباً من أنَّني أحلم...أن أسقط إلی الأرض، بعد الاستیقاظ، ومازال یؤرِّقني سؤال حائر، يخز روحي مثل أشواك نخلة حادة:

 كیف یكون "الإنسان" وهو لا یحلم؟

 

رضا آنسته، قاص من الأهواز، إيران

 

صحيفة المثقفبيني وبين لعبة الشطرنج المدهشة صداقة متينة ابتدأت منذ أواسط السبعينيات أيام (سنة الأول متوسط) ذات السنة التي اهدت فيها مجلة "مجلتي" هدية مع العدد "شطرنج" من الكرتون المقوى، وذلك بمناسبة العطلة الصيفية.

كان ذلك كافيا لان يكون المساحة أو المضمار مع رقعته، الكفيل حتى أتعلم اللعبة جيدا، ووفق الشرح المنشور عليها..

لم أجد اللاعب المتمكن الذي كان يمكنني معه من الاستمتاع باللعبة، لأنها لعبة لا تستند على الحظ، بل تتطلب لاعبا عارفا. وكانت الصعوبة أكبر لو رغبت لعبها مع أحد من أقراني بين أبناء المحلة، معاناة تتطلب مني أن أعلمهم من الصفر، وبالتالى يكون دستا سمجا..

أحببت اللعبة كثيرا وقد جعلني ذلك الحب احظى بالتفوق بها وصرت أفوز على كل منافس حتى أني ذات مرة حصلت على المركز الثاني للبطولة التي أقيمت في النادي الصيفي على حدائق مدرسة بعقوبة والتي كانت على مستوى المحافظة..

كما صرتُ العبها بانتظام مع العم "رمضان" الذي جاء من محافظة "القليوبية"من "مصر" حتى يعمل معنا في المطعم الصغير الذي كان يملكه والدي.. ذلك الرجل الطيب قضى فترة لابأس بها معنا زادت على أربع سنوات من غربته، أحسن الرجل بيننا مقاما بخلقه الدمث، وأحسنا معاملته.. أذكر أني تعلمت منه هواية المراسلة حتى بات لي ص. ب رقمه (29)، بديلا عن ضياع الرسائل مع ساعي البريد بين الأزقة. عندما عاد إلى بلاده بقيت بيني وبينه الرسائل، وذات مرة، نشر لي قصة قصيرة اسمها "محاولة بلا انتهاء" في مجلة "إبداع"* المصرية.. أرسلتها له من "بعقوبة"، وارسلها بدوره من "القليوبية" إلى القاهرة، وتم نشرها، حيث تم اعتبارها لكاتب مصري وليست كاتب عراقي، وذلك خرقا لهم لانه وصلهم من محافظة مصرية ولم يعرفوا ان مغلف البريد كان من العراق.

ربما لعبت معه الشطرنج بالمراسلة، ثلاث أو أربع دستات كتابة..

بقيت رسائلنا منتظمة حتى جاءت الخدمة الإلزامية. وانقطعت المواصلة، ولم أصادف احدا اواصل معه هذا الشغف.

 

محمد الأحمد

...................

* المجلة التي أصدرها أحمد عبدالمعطي حجازي.

 

849 الغرييسيفي متاهات القصيد

عند مُفْتَرَقِ الحروف،

بين تضاريس الكلمات؛

أراني أسير في صحراء الرّوح، بلا دليل

و في قفص الصّدر مصباح يطارد العتمة

في زوايا المستحيل..

تحاصرني أصوات جلبة قادمة من كوكب مارق:

صوت حبيبتي وهي تتوسّل إلي،ّ

 أن ننقذ ما تبقّى من حبّنا الفاشل..

صوت المؤذن خارج أوقات الصّلاة،

 وهو ينادي: حيّ على الجهاد حيّ على النّكاح..

صوت شاعر يكفر بالقوافي، وآخر يرفض التّطبيع مع قصيدة النّثر،

و ثالث يقولها عاليا: "لا رومانسيّة بعد اليوم"..

صوت فيلسوف من "المشّائين" في شارع الحبيب بورقيبة،

 وهو يتلو على رفاقه، ما تيسّر من بركات "ماركس"..

صوت قوميّ عربيّ ثائر،

 يريد توحيد الأمّة من الخليج العربيّ إلى الخليج العربيّ..

صوت مهمّش يائس، يهدّد أن يحرق نفسه على المباشر،

 أمام القنوات التلفزيّة و"مواقع التّواصل الاجتماعيّ" ..

صوت مومس تغنّي على رؤوس الملأ وقد تعتعها السّكر :

" قالوا زيني عامل حالة "

صراخ صبية يلاحقون معتوها فقد آخر خيط يربطه بعالم العقلاء..

أصوات المتسوّلين والباعة الجوّالين،

وحلقات النّقاش السّياسي على قنوات تبحث عن الشّهرة..

وأصوات تلعن خبز الفقراء وصلف الأغنياء..

وأخرى تغنّي نشازا، لربيع تمرّد على كلّ الفصول..

سبعون عاما قد مضت..

وها أنا تائه في صحراء الذّات،

 مبعثر الخطوات

مطوّحا بين المسافات،

أبحث عن زهرة برّية أستنسخ منها عالما يحتفي بالشّمس،

عن قطرة طلّ، أرضع منها جذور الأرض،

 فتنبت عنبا وبقلا

و تملأ صحراء روحي نخيلا وأشجارا وظلّا

كلّا وألف كلاّ ..

لن أترك الظّلام يطفئ قمري،

ولا سحب العواصف تطفئ شمسي..

سأرتق المسافة بيني وبيني،

سأعلّمني حروف الهجاء من جديد

ألمّعها.. أزيل عنها صدأ السّنين..

سأصنع لي ربيعا حقيقيّا

يأكل الطّير منه،

ملاذا للعاشقين

سأرتّب لبلابل أفكاري

عشّا تلوذ به من العاصفة..

سأعلّم النّوارس في وطني،

كيف تغنّي للعائدين من قوارب الموت..

سأعلّم طيور الأيك كيف تنشد

لوطن يحلو فيه العيش

وطن يكفر بالخيانة..

ويصنع المعجزات..

وبعدها سترفرف روحي عاليا

تنثر لعشاق الحياة أشعار الحبّ،

تعزف لهم سيمفونيّة الحياة

***

شعر: محمد الصالح الغريسي

 

فتحي مهذبيمكن أن نصنع ما نشاء من الكلمات..

نصبا تذكاريا لطاووس ضحكتك الجميلة..

معتقلا سريا لنهديك الثرثارين..

فخا لاستدراج فراشات هواجسك..

يمكن أن أغسل حصاني

بدموع أصابعك الفضية..

أوقظ زرقاء اليمامة بايقاع عينيك

الكنسي..

أمدح نورسا سكران

يذوب في نبرتك..

أخفي نقودي وفاكهتي في سلة

ظلك..

يمكن أن أجر قطعان متناقضاتي

مثل كلاب صيد

الى غابتك الأليفة..

يمكن أن نقيم قداسنا

على حافة النهر..

نطرد الفراغ مثل ذئب خاسر..

نقفز مثل كنغرين في النسيان..

ننسى زعيق قبعة المهرج

في الحانة القديمة..

ننسى آخر كلمات الموت لغزالة الصداقة..

ننسى شقشقة أظافرنا في النوم..

الطلقات المتتالية من مسدس اللاوعي..

زئير الصمت المتوحش..

لكن لا ننسى أن نعمد روحينا بدم السهروردي .

***

فتحي مهذب

 

نجية مصطفى الاحمديوجه الحزن على ما هو عليه

والبدايات الجديدة

مورفين يؤجل ألم النهايات

وجراحاتنا القصية

ستزهر في الغد

والغد شاحب

كوجه مصاصي الدماء

من يفك لعنة الذاكرة

من يقتلع الهشاشة من القلب

***

لا شيء تغير يا صديقتي

توزعتنا الطرقات

الحب الذي حلمت به

تبدد كسحابة عابرة

غريبة كنت معه

وغريبة صرت بدونه للأبد

ها أنا ذي أتلوى كالذبيحة

أستسلم للمد الأسود

أنا منهكة

كالكادحين في رواية البؤساء

كراسكولينكوف في الجريمة والعقاب

أنا منهكة

عند أقصى نقطة للرماد

الأشياء تفقد بريقها

برودة في الأطراف

على الجدران

 بكاء الناي في الحقول البعيدة

مواء القطط في الليالي الباردة

القبرات على النافذة

إني أذوب فيه

أتحلل

دعيني أخبرك يا صديقتي

كم كان ثقيلا علي

أن أهزم الموت بلا حب

بلا أغنية

بلا قصيدة شعر على الصدر

بلا باقة ورد في اليد

صديقتي

كافكا لم يختر أن يكون رسول الكآبة

كافكا مثلي

خذله الحب

فغرد بعيدا عن السرب

***

نجية الأحمدي

  

صحيفة المثقف..ألتقي به كل صباح على الساعة السابعة. يحمي رجليه بحذاء قاوم عناء السنين وصلابة الأرض. تستوطن جسده الصغير، ثياب واسعة، قد تكون لأبيه أو لأحد أبناء الجيران.جسمه لا يعرف الماء إلا نادرا. ومع ذلك يحتفظ ببياضه الناصع الجميل.وظل شعره الأصفر المثير للانتباه، يلمع مع كل إطلالة شمس. يحميه أحيانا إذا هاجمه المطر أو استقبله برد قارص يلسع الأبدان، بطاقية صغيرة تعلم أنها ملكا له. وربما هو الشيء الوحيد الذي يعتز بملكيته. له عينين رائعتين رغم إصابتهما بحول طفيف. ابتسامته تصل إلى قلبي وتدميه أكثر مما تفرحه. جميل في كل شيء كأنه يتحدى القدر الذي ألقى به في هذا المكان.

مكانه صغير مثله، أجده فيه عند بزوغ شمس كل صباح. قابع على كرسي من خشب وفي بعض المرات يستبدله بصندوق صغير متعدد الاستعمالات.يتكئ على حائط بجانبه، يترك رأسه يستريح ويتوه في عالمه بنظراته المتسائلة والحائرة.لما يسمع المناداة عليه، يقوم بخفة متناهية، يطيع الجميع دون قولة كلمة لا.

يلهو مع أصدقاء له في مثل سنه، عرفوه مثلي من كثرة جلوسه في ذلك المكان.يلعب بحرقة شديدة كأنه يعلم بقرب ساعة الحرمان المعتادة التي تدفعه للعمل وبيع السجائر. يكره الجلوس الطويل ومع ذلك يظل جالسا ويشارك الكبار عالمهم. ليست له ساعات متخصصة للنوم. عند العودة إلى بيته، يستقبله والده بالتهديد والمحاسبة. ويظل يقسم بإيمانه وصدقه، بأنه ظل جالسا لم يتحرك ولم يترك الصندوق، حتى يفلت من العقاب.

آلمتني حاله كثيرا. سألته مرة:

- لماذا أنت هنا؟ إجابته كانت بريئة:

- لأن أبي أمرني بذلك.

- ومن يوقظك في الصباح؟

- جدتي.إنها تعيش معنا.

- هل تفطر؟

- لا.أنتظر حتى الساعة العاشرة، وأعود للبيت وأفطر وأعود مرة أخرى إلى هنا.

- تأملته كثيرا وأطلقت العنان لزفرات متتالية، تاهت في الفضاء تبحث عن أجوبة لأسئلتي التي نمت بكثرة بداخلي منذ لقائي به. اضطررت إلى توديعه، واتجهت مسرعة إلى الحافلة التي ستنقلني إلى عملي.

في اليوم الموالي، كان الجو باردا مع أننا على عتبة فصل الصيف. تزور المدينة أحيانا، رياح برية آتية من الجنوب.محملة بسخونة غير طبيعية.لما وصلت إلى مكاني أنتظر الحافلة، وجدته هناك في مكانه مثل الأمس.لا يحرك ساكنا.يحمي جسده الصغير بيديه النحيلتين وينتظر زبائنه من المدخنين الذين يتهافتون عليه عند كل صباح.كان يحرك رجليه بخفة وفرح أيضا. كأنه يريد أن يريني حذاءه الجديد الذي رغم كبره بعض الشيء، إلى أنه يحمي أصابعه الفتية من قساوة الطبيعة.

سلم علي وكان وجهه مشعا ومضيئا كأنه قديس. قام من مكانه، تحرك جلس من جديد. ضرب كفا بكف محاولا القضاء على لسعات البرد التي تتسلل إلى جسده الصغير وتحدث خللا به. التفت إلي والتقت نظراتنا. ابتسم وقال لي:

-البرد...

ودون أن ينتظر إجابة مني.ترك سجنه الصغير واتجه صوب موقف السيارات حيث التجمعات والحديث المسترسل. ذهب بحثا عن الدفء. تكلم كثيرا وضحك كثيرا. ثم جلس يستمتع بأحاديثهم رغم فارق السن. وفي الوقت نفسه، يراقب سجائره.

قلت لنفسي"انه يبحث عن الدفء. وقبل أن أمتطي الحافلة، سلمت على زميل لي ولاحظ شرودي فسألني عن السبب. فقلت له:

- لم أعد أرغب في الحضور إلى هنا. تفاجأ وسألني:

- لماذا؟

- بسبب هذا الطفل الصغير.

ابتسم زميلي ودون أي جواب طلب مني أن أسرع لأن الحافلة قد وصلت.

في الغد، كنت على موعد جديد معه.لكنني تأخرت بعض الشيء.وصلت إلى مكان الحافلة وأنا أتصبب عرقا. احتلت الرياح الساخنة المكان و لم نعد نعرف هل هو فصل شتاء أو صيف.رغم منظره البئيس الذي يقتل البسمة في شفتاي، إلى أنني أكره اليوم الذي أذهب فيه إلى عملي دون أن أراه و لا أتحدث إليه.اتكأت على الحائط لكي أستريح.لمحته هناك كعادته، جالسا على صندوقه. في كل مرة، يفتحه ويعد ما كسبه في ذلك الصباح ويعيد إقفاله بسرعة خوفا من العيون المتلصصة عليه. قلت له:

- صباح الخير.

ابتسم وعاد يعد نقوده.ثم استلقى بظهره على الحائط، الذي يعتبره ملكا له. بحكم قضاءه فيه أجمل لحظات عمره. فجأة، كأنه افتكر شيئا، فتح الصندوق بسرعة ودفع برأسه في الداخل، كأنه شيخ من شيوخ البخلاء. وأخذ يعد من جديد بصوت عال.في تلك اللحظة، افتكرت ما قاله لي يوما:"إن أبي يعد كل يوم ورائي. وإذا أضعت شيئا ضربني."

أصبت بحزن شديدو استمرت الأسئلة والأفكار تتزاحم بداخلي دون أن أجد لها جوابا.سمعت ضحكاته البريئة المجلجلة التي أطلقت سراحي وأعادت البهجة إلى روحي ولو بشكل مؤقت. وقف أمامه رجل يقارب الستين من عمره.أعرج.يتوكأ على عصا.يحمل على كتفه جلبابا ممزقا، يدخن سيجارة من الثمن الرخيص.نظر إليه صديقي الصغير و هو يضحك:

-أنت مجنون. أنت منافق. مصيرك السجن. مستشفى الأمراض العقلية.

والرجل ينظر ولا يتكلم، يدخن سيجارته والطفل يسب ويشتم. استرسل في ضحكه الهستيري. قلت "ربما يضحك من نفسه دون أن يدري.ما الفرق بينهما سوى الشيب." انصرف الرجل ولم يكف عن استهزاءه منه.

حل علينا الصيف هذا العام مختلفا تماما. تمتزج فيه الحرارة والبرودة. ليس هناك استقرار. لما وصلت إلى مكاني في موعدي المحدد، لمحت صديقي الصغير وأثار انتباهي شكله المختلف. لقد أزال القمصان الكبيرة التي كانت تستوطن كل جسده الصغير. فرحت له وتمنيت لو يظل الجو معتدلا حتى يستطيع أن يتحرك بكل حرية. ولا تجلد عظامه قساوة الطبيعة. برجليه حذاء نسائي، أكيد لأخته. ممزق. فوجئت به ولأول مرة، يحمل قلما وكتابا. طريقة لمسه للقلم وأخذه للكتاب دليل على أنه كان يتعلم قبل أن يحضر إلى هنا لبيع السجائر.كان ينظر إلي ويعود إلى قلمه وكتابه. اقتربت منه وسألته:

- هل كنت في المدرسة؟ أجابني بنوع من الخجل:

- كنت في مدرسة قريبة من بيتنا.وصلت حتى الثالث ابتدائي.

- لماذا لم تستمر؟ سكت بعض الوقت وقال بصوت خافت:

- يجب أن أساعد والدي...لم يتتم كلامه. وضع الكتاب والقلم جانبا وذهب يبيع سجائره لأحد الزبائن.

استيقظت باكرا في  ذاك اليوم.و أخذت طريقي الذي أسلكه عند كل صباح.كان هناك  زميلي الذي التقيت به في المرة الفائتة.ابتسم و قال :"هل ما زلت تهتمين بذلك الطفل الصغير؟"لأنه لاحظ فور وصولي كأنني أبحث عن شيء ما.أجبته بصوت حزين:"حرام أن يعيش هذا الطفل بهذا الشكل؟"قال بنوع من اللامبالاة:"لا يمكنك تغيير العالم."تجاهلت رده ،و لمحت عيناي ،صديقي الصغير،صامت،ينتظر من يشتري منه سيجارة.لون بشرته البيضاء تلون بلون التراب من كثرة تراكم الأوساخ عليه.نظر إلي.لم يقل شيئا.لكن نظراته المتكررة و المترددة كانت تريد أن تبوح بشيء.آلمني حاله.كان شاردا."هل هو مريض؟"فجأة،تكلم معي و قال:

- صباح الخير.

- صباح الخير. هل أنت مريض؟

ضحك من سؤالي.وعدل من قميصه الواسع.وقال:

- لم أنم جيدا. وأريد الذهاب إلى البيت لآكل شيئا.لكنني أخاف من أبي.

و في تلك اللحظة، أتت بفتاة تكبره بعض الشيء،أظنها أخته،تحمل  خبزا و شايا.انبسطت أساريره و ضحك كثيرا و فرح كثيرا.أخذ أكله و اتكأ على حائطه و لزم الصمت يستمتع بما جادت به أيادي أخته.التي بدورها تحمل أغلالا تكبل خطواتها الطفولية.

هذا الصباح، استيقظت بصعوبة كبيرة.وجدت وجهي مبللا كأنني جريت أميالا. اليوم ينذر بحرارة شديدة. حتى العصافير التي كانت تصاحبني عند كل صباح، غابت عني.لما وصلت إلى مكان وقوف الحافلة التي تأخذني إلى عملي، وجدت المكان مكتظا بوجوه لم ألفها من قبل."يا ترى ما   سبب هذا الزحام اليوم؟ «بحث عن صديقي الصغير. كان هناك في الجانب الآخر من الشارع، يرتدي قميصا شفافا وسروالا قصيرا، بهما آثار السنوات الخوالي. كان يجري في كل اتجاه ويلعب مع أولاد آخرين في كل مرة، يقف وينظر اتجاه سجائره هل ماتزال في مكانها، هل لا يوجد زبون. كان يحمل نشاطا غير عادي.يسلم على كل من مر من جانبه.سلمت عليه من بعيد ورد التحية بابتسامته البريئة وتابع جريه وضحكه ...

لا أتصور أن يمر يوم دون أن أراه. قال لي يوما بخجل:

- ما اسمك؟ تذكرت ساعتها أنه لا يعرف اسمي.جلست إلى جانبه وهمست إليه:

- أمينة.

ضحك كثيرا حتى كاد أن يسقط أرضا.لم أفهم سبب هذا التحول المفاجئ عنده.سألته:

- لماذا تضحك؟ وكدت أنا أيضا أن أضحك.

- أختي أيضا اسمها "أمينة".

مسحت على رأسه بيدي.وودعته على أمل اللقاء في الغد.

توالت الأيام بشكل عصيب، كنت ساعتها أبحث عن منفذ للراحة.روتينية العمل كادت تعصف بروحي.استحال جسدي إلى آلة تتحرك بشكل أوتوماتيكي. لاحظ صديقي الصغير عزوفي عن الكلام والسؤال عنه. لكن كان يكفيني أن أراه يتحرك ويفعل ككل أطفال الدنيا وفي في نفس الآن يحاول أن يرضي والده. أتى إلى جانبي وابتسم كالعادة. سلمت عليه ولكي أقتل صمت اللحظة. سألته:

-هل أكلت شيئا هذا الصباح؟

- لا. لأنني أصحى باكرا ولا أجد شيئا يؤكل.

تألمت لهذا الموت البطيء الذي يحاصر كل منا لكن بشكل آخر. تجرأت أكثر وسألته:

- هل تتمنى أن تعمل شيئا آخر غير الجلوس هنا كل يوم؟

- كانت ضحكته ملائكية.رد بكل عفوية:

- لكن أبي قاسي جدا.

- كم من أخوة وأخوات لديك؟

- خمسة اخوة.

- لا أحد يدرس ؟

-......

أعطيته بعض الدراهم واشترى في الحين خبزا والتهمه كأنه لم يأكل مند مدة.

رغم كل الضغوط التي تتربص بي، ما إن أصل إلى موقعي، حتى تنعتق روحي من وحل صدئ لا يبرح المكان. أضحك مع صديقي الصغير وأنعم بلحظات من الصفاء والجلاء رغم وخز الأشواك.

كان اليوم في مكانه، في جنته المنزوعة منه. كان فرحا. يطلق أصوات لا افهم معناها ..يتكلم كعادته..كان بجانبه طفل آخر. عند كل مرة، يلتفت إليه ويصرخ في وجهه كأنه يدافع عن مكانه الذي سجل في تاريخ الإنسانية. سلم علي وانطلق. قلت له "الى لقاء آخر يا صديقي". وانطلقت بي الحافلة بسرعة. كانت سرعتها تحملني فوق كل الأسئلة التي عجزت عن أجد لها حلا.تركت رأسي في مهب الرياح الآتية من النافذة علها تسعفني وتمسح عني آثار كل الأشواك السامة.

التقينا من جديد، عندما أتى المساء. كان الجو غاضبا ينذر عن عاصفة محملة بالتراب. تغير لون السماء. كان بجانبي، يحتمي بيديه من آثار هذه العاصفة الهوجاء. يتمنى أن يبيع أكثر وأكثر. سألته:

- كم تربح في اليوم؟

- لا أعرف.لا أعدهم.

غيرت سؤالي وقلت له:

- هل عينك اليسرى سليمة؟

- لا. لا أرى بها شيئا.

صمت من هول الصدمة.كادت دموعي أن تنفلت مني. تداركت صمتي المبكي وسألته:

- لماذا لا تذهب إلى المستشفى؟

"مستشفى؟ «كلمة فلتت دون رقابة. وهل لمثله مستشفى. ظلت نفسي تبكي حاله الحزينة. ومع ذلك تحملك ضحكاته فوق كل الأشجان.سمعت صوتا من بعيد يلقبه "بالأعمى". كانت أخته الكبرى. أتت تسأله عن النقود التي جمعها ذلك اليوم.

سامحني يا صديقي الصغير، اليوم رايتك لكن لم أكلمك.كنت على عجلة من أمري.عالمك يعذبني كثيرا ومع ذلك أحببت الحديث معك. تركتك هناك تعيش مع أحلامك الطفولية. وضحكاتك البيضاء.

وأنا في طريقي إلى عملي الملعون، كانت أصوات تتطاير في فضاء الحافلة.أصوات شبيهة بسوق أسبوعي، الكل يتكلم ولا تفهم شيئا. أخرجتني، رغما عني، من حواراتي الداخلية وجعلتني أبدل كل ما في وسعي لإدراك ما يقال وفهمه. خبت الأصوات فجأة وعم صمت رهيب سافر بي إلى حيث يقطن صديقي الصغير مع عالمه الصغير. افتكرت وأنا في الحافلة بأنني لا أعرف اسمه ولم أطلب منه يوما ذلك. فلم أجد أجمل من أناديه بصديقي الصغير.

 

أمينة شرادي

 

 

عبد الجبار الحمديغريب أمرك يا هذا!!! كأنك تنشد حبل الوريد ان يكون مقطوع ينزف، أراك تعمد الى إطلاق لسانك دون أن تمسك بلجامه فأراه جامحا لا بل متمردا على واقع عشته ويعيشه الكثير من الناس في حقب متعاقبة، فلم أنت متبرم دوما!! ألا يكفيك ان ترضى بواقع حياتك؟ ها انت في كل ليلة بعد ان تعكر مزاجك بشرب من زجاجة الحقيقة التي ما ان تترعها حتى تخرج مفردات اللاوعي ثم ترمم إشاراتها سلما موسيقيا كأنك تريد ان تجدد السلام الوطني لبلدك ههههههه... تصور دولة يختلف حكامها على لون علم او موسيقى عزف جنائزي، أما الشعب يخوط بمستنقع اللهو والخنوع بحجة من يتصدر فوهة المدفع، رغم أنهم ينساقون الى مسميات تحميهم بسطوة العظم لك والجلد لي... هكذا كان أبائكم يقولون لمن يُعًلِمون أبجدية الحروف.. الحروف التي شكلت أمة إقرأ في وطن الكتابة المسمارية.. المسمار ذلك الذي بتنا نتشبث به كجحا على أطلال خربة فما عاد وطني مثل كل الاوطان، هَزَمَنا العوز والفقر وأصحاب الدين، عبارات إلهية لا يجوز لمن لا يفقه الحلال والحرام أن يلوكها علكة أجنبية.. فأضعنا تأريخنا تماما كما أضاع حنين النعل عندما هُمل فردة ضالة فرمى بها... لكن بعد أميال من سير وجد الأخرى.. فما عاد النعل ينفع فتلهبت برمال الحقد والضغينة أقدامنا، بتنا نسير فوق الجمر حبا في عذاب نفس، تروم لطم عجزها بضربها جسد مزقته الذلة، نصرخ نمجد الارباب نحبو نلوذ خزيا الى سم خياط ... يالك من وطن هزمت وبيع تأريخك في سوق من يربح المليون، صرت برنامج حروف وألوف يتبعك من يرغب ان يحلم، إنك الوزة التي تبيض ذهبا.. لم يهنوا عنك فقد ملكوا القيثارة التي تطرب لها كي تبيض إمسك عليك جحرك.. بعد أن تركوا لك العنان كي تحزن.. كي تلبس السواد وتعمد الى أن تكون الظالم والمظلوم، الحاكم والمحلف، القاض والجلاد... يا لك من وطن يلطخ ملابسه بالدم كي يشعر أن الحياة للأقوى كما لطخوا ثوب يوسف إخوته.. أمة وشعب تائه بين هاته وتلك...

لا أراكم الله خيرا بعد أن هتكتوا المحرمات حتى لاطت بكم الأحاين من كل حدب وصوب، مُلِّك عليكم من جلدتكم لا يرحمكم بعد ان ألبسوه الطهارة وفي دهليز ليل هتكوا ستر رجولته، غمسوا وطمسوا رأسه في التراب .... نعم تماما كالنعام مكشوفة مؤخرته لكل من يشتهي الفجور.. يا للجحيم مالكم لا تفقهون!!! يا لجزعي منك لم أستطيع أن ابتلع ترهاتك كفال تذمرا، كفاك شكوى مالي وحالكم؟ أنتم عولتم على البقاء أحياء في صحراء جرداء زرع فيها وماء... لكنكم تتصارعون من يبيع ومن يملك خراج السماء.. كثر في وطنكم العواء، شرحتم مصيبتكم من الألف الى الياء، وزعتم قرابين ظلمكم لأنفسكم قرون تزحف على بطونها زحف الثعابين لأمر لا يستتب أبدا لأنكم مزقتم صحف إبراهيم وموسى.. نثرتم  الأرضة في الكعبة، مزق الله عهدكم ولو يبقي سوى أسمه لأنه يعلم أنكم قوم طبل ومزمار.. تحبون بيوت صاحبات الرايات الحمر... تقرعون أجراس الكناس في أديرة ليل واجساد عارية، تمارس الجنس في بيوت الله وأقبية كنائس.. أحبارهم كرجال دينكم لا يتورعون قتل الله إن عارض ربوبيتهم... كفاك جدلا وحزنا، أطمر لسانك، لا توقظ جرذان الأزقة التي تنتمي إليها، ها انت لم تغير من حالك فمنذ عرفت أنت أنت... تسكن الأزقة بحجة القيم التي مزقت صحيفتها، بحجة أنك لا تسطيع ان تغير ما لا يمكن، فقد بيعت الصحف وخوزق الرجال والكثير دقوا بالمنجنيق.... فعلام تُسمِع صراصير الليل وهي تضج بالأزيز.. لقد حفظت عبارتك التي تبدأ... أخلع نعليك أنك في الوادي المقدس...

جميعكم أنبياء حين سلبت الإرادة، وجميعكم قارون حين تمسكون البساط الطائر والصولجان، تصرخون بعدها لا مكان للحفاة في وطن انتعل القيم الإنسانية مرض سرطاني، تعادون من يدافع عن الحق... والحق مؤود بينكم في أقبية سوداء مزقتم جلده بالسياط، صلبتموه على جدران مملحة... أيكفيك أم تريدني أن أزيد؟ كي أطيح بما ترعت كي تعود الى وعيك و واقعك الأجرب الميؤوس من إصلاحه.. فقد قتلتم الطبيب وأحرقت براعم الترياق...

تحركت تلك الكومة من الثياب بعد ان أمسك صاحبها بها فصاح بعد أن مزقها... آه يا وطني كل ما قلته صحيح .. جراحي كثيرة وعيوبي أكثر، أنظر الى هذا الجسد التي سكنته الذلة، النتانة بات جيفة بين قاذورات أزقة، فالحياة محرمة علي كما الميتة ولحم الخنزير... لا ألومك حين تلومني او تبدأني السباب او الشتم او كل ما يمكن أن تقول فنحن أضعناك بخبلنا بجنوننا بشياطيننا.. كيف أسمينا ديوثي العصر الجديد أم أوعية مناهيل نغطي جيف جثث الموتى التي نلبس، فمن بيدة السلطة لا يرحم، والأدهي أن أصابع السلطة منا وفينا... ينقلبون كما تنقلب الدعاسق تلك التي ما ان تحاول دفعها عنك تطلق الريح الفاسد، يزكم انفك فتترك المكان... همهم سحقنا وهمنا الهرب من أنفاس كريهة، رغم أننا إلبسنا براز الخوف الذي صاغوه لنا أساور في رقاب ومعاصم... أضعناك يا وطن ونحن في كل يوم نغني موطني.. أضعناك كلما نظرت الى رايتك وهي ممزقة مهملة فوق أبنية الحكام...أضعناك عندما وثقنا أننا قوم حضارة لا جاهلية... كأنها لعنة منينا بها بخيزنا القديم وعارنا الذي نلبس ونجدد... أعدك يا وطني بأني سأخرس الى الأبد.. سأقطع لسان الوعي والحقيقة.. سأبرم صفقة مع الشياطين الجدد بأني لا أنوي أن اخربش على جدران مصقولة وزجاج معتم.. أعدهم بأن أكون من حثالات هذا الوطن الكبير الذي يؤمن من فيه بالخزعبلات... أعدهم بأ اكون حافيا جديدا مؤمنا بكل شرائع الدستور، أعدهم بأني لا أفكر ابدا، بل سأمزق صفحة المعاهدة سأكتب عبارة واحدة... ربي إجعل هذا الوطن غير آمنا وامنع عنه الخيرات.. خذ منه كل شيء فقد دع له مسمار جحا كي يقدسه ويزوره في كل عام يدور حوله يمسك به يقبله رغم الصدأ الذي مني به بعد ان تحول الى السواد وهو يواكب تغييرات موسمية سحقت عبارات المعاهدة ولا أنسى ابدا ان من هزم الباطل أرَضَة حافية.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي