صحيفة المثقفوصلتها الدعوة الكترونيا، كانت في وضوح الشمس المكان والوقت كلاهما في غاية الوضوح. غير إن السبب لم يحدد وكذلك المناسبة. ما كان لها الا أن تلتزم إن لم يكن لشيء فللكشف عن ماهية الداعي وعن سبب دعوته لها. لذا اصرت على الكشف ومضت بلا تردد الى مكان الدعوة في الزمن المطلوب وقد نسخت العنوان على قصاصة ورق بيضاء كي لا تنسى ولا تغفل عن بعض التفاصيل والتي يمكن أن تضل بدونها. تأهبت لمفاجأة من نوع ما، ودت لو كانت المفاجأة رائعة وغريبة لتهز تمثال الحجر الذي أمست عليه مشاعرها وجسدها المحنط بلا واجهة للعرض ولا متحف. وما أن وصلت وتيقنت من صحة العنوان حتى رأت أن لا أحد في استقبالها وبينما وضعت أصبعها لتضغط الجرس الجميل والكبير على جانب الباب الأيمن لاحظت صرير الباب الموارب. بعد دقائق انتظار بدا إن الباب تكلمها وتقول: ادخلي. امتثلت للأمر ودخلت على وجل وجدت في قبالتها ممران طويلان ودلفت مذهولة حيث لا نأمة ولا صوت يدل على حي في ذلكم البناء تقدمت في أيمن الممرين فلم تجد غير الجدران الا أبوابا تتشابه حجما وشكلا وقد صنعت كلها من مادة واحدة في ارتفاع معين وعرض واحد ، لم تكن أيما إشارة على اي منها تميزها وتدل على ما فيها تقدمت أكثر لتر الأمر يتكرر على منوال واحد فكرت أية باب تطرق لا تدري، وأخيرا استقر رأيها على أن تطرق أقرب باب اليها وتقدم نفسها آنذاك ربما ستحصل على جواب يحدد من طلبها أو يدلها عليه. انتظرت هنيهة غير إن الباب أصر على صموده فلم يتحرك مطلقا لذا كررت الطرق بظاهر كفها فلم يستجب أحد وهنا زمت شفتيها وفتحت الباب على أخره، كانت في مواجهتها منضدة مكتبية فاخرة خلفها كرسي مريح وبجانب المنضدة كرسي آخر وعلى جدار جانبي بضعة رفوف شاغرة أحست بفراغ هائل في معدتها تجاوبا مع خلو الغرفة من أية دلالة على الحياة لذا انسحبت مسرعة وهي تعلم أن لا أحد ليجيبها عن تساؤلها ولا ليدلها على من طلب مقابلتها. وهنا كان عليها أن تختار بابا آخر تلجه بعد طرقه غير إن الأمر تكرر على نفس الوتيرة مرة ومرتين وأكثر. ومن هنا توصلت الى إن عليها أن تطرق كل الأبواب وتلجها بلا تفويت باب واحد هذا وقد تلبسها نوع من الخشية تحولت بالتدريج الى خوف ثم الى فزع يرافقه فراغ في الجوف جعلها تنحني مثل سنبلة مثقلة تنتظر الحصاد. وهي في انغمارها في فتح الأبواب ومن ثم في إغلاقها فجأة انتبهت الى الممر ولاحظت انحناء بسيطا مستمرا في جدرانه وفي أرضه وأخذ شكل البلاط عند اتصاله بالجدران يختلف وبعد عدة أبواب أُخرى عاد الى الانتظام من جديد بخطوط بينة واضحة. عرفت تلقائيا إنها الآن في الممر الآخر... وانتظرت لعل تغييرا يطرأ على الأمر ولعل غرف هذا الجانب تنطق لتخبرها عن الدعوة التي تلقتها والداعي الأصم والأخرس والغامض الذي جاء بها الى هذا الهيكل المنسي والغارق في علامة استفهام كبيرة حيث لا طائل من وجوده فهو والعدم سيان وعلى خط واحد. صمدت للتعب الذي اعتراها والفزع الذي أربك جوانب صدرها واستوطن عقلها بلا جدوى حيث إن الغرف الأُخرى لم تختلف عن مثيلاتها في الممر الأول غير إن حمى من نوع ما ظلت تلازمها وهي تهرع من باب لآخر لتتلقى نتيجة واحدة لا وجه ثان لها. لم تكف ولم تتوقف حتى أتت على كل الأبواب التي سلمتها أخيرا الى باب الخروج وهي منهكة جسداً يمتصها الهلع وقد نبتت في دماغها شجرة معمرة من الاستغراب والوحشة كأنها خرجت توا من مقبرة بليدة في صحراء مجهولة مقبرة لا تسكنها الجثث.

***

سمية العبيدي / بغداد

 

عبد الستار نورعليإلى الكبيرة (الزهرة رميج):

للأسوار وأخداديها حكايةٌ:

الفتى المغربيُّ الذي امتطى صهوةَ الشمسِ..

والنارِ في الأخاديدِ،

ألقى عصاهُ ينابيعَ حبٍّ، وماءَ عينٍ،

وضوعَ زهرةْ.

**

أنا المشرقيُّ الذي امتطى صهوةَ الريحِ، هبَّتْ

في ليالي الشرقِ/ ألفَ ليلةٍ وليلةْ....

والليالي التي عانقَتْ قمرَ المغربِ..

مُشرِقاً

في ليالي الأندلسِ،

ونامَ على صوتِ (بهيجةَ بنتِ إدريسَ) صادحاً:

"حبيبي تعالَ تجدْ منزلاً...."

فجئتُ....

وجدْتُ منزلي على (جبلِ طارقٍ)

يومَ نشرَتِ السفنُ قِلاعَها،

فأمسى البحرُ ورائي زورقاً

منْ دخانْ.

**

أنا المشرقيُّ

أداوي جروحي بإكسيرِ (سَبتةَ)..

و(مَليلةُ) جواري،

سفني أبحرَتْ،

وأناخَتْ بحِمْلِها في الأخاديدِ..

ذاتِ الفضاءِ الرغيدِ..

ينابيعَ منْ أحرفٍ..

خطّتِ السورَ أبوابَ مُشرَعةً

دخلْتُها باباً.... فباباً...،

وخلفي خيولٌ منَ الكواكبِ مُثقَلَةً..

بالأحاديثِ:

"هذه ليلتي وحلمُ زماني"..

و(عزوزةُ) حملَتْ أثقالها..

صخرةً ... صخرةً....

ثمَّ أنبتَتْ شجرَ التينِ والزيتونِ..

وأخاديدَ منْ عشقِها،

أثمرَتْ دوانيَ القطوفِ،

قطفْتُ....

فكنْتُ الذي مثلَ نهرٍ جرى..

بين وديانِ قلبها،

انتشيتُ كروماً..

خمرةً منْ حكايةٍ أرعشتْني.

**

هي (الزهرةُ) أطلقَتْ..

أوراقَها خضراءَ وحمراءَ..

فارتمتْ..

روايةً منْ حصادِ الحقولِ..

وشمعةً تحترقْ،

تطردُ الظلامَ عن السهولِ،

عنِ العيونِ،

فتولّي الأسوارُ أدبارَها..

كتابَ هزيمةٍ..

حينَ فكّتْ (الزهرةُ) اللغزَ..

في الأخاديدِ..

ذاتِ النارِ والوَقودِ....

***

عبد الستار نورعلي

السبت 21 سبتمبر 2019

...........................

* (أخاديد النار) و(عزوزة) روايتان للروائية المغربية الكبيرة (الزهرة رميج)

وقد نشرت الروائية على صفحتها في الفيسبوك خبر نشر القصيدة في صحيفة (العلم) الورقية المغربية، مع تقديم لها قائلةً:

"في الملحق الثقافي لجريدة العلم ليوم الخميس 24 اكتوبر 2019، نشرت هذه القصيدة المعنونة ب "أسوار واخاديد" للشاعر العراقي الكبير عبد الستار نور علي . وهي قصيدة نظمها يوم 21 شتنبر 2019، وبعثها الي في اليوم الموالي اي يوم 22 شتنبر . وقد استلهمها من روايتي "أخاديد الأسوار" و"عزوزة"، كما استلهم رموزا فنية وتاريخية مغربية.

كانت سعادتي كبيرة بهذه القصيدة، وكان بودي ان أنشرها آنذاك، لكن الشاعر أرادها أن تنشر في منبر ورقي لتكون هديته للقراء المغاربة من خلال تكريمه لكاتبة مغربية يعتبرها "كبيرة" تكتب لهم وعنهم. وامتنع عن نشرها في العراق قبل نشرها في المغرب.

لا أجد الكلمات المناسبة ولا القادرة على التعبير عن امتناني العظيم لهذا الشاعر المتميز الذي مذ عرفته في دروب وهو يغمرني بتقديره ويضعني في مكانة عالية للغاية حتى وأنا في بداياتي، إذ أهداني قصيدة رائعة سنة 2006 نشرها في موقع دروب، واحتفى بها القراء آنذاك، أيما احتفاء.

ألف شكر لك ايها الشاعر الإنساني العميق، المحب للإنسان والمدافع عن قيم الخير والجمال.

والشكر موصول للأخ العزيز الأستاذ محمد بشكار على نشره لهذه القصيدة واحتفائه بها على مستوى الإخراج والحيز الفضائي. "

https://www.facebook.com/search/top/?q=zohra%20ramij&epa=SEARCH_BOX

 

صحيفة المثقفلرفيقي الذي علمني كيف اكون

هنا مر يحمل اشياءه والشجون

هنا قال : اني ارتديت بلادي قمصياً

وطرزته من بقايا السجون

هنا اغلق العين خوف الرصاص

ولكنه فتح القلب حتى يكون

فزف الى مجده ثائرا

**

تصورت مشيته

بهاء التألق

غاز

وحشرجة

حين قال انتقلنا

فمن يرفد القادمين؟

تذكرت مشيه

يدندن هبوا ضحايا الاضطهاد

ويخرج من جيبه اللافته

يصمت حين يكون الكلام من اللافته

فتغرق جبهته بالدماء

تذكرت مشيته

وسرت امينا بدون انتهاء

اتابع خطوته القادمه

على لوحة القبر

أرسم طيفا بلون السلام

***

ناصر الثعالبي

 

سوف عبيدشَفتاهَا قَطفُ وَرْدٍ شَـفَتـاهَا

شَفَتاهَا رَشْحُ شَهدٍ شَفتـاهَا

 

اَلْحَلاواتُ جميعًا مِنْ ثِــمَارٍ

وغِلالٍ أَعذبُها شَفـتـــاهَـــا

 

وإذا ما اِبتسمتْ تلكَ شُمُوسٌ

أشرقتْ مِن سَناهَا شَفتاهَــــا

 

فإذا الكونُ سلامٌ وجَـمـــالٌ

وفَراشــاتُ رَبيعٍ شَفتـاهَــا

 

ذَاكَ ثغرٌ مِثْلُ رَشْفٍ مِنْ كُرُومٍ

فَعَصَرْناهَا عَصيرًا شفتاهَـــــا

**

سُوف عبيد ـ تونس

 

شوقي مسلمانيليس

ما ضاعَ

كلُّه ضاع.

**

شجرةٌ

في مسافة

قميصُها الأخضر

لكفيف يبحثُ عن نظر.

**

"قتيلات

خفيضاتُ الصوت".

**

البيتُ الذي ليس فيه بيت

القلبُ الذي ليس فيه قلب

الوجهُ الذي لا وجه له

الرأسُ الذي لا رأس فيه

والمكانُ الشائك

ومؤسف.

**

ومساحاتٌ يستردُّها البحرُ

خرجَ البحرُ ليحيا في بحرٍ آخر.

**

اليدُ التي تصنعُ الدخولَ والخروج

أوّلُ الأثرِ وامّحاؤه، يجب أن يعرفَ

يتماوجُ في الماءِ جرادٌ، خناجر، ظهورٌ مكسورة

عالمٌ في كلِّ عالَم، وفي الداخلِ في بطنِ "في"

فوضى هو الطقسُ، فيه مِنْ كلِّ ناحية

أوحى بالسيفِ. الضوءُ قليلٌ

حاجزٌ خلفَ كلِّ حاجزٍ

أمّهاتٌ وحدهن

لم يغادر شيئاً إلاّ وانقلب إليه

السؤالُ لم يصل، الأملُ قليل

أضاءَ ولا يزال في عتمة

تسلّلَ منكَ إليكَ، كلّه سمٌّ

فيه أمكنة عليها الرملُ يتراكم

يقول كلّما لا يصل

مرّاتٍ هو عين الصورة الحقيقيّةُ

الصبرُ الحكيمُ رأسُ الحكمة.

**

ثمّ اشتعلتِ الحربُ

استبسلَ أيّما استبسال

مهمّةُ أخينا أن يشيلَ

خلل الغاباتِ البكرِ

والأوديةِ السحيقةِ

خلل الممرّاتِ الضيّقةِ

عندَ أكتافِ الجبالِ الشاهقةِ

إلى خطوطِ النارِ الأماميّة

ويرجعُ بالمحمومين والجرحى أو القتلى

ترقّى مِنْ شيّالٍ إلى عتّال

فإلى حمّال

لكنْ في آن يحظى، والحقّ يُقال

بمكتسبات جديدة

مثالاً كان يقتات ممّا ينجم

صارت له مائدة

كان يستحمّ تحت وابلِ المطر

أو فيما هو يخوض مجرى نهر

صار له معاون يحمّمُه بالماءِ الدافئ

ينشّفُه، يعطّره

والمُحال أن يستقرَّ الحالُ

طالتِ الحربُ

ما كان عمليّةً بسيطة

صار عمليّةً معقّدة

فيها حياة أو موت

أصابَ الشحُّ أصلَ الموارد

أصابَه التقنين

حتى أتى على كلّ مكتسباته

طالَ أمدُ الحربِ أكثر وأكثر

ساءتْ أخلاقُ الجنودِ أكثر

رآهم يفتكون بأسرى

يغيرون على قرى

شبيهة بأعشاشِ عصفور الدوري

يضرمون النيرانَ فيها

ويلقون لأسنانِ البورانا عيوناً

ولم يعفّوا عنه

كانوا يقولون له: "تقدّمْ"

صاروا يقولون له: "حا"

كانوا يقولون له: "قفْ"

صاروا يقولون له: "هشّ"

طلبَ الجنرالُ مزيداً مِنَ القوّاتِ والمعدّاتِ

امّحتْ مطارحُ كثيرة عن الخريطة

لا ليس الهدفُ حقول الموزِ

بل الهدف  تنصيب الديمقراطيّةِ ملِكة

الحضارة يجب أن تنتصرَ على الهمجيّةِ

خلقٌ كثيرٌ ماتوا

وعلى الرغم لم ينكسر ظهرُ المقاومة الموزيّة

وقعتْ عينُ الحاصودِ على الحمّال

هما وجهاً لوجه

ولم يقدر الحاصود عليه

لا يستطيع الحاصودُ أخيراً

أن يحصدَ أكثر ممّا يستطيع

أصابَه مسٌّ

أقسمَ أنّه لن يهدأ ولن يهنأ

حتى يرى الحمّالَ صريعاً

كمنَ له تحت حجرٍ

في ممرٍّ ضيّقٍ

عند أعلى جبلٍ شاهق

داسَ الحمّالُ على الحجر

انهزل الحجر

ليتعثّرَ

ولكن لم يسقطَ في الوادي

أرشدَ المقاومةَ إلى حيث الحمّال

قصفوه بالكاتيوشا

امّحى كلُّ مَنْ كان معه

هو وحده نجا

همسَ الحاصودُ لذبابةٍ

معتمِداً الحرب النفسيّة الخطيرة

طالباً أن تقوم عندَ أذن الحمّال

وإلاّ سينزع روحَها

وأوحى للحمّالِ المُنهَك

أنَّ هذا الطنين هو هدير صاروخ

مزوَّد بمعلومات

ألاّ ينفجر إلاّ وهو في داخل رأسِ الحمّال

داخلاً إليه مِنْ طريقِ إحدى أذنيه

وأُصيبَ الحمّالُ بصعقة

ولم يمت

وزّعتِ المقاومةُ أخيراً منشوراً

تستغربُ أن تكون الديمقراطيّة

تعني حقّ الذئبِ أن يفلتَ بين الحملان

وأصرّت على المقاومة

حتى دحرِ آخرِ فلولِ الغزو

بدأتْ قلاعُ الغزاة تتهاوى

أخيراً لم يبقَ

إلاّ سطح مغارة

حطّتْ عليه مروحيّة

بانهماكٍ أو بارتباك

وفرّتْ بما حملتْ

فيما حبلٌ

ي

ت

د

لّ

ى

يتعنزقُ به الحمّال ذاته

رجع إلى ديرته

ناجياً بروحِه

ولكنْ ليس بكلّ عقلِه.

**

وطالما سمعتُه يقول

"الواقعَ أغرب مِنَ الخيالِ"

الزحمةَ غير صحيّة، العقلُ يدرِكُ العقلَ

ما انقطعَ يتّصل

ولكن ليس بعد فوات الأوان.

**

أنا في المحلّ والمحلّ أنا

المحوَرُ مائل والأرضُ تدور.

***

محور مائل (5)

شوقي مسلماني

 

 

جمال امحاولما أُحيْلاكِ في الذكرَى...

يومٌ فاضَ نعيمُه،

برونق مساء تهِ، في ضبابٍ رومانسيّ..

حيث تجتمعُ صبايا الخُدورْ،

ليستعجلن الرحيلَ إلى الكرَى...

منحتُك نبذةً من روحي،

فلْتبحري أيتها الغادةُ في بطن الزجَرْ..

تلتمسين الحنين،

من قلب الزورق المكسّر..

في أحضانِ الرمالْ.

تكسر توًّا بلعمُ الحياء،

فوق كلمةِ الزجلْ...

فلْتكن قاتلتي بالحُبِّ

في عين الغزالْ...

تركضُ حياءًا،في بحبوحةِ القمرْ...

تجلسُ في ركنٍ متلألئٍ

شُيّد يومَ ابْتُليَتِ الكائناتُ المِجهريةُ، في سحرها

العاكفِ على نخرِ عود الشجرْ...

يومَ علتْ عذراواتٌ

من جُزرِ المدارْ...

ليسقطْن في ليلِ هُوّاةِ السمر...

لا يعشقنَ سوى

قُبة الصور...

ما شاءتْ هذه الأنفسُ

أنْ تُبقي أو تذرْ...

هذه الروحُ الرابضة،ُ

تأبى الإبحارْ...

في سدرة

التناهي والاندثار…

***

جمال امحاول

 

سلوى فرحتَلِدُ رَذَاذاً..

يَنْهَالُ زَهْرُ اللَّوْزِ

عَلَى عُنقِ اللَّيْلِ

**

الفَرَاشَاتُ عَشِقَتْ قَمَراً

صَرْخَةٌ حُلُمٌ

تَوَرَّدَ في نَبْضِي

**

نَسِيمٌ ثَمِلٌ

يُشْعِلُ الرَّمَادَ

زِلْزَالٌ يَخْتَالُ بِوَقْتِي

رِيحٌ تغزلُ شِرْيَانِي قِيثَارَةً

**

اِسْتَوْقَفَنِي لَحْظُكَ

اِغْتَالَنِي وَمْضُكَ

يـاااااااغَيثاً يَرِقُّ لهُ الصَّخْرُ

أَعْشَقُكَ حُراً

اِنْهَمِرْ وَطَنَاً

**

مَا بَيْنَ شَغَافِي وَالحَنِينِ

بَيْنَ القَطْرَةِ والقَطْرَةِ

رَفْرِفْ مُسْتَحِيلاً

***

سلوى فرح

 

 

خيرة مباركيكمؤذن برئة  الفجر

يشاكس حرائق السّماء

وبحمّى المساء

تطفئ زمنك بشهوة الفصول

هذه وعودك الثكلى

أسجّيها على صراط الآآآآآآآه

غيمة .. غيمة

حسبتُكَ ترياقي بحبر قصائدي

 لكنك تاريخٌ جديدٌ في سجلات الرّاحلين

اصطفيتُك خصبَ كثرةٍ في دمي

ولحنُ الليل يحملك نخبَ هوى

نافلة في حمية الأرصفة المتغيرة

تركع في سجاد ملعثم الدعاء

تقضمه الأوردة الحالمة بحُنوّ النهر..

ما كنت واهمة بجنون التفاحة

وبتول النرجس تتوضّأ بِبَرَدي ..

تشدو بجمارك شهقة مباغتة، اغتابها المارّون

بجنتي العاصية

يا لفجري الذي خانه الرهبان؟!!

 يا لذكراك وأنتَ تفطمني بصدى لحظاتك النيّئة

ستتهاوى تحت أقدام القوارير ..

بعد ليلة هامسة ..!!

تلعق الأمل البعيد  بنأيي..

فهذه ليلتي أنعيها للريح

وأهاجسُ الرّصيفَ بالوداع .

***

خيرة مباركي. تونس

من ديوان مخاض الأشرعة

 

جميلة بلطي عطريفي الساحات العامرة

يتوسد الليل كتف النهار

تعتلي العنادل ظهر الخمائل

تدون بالصوت الأهازيج الثائرة

يضج في حنجرة البقاء هتاف

تلتف اليد باليد

تطل من الأفق البعيد أطياف

أولئك على ضفة النهر الغامر

يضخون ريح الجدود

يزرعون في كل قلب بذرة من صمود

والجموع في الساحة العامرة

تغني...تهزج باسمك يا عراق

عراق

عراق

لا شيء فيك يوقف توالي الفصول

لا قانون يكبح إطلالة الشمس

أو يأمر القمر بالأفول

في سهلك تنبت بذور الحياة

ترفع في وجه الخريف الجاحد كمشة خضرة

تطوقه بسنابل مثقلات

ربيبة دجلة والفرات

يشتد غيضه

يكور جمعه

يضرب ...يضرب

والثرى يستقبل هطل الخير

يزوق أرضك يا عراق

في حضنك يزهر اللوز

يمد النخيل أعناقه الباسقة

يبتسم للضفاف

وتهتف بغداد الحضارة

كفى ...انتهى

عدت أنا الغيداء

عدت يا شموخ الكون

يا سيدا يطوي دهور البين

عدنا...انت وانا

ورود على خدود الصبايا

ابتسامة نصر في شفاه البرايا

ها شمسك تشرق على غير عادة

ترسم في كل شبر من ثراك شعار السيادة

تقبل صبحك يا عراق.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي - تونس

 

هناء مهتابأمضي ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼﻤﺖِ ﻭﺍﻟﺨﺮﻳﻒِ

ﻏﺰﻝٌ ﻳُمشّطُ ﺃﺳﺌﻠﺘﻲ ﺇﻥ ﺣﻴﺮّﻧﻲ ﺍﻟﺠﻮﺍﺏُ ..

وعينان تغترفان الرقة

لهما ﺍﻟﻤﺠﺪُ  ﻭلهما ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻭﺍﻟﺒﺮﺍﺀﺓُ

لهما ﻓﺤﻴﺢُ ﺍﻟﺠﻮﺍﺭﺡِ  ﻭﻃﻌﻢُ ﺍﻟﺸﺮﻭﻕِ - ﺇﻥ أﻭﻗﻔﻮﺍ ﺍﻷﺭﺽَ ﻭﺑﻬﺎ ﺩﺍﺭﻭﺍ

لهما ﺍﻟﺠﺪﺍﺋﻞُ إﻥ ﻃﻮﻗﺘﻨﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻲ  ﻭﺍﻟﻘﻮﺍﻓﻲ

 ﻭاستباحتني ﺍﻟﻜﻮﺍﻣﻦُ

لهما ﺗﺠﻠﻴﺎﺕُ ﺧﺸﻮﻋﻲ ﺍﻟﻤﺼﻠﻮﺑﺔُ ﻋﻠﻰ ﺃﻓﻮﺍﻩِ ﺟﻮﻋﻲ

ﻭﻏﺮﺑﺔٌٌ ﺗﻨﻄﻠﻖُ ﻣﻦ ﻣﺪﺍﻓﻊِ ﺭﺳﻮﺑﻲ

لهما ﻣﺮﺍﺳﻢُ ﻋﺒﻮﺭٍ ﻭﺍﻧﺪﺛﺎﺭٍ  ﻭﺍﻧﺼﻬﺎﺭ

هما ﺍﻟﻘﺼﻴﺪﺓُ ﻭﺍﻟﻨﺒﻊُ ﻭﺩﻣﻌﺔٌ ﺷﻨﻘﺖ نفسَها ﻋﻠﻰ ﺣﺎﻓﺔِ ﺍﻟﻬﺪﺏ

هما ﺍﻟﻔﻮﺍﺻﻞُ ﻭﺍﻟﺮﻭﺍﺳﺐُ ﻭﻗﻄﻮﻑُ ﺍﻟﻌﻨﺐ  ﻋﻨﺪ ﺑﺰﻭﻍِ ﺍﻟﻨﺠﻢ .

هما ﺍﻟﻠﻴﺎﻟﻲ ﺍﻟﺮﺍﻗﺼﺔُ ﻋﻠﻰ ﺃﻃﻼﻝِ ﺍﻟﺼﺨﺮِ .. ﺗﺸﻖُّ ﺍﻟﺼﺪﺭَ

ﻭﺗﺰﺭﻉُ ﺍﻟﻔﺼﻞَ ﺗﻠﻮ ﺍﻟﻔﺼﻞ

تترقبان ﺍﻟﻔﺠﺮَ ﻭﻟﺤﻦَ ﺍﻟﺮﻣﻞ

 ﻭﺷﺪﻭَ ﺍﻟﻴﺎﺳﻤﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﺧﺪِّ ﻃﻔﻠﺔٍ آمنت أخيراً

ﺑﺼﺮﺍعِها ﻣﻊ ﺍﻟﻘﺪﺭ  ﻭﺃﻥّ ﺍﻟﺼﻘﻴﻊَ  ﻟﻴﺲ ﻧﻬﺎﻳﺔَ ﺍﻟﻌﻤﺮ ......

***

هناء مهتاب

من مجموعة هدنة مع الروح

 

 

نور الدين صموديضيق المقالْ

بكل مجالْ

إذا هو طالْ

فقلْ ما يُقالْ

وعشْ في الخيالْ

**2**

إذا حاصَرَ النوْمُ عيْني

بليل الشتاءْ

فلا تتركنـِّي

وحيدا أراودُ جفني

على النوم حينا،

إذا ما بدا طيلسانُ الدُّجَى

على الليل داكنْ

وحينا أراودُ جفني

على الصحْو، لكنْ

أرى الطرفَ في السقف يرنو

إلى كل ما كان أحمرَ قانٍ وأسود داكنْ

ويسعَى بيَ الوهمُ نحو بعيد الأماكنْ

ويمضي خيالي يحرك في السقف ما كان ساكنْ

فأبـْـصرُ صقرًا وبطـًّا وزُمّجَ ماءْ

وأُبصرُ قِرشـًا

يسوق قطيع الدلافينَ إذ تمخر الموج نافرة من نيوب القروشْ

كما يهرب الطفل في الحرب من هجمات الجيوشْ

ومثل الأيائلِ فوق صخور الجبال

تحاذر من هجمات الوحوشْ

وأبصرها تتسابق وهي تكاد تطيرْ

وتسبق سرب النوارس في البحر يرسل في الموج أقوى هديرْ

وأُوشِكُ أُبصرُ في السقف جيشـَا

وأُغـْمِضُ طـَرْفي

وأرفع في الأفـْـقِ كفي

وأفتحُ عينَ خيالي

فأبصرُ ما لا تراه العيونْ

إذا ما فتحتُ الجفونْ.

**3**

وكانت، تنامُ بـقـُرْبيَ أمّي

إذا ضمني في الشتاء الفِراشْ

تـُعيد عليَّ الحكايا التي طالمَا رددتـْها

على مسمعي في ليالي الصقيعْ

ولكنّ نومي

يُهاجم عيْنـي

قـُبَـيْلْ ابتداء الحكايهْ

ولكنَّ أمي،

تحس لاحظُ  ُب نومي،

وتمضي  تقصُّ عليَّ الحكايهْ

من البدء حتى النهاية

 **4**

وفي كل ليلهْ

تعيد على مسْمعيَّ الخرافهْ

ولكنني منذ أسمع منها البدايهْ

أنام وأ ُسْلِمُ للنوم عيني

وأغمِضُ جفني

ويغمُرني الدفء في حضنه

وينسَى الفتى، وهو مَن كنتـُه،

جميعَ الذي كان في ذِهـنِـِه

من القصة الناقصهْ

وظـَلـّتْ طوال الليالي تضيعُ بذهني

(كما ضاع عِـقـْدٌ على خالصهْ)

فهل (ضاع شعري على بابكم؟)

(كما ضاع عِقدٌ على خالصهْ؟)

وهل (هُمزتْ عينُ (ضاعَ فضاءَ)

وأغرقَ في النور كل الفضاءْ

وبالشعر و(العِقـْدِ) للأعيُنِ الفاحصَهْ

رأينا (ابنَ هاني)

بَديع المعاني

غريبَ المباني

منَ الـْهجو للمدح يقلب أجلـَى المعاني

من الضد للضد دون توان ِ

ويمضي زماني ِ

ويُفنيه كـَـرُّ الثواني.

**5**

ولمّا كبُرتُ

ومثل الرجال

غدوتُ

وفي غفلة من زماني

غدوْتُ

أبا، لم أجدني

حفظتُ

عن الأم أيَّ حكايه

أُ ُنـِيمُ بها في ليالي الشتاءْ الصغارْ

فصرْتُ

أُأَلـِّف أغرب ما يستطيبُ الصغارْ

وأرتجل القصص الساحرات التي تستثير الخيالْ

فأزعم أني

على جبلٍ قد صعَدتُ

ولم أدر كيف

وقعتَ

بمنحَدَرٍ ما له من قرار ُ

ولم ألـْق فيه سبيل الفِــرارْ

فرُحتُ

على رمل ذاك المكان الخطير

أُصَوِّرُ نـَسْــرًا كبيرْ

وأرسمه فوق رمل وثيرْ

وقلتُ له: في السماء انطلق بي

وحلق وراء الغـَمامْ

فطار بيَ النَّسْرُ ذاك الذي فوق تلك الرمال

رسمتُ

وأبصرتُ شمسًا وبدرًا منيرا

وجيشَ نجــومْ

وأبصرتُ درب الحليبْ

ونهر المَجَـرّةِ حيث تعومْ

حِسانُ العذارى

من الحوريات يجئن حيارى

بأجنحة مثل سِـرْب الحُبارَى

و في بـِرَكٍ كاللآلي

أراهُـنُّ يسْـبحن في صدف البحر مثل السمكْ

فألقي على أجمل الحوريات الشبكْ

وفي صيد كل الجميلات لا أرتبكْ

وذاك لأني

أمام الصِغار

وجدتُ

بأن جميع الحكايا التي، في الصبا قد حسبتُ

بأني سمعتُ

ولكنْ محاها منَ الذهن نومي

فـسلمت كل الصغار

إلى سلطة النلفزهْ

ولم أرَ في مَا رأوه بها من حكايا سِوَى النرفوهْ

وأدركتُ أن السنين التي بيننا

دعتني

لترك الشراع

بكف سوايْ

وأصبحت تلميذ بعض الصغارْ

بكل الذي في الحواسيب أو في الهواتفْ

فقد أصبحتْ لعبة في أكفِّ الصغارْ

وصرنا صغارا أمام الصغارْ

وحين أتى الهاتف المتنقل

علمتُ

بأني له أجهلُ

ورحتُ

لأطفال أبنائنا أسألُ

ورددتُ ما قاله المتنبي الذي ملأ الكون شعرًا

وبالشعر قد شغل الناس شرقا وغربَـا

فقد كان في عالم الشعر ربَّا:

(أتى ذا الزمانَ بَـنـُوهُ بوقت الشباب

فسَرَّ بَنِــيه وأشمت فينا العِدى في الكِبَرْ

***

نورالدين صمود

قليبية أكتوبر 2019

 

سردار محمد سعيدالبارحة رأيت في يمين النصب "جواد" يلوّح للثواروهو يمتطي فرساً يمخر الفضاء تلقاء جزائر النور.

وحبيبتي تتعرى أمام مرايا الماء

تمزّق ما خصفت من ورق الجنة

 المرأة البرونزيّة مازالت تحتضن الجدث البارد

هدهديه بأنفاسك الحارة لينام مبتسماً

إشربي من فمه كأس الحياة

إلعقي رحيق العسل

 أنامل "جواد"* السحريّة مضرجة بالحب

خفف الوطء أيها النحاس يكاد المرمر يتصدع

نظراتها الذائبة خلف الأفق

تطوف حولها الملائكة تفتح عيون الفقراء على أرغفة الخبزالمنمشة بنقاط بنية اللون

أغصان شجرة الخلود تؤجج الجمر الخامد

قمر كبيرأخضر يطل بعد رقاد طويل

وأنا به ذائب مستمتع جاءت تطوف علي بجسد من فضة

لتدخل كالهواء رئتي

ليتغشى الوهم بؤبؤي

تنحي عني ، لن أتبعثر ثانية

أعوم في رطيب الأهات

أتعبني التمرغ في الخصور الأفعوانيّة

ومهما تلوى خصرك النحيل لن يداني التواءات رقبة الفرس في الحافة اليمنى ولا خوار البقرة ذات الضرع الكبيريساراً

كل الأجساد هنا عارية

لا شية فيها

لن أنغمس في ظلمة كوكبك

وعواصفه العاتية

قبلاتك المتوحشة

وانفاسك الحنظليّة

ويبقى الفرس يصهل ليُسمع من في أذنه صمم

***

سردار محمد سعيد

أربيل " أربائيلو "

....................

* جواد هو النحات والتشكيلي خالد الذكر جواد سليم

 

قصي الشيخ عسكرقصص من أربع كلمات ومن سطر

مات البلبل خارج القفص.

لسانه لا يميز بين الحلو والمر.

ترك الثعلب ذيله وغادر الحقل.

أغمض عينيه لحظة يتأمل فبهره جمال الظلام ثم لم يجرؤ على فتحهما.

تساوى لديه الليل والنهار.

يصبح الطاووس ملك العالم وفي اخر لحظة يفقد ساقيه.

ظن النمل بالزنزانة صديقا.اخذ يعده.

يهش الحمار بذيله يتناسى السوط.

بالزنزانة ترك حقلا وخرج. (ترك اليوم بالزنزانة حائطا عامرا وخرج)

يبحث بقطرات المطر عن قطرة تشبه دمعة.

صمتت الحرب فنطق الموت.

هاجر السنونو للشمال ولم يعد.

**

من قصص اللمحة

غضب من لاشيء

فجاة

ذكر الأوز داهمني .بمنقاره قبض على قميصي ،فهربت منه بعيدا قلت لعله لون ملابسي اثاره في اليوم التالي قصدت البحيرة بثوب مختلف فاندفع نحوي  نفخ الهواء وارتجف كما فعل بالامس  فابتعدت قبل ان ينقر قميصي .ذلك جعلني ادمن الذهاب الى البحيرة كل يوم فأراه يختارني من بين المتفرجين  ينظر الي نظرات مبهمة ثم يرتجف ويزفِر الهواء ليداهمني فابتعد.أخذت أزور البحيرة كل يوم   لعلني اجد المكان يخلو ساعة ما  لاطبق   على عنقه.

**

خرافة

خذ كيسا كبيرا واذهب الى الجانب الاخر معك النهار املأ كيسك بالألماس والياقوت  لكن عد قبل المغرب  . احذر ان  يداهمك الظلام  قال ذلك الرجل الحكيم  وسكت اما الشاب فقد ذهب الى الجانب الاخر وبدآ يعبيء الكيس فَنَسِي نفسه وحين هبط الظلام  تحول الى تمثال من حجر !

طريقتان للموت

يدخل المحكوم بالإعدام صالةً  لها بابان  الاول خط عليه (الحكم ينفذ في الحال) اما على الباب الثاني فتجد مكتوبا  (الحكم يؤجل لوفت غير معلوم) فاذا كنت متشائما لا تحب  الحياة فيمكن ان تضغط على زر في الباب الاول فتصعق وتموت فورا اما اذا كنت متفائلا فيمكنك ان تدير مقبض الباب الثاني وبعد ان تدخل  بدقائق ينهال عليك وابل من الرصاص.

***

قُصي الشيخ عسكر

 

محمد ايت علوتدور الدوامة، تدور سريعا، فيتسلل الآن إلى فراشه، مخفيا رأسه تحت الوسادة، ليواري أرقه المحموم، كما لو أنه سيظل صاحيا مرة أخرى حتى الصباح. تتعمق المجاري في دواخله، إنه حي فقط، لكنه كما لو كان في بطن أمه، هو الذي لم يأخذ من الأيام الجميلة زاداً لليأس الجليد، يتمنى دوما أن يغفو طويلا ولا يصحو، وأن ينام أكثر مما يصحو، وكأن المحال يريد! كانت الذات تتفتق بين الإنعراج والإنعتاق، والنكسات والإنخدال والإنكسار والأحلام، والقبض على نار الحرف، كلما اكتسح الظلام مساءاته، ثم هو يرى صوراً، وأشباحا تتراقصُ جميعاً في بضعة أسطر، لكن حينما يريد أن يقبض عليها بين اليقضة والحلم لا يجد غير قبض الريح، وكان أحيانا حين يستيقظ  ليقضي حاجة، ويعود إلى فراشه الدافء، تكون الأسطر والصور قد راحت، فقد حاول القبض عليها بالكتابة، لذلك وضع يوما قلما وورقا تحت وسادته، لكن في النهاية لم يظفر إلا على رموز وخطوط متداخلة مائلة، لاتكاد تؤلف معنى يستوعبه، مثل حياته تماما. عشى ذات ليلة حتى التُّخمة، وكان همه أن يقف على صور طويلة لها معنى، لكنه لم ير شيئا، ومع ذلك فمازال قادرا على التفاؤل والمكابرة!؟ كان كل همه البحث عن صور لم يقبض عليها قابض، فالكتابة عنده تصير اكتشاف حياة أفضــل منقحة بالإبداع، الصراع كان لديه مع تركيب الكلمات، واصطناع الصور، هو يدرك أنه كيف يعيش ليس مثل كيف يحكي،كان ينسى عرقه الذي يتصبب من الصباح إلى المساء، يرى ملامح الوجوه والأحلام المؤجلة، يتفرسها، فلا يجد سوى موتى بلا قبور، وأنهم لم يحصدوا غير قبض الريح، ويحسب أن إركام الأفكار والعلامات وتتبع الخيالات والترهات، واصطياد اللحظات الهاربة، سيفتح المغاليق، ويغير قبح العالم!؟ ومرة أخرى يصحُو من جديد ليقبض على شيء، فلا يجد سوى الريح، لكنه مازال قادراً على التفاؤل والمكابرة!

يقف ويتجه نحو النافذة، تبدو القطرات كحبات اللؤلؤ تجذب القلب إليها وتخلق إحساسا بالحياة في النفس من جديد، لاتسمع إلاهزات الأرض الخفيفة تحت ثقل قطرات المطر، لا أحد يعكر صفو هذا السكون سوى بعض صـــور وجـوه، وأشباح وملامح من هذا الإجتماع الأخير، تنغرز أشواكا في قلبه، وهو واقف يتأمل المطر العجيب، انهب الإحساس بالحياة فـي دواخله، فرك عينيه، ثم عاد إلى الغرفة العائمة في العتمة، ثم إلى المطبخ، تستبد به الآن نشوة غامضة، وهو يعد قهوته السوداء، وبين الغرفة والمطبخ، تحضر وجوه وتختفي أخرى، فاتحا أبواب قلبه المنكسر، باحثا عن وجوه أدمن قرفها وخبثها، الصور تتلاحق اتباعا كشريط لا ينتهي، صار يستحضر في لحظة خاطفة شريطا من فتنــة الوجـوه والأمكنة، مُتَلذِّذا بقضم أظافره، وكأنه يرعى قطيع يومياته الهاربة.

.... أخيراً رفعت نظارتها الشمسية إلى أعلى الرأس، ووضعت نظارتها الطبية، كانت كضبية برية تفيض بالحيوية والأنوثة أخذت تحملق فيه مليا، أوعلى الأقل، هذا ما شعربه، هو الذي كان يبدو كمتفرج على هذه الجعجعة، أو ربما لما رأته شاردا في وجهها، حينما كان يتساءل عن الفرق بين الباب والوجه !والوجه والباب؟ وبدا أن كلاهما عنده سيان! وما الفرق!؟

الجلد سيترهل في بضع سنين، والزمان سيفعل فعله، مثل الحائط المتهدم هناك،كانت تتحدث كثيرا حينما أخذت الكلمة، كما لو تريد أن يعلم الجميع بأنها مدمنة بحث حتى النخاع، لكن من عساه يبالي، وكأنها تخاطب مجرد أغبياء، يرون ولايفهمون، ثم أخيرا ظهر رأس رجل لما فتح الباب قليلا، رمق الحاضرين بنصفه العلوي،لم يظهر غير الرأس الأقرع، وقال للحاضرين:ـ الفطور جاهز، ولكن قبل ذلك هناك سيارة بالخارج، ركنها أحدكم، تسد على أحد المسؤولين الطريق، فهبت ناهضة نحوالباب، عابثة بنظاراتها الطبية والشمسية معا، ومرة أخرى الإجتماعات هي الإجتماعات، والجعجعة هي الجعجعة لا تنتهي، وها هو يستحضر ذاته بعد المحاضرات، فلا يجد لها معنى يذكر، وها هي دروسه في الفصل ولا أحد يتابعها بحماس أواهتمام، لامن سائل، ولا من مجيب، هو يقوم بكل شيء، الملل والإجترار ولاأحد، حتى صار يكره ذاته ومهنته، ويدرك أنه يملك قدرة هائلة على التأقلم مع الحياة، كل الصنائع في ذات اليد، ولا صنعة، صار يكره كل شيء، فإلى أين أيتها الخيول الجامحة...؟

***

محمد آيت علو

 

 

حسن السالميشرشمان*

نطلبها في أعماق الصّحراء، حيث يبسط السّكون سلطانه. لحمها لذيذ شهيّ وقيل فيه شفاء للعلل. ولا يصيب أحدنا شبعته منها إلّا إذا اصطاد منها عشرا فما فوقها. تعشق الرّمل الطّريّ وتخزن نفسها فيه. تجري تحته كما تجري فوقه...

**

أصابته المسغبة منذ ثلاث، ولا رفيق له في العراء المذموم إلاّ إبل جفّ ضرعها. رأى بروزا تحت الرّمل فزغردت أمعاؤه ورقصت نفسه بين جوانحه. غرس كلتا يديه يروم اصطيادها، فما هو حتّى مزّق صراخه سكون الصّحراء... غمغم: إنّها النّهاية...

.....................

* الشرشمان ج شرشمانة: من سحالي الصّحراء، وتعرف أيضا بسمكة الرّمال.

***

عصفور غيّر حياتي

نصبت له فخّا وخنست أرقبه من بعيد.. ووجدتني أتبعه بنظراتي وأنا مبهور بريشه المغسول بالشّمس. فلمّا نطّ قريبا من الطُّعم قفز قلبي وراءه.. تحرّكت الدّودة فانقضّ عليها. حينئذ انتفض الرّمل والفخّ معا..

أخيرا ملكته...

بعد ساعة، وجدت مخالبه مغلولة إلى عنقه...

آه، صفعني ورحل.

**

ظلّ مشروخ

كلّما نظرت إلى ظلّي وجدتني أبلغ الجبال طولا.. وما زال ذلك حالي حتّى بتّ أنظر إلى غيري مجرّد حشرات وأقزام. ذات مرّة قذف القدر في طريقي أحدهم فثارت بيننا خصومة، وما دريت حتّى أشبعني ضربا، ولولا النّاس لأكلني بأسنانه..

بعد خسارات أخرى، حانت منّي التفاتة إلى المرآة، فوجدتني أصغر من بعوضة...

**

شهوة القتل

ما من هائمة تدبّ إلّا وتهزّني شهوة قتلها. ولا أذكرني تساءلت لماذا أقتلها ولم تمسسني بسوء؟

في فناء الحوش والقمر ينقِّبه الغمام، رأيت خنفسا فركلته بقدمي الحافية. طار عاليا وسقط في بقعة ظلّ.. قرّرت دعسه بكعبي العاري...

"يا حْلِيلِي على وْلِيدِي"

وتهرع إليّ أمّي شاهرة فردة حذائها وصرختي تخطف وجهها.. حينها كانت العقرب تتحرّك من الظّلّ إلى ضوء القمر...

**

المخاتلون

كلّما سجد نطح الأرض. وكلّما اختلى بنفسه حكّ الثّوم على جبينه. فلمّا طالت لحيته وهاجت قال: "الآن صرت تقيّا".

جاء طفله يجري وطرقات الباب تتعالى: "بَابَا، بَابَا، انْقُلَّهْ مَاشِك هْنَا!

 

بقلم: حسن سالمي

 

فالح الحجيةجَلَّ الإلهُ تَكامَلـــتْ أ وصــافُهُ

                  فيها المَحاسِن طيبُها يَتَوَسّـــمُ

فَرِحَ الفـُؤادُ بِزَهْوِ هِ عِنْدَ اللقا

                عِطرٌ يَـفوح ُ . أريجُهُ يَتَبَلْسَــم ٌ

أَعُطورُ وَرْدِكَ مِنْ رَحيقِ عَبيرِه ِ

               أمْ طيبُ روحِكَ بالشّذى يَتـَرنم؟

في كُـلِّ قَلـبٍ لِلحَياة ِ مَباهِجٌ

                   تَغْشاهُ في كلِّ الأمور ِ فَيَغـْنَمُ

أفَإ نْ غَـفوتَ وَفي عُيونِكَ ما يَفي

           فَانْهَضْ هَزيعَ الليلِ ، سوفَ تُنَعّـم ُ

وَافْتـَحْ فُؤاد َكَ لِلحَيــاةِ تُريحُهُ

                 وَاسْجُدْ لِرَبـِك خاشِعاً لا تَسْـأمُ

فَجَـمال ُ وَجْـه ِ الله ِ في نَفَـحاتِهِ

                  نـورٌ إلى نــورِ الهـِدايَةِ تـوأم

إن ضاقَ لَيـْل ٌ أو تَنَـفَّـس فَـجْـرُهُ

             أو ضاقَ في بَحْـر ِ الحَيـاةِ فَيُهْزَمُ

وَتَتابَعَـتْ كُلُّ الأمـورِ بِـفِـعْـلِها

                  بِتَأنُّـقٍ تَصْفـو الحَياةُ وَتُضْرَمُ

وِإذا بِنَـفْسِك َ أشْـرَقَت ْ أنـْوا رُها

                  وَتَرافَعَـتْ نَحو العَلا ءِ لِتُكْرَمُ

هذا صفاؤك في رحاب ســمائها

                 تَبْغي الرَجاءَ مِنَ الالـهِ فَتَغْـنَـمُ

وَعَبيرُ طيبِكَ في الزُهورِ تَأرَّجَتْ

                   تـِبـْرٌ يَـذوبُ وَلـونُهُ يَتَرَسَّــمُ

سَعْداً غَرَسْتَ النورَ في ألق ِالرِّضا

                    مُتَأنِّـقـاً بِـسَنى الحَياةِ وَتَسْلَمُ

فالشَمْس ُ يَشْرُقُ نورُهُا بِسَمائِنا

                       فَـبَهاؤُها بصَفـائهِا يَتَقَـوّمُ

إنْسانُ نورِ الحَقِّ في وَضَح ِالضُحى

               إنْســانُ عَيْـن الخَلَـق ِ فيما يَغْـنَمُ

يا نَفْسُ سيري في الحَياةِ برِفْعَـة ٍ

             ما تَألفـينَ مِـنَ الأمــورِ ا لأ قْــوَمُ

إنَّ النُفوسَ تَسامَحْت بِصَفائِها

            وَالخَيْرُ كُـل ّ الخّيْر ِ في ما تَحْسِـمُ

هذي الحَياة َعَـزيزَةٌ في سَمْـتِها

                 وَأعَــزُّ مِـنْهـا ما نَـراهُ سَيَقْدُ مُ

أشُواق ُ نَفْسي كَالبِحـار ِ تَزاخَرَت ْ

               وَتَصاعَدَتْ أمْــواجُــها تـَتَراطَمُ

زَمَنٌ سَما بالـنّاسِ يَشْرِقُ مَجْدُ هُ

                تَحْيا النُفوسُ تَعاسَــة ً او تُكْـرمُ

يَـشْــتاقُ قَلبي لِلِـحَيـاةِ تُنيرُهُ

               أنْها رُ نــورٍ كَالبِحـارِ وَتَخْـضُمُ

وَتَعانَقَتْ أصْداءُ قَـلْب ٍ وامِق ٍ

                  بِرَجائِهِ .يبْـغى المَـوَدَّة تَعْظَـمُ

أرْفِـقْ بِنـا يا رَبَّـنـا بِسَعادَ ةٍ

                      وَهَناءَةٍ نَحْيا بِهــا ما تَحْكُمُ

ما سا دَ أمْــرٌ أو تُـنــالُ حَـقيـقَـة ٌ

                    إلاّ مِن َ اللهِ الكَريـمِ سَيُحْسَمُ

                 ***

شعر: د. فالح الكيلاني

 

 

صادق السامرائيصِراطُ الحُكْمِ جَوْهَرُهُ اعْتدالُ

وإنَّ العقلَ زينتهُ اكْتِمـــــــالُ

 

ونفسُ المَرءِ منْ شرَرٍ وسُوءٍ

إذا انْطلقَتْ تولاّها انْعِضــالُ

 

وخَيْرُ الناس مَنْ يَسْعى لعَدْلٍ

فلا عَسَفٌ ولا قيــــــلٌ وقالُ

 

يُعالِجُهـــــا بتأليفٍ وَودٍّ

وتوْحيدٍ إذا برَزَ الهوالُ

 

لنا وطنٌ قهَرْناهُ بجَهْــلٍ

ونازلةٍ، وقد سَئِمَ القتالُ

 

لنا وطنٌ عَشِقنــاهُ ونَبْقى

كإخوانٍ إذا حقّ النزالُ

 

أرى كفًّـــا بإبْهامٍ تباهتْ

وأرْبعةً بما اخْتلفتْ تنالُ

 

سَبيكة شعْبنا مـزجُ اخْتلافٍ

وضُعفُ وجودِنا هذا الخَبالُ

 

هوَ التأريخُ يرْويها صَريحا

قواعدُ دينِنا نورٌ رِســــــالُ

 

وذا الفرقانُ مِنْ أحدٍ عَليمٍ

يُآصِرُنا فيَعْصِمُنا امْتثالُ

 

يُريدونا على بَعضٍ وكلٍّ

كأعداءٍ وقدْ كًسبوا وجالوا

 

فلسْنا مـــــن مَناسيل ابْتقالٍ

لنا شرفٌ حضاراتٌ سِجالُ

 

عراقيّون يجمَعُنا اعْتراقٌ

ومُشتركٌ وأيَّامٌ عِســـــالُ

 

فلا نخضعْ لغائلةِ المَنايـا

ولا نخنعْ فيدْهَمُنا الزوال

 

فقــــــــلْ نَحيا بأفئدةٍ تساقتْ

عَبيرَ الحبّ ، يَرفِدُها الجَمالُ

 

فلا يأسٌ ولا فرَقٌ وعَجزٌ

تفاؤلنا سَيُطلقهُ انْفتــــالُ

 

فإنْ عَسُرَتْ وإنْ طالتْ بعُسْرٍ

أرى يُسرا يُبَرْهِنُهُ انْصقـــالُ

 

عراقُ الروح يا وطنَ انْتماءٍ

ومُبتدءٍ إذا انْبثقَ الســــــؤالُ

 

بنا يبقى بأفْلاكِ ارْتقـــاءٍ

سنُعْليه وإنْ عزّ الوصالُ

 

سُطوعُ الضوءِ من جَمْعِ اهْتلالٍ

وكلّ مُضيئةٍ فيهـــــــــــا اقْتبالُ

 

إذا عَزَمَتْ عُقولٌ واسْتنارتْ

بأجْمَعِها ، يُكلّلها الجَـــــلالُ!!

 

سلامٌ مِنْ جَوى قلبٍ وروحٍ

إلى وَطنٍ سَيَصْنعهُ الخَيالُ!!

***

د. صادق السامرائي

28\9\2014

 

عبد اللطيف الصافيفي المستقبل البعيد

في دروبه الملتوية

احلم

بوردة لازوردية

تحرسها ظلال الاشجار

في حقول الامنيات

حيث تجمعت الطيور

ودَّعت أقفاصها إلى غير رجعة

ثم أقامت أعشاشها

فوق رؤوس الفزاعات

أهدتها ساعة المغيب

لأسراب الفراشات

غير آبهة بهواجس الغيب

وأساطير الأولين

افردت أجنحتها الملونة

لسنابل الفجر

التي لا تهزها الرياح

وانطلقت مبتهلة

في رحلة طويلة

مذهلة

بحثا عن حكمة ضائعة

في سراب اليقين

عن دندنة دامعة

بين أنات الطواحين

***

عبد اللطيف الصافي- كلميم - المغرب

 

 

شوقي مسلمانيكان يُنقِصُ ويُضيفُ

خلالَ القرونِ والآلافِ مِنَ السنين.

**

لكلِّ زمانٍ عقل أم لكلِّ عقلٍ زمان؟

لكلِّ مقامٍ مقال أم لكلِّ مقالٍ مقام؟

كلُّ حيّز له حركة أم كلُّ حركة لها حيِّز؟

حياةٌ لكلِّ مسافة أم مسافةٌ لكلِّ حياة؟

دمعةٌ في كلِّ عين أم عينٌ في كلِّ دمعة؟

وكلُّ جسمٍ في رحيل أم كلُّ رحيلٍ في جسم؟. 

**

لا بدَّ

مِنْ كَسَلٍ

لتطيرَ فراشةٌ 

رأوا محيطاتِ غابات

الظَهرُ كان محنيّاً

محاصراً بخطرٍ مِنْ كلِّ جهة

كنّا هناك وهم رأوا

انحسرتْ محيطاتُ الغابات

كانت أمواجٌ من الملحِ تتقدّم

انقضتْ أحقابٌ وأحقاب

بينَ الحجارة    

كنّا هناك وهم رأوا

وبعدَ كلِّ مرحلةٍ كانوا يقولون:

"كنّا في ضلال"

"بئسَ مَنْ أدركَ الفكرةَ وتخلّى عنها" 

"بئسَ مَنْ أدركَ الفكرةَ وانقلب"

"أعلّلُ النفسَ بالآمالِ أرقبُها

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"

ابتسامةٌ عابرةٌ في ابتسامةٍ عابرة

يرتفعُ فيما يحفرُ ليهدَّ أساسات الخرافة

وها هو على قدميه، وها هو يزرعُ ويصنع

لسانُه ينطق، خيوطٌ وحبالٌ متقاطعة

ذاتها شبكة عينِ الكرةِ الأرضيّة

كأنَّ البدايات: سمكة

تمساح، سلحفاة، أسد 

ليس أن تصعدَ إنّما كيف   

على سلّمِ عظامٍ وجماجم

أم على سلّمِ موسيقى الحبِّ؟

يقول أنّ عينَ النظام

ذاتها عين العبث، حياةٌ وموت  

"أقسِّمُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ

وأحسو قراحَ الماء والماء بارد"

"بئسَ مَنْ أدركَ الفكرةَ وتخلّى عنها ". 

**

وقرّرَ مرّةٍ أن يفرَّ

ويوماً لم يقرِّر

وفي الوقتِ المناسب

ويوماً لم يعمل عملاً

في الوقتِ المناسب

لم يكن يوماً يأمل

وأيضاً هي المرّة الأولى

كأنّ الوقت المناسب متواطئ معه

أسرعَ وهمسَ للشمس

قيل أنّه همسَ لها عن مظالم

تُرتَكَب في الأرض

جهاراً نهاراً

لا وازع

ويسودُ ظلُّ القوّةِ الغاشمةِ

تُداسُ بالأقدامِ كلّ الشعارات

عن الحريّةِ والديمقراطيّةِ والعدالةِ 

ويقولُ بعضٌ أنّها صدّقتْ فقد رأتْ

استقرّتْ في كبدِ السماء

هبرجتْ، دلقتْ نيراناً رهيبةً صوبَ الأرض

رأى سيّدَه يركض ويحتمي بدارته مِنَ اللهب

جاءَ الوقتُ المناسب

 انطلقَ كالسهم

وهو لا يعرف إلى أين؟

ولكنّه يعرف أنّه يجب أن يبتعد 

ظلَّ يعدو بخطّ مستقيم

الريحُ تعبثُ بشعرِه

بلغ أرضاً رأى عندها بئرَ ماء

تذكّرَ أنّه رآها من قبلُ، مرّةً، قديماً

وهو بصحبةِ سيّده الجائر 

إنّه بئرُ السباع

والإسم مقتبَس من حادثة اعتداء سبع

على حمار للزير أبو ليلى  

الذي لجم كلَّ مَن يقول أنّه سبع

ثمّ هجم على السبع المستهتِر وجعلَ له رسناً

بعدما أشبعه لكماً وركلاً

وحتى سمعه يقول:

"سامحني أيّها البطل

لن أستهتر بعدَ اليوم أبداً"

واقتربَ الزيرُ مِنَ البئر

حيثُ حماره القتيل

ملأَ قرَبَ الماء

جعلَها على ظهرِ الذليل

وجرَّه نحو مضارب العرب صائحاً:

"هذه حالُ مَن يجني على حمار

كان يعيش آمناً في حمى العرب"

والحادثُة هذه انقضت منذ قرون وقرون

وقال أخونا لذاته:

"ما أدراني أن يكون بعض السباع قد فرَّ

ونجا بروحه في ذلك اليوم الرهيب 

وبلغَه نبأ موت الزير

ورجعَ إلى الناحية غير هيّاب

ليقتلَ ويسلب"؟

فرّتْ قبّرةٌ

كانت في عشٍّ قريب

أجفل   

ومِنْ دون أن يلتفت 

فرّ راكضاً كأنّه في مسّ

ظلَّ يعدو

حتى مَشارف مسافة

على امتدادِ النظر، جرداء

ولكن فيها شجرة عندها من هو مِنْ جنسه

اقتربَ فإذْ يقتعد حجراً

أمامه جهاز "لاب توب"

اقتربَ حذِراً أكثر

حيّاه بالزفير والشهيق ـ عين النهيق 

فربّما كان مِنَ الجنّ الشرِّير

فيضجّ ويختفي

ولا ضجَ ولا اختفى

واقتربَ منه أكثر بأقصى أقصى الحذر

أخيراً سمعَه يقول له  ولا يحيد نظره عنِ الجهاز: 

"اقتربْ يا بني، أنا لستُ جنيّاً شرِّيراً

أنا مِنْ جنسِك

حسناً فعلتَ أنّكَ فررتَ مِنْ وجه سيّدك 

طالما ضربك وأهانك بأمِّك وأبيك وعمومِ أهلك

ولكنْ أكثر ما استصعبتَه أنّه وحده يفوزُ بالأطايب

كاللوز والموز والأرزّ

وبالكاد يرمي لك الفتات

أخيراً بلغَ السيلُ الزبى يومَ التهمَ وحده سلّةَ توت

وحتى لم يلقّمك حبّةَ توتٍ واحدة"

وانتشلَ مِنْ تجويفٍ في جذع الشجرةِ دلواً

شربَ دامعاً، ثمّ قالَ متضرّعاً: "ساعدني"

قالَ مشيراً صوب جهة: "تنطلق غرباً

تصل إلى بحر، وتخوضه

ستبلغ بلاداً هي "أمّ الجماجم"

ودلعاً إسمها: "آنسات ونواعم"

تقصد كلّيّتها العسكريّة

تتعلّم بأجرٍ قدْره العملِ بالمجّان

وفي آخر السنة الدراسيّة سيكون إمتحان

وأنتَ وشطارتك: وسط، جيّد، جيّد جدّاً، ممتاز

ستنقلب إمّا ذئباً، إمّا ضبعاً، أو فهداً، وربّما  أسداً"

وتعاكَسَ الشيخ ذاته آليّاً، وأشارَ شرقاً، وقال: "شرقاً"

وبعدَ مسيرةِ يومٍ ستُشرفُ على رملٍ تعبر فيه سبعةَ أيّام

وستصل إلى واحةٍ مخرَّبةٍ تسمعُ منها صوتاً يقول لك:

"تأخّرتَ يا أبا صابر"

وسينبثقٌ جمَل، اتبعه، سيبلغ بك بلاداً إسمها الكتكوتيّة

ومِنْ فورك التحق بكلّيتها العسكريّة

وأنت وشطارتك بعدَ الحفظ والحفظ والحفظ

وقد تنقلب إلى غزال أو أرنب أو دجاجة

قاطعَه وقال له: "غرباً"

ودخلَ بلاد "أمّ الجماجم"

التحق بكليّتها العسكريّة

عاملاً بالمجّان نهاراً ودارساً عليهم ليلاً 

واجتهد بصبرِ حميرٍ مجتمعة

ونجح بإمتياز

وفي حفل التخرّج علّقوا على صدره ورقةً

قالوا مكتوب فيها: "أنا الناب والنابُ أنا

أنا البطلُ الرئبال قاتلُ النساء والأطفال"  

وحاولَ أن يقرأ المكتوب 

أعلموه أنَّ المكتوب ليس بالحبر الأسود الصيني

بل هو بالحبر الأبيض السرّي

أخيراً وهو في مرقدِه ليلاً

متباهياً بحالِه وبالعزّ الذي يرفل به

خطر له سيّده 

وحدّثَ نفسَه بالإنتقام

فجراً

حملَ كلاكيشه

عبرَ البحرَ بعدَ أهوال

بلغَ راكضاً ناحيةَ إبن جنسه

تمنّى لو لديه وقت ليمرّ عليه ويشكره

اجتازَ بئرَ السباع

حتى هو عند مشارف موطنه الأوّل

رآه أمامه بكلّ هيئته ينظر إليه بدهشة

قال له: "اندهشْ

يجب أن تندهش

لقد انقلبتُ إلى أسد 

هل تعلم بماذا سأجازيك

على بلاويك؟

سأثب عليك

سأنيّبك

سأخلّص الأرض منك

ومِنْ شرورك 

لكنْ لا

ليس قبل أن تموت ألف مرّة

قبلَ الميتة الأخيرة"

ولم يؤجّل عملَ اليوم إلى الغد  

رفعَ صوته زئيراً 

ردّدَ الصدى صوتَ نهيق

أيضاً وأيضاً رفع صوته

وأيضاً وأيضاً سمعَ الصدى نهيقاً 

تحسّسَ أسنانَه

لم يصطدم بناتئ

وسمعَ سيّدَه يقول له:

أحلفُ أنّ أنت هو أنت 

قفزَ نحوه

قبضَ عليه مِنْ رقبتِه

وقال: "أين كنت؟

أنا أشقى وأنت "دايرْ على حلِّ شعركْ"؟ 

وبعدَ فترة تواطأ معه الوقتُ المناسبُ أيضاً

فرَّ تحت غطاء مِنَ اللهب الآتي مِنَ عينِ الشمسِ المجنونة

مرَّ ببئرِ السباع، وترحّم على الزير، وبلغَ مشارفَ الخلاء، وقصدَ الشجرة

وكان شبيهُه تحتها على الحجر ذاته، وأمامه الجهاز ذاته

وقفَ خلفَه مِنْ دون أن يفتح فمَه أو يأتي بحركة

وبعدَ دقائق طوال قال الشيخ مِنْ دون أن يلتفت:

"أحمد الله على سلامتك يا بني"

والتفتَ ليراه على حالٍ تصعبُ حتى على الحجر

أحنى رأسَه، صرخَ به أخونا يائساً:

"عملتُ بمشورتك وانظرِ النتيجة

عصيُّ المايسترو سيّدي حفرت أثلامَاً في كلّ جسمي

هل حقّاً أنا انقلبتُ إلى أسد؟

أحلفُ أنّك ولا تراني حماراً

إلى مَنْ ألجأ؟

ماذا جنيتُ وعلى من اعتديتُ؟

أم لأنّي قليل الحظّ وهو مؤيَّد يجب أن يدوسني؟

لماذا تعينه علي"؟ 

قال الشيخ أخيراً: 

"لا يا بني"

ودعاه ليقرأ سطراً على الشاشة

وذاته قرأ:

"يجب

ومِنْ أي سبيل

أن نمنع وحدةَ البرابرة"

وقال كأنّما لذاته: 

"أيّها الأشرار.. إنّها مجزرة". 

***

محور مائل (5)

شوقي مسلماني

 

 

في وسط مدينة معروفة وشهيرة تقوم مسلة سلمت من يد الخراب الماحق عبر مئات السنين بأُعجوبة . فكل ما حولها من آثار محقته الأيام والأمطار، وظلت هي شاخصة تنظر الى الجميع بكبرياء وحكمة، اذ مرت تحت أنظارها شعوب بعد شعوب ثم انتهت الى العدم لتُولد بعدها أجيال اخرى ثم تؤول أيضا الى الإندثار فالنسيان .

كان الشباب يحبون الارتقاء الى قمتها حتى يملوا فينزلون ليمارسوا أعمالهم وحياتهم وسط إعجاب أصدقائهم وخلانهم . وكثير ما بقي بعضهم على متنها بضعة أيام من قبيل المباهاة بقوة التحمل . وكان الأصدقاء يقومون بتشجيع معتليها على المطاولة . فكانت هذه لعبتهم الشعبية التي يحبونها ويتبادلونها بينهم .

في إحدى الاماسي وفد شبان الى المسلة، فأرادوا السخرية من أحد زملائهم أو المزاح معه فشجعوه على ارتقائها والبقاء في قمتها على أن يبيت هناك وهم يؤنسونه ويطعمونه . ارتقى الفتى بجهد واضح هذه المسلة العريقة فلما وصل القمة دغدغ شيء من العظمة أوصاله، وهذا ما يولّده عادة الارتفاع فوق رؤوس الآخرين . وإذ كانت مدائح أصدقائه تتوالى انتفش ريشه وأحس بالأهمية فقرر أن يظل فوق المسلة بضعة أيام أُخرى . وحين حل الليل وبعد أن تعب مشجعوه أحضروا لفارس المسلة طعاما وشرابا ثم انسلوا متعبين الى حيث بيوتهم وأُسرهم . كان الفارس قد انتفخ فخرا وعظمة فنام مع ابتسامة فوق فمه واشراقة فوق جبينه .

بدا في اليوم التالي أكثر فخرا وانتعاشا إذ كثر حوله المعجبون من أصدقائه ومعارفه وغيرهم من شبان الأحياء الاخرى الذين تداعوا لرؤية فارس المسلة الجديد . وقد كان للمشجعين دور بارز في بقائه بضعة أيام آخر، فقد كانوا يعظمونه ويأتون له بفاخر الطعام و لذيذ الشراب .

استمروا على ذلك بضعة أيام، حتى فاق عدد الأيام والليالي التي بقيها فارس المسلة فوقها أي فارس سبقه  فتعجب الناس وبدأوا يتساءلون ما عمل هذا الفارس وكيف يترك أُسرته هذا العدد من الأيام والليالي دون أن يقوم بشأنهم ويرعى مصالحهم . ولاحظ بعض المشاهدين أن وجه الفارس آخذ بلبس نظرة العظماء والملوك  بل الإلهة . غير إنهم لم يلقوا بهذه المعلومة الا في آذان خلصائهم . بدأ الناس يشعرون بالتعب أولا ثم بالملل فانصرفوا عنه رويدا رويدا الى شؤونهم، حتى صار بحاجة الى الطعام والماء إذ أصبح قلة منهم من يتذكره فيجلب له ذلك . ثم أخذوا يتوقون لرجل آخر يعتلي صهوة المسلة وأرادوا تغيير وجه هذا الرجل بآخر . سئم الجميع تشبث الرجل بالمسلة، لم تسقط نظرة العظمة عن وجه الفارس لتقلص المهتمين والمشجعين له، غير ان شحوبا بدأ يعلو وجهه وهو يرى انصراف معجبيه شيئا فشيئا . وتبع ذلك نوع من التغضن سبّبه الجوع والعطش اللذان حلا به غير انه لم يترجل بل ظل متمسكا  بمكان يشعر فيه بالعظمة والفوقية .

عزفوا عن مراقبة رجل المسلة . وبعد حين مرت امرأة تحمل حقيبة للتسوق ثقيلة فاختصرت الطريق بعبور الساحة من  وسطها حيث المسلة فلاحظت بالصدفة ان فارس المسلة أشبه ما يكون بتمثال من البرونز . ولما عادت الى بيتها أخبرت الاسرة بذلك تندرا، غير ان ذكور البيت والحي من الشيب والشبان هرعوا مذعورين الى الشارع فمن ثَمَّ الى مكان المسلة ليروا فارسها.. وقد أمسى قديدا .

***

سمية العبيدي

بغداد