سردار محمد سعيدزارتني الليلة سعلاة

فاقت الجمال جمالاً

لا تثبت على شكل

يزين النمش خصرها

كنجوم السماء

كآثار نقرات الطيور

الليلة طويلة كجذور نخلة

والبرد يلسع

قالت:

أتدثرت بأنفاسي

أشممت عطري السماوي

أتمرغت في روضتي

إذن أنت تعيش في الرتق المفتوق

هل استبحت شفتيّ عنوة

عسّلها الوجد تعسيلاً

تعال كن حليلي

شزرني التراب

إياك.. حذار.. أنا جدّك

من مع المخاط انحدروا

يتربصون

بمن بلغ الفطام

بمن دسّوه في تنّور

فيه مساميرتجمرت

بمن أركبوه على حمار بالمقلوب

سكبوا على رأسه الرائب

ورموه بالحجارة

أنا جدّك

وشمت بسنابك خيول الغزاة

وخفاف الأباعر

لا أظن الله سيغفر لهم

جعلوا النساء سبايا

وملك يمين

وجوار للغناء ونادلات

يسقين المالك خمراً

وبعد أن تلعب في الرؤوس

يأخذ النصيب كاملاً في الفراش

ولا نصيب لها

وإذا تمردت فالضرب محلل

الحرة لاتعشق

أذن ما أمرعليّة و "طل " الخادم

وابنة الحمارس

والتي مصّت السواك

وولادة التي أهدت قبلتها لمن يشتهيها

والتي قالت عن حبيبها لو شاهده أحد لتمنى أن كل عاتق حامل منه

وما رأيكم بمن غلّقت الأبواب؟

ولم يفقهوا قول المرأة : ما عنده كهدبة الثوب

وشرّعوا الختان وما فعلته سارّة بهاجر

وذبحوا الغادة التي فقدت خرقة العذريّة

من قال أنك أيها الرجل لم تفقدها

غضب الخليفة لجواب البكر

ألذ شيء في هذه الدنيا نكاح

ولمّا قالت من نسائك

نكس رأسه خجلاً

دلّوني أيها الزنادقة طريق قبور

(ابن المقفع)

(الفارابي)

(الرازي)

(الحلاج)

أم خير القبور الدوارس .

***

نقيب العشاق بين بيخال والبنج آب

 

عبد الله سرمد الجميلكي لا يسمعَ أحدٌ دمعي يَنْهَلّْ،

أفتحُ صُنْبُورَ الماءِ وأبكي،

أوّلُ ما يفعلُهُ القاتلُ بعدَ القتلْ،

يفتحُ صُنْبُورَ الماءِ ويبكي،

إمرأَةٌ خلعَتْ معطفَها المُبتَلّْ،

تفتحُ صُنْبُورَ الماءِ وتبكي ،

ينقطعُ الماءْ،

وأنا أنظرُ في آخرِ قطرةِ ماءٍ عالقةٍ في شَفَةِ الصُّنْبُورْ،

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

فتحي مهذبكل يعدو اثرك ..

يطاردك من أخمص قدميك

الى مغارة رأسك..

أصابعك تنبح باستمرار عبثي..

نار صديقة تهاتفك من صحن طائر ..

يرشقك الحظ العاثر بالحجارة..

تطاردك كلاب عمياء بأجنحة زلزال ..

أصابعك المسلحة بأسنان المتعاليات ..

غيمة الآخرين المسرودة من حديد..

بركان أعزب بمسدس فصيح..

لصوص من الحبشة لم يولدوا بعد..

جواسيس يصوبون بنادقهم

تحت لحاء جلدك المتشقق..

(سائق عربة الأمس)..

(ثعلب الميتافزيق)..

هيكل عظمي لهندي أحمر..

شوبنهاور وكلبه العصابي..

كوابيس غريغور سامسا ..

الله وملائكته يطلون من شرفة الأزرق..

مثل ملاكمين محترفين..

غير عابئين بالدم الزارب من قدميك المتلعثمتين..

لم يكونوا في صفك يوما ما..

لم ترقهم فرقعة عظامك الهشة..

لم يرسلوا سيارة اسعاف

لنقلك الى مستشفى الأبدية..

لم يفتحوا النار على طائرة ذكرياتك المريرة..

كل يعدو اثرك ..

لم ينقذك قائد أوركسترا في بهو كنيسة..

أرواح القديسين المليئة بالقمح والبركات..

لم ينقذك خاتم سليمان السحري..

لم يزرك جني واحد من ألف ليلة وليلة..

لم يمسح دموع أصابعك مطران..

لم يمنحك ممرض عبثي جرعة

اضافية من المورفين..

لم تقطف جثتك العطنة

عربة نقل الأموات ..

لكن رغم غزارة رمادك اليومي..

لم تنقذك غير شجرة هرمة

تجلس القرفصاء أمام دار الأوبرا .

***

فتحي مهذب

 

عبد الاله الياسريإلى ذوي التعليم وذواتِه كافَّة

ياســـائلي عن مِهنـــةِ الأُســتــــــاذِ

                     لا رُزءَ في أَرضِ العــــراقِ كهذي

لـم تُبـقِ غيـرَ حُشَـاشـةٍ من مهجتي

                     أَلمـاً، ومِـن كبــدي سِـوَى أَفـــــلاذِ

غَرِقــاً أَصيــحُ.ومَن يُغيـث مُعلِّمــاً

                     ــ لامــالَ عنــده ــ طالـبَ الإنقــــاذِ

صَفِـرتْ يـَـداه.فيا لـذلِّ طموحِــــه!

                     مــاكــانَ أَقــربَـــه إِلَى الشــــحَّـاذِ!

ســحقتْ أَمانيَـــه وحــوشُ همومِـه

                     لـم يَبقَ ممَّــا وَدَّ غيـــرُ جُـــذاذِ (1)

كـالفــــأَرِ مـأَســــوراً بقبضةِ قطَّـةٍ

                    مـــا مِـن مَفــــرٍّ عنــــده ومَـــــــلاذِ

حتّى الطيور تَعوذُ من خطرِ الردَى

                    بعشـوشِـهـا، ويَبيـتُ غيــرَ مُعــــــاذِ

ماقيمـةُ العِلْـــمِ المُهـــانِ جَنـاحُـــــه

                       بمَخـالــبٍ للجهـــــلِ من فـــــولاذِ

وسـلاســلٍ قالـتْ لهــــا أَحقــادُهــا: 

                      ضُرِّي المُعلِّـــمَ مااسـتطعتِ وآذِي

للأَثريـــــاءِ من الرغـــادةِ وابـــــلٌ

                   ولــه مـن الأَحــلام بعـضُ رَذاذ (2)

في الـرتبــة السفلَـى.وأَعلَـى رتبــةٍ

                     للتـــــافهيــــنَ الحُمـقِ والشُـــــــذَّاذِ

للحـاكميــــنَ القاتليـــنَ الأَبــريـــــا

                     ءَ الشــاربيـــنَ دمــاءَهــمْ بِلَــــــذاذِ

والعارضينَ من الوعـــودِ أَحبَّهـــا 

                      لمُغَـفَّـــلٍ قــــولاً بــــلا إِنــفـــــــاذِ

والهــازئيـــنَ غبـــاوةً بمـواهــــبٍ

                      وبـعبـقــــريَّــــــةِ رادةٍ أَفـــــــــذاذِ

مُستحوِذونَ على العقـــولِ لحَرفِهـا

                     ومُفـاخــرونَ بأَبشــع اســـــتحــواذِ

مجدُ المُعلِّــمِ باليـــراعِ ومجدُهــــمْ

                    بسـيـاطِ جَـــلّادٍ، وصونِ رِبــاذِ (3)

مـــاعنــده بـــاقٍ لأجيــــــالٍ ومــا

                     عنــــدَ الطغـــــاةِ فُقَـاعـــةٌ لنَفـــــاذِ

شَــتَّانَ بينَ ربيـــــعِ حرفٍ مُورقٍ

                     حُبَّـاً، وجَــدبِ عـــداوةٍ ونِــبـــــــاذِ

تبّـاً لأَرضِ جهـالــــةٍ لم تحتـــــرمْ

                      في ليـلها الـداجي سـنَى الأُسـتــــاذِ

لـكنَّـــــه رغـــــمَ الـدجَى مُتشـبِّـثٌ

                      بســراجِـــــه وبنــــورِه الأَخَّــــــاذِ

ومُـبشِّــرٌ بطلـــوعِ نَشءٍ في غـــدٍ

                       وبعصمةٍ بشعــاعِهــــمْ وعِيــــــاذ

أَكـرمْ بـه من مُرسَـلٍ ــ لم يَستهنْ

                        بأَمـانــــةٍ في عنقِــــه ــ نَـفّــــــاذِ

كـ (مُحمَّدٍ) قد قالَ ساجنُه: اعتَرِفْ

                     فأَجابَـــه: ماشــئتَ قُـلْ إِلَّا ذِي (4)

لا بـــدَّ من عقـــلٍ جرئٍ ســـاحقٍ

                       دَغَـلَ الخنــوعِ بمنجـلٍ جَـــــــذَّاذِ

***

شعر:عبدالإله الياسري

......................

* قيلتْ هذه القصيدة تأثّراً بظروف التعليم في أواخر السبعينيَّات في العراق؛خصوصاً بموقف الصديق الأستاذ (محمّد تركي المعمار) الذي آثر السجن على أنْ يسير في طريق القمع والإستبداد عام 1978م.

 (1) جُذاذ: ما تكسّر من الشئ.

(2) الرغادة: طيب العيش. وابل:مطر غزير. رذاذ: مطر ضعيف.

(3) اليراع: القلم. رباذ: علائق السياط. مفردها ربذة.

(4) محمَّد: هوالمعلم السجين (محمد تركي المعمار).

 

فاروق مواسيكثر العداءُ وسادتِ البغضاءُ

                     سفكُ الدماء جرى، فحلّ بلاءُ

أنظل ننتظر الضحايا بيننا ...

                  لا حلَّ يُرجى، بل وليس رجاء!

إطلاقُ نار صُوّبت أو طعنةٌ ...

                        نجلاءُ يُردي فيهما المستاءُ

والعجز كل العجز في الشُّرَط التي...

                  فقدت "بطولتها"، غدا إغضاءُ؟

من يقتلِ الإنسانَ عدوانًا كمن....

                         قتل الجميعَ فعمّتِ البأساءُ

يا قاتلًا هل كان نومك هانئًا ..

                     في الدم ثمّةَ هل يكون رواء؟

هل كنت تدرك أن من تغتاله ...

                            أهلٌ له من حوله أبناءُ؟

ما هذه أنات نظمي إنما ...

                    شكوى فؤادي إذ طغت أرزاء

................

فاروق مواسي

 

تواتيت نصر الدينيا مريّا

قد سمت أحلامنا فوق الثريّا

فلك الحبّ وما قد كان ملكا في يديّا

**

يا مريّا

أنت أغلى درّة في ناظريّا

أنت أحلى قصّة بين يديّا

في دمي أنت نخيل قد تسامى

يثمر الرطب كشهد بمذاق عسليّا

**

يا مريّا

هاك من راحي شرابا

فنبيذ الحبّ مازال نقيّا

**

يا مريّا

هاك من راحي وروحي خمرة ...

قد عصرت من كرمة الحبّ الأبيا

**

يا مريّا

قد قرأت الحبّ في عينيك حلما

منذ كان الحبّ في المهد صبيّا

**

يا مريّا

إنّني أحيا بحب

لم يعد يا جنتي نسيا وما كان نسيا.

***

شعر/ تواتيت نصرالدين - الجزائر

سوف عبيدأهداهَا وردةً

تُرى أينها الآن؟

رُبّما ما تزال يانعةً في المِزهريّة

ويتبدّل ماؤُها كلّ يوم

أو ربّما تكون قد أغمَضتْ جُفونَها

ونامتْ باكرًا

بعد أن دسّتها تحت وسادتِها

قد نكون ساهرةً

بين صفحاتِ كتاب

على الرُفّ  

لعلّ ...عسَى

رُبّما

ألقتها في الطّريق

 فيَبِسَت

وضاعَ أريجُها...

***

سُوف عبيد ـ تونس

حنان عباسيبقيت الخالة نوارة وحدها بعد خروج البنات، بحّ صوتها وهي تُلاحق حورية غضبا من عنادها الغبي،  فهي تفعل كل ما يحلو لها دون مراعاة أحد، طباعها صعبة وتصرفاتها طائشة جدا وهي تخاف عليها من ويلات الزمن القاسي والأقسى أحاديث الناس الملوثة بالحسد والغيرة، فهُم منذ وفاة زوجها يرصدون تحركاتها هي وبناتها، وكأنهم ينتظرون لهنَّ زلة يُشيرون إليها بأصابعهم الكريهة ويصرخون "أنظروا لقد أخطأن، إنهن لسن ملائكة ولسن إلا تربية امرأة بدون رجل ".. فالمرأة يا سادة في هذا البلد ليست مدرسة وليست نصف دين، هي لعنةٌ ونقصان .في هذا البلد لا تكتمل امرأة إلا برجل يمنع عنها الأقاويل ويرفع عنها تهمة العُهرِ، يحمي سمعتها ويقطع الألسنة الحادة التي تشحذ مع كل مناسبة لتنال من شرفها ومن شخصها. وما ذنبها أن أصبحت أرملة في سن صغيرة؟ وما الضرّ في أنها لم تنجب إلا بناتا ولم يمنحها الله ذكورا؟ هل يعاقبها الناس على قضاء الله؟ هل تُحاسب حتى الموت على ما لا يدَ لها فيه؟ أحرقت الدموع خدها وعندما مدت يدها لتمسحها، ارتعشت وانهارت كومة حزينة فوق الكرسي، و.. بكت . بكت كل الوجع منذ وفاة زوجها، بكت وحدتها،  صمتها، ابتسامها للوجوه الكريهة التي تلتقيها كل يوم ولا تقرأ منها إلا الشر والحقد، "على ماذا؟" لا تدري، فهي جِدُّ مُسالمة، وهي لا تبحث في شؤون الناس وتكره مُجالسة الجارات أو مشاطرتهن أحاديث النميمة .. وربما اعتقدن أن هذا تكبرا منها، لذا ضاعفن كرههن لها وأسرفن في سرد الروايات عنها وعن بناتها، ولم يكن لهذا أن يستفزها للدخول في مُشاحنات كلامية هي في غِنى عنها بل وستكون فيها الخاسرة، لكنها كانت تحزن كثيرا لمدى الشر الذي يسكن قلوب البعض ومدى قدرتها على العبث بحياة أُناس أبرياء .ظلت تبكي والأفكار تتلاقفها مدّا وجزرا، فهي إن ذكرت طرائف حورية أو مواقف زوجها الساخرة من تصرفاتها الساذجة أحيانا انفجرت ضاحكة ترفقها الدموع دوما وهي تترحم عليه ملء ابتسامها، وإن عاودتها أيام مرضه واستبدت بقلبها ساعة فراقه أعلت صوتها بالنواح وبدأت في سؤال الرب "لماذا؟" دون أن تتلقى الرد سوى دمع غزير يملأ وجهها يأسا.

- أمي؟ ما بك؟

كان بكاء أمها قويا، فقد سمعت تنهداتها وهي تفتح الباب، ارتعبت ولم تقوى على وضع المفتاح في القفل بيديها المرتعشتين خوفا، وأرادت مناداتها، فلم تجد لصوتها صدى.. انفتح الباب اللعين بشق الأنفس، وركضت إلى المطبخ لِتجد العجوز البائسة تحمل رأسها بين يديها باكية بحرقة ..

- أمي؟

واحتضنتها قبل أن تسمع الإجابة، ولم تنتظر منها لا ردّا ولا تفسيرا فقد انطلقت هي الأخرى في بكاء شديد يُعادل عويل أمها ويكاد يتفوّق عليه، كانتا متعانقتين وهما تتبادلان الشهيق ومسح الدموع .. ثم فجأة نظرتا كل منهما إلى وجه الأخرى، صمتتا قليلا، ثم اهتزتا ضحكا، بل قهقتا حتى سقطت حياة أرضا على رُكبتيها وهي تلهث ..

- أمي !!

وهذه المرة ومن بين دموعها وبعينين مُغلقتين أجابتها:

- ماذا؟

- ارفعيني لا أستطيع النهوض

- وأنا أيضا لا أستطيع الحراك معدتي تؤلمني وشدقيّ سينكسران ..

ولم تكمل فقد عاودتها نوبة جديدة من الضحك ولحقتها حياة بضحكة هستيرية تردد صداها في أرجاء المنزل الصامت.

مرت دقائق قبل أن تستعيدا هدوءهما، وأول ما خطر بذهن العجوز هو سؤال حياة عن سبب عودتها مبكرة، وتذكرت أنها عندما عادت وجدتها تتوسد رأسها باكية فخشيت إن سألتها ترد هي أيضا باستفسارها سبب بكائها،  فاختفت بين الصحون محاولة بدأ حديث مُغاير.

-قررتُ أن أطبخ لكُنّ اليوم طبقا جديدا شاهدت مراحل إعداده في التلفاز، ولكنني أخشى ألا أتقن طبخه فنبقى بلا عشاء .

مضى الزمن ساكنا لدقائق قبل أن تهز ضحكة الأم شرود حياة

- ماذا؟

- عاودتني ذكرى حادثة وقعت لي وأنا في أولى أشهر الزواج

-كيف ذلك؟

- كنتُ وقد تزوجتُ في سنٍّ صغيرة لم أطل المقام في المطبخ مع أمي ولم أتعلم منها إلا القليل، فلجأتُ إلى برنامج إذاعي يقدم كل يوم أصنافا جديدة للطعام، وقررتُ ذات غداء أن أُجرّب إحدى تلك الوصفات، وكان والدك قد خرج لقضاء بعض الشؤون، فابتعتُ ما يلزم وشمرتُ عن ساعديّ وانغمست في إعداد الطعام انغماس رسام في خلق لوحة ..

و عندما عاد برهان وجد الطاولة مُزركشة بالأطباق والكؤوس، ووجدني في آستقباله بآبتسامة منتصر أنهى للتو معركته .. وجلسنا عروسين سعيدين وبدأنا الأكل " قطعت سردها بعد أن عاودتها الضحكات المجنونة بينما حياة لاتزال فاغرة فيها تنتظر بلهفة سماع بقية القصة .

- هيا نوارة أكملي ماذا حدث بعد ذلك

-لقد بصقنا اللقمة الأولى معا، كان الطعام حُلوا بلا روح ولا نكهة.. وكنتُ من فرحي قد اختلط عليّ الأبيضان فلم أنتبه إلى أني استعملت الحلو عوض عن المالح ."

وانتهتا من جديد إلى الضحك وهما تُشيران إلى بعضهما كطفلتينِ مُشاغبتينِ قامتا للتو بعملٍ شقي .

عادت الأم إلى حوضها الممتلىء عملا، ونهضت حياة مسرعة إلى غرفتها قبل أن تدرك نوارة أنه عليها سؤالها عن سبب عودتها في غير ميعاد ..

تسللت إلى الفراش تحمل معها تنهداتٍ كلهيب نار . تكدّست متكورة كرضيع تحت الغطاء، ونامت .

 

حنان عباسي

 

باسم الحسناويإنْ شاعرٌ قالَ إنِّي الصَّبُّ لا تَثِقي

                لكنْ على الوَهْمِ دونَ الواقعِ اتَّفِقي

الصِّدقُ ما قالَ في لَوْحِ الخَيالِ ولا

                يعني الخَيالُ سوى سَيْرٍ بلا طُرُقِ

إن أنتِ أشْعَلْتِ ناراً في ذؤابتِهِ

                   فأنتِ أولى بتلكَ النّارِ فاحترِقي

كانت لهُ القبلةُ الحمراءُ منطلقاً

                         فقبِّليهِ وكوني خَيْرَ منطلَقِ

وأرِّقيهِ كثيراً في المنامِ إلى

                    أن تملأ الليلَ أرتالٌ من الأرَقِ

ومزِّقيهِ كقرطاسٍ مبعثرةً

                      بينَ الأزقَّةِ إنساناً من الورقِ

إنْ قالَ أسْمَعُ شيئاً أو أرى أحداً

                      كوني بأذنيهِ سفّوداً وبالحَدَقِ

وجرِّديهِ من الأخلاقِ أجمعِها

                       لأنَّهُ هوَ قَطْعاً مَصْدرُ الخُلُقِ

ولا تخافي علَيْهِ من صوارمِهم

                    فليسَ ثمَّةَ إلا الضَّوْء من عُنُقِ

إذا البحارُ لهُ انشقَّت فمعجزةٌ

                   أوْ لا فلم يخْشَ لجِّيٌّ من الغَرَقِ

كأساً من الخمرِ إذ يُسقى سنبصرُهُ

                 ساقَ الكواكبَ كالأغنامِ في نَسَقِ

وقامَ مؤتَزراً بالليلِ يحلبُها

                      أكرِمْ بضَرْعٍ لها نامٍ ومُندَفِقِ

وبعدَ أن يَحْلبَ الأقمارَ يطلقُها

           كي تأكلَ العُشْبَ في مرعىً منَ القَلَقِ

إذْ شاءَ أن يهبطَ الجوُّ البعيدُ بهِ

                       ما كادَ يهبطُ إلا فوقَ منزَلَقِ

لقد تمادى بهِ النسيانُ حينَ شَدا

                    فظنَّ أن لم يكن خَلْقاً من العَلَقِ

ما الغَيْرُ مهجتَهُ ضحّى بها ومضى

                إليكِ قد جاءَ موضوعاً على طبَقِ

مهما علا فهو إن لم تصبحي فلكاً

                      يدور مثلَ مياهِ البئرِ في نفَقِ

إنْ أنتِ عانقتِهِ فاللَّحْمُ من ألَقٍ

                  والعظمُ من ألَقٍ والروحُ من ألَقِ

هذا الصِّراعُ صراعٌ من ذوي هممٍ

                      فلا يُجنَّدُ فيهِ شَخْصُ مرتزِقِ

قد سابقَتْكِ منايانا التي اقتربَت

                     إلى قيامةِ هذا العِشْقِ فاستبِقِي

تلكَ السَّماءُ سماواتٌ لها ارتفَعَت

                  فكلَّما أنتِ شِمْتِ النورَ فاخترِقِي

إنّا نحبُّ وإنّا عندَنا نزقٌ

                         فقابلينا متى أحببتِ بالنَّزَقِ

إن أعوزَتْكِ اتِّهاماتٌ فلا تهِني

                     فعندكِ العذْرُ موجودٌ لتختَلِقِي

لا تتَّقي اللهَ والتاريخَ في دمِنا

                       فليسَ يُحمَدُ فينا موقفٌ لتَقِي

وعانِدينا كثيراً في مآربِنا

               لا خيرَ في مأرَبٍ يُعْطى معَ المَلَقِ

لا تقطفي الحبَّ ورداً من حدائقِنا

                  إذ حسبُكِ الجوُّ نشواناً من العَبَقِ

إنّا - ذوي الولَهِ الصوفيِّ- تَسْحَرُنا

                   الدُّنيا بجوهرِ ما فيها من الشَّبَقِ

تأنَّقَ الكونُ حتى في تأنُّقِنا

              ذرعاً نضيقُ اكتفاءَ الصبِّ بالخِرَقِ

                    ***

باسم الحسناوي

 

 

عبد الستار نورعليإنّا شعوبيونَ،*

إنْ كانَ الذي نريدُهُ العدلَ،

وإنْ كانَ الذي نقولهُ الحقَّ،

وما يجري على الأرضِ

هو الباطلُ والفسقُ،

وريحُ الجاهليّةْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

إنْ قلْنا بأنَّ الفقراءَ الضعفاءَ

والمساكينَ اليتامى

يرثونَ الأرضَ والجنةَ،

حكمَ الأغلبيّهْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

إنْ قلنا بأنَّ الزنجَ قد ثاروا على الإقطاعِ،

أنَّ القرمطيْ كانَ اشتراكياً

يقودُ الناسَ ضد السادة الباغينَ

ماكانوا رعاعاً

بل رعاةً لقضيّهْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

إذ ننظرُ في التاريخ،

نجلو الزيفَ عن خلافةٍ

مسروقةٍ

مطعونةٍ

طاغيةٍ..

فيها الجواري حكماءُ القوم،

والخليفةُ المنصورُ في حضن بَغيّهْ.

 

إنا شعوبيون، ياعليُّ،

إذ نراك صوتَ العدلِ،

والمظلومِ

والمقهورِ

والجائعِ،

سيفَ الحقِّ ضد البغيِّ،

والرشوةِ، والزيفِ،

ورمزاً للمروءاتِ النقيّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ نرفضُ حكمَ الأجنبيِّ الغاصبِ المحتلِّ،

صوتَ الداعرِ المُختلِّ،

والمرتدِّ عن غضبِ الهويّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ نعقدُ فوق الصدرِ حبَّـاً

وردةً حمراءَ،

أو خضراءَ،

أو بيضاءَ،

شوقَ العنفواناتِ الأبيّهْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

هلّلنا لتموزَ،

وقاومْنا مغولَ القرنِ

في رمضانَ،

في آذارَ،

دافعْنا دفاعَ الموتِ

في وجهِ خيول الهمجيّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ ثرْنا،

وقاومْنا على قممِ الجبالِ

نطالبُ السلطانَ حقّاً ضاعَ منّا

في ملفّاتِ المصالح،

في دهاليز العواصمِ

خلفَ أمواج البحارِ الأجنبيّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ قلْنا بأنَّ ساطعَ الحُصريَّ تركيٌّ

تزيّى بالبداوةِ والعروبةِ

بين خيماتٍ سخيّهْ.

 

إنا شعوبيون،

إذ نعشقُ شعرَ جواهريِّ العصرِ،

صوتاً هادراً فوقَ المنابرِ،

وهو يُنشدُ،

وهو يغضبُ،

وهو بينَ مرابع الغرباءِ

محفوفاً بأزهارٍ وانوارٍ،

ومحزوناً يناجي دجلة الشرفاءِ،

لا اللقطاءِ،

وهو يموتُ منزوعَ الهويَّهْ!

 

إنَا شعوبيونَ،

إذْ نقرأُ رأسَ المالِ،

إنجلزَ، ولينينَ،

جلالَ العظمِ،

أو نصرَ بنَ حامدَ،

أو نناقشُ خلفَ أبوابٍ خفيّهْ!

 

إنّا شعوبيون،

وهو الجمعُ من شعبٍ،

فمَنْ يعشقُ كلَّ الناسِ في الأرضِ،

يلاقي خنجرَ الشبهةِ والتهمةِ،

لا يحوي الخصالَ العربيّهْ!

 

إنّا شعوبيون،

إذ نزرعُ  زهرَ الغدِّ،

لا نزرعُ رملَ الجاهليّهْ!

***

عبد الستار نورعلي

الأربعاء 17 تموز 2019

...................

* كُتبّتْ القصيدة بتاريخ 6 كانون الثاني 1998، ونُشرتُ في حينها بصحيفة (ريگاي كوردستان) في أربيل، وعدد من مجلات وصحف المهجر. وأعيد اليوم نشرها ليطلع عليها جمهور القرّاء الأعزاء:

 

 

نور الدين صمودإلى من يهمه الأمر

أخذتُ أحاول، منذ الصباحِ، الدخولْ

لقلب القصيدة لكنْ

عليَّ استحالَ الدخولْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فرط ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمت بالأغاريد شـُحرورتي

فكنت أرى كل حين بها صورتي

بمِرآة وجنتها الناصعهْ

وقي ضوء أعيُنِها اللامعهْ

ولا ألـْتقي بسواها

ومنذ ابتداء انطلاق الفراشة في الأفـْق صعَّدْتُ طرفي

وأطلقت نحو السماواتِ كفـِّي

ورحت أحاول، منذ الصباحِ، العُروجْ

لأُفـْق القصيدة/ كالصقر/ خلف الطريدة/ لكنْ لعَمري

عليَّ استحالَ العُروجْ

وحاولت، من سجن كل القوافي، الخروجْ

كما قد تأبـَّى على القلب في البدء باب الوُلوجْ

ورمت تسلق شرفة (بُرْعَاجِها) منذ بدْءِ القصيدهْ

قـُبيل النزول على الرمل حافية القدمين

تكاد تطيرُ على الضفتين

 بخفين أنعم من خفيْ حُنيْن

وألـْيَن من ريش بيض النــّعامْ

وأشبه بالورد في اللون من حمرة لمعت في صدور النـُّحامْ

ولكنْ علي استحال الخروجْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فرط ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمت بالأغاريد شـُحرورتي

فصرت أرى كل حين بها صورتي

ولا ألـْتقي بسواها

ومنذ شروع الغزالة في الركض نحو الأُفـُق

أخذتُ أُصعَّـدُ طرفي

ولكنْ أضعتُ هنالك قلبي المُذابْ

وقلت لمن سلبتنيه/ من بعدما منحتنيه/ منذ الشبابْ:

أ يا منبع السحر في الكأس صبي عصير السرابْ

 وهاتي معاني الحنانْ

وبنتَ الدنانْ

ليخفق في قفص الصدر قلبي إليها

ويسعى إليها

بشوق يكاد يطير

ويركض ركض الجواد الأصيلْ

إذا ما مضَى سابقـًا ظله في الرّبَى والسهولْ،

فهل من سبيلْ

إلى مقلتيك

وهل من دليل

إذا ضاع في بحر عينيْكِ مَنْ يهتدي بالـ(بُوصولْ؟)

***

أ . د : نورالدين صمود

 

سعد جاسمقوسُ قزح

يرفرفُ في حقل

فراشة

***

غزالتان

برقبة واحدة

عناق

***

هاربة

بانيابها الثمينة

الفِيَلَة

***

زرقتان تتحاوران

زقرقة البحر

زرقةُ السماء

***

فخاخ

تمشي في غابة

كمائنُ الصيادين

***

بفرائِها الثمين

تقايضُ الصيادين

الثعالب

***

ضوء

في الظلام

عيون بومة

***

كلبٌ

ينبحُ نفسَهُ

في مرآة

***

انهارٌ

تجري في صحراء

سراب

***

بيوتٌ

فوق الاشجار

اعشاشُ الطيور

***

جدائلٌ مضفورة

صبايا البستان

فسائل

***

ثعالب

تحاصرُ البساتين

موسم الكروم

***

الذئاب

تُعلنُ براءتَها

من دجاجِ القرية

***

يُنقذُ طفلاً

دُفنَ حياً

كلبٌ ذكي

***

منغلقٌ على نفسه

يحتمي باشواكِ جلده

قنفذ

***

ضفدعة تضحك

تحيةً لباشو

ماركةٌ مسجّلة

 ***

سعد جاسم

............................

* باشو: هو واحد من أَهم وأَشهر شعراء الهايكو اليابانيين

 

 

قصي الشيخ عسكرقصص بست كلمات وقصة قصيرة جدا

١

خطب فخامته طويلا والجو يمطر.

٢

سبني الببغاء بكلمات لم اعلمه إياها.

٣

أصابتني ضربة شمس في يوم غائم.

٤

يدخل الحلزون في قوقعته يظن لا أراه .

٥

كان ينتظر ثانية تفصل عنه راْسه .

٦

لا أرى قالها الفيلسوف فظنه الأعمى مثله.

 

قصة قصيرة جدا

هذه المرة كنت اسخر من نفسي تماما.

سبعة عشر ميلا قدت سيارتي لأحضر مزاد ملتون  كي ابتاع بعض الدجاج والطبور، قيل لي من قبل ان المزاد يبيع بسعر  رخيص وحين يرى المزايدون رغبتك بشيء واهتمامك فيه ينسحبون فلا يضايقك احد لكني الأسبوع الماضي لم انتظر طويلا حضرت مبكرا في الساعة السابعة هي المرة الاولى لي وعرفت فيما بعد ان المزاد يبدأ الساعة العاشرة وقبل ان ارجع وجدت محلا يبيع بعض الخضار وعلف الحيوانات وشدني قفصان كبيران لدجاج بني ذي ريش براق والأكثر ان ثمن الدجاجة لم يكن مرتفعا..

  شيء مذهل اقرب الى سعر المزاد

ابتعت بعض دجاجات وعدت ولم انتظر افتتاح المزاد ذلك اليوم وعدت هذا الأسبوع وفي نيتي ان ابتاع طيور الحب والكوكتايل وتوجهت قبل الافتتاح الى المحل القريب ...

لقد كان مقفلا وهناك عند العتبة حارس من هيئة البلدية يحدث زبائن يبدو انهم اشتروا الأسبوع الماضي دجاجات من  المحل ذاته كان يقول لأي  قادم المحل أغلق يبدو ان صاحبه كان يسرق الفراريج من المزارع ويبيعها للزبائن

 

انعام كمونةلن أمضي حقبا ..

ودوامة الرحيل توقظ جروحي

تمزق نهارات غربتي

بزحام تشتتي

تسقي سَّنامُ تصحري ..شغب نشوتها

تقدُ هامة ظلي باقدام اوجاعي

فوق بنات عروشي

تصهر صوت انفاس

هالات ذبول

بمقتبل الغواية

ومنتصف السديم

أبيت شطيرة ملح لمغتسل الذنوب

بسواحل كفني !!

أيبتلع جموح الفراق

جينات طيني ؟

ولوعتي بوصلة مسافر ؟

ترنو لشفاه غروب فتستبيحُ ملامحي

والسراب يستسقي حلم امنياتي ؟

سيتوالد طيني

يتواااالد بشاسع خطاه

غيثٌ معشوشب الغناء

متشذر الحقول

صداهُ …

وأقحوانة اللمعان

تعبرمناكب اليباب

يافعة الاتقاد

لتسمو ترنيمة الصلصال

مبلولة المدى

تكتسح سلافة الضياء

حُقُباً ...

مرتديا بشاشة الأمنيات

صوت صباحي

وهديـــــر صواري الوطن

مجداف زرقة

باعشاش زقزقة

لا تبرح أبدا

***

 نص / إنعام كمونة

 

محمد المهديانتصب وافر الظل

كما السنديان قالت

وهي تتأمل جواز السفر .

قالت الى اين؟

قلت الى حيث المفر ..

الى حيث ينبت العشب بين مفاصل الحيطان وتحت الشجر.

الى حيث تلهو الفراشات زاهية

و حيث تسافر الريح بشذى الزهر .

الى حيث تربو الارض ولا يشح المطر،

و ينقشع ضوء الشمس غداة السحر .

الى حيث الانسان يعيش انسانا

بلا خوف او ضجر ..

الى حيث الانسان يمضي

الى حال سبيله دون سؤال يلاحقه..

حيث لا غريم يرقبه ولا عيون مخبر .

الى حيث لا قبعة ولا حذاء عسكر.

قالت لقد اوجعتني ايها

الهارب من سقر..

كم تحمل من أوجاع مضنية

ينوء بحملها الحجر .

فاعذرني ان حركت فيك وجعا ساكنا

او اثرت فيك ماضيا قد استتر ..!

قلت لا عليك

فانا المسافر دوما بلا سفر،

وانا الهارب من مصيري منذ الصغر.

قد عودتني المرافئ ان انام تحت المطر،

وان اكل أديم الأرض واسكن الحفر .

انا الانسان عندما ينزع سر الحياة

وعندما يستبد بالأرض الطغاة،

والميادين يحتلها الغجر..!!

***

محمد المهدي

تاوريرت - المغرب

 1\07\2019

 

يحيى السماويســألـونـي  عـنـكِ:

هـل يـمـكـنُ أن تـرســمَ إيـنـانـا؟

فـقـلـتُ :


 

(1)

واقِــفــاً أمـســكُ فـرشـاةً وزيـتـاً  وأمـامـي حـامـلُ الـلـوحـةِ  ..

فـي الــمــرســـمِ  كـنـتُ  ..

*

ســألـونـي  عـنـكِ:

هـل يـمـكـنُ أن تـرســمَ إيـنـانـا؟

فـقـلـتُ :

*

كـيـف لـيْ أن أرسـمَ الـنـبـضَ ؟

ولـونَ الــريـحِ ؟

هـل يُـمـكـنُ أنْ يُـرسَـمَ شـكـلُ الـعـطـرِ ؟

أو يُــنـحَــتَ  صَـوتُ؟

***

(2)

إفـتـحـي لـيْ بـابَ فـردوسِـكِ إيـنـانـا

وصُـبِّـيـنـي بـكـأسِــكْ

*

خـمـرةً عَـتَّـقـهـا قـلـبٌ هـو الانَ

عـن الآثـامِ مُـمـسِــكْ

*

تـائِـبـاً جـئـتُـكِ  أسـتـجـديـكِ غـفـرانــاً

فـدُكّـي  وَثَـنَ الـطـيـشِ وأصـنـامَ  خـطـيـئـاتـي

بـفـأسِــكْ

*

واقـبـلـيـنـي ســادنـاً  فـي لـيـلِ مـحـرابِـكِ ..

فـلاّحـاً بـبـسـتـانِـكِ ..

نـاطـوراً لِــغــرسِــكْ

*

إنـنـي الـهـاربُ مـن يــومـي

الـى جـنَّـةِ أمــسِـــكْ

***

(3)

يــفــضـحُ الـحِــبْــرُ خَـفـايـا

الـوَرَقـةْ

*

والــشــذا يــفــضـحُ سِـــرَّ

الـزنـبـقـةْ

*

وأنـا

قــد كَـتَـمَ الـقـلـبُ تـبـاريـحـي

ولـكـنْ

فــضَـحَــتْــنـي الـحَـدَقـةْ

***

(4)

أوَداعٌ

قـبـلَ أنْ يـجـمـعَـنـا وَصْـلٌ؟

وصَـمـتٌ

قـبـلَ أنْ يُـسـمَـعَ صـوتُ؟

*

أنـا لـمْ أُولَــدْ الـى الانَ ..

فـكـيـفَ اخـتـارنـي مـن قـبـلِ أنْ أُولَـدَ

مـوتُ ؟

***

(5)

إنْ قـد غَـضَـضْـتَ الــســمـعَ عـنـي

واخـتـفـيـتَ وراءَ جـدرانِ الـسـكـوتِ  فـإنـنـي

ســأغـضُّ قـبـلَ الـطـرفِ قـلـبـي  ..

والـخـطـى قـبـلَ الـطـريـقْ

*

مـا حـاجـةُ الأعـمـى لــقــنــديــلٍ؟

ومـا نــفــعُ الــغــريــقْ

*

بـالـلـوحِ أو طـوقِ الـنـجـاةِ إذا انــتـهـى

جَــسَــداً بــلا نــبــضٍ

يُـكـفِّـنـهُ ظـلامُ الـقـاعِ فـي الــبـحــرِ الـعـمـيـقْ؟

*

أكـمِــلْ حـريــقَــكَ

إنـنـي الـحـطَـبُ الــذي لــولاهُ

مـا كـان الـحـريــقْ

**

(6)

حـامـلاً دفـتـرَ أحـلامـي وأقـلامـي ومـمـحـاتـيَ

جـئـتُ الانَ

كـي أنـهـلَ مـن كـوثـرِ درسِــكْ

*

أبـيـضَ الـقـلـبِ كـمـا

بـدلـةُ عـرسِــكْ

*

أنـتِ مـن نـفـسـي كـمـا الـجـنـةُ

مـن

مـطـمـحِ نــفــسِــكْ

*

جَـرِّبـيـنـي مـرّةً ســهــمـاً

لـقـوسِــكْ

*

ونـديـمـاً نـاسِــكَ الـطـيـشِ

لـكـأسِــكْ

*

وحِـصـانـاً جـامـحَ  الـعـزمِ

لـبـأسِــكِ

*

 

فـأْجُـري حِـبـري لـقـرطـاسِ أمـانـيـكِ  (*)

ومـحـراثـي لِــغــرسِــكْ

*

تـبـتُ مـن أمـسـي

فـدُكِّـي

صَـنَـمَ الأمـس بــفـأسِــكْ

**

(*) إشارة الى القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين)

**

(7)

ربَّ خُـسـرٍ

هـو عـنـد الـلـهِ :

فـتـحُ

*

وجـمـالٍ

فـي عـيـونِ الـحـقِّ :

قُــبـحُ

*

لـيـس لـيْ إلآيَ مـن بـعـدِكِ خِـلٌّ ..

وسـوى ضِـلـعـيَ فـي حـربـي عـلـى حـربـيَ

رمـحُ

*

رُبَّ لــيــلٍ آثِـمِ الـظـلـمـةِ

يُـجْـلـيـهِ إذا أشـمـسَ بـالـغـفـرانِ

صُـبـحُ

 

***

يحيى السماوي

السماوة 17/7/2019

 

ريكان ابراهيمكفى اغتراباً عراقيونَ أم غَجرُ؟

                 بين المنافي كدود الأرض ننتشِرُ

الجوع بوابة المنفى وصاحبه

                    أعمى يطارد رزقاً خطّه القَدرُ

لا يا بلاد الهنا، لا يا مرابعنا

                      بأي عُذرٍ على جنبيكِ نعتذرُ

فما كفرنا لكي نُجزى بسيئة

                  يا ليت مَنْ آمنوا منا كمن كفروا

بغداد مرت فقف يا كونُ محتشماً

                       فإنّها الكبرياء البِكرُ والظفرُ

مدينةٌ كلما شاخَ الزمان بها

                   تزهو شباباً على الدنيا وتزدهرُ

وضوؤها لصلاة الفجر أدمعنا

                  حرّى على بابها المأمون تنهمِرُ

ومتكاها طوال العُمر أضلعنا

                    لا يُشتكى برمٌ منها ولا ضجر

اليوم دهرٌ بعيداً عن مرابعها

             والدهر فيها كومض البرق يختصر

احجارها كعبةٌ أخرى لعاشِقها

              تُنخى على صمتها القاسي وتنتصرُ

لو غيرُ ربّ الورى صَحّت عبادته

                    لصحّ في مثلها أن يُعبَد الحَجرُ

                    (٢)

ما في يديَّ يدٌ، فليعْفُ مَن عتبا

                ضاقَت فلجلجَ صدرٌ حُمّل الغضبا

إن كان لا بُدّ مما بتُّ أجرعه

                     فخلّ ما ظلَّ يأتي مثلما انكتبا

كأنني، ويدي في الموت عابثةٌ

                      طفل تناستهُ أمٌ أو أضاع أبا

جميلة غربة الأجساد عن وطنٍ

                      فقد تعلمت منها كلّ ما وجبا

ما كنتُ أحسب أرضاً حاربت قدمي

                  يوماً ومدّت إلى كرهي لها سببا

تصير أمنيتي الكبرى فمذ بعدُت

                لم أعرف الفرح الخلاق والطربا

صرختُ في ليلة ظلماء حالكة

              فأسمعت صرختي الوديان والسُحُبا

وأُزلزل الأفق الأعلى فخاطبني

                     من جِنّهِ نفرٌ إذ ماد مُضطربا

وأطلعت من خوابيها ملائكة

                      أعناقها تتملّى المشهد العجبا

وحدّق الله في قلبي فأضحكه

                       قلبٌ يخطّ على جدرانه أدبا

لما رآني حنا من عرشه كرماً

                     يحيطني رحمةً منهُ بما وهبا

وقال لي: دونك المنفى سأجعله

                     خلداً واكسوك ابراداً به قُشُبا

على يمينكُ خمرٌ من مُعتقها

                 وعن شمالِكَ حورٌ تعصرُ العنبا

يدور حولك ولدانٌ بما حملوا

                  وتحتك الماءُ يكفي عذبُه السغبا

أجبته ودمي دمعي وأوردتي

                      كأنها النار لو ألقمتها الحطبا

لو الدنى اجتمعتْ في كفّ واهِبها

                       وكنتُ مالكها ما أبلغت أربا

لو حفنةٌ من ثرى بغداد ألثِمُها

                       ولا جميعُ جنان الله مُغتربا

بين الفراتين لو يومٌ واختُمهُ

                     بميتتي، لا أرى لي بعدهُ طلبا

سبحان ذاك الثرى لا أرضَ تُشبهُه

                        كأنه جاء مقطوعاً بها نسبا

على هواهُ استوت روحي مُيمّمةٌ

                وجهاً يلامس منه الجانب الرَطِبا

وداعبتُهُ وفيها من تلذّذه

                    بجرحها ما يثير الشكَّ والريبا

فيا زماناً لنا شابت ذوائبه

               أعد علينا الهوى والضحك واللعبا

وعُدْ بنا خطوات نحو نشوتنا

                      عِدنا بشيءٍ يواسينا ولو كذبا

صرنا كمحتطبٍ في حالكٍ دمسٍ

                    أو ممتطٍ زلقاً أو مرتقٍ صَعِبا

يا أهلِنا لم نزد إلّا بكم شرفاً

                     وليس إلّا لكم ما ندّعي حسَبا

بحثتُ عن لقب يرقى لمدحِكمُ

                   فخانني أن أرى في مدحِكمُ لقبا

جوزيت بالخير يا شعبي العظيم فقد

                    حملتَ ما ناءت الدنيا به حقِبا

يا حامل الهمِّ مزهوّاً بمحملِهِ

                     كأنما الهم مخلوقٌ لمن رغبا

على قفاك الندوب السود شاهدة

                     بأنَّ خلفك أفعى تنفث العطبا

سموتَ بالجوع إذْ حوّلتَ محنَتهُ

                       تصوّفاً وجعلتَ الزُهد منقلبا

                         *** 

د. ريكان إبراهيم

 

علي القاسميالغرابة مجسَّدةٌ في رجل.

التقيتُ به بعد أن التحقتُ أستاذًا بكلِّيَّة الآداب. كانت عيناه تشعّان ذكاءً لا يُفصِح عنه فمُه، فقد كان قليل الكلام، كثير الصمت.

لم أحتَجْ إلى طويلِ وقتٍ، لتلتقط أُذناي ما كان يتهامس به زملاؤه عنه. كانوا يقولون إنّه غريب الأطوار، غريب الأفكار، غريب الذوق والسلوك والهوايات، يصعب على طلابه أن يفهموه بسهولة. كلماته رموزٌ، وعباراته ألغازٌ بعيدةُ المرامي. يجمع المتناقضات في عقله، وتلتقي الأضداد في شخصه. يدرِّس الأدب الإنكليزيّ، ولكنّه خبير في التراث العربيّ القديم. كان مثل طيرٍ متميِّزِ اللون، يحلِّق بعيدًا عن السرب في أعالي السماء.

وصل أحد الطلاب الجُدد إلى قاعة الدرس متأخِّرًا عشر دقائق. ولمّا لم يكُن يعرف الأستاذ ولا الطلاب، فقد طَرقَ الباب وسألَ الأستاذَ:

ـ هل هذا هو قسم الأستاذ سيدي محمد؟

ـ "لا، فدرسه بدأَ الساعة الثامنة."هكذا أجاب الأستاذ بشكل طبيعي.

انصرف الطالب الجديد خائبًا، ولم يُدرك معنى ضحك الطلاب الذي لاحقه، ولكنَّه علم، بعد ذلك، أنَّ الأستاذ سيدي محمد قد لقَّنه درسه الأوَّل بصورةٍ لا ينساها، وفحواه: احترمْ المواعيد، تقيَّد بالوقت، فالوقتُ من ذهب.

فالوقت، بالنسبة للأستاذ سيدي محمد، مقدّس ذو قيمةٍ ساميةٍ، تكاد تعادل قيمة الدرس أو تسمو إلى مرتبة الأستاذ نفسه، وكأنّه يِؤمن بمقولة: " لولا الوقتُ، لما صار الإنسان إنسانًا ". ولهذا لم استغرب حمله ثلاث ساعات في آنٍ واحد: ساعتان يدويَّتان: واحدة على كلِّ معصم من معصمَيه، وثالثةٌ ساعةٌ جيبيّةٌ في جيب قميصه القريب من قلبه. وأحيانًا، يحمل بضع ساعات أُخرى في بقيَّة جيوب بذْلته. ولعلَّ سلوكه هذا هو الذي دعا زملاءَه إلى وصمه بتهمة الغرابة.

توثقتْ علاقتي بالأستاذ سيدي محمد بعد أن تأكَّد له أنّني أحترم الوقت وأنّني أفهم أو أتفهّم النزر اليسير من أفكاره التي باح بها إليّ. وهكذا اطمأنَّ إليَّ وزادت ثقته بي، فدعاني ذات يومٍ إلى منزله لتناول الشاي معه.

داهمتني الدهشة والعجب عندما دخلتُ منزله، وبذلتُ جهدًا كبيرًا لإخفاء مشاعري، فقد خشيتُ أن أُسيء إلى مضيّفي إنْ ظهر الاستغراب على وجهي. كانت باحة المنزل غاصَّةً بحشدٍ غريبٍ عجيبٍ من الساعات القديمة والحديثة التي ينبعث منها خليطٌ من الأصوات والدقّات والأنغام. ففي وسط المنزل كانت ساعةٌ مائيّةٌ تحتلّ مكان النافورة. عرفتُها من أسطوانتها المملوءة بالماء، والآلة المجوفة الطافية على الماء، والكرات الصغيرة التي تسقط واحدةٌ منها كلَّ ساعةٍ في طاس، فتُحدث طنينًا يُعلِن عن انقضاء ساعة.

وفي أعلى الحائط المقابل نُصِبتْ ساعةٌ شمسيّةٌ كبيرةٌ. وهذه الساعة مؤلَّفةٌ من عودٍ خشبيٍّ مغروزٍ في الحائط، تسقط عليه أشعة الشمس، فينتقل ظلُّه على لوحةٍ من الأرقام المخطوطة على الحائط لتحديد الوقت. وعلى جانبَي تلك المزولة، عُلّق على الجدار إسْطُرْلابان كبيران، أحدهما نحاسيّ والآخر فضيّ، لا أدري كيف حصل عليهما، لأنّني لم أَرَ إسْطُرْلاباً قطّ في أسواق هذه المدينة التي أعرفها منذ سنوات عديدة. وبينما كنتُ أفكِّر أنَّ الساعة الشمسيّة والإسْطُرْلاب لا يساعدان على معرفة الوقت إلا في النهار المشمس، لمحتُ على منضدةٍ في زاويةِ باحةِ الدار ساعةً رمليّةً مؤلَّفةً من قارورتَيْن زجاجيتَيْن كبيرتَيْن مُتَّصلتَيْن بعنقٍ صغيرٍ، وقد مُلِئت القارورة العُليا بالرمل، في حين خُطَّتْ على القارورة السفلى خطوطٌ وأرقام، وأخذتْ ذرّات الرمل تتسرَّب من القارورة العليا إلى القارورة السفلى من خلال العنق، ليشير الحدُّ الذي يبلغه الرمل المتجمِّع إلى الوقت.

وكانت بقيّة الجدران مكتظَّةً بالساعاتِ الحائطيّةِ من مختلف الأنواع والأحجام والأشكال: ساعة حائطيّة ببندولٍ طويلٍ يتدلّى منها ويتراقص يمينًا وشمالًا، وساعة حائطيّة رقّاصها على شكل طير يزقزق الدقائق ويُطلق صيحات بعدد الساعة، وساعة حائطيّة تنفتح من وسطها بين ساعة وأُخرى فيخرج منها تمثالُ رجلٍ صغيرِ الحجم ليعلن الوقت بصوتٍ أجشَّ ثُمَّ تنغلق عليه.

شعرتُ أنّني ينبغي أن أقول شيئًا، لأُخفي أمارات الاندهاش التي سيطرت على وجهي، فرسمتُ ابتسامةً على شفتَيَّ وقلت:

ـ هوايةُ جمع الساعات رائعة.

بدتْ لي عبارتي سخيفةً ولا معنى لها في ذلك المقام، فأردفتُ قائلاً:

ـ منزلك أشبه ما يكون بمتحفٍ متخصِّص .

قال دون أن ينظر إليّ:

ـ الساعة أروع ما اخترعه العقل البشريّ. ويعود الفضل لأجدادنا العرب القدماء.

وهنا حاولت أن أقول شيئًا ذكيًّا ينمُّ عن إلمامي بتاريخ الساعات، فلم يحضرني إلا العبارة التالية:

ـ أتقصد بذلك الساعة الدقّاقة التي أهداها الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى شارلمان، ملك الإفرنج، فأفزعتْ حاشيته؟

قال:

ـ لا أقصد بالساعة الآلة أو الأداة، وإنّما الوحدة الزمنيّة. فالعرب البائدة من السومريِّين والبابليِّين والفراعنة هم الذين توصَّلوا إلى تقسيم الزمن إلى سنواتٍ وفصولٍ وشهورٍ وأسابيعَ وأيامٍ وساعات، عن طريق مراقبة الكواكب والنجوم، وتقسيم الزمن الذي تستغرقه في كلِّ دورةٍ من دوراتها.

دخلنا صالة الجلوس فوقع نظري على لوحةٍ خشبيّةٍ كبيرةٍ معلّقةٍ على الجدار، وهي تحمل اثنتي عشرة ساعةً جيبيّة. وكانت بقية الجدران مكسوَّةً بالساعات الحائطيّة المختلفة؛ والطاولات في الغرفة مليئةً بالساعاتِ المنضديّة المتنوِّعة. وكانت دقّاتها تختلط في سمفونيَّةٍ غريبةٍ من الأصوات، والأنغام، والإيقاعات.

لم يكُن خادمه العجوز موجودًا ذلك اليوم، فذهب بنفسه إلى المطبخ لإعداد فنجانَين من القهوة. واغتنمت الفرصة لإلقاء نظرةٍ على لوحةِ الساعات الجيبيّة المعلَّقة على الحائط. كانت تشتمل على اثنتي عشرة ساعة جيبيّة، كما قلت. وكلُّ ساعة كُتب تحتها اسم مدينة من مدن العالم ابتداء من الشرق إلى الغرب، بحيث يكون الفرق ساعةً واحدةً بين كلِّ مدينة وأخرى: طوكيو ، كوالالمبور، بانكوك، إسلام آباد، دلهي، مكة، القاهرة، تونس، الجزائر، الدار البيضاء، إلخ.

عاد الأستاذ يحمل صينيّةً وفيها إبريق القهوة وفنجانان كبيران. ولمّا وضعها على الطاولة، لاحظتُ أنّ أحد الفنجانين يحمل رسمًا لساعةٍ فيها ثلاثة عقارب ملوَّنة.

لم أشأْ أن أسأله عن سرِّ الساعات الاثنتي عشرة وعن فائدتها له وهو مختصٌّ بالأدب الإنكليزيّ وليس بالجغرافية. وحاولتُ أن أصرف المحادثة عن موضوع الساعات التي لا أعرف عنها كثيرًا، إلى موضوعٍ آخر كالقهوة التي أعدُّ نفسي خبيرًا في شربها، فلم أوفّق إلا إلى قولٍ سخيفٍ آخر:

ـ  هذا فنجان لطيف على شكل ساعة.

وإذا به يقول:

ـ إن كلمة "فنجان" كانت تُلفظ " بنكان". واستُعلمت كلمة "بنكان"، في التراث العربيّ، لتدلَّ على نوعٍ من الساعات ذات الآلات الميكانيكيّة. والفنجان الذي ترتشف القهوة منه الآن يقوم بالوظيفتَيْن. فعندما تنتهي من شرب قهوتك تستطيع أن تقرأ فيه الوقت الذي استغرقتَه في الشرب.

لم أدرِ ما أقوله له، ووجدتني أشيح بوجهي عنه، وإذا بعينَيّ تسقطان على طاولةٍ قريبةٍ منا، وعليها سبع ساعات يدويَّة لها الحجم نفسه والشكل نفسه، أو هكذا تبدَّتْ لي تقريبًا. وألفيتني أسأله بشيءٍ من نفادِ صبرٍ:

ـ وما فائدة اقتناء سبع ساعات يدويّة من نوعٍ واحدٍ، كتلك الساعات المرتَّبَة على الطاولة؟

أجاب بهدوء أقرب إلى الرتابة، كأنَّه يلقي درسًا كرَّره مرارًا:

ـ إنّها ليست من نوعٍ واحد. فالأولى تعمل باللولب، والثانية تعمل بالبطارية، والثالثة بحركة اليد، والرابعة بنبض المعصم، والسادسة بالطاقة الشمسية، والسابعة بحركة الهواء. أضف إلى ذلك، أنَّ كلَّ واحدةٍ منها تقوم بتنبيهي إلى أمرٍ مختلفٍ، بنغمةٍ مختلفة.

قلتُ له، كأنني أنتقد بصورةٍ غير مباشرة هوسَه بالوقت:

ـ ظننتُ أنّ أجدادنا العرب القدامى لم يحفلوا بالوقت كما نحفل به اليوم، فبعيرهم في الصحراء لا يعبأ بالوقت، كما تتقيّد به طائراتنا اليوم.

قال مستغرباً قولي:

ـ على العكس تمامًا، كانت معرفتهم الدقيقة بالوقت تعوّض عن ضعف وسائل الاتصال والمواصلات عندهم. وكان من حرصهم على الوقت أنَّهم خصّصوا اسمًا لكلِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار. فأسماء ساعات النهار الاثنتي عشرة، مثلاً، هي: الذرور، البزوغ، الضحى، الغزالة، الهاجرة، الزوال، الدُّلوك، العصر، الأصيل، الصبوب، الحُدُور، الغروب.

سردَ تلك الأسماء بطلاقةٍ متناهيةٍ، حسدتُه على خفَّةِ لسانه فيها.

كانت الساعات المختلفة الجداريّة والمنضديّة والجيبيّة واليدويّة تقرع، بين آونة وأُخرى، أجراسًا وجلاجل متباينة الأنغام، متنوِّعة الإيقاعات. وبمرور الزمن، اكتشفتُ أنّ حياة الأستاذ سيدي محمد تتحكَّم فيها أجراسُ ساعاته. فجرسٌ يوقظه من نومه في الفجر لأداء صلاة الصبح، وجرسٌ آخر يقرع ليدخلَ المغطس في الحمام ويستلقي في مائه الدافئ المريح، وجرسٌ آخر يُخرجه من الحمام، وخامسٌ يُجلسه على مائدة الفطور، وسابعٌ ينبّهه إلى الخروج في اتّجاه الكُليّة. وجلجلةٌ خفيفةٌ من إحدى ساعتيْه اليدويَّتَين تسترعي انتباهه إلى التوجُّه إلى قاعة الدرس، وجلجلةٌ من الساعة اليدوية الأُخرى تذكّره بانتهاء الحصّة، وهكذا دواليك.

توثَّقتْ صداقتنا حتّى أخذتُ أقترب من تفكيره، وأمسيتُ أقربَ الناس إليه. ولم يُثِرْ استغرابي كونُه يعيش وحيدًا، فليس هنالك امرأةٌ تستطيع أن تعيش مع جميع تلك الساعات الدقّاقة. أمّا خادمه العجوز، فقد اكتشفتُ أنَّه مصاب بالصمم، وأنَّه اعتاد على مُجرياتِ حياةِ الأستاذ المنظَّمة بحيث إنّه لم يَعُدْ في حاجةٍ إلى قراءة شفاهه لمعرفة تعليماته.

وعندما مرض الأستاذ كنتُ كثيرًا ما أعوده، فأُعجبُ لصمت تلك الساعات. لقد توقّفتْ عن قرع أجراسها، كأنّها تحرص على عدم إزعاجه. طال مرضه، ودام صمتُ ساعاته شهورًا.

وذات يومٍ، هاتفني خادمه العجوز يستدعيني إلى منزله على عجل.

أسرعتُ إلى المنزل. ودخلتُ غرفة نومه. كان مسجّى على فراشه، وقد فارق الحياة. وكانت جميع الساعات تقرع أجراسها بشكلٍ متواصلٍ.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

 

 

صحيفة المثقفليت ......... نافذة

ليت لي نافذةً فوق طريقْ

يُزهر الأحداث فعل السنبلةْ

ليت لي عيناً

            مثل زرقاء اليمامةْ

ليت لي قلباً

                 كليلى الأخيليةْ

   أو وشاحاً ليلكيا

أو لساناً فذلكيا

أو قميصاً من حرير

   يرتدى دهرا ولا تبلى خيوطُهْ

                     ***

 ليت لي بحراً تراه النافذةْ

ومروجاً عسجديةْ

ورياحاً 

تشهد الأشجار على فتنتها

وعلى ضوع شذاها

وأراجيح سمر

ليت لي ألف قمرْ

ونجيماتٍ

وشمسْ

تحتويني

ثَمَّ باتت قيد داري

منذ أمس

               ***

ليت لي مروحة

بنثارات جليدْ

ليت يغشاني أنا

عيد سعيد إثر عيد

وبعينيَّ ينام

               نبضُ أحلام وليدْ

ليت لي دنيا

              ككل الناس

                         لا أرجو المزيدْ 

                              ***

سمية العبيدي / بغداد

17/7/ 2019

 

حسن العاصيتتلوى البيوت

حين يراودها قنديل الريح

من يمحو حكايا الوجوه

عن الجدار

يسائلنا الرثاء

من خيبة

هل عبرتم مرة

حزن المدينة؟

هل أوجعكم الموت سهواً؟

أي جنون حمل السفينة

تطفو فوق العصافير

2

يسيل غيم الوضوء

من صدر السماء

يتأهب الموتى للصلاة

كان التراب فاتحة الجثامين

الركعة الأولى

نامت الجدران قرب لوحة الأنبياء

مدّوا في السجود

مزيداً من الإيمان

نفثوا حزنهم

فوق الشموع الأخيرة

وعادوا إلى السر المعلّق

ينتظرون قيام الليل

3

تأخرت الأبواب المغلقة

وذهبت حقائب الرحيل

يخلع الانتظار من الضجر

لون العصافير

ويرسم القلق زورق السفر

على وسائد الغموض

كان اللقاء على الأبواب

تفتقد الشمس ضباب الشروق

ومفتاح الأسفار يحتضر

نتأمل مطلع القادم

الأحلام أجمل ما في العشاق

4

تلفحنا الملامح الرمادية

فنشتهي المساحات البيضاء

يختطف لون الألواح

وجع اللحظة

كأننا نولد من يقين مُحرّمْ

كم يتشابه قمح الأحلام

لكن خبز المسافات

مرايا أخرى

فكم عمر العثرات ؟

لا أحد في أعباء الغفلة

يفصل بين ضفتي الجنون

5

أبحث في رثاء الصمت

عن صدفة تنتظر

أرمّم أجنحة الجسور

وأغسل زمني ومواسمي

بالمرآة الغائبة

أكتب آخر الأسماء

بماء العيون المنكسرة

سألتها كيف نشفي الذاكرة

وتصحو الدهشة ؟

قالت

إني أشد حقلي

كي أسمعك

لملمْ فتات الوهم

واقطف من قلبك

المواعيد الفائتة

قلت لها

كم يحتاج الفراش إلى زهر

لتغفر الفصول ذنب المطر

قالت

قبل أن يغلق المصير الدائرة

هذا أعمق سر لا يعرفه أحد

6

نخلع من مواسمنا وجه الفراغ

لا جنون آخر

لتأخذنا الطفولة أحجية

هائمة في مساحة العري

مازلنا صغاراً

نشبه الوقت الراكد

على بساط الإيمان

إن أردنا لا نكبر

لدينا ما يكفي من ساقية الصباح

ذات صحراء وأدت ضلال الغيوم

نقشنا أسماء المدينة

في رسائل الغائبين

ورمينا من وجع الجدران

نافذة الرحيل

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك