فتحي مهذبالغراب مسدس ضرير..

كل طلقة أقحوانة ميتة..

الهواء يمشي على قدميه

مثل راهب شغلته هواجس الميتافيزيق..

كان أبيض الرأس وله دشداشة

تلمع من بعيد..

كان الهواء حزينا وله مشية الأرملة.

**

إمرأة عميقة جدا

أمواجها بنات شقراوات..

كلما أعبر طريقي الى قاعها..

ترشقني نهداها بضحكة ماكرة..

أخمن أن اسمي في قائمة ضحاياها الجدد .

لذلك غالبا ما أبدو مرتابا

مثل أرنب عضه فراغ عائلي.

**

أيها الصديق الراعف بسم الشوكران..

لا تتسلق قامتي مثل سنجاب قميء

أنا مسلح بشوك الأكاسيا.

**

مثل ورقة قيقب

تسقط يراعة الندم..

الكاهن في البستان

يقلم نتوءات صليبه

صوته أقحوانة حزينة..

استسلم أيها الهدهد المسلح بتاج العارفين..

هبني حقيبتك الملآى بفصوص الحكم..

وليكن ندمي أضيق من سم الخياط.

**

الليل متسول سيمياء..

في ألبوم الرأس عابرون كثر..

ناووس صديقتي العمياء..

شجرة دائمة النسيان..

وبنادق صيد لزلزال مروع..

لكن الفأس لم تزل بفصاحة جيدة

القتل متواصل ..

اشرب أيقونة القديس لتشفى..

واعتن جيدا بقمح التفكير.

**

الفراشة وردة الصوفي..

الجدول مثل نهد ثرثار

مشنوقا يتدلى على حافة أصابعك

البراقماتية..

نسيت خاتمي على أريكة النعاس..

صوتى منسدلا على الكنبة..

خوفي معلقا على حبل أعصابي..

في انتظار أن تعبر أمي مرة ثانية

من شقوقي مخيلتي .

**

نحات جيد

التحيات لك ولتبر الهيولى..

البديهيات تماثيلك المضطهدة..

والرأس ورشتك الأثيرة.

**

اللكمة مروعة جدا..

حواسك نساء عمياوات..

مطوق بأسد أشقر

وبرج مائل من الهنود الحمر ..

آه ما آشقاك أيها الغريب .

**

في المرآة بجعة

هاربة من حوافر جاسوس..

الحرب خلفت بناية مهشمة

تبكي مثل أرملة..

نوافذ سيئة الطباع..

عربة اسعاف مكفهرة

قتلى يسخرون من خاتمة المسرحية..

كان خبزهم طازجا ..

وعيونهم مصابيح مهشمة .

**

انه الشقيق الأصغر

فر من أسد يزأر تحت شباك الأرض

حاملا حزمة يراعات..

صلبانه الأبدي..

هواء المارة النائمين..

يوقظ حصان العمر بمهماز

ليواصل ابتلاع الضباب..

والعدو الى الوراء..

انه السيد النهار ..

مجلجلا مثل نواقيس كنيسة

في صحراء الشك.

**

يا مسيح

لا تذرني ..

المهرج يفقأ عين النبع..

السلوقي لا يعبأ بصلاة الأرنب الهارب..

وتتبعه سنابل الساحرة-..

على الجسر جحافل الغزاة..

سأحاول الهروب مع نيزك

قبل انطفاء الوردة.

**

ما أكثر العميان هنا

العين بندقية صيد المحسوسات..

من الحكمة أن نشحذ عيون الباطن.

واستدراج الأفق الى مكيدة.

**

مصباح صغير

يطوي جناحيه مرة في اليوم..

بيد ساحر من ألف ليلة وليلة.

**

يلبس التاج

ويغزو الحقول..

عائدا من جزر اللامعنى

الى ثلج اليقين.

**

السعادة

تحصين الكلمات

من شرك العادة..

انه لزوم ما لايلزم في فهرسة

الهواجس .

**

دموع الأواني..

حجر يتنهد اثري..

اللاشيء الفارد جناحيه..

الثور الذي يدفع الى التهلكة

بحواس شرهة..

لن أصعد السلالم

ثمة شيطان وملاك

يتقاتلان بضراوة..

أنا شحاذ مجازات في المنفى..

وراوية على عجل يرتق سير النعامة.

***

فتحي مهذب

 

 

محمد الذهبييا صحبةَ الراحِ كيف الراح كم سكروا

               من الندامى وكم في الصحوِ قد قُبِروا

اثنان مرت وقد مرت بلا خجلٍ

                         وهاجسُ الكأسِ لا يبقي ولا يذرُ

بقيتُ ابكي على هندٍ لأوقظها

                          وعفتُ كاسي يناغي ليلَها القدرُ

(يا صحبةَ الراحِ) ما ناحوا ولا عقروا

                         ولا على حيِّنا من غيثهم مطروا

وكم تمنيتُ لو كأسٌ فنرضعها

                          ففي الرضاعةِ إخوانٌ إذا قدروا

(يا صحبةَ الراح) قلبي صار أغنيةً

                        والحانُ قربي ولكنْ رابني الحذرُ

مازلتُ احذرُ كأسي أين تأخذني

                              الى نديمٍ علاهُ الزهو والكِبَرُ

هم الندامى تُرى من عاق باطيتي

                           هم ثقّبوها فسال الدمع والخَمُرُ

وقلتُ أين الندامى أين ضجتُهم

                            وأين منهم عيونٌ زانها السهرُ

غابوا عن الأمس حتى عاد حاضرهم

                        يلهو عن الكأس لا كأسٌ ولا وترُ

أنا تصوفتُ لا أبغي بهم بدلاً

                         إنْ كان في الحدِّ حدٌ فهو منكسرُ

اشرب فديتك خميراً إذا ذُكِروا

                            وإنْ هُمُ أحجموا فالكأسُ تدّكرُ

وذي الشفاهُ على كأسِ الهوى اجتمعت

                           فمالها لا ترى ما يرتئي النظرُ

ما هذا عصري ولا وقتي فأركبهُ

                          خلّفتُ ناقي لدى عباس تحتضرُ

قد كنتُ من جيلهم لكنْ بغوا سفهاً

                              وخلّفوني لدى جيلٍ سيندحرُ

كانوا نداماي لا أعدو فأدركهم

                             ولا اخفُّ إذا ما ليلهم سمروا

لكنهم غادروا صمتي بلا سببٍ

                         ولا الى مجلسٍ يا ويحهم عمروا

وهمتُ همتُ بليلى وهي خائفةٌ

                     ان تمنحَ القلبَ ما ضنتْ به الصورُ

بقيتُ وحدي اسلّي القلبَ في وترٍ

                           نياطُهُ من لهيب الشوق تستعرُ

ففي جحيمي عصاراتُ الهوى نَظُبتْ

                       وفي جناني رأيتُ الشوك يختضرُ

كلُّ الندامى على أطراف داليتي

                          غنيتهم من أنيني بعد ما خمِروا

أرهقتُ سيدَهم نشوى غدتْ حُلُماً

                        وساورتني ظنوني كيف اختصرُ

حتى أتيتِ بأطراف الحديث لقىً

                       قد شابها الوقت فاقتاتتْ بها الغبرُ

جلوتُ عنك بأشعاري صدا زمنٍ

                              فلاح منك بريقٌ فهو يزدهرُ

(يا صحبةَ الراح) انتم من يضنُّ بها

                                أما أنا فبكأسي تكمنُ العِبَرُ

***

محمد الذهبي

 

 

حسن العاصيوحدهم المنتظرين بحزنهم

يزدهون بوردة الفرح

وهم على قاب مخاض الشقاء

لتهبّ أبجديات النزوح

من خاصرة الجروح

وينكفئ شعاع الأمل

في انحناءة قزحية

2

تمرُّ بي

فراشات البحر

تحلّق نحو الغيمات المهاجرة

جهة غصن الضوء

لتمطر في درب الرحيل

لون الصبح

3

تمضي الخطى

نحو دائرة الغفوة الأخيرة

تخلع بعض دروبها

لتستريح

تدخل عتمة العمر

تصلح قدميها

وتمضي

4

يحاصر البحر موج التراب

ألتحف حيرتي

وأغفو على صدى الحزن

أغمض أرق حزني

لأنعتق من الخطايا

موجة حزينة

5

في دروب العمر

يموت وجه الأحلام

نكفنها بحرير القلوب

تبكيها عصافير الصباح

على الشرفات المطفأة

تحضنها خميلة الوادي

لتغفو حزينة

6

تعدو مرايا الوجع

في مواسم الخطايا

تبكي ساحات المدينة

صخب العمر

مثل شفق تُحار له

الضحكات الحزينة

تنحني سنابل الدهشة

وتُغلق على موجة الحقل

واحة الشقاء

7

ذات ركود

أوصد الوجع خيوط الحلم

يترجّل التعب

من صهوة الوقت

يقطف أشلاء السكون

بغيمة بين وهْمَين

ليهتدي المطر

إلى ساقية الصباح

8

ضاق الشرق بفسحة الحياة

تغازل جهاته ضفاف الموت

ألا يدل الدم على القاتل

ويستدل على القتلى بالقبور

على جناح الندى

أسرجنا غيث الموتى

ليغفو في أحضان الأرض

ونختم سحابة الغدير

من الشمس إلى المطر

***

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عبد الجبار الحمديؤهناك حيث الحظوظ الواهية... ينكب طابور طويل تعوي حوله همهمات شخوص فركت راحة أيديها علها تستبشر الخير وهي تتأمل أن تنال تذكرة مستقبل... هو لم يعي فكرة الوقوف غير أنه تعود في وطنه أن يقف ضمن الطوابير الطويلة التي عادة ما تكون للحيوانات حيث تساق الى حتفها، قادته أقدامه حيث واهب التذاكر كما الجمع الغفير... عالم مخيف يسير دون أن تشعر به خاصة الطوابير ممتدة الى مالا نهاية وعن ذات اليمين وذات اليسار.. كل ينشد التغيير إلا هو.. يريد ان يعلم الإجابة عن سؤال أرهقه..لم نحن؟؟

ساعة منتصف الظهيرة قد شدت بقِدرِ حرارتها وَهَمَت على ان تصب جام أشعتها على تلك الرؤوس والاجساد التي خرت ذائبة كالشمع، تمسك بفتيل عمرها الذي دفن حيا في باطن أيام... يا إلهي!!! كيف لي ان أتنفس فقد ضاق صدري كأن نهايتي قد توائمت هنا!؟ كان يتابع تلك الموجة التي تتمايل في سراب أعين غطاها العرق فلم تعد تميز أين هي؟؟ أختلطت الطوابير تداخلت الشخوص في الشخوص كل يحاول ان يسدل على نفسه غمامة تقيه غضب الظهيرة... سارع بين جمع مثله نحو بقايا ظل تسابق قبلهم الى الجدار فألتصق به مد ثوبه الى من حاول أن يلوذ معه... وقفوا مصطفين كأنهم ينتظرون لحظة أعدام، أما البقية سارعوا الى نزع ما كان يقي أجسادهم ليضعوه على رؤسهم التي أيقنوا أنها قد فرغت من ماء عقلها.. وإلا ما الذي يدفعهم للوقوف وقد جربوا حظهم لأكثر من مرة؟ علموا أنهم مجرد بيادق لأيام ترثيهم حالها حين رقصت على أجساد ساحات حروب مزقت ثياب العذارى واجهضت النساء الحوامل، بقرت بطون من فيها من ولادات أمل... إنها رسالة الشيطان الذي وقفوا بين يديه ليعلنوا الوفاء له... لحظات مخيفة جاوزها وظهره قد سلخه الجدار وهو يسمعه يقول: كل شيء بثمن، أم ظننت أنك تستظل بي دون أن ينالك لهيب وجعي؟ ها أنت تراني أقف وقد تَفَت عَليَّ وتقيأت أشكال وأصناف ممن وردوا هاهنا... لم يحسنوا الظن بي، حتى أن البعض قد بال أو تغوط في خلسة كالحيوان هكذا هي دسائس الإنسان دلس، فما ان يريد ان يرمي بقاذوراته حتى يستند الى من لا يتكلم ولا يرى ولا يسمع ثم يقوم بفعلته الخبيثة... شأن من ساروا مع موسى بعد أن خط لهم الطريق فخانوه وقبلها أنفسهم لأنهم لا يريدون ربه بل ما عنده من ثروات وملذات، فَجَروا بكل قيمهم حتى وصل بهم الأمر ان يصورا أنفسهم أتقياء تخت غطاء الفقر والعوز بأنهما الطريق الى الجنة... حتى المسيح حين جاءهم بمعجزة لم يصدقوا بل قارعوه وحطوا من شأنه، لم يتبعه إلا من كان قد علم انه طريق الهداية لغاية بعد حين... جلدوه، صلبوه، وتخوزق من كان لا يصدق بموسى ومعجزاته، أما معجزات عيسى فكانت عبارة عن حكايات لساحر مجنون... تناسوا من يكون ومن هي والدته... عاثوا بكتب الأولين، قصوا حكايات جديدة تتوائم مع شيطانهم وربهم الذي يعبدون...الى أن جاء محمد الرسول الخاتم الذي عرفوه عندما حطم أصنامهم وهز عروشهم، فاقهم صبرا ألزم على نفسه أن يكون بيد الله الذي اراد له أن يكون، غير أن نفس النفوس التي وقفت في طوابير تتجمع كي تنال تذاكر الدخول الى عالم لم تعرفه من قبل جموع غفيرة بين المنافق والكذاب بين المرائي والزاني بين العبد والحر... بين من يريد ان يكون ربا وبين من يريد ان يكون عبدا... أختلط عليهم الأمر فعاثوا في الأرض فسادا، بقيت الرسالات مجرد حكايا يرويها الأباء للأبناء والجدادت الى الأحفاد... علقت في أذهانهم أن تلك الحقبة خير من هذه... سلكوا وديان ذات كثبان، الزموا نواياهم أنفسهم، خبؤها كل خبئ نيته تحت أبطه أثخنها نتانة حتى فاحت لم تكن النوايا شريفة او حسنة، بل شرعوا يبيحون القتل والسلب والنهب على إنها شجاعة وبطولة... توافدت عليهم النفوس تريد بيتا ببكة لا للعبادة او الصلاة بل للتجارة وبلوغ متعة الدسائس كم تبيع حتى أشتري ربك الذي صنعت، فكثرة القوادين اتاحت ان تكون العاهرات صاحبات سطوة... ذلك ما اوردته خيم الرايات الحمر التي تتسابق الرجولة والفحولة لنيل مجون بعد ان يتصارعوا من نال ممن لم ينل.. يكثر الصراخ والعويل بل النهيق حتى يتطارحوا الشعر، يتفاخر الرجل منهم على أنه ولغ في جب لغط فيه العديد ممن صحبوه وهو عار من اللباس... فَخرُ العرب كثرة الفتوحات، اية فتوحات؟!! وقد ألزموا ذكورهم أن تكون في مقدمة الفتح... ساروا بعد ان قسموها بين متعة وجهاد نكاح حتى من دبر فالغاية تبرر الوسيلة... فما دام النتيجة توصل الى ان تكون في الجنة المزعومة، وقفت الجموع تستجدي من الرب الحجري ان يمن عليها تسارعوا بجلب النذور للحصول على بطاقات من ربهم الجديد... هاهي الصورة تقلب الأنسان، وها هي نفس الجموع تقف الآن طوابير طويلة منتنة رغبة في تذكرة دخول عالم الرذيلة، عالم اللاحدود... فمن يعمل منكم مثقال ذرة شر يره شعارهم الجديد.. لقد واكبوا القافلة التي لا زالت الكلاب تنبح عليهم بالصلاح... لم يكترثوا، لن يقفوا، إن القرابين التي تقدم جاهزة لأن تسلخ جلودها، تباع على أنها موروثات زمن الجاهلية... لا تركنوا للحقيقة أبدا، فلا حياة لكم بعد هذه الحياة هي الأولى والأخيرة، أصيبوا منها ما يمكنكم إنها قصيرة لا تعولوا على الحلال والحرام، فالدين عبارة عن وسيلة والغاية ان تنال ما تشاء بل تسرق تنهب تستحوذ على ما تشاء... ما هي إلا عبارات يلزمك ربك ان تقولها كي تدخل عالم المجون، من هو صاحب الغد؟؟؟ بالتأكيد لا أحد، إذن عش يومك، لحظتك بكل حقارة الى أن تنال مكانتك بجدارة، كونوا أشباحا فالعالم الإفتراضي يقودكم لان تتركوا الواقع، تتعايشوا مع البدعة والخرافة الرفض دائما بمعنى القبول، تناسخوا بخنثكم، أتركوا رجولتكم على ابواب العاهرات، هلموا تجمعوا إنها تذاكر العالم السفلي الذي تحلمون... فعالمكم العلوي لا يجيد الإتيان بمشيمة ممزقة ورحم مشبع بسيول من الماء العفن... هيا قفوا دون أن تنبسوا بحرف واحد، فمن أراد الدخول عليه أن يتعرى حتى يأخذ تذكرته، لا عار ولا خجل ديتها ختم على مؤخراتكم، لا ينالكم الجزع إنها مجرد وشم بسيط كتلك الوشوم التي تثبت للبعض أنهم من عالم ديوث يتاجر بالبشر لكم ما لكم وعليكم ما عليكم... لا تخافوا الخوازيق فقبلكم كانوا يتأوهون لكن ما أن اعتادوها حتى صاروا يطلبونها رغبة، إنه عالمكم الجديد من يركب البحر لابد له من ان يتذوق ملحه هههههههههه أنه خير ملح لحفظ الود بينكم أيها البشر، الم تقولوا أن العيش والملح هو بمثابة ميثاق شرف؟ هذا هو مثياقكم الحديث سارعوا قبل ان تنفذ التذاكر...

تهافت الجمع حيث الصوت الذي ما ان اشار بيده حتى تكالبت أمة كالبغال تتصارع للوقوف تحت عصارة الشمس لتحصد بطاقة الحظ وهي  تعي أن ما تدفعه لنيل حلم يقظة أفضل حلم من ناموا على وسائده بأفيون دين خدرهم كي يسرق ما وقفوا من أجله تحت أشعة شمس حارقة في منتصف الظهيرة صارخين هل لنا بتذكرة لو سمحت؟؟؟

 

القاص والكاتب

عبد الجبارالحمدي

 

عبد الاله الياسري1-عبد الله سرمد الجميل

2- عبد الإله الياسري

***

1- قال الشاعر عبد الله سرمد الجميل:

آتٍ من المَوصِل الحدبـاءِ أُخبرُكــم

أَنْ لم تزَلْ عندَنـا تُستخـرَجُ الجُثَثُ

 

وأنَّ مَنْ حلَفُــوا كفَّ اليمـيـنِ علـى

حِفظِ العـــراقِ هُـــمُ واللهِ قد حنَثـوا

 

فـلـلـبــلادِ حدودٌ لـيـسَ نـعـبـرُهــــا

وفي البــلادِ أُنـاسٌ لـيـسَ تـكـتـرِثُ

 

ما هزَّهـم قطُّ أنّ الموصــلَ اندثرَتْ

بلْ هزَّ كـلَّ غريــــبٍ ذلـكَ الـحـدثُ!

 

لأنَّ مـوصـلَـنـا أمُّ الـعــــراقِ وهُــمْ

من بَعْدِ ما فُطِمُوا عن خيرِها نكَثوا

 

آتٍ أُحـدِّثُـكـم عـن حامــــلٍ رحلَــتْ

فجسـمُهـا للـذي فيهـا هنــــا جَـدَثُ

 

وعن بيوتٍ قضَيْنـا العُمْـرَ أجمَـعَـهُ

في صَوْنِها وبها الأغرابُ قد مكثوا

 

لـكـنّـنـا نَهَـرٌ نـمـضي لـحـكـمـتِـنـــا

رغمَ الـسُّمومِ التي في مائِنا نفثــوا

 

إنّـا ورِثْـنـا ربـيـعــاً في مـلامِـحِـنــا

أمّـا هُمُ فَسِـوى الأحقــادِ ما وَرِثــوا

 

هُمْ يـزرعونَ صخوراً في حدائقِـنـا

ونحنُ كالـوردِ بينَ الـصخـرِ ننبعثُ

.............

2- وقد عارض عبد الاله الياسري قصيدته بهذه الأبيات قائلاً :

آهٍ علَى الموصلِ الحدبـاءِ قد فنيتْ

وهـل سـيُسـعدُ مَنْ في آهـِهِ شَبِثُ؟

 

لئنْ هَوتْ تحت أَنقـــاضٍ لها جُثثُ

فقد عَلتْ فوق كرسيٍّ لنــــــا جُثثُ

 

شَــتّانَ مابين أَمـواتٍ لقد رحلــــوا

وآخريــــنَ طواغيــتٍ لقد مكثــــوا

 

لاتَعتبـَنَّ علَى مَـوتَى إِذَا سـكتـــــوا

عنها ولم يُظهِـروا حزناً ويكترثـوا

 

إِخـالُ كلَّ العــــراقِ الحيِّ مُجتمعـاً

قـد مـــات ذلّاً ووَارَى عِـــزَّه جَدَثُ

 

أَأَنتَ تحســــبـُه لمَّـــــا يَمُـتْ يَقِـظاً

أَمْ أَنتَ تحســبـُه بالشِّعــر يَنبعـثُ؟

 

إِنّي أَرَى القـــولَ خلّاقــاً بسامعِــه

وكــلُّ قــــولٍ، بـــلا أُذْنٍ لـــه، عَبَـثُ

 

واحسرتاه على قومي قد انقلبـــوا

علَى نفوسِهمُ خصماً، وقد خبثــــوا

 

لشربِ نزفِهـمُ، من جهلِهـمْ، ظمِئــوا

وأَكلِ لحمِهـمُ، من حقدِهمْ، غرِثــــوا

 

كأَنَّمــــا لـــم يَقـــمْ ودٌّ بتُربتِنـــــــا

يوماً ولـم يَـكُ، في أَجيالِنــا، دَمِـثُ

 

لكنْ ستشرقُ من بطنِ الظلامِ لنـا

شمسٌ، ويصبحُ ذكرَى ذلك الحدَثُ

 

 

 

طلال الغوارهناك..

وحيثُ والروابي

ولدتُ أنا

ومن نجمةِ الصبح كانت

 تواكبني رقصةً

رسمتْ جبهتي

ودسّتْ سرائرها في ثيابي

فكان مع الشمس لي موعدا

حين ارتوتْ أحرفي

من حليب الصباح

وسار اخضرار المدى

في ركابي

**

هناك

وحيثُ الأعالي

رفعتني إليها

فسالتْ من خدود الصباح المعاني

هي أوّلُ الخطواتْ

تسيرُ إلى وردةٍ

كي أفيءَ إلى ظلّها

لم يزلْ يتعقّبني عطرُها

ويرسمُ لي آخر الطرقاتْ

**

هناك

تآخيتُ بالعشب

وأطلقتُ روحي

وصار الغيابُ أزاولهُ

لعبةً

واذكر أني

 مضيتُ إلى النهر يوماً بها

وأعني بها لعبتي

كان قلبي بها جذلاً

وصمتي بدهشتهِ من يشاهدْ

حينما خرجت من شقوق يدي

وفي غفلةٍ

خطفتْ موجةً

ثم طارتْ بها في سماء القصائدْ

**

هناك

وعند سهول الليلِ الممتدةِ نحو الفجر

رعيتُ الكلمات

وسرتُ بها 

حتى طرف الروح

أسرجُ ما يجمحُ منها

وبعيداً أخذتني

كنت كمن يمشي فوق الغيم

ألاحقُ ظلّاً

ما كان سراباً

لكني

كنت اطلُّ على نفسي

وارى من حولي

تتناثرُ أشجارُ المعنى

إذاكَ

خطَّ القلبُ رسائله الأولى

واهتزَّ يقينٌ للطرقات

**

هناك

حثثُّتُ القصيدة

نحو حلمٍ جميل

كانت الكلمات من الأمر في عجل

كي تصلْ

بعد خمسين عاما

وما زالت الكلمات 

تتقرّى الطريق

وأنا خلفها لم أزلْ

***

شعر: طلال الغوّار

حسين حسن التلسينيكيف لا يخضرُّ فؤادي

وتفيض مآقيها بفرات الأذكار

وترشُّ دروب الخير

بخفق شذا فردوس الغفار

**

كيف لا يخضرُّ فؤادي

وبذكر اللهِ القهار

وبشمس الأذكار

وبرقص الدفِّ

في روض الكفِّ

في قلب ظلال الصفِّ

طرباً حُباً شوقاً لنشيد إلهِ اللطفِ

صار البدرُ دفَّ الأنوار 

فوق نخيل حنان الكفِّ

**

كيف لا يخضرُّ فؤادي

وغدتْ حباتُ السبحةِ بالأذكار

أطواق الأنجم والأقمار

فوق هامات الأطهار

بالأذكار يبقى خيط السبحةِ 

أفضل مشنقةٍ للنار.

***

شعر : حسين حسن التلسيني

بلاد الرافدين / مدينة أم الربيعين /  2006

 

محسن الاكرمينحين تحرك ايثري من مكان غرفته العلوية، انتصر للموت وخاطبها استدارة نحو الفراغ الزماني بالقول، معظمنا يتنفس برئات فاسدة، لا تنتج حتى أكسجين الحياة، وممكن حتى من أحشائنا التي توقظ نار الفساد والموت. حين نظر إلى الأسفل السحيق، اكتشف أن الأبعاد التراتبية الاجتماعية ما هي إلا مظاهر للظن والتصنيف، ونعمة سيادة التحكم. اكتشف أن الجميع يقف في مواضع مختلفة وبأعداد غير متناهية ولا منسقة، عرف أنها الفوضى الآتية من سوء الترتيب غير العادل، تعلم أن وضع العشوائية لن يتمطط اتساعا وممكن أن ينفجر مدويا من الداخل في أية لحظة، إنها كفايات إيثري الحياتية لتفسير مفاجآت المستقبل ولن تكون قاعدة خبر صادق بالحتمية.

يشعر إيثري بالتعب ويتحرك قدما، رغم العجز الذي يسطر على أطرافه النفسية، ويمتلكه سيطرة على تفكيره وذاكرته. معادلة فكرة الحرية بكونها راسخة في مخيلة إيثري فإن ماتت بالإهمال فهو يعلم علم اليقين أنه سيموت بعدها بالقرب الزمني والمكاني معها، هو يعلم أن الملاك الناصر له سيتخلى عنه ويسحب أيدي الدعم عنه، يعلم أنه سيموت حسرة وألما، دون حاجة إلى خدمة مجانية من ملك الموت.

لم يكن يعلم إيثري من المتسع الزماني غير التمييز بين لفظ الماضي والحاضر والمستقبل، فهو ألف من المتصل الصرفي التلاحق مثل كوكبة نمل آتية ومحملة بذخيرة متنوعة، وممكن أن تحمل حتي الشر لمملكة النمل من بقايا فساد سائد، فقد ألف النمل يورد إيثري، أن يحمل جروح أنفة الشرف وعدم الوفاء الطيع لإكراهات واستبداد الحياة. لكن إيثري في ختم كلامه نحو الفراغ الخاوي، أكد أنه سيبقى يحمل تعيين معنى "أنا " الزماني الدال على ضمير المتكلم. شاهد عند النمل أن الولاء لتحصين غار المملكة يتقوى عند الأنفس العاملة غير المنكمشة في خدمة ذاتها بلا هوادة.

لأول مرة يسترق إيثري السمع من مملكة النمل مثل سليمان قبل حوافر خيول جنوده، لأول مرة يجد أن النمل يتحدث مثل الإنسان بالتبرير وسياسة التسويف القاتلة وتعيين هلامية الخير القادم، لأول مرة يتعلم من النمل أن الشرف يولد داخل الجميع سواسية، لكننا نصنع رقعة شطرنج للعب وترك فسحة للشاه بالفوز.

 حين استمع إيثري بالتمهل والإنصات إلى حكم مملكة النمل وقف نهوضا، حين شاهد بألا أحد يقترب من النمل الجشع وصانع الغرور الطموح الزائد، علم بالفطرة أنهم في خدمة مماثلة لمصالح القائدة الحاكمة لهم، ومن هذه الحكمة عمم إيثري الدعوة إلى بني الإنسان بعدم الأسف عما يفعل وما سيفعل به أصحاب الغرور المتزايد في المتصل الزماني الحاضر والمستقبل.

من جميل الصدف حين التقط إيثري إشارات من صم عموم مملكة النمل، حين تجاهلت تلك الفئات العريضة الحديث واكتفت بأنها لا تفقه شيئا غير لغة الصمت، فهو حكمة من السلف ومن تبعهم بالصمت والموالاة.

تتحرك أمواج سلطة النمل جيئة وذهابا، وممكن أن تستخف بالركد والوثب، لكنها في الأخير ترتطم بالصخر الذي يجرح أنفة الشرف فترتد زبدا هشا رقيقا خاوي الوفاض نحو معاودة الكرة عدة مرات، ولما حتى غرس أمل البداية. إنها رؤية الاشمئزاز التي امتلكت نفسية ايثري وحركت فيه صيغة المطالبة بالمستقبل العادل، إنه صوت الأمة الذي يود العيش الكريم في مملكة نمل ذات المفارقات الاجتماعية.

في عمليات تجسير فجوة حياة النمل المستقبلية والحد من الفوارق المتفاقمة، ممكن أن تسقط العدالة الاجتماعية إلى الهاوية وتنكسر هذه المرة ولا تحتاج إلى ترميم غير جبيرة الفوضى. في مملكة النمل هناك من يفكر، ومن يقوم بالأعمال الشاقة، ومن يستلذ بطيب حسنات الحياة ومن يعيش عيش الذبابة في "البطانة".

حين تحرك إيثري من مكان استراقه السمع من شبكة مملكة النمل، انتصر للحياة هذه المرة، وخاطبها حين استدار نحو العقول المفكرة بالقول، هي التجارب علمتنا ألا نتق في المنعرج الغائر، علمتنا أن " طريق السد تتدي بلا مترد".

***

محسن الأكرمين

.............

فصل من رواية ويلات ذاكرة حالمة: مملكة النمل.

 

 

 

ريكان ابراهيمابسطْ يديكَ

فقد بسطتُ يديّا

أنا ...

لستُ شيعياً ولا سُنّيا

إن التَسنُّنَ والتشيّعَ

لعبةٌ ... تُغري الغبيَّ

لكي يظلَّ غبيّا

اثنانِ مختلفانِ لا جدوى

لِما ... اختلفا عليه

فأكسباهُ دويّا

هذا ينوحُ على الحسينِ

وآخرٌ في الشامِ يبكي

الحاكمَ الأُمويّا

والنَوْحُ لا يُحيي الحسينَ

ولا الرِّثا ...

يُعطي أُمَيّةَ واجباً

شرعيّا

فعلامَ تُعتَصرُ الدموعُ

لِما مضى ...

هل يُبعَثُ الماضي جديداً حيّا؟

الدينُ

ليسَ مذاهباً برّاقةً

صار التناحُرُ ثوبَها

الأبديّا

اللهُ ثُمَّ كتابُهُ، ونبيُّهُ

ثالوثُ طُهرِكَ كي تكونَ

تقيّا ...

ومُحمَّدٌ ختم النبوَّة بعدَهُ

لا مُورِثاً إنْساً ولا

جنيّا

فهلِ النُبوّةُ عَرْشُ حُكْمٍ

يُعتلى

ليصيرَ في أتباعها ملكيّا

هل تُحجِمُ الأكوانُ عنْ

دورانها

إنْ لم يكنْ عمرٌ يُحبّ عليّا

قُل لي: أما كانوا كبيراً

وعيُهمْ؟

أأنا أكونُ على الكبيرِ وصيّا؟

أبوايَ مُختلفانِ في أمريهما

أتظنُّ أنّي

مُصلِحٌ أبويّا؟

‏سلهم لماذا لم يحبّوا بعضهم

أيُرتِّبُ الماضي

الديونَ عَليّا

أنا لا أُزكّي في النفوسِ

مطامعاً ...

‏حُبُّ الزعامةِ لا يُحرِّمُ

شيّا

‏والحكمُ يُغري العاشقينَ

‏بزهوهِ، وهوى الكراسي

‏يفضحُ المخفيّا

‏و الفتنةُ الكُبرى صنيعةُ

 كُلِّ مَنْ

‏امسى يُفكِّر أن يكونَ وليّا

***

‏يا أمّتي هُزّي إليك

‏‏بجِذعِ مَنْ ... عشقوا

‏المذاهبَ بُكرةً وعشيّا

‏وتَضرّجي خجلاً من الضرعِ

 الذي

حلبوهُ، إنَّ الضَرْع كان شهيّا

‏فالمذهبيةُ تزدهي، والطائفيةُ

تنتشي،

‏والامرُ صارَ جليّا

‏والدينُ اصبحَ ثوبَ نومٍ

أطمَعتْ

‏ألوانهُ الشرقيَّ والغربيّا

‏قد كنت سنيّاً فأدهشني

الذي

‏طالعته فغدوت فيه

 شقيّا ...

ورجعتُ شيعياً فأضحكني

الذي

أصبحتُ فيه تائهاً منفيّا

‏فحلفتُ لا هذا ولا هذا فقد

ضاعت عليَّ ...

‏وقد خَلُصت نجيّا

‏يا ليتني من قبل موتي مَيّتٌ

أو كنتُ نسياً

في الورى مَنسيّا

أمس استفقت وكنتُ

احلُمُ أنّني

‏أسّستُ حزباً في المنامِ

فتيّا

حزباً يرى الإسلامَ دونَ

مذاهبٍ حقّاً ...

‏ونَهجاً في الحياة سويّا

ولمحتُ قوماً يشهرونَ

 سيوفهم ...

‏إذ صار ذبحي واجباً

وطنيّا ...

‏قوماً يرون الطائفيةَ

مكسباً ...

‏والمذهبية مطلباً قوميّا

والفتنة الكبرى طريقاً للغِنى

فالمرءُ يُخلَقُ كي يكونَ غنيّا

‏ففززتُ من نومي

مثاراً خائفاً

ومشى يدبُّ الوهنُ في رجليّا

‏وعرفتُ مغزى ما حَلُمت بشرِّه

‏إن الذكيَّ يُفسِّرُ المرئيّا

‏فتركتُ شيعتَهم وسُنّتهم سدىً

لأعيشَ يومي راضياً مرضيَّا

وجهِدتُ أنْ أنسى نصيحةَ

جاهلٍ

فالناصحُ الجهلاءَ ليس ذكيّا

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

نادية المحمداويتبعتني أم محمد وابنتها الى المستشفى ودخلنا الممر المؤدي إلى الردهة بعد عناء ومحاولات استعطاف متكررة وممانعة من قبل الموظف المسؤول بسبب حظر الزيارات في ذلك الوقت من النهار. لكنني استطعت أخيرا أن أقنعه بالعدول عن ممانعته وادخل راكضة عبر الممر المؤدي إلى الردهات، كي أراه للمرة الأخيرة.

ها هو ممدد أمامي وحول سريره عدد من الممرضين رجالا ونساء. لم يتغير شكله عما هو محفوظا في ذاكرتي أو عما ألفته في الواقع، نظرات عينيه مذعورة مثل عيون الأرانب الهاربة، والممرضون يتهامسون حوله بلغة لا اعرفها وكأنهم كانوا يحضرونه لإجراء عملية جراحية لا اعرف ما هي أيضا. لكن طبيعة الاستحضار تدل على أنها عملية مصيرية خطيرة.

صورته التي الفتها في الواقع كانت مطابقة تماما لما هو عليه الآن ونظراته أثارت في نفسي رغبة الاحتضان وتملكني شعور أن ارمي نفسي بين أحضانه غير مبالية بهذا الجمع من العيون.

لحظات قاتلة تفصل بيني وبين اتخاذ القرار، تقدمت خطوتين نحو السرير واخترقت حاجز الممرضين بالخطوة الثالثة ثم احتضنتُ يده اليمنى بكلتا يدي تمهيدا لما سيأتي بعد ذلك.

أجهش في البكاء لوحده بينما لم تذرف عيناي دمعه واحدة، كنت أهدئ قلقه لكنه يزداد بكاءً ويتمسك بيدي خلسة للحظة أخرى، كان يتحفز للنطق ويفشل، غير أني كنت على يقين انه سينطق لو بقيت معه ساعة أخرى لكن الممرضين أطبقوا على السرير من جديد وأبعدوني للوراء بعصبية وقسوة،

لا ادري لماذا انضمت أم محمد وابنتها للممرضين وأمسكتا بي بقوة لم استطع مقاومتها وجرتاني خارج الردهة من بين رتاج الباب وكتف أم محمد رأيته يستسلم وكنت مصرة على متابعته بنظراتي المتوسلة لكن أم محمد صدمتْ راسي بالرتاج وصحوت يتملكني فزع شديد ويتصبب من جبيني عرق بارد، وأنفاسي لاهثة كأني كنتُ أركض في مضمار طويل

 

نادية المحمداوي

..........

الجيثوم: قد يبدوا عنوانا غريبا لكنه شائع في جنوب العراق وهو بديل عامي شعبي عن معنى الكابوس لذا وجب التنويه

 

صحيفة المثقفكلما ضاقت الدنيا بي وأغلقت الأبواب في وجهي أقصد جدي. هذا الرجل الذي شارف السبعين من العمر. مرة تعرضت لضيق في الرزق، وبارت تجارتي، وكثر الدين علي، وأثقل الهم ظهري. لم أجد مأوى يأويني، ويرفع عني هذا الضيم إلا جدي. نعم جدي. قصدته طالبا بعض المال. كانت عادة جدي غريبة بعض الشيء، هو لا يعطينا المال، ولكن يقرضنا إياه على أن نحدد موعدا للإيفاء به. موعد نحدده نحن لا هو. أقرضني ألف درهم على أن أردها في نهاية الأسبوع، تمكنت من ذلك.. أتيته فجلسنا نتحدث، ثم ناولته المال مع شكري له، قال بصوت دافئ حنون، وابتسامة صادقة من جد لحفيد يحبه تعلو محياه:

- ضعه يا ولدي في تلك المشكاة..

وضعت المبلغ حيث أمر، ثم انصرفت..

تعددت الحكاية مرات ومرات، وكل يوم آتيه طالبا مبلغا يشير إلى تلك المشكاة لآخذ المال، وعند رده يأمرني بوضعه في نفس المكان.

وذات مرة أخذت المال وقضيت به حوائجي، جئته في اليوم المحدد، جلسنا وتحدثنا، ولم يطلب مني الإيفاء بالدين. خرجت محتفظا بالمال ظانا أن والدي قضى عني الدين، لكنه لم يفعل. كان الدين ما زال في عنقي، ولكن جدي لم يحدثني عنه. جلسنا مرات كثيرة ولم يشر إلى الأمر بالمرة..

وفي يوم ضاقت الأمور بي وساءت الأحوال مرة أخرى، فقصدته طالبا منه أن يقرضني، فأشار إلى المشكاة لآخذ طلبي. توجهت مسرعا، فلم أجد شيئا. قلت بنبرة استفهام:

- يا جدي ليس هنا إلا الغبار.. ولا شيء يدل على وجود مال..

رد علي والابتسامة واضحة على ملامحه:

- لو كنت وضعته هناك لوجدته!؟

احمر وجهي، فطأطأت رأسي وانصرفت. وتأكدت يومها أن جدي لم يكن بخيلا بل حكيما..

 

خليل العمراني

 

 

 

سامي العامريبين ضحكي ودمعتي واشتعالي

                       مَرّ طاووسُ غبطةٍ فشكا لي

قال إني مستوحشٌ ووحيدٌ

                        مالها الناسُ لا ترقُّ لحالي؟

أنا سرُّ الوجود ما أنا طيرٌ

                           بل أنا مصرعٌ ودَلُّ دلالِ

مثل مَيل الكرومِ فوق كؤوسٍ

                      فهي ترجو لكنني في انشغالِ

فاكَ فافتحْ لقطرة من خلودٍ

                        طعمُها طعمُ غربة البرتقالِ

وحقولي ملآى بتينٍ ولوزٍ

                            قبلاتٌ ما آمنت باعتدالِ

   لا ولا آمنت بوصل حبيب

                      حين يدري يمينَهُ من شمالِ!

أيها الطائرُ الوسيمُ تريثْ

                        فكلانا استُنزِفَ قبل النزالِ

لم يعد موطني جواباً وأنّى؟  

                          مِتُّ عَيَّاً على تخوم سؤالِ

رُبَّ هديٍ لا يُشتهى ومتاهٍ 

                              قاد قلباً لجنَّةٍ بالضلالِ

ثم حلَّ المساءُ من غير وعدٍ

                     ناحتاً في الجدار نبض الليالي

وهلالاً كقرن ظبيٍ شرودٍ

                     حاضنٌ مسكُهُ خصورَ التلال

 كم خلوق هذا الهلالُ وشهم

                       وسديد الرأي حميد الخصالِ

لاح لي صامتاً إذِ الناس كُلاًّ

                    غالطوهُ والصمتُ أبهى سجالِ

 تتجلى الغبطة حيناً كنورٍ

                          وأحايينَ حالُها مثلُ حالي

 فهلمّي ليَ افتدتكِ خيولي

                     واسبقي الريح باستباق القذالِ

ثم عودي إلى النجوم سلاماً

                  واجعلي المِيلَ خطوةً من خلالي

***

سامي العامري - برلين

 

فالح الحجيةيا سائل النفس عمّا في خوالجها

فيها الرجاءُ وفيها الشوقُ والامل ُ

.

فيها من الله ا يمــــــــان يخالطُهُ

حبُ الحياةِ وسيفُ الحقُ منصقلُ

.

فالنفسُ تسمو علاء في تهجّدِها

بالليل معتكفٌ الدمـــــــعُ منهملُ

.

تذوبُ شموخاً في عالــــمٍ رحبٍ

ضوءُ النهارِ على الاكوان ينسبلُ

.

تسعى لأن تفتحَ الارواحُ حبستَها

وطائر الاكنان في الاقفاصِ ينخذلُ

.

والنفسُ تحملُ في طياتها ألقـــــــاً

بل لهبةً من معاني العــــــزمِ تنتقلُ

.

يا لهف قلبي وما الدنيـــــــا بعالمةٍ

ما في النفوسِ من الالامٍ ينحـــــدلُ

.

هذا الزمـــــــــان وفي أحداثه نزَقٌ

راحت تساقيهِ في حرمانهِ أ مــــــلُ

ـ

حتى توارت وفي أجفانهـــــــا فزَعٌ

مستقبلٌ جُحظت عينــــــــاهُ منكفلُ

.

ان الهموم غيومٌ فوق صاحبهـــــــا

تحوي الرزايا بلايا الكون او نُزُلُ

.

أفقٌ يضيـــــقُ بما يحويهِ من حدثٍِ َ

نبعُ ذوى من حنايا القلب ينسَــــــتلُ

.

لله في خلقهِ شــــــــــــأنٌ يــــرادُ بهِ

ما لا يرى بشـــــــــرٌ ا و فيه يفتعلُ

**

عيدٌ اتى عابســـــا والناسُ في قلقٍ

تشــــــــــكو الى الله بلواها وتبتهلُ

ـ

يا صاحبي ما ترى في وردةٍ قطفت

اوراقها ذبُلَت لا مــــــــــــاءُ تنتهلُ

.

يا صاحبي ما ترى في حرّةٍ سقطت

اولادها سُـــــــــغُبُ لا لبسُ لا أكلُ

.

يا صاحبي ما ترى في امّـــــــةٍ حرقَت

ابناءَهــــــــا و بجور الظلــمِ تـمـتـثـلُ

ـ

واللهِ في النفسِ آلآمٌ ســـتحرقُهـــــــا

عمّا يجيشُ بها والنارُ تشــــــــــتعلُ

.

جار الزمــــانُ فلا تخشى نوازلُه ُ

واصبر فإنها بالصبرٍ تنهــــــــزلُ

**

الله... ماذا دهى الانســـــــــانُ ماذا بهِ؟

حتىّ غدى بالردى والعــــــــارِ يحتفلُ

.

النــــاسُ في قـــلقٍ. والنفـــسُ في حرقٍ .

والفكــــرُ في خـــرقٍ. والقــلبُ ينجدلُ

.

وفي التملّـــــقٍ والتشـــــــــديقِ مخجلةٌ

تبكيتُها لهــــــــــــــبٌ . لاقولٌ ولا فعلُ

.

وفي المهــــــانة ِ ذلٌّ لســــــتُ احملـــهُ

ثقلَ الجبـــــــــــالٍ من الارضين تنخزلُ

.

كلُ المعاييــــرِ والاخــــــلاقِ قد خُذلـــت

وهذه النفــــسُ صَبـــرا ليس تنخــــــذلُ

.

الشاعر

فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــــدروز

 

محمود سعيدكان علي ان انتقل الى فندق في بغداد استطيع من خلاله بسهولة الذّهاب الى المطار، إذا حان موعد طائرتي. كنت وحيداً، في بيت صديق لي ذهب الى الولايات المتحدة، ليتابع اجراءات الاقامة، لكن البيت في عطفة سَدّت الضّرورة الأمنية في المدينة أحد مخرجيها، فاصبح التّحرك منها معظم الوقت شديد الصّعوبة إلّا مشياً.

اتصل بي أخو صديقي، يطلب مني توصيل بعض الوثائق اليه، حين أصل الى شيكاغو. قال لي بالهاتف إنّ هناك من سيجلب الأوراق في الواحدة ظهراً، ثم اعتذر ورفع الوقت الى الثّانية، ثم الرّابعة، وأخيراً استقر رأيه على التّاسعة مساءً، وكان ذلك خنجرا في الخاصرة، فمن الصّعب جداّ مرور سيارة أجرة في العطفة، في تلك السّاعة وما بعدها، لكني فوّضت امري لله.

البرد شديد قارس، وأنا مصاب بانزلاق الفقرات القطنية، لا استطيع التّوقف أكثر من بضع دقائق، وحينما بلغت السّاعة التّاسعة والرّبع، كاد يغمى علي من التعب والزمهرير، فدخلت لأستريح في غرفة مدفأة.

كنت أخطو بصعوبة، وآلام الظّهر تمزّقني. قبل ان أجلس دقّ الجرس. تحاملت على نفسي واتجهت في الممر الطويل لأخرج على مهل، كأي مصاب بانزلاق العضلات، ثم سمعت الجرس يرنّ ثانية، وثالثة حتى وصل العدد تسع مرّات خلال دقيقتين. كنت استطيع أن اقول نعم، أو أنا قادم، لكن لا فائدة، فمهما أصرخ لا يسمعني من بالخارج. أخيراً وصلت المرآب الذي يفصلنا سياجه عن بعضنا، وهتفت: نعم. جئت. أخيرا توقّف الجرس.

تمالكت اعصابي كي لا انفجر في وجه من يستحثّني بمثل هذا الإلحاح، لكنّي لحظت امرأة في أربعيناتها، في غاية الانزعاج لإهمالي الرّد على دق الجرس، متجاهلة أنّها اشغلتني نحو سبع ساعات كاملات، بتغيير موعد مجيئها.

قلت لها: أنا مريض، لا استطيع أن أسير بسرعة، ومهما أرفع صوتي لا يمكن ان تسمعيني، لأن هناك بضعة أبواب حديد بيننا.

تجاهلت كلامي بتعال مؤلم، وبسحنة عبوسة قمطريرة مدّت يدها بالوثائق، من دون أيّ كلمة، وعيناها تقدحان غضباً، وأنفاسها تتالى احتداماً. لكني سيطرت على نفسي ثانية. تناولت الوثائق، ثم رجوتها، إن كان باِلإمكان مساعدتي بنقلي وحقيبتي الى أقرب شارع، يتيح لي إيجاد سيارة إجرة؟

بدا أن تلك الجملة كانت “من دون أن أدري” أكبر اهانة توجّه اليها، احتدمت تقاطيعها، ثم احمرّت، واخضرّت، وتقلّصت عيناها سخطاً وغضباً. حين وصل الأمر إلى هذه الحالة عنّ لي أن أقوم بشرح حالتي ومرضي، وعدم استطاعتي سحب حقيبتي الى رأس شارع مقطوع في تلك الساعة، لكّني عندما رأيت احتدامها، وعصبيتها، لجمت!

هتفتْ بالنبرة الملتهبة نفسها، وبصوت أعلى، وهي تهزّ رأسها: ومن يدعي الّا تمرّ سيارة أجرة من هنا؟ فقط قليل من الصبر! كلّ سيارات الأجرة تمرّ من هنا، بدون انقطاع حتى الصّباح.

لم تتوقف عن الكلام، وربما رأت أنّها سلبتني حريّتي للكلام، فطفقت تبرر ذلك بكشف حقيقة قيمتها، وعلو مكانتها: أنا صيدلانيّة معروفة، وبنتايا مثلي صيدلانيّتان، وزوجي صيدليّ مشهور كذلك.

لا ادرِ ما علاقة الصيدليّة بقضية إيصالي وحقيبتي إلى أقرب شارع، لكن مستوى احتدامها ازداد مع شدة الانفعال.

قدّرت انّها ستنفجر الى شظايا تتوزع على المنطقة كلّها، إن لم ألجأ الى إيقافها، لكن كيف؟ ثم أدركت أن تلك غاية مستحيلة. حسناً لأهدئها بأي كلام، هتفت: رجاء.

“بلا رجاء، ولا استعطاف”.

خشيت أن يخرج الجيران ليروا مستوى هذا السّعار المنفلت، فيزداد الأمر تعقيداً، ثم بدأت بلوم نفسي، فقد تظنّ أنّني أريد بها شرّاً ان جلست وحيداً معها في سيارتها. قلت: لا بأس اذهبي، رجاء، لا أريد شيئاً.

لكنّها لم تتوقّف: من أنت لتأمرني بالذّهاب؟ وقبل كل شيء كم يوما قضيت في هذا البيت؟

نعم، غلطتي كبيرة، لكني لم أفه بأيّ كلمة، تراجعت مهموماً، لأدخل الدّار، واجلب حقيبتي، اسحبها بهدوء كي لا تؤثر على فقراتي.

اختفيت في داخل البيت، خلتها ستذهب حالاً، لكنّها استمرّت تتكلم، وحين أدركت أنني انسحبت مهزوما في المواجهة، غادرت ليسود الصّمت والبرد وألم الفقرات.

لم تكن العطفة منارة، كما لم تكن معظم سيّارات الأجرة في بغداد مزوّدة بعلامة تميّزها ليلاً عن باقي السّيّارات كما في مدن العالم، وفي الليل المظلم، لا ترى لونها لتفرقها عن غيرها، عادة، فكل الألوان صماء ليلاً.

بعد نحو خمس دقائق مرّت سيارة على بعد قدم مني، لحظت اللون الأسفل منها اصفر، وهو لون سيّارات الإجرة، لكنّ الّلون الأعلى كان أبيض، اذن فالسّيّارة خاصة، لكنّي مع ذلك تشبّثت بأملي، استجمعت شجاعتي، هتفت: سيّارة أجرة؟

توقّفت السّيّارة، ميّزت شابا وسيماً، في ثلاثيناته، وقربه امرأة حسناء وضّاحة، مشرقة الملامح، في العمر نفسه، لم يرد عليّ بلا، أو نعم. بدا ذكياً جداً، أدرك واقع ندرة سيّارات الاجرة في هذه العطفة المقطوعة، في مثل هذا الوقت. قال: أتريد أن أوصلك الى مكان ما؟

سمعت صوت الإمرأة تقول، وهي تبتسم ببهجة: أهذا سؤال؟ نعم يريد. أوصله، اّلا ترى الطّريق مقطوعاً. ثم نهضت من كرسيها في المقعد الأمام. قالت لي: تفضل عمّو.

أشار مرافقها الى حقيبتي: أهذه فقط؟

“نعم”.

سأضعها في صندوق السّيّارة، ثم فكّر لحظة قبل ان يختار فرعاً من اثنين أمامنا. في خلال دقيقتين لا أكثر كنا في شارع “كرادة خارج” المزدحم المنار، الصّاخب، توقّف، أشار الى سيّارة اجرة، تكلّم مع سائقها، ثم حمل حقيبتي الى سيّارة الأجرة.

قال لي، اتفقت معه ان تدفع له خمسة آلاف دينار. إن لم يعجبك المبلغ، نرى غيرها، بينما كانت المرأة تحييني وتودعني، وابتسامة عريضة، تخطف نصف وجهها الجميل.

غمرني العرق والخجل لطيبة هذين الكائنين الرّائعين، ولطفهما وأدبهما، وأنا اشعر أنني تائه في حل لغز شائك: أهناك وشيجة رحم بين الجمال والوسامة وفعل الخير من جهة والقبح والشر وسوء الأدب من جهة أخرى؟

 

محمود سعيد

 

جاسم العبيديقولي لامك ما يكبته قلبك من وجع، لتعلم ان رحيلك لم يكن سوى وجع ات بما لم يستطعه جسدك النحيل

قولي لها اني رحلت تاركة ملابس اصدقائي هاربة الى سماوات لم تمنحني غير جسد التهمته نيران قذائفهم ولم تترك امامي سوى بدلة عسكري مات في العراء تلتهم جثته الغربان

قولي لامك ان من احببته لم يترك لي قبرا ازوره كل عيد لان جثته توارت ولم اعثر على بقاياها بين الانقاض

قولي لها انني اعطيتهم رجلا يافعا وهم اعطوني عظاما سوداء نخرة وورقة كتبوا فيها جثة مفقود في الحرب قولي لامك انهم اوقفوني على الساتر ثم راحوا يخلعون عن جسدي ثيابي لينهشوا لحمي الطري باسنانهم القذرة وارسلوني الى سجونهم المعتمة لانني لم اتفق معهم على زرع عظام ولدي في مقبرة الشهداء واكتب فوق رقيمها اسمه كذبا قولي لامك ان الذين جاؤوا يثبابهم الرثة استدرجوني بالخطيئة على ان اكتب لهم ما يمنحهم حق بيعي بالمزاد قولي لامك انهم على قارعة الطريق وقد اودعوا سكاكينهم مخبؤة خلف ظهري كي اصدق اقوالهم واشاروا الي، اطمانوا الى صوتي حين غنيت لهم "يا حريمة ضاعت الجلمات من فوك الشفايف" وراحوا يرقصون "الهيوة" على جسدي المسجى بعنجهية قولي لامك هؤلاء الذين سلبوا حريتي لم يكتفوا بالرقص في الظلام لقد عروا جسدي وكشفوا عورتي واداروا كؤوسهم حولي قولي لامك ان من قتلوا العشق في صدري اشترطوا علي ان اغني على انين الجياع وصراخ المستضعفين انهم كانوا يحدقون في عيني طويلا ليغرقوها بالدموع ثم ساقوني الى بلاد الطوفان بلا سفينة ها هو قبر نوح حيث رست سفينته التي هربت بالنازحين من الموت انها تصيح بي لم لم تركبي في السفينة لتنجي من الموت

قولي لامك انهم وضعوني وقصائدي في مقبرة ليس فيها سوى جثث الادباء الفارين بجلودهم " السياب، البريكان، محمود عبدالوهاب، واخرون، واخرون ممن لم يألفوا سماع اصواتهم وهي تصرخ بالحرية قولي لامك كيف اودعوني سجنا انفراديا وراحوا يحملون على جيادهم اضابير شقائي حين قطعوا جسدي اربا

قولي لامك كيف اخفوا شاهدة قبري وشهود موتي وسيحوا علي مياه الفراتين وكيف حاولوا ان يهشموا راسي ويمحوا اسمي من الذاكرة

قولي لامك كيف ختموا على قصائدي بالشمع الاحمر لان فيها صوتا يدعوا الى الحرية قولي لامك كيف كنا نتكيء على ارصفة الشوارع كالموتى وكيف كنا نجمع في رؤوسنا القصائد العارية من اسمائنا القصائد التي خباتها في ذاكرتي قولي لامك انني ساسكن مع بقايا اجساد الشهداء الذين كانوا يجترون الامهم لانهم وهبوا دماءهم ليسدل عليها الستار

قولي لامك ان اطفال الشهداء ميتون وهم احياء وان نساءهم مزروعون على قارعات الدروب تتضاعف بهم الشوارع

قولي لامك كيف انتصروا بنا كيف علقوا صورنا واسماءنا على الشوارع المزروعة بالأشجار ليمنحوا انفسهم اوسمة الانتصار وهم يعزفون الالحان على اشلائنا

قولي لامك ان شمس الله تورق في دعائي ان شهدت الموت فاقتسمي من الموت اكتفائي

قولي لامك ان بغداد بكت من لوعتي وشفا عوائي

قولي لها ان احتمال العشق يودي بالشقاء كم مرة سابقت روحي فارتجفت كما الشتاء كم مرة اقدمت للقداس في ليل ابتلائي كم مرة قبلت في شفتيك احلامي وبائي كم مرة وعلى سبيل الخوف حاصرني بكائي كم مرة نامت عروستي الصغيرة في خبائي وتسللت في غرفتي دوامة ومشت ورائي قولي لامك كيف نعيش في مأوى الخراب نجري وراء فتاتهم منذ الصباح الى المساء اطفالنا عري ونوم نساؤنا سبي وحصادنا لا اخضر منها ولا باقي اليباس وهم يقيمون احتفالات على اسمائنا ويختالون بدمائنا ويشربون نخب موتنا ويباركون لنا الموت والشهادة

قولي لامك كيف تحترق الشفاه الى اللقاء قولي لها كي ترسم بالدم المسفوح وجه الانبياء وتستري بالصمت في ظلمات دهر الاتقياء

قولي لامك كيف تلتصق الوجوه اذا استقرت في الخفاء

قولي لامك كيف متنا وبقت تجر رفاتنا في الحاويات قولي لها اني لشوق النوم مأسورا لنوم هانئ وبلا عراء

 

جاسم العبيدي / العراق

 

 

محمد المهديما يدريك يا وطني

ان خدامك قد دسوا السم في العسل

وأطفأوا في عيون الصغار جذوة الامل

واهدوا عيون الكحل الى سدنة النفاق والدجل

وباعة الاوهام وسماسرة الوطن ..!!

**

وما يدريك يا وطني

ان خدامك قد نهبوا الزمن

واوقدوا في النفوس الفتن

فما ابقوا لأبنائك يا وطني

غير عوادي الدهر واصناف المحن ..!!

**

وما يدريك يا وطني

ان اشرافنا كلما ادعوا كذبوا

ولأحلامنا الصغيرة قد ركبوا

واستتروا في لجة السياسة ونهبوا

وتركوا اسماعهم عمدا حين هربوا

وضاعوا في جذبة الحكم صلفا،

لكنهم حين دعا الداعي انتصبوا

وسنوا سنان الخبث وانقلبوا،

ثم نصيبهم من الوطن الذبيح طلبوا،

فهانوا وهانت انفسهم .

فخزيا لهم حيث هانوا وحيث طلبوا

وسحقا لهم حيثما جاؤوا وحيثما ذهبوا.

***

شعر: محمد المهدي

حسين حسن التلسينيهي أغنيـتي الأزليـةْ

هي نبـض العشـق لقـافيـتي الغزليـةْ

هي أوزانـي هي ألحانـي

وسـحابـة عطـر تنعـش أعمـاق الإنسـان

هي بـري هي بحـري

هي مينـائـي وسـمائـي

هي من أطهـر الأشـياء

لا تـوأم عـارضـة الأزيـاء

هي مكتبـتـي ومـذكـرتـي

هي جـوهـرتـي

هي إكليـل مـن ضيـاء الحـروف

ذهـب لا يـرمـى فـوق الـرفـوف

هي سـوسـنة يـانـاس

لا أشـواك تـحـت الأقـدام تـداس

***

شعــر : حســين حســن التلســـيني

الـمـوصـل / الـرشـيديـة / 2012

 

صحيفة المثقفلم يكن مخلص يعيش في بيته وبين أبويه فقد مات كلاهما وهو صبي فكفله أحد أقاربه وكان نجاراً طيباً فعلمه مهنته فبرع مخلص بها . وظل يساعد عمه حتى وفاته غير إن زوجة النجار لم تكن تحبه أبداً ومع إنها لم تنجب أبداً لم تتخذ منه ولدا. وظلت تحاربه بالقول والفعل وتشدد عليه الخناق ولم يعترض مخلص على سوء معاملتها له إكراما للنجار الذي احتضنه كما لو كان ابنه . وبعد سنوات وكان مخلص قد أصبح شابا يافعا مات النجار غير إن مخلصا ظل يعمل في النجارة ليعيل الاسرة ولم تُقدر المرأة عمله بل فسرت ذلك وفق مفهومها مما جعلها تضيق الخناق أكثر وأكثر وتعامل الشاب كما لو كان عبداً مملوكاً حتى إنها أقامت عليه حراسة مشددة كلما خرج ليروح عن نفسه قليلا . كان يود الهرب غير إن أخلاقه وإخلاصه حالا دون ذلك . حتى أخذ يشعر بنفسه يضيق وبروحه تمتص من جسده الفتي كان يريد الهرب ولا يجد له طريقا للهرب فقد أصبح عبداً مملوكاً لمتجبرة . وكلما انتهى من عمل وسلمه لمن أوصى عليه تلقفت المال وابتعدت مسرعة وهذا ما كان يؤلمه جداً ولا فكاك له منه . كان غاية ما يصل اليه هو غابة القرية يذهب اليها فيستلقي على عشبها البليل غير عابىء بما قد يصيبه جراء ذلك من مرض ولا بمن يراقبه فقد سئم الحياة في ظل هذه المرأة . وفي إحدى جولاته في الغابة والتي كثيرا ما لاحظ فيها من يتبعه ويراقبه استلقى ولأنه كان تعباً فقد استغرق في نوم عميق وإثناء ذلك حلم بجميلة تقف عنده تعرض عليه بضاعتها فهي تبيع أجنحة جميلة وعرضت عليه شراء جناحين لكنه لم يكن يحمل نقوداً كالعادة فطلبت منه أن يعطيها ما في سلسلته غير إن ما في سلسلته غال جداً قيمة لا سعراً وكثيراً ما رغبت زوجة النجار أن تأخذها فكان يصك راحتيه عليها ويقول إنها خاتم أمي المميز لن أفرط أبداً فيه . أما الآن ولكي يشتري الجناحين فقد فك السلسلة وأخرج الخاتم ليعطي الصبية ثمن ما أخذ منها اختفت البائعة وحين أفاق مخلص من نومه وجد في حلمه الكثير من الحقائق وأولها اختفاء الخاتم لذا أراد أن يختبر باقي ما في الحلم لذا حرك يديه وإذا به يحس بخفة غريبة وإذا به يطير فعرف إن حلمه هذا طريق لهربه بعيدا لبدء حياة جديدة بعيداً عن هذه المرأة . أدار عينيه الى مختلف الجهات ومن حسن الحظ لم يكن هناك من يراقبه . تذكر إن عليه أن يجلب أوراقه الرسمية فمن يدري فلعله يحتاجها وهو يسافر الى مكان لا يعرفه به أحد . فنهض متوجهاً الى البيت الذي لم يكن بيته أبداً . مارس بعض العمل فغداً سيحضر زبون لاستلام ما طلب فلعله يستطيع أن يضفر ببعض المال يستعين به على السفر، غير إن ذلك لم يتحقق لان المرأة كانت بالمرصاد فأخذت ثمن مجهوده كاملاً . وضع أوراقه الرسمية في جيب داخلي وتوجه الى عمله كالعادة وقضى نصف النهار الأول وهو يكد ولما خرج من معمله الصغير تناول طعامه ثم توجه الى نزهته بعيداً بعيداً دون توقف خشية أن يراه أحد وصل الى قرية تشبه قريته فتركها الى مكان أبعد لا يمكن أن تصله فيها أخبار قريته ثم ابتعد الى أن وصل الى مدينة كبيرة مسورة يقف حراس على بابها يطلبون ممن يرغب بدخولها أوراقاً رسمية فأظهر لهم بطاقته الشخصية وسمحوا له بدخول المدينة التي لم يشهد لها مثيلاً حتى في حلمه وبما أنه يحسن القراءة فقد ظل يمشي ويقرأ حتى تعب فوصل آنذاك الى محل نجارة كتب عليه بحاجة الى عامل ماهر فتأنى قليلاً ثم دق باب المحل الذي كان بيتاً ومحلاً في آن واحد فخرج عليه رجل وقور هزمه المرض وأوشك أن يقضي عليه رحب الرجل بمخلص واتخذه عاملاً لديه ودعاه للمبيت عنده فجاءت بالعشاء شابة جميلة كما كانت فتاة الحلم فكأنها هي عجب مخلص غير إنه لم يتكلم . ومن صباح الغد غدا لعمله يمارسه براحة وعزيمة أحبه الرجل وأعطاه نصف الأجر المعتاد قائلاً أما النصف الآخر فهو لطعامك ومنامك . ارتضى مخلص ما خططه الشيخ وما قرره ووجده منصفاً ثم بعد أشهر زوجه ابنته لأنه على وشك الموت وليس للبنت من يرعاها بعده . وفي ليلة العرس اكتشف مخلص شيئاً عجباً إذ كانت البنت تلبس خاتم أمه المميز .

***

قصة لليافعين

سمية العبيدي

 

مامون احمد مصطفىعزيزي يوسف

لا أعرف تماما لماذا أكتب لك هذه الرسالة، ولا أدري لماذا اخترتك دون غيرك من بين جميع أصدقائي لأوجه لك هذا الخطاب. ولكني على يقين تام بأنك كنت تربك هواجس نفسي لا شعوريا، حين كانت تحلق أفكاري على مساحات الوحدة والانطواء، التي لفعتني بظلالها القاتمة وأنا أنتظر دخول غرفة العمليات، ليتمدد جسدي فوق سرير السلخ، وتحت كشاف حاد النظرات، وقح العينين.

لا بد وانك تعلم مدى شجاعتي ورباطة جأشي فيما يتعلق بموضوع غرفة العمليات. إلا أنني هذه المرة عانيت معاناة شديدة. أوصلتني إلى حد الرعب من إجراء مثل هذه العملية. ولا اعلم حتى الآن سبب هذا الرعب. إلا أن فكرة الموت سيطرت على عقلي سيطرة كاملة، حتى وصلت إلى درجة الإيمان العميق بأن يوم وفاتي متعلق تماما بيوم دخولي غرفة الجراحة. وبدأت هذه الفكرة تتسلط على نفسي وتتناوشها من شتى الجهات، حتى اعتصرت حمرة أناملي وتورد وجنتاي. وقذفتني بكل سوداويتها إلى إحساس مجهول أمام تصور الموت، ومفارقة الحياة. الحياة الزاخرة بتدفق الروح والنشاط في كل شيء.

الجبال، الوديان، الأشجار، الحيوانات، الامتدادات الهائلة للفضاء الرحب، فبدت الدنيا عزيزة، عزيزة إلى حد الجنون. وأصبح مذاقها في ظل شبح الموت المسيطر على عقلي نابضا بعمق حيوي نشيط، لا يفتأ يحمل في جنباته صورا رائعة مضيئة لكل شيء. حتى المآسي ظهرت أمامي وهي ترتدي زخرفا من ضياء خلاق، يخلب العقول، وينير ظلمات المجهول، ألموت، ما أقسى هذه الكلمة حين تستحيل في عقلك إلى كائن حي يمسك بتلابيب دماغك ليجرك نحوه بكل ما يملك من عناد وتصخر نحو هاويته العاجة بسواد ممعن في عمق لا نهائي.

فتقفز في عقلك التساؤلات مثل مخالب فولاذية تدميه بإنغراساتها الحادة:- كيف أفارق هذه الدنيا؟ هل أترك كل شيء ورائي هكذا؟ أأترك هذه الجبال وتلك السهول؟ وكيف أخلف خلفي تزاحم الأقدام في الشوارع؟ وأصوات الباعة وطعم البرتقال؟ ولذة التدخين؟ كيف لا أفيق مبكرا على هدير الحياة ولا أهجع مع هجوع الليل؟.

أمي، أبي، أخواتي، زوجتي، أبنائي، زملائي، أصدقائي، كيف أفارق هؤلاء جميعا، هكذا ببساطه، وبلا أي معنى واضح في عقلي عنهم. فالسنين التي عشتها معهم لم تكن كافيه بكل ما في ثوانيها من زخم لأن أكون معنى واضحا عن أي فرد فيهم. إنني الآن في ظل لحظة هبوط شبح الموت على نفسي، أنظر إليهم بصورة مختلفة عن نظرتي السابقة. الآن، أجلوهم بكل طاقة عقلي ونفسي معا فأشعر بوهن عارم يظلل صورهم وحركاتهم، وأحس أثناء محاولة استعادة صورهم بضعف شديد قاتل. وأغرق في بحر مشاعري المستفزة القلقة، مثل غريق يقاوم حواما لا أمل للنجاة منه، لكنه يضرب، بيديه وقدميه، بكل ذرة من ذرات جسده، بعنف، بقلق مضطرب معذب، لكن الحوام يشده للأسفل وفي عينيه تتبدى نظرات هائلة، مروعه، حيرى، نحو الشاطىء، نحو الرمل، نحو الحياة.

أماني، أمالي، طموحاتي، مشاريع حياتي، خطط المستقبل، كيف تنتهي دون أن أكمل شوطي فيها. الموت، الموت سيبترها، يتركها ناقصة شوهاء، تسير على قدمين ولكن دون جذع، دون رأس.

مشاعري، نار عملاقه مستعرة، وأحاسيسي دخان اسود كثيف، فتلك تكويني، وهذه تعوم في صدري وعقلي، ولا أستطيع بين الاثنتين إلا الهروب من ذاتي إلى ممرض أرجوه وأتوسل إليه أن يمنحني شيئا يدفعني لقبو النوم المعتم، الذي لا حياة فيه للعقل، ولا رؤى للمشاعر، وأسلم نفسي كارها لسرير وغطاء هما في مثل هذه اللحظات، أوفى وأعز الأصدقاء.

وأفيق مشدوها، تلاحقني كوابيس متداخلة، غير منتظمة، ألوان كثيرة حادة فاقعة تتداخل ببعضها وتتشابك ثم تنعقد، عقدا شيطانية متنافرة لا تظهر بدايتها ولا نهايتها، فأحس رأسي ثقيلا، تنوء كتفاي بحمله، وصدري تعوم فيه اختلاطات عشوائية وأمتليء رعبا خانقا فوارا من جديد، فأفر من بين خيوط وحدتي لأنزلق بين جماعات المرضى الضاحكين، والذين لا معرفه لي بهم ولا صلة، أجلس بينهم أستل من صدري ابتسامة ضبابية لأعلقها على قسمات وجهي وفوق شفتي.

ومن بين هذه الجماعات كنت أنحدر نحو السلوى ببطء شديد وأغرق معهم في عوالم متنوعة مختلفة، كل عالم لا صلة له بالعالم الذي قبله، وكل ضحكه ترن وتدوي في أرجاء الصالة لا داعي لها، ومع ذلك أغرق في عوالمهم المفتوحة، وتدوي ضحكاتي في مساحات الجدران وإشعاعات المصابيح المتدلية من السقف، وتغرق عيناي بدموع قهقهات عالية ينحني جذعي معها مرات متلاحقة وسريعة كحرذون يؤدي صلاته وقت الظهيرة.

وحين كان يقذف الليل سدف ظلمته على الكون، كنت أنسل من فراشي للاستراحة، أتأمل الأفق وهو يتبقع بدماء الشمس، بقعا فاترة الحمرة هنا وهناك، ثم تندمج هذه البقع مرة واحده لتطلي الأفق على امتداده بحمرة قانية نزفتها الشمس قبل دخولها بأعماق الأفق البعيد عن العين أو قبل غطوسها بأعماق البحر لتغتسل من أعباء نهار مضن وشاق.

كنت إذ ذاك أشعل سيجارة من أخرى، ليس حبا في التدخين، إنما بحركة أليه اعتيادية، وما أن تتلفع الأرض بتلك السدف تلفعا تاما، حتى تجدني جالسا كتمثال شمعي غارقا ببحر أفكار صاخبة عاتية الموج.

وذات ليله، وفيما أنا غارق في أفكاري، أحسست حركة بجانبي، وحين رفعت رأسي وجدتها جالسة بمحاذاتي تماما، يداها منتصبتان على رجليها، وجهها متكيء على كفيها المفتوحتين لاحتضان الوجه من الذقن وحتى الأذنين.

ذهبية الشعر، وجهها أقرب إلى لون سنابل القمح، يتوسطه أنف صغير مستدق الرأس، وفم حين يفتح تظنه ما زال مغلقا، وعينان حائرتان ينبعث منهما بريق متألق، لكن سرعان ما ينكسر فور خروجه منها.

تطلعت إليها دون مبالاة، وبحركة لا شعورية، وكأنني انظر ببلاهة في الفراغ، إلا أنني أمام إصرار نظراتها وعمقها أحسست برعدة تسري في جسدي كرعدة برد مفاجئة أمام شمس متألقة، حدقت بعينيها، فأيقنت عندها بأنها تضرب أعماقي، تسبرها، تغوص فيها منقبة، إلا أنها أمام امتداد نصل نظراتي وبريقه اضطرت للتراجع، وكان تراجعها ثقيلا، يزحف في عينيها زحفا حلزونيا، وأضحت لفترة غير بسيطة،

كأنها تنسحب من عالم إلى عالم، الأمر الذي حيرني ودفعني للتساؤل: أن كانت تحس بوجودي بمحاذاتها أم لا؟ ولم تلبث أن أطلقت تنهيدة حادة ارتفع على أثرها صدرها وهبط بقوة، فأحسست تلك التنهيدة تغوص في صدري مثل دبوس يخترق اللحم بقوة خاطفة وسريعة.

مددت يدي بحركة تلقائية نحو كوب الشاي الفارغ، في محاولة صبيانية للهرب من الموقف، لكنها تنبهت لحركتي بسرعة، فانتصبت لتأخذ الكأس من يدي وتغادر الغرفة دون أن تنبس بحرف واحد. وما هي إلا لحظات حتى عادت وكوب الشاي بيدها مملوء حتى شفته العليا، وضعته على الطاولة وعادت لجلستها من جديد دون أن تنبس بكلمة واحدة مرة أخرى، وكان علي، من باب الأدب، الأدب فقط، أن أشكرها، ولكن بحذر شديد لا يفتح لها مجالا لدخول عالمي بأي ثمن مهما بهظ، لأني لا أريد أن أضع على كاهلي عبئا جديدا، يكفيني إحساسي المتلاحق بقبضات الموت في عقلي.

-أشكرك على الشاي.

حدقت في من جديد، كانت عيناها تطفحان بالرعب، بالمجهول، وفوق جفونها ظلال زرقاء مشربة بصفرة باهتة، يبدو الألم والحزن عليها واضحا بكل عمق وقوة. وحبات من دموع تقف على الجفن، مثل زجاج شفاف مصقول، إلا أنه مشعور من الجهة اليمنى ومخدوش في الوسط، غامت الدنيا بعينيها، ولم تغب قليلا حتى أنهلت مطرا شديدا وحارقا، إلا أنه صامت. صمت المقابر وسط الليل، وانساحت الدموع على خديها غزيرة فياضة، كجدول فضي على أديم من ذهب خالص.

نفرت أعصابي بقوة، أطلت برأسها من هجعة سلوى قصيرة، كالأفعى حين تطل برأسها من جحرها، حذرة متوترة، لكنها دائبة الاهتزاز. أردت أن أبكي، أصرخ، أحطم زجاج النوافذ بيدي، أضمها لصدري، أحفر فيه ملجأ أخبئها فيه، أرفسها برجلي، أركلها خارج الاستراحة، أقذف نفسي خارج الاستراحة، أمسح دموعها، أفعل أي شيء. إلا أنني ظللت مكاني، كما أنا عاجزا، مشلولا، لا أنفع لشيء على الإطلاق.

- زوجي سيموت بعد شهر.

وجمدت مكاني، مثل قالب ثلج، تيبست أحشائي، واندفعت برودة عنيفة في عمودي الفقري، مثل برودة البنج في الوريد، ورقصت معدتي مكانها. الموت، الموت مرة أخرى. أنا لا أعرف كيف مرت تلك الكلمة مثل ألسهم كي تستقر في دماغي. ثم لأرى نفسي مبطوحا فوق دكة الغسل والناس تغرق فوق جلدي أباريق الماء وهم يدمدمون بحلاوة الأجاص، ونكهة التفاح، ومذاق العسل.

- س... يمو... ت... بع...د...شهر.

خرجت الكلمات من فمي، كل كلمة مولود، مولود له آلام مخاضه، وضعتها بعد جهد، والعرق يتفصد من جسدي كله، وشيء يهز قلبي والأعماق بوحشية قاتلة، لا رحمة فيها أبدا.

- نعم هكذا أخبر الأطباء.

- لكن الموت بيد الله.

- أنه مصابا بالسرطان.. سرطان الدماغ.

- قد يشفى.

- فات الأوان.

- وكيف تعرفين؟

- دعني أحدثك القصة من أولها.

ودون أن تسمع إجابتي بدأت تحدث: أتته الحالة مرة واحدة. صداع دائم في الرأس وزغللة في العينين. ألم عارض، كثيرا ما يحدث مع الناس. وتركناه، لم نكن ندري آنذاك بأننا لا نتركه ليأخذ حده ومن ثم ينتهي. من أين لنا العلم بأننا كنا نحفر النهاية في لوح الأبدية بأيدينا، بضحكاتنا وسرورنا. وتركنا ذلك الورم يعشش في دماغه، يفرخ، ويبني أعشاشا لفراخه، من أين لنا أن نعلم هذا؟

وحين اشتد الألم، عرضناه على الطبيب. الطبيب زميله، فزوجي أيضا طبيب، لكنه طبيب نفسي، أخبرنا بالحقيقة. صفعنا بها صفعة مروعة. لكنه استدرك: هناك أمل، لا بد من إجراء عملية جراحيه. ولكن ليس هنا، إنما في لندن.

وكان يجب أن يسافر، بأي ثمن، ومهما كانت الظروف. العملية يجب أن تجرى، بدون تأخير، وبأقصى سرعة. ويفضل السفر على بساط الريح. الوقت ثمين، الساعة، لا، بل رمشة العين، إما أن تكون حياة، أوتكون موت. من الذي سيقوم برعايتي أنا؟ لا، ليس أنا، أبنه محمد، لا، بل إبنته آية. من سيمسك بذراعها يوم زفافها؟ أي ذراع غير ذراعه ستكون ذراعا ميتة، ينخل فيها الزيف، التصنع، الرياء، العفن، من سيعود في المساء ليحملهم على ساعده، ويدور بهم أرجاء البيت وضحكتهم ترن كأجراس الملائكة في قلب النسيم والهواء.

والسفر يعني ألافا مؤلفة، أكداسا مكدسه من ورق النقد، تملأ في حقائب السفر بدلا من الملابس، لا يهم، النقود يمكن أن تدبر، نبيع البيت بكل محتوياته، حتى كرسي محمد، وسرير آية، ثم نبيع ملابسنا، كل هذا لا يهم، المهم أن نسافر، أن تتم العملية بأسرع وقت ممكن.

كان وجهها وهي تتحدث ينتفخ رويدا رويدا، والدم يتصاعد من كل جسدها ليستقر فيه فيبدو مثل جمرة متقدة تحت نار مستعرة، يذوب على وجنتيها الحديد، وصدرها كان يعلو ويهبط كسرير هزاز حين يضرب بقوة، فتسمع قعقعة القلب وهي تنازع العظم وتدفع الرئتين. وتجمرت عيناها، فبدت وكأنها مغطسة بدم نازف للتو، شبحية، تضيء، تتوهج وتنطفىء فتبعث في القلب رعبا مجهولا غامضا، لكنه رعب ينقر القلب من سويدائه، فيجيء إثر نقرته غثيان، زوفان في المعده. فترتج الأحشاء. أصابعها كانت تتشنج حين تشير بها لترافق كلماتها بالحركة. وتنثني بجسدها فينتابني إحساس بأنها شلت، تليفت، ولن تعود للحركة من جديد. وجسدها، جسدها كان يرتعش، يهتز بقوة ضارية وكأنه معرى أمام عاصفة جليدية، تنخر العظم وتفتته، دون عناء، دون جهد.

أما أنا فقد كنت تائها بصحراء الذهول التي لا أثر للسراب فيها. كنت أرفع نفسي عن الكرسي وأعاود الجلوس، لماذا؟ هكذا دون سبب، دون وعي، دون إرادة. أفتح فمي وأغلقه، دون سبب، دون وعي، دون إرادة أيضا. دماغي أصبح كسيحا لا يعمل. شل تماما. أما عيناي فقد كنت أحدق بهما لوجهها، ولكن دون أن أراه. كنت قد تحولت لأذنين فقط. ولو نظر الناس إلي ساعتئذ لامتلأت قلوبهم هلعا ورعبا، لقذفوا أنفسهم من زجاج النوافذ، لأنهم لن يروا سوى إنسان كله أذنين فقط.

وسافرنا، بعنا ما نملك، وسافرنا، غرباء في أرض غريبة. ورأس زوجي يتضخم، يكبر، يتساقط الشعر عنه، وأضحى غريبا عن جسد صاحبه، وعني. ودخل معنا أرض الغربة وفي جوفه مخلوق صغير صغير لا تراه العين، أدق من رأس الإبرة بملايين ملايين المرات، لكنه قلب حياتنا وبدل أوضاعنا، غير أجسادنا، نقل القلب مكان العين، وزرع العين مكان القلب، فأضحت وجوهنا خافقة وأعماقنا باكيه. وتمت الفحوصات الأولية. والنتائج، آه ما أقساها. أنه هو، هو، دون شك، ذلك الكائن الغريب يتوسط الدماغ، ينمو، وينمو، حتى أصبح بحجم البيضة، والعملية لا بد من إجرائها، وحدد الموعد بعد ثلاثة أيام من وصولنا.

والمستشفى كبير، كبير، متطاول في الأفق، يرنو للسماء، ومظهره جميل، متناسق، يشيع البهجة في النفس. لكنه كأي شيء غيره، لا تراه على حقيقته إلا إذا ولجت بكيانك إلى داخله. قلت أنه جميل، يشيع البهجة بالنفس، لكن من الخارج فقط. أما حين تلج بقدميك بابه، فأنه يصبح مدهشا للعقول. هو مخزن آلام البشر وصندوق عذاباتهم وتنهداتهم. فيه تصبح الدموع كاوية، تنزل على الوجنات فتذيبها كحامض مركز. وفيه ترحل كل يوم أرواح عن أجسادها، رحلة طويلة، طويلة مجهولة لا معالم لها ولا حدود. ومن خلف الأرواح تلك، تنخلع قلوب من صدورها لتسكن عمق الألم وقلب العذاب.

ومرت الأيام الثلاثة، استغرقت مسيرتها ثلاثون دهرا. وأتو إليه، يحملون مريولا أبيض مفتوحا من الخلف، يتدلى من جانبيه حزام من نفس اللون، وزرقوا الإبرة في العضل بعدما ألبسوه المريول وساقوه أمامهم وهو مستلق على السرير. وسرت معهم حتى باب غرفة العمليات. وهناك كانت اليافطة تجحظ بعينيها (ممنوع الدخول). فتسمرت كعمود ثلج في جبل جليدي.

وغزتني الغربة من جديد، اقتحمت قلبي كزلزال مروع، وأحسست صورهم أمامي "محمد وآيه" وهم يدورون بين الأشجار كأغصان نضرة، يلهون، يمرحون، ينطنطون مثل فراشات حمراء مزخرفة بألوان زاهية. وبكيت، وبكى. كنت ظمأى لصدر حنون، أرمي رأسي عليه، أمسح دموعي بجلده. لصدر أمي، أبي، أختي، أخي، أو حتى صدر محمد أو آيه الصغيرين اللذين لا يتحمل صدريهما حر أي دمعة.أو أي صدر عربي، يشعر جلده بحرارة دموعي، ويقفز قلبه مع شهقاتي وأناتي. لكني وحيده، دموعي، شهقاتي، أناتي وأحاسيسي كلها وحيده.

والدقائق ثقيلة، تزحف كسلحفاة هرمه أعياها التعب وأضناها المرض. والباب مغلق، ورأس زوجي مفتوح، ينز دما، وجسده لا يشعر، ومبضع الجراح يجول بدماغه، يبتر منه جزءا تلو جزء. وأنا أقف وحيدة، وعقرب الثواني يدق في رأسي فيدوي صوته كالرعد، وأحس بالخوف الشديد، بالفزع القاتل من مبضع الجراح أن يصل الجزء ألذي فيه محمد وآيه، أو الجزء ألذي أنا فيه فيبتره. صارعت الفكرة، الغربة، صوت الرعد في رأسي، صورة محمد، طيف آيه، ولكني إنسانة، فسقطت. وكان أخر ما سمعت صوت رأسي وهو يصطدم برخام الأرض.

وأفقت، لا أدري كيف؟ كنت مسجا على سرير بجانب سريره. وكان سريره لا يزال فارغا. نهضت، لا، حاولت النهوض. لكن جسمي كان ثقيلا، ثقيلا، لأول مرة أحس بمثل هذا الثقل، فلم أستطع. أدرت وجهي للنافذة، فبدت الشوارع أمام عيني وهي تنبض بالحياة، تزخر بالناس وهي ذاهبة آتية، والسيارات، الحافلات. وهناك من خلال النافذة، رأيت رجلا يجلس بجانب امرأة يلف كتفها بذراعه وبكف يده يداعب خصلات شعرها الأمامية، وأمامهما طفل وفتاة صغيران، يدوران كفراشات حمراء مزخرفة بألوان زاهية. وحين يقفزان بحضن أبيهما، ينهض والفرحة تتشقق من وجهه نورا قدسيا. فيحمل كلا منهما على ساعد ثم يبدأ بالدوران وضحكتهم ترن في أذنيً رغم البعد ورغم الحاجز الزجاجي، مثل أجراس الملائكة. فتحجرت الدموع بعيني. زوجي لا يزال هناك، ومبضع الجراح لا يزال يتجول بتمهل في دماغه. يبتر جزءا من هنا وجزءا من هناك، والناس خلف النافذة تلهو، تضحك، ولا أحد منهم يعلم بأن زوجي مسجى على سرير قد لا ينهض عنه أبدا. وليس فيهم من يستطيع أن يحس بالنار المتقدة بأعماقي، بكياني كله. وأنا لا أزال أبحث عن صدر حنون. صدر عربي، أرمي رأسي عليه وأغسل دموعي بجلده، ولكن دون جدوى. ورأسي يثقل، فأدخل النوم دون حاجة إليه، دون إحساس به.

وأخرجوه أخيرا، ملفوف الرأس، لا يبدو منه غير عينيه، جثة هامدة، لكنها تتنفس. سجوه على سريره وذهبوا. تركوني معه ذاهلة، مقصوفة الإحساس، حائرة المشاعر. تنساب الدموع، لكنها لا تخرج. تبقى في العينين تكويهما بلظاها. أقف لا أدري ماذا أفعل، أبكي، أضحك، أصرخ، أضرب رأسي بالحائط، أحتضنه، ولا أفعل شيئا. أظل واقفة والصدر الحنون لا يزال حلمي الوحيد في تلك اللحظات.

ومضت الأيام، كلما ذهب يوم ظهر جسده أفضل من سابقه. وبدأ رأسه يعود لحجمه الطبيعي ببطء. بشائر خير، روح تعود للجسد. ذلك الكائن الغريب يتضاءل أثره، فنشعر بالنشوة، بالفرح. وتراخى شعور الغربة، تضاءل حتى لم أعد أحسه. دفنت رأسي بصدره وأجهشت بالبكاء والقهقهة في آن واحد، وغسلت دموعي بجلد صدره. وضممت رأسه بين كفي برفق ولطف، وهمست بدماغه بصوت ناعم خفيف "محمد، آية". فانتعش الدماغ وتوردت الحياة فيه، وتوهجت بسراديبه أنوار الذكرى، وتمدد بسرعة حذرة ليسد الفراغ الذي تركه مبضع الجراح. ربت على كتفيه، هدهدت جفونه بأناملي، فاستولى عليهما النعاس، وتكثف لحظة وراء لحظة كغمامة نقية، حبلى بالغيث. ثم سقط النوم عليه صافيا مثل دموع السماء. فتألق بريق وجهه ونما حتى أكتسى به الجسد كله. تركته وخرجت. الجذل يسير معي، والبهجة تطفح في نفسي حتى أصبحت خفيفة خفة ريشة دوري يتوسط أشجار الربيع وزهوره. وصعدت دون قصد للطابق العلوي، فأدهشتني المفاجأة. صدقني، فرق هائل واضح بين هذا الطابق والطابق الذي نحن فيه.

طابقنا فخم رائع، لكن هذا الطابق يعج بالفخامة، ويفيض روعة. فالسجاد المفروش على أرضه، بلونه العنابي الزاهي، الذي يخلب العقل سميك جدا. تغوص فيه القدم حتى الجوزتين، فتشعر نعومته العذبة تدغدغ أقدامك بملمسها الحنون. وجدرانه مطلية بلون أبيض حليبي ناصع، شديدة النظافة، يتوسطها لوحات فنية زيتية لفنانين متعددين، لكنها متوحدة المضمون. تعج بالحياة وتزخر بالملائكة والجنة. لكنها آية في الروعة. دفقة إنسانية أمام إغراء الحياة وسعادة الآخرة. مضمون متوحد، لكنه متنافر، الحياة، الموت. أو بمعنى آخر، الدنيا، الآخرة. وفي الصالات توزعت الأرائك والطاولات الفخمة بأسلوب رفيع ينم عن ذوق عالي الحساسية، والأسرة الخضراء الناعمة الملس كريش النعام، كانت عريضة بحواف مستديرة، فيبدو النائم عليها وكأنه يغوص ببساط ربيعي شديد الكثافة. وفي كل غرفه خزانة محفور خشبها بتشكيلات هندسية غاية في التعقيد، لكنها غاية في الجمال أيضا. وعلى كل هذا الجلال، كانت تنسحب أصداء موسيقية عذبة، هادئة، تسري بالأوردة والأعصاب، وتدخل مسارب الروح، فتحلق بها نحو أعالي الطمأنينة والوقار. وفي هذا الطابق كان الأمر الملفت للنظر، أن المريض ما عليه سوى التمني، وما على المستشفى إلا أن يلبي، وحين سألت إحدى الممرضات عن هذا الطابق، أجابت انه مخصص لمن ينتظرون اجلهم بعد وقت قصير.

وبدأت بالتردد اليومي على ذلك الطابق. فاكتشفت معنى التناقض، عرفته عن قرب، كان واضحا جليا في الوجوه التي تنتظر نهايتها، وهي تدرك انه لم يتبق لها على هذه الأرض سوى أيام أو شهور. وبعدها تذهب للأرض، للدود، للتحلل، فتبدو ساهمة حزينة. وبعد لحظات تضج في ملامحها القهقهة العالية النابعة من القلب، وبعد لحظات تنهال الدموع غزيرة مع أنات تملؤها الحسرة، وعيون تتشبث بالدنيا. وما هي إلا دقائق حتى يدخل أولئك الذين كانت الدموع تملؤ عيونهم في حديث ساخن عن المستقبل وضرورة تغييره نحو الأفضل، ومحاولة التكيف مع ما يحمل من صعوبات وعقبات. وكنت أتساءل بيني وبين نفسي: أي مشاعر يحياها هؤلاء؟ وكيف يغيب الموت عن عيونهم ولو للحظة، ما داموا يجلسون هنا فقط من اجل انتظاره؟ وما الفائدة من الكتاب الذي يحمله بعضهم في يديه، يتأمل كلماته، وكيف يستعذب هذه الكلمات وعضة الموت في حلقه؟

وظللت على حالي هذا حتى أعلن المشفى ذات يوم أننا قادرون على العودة إلى بلادنا، ولكن بجب أن تؤخذ صورة طبقية للدماغ بعد ثلاثة أشهر، من أجل الاطمئنان فقط، وموافاة المشفى بالنتيجة مباشرة. ولم يمض على القرار يومان حتى وجدنا أنفسنا على مقعدين في الطائرة المغادرة لندن إلى عمان.

قضينا الأشهر الثلاثة سعادة، نهلنا من الحياة، وشربنا من كأسها حتى الثمالة. وجاء اليوم الأخير من الشهر الثالث، فكانت الصورة الطبقية تقول: أن ورما جديدا بحجم البيضة قد تشكل مرة أخرى بالدماغ. وجاء صوت الطبيب: يجب السفر إلى لندن بأقصى سرعة ممكنه، وعلى بساط الريح أن أمكن. قالها وسكت. انصرف لمريض اخر. وانصرفنا نحن نبحث عن شيء يمكن أن يكون قد تبقى لنبيعه، ولكن لم يتبق سوى أحدهم يمكن أن يباع "محمد أوآية". عرضناهم، لكن أحدا لم يتقدم لشرائهم أبدا. وتدبر الأهل أمر المال.

وسافرنا لنعود بعد أسبوع بجملة واحدة:( لا أمل في شفائه، ليكن الله بعونكم ).

عزيزي يوسف:-

كل ما كتبته أنفا كان نقلا، لم أشاهد أي شيء منه على الإطلاق، ولكني نقلته لك بأمانة الحرف والكلمة، لم أزد عليه شيئا ولم أنقص منه شيئا.

لكني اليوم رأيته، نعم رأيته، كان رأسه متضخما بشكل ملفت للنظر، ووجهه كان متورما تورما قبيحا يبعث القشعريرة في البدن، ذو بطن منتفخ كطبل فارغ مبعوج من الوسط، متهدل الأطراف، وشعر رأسه متساقط تساقطا متفرقا، بقع صلع متفرقة بين بقع شعر متبقية. لا يستطيع الوقوف على قدميه، لذا فزوجته تجره في جولات متفرقة أثناء النهار على كرسي متحرك. لا يتكلم، وإن حاول ذلك فإنه بعد جهاد عنيف يصدر صرصرة منفرة غير مفهومه. وكل ما فيه، إن كان لنا أن نقسم الإنسان إلى أجزاء، عينان تدوران في المحاجر، يرى من خلالهما الناس والحياة، ولكن تتوسط هذه الرؤية صورة الموت وهو يطوي مسافات السماء والفضاء قادما إليه.

كان ابنه محمد يتسلق الكرسي ليجلس بحضنه، فيطوقه والده بذراعيه تطويقة غير مكتملة لعجز جزئي في يديه على ما يبدو. وحين كان يدخل الغيبوبة، كان أهله يقفون فوق رأسه، ينظرون إليه والدموع تتفجر تفجرا من عيونهم، كنت أسمع صداها كصاروخ متفجر. ورحمة ألله فوق كل شيء، أنه لم ير هذه الدموع وهي تتفجر هكذا. رحمة ألله أنه لم يكن يخرج من غيبوبته وهم على مثل هذا الأمر. كان يسير نحو الموت بخطى سريعة، وكان يعرف هذا الأمر، وكذلك أهله. كانت زوجته تعاني، تتألم، لكن بصمت. لم يحدث أن خرجت عن طورها بعد أن أيقنت بمصيره، إلا تلك الليلة التي حدثتني فيها قصتها – هكذا عرفت فيما بعد – حتى حين كانت تجلس وقت الغداء تطعمه في يديها بهدوء وبطء، وفجأة، يتجشأ كل الطعام الذي أكله والشراب الذي شربه بقوة عليها، كان تجشؤه مخيفا، مقرفا، رغم شعور التعاطف ألذي يحمله له الإنسان كمريض يسير نحو الهاوية. كان يقذف الطعام من جوفه على دفعات، وبقوة داخليه، فيتناثر عليها وخاصة وجهها الذي يكون مقابلا لوجهه تماما.

بهدوء غريب كانت تنهض، تبدأ بغسل وجهه وتنظيف الرذاذ الذي تساقط على صدره وقدميه، ثم تساعده بالصعود إلى السرير، ومن ثم تدخل الحمام لتنظيف نفسها وتبديل ملابسها. كان هذا حدثا يوميا، وقد يتكرر مرتين في اليوم. وحين يخيم الظلام تذهب لبيتها، فيأتي والده مكانها. يغلق الغرفة عليه وولده، ويجلس قرب رأسه يتلو آيات من القرآن الكريم بصوت منخفض غير مسموع بوضوح، ويبقى على حالته هذه إلى أن تنفرج أصابع الليل عند انبلاج الصباح.

حتى المرضى النفسيين الذين كان يعالجهم هذا الطبيب وهم في نفس المشفى، كانوا يتسللون في الصباح الباكر فرادى وجماعات ليأتوا إليه، وكانت الغرفة تغص بهم وبهديرهم، ونواحهم، ومن أفواههم تتعالى الدعوات متضرعة لله أن يمُن على طبيبهم بالشفاء، كان صوت بكائهم يتناهى لمسامعنا حادا، ملوًعا، ممزقا. دموعهم يملؤها ألصدق، وتضرعاتهم محشوة بالحسرة، معبأة بالأمل، لكن الموت لا يسمع، ويسير وهو يضع في أذنيه حشوات من رصاص مذاب، كالرصاص المذاب في صدور هؤلاء المرضى الذين يتحرقون ألما على طبيبهم الذي أحبوه.

وأخيرا أجريت العملية، تمددت على سرير السلخ وتحت الكشاف الوقح، وخرجت سليما معافى لا من مرضي الذي أعانيه. بل من فكرة الموت، وقضيت ساعات هائلة وأنا تحت تأثير البنج، هاجمتني كوابيس متلاحقة لفترة طويلة. كنت أغمض عيني من شدة الألم فأرى أمي، وحين افتحهما وأمد رقبتي للأمام محدقا باحثا عنها، لا أجدها. وأغمض عيني من جديد، فأرى أبي وهو يبتسم ابتسامته الحانية، وفي عينيه بريق رجاء، وحين افتحهما يطير طيفه مع ابتسامته الحانية وبريق الرجاء الذي بعينيه. واغمضهما من جديد فأرى أمامي أختي، وأخي، ابناؤهما، ولكن لا تلبث هذه الأطياف أن تطير حين افتحهما من جديد.

قضيت بضعة أيام في المشفى للتأكد من عدم وجود التهاب في الجروح التي شقوها في يدي ورجلي، ثم حصلت على الإذن بالخروج. بدأت تجهيز أوراقي مباشرة ولففت متاعي، ولكني لم ألف أي هدية، لاعلبة حلوى، ولا كيس تفاح، ولا باقة ورد مكتوب عليها: " مع تمنياتنا بالشفاء العاجل " فقط منامتي وبعض الكتب، كانا كل ما أملك، فلا أهل لي في أرض الغربة ولا أقارب يأتوني بتلك الباقة من الورد وعليها تلك الجملة. وقبل أن أغادر ودعت المرأة الذهبية ألوجه وأنا مشفق عليها، أمتلىء حسرة على تنهداتها وتأوهاتها، ووعدتها بالاتصال بين فترة وأخرى. وخرجت، وحيدا أحمل يدي على عنقي بعلاقة خاصة، وأجر جرحا طويلا بقدمي، وليس على الباب من يقف ليقول لي ولو مجاملة محضة " الحمد لله على سلامتك ".

وبعد أسبوع اتصلت بالمشفى هاتفيا وطلبت تلك المرأة، فرد علي الصوت مستفسرا " زوجة الدكتور مجدي؟" فأجبت : "نعم"، وجاء الصوت من جديد " البقية في حياتك، لقد توفي الدكتور ." وأغلق الخط.

وفي عيني كانت آية وهي ترتدي ثوب زفاف أبيض، وحيدة، ليس هناك من يمسك ذراعها. وفي عينًي أمها، صورة الدكتور مجدي وهو يتجشأ الدنيا تمسكا بها وخوفا من الموت. والموسيقى تصدح، واثنتان، اثنتان فقط لا تسمعانها، لا تحسان بنغماتها، "أيه وأمها ".

مأمون أحمد مصطفى

فلسطين- مخيم طول كرم

............

{ هذه القصة مهداة إلى السيدة لينا أبو الرب، ألتي شكلت الشخصية الرئيسة لأحداثها }

الأردن - 1997

 

سعد جاسملرائحتِكِ العالقةِ في قمصاني

لقُبلاتِكِ المتوهّجةِ على جسدي

لضحكاتِكِ الصادحةِ في فضاءاتي

لأَصابعِكِ التي تخترقُ المسافاتِ

لتلامسَ قلبي

وتغفو على شغافهِ العاشق

لأحلامِكِ القزحيةِ

التي تتكوكبُ في ليلي الباذخِ

باشتعالاتِ جسدكِ الهيمان

لجنوناتكِ التي أُحبُّ شطحاتِها وقصائدَها

وعصافيرَها وهديلَها وأُغنياتِها الفاتنة

ولكِ أنتِ

اشراقةُ عيدٍ ذهبي

يضيءُ حباً

وطفولةً

وعذوبةً

وطقوساً

ومسرّاتٍ

تُشبهُكِ أَنتِ

أَنتِ وحدكَ

ياروح روحي

وفرحي الكوني

وعيدي الجميل

***

سعد جاسم