زياد كامل السامرائيأردتُ أن أرسمكِ،

فارتبكتْ الريح، ومشتْ بموكبٍ أخضر.

أردتُ أن أجعل من الحلم نورا،

فأشرقتْ في سماء الروح نجمة.

أردتُ أن أكتبكِ في عيون المارّة،

أغنية،

فطار اللحن في غابة الحنايا

حتى آخر رفيف.

ألجميع كان يصفكِ

وهو ساهم في إنشودته على إنكِ فجر وناي

فتفزع المدينة،

وتمشي الأيام دون شاعر،

يكتب عنكِ كطاووس.

***

زياد كامل السامرائي

 

بن يونس ماجنفقل لهم: 

1

للقصيدة منزل واحد

يطل منه القمر

ويختفي الى حين     

2

للقصيدة باب واحد

يطرقه الالهام

ويسكن قوافيها شيطان مارد

3

للقصيدة شظايا

وشذرات ملونة

واشباح في زي الاحياء

4

للقصيدة هلوسات وترية    

تسعى ان تكون  ايقاعا

 للومضة النثرية      

5

للقصيدة جزر منعزلة

يقطنها المتمردون

ومنفصلي الشخصية

6

في محراب القصيدة

ترقص الومضة

على ايقاع الهايكو الياباني

7

للقصيدة ساعة رملية

ذات اجراس صامتة

اما الوقت فله وجهان متناقضان

8

 للقصيدة مدارات مقفرة

يعتريها السواد

في هياكل الضباب

9

للقصيدة حقل

يرتع فيه العشب الملوث بالنفايات

وخريطة على امتداد زرقة البحر

10

على رصيف الابداع

يعصر الشاعر خمرة الاملاح

لبلوغ الذروة الشعرية

11

للقصيدة هواجس عفوية

يعزفها جوق بهلواني

وراء كواليس المنفى

12

لطالما حافظت القصيدة النثرية

على غشاء بكارتها

وتسببت في تساقط الاقنعة

13

وعندما يولد جنين القصيدة

لا احد يتجرأ على قطع حبل سرته

خوفا من دفاترها المرتبكة

14

للقصيدة مرايا نرجسية

تغار منها الخربشات

التي لم تكتب بعد

15

بشق الانفس

يضع الشاعر اللمسات الاخيرة

ويتسربل اوجاع القصيدة

16

للقصيدة جعبة مطرزة

فيها ضفائر

تخصب العميان في العتمة

17

لا ادونيس يتفلسف في غثيانه    

ولا درويش  يمخر عباب بحوره

ولا نزار يعبث في نزواته

***

بن يونس ماجن

اديب من المغرب يقيم في لندن

 

 

 

صحيفة المثقفقهرمانة

قدَّتْ خوفها، خالجتها صرخات المفجوعين، توعدتْ بالثأرِ، حفرتْ عقلَ سيزيف، طمأنتهم بدهاء، غرقوا في بحر الخديعة، تعالى الصُّراخُ، سقطوا في شِباك التَّأريخ.

*

سفَّاح

تلوَّنَ عبرَ العصورِ، خلعَ أسمالَ النَّقاءِ، احتضنَ نوايا المغول، لبستْ الضّفتان عباءةَ الليل،، ابتسم بوجه القتلة، التهمَ أبناءه، قررَ استعارة حمرة الشَّمسِ في حضرةِ الغيوم ، طعنَ في براءة الرافد الآخر.

*

تطبيل

في لقاءٍ ذي سقر انبعثْ الدَّجالُ، تزلَّفتْ الأيادي، انعتقَ مسدُ الحقِ من قبضتها، انغرستْ السّهامُ في القفا، عندما تعثرتْ الأفعالُ بنقصها ادَّعتْ الأسماءُ الكمال.

*

تكميم

حلَّتْ المُناظرةُ، تبوَّأ عرشَ الكلمةِ، ازدهى باسمهِ العظيم، جاءَ بالدليل منْ الكتابِ المقدَّسِ، برهنتْ الممحاةُ على ضعفه أمام سحرها، صمتَ عاجزاً، اسعفهُ الوحي بالخلاصة فقال: يكفيني إنّي أُخرج النُّورَ منْ ظلمةِ وشاحي .

*

ابتئاس

سكنَ النَّبضُ على ناصيةِ الذّكرى، تجمهرتْ الكلماتُ ممزقةً حروفها شعثاء النّقاطِ، التحفتْ السُّطور بوجع البوحِ، احتضرتْ الوعودُ، أنارتْ الشُّموعُ مكانه في الجهة الأخرى.

***

دعــاء عــادل

 

صالح الرزوقانتصف النهار ولم تظهر دافيد. وبعد رحيل رجاء لم يبق معنا امرأة غيرها في القنصلية.

كانت رجاء من نمط الحياة الاستهلاكي. نوع اقتصاد السوق. مغرمة بحياة الليل.

وأرجو أن تفهم كلامي بالشكل المحترم.

لا أعني أنها مستهترة لكن تحب اللهو والسهر، وسمعت مؤخرا أنها هاجرت إلى كندا. وكان هذا هو حلمها الذهبي. الهجرة والذوبان بالحياة. وأنا متأكد أنها تعاني الآن من كوابيس الحرية المزعومة.

لكن دافيد شيء آخر.

على العكس في كل شيء. بالإضافة لاسمها العجيب تفضل الثياب الخشنة. ولم أشاهدها في كل حياتي بتنورة أو حذاء امرأة. كانت بأفضل الأحوال ترتدي الجينز والصندل. حتى الحفلات تأتي إليها بهذا الشكل المريب.

قلت لها على سبيل الطرافة: يا لك من امرأة مسترجلة.

ردت وهي تبتسم: يا عزيزي. أنا ضد المظاهر.

وأشارت لربطة العنق التي أشنق بها نفسي وقالت: هذا بريستيج.

ولكن أنا لا أعتقد ذلك. المسألة ليست بهذه البساطة. ترتيب الهندام يدل على حسن التنظيم. ولا علاقة له بالقشور. هذه فلسفة في الحياة.

وباعتقادي لدى دافيد عقدة لأنها ربيبة ملجأ للأيتام. وعلمت بطريقة غير مباشرة أنها فتحت عيونها على هذه الدنيا نتيجة غلطة. ولا تعرف بالضبط من هو أبوها الحقيقي. وتبناها أستاذ في جامعة أو معهد لغات. لست متأكدا.

ولكن لم تبرأ تماما من جرح ماضيها.

***

وقفت أمام باب مكتبها المفتوح. ولمحت الطاولة أولا. عليها أكوام من الملفات. وبجانبها جهاز الهاتف الأسود بظله الكئيب. كانت دافيد متمسكة بهذه الترهات. لديها نوستالجيا لكل ما هو قديم.

حتى أنها تزين جدران مكتبها بصور من البادية..

بيوت شعر. وأمامها قطعان المواشي. أرض عليها أخاديد مثل جرح مفتوح بسبب الجفاف. أكوام حجارة وتبزغ من بينها وردة صبار.

كان ولعها بهذا الحرمان واضحا. إنها حياة مبنية على الندرة. وأغلب الظن هي ظل لأيامها الأولى في الملجأ. أضف لذلك أنها لم تسكن في البيوت التي وفرتها القنصلية واختارت بيتا في الفرافرة.

بباب من الحديد الأسود. مع سقاطة من الفولاذ ومنحوتة بشكل رأس الأسد، مثل شعار سيارات بيجو القديمة. هناك بمقدورها أن تهرب من ذاتها. كان رأيي أنها تود غسل أخطاء الماضي بهذا التقشف.

و لكن كانت في الحقيقة تعذب نفسها فقط. ولذلك تقول رجاء عنها إنها مازوكية. وهي بحاجة لطبيب نفسي.

***

ماذا أخرك يا دافيد لهذه الساعة؟.

سألت نفسي وأنا أدخل لمكتبها. وجلست على كرسي الجلد البرام. كان بمواجهتي لوحة لمنظر طبيعي. أرض رملية متموجة. وفوقها سماء بلون الحديد المصهور. كانت تلمع بهذه الإضاءة الخفيفة مثل تيار نهر يجري.

حتى الأشياء المتنافرة تتشابه بنظر الإنسان في أوقات الشدة.

ورفعت سماعة هاتفها، ثقيلة بوزن المطرقة أو السندان. وطلبت رقمها.  يا له من ذوق يا دافيد.

قلت بنفسي وأنا أستمع لصوت الأرقام وهي تدور في القرص..

 

صالح الرزوق

 

رضا آنستهجنَّ اللیل، وأخرجوني من جحري، أرنو إلی سماء بعیدة، ملمَّعة بقنادیل مشعَّة، أستنشق هواء علیلاً، یملأ رئتي بفرح طري، تهبُّ ریح ندیّة حاملة معها رائحة ياسمين، تشعرني بالانعتاق والحریّة.. تكنس الرائحة الزنخة العطنة، لحاویة القمامة التي قذفوني فیها. أظل واقفاً هكذا للحظات، كأنها ساعات وسنین طویلة... تتسرّب فیها حبّات الزمن من بین أصابعي، ویمرُّ شریط حیاتي، على شاشة ذاكرتي"سناء، كوت الشيخ، المحرزي، سوق السيف..." أشعر بأني شجرة نبتت في قفر، وكأن لیس في هذا الكون إنسان سواي. تتساقط حبّات مطر ربيعي  عذب، تذيقني طعم كارون، وتروي ظمأ صحراء روحي، أنتعش، ویولد للعالم معنی، كنخلة نبتت في واحة.

 بعد الانتهاء من ممارسة طقسي المسائي، في الأربعاء السوداء تلك، لآخر مرة، أحدق فیهم كرصاصة، وأعود إلی جحري، لیخرج آخر سواي، فلا یحرم أحدنا فرصة الاستمتاع  بكرم الطبیعة وبذخها، ومائدتها السماویة، وأرقب أنا البقیة.. من فوق كنورس حوَّم حولهم من بعید، شاخصاً ببصره إلیهم، يدعوهم إلی التحلیق معه عالیاً، وأن یتخفَّفوا من أعباء أعمارهم وحیاتهم الیومیة المبتذلة.. أنظر طابور المترقِّبین دورهم، كصف من النخيل"ناصر، محيي، دِهراب..." وكأنَّ الطیر علی رؤوسهم، متعجِّلین، كي یخرجوا إلی السماء، ویمتِّعوا نواظرهم، بمنظر القبَّة الزرقاء الفسیحة، وقد بدت البهجة علی وجوههم، وشفَّت مرایاها عن حلم عذب بنكهة البِرحي، أقرأ في صفحاتها قصائد غزل عذري جمیل بنغمة الصبا. خاصة محيي الذي لم يكمل البارحة زفتَّه. تتدافع الصفوف، وتتسابق إلی الخروج والهجرة، كما تتدافع موجات الماء المتكتِّل وراء سدِّ عال. أشعر بأنِّي محظوظ، وبغبطة، لأني كنت أوَّل قطرات ذلك الماء، التي استطاعت أن تخترق جدار ذلك السد، وترسم ثغرة في جسده الإسمنتي الصلب، عطشانة، إلی شرب رذاذ الضوء المتناثر، من الكأس المعلَّق فوق رأسها. شعرت أن كارون قد بدأ يتحرر.. لم یكن أحد منَّا یحبُّ أو یرید الصحو. فكلَّما أخذوا منَّا واحداً، غرسوا في جبینه نجمة، وأنبتوا له جناحین، كانت تُزهر لنا ریشات بیضاء تتلامع، تثیر غیرة النجوم. لم أكن قبل تلك اللیلة أصدِّق ولا حتَّی في الحلم، أن بإمكان الإنسان أن یطیر. كنت أظنني أحلم. كنت أرید أن أتأكد أن ما أعیشه وأطیره، لیس حلماً یتبدد مع همهمات الصباح.

 بعد أن تحوَّل آخرنا إلی آخر طائر، وحلَّق بعیداً،  مطوِّفاً في الآفاق، مودّعاً المحمَّرة، مهاجراً ناحیة الخليج.. جمعوا جثثنا من الساحة، وفكُّوا وثاق من كان مصلوباً إلی جذوع النخل، حلُّوا عنَّا عصائب أعیننا، لفُّونا بخِرق بالیة، وبصمت اللیل المطبق، كدَّسونا في شاحنة قذرة، كما تُكدَّس أكوام اللحوم، التي یذهب بها من المسلخ إلی سوق الجزارين. كان أزیز الشاحنة یشُّق ستار اللیل، ویقرع أسماع الحصی، في الطریق، لكنَّ لا أحد من المدینة استیقظ! توقَّفت بنا الشاحنة عند مقبرة، وتناهی إلینا نباح كلاب مسعورة في صقيع الشتاء، رجفت أعماقنا بالغربة.. سحبونا كما تسحب الذبائح، ثقبت حديدة ناتئة كمسمار، بأرضية الشاحنة خاصرة ناصر. أضراس الأسفلت تكشط جلودنا، وسهم الدم یخترق الأرض... ألقونا في حفرة عمیقة مظلمة، واحداً فوق الآخر. كنت شاهداً علی تلك المجزرة، لكنِّي لم أشأ أن أعود، وأهبط إلی الأرض، لأخبر الناس عنها، نشوة الطیران كانت تمنعني، وأیقنت أن المدینة لو كانت ستصحو، لأیقظها أزیز الرصاص ونحيب محرِّك الشاحنة، صراخ الحصی، وهو یتلوَّی ألماً، تحت ثقل إطاراتها، ولَفَزُّوا علی رائحة الدم، وضوئه الذي انتصب كعمود أو منار... لكننا تركنا خط الدم للأطفال... كنت ما أزال خائفاً ومرعوباً من أنَّني أحلم...أن أسقط إلی الأرض، بعد الاستیقاظ، ومازال یؤرِّقني سؤال حائر، يخز روحي مثل أشواك نخلة حادة:

 كیف یكون "الإنسان" وهو لا یحلم؟

 

رضا آنسته، قاص من الأهواز، إيران

 

صحيفة المثقفبيني وبين لعبة الشطرنج المدهشة صداقة متينة ابتدأت منذ أواسط السبعينيات أيام (سنة الأول متوسط) ذات السنة التي اهدت فيها مجلة "مجلتي" هدية مع العدد "شطرنج" من الكرتون المقوى، وذلك بمناسبة العطلة الصيفية.

كان ذلك كافيا لان يكون المساحة أو المضمار مع رقعته، الكفيل حتى أتعلم اللعبة جيدا، ووفق الشرح المنشور عليها..

لم أجد اللاعب المتمكن الذي كان يمكنني معه من الاستمتاع باللعبة، لأنها لعبة لا تستند على الحظ، بل تتطلب لاعبا عارفا. وكانت الصعوبة أكبر لو رغبت لعبها مع أحد من أقراني بين أبناء المحلة، معاناة تتطلب مني أن أعلمهم من الصفر، وبالتالى يكون دستا سمجا..

أحببت اللعبة كثيرا وقد جعلني ذلك الحب احظى بالتفوق بها وصرت أفوز على كل منافس حتى أني ذات مرة حصلت على المركز الثاني للبطولة التي أقيمت في النادي الصيفي على حدائق مدرسة بعقوبة والتي كانت على مستوى المحافظة..

كما صرتُ العبها بانتظام مع العم "رمضان" الذي جاء من محافظة "القليوبية"من "مصر" حتى يعمل معنا في المطعم الصغير الذي كان يملكه والدي.. ذلك الرجل الطيب قضى فترة لابأس بها معنا زادت على أربع سنوات من غربته، أحسن الرجل بيننا مقاما بخلقه الدمث، وأحسنا معاملته.. أذكر أني تعلمت منه هواية المراسلة حتى بات لي ص. ب رقمه (29)، بديلا عن ضياع الرسائل مع ساعي البريد بين الأزقة. عندما عاد إلى بلاده بقيت بيني وبينه الرسائل، وذات مرة، نشر لي قصة قصيرة اسمها "محاولة بلا انتهاء" في مجلة "إبداع"* المصرية.. أرسلتها له من "بعقوبة"، وارسلها بدوره من "القليوبية" إلى القاهرة، وتم نشرها، حيث تم اعتبارها لكاتب مصري وليست كاتب عراقي، وذلك خرقا لهم لانه وصلهم من محافظة مصرية ولم يعرفوا ان مغلف البريد كان من العراق.

ربما لعبت معه الشطرنج بالمراسلة، ثلاث أو أربع دستات كتابة..

بقيت رسائلنا منتظمة حتى جاءت الخدمة الإلزامية. وانقطعت المواصلة، ولم أصادف احدا اواصل معه هذا الشغف.

 

محمد الأحمد

...................

* المجلة التي أصدرها أحمد عبدالمعطي حجازي.

 

849 الغرييسيفي متاهات القصيد

عند مُفْتَرَقِ الحروف،

بين تضاريس الكلمات؛

أراني أسير في صحراء الرّوح، بلا دليل

و في قفص الصّدر مصباح يطارد العتمة

في زوايا المستحيل..

تحاصرني أصوات جلبة قادمة من كوكب مارق:

صوت حبيبتي وهي تتوسّل إلي،ّ

 أن ننقذ ما تبقّى من حبّنا الفاشل..

صوت المؤذن خارج أوقات الصّلاة،

 وهو ينادي: حيّ على الجهاد حيّ على النّكاح..

صوت شاعر يكفر بالقوافي، وآخر يرفض التّطبيع مع قصيدة النّثر،

و ثالث يقولها عاليا: "لا رومانسيّة بعد اليوم"..

صوت فيلسوف من "المشّائين" في شارع الحبيب بورقيبة،

 وهو يتلو على رفاقه، ما تيسّر من بركات "ماركس"..

صوت قوميّ عربيّ ثائر،

 يريد توحيد الأمّة من الخليج العربيّ إلى الخليج العربيّ..

صوت مهمّش يائس، يهدّد أن يحرق نفسه على المباشر،

 أمام القنوات التلفزيّة و"مواقع التّواصل الاجتماعيّ" ..

صوت مومس تغنّي على رؤوس الملأ وقد تعتعها السّكر :

" قالوا زيني عامل حالة "

صراخ صبية يلاحقون معتوها فقد آخر خيط يربطه بعالم العقلاء..

أصوات المتسوّلين والباعة الجوّالين،

وحلقات النّقاش السّياسي على قنوات تبحث عن الشّهرة..

وأصوات تلعن خبز الفقراء وصلف الأغنياء..

وأخرى تغنّي نشازا، لربيع تمرّد على كلّ الفصول..

سبعون عاما قد مضت..

وها أنا تائه في صحراء الذّات،

 مبعثر الخطوات

مطوّحا بين المسافات،

أبحث عن زهرة برّية أستنسخ منها عالما يحتفي بالشّمس،

عن قطرة طلّ، أرضع منها جذور الأرض،

 فتنبت عنبا وبقلا

و تملأ صحراء روحي نخيلا وأشجارا وظلّا

كلّا وألف كلاّ ..

لن أترك الظّلام يطفئ قمري،

ولا سحب العواصف تطفئ شمسي..

سأرتق المسافة بيني وبيني،

سأعلّمني حروف الهجاء من جديد

ألمّعها.. أزيل عنها صدأ السّنين..

سأصنع لي ربيعا حقيقيّا

يأكل الطّير منه،

ملاذا للعاشقين

سأرتّب لبلابل أفكاري

عشّا تلوذ به من العاصفة..

سأعلّم النّوارس في وطني،

كيف تغنّي للعائدين من قوارب الموت..

سأعلّم طيور الأيك كيف تنشد

لوطن يحلو فيه العيش

وطن يكفر بالخيانة..

ويصنع المعجزات..

وبعدها سترفرف روحي عاليا

تنثر لعشاق الحياة أشعار الحبّ،

تعزف لهم سيمفونيّة الحياة

***

شعر: محمد الصالح الغريسي

 

فتحي مهذبيمكن أن نصنع ما نشاء من الكلمات..

نصبا تذكاريا لطاووس ضحكتك الجميلة..

معتقلا سريا لنهديك الثرثارين..

فخا لاستدراج فراشات هواجسك..

يمكن أن أغسل حصاني

بدموع أصابعك الفضية..

أوقظ زرقاء اليمامة بايقاع عينيك

الكنسي..

أمدح نورسا سكران

يذوب في نبرتك..

أخفي نقودي وفاكهتي في سلة

ظلك..

يمكن أن أجر قطعان متناقضاتي

مثل كلاب صيد

الى غابتك الأليفة..

يمكن أن نقيم قداسنا

على حافة النهر..

نطرد الفراغ مثل ذئب خاسر..

نقفز مثل كنغرين في النسيان..

ننسى زعيق قبعة المهرج

في الحانة القديمة..

ننسى آخر كلمات الموت لغزالة الصداقة..

ننسى شقشقة أظافرنا في النوم..

الطلقات المتتالية من مسدس اللاوعي..

زئير الصمت المتوحش..

لكن لا ننسى أن نعمد روحينا بدم السهروردي .

***

فتحي مهذب

 

نجية مصطفى الاحمديوجه الحزن على ما هو عليه

والبدايات الجديدة

مورفين يؤجل ألم النهايات

وجراحاتنا القصية

ستزهر في الغد

والغد شاحب

كوجه مصاصي الدماء

من يفك لعنة الذاكرة

من يقتلع الهشاشة من القلب

***

لا شيء تغير يا صديقتي

توزعتنا الطرقات

الحب الذي حلمت به

تبدد كسحابة عابرة

غريبة كنت معه

وغريبة صرت بدونه للأبد

ها أنا ذي أتلوى كالذبيحة

أستسلم للمد الأسود

أنا منهكة

كالكادحين في رواية البؤساء

كراسكولينكوف في الجريمة والعقاب

أنا منهكة

عند أقصى نقطة للرماد

الأشياء تفقد بريقها

برودة في الأطراف

على الجدران

 بكاء الناي في الحقول البعيدة

مواء القطط في الليالي الباردة

القبرات على النافذة

إني أذوب فيه

أتحلل

دعيني أخبرك يا صديقتي

كم كان ثقيلا علي

أن أهزم الموت بلا حب

بلا أغنية

بلا قصيدة شعر على الصدر

بلا باقة ورد في اليد

صديقتي

كافكا لم يختر أن يكون رسول الكآبة

كافكا مثلي

خذله الحب

فغرد بعيدا عن السرب

***

نجية الأحمدي

  

صحيفة المثقف..ألتقي به كل صباح على الساعة السابعة. يحمي رجليه بحذاء قاوم عناء السنين وصلابة الأرض. تستوطن جسده الصغير، ثياب واسعة، قد تكون لأبيه أو لأحد أبناء الجيران.جسمه لا يعرف الماء إلا نادرا. ومع ذلك يحتفظ ببياضه الناصع الجميل.وظل شعره الأصفر المثير للانتباه، يلمع مع كل إطلالة شمس. يحميه أحيانا إذا هاجمه المطر أو استقبله برد قارص يلسع الأبدان، بطاقية صغيرة تعلم أنها ملكا له. وربما هو الشيء الوحيد الذي يعتز بملكيته. له عينين رائعتين رغم إصابتهما بحول طفيف. ابتسامته تصل إلى قلبي وتدميه أكثر مما تفرحه. جميل في كل شيء كأنه يتحدى القدر الذي ألقى به في هذا المكان.

مكانه صغير مثله، أجده فيه عند بزوغ شمس كل صباح. قابع على كرسي من خشب وفي بعض المرات يستبدله بصندوق صغير متعدد الاستعمالات.يتكئ على حائط بجانبه، يترك رأسه يستريح ويتوه في عالمه بنظراته المتسائلة والحائرة.لما يسمع المناداة عليه، يقوم بخفة متناهية، يطيع الجميع دون قولة كلمة لا.

يلهو مع أصدقاء له في مثل سنه، عرفوه مثلي من كثرة جلوسه في ذلك المكان.يلعب بحرقة شديدة كأنه يعلم بقرب ساعة الحرمان المعتادة التي تدفعه للعمل وبيع السجائر. يكره الجلوس الطويل ومع ذلك يظل جالسا ويشارك الكبار عالمهم. ليست له ساعات متخصصة للنوم. عند العودة إلى بيته، يستقبله والده بالتهديد والمحاسبة. ويظل يقسم بإيمانه وصدقه، بأنه ظل جالسا لم يتحرك ولم يترك الصندوق، حتى يفلت من العقاب.

آلمتني حاله كثيرا. سألته مرة:

- لماذا أنت هنا؟ إجابته كانت بريئة:

- لأن أبي أمرني بذلك.

- ومن يوقظك في الصباح؟

- جدتي.إنها تعيش معنا.

- هل تفطر؟

- لا.أنتظر حتى الساعة العاشرة، وأعود للبيت وأفطر وأعود مرة أخرى إلى هنا.

- تأملته كثيرا وأطلقت العنان لزفرات متتالية، تاهت في الفضاء تبحث عن أجوبة لأسئلتي التي نمت بكثرة بداخلي منذ لقائي به. اضطررت إلى توديعه، واتجهت مسرعة إلى الحافلة التي ستنقلني إلى عملي.

في اليوم الموالي، كان الجو باردا مع أننا على عتبة فصل الصيف. تزور المدينة أحيانا، رياح برية آتية من الجنوب.محملة بسخونة غير طبيعية.لما وصلت إلى مكاني أنتظر الحافلة، وجدته هناك في مكانه مثل الأمس.لا يحرك ساكنا.يحمي جسده الصغير بيديه النحيلتين وينتظر زبائنه من المدخنين الذين يتهافتون عليه عند كل صباح.كان يحرك رجليه بخفة وفرح أيضا. كأنه يريد أن يريني حذاءه الجديد الذي رغم كبره بعض الشيء، إلى أنه يحمي أصابعه الفتية من قساوة الطبيعة.

سلم علي وكان وجهه مشعا ومضيئا كأنه قديس. قام من مكانه، تحرك جلس من جديد. ضرب كفا بكف محاولا القضاء على لسعات البرد التي تتسلل إلى جسده الصغير وتحدث خللا به. التفت إلي والتقت نظراتنا. ابتسم وقال لي:

-البرد...

ودون أن ينتظر إجابة مني.ترك سجنه الصغير واتجه صوب موقف السيارات حيث التجمعات والحديث المسترسل. ذهب بحثا عن الدفء. تكلم كثيرا وضحك كثيرا. ثم جلس يستمتع بأحاديثهم رغم فارق السن. وفي الوقت نفسه، يراقب سجائره.

قلت لنفسي"انه يبحث عن الدفء. وقبل أن أمتطي الحافلة، سلمت على زميل لي ولاحظ شرودي فسألني عن السبب. فقلت له:

- لم أعد أرغب في الحضور إلى هنا. تفاجأ وسألني:

- لماذا؟

- بسبب هذا الطفل الصغير.

ابتسم زميلي ودون أي جواب طلب مني أن أسرع لأن الحافلة قد وصلت.

في الغد، كنت على موعد جديد معه.لكنني تأخرت بعض الشيء.وصلت إلى مكان الحافلة وأنا أتصبب عرقا. احتلت الرياح الساخنة المكان و لم نعد نعرف هل هو فصل شتاء أو صيف.رغم منظره البئيس الذي يقتل البسمة في شفتاي، إلى أنني أكره اليوم الذي أذهب فيه إلى عملي دون أن أراه و لا أتحدث إليه.اتكأت على الحائط لكي أستريح.لمحته هناك كعادته، جالسا على صندوقه. في كل مرة، يفتحه ويعد ما كسبه في ذلك الصباح ويعيد إقفاله بسرعة خوفا من العيون المتلصصة عليه. قلت له:

- صباح الخير.

ابتسم وعاد يعد نقوده.ثم استلقى بظهره على الحائط، الذي يعتبره ملكا له. بحكم قضاءه فيه أجمل لحظات عمره. فجأة، كأنه افتكر شيئا، فتح الصندوق بسرعة ودفع برأسه في الداخل، كأنه شيخ من شيوخ البخلاء. وأخذ يعد من جديد بصوت عال.في تلك اللحظة، افتكرت ما قاله لي يوما:"إن أبي يعد كل يوم ورائي. وإذا أضعت شيئا ضربني."

أصبت بحزن شديدو استمرت الأسئلة والأفكار تتزاحم بداخلي دون أن أجد لها جوابا.سمعت ضحكاته البريئة المجلجلة التي أطلقت سراحي وأعادت البهجة إلى روحي ولو بشكل مؤقت. وقف أمامه رجل يقارب الستين من عمره.أعرج.يتوكأ على عصا.يحمل على كتفه جلبابا ممزقا، يدخن سيجارة من الثمن الرخيص.نظر إليه صديقي الصغير و هو يضحك:

-أنت مجنون. أنت منافق. مصيرك السجن. مستشفى الأمراض العقلية.

والرجل ينظر ولا يتكلم، يدخن سيجارته والطفل يسب ويشتم. استرسل في ضحكه الهستيري. قلت "ربما يضحك من نفسه دون أن يدري.ما الفرق بينهما سوى الشيب." انصرف الرجل ولم يكف عن استهزاءه منه.

حل علينا الصيف هذا العام مختلفا تماما. تمتزج فيه الحرارة والبرودة. ليس هناك استقرار. لما وصلت إلى مكاني في موعدي المحدد، لمحت صديقي الصغير وأثار انتباهي شكله المختلف. لقد أزال القمصان الكبيرة التي كانت تستوطن كل جسده الصغير. فرحت له وتمنيت لو يظل الجو معتدلا حتى يستطيع أن يتحرك بكل حرية. ولا تجلد عظامه قساوة الطبيعة. برجليه حذاء نسائي، أكيد لأخته. ممزق. فوجئت به ولأول مرة، يحمل قلما وكتابا. طريقة لمسه للقلم وأخذه للكتاب دليل على أنه كان يتعلم قبل أن يحضر إلى هنا لبيع السجائر.كان ينظر إلي ويعود إلى قلمه وكتابه. اقتربت منه وسألته:

- هل كنت في المدرسة؟ أجابني بنوع من الخجل:

- كنت في مدرسة قريبة من بيتنا.وصلت حتى الثالث ابتدائي.

- لماذا لم تستمر؟ سكت بعض الوقت وقال بصوت خافت:

- يجب أن أساعد والدي...لم يتتم كلامه. وضع الكتاب والقلم جانبا وذهب يبيع سجائره لأحد الزبائن.

استيقظت باكرا في  ذاك اليوم.و أخذت طريقي الذي أسلكه عند كل صباح.كان هناك  زميلي الذي التقيت به في المرة الفائتة.ابتسم و قال :"هل ما زلت تهتمين بذلك الطفل الصغير؟"لأنه لاحظ فور وصولي كأنني أبحث عن شيء ما.أجبته بصوت حزين:"حرام أن يعيش هذا الطفل بهذا الشكل؟"قال بنوع من اللامبالاة:"لا يمكنك تغيير العالم."تجاهلت رده ،و لمحت عيناي ،صديقي الصغير،صامت،ينتظر من يشتري منه سيجارة.لون بشرته البيضاء تلون بلون التراب من كثرة تراكم الأوساخ عليه.نظر إلي.لم يقل شيئا.لكن نظراته المتكررة و المترددة كانت تريد أن تبوح بشيء.آلمني حاله.كان شاردا."هل هو مريض؟"فجأة،تكلم معي و قال:

- صباح الخير.

- صباح الخير. هل أنت مريض؟

ضحك من سؤالي.وعدل من قميصه الواسع.وقال:

- لم أنم جيدا. وأريد الذهاب إلى البيت لآكل شيئا.لكنني أخاف من أبي.

و في تلك اللحظة، أتت بفتاة تكبره بعض الشيء،أظنها أخته،تحمل  خبزا و شايا.انبسطت أساريره و ضحك كثيرا و فرح كثيرا.أخذ أكله و اتكأ على حائطه و لزم الصمت يستمتع بما جادت به أيادي أخته.التي بدورها تحمل أغلالا تكبل خطواتها الطفولية.

هذا الصباح، استيقظت بصعوبة كبيرة.وجدت وجهي مبللا كأنني جريت أميالا. اليوم ينذر بحرارة شديدة. حتى العصافير التي كانت تصاحبني عند كل صباح، غابت عني.لما وصلت إلى مكان وقوف الحافلة التي تأخذني إلى عملي، وجدت المكان مكتظا بوجوه لم ألفها من قبل."يا ترى ما   سبب هذا الزحام اليوم؟ «بحث عن صديقي الصغير. كان هناك في الجانب الآخر من الشارع، يرتدي قميصا شفافا وسروالا قصيرا، بهما آثار السنوات الخوالي. كان يجري في كل اتجاه ويلعب مع أولاد آخرين في كل مرة، يقف وينظر اتجاه سجائره هل ماتزال في مكانها، هل لا يوجد زبون. كان يحمل نشاطا غير عادي.يسلم على كل من مر من جانبه.سلمت عليه من بعيد ورد التحية بابتسامته البريئة وتابع جريه وضحكه ...

لا أتصور أن يمر يوم دون أن أراه. قال لي يوما بخجل:

- ما اسمك؟ تذكرت ساعتها أنه لا يعرف اسمي.جلست إلى جانبه وهمست إليه:

- أمينة.

ضحك كثيرا حتى كاد أن يسقط أرضا.لم أفهم سبب هذا التحول المفاجئ عنده.سألته:

- لماذا تضحك؟ وكدت أنا أيضا أن أضحك.

- أختي أيضا اسمها "أمينة".

مسحت على رأسه بيدي.وودعته على أمل اللقاء في الغد.

توالت الأيام بشكل عصيب، كنت ساعتها أبحث عن منفذ للراحة.روتينية العمل كادت تعصف بروحي.استحال جسدي إلى آلة تتحرك بشكل أوتوماتيكي. لاحظ صديقي الصغير عزوفي عن الكلام والسؤال عنه. لكن كان يكفيني أن أراه يتحرك ويفعل ككل أطفال الدنيا وفي في نفس الآن يحاول أن يرضي والده. أتى إلى جانبي وابتسم كالعادة. سلمت عليه ولكي أقتل صمت اللحظة. سألته:

-هل أكلت شيئا هذا الصباح؟

- لا. لأنني أصحى باكرا ولا أجد شيئا يؤكل.

تألمت لهذا الموت البطيء الذي يحاصر كل منا لكن بشكل آخر. تجرأت أكثر وسألته:

- هل تتمنى أن تعمل شيئا آخر غير الجلوس هنا كل يوم؟

- كانت ضحكته ملائكية.رد بكل عفوية:

- لكن أبي قاسي جدا.

- كم من أخوة وأخوات لديك؟

- خمسة اخوة.

- لا أحد يدرس ؟

-......

أعطيته بعض الدراهم واشترى في الحين خبزا والتهمه كأنه لم يأكل مند مدة.

رغم كل الضغوط التي تتربص بي، ما إن أصل إلى موقعي، حتى تنعتق روحي من وحل صدئ لا يبرح المكان. أضحك مع صديقي الصغير وأنعم بلحظات من الصفاء والجلاء رغم وخز الأشواك.

كان اليوم في مكانه، في جنته المنزوعة منه. كان فرحا. يطلق أصوات لا افهم معناها ..يتكلم كعادته..كان بجانبه طفل آخر. عند كل مرة، يلتفت إليه ويصرخ في وجهه كأنه يدافع عن مكانه الذي سجل في تاريخ الإنسانية. سلم علي وانطلق. قلت له "الى لقاء آخر يا صديقي". وانطلقت بي الحافلة بسرعة. كانت سرعتها تحملني فوق كل الأسئلة التي عجزت عن أجد لها حلا.تركت رأسي في مهب الرياح الآتية من النافذة علها تسعفني وتمسح عني آثار كل الأشواك السامة.

التقينا من جديد، عندما أتى المساء. كان الجو غاضبا ينذر عن عاصفة محملة بالتراب. تغير لون السماء. كان بجانبي، يحتمي بيديه من آثار هذه العاصفة الهوجاء. يتمنى أن يبيع أكثر وأكثر. سألته:

- كم تربح في اليوم؟

- لا أعرف.لا أعدهم.

غيرت سؤالي وقلت له:

- هل عينك اليسرى سليمة؟

- لا. لا أرى بها شيئا.

صمت من هول الصدمة.كادت دموعي أن تنفلت مني. تداركت صمتي المبكي وسألته:

- لماذا لا تذهب إلى المستشفى؟

"مستشفى؟ «كلمة فلتت دون رقابة. وهل لمثله مستشفى. ظلت نفسي تبكي حاله الحزينة. ومع ذلك تحملك ضحكاته فوق كل الأشجان.سمعت صوتا من بعيد يلقبه "بالأعمى". كانت أخته الكبرى. أتت تسأله عن النقود التي جمعها ذلك اليوم.

سامحني يا صديقي الصغير، اليوم رايتك لكن لم أكلمك.كنت على عجلة من أمري.عالمك يعذبني كثيرا ومع ذلك أحببت الحديث معك. تركتك هناك تعيش مع أحلامك الطفولية. وضحكاتك البيضاء.

وأنا في طريقي إلى عملي الملعون، كانت أصوات تتطاير في فضاء الحافلة.أصوات شبيهة بسوق أسبوعي، الكل يتكلم ولا تفهم شيئا. أخرجتني، رغما عني، من حواراتي الداخلية وجعلتني أبدل كل ما في وسعي لإدراك ما يقال وفهمه. خبت الأصوات فجأة وعم صمت رهيب سافر بي إلى حيث يقطن صديقي الصغير مع عالمه الصغير. افتكرت وأنا في الحافلة بأنني لا أعرف اسمه ولم أطلب منه يوما ذلك. فلم أجد أجمل من أناديه بصديقي الصغير.

 

أمينة شرادي

 

 

عبد الجبار الحمديغريب أمرك يا هذا!!! كأنك تنشد حبل الوريد ان يكون مقطوع ينزف، أراك تعمد الى إطلاق لسانك دون أن تمسك بلجامه فأراه جامحا لا بل متمردا على واقع عشته ويعيشه الكثير من الناس في حقب متعاقبة، فلم أنت متبرم دوما!! ألا يكفيك ان ترضى بواقع حياتك؟ ها انت في كل ليلة بعد ان تعكر مزاجك بشرب من زجاجة الحقيقة التي ما ان تترعها حتى تخرج مفردات اللاوعي ثم ترمم إشاراتها سلما موسيقيا كأنك تريد ان تجدد السلام الوطني لبلدك ههههههه... تصور دولة يختلف حكامها على لون علم او موسيقى عزف جنائزي، أما الشعب يخوط بمستنقع اللهو والخنوع بحجة من يتصدر فوهة المدفع، رغم أنهم ينساقون الى مسميات تحميهم بسطوة العظم لك والجلد لي... هكذا كان أبائكم يقولون لمن يُعًلِمون أبجدية الحروف.. الحروف التي شكلت أمة إقرأ في وطن الكتابة المسمارية.. المسمار ذلك الذي بتنا نتشبث به كجحا على أطلال خربة فما عاد وطني مثل كل الاوطان، هَزَمَنا العوز والفقر وأصحاب الدين، عبارات إلهية لا يجوز لمن لا يفقه الحلال والحرام أن يلوكها علكة أجنبية.. فأضعنا تأريخنا تماما كما أضاع حنين النعل عندما هُمل فردة ضالة فرمى بها... لكن بعد أميال من سير وجد الأخرى.. فما عاد النعل ينفع فتلهبت برمال الحقد والضغينة أقدامنا، بتنا نسير فوق الجمر حبا في عذاب نفس، تروم لطم عجزها بضربها جسد مزقته الذلة، نصرخ نمجد الارباب نحبو نلوذ خزيا الى سم خياط ... يالك من وطن هزمت وبيع تأريخك في سوق من يربح المليون، صرت برنامج حروف وألوف يتبعك من يرغب ان يحلم، إنك الوزة التي تبيض ذهبا.. لم يهنوا عنك فقد ملكوا القيثارة التي تطرب لها كي تبيض إمسك عليك جحرك.. بعد أن تركوا لك العنان كي تحزن.. كي تلبس السواد وتعمد الى أن تكون الظالم والمظلوم، الحاكم والمحلف، القاض والجلاد... يا لك من وطن يلطخ ملابسه بالدم كي يشعر أن الحياة للأقوى كما لطخوا ثوب يوسف إخوته.. أمة وشعب تائه بين هاته وتلك...

لا أراكم الله خيرا بعد أن هتكتوا المحرمات حتى لاطت بكم الأحاين من كل حدب وصوب، مُلِّك عليكم من جلدتكم لا يرحمكم بعد ان ألبسوه الطهارة وفي دهليز ليل هتكوا ستر رجولته، غمسوا وطمسوا رأسه في التراب .... نعم تماما كالنعام مكشوفة مؤخرته لكل من يشتهي الفجور.. يا للجحيم مالكم لا تفقهون!!! يا لجزعي منك لم أستطيع أن ابتلع ترهاتك كفال تذمرا، كفاك شكوى مالي وحالكم؟ أنتم عولتم على البقاء أحياء في صحراء جرداء زرع فيها وماء... لكنكم تتصارعون من يبيع ومن يملك خراج السماء.. كثر في وطنكم العواء، شرحتم مصيبتكم من الألف الى الياء، وزعتم قرابين ظلمكم لأنفسكم قرون تزحف على بطونها زحف الثعابين لأمر لا يستتب أبدا لأنكم مزقتم صحف إبراهيم وموسى.. نثرتم  الأرضة في الكعبة، مزق الله عهدكم ولو يبقي سوى أسمه لأنه يعلم أنكم قوم طبل ومزمار.. تحبون بيوت صاحبات الرايات الحمر... تقرعون أجراس الكناس في أديرة ليل واجساد عارية، تمارس الجنس في بيوت الله وأقبية كنائس.. أحبارهم كرجال دينكم لا يتورعون قتل الله إن عارض ربوبيتهم... كفاك جدلا وحزنا، أطمر لسانك، لا توقظ جرذان الأزقة التي تنتمي إليها، ها انت لم تغير من حالك فمنذ عرفت أنت أنت... تسكن الأزقة بحجة القيم التي مزقت صحيفتها، بحجة أنك لا تسطيع ان تغير ما لا يمكن، فقد بيعت الصحف وخوزق الرجال والكثير دقوا بالمنجنيق.... فعلام تُسمِع صراصير الليل وهي تضج بالأزيز.. لقد حفظت عبارتك التي تبدأ... أخلع نعليك أنك في الوادي المقدس...

جميعكم أنبياء حين سلبت الإرادة، وجميعكم قارون حين تمسكون البساط الطائر والصولجان، تصرخون بعدها لا مكان للحفاة في وطن انتعل القيم الإنسانية مرض سرطاني، تعادون من يدافع عن الحق... والحق مؤود بينكم في أقبية سوداء مزقتم جلده بالسياط، صلبتموه على جدران مملحة... أيكفيك أم تريدني أن أزيد؟ كي أطيح بما ترعت كي تعود الى وعيك و واقعك الأجرب الميؤوس من إصلاحه.. فقد قتلتم الطبيب وأحرقت براعم الترياق...

تحركت تلك الكومة من الثياب بعد ان أمسك صاحبها بها فصاح بعد أن مزقها... آه يا وطني كل ما قلته صحيح .. جراحي كثيرة وعيوبي أكثر، أنظر الى هذا الجسد التي سكنته الذلة، النتانة بات جيفة بين قاذورات أزقة، فالحياة محرمة علي كما الميتة ولحم الخنزير... لا ألومك حين تلومني او تبدأني السباب او الشتم او كل ما يمكن أن تقول فنحن أضعناك بخبلنا بجنوننا بشياطيننا.. كيف أسمينا ديوثي العصر الجديد أم أوعية مناهيل نغطي جيف جثث الموتى التي نلبس، فمن بيدة السلطة لا يرحم، والأدهي أن أصابع السلطة منا وفينا... ينقلبون كما تنقلب الدعاسق تلك التي ما ان تحاول دفعها عنك تطلق الريح الفاسد، يزكم انفك فتترك المكان... همهم سحقنا وهمنا الهرب من أنفاس كريهة، رغم أننا إلبسنا براز الخوف الذي صاغوه لنا أساور في رقاب ومعاصم... أضعناك يا وطن ونحن في كل يوم نغني موطني.. أضعناك كلما نظرت الى رايتك وهي ممزقة مهملة فوق أبنية الحكام...أضعناك عندما وثقنا أننا قوم حضارة لا جاهلية... كأنها لعنة منينا بها بخيزنا القديم وعارنا الذي نلبس ونجدد... أعدك يا وطني بأني سأخرس الى الأبد.. سأقطع لسان الوعي والحقيقة.. سأبرم صفقة مع الشياطين الجدد بأني لا أنوي أن اخربش على جدران مصقولة وزجاج معتم.. أعدهم بأن أكون من حثالات هذا الوطن الكبير الذي يؤمن من فيه بالخزعبلات... أعدهم بأ اكون حافيا جديدا مؤمنا بكل شرائع الدستور، أعدهم بأني لا أفكر ابدا، بل سأمزق صفحة المعاهدة سأكتب عبارة واحدة... ربي إجعل هذا الوطن غير آمنا وامنع عنه الخيرات.. خذ منه كل شيء فقد دع له مسمار جحا كي يقدسه ويزوره في كل عام يدور حوله يمسك به يقبله رغم الصدأ الذي مني به بعد ان تحول الى السواد وهو يواكب تغييرات موسمية سحقت عبارات المعاهدة ولا أنسى ابدا ان من هزم الباطل أرَضَة حافية.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي    

 

جمال مصطفى مِـنـهـا، بهـا إيـقـاعُـهـا الـشامـلُ

                  مُـستَـغْـفِـلٌ، مُـستَـغْـفَـلٌ، غـافِـلُ

نـايـاتـُـهــا، قَـرارُهـــا غـابـة ٌ

                     أصـداؤُهـا جـوابُـهـا الـسـائِـلُ

هـدهـدهـا، عصفـورُها، بـومـهـا

                 عُــقـابـهـا، والـلـقــلـقُ الـراحــلُ

بعـوضُهـا، عَـقـربـُهــا، دودُهــا

                  ثـعـبـانُـهـا وسُـمُّـهُ الـقــاتـــــــلُ

ظـلالُـهــا، أفـيـاؤهــا، شمـسُـها

                  مَـقـيـلُهـا في الصيـف والـقـائـلُ

فـصولُهـا الأخـرى: انقـلاباتُهـا

                  ورعـدُهــا، والـبـرقُ، والـوابـلُ

فَـراشُهـا، لـونُ دعـاسـيــقِـهـــا

                   يـعـسوبُـهـا ونَـحْـلُهـا الـعـاسِـلُ

جُـنْـدُبـهـا، ثُـمّ رُتَـيْـلاؤُهــــــا

                     زيـزانُـهـا ونـمـلُـهـا الـعـامـلُ

غـزالُـهـا، أرنـبـُهـا، فهْـدُهـا

                    ونـمـرهـا، ولـيـثُـهـا الـعـاهـلُ

ضـفـدعُـهـا، بـيـتُ حلازيـنـِهـا

                  والعـنـكـبـوتُ الـشابـكُ الـغـازلُ

ضحْـضاحُهـا جـدولُهـا نهـرُهـا

                    في مـائـهِ تـمـساحُـهـا الـغـائـلُ

ثـعـلـبُهـا، زهـرتُهـا، ريحُـهـا

                 غـمـوضُهـا، ودغـلُـهـا الـداغِــلُ

نـيــرانُهـا، دُخـانُهـا، ذعـرُهـا

                      رمـادُهـا، ومـوتُهـا الـعـاجـلُ

انـتـظـارهـا، سـبـاتُـهـا، بـذرة ً

                   جـذورُهــا وعــرْقُـهـا الـواغـلُ

ظُـلْـمَـتُهـا هُـجـوعُهـا صحْـوُهـا

                 وفَـجـرُهـا وصبـحُهـا الـصـاهـلُ

خـبّـيـزُهـا، بـقـولُهـا، فِـطـرُهـا

                 حـنـظـلُهـا، صفـصافُهـا الـمـائـلُ

سـمْـسمُهـا، حنّـاؤهـا، صمْـغُـهـا

                      بَـردِيُّـهـا، لِـبـلابُهـا الـطـائـلُ

تُـفّـاحُـهـا، بَـلّـوطُهـا، كَـرْمُـهـا

                       ومَـنُّـهـا مِـن الـسَـمـا نــازلُ

عـابـرُهـا، حـطّـابُـهـا، قـردُهـا

                    مجـنـونُهـا شـامـانُهـا الـعـاقـلُ

نامـوسُهـا، أعـرافُهـا، عـنـفُـهـا

                   وصـدقُـهـا: لا عـدلُهـا الـعـادلُ

أصواتُهـا، لُـغـاتُهـا، صـمـتُهـا

                     حـفـيـفُـهـا، ضبـابـُهـا الـسادلُ

سنجـابُهـا، خـنـزيـرُهـا، ضبعُـهـا

                      قـنـفـذُهـا، وفـيـلُـهـا الـهـائـلُ

أعـشاشُـها، أوكـارُها، كـوخُهـا

                   جحـورُهـا، عـريـنُهـا الـبـاسـلُ

صـيّـادُهـا، سِـفْـرُ أسـاطـيـرِهـا

                  خُـضـرتُـهـا والأصـفـرُ الـذابـلُ

فـخاخُهـا، شِـراكُهـا، سَهْـمُهـا

                    دَيْـدنُـهـا: الـمخْـتـولُ والخـاتِـلُ

عـطـّـارهـا: جـامـعُ أعـشـابِـهـا

                      لا سـيّـمـا قٌـنّـبُـهـا الـفـاضـلُ

بـلـْـشـونُهـا، نَـقــّـارُ أخـشابِهـا

                     خُـفّـاشُهـا، يـمـامُـهـا الـهـادلُ

طـاووسُهـا وبَـبّـغــاواتُهـا:

                   هُـنّ: اللـسـانُ الحـابـلُ الـنـابـلُ

 ذبـابُـهـا حـيـثُ خَـراتـيـتُـهـا

                        قُـرادُهـا، ودُبُّـهـا الـخـامـلُ

لِـبـانُهـا، لِـحـاءُ أشـجـارِهـا

                    صـنْـدلُهـا، مَـطّـاطُهـا الـسائـلُ

عـبيـرُهـا، وطِـيـبُهـا والـشَـذا

                        وهـالُهـا والـلّاذعُ الـتـابـل ُ

قـطْعـانُهـا،أسرابُهـا: بعـضُهـا

                       قِـبْـلـتُـهُ: الـبَـرُّ أو الـسـاحـلُ

الـبحـرُ أيـضاً غـابـة ٌ: سـابِـحٌ

                    في جـوفـهِ الـمـأكـولُ والآكِـلُ

كـوسَـجُـه ُ، دلْـفـيـنهُ، حـوتُـهُ

                        حَـبّـارُهُ، وحِـبـرُهُ الـحـائـلُ

إسْـفـنْجـهُ، شِـعـابُ مـرجـانـهِ

                    ومـاؤُهـا الـمُـقَـزحُ الـضـاحِـلُ

كُـنـوزُهُ، ألـوانُ أسـمـاكِـه ِ

                      أحجـارُهُ: الـكريـمُ والـبـاخـلُ

غـوّاصُـهُ وغـيْـبُ أصـدافـِه

                      وقـاعُـهُ: الـوَهّـابُ والـسافـلُ

عـروسُـهُ، زرقـةُ خـلجـانـهِ

                     والـسنـدبـادُ الـتـائِـهُ الـواصلُ

نورسُـهُ، بـطْـريـقُـهُ، رمْـلُـهُ

                     إزبـادُهُ، والـقـطرسُ الـكـاهـلُ

رَخْـوِيُّـهُ، قِـشْـريُّـهُ، مـلْـحُـهُ

                   والإنْـقِـلِـيـسُ الأمـلَـسُ الـداعـلُ

في بَـرِّهـا مـا ثـَمَّ مِـن مَظْـهـر ٍ

                        إلّا لَـهُ في بَـحـرهـا شـاكـلُ

مُـعْـتَـرَكٌ، مُـشـتَـبـَكٌ، دائِـبٌ

                      مـحـتـدمٌ مـنـشـغــل ٌ شـاغـلُ

يا غـابـةً يا معْــمَـعـانـاً ويا

                    أنتِ وأنتِ: الـنـاقـصُ الكـامـلُ

جـنّـتُـهـا ونـارُهـا: واحـدٌ

                      ما بينَ ذي وبينَ ذي فـاصـلُ

منها بهـا إيـقـاعُـها الـشامِـلُ

                        منـفـعِــلٌ مستَـفـعَـلٌ فـاعِـلٌ

***

جمال مصطفى

 

صادق السامرائيما لِشَوْقٍ مُستقادٍ يَعْتَريني

                        يَمْلِكُ القلبَ المُعنّى بالحَنين

يُطلِقُ الروحَ شُعاعا صَوْبَ كوْنٍ

                        يَتشظّى مُسْتضاماً بالوَطينِ

يُلْهِبُ الأعْماقَ توْقا لوِصالٍ

                        قدْ ترَدّى بَين أمْواج الأنينِ

يا زمانا كيفَ كنّا يومَ جِئنا

                           وإلى أينَ مَضيْنا بالسِنينِ

آهةٌ طافتْ وأخرى ما تَوانَتْ

                     أجّجَتْ جَمْرا كمينا في رَهينِ

فاجْبرِ القلبَ بصَوتٍ عَنْدَليبٍ

                      يَمنحُ المُشتاقَ زادا مِنْ مَعينِ

إنّ بَعدَ العُسرِ يُسرا واغْتِناما

                       فابْذرِ الآمالَ في ماءٍ وَطِينِ

أوْرَقتْ أحلامُ جيلٍ رُغْمَ هَوْلٍ

                         وتَنامتْ ضُدَّ قَهْرٍ كالجَنينِ

قلْ بلادي سَوْفَ تَرْقى بحَياةٍ

                     مِثلما عاشتْ عُلاها، ذا يَقيني

***

د. صادق السامرائي

 

قصي الشيخ عسكرالفصل الثامن

تأكد لديه تماما أنها اعترضت طريقه بعد تجربته مع الدقائق المتأينه.وساورته احتمالات ثلاث أولها أن المخابرات السوفيتية الروسية أوعزت لها بملاحقته أو أنها تجري تجربة تتناص مع تجربته وليس ذلك بمستبعد عنها فإنهما في السابق أجريا تجارب مشتركة على الأرض كانت كلها مقدمات لتجربة عظيمة بدأها قبل أيام في شرق المجرة مع الغبار الكوني.

أما الاحتمال الثالث وهو الأقرب إلى الواقع فقد يكون الحب ذلك المعنى الغامض الذي حركته التجربة من جديد مثلما تحرك التربة والماء قوة كامنة في البذرة فتجعلها تنمو وتزهر!

الماضي هو الذي قطع مابينه وبينها يومها كانت الأرض يغطي ثلثها الفكر الاشتراكي ويتلاعب بما تبقى منها فكر رأسمالي ولعله يعذرها لأنها انبهرت بفكر هيمن على ثلث الأرض، فألغت في سبيله مشاعرها وتجاهلت عواطفها هجرت كل شيء ولم تبصر أبعد من ارنبة أنفها..نحن نوابغ في العلم أما السياسة فلا..إن لم تكن بعثيا فأنت عدو.. أنت لست شيوعيا . برجوازي.. متخلف .. جاهل.."ضحى " العالمة غزت السماء وفكرها السياسي تعثر على الأرض.تناقض عجيب.. فماذا عنه هو. لاينكر أن الزمن الذي يأتي إليه من بعيد لو تأخّر ذات يوم لسبقه ولم يعد بإمكانه أن يحقق طموحه ويرتقي إلى مرتبة رائد فضائد وعالم قدير تأينت امامه متجردة أخرى اتسعت من ثانية إلى ساعة فيوم فشهر .. كان يروم أن يسألها عن خطة وضعتها للمستقبل : هل تكمل دراستها أم تسبق ذلك بالزواج لكنها وضعت الكتا ب الذي يحمل عنوان " السديم" على المنضدة وقالت وهي تتنفس بعمق:

ها أنا قدمت إليك مباشرة من مكتب الدكتور " الفضل " !

خيرا ؟ هل هناك أمر ما؟

يبدو أن مدة الستة اشهر انتهت فوقع اختياره على طالبة من السنة الأولى لينيط بي مهمة متابعتها كوني الطالبة الأكثر تفوقا وفق رأيه.!

رائع هذا

قالها ببرود تام .. لالفتة ولاحيرة.. أما المتجردة الثانية.. الشهر.. السنة.. الأعوام المتكدسة فأبدته بصورة غير ماكان عليه صورة لم يكن يألفها بنفسه..الزمن الجديد الذي تلاعب به رائد الفضاء عبر تجرد التأين اشار إلى أنه ارتاح من اعماقه كون " ضحى العبد الله" اصبحت مسؤولة عن طالبة قادمة من الثانوية إلى الجامعة وليس هناك من طالب.. غيرة مكبوتة يكشفها الفضاء الذي لايقبل الكذب والغش والمغالطة والخطأ..كما كشف من قبل أنه لم يكن جادا بعرضه التخلي عنها للأقدم " خليل العمران"

إنها ذكية جدا امتحنها الدكتور " الفضل " أربع امتحانات خلال ستة أشهر فأظهرت تفوقها!

حسنا طالبتان واحدة متفوقة في السنة الأولى والأخرى في الثانية وأنا في الثالثة وخليل العمران في الرابعة شيء ممتاز !

بعد لحظات سألها:

هل هي من الاتحاد الوطني!

يبدو أنها مستقلة!

وكاد يهمس في أذنها:

هذا يدل على أنه لانوابغ في حزب...

ونهض من مجلسه وامتدت يده لتصافح يد شابة قصيرة القامة ذات عينين خضراوين ابتسامة واسعة بريئة.. كانت قدقدمت مباشرة من مكتب البروفيسور"الفضل"باتجاههما فقالت ضحى:

الآنسة " نوال غريب" نابغة السنة الأولى التي حدثتك عنها " والتفتت إليه باسطا يدها " بهاء مسؤولي الأقدم!

فازدادت ابتسامة نوال وعقبت:

نابغة مرة واحدة ياصديقتي هذا لقب لااستحقه!

لاتنسي يجب أن نثبت عبقريتنا فقد توازنت الأمور باختيار الاستاذ لك فقد أصبحنا اثنتين مقابل اثنين

ولم يطل بها المقام إذ استاذنت فاشاع قدومها وانصرافها الراحة فيه. كان يردد مع نفسه وهو في الفضاء على بعد هذا الامتداد الشاسع وسط الظلمة والبرود ورغوة الخلااء الخفية ماذا يحدث لو ساوره قلق بعد اختيار البروفيسور "الفضل" لطالب متفوق. كان عليه أن يعود إلى التجربة واللحظة التي خطرت أمامه من قبل إذ حالما انصرفت "نوال" عنهما التفت من حيث لايدري إلى ضحى ليسألها سؤالا بريئا في الظاهر:

آنسة ضحى هل فكرت بالزواج؟

لم تكن لتهمل نفسها مثل بقية الشيوعيات المسترجلات. كانت تعتني بمنظرها وتصفيف شعرها ولاتنسى طلاء أظافرها..امرأة مثيرة أنيقة.لايخفي حماسها السياسي المفرط مواضع الفتنة فيها:

لا أبدا هدفي بعد البكلوريوس الدراسات العليا!

أتسافرين على نفقة الوالد؟

بل سأسافر على نفقة الحزب!

افرضي أن بعثتك ذهبت لآخر!

لن يهمني ذلك سوف أبحث عن فرصة أخرى لكني لن أذهب على نفقة أبي الذي مازال يلح علي أن أواصل دراستي في بريطانياا

ولو تأخرت سنة أو تاخر سنتين أخريين لما كان بإمكانهما السفر والهجرة نحو غبار المجرة، فبعد عرس الجبهة استحوذت الدولة على سلك التعليم ونادت بتبعيثه وحصر الدراسات العليا والبعثات في طلبة الاتحاد الوطني. كان والده صاحب مزرعة للنخيل وتاجر خضار لايمانع أن يسافر ابنه إلى الخارج ليعود استاذا جامعيا مرموقا يختلف عن اخوته الأربع الذين اقتنعوا بالعمل في مزرعتهم الخاصة على ضفة شط العرب في البراضعية أو بوظائف حكومية وقد استعد للسفر لولا ان قسم البعثات في سويسرا الاتحادية اعلن من مسابقة دولية في مجال الفيزياء فتقدم إليها وأدى الامتحان عبر سفارة سويسرا في بغداد وحاز على مرتبة متقدمة ومن مجموعة متفوقين من مخلتف انحاء العالم تنافسوا وقع الاختيار على الخمسة الأوائل منهم هو وزميل دراساته الدكتور " جوليه" الذي احتل موقعه مديرا لمحطة الفضاء على سطع الكوكب القزم بعد أن تلاشى مديرها السابق" بيزاري"خوفا من التأين في الماضي.

 لكن لم يكن ليهمه بعد الهجرة إلى سويسرا ومواصلة دراسته في علوم الفضاء على نفقة قسم البحوث هناك أن يخضع للتهديد..فبعد سنتين من نهاية الجبهة نهاية ماساوية بادرت الحكومة بخطة التبعيث وأصدرت قرارا يلزم طلاب الخارج بالانخراط في بعثات الحكومة والتخلي عن الدول التي تمولهم أو أن يواجهوا عقوبة الحبس. إنها سمعة العراق ذلك البلد النفطي الزراعي الغني. لانريد صدقة من أحد ولامساعدة. النائب الذي توقعته ضحى شيوعيا في المستقبل القريب تنمر أكثر من أي رجعي يميني وقلب العراق رأسا على عقب!

 كان منشغلا عن ضحى بطموحاته . المهم أنه أنهى السنوات الأربع فذهب في طريقه غير مدرك أن هناك شيئا مخفيا سينفجر في أعماقه يوما ما.. إحساس كتمته عنه تجارب ذاكرته القوية التي فكر في أن يعيدها  إلى توهجها في مكان مناسب ذات يوم لتشمل مديات اوسع من مختبر صغير في جامعة البصرة

لقد انقطعت أخبارها عنه تماما..

ماذا أبعد من أن يغادر العراق وينصرف إلى دراسته العليا وربما عرف بعد حين عبر نتف من أخبار وصلت إليه أنها تخرجت وطوردت من قبل رجال الأمن ثم تسربت إليه معلومات أنها هربت إلى الاتحاد السوفيتي الذي كان على علمائه أن يستغلوا ذكاءها الخارق ويستفيدوا من قدراتها في علوم الفضاء!

لكنه كان على يقين من أن السلطات ضايقتها إلى حد التعذيب بعد حل الجبهة.النائب الشاب المتحمس لليسار سرعان ما انقلب على كل مبدأ رفعه..كان الشيوعيون بمنزلة مروض حيوانات شرسة وقد لمح لها ذات يوم بعد تجربة الثقب قائلا وهو يتلفت شأنه كل مرة كأنه يتحاشى الحيطان:

الآن هم يعاملونكم مثل الصياد والسمكة يتركها عالقة في الشص وهو يرخي لها الخيط حتى تنهار قواها!

فاحتجت بجفاف:

السياسة لاتفهم بهذه الطريقة المباشرة!

إهانة غير مقصودة... تبقى ذات قلب أبيض.الطبيب وعالم الفيزياء والكيمياوي لايضيرهم أن يكونوا ساذجين في السياسة. ألم يكن أبونا آدم ساذجا حين أكل تفاحة نيوتن قبل أن يفكر فيها:

ياسيدتي ألم تذكروا في أدبياتكم أن الأحزاب البرجوازية لايؤتمن جانبها فصدعتم رؤوسنا بالاشتراكيين الخونة والطبقة وشبهتم البرجوازية بالعاهر وأنا من جانبي لاأدري لم أندفع معك وأتحفظ مع الآخرين على الرغم من مساحة الحرية التي يمنحنا إياها الانقلابيون الجدد الذين لم يعتذروا إليكم عن جرائم الماضي!

 ليست قضية التضحيات بجديدة على الحزب والمهم ليس الاعتذار بل المشوار الجديد وفي أسوا الحالات لامناص من الموت فليكن ولتكن التضحية إذا كانت في محلها.

يالهذا الحب الجارف والعاطفة المحمومة التي غطتها سفاسف كثيرة .. السياسة في العراق والجبهة وحزب البعث وغباء الشيوعيين ودفنتها دول عظمى. الاتحاد السوفيتي.. الصراع بين الشرق والغرب حرب فيتنام وتشرين وانقلابات امريكا اللاتينية . العلم وحده شغله عنها والسياسة. أتستحق كل تلك الأحداث مهما كانت عظيمة وواسعة أن تغطي على حب نبض في قلبه ذلك الوقت فغادره ولم يعرفه ؟مسيحية شيوعية لاتؤمن بالله زميلها الاقدم في البحث مسلم ورث الدين عن عائلته لكنه لايؤدي الفرائض. يهمه أن يكون الله موجودا لكنه لايخافه يراه صديقا فيكره الكفر من خلاله ولم يكن ليدخل في نقاش يخص السياسة منذ مرحلتي المتوسطة والثانوية كان يقف على الحياد دائما مثلما فعل أبوه وإخوته والآن بعد كل تلك الانهيارات العظيمة أدرك بلا لبس أنه اندفع معها فكشف عن حقيقته. تعاطف مع ضعفها الذي رآه قوة ذات يوم وتمنى لو أنها آمنت بالله . هل خدعه الحب فانزوى خجلا في نبضات قلبه لتغطيه حوادث السياسة وتجارب العلم التي مهما عظمت لن تكون أكبر منه.. إنه الآن يسأل نفسه عن علم يخدع ويراوغ وكان عليه أن يسأل من قبل لـِمَ يتحفظ مع الآخرين ويكشف أفكاره لها ثم يقنع نفسه أنها زميلة دراسة ثم يتابع أخبارها عن بعد فلا يعرف عنها شيئا سوى أنها اعتقلت وعذبت ثم هربت إلى موسكو فأصبحت رائدة فضاء!

والآن يكشف له الحب المخفي عن قدرته وسطوته فلا يجد نفسه إلا عاشقا ورجل مخابرات.. علم يخفي الأشياء ويحجب المعاني ويغطيها يمكن أن يتحول إلى سلاح خطر.. سحر يدمر العالم..قوة قد تكمن في معان ٍ حجبتها تنفجر ذات يوم مطيحة بكل ما هو خير وجميل!

أيحبها أم يتجسس عليها أم دفعها الحب أو التجسس وربما كلاهما معا لملاحقته عبر الزمن القادم من الأرض ليندس في زاوية من زوايا الفضاء اللانهائيّ؟

الماضي يكاد يعيد توازنه وفق التجربة الجديدة بشكل آخر. من قبل انصهر الحب واختفى في بوتقة الاحداث السياسية والبحث العلمي والآن برز ثانية من غير أن يعرف أن واجبه يحتم عليه أن يوازن بين عاطفته التي كشفت عنها بكل جرأة تجربته الجديدة وشرف المهنة الذي يأمره ألا يثق بها لو كانت تحبه حقا لما ترددت في الالتحاق به. انهار الاتحاد السوفيتي وارتدى الروس الكابوي وتنعموا بالعلكة والبرغر.. لاشيوعية ولا عالم جديد إلا في التجربة العلمية التي سوف تتحقق على يده فلم لاتترك موقعها وتتلحق به مثلما فعل الكثيرون من علماء الاتحاد السوفيتي. على الأقل يستطيع تزكيتها فيتمكنان من أن يواصلا تجربة بدآها في السنة الثانية من دراستهما وخلفت ثقبا صغيرا على مغسلة التجارب فانطبعت في ذهنه بصورة أسطع من حب عاش داخله كمرض خبيث لاتبين أعراضه إلا بعد سنوات طويلة!

فليكن هناك حب ذو عارض جانبي يمكن أن يطلق إن كان ولابد عليه كلمة " تجسس"!

***

الفصل التاسع

شغله سر الكوكب اللازوردي بعض الوقت وتصفح خلاصة آراء علماء المحطة قبل أن يدخل معهم في نقاش جدي حوله. ذهب بعضهم إلى أن الروس استطاعوا ضرب جدار مانع للرؤيا حوله مثلما فعلوه أيام ستالين. ستار حديدي بموانع للرؤيا لم نتوصل إليها نحن السويسريين وربما عجز عن كشفها آخرون غزوا الفضاء مثلنا،وهناك رأي ذهب إلى أن الروس أوجدوا انعكاسا لظل كوكب كبير وكيفوا حركته فجعاوها بعكس حركة الأفلاك في الوجود بالضبط مثلما يتفنن صانع الساعات بابتكار ساعة شاذة تدور عقاربها الثلاث من اليسار إلى اليمين!

غير أن الرأي الذي أزعجه هو ماذهب إليه عالم من اصل كرواتي وجد في الكوكب الجديد ظاهرة تشبه إلى حد ما ظاهرة الأطباق الطائرة التي أقر العلم كونها انعكاسات ضوئية ابتكرها الروس والأمريكان يوم كانت لهم السيادة على الفضاء ليفزع أحدهما الآخر. إنها هلوسة تصيب رواد الفضاء وعلماءه بسبب الإرهاق والظلام والعزلة والصمت الرهيب!

ولولا سعة صدره وصبره لانفجر صارخا في الكرواتي " تودال" أن يصمت لأن تحليل التجربة التي مر بها على أنها انعكاس فقط هو بحد ذاته اتهام مبطن بالهلوسة والتخيل لعالم مرموق مثل الدكتور"بهاء".

 غير أنه تجاوز ذلك النقد وطلب بكل هدوء من العالم الكرواتي أن يلزم الصمت أو يغادر مكان الاجتماع إن ساورته شكوك في عبث المحاولة ودقة المعلومات، لأن مايشغله في الأساس ليس الكوكب وحده بل تجلي الماضي المحيط به والثريات السوداء المنتشرة في أبعاد شرق المجرة التي تهم أن تلتهم الآيونات القادمة من الأرض المهاجرة إلى المطلق البعيد!.

كان يدافع عن تجربته بحماس منقطع النظير، واصعب مهمة واجهته هي أنه الوحيد الذي رآى الكوكب مباشرة من دون أي جهاز مساعد بعدما تراءت له من قبل عالمة سوفيتية من أصل عراقي زميلة دراسة ، فكيف يثبت للعلماء الآخرين أن مارآه مجرد واقع ضرب الروس حوله مانعا للرؤيا وليس أضغاث أحلام أصيب بها بعد عودته من شرق المجرة وتجربته في استحظار الزمان المنصرم من غيرما رجوع؟

من المحتمل أن يكون بعض العلماء الروس ممن لايقبلون تحول روسيا إلى رأسمالية هاجروا إلى الفضاء فاكتشفوا كوكبا جديدا يصلح للحياة فجعلوه مقرا لهم كي يخلقوا عليه حياة مثالية بعيدة عن الطبقية مثلما يعتقدون ثم يفكرون من على سطحه بغزو الأرض ولايستبعد أن تكون "ضحى" قصدته لتضمه إلى تلك الجماعة النوابغ كما كان الوضع عليه قبل أكثر من ثلاثين عاما في جامعة البصرة!

إلا أنه لم يمزج بين رؤيته العلمية المشكوك فيها من بعض العلماء والحرب الباردة. لاشك أن هناك كثيرا من الروس تهمهم مصلحة روسيا بلدهم وقوتها فلا يهمهم النظام الاشتراكي أم الرأسمالي هؤلاء هم الذين يصرون على أن تبقى الكثير من التجارب الروسية والإنجازات في الفضاء سرية محجوبة عن بقية العالم.

وكان عليه بعد أن أقنع معظم أعضاء لجنة العلماء ماعدا العالم الكرواتي أن يقنع مسؤول مخابرات علوم الفضاء في مركز الأبحاث الأرضي. والحق راوده بهذا الشأن قلق وساورته شكوك مردها العمل البيروقراطي الذي يفرض على رواد الفضاء في حال تعاونهم مع لجنة المخابرات أن يدونوا انطباعاتهم على الواح ألكترونية وهم في الفضاء بعد أية تجربة ثم حين يهبط رائد الفضائد إلى الأرض يسجل ماكتبه ثانية على ورق حتى يتمكن العلماء في المحطة الأرضية من مطابقة المكتوب على الورق مع الألكترون باختلاف المكانين فلعل الفراغ والخواء يضيفان على عقلية الرائد أحاسيس غير واقعية أو ينقصان من مقدراته العقلية مايمكن أن ينسيه شيئا ما في حين يستطيع وهو في حال اجتماع مع لجنة العلماء أن يناقش تقريره الأساس المدون على اللوح الألكتروني.

هذه المرة لم يخش حدوث تناقض بين تقريري اللوح والورق لأن ذاكرته تستطيع استحضار أية لحظة من الوقت الراهن إلى ماقبل ثلاثين سنة مضت.

لكن قلقه انصب في تلك الساعة حول لقائه بالآنسة ضحى العبد الله. من حقه أن يحتفظ بخصوصياته ومسألة العواطف ومحاولته تقبيلها.كابرت فتجاهلت اندفاعه . لايشك في ذلك أما حيرته فقد تجلت في التحاقها به إو سعيه لتكون معه.ماذا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؟ اللقاء قصير فما كان بوسعه أن يدخل معها في تفصيلات المستقبل..الاتحاد السوفيتي يعني روسيا وحدها.. ماكانت ترفضه أصبح حقيقة.. انقلبت الدولة الشيوعية العتيدة إلى دولة رأسمالية والتحق خيرة علماء الفضاء فيها بدول أخرى. باعوا أنفسهم لإيران وأمريكا وهاجر عدد منهم إلى كندا وبعض دول أمريكا اللاتينية فهل ترضى "ضحى العبد الله" أن تعيش في ظل نظام رأسمالي رفضته من قبل..هذاوارد حقا فيما إذا كان احتمال تجمع العلماء الروس على كوكب حجبوه عن العيون مجرد رؤيا غير واقعية لرائد فضاء يتعرض لوساوس وخيالات.. وهلوسة..منذ البدء قد يجد مبررا لإخفاء حبها القديم ورغبتها فيه حين تضع ذلك في موضع الخصوصيات سوى أنه لايجد مسوغا لتمسكها في البقاء هناك . ولايظن إصرارها ناتجا عن الخوف من مخابرات الفضاء الروسية لأن تلك المخابرات سمحت لعلماء روس ومفكرين وذوي مهارت خطرين بالذهاب إلى الدول الرأسمالية مع أنهم كانوا روسا أنقياء فكيف بها وهي من جنس آخر درست مثلما يدرس أي طالب أجنبي في أية أكاديمية سوفيتية ..سوف يقنعها بالتأكيد بعيدا عن عيون الرقابة ومجسات التنصت وقرون الاستشعار المزروعة في الفضاء فإن لم تقتنع فهو في هذه الحالة يقدر على التنازل كفاه خدم سويسرا أكثر من ثلاثين عاما .. تخلى عن جنسيته العراقية مقابل العلم فليتخل عن الجنسية السويسرية مقابل الحب.من حقه أن يعيش حياة مليئة بالحيوية والبريق مع امرأة رافقته في الدراسة فاكتشف بعد عقود طويلة أنه أحبها!

من أجلها سوف يفتقد المخبر وتجربة النفق على المغسلة التي حفرته يداها المرتعشتان !

ومن أجل " ضحى" فقط يفارق البحث وزملاء اليوم. إنها نصفه الذي يتابع تجربة الزمن معه، وهو متأكد أنهما لابد من أن يعيدا تشكيل العالم من جديد لا كما توهمته وهي طالبة عالما شيوعيا خالصا مثل خلية النحل بل عالما نقيا من المرض والغش والخداع والتزوير

هو العالم الذي حلمت به أنبياء الله المرسلون والماديون العلماء...

الملحدون والمؤمنون!

ربما شعر بتأنيب الضمير حين ذكر كل شيء بالتفصيل أمام لجنة العلماء ومدير مخابرات الفضاء السويسرية ماعدا حبا قديما كامنا لم يعرفه من قبل كان أشبه بداء خفي يسري في البدن من دون أن يشعر به صاحبه وتمتم وهي يخفي عينيه في الوسادة محاولا أن يروض الأرق:

لم أخف شيئا ولم أخن.. تلك مسألة تخصني وحدي ليس من حق أحد أن يطلع عليها!

 

د. قصي الشيخ عسكر

 

 

توفيق بوشريقررت يا سيدي – هي هنا قريبة من نزوتها وأريحيتها المصرية – أن أصارحك بأن مشكلتك الكبيرة هي الصراحة والاعتراف، لا لا.. لا أقصد الصراحة تجاه الآخرين حتى لو تعلق الأمر بجدار أو بطريق أو دبابة قديمة صدئة تركت على باب مدينتك كذكرى حانقة تنتظر اعترافا أو صراحة مثل التي نحن نتحدث عنها، أو أتحدث عنها يا سيدي.. أحبك وأنت تبتسم لوقعها الفريد على وعيك أيها اللعين – طبعا مزحة – لا تستطيع أن تكون صريحا مع ذاتك، حتى اختياراتك خاضعة لتردد كبير دون أن يكون لديك عذر مقبول.. تبدو في كل مرة غير قادر على فعل ما تحبه وأنت تتحمل مسؤولية ذلك، بل قبل كل مسؤولية، أنت مثل دجاجة تهم بعبور الشارع، دعني أصارحك ولنؤجل غضبك، أو لتؤجل ما تريد أن تنفجر به في وجهي، لدينا الوقت الكافي كالعادة لتبادل اتهامات فارغة مضحكة أو حتى نخوض مباراة مصارعة ما بعد حرة نستعمل فيها الحجارة وقد نصل إلى السكاكين والسواطير.. ولكن لماذا لا تتصرف بعفوية فحسب؟ أحيانا لسنا في حاجة إلى أي تفكير لنقوم بما يلزم في وضع ما.. لماذا ننجز حسابات بليدة ونضرب أخماسا لأسداس منصهرين في عقلية ماكرة بغباء، وجلة خائفة من لا شيء بينما يجب أن نخاف من ذلك الخوف ذاته كما صرح روزفلت  ذات قول.. كأننا نخشى فقدان سند لم يكن حاضرا بشكل جلي في يوم ما البتة أو ربما لا وجود له.. إنه العجز.. تبا لم نتقن العجز حتى لو لم نكن عاجزين حقا؟ حسنا أخبرني لماذا قلت لها بأنك لن تتخلى عنها وأنت لم تحبها ولا لحظة؟ ما الذي تخشاه من مصارحتها بالحقيقة؟ حسنا يمكن أن أفسر ما يروج بداخلك دون أن تقول شيئا فأنا أخشى عليك من مزج التبرير بالعجز والكذب المجاني مرة أخرى.. أنت غير قادر على إيذاء مشاعرك فيها لأنك تخشى الذنب والعقاب.. حسنا ولماذا لا نفرغ أرواحنا من النفاق وندخل عالم المحاسبة لكي تعاني مدة ما ثم نتعافى بكل مرح وقد صرنا أخف من ريشة أو حتى نسمة هواء.. لنخرج إلى الشارع متحررين من أية رغبة في الخشية أو الفقد أو العقاب.. لم توجد هذه الحياة لنهابها ولكن لنقاومها ونعبر مطباتها بفشل متتال حتى النجاحات المؤقتة التي لا ترعبنا لأننا نكون تعلمنا تطبيق ما نؤمن به عوض جعله شعارات قبيحة نختبئ خلفها ونخفي شياطيننا تحت لمعانها وبريقها السافر.. يا سيدي.. لست في حاجة إلى التفكير هنا، حتى لا تتراجع ودائما تحت نفس الذرائع التي لا تؤمن بأية موضوعية.. لأنها تخمد كل محاولة غير مقتنعة قبل أن تعزم على قلب مسار حياتك.. أول خطوة أن تعتبر نفسك رهينة لدى عقليتك التي يقف بينك وبين الحرب عليها أوهام عقلك الخامل.. يجب أن تتعذب قليلا لكي تتخلص من عقدة مبادئ لا ديكارتية.. ثم خض مغامرة أمريكية كفرقة قوات خاصة تنتشلك بجرأة وقوة – خارج الرعونة والبطولة الترامبية (نسبة إلى الخارق ترامب) من براثن وثوقيتك وجاهزية عالمك الداخلي غير القادر على التضحية بالانسجام مع عالمك الخارجي الوهمي.. ستشعر بحرية حقيقية ولو أنها ستكون مثل فضاء فارغ تماما خفيف للغاية يحلق في شبه عدم.. قل كلمة كنت لا تجرؤ حتى على التفكير فيها.. اصرخ.. انتقد ذاتك دون حاجة إلى أية مرآة.. العن حضورك الهش.. أدر شريط ذكرياتك وانخرط في سيل شتائم لنفسك حتى تشعرا معا بأنكما تنصهران ولا رغبة لأحدكما في قتل الآخر.. لقد بدأت تتماهى مع ذاتك في صفائها وحقيقتها ولو بالنسبة إلى لحظتك الخاصة، انفجر ضاحكا.. صافح روحك. مد يدك ولتكن متسخة لتجتاز أول اختبار، الحيطة الجبانة.. كن على سجيتك مع صورتك الجديدة.. ها قد بدأت تشعر بالصراحة.. لم يعد بك حاجة إلى إخفاء شيء أو مراوغة أو شعور بذنب أو وجل من عقاب.. أنت الآن مثل الشمس تماما.. لا يعنيك أن تكون أشعتك ضارة.. هذه حقيقتك يا حبيبي.. تفضل يا سيدي؟ لقد تحررت تماما.. لكن، لا تنس أن الحرب لم تنته ولن تنتهي أبدا.. ولكنك ستكسب معركة وحيدة تحتاج إلى حرص على نتائجها وتعزيزها بكل البشاعة الممكنة التي بدأت تفكر فيها بإزاء الآخرين. لا تضحك.. أو اضحك بشراهة ولتكن ضحكة ماكرة ولكن احذر امتزاج المكر بالنفاق حتى لا تخسر حياتك التي ابتكرتها للتو من عدم سلبيتك.. ثانيا: تمرن على تلقي الضربات واللكمات وشتى صنوف الشتائم واللعنات وربما أكثر من قبيل السكاكين والسواطير وبنادق الصيد أو حتى البيض الفاسد.. تقول لم تفكر في ذلك؟ سأضحك أنا الآن: ما زلت بليدا على محاولة الحياة..

 

توفيق بوشري - المغرب

 

بكر السباتينها هو عنترة يمتشق سيف الرجولة متباهيًا  بشاربيه كأنهما خلقا ليقف عليهما الصقر.. ويستحوذ صاحبنا الغضنفر على انتباه عبلة.. تزوجها وهي كاتبة مشهورة، بناء على قصة حب جمعتهما وتقبل على مضض نشاطاتها الأدبية وخاصة في مجال كتابة القصة القصيرة، وسمح لها عنترة بالمشاركة في فعالياتها المنتشرة في العاصمة والمحافظات، وكان المرافق الأمين لها حتى لا يكون الشيطان ثالثهما في خلواتها البريئة مع الجمهور أثناء قراءتها للنصوص الإبداعية، فيمارس معها دور المحرم كأنهما  يقصدان أرض الحجاز؛ ولكن حينما مرضت ابنتهما وارتفعت درجة حرارتها، فلم تنخفض مؤشراتها بفعل الكمادات الباردة ولا السهر عليها موصلة الليل بالنهار، فتضطر لأخذ إجازة طارئة من العمل حتى تتفرغ لابنتها التي حنطها الصقيع، فتجد نفسها مضطرة لإدخال صغيرتها المستشفى.

وفجأة تباغت عبلة عاصفة قادمة من اليباب المتجمد دون مقدمات، إذ يدخل عنترة المشهد بسيفه الخشبي المسلول ويكشر عن أنيابه، حيث أخذ يعامل زوجته رغم مصابها الجلل دون مراعاة لمشاعرها، كشيء يمتلكه دون أن يكون له كيان، فيعتقلها حتى آخر فكرة تنبض في عقلها أو رعشة تنتفض في قلبها.. اتهمها زوجها بالتقصير والإهمال، ومنعها من مزاولة نشاطاتها الأدبية، وصرخ فيها قائلاً:

 "فقط مارسي الكتابة وأنت في البيت ولا داعي للندوات التي تهدر وقتك،حتى لا تتعرض ابنتك مرة ثانية لوعكة صحية كهذه، ألا يكفي أنني تقبلت كونك موظفة في المحكمة على حساب راحتي!"

مع أن عنترة كان يواظب على حضور ندواتها  حتى قبل زواجهما، حيث تعرف عليها في إحداها.. وظل بعد الزواج يواظب على الحضور بمعيتها ربما من باب الغيرة، والتوجس، هذا قبل أن يغلق على العندليب القفص بحجة مرض ابنتهما، حتى أنه حلف عليها أخيراً يمين الطلاق إن هي تواصلت مع الأدباء ولو هاتفياً في أمور تتعلق بالأمسيات القصصية.. آمراً:

 "هذه صفحتك على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك أنشري عليها ما تشائين وكفاك تسيباً"..

وفي حومة كل ذلك كانت منطوية على وجعها ومأخوذة العقل والوجدان إلى مرض ابنتها، تاركة عنترة يقارع طواحين الهواء بسيفه الخشبي خارج المشهد الحميم.. وكانت على  يقين بأن حبيبها عنترة وفي مجالسه الخاصة يتباهى دائماً بأنه زوج عبلة، تلك الكاتبة القصصية التي لا يشق لها غبار.. وها هو الأمل يبتسم في قلب عبلة ،الأم، التى هدّها التعب حتى أوشكت على النوم، حينما شاهدت مؤشر الحرارة في الجهاز المتصل بذراع صغيرتها وهي على سرير الشفاء، يهبط إلى المعدل الطبيعي.. ويصدر أصواتاً تحذيرية مع وميض الأمان الأخضر المتقطع.. ستتصل إذن بحبيبها كي تطمئنه على صحة ابنتهما. وفعلت  ذلك وقد وجدته مستيقظا. فيطير قلبه فرحاً وقد هرس عقب السيجارة الأخير في المنفضة الممتلئة برماد همومه المتلظية في عقله وقلبه، كأنه حطم سيفه الخشبي أو أدخله في غمده.. ليس تدري!!..

 

بقلم بكر السباتين

قصة واقعية، الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٩

 

مصطفى عليفي البَدْءِ كانَ الحرْفُ ناراً

من بُروقٍ في سماء الكلماتْ

*

ثُمَّ إستوى كالشمسِ في قلبِ

الفتى الساري الى وجدانهِ

المفتونِ في سِحْرِ الُّلغاتْ

*

أعني لُغاتِ الوجْدِ مُزدانٍ

بِبذْلِ الروحِ والإخلاصِ

لا نحْتُ النُحاة

*

أوما إليها جَفْنُهُ النعْسانُ من

طولِ النوى والإغترابْ

*

سارا معاً خلْفَ السرابْ

حتى إذا ما بَلَغا سوراً قديماً للبلادْ

تَفَتّحتْ أبوابُهُ الكسْلى مساءاً وإنتشتْ

بالزائريْنِ القادميْنِ من قلبِ الضباب

*

هاجا غناءاً يتْلوانَ الشعْرَ في

سوحِ الديارْ

*

كي يهجُرَ المأزومُ ديجوراً

تمادى عابراً نحو النهار

*

فاضتْ بُحورُ الشعْرِ أنواراً

كما فاضتْ بحار

*

في قلبِ صِدّيقٍ تعافى من قيود الوهْمِ

أو زيفِ الهوى والمغْريات

*

صارَ البيانُ المُنتقى درباً وحيداً للنجاة

إذ كادَ يلقى في سِلالِ الوجْدِ

لولا الريحُ أسرارَ الحياة

*

أوّاهُ ما أحلى وما أقسى الحياة

إنّي أنا المُغْترُّ فيها رغْمَ كابوسِ الطُغاة

لكنّني مازلْتُ يُغريني بها

بُقيا بَصيصٍ من قناديلِ الجمال

*

نوراً يُحاكي لُغتي حَدَّ إرتشافِ

الشعْرِ أنهارَ الخيال

*

ها قد سألتُ الكاهنَ العرّافَ عن

سِرِّ القوافي والمجاز

*

مُذْ دارَ حوْلَ ألسِدْرةِ السكرى

يُغني كالهزارْ

*

قدّتْ أناشيدُ الورى قُبْحَ النشاز

*

في المعبدِ المهجورِ في آشورَ

والورْكاءَ والفُسْطاطِ أو

أرضِ الحجازْ

*

سائلْتُهُ عن (سَبْعةٍ)

عُلِّقْنَ فَوْقَ الكعبةِ الجذلى

بها الضِلّيلُ لو تدرينَ فازْ

*

رافقْتُ حادي العيسِ في

حَجٍّ إليها ضامِراً دُونَ جَوازْ

*

سائلْتُهُ عن حِكمةٍ تغفو بأهدابِ البيان

*

إذ هكذا قد قالها من أشْعلَ التنّورَ

في روحِ الكيانْ

*

أيْقونةً صارتْ لأصحابِ النُهى

عَبْرَ الزمان

*

فالخلْقُ يرْقى حينما يسمو

بأرواحِ الورى أسمى الكلام

*

مَنْ يُشْعلُ الفانوسَ ليلاً

في لِسانِ الضادِ إذ تاهَ الأنامْ

*

يالاعِناً طُغيانَ أربابِ الخطايا والشُرور

*

هل ترتضي أشباحَ من ناموا دهوراً

في دهاليزِ الظلام

*

قُمْ نرفعِ الاوهامَ عن أكتافِ تاريخٍ بَدا

في اللاوَعي الجمْعيِّ كوماً من رُكام

*

عن عقْلِنا الجمْعيِّ غيماً

من دُخانٍ أو غُبارْ

*

طوبى لحرْفٍ يمنحُ الأشعارَ

ضوءاً في كُهوفِ الذاكرة

*

طوبى لشعرٍ في قوافيهِ غيومٌ ماطِرة

تُطفي لظى الأرواحَ عند الهاجرة

تبتلُّ فيها كُلَّما ضاقتُ نفوسٌ حائرة

*

فالشعْرُ كانَ المُبتدا

والمُنتهى شعرٌ بهِ مِسْكُ الخِتامُ

*

واللهِ لولا ذلكَ السِحْرُ المُوشّى

بالهديلِ العذْبِ من سِرْبِ الحمام

واللهِ لولا سكْرةُ الأشعارِ صُبْحاً

في صدى فيروزِ معسولاً

بأوجاعِ الغرام

لولا دُموعُ أللهِ فجراً في ندى الأزهارِ

سكرى من أبارقِ الغمام

*

لإنتابني شكٌّ مريرٌ بالذي

قد قالهُ العُشّاقُ يوْماً

في أناشيدِ السلام

*

في لُغتي يخضرُّ صُبّارُ الفلا

في ظِلِّهِ يعدو ويختالُ الغزال

في بهجةٍ يتلو لأهلِ الضادِ أنغامَ الوصال

لا شيءَ إلّا لُغتي

ترْفو ثُقوباً في طواميرِ السِمالْ

*

ربّاهُ ما أحلى وما أشقى الديارْ

والناسُ في أرجاءها ، أعني هُناك

من أطلسيٍّ هادرٍ حتى عباءاتِ الخليجْ

حيثُ الردى في صرْخةِ السيّابِ

يعوي والنشيجْ

*

والسوسنُ المدفونُ في كُثْبانها

خانتْهُ واحاتُ البوادي

فإنزوى عنهُ الأريجْ

*

قد لاذَ بالإيقاعِ والمعنى نفوراً

من تخاريفِ الضجيج

*

والناسُ في أرجاءها ، قومي هُناك

تاهوا سُكارى دونما حادٍ

بوديانِ الغسق

*

إذ لاحَ طوفانٌ ولا لوْحٌ تراءى

بين كُثبانِ الرمال

أو لا نبيٌّ كي يرى

ألْواحَهُ الحُبلى بآلامِ السُؤال

*

هل ثمَّ ضوءٌ في نهاياتِ النفق

هل ثمَّ ( نوحٌ ) أو نذيرٌ

يُنذِرُ القوْمَ بأهوالِ الغرق

*

يا ويلكم ، نادى عليكم شاعِرٌ من نسلِكم

فالتسْمعوهُ مرّةً

حسْبُ المُعنّى في هوى أسلافِهِ

أن صيّرَ الأشعارَ ناقوساً لَهُ

لمّا رأى الزرقاءَ في أحلامِهِ مذعورةً

أقعى على الناقوسِ مذعوراً ودقْ

ياليتهم قد أنصفوا صبّاً

نصوحاً قد صدقْ

***

مصطفى علي

 

بتول شاملجديلتي أعلنت خصامها مع الريح

احتجاجاً  على غياب أصابعك ..

قصبُ البرديِّ  ينتظر إطلالة مشحوفك

*

منذ اصطدتَ قلبي

وأنتَ تتنقّلُ بين شفتيّ وعينيّ

كما تنتقل الحمامة من غصنٍ الى غصن

في شجرةٍ ميسانية !

ليس لنا ماءٌ عكرٌ فنخشى تصيّدَ المتصيّدين..

ماؤنا الندى

وفضاؤنا الصلوات

والزهور تمتدُّ امتدادَ المدى  ..

خطانا الواثقة دليلنا نحو الفردوس

*

عطشُ قلبي لا يكفيه نهر ..

تكفيه رشفةٌ من نبض حبك ..

وأشجار أحلامي لا تتسع لها البساتين

كوخك يكفيها !

*

أأنتَ الجهاتُ الأربعُ ؟

حيثما ولّيتُ وجهي : أراكَ أمامي

تملأُ الأفقَ الممتدَّ من قلبي الى أحداقي!

***

بتول شامل

 

لالة مالكة العلويتنام الصرخة الإنسانية بين فوهات الحروب

تجثو تحت وقع الطين ..

فلا يحذوها الأمل في استعادة طنينها الممهور بآلام

أحذية القساة ..

زمن النذالة وأحكام الليل العاض ..

ما ذنب النساء الثكالى

أرامل الدم والخطايا؟!

ما ذنب أطفال الخراب

الأجسام الحدباء الغارقة بين الصمت والعماء!؟

2 ـ  

ألوذ بنفسي إلى فرار مخجل

أقض الرمس بالكبرياء

لعلني أدحض نظرية المؤامرة ..

وأشفي غليل الغضب ..

فلا يندمل وجعي

دونما قرض شعر أو كتابة ناقمة ..

3 ـ

لو تعذرني الأوراق

 أو تنتدبني لإخفاء الجروح المثخنة ..

لو يطالني القهر نثارا من حريق الصدى

أو ينبشني ريح الهباء

وأرجع لذكرى خيالات قديمة ..

لو جاس بي  ..

كل هذا القهر

لا احتداني وميض صوت يغفل كل الصداقات 

كل الحتوف المغفلة ..

كل الشظايا التي نهبت حلم الأصيل ..

***

لالة مالكة العلوي

 

نضال الحارإِيّاكِ أَهْوَى

وأياي تُسْمَعِينَ

وأياي وَأَنْتِ

بِالحَبّ شاخِصَيْنِ

طافِح

بِسَيْلِ حُرُوف أَسْمكَ النَدِيّات

غائِراً لَنِهايَة خَلاصكَ

وَبِالجُنُون مستعين

لا أُجِدّكَ إِلّا قَصِيدَة

مُعَلَّقَة على مِحْراب

قَلَّبَ شَلَّهُ الوجد

بِالرَجْفَةِ  الماحِلَة

لاأرضى بِأَقَلّ 

مِن عُيُون وَرَدّكَ وَطَناً

لِيَعتَرِينِي شَغِفاً

تُقام عَلَيه كُلّ حُرُوب الأَنْبِياء

تَتَماثَلِينَ تَحُتّ سارِيتهُ

نَوَّرا مِن تَحتّ ظِلال رُمُوش عُيُونِكِ

وَهِيَ تَستَنْسِخ البَحر زُرقَةً

وَتتلَين عَلِيّه آخَر الرِسالات

لِتَستَرعِي أنتباه الكَوْن

وَتهُزي بِجَذَع أَرَّضَ قَلْبِي

وَلهاً  عَجِيب

وَعِشْقاً غَرِيب

فَأَنّا الغَرِيب

أَبحَثُ مُنْذُ قُرُون 

عَن وَطَّنٍ يَأْوِينِي 

بَعْدِ إِن ضاعَت أُرْضِي

عَن نَخْلٍ يُدَفِّئنِي

فغطيني بِشَعْركِ السارِح على الزَمانِ

وأحرسي حَلَمِي 

كَيّ أَخْتِم آخَر تَراتِيل 

مَوْتِي بِكَ

ماشاءك اللّٰه 

إِلّا إِن تَكُونِي بُركان دَم

فاغِراً  بِالقُبْلات

وَعِشْقاً يُطارِحنِي 

بِالشَهْقَةِ القاحِلَة

يييييياضروس تَشْبَثِينِي

فَأَنّا ضِلَعَكِ الخارِج قَسراً

مِن نَزِيف جُرح

تَرَّكتَهُ آخَر نوارس دِجلَة

عَلِيّ أَبْواب شِفْتَيكِ

أَلَناهُم  باللثمِ

أيافارعه تَقْصِدِينِي وأنزعي

جَلدَ قَلْبِي بِعَناقكِ

وأحتشدي بِي مأستطاعت يَداكَ

لِرُوحِيّ السَبِيل

فَأَنّا مُخْتَلّ 

بِالشَغِفِ الجاثِم

عَلِيّ خافِقي

ويافائقة بِالحَبّ

تَفاقمِي عَلِى فَمِي

كَيّ أَلْفِظَ  آخَر ماتبقى  مِن الرُوح

بِزَفِيركِ........

***

نضال الحار