علي القاسميفي أواخر الثمانينيّات تبنَّتْ أربعُ منظَّماتٍ دوليّةٍ ـــ بدعمٍ من بعض الدول الكبرى ــ حركةً تربويّةً  شعارها " التعليم للجميع "، تمخّض عنها عقد مؤتمرٍ عالميٍّ في جوم تيان، وهي بلدةً ساحليّةٌ سياحيّةٌ في تايلند. وشاركتْ في المؤتمر وفودٌ من جميع دول العالَم، بلغ تعداد أعضائها حوالي ألف وخمسمائة شخص، من بينهم رؤساء دول، ووزراء تربية وتعليم، وخبراء تربويّون، ومراسلو وسائل الإعلام.

الهدف من المؤتمر إقناع دول العالّم الثالث بضرورة محو الأُمّيّة قبل مطلع الألفيّة الثالثة، وذلك بتعميم التعليم الابتدائيّ في أراضيها، وتيسيره لجميع الأطفال ليتعلّموا القراءة والكتابة.  ويتطلّب تحقيقُ ذلك الهدف من الدول النامية إنفاقَ أموالٍ طائلةٍ على بناء المدارس، وتدريب المعلِّمين، وإعداد المواد التعليميّة، وطباعة الكتب المدرسيّة. ولمّا لم يكُنْ في وسع تلك الدول الفقيرة توفير الأموال اللازمة، لأنّها تنفق معظم ميزانيّاتها على التسلّح والأمن، فإنَّ حركة التعليم للجميع اقترحت حلولاً عمليّة.

تتلخَّص الحلول في توفير الأموال اللازمة عن طريق إعادة هيكلة ميزانيات التربية والتعليم، وتوزيع النفقات فيها بصورةٍ عادلةٍ، ومعاملة جميع المواطنين بالتساوي. فبدلاً من إنفاق معظم ميزانيّة التربية على التعليم العاليّ والبحث العلميّ الذي لا يستفيد منه إلا نسبةٌ ضئيلةٌ جداً من  المواطنين، تُحوَّلُ معظم الميزانيّة إلى التعليم الابتدائيّ لفائدة الجميع. وبدلاً من تدريب معلِّمين على مستوى عالٍ ودفع رواتبَ كبيرةٍ لهم، يُستخدَم مساعدو معلِّمين من خريجي المدارس الثانويّة  برواتبَ منخفضةٍ. وبدلاً من تعميم تعليم ابتدائيّ يُكتفَى بتعليم أوليّ لأربع أو خمس سنوات يعلِّم جميع الأطفال القراءة والكتابة.

ذهب بعض المشكِّكين إلى أنّ الهدف المُعلَن لتلك الحركة هو " كلمة حقٍّ أُريد بها باطل". وأنّ الغاية الحقيقيّة هي وضع حدٍّ لمحاولات الدول النامية لاستنبات التكنولوجيا، وولوج عالم الصناعة عن طريق التعليم العاليّ والبحث العلميّ، لتبقى تلك الدول متخلِّفة دوماً، وسوقاً لاستهلاك المصنوعات الغربيّة، وتصدير اليد العاملة الرخيصة إلى البلدان الغربيّة (قديماً، كان الرومان يجلبون العبيد من تلك الدول النامية ذاتها للقيام بالأعمال الشاقّة والخسيسة في حين ينشغل السادة الرومان بالسياسة والديمقراطيّة والحرب).

ولكي تُهيِّئ الحركةُ جميعَ الدول النامية لقبول البيان العالميّ عن " التعليم للجميع " الذي كان سيصدر عن المؤتمر في جوم تيان، عقدتْ سلسلةً من اللقاءات الإقليميّة التمهيديّة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة والبلاد العربيّة، شارك فيها وزراء التربية في كلّ منطقة، إضافة إلى خبراء "التعليم للجميع" الذين قدَّموا ما يدعم وجهة نظرهم من دراساتٍ معزَّزةٍ بالإحصاءات، والأشكال البيانيّة، والأمثلة التوضيحيّة.

عُقِد لقاء المنطقة الآسيويّة في دكا، عاصمة بنغلاديش. وبحكم عملي آنذاك، شاركتُ في هذا اللقاء. فبعد رحلةٍ جويَّةٍ دامت أكثر من اثنتي عشرة ساعةً، تخلَّلها تغيير الطائرة في مطار أوربي وتوقُّفٌ في مطارٍ عربيّ، وصلتُ إلى مطار دكا، واستقبلني المنظِّمون واصطحبوني إلى الفندق. وعندما دخلتُ بهو الفندق، وقع نظري على شخص ذي ملامح آسيويّة يجلس هناك، وتطلّع إليّ هو الآخر فالتقت عيوننا وتعانقت نظراتنا.

حالما انتهيتُ من إجراءات التسجيل لدى موظَّف الاستقبال في الفندق، نهض الرجل ذو الملامح الآسيويّة من مقعده، واقترب منّي وسلَّم عليّ، وقال باسماً:

ـ اسمك إمّا خالد وإمّا علي.

قلتُ:

ـ علي. لماذا؟

قال:

ـ لأنّني عندما استيقظتُ هذا الصباح، قلتُ في نفسي إنّني سألتقي اليومَ بشخصٍ أُحبُّه اسمه خالد أو علي، وسأقدِّم له هديّة هي عبارة عن اسمه مخطوطاً بالخط الديوانيّ الجليّ المُزخرَف والمُشجَّر بطريقةٍ بديعةٍ. فالخطّ العربيّ هوايتي.

ثمَّ فتح حقيبته اليدويّة وأخرج منها قطعتيْن من الورق المقوَّى الأبيض مُزيَّنتيْن بخطّ جميل، إحداهما " خالد " والأخرى " علي". ناولني الأخيرة وقال:

ـ هذه هديّة التعارف.

وفيما رحتُ أتمتم بكلمات الشكر، تبادر إلى ذهني أنّ الرجل يتكسَّب بهذه الطريقة. وربما اطّلع على قائمة الوفود الواصلة إلى الفندق ذلك اليوم وأعدّ القطع المخطوطة طبقاً لأسماء الوافدين. وهممتُ بإخراج محفظتي من جيبي لإعطائه بعض النقود. لكنّني، ولكي أواصل الحديث معه، قلتُ له قبل إخراج محفظتي:

ـ الآن أنتَ تعرف اسمي، فهل لي أن أتشرّف بمعرفة اسمك الكريم ليتمّ التعارف؟

أجاب ببساطة:

ـ أنور دِل.

عند سماعي هذا الاسم تجمّدتْ أصابع يدي على المحفظة، ولم أسحبها من الجيب الخلفيّ لسروالي، وقلتُ مُستفسراً:

ـ البرفسور أنور دِل، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس؟

بلعتُ ريقي، ثمَّ أضفتُ تحوّطاً:

ـ أم أنّه مجرُّد تشابه أسماء؟

قال:

ـ تماماً، أنا البرفسور أنور دِل.

حمدتُ الله في نفسي لأنّني لم أُخرِج محفظتي ولم أُعطِه النقود. فالرجل من الشخصيّات الأكاديميّة المرموقة في الولايات المتحدة وهو من أصل باكستانيّ (حوالي 40 بالمائة من أساتذة الجامعات الأمريكية الكبرى يتكلّمون الإنكليزيّة بلكنة أجنبيّة، وهذا ما نسّميه بالعربيّة "هجرة العقول أو هجرة الأدمغة " أو ما يسمّيه بعض الساخرين بالمساعدات العلميّة التي تقدِّمها الدول النامية أو النايمة إلى أمريكا). وكنتُ أثناء دراستي في جامعة تكساس، قد قرأتُ بعض مؤلَّفاته واطّلعتُ على بعضها الآخر، لأنّها ذات صلةٍ، من قريب أو من بعيد، بموضوع تخصّصي. فأعماله تتناول نظريّة المعرفة؛ ليست تلك المعرفة التي نكتسبها عن طريق الحواس والتجارب المختبريّة، ولا المعرفة التي نحصل عليها بالاستدلال المنطقيّ والتوصّل إلى النتائج من مقدِّماتها، وإنّما تلك المعرفة التي تتأتّى لنا من الغوص في داخل ذواتنا واستخدام القوى الخيِّرة الكامنة في نفوسنا. إنّها المعرفة الحدسيّة، أو المعرفة القلبيّة كما يسميها البرفيسور أنور دِل (بالمناسبة، " دِل " باللغة الأورديّة تعني "القلب").

أمضيتُ عصر ذلك اليوم مع البرفيسور أنور دِل، وعلِمتُ منه أنّه جاء إلى دكا للمشاركة في الاجتماعات التي كانت ستبدأ صباح اليوم التالي، بوصفه خبيراً تربويّاً. وفي المساء ألحّ عليّ لتناول طعام العشاء معه على مائدة السفير الباكستانيّ في دكا. وعندما اعتذرتُ بشدّة، لأنّني لم أكُن مدعوّاً من لدن سعادة السفير، أخبرني أنّه أبلغ السفير بأنَّه سيصطحبني، وأنّ السفير صديق حميم له، وأنّه يعدّ نفسه صهراً للسلك الدبلوماسيّ، فزوجته هي أخت سفير بنغلاديش في موسكو (تزوجها  ــ وهي بنغالية ــ  عندما كانا يدرّسان معاً في  جامعة لاهور، قبل انفصال بنغلاديش عن باكستان عام 1971). وكنتُ قد أطلعتُ على ترجماتٍ أنجزتْها زوجتُه من اللغة البنغالية إلى الإنجليزية لبعض أشعار رابندرانات طاغور (1861ـ 1941) الذي حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1913 عندما كانت الهند وباكستان وبنغلاديش موحَّدة تحت الاستعمار البريطانيّ، تقديراً لروعة أشعاره الروحيّة. وظلَّ طاغور، أمداً طويلاً، الشاعر الشرقيّ الوحيد الحائز على جائزة نوبل (كأن فوزه بتلك الجائزة آنذاك رسالة ضمنيّة من أصحاب الجائزة إلى الشرقيّين للبقاء في حدود عالَمهم الروحيّ، وترك تدبير العالَم الماديّ للدول الغربيّة).

توطّدت الصداقة بيني وبين البرفيسور أنور دِل خلال أيام اللقاء الأربعة. وأهدى إليّ مزهريّة صغيرة من المرمر وطلب إليّ أن أضعها على مكتبي في منزلي، فهو يحتفظ بمثيلتها على مكتبه في منزله في مدينة سان دييغو في كاليفورنيا. وقال:

 

ـ وهكذا، فعندما تنظر إلى هذه المزهريّة، وأنظر أنا إلى أُختها في الوقت نفسه، سنتواصل روحيّاً، رغم المسافات البعيدة التي تفصل بيننا.

بعد انتهاء الاجتماعات، أخذ أعضاء الوفود يودّع بعضهم بعضاً. وجئتُ لأودّع صديقي الجديد البرفيسور أنور دِل. ولشدَّ ما أدهشني قوله:

ـ لا تودّعني هنا. سنذهب معاً إلى كراتشي لتناول طعام العشاء مع شيخي في منزله هناك. أودّ أن أعرّفك به.

أجبتُ بلطف:

ـ شكراً، يا أستاذ أنور على دعوتك الكريمة، ولكن عليَّ أن أسافر مساء هذا اليوم  بطائرة الخطوط الفرنسيّة إلى باريس، ومن هناك سأعود على متن طائرة الخطوط الملكية المغربيّة إلى الرباط حيث تنتظرني مواعيدُ عملٍ كثيرة.

قال مبتسماً وهو ينغّم كلماته:

ـ قلبي يحدّثني بأنَّك صاحبي في سفري إلى كراتشي، سواء أردتَ ذلك أم لم تُرِد.

(وذكّرني كلامه ذاك ببيتَ شعرٍ للقطب الصوفيّ ابن الفارض:

قلبي يُحدّثني بأنـَّـكَ مُتلفي    روحي فِداكَ عرفتَ أم لم تعرفِ)

 

قلتُ له بشيءٍ من الإصرار:

ـ مستحيل.

قال بلهجة الواثق مما يقول:

ـ ليس ثمّة شيءٌ مستحيل في الوجود. كلُّ شيءٍ ممكن.

وطبعاً كان من المستحيل عليّ أن أغيّر خططي وسفري قبل ساعتين من إقلاع طائرتي.

وفي المطار، توجّهتُ إلى منضدة الخطوط الفرنسيّة، ودفعتُ بتذكرتي إلى المضيّفة هناك؛ غير أنّها أخبرتني أنّ رحلتي قد تأجّلت حتّى يوم غدٍ لأسباب تقنيّة. وأضافت أنّها تستطيع تحويل تذكرتي ـ إذا أردتُ ـ إلى خطٍّ آخر هو : دكا ـ كراتشي ـ لندن ـ الدار البيضاء. وأوضحتْ أنّها حاولتِ الاتصال بي هاتفيّاً في الفندق صباح ذلك اليوم عدّة مرّاتٍ لإبلاغي بالأمر دون جدوى، وأنّ الطائرة المتّجهة إلى كراتشي ستغادر بعد ساعتيْن فقط، وأنّ عليّ أن أُمضي الليلة في فندق قرب المطار في كراتشي على حساب الشركة، ثمَّ أواصل السفر في الصباح إلى لندن فالدار البيضاء.

لم يكن لي خيار آخر فقبلتُ.

 

بعد أنْ ارتقيتُ سلَّم الطائرة وتوجّهت إلى مقعدي، فوجئتُ بالبرفيسور أنور دِل جالساً في المقعد المجاور. قال مبتسماً والسرور بادٍ على وجهه:

ـ ألم أقُل لكَ إنّ قلبي يحدّثني بأنّك رفيقي في رحلتي إلى كراتشي؟

حين هبطنا في مطار كراتشي قبل منتصف الليل، لم يدَعني البرفيسور أنور أذهب إلى الفندق، لإيداع حقائبي على الأقل حتّى الصباح، قائلاً وهو يلوّح لسيّارة أُجرة:

ـ لا وقتَ لدينا لذلك. سنأخذ الحقائب معنا. فهم ينتظروننا على مائدة العشاء.

حالما توقّفتْ سيّارة الأجرة التي تقلّنا، أمام المنزل المطلوب، فتح شيخٌ وقور الباب، وهو يقول بفرحٍ غامر:

ـ أنور، أهلاً وسهلاً. قلبي يحدّثني منذ الصباح بأنّك ستزورنا اليوم. وقد طلبتُ من أولادي وأزواجهم أن يأتوا هذه الليلة لتناول العشاء مع عمّهم أنور.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

.......................

ـ هذه القصة من مجموعة قصصية عنوانها " حياة سابقة" نُشرت عدّة مرات في الدار البيضاء، وبيروت، والقاهرة، ونجران.

 

 

قاسم محمد الساعديلابأس

أطارد جنّيات بِيض في الدار

واتصنع عدم رؤيتكِ حين تمرّين

فلا أحد باستطاعته أن يفسر كل شي

وأنت  أقسمْت ان لا تفشي

سرُّ النهرِ اللاّهث من العطشِ

و لَمْ  صرتَ سحابة تتبعُ قطار

**

من يمسك بالوجه الشبحي للظنون

حين تتصاعد غُيوم كثيرة من الثرثرة

وأتساءل،  كبحر يضع فمه على الارضِ

منذ متى صارت؟

كجنرالٍ محترفٍ

ووضعت قلبي  على مِنضَدة رمْل!!

**

لا صلة قربى  بإله الريح والمطر

أو  ابن عم إله الحب

لكن بزَهْو مراهق

قلتُ :

ستسِير مع جيوش النساءِ، ورائي !

بل قبل إن أَعَدَّ للعشرةِ !

ستكون بقايا أحمّر الشِفاه، على ياقة ألقميص

**

ظننت ان اسحب الحب من اطرافه

لكن !

الضائع في هذيانه

يظل معلقا" في هذا المدى

***

قاسم محمد مجيد

ذكرى لعيبيينفرطُ العمر

هنا..

هناك..

لا أدري أين

أجيء بسلّةِ الزمن

وألملمه وهناً،

 وهناً..

أنهكني ذنبكَ

أطوفُ به شطآن القلب

لعله يشقى بالتطهر

ودمعي سورة

تتنزل على شفتيك:

ألّا تنأَ

انزف وجعك

واستأصل جروحي

لنهنأ سويا

***

ذكرى لعيبي

عاطف الدرابسةقالت له:

حينَ أُصغي إلى صمتكَ

يهدرُ في صدركَ

أجهشُ بالبكاء ..

*

ليتَهم يا حبيبي يعلمونَ

تلكَ الأشياءَ

التي تقيمُ في صمتكَ

وتختبىءُ مثلَ الأطفالِ

وراءَ الكلمات

عالماً آخرَ ..

فيه كلُّ شيءٍ

إلا البَشر ..

صمتكَ كتابٌ من آلاف الأجزاء

كلُّ جزءٍ كونٌ قائمٌ بذاته ..

نصفُهُ بحرٌ

والنِّصفُ الآخرُ غابات ...

*

هناك ...

في أعماقِ البحرِ

تتصارعُ المعاني

أو تتصالحُ الكلماتُ والأشياء

*

وهناك ...

في كلِّ غابةٍ

مملكةٌ ودولةٌ وسُلطان

وفي مواسمِ الخِصبِ والولادة

تتكاثرُ المعاني

كأنَّها الخلايا

*

هناك ...

نحتاجُ إلى آلافِ فِرقِ البحثِ والتفتيش

فِرقٌ تغوصُ في أعماقِ البِحار

تبحثُ عن معانٍ

بلونِ السَّمك

بسلوكِ السَّمك

صفراء

أو حمراء

أو سوداءُ يخالطها البياض

أو معانٍ

لها ألف ألف ذراع

كأنها أخطبوطٌ عظيم

*

وهناك ..

معانٍ بحجمِ الحيتانِ الزرقاء

صوتُها واحدٌ

يبدأُ من أولِّ شطٍّ للبحر

وينتهي عندَ آخرِ العُمر ...

*

تنتشرُ المعاني في الغابات

كالجَراد ..

تنفصلُ عن الكلمات

فتموتُ في داخلي

كلُّ المعاني القديمة

وتحترقُ آخرُ الأعشاب ..

*

النَّارُ التي تسري في جسدي يا حبيبةُ

بارِدة ..

والرُّوحُ تغصُّ بالكلمات ..

أبحثُ عن الماء

في أقصى الوديان

كامرأةٍ حُكِمَ عليها بالنَّفي

فأعادت للمكانِ الحياة

*

لا تحفري عميقاً في صمتي

أخافُ أن تطلعَ لكِ الحقيقةُ كأفعى

ترقصُ على أنغامِ النَّاي

سألتُهم منذُ زمنٍ بعيد

عن الحقيقةِ الضائعة

بينَ رُكامِ الأزمنة

فأجابوني مُستَلقِين

انظر إلى السَّماء

فالحقيقةُ غامضةٌ غموضَ الشَّمسِ

في أوَّلِ النَّهار ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

صحيفة المثقف(بمناسبة تخرّج ابنتي "مرح"

من المرحلةِ الثّانويّة)

***

يَومٌ تأنّقَ فيه السّعْدُ والمرَحُ

                    نادى باسمِك ذاتَ السِّحْرِ يا "مَرَحُ"

رَفّتْ بِعَينك أسرابُ الهَنا وجَنى

                          قلبي ثِمارَ غِراسٍ زادَها الفرحُ

974 مرحيا خاتِمَ الكأسِ فيك الشّمْسُ مَشرقُها

                     سَنا الكواكبِ من عينيك قد نَضحُوا

يا حامِلَ المِسكِ دُوْنَ المِسكِ نافِجةٌ

                     فارْفِقْ بِحِمْلك واستغفِرْ لمَنْ مدحُوا

هٰذي أُخيّةُ ذاك النّجْمِ مَوقِعِهِ

                        سارَت وأترابَها لمّا الضِّيا لمَحُوا

طوبى لمَنْ رفعَت قاماتُهم أُمَمًا

                       ومَنْ بصيرتُهم حَدَّتْ وما جَمَحُوا

هذا فؤاديَ قُربانًا وما بلغَتْ

                        حدَّ الكريمِ بهذا النّفسُ يا "مرحُ"

***

شعر: عامر جنداوي

 

سردار محمد سعيدإلى لا أسميها

يبس الغصن الأخضر

صار أجرد

والوجه تخدد

جاء سياسي وغد من بعد أوغد

سرقوا شمس الله

ونورالقمر

وعبيرالزهر

وفيض جلال الخبز من فم يتيم

وأرامل صارت قبلتهن مزابل

القبور التي استقبلت العاهرات ترفضكم

وحاويات القمامة

ومجاري المياه القذرة

فبصقة بين حواجبكم

أيتها العقول الزاخرة

عفواً

احذفوا " زا " يستقيم الكلام

**

فقدت الإتجاهات،

وكدت أسقط من براق تاه في صدى الكلمات الفارغة .

أهديتني بوصلة،

دلتّني على قلاع الفكرالتي تتصاعد راياتها كل يوم .

لا أسميك، فالمتسكعين في الصحارى كثر.

وعقول تربّت في اصطبلات بلاد العرب أكثر.

يا من يبدأ إسمها بأحد حروف الهجاء،

تنوري مذ رحلت ما زال مسجوراً .

لن أرسل لك صورة أو أغنية أو خربشة،

ولن اطلب منك رقصة،

وأني إن تغاضيت النظرعن أشياء لا تصدق في فراشك،

فأنا أميزاللجة من الصرح الممرّد،

وأعرف العد .

والفرق بين الأربعين والسبعين

فاكشفي عن ساقيك إن شئت

أنا اعرف الكحل والمروَد

وأؤمن بأنك خُلقت من فجور وتقوى

وأعرف أن روما احترقت

وختَمَ قيصر اسمه أسفل البطن

أنت التي علّمتني :

لا يمكن فصل الرحيق عن الزهرة

وعلمتني :

كيف ألثم شفاهك ولا اشبع،

وكيف تتغلغل الأصابع في شعرك الليلي حتى ينبجس الفجر في عينيك

وكيف آكلك ولا تدرين،

واشربك،وتشربيني،

هشّمت كأساً كان لا يلذ إلا بالطواف على شفتينا.

ولا تفقد اللوحة رونقها إذافُصلت عن الإطار .

طبيعة المطر الإفتراق عن الغيم

اليوم نهر بلاضفاف

عكر الماء

كنت كالمزن صاف

كنت شراع سفينتي فمزقت الشراع

وأغرقت سلال الزيتون

وعناقيد الأمل

فاتخذ الحب طريقه في البحر سرباً .

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين براري القهر وسفوح الخيبة

 

سوف عبيدكأنّها الآن وهُنا

تتمثّل أمامه على الأريكةِ جالسةً

بهاءً على صفاءٍ

تتصفّحُ كتابًا

ثُمّ

هناك وقفتْ

عندَ خزانة الكُتب

قبل أن تُغادر اِلتفتت

اِبتسمتْ

فاِرتسمتْ بسمتُها على البلّور

رَفْرفاتٍ من ألقٍ

مِثلَ حَفيفِ أناملِها

لامَستْ أناملَه

فسَرَتْ جداولُ من نُور

ما تزالُ رعشتُها في أصابعه تسْري

ليته أمسك بيديها

وقرأ في كفّيها ما مَضى

وماهُو آتٍ

ليتهُ زاوج يديه

معَ يديها

على إيقاع سِنْفُونيّةِ الضّياء

تعزفُها شمسُ الضّحى ظلالا على الجِدار

ورَقةٌ بيضاءُ هُو الجدار

كتبَ عليه ما كتب

وقرأ ما قرأ

ثم أغلقَ الباب

وَخَرج

***

سُوف عبيد

 

 

محمد علي جنيدييا مالكَ الكونِ الفسيحِ ومن بهِ

                  لا حولَ لي والدمعُ يغرقُ مقلتي

هذي حياتي قد مضتْ أيامُها

                   وضعفتُ ضعفاً قد أحاط بقوتي

ونظرتُ حولي لم أجدْ إلا الرجا

                 فطرقتُ بابَك واحتميتُ بسجدتي

كلُّ الملاجئِ أوصدتْ أبوابَها

                      إلا ملاذَك أنت يؤنسُ دمعتي

أشكو إليك وللضعيفِ ضَراعةٌ

                  يدعوك يا رحمنُ خذ بضراعتي

ولئن ظُلِمْتُ قصدتُ بابَك ساهرا

                     أدعو إليك فتستجيبُ لدعوتي

أنتم رجائي في الصِّعابِ ومن لها

                       إلاك أنتم حين تعجزُ حيلتي

***

محمد محمد علي جنيدي - مصر

 

يحيى السماويأغـلـقـتُ بـابـي واكـتــفــيــتُ بــمـا  بـيْ

مـن عُــســـرِ أفــراحٍ ويُـــســـرِ عــذابِ

 

ورضـيـتُ مـن قَـدَري بـمِــديـةِ حـتــمِـهِ

وقــنـعــتُ مـن نـهـري بـكـأسِ سَــرابِ

 

حـطَّـمـتُ قـيـثـاري وجُــرَّةَ خــمـرتـي

وأتــيــتُ إعــصــاراً عــلــى أكــوابـي

 

لـم تــبـقَ لـيْ إلآ الـحـثـالــةُ مـن غــدي

وذبـالــةٌ  مـن ضــوءِ شـمـسِ شــبـابـي

 

أمـسـيـتُ لا عـشـبى يُـضـاحِـكُ مـقـلـتـي

بـدءَ الـربــيــعِ ولا الـخــريــفُ يُـحـابـي

 

بَـطَـري على الـنـبـعِ الـكـريـمِ أضـاعـنـي

أفـــيــاءَ بُــســـتــانـي وجُــودَ سَـــحــابـي

 

لــو كـنـتُ ذا لُــبٍّ عــقــلــتُ غــرائــزي

وأنَــبْــتُ عــن ظــنـي يَــقــيــنَ لُــبــابـي

 

مــا جـارحـي إلآيَ فـي حــربـي عــلـى

سِــلـمـي وأمـنِ مَــفــاوزي وهِــضــابـي

 

مَــنْ ذا ألــومُ ؟ وأيَّ نـفــسٍ أشــتــكــي ؟

ظُــفــري الــذي جَـرحَ الــفــؤادَ ونـابـي

 

" قـومـي هـمـو قـتـلوا أمـيـمَ " تـعـسُّــفـاً  (*)

وأنــا  الــبــريءُ  قــتــلـتُـنـي بـحِــرابـي

***

مَــنْ لـيْ لِــعُــرْيِ مـواجـعـي  بِــثـــيــابِ

تُـخــفــي جِـراحَ الــروحِ عـن أحــبــابـي

 

أبـكـاهُـمـو صـمــتـي فـكـيـف إذا أشــتـكــتْ

مُــقــلـي وشــاكــسَ جــفـــنُــهــا أهــدابــــي

 

آخَــيْــتُ بـيـن الــجــرحِ والـســكِّــيــنِ فـي

صَــدري .. وبــيــن تــزَهُّــدي ورغــابــي

 

طَـبَّـبْـتُ بــالـصـبــرِ الأســى فـأضَــرَّنـي

صـبـري وضاعـفَ عِـلَّـتـي اسـتـطـبـابـي

 

أمضَيتُ نـصفَ العـمـرِ مغـتـربَ الخـطى

طـاوي الــدروبِ ولــيـس مـن أصــحـابِ

 

ورَغِــبــتُ لا بَــطَـراً عــن الـجـاهِ الــذي

يـسـعـى الــصـغــارُ إلــيــهِ سَــعـيَ ذئـابِ

 

لــكـنْ مـخـافــةَ أنْ تُــعــابَ بـهِ ابــنــتـي

لـــو عــادَ يــومــاً لــلـــتـــرابِ تــرابــي

 

أبــدَلــتُ بـالــيــاقـوتِ صَــلــدَ حـجـارةٍ

والــشــوكَ والــحــلــفــاءَ بــالأعــنــابِ

 

وقـــديـــدَ زقُّـــومٍ  بــخـــبـــزِ مَـــسَـــرَّةٍ

وزُعــافَ صـهــبــاءٍ بــشَــهــدِ رضــابِ

 

يـا جـاحِـداً فـضــلَ الـحــبـيــبــةِ يــا أنــا

أزِفَ الـــوداعُ وحــانَ يـــومُ حِـــســـابِ

 

عَــذَّرْتـهــا وأنـا الــمُــسـيءُ فــأعْــذَرَت (**)

بــأرقَّ مــن وردٍ وطــيـــبِ خِـــضــابِ

 

أمِـنَـتْ عـقـابَ الــيـومِ نـفـسـي لـيــتـهــا

حَـسِـبـتْ حـسـابَ غـدٍ وصـعـبَ عِـقـابِ

***

مـا  بـيْ أحَـدِّقُ فـي الـمـرايـا ؟ مـا  بـيْ ؟

لـمْ يَـبـقَ مـن حـقـلـي ســوى أحـطــابــي

 

قِــدِّيـــســة  الــلـــذَاتِ لا تـــتـــرفَّـــقــي

بــالـمُــسـتـجـيـرِ وإنْ بِــقَــصْــدِ ثــوابِ

 

كـــلٌّ ومـا غــرسَــتْ يــداهُ فــحــاصِــدٌ

أصــنــافَ أعـــنــابٍ وشــوكَ عـــقــابِ

 

كـثـرتْ خـطـيـئـاتـي وأغــوانـي بــهـــا

عـفـو الـحـبـيـبِ فـيـا لِـســوءِ حِـســابـي

 

تَـعِـبَ الـغـنـاءُ مـن الـمُـغـنـي واشــتـكـى

مـن حِــبــرهِ ومـن الـحــروفِ كــتــابـي

 

جَـفَّ الـصـداحُ عـلى فـمي وتـهـشَّـمــتْ

مــرآةُ أحــلامـي بــصــخــرِ عِـــتــابـي

 

عـاتـبـتُ قـلـبـي واشــتـكـيـتُ لــهُ الــذي

مـــا بـــيــنــنــا مــن جـــفـــوةٍ وخــرابِ

 

فـأشـاحَ عــنـي نــبـضَــهُ مُــســتــنـكِــراً

جَــزعـي ومــا أشــكــوهُ مـن أحــبـابـي

 

مـادمـتُ سـادنَـهــا وحـارسَ خِــدرِهــا

فـالـبـدرُ بـيـتـي والــنـجــومُ صَـحـابـي

 

أعـلــنــتُ عـصـيـانـي عـلـيَّ أصــدُّنـي

عــن خــبــزِ لــذَاتٍ وعــذبِ شــــرابِ

 

أرفـو بـخـيـِطِ الـصـبـرِ ثـوبَ صَبـابـتـي

وأعــوذُ مـن حَــطــبــي بــعُــودِ ثـــقــابِ

 

مُـســتـنـفـرَ الـعـيـنـيـنِ أبـحـثُ تـائــهـــاً

عـن خـيـطٍ ضـوءٍ في قـمـيـصِ شـهــابِ

 

لـو كـان طـوعَ يـدي الـشـراعُ نـشــرتُــهُ

طــمـــعـــاً الــى أهـــلــي بـــيــومِ إيــابِ

 

أشــكــو وأعـلــمُ أنــهــا شــكــوىً بــلا

قـــاضٍ .. وأســـــئــلـــةٌ بــدون جــوابِ

 

أســـتـعــطــفُ الأيــامَ خــلــوةَ لـــيـــلــةٍ

تُـجـلـي بــهــا شــمــسُ الـوئـامِ ضَـبـابـي

 

نــدمـي مــريـرٌ لــو عـلــمــتِ أمَــرُّ فــي

قــلــبـي وروحـي مـن مُــضـاغِ الـصَّـابِ  (***)

 

وجَـعـي جــوابُ الـلاســؤالِ .. وعِــلَّــتـي

كــمــواجـعــي : مـجــهــولــةُ الأســبــابِ

***

يحيى السماوي

السماوة في 14/6/2019

......................................

(*) المحصور بين مزدوجين من بيت الحارث بن وعلة :

قومي هـمو قـتلوا أميم أخي

فإذا رميتُ يُصيبني سهمي

(**) عذَرتها ـ بتضعيف الذال: جعلتُ العذر عليها صعبا (والبيت إشارة الى حِلم الحبيبة)

(***) الصاب: نبت عصارته شديدة المرارة  إذا وقعت على العين أصابتها بالعمى .

 

ريكان ابراهيمتحياتي. أَأَعجبك احتراقي

                  دمٌ دمعي وأوردتي سواقي

وكيف الصبرُ عنكِ بلا تلاقي

                     فانتِ مثيرةٌ وأنا عراقِي

***

خطرتِ فصرتُ أسرحُ في شُرودي

                وئيدَ الخَطْوِ، شاحبةً خدودي

وقالوا عنكِ: من أصلٍ يهودي

                    وأهلُكِ لا يُحبّونَ العراقي

***

نسيتُ فخامتي وهوى بنائي

                  وصرتُ أراكِ سيدةَ النساءِ

وغادرني الحياءُ وكبريائي

                    كأنّي لم أكنْ يوماً عراقي

***

هيامي فيكِ لقّنَني دروسا

                    وألبسني الكآبةَ والعُبوسا

أحقُّ أنتِ من أبناء موسى

                  وهل يدري بحبِّكِ للعراقي

***

هوانا يا ابنةَ التوراةِ دينُ

                   ودينُ الحُبِّ إنصافُ ولينُ

أنا باقٍ على حُبّي أمينُ

                   وتلكّ سجيةُ الفردِ العراقي

***

لقد أحببتُ فيكِ الأريحيّةْ

                       فأنستني بأنكِ مُوسويّة

وأصبحَ حُبُّك الطاغي قضيّةْ

                    وكلُّ قضيّتي أنّي عراقي

***

أنا فوق الخِلافِ والاختلافِ

              فراشي الحُبُّ والنجوى لِحافي

وأنتِ حبيبتي رمزُ التصافي

              وصافي العيش أُمنيةُ العراقي

***

جدودكِ يا فتاتي فَرّقونا

                   وباسم الدينِ ظُلْماً مزّقونا

فقولي للّذينَ استنكرونا

                   لقد أحببتُ يا أهلي عراقي

***

منِ الأرقى، هوانا أم يهوذا؟

              طبولُ الحربِ أم أخلاقُ بوذا؟

أليس الحُبُّ تاريخاً لذيذا

            لمن عشقوا كما عَشِقَ العراقي؟

***

فتاتي. إنَّ هذا الحُبَّ أرقى

                   وأعتى من مدافِعِهم وأبقى

بهِ سنُلقِّنُ الأجيال صِدقا

                   يهوديَّ الهوى بدمٍ عراقي

***

فتاتي. إننا عرَبٌ ضِعافُ

                      نسينا رَبّنَا فبدا الخِلافُ

وصرنا دونما سببٍ نخافُ

                 من اليمنِ السعيدإلى العراقِ

***

فتاتي، واسمُها الرسميُّ سارةْ،

             تضيقُ بوَصْفِ طلعتِها العبارةْ

أحبّتني وكرّرتِ الزيارةْ

            وحُبُّ الضيفِ من شيَمِ العراقي

***

أحبّتني فخاصَمها اليهودُ

              وخاصمني من الأهلِ الحَسُود

فمَنْ أرقى: مُحِبُّ أم حَقودُ

            وهل كفَرتْ إذا عشِقتْ عراقي؟

أدينُكِ يمنعُ الحُبَّ الحلالا؟

                   فديني لا يرى هذا ضلالا

ونحنُ، كما أرادَ لنا تعالى،

                    فتاةٌ والذي تَهوى عراقي

***

أنا وحبيبتي أحلى هديّةْ

                     لمن جعلوا مَحبّتنَا قضيّةْ

ألم يتزوّجِ الهادي صفيّة

             فكيف يُلامُ في الحُبِّ العراقي؟

***

رجالُكِ امعنوا كُرْهاً وسبّوا

             وما احترموا الذي يرضاهُ ربُّ

فـ (شعبٌ وحدَهُ المختارُ) كذِبُ

                    فقولي مثلما قالَ العراقي

***

كأنَّ الناسَ غيرَهمُ عبيدُ

                  فهم بيضٌ وكلُّ الناسِ سُودُ

فقومي علّميهم أن يقودوا

                 غرورَهمُ كما ذكرَ العراقي

***

فتاتي لستُ بالرجلِ المُراهِق

                  ولم أكُ في حياتي بالمنافِقْ

أُحِبُّكِ حُبَّ ذي خُلُق وصادقْ

                       لأنك حُلْوةٌ وأنا عراقي

***

أُحِبُّ القُدسَ حُبَّكِ أورشليما

                    كِلانا عاشقُ مجداً عظيما

ولن يُلغي الجديدُ بنا القديما:

                فقد عاشَ اليهودُ مع العراقي

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

وليد جاسم الزبيديبينَ الحياةِ وبينَ الموتِ أسماءُ..

               فاختَرْ لنفسِكَ ممّا شئتَ أوْ شاؤوا..

وآختَرْ طريقَكَ لا ماقيلَ في عسَفٍ

                        إنّا خُلقْنا وسُيّرْنا بنا الدّاءُ..

واحملْ صليبَكَ مُذْ تختارُ ألويةً

                     شدّتْ يديكَ مع الأفكارِ آراءُ..

واحملْ مع الفكرِ أصداءً لملحمةٍ

                       قدْ علّمتْنا بأنّ الدهرَ أهواءُ..

إنّا رضعْنا مع الآلامِ تضحيةً

                حتّى عرفْنا بأنّ الحرفَ أضواءُ..

حتّى عرفْنا بأنّ الفَقْرَ مهلكةٌ

                      حتّى فهمنا بأنّ الدّاءَ أدواءُ..

لمّا رسمْنا خُطانا قيدَ مُقتحَمٍ

                     فيهِ استعنا بما هالتْكَ شحناءُ..

لمَا خطوْنا لنبني مجدَ مُعتَقَدٍ

               لا، لنْ نشُحَّ فبعضُ الشُّحِّ ضغناءُ..

منكُمْ تعلّمتُ حبّ الحرفِ في هَوَسٍ

            حُبُّ الجمالِ وما في الروحِ أصداءُ..

الفاتناتُ إلهُ الشّعْرِ مُلهمُهُ

                       فيهُنّ سبّحَ عرفانٌ وإغواءُ..

الحُبُّ كانتْ وما زالتْ مدارسُهُ

             في كلّ حرفٍ من المنشورِ إمضاءُ..

منكُمْ نهلنا بأن نحيا لموطنِنا

              لا اللّصُّ منّا ولا في الجيبِ إثراءُ..

جئنا نؤبّنُ شيخاً عارفاً قدراً

                   كانَ المُفوّهَ يجري خلفهُ الماءُ..

في كلّ حفلٍ نبا صوتاً يُحفّزُنا

                 يقري الضيوفَ ولا يثنيهِ إعياءُ..

في كلّ درسٍ وللتاريخِ محنتُهُ

                 في كلّ غرسٍ شدا زهرٌ وأبناءُ..

في كلّ سجنٍ علا تذكارُ مُعتركٍ

                      تَبلى السّنونُ وللتّذكارِ أفياءُ..

قدْ كانَ صبْراً وصخراً وانبعاثَ شذىً

                    قدْ كانَ أمناً إذا أغشتْهُ هيجاءُ..

إنّا اليكَ سنُحيي الذّكرَ مفخرةً

                  نمْ هانئاً فحروفُ الحقِّ بيضاءُ..

***

وليد جاسم الزبيدي/ العراق.

 

جابر السودانيحين اقتحمتُ

أسوارَها المنيعةَ

لم تكن راضيةْ.

لكنها لم تردُ راياتَ

عشقي الوافدةَ إلى

عالمِها المسكونِ

بالوداعةِ

بل أشرعتْ أبوابَها

جميعا

لخطوي الجريء

وظـلتْ هادئـةً تنتظـر.

***

جابر السوداني

 

فتحي مهذبلأن أصابعي مغرورقة بالدموع..

لأن دمي يتدفق في شرايين

الكلمات..

والريح مثل قلب يدق أمام مومياء

تسحب باخرة بأسنانها الصدئة..

لأن في مرآتي الحائطية

ضجيج أسرى من العصر الوسيط..

زعيق طاووس ..

يدعو مخيلتي الى جناز كوني..

قرقعة عربة تحمل كهنة

مدججين ببنادق صيد..

صخب موسيقيين

هاربين من زلزال يتظاهر

أمام دار الأوبرا..

لأن العالم فخ أبدي

والبشر عصافير طائشة..

لأن النهار مهرج خطير..

لأن السماء شقيقة الأرض

لذلك حين تنتشر المجاعة والحروب..

تبكي في الشتاء مثل أرملة..

لأن أيامك الهاربة

تقفز مثل كنغر

في غابة موحلة..

مدججة بالكبريت والهواجس..

يطاردها هنود حمر

بمناطيد غزاة..

سيتكسر زجاج ذكرياتك

على حجر الزقورات

ويندلق دم المعنى .

**

لأنك تحب زئير الشرفات..

وتشذيب نتوءات النساء

بمنجل..

وتبديد عطور الروح

في حفل وثني..

واعتقال متصوف

يطير بدراجة هوائية

فوق رؤوس الأشجار..

ستداهمك عاصفة كلمات

وتدمر كل رعاياك السريين.

**

لأن عينيك مهددتان

بغيمة خفاش..

وصوتك منذور للنسيان..

وحمامتك تتخبط

أسفل شجرات النص..

ملطخة بتبر الندم..

ومرآتك تختزن حطابا متواطئا

ضد غصون كتفيك المتلعثمتين..

سينطفئ عباد الشمس

في نبرتك الحزينة..

ويسامرك نيزك

مقطوع الذيل .

**

لأنك جثة قادمة على مهل

تتحسس قاع الهاوية..

حيث يتغنى أهل الكهف..

وتدور عليهم ثعابين مهذبة

بكؤوس من فخار الموتى..

سيرشقك جباة ضرائب

بفواكه متعطنة..

تنساب دموع الكلب الرابض

بالوصيد..

لتضيئ مخيلة الراعي..

ويكون لشقشقة مفاتيح الروح

ايقاع كروان في الأسر .

**

لأنك رخ  في الليل..

ومجرد دخان عابر

في النهار..

لأنك رسول أنيق

يهيب بخفافيش محنطة

الى شن مظاهرة

في برج النار..

ستبايعك تماثيل معارضة

اختلسوا رواتبها

في حرب قذرة .

**

لأنك مهجوس بعطارد..

عيناك لا تنطفئان في غلواء

العتمة..

روحك الشاهقة جدا..

تهاتف فلكيين..

يبكون جوار كوكب رأسك..

لذلك ستحط بلابل ملونة على كتفيك..

وتنكسر جرار الأسرار .

**

لأن الموت قناص ماهر..

لأن الديانات مثل فواكه جافة..

لأن الله يسكن مثل تينة متعفنة في حديقة رأسي..

لأن الجسد لص متحيل..

تلاحقه ديدان الأرض..

والشيطان يتمدد في الكلمات..

لأن العالم انجاز سيئ..

ومنحدر صخري

مكتظ بالأضداد..

لأن العدد وحشة..

والغابة أنس ..

سأفر الى شجرة ..

مثلي تعاني  من وطء السهو وكوابيس النوم..

ولاجدوى الأشياء

وتموت ببطء .

**

لأني اكتشفت عورة السماء..

رسلا يصطادون في نهر اللامعنى

ملائكة تستمني في مرحاض عمومي..

سريالية أشياء العالم..

لأني اكتشفت كرسي الله الشاغر..

حيل الأنبياء في مناماتي المكرورة

سرديات البابا المشبعة بروح الشعر

وايقاع البراقماتيزم..

هشاشة تفاحة آدم القذرة..

جحيم المتصوفة الليلي..

قبح بومة الجسد..

**

لأن مخيلتي سمكة نادرة

في فم ثعلب الميتافيزيق..

لأن الماضي جبانة

والحاضر أكذوبة كبرى

والمستقبل دلو مثقوب

لأن صوتك دراجة الكلمات الملعونة

لأن بابك مليئ بزعيق الغابة..

سريرك متخم بياقوت النساء..

لأن يديك جناحان عمياوان..

رأسك علة هذا البؤس اليومي..

قطار يهرب في الليل

الى براري الغيبيات..

رأسك جريمة كبرى..

**

لأن البشر قذرون

جديرون ببركات طائرة حربية..

بزيارة زلزال متوحش..

يلتهم قمح هواجسهم ..

جديرون بابادة جماعية في أقاصي النوم..

جديرون بهدايا فاخرة جدا

مثل حريق هائل في قش اليوطوبيا..

**

لأني مسافر ضرير ..

حقيبتي صخرة سيزيف  وأطفالي لم يولدوا بعد..

ظلي يبكي بجواري مثل أرملة..

ذاهب الى هاويتي ..

بدمعتين من الماس وصلاة هشة

وحصتي من المتناقضات لا تحصى..

لأني سأرتكب نسيانا بريش أسود..

صمتا بألف شاهدة..

تاركا خلفي أسمال اسم عدمي..

**

لأن المرأة ذئبة شريرة

تخطط لاختلاس طيور الرجل

لاشباع وحش غريزتها

وحش الموت الرابض في المرتفعات السرية..

لأن الحب غلطة كبرى

الجنس جريمة عبثية..

لأن باب الحقيقة مغلق

محاط بأليغوريات اللامعنى

قررت اهداء رأسي

لمشنقة الماريخوانا .

***

فتحي مهذب

 

سجال الركابيكم أضناني انتظار ربيع ٍ رسمناه

محونا ما أسلف من أسمال

أغدقتكَ قبلات نور

تراقصَتْ عيناكَ حبوراً

لاعبتُ انكساراتكَ

فتوثّبتَ طفلَ فَرَح

فرشتَ زهوكَ مروحة ملوّنة

فما عثّرَ نبعكَ ...!

لا ملاذاً أحطتني

لا هدهدتَ مساكب حيرتي

ولا

زرعتَ على عتبتي وردة

أتراه  حلما مستحيلاً!

أنا التي ...لأجلك

حاربتُ الغول والعنقاء

لَكَ  كنتُ دوماً...

نِعمَ  الوجد الوفي

وأنتَ...!

تُطفيء سجائر بطركَ

في شغاف قلبي السموح

ثمّ ندماناً تعود

تُعبيء  الأسفَ  في قارورة منتقاة

هلٰا كفكفتَ أهازيج سقوف زجاجيّة

يشِجُّ كبرياءً أُخفيهِ

تحت انسدال توقي الشغوف

لستُ فراغاً تملؤه بكلمة غير مناسبة

ولا ميّتةً في انتظار رثاء

فأنا  سامقة بلا حدود

بريّة  روحي كعطر المروج

فلِمَ  قيد رغباتكَ أنتظر...؟!

***

سجال الركابي

قصي الشيخ عسكربدا محل التسجيلات غريبا عنه كأنه لم يعاشره عقدا من الزمان أو أكثر .. لقد أّلِفتَ الرحيل من قبل وأدركت بكلّ حواسِّك أنه يجعلنا غرباء عما ألفناه خلال سنين طويلة فيتلاشى كل شيء في ساعات بل لحظات، ومازلتَ تنتظر وصول صاحبك الذي ترآى له أن يربح وقتا داهمه من دونما أية علامة، فهو الآن يهمّ أن ينسى أنه نادر.ليكن بضعة أيام أكرم أو جودة.. يريد أن يصفي ما بقي له.. نادر.. أكرم إلى حين.. ثم يعود إلى نادر.. تحول لا بدّ منه لتنال حياة أخرى أشبه بجنة تدفع عنك القلق.. باع بعض الاشرطة بسعر منخفض.. وكدس ماتبقى في المخزن والأرفف والواجهة بشكل عبثي، ولاح حي السيدة كله غريبا عنه حتى توهّجُ الضريح عند المساء وقدوم الزوار أضحيا من الأشياء المألوفة التي مرت به ذات يوم .. مشاهد قد يراها كل سنة مرة مثلما تفعل أنت وقد لايراها ثانية أبدا ..

 كنت تتصل به أكثر من مرة في الأسبوع تستحثه على المجيء بحجة البضاعة.. وربما كان حديثك قبل أيام مع ابتسام حول إقبال، وازعا له للتأمل..

يراوده شيء ما.

يروّض نفسه على أن يحمل اسماآخر أما اشتهاؤه فلم يتغير.

لا يقدر أن يتناساه لى حين.

لا يخفي أنه يشتهي ابتسام.يعريها عندما يأوي إلى الفراش.يداعب حلمة نهديها بشفتيه.يدغدغ لسانها بلسانه حتى استفاق على اتجاه آخر كاد ينجرف له.كان يضع كفه على جبينه يغمض عينيه لحظة.. قد يكون ذهب بعيدا في حديثه مع ابتسام ولم يزجر خياله البعيد الذي يراوده في الليل وحين يستفيق يجد ما رآهمدعاة للغثيان.

يدرك تماما أنك يمكن أن تتخلّى عن كلّ ثروتك وتنزل عن كلّ شيء لرجل وهبكالحياة دون أن يعرف من أنت، ولم يكن يهمّه أن تكون بريئا أم مجرما، المهم أنه حقق نزوة الهرب فيك فهل تزل له لوسألك عن ابتسام.. دقائق.. نصف ساعة.. ساعة.. بضعةأيام.. قد يجتمعان وحدهما فلا يحدث بينهما ما يدورفي خيالك ليكتشف أنه يعريها في ساعات النوم لا اليقظة ولن يطلبها منك طول الدهر.. لاقتنعتببراءته؟

إنه يلومك أنت!

امرأة ليست سهلة.. تبدو متحررة فكيف قبلت بها.. أنت لست متزمتا وزيارتك للضريح تعدها واجبا. لكن الغريب في الأمر أن طريقة ابتسام مغرية وجذابة.. لاستار بينها وبين الآخرين.. هكذا يخيل إليه امرأة جريئة..

لم يتردد..

ضغط على يدها في حركة مفتعلة.. فحدثته بجرأة عن الزواج واختارت له ابنة عمّتها.. المرأة المشتهاة تشتهي له امرأة أخرى.. والحي المألوف يبدو له غريبا بكل شوارعه ومحاله وضريحه الذي يلجأ إليه وإن كان لايؤمن به.

فهل تغير العالم كله بعد لقائكما الأخير؟

 وهاهو يستفيق من ذهوله.. يمارس اسمهالجديد.فيرفع سماعة الهاتف ويدير القرص.. المرأة المشتهاة يأتي صوتها الحلو العسلي اللذيذ:

ألو . من نادر.. أهلا أخي نادر كيف أنت؟.

بخير.. أنا نادر واسمي الدلع اسمي الثاني أكرم اسألي شاكر عنه هل أجلب لكم بعض الكاسيتات فقد بدأت أصفي المحل.

آه فهمت !!معذرة سأخرج لشغل مهم أعتذر هذه المرة .. انتظر لحظة.اسمع يا أكرم ستأتي إقبال إلى المحل لتبتاع بعض الأشرطة !

مرحبا بها في أي وقت!

 هكذا إذن.. اعتذرت ابتسام حجةشغل طاريء.. إقبال تأتي وحدها، وفي باله ألا يتركها طول اليوم في المحل أو يخرجان إلى مكان ما.. امرأة تريد أن تنتظره عاما أو أكثر وهو في دائرة من فراغ.هناك امرأة تحرك هواجسه.. تدفعه لامرأةأخرى.. معادلة يجد نفسه الرقم الضائع فيها.. ظلّ ينتظر بلهفة.. تشتت ذهنه بين بعض الزبائن، وراود آخرين فضول فلم يفصح عن رحليه.. تعلل لزبون أنه يرغب أن يفتح محلا آخر.. مطعما في مكان بأطراف المدينة.. وادعى أمام زبونةترغب في الأغاني الشعبية أنه يفكر بمشروع يخص الاستيراد والتصدير.. وبعد أقل من ساعة وصلت إقبال فنهض مرحبا وبسط كرسيا لها فجلست، وعيناها تحومان على الجدران التي امتلأت بصور متباينة:

الله!هذا هو المحل !

نعم كما ترين صفيت بعض البضاعة بعد أن بعته وسأتركه نهاية الشهر!

الله يعوضك بأحسن منه!

 استأذن وخرج ثم عاد يحمل قنينتي عصير، وجلس قبالتها، فصمت لحظة وقال:

أنا أشكر أم زينة لأنها عرفتني بآنسة رائعة مثلك!

فقالت وهي تغض الطرف:

شكرا هذا من ذوقك!

هل تصدقين أني عرفتها منذ أيام فكأننا نعرف بعضنا منذ سنوات.

فرفعتْ إليه رأسها قائلة:

هذه طبيعة ابتسام إنسانة بريئة إلى أبعد حد متحررة ترفع الستار بينها والآخرين حتى يظن بعض ضعاف النفوس أنها فريسة سهلة لكنها أخت رجال .. .

تحذير أم ماذا؟هل تقول ذلك لتجعله يحجم قليلا عن أية مغامرة على الرغم من أنه لا يتردد، فقاطعها بضحكة خافتة:

حلوة هذه العبارة أخت رجال.

ازدادت ابتسامتها اتساعا وأردفت:

إنها تصرف النظر عن أي سوء تصرف من أي شخص مرة أو مرتين فتحمله محمل حسن الظن ثم تواجهه بعنف !

يبدو أنك تعرفين عنها الكثير: بحكم القرابة.

إنها ليست قريبتي فقط بل أختي وصديقتي!

فقال بعد تردد:

هل تزوجت شاكرعن حب؟

لا خطبة عادية لكنها تحبه بجنون وتعدّه الرجل المثال !

فهز رأسه وتطلع فيها متأملا كل كلمة بل كل حرف، فيتحقق من أن جموحه لا حدود له مثل الهرب الأول الذي منحك إياه من دون أن يفكر بالعواقب غير أنه بات مزهوا بذلك إلى أن حدث لقاؤكما، والحقّ أنهرآك شجاعا منذ أن وجدك تقع في براثن الموت فلم يسمع منك سوى تسبيحة مبهمة.. كان يبحث عن كلمة مناسبة فسبقته:

هي التي عرضت عليه فكرة أن يدعو معارفه إلى المطاعم والنوادي بدلا من البيت لأن بعضهم حين رآها بهذه الأريحية ظنها سهلة المنال.

أنت امرأة بسيطة لست ساذجة لكنك لاتعرفين اللف والدوران مثل نادية صورة أخرى من نادية التي لا عيب فيها سوى الذهول والشرود غير أنك أكثر ذكاء حكيت لي عن كل شيء ولم تحكي لي عن نفسي، فقال بشغف:

وما هو رأيها فيّ؟

تكن لك كل احترام مادامت قد رأت حفاوة شاكر فيك والصورة التي رسمها لك قبل أن يلتقيك بزمن بعيد.

في عينيها شيء ما لاتقدر أن تقوله..

الحياء..

الاعتزاز بالنفس.

صورة رائقة راقية لا أثر فيها لخدوش فرشاة الزيت رسمها لك شاكر، فشعت بعيني إقبال لكنكش لم تقولي إنها استدعتك لتطرح عليك فكرة الزواج التي لا بدّ أن تكون تلقتها من شاكر الذي يريد أن يحتفظ بك كما يحفظ نفسه هكذا رتبت اللقاء .. فكم أنت محظوظ يانادر.

شاكر يستحق كل خير ولابد أن الحظّ حالفه باقترانه من ابتسام!

صحيح هل تذكر لي كيف أنقذت حياته!

ستعرفين ذلك يوما ما أم ترينه اللقاء الأخير، وقال يغير مجرى الحديث:

هذه الرفوف كانت ممتلئة.وهذا الباب يفضي إلى المخزن وفي المخزن باب خلفي يوصلني إلى شقتي المتواضعة.. .مارأيك بالمحل!

لا بأس المهم أن الشغل في حال جيد.

ياستي .كل شيء ينتهي هذا الشهر " ونهض وهو يأخذ بيدها" يمكنك أن تري أي شيء يعجبك في المخزن.لاتترددي، فما لايباع يمكن أن أتركه في مكانه!

تبعته إلى الداخل، وتلمست يده الزر قرب الباب فتشتت بعض ظلام يخيّم على المخزن وانصهر ضوء المصباح بالنور القادم من البوابة المطلة على الطريق العام:

قولي أية أفلام ترغبين فيها!

أحب المسرحيات الكوميدية، والأفلام الساخرة.لا أرغب في الحزن لا الأشرطة ولا الأغاني الحزينة عادل إمام.. اسماعيل ياسين، أحمد بدير.صباح ماجدةالرومي، فيروز عصام رجي.

وقريبتك"كاد لسانه يسبقه فيقول ابتسام" أم زينة؟

مثلي تماما!

لا يشك قط.هو صاحبه الذي دفعه إلى هرب افترقا بعده فتدفعه أنت من جديد الآن إلى آخر تلتقيان بعده مثلك تماما يجمع الحزن والفرح.لا يرغب أن يجلس ساعة ينصت إلى أغنية حزينة ولعلك اخترت ابتسام على الرغم من فارق السن لانها تتشدق بالفرح وحده، وقد عدت بعد لقائك بمروان لتقترح على ابتسام أن تدعو إقبال. إقبال بفرحها الدائم وحيويتها أدركتْ أنك عثرت على سر فرارك وانتبهت إلى أنك تعيش معه وإن كنت بعيدا عنه.. حتى بدأت تخشى – إن لم تعثر عليه- أنك تصبح قيدا لاتستطيع منه فكاكا، ولا يشك أيضا أن ابتسام ستستدعيه وحده إلى البيت فتتصل بك عبر الهاتف كي تحدثه عن إقبال:

وماذا عن شاكر أتعرفين ماذا يحب؟

فأطلقت ضحكة خافتة أقرب منها إلى الابتسامة:

 الأفلام القديمة أبيض وأسود!

 أبيض وأسود..

 أيام الصبا.. البراءة.. العصر الذهبي سمه ماشئت فهناك أناس يعيشون الفرح وحده، وآخرون الحزن وحده، وأنت وصاحبك تعيشان الفرح والحزن معامهما يكن فهو يدرك تماما أن عالم الأبيض والأسود بدأ يتشظى .. يلاشى.. يذوب ويفقد بريقه.. موضة قديمة.. كانت تقلب أشرطة وكاسيتات حين قال فجأة:

أتعرفين .. أقول رأيي فيك.. . إنك حلوة جدا.

فأطرقت خجلة إلى الأرض، ولاحظ أن ارتباكها سرى إلى رعشة في أناملها، فالتقط بإبهامه وسبابته حنكها وأكد:

بجد أنت حلوة

شكرا "كررت بحياء" هذا من ذوقك!

"وأضاف"لكن لماذا أنت حلوة؟

حاولت حرف عينيها عن عينيه المتوهجتين إلى مشهد ما على الحائط.. صورة الفس برسلي.. شارلي شابلن.. صورة قديمة لليلى مراد.. لكنه ثبت عينيه بعينيها لحظات ثم هوى بشفتيه على شفتيها، قبلة طويلة.ترددت خلالها أنفاسه وضمها إلى صدره غير أنها على الرغم من استسلامها له انتبهت فدفعت صدره برفق بيديها، وقالت بصوت خافت:

دع هذا لموعده أرجوك.

 ومرقت كغزالة شاردة نحو مدخل المحل فجلست وهي تلهث. على أقرب كرسي وعيناها تروغان نحو الأرض تارة وحينا باتجاه الحائط، أو مصراع الباب المطل على الرصيف ثم عاد وهو يقول:

أنا آسف لم يكن قصدي أن أسيء إليك!

 كان هناك مَنْ وَضَعَهُنَّ في المشهد ذاته مع ذلك فهي لم تأت من أجل أن تتبضع.. قد يكون تسرع، مثلما تسرع مع ابتسام حين هصر يدها فاكتشف أنها امرأة أخرى لايدل تحررها المفرط على جموحها.. .خطؤه الوحيد أنه يصبر طويلا. ثم ينقض مثلما حدث له يوم دلك على الهرب.. وانطلق إلى المكان نفسه عن طريق آخر غير طريقك.محارب قدير متمرس يعايش تمرينا صعبا سنوات ليخوض معركة قد تستمر بضع ساعات، فهل تغير تلك القبلة كل الأحلام التي رسمها بعد لقائك الثاني به :

آسف لم يكن قصدي!

استعادت ثقتها بنفسها وقالت كأن شيئا لم يحدث:

لا أبدا لنترك كل شيء لوقته وساعته هذا أفضل!

نعم كما ترين!

وكان يفكر باتجاه آخر.

9

خمسة أيام مرت على حادث القبلة الأخيرة في المحل.. اختفت خلالها أحلام الليل التي اعتاد أن يوغل فيها إلى ابتسام.

وهاهو يجلس وحده مع ماتبقى من أثاث.فهل داهمته الهجرة من حيث لايدري أم هذه المرة تختلف تماما.اتصل كل يوم وليس هناك من مجيب. ابتسام بعد زيارة إقبال بساعات تحدثت معه عبر لهاتف وسألته عن ظرف قريبتها، ثم اطلقت ضحكة وعقّبت والله ذهب صاف .إقبال لاتفوتك.. لاتضيّعها.. وهو يؤكد كلامها .. ويقول مخاطبا حلمه الأخير كان من المفروض أن تكوني أنت، ويتساءل ياترى لو لم ينقذ شاكر في الساعات الأخيرة أكان يمكن أن نلتقي بطريقة ما.. . بشكل آخر.. غير الحلم والليل؟ إقبال ظريفة.. جميلة بل هي ليست الهدف.. وأنت التي اخترتها له.. وبعثتها لأنك متأكذة من أنها ستحدثه بصفته فتى أحلامها عن تحررك وإخلاصك.. .كم كان غبيا لو أطلق لعواطفه العنان وجرأته المعهودة.. . إنه الآن يتنازل عن كل شيء لك ياشاكر..

 كل شيء تماما

ليعترف أنه هرب بك فلَحِقتَه ليهرب منك. وها أنت تتصل به لتحثه:

ماشأنك يا أخي قل لي هل حجزت بطاقة سفر.

خلال اليومين القادمين فقد فرغت توا من بيع المحل.

لكن خبرني ماشأن البيت كلما اتصلت لايرد أحد؟

أهي إقبال؟ هل بدأت تحب!

يبدو أن ابتسام أخبرتك بمشروعها، أنت كلفتني بالوكالة والعمل وهي بالزواج

إنها لاتخفي عني شيئا!

 لاتخفي عنك شيئا، وانا الجريء الغبي الذي فسر اندفاعها تحررا من غير حدود.وأظن أنها لم تخبرك عن هصر يدها. مرة ومرتين تغض النظر كما تقول ابنة عمَّتها ثم تتنمر الغزالة الرائعة.. . أووه أين جمح بي الخيال.

طيب ياسيدي لماذا لايجيبون؟

سافرن إلى الساحل بحثا عن الشمس والبحر وقد وصلن اليوم قبل ساعة!

حسنا حالما تنتهي مكالمتك أتصل بالبيت.

 الساحل ..

 البحر.. .

 الشمس..

كأن كل شيء جاء عفويا وإقبال التي كانت على وشك السفر .. . أما الزمن فلن يتوقف .. قد يبدو كذلك غير أننا لانحس به مادمنا نتآلف مع الأشياء.. عقد وبضع سنين وهو يرى كل شيء فيألفه.. حركة السيارات في الخارج.. الزائرون.. المطاعم.. زيارات الخميس للضريح.. أصوات المارة. وصخب المرور.. أشياء مألوفة بدت بلا لون .. وفي أيام معدودة سقط حجر صغير في تلك البركة الراكدة فتحركت دوائر الماء فيها:

آلو مرحبا

أهلا بدران

الحمد لله على السلامة.

هكذا إذا كل يوم اتصل ولا من مجيب وأنتم مع الشمس

يبدو أنه الشوق!

ولو بيننا خبز وملح!

ياسيدي سافرنا في الليل صدقني حوالي العاشرة ليلا حيث حضرت صديقات راغبات في السفر واقترحن علينا الذهاب معهن سفرة مفاجئة سمها ماشئت.. كانت إقبال تروم السفر في اليوم التالي لكنني اتصلت بعمتي في لبنان لأقنعهم بتأجيل عودتها إليهم بضعة أيام هكذا حدثت الأمور.

طيب متى تسافر إقبال.

اليوم سأوصلها إلى الكراج بعد ساع’

سآتي لأسلم عليها.

 حجة . لابأس بها.. صاحبك يريد أن يغير المعادلة.ليكن آخر لقاء مع ابتسام ثم ليكن كل شيء على مايرام أو على حاله التي وجد عليها.. غادر المحل .. وفي ذهنه أن يودع ابتسام نفسها التي اغتصبها منه شاكر من حيث لايدري.. أنقذه ليجد بعد سنوات أخذ منه المرأة المشتهاة والغريب أنه سمع بالبحر فلم يهمّه إن كانت استلقت على الرمل كاشفة عن جسدها.كان يتمتم ليكن آخر لقاء ويسخر.. لم ينس نادية والحمل.. . ومازالت حرارة شفتي إقبال في فمه .. وهناك امرأة مشتهاة يعرفها ولايصل إليها.. وإن سلك كل الطرق..

 وطالعته ببشرة جديدة.. التمثال الأبيض النقي.. الجسد البض تحول إلى تحفة سمراء. تعرت أمام العيون تحت أشعة الشمس على الساحل.ترى كم عينا التهمتها.. وتقدمت نحو زينب وقد اصطبغت سُمرة مثل أمها:

عمو المرة القادمة ستكون أنت وبابا معنا على الساحل!

أناطوع أمرك.

وقالت الام:

نحن الآن مشغولون سنغادر إذهبي ماما مع نينة في المطبخ.

وغادرت وهي تتطلع في وجهه وتقول:

المرة القادمة أوكي!

اجتازا إلى الغرفة.وكانت هناك حقيبة ملابس خمن أنها لإقبال التي نهضت تستقبله عند باب الصالة:

ماشاء الله لم تعودي من الساحل سمراء!

فضحكت وقالت كمن تتمطى:

لم ترغب ياسيدي تمنعت قالت تخجل !

يعني لم تنزل البحر ولم تأخذ حمام شمس.

فقالت إقبال بشيء من الحياء:

تركت الشمس لك لأنك ستفارقينها .

فغمزت بعينها نحو إقبال :

 يمكن لو كنت معنا لكنتَ أقنعتها!

 فتورد وجه إقبال التي تطلعت نحوه بنظره ما ورن جرس الهاتف، فقالت:

يمكن زوج خالتي سيأتي لنصحبك إلى الحدود، فقال وهو يصافحها:

مع السلامة:

لكن ابتسام اعترضت:

لالا لا نحن لسنا معقدين مثلكم نحن العراقيين إما قبلة من الخدين أو على اليد.

رد ضاحكا:

ولا يهمك الإثنين معا

وعند الباب قالت جادة:

اسمع أخبرني أي يوم تقتطع تذكرة السفر لأنني أود أن استدعي عائلة إقبال قبل سفرك لأعرفك بهم!

فهز رأسه وضغط على يدها برفق هذه المرة:

مع السلامة!

10

المرأة المشتهاة ودع ولم يودع إقبال.. ففي اليوم التالي حاول أن يتذكر حلما توغل فيه البارحة فلم تسعفه الذاكرة، وقال مع نفسه إن الآخرين يعدون له كل شيء .. السفر الهرب. والزواج.. حركوا في بركة روحة دوائر ساكنة امتدت بعيدا ولم يرد أن يكون كذلك.. كان يبحث عن سفره بنفسه ويترك الزمن يقرر هربه.. لم يهرب لأنه يرى الآخرين يهربون فهل هناك من طريقة أخرى؟ اندلعت الحرب فقال لم أموت فيها. انفجر شيء عظيم هز العالم فهرب. ويوم ترك لبنان اطلق سراح محكوم بالإعدام .. نجاة نفسها فاجأته بحملها.. أما الآن فيرى كل شيء حوله معدا له سلفا.. المرأة المشتهاة تزوجه غيرها.. فماذا لوجرب بنفسه من دون مقدمات مثلما كان يفعل من قبل؟

 ذهب إلى الحمام، واستمتع بحمام بارد. ثم لملم مايحتاجه من ملابس.. قصد الضريح الذي يخافه ولايؤمن به.. تمعن جنب الشباك عند مكان ضم قبل أيام مصروعا.. وتساءل أية معجزة تدفعه ليتخذ مثل تلك الخطوة.. إن هو الهرب فليكن على طريقته..

سوف يصل ألمانيا

وسوف يتزوج من إقبال

يعمل هناك

يكون له طفل لايضطر لإجهاضه..

حياته رسمها شخص بريء أو عميل اسمه شاكر رؤوف. وابتسام كما خيل إليه عرفته جموحا جريئا فتوقعت أن تكون هدفا له، فاختارت بلحظةٍ مناسبةٍ إقبال فلم يستطع أن يكبح رغبته بسفر آخر كما رآه في لحظة مغادرة حي السيدة..

إنه لم يخنك..

 شاكر..

 أجمل ماكنت تحلم به أن تلتقي منقذك ذات يوم.جئت ورحلت وبينكما بون شاسع.. وهاهو يلقي نظرة إلى المحل الذي آواه كل تلك السنين. لم يعد البلد الذي هرب منه مأوى للمنظمات. والحواجز. لديه جواز سفر واحد يعبر عنه خير تعبير. جندي العدو صديقك الذي أعلن عن نفسه فوضعك موضع التهم ورهن إشارات السوء اختفى هو وآمره ووجوه شتى ترددت على الحاجز .. معك منه ذكرى .. شيكل ثم رحت تدخل بيوتا أخلوها .. ماذا تقول عن اللقى التي عثروا عليها في جيبك.. دخلت بيتا وبيدك سلاح فتاك.. جرأة يتلاشى معها الموت .. ركلت الباب بكل حماس ولما لم ينفرج صوبت سلاحك للقفل.. رفيقك اتجه إلى بيت مجاور..

كن حذرا كي لا تموت..

 ربما تنزلق على رأسك رمانة من أعلى الباب لعبة شد جذب مع الموت.. لا تبالي.. عبرت الدهليز إلى الفاترينا حيث مجموعة تحف جذبتك:ست ملاعق من فضة.. وفي غرفة النوم شدك الفراش العريض ونشوة بعثتها آهات رجل وامرأة.. ثم فتحت خزانة الملابس فأطلت عليكَ من مصراعها صورتك .. لو تأخر بصرك قليلا لخلته شخصا آخر.. نبشت بين طيات الملابس .. مقاتل.. لص.. وفي يدك قطع ملابس داخلية.. .أخيرا من بين فتحة صغيرة من مكان لم يخطر على البال.. أعلى الخزانة حيث تسلل ضوء من الدهليز لفت نظرك شي ..

مكان قلق.. .

زاوية محشورة.. . هكذا كانت حزمة من الدولارات بيديك .. عملات مختلفة.. شيكلات.. أووه.. من حسن الحظ أن رفيقك يفتش بيتا آخر.. سيحرقه إن لم يجد فيه شيئا.. خلال تلك اللحظة تسللت إلى أذنيك حركة ما خشخشة بدت مثل دبيب جرذ واحتدت.. تتبين فيما بعد وقع أقدام ترجّ إليكَ الأرض فدسست لقاك تحت سرتك .. وتهيأت بسلاحك:

أنا رفيق لاتقلق..

أوه هذا أنت.. " واستدركت"

 هل عثرت على شيء هناك!

أبدا!وأنت؟

كان الشاب النحيف الذي فتش البيت المجاور يجيب بنظرة ماكرة:

أبدا لاشيء!

لاشيء وقد وجدوا معك دولارات وعملة للعدو.. حزمة أغرتك.. يداك تحسستا تلك القطع واستقرت أناملك عند الشيكل.. مازالت مشاعرك باردة.. قطعة معدنية صغيرة.. تنك.. صفيح.. أهداها لكَ جندي على الحاجز ويدك في بيت استلت حزمة من نقود.. كانت هناك تحف.. ونقود في أكثر من بيت ويدك تلتمس الشيكل.. وجهان له.. وشكل لاتعرف صاحبه.. لغة لا تدرك حروفها ووجه آخر

خمسون ..

عشرة

أي مبلغ..

هل يدرك الآخرون الذين اتهموك أنك ورثت الصرافة عن والدك وأن أية عملة تجتذبك كما يجذب مصباح متوهج فراشة.

حشرة!

تعلم ياولدي كيف تراوغ الدولار.تعبث به وهو بيدك.تعرف سعره كل يوم.الفرنك الفرنسي.المارك الألماني.الين.الباوند.شغلة الصرافة ذهب سائل بين يديك ترثها من اسلافك، وهناك ورقة ناعمة لاتثير فيك أي إحساس.لا تدرك من خلالها النفور ولا الكره.. التقزز أم الخجل.. ورقه تقع عليها عيناك للمرة الأولى .. وتظن أنك تتقزز تقرف.. إنك لا تكذب على نفسك وفي حوزتك رزمة من دولارات وليرات تنفعك في قابل الأيام.. لا تنس أنك لا تدري إلى متى تقيم هنا.. .ما كنت تظن أنه ينفعك أصبح يدينك.. يدمغك.. وقد أنكرت أنك عثرت على شيء فلم تحاول أن تنفي تهمة لتثبت تهمة أخرى.. لص.. جاسوس.. لايهمّ .. ولا يهمّك أيضا أي وقت كانت حزمة النقود بيدك.. لن يكون شتاء عاصف يأتي بالثلج والبرد والصقيع.. ولا شمس في الصيف تسطع فييبس من الحر حلقك وتفتر عن وهنٍ شفتاك أو أوراق صفراء تتساقط مع الخريف.. ولا تعنيك أن تكون الساعة الثامنة مساء أم السادسة عند الفجر.. أي وقت أي يوم أم شهر.. . فهاهم الرفاق، في يوم ما، في ساعة ما، يضعون الأصفاد في يدي بتهمة الخيانة.. .وهو الذي لا تعرفه ولم تلتقه من قبل ينتظرك فيجعلك تهرب.. لا ينفعك أن تقول عن نفسك لص.. سارق بيوت.. وماكان بحوزتك عثرت عليه خلال مداهمتك بعض البيوتات وغيرك من الرفاق سرق ذهبا وتحفا وقطع عاج.. الآن الزمان تغير.. وملامح المدن تبدلت.. ولعلّ الحارس الذي فررت منه مات.. ليقل عنك مايشاء.. يسجن شخص أهون من أن يموت آخر.. أما شاكر فلن يأتي الآن .. صاحبك الذي كان يرى الجبل وانعكاس الضوء حوله فيظنه بحرا جميلا هادئا مسالما مسالما ثم يشير عليك بالهرب والتخفي عنده فالأفضل لاتنتظره.. هناك شيء ما في باله.. لاتظنه سهلا.. لعلك لم تفهمه لا في اللقاء الذي سبق الهرب ولا في لقائكما عند الضريح بعد سنوات من اغترابك.. إنه حقا يرثي لإقبال التي التقاها لقاء عابرا وفهمت منه أنه سوف يأتيها ربما لو تكررت لقاءاته معها لكان يمكن أن يحدث معها ماحدث لنادية.. كل شيء قد تغير فَلِمَ التردد؟سيزور المحلة القديمة مطمئنا ويسأل عن نجاة ربما داهم مسلحون بيته بعد افتضاح الأمر فأجهضتها لحظة الرعب، ولعلها حقا أخت رجال تشبثت بحملها وربما ابنه الآن او ابنته في سن الثانية عشرة..

كل شيء جائز.. . الحياة تكون لها قيمة حين نقتل شخصا وننقذ آخر وقد تكون لها قيمة حين يُقتل الإثنان.. أو يعيشان كلاهما.. معادلة صعبة نجد أنفسنا وسط دوامتها من حيث لاندري.. مثل الأشرطة القديمة ذاتاللونينالأبيض والاسود فحسب!

 وقد ودّ من أعماقه أن تكون نادية أعرضتْ عن فكرة الإجهاض.. إن عثر عليها سيهرب وطفله معها إلى بلدان الأمان فلديه مال من شاكر ومن بيع المحل يكفيه لمثل تلك المغامرة.

الهرب شيء جميل بحد ذاته لكنه سيدخل بعض التعديلات على خطته..

لِمِ لا مادام هو الذي يباشر خطة الهرب!

لكنه غير أيّ شيء.. .

ولن يعدل.. لن يصبح أكرم، ولا ضرورة أن يقفز إلى شخص آخر. يتقمصه كي يرجع إلى نادر بعد أن يستقر في مكان آخر.

لايريد أن يرسم حياته الآخرون مثلما رسم حياتك !

 هكذا حدث نفسه..

قبل أن يلتقيك كان يتوجس من الماضي والمستقبل.اللحظة الراهنة تستهويه فلا يفكر بما يمكن أن يكون.

لا يتأمل..

والآن أخذ يعيد حساباته.

للمرة الأولى يشعر أن هذا الكون اللانهائيّ المرعب المخيف أصبح أليفا مثل النسيم.. فهبط من سيارة الأجرة في كراج االحافلات الخارجي.. وقصد إحدى السيارات الصغيرة ثم لحق مناديا يصيح:

حدود نقل خارجي..

حدود.. .حدود..

فتعجل باتجاه الحافلة ودلف وهو يفكر بعوالم جديدة اختارها لنفسه من دون تدخل الآخرين غير أنه في تلك اللحظة -لحظة العودة إلى نقطة الهرب الأولى التي بدأ منها قبل سنوات- أيقن تماما أنك حركت الرماد الذي احتوى جمرات روحه لا لست وحدك الذي حرك الرماد بل ابتسام معك وإقبال لكن لاتنتظره قط. فإنك لن تراه بعد اليوم !

انس تماما لقاءكما الأخير!

انتهت

 

قصي عسكر

..........................

كتبت عام 2005

وقتها التقيت صديقا قديما في لندن خريج كلية تمريض بغداد. وهو جار لنا في التنومة بيتهم خامس بيت عن بيتنا، وقد هرب إلى لبنان بداية ثمانييات القرن الماضي وعمل في إحدى المنظمات. أخبرني أنهم أحضروا له محكوما بالإعدام ليسحب من دمه ففعل ذلك ثم خدر الحارس وجعل المحكوم يهرب ثم هرب هو لقناعته أن هذا الشخص بريء.

هذا ما سمعته منه، أما التفاصيل فهي من خيالي.وقد كان أمامي مخططان الأول أن أجعل الممرض يغوي زوجة المحكوم السابق اي أنه أنقذه وبعد سنوات طعنه! أو أجعله بعد أن يلتقيا يقاوم أي جموح فيغير رأيه بعد اللقاء ويعرض عن الهجرة ليبحث عن صديقته التي تركها حاملا ذات يوم.

أذكر القاريء الكريم بأخلاق الرواية الروسية العظيمة التي كنت أدمن قراءتها منذ المرحلة الابتدائية الصف السادس الابتدائي التي بدأت برواية الأم ثم من حقي وأنا الهارب أن أرسم صورة نقية للاجيء العراقي زمن السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

تحياتي لكم جميعا.

 

 

 

احمد الحلييطربُ المرجُ

لخرير الساقية

وأنا لإيقاعِ صوتِكِ

*

بي عَطشٌ إليكِ

أينما سِرتِ سترينَها

لافِتةً مرفوعةً في الطُرُقات

*

يتخلّى:

الليلُ عن نجومِهِ

النحلُ عن الأزهارِ

الطائرُ عن جناحيهِ

ولا أتخلى عنكِ

*

منذُ أمدٍ وقُبلتي مُعلَّقةٌ

في الفضاءِ ترفرفُ فوقَ مخدعكِ،

شِفاهُكِ عطشى وبداخلي بركانٌ يثور

*

كصخرةٍ على مشارفِ البحرِ

أقِفُ أنا إزاءَكِ

ينحتُ فيَّ موجُكِ العاتي

ويوماً ما سيتفتتُ كياني

*

ما يشُدَّني إليكِ

حبلٌ من مَسَد

تباريحُ وجدٍ

لا تُحصى ولا تُعَد

*

يتوجّبُ عليَّ

أن أركضَ ألفَ ميل

من أجلِ أن أتقدَمَ نحوَكِ

خطوة

*

ينشطرُ كياني ويتجزّأ

ثم يدخل في طورِ التلاشي

حين لا أجدُ لي مساحةً

في جغرافيا اهتمامِكِ

*

تبذلُ المحارةُ جهداً استثنائياً

لكي تتطابقَ مواصفاتُ لؤلؤتِها

معَ مواصفاتِكِ

*

لن أكونَ سوى

قَشَّةٍ في مَهبِّ الريحِ

حينَ تُغلِقينَ بوجهي بابَكِ

*

يُعاني الغريقُ سُكُراتِ

موتٍ شبيهةً تماماً بتلك

التي تُعاني منها سمكةٌ

أُخرِجت من الماء

*

ثقيلةً تمرُّ الساعات

ما لم يطرقْ سمعي

وقعُ خطاكِ

موحِشةٌ طُرُقي

والأيّامُ حفنةُ رماد

*

لا أرتوي منكِ قطُّ

أزدادُ عَطشاً كلّما

ارتشفتُ من ينابيعِكِ

***

أحمد الحلي

 

تواتيت نصر الدينالإهداء: إلى كل متعطش للحرية والكرامة الإنسانية 

تريدونني أن أكون أسيرا

فإني أسير لحب بلادي

وشمس بلادي

وعبق النسيم بيافا وحيفا

وعبق النسيم بأوراسنا

وماء الجداول في كل فج

وفي كل نهر

وفي كل واد

**

تريدونني أن أكون طريدا

فلن يطرد حقدكم ما نما يانعا

في فؤادي

فإيمان قلبي يداوي جراحي

ويمسح لون الأسى والحداد

ويزرع في القلب حبّا جديدا

لكلّ الثكالى

لكل الغلابى

وكل العباد

من الطيبين

من الثائرين بأرض الجهاد

من الحالمين بنور الصباح

من الحالمين بقطعة خبز

وحبّة تمر

وجرعة ماء

من الحالمين بضوء القمر

من الناقمين على كل عاد

**

كفاكم ...كفاكم

أيا من تريدون إذلال شعب

فلن تبلغوا طول هذي الجبال

ولن تخرقوا الأرض ضربا ورفسا

بتلك النعال

ولن تنقصوا ساعة من ليالي الخريف

ولن تنقصوا ساعة من ليالي الشتاء

ولن تلبسوا الليل ضوء النهار

فنحن على الدرب سرنا وسرنا

وأنّا سنبلغ رغم المحال

إلى غاية الكادحين

إلى غاية الحالمين

ومن عالم النور نستل نورا

يشق ظلام الدجى في بلادي

ويسفر -يا أمة- صبحنا

وتشرق شمس المنى في بلادي

***

 تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

ميمون حرشالحقيبة الأولى

في ميناء "بني أنصار" ركن سيارته في ذيل طابور مع سيارات أخرى محملة يقودها مهاجرون عائدون مثله من ديار الغربة، بينهم نساء قليلات وراء المقود، وكل سيارة تتبدى من الخارج كما لو فرّت من مصير مجهول إلى مصير آمن، لذلك، فضلا عن بني آدم، هناك أحمال كثيرة داخل وخارج السيارة، بل وهناك سيارات لا تكتفي بمن يقودها، بل تجر وراءها ربيباً وقد تكتفي بحمله فوق سطحها، هو حابل أيضاً بما لذ وطاب ربما، وبما تعافه النفس ربما ثانية، لذلك لا حرج من أن يتجشم هؤلاء تعب قطع كل هذه المسافة محملين به، هو شعار العودة غالباً.

أخذ "ع" مكانه في الصف، وهو لا يفتأ يتمتم بعبارات مبعثرة بالألمانية، لم يكن أحد يسمعه، بدا كأنه يحتج لغياب التواصل معه، أمامه أشكال من سيارات شتى تنتظر دورها في المرور، بعض الراكبين خرجوا من سياراتهم، وانتشروا حولها كما يفعل الهنود حول نيرانهم.. كان الليل قد أرخى ظلاله، ومنح الميناء لون شفق دائم، الأضواء زادته رونقاً في صيف هادئ يغري بالسهر، وبالسكر، والأكل وبأشياء أخرى.

السيارة التي يُكتب لها المرور تُودع كعروس من طرف المستقبلين الذين يوزعون الابتسامات مجاناً، معها بعض الأدعية أحياناً، تكون حارة لمن لا يبخل عليهم ببعض الهدايا.

"ع" حين جاء دوره صافحته المستقبلات بحرارة، رد عليهن بأن وزع على كل واحدة منهن علبة من علب المناديل، جميلة الشكل، وبعد أن توارى كقذيفة نظر في مرآة سيارته وقال: "اللعنة".

كان يلعن حظه لأنه عاد.

 

الحقيبة الثانية

امرأة تجاوزت الأربعين، أمسكت بالمقود بثقة، أدلقت رأسها من سيارتها، وقد ارتسمت على محياها ابتسامة بريئة، لتجيب عن أسئلة بعض المستقبلين في المطار، تمتمت بعبارات ليست منسجمة، لكنها تعبر عن رغبة ملحة لمعانقة الأحباب، وتشنيف الأسماع بالريفية المخملية الرومانسية، وكذا تقبيل تربة أديم الأمكنة حيث عاشت، نظرت إلى أطفالها الصغار، كانوا يرمقونها ورؤوسهم متدلية تكاد تلامس ميكروفون صحفي منسجم في حوار معها، شرحت له مجيبة عن سؤال تقليدي:

- "إنها نعمة أن يكون المهاجر فوق أرض مدينته، ويحس بأنه آمن وسط أهله".

الإنسان قد يطير، و قد يبحر، لكنه في الحالين لا يحس نفسه مولوداً إلا فوق أرضه حيث يصبح، بالنسبة إليه، كل شيء مباركاً، ولذيذاً، حتى الشتيمة حين تمتزج بهوى الريف، وتُقال بلغة الأم يصبح لها شكل آخر، فبدل أن توغر القلوب، تغسلها من الداخل لأن الرسميات أحياناً تجشم على القلوب، وتخنق الصدور، فلا بأس أحياناً من إزالة الكلفة بين المهاجر وبين أقرانه، وأترابه.

وحين ابتعد الصحفي، تنفست الصعداء كأن كل ما قالت مجرد إملاء ثقيل، نظرت من زجاج نافذة سيارتها، أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت الباب، مدت يدها، أخذت حفنة من تراب الأرض من شرخ اسمنتي، تحسستها في كفها، شمتها، ثم نثرتها بطريقة منسابة، الأطفال تتبعوا المشهد باندهاش، قال أكبرهم:

- waw..

علقت الأم على صرخته شارحة:

- "إنها رائحة الأرض تغزو القلب وتغسله من الداخل، فتجعله يرق، فتسطع داخله شمس صغيرة بحجم قلب طفل صغير يحب أمه بعمق".

- Aussi que moi mam (رد ابنها الأصغر)

الرائحة هي آخر ما يخلفه المهاجر حين يغادر وطنه، ويترك أهله، وبها يتعرف الوطن أولاده حين يعودون، ومن غيّر جلده منهم، أو عمل على تغيير رائحته يلفظه الوطن، والرفاق يمدون لهم لسانهم ساخرين، ويعتبرونهم غرباء لا مكان لهم وسط الأهل والأحباب، فليس هناك ما يثير تربة الأرض أكثر من وطء أقدام فوقها تغيرت خطواتها، وأصبحت بمقاس آخر، لأن للأرض حدسها، ورائحتها نفاذة تغزو قلوب المخلصين، بيد أنها تخز المتحولين، ومن لم يخطب ودها تدير له ظهرها، وتتقيؤه، وحين تفعل الأرض ذلك يصبح المرء بلا هوية، فمن لا أرض له لا اسم له.

تأكدت السيدة من كل هذه الهواجس الدفينة أكثر إثر وصولها حين عانقت أمها التي انتظرتها طويلا، لم تقبلها فقط بل كانت تشمها في مناطق من جسدها أحست معها بدفء الأمومة التي تزيدها القبل طعم ماء بارد زلال في صيف ربيعي تحت الظل.

مضت أيام الأسبوع الأول من عطلتها بسرعة، فكرت:

- "أيام العطل قليلة دائماً مهما كانت كثيرة، إنها كما الماء تتنخل من بين الأصابع دون أن نرتوي"..

الأسبوع الثاني من عطلتها خصته لطقس تسميه " نميمة بيضاء من أجل بلدتي" تعني به التجوال في شوارع مدينتها والسير في أزقتها على غير هدى، كالمجنونة، لا تفتأ تسأل عن أحوال كل الناس، من تعرف، ومن لا تعرف، وسؤالها المشترك الأول لازمة هو: "هل تحس بالفرق بين اليوم، والأمس؟.. هل مدينتنا تتغير إلى الأحسن؟..

مدينتها- الناظور- تغيرت كثيراً، بدا العمران يغزوها، والكورنيش الجديد جملها كما العروس، في الليل لم تعد تشكو المدينة جحود أهلها، لم تعد تُترك كما في الخوالي مدينة مهجورة في الليل، والنساء بتن يؤثثن شوارعها في جولات مع الأزواج، وصحبة الأولاد ذهاباً وإياباً في الكورنيش، خُطاب المدينة أصبحوا كثراً و مهرها في الصيف يزداد غلاء، تطالب العائدين إليها بثمن غالٍ، هم يدركون تباهيها بهم، تنتعش بعودتهم، وبحضورهم يركب الرواج أجنحة، وتندلق التجارة، وتنتعش في أمكنة شتى بسوق المركب، وسوق أولاد ميمون، وفي القيسارية، فلا تكاد تجد كوة للتحرك بسبب الاكتظاظ؛الباعة والمشترون يصبحون جزءً من الديكور في هذه الأسواق، والأمكنة، في بعض زواياها، تتلصص منها عيون جاحظة ترقب الفتيات اللواتي يتوزعن بين من ترتدي أزياء تكاد تخفي كل شيء، وبين من تلبس من أجل إحصاء "الممتلكات" حتى تُعرض في المزاد العلني مما يغري بالمعاكسة التي تغدو في الصيف حارة، وحارقة.

ومع كل هذه الحركة، تجد من أهل التجارة من يشتكي، ويعزو بوار تجارته ليس للأزمة الاقتصادية العالمية، بل لبخل المهاجرين، وهم يرون أن العائدين لم يعودوا كما كانوا، برأيهم هناك حلقة مفقودة فيهم، تغير شيء ما فيهم، لم يعودوا أجوادًا كما في الخوالي، إذ لا يقبل أحدهم على الشراء إلا بعد أن يساوم البضاعة بشكل مستفز، وقد لا يقبل عليها إلا بعد أن يكون سبباً في ارتفاع ضغط البائعين، أياديهم لم تعد تُبسط بسهولة، صارت مغلولة أكثر من اللازم، حرثتها لعنة البخل، وخضبتها أخاديدُ الإمساك لذلك لم تعد تتحسس الجيوب إلا لماماً، كما لو أن عقارب تربض هناك بسلام؛ بهذا يتحدث بعض الباعة هنا في المدينة، وهو حديث من قيل له - خطأ- من لم يستنفذ جيوب المهاجرين المغتربين لم يذق طعم حلاوة هذا الصيف.

علقت المرأة على هذا المنكر قائلة:

- "هؤلاء الباعة مساكين، هم يظنون أننا، هناك وراء البحار، نغرف البحر مالا، وننحت الصخور ذهباً، فلو يدركون مبلغ ألمنا في كسب بعض "الأورو".

 

الحقيبة الثالثة

تشي سحنة صاحبها، وطريقة ملبسه أنه ليس من هنا، كل مرة يعود فيها يجتهد، في أن يجعل نفسه غريباً عن أترابه غربة كاملة..

بعد مدة من مكوثه في البلدة، قر قراره بعد تردد لأن يحضر عرساً أحياه شاب من شباب الحي، كان يوماً، قبل أن يسافر، صديق طفولته، ولولا نداء هذه الصداقة ما كان ليحضر أبداً؛ إنه، منذ سفره، بات يعتبر طقوس الأعراس في بلدته ضرباً من ضروب التخلف حين يقارنها بما يحصل هنالك حيث يعيش وراء البحر..

وصل مكان العرس متأخراً، وبدون هدية، نظر إلى أترابه، وسلم عليهم دون أن يصافحهم، كانوا كثراً، لم يكن يرى منهم أحداً، كان مثل هرٍ يحاكي صولة الأسد، مترفعاً كأعجاز نخل.

أومأ إليه العريس أنْ تعال فسار إليه وهو يهز عِطفيه، أحس نفسه فوق أرض لا تسعه بسبب صلف مجاني.

أخذ مكانه بين أترابه بعد أن هنأ العريس، ثم أثار أعصاب حتى الذباب حين بادر أترابه بالقول دون مقدمات:

- "نحن عندنا هناك في الضفة الأخرى، الأمر مختلف عما لديكم هنا".

التقط أحد الحاضرين كلامه، ثم همس لجليسه قائلاً:

- " (عندهم وعندنا)، إنها قسمة ضيزى والله، هم عندهم، ونحن عندنا، ألسنا من طينة واحدة؟!.

يرد الآخر:

- بعضهم يقول ذلك عرضاً دون قصد، لكن غيرهم- وهذا واحد منهم- يعنون ما يقولون، ويحرصون على أن نسمع منهم ذلك متخيلين أنهم أفاضل ماداموا يعيشون وراء البحار..

أضاف متنهداً:

- أجلاف، ومساكين لأنهم ينسون الطينة التي جُبِلوا عليها.

- أليس من حقهم أن يتبجحوا؟ (تساءل أحدهم ).

أجابه رفيقه:

- من حقهم ذلك، لكن عليهم فقط أن يعلموا، أن أكاذيبهم أصبحت بائخة مثل نكتة، ومن كثرة شيوعها، لم تعد تثير ضحك أحد، ببساطة لأن العالم قرية صغيرة الآن، ونحن نعرف جيداً- وهم أيضا يعرفون- ما يحدث هنا عندنا، وما يحدث هناك حسب تقسيمهم، فعلى من يضحكون، فليوقفوا ترديد أغانيهم السخيفة".

شاب أنيق في زاوية أخرى علق بغضب وهو يحدق في عائدهم:

- ما أغرب حال بعض العائدين إلينا!

التقط شاب آخر يجلس قربه الكلام وعلق قائلاً:

- والله صحيح، البعض منهم مخمورون بنشوة العودة إلى مدنهم بنوع من التباهي، يلبسون سراويل قصيرة تثير الضحك، ويضعون الساق على الساق، ليسردوا لنا نحن - المغضوب عليهم- حكاياهم عن مغامراتهم، وهي بالمناسبة كلها بطولية...

ضحكوا بهستيرية، وقال أحدهم:

- أضف أن منهم من لا يتكلم، لكن الصمت، والحركات، والإيماءات، ونظرات العيون تفضح المستور.

قال أكبرهم سناً في المجلس:

- إيه، يا أولاد، حين تقتنعون وتفهمون لماذا يفعل أحدهم ذلك ستدركون أنه معذور، فلا تدعوا صدوركم بالعتاب يمور، وليكن كل واحد منكم الناصر والمنصور.

 

الحقيبة الرابعة

فتح حقيبته للمرة الرابعة بعد أن أحكم إغلاقها، وربما أكثر، لم يعد يعرف، ومها تكن فهي المرة الأخيرة التي يفتحها.. نظر في ثيابه، وبعض الهدايا ثم بعثر كل شيء كالمجنون، ألقى بعضها عرض الحائط، مد عنقه من نافذة شقته، وصرخ كممثل:

" لن أسافر..

إنه قدري

لست عائداً

احذفوا، إن شئتم، اسمي من اللائحة،

فَمُذْ كنتُ أفلحتم في تجريدي منِ اسمي

وحتى من الرائحة.."

وطني مجرد حقيبة، علمني أن أتأبطها،

وأهيم كالمجنون في أرض غيري"...

 

الحقيبة الخامسة

نظر إلى حقيبته فحار بين عقلين، الأول يقترح عليه العودة، والثاني يجمل له تأجيلها إلى أجل غير مسمى...

نظر في المرآة، ألفى نفسه يحمل رأساً واحداً، لكن بعقلين، حمد الله لأن غيره يعدمهما معاً، ومع ذلك استسلم لعقل ثالث تبدى في المرآة، لم يكن له، ولكنه استساغه، وقرر نزولاً عنده أن يسافر في الغد،

وحين كان ذاك الغد غير رأيه لأن في حلمه انصاع لعقله الرابع.

 

الحقيبة السادسة

(ق) لا اسم له في البلد المهاجر إليه، لا يملك حقيبة، ولا بيتاً، ولا عملاً لذلك آخر ما يشغله هو السفر، ولكنه مع ذلك يفكر أحياناً في العودة، يعتبرها، كما الموت، حقاً مؤجلاً.. هو الآن مهيض الجناح، وحين يفرع ريشه سيعود..، مؤكد سيعود لكن ليس خاوي الوفاض...

 

الحقيبة السابعة

مشرعة، لكن فارغة من الداخل، تنتظر يوماً مكتوباً، يوقع ديباجتَه فارسٌ يعشق السفر، وفي انتظار هذا الآتي لا تزال تحتفظ بالأرقام السرية لقفلها، لن تهبها سوى لمن يستحق، مهرها الورقة الخضراء، ولا بأس أن يتغير لونها بشرط أن تكون كثيرة..

***

ميمون حرش

 

صحيفة المثقفخريطة

الضَّبابُ يخنقُ الأفقَ، قفزتْ عيناها على الشَّاطئ، أنعشَ مزاجها رؤية تجمُّعات الدِّراق، فضَّلتْ الاستلقاء بين السَّلاحف، أنبأ قُربها من الموجِ عن الخوذِ التي احتضنتْ رسائلهم المُذابة وبقايا صور.

 

جذور

أضناه التسوّل في الطرقات، بين ليلةٍ وضحاها اعتنقَ التغيير، قلَّمَ مخالبه، صامَ تضامناً مع الجياع، شرَّعَ قانون حماية المتحوّلين، ببذلتهِ الجديدة أزعجهُ نباح الأصدقاء في الصفوف الخلفية.

 

امتداد

داهمهُ الهلال، بحثَ خائباً بين الرُّكام عن ثوبهِ النَّاصع، بثَّ شكواهُ للنجوم التي أعلنتْ الحداد، احتضنَ دميتهُ الملطَّخة بذكرى الفرحِ، نادتهُ الورقة المخبَّأة في جوفها: تركتُ لكَ ثيابي التي عانقتُ بها السَّماء.

 

انصهار

بغضبٍ أسود يراقبها، يلعنُ غوايةَ خصرها المنحوت، يقبضُ يدهُ حسرةً وندماً، يناجي عبثها بالزَّمكان، يحاولُ الإمساك بأجزائها الهاربة، يلملمُ هذياناتها المندثرة،على ناصية الاستسلام حكمتْ عليه ساعة الرَّمل بالوأدِ مدى الخنوع.

 

حِرْفة

حافيةُ الوصالِ تندبُ شوقها، تجمعُ ذرَّاتَ عطره المنتشرة، فقدتْ بوصلتها، استغاثتْ بخريطتها العمياء، خيارها الوحيدة نبوءة النَّملِ، آوتْ إلى جذعهِ المتصدّع، تساقطتْ عليها أماليدهُ المغدورة. 

*** 

دعــاء عادل

 

عبد الجبار الحمديتغتسل أقدامه بحرارة الرمال السائبة التي يمشي عليها... لم يعد يبالي بأنه بات وديعة لسياسات عاهرة، أخفت حقيقتها وراء علامات توقف قطعية بعد أن هللت أن الدين هو الدستور الحق وإن كان قد فبرك في بطون دول تعلم أن العرب مجرد فزاعات وَهم، تخيفها نفخة من فم نتن وعفطة عنز مقرن... بعدها أعلنت أن العبودية قانونها الجديد الذي يجب ان يعيشه إبن البادية وإبن الصحراء وإبن الحضارة، لقد اكتنفته البلايا طويلا، شحذ سكينه الثلم لينتقم ممن كان السبب وعندما رؤوا أنه لا فكاك لهم من جهله ارسلوه حيث يرغب، بيئته المقفرة هي السبب في جعله تيسا لا يجيد سوى النكاح رغبة في إكثار نسله الجاهل، فأخاطوا عليه بيوت شعر كثيرة حتى تشابكت وأنسته أنه إنسان بُسِطَ على سلقية الجاهلية.. مسح جبهته التي احترقت من لظى حرارة الشمس.. حاول ان يغطيها بنعله المستورد الذي اسدله على جبهته يقيها ما لا يمكنه أن يفعله.. عض عليه بأسنانه مؤنبا إياه... ألم أقل لك إني لا استطيع ان أقرض بيوت الشعر التي يحبها من أراد مني الرقص في ظلمة قبو؟ لم آليت أن أكون راقصا وطبالا في وقت واحد؟ عرقلت كل المزامير، حاولت ان أترجم معاجم التراث من بين خبايا التأريخ فلم أجد غير تراث مهلهل مفعم بالدم، يحمله كهل أمرد غزته الديدان نخرتعظمهه قبل جلده حتى بات مقززا لمن يريد ان يجالسه... حاولت سؤاله لكني عزفت ان اسمع الإجابة، فبمجرد ان فتح فاه وأشار بيده حتى تساقطت الديدان مسرعة إتجاهي كي تتقولب على جسدي... فزعت!!! هربت بعيدا منسخلا حتى عن ظلي الذي أبتعد هو الآخر كوني تسببت في قمعه عندما كنت أراه يعكف مصليا طالبا الغفران من الرب الذي يعبد بنفاق... ركبت صهوة فرسي الشمطاء وقد كانت ماجنة لا تؤمن إلا بهتك الستور وفض بكارة العذارى ودبر الرجال... مزقت كل قوانين الناموس بردائي الاسود حيث التجارة في الإرث والعادات والتقاليد وحب الأصنام، صرت الدجال الأكبر... لا بل الشيطان جلف الصحراء... حيث كان يطلقون علي..

يا إلهي!!! لقد جف حلقي ها أنا أشعر بلسان الموت وهو يسقط بعد ان مزق رقبته حبل العطش... دفعت بلساني بشدة كي أزيل حدة الجفاف.. اجعله يروم الحركة كي استطيع ان اصرخ.. غير أن لساني الآخر عزف عن الحركة أعتصاما مع لسان الموت... فَصَمَتُ طويلا أجِدُ بالسير، عيناي تنشد تلك الواحة التي أراها ممتدة تقترب وتبتعد .. اقدامي وفطورها العميقة أكلتها أملاح الرمال فما عدت أهتم لما يقع منها من دم او لحم... لقد رغبت أن أباع في رحلة حيث المجهول بعد ان أدركت أن المعلوم ليس لي، بعد أن طالتني يد الغزاة بقوانينهم التي تُشَرِع لك ان تبتاع كل ما تشتهي ثم توقع على ورقة بيضاء لهم بأنك عبد اسود حيث يعيدونك الى مصانع العبودية التي أخرجوا أبناء آدم منها، شَرَعوا قوانين الإنسان الحجري ورجل الغاب الأول... أتاحوا للغريزة أن تحكم العقل، تتسيد عبارات الفحولة العربية ميزان الرجولة، فجاؤا بمحظيات جديدات فَتَقنَ أجساد شرعت أن تكون عالم من الدعارة والمجون... وكأي من رجالات طفحت الفحولة ولائم باطل الى أن باتت وصمة وعلامة تجارية، ولغت مستنقع الرذيلة، أحطت نفسي بعالم أسود ورايات دين جديد يتيح لي ولقناعات العرب ان نكون للدين والاسلام الجديد دولة الفساد العادل.. مُنحنا وسام العطاء، فقد تبرثن فينا أن الحق هو ان تقتل كي تصبح سلطانا وتبيد كي تنشئ جيلا معاقا لا أب شرعي له حيث أن الحياة القادمة لا يحكم زمامها إلا أبناء اللقطاء كما حكمها ابناء الطلقاء... فعالم الزنقدة أزلي، عاد وثمود لوطا وهود كسرى وهرقل أنبياء ورسل اباطرة واقاصرة كلهم عاشوا منازعة روح الشيطان كل بوسيلته وطريقته... غير ان النتيجة واحدة السواد هو من يبقى رغم تعددية الألوان والاطياف..

توقف ليستعيد أنفاسه... غير أن نفسه همست بعد أن اخرجته من عالمه الوضيع مشيرة ...

أنظر هاهو ذاك الماء لقد اقتربت منه... هلم نجري علنا نحظى ولو برشفة، ما أن جرى حتى استوقفته وهي تقول له إنه سراب يا أحمق سراب... ألا تعي ما ترى!؟

ماذا تقولين سراب؟!! إذن كيف لتلك الغمامة البيضاء تغطيه!؟ إنظري لظلها الذي نشرته... أتراني خبلت!!! أو أصبت بلطمة شمس فما عدت أميز الواقع من الخيال، أيعقل أني لا زلت لا أخبر الصحراء وأنا من طلبت العيش فيها..

فردت عليه... إنك لمجنون وخبل يا هذا.. أكنت تتوقع لإمرأة صلعاء ان تحظى بمشط كي تجدل شعرها.. لا أدري بم كنت تفكر!؟ وانت تزيح اللثام عن وجهك بعد ان أتممت البيع لمن كان يستظل بوارف شجرتك الطيبة... أحالوك كي تقارع ما لا يمكنك ان تقف أمامه لحظات... جعلوا من وشيعتك ان تلتف حتى يخفى أو تدس رأسها بعدها تقضي عمرك تبحث عن حقيقتها... أطاحوا بعرابك بعد ان بعت لهم اباك رغبة في ملك.. قبلت أن تسمع اجراس الكنائس تلبي معهم وتصرخ هالولويا فقط لتثبت أنك متحضر... حاورتهم حوار الاديان فبصقوا في فمك بكسرة خبر ما ان أستطمعتها حتى ابحت لنفسك أكل لحم الخنزير وسمحت لعرضك ان يتباهى بالبكيني ذو الخيوط... دين متلون كما سمحت الفتوى بذلك، عبارات تحب ان تسمعها بينما نال اللواط منهم حتى شرعنوه بالزواج وسادية منحوها الإجازة، اما أنت لا زلت في صحراءك تبحث عن نبتة الحق والباطل العدالة والظلم... الدين والاسلام.. اشتريت لهم ما لا يمكنهم أن يبتاعوه لولا حماقتك.. فالقموك السراب بحثا عن حقيقتك، أتاحوا لك الإباحية في التمثيل لتشعر أنك شهريار عصرك  بل شهريار كل العصور... أخاطوا لك ثياب من سندس واستبرق فظننت بدينك والفتاوى أنك قاب قوسين أو ادنى... طفت حول بيتك الوهمي وجالوا هم بين الصفا والمروه، حفروا زمزمهم ذو الماء الاسود ثم احاطوه بأيديهم ذات الصليب... جاؤوك يحملون حداثة حَجِهم الى بيتك، ففتقت لهم ابوابك الموصودة عن الآخرين بحجة الدين والإسلام يحملان صفة التسامح... وبينك وبين الآخرين من بني جلدك يحملون صفة التناكح.. بعدها أطلقت عبارات السلام طريق الحق والانتصار على الباطل... لكنك نسيت او تناسيت أن الباطل يقطن تحت عباءتك بعد ان رُشَت مبيدا حشريا يقضي على البراغيث التي تسكن جلدك لكنه امات رجولتك بإخصاءك...

يا لك من إبن جاهلية.. هكذا انتم بنوا العرب تقتلون بعضكم من أجل فرس أو حصان او من أجل فرج... أما أعراضكم فتبيعونه نخاسة بدينكم الذي استنبط العهر والدعارة جهادا... عليك اللعنة اراني يا هذا قد أنهيت صفتي كنفس امارة بسوء فقد تركت لك السوء كله.. فما عاد لك بي حاجة.. فَسِر حيث صفحات كتاب وسعي واذهب حيث وقف آدم بعرفات علك تجد من يدلك على طريق يسمونه الهداية لكن دون اشارات دينية قطعية او ظلال إحرام ابيض.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي