زيد الشهيدالبحر لا يحبُّ الزعيق..

وأنا أكره القصاصين

 

أمسُ تأبطتُ شارعَ المدينة

وأومأتُ للبحرِ أنْ يرتدي قميصه

وبنطلونه، ويتركَ حذاءَه على نديف

الرمل

ويندَه على النوارس لتشتري له

نسيماً، وقبعةً، وحوار جميل

وتكفَّ عن الزعيق

ضحك الشارع للفكرة .

ترجل البحر

وسار الشارعُ معنا

رحنا نحث القلب نحو

سينما الخيال

لا تلومينني ايتها العصافير

التي أومأت لها أن تنأى ولو لوقت

لا تحزني يا فاختات

وأن كان رجاؤنا يزيد جرح الفراق

في قلبك المكلوم

فأنا أحبُّ الحريةَ

وأعشقُ الركضَ حافياً على رمل

الحقيقةِ .

أحب الشعراء، وأكره القصاصين

أما الروائيون، فعندي، أكبرُ الكذّابين

على سطحِ اللغة .

***

زيد الشهيد - السماوة

 

صحيفة المثقفلا تعود العينان إلى مكانهما

ولأمر مجهول آخر

تحدق طويلاً

على مهل نقع في الفخاخ

حوض يتسع لساقين لا أكثر

لكنك تنهمر..

يا ميلاد الغيمة

ومطر تموز

يتسع الليل وأنت تشمني

تنعصر على جيدي حقول الورد.. كل حقول العالم

فلا ننجو من هذا الغرق

تفكر في اللا معنى، فيمتلئ كأس اللحظة

تحت قدميك تنبت أعشاب ربما

ملح قديم

أو ألغام جسدية

تشمني فتنفتح عيون الظلام

من شفتين خمريتين تمسك خيوط الوقت

فيبدأ الخدر

يمشي تحت لسانك كشفرة تفض خاتم الغياب

وما بين فاتحة الحب وكوّة النور

تحط يدك اليمنى عل صدري

تسحبها ببطء

تحصي غنائم الأنفاس

تُنيم طفلي العنيد

وتطلق سراح الغزالة

مثل سمكة تطير

أو لحظة أغمضت عينيها وتساءلت:

إلى أين سنبحر؟

كانت الحرب طويلة

لم أعد أسأل متى ابتدأت

ولا كيف مالت إلى الهدنة الأخيرة

.

.

لا أحد منا عاد من الجنة

لا أحد منا ذهب إلى الجحيم

على أرض رطبة تنزلق براعم طرية

بخيط من الموسيقى تسحب شعري خلف أذني

دون أن تغلقَ الغابةُ أبوابها!

كلانا نراوح المكان نفسه

المسافة نفسها

نأكل من فم بعضنا

دون أن نبالي بما يتكسر من عظامنا

أو ما يسقط من جلودنا

***

بلقيس الملحم

شاعرة وقاصة من السعودية

 

 

جميلة بلطي عطريعابرةُ سبيلٍ أنا

أُحَمْلِقُ في وجُوهِ المارّة

عنِّي أبْحثُ في الدّرُوب المنسِيّة

تُشيحُ الطّريقُ عنِّي

تُرْهبُنِي

فيلْوِي السَّرابُ بصَرِي

أضْربُ في المتَاهة وحْدِي

يَدِي على نَبْضي تُحْصِي الدّقّات

تَتأَكّدُ مِن الحياة

لمَّا يُرهقنِي الرّكضُ

علَى صدْرِ الأُفقِ أرْسُمُ خيْمتِي

بتِبْرِ الضّوءِ أكْتُبُ ملْحَمتِي

أهمسُ في أذُنِ المَدَى

قُلْ لِلأنا ..أنا هُنا

راقصْني علَى درْبِ العودة

أيُّها المُسافرُ فِي شِرْيانِ الزّمن

حُطّ عصَا التّرْحَال

دَعْكَ مِنَ النّزَال

دَعْنا معًا نثْمَلْ مِنْ رحِيقِ اللّحظة

فِي ظلّ خَميلَةٍ فيْحاء

ننِصب طاولةَ الأُنْسِ

قهْوتُنا هذا الصّباح بِطعْمِ الزّهْر

 هيَّا ارْتَشفْ

تدثّرْ بمَا تبقَّى  مِنْ دفْء العمْر

آهٍ يَا أنا

كمْ أشْفقُ عليكَ والجهدُ يأكُلُ جُهْدَك

يزْرعُك في رَحِمِ الوَقَتِ

جينةً لا تَعرفُ السُّكُون

حِكْمة مُشتهاة.. في ُدنيَا الجُنون

إلى متَى يا صَاحبي سَتظلّ لاهثًا

تُسابقُ عقاربَ السّاعة ؟

متَى  تُراكَ تَهْدأ؟

أمْ أنّكَ طينُ العَجائب

مِنْكَ تتشَكّلُ الأعوامُ

مِنْ رُوحكَ تَرْضعُ الأحْلامُ

أعيشُكَ كلّ يوْمٍ قصّةً لا تعْرفُ الانْتهاء

شهْرزادِي أنْتَ

وأنَا على نبْضِكَ شهْريار

أسْبحُ في فَلَكِ السّؤال

عنِّي وعنْكَ أسامرُ النّجمَ

أُغَازِلُ الأوْقات

أعْزِفُكَ لِلفجْرِ أجْملَ موّال.

***

 بقلمي: جميلة بلطي عطوي

 

خلود البدريتمر الساعات والأيام، وتعيش حالة من الصمت، كل شيء يبدو ساكناً لا حركة ولا حياة، ينعدم داخلها بشكل تام. تغدو الأشياء جامدة، وتتشوش الرؤية لديها. كأنما نثيث الثلج يتراكم على روحها، فيزداد، ويتحول إلى كتل ثلجية، تشعر بها تكبر، تتضخم حتى تكاد تُغمر تحتها. تظل ساكنة، كإنسان اختار أن يُجمد حياته الآنية، مفكراً انه سينعم بحياة أخرى وفي زمن آخر.

السنوات تمر بطيئة، مملة، ولا شيء يتغير، تدّعي أنه حان الموعد لذوبان الثلوج الغامرة روحها، ومتّسمة أن لم يعد لها ثمة أثر. تنهمك برتابة الحياة، وتتناسى صدمة الأمس المُضحكة، تبتعد عن الكلام، كل من يحاول التواصل معها، ليكلمها تُشير عليه، وتتخذ من لغة الأشارة طريقة تتفاهم بها مع الناس، جارت منها جاراتها، حتى زوجها، وأولادها ظنوا أنها تُبيّت أمراً ما، وأن لا بد في الأمر خدعة، ومن وجود عدة أسباب، تجعل المرء لا يُطيق الكلام. وإلا لماذا كل هذا الصمت؟! أيّ أمر هذا الذي يجعلها تتخذ من الصمت لغة، ومن الأشارة حياة؟ لهذا ظل يجوس في رؤوسهم الشك، وعليهم متابعة كل ما تفعله، منذ استيقاظها في الصباح الباكر حتى رقادها في ساعات الليل المتأخرة. فكانوا كظل لها، تمر الأيام، ولا شيء يُكتشف.

تبرّم الزوج من رتابة الحياة التي تحياها زوجته. وقرف من رائحة صابون الغسيل، ومعطرات الملابس، تاقت روحه لعطر نسائي لا للديتول الذي تستعمله زوجته منذ أول يوم تزوجها، تدعك أرضية البيت والسّلّم، وتملأ البيت بهذه الرائحة، ظن أنه يعيش في مشفى للمجانين. شبع من أبخرة زيوت الطبخ، طفق يتشمم ملابسه فيجدها محملة بالدخان، تختلط فيها روائح، البصل، الثوم، البهارات المختلفة، أدخنة الشواء، حينئذ سلم المهمة لأبنه الأكبر. فاستحم وطرد عنه كل هذا القرف_ كما كان يقول _  فرّ، ليعطر نفسه مع الخلان في المقهى وينتعش برائحة النرجيلة بعطر التفاح. يلتذ بسماع الاحاديث المختلفة بين الأصدقاء، والتي لا تنتهي أبداً، يسحبَ دخان سيجارته بنفس عميق ويزفر فقاعات القرف. أما هي فدائماً كانت تخامرها صورة ذلك الرأس، أيُعقل أن تخبرهم، فيضجوا ضاحكين، أم تتعقل وتكتم ما يجوس في خيالها؟! أن بقي الأمر هكذا لن يعتقها أحد.

تسلم الابن الحراسة بدأ يجالس أمه، لكن أصابعه ما فتأت تُداعب أزرار موبايل يحمله دائماً معه، ينهمك بلعبة " البوبجي ". بين فترة وأخرى يقطع الصمت بصرخة مدوية، ها، قُتلت، تفز الأم مذعورة خوفاً ورهبة مما تسمع، يرى خوفاً بعينيها، فيطمئنها: لا شيء يا أمي هي لعبة لا غير فلا تقلقي، لم أمت !

تطرق بوجل وتهم عائدة لذاك الصمت. وبما أن الابن لديه الحياة بطولها وعرضها _كما يقال_ والأصدقاء عند الباب، وبانتظاره، ولعبة مفضلة، فلماذا يقضي يومه بتعب القلب؟! هكذا كان يُفكر. تضجّر مما أنيط به  وبدأ ينسحب من مكان تواجد الأم، فتقهقر كقائد منهزم من المعركة، واستلّ نفسه إلى عالمه الخاص. لكنها أخيراً آنست في نفسها الجرأة لتخبرهم، وتُذيب جليد الصمت، بدّد فكرتها غيظها القديم، وكيف قُوبلت بعاصفة من الضحك، كأنها مهرج في سرك يؤدي فقرة مضحكة. وبصوت خافت، أشار الأخ على طفلتهم الصغيرة، فهو يعرف تماماً أنها أفضل شخص لهذه المهمة، فطالما نقلت كل تحركات وتصرفات الجميع للجميع، واطلعت على أسرارهم. يقولون لديها حاسة شم مميزة، وكذلك فهي تصلح أن تكون محامية او امرأة قانون عندما تكبر، تلك الصغيرة تبحث في أدق التفاصيل. لهذا تأملوا خيراً، وتوقعوا أنها ستجد مفتاح خزنة أسرار الأم المغلقة، وحتماً ستفتح بأساليبها ذلك القفل الصدىء الذي سمم حياتهم. وتمدّهم بأي سبب يجعل من أمهم أمرأة صامتة فتكاد تُشلّ حياتهم.

الصغيرة فرحت بالمهمة خاصة بعد كلمات الإطراء والتشجيع التي حصلت عليها من عائلتها، همت بتقليب الأوراق في علبة معدنية، تضع فيها الأم أوراقها، وتحتفظ بكل ما يخصها، قرأت كل ما خُط على الورق والذي تحول بفعل الزمن إلى اللون الأصفر، لم تستطع أن تفسر لماذا استعملت أمها أقلاماً بألوان مختلفة، وما الذي يرمز له خط اللون الأحمر في هذه الوثيقة؟ والأخضر لِمَ هو قليل بهذا الشكل، ويكاد ينعدم بين السطور؟ وهذا اللون الأسود الغامق وقد خططت به على بعض الكلمات بخطوط عرضية كثيرة، لِمَ؟ تلك الدوائر بالقلم الأزرق تبدو قليلة جداً، تساءلت: تُرى ما السبب؟!

تفرست في وجه أمها، بدا واضحاً وجلياً لها الحزن المتخفي بين الغضون، التي بدأت تخط على جبينها وعلى بشرة وجهها. تنظر للاوردة النافرة على يديها هالها ما رأت، تلك الرجفة الخفيفة على جسد والدتها جعلتها تخاف، همست لنفسها: هل تموت أمي بصمت، بعيداً عنا؟!

فزت لتك الخواطر، وما توصلت له، فرت مذعورة، وأخبرت كل أفراد العائلة أن يراقبوا مخيلة تلك المراة وأن يدخلوا أحلامها علهم يجدون ما تخبئه وما يبحثون عنه. تسللوا واحداً بعد الآخر ينقبون في تلافيف أفكارها، بحثوا كيف يعمل فصا دماغها، اكتشفوا أن ليس للفص الأيسر القدرة على تحليل ما تسمع، لتتحدث، بما تنوء به، لامسوا طبقة شفافة تُغطيه من اللون الأسود، فحاولوا ازالتها بمشرط الأيام الصغير، لم يفلحوا. تبين لهم ان اللون الأسود متداخل، ومتمازج مع لون دماغها الابيض. بمهل وببطء أغلقوا ستارة النسيان على ما تحمله في جمجمتها وانسحبوا بمهل وحذر. الأيام تمر والأم ظلت تحتفظ بالصمت ولم يتوصل أيّ فرد من أفراد العائلة إلى السبب الحقيقي. بينما هي لم تتوقع أن يكون لهذه الحكاية كل هذه الجلبة، وأن لا أحد تمكن من فك شفراتها، تلك الأسئلة طالما راودت الأذهان، وكلمة لماذا؟ وهي تطرق الفكر تردّدت كثيراً لكن دون فائدة. وأخيراً أخبرتهم بالسر، قالت: فَرِحتُ كثيراً، وكعروس تزينت وتعطرت وقد هُييء لي مسكن مع أهل زوجي، خُصص لنا الطابق الثاني من البيت، حسبت الصباحات ستكون مشرقة، والفرح يظل يُلازمني، واحتفظ بابتسامة دائمة ترتسم على شفتي. في اليوم الأول لزواجنا، وبينما كنت أهمُ بالنزول على السلالم، اصطدمت عيني برأس ثور كبير وضع على السلمة الأولى، داست قدمي على قطرات الدم التي كانت تنز من ذلك الرأس، ولّيت هاربة، خائفة وأنا أرى اللون الأحمر يبقع الأرض، ويلطخ أذيال بدلتي البيضاء. فزعت وندت عني صرخة، خرج جميع أفراد العائلة من غرفهم يتساءلون ما الذي حدث؟! لكنهم قهقهوا وضحكوا كثيراً لسذاجة هذه الفتاة الصغيرة التي تخاف وتولول لمشاهدة رأس ثور جُلِب ليُطبخ على الغداء، صاحوا بها ألم تأكُلي في حياتك، أو ألَم يطبخ أهلك رأس حيوان من قبل؟!

ومنذ ذلك اليوم لذت بصمتي، وظل منظر الرأس المنكفىء، وقطرات الدم على أرضية البيت بخيالي يستصرخاني لأزالة الأثر !

***

خلود البدري

 

 

عبد الرزاق اسطيطوأحدق في الفراغ

فأراني طيفا..

وفيضا...

ومشكاة...

المشكاة من نورها يتفجرالماء أنهارا

2

أحدق في المرآةالبلورية

فأراني نورسامتيمابسمائها

بحرا أصيرلضفافها الهائمة

3

أحدق في صورتها المعلقة

فأراني وقد صرت من فرط الهوى

وترا بلا لحن..

وبلا عازف..

وبلا أغنية تهزأركاني كريح عاتية

4

وحيدا كالغريب أحدق في شرفتها

علها تفتح نوافذقلبها

علهاتطل كقمرمن عليائها

فأراني عند الغياب مطرا وغيثا

يعانق رمال صحرائي المقفرة

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

قصي الشيخ عسكرواستهلكته، في بضعة أشهر أو سنوات، جهود مضاعفة في الوقت نفسه نشوة بعيدة الغور، كان ينكبّ ساعات الصبح على البحث، يناقش الأستاذ المشرف ويدون ملاحظاته، ثم يذهب إلى المختبر يتعامل مع السوائل والمركبات فيحاصر جرثومة اللشمانيا.بطن البعوضة الناري وانتشار الشعر على جسدها حمرة قاتمة في الأسفل.. عالم صغير خفيّ مخيف لا توقفه حدود، يدخل تفصيلات ثم حين يتحرر تطل عليه الحرب الكبيرة تلك التي تطايرت وانتشرت أسرع من جرثومة بين يديه يراقبها عن قرب، من قبلُ ، يوم اشتعلت على عجلٍ، بدت ذات نهاية قريبة:بعد أسبوع وربما، إن تشاءمنا وأفرطنا، تستهلك شهرا حينذاك اعتاد أن يتصل بالهاتف فيطمئن غير أن الحرب مثل اللشمانيا أبت أن تحاصره.. كلمّا حاصرتها من جهة امتدت لمكان آخر وانتشرت فيئس من نهايتها، وكان الطالب الرفيق مسؤول المنظمة يجتمع بهم كلّ شهر ويسأل السؤال التقليدي الذي اعتاد عليه كلما قرب العام الدراسي على النهاية وأقبل الصيف:

أي من الذين يسافرون خلال العطلة إلى أهلهم يرغب في الذهاب إلى الجبهة.

لايخاف.. حقا لا يخاف.. سوى أنه لا يرغب في السفر سواء وقعت الحرب أم لم تقع.

لا بدّ أن يقضي السنوات الثلاث مع اللشمانيا!

هناك من اندفع، هو الحماس أو الحياء، رحل وقضى الصيف الساخن على الجبهة ولم يُعْرَف أنّ أحدا، من طلاب البعثة، قُتِلَ في الحرب، المتطوعون عادوا وأغلبهم من خريجي الثانويات وبعض طلبة الدكتوراه.. عبد العال كان هناك في صيفين، تقاسمهما بين العيش مع أهله والجبهة.. تسمعه ينتقد الحرب ولا يتردد في اقتحامها.. لغزآخر تفهمه ولا تفهمه عنه.غامض واضح.قد تشكّ فيه ثمّ لاتصدق بهاتك.. ليس بمقدور مسؤول المنظمة أن يجبر أحدا سوى أنه بعض ردّ للجميل، يارفاق.مادامت الدولة منحتنا امتيازا، بفضلها نعود أطباء وموظفين محترمين، مهندسين أساتذة جامعات، فلم لا نترك مقاعد الراحة مدة شهر فنقاتل العدو، أسلوب خطابي يمكن أن يتكرر في كل لقاء..

على يقين أنه لايخاف..

لايتردد فذهنه مشغول بحدث آخر .

ولعله كان يود السفر مرة واحدة خلال مدة الدراسة، عطلة واحدة لا أكثر أمّا الآن حين تغيّر الوضع فيمكن أن يلحق ببقايا الحرب حين ينض يديه من أطروحته.

متأكد أنه لن يتردد، وربما يجدها أشلاء..

هكذا أقنع نفسه، واقتنع أنه يمارس حربا أخرى على قوى الخفاء التي جلبها معه، فكلّ شيء الآن يسير على مايرام ولكلّ حادث حديث.

أما النشوة المضاعفة فالتي يقضيها بعض الليالي حين تتفرغ له جوستينا.. كانت ترتاح عادة من الشغل يوم الإثنين، فتزوره في شقة الطلبة، وقد ألِفَها وعرف عنها الشيء الكثير بل رآى جسدها يتجدد كل يوم كما لوكانت تستحم بماء يعيد لها رونقها كل دقيقة.قد تكون عثرت على منهل الحياة السحريّ.لا يدري أية ساعة دفعتها للتفكير في أن تمارس مهنة البغاء لا تعليل عندها سوى أنها كما تدَّعي أكملت المرحلة الثانوية، وجدت وظيفة في محطة بترول:أربعمائة جنيه كلّ شهر وفي أشبه ما يكون خاطرا يندّ عن حلم جديد أدركت أن هناك بيتا يملكه شرطي متقاعد.بيت دعارة، شيء جديد نوت أن تجرِّبه ولعلّها لا تنوي البقاء طويلا فيه.لِمِ لا نجرب الأشياء فنحياها كي نعرفها عن كثب.

كانت تربح الفا وخمسمائة جنيه في الشهر .لحظة لا يمكن أن تتجاهلها..

ولا وقت لأن تتردد..

يا ترى هل تردد ساعة وقع بصره على إعلان في الجريدة ، فعمل في توصيل البيتزا، صكّ بين يديه من السفارة كلّ شهر يغطي نفقاته، تبقى التجربة الجديدة التي تجذبه.. ماذا عن سنوات طويلة استهلكته على مقاعد الدراسة وأمامه حين يعود إلى البلد مجال واسع.. أستاذ في الجامعة، صاحب مخبر طبي، ليفعل أي شيء فهنا تضيع كثير من الأسرار وليكن مايكون.. هذه بريطانيا أم الرأسمالية، لابدّ من تجربة النقود، يقتنع تماما أن جستينا فعلت ما تعتقده الصحيح مثلما فعل فاندفع مع إعلان في جريدة مركونة على الطاولة، هل هي الغيرة بدأت تراوده؟في بريطانيا النساء يمارسن الجنس بوضوح.. منهن من يرغبن بالنقود وأخريات مجرد البحث عن لذة، لا يهم، لو التقط جستينا من "بوب"أو الجامعة عبر علاقة حميمة لقرأ دون أن يعي آثار الرجال على جسدها من أنكليز وعرب وسياح.الدنيا واضحة.. منفتحة.. لاحدودلها مثل بعوضة تنتقل على أجساد البشر ببطنها الحمراء.هي الغيرة تراوده إذن! هل هو الحبّ.ما النتيجة؟ ليشطح به الخيال بعيدا فيرى أنها ذات وضع مختلف.. في بيت آخر غير البيت " 116" ، وليتماد في تصوره فيجد أنها عذراء.قد يتجاوز فيقلب الحال:لم يأت على نفقته.. طالب بعثة والزواج من أجنبية خيانة.لا جستينا ولا سواها..

مازالت السنوات تمتد أمامه وتراوغه مثل فطر ينشطر فلِمَ تعجل الأمور.

راح يطلّ في عينيها ويمرر أصبعه على جبهتها حيت عضت إبهاهه عضة خفيفة فقبلته وقالت:

- الإثنين القادم عطلة، بانك هولداي، واليوم ذاته عيد ميلاد أمي مارأيك أن نذهب معا إلى ليستر؟

فأجاب من دون اعتراض:

- حسنا ليكن!

- ونمر في طريقنا على معلم أثري أظنه سيعجبك!

- سيعجبني مادام يعجبك فأنالم أزر إلا قلعة روبن هود:

كان مع عبد الخالق، يطالعان الدروع، ، بعض مخلفات الماضي الجميل، وقبواً لجأ إليه المتشبثون بالحياة خلال الحرب هؤلاء الذين يظنّ بعضهم أن روبن هود حقيقة والسيد تشرشل خرافة ثم يجلسان في حانة التقطا أنفاسهما على أحد مقاعدها، وكانت صاحبتها البائعة تشير بإصبعها إلى صورة فتاة صغيرة .طفلة جميلة.بريئة ذات ملامح ذكية، وتقول بابتسامة زاهية: هذه صورتي كنت في السادسة من عمري يوم اختبأت مع أمي وأبي في ملجأ القلعة هاربين من طيران الألمان واستفاق من نشوة غامرة وهو يسألها قبل أن ينصرف من الدكة حاملا كأسيهما حيث المنضدة عند المدخل:

- سيدتي مارأيك في الإثنين أيهما حقيقة؟

- كلاهما حقيقة وكلاهما خرافة!

وقال تستفزّه من شتاته:

- سنرى جميع المعالم في لندن وريف نوتنغهام.أمامنا الصيف والعطل وعطل البنك هولداي وصمتت برهة لتقول:

- أرجو ألا تنزعج من إخوتي واخواتي ثم نعود في القطار بعد التاسعة!

- ولِمَ يضايقونني؟

فقالت مبتسمة:

- أنا من ليستر بيت أمي هناك، لي ثلاث إخوة غير أشقّاء من زوج أمي الأول، شقيقان وشقيقة، وأخ وأخت من زوج أمي الثاني، وأخت شقيقة من أبي زوج أمي الثالث!

معادلة تحتاج إلى كأس ليفهمها:

- كلهم أجدهم هناك؟

فتهزكتفيها وتمط شفتيها عن راحة واقتناع:

- إنَّها فرصة لنتجمع كلّنا في عيلاد ميلاد والدتي، نحن لا نلتقي مجتمعين في أعياد رأس السنة لكنَّ شملنا يلتمُّ في هذا اليوم، أمي وأزواجها الثلاثة وأنا وأختي التي تصغرني بسنتين أمي بقيت على علاقة مع ازواجها، نجتمع كلّنا عندهاّ!

وجاء عصر الأحد، فغادر المطعم الساعة العاشرة، وحين دخل البيت وجد في الصالة عاهرتين في الثلاثين من العمر تلعبان الورق خيّل إليه أنّه يوم قدم بالبيتزا رآى إحداهما تجتاز إلى دورة المياه، ولم تغفل أحدهما أن ترفع بصرها إلى التلفاز الذي لا يعنيه، لحظتها، أي شيء كان يبث.طلبت منه أن ينتظر في الصالة بضع دقائق حتى تفرغ من ارتداء ملابسها.

جلس مرتبكا على أريكة تقابل منضدة انتشر عليها الورق، ثم جذبه المشهد الناعم الهادئ.لقد ألف المكان، أصبح واحدا من أهل هذه الدار.زيارة واحدة سابقة جعلته يشعر بالألفة مع ذلك وجد من المحال أن يلتقي مع جوستينا على سريرها.لا يظن نفسه أي عابر.انتبه إلى لاعبتي الورق، أحداهما بيضاء ذات وجه مورد وعينين ذكيتين تبحثان عن خبث أصيل.. وتهومان على بعض أسرار من المحال الكشف عنها كانت ترفع نظراتها عن الورق بحجة النظر إلى التلفاز لتستوعب ملامحه. .. هكذا تخيّل الأمر، أما الأخرى الطويلة الناعسة ذات الشعر الأشقر المنفوش التي يظنه أبصرها من قبل فلا يقدر أن يدرك عنها أي انطباع، وثمة حركة ما في غرفة مغلقة. لا يدري عددهن، ولا يهمه ذلك. التفتت إليه اللاعبة ذات العينين الذكيتين الخبيثتين:

- أتحب أن تشرب شيئا؟

Thank you I am ok

فاجأته التفاتتها وسؤالها فشك في أن تخمينه ليس على صواب.. كان يجلس مثل طفل اقتادوه إلى الصف في أول يوم دراسي، يضع احتمالات ساذجة ثم سرعان ما يغيرها.. واستعاد راحته وهو يتابع اللعب الهادئ، لابدّ من أن يراقب دون أن يعير اهتماما لما يدور حوله، بالضبط يرى نفسه قطا هادئا ينعم بالجلوس جنب مدفأة نشطة في عز الشتاء وهو يتطلع بسيدته وسيده اللذين انهمكا في القراءة.. سنوات يرصد اللشمانيا، الطفيلي والبعوضة فأية مشاعر تلك تنتابه هذه اللحظة.وفُتِحَ أحد الأبواب المغلقة فخرج رجل في الخمسين من عمره ذو ملامح شرقية، تجاهل اللاعبتين والضيف، وهبط مسرعا نحو الباب الخارجي، أعقبته العاهرة التي التقاها أول يوم قدم فيه يوصل البتزا.ابتسمت إلى اللاعبتين، وقصدت الحمام:رمقت اللاعبة ذات الوجه الطفولي رفيقتها، ومطت شفتيها وقالت:

- ناتالي هل صاحبك مازال صامتا!

Yes but this is not my problem

وهتفت وهي تلقي ورقتها على المنضدة وتخاطب صاحبتها:

Yes to be silent but game is over

وأطلت جوستينا بهيئة جديدة.كانت ترتدي سروالا قطيفة أزرق وسترة جلدية أنيقة بلون رمانيّ، بدت بزيّ ارستقراطيّ فخم.بسطت يدها نحو الجالستين، وقالت:

I forgot to introduce my boy fried Nadir said

فابتسمت الاثنتان ورحبتا بالضيف وقالت الأخرى التي خسرت شوط الورق وهي تغمز بحاجبها:

- لا تنسي أن تقدميه لنا في المرة القادمة!

قال نادر وقد شعر ببعض الإحراج:

- هل أتكلم في الهاتف فأدعوَ سيارة أجرة:

- مركز المدينة قريب .. المشي أفضل.

ألقت آخر نظرة على مرآة مستطلية جنب الباب الخارجي، ، واستندت إلى ذراعه، راحا ينحدران نحو شارع " ماونت هوتن " الذي رآى الترام يشطره، بعد أكثر من ثلاثة عقود، بسكته الملتوية وأسلاكه المعلقة في الهواء.لن يضلّ الطريق إن رجع ماشيا متتبعا طريق السكة، فقبل سنين مضت بأسرع من وهم أو خيال عابر.استندت إليه، يدها تقبض على ذراعه.كان يفكر بشيء مقرف.كم رجل مرّ على جسدها قبل أن يأتي إليها؟إنكليز.. عرب.أفارقه.من كان أكثرهم كرما معها.يدفعه الفضول:

- ماقصة ناتالي والرجل الخارج من عندها.

ضحكت باستخفاف:

- هذا لا يتكلم، يتصل عبر الهاتف يسأل عن ناتالي ولا تعجبه غيرها ثم يأتي يدخل عندها صامتا ويخرج منها مثلما جاء!

- كم عددكن؟

- ستة وأردفت : maybe sometimes five

راح رأسها يلمس كتفه، وقبضتها تزدادعلى عضده، وحين وصلا إلى حديقة البرتون، وقفت.نظرت في عينيه، وقالت:

- قبلني؟

رفع شفتيه عنها:

- قد يتعبك المشي، نعود نستقل سيارة أجرة؟

- كلا أبدا

على الرغم من ندى الليل، وضباب خفيف يشيع لزوجة على وجهه إلا أنه لم يشعر بالتعب، ظن بضع قطرات سقطت على رأسه فأدرك وهو يرفع عينيه إلى السماء أنه ليس المطر بل هو ندى يخرّ بصمت من أوراق الكاستانيا المصفرة. كان باب " البرتون" مغلقا ولا يفصلهما عن أقفاص الطيور عند مجرى الماء سوى السياج وبضعة أمتار، لا غناء أو زقزقة، فكل ما في الحديقة ساكن وهادئ ولم يعكر صفو الشارع سوى مرور سيارة أو همهمة من مكان بعيد، وقبل أن يعبرا الحديقة باتجاه رصيف جامعة ترنت جذبته ووقفت.قالت وهي تشدّه من شعره:

- قبلني قبلة طويلة!

كانت تدلق لسانها في فمه فلا يقشعر.لكن كم زبونا جاء اليوم.العواهر لا يعبأن بالقبلات، والمداعبة.لا يقبلن، جوستينا تؤدي واجبا مثلما يفعل مزارع في أرضه أو ومهندس وموظف في دائرة ما، سألها وهو يلتقط أنفاسه:

- هل تودّين أن نجلس في بار.

- هزت رأسها ويدها تختلس رطوبة على شفتيها:

- بل لنكن وحدنا ففي غد نسافر في رحلةطويلة!

5

قد يبدو المطبخ بطعم آخر صباح اليوم التالي، جلست جوستينا نشطة الساعة التاسعة دخلت المطبخ تعمل القهوة، فالتقت" Robyn "وتبادلا تحية الصباح، إذن سيعرف فريدريك من صديقته أن نادر لم يعد وحده، أما تيموثي الذي يقضي هو وإحدى المراهقات العطلة في مكان ما فإنه سرعان مايعرف بعد حين فيدفعه فضول مألوف فيه إلى أن يسأل عن بعض التفصيلات.

لايهمّ.لا يختلفعنأيّ طالب بعثة.

يريد أن يعرف الآخرون أن لديه صديقة.

بين لستر ونونتغهام أقل من ساعة بالقطار، وجوستينا تتعجل وتنوي مغادرة منزل الطلبة مبكرين كي تلحق الحافلة.حماس غريب لم تفصح عنه.وخلال دقائق كانا في فكتوريا سنتر حيث غادرا إلى مكان ما.. استهلكت بصره بنايات متناثرة امتدت باتجاه الافق في نهاية مدينة نوتنغهام.خضرة لامتناهية، منحدرات وسهول تعانقها هضاب، مشهد لا ينتهي.هي المدينة التي استوعبت العالم فرآها من قبل وبعد ثلاثين عاما.تتغير ولا تتغير.عند مواقف ينزل أو يصعد منها العابرون.غابات كأنها تهرب بخفّة من الرؤيا نحو الهضاب الوادعة، مزارع تسيجها أسلاك وتنتشر على رقعها الخضراء خراف، وبقر بعضه جالس يقضم وأخريات يتأملن الأفق، وثمة اسطبلات لخيول تجلد ظهورها وجوانبها بذيولها الطويلة.إلى أين تاخذه هذه المجنونة؟تداعب ذهنه حوادث قرأها وأبصر بعضها في التلفاز.رجل يقتل عشيقته في غابة. نهاية طريق زراعي تذبح سيدة في الخمسين من عمرها زوجها.كانت جالسة جنب النافذة تحدِّق بالمناظر البعيدة، ورأسها يحتك بكتفه.المسافة بين نوتنغهام وليستر لا تتطلب أن نستدعي كل تلك المشاهد.:

- إلى أين تأخذيننا؟

- مجنونة أليس كذلك ؟

وصمت.. ظل رأسها يحتك بكتفه، والحافلة تقذف مافي أحشاءها وتلتهم من جديد، والمشاهد لا تنتهي، وبدأت تنتشر بقع من الغيوم فاختفت الشمس حتى توقفت الحافلة في" جستر فيلد":

- هنا ننزل لكنها ليست النهاية!

- ماذا؟حافلة أخرى؟

تواريا نصف ساعة في مظلة لموقف آخر، كان يشعر إنه أصبح أكثر حرية.تحرر هذا اليوم من الذبابة، وفطر اللشمانيا.عيناه تجوسان في السماء فتبحران مع قطع الغيوم المتناثرة في السماء، وحمام تكدس يلتقط بقايا طعام تناثر بين الرصيف وضفة ساقية تصب في نهرجانبي، وكان هناك مقابل الموقف ابن عرس يهبط من شجرة بلوط ويرتقي أخرى.أيقن أنه نسي كل شيء، لم تعد اللشمانيا تسجنه على الأقل هذا اليوم بل هذه اللحظة.ما أشقانا حين نعرف ذات يوم أن حشرة قذرة تقتادنا مسافات طويلة فنصبح ذوي كيان مرموق، وربما ما أسعدنا ونحن نراقبها في عالم الخفاء.. لوكانت جوستينا طالبة معه، يا ترى أي موضوع كانت تختار، هذه المرة تسللت يده إلى شعرها، أحس برغبة في تقبيلها.

- هذا آخر موقف؟

قالت عبارتها وضحكت، فتساءل:

- هنا تسكن والدتك؟

- هذه قرية كراب ويل لكننا نسير ميلين نحو بيت على التل!

حقا إنها لمجنونة، إلى اين تقصد، بيت وتلّ ، نمشي ميلين، هذا آخر موقف للحافلات، إما أن تذهب بسيارتك الخاصة أو تمشي ميلين، جوستيانا تقول إنها تشتري سيارة وبيتا بعد بضع سنوات، غير أنها الآن تمارس جنون المشي، خطواتها تسير به وسط طريق عريض يشق غابة كريف وود، وأرض مفتوحة على خلاء أخضر، مسحور مفتون ليقل عن نفسه مايشاء قبل أن يعود إلى سجن اللشمانيا.إلى أين نحن نسير؟

هل ترى ذلك البيت."أشارت نحو بيت يرتقي على تلة شمال غابة تآكلت خاصرتها من ناحية التلال فشخصت مكان أشجارها المتهاوية بعض بيوت ذات طراز الحديث، فاترقيا. التلة.بدآ يلهثان، وسرعان ما استقبلهما ممر عريض معبد بآجر رمادي باهت يحيطه بساطان أخضران وثمة مدخل ذو ثمانية أعمدة لشرفة تمتد قبل الباب ببضعة أمتار.. .

كان ذلك هو مدخل البيت الفكتوري الفخم!

عالم آخر.

دنيا قديمة تطل عليه، تنوء بموج جديد من الزوار.. مسكت ذراعه والتقطت أنفاسها.لم تعد تثير في نفسه الغثيان قط.نسي أنها تبيع جسدها لتملك سيارة وبيتا فخما.كل يطمح للأفضل بطريقته الخاصة.. دول تدخل حروبا.. وبشر تعيش نزاعات.. وهونفسه نادر.. نادر بن موظف الضرائب تبع حشرة وجرثومة ليحتل درجة أرقى.. أول مرة علمته الحب.التقاها بشكل وإذا به يكتشفها بشكل آخر.سيذكر حقيقة وهو يتابع اللشمانيا أن الحامل والمحمول ثابت يمكن أن يتابعه فيضع حدا له، أما جوستينا فبدت له وهويقف معها على أبواب البيت القديم بوجه آخر، ليكن موضوعيا على الأقل هذه اللحظة التي يلج فيها بيتا لايعرفه من قبل، أليس الانبياء مقدسين، لكنهم مثلنا يأكلون، ويشربون.يتبولون ويتغوطون.ولابدّ أن يكون لما يخرج منهم رائحة كريهة وسموم.. أما نحن فيمكن أن ننسى ونتذكر الجميل وحده.. لا مشكلة إذن، فقد تأتي الانفعالات متأخرة بعض الأحيان كالخريف الذي لما يعد يلتهم بصفرته الحشائش وأوراق الأشجار، مسكت يده وجالت به على مشاهد غريبة عنه.من قبل رآى تلك الحشرة الحاملة الوسيط من وراء زجاجة، والفطر أيضا أبصره ينمو ويموت بنوع من المضادات، المشاهد أمام عينيه لا تحتاج إلى مكرسكوب عالم قديم ملون يحثنا كي نتابع الخفاء.. أثاث فخم ضخم ساكن.. ألوان زاهية تعجز عن أن تنفخ الحياة في مقاعد وكراس أو خزانات عرض وملابس.. لوحات، وجوه عاشت قبل خمسة قرون تطل عليه وتتجاهله.عيناه وعيون الحاضرين تبعث فيها الحياء من خلال نظرات طويلة ممتزجة بدهشة وانبهار.. صور قد لاتشعر بوجوده.تقول له جوستينا هامسة :اللوحات ندرك جمالها حين لانقترب منها كثيرا لئلا نرى ضربات الفرشاة وآثار شعراتٍ تُشَوِّهها.يهزرأسه و يتراجع خطوة يتمعن في لوحة أخرى. يجدها محقة فيما تقول.تبهره لوحة لامرأة ذات وجه طويل وعينين ثاقبتي النظرات.أنف دقيق وعريض من جانبه الأيسر، كانت ترتدي قلادة بثلاث سلاسل وطوقا يحيط رقبتها من عشرين أسطوانة.في عيني السيدة نظرة جادة لا تخلو من صرامة وذكاء."كونتيسة شروف بري".لا يعير اهتماما للاسم وتنتقل عيناه إلى صورة فوق الكونتيسة.كراس ومظلة تشبه العرش .حديقة ذات أشجاركثيفة أيّ شجر يمكن أن يلتبس بذهنه تلك اللحظة.. مرت ساعة على انتصاف النهار وهما يتمعنان في اللوحات والأثاث.قلة هم رواد المكان، لكنه يبدو ينبض بالحياة في كل فصول السنة، والسؤال الذي يعنيه أين منزل السيدة الأم ومظاهر عيد ميلادها من كلّ مايراه؟مع ذلك آلى الاّ يتعجّل في سؤاله.قالت لنعد الآن.وهبطا من الطريق ذاته.مسكت يده:

- اعتدت أن أزور هذا البيت كل عام مرة خلال عيد ميلاد أمي!

هي نفسها قريبة منه بنَفَسها العذب، والصراحة والبراءة، وبعيدة في مواضع أخرى يكره ان يتخيلها:

- مكان جميل بلا شك هادئ!

قال ذلك وقد أخذه الهدوء إلى درجة السكوت.مازال بعض الغموض يخامر رؤاه.تأتي كلّ عام مرّة لترى حياة لاحراك فيها، وبالأمس وضع عينه على الجهاز فوجد ما لايُرى يتحرك، وبالأمس قبله أو الشهر الماضي وربما أبعد دخل قلعة نوتنغهام فرآى السيوف تتحرّك، عاش مع روبن هود في الغابة، ودخل الملجأ من ضمن من أرعبتهم الغارات الألمانية، وهنا يحسه سكونا أقرب إلى الموت.مفارقة عجيبة بين سكون وآخر:

- هذا البيت هاردوك هول مبني بين عامي 1591 و1597 مالكته تدعى بيزهاردوك.

صارمة الملامح بوجه رجولي ليست بجميلة:

- ماذا؟ السيدة ذات الوجه الطويل والنظرات الثاقبة؟

كونتيسة شروف بيري، سيدة القصر هي مثلي الاعلى، حين توفي والدها بدد أخوها ميراث العائلة، تزوجت وهي صغيرة السن.مات أزواجها الثلاثة. فتزوجت الرابع الذي مات فورثت عنه ثروة هائلة انتقلت إليها ففاقت رجال الأعمال حتى أصبحت تحتل المرتبة الثانية في الغنى على النساء والرجال في إنكلترا.

يا ألطاف الله.لو زار مصر لكان يرآى الأهرام عن بعد، يُقسِم أنّهلا يجرؤ أن يدلف إلى عالم محنط، لعنة الفراعنة هي نفسها لعنة مدام بيز هارد وك.. قد تختلف المشاهد في بلد عن بلد بيد أنها تبقى متكاملةً متآلفةً من حيث الجوهر.قطعت عليه سَرَحَانَه:

- هل اقتنعت أنها مَثَلي الأعلى!

- ربما لكنك " تردد قليلا"لست شؤما مثلها!

- أوه دعك ياعزيزي من هذه الخرافة!

كان عليهما أن يعودا إلى موقف الحافلة لكن قطع الغيوم التي تركاها خفيفة في جستر فيلد لاحقتهما في طريق العودة.في البدء لاحت شفافة ناعمة ملساء لا تثير الريبة ثم نثت وانهمرت بغزارة، أحس بلفحة برد ورطوبة تدغدغان صدره، لكن يدها التي تقبض على معصمه جعلت بعض الدفء يسري في جسده وبدا شعرها المبلل مثل قطع كريستال ناعمة تتلاعب بالضوء، وقدغسل المطر والبرودة أفكارا سوداء راودته قبل قليل.ليضحك ويلعب كطفل.لن يموت لترثه زوجته فتتزوج من بعده.

إنه يشعر بالأمان معها:

- أووه أهكذا أزور أمك في عيد ميلادها فارغ اليدين.

- لا عليك سأشتري قنينة نبيذ وباقة ورد من مخزن محطة القطار وبإمكانك أن تفعل مثلي!

بعد عودة متلفعة بالمطر، ومسحورة بمناظر نفضت عنها نشاط الصيف.المشي أكثر من ميلين والخافلة مرة أخرى، كانت شقة الأم تنتظرهما.وجدا لحاضرين يتأهبون للاحتفال، أعلنت وهي ترفع يده لأبيها وتخاطب إخوتها وزوجي أمها:

Nadir Said my boyfriend

يرتبك قليلا، ويعودإلى توازنه.

يحتضن الام وآخر أزواجها.. يصافح رجلا يحمل أسفل رقبته ورما يعرف فيما بعد أنه السيد نورتن الزوج الثاني، ثم يصافح البنات والأبناء.هل يا ترى يعرف هذا الحشد أن جوستينا تمارس البغاء.لا.. كظم ارتباكه ثم استعان بالضجة.. تلاشى خجله، كان يوغل في عالم جديد مشحون بالخيال والنبيذ لم يعتده من قبل.

6

هي المرة الثانية التي تقدمه فيها صديقا.ستنطبع تلك الصورة بذهن جاريه في السكن الجامعي، وفي ذهن كلّ من يراهما معا.. كان محاطا كل عام بذلك اليوم الذي يجتمع فيه مع الجميع، الوحيدون هم الذين يعرفون حقيقة جوستينا.. حفظ اسماءهم، ودخل معهم في حوارات مفتوحة.نادر سعيد من العراق.شقيق جوستينا الأكبر رالف في الأربعين من عمره.يأتي مع والده في بسيارته من ليفربول.مهندس مكائن يعمل على متن حاملات الطائرات، من حسن الحظ أنه لم يتخلف عن حضور عيد ميلاد والدته، أول لقاء تحدث عن الحرب قال عن نفسه إنه يعمل على متن حاملة طائرات لكنه مدني.عمل من قبل في هندسة السيارات ثم انتدبته حاملة الطائرات أجور العمل في البحر أعلى لذلك لا يعرف أي سبب دفع البلدين، العراق وإيرران للحرب.. البلدان ليسا بحاجةلنفط.. ظل يبحث عن سبب كل عيد ميلاد يلتقيه غير أن جوسيتينا كانت تقطع عليه حديثثه كل مرة، اندفعت تهدم نظريته في الحرب حين ذكرت الفوكلاند والسبب الذي جعل بريطانيا تحارب هناك على أرض غير أرضها.. يختلف الآخرون ويتفقون ثم في نهاية الأمسية يبدون راضين.. كان الزوج الثالث مستر أليان يشكو من ضياع الغابة يقول كلما جاء إلى نوتنغهام وجد غابة شير وود تنحسر.فتقوم مكان أشجار الكستناء البرية بيوت جديدة.تسأله الأم :أين هم مجموعة الخضر المدافعون عن البيئة؟ فترد عليها لويزا الأخت الشقيقة:هناك شاعر من نوتنغهام كتب قصيدة يرثي بها الغابة قبل موتها، فردت الأم:أنت مغرمة بالشعر دائما، كان الجميع يتحدثون أحاديث شتى من الشعر إلى الحرب والغابة والبحر ماعدا "تيني" التي اكتفت بقنينة ماء، وهمست جوستينا في أذن نادر وهي تقوده إلى الطابق العلوي حيث الحمام:تيني فقدت كلية لها بسبب السرطان وربما تعاني من مشاكل في المعدة، فاعترض:لكن "إلف" يبدو خشنا.كان يعني شقيقها من زوج أمها الثاني الذي لفت نظره بغلظته لحظة دخلا المنزل.. عانق جوستينا جميع الأخوه ماعداه اكتفى بالمصافحة وقد لزم الصمت طول الوقت تهمس بأذنه: لا عليك منه هكذا هو طبعه، أما "لويزا" الأخت الصغرى الشقيقة الشاعرة فبدت مثل النحلة.تحركت أكثر من غيرها بين المطبخ والصالة ولعلها جاءت إلى المنزل قبل الجميع كانت الأكثر رشاقة وجمالا، وإن بدت ملامحها أقرب إلى رالف المهندس، غير أنه لم يحفظ خلال عيد ميلاد الأم لأول الاسماء كلها.انطبعت فقط في ذاكرته وجوههم الخالية من اللشمانيا.عالم الخفاء وجده لا يليق بوجوه الآخرين.. راح يبتسم ويحدث نفسه حذرا من أن يسمع هواجسه أحد:هل يُعقل أنه يرغب في أن يرى فطرا، يحاصره بزجاجة وبعض المركبات والسوائل، يأخذ مكانه على الوجوه.قد تبدو بعض الملامح أفضل، والأخرى بشعة مع اللشمانيا.فالجميع سعداء، وفي لحظات توقفت الثرثرة.. انحسرت سنوات، وبانت كلها في يوم واحد هو ولادة الأم جوزي.لحظة صمت، وقف الزوج الأول باتريوس وأخرج ورقة صغيرة من جيبه:

- عزيزيتي جوزي أنت زوجة رائعة وأم عظيمة.أنت تعرفينني لا أحب الكلام الطويل.بسيط في حياتي وسهل وإذا كان هناك شيء أحب أن اذكره فهو تلك الايام التي قضيناها معا.عيد ميلاد سعيد.

صفق الجميع ونهض الزوج الثاني، وتحدث ارتجالا:

- أنا سعيد جدا بهذا اليوم، لأنه يجمعنا جميعا.آباء وأبناء، مملكة حلوة لملكةرائعة اسمها "جوزي"، ونهض الثالث والد " ليزا" و"جوستينا" وقال:

- حسنا، هل من شيء جديد، كلّ عام نعيد الكلمات نفسها، وأنا شخصيا آمل لجوزي حياة مديدة لكني اعتدت ان أقول كل عام طرفة عابرة أختلقها أوأسمعها.. هذا العام تسمعون مني نكتة تخصني أنا وجوزي للمرة الأولى"توقف ارتشف جرعة من كأسة وواصل" : ثاني يوم ولادة ابنتنا الكبرى "جوستينا"وصلت وصلت إلى المشفى من مانشستر ثم اكتشقت أنه لم يبق معي نقود تكفي لشراء باقة ورد، نظرت حولي فأبصرت حديقة المشفى الخلفية عامرة بزهور مختلفة، تلفت مرارا وبدأت أقطف ورد الحديقة، ولم أع أن "جوزي" كانت تجلس في غرفتها أمام الشباك وتتطلع إليَّ بدهشة فدخلت وعانقتها، وقدمت لها الورد، صمتت ولم تخبرني إلا بعد أيام!

استغرق الجميع في ضحك صاخب وتبادلوا الأنخاب، كان نادر يرفع كأسه نحو جوستينا فقالت الأم " جوزي":

- لقد قلت لك كانت أجمل باقة أتلقاها!

فردت جوستينانا بصيحة:

- ولن تتلقي مثلها قط!

ثم نهضت"لويزا"وراحت تتحدث بلغة الشعر:

لاشيء في هذا العالم أجمل من الأم

أمي جوزي ليس هناك ماهو أعظم منك

لانك جوزي

لأنك أمي فأنت الأجمل دائما

عندئذ تطلع إلف إلى " جوستينا" بنظرة ذات دلالة، قصد مكانها وانحنى يهمس في أذنها فغادرت مكاننها ولحقته إلى غرفة تطل على المدخل، ران صمت على الجميع وبان قلق بوجه الأم، فمسحت لويزا على يد أمها برفق.ابتسمن وعقّبت:

- لا تقلقي سيعودان!

بعد لحظات كأنّ الجميع حبسوا خلالها أنفاسهم ، انفرج الباب، وأطلت جوستينا بملامح تدل على الغضب أعقبها إلف الذي لزم مكانه واجما كأنه يراود نفسه بين الصمت والكلام عندئذ نهضوا واخذوا يغنون :

happy birthday to mum happy birthday to Jozy

راحت السكين تهوي على الكعكة ثم تبادلوا الأنخاب، وفجأة كما لو أن عاصفة فارغة تمر من دون أية ملامح تسبقها أو أي أثر يدل على قدومها ترك "إلف" الفظ كأسه وقطعة الكعك واندفع إلى حيث تجلس أمه، انحنى يعانقها.. قَبّل وجنتيها وانفجر في بكاء هستيري.. لحظات مرت ثم خرج من دون أن ينبس ببنت شفة فشيعته الأم بابتسامة باهتة وران صمت على الجميع فتحدثوا بهمس.كانوا ينسون إلف تماما. .أبوه وأخته احتضنا الأم.. لكن حالما أعلنت الساعة التاسعة كان كل منهم يغادر إلى مكانه البعيد!

7

بدا هناك تغير واضح المعالم في شقة الطلاب، فقد تركت جوسيتا في خزانة الملابس عند نادر منشفة وملابس نوم وفرشة أسنان.أحيانا يصحو قبلها فيقصد المطبخ يعد الفطور، ويشعر بالزهو إذ تجلس قبله فيظن أنها التقت أحد الساكنين أو واحدة من صديقاتهما.كان قد أخبرها بعقدة تيموثي والقاصرات، فارتسمت على ملامحها دهشةما.. كان يرى أن الأوروبيين بخاصة الإنكليز أهل البلد يمكنهم أن يتجاوزوا من دون عقدة ما وسواء اختلف أو اتفق مع جوستينا حول تيموثي وأمور أخرى فإنها تظل الأنقى.. إنَّه لا الآن كونها معه لا يختلف عن شريكي السكن.له صديقة مثلهما، ولشدما خشي أن تبوح بالسرّ، فتردد في باديء الأمر أن يصارحها.راودته الفكرة حالما عادا من ليستر، هي المرة الثانية التي تقدمه فيه صديقاboy friend .تردد في عرضه، وهاهو السؤال يحاصره، لا يريده يتشظى.. يتبعثر فيتطاير مع دخان القهوة الخفيف المتصاعد من فنجانيهما.

بلا شكّ لا يروم أن يصبح مسخرة:

- جوستينا آمل ألا يعرف فريدريك وتيموثي عنك.. .

قالها بابتسامة مرة ومالت عيناه نحو الفنجان كأنه يهرب إلى مستقبل مجهول:

- وما الداعي لأن أتحدث عن الموضوع.

تجرّأ اكثر:

- لأنك تهمينني أكون صريحا معك حد السذاجة.لا أريد أن أعرف متأخرا.هناك قدمتني صديقا وفي منزل والدتك أيضا هل تعرف أمك أنك.. .

فضحكت وقضمت قطعة الخبز المدهونة بالبزبدة والمربى:

- يمكن أن أخفي ذلك عن تيموثي عشيق القاصرات وفريدريك، ويمكن أن أذهب إلى الجامعة معك ولا أخبر أحدا لكن ليس هناك من سبب واحد يجعلني لا أخبر أمي بما أفعل أو إخوتي!

بقي صامتا يبحث عن أيةكلمة مناسبة.. اعتذار، اعتراه خجل، وهربت من ذاكرته الكلمات.إنها صريحة صراحة الأطفال وبريئة مثلهم.

آسف فقد أكون..

- لاداعي للأسف تخيّل أخي إلف الوحيد الذي يعترض!!

لم يشغل نفسه ليلتها بما حدث بينها وأخيها، فكلهم أخوة وأزواج أم وهو الغريب الوحيد بينهم وما أثار دهشته فيما بعد أن لا أحد منهم اصطحب صديقة أو صديقا، مهما يكن فقد ظهر إلف مليئا بالغثيان عنيفا مع نفسه أكثر من أن يكون عنيفا مع جوستينا:

- تقصدين ساعة انفرد بك؟

- سألني مادام عندي صديق فهذا يعني أني تركت البغاء!

- لهذا كان ينظر لي ولك نظرات مريبة!.

ردت بجدية كمالو أنها تدافع عن موقف تلتزمه ولاتفرط به:

- إلف من جذور كاثوليكية والده إيرلندي يرى النقاء الحقيقي في ثقافته الروحية يظن أن البغاء يعني أن تمارس المرأة الجنس مع عدة أشخاص مقابل أجر لكنْ هناك جانب آخريغفله ألف وأمثاله كثيرون هو التحرك لعقد صفقات مع رأسماليين كبار، البغاء يدخل في تجارة الموز، والنفط، ووسائل الإنتاج تلك أمور لا دخل فيها للمشاعر والأسف.

توقفت عن الكلام، والتفتت تسأله:

- الذي يهمني هو أنت!

هز رأسه، وقال:

- أنا لا أتدخل في شؤونك مادمت تؤمنين بما تفعلين!

- هذا هو السبب الذي جعل أخي الف ينفجر هو الوحيد الذي يعدّ هذا العمل في منهى القذارة!

- وماذا عن أمك والآخرين.

- لا يهمني إخوتي وأخواتي ولا أبي، باديء الأمر انزعجتْ ثم تجاهلت، قلت لها أعمل في بيت يملكةرجل بوليس متقاعد يعرف القوانين، قد يأتي زبون إلى المنزل فأعجبه أكثر من غيري سوى أن شغلي الأساس مع تجار كبار في الاستيراد والتصدير هذا برأيي أفضل من عمل في محطة بنزين يدر عليّ 400 باوند كل شهر!

مع ذلك يكاد الشك يساوره.هل تكون معهم مثلما هي معه.لعلها لا تراهم ذئابا يلعقون جسدها البض.عجوز في الخامسة والسبعين ملياردير .. تاجر مليونير في الستين.. هناك شباب.. على الأغلب يحوم خياله حول كبار السن الباحثين عن صفقات عبر قنوات الجنس، أهي الغيرة حين يتخيلها ، في أغلب الظن ، كما يشتهي مرّة واحدة كل أسبوع بين أحضان مليونير عجوز.حلوة عذبة في الثانية والعشرين تحوز مالا لا يحلم به أحد وبعد أربع سنوات أو خمس تشتري بيتا وتقتني سيارة، وليس أمامه إلا أن يتأكد حين يزور لندن. في البيكادلي يمكن له أن يختبر مشاعرها عن بعد أو على أقل تقدير شعوره هو، يجد هل تختلف عن الأخريات؟وقد جاءت الفرصة.الرفيق الحزبي في الاجتماع النصف شهري طلع عليهم بخبر جديد.ليستهلك التقرير السياسي الذي لحقهم إلى نوتنغهام نفسه، ولتذهب المحاضرة إلى مسار آخر.الوطن يلاحقنا في كلّ مكان ويمكن أن يدلف مع اللشمانيا.. يارفاق إيران من مصلحتها إطالة الحرب.العرب متضامنون معنا، ومعظم دول العالم.سمعتنا طيبة وخصمنا يثير الريبة في أغلب البلدان، سنخرج نحن طلبة البعثة يوم الإثنين إلى السفارة الإيرانية في مظاهرة احتجاج، لايهم الرفيقَ المسؤولَ أن يغيب طالب عن محاضرة أو تجربة مختبر يوما واحدا.هكذا هو الأمر.أنت الأول على قسم البيولجي، بعثة إلى بريطانيا.. لست معارضا ولا تنتمي لأي حزب آخر.والدك من ذوي الدخل المحدود.موظف في دائرة المالية، وأقصى ما يحلم به أن يصبح مديرا للمال في التنومة وربما أبي الخصيب ولعله الزبير، والحمد لله أنه اشترى لكم بيتا من مال حلال، تقول جوستينا لك، هذا شغل.. صفقة تجارية.. استيراد وتصدير.البغايا لا يأخذن مساعدات من مكتب العمل كما يفعل العاطلون واللاجؤون.. يدفعن ظرائب.. مثلما تتعرف فتاة على شاب في مرقص فتذهب معه إلى منزله ثم تتركه وفي السبت التالي تذهب مع آخر، وهكذا، أما إلف فليذهب هو ومذهبه الكاثوليكي إلى الجحيم، العالم مليء بالخير أما القيامة فلا تظن جوستينا أنها سيئة .. لم تكن مرغمة أمّا الذي كان يمكن أن يحدث لو قابلهم بالرفض.. انضم للحزب مرغما ليفوز بالبعثة وإلا لكان سيعمل بلا شك مدرسا في إحدى الثانويات، فيحتل مكانه طالب من رتبة أدنى، وقد لا يتركونه سيوقع ويصبح شاء أم أبى رفيقا ذات يوم.

تبعيث التعليم

التقرير السياسي يمتد من الثانوية إلى الجامعة حتى نوتنغهام!

يلاحقك، وسوفتصحب معك صفقة في صندوق صغير.

مهنة .. عمل.. صفقة دكتوراه قريبة الشبه بما تفعله جوسيتنا التي تتحلى بجرأة غير معهودة، فلا تخاف القيامة بصورة يراها عليها شقيقها إلف.مسوغات لا بدّ منها.. كلاهما يعقد صفقة.لم يظنّ وهوجالس في حفلة عيد ميلاد الأم أنهم يعلمون مهنتها سوى أن خجلا ما انبثق من أعماقه بعد حين لكنه لا يريد أن يفقدها.من حقنا أن نحوِّل بعض ساعات العبث واللهو إلى عمل.. مهنة.. تجرب كلّ شيء.. من حقك.. توقيع يجعلك طالب بعثة.. صفقة والسيد سعيد مبارك موظف المالية يضمنك.. سيبيع بيت العائلة إن لم تعد يسدد كفالتك، فهل تحقدبعد على الف.

قضى ذلك المساء في المطعم، حضّر السلطة وأعد سيخ الشاورما، ثم انصرف، تابع التلفون وحمل البيتزا إلى بعض البيوت القريبة في البوليفارد، وبيتِ عجوزٍ في راد فورد.فكَّر أن يبقى في المطعم إلى الساعة الثانية عشرة فيقصد محطة القطار.لا مختبر في غد ولادوام.يوم تتحررّ فيه اللشمانيا من مراقبته.. يوم واحد يارفاق لا يضرّ.نحن أصحاب سلام ولابدّ من أن تصل كلمتنا إلى العدو، وأخرجه من تأملاته مؤشر ساعة الحائط الذي عانق العاشرة، فغادر من الغرفة الخلفية، وسأل أنجم:

- هل أستطيع أن أذهب الآن فعلي النهوض مبكرا غدا لأستقل الحافلة إلى لندن!

- لك ماتريد لكن هل من أمر؟

- ياسيدي أنا طالب بعثة والسفارة العراقية دعتنا إلى الخروج في مظاهرة تدعو إيران إلى وقف الحرب!

فكرر أنجم عبارته المعهودة، وهز رأسه بين السخرية والأسف:

- نحن المسلمين من دون عقول إيران لا تحتاج نفطا والعراق لديه نفط ستقف الحرب حين تنهي آخر قطرة!

فأجابه شبه مقتنع، وهو يستعيد كلمة رالف البحّار:

- يبدو أنك على حق!

وغادر المطعم هابطا باتجاه المحطة.. وفي رأسه فكرة جديدة أطلت عليه من شارع سمع به ولم يره حتى هذه اللحظة. مال نحو الطريق العام، وخطا بتؤدة.أكثر ما يزعجه النهوض قبل الساعة الخامسة، عبء لابدّ منه لتجنب مضاعفات مزعجة، كان الجو يميل إلى البرودة والشوارع التي يألفها صامتة تكاد تشفّ عن وقع قدميه وحدهما.إن لم يمش بطيئا فسيصل إلى دار الطلبة بربع ساعة.يذهب إلى لندن بحافلات أعدتها البعثة وبإمكانه أن يعود بالحافلة نفسها فيتجنب الخسارة، وأيّتما فكرة تدفعه أن يتحمل طاقة العودة.لو كان أبوه غنيا لطلب منه مبلغا يدفعه في شراء أجهزة لمختبر تحليلات يحلم به في البصرة لكن ماذا عليه أن يرى في موظف بوزارة المال يضع في حسبانه الحلال والحرام.

كان يخشى أن يسرقه النوم فيضطر للاعتذار!

وفي الصباح نهض مبكرا قبل الخامسة.الظلام لما يزل يخيم على المدينة، ستنطلق الحافلة الساعة السادسة، وبعد ثلاث ساعات يصبحون في الهايد باارك.خلال الاجتماع الأخير تساءل الحاضرون وهم يتلقون نبأ التظاهرة، فأخبرهم الرفيق المسؤول أن السلطات البريطانية ترفض التجمع أمام السفارة العراقية أو الإيرانية.يلتقون في الهايد بارك ويوغلون في شوارع لندن.لايهمّ.في أيّ مكان يسمع الناس صوتهم. نحن لا نحب الحرب.العراق مرغم عليها.بهذه الصورة نظهرأنفسنا للإنكليز.. كان الظلام يخيم على محطة برود مارش وعندما دخل في صالة الاستقبال استسلم ثانية للدفء.رآى وجوها ألفها وأخرى لم يرها من قبل، ووجد الرفيق المسؤول نفسه يقف بباب الحافلة جنب السائق ويتطلع بالوجوه.اتخذ مكانه جنب النافذة.تضايق حين لم ير عبد العال، وخشي أن يجلس جنبه طالب لا يعرفه فيجامله بثرثرة فارغة عن البلد والحرب وانتصارات الجيش الاخيرة، وقد يذكر له جاره أن له أخا استشهد في الهجوم الأخير.حاول أن يعود للنوم ثانية، مرت دقائق فهبط جنبه عبد العال رآه يلهث فسأل بفضول:

- تأخرت ؟الحافلة على وشك أن تغادر!

- كاد النوم يخدعني!

- خشيت ألا تأتي فيحتل مكانك جنبي طالب لا أعرفه!

ضرب عبدالعال صدره بقبضتيه وهويقول:

- صدق من قال النوم سلطان!أنا أحسدك يا حميدة الآن إذ عدت للنوم بعد أن أزعجتك دقائق!

فابتسم نادر ومال إليه كأنه يهمس:

- ولِمَ لمَ ْتأتِ معك؟

- يا عزيزي حميدة موقفها مطابق لحكومتها المتعاطفة مع إيران.. ترى أن الثوار الإيرانيين تأثروا بالثورة الجزائرية!

فقاطع نادر بابتسامة:

- أظنّ ذلك كلاما فارغا!

- والأدهى أنها غاضبة إذ تحمِّل العراق قتل وزير خارجيتهم!

- وأنت ما ذا تقول!

- كلّ شيء جائز!

- عبدالعال عجيب أمرك "يقول عبارته من دون تردد" لولا أني أعرف طيبتك وأثق فيك.. لكن لا أفهم هذا التناقض ترى أن العراق ماكان عليه ان يبدأ الحرب أو ينجر إليها ثم تذهب متطوعا فيها خلال عطلات الصيف!

فرد بهزة من كتفيه:

- أبدا ليس هناك من تناقض.. أولا أروم بتطوعي ان أن أثبت أني لا أتنصل من الحرب وإن كان البلد هو الباديء بها فأنا بعض منه "التفت إلى نادر مؤكدا"سلوكي لا يختلف عنك أنت ترى إيران بدأت الحرب لكنك ستكون جنديا حين تناقش أطروحتك وتعود فتواجه الحرب إن لم تكن انتهت.

- أنا مازلت عند موقفي أن إيران بدأت وساورتني الشكوك يوم أذاعت بغداد برقية جواب قائد الثورة إلى البكر وقضية السلام على من اتبع الهدى!

فتأمل عبد العال لحظة وقال:

- ايران لم يكن عندها جيش كي تبدأ الحرب.جيشها انحل وليست بقادرة على شن حرب كان المفروض أن نترك الثورة تأكل نفسها، ولنفرض أن برقية الخميني خارجة عن اللياقة الدبلوماسية والأخلاقيات.. .

قطع عليه حديثه تثاؤب طاريء عندئذ وجدها نادر فرصة ليهرب إلى النوم فقال:

- دعنا نكمل نومنا ولعلنا لا نصحو إلا عند الهايد بارك!

- هذا أفضل أنا أيضا أشعر بالنعاس!

ومال برأسه على النافذة فداعبت خده برودة الزجاج فأغمض كلاهما عينيه ليبحثا عن الصباح في الهايد بارك !

***

قصي عسكر

.........................

حلقة من رواية نوتنغهام في علبة سردين

 

 

صحيفة المثقفمن عدسة بابي ارقب خطواتها المغناج، تسكن في الشقة المواجهة لي تماما، يفصلنا ممر بطول عشرة أمتار، كنت أميز عطرها من على بعد كبير حين تدلف من باب العمارة التي نقطن فيها بعد تجوالها اليومي مع كلبها، كنت استرق السمع لوقع خطواتها على السلم فأهرع بأتجاه عدسة الباب لاتأملها وهي تقطع الممر الفاصل بيننا متموجة بخطواتها التي طالما دكت قلبي دكا فتنتابني حالة من الدوار اللذيذ، كانت تعرف بفطنتها الأنثوية من اني اقف دائما عند عدسة الباب فترشقني بأبتسامة وهي تغلق خلفها باب شقتها .

كم هي ساحرة هذه المرأة وكم هي قادرة ان تسلب قلوب الرجال واستطرد مع نفسي، ترى اي نوع من الرجال قادر ان يكبح جماح هذه المرأة الشاهقة . ذات يوم فتح بابها فهرعت كعادتي بأتجاه عدسة الباب، كانت تقطع الممر الفاصل بيننا بخطى واثقة حافية القدمين وكأنها تتجه صوبي بينما كان كلبها يقف عند الباب ينظر إليها متمعنا واذا بها تطرق بابي، تيبست اطرافي في مكانها اشحت بعيني عن عدسة الباب بعد أن قطعت أنفاسي تماما، عاودت الطرق ثانية وبصوت خفيض قالت، اعرف من انك تقف خلف الباب لقد جئت لادعوك لشرب القهوة معي لقد أعددتها للتو، انا بأنتظارك ثم عادت إدراجها .

صعقت وانا اعيد وقع كلماتها في أذني ثانية وبسرعة فائقة ارتديت اجمل ثيابي، انطلقت نحوها مرتعش الاوصال لأجدها واقفة عند الباب بأنتظاري .

تفضل بالدخول وأشارت لي بالجلوس على كنبة وثيرة بنية اللون كلون كلبها تماما، استأذنت بالذهاب لإحضار القهوة بينما بقي كلبها يجلس أمامي يرمقني بنظرات تحد لم أستطع تفسيرها، بعد برهة قصيرة عادت تحمل أقداح القهوة ناولتني أحدها لتأخذ هي الآخر بعد أن جلست بجواري، كانت قريبة جدا من حتى اني كنت اسمع أنفاسها صعودا ونزولا، كان يبدو عليها الارتباك وهذا ما اشاع الفرح بداخلي من انها لا محال قد وقعت في شباكي، أوشكت على شرب قهوتي لكني بدأت احس بثقل رأسي حتى ان اكتافي بدت عاجزة على حمله ثم بدأ الخدر يدب في اطرافي حتى عدت غير قادرا على تحريك اي طرف منها لكني جاهدا أبقيت عيني مفتوحتين لأرى ما عساه أن يحدث لي وبأبتسامة ماكرة أومأت لكلبها برأسها فركض هذا بأتجاه مكان ما ليعود جارا ورائه حبلا قابضا عليه بأنيابه، تناولته وبدأت توثق يدي ثم رجلي وانا أشاهد كل هذا عاجزا عن فعل اي شيئ، انتهت من تكبيلي بأحكام ثم أومأت لكلبها من جديد ليركض هذا بأتجاه المطبخ هذه المرة عائدا بعد قليل قابضا بأنيابه على سكين ذات نصل طويل تناولته حسنائي وبصوت مرتجف قالت خذ هذا يا جميلي واذا بطعنة في بطني، عاليا صرخت لكن صوتي ظل حبيسا في فمي، صرخت ثانية لكن صوتي لم يتحرر أبدا، استمرت في شق بطني واخذت بتقطيع أعضائي رامية اياهم لكلبها الذي انهمك بأكلهم بلذة فائقة وهو ينظر لي منتشيا بما تفعله سيدته .

كنت ارقب كل شيئ بيأس مطلق أما حسنائي فما زالت تلقي بأجزائي لكلبها الذي غدى أكثر وحشية وهو يلتهمني، لم يبق إلا القليل قالت، سوى قلبك الذي اوهمك الوصول لي واذا بها تشق طريقها بأتجاهه وحينها صرخت صرخة مدوية اهتزت لها كل أركان المكان ثم سقطت ارضا، وإذ بي اسمع طرقا شديدا على الباب ركضت اتجاهه وفتحته، كانت هناك جمهرة من القاطنين في المبنى هرعوا فزعين إثر تلك الصرخة المدوية، قاتلتي كانت ضمنهم تقف مأخوذة بالمشهد حافية القدمين، هرعت مسرعة مع الآخرين بملابس نومها تضع شالا على كتفيها العاريين يقف خلفها كلبها مستطلعا الحدث بذهول، لا شيئ فعذرا، عذرا لكم ثم اقتربت منها جاثيا على ركبتي رافعا رأسي نحوها آه، آه منك يا قاتلتي الحسناء ...

 

شفق ريحاني

 

عبد الجبار الحمديحياته مليئة بالأزقة الضيقة المعتمة تلك التي لا يخرج عنها إلى إنفراج بعد أن أجبرته أيدٍ أن ينصاع لما قمعته أن يتعود عليه وإلا؟؟ حتى مارة المصادفة تَعَود عليهم وقد أكتظ مكانه بعدما أضاق الزقاق بكثرة الخرق البالية وبقايا قطع مختلفة من مخلفات  وعتيق الأشياء التي يجمعها، او تلك التي يكبها بعض الناس من أسطح شقق، فالزقاق لها سلة مهملات كما هي سيرة حياتهم... يجمع كل شيء تقع عليه يده، أغطية قناني المشروبات الغازية او الماء أو أغطية علب الصفيح، يتلذذ بجمعها خاصة عندما يختلي بنفسه فيعمل على زخرفة الحائط الذي ينام الى جوارة لينسى واقعه، يلصقها بشكل تجعل منه يُدون عالمه الذي يرغب متلونا تماما بخداع بصري كما هو الواقع الذي يعيش، أما حين تتجمع هواجسه الشاردة في عالم الإنقباض المتعسر ولادة،  تراه يمد يده الى أوراق طواها كسيجارات غير أنها طويلة بعد أن مل من الماركات العالمية والمحلية بعض الشيء، يعمد الى لفها بأكثر من نوع من الورق بمختلف أنواعه ورق جرائد، صفحات من كتاب تأريخ قديم، دفتر ملاحظات، او أوراق لسجل أسماء عن سجل مخابرات، كي تصبح سمينه يتلذذ بطعم خبايا ما حوته من صور لمجتمع باتت أوراقه خريفية تتساقط وإنسانها عند أول هبة رياح موسمية، خاصة عند تغيير وجوه من تقبعوا السلطة كجراب حاوي، نثروا البعر الذي كان يتصدق عليهم به من رفع من شأنهم وغير من هيأتهم الى مشعوذي من الدرجة الأخيرة... البعض منهم خلق بطبيعته حمارا يكرى بباقة من حشيش بعد أن تسوست أضراسه من كثرة بقايا طعام فاسد عندما يشاركه من ركبه ليكتري وئد جثث موتى في ظلمة ليل دامس..

يمسك بعلبة الكبيرت الأزلية التي لا تنضب من أعواد الثقاب، كأنها تتوالد فيما بينها كخنثى الحيوانات، لا يبالي لبسبسته حين يشحذ رأسه بعد ان جسته رطوبة المكان، فتراه يأز معلنا أنه يرفض السير في ممر رطب، فالرطوبة تتعب رأسه تصدعه مالم تكن سببا في كسر ساقه، ومن ثم ينتفي غرضه فيكون مصيره حيث محيطه.. فيجدُ بإشتعال بعد ان يقوم بلعن اليد التي ستشعل اسرارا تجعلها دخان في عالم منتن من الفضائح.. يستذوق طعم الأوراق قبل ان ينفثها من خارج صدره وهو يرى تلك الأرقام، الجمل، العبارات، الأسماء والتأريخ الذي تَوَقف نبض الكتابة على صفاحتها.. كان يَحَمر، يحنق عند شعورة بمرارة بعض ما يتذوقه، لقد كانت اخبار الجرائد التي تعمل للسلطة فتجمل الحمار منهم أسدا او حاميا للوطن الذي تسيدته الضباع، فيدير وجهه زافرا بحدة حيث لا يبقى للدخان من شكل.. فجأة وأثناء بلعه كمية من الدخان تحشرج صدره مما جعله يكح بشدة حد الإختناق، دفعت به لأن ينتفض عن مكانه بحثا عن هواء يستنشقه، مزق الدخان رئتيه، انتفخ صدره كالبالون، قفزت عيناه عن باطنها، مرر يده على رقبته بقسوة يدفع بما يحاول ان يستنشقه من هواء.. غير ان انفه وفمه اللذان تعودا ان يستنشقا رائحة أجساد تعفنت وتجيفت عندما كان يشاهد من يدفع بها حيث الهلاك لا لسبب سوى أنهم رفضوا الواقع، أباحوا أنهم ليسوا ممن يبيع القيمة والمبدأ، الشرف والوطن كي يثمر بزقوم ابدي، تذكر كل شيء، لقد كان من بين تلك الثلة التي تسجل أحداث وتواريخ وأسماء من تربص بهم الزمن الأسود كي يكونوا ضحية لحمار او شاة، رفض إكمال سيجارته الورقية رمى بها لكن سرعان ما أنتبه بأنها أخذت تحرق ما كان يحيط به من عالمه الذي اشتراه في لحظة ضعف، سارع الى طمطمة النار بيديه تذوق طعم النار التي أضرمها من رافقهم في أجساد تفحمت فغابت معالمها وهو يقيد اسماء مجرد أسماء بالنسبة له، ألغى وقتها تأريخ ميلادها اعوام حياتهم طفولتهم صباهم عالم كامل شطب عليه لمجرد انه كان حافظ سجل للسلطة.. عاد الى الوراء بعد ان أطفئ النار، اخذ سيجارته الورقية ليمتصها رغم ضيق صدره وهو يقول يا لك من حقير يا قدر... تتبعتني حيث مثواي الأخير فقد كي تذكرني بعاري الذي حاولت طيه مع قاذورات بشر، في مكان تأنف الحياة ان تمر به او تتلقى منه بأمل، نعم كنت جبانا الى حد أني تلقيت الضرب بعد ان رفضت أن اخرج مع ذلك الحقير الذي اجبرني ان أكون مع مجموعة التي ستقوم بإشعال النار في أجساد عفنت من الجرب الذي أصابها وهي تقتات الموت رحمة في كل لحظة من الله، كثيرا ما تساءلت فيما بينها لم يحدث ذلك؟ أين عدالة السماء التي نصدح بها وتصدح المنابر ليل نهار؟ أين هو ميزان الحق والباطل؟ أين سخط الله على عاد وثمود؟ ألا نستحق أن تطوى صحفنا ونخلق من جديد؟ أنحن نعيش ابتلاء غيرنا بعد ان تذوق أسلافنا سفك دم زكي طاهر، لقد ساقتنا المقادير والأزمة ان نعبر على مخلفات غيرها من الدهور، البعض منه نتوق لإعادة صياغته والبعض الأخر نتمنى ان نطمسه حيث قعر جهنم... جهنم هي من نعيش الآن بتنا نعبد حجارة في شكل إنسان كفور عقيم لئيم نمجد به يعلو على اجسادنا سلطان مؤدلج أو كسلطان خشبي تحركه خيوط على مسرح عربي بإخراج أبالسة الشيطان لا ينفك يصفق ويضحك ذاك هو عالم الظل يختم بطاقات دخولهم لمرة واحدة فقط.. كان الدخان يخرج حاملا صور من فاق الفضاء بآهاتهم، علت صرخاتهم أيقظت بعد ان انتشرت في سماء تشكو أنينها دخان عزفته الأقدار بأوتار وجع بعد أن جعلت من العود الأخضر عازفا لرتم بائس عندما يدندن الجلاد على أوتاره يجعل منها قيود لقمع الحرية التي ينشدها عندما يصدح مناديا للعدالة عند مقابر جماعية.  

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي  

 

محمد ابوبطهاشتري السيد عدداً من العبيد،وأخبرهم أنه سيمنح من يكتسب ثقته حريته وبيتاً صغيراً وزوجة وبعضاً من المال وأرضاً !شهق العبيد للعرض وتمني كل واحدٍ منهم أن يكون الفائز !اشتد صراعهم حتي دبر أحدهم مكيدة ليتخلص من الآخرين فيخلو له المكان وينال كل شيء!

لاحظ السيد ذلك من خلال الكاميرات التي زرعها في كل مكان بالقصر والحديقة الواسعة!

جمعهم وألقي عليهم سؤالاً:

-  هل تعلمون عدد الفائزين ؟!

أجابوا جميعاً في صوت واحد:

-  بالطبع فائز وحيد!

ضحك السيد قائلاً:

-  ليس عندي مانع أن تكونوا جميعا فائزين!

أطلق الجميع صيحات الفرحة وانحنوا له إحتراماً وتبجيلاً.

أرسل مساعده ليخبرهم أن السيد يريدهم جميعاً في الفجر أمام بوابة القصر!غادر المساعد سكنهم فسألهم أحدهم هل سيذهبون في الوقت المحدد؟!اختلفت إجاباتهم فقال أحدهم أنه سيذهب في الوقت المحدد وقال آخر أنه سينام مبكراً ليستيقظ في الموعد !وقال ثالث أنه ربما لا يذهب فالجو سيكون بارداً جداً !ثم تساءل أحدهم:

-  ماذا لو لم نذهب جميعاً؟!

حدث هرج شديد بين مؤيد ومعترض ومتردد فسأله أحدهم:

-  ما هدفك من سؤالك؟!

فقال بوضوح:

-  اظن أن السيد سيزيد من طلباته لو نفذنا هذا الطلب!وأنه سيزيدها صعوبة حتي لا يخسر الكثير من ثروته إذا فزنا جميعاً!

هنا رد أحدهم قائلاً:

-  ومن أدرانا أنه سينفذ وعده لنا؟!

في الموعد المحدد ذهب البعض وليس الكل!سأل السيد عن أسباب عدم حضور الباقين؟!تبرع أحدهم ليخبره بموقفهم واسبابهم فهز السيد رأسه أسفاً!

رحب بالحاضرين ثم طلب منهم أن يحضر كل واحد منهم بمجموعة مميزة من زهور الحديقةعلي مدار أسبوع!

انصرفوا عائدين إلي سكنهم وأخبروا من غاب بما طلبه السيد! ظلوا يتناقشون بصوت عالٍ حتي أرسل السيد مساعده إليهم وطلب منهم الهدوء.

انتهت الليلة بقرار البعض الانسحاب وأنهم راضون بالحياة في القصر ولن يرهقوا أنفسهم بوعدٍ غير مؤكد!

وتراجع أحد الغائبين عن الموعد الأول وعزم علي جمع أجمل مجموعة من الزهور!وسرق أحدهم مجموعة زميله!

حان الموعد فرآهم السيد وقد نقص عددهم بدرجة ملحوظة كما لاحظ عودة أحد الغائبين عن الموعد الأول فسأله عن السبب؟فطلب منه العفو وأن يقبل استمراره في المسابقة!

وافق السيد بشرط الالتزام فانحني العبد موافقاً!خرج لص الزهور بعد ان كشفه السيد وطلب منهم ان يقوموا بسبع دورات من الجري حول القصر وقت الظهيرة وسبع أخري في برد الليل!

خنق اللص أحد القريبين للفوز ثم وضع اداة جريمته في أشياء قريب آخر من الفوز !

كشف السيد اللغز باستخدام كاميرات المراقبة وحكم علي اللص بالشنق بنفس أداة الجريمة وألقي بجثته للوحوش خارج أسوار القصر!

وصل ثلاثة فقط للنهاية وأعلن السيد منحهم جوائزهم وسألهم عن أمانيهم الأخري فقال الاول أنه يريد زوجة شقراء جميلة ناعمة وحديقة بها كل انواع الزهور والعطور والفواكه وقوة خمسة رجال ليستمتع بزوجته!فأعطاه السيد ماطلب!أما الثاني تمني زوجة جميلة وعيونها سود وجسمها رائع وقصراً جميلا به كل شيء وحديقة لا تخلو من العصافير والنسيم وقوة جنسية فائقة!فلبي السيد له ما طلب!وجاء الأخير فقال:

- ما أريد إلا رضاك سيدي!

نهض السيد من مكانه واتجه إليه وابتسم قائلاً:

- لك كل ما تتمني حتي في نفسك!لك حورية وقصر من بللور وقوة عشر رجال وحدائق لا تخلو من كل ما لذ وطاب صيفاً وشتاءً وأموالاً بلا حساب!

حسده الجميع ثم نظر السيد لمساعده وأمره أن يأخذ الآخرين جميعاً ليكونوا طعاما للوحوش خارج اسوار القصر!ظلوا يبكون ويتوسلون للسيد ليعطيهم فرصة ثانية!التفت السيد لمساعده عائداً للقصر وطلب منه تنفيذ الأمر وأن يذهب ليحضر مجموعة أخري من العبيد!.

***

قصة قصيرة بقلم: محمد أبو بطه

 

سليم الحسنيكان مزاج الأمير معروفاً لمن حوله، فأزالوا من رؤوسهم أشياءً كثيرة، وحشوها بأشياء كثيرة، لم يكن لديهم غير ذلك لينالوا رضاه، أو يرحلوا. وكيف يرحل عاشق المجد عن عالم الأوهام؟

ظنّوا أنهم بالخضوع لمزاجه المتقلب، سيقتربون منه، فتنافسوا على الانصياع، يسبق بعضهم بعضاً في رجيم الكرامة، ويُسرع المُتعجّل منهم الى إزالتها طبقة طبقة، كأنها قشور بصل.. هكذا تتحول عندهم أغلى جوهرة الى رأس من البصل الرخيص.

نال قسم منهم الحظوة عنده، جالسوه كتفاً بقدم، ساروا خلفه يطأطئون رؤوسهم خشية أن يلتفت إليهم فجأة، فيرى رقابهم مستقيمة. ومن رعب هواجسهم، اعتادوا النوم برقاب مطوية، فقد يراهم الأمير في منامه، فيغضب، وغضبه مقدّس تلحقه اللعنة والطرد من جنّة رضاه.

قال أحدهم:

ـ إن اردتم الحظوة عنده، تعلّموا صنع الأقنان، ناموا بها أربعين ليلة، ومن يفعل ذلك، يقترب منه خطوة. ولا تنسوا رجيم الكرامة، لقد جربّه كل الذين حوله، أما ترونهم حين يسير يتزاحمون خلفه فلا يطردهم؟

شحّت الأقنان من المدينة، لكن كثر الدجاج.

كان أهل الحظوة عنده، هم كبار الحاشية، منزلة لا يُلقّاها إلا من دخل بعض كهوفه، وقرأ في ظلامها الدامس رموزه المرسومة على جدرانها. فالأمير يكتب سطوره على ملامح وجهه، فمن يقرأها يدنيه من مقعده.

والأمير لا يفصح عن رغباته بالكلام، لقد جعل لسانه في عينيه، فمن يسمعه، يفز بشيء من رضاه، ويقرأ عليه قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) وعند ذاك يعرف أنه نال رتبة القرب....

استبدل بعضهم عمامته بأخرى من قماش مغشوش، قالوا إن الأولى لا يهواها الأمير، يرى في سوادها ما يذّكره بالمعلم الأول، ويرى في بياضها ما يذكّره بالشيخ القتيل، فاستبدلوا عمائمهم بما يريحه، ويهدئ مزاجه، ويطمس الألوان المذبوحة.

لقد عرفوا ذلك من سنوات الفتنة الكبرى، حين أزعجته عمامة العامليين. وتيقنوا أكثر حين لمسوا نار غضبه يشعل المدينة القديمة لعودة رجل أحبه المعلم الأول. وهو الذي أقسم بالحقد صادقاً أن يزيلهم من المدينة وبحرها. وكانت حاشيته تبتهل له بالنجاح والفوز، يدعون له في سرّهم وعلانيتهم، فلقد انتهى عصر المعلم الأول، وجاءت أساطيل ما وراء البحار.

 

سليم الحسني

 

عبد الله سرمد الجميلسلِّمْ على حارةٍ في الشامِ تسكُنُها

                   ظِلالُ من رحلُوا عنها فنحضُنُها

و(بابِ  تُوْما) التي ضاقَتْ أزقّتُها

                            لكنْ تُوسِّعُها هندٌ وأعينُها

على (الجنينةِ) والأشجارُ يابسةٌ

                           فبالدماءِ هنا تُسقى جنائنُها

و(قاسيونَ) قُساةُ القلبِ كم وقفوا

                          عليهِ وِقْفةَ (نيرونٍ) يُدخِّنُها

و(بَحْرَةٍ) حولَها أبهى النِّسا جلسَتْ

                        والياسمينُ الذي فيها سفائنُها

سلِّمْ على كلِّ بيتٍ فيهِ قد صدحَتْ

                     (يامو) فأغدَقَ كلَّ البيتِ هاتِنُها

سوقَ (الحميديّةِ) المعمورَ خذْ بيدي

                     خلفَ الجدارِ حكايا أنتَ ألسُنُها

لبائعٍ جادلَتْهُ في بِضاعتِهِ

                      أنثى وقد أزهرَتْ فيها مفاتنُها

(كِرْمالُ) عينيكِ يا من صوتُها حلَبٌ

               يصيرُ أرخصَ ما في السوقِ أثمنُها

أسيرُ ثمّةَ موسيقى فأتبعُها

                       من جامعٍ أُمَوِيٍّ فاحَ سوسنُها

في حضرةِ الليلِ مقهىً أحمرٌ، مدنٌ

              حمراءُ تصمتُ صمتاً سوفَ يطحَنُها

كانَتْ دمشقُ إذا نامَتْ على كتفي

                       أخشى أحرِّكُها، إذْ فِيَّ مَأْمَنُها

الصبحُ والليلُ فيها واحدٌ أبداً

                       لولا البدورُ أنا ما كنْتُ أُوْقِنُها

مدينةٌ وَسِعَتْ كلَّ القلوبِ هنا

                          سِيَّانِ كافرُها فيها ومؤمنُها

لَوِ الشواهدُ ما دلَّتْ، سألتُهُمُ:

                            حديقةٌ هذهِ؟ قالوا: مدافنُه

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق

 

 

مصطفى عليدرْدشةٌ حوْلَ موقِدٍ ذاتَ شِتاء خبّت به

الريحُ فإنطلقخبَبَاً أتعبهُ فَتَدارك

(تداعياتٌ حُرّةٍ لخافِيَةٍ حُبلى)

 

أمضى في الحانةِ ليْلَتَهُ

ذاتَ شتاءٍ دُونَ رِفاقْ

لَمْ يسكرْ لكنّ الساقي

أبصَرَ فِيهِ طيْفَ ذُهولْ

وروامِسَ صمْتٍ وذُبولْ

فأشارَ تبسّمْ يا هذا

فالحانةُ فيها سُمّارْ

لاذوا في جمرِ مواقِدِها

لِيُريحوا بالدِفْءِ نُفوسْ

***

في البرْدِ تَسَمّلَ أنْبِذَةً

عَتّقها سِرّاً باخوس

إن غازلَ دَنّاً باللّمْسِ

أو شاكسَ زَقّاً بالهمْسِ

فاضَ نبيذُ الكرْمِ القاني

يوقِدُ ناراً ليْلَ الحانِ

فإصْطَفَقتْ في الحانِ كُؤوسْ

أصغى المكلومُ لِحكْمَتِهِ

فالحكْمَةُ بوْحُ المتْعوسْ

يرشِفُ في صمْتٍ فلسفةً

فيها أسْرارٌ تَتَوارى

فيها أشواقٌ تتبارى

كالشطحَةِ عِنْدَ العُرّافْ

و بدتْ حكمتُهُ تتسوّى

كالطينِ بأيدي الخزّاف

إذ يرْتِقُ ذاكرةً شاختْ

كسِمالٍ عِنْدَ الروّاف

فمضى قلبي دُونَ دليل

مُعْتلّاً يحبو وعليل

يَتَأبّطُ حَدْسَ القيّاف

للنُدماءِ يحِلُّ الطلسمْ

و يُكابِدُ رمْزَ الناموس

***

قُدّامَ الموقِدِ قد جلستْ

إذ سكبتْ في الكأسِ ( شَموسْ)

وَ وَراءَ الشُبّاكِ سنيني

مرّتْ شعواءً وضروس

المِلقَطُ في يدِها اليُمنى

يحْرُثُ في روحي ويجوس

بديارِ الذكرى مُصْطَلِماً

لِيُلامِسَ سِرّاً محبوس

بِفُؤادٍ أدْمتْهُ النجوى

عُمُراً فَوْقَ الجمْرِ يدوس

و قرينُ الشعْرِ تَلَبّسَهُ

يوْماً فتصابى الممْسوس

بصهيلِ النغمةِ سكراناً

و لُهاثِ الحرف المهْموس

بحواسٍ يلقُطُ شفْراتٍ

و يسافرُ خلْفَ المحْسوس

لخفايا الروحِ تراودُهُ

لُؤلُؤةُ السِرِّ المحدوس

***

أ تُقلِّبُ حقّاً موْقِدَها

أم جمراً يلهثُ في صدري

إذ ترمي جمرات المعنى

بعُروقي كدبيبِ الخمْرِ

و الْحَمَأُ المسْنونُ تشظّى

بينَ الجُلّاسِ فمن يدري

في عينيها ألفُ بريقٍ

تشْعِلُ أحزاني كالجمْرِ

فَدَنوْتُ وقلبي يسألني

أيُّ النارينِ بهِ تسري

أ تُحِبُّ النارَ تُرى ؟ سَألتْ

فإنْبجستْ في الروحِ (شُموس)

قد أحببْتُ النارَ كثيرا

أهواها مُذْ كُنْتُ صغيرا

يا فاتنتي كنتُ غريرا

تجمعنا ليلاً جَدّتُنا

مِثْلَ طيورٍ حوْلَ الموقد

نقرأُ أشعاراً تتواري

في خيطِ شُعاعِ الفانوس

نفترشُ الأحلام حصيرا

تُطعِمُنا تمراً إذ تحكي

آناءَ الليلِ أساطيرا

فَنُهوّمَ حتى يوقظَنا

في شهقةِ تنّورِ الفجرِ

صوُتُ أذانٍ أو ناقوس

***

يا سيّدتي كنتُ فقيرا

وعفيفاً قلباً وضميرا

أ فقيرٌ من بلدِ النِفطِ؟

سألتني فأثارتْ سُخطي

كانَ الريْعُ عليَّ عزيزا

أخطأَني فالقسْمةُ ضيزى

يبقى الخيرُ لديَّ غزيرا

ويظلُّ القسّامُ ضريرا

قرأ التاريخ فلم يفهمْ

إلّا غبراءاً وبسوس

انهارٌ ، نخلٌ وحقولٌ

جفّتْ في بلدٍ منحوس

بُستانُ البصرةِ مسروقٌ

والحارسُ خانَ المحروس

عافَ الزرّاعُ مناجلهم

وبكتْ في البستانِ فؤوس

ومُليكٌ أعمى يتلّوى

في قيدِ الداءِ المهْووس

إحذرْ مقصلةً لم ترحمْ

من أفنى في السوحِ رؤوس

فقدَ الناطورُ شكيمتهُ

وإنطفأتْ في الحقلِ نفوس

زُرّاعُ الحقلِ بمملكتي

أبهى من عرشِ الطاووس

***

دَمعتْ عيناها وإشتعلتْ

فيها أنوارٌ  وطقوس

غادرْتُ الحانةَ مُكتئباً

وبقلبٍ باكٍ وعَبوس

 

صالح البياتيالموت حقيقة ساحقة، أكثر التصاقا بالإنسان من الحياة نفسها، اما فاجعته فإنها تتوارى وراء جبل هائل الارتفاع من الأسى، لا يعلم الا الله متى بدأت اول صخرة ترتفع فيه عن الأرض؟

 عاد نوح ظهيرة يوم بارد، ولكن كان صحوا، وشمسه ساطعة بعثت الدفء في اوصاله، والأسى بنفسه المكتئبة في آن، عندما التفت لجهة اليمين، فرى مكان امه خاليا، يغمره الضوء، اعتصر قلبه الألم، وراح يخاطب نفسه:

هناك يا نوح بعيدا في صحراء مقفرة، ليس فيها أفياء غير ظلال شواهد القبور، وليس فيها شجر ولا نهر، سوى بحر من الرمال. هناك في وادي السلام، تركتها ترقد الى يوم الدينونة، كيف طاوعتك نفسك ان ترجع بدونها..

كان يرفع يده بلا وعي، كلما مرت سيارة بالاتجاه المعاكس، تحمل على سطحها (الذي يبرق تحت الشمس) نعشا ملفوفا بالعلم العراقي، احصى ثلاثة، أربعة..

بعد ذلك طوحته دوامة افكاره وهواجسه بعيدا، كأنما كانت روحه تعرج في سماوات عجيبة، رائعة، لم تصفها أي من كتب السماوية، سماوات بيضاء، أنصع من القطن النظيف، بعد قطفه مباشرة من شجيراته في الحقل..

كان يسمع آلات موسيقية، تصدح بمقطوعات سيمفونية، ليست من تأليف أحد من البشر، الملائكة إتخذت اماكنها في قاعة أوركسترا كبيرة، وثمة ملاك عظيم يقف امامهم، يقوم بدور القائد، المايسترو...! كان بينه وبينهم شلال مائي كالبلور الصافي، رأى من خلاله الجوق الملائكي، الكورال وقائده، بكل التفاصيل الدقيقة، الملابس الآلات، وعصا القائد، التي كانت تلمع كالبرق في السماء.. لم يفق من حلمه حتى نبهه صوت بوق احدى السيارات التي حذرته من الاقتراب منها، تخيل انه بوق يوم البعث، الذي يقيم الموتى من قبورهم الدارسة..

 في أمسية اليوم الذي وصل فيه، جلس في مأتم شاب ميساني، سقط ضحية الحرب الدائرة رحاها بشراسة على الجبهة الشرقية، انه حنون، ابن المرأة التي أطلق عليها قديما، الرقم الصعب في المعادلة الجنوبية، لأنه لم يستطع اقناعها آنذاك، ان استبدال اسمه بأخر مسألة عادية، تحدث كل يوم تقريبا، وينحصر اثرها عادة على المسمى، في الجانب المعنوي فحسب، هذه المرأة التي لا زلت عندما يغمض عينيه، ليستعيد ذكريات طفولته، يرى قامتها الفارعة منتصبة كالرمح، أمام تنورها الملتهب بالنار، والوهج يلفح وجهها الأسمر، فيزيد بشرته دكنة، اقرب للسواد، كلما لوحته الحرارة اكثر، تخبز كل يوم عددا لا يستهان به من الارغفة، التي تعبق رائحتها الطيبة في الهواء، كان يتضور جوعا، عند عودته ظهرا من المدرسة، يشتهي كسرة خبر ليسد بها رمقه، حين يرى الارغفة يتصاعد منها البخار، تتساقط من يدها بخفة لطبق على الأرض، فيسيل لعابه، ترحب به باسمة، وتنفحه رغيفا ساخنا، يرقصه بيديه حتي يبرد قليلا، ثم يلتهمه بشهية، صنعت هذه المرأة شابا ناجحا، من بيع الخبز في السوق، تخرج حنون من الكلية العسكرية، الدورة 83 / العام 1980 ضابطا، برتبة ملازم ثان، في السنة التي اندلعت فيها الحرب..

حين سمع ما حل بها من كارثة، تألم كثيرا.. راح يردد مع نفسه، وهو في طريقه لمأتمه، هاتين الكلمتين: خسارة فادحة..

 فعندما يختطف الموت الأبن الوحيد، لامرأة بفقر وبؤس وشقاء وكدح ام حنون.. فتلك يا عالم خسارة فادحة..

 كان المعزون كالعادة منهمكين بأحاديث، لا علاقة لها بالفقيد، يتحدثون عن هموم ومشاكل تخصهم وحدهم، تساءل اليس الاجدر بهم، والاجدى في ظروف كهذه، رثاء الميت بكلمة، يترجلها احد اصدقاءه المقربين، او واحد من افراد اسرته ، يُذكر الحاضرين بشيء من سيرة حياة الفقيد! حتى وإن كانت متواضعة وغير مثيرة.. مجرد استذكار، سيثير الشجن في النفوس، اما وان المأتم قد خلا من ذلك كله، فما جداوه إذاً، هذا الشيء اثار الأسى في نفسه، واعتبره تقصير ونسيان مبكر جدا للراحل.. ناهيك عن الادعاء بثواب تلاوة القرآن على روح الميت، حيث لا تجد من يستمع او ينصت اليه، سوى قلة من الذين هم على عتبة الموت، كبار السن الذين يأمون المأتم، سعيا وراء الاجر والثواب، وان التلاوة كما بدت له  اطار ديني للوحة حزن كئيبة، اما الأكثرية فأن المأتم بالنسبة لهم، مناسبة للقاء، وتجاذب أطراف الحديث، كما هو الحال الآن، حيث يجري الحديث بين شخصين يجلسان بجانبه، عن تأخير الترفيع الوظيفي، وعن توزيع الأراضي على اسر ضحايا الحرب، وتساؤل احدهم كم ستطول الحرب، وأمل الآخر انها ستنتهي قريبا، انصت لهذا الحديث بين الرجلين: 

" اسمعت عن حرب كرة القدم، او ما تسمى بحرب المائة ساعة بين السلفادور وهندوراس؟"

"  لا. هذه أقصر من حرب الأيام الستة بيومين."

" نعم أقصر حرب في التاريخ الحديث."

" نتمنى ان تنتهي الحرب بيننا وبينهم سريعا."

" لا اعتقد.. الإيرانيون متعنتون جدا، والعناد فيهم صفة متأصلة."

"احقاد قديمة."

قال في نفسه اخطاء متبادلة. لأنهما يخافان من التخلص من عقدة الماضي، لذا يخوضان الحرب على خلفية تاريخية عفي عليها الزمن. سمع الأخر يجيب الجالس بجنبه:

" سيرضخون اخيرا للأمر الواقع، الجيش الإيراني ضعيف ومفكك، بعد هروب معظم جنرالات الشاه الكبار الى الخارج وهذا ما اغرى الرئيس على الهجوم عليهم ..

" ولكنهم بدأوا يجندون المتطوعين، ويزجون الأطفال للقتال."

"ولكن عندهم أزمات داخلية متفاقمة. "

" وأيضا ازمة الرهائن الأمريكيين.."

وقال الذي عنده شئ من الأمل

" أتوقع ان الحرب لن تستمر أكثر من سنة."

انتقل الحديث الى موضوع آخر، لينتهي بالكلام عن شخص ثالث، غائب، لم يذكرا اسمه، اشارا اليه بـ هو.. فتحدث احدهما عنه هكذا.. هو لا يهمه سوى الوصول لمصلحته الشخصية النفعية، وبأية وسيلة كانت.. وأيده الآخر، وأنه لا يتهاون ابدا بكسر رقاب الناس، فإستنتج الأول.. بصراحة هذا هو وقعنا، قال نوح في نفسه، واقع مؤلم، قاس، غير إنساني، وشاذ وبائس. واستأنف الرجلان حديثهما عن الرجل المجهول..

"امثاله كثيرون في مجتمعنا، القوي يأكل الضعيف"  فرد عليه الآخر

" البقاء للأصلح.."

هنا تدخل نوح عند هذه النقطة من الحديث من باب المشاركة في النقاش فأدلى بدلوه.

" عفواً.. البقاء للأصلح، تعني ان تتكيف أنواع معينة من الاحياء مع تغيرات البيئة الطبيعية، وهي فرضية بيولوجية جاء بها دارون في سياق نظرية النشوء والارتقاء.."

نظر اليه الرجل شزرا، كأنه قال شيئا سخيفا، قطع عليهما استرسالهما في الحديث. لم يقل شيئا، لأنهما لزما الصمت لبضعة دقائق، ثم قاما وغادرا..

راح نوح يلوم نفسه على التدخل في حديث لا يعنيه."

انتهى المأتم على روح الضابط حنون، كما ينتهي في كل يوم، مآتم آخر، في جميع ارجاء البلاد، وفي كل مكان في العالم، دون أن يتغير شيء في لعبة الحياة والموت.

 ولكن البلاء الأكبر بوجود أمثال سليم الخماش، وغيره من الأشرار، في حياتنا، أعظم من مصيبة الموت، وجودهم شيء مفزع، لأنهم يتسلون بالحاق الأذى بالناس.. خاصة أولئك الذين ليست لديهم اشواك ابرية حادة.. تساءل، لماذا لم يخلق الله او الطبيعة لهؤلاء الضعفاء من البشر (الذين ليس لهم حول ولا قوة) دروع او تروس تحميهم عند الحاجة، وتصد عنهم غدر الاقوياء، كما لدى بعض الاحياء..

فكر بذلك ولكنه لم يكن بصدد حكم أخلاقي، في موضوع حساس كهذا، ومثير للجدل اوالاجتهاد.. ولكن قرر مع نفسه، على ضوء ما رأى وسمع الآن وقبله، ولمرات عديدة لا تحصى، أن يصرف النظر عن إقامة مأتم  للمرحومة امه، كهذه المجالس التي يطلق عليها إعتباطا كلمة مآتم، عزاء، او تأبين..

وحينما يسأله الشيخ كاظم عن سبب هذا التحول والاعراض، عن تقاليد متوارثة منذ اجيال عديدة.. سيصارحه برأيه، سيقول له: بأن العزاء سيقتصر فقط على النساء، وسيقام في بيت صديقتها الدهلة.. وأنه سوف لن ينعى امه، وإنما سيجلس في بيته يستقبل نفرا قليلا من اصدقاءه المعزين.

هذا ما وطد العزم عليه، لقد كره أن يتسرب الزيف في اصدق مشاعر الانسان.. في حزنه بمصاب وفجيعة من يحب، وكره كذلك سماع ثرثرة المعزين اثناء جلوسهم، وهم يدخنون السجائر الرخيصة، او يُسقَونَ الماء، ويرتشفون الشاي او القهوة المرة بنفس الاقداح والفناجين، فهي بنظره عادة غير صحية، ومدعاة للقلق، وقد تكون سببا لانتقال الامراض من شخص لآخر..

ولما كان لميسان ارث حضاري قديم، يمتد لآلاف السنين، وطابع جنوبي فريد، وخصوصية ذات ملامح سومرية اصيلة، وجذور ضاربة في أعماق الأرض، ارتاح نوح لهذا القرار، فأمام فاجعة الموت، يجب أن يغدق الانسان حزنه بسخاء، كما ناح جلجامش وجزع على رفيقه انكيدو، لا كما يُتخلص من الحزن بأسرع وقت ممكن، كما لو أنه عبء ثقيل، وحين سيرى الدهلة اليوم، سيفتحان معا كتاب المراثي القديم جدا، قدم مسوبوتيميا، سيبدآن بأول صفحة، ولن يتوقفا حتى تفيض ينابيع القلب العميقة والغزيرة.

عانقه الشيخ كاظم الموحان عند باب الجامع بحرارة، فبين له ما انطوت عليه نفسه بشأن تأبين امه، تفهمه بأريحية، شعر نوح ان الشيخ يخفي في نفسه شيء من القلق والحيرة من افكاره الغريبة هذه.. ولكنه قال:

"سأحضر مساء غد لبيتك."

" سأكون بانتظارك هناك."

"سأجمع شيئا من النقود، من المحسنين، للمرأة العجوز أم حنون لتستعين بها.."

استحسن نوح ذلك، بدلا من التخافت بالأحاديث، التي ان لم يكن فيها غيبة، فإن الانشغال بالثرثرة الفارغة، عن الانصات لتلاوة القرآن، فيه عدم الاستجابة للأمر الإلهي..

مرت برهة صمت قصيرة، كانت كافية ليمد نوح يده لجيبه ويخرج محفظته، تبرع  بالدنانير التي كانت مخصصة لمأتم المرحومة، سلمها للشيخ، شعر براحة عظيمة، كأنه تخلص من مشكلة عويصة، او خرج  توا من حمام السوق الممتلئ بالبخار والحرارة، في ليلة قارصة البرد.

" اعطها من فضلك يا شيخ لام حنون، فهي بحاجة ملحة اليها، في مثل هذه الظروف القاسية.."

أخذها، لم يقل شيئا، نظر اليه طويلا ثم ودعه وذهب.

 تساءل نوح مع نفسه، وهو في طريقه لبيت الخالة الدهلة:

 كيف تكون كل كلمات السلام والله والخير، التي سمعها في المأتم، والتي كانت تتردد بكثافة على افواه المعزين، وفي المقابل يوجد هذا الكم الهائل من الشر والكره والضغائن، صرخ بألم، نحن نغرق في مستنقع من الدم..

في مساء اليوم التالي، اجتمع الأصدقاء لمواساته في في بيته، حضر الشيخ كاظم الموحان، والدكتور هلال، والقاضي عبد الهادي إجباري، وابنه المحامي حسن، صديقه، وشخص آخر غريب وملثم، جلس متنحيا عند الباب، أثارت هيأته الشك والريبة في النفوس، قام حسن، قدم القهوة للجميع، وعندما وصل للغريب اومأ بيده ايماءه الرفض، رثى نوح أمه، بكلمات تقطر اسى، عن صبرها العجيب، عن حكمتها وطيبتها، وعن ذكريات طفولته معها، عن الحب الذي غمرته به، وفاض على كل من كان حولها، تمنى في تلك اللحظة، لو كان شاعرا لرثاها بقصيدة تخلد اسمها، تأثر الجميع بكلامه لأنه كان نابعا من القلب، كانت صورتها معلقة على الجدار محاطة بشريط اسود، كان بين الفينة والأخرى يرفع رأسه وينظر اليها، فجأة أنتحب الرجل الملثم وتعالى نشيجه.

كان الدكتور هلال ونوح يرتشفان القهوة المرة على مهل، غارقان في أفكارهما، يتفرسان بالسجادة القديمة ذات اللون الأحمر الناصل.. أخبره الطبيب تلك اللحظة، بنقله لوحدة طبية ترابط وراء الخطوط الأمامية في القاطع الجنوبي، في منظقة الفكة..

تذكرا الرحلات المدرسية الربيعية للمنطقة، التي تدور فيها الآن معارك شرسة.. سأل الطبيب:

" لماذا أطلقوا على هذه الحرب أسما قديما، مضى عليه ما يقارب الأربعة عشر قرنا؟! ابتسم نوح بمرارة.

" لا أدري ياصديقي، ولكن لو كان الأستاذ مقبل موجودا.. لقال: تلك استعارة تاريخية، إنتاج الأحداث القديمة، بسيناريو جديد، أفكار مستحكمة في عقولنا..

ساد الصمت بين الصديقين، قطعه نوح بسؤال عن العراف، فإستغرب الطبيب 

اصرار صديقه على معرفته، حتى في ظروف حزينة كهذه، ولكنه مع ذلك أجاب مبتسما.

"هل لا زلت تفكر به يا نوح.. نظم العراف نبوءته  شعرا"

 وعده أن يحضرها ان عثر عليها بين اوراق والده.

   " متى سأراك ثانية؟"

" لدي يوم واحد قبل ألتحاقي بعملي في الوحدة الطبية، فإذا لم يشغلني شيء سأراك غد.."

ودعه وخرج، وبعده  قام  القاضي وابنه حسن، ودعهما عند الباب، لم يبق سوى الشيخ والملثم، قام اليه، قدم له فنجان القهوة، اخذه، جلس جنبه، فأماط الرجل لثامه، فإذا به وجها لوجه امام سعيد.. الرجل الذي كان مثيرا للريبة قبل قليل، والذي توجس منه، وفكر أنه ربما كان واحدا من رجال سليم الخماش، دسه للتجسس، راح سعيد بعد أن اطمأن، يرتشف قهوته على مهل، دون ان يتكلم، قام الشيخ  وعانق ابن عمته بحرارة، وصب لنفسه فنجان قهوة، ارتشفه دفعة واحدة. وقال:

"سيبقيني هذا صاحيا هذه الليلة."

 طوى الشيخ طرف السجادة القريبة من الباب، علامة على خاتمة الأحزان، وعاد لمكانه، شعر سعيد بالأمان عندما انصرف الجميع، وراح يتحدث عن معاناته اثناء البحث عن ملاذ آمن طوال فترة غيابه..

سأله نوح ماذا ستفعل:

" سأقتل سليم الخماش انتقاما لأخي وزوجته.."  ثم بكى، وبعد فترة صمت اطبقت على الرجال الثلاثه، تكلم سعيد وهو ينشج باكيا:  

" كانت المرحومة أمي أيضا، ولن أنسى ما فعلته لنا.."

وعندما ودعه نوح عند باب منزله، دس بيد نوح ورقة، وخرج.

استقبلت الدهلة نوح في بيتها، بالبكاء والعويل، قبلته، بللت دموعها وجهه. أدهشته بمعرفتها بحضورابنها سعيد للمواساته، ولما تساءل عن كيفية معرفتها بذلك، كان جوابها أن قلب الأم هو الذي اعلمها، وطلبت منه ان يأخذها معه حينما يعود لتزور قبر المرحومة، وان يجد لها وسيلة للذهاب للشمال، ومن هناك الى ايران لتبحث عن هيلا وامها، لم يحب نوح ان يكسر بخاطرها ويثبط عزيمتها، ولكنه وعدها بأن يتدبر الأمر، وبين لها بنفس الوقت الصعوبات التي تكتنف السفر، فالحدود مشتعلة، وعندما سألته هل عنده اخبار عن ابنها مقبل، اخبرها انه لا يعلم بالضبط اين يحتجزونه، وسيحاول ان يتوصل لمعرفة مكانه، عن طريق اصدقاءه في بغداد.

شعر نوح أن هذه المرأة لم تعد قوية كما كانت من قبل، وأنها لن تحتمل مزيدا من العذاب، فقد انهار كل شيء أمام عينيها. وطاف بخاطره انكسارها عندما اعتذر عن اخذها معه، عندما ذهب الى بغداد المرة الأولى مع امه لعلاجها..

أشارت بيدها، سينام الشيخ على الكنبة في الصالة، وستنام انت في غرفة سعيد مع زوج عمتك، وعندما سألها متى وصل؟

اخبرته انهما سبقوك بيوم، ولما لم يجدا احدا في بيتكم جاءآ الى هنا، واثناء ما كانت توزع اماكن النوم، قُرع الباب، ذهبت لتفتحه، للضيفة وزوجها، كاد نوح ان يبوح بالسرعن هذه المرأة؛ التي لا تمت له بصلة القربى، ولكنه امسك، وبعد الترحيب وكلمات المواساة، كان على نوح ان يشارك الضيف غرفة النوم، بينما شاركت الدهلة غرفتها مع الضيفة، تأخر نوح يتحدث مع الشيخ كاظم حتى ساعة متأخرة من الليل، وعندما ذهب لينام وجد الضيف يغط في النوم، يشخر بصوت عال ومتقطع، جلس على حافة السرير، قرا رسالة سعيد:

"اراد التوديون ان يتفادوا تجربة الشيوعيين العراقيين، بعد فشل الجبهة الوطنية، فحاولوا بجرأة تثير الدهشة، استباق الأحداث، للاستيلاء على الحكم في إيران، في عيد العمال، الأول من إيار، ولكنهم للأسف فشلوا، فصعد التيار الديني، ونكل بهم اشد التنكيل، واستفرد بالسلطة، ولو انهم (أي التودديين) نجحوا لما كانت هناك حرب بين الدولتين، الحرب كانت نتيجة لصعود التيار الديني في ايران من جهة، وانقلاب القصر وتبديل القيادة في بغداد، من الجهة الأخرى، ولذلك لم أستطع الهروب الى الاتحاد السوفيتي بدون مساعدتهم، لذا عدت للعراق، سأحاول التسلل الى هور الحويزة، سيكون ملاذا للجنود الهاربين من المحرقة، أما هدفي الآن فهو الانتقام لأخي وزوجته.. بلغ تحياتي لأمي..

سعيد

لم يستطع نوح النوم بعد قراءة الرسالة، لقد أثارت مخاوفه وقلقه، خاصة وان المخبر المدعو زوج عمته  يشاركة حجرة النوم.

كان شخير الرجل مزعجا جدا لا يطاق، شعر نوح ان هذه الكتلة من اللحم المتورم، تشفط هواء الغرفة بطريقة جشعة، تملأها شهيقا وزفيرا وصفيرا، هذا المخلوق البائس، المسخ، الذي يغدر بالناس، يكتب تقارير ضدهم، ولا يتورع أن يشي حتى بأقربائه، لذا كان نوح يتحاشاه دائما، ولا يحبه، حتى قبل ان يعرف ان زوجته وهو لا يمتان له بصلة، على كل حال كان يتجنب هذا الرجل عندما تجمعه الصدف، يحترس، ويحذر عند حديثه معه.

خرج من الحجرة للبحث عن علبة كبريت في المطبخ، ليحرق رسالة سعيد، تفاجأ بالشيخ جالسا في ظلمة الصالة، يتمتم بكلام لم يستطع ان يفهمه..

" ماذا تفعل، ولماذا أنت جالس في الظلام؟ "

" الخلوة مع الله، يا نوح خير وسيلة للخلاص، اناجيه، اقرا الأدعية المجربة، اتضرع اليه لكشف الغمة عن هذه الأمة، ابتهل اليه يا نوح.

 جلس يستمع لأدعيته، فتلا بعضا منها، قرأ في كتاب صغير الحجم، غلافه اسود سميك، دعاء المشلول ودعاء الفرج ودعاء الغريق، حتى أشرف الوقت على طلوع الفجر، فقام الشيخ للوضوء والصلاة.. دخلت الدهلة، وكان لا يزال متوركا، يرفع يديه عاليا بالدعاء، عقب انتهاءه من صلاته. ختمها بهذا الدعاء:

"اللهم إنّا نعوذ بك من شر سلطان سوء، وقرين سوء، ويوم سوء، وساعة سوء.."

 قاطع استرساله دخول الدهلة، انزل يديه، ارخاهما على ركبتيه، اخبرتهما.

"الجماعة يريدون العودة مبكرا الى بغداد، سأعد لهما طعام الإفطار، تعالوا نفطر سوية ونودعهم"

 خرجت، فهمس نوح في أذن الشيخ:

" أحذر أبو بدور، فهو مخبر... "

" عرفته فهو متقلب ومراوغ، ولكن لا أدري لماذا يكرهني!"

"هو يكره حتى نفسه."

تتمتم الشيخ كاظم، ثم رفع صوته:

" قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا."

تناول الجميع افطارهم صامتين، حاول المخبر استدراج الشيخ بالحديث عن الحرب، وصفها بالجنون، وبأن الرئيس هو الذي بدأها، خوفا على كرسيه، حاول إيقاع الشيخ كاظم في الفخ، ولكن محاولته فشلت، حينما أعتذر الشيخ  وقام مودعا، فقام المخبر ليحزم حقائب السفر، وأبدت زوجته رغبتها بأن تذهب مع نوح لزيارة قبر المرحومة في اربعينيتها. لم يقل نوح شيئا.

خرجوا للسيارة التي تنتظرهم أمام الباب، شكرتهم الخالة على تكبدهم المجيء، تحركت السيارة، وخرجت  من الزقاق الضيق واختفت.

بقى نوح مع الدهلة يواجه قرارا صعبا، ولكنه حزم أمره أخيرا، وقرر ان يساعد الدهلة  في البحث عن هيلا، تلهفت لمعرفة ذلك، فطمأنها، وأكد لها أنه لن يتركها لوحدها مهما كلف الأمر، لأنها تحتاج لرجل يقف بجانبها، وهو يحتاج لإمراة بمثل حكمتها وشجاعتها. قال:

" سأقف معك، فلا تقلقي"

عانقته وقبلته، شعربدموعها الحارة تبلل وجهه، شرح لها خطة الهروب.

بعد اربعينية المرحومة، سنذهب لمدينة السليمانية بالتحديد، هناك صديق لسعيد يثق به جداً، سيسهل لك طريق الهروب الى إيران، الفرصة مواتية الآن، فالقتال لم يحتدم بعد في الجبهة الشمالية، وبإمكانك عبور الحدود من إحدى الثغرات التي ينشط فيها المهربون..

لم تقل شيئا، دلفت لغرفتها، وبعد دقائق خرجت وبيدها مغلف، دسته في يده.

"ما هذا ياخاله؟"

"هذه النقود، كانت هيلا قد وفرتها للمولود، لجهازه.. وأضافت متحسرة لو انهم تركوها هنا، حتى تلد، لكان عمر طفلها الآن ثلاثة أشهر، وهذه أقراط ذهبية لزوجتك، نوح، ألم تقل لي ما اسمها؟

خنقته العبرات.

"احتفظي بالنقود لحفيدك يا خالتي.."

" نوح ما أسم زوجتك، أهي جميلة، وبنت من؟"

" سيناء، بنت الحاج سبتي الزبون، جميلة، لم نتزوج بعد، مجرد عقد قران يا خاله."

"كانت امنيتها ان تعيش حتى ترى زفافك قبل ان تموت."

" الحمد لله تحققت امنيتها، وقريبا جدا سنتزوج "

فكر بما قالته قبل قليل عن هيلا، (لو أنهم تركوها هنا) وهي تقصد بهنا: تركوها في بيتها، الذي هو الوطن، الأمان، الحب والحياة، الذي كانت تتمناه لحفيدها، وهل معنى التهجير (هناك) لإيران، إلا الغربة والخوف والموت..

ولكن الوطن.. مكان العيش والفرح، أنقلب الى مسلخ وقبو تعذيب مظلم.. تداخل الوطن بالمنفى، والموت بالحياة، ولم يعد التفريق بينهما ممكنا..

أخبره سعيد أن هيلا ولدت صبيا، في مخيم اللاجئين بمدينة جهرم محافظة عيلام، كان وقع الخبر مؤلما في نفسه، فمجيء صبي لمقبل، كان سيفرح الدهلة كثيرا، لو حدث ذلك في ظروف عادية، وفكر ان اخبارها سيضاعف حزنها، سيعذبها ويقتلها، لقد أحبت هيلا حباً صادقا وعفويا..

 كتم الخبر، علم من سعيد ان الطفل وأمه وجدته، يعيشون في قبو أحد البيوت القديمة، القريبة من محيط ضريح السيدة معصومة في قم، هذا كل ما عرف من سعيد، وسيبوح به للخالة الدهلة، قبل أن يشرعا بالرحلة المحفوفة بالمخاطر الى شمال العراق. ولما شكرها قائلا البيت عامر بأهله، قاطعته:

" لم يعد بيتا كما كان.. البيت بدونهم قبر يا نوح."

" فوضي امرك الى الله، وسوف لن يتخلى عنك ابدا."

" نم في غرفة مقبل وهيلا فهي مريحة أكثر."

قضى نوح نهار ذاك اليوم هائما في حواري المدينة وأزقتها، كأنه ضائع يبحث عن شيء مفقود، عن آثار أقدامه  التي طمستها السنين وغبار الأزقة.. وكان أينما يمم وجهه، فثمة أكف أنهار مبسوطة بالخير، ندية بالعطاء والمياه..

هذه هي مدينته العمارة...

وقبل هبوط الليل، اتجه صوب النهر، أنتظر مجيء صديقه هلال..

لم يأت، عذره حتى دون ان يعرف السبب، فالحرب قد ألغت جميع المواعيد، صارت لها الأولوية على كل شيء، والتقاعس عن تلبية نداءها يعتبر جريمة لا تغتفر، بنظر الذين يقدمون القرابين البشرية  ليلا ونهارا، على صخرة مذبحها المقدس.

لابد ان شيئا منعه من المجيء، فنوح يعرف دقة مواعيده كطبيب، أرسل نظرات تائهة الى المياه الجارية، أو الياردن كما يسميها المندائيون، وهي تنساب وتنفلج عند نقطة غير مرئية، قديما أغرق الأتراك مركبا بخاريا في هذا الجزء من النهر، في محاولة فاشلة ليعيدوا التوازن المفقود لمياه الدجلة، وقيل إن الإنكليز هم الذين أغرقوا المركب، لأنه كان محملا بذخيرة حربية للجيش التركي المتجحفل في مدينة العمارة..

 وهناك بعيدا، تدور الآن معارك طاحنة، على امتداد الجبهة الشرقية، الاطول والأكثر عنفا ودموية، كم يا ترى في هذه اللحظة، سيصل عدد الجثامين الملفوفة بالعلم العراقي، بينما هو واقفا على ضفة النهر ينتظر صديقه..

 راح يخاطب نفسه..

هل لا زلت تحت تأثير النبوءة، هل استحوذت على عقلي، ورسمت في مخيلتي هذه الصورة الوهمية.. لماذا ارى الآن مياه النهرتصطبغ بالدم، اصحيح ان الطبيعة أحيانا تواسي الأنسان وتشاركه أحزانه، أو تناصبه العداء..

كم مرة شعر أن الرذاذ الخفيف، يتحول الى أحجار قاسية تطرق راسه بقوة فتؤذيه.. ولكن الطبيعة في الحقيقة محايدة، لا تكترث لأفراح أو أتراح الناس، قد تبعث أحيانا رسائل مشفرة، ينبغي فك ألغازها، هل الاندماج بين مشاعر الأنسان والطبيعة يصل في بعض الحالات حد التماهي، وهل اصطبغت السماء فعلا بالدم عندما قتل الحسين...!

 هم بالقيام بعد ان يئس من مجيء صديقه، وقبل أن ينهض من مكانه، شعر بيد حانية تربت على كتفه، رفع رأسه، كان ضوء عمود النور القريب منه، يكاد يبدد شيئا من عتمة المساء، رأى شيخا مندائيا، يتسربل بالضوء الخافت، بينما يلف الظلام المكان، جاء ليواسيه، ويمسح بابتسامته الوضيئة، جبلا من الحزن الذي جثم على صدره، كان قبل مجيئه يشعر بأن حياته أصبحت صورة مشوهة لموت مؤجل..

رفع رأسه اليه، قال الشيخ بصوت ملائكي:

" قم وأذهب لبيتك، لن يأتي صديقك الذي تنتظره، ولكن سيأتي في المرة القادمة.."

 واختفى كما جاء خيالا خفيفا، بين الظلال الداكنة لأشجار اليوكاليبتوس، تلك الأشجار الباسقة التي شاهدها يافعا، أول مرة في حديقة مرسى القوة النهرية. وعندما اختفى الشيخ، ترك وراءه خيطا نورانيا، كاد نوح أن يلمسه بيديه، تركه غارقا في ظلام تساؤلاته المحيرة، ولكنه حرره في آن من قيوده الارضية.

شعر نوح أن روحه تسمو تلك اللحظة في معراج سماوي، تتحرر من عبء ثقيل، يشدها للأسفل، وروحه متلهفة للصعود عاليا..

سأل نفسه: أين بيتي الآن؟

لم يعد له بيت منذ رحيل أمه عن هذا العالم، النهر الذي احبه، دائم السيرورة، في حالة زود وصيهود، وأشجار اليوكاليبتوس الباسقة لا زالت تخفي بين أغصانها الكثيفة أعشاش العصافير، ومدرسة السلام التي كانت هنا اختفت ايضا..

الزمن كالأفعى يزحف بوتيرة ثابتة على حراشف الضجر او المفاجأة، لكنه محاط بالقسوة دوما، على مقربة من هنا، لا يزال جسر الملك فيصل منتصبا فوق مياه نهر الكحلاء، المتهادية ببطء في جريانها، حتى تنتهي بالهور الواسع، الناس والبهائم الذين يعبرون الجسر، الذي شيده الإنكليز ابان احتلالهم لمدينة العمارة، لم يفطنوا للعلم البريطاني الذي يعلو رؤوسهم، حديقة المرسى النهري، بناية البلدية القديمة ذات الطراز التركي، منازل الصابئة ذوات الطابق الواحد، وشارع بغداد الممتد عموديا بين الكحلاء ودجلة، والمركز الصحي الصغير الذي وعى عليه صغيرا، حين كان يعاني من غثيان دائم، لمجرد رؤية الطعام، بعد ذلك تحول لمخزن كتب وقرطاسية تابع لمديرية التربية.. كل هذه الأماكن القريبة من بيته، كانت تتشكل باتساق وتماسك في ذاكرته، صورة غائمة، تعبق برائحة المكان المتمرد دوما على جبروت الزمن، وتتناهى صوتا واهنا، ينبثق خافتا من الحلم والخيال الجامح، أعطت هذه الصور لحياته إطارا سحريا، لا زال واقعا تحت تأثيره المدهش حتى الآن..

لم تترك له الأحداث المتلاحقة فرصة لالتقاط الأنفاس، ولن يكون بإمكانه بعد الآن، ان يتفسح بين مفاصل الزمن، كما كان يحلو له من قبل، الماضي الذي تركه وراءه ، لا يستطيع أن يكيفه، يروضه، او يخضعه للأحداث المتقلبة، لقد تمرد عليه الزمن..

لربما عندما يترك مدينته، ولن يراها مرة آخرى، سينسى كل شيء، لكن النهر، الذي عشقه، حفر مجراه عميقا في ذاكرته، لن ينساه أبدا، يستطيع ان يغمض عينيه، فيتخيل أمواجه تتهادى بطيئة بين الضفتين، وتحت الجسر، يعد الركائز الحديدية التي ترفعه، من جهة بناية البلدية القديمة: الركيزة الأولى القريبة من الجرف الرملي، الثانية على مبعدة خمسة امتار، وهكذا الثالثة، والرابعة، فتنتصب أمامه الركيزة الخامسة، ملاذا آمنا ورائعا، استراحة وجيزة، لالتقاط الأنفاس، لسباح تخطى مرحلة التدريب، يرتاح على حديدها الأملس البارد، المغموس في الماء، قبل عبور النهر لشاطئ الماجدية..

مسؤوليات جسام اضطلع بها سابقا، ولكن أيا منها لن ترقى لمهمة تهريب الدهلة، فهي مسألة أشد صعوبة من الصعود لقمة إفرست، تساءل:

هل تحتمل امرأة عجوز مشاق السفر، على دروب وعرة بجبال كردستان الشاهقة!، وقد بدأ فصل الشتاء ببرده وثلوجه وامطاره، هذه المرأة الرائعة، التي قضت طفولتها وشرخا من شبابها، لا تقع عينيها سوى على صفحة المياه الساكنة، ولا تسمع اذناها غير زعيق الطيور المهاجره شتاءً، من الأصقاع المتجمدة، وصياح الخضيري والحذاف ودجاج الماء، المتماهية مع خفقات المياه بين سوق القصب والبردي، وتستمتع حد الإنتشاء حين ترى رؤوس الجواميس مشرأبة فوق مياه الهور، المزدانة في الربيع بزنابق الماء ذات البياض الثلجي، كل هذا الجمال الأسطوري، أي فردوس مفقود، منجمه الطبيعة الساحرة، تضطر على هجرانه، لأجل العيش في بيئة حضرية، كان شراب الدهلة حليب الجواميس وطعامها أسماك الشبوط والقطان والبني.. كيف ستقوى على رحلة عذاب تنتظرها في أرذل العمر!

في تلك الليلة، لم تغمض عينيه، جلس على طرف السرير العريض، المغطى بمفرش حريري بصلي اللون، مطرز بورود، بألوان حمر وصفر وبنفسجية، ومنثورة في حاشيته بفن راق، فراشات ملونة تحلق في دائرة كبيرة في وسطه، ومشغول بخيوط مذهبة من البريسم، وحبات خرز بيضاء شبيهة باللؤلؤ..

هذه الغرفة كانت مخدعا لمقبل وزجته هيله، يقضيان فيها أسعد لحظات العمر، يتبادلان أشهى الثمرات، لا تزال في السرير رائحة جسديهما، يشمها، ويكاد ان يسمع الهمسات الناعمة بين لهاث الأنفاس المتلاحقة والمتقطعة، وصوت القبلات السريعة الملتهبة، لا توجد لحظات تتماهي فيها السعادة بالعذاب، كما هي في لحظة الغرق والعوم على موجة متعة مغرقة بالموت اللذيذ، يحترق فيهما جسدان عاشقان الى درجة الذوبان ببعض..

أخذ وسادة وبطانية وانطرح على الأرض، أنب نفسه ولامها، على النوم في سريرهما الخالي.

عند الفجر كان مرهقا، فأخذته إغفاءة لم يستطع مقاومتها، لا يدري كم مر من الوقت..

 

شكرا لمتابعتكم

 

صالح البياتي

...................

حلقة من رواية:  بيت الأم

 

 

مامند محمد قادرعندما كنتُ صغيراً لم أنعم بِمتعة اللعب ولم أقدر على الخروج من البيت يوماً لشراء اية حلوى من دكان محلتنا، أو رؤية نفسي في المرآة، أو تمييز الألوان، أو مشاركة أقراني من الأطفال في نزهة مدرسية . ذلك لأنني كنتُ قد أصبتُ مبكّراً ومنذ صغري بالعمى جراء مرض معد . تربّيتُ كصغار الكنغر في حضن والدتي التي لم تفارقني للحظة، ولم تكفّ عن مراقبة جميع حركاتي وسكناتي . ترعرعتُ تدريجياً وقضيتُ صبايَ في ظلامي الدامس . وكنتُ قد اعتدتُ في طفولتي على البقاء وحيداً في البيت، أتجوّل في أرجاء المنزل وأعبث بِكلّ ما تصادفه يدايَ . وقد حصل كثيراً أن اصطدمتُ بالجدران أو قطعتُ أصابعي بالسكين أو احترقت يدايَ بِانسكاب مرقٍ مغلي عليها . فكنتُ للحظات أترنّح، أتأوّه، أو أذرف دموعاً دونما جدوى . لذا فقد كنتُ أنا أكثر من ايّ شخص أتأمّل الضياء، فهي كانت رغم العمى تتجسّد في أحلامي وترتسم في أذهاني . ذات يومٍ في زنزانتي الدائمة تلمّست أناملي ثقباً صغيراً في الجدار، شرعتُ أعبث به، قرّبتُ اليه عيني، ونظرتُ خلاله، يا للدهشة، تناهت نظراتي المبتورة على بريق شعلة تتلألأ في الظلام، لم أعرف مصدر البريق أو كنهه، فلربما كان بريق مصباح وهمي، أو خيالاً قد تجسّد في الضياء، أو كتلة شمس كانت قد سبتت في الظلام . لطالما استأنستُ وعشقتُ هذا الثقب الذي أصبح رفيقي الوحيد في الحياة . فقد كنتُ أستمدّ من البريق القابع فيه نوراً لعيني المكفوفة، وقد كان يبعث في نفسي الدفء، ويخمد في أضلاعي ظنون ظمئي الجامح . فطوال ساعات اليوم كنتُ غارقاً في تأمّل ذلك الضوء الدافيء، اذ لم يكن هناك ما يبرّر وجودي على الأرض سوى اللهفة في التحديق في ذلك الضوء حتى أصبحتُ رجلاً . شاء الدهر أن أجريتُ عملية جراحية لِعينيّ، لم يلبث سوى أياماً حتى رجعت بصيراً . حينها تلمّستُ ضياء الشمس ورأيتُ في المرآة نفسي، وميّزتُ الألوان عن بعضها . غير انها لم تثر في نفسي جدوىً أو سروراً أو دفءءا، كما لم تمنح عينيّ نوراً . لِذا وعلى عادتي القديمة، مجدّداً .. لازمتُ الغرفة في البيت، وكسابق عهدي كنتُ أحدّق دوماً خلال ذلك الثقب في الشعلة القابعة في الظلام التي قد تكون هي الشمس الحقيقية.

***

قصة قصيرة

مامند محمد قادر

 

 

جواد غلوممُــعــلِــمَــتي لا تُــحــبّ الــلــقــاءَ

اذا مــا استــطاب وجــازَ حــدودهْ

 

بليــتُ بِــوجْــدٍ عــسيــر المَــنــالِ

وفــاتــنــةٍ فــي هَــواها عَــنــيْــدةْ

 

فلا تشــتهي غـيـر طول العــذاب

ومشْــيَــتُــها للــغــرام وئــيْـــــدة

 

عجــزتُ وهُــنْتُ وهُــدّت قــواي

أمِنْ مسعِــفٍ في مســاعٍ حميدة ؟

 

هــو الحــبّ حــربٌ ولا تنطفــي

وتضعــف فيها العقول الرشيــدة

 

تـعلّمْــت مــنْـك جَــمال الــرويّ

وأرشَــدتِــني دائــما ان أزيْــــدَه

 

حبــيــبة قلــبي وعَــقْــلي ســواء

قريضي تهاوى فصرتِ عـموده

 

تُــحــبّ الكــتاب ومــا يحــتـوي

وتعشق في الصبح ما في الجريدة

 

تـرعْــرتِ فــيّ غَــرامــا بَــكـــى

نَـمَــوتِ جنــيــنا وكـنْــتِ الوليدة

 

فإن خفَــتَ اللــحنُ في مسمعــي

يــظلّ الفــؤادُ يـغــنّـي نـشــيــده

 

أحبّــك بحْــرا مــن المُــلغِــزات

طروحات فِـكْــرٍ ورؤيا سديْــدة

 

وأكـره فـيْــكِ الصدود العَـسيــر

ولاءاتِــك المكْــثرات العـتـيــدة

 

فإنــي المــشوق بـلا مَــطْــمَـعٍ

بــلا أمَــلٍ ارتجي ان أعــيْــده

 

وحتى متى قد يغـيب الرحيق

ويــنأى بعـيدا ليـنسى وروده

 

أشيري إليّ تــعالَ ، اقْــتربْ

فان المسافات لـيست بعــيدة

 

هــنا مُــلْـتَــقاكَ بحضنٍ خـلا

فلمْلمْ شِـتاتي ؛ فإنـي شـريـدة

 

فأنــت تـراني بعــقْــلٍ سَــويّ

ولـكـنْ بـقُـربِــك أبْــدو بـلـيْــدة

 

وإن بعُــدَ الطيــر عــن سربـهِ

فـتُــوقعــهُ فـي فخاخ المكيْــدة

 

وان باعَــدتْــنا دروب الحيـاة

فقد ننْزوي لحظةً في قصيـدة

 

أريــدك قُـرباً ووقْــع خطــىً

إذا كان حلما فلا ، لن أريده

***

جواد غلوم

 

 

عبد الله الفيفيرِئَـةُ الزَّمَانِ صَغِـيْرَةٌ  لا تَـقْـدِرُ

                 وفَمُ الحَـيَاةِ  يَظَـلُّ فِـيْـنَا يَـكْـبُرُ

وإذا عَبَرْتَ فِجَاجَها ولِـجَاجَها

                 عَـبَّـتْـكَ مِنْـها لُـجَّـةٌ لا  تُعْـبَـرُ

تَرْدِيْ بِنَا صَدْرَ النُّجُوْمِ كَوَاكِـبًا

               وتَـرُدُّنـا  والدَّارُ صِفْـرٌ تَصْـفِـرُ

لا تُـمْهِلُ الغُصْنَ النَّدِيَّ بَـنَانُـهُ

                   حَتَّى تُـرِيْـهِ بَـنَانَـهُ يَـتَـكَـسَّـرُ

لا تَسْأَمُ الأَثْكَالَ تَنْزِفُ  سَرْمَـدًا

             إِذْ تَـسْأَمُ  المـِيْلادَ  صُبْحًا يَقْطُـرُ!

هِيَ في رَوابِيْ صَهْوَتَيْها لا تَرَى

             صَيْدًا  سِوَى ما أَنْتَ مِنْها تَحْذَرُ!

***

أَ تَـشاؤمًا؟ مُتَشائلًا، مُتَـفائـمًا!

             وهِيَ المُنَى.. لا فَرْقَ فيما تَـشْعُـرُ

تَسْرِيْ بِكَ السُّفُنُ البَوَارِحُ سُنَّحًا

               والبَحْـرُ لَـيْلٌ زَمْهَرِيْـرٌ  أَحْـمَـرُ

قِفْ ضاحِكًا لا باكِيًا مِنْ ذِكْرِها

                 ماذا يُـعِـيْـدُ بُكَاءُ  نَاسٍ نَذْكُـرُ؟

* * *

أَخَذَتْ بِرَأْسِيْ، ثُمَّ قالتْ: يا فَتَى،

              لَكَ نِصْفُ كَأْسِيْ والشَّرَابُ مُقَدَّرُ

لا تَنْـتَظِرْ ما لا انْـتِظارَ لِفَجْـرِهِ

             والشَّمْسُ لا تَصْحُوْ لِـمَنْ يَتَنَـظَّـرُ

جَـفَّتْ مَوَاعِـيْدُ الغَرَامِ بِدَفْتَرِي

            والحُبُّ في كَفِّ اشْتِيَاقِيَ  مُمْطِـرُ!

***

قَبَّلْتُ ساقِـيَـتِيْ بِمَفْرِقِ عِطْرِها

               ومَضَيْتُ والدُّنْيَا عُـيُوْنٌ تَـأْمُـرُ:

غَامِرْ وحَاذِرْ ساعَـتَيْنِ  بِسَاعَـةٍ

              وغَدٌ سَيَرْحَلُ مِثْلَ أَمْسِ ويَحْضُرُ

هِـيَ قِصَّـةٌ مَكْـتُوْبَـةٌ بِدُمُوْعِـنا

              يا عَـلَّ خاتـِمَها ابْـتِسَـامٌ أَخْضَرُ!

***

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

 

محمد المسعودياتفق الأصدقاء، في سياق عبثهم وضحكهم، أن يقنعوا السيد محمد بإحضار ديك أسود ليكون وليمة يجتمعون عليها في نهاية الأسبوع القادم. واتفقوا على أن يسردوا على مسامع سي محمد رؤيا "الشريف"، وهي رؤيا صادقة، مما لا شك فيه. وكما حكى "الشريف" تفاصيلها كانت الرؤيا تؤكد تحلقهم حول مائدة عامرة فارهة توسطها طبسيل ضم ديكا طُهي بمهارة وإتقان، وهو ديك قبل أن يُذبح ويتم تحضيره كان أسود اللون، وأن الصوت الذي هتف به كان يوصيه بضرورة حصول السيد محمد على هذا الديك مهما كان ثمنه، وأن يجلبه من أي بقعة في الأرض وُجد. وزاد الصوت توضيحا أن يقوم السي محمد نفسه بشراء الديك وجلبه حيا إلى المكان الذي اعتاد الأصدقاء اللقاء فيه أسبوعيا على أن يقوم "الشريف" بذبحه، بينما سيسهر السيد عبد الجليل على طهيه وإعداده بما عُرف عنه من حرفية وإتقان في طهي شتى صنوف الطعام المغربي الشهي.

ظل السيد محمد يتلكأ على عادته، ويتعلل بمختلف الأعذار ليفلت من تبعات الزردة التي وقع عليه شرط تمويلها وكلفة البحث عنها: البحث عن ديك أسود لا شية فيه. صار يتساءل: أين سيجد هذا الديك الأسود؟ وهل من السهل العثور على ديك أسود خالص لا توجد فيه ريشة من أي لون آخر؟

تطوع أكثر من واحد من المجموعة مقترحا مساعدته في البحث عن هذا الديك الأسود في أسواق طنجة، وأسواق القرى المحيطة بالمدينة: أربعاء عين دالية، أربعاء عياشة، ثلاثاء جبل حبيب، خميس بني عروس.. وغيرها، لكن السي محمد ظل مصرا على موقفه الرافض، وتشبثه بما قرره في دخيلته: أن لا يرضخ لطلب أصدقائه، وأن لا يُسهم في هذه الوليمة المحلوم بها.. المتخيلة.. في رؤيا "الشريف" المزعومة.

مضت الأيام، ونُسي في خضم اللقاءات والأحداث موضوع الرؤيا، وإغراء الديك الأسود. وحدث أن السيد محمد اشترى هاتفا جديدا من الهواتف الذكية، عرضه على الأصدقاء في جلستهم الأسبوعية، ولأنه أول هاتف ذكي يتعامل معه، احتاج لمن يدله على كيفية استعماله، وكيفية تنزيل بعض البرامج الضرورية التي يستعملها أصحاب الهواتف الذكية للتواصل: ميسنجر، وات ساب، فايس بوك، إنستاجرام.. وغيرها. وإذا بعبد الرحيم، وفي إطار محاولته مساعدة السيد محمد على البحث، في جوجل وبلاي ستور، يقترح عليه فجأة، وبمكر، أن يكتب باللغة العربية: الديك الأسود. نفذ سي محمد طلب عبد الرحيم، فظهرت، فعلا، معلومات وافرة عن الديك الأسود الخالص، وأماكن توافره بأندونيسيا والبرازيل والمكسيك ودول إفريقية عديدة، وأنواعه، وأثمانه المرتفعة التي يباع بها عبر العالم، ومعلومات أخرى عن بيضه، وعن فوائد لحومه. وكان الأصدقاء يمزحون معه قائلين:

-أرأيت حتى هاتفك الجديد اعترف بوجود الديك الأسود، ودلك على قيمته، وأنت تنكره، وترفض أن تحقق رؤيا "الشريف".. ياك البخيل.. سترى رؤيا "الشريف" غدي تخرج فيك..

ومرر عبد الرحيم البحث من المعلومات إلى الصور، فبدت صور مختلفة للديك الأسود الأندونيسي والبرازيلي والمكسيكي والإفريقي، وشكل بيضه الأسود الغريب، وشكل لحمه الأسود الخالص. ثم انتقل إلى حيز الفيديوهات، وهو يغمز "الشريف" بعينه، وترتسم على ملامحه ظلال ابتسامة ماكرة، ومد الهاتف إلى السيد محمد ليجد نفسه أمام صور لمواقع خليعة تسمى بهذا الاسم، وهنا شحب لون سي محمد وصار يسأل محرجا عن كيفية حذف هذه الصور من هاتفه:

-كيف غنزول هذ المصيبة.. كيف.. العيال غدي يشوفو هذ المسخ.. أعباد الله..

كان الأصدقاء يضحكون.. و"الشريف" يقول له:

-شُفتي أقليل النية.. ها ربي جابا فيك.. تم.. تم.. والو هاذ شي ما يزولشي حتى تشري الديك المعلوم وتجيب باباه نطوجنوه...

ازداد لون سي محمد شحوبا، وهو يتململ في كرسيه متوسلا عبد الرحيم كي ينقذه من الورطة، غير أن عبد الرحيم اعتذر له. وأصر على أنه لا يعرف كيف يمحو مثل هذه الفيديوهات من الهاتف لأنه لم يسبق له أن رآها، ولم تدخل هاتفه أبدا، وادعى أن الأمر يحتاج إلى معلم مختص، وأن على سي محمد أن يذهب إلى (كاسابراطا) ليبحث عن الحل، وليصلح  هاتفه، وليزيل هذه المصيبة منه.

لم ينبس السيد محمد ببنت شفة، وظل مطرقا هنيهة. ولما رفع رأسه، خاطب عبد الرحيم:

-أنت عزري..  ميلومك حتى واحد على مشاهدتك مثل هذه الأمور.. قل لي بشحال يتصلح هذ الهم..

رد عليه عبد الرحيم:

-أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. أنا ما كانشفشي هذ الشي.. وما نقدرشي نطلب من المعلم يزول هذ المصايب.. مشي بيدك أخاي..

-الله يرحم والديك.. بشحال نقدر نزول هذ الحريرة..

مد الهاتف إلى عبد الرحيم الذي أطفأه، ووضعه في جيب سرواله.

-أر ميتين درهم.. هذ المصيبة باش تزول خصها 200 درهم..

-بزاف.. بزاف.. أسي عبد الرحيم..

-أنا مبغتشي نقولك كثار من هذ الثمن.. هذ الحريرة هذي كيعدلها المعلم ب 300 أو 400 درهم.. يا الله جبد يمهم..

أُسقط في يد السي محمد، ولم يجد بدا من إخراج مائتي درهم ناولها لعبد الرحيم. وضعها عبد الرحيم في يد "الشريف"، وهو يقول له:

- هاك باشتشري الفروج اكحل.. وأنا غدي نتكفل بالباقي.. 200 درهم.. متكفشي نالزردة..

لم يفهم سي محمد ما يجري. كان الأصدقاء ينظرون إليه، وهم يضحكون في صخب، وبعضهم اقترب منه يربت على ظهره. وقال له المختار وهو يلف دراعه على كتفه:

- هذي عاقبة قلة النية.. نهار الخميس مرحبا بك تكول طجين الديك الأسود.. وتدي التلفون ديالك..

وعلت قهقهة الأصدقاء، وشاركهم السي محمد ضحكهم على مضض، وهو يقول:

- اعملتوها بيا يا اولاد الحرام..

***

محمد المسعودي

 

صحيفة المثقفحيث لا أطماع في خزائن القلب

ولا جيوب للرجاء

ولا تذاكر تقطع للرحيل

يرقد الطفل في قمط الطمأنينة

مثل نوية في بيضة

وتمد الريح خيوط الزعفران

برائحة الياسمين

يهبط الملاك ليبذر السلام

في ثرى وطن رثته السماء

يزرع في قذاله وردة  بيضاء

قطفها من سموات  " الكاردينيا "

هداياه إرثاً للطيبين

يشتلها فوق مهود وردية

للصغار

وينثرها على رؤوس العجز

كواثر المطر

يطفأ جرائم الألم  ..

وجراحات الضمير

وحمى الكهولة

أراجيح الذكرى

تهدهد الحلم الآبق من جفن اليباس

سقيا لمزرعة الطفولة

دعاءٌ ينتظر الإجازة

ليحبوَ على أرصفة الحقيقة

وزلال الذاكرة

يسيل على جبين الطوايا

رافعا راية الانتصار

على سواري سفن الضياع

مدمدماً

على زواحف الانطفاء

فوق  أوجه القمر

لا وسم في عضد الغريب

ولا سبب

في منزلق الرماد

يُتشبث بالريح من عصف النصال

وليس هناك

في الأُفق القريب

سوى

عينان ترتجلان البراق

قدمان ضالعتان في اجتياز الجسور

ويدان يلكز احداهما الصحو

ويجذب يسراهما انفصامْ

***

سمية العبيدي

 

 

 

فتحي مهذبالى الصديق Alaa Mohsen

بيت يشبه قلعة مهيبة مهجورة يتكئ على صدر تلة مسيجة بأشجار الكاليبتوس

الكثيفة خالعة على الفضاء الداخلي لصحن البيت الوسيع دكنة غامقة الى درجة تخيله لوحة سريالة مثيرة للرعب لطخها فنان

بهستيرية مفرطة..لوحة رمادية معلقة مثل قلادة من عظام الموتى على صدر التلة الموحشة..

ورث هذا القلعة الصغيرة المشبعة بروح قروسطية مذهلة عن أبيه المشهور بتجارة المخدرات حيث كان الوارث الشرعي الوحيد لهذه التحفة الفنية الموغلة في سوداويتها المقرفة ..

كان( ش ) كلفا  حد الهوس بتربية الحيوانا ت الغريبة .. الأفاعي السحالى..  الذئاب..

الكلاب الضخمة المدججة بأنياب فظيعة..

يبدو مظهره مثل قس هادئا غارقا في نهر عميق من التأملات ولكن في الحقيقة هو على نقيض ذلك ..

انه كائن شهواني عدائي سفاك..

مبشر بايقاع القتل المجاني..

مكتظ بضروب الحيل والشرانق ..

انه عنكبوت سام وضخم يتخفى وراء قناع ملاك بريئ..

اختلف (ش) كعادته الى الملهى الليلي ليراقص الحسناوات الرشيقات يغريهن بالأموال وبابتسامة قس مزيف ..

يرمي شبكته السحرية التي حبك خيوطها من معدن ذئبيته الماكرة ويظل منتظرا فريسته  بروح عنكبوت لا يمل الانتظار.. المهم أن يحصل على فريسة مشتهاة..

ليسكت نواقيس شبقه الداخلى الفوار..

هاهو يستفرد بقنيصة خلاسية

مشبوبة الملامح تتقطر عسلا وشهوة ..

ساقها مثل شاة عمياء امتطت سيارته الشبيهة بعربة الأموات الموسرين..تبادلا النظر بصوفية مرهفة.. أطلق ضحكة مدوية مثل قذيفة هائلة لم تقف على ما تبطنه من عواقب..سرد لها قصصا رائقة

عن الحمامة التي افترست صغارها

أفعى قرمة اندست الى عشها في غيابها القسري بحثا عن الطعام لصغارها وكيف انتصر الطائر الكسير على الأفعى المتسلطة اذ فقأت عينيها بمنقارها فاندفعت من أعلى الشجرة الى أسفل لتلتقطها هوام تجوب المكان بسرية مطلقة..

انه مبدأ الافتراس الحتمي .. العالم يفترس بعضه بعضا .. أحيانا تفترس الأشياء ذاتها بعذوبة باذخة..لقد خلقنا لنفترس ونفترس..

انها لعبة قذرة ولكنهالا تعدو أن تكون ضربا من الاقتضاء والضرورة..هكذا خلقتنا الآلهة لنكون قرابين لبعضنا البعض...

-قالت ببحة تتقطر طلاوة :

أنت فيلسوف يفسر الحقائق مشفوعة بسيل من البراهين الساطعة..

-قال معقبا: كل ما نفسره قابل للدحض والتفنيد..

ليس ثمة شي ثابت قطعي..

مثل النظريات التي تنقض بعضها البعض..

التهمت لسانها دفعة واحدة مثلما تلتهم الأفعى جرذا جموحا..

وغابت في أعماق غابة من التفكير

المليئة بقمح مجازاته واستدلالاته.

أهدى اليها أساور ذهبية سحبها من جيبه الأيمن..

اطمأنت قليلا وزالت رهبتها الغامضة بينما السيارة تطوي المكان بجنون وسط طبقة كثيفة

من العتمة ..

قالت: ما أروع قصصك الآسرة التي نفذت الى عمق روحي .. أنت بارع في سرد الحكايا..

رد باقتضاب : الحياة حكاية ضخمة ونحن الأشباح التي تملأ صفحات كتابها الأبدي..

قالت : جميل هذا.

قال : العفو أيتها الوليمة المقدسة..

لم تعي جيدا مغزى حديثه مسدلة زفرة عميقة على المكان كما لو أنها توجست شرا..

طمأنها مداعبا أرنبة أنفها بأصابعه

المشبعة برائحة القتلى..وبعد ربع ساعة ونيف تقريبا وصل الى قلعته المخيفة .. أطفأ محرك السيارة .. أمسكها من يدها اليسرى مترنما بأغنية ذات ايقاع دموي..

بصوت خفيض جدا..

أيها البيت الملعون

الخالي من ضوء الضمير

الذي تسكنه  ملايين الأشباح

في الدهاليز السفلية

مثل شياطين تمارس لعبة الغميضة..

أيتها القلعة المكتظة بأرواح الأسرى النائمين على سرر الفجيعة

أيتها اللعنات الأبدية

أيتها الضفادع المخيفة

التي تغطس في حوض الشيطان

التي تأكل لحم القطط الساخن..

هانذا جلبت وليمة

لابنك الذي تدهسه العزلة في غيابات القاع..

وليمة لاسكات زئير الفراغ

أيتها السكين

كوني مهذبة أثناء الصلاة

وتقطيع الأطراف..

هذه وليمة لسكان القلعة المخفيين

نظر اليها نظرة نسر كاسر

وفجأة استل سكينه المقدس طاعنا فريسته طعنات متلاحقة في أماكن حساسة من جسدها المستسلم لقدره البائس..

جر جثتها مثلما تجر كلاب الاسكيمو زلاجة ثقيلة..

انتهى به المطاف الى المغسلة..

جلس على قائمتيه مثل وحش أسطوري .. أزال بعض البقع الدموية المتحجرة .. وبحركة عدائية استأصل عينيها الزرقاوين المغرورقتين بالدموع ثم ابتلعهما

مثل حبتي لوز..

حدق في وجهها مثل عقاب يتجسس على حال فريسته الهشة

صاح مولولا بلهجة خفاش غامضة

استيقظي الآن يا أميرتي..

لنرقص رقصة الأموات الأخيرة..

رقصة الفأس في تضاعيف الشجرة المتغطرسة..

رقصة فارغة من طعم المعنى..

رقصة يتحرر فيها الجسد من قبضة الأمكنة المتعفنة..

طوقها بذراعيه بقوة قرش محدب

وأخذ يرقص.. فمه ملطخ بالدم..

يزرب دخان أسود من محجريها المثيرين للذعر..

سقط أرضا مثل سلحفاة عرجاء..

الآن أتممت طقوس رقصتي الوثنية على مسرح هذه الخلوة الفريدة..

أنا مروع الشياطين

وحارس الجحيم الهلامي..

صوتي هراوة قدت من عظام المردة..

أخذ سكينا تلمع مثل ضوء قنديل في عتمة المقابر..

قطع رأسها .. دق حزمة من المسامير في فروة رأسها صائحا

ليغفر لك الرب ما اقترفت من آثام

أيتها المومس.

أنا النهر الملكي الذي يتدفق في

غابة الجنون الخلاق..

يا لها من حفلة شواء رائعة..

أيها المردة أيها الجن أيتها الأبالسة تعالوا .. اهبطوا من سرايا الغيب ..

هذا عشاء مقدس لم يك بد من الحضور ومقاسمتي لحم هذا الضأن الطازج..

سأحتفي بكافة الأشباح الملعونة التي تسكن بيتي الرجيم..

أيتها الكائنات السريةالحارسة لفخامتي من عضة الذئاب البشرية..البشر القذرين الذين هم في مسيس الحاجة الى

صلاة سكيني الرحيمة..

أنا دخان متشظ يقبع داخل كومة من  اللحم القذر..

أكره البشر الذين دمروني ودمروا قرية الله الجميلة..

سحقا لشيئ يسمى انسانا..

هذا الذي الذي امتص جمال روحي مثل حبة فراولو..

اندلعت معركة وحشية بين قططه وكلابه الشرسة التي كانت تقاسمه

الحياة بمجرد تسلل رائحة الشواء

الى مسامات أنوفها..

تساقت الكؤوس الفاخرة من أعلى الرف المصنوع من  الأبنوس..وتهشمت الأواني واحتل المكان  ذعر شديد ..

احتسى كميات من  دم ضحيته معمدا وجهه وأطرافه صائحا لتنزل بركة الرب..

فر طائر غريب يشبه الى حد بعيد طائر غرغر من أعلى تلة رأسه..

نادته خزانة صغيرة محشوة بجماجم ضحاياه

كف عن الضجيج أيها الحقير شاتمة أصله وفصله والسلالة التي تحدر من منابتها..

رد عليها بكل برودة دم وبلهجة فيها ما فيها من العنجهية

سأكسر عظامك أيتها البائسة العطنة..

سقطت الساعة الحائطية محدثة قرقعة فتحت النافذة وفرت خارج أسيقة الزمن..والتقاويم..

ثارت الملاعق الخشبية ..كان لثورتها واحتجاجها وقع كبير في صحن القلعة الرمادية ..

فقد الكرسي الذي يجلس عليه حاسة اللمس ظل يعوي مثل كلب خرافي..بينما الريح تطرق باب القلعة الكبير كما لو أنها رجال  شرطة بيد أنه لم يزل غير آبه بهذه

الاحتجاجات داخل بيته الرهيب..

مزمجرا مخاطبا الريح بعدوانية

انتظريني قليلا

سأفتح الباب وأمسك جدائلك وأمزق لسانك المتطاول.

وبينما هو كذلك في نشوته الدموية الباذخة اذ هطل مطر شديد لم يسبق له مثيل..

حمله الطوفان الى قاع الجحيم  لينال جزاءه الحتمي مثل حشرة

قميئة تعشش في غابة

***

فتحي مهذب

 

وحيد خيونلا تُحاولْ

إنَها الحِكْمةُ أنْ تُخفِقَ في كلِّ المسائِلْ

إنّهُ حظُّكَ أنْ يقْتُلَكَ النّاسُ

وأنْ تَأتِي على أَنَّكَ قاتِلْ

لا تُحاوِلْ  

 إنَّهُ عَجْـزٌ إذا حاولتَ أنْ تَشْرَحَ لِلْبَحْرِ

تَوَارِيخَ السَّواحِلْ

إنّهُ عَجْـزٌ وقد حاوَلْتَ

حتّى انْكَسَرَتْ منكَ قويّاتُ الـمَفاصِلْ

إنّهُ عَجْـزٌ فلو حاولتَ أنْ تبعثَ روحاً فيكَ

قد تُصْبحُ جاهِلْ

لا تُحَاولْ

روحُكَ الخضراءُ ماتتْ فيكَ

والأحْلامُ لا تُعْطِيكَ

حتى القِشْرَ مِن حَقْلِ السَّنابِلْ

اقْبَلِ القِسْمَةَ كُنْ مُحْتَرَماً أو بعضَ عاقِلْ

حيثُ أَنَّ القَدَرَ الواقِفَ في بابِكَ لا يُعْطِيكَ

مَهْمَا كَثُرَتْ مِنكَ الوسَائِلْ

لا تُحاولْ

أَغْلِقِ البابَ على نفسِكَ واصْمُتْ

مِثْـلَما يَصْمُتُ في الرِّيحِ الشَّجرْ

أَغْلِقِ البابَ على نفسِكَ مِنْ حُزْنٍ على ماضٍ

ومِنْ خَوْفٍ على مُسْـتَـقْبَلٍ حَفَّ بهِ أَلْفُ خَطَرْ

جَفَّ شِريانُكَ يا هذا

وأصْبَحْتَ شبيهاً بحَجَرْ

أَغْلِقِ البابَ على نَفْسِكَ واحْذَرْ

ناقَةَ البَدْوِ وثُعْبانَ الحَضَرْ

وصديقاً ربَّما تحسَبُهُ النّاسُ لأيّامِكَ لو تَـقْسُو

وأيّامِي إذا ما أدبَرَتْ كانَ صديقي

قدَرِي الأشرسَ مِنْ كُلِّ قدَرْ

وصديقاً خَنَقَتْهُ غَيْرَةٌ مِنكَ

 وفي وجْهِكَ مِنْ حِقْدٍ تَشَظّى وانْفَجَرْ

وصديقاً كانَ مِن أيّامِكَ السَّوْدَاءِ أدْهى وأَمَرْ

وصديقاً دائِماً يَغْلي وقدْ عَضَّ الأنامِلْ

ضجراً يَغْلي لأنّي

لم أزلْ رُغْمَ سُقُوطي مُتَفائِلْ

حيثُ حاولتُ و حاولتُ ومازِلْتُ أُحاولْ

كنتُ أرجو مِنْ عَلاقاتِي رُقِيّاً وتكامُلْ

كنتُ لو قالوا بأنَّ الحبَّ والأشواقَ زَيْفٌ

يَعْتَريني ألَمٌ حَتّى المفاصِلْ

وإذا قالُوا الصَّداقاتُ نِفَاقٌ

أتَحَدَّاهُمْ بِصَحْبي وأُمَاطِلْ

وأخيراً بعْدَما صِرْتُ وَحِيداً

وتَغَرَّبْتُ وَهَزَّتْنِي الزَّلازِلْ

فإذا قلتُ أنا عِنْدِي صديقٌ

فأنا إنْ لمْ أُنافِقْ فَأُجامِلْ

غُرْبَةٌ يُزْعِجُها جِدًّا وُجُودِي

والَّذي يُزعِجُها أَنِّي مُفَكِّـرْ

غُرْبَةٌ حُبْلى بإِعْصارٍ قَوِيٍّ وَ مُدَمِّرْ

أَجِّلِ الصَّرْخَةَ فَالمَوْعِدُ مكتوبٌ

وسَاعَاتُ أَعَادِيكَ تُقَصِّرْ

أَجِّلِ الصَّرْخَةَ ما زِلْتَ شُجَاعاً

والشُّجَاعُ القَاهِرُ الدُّنْيا مَتى شاءَ يُقَرِّرْ

وَمَتى شاءَ يُكبِّرْ

ومَتى شاءَ ومَنْ شاءَ يُصَغِّرْ

لا يُهِمُّ القِـرْشَ ما مَعْرَكَةُ البَحْرِ

وعنْ ماذا سَـتُسْـفِـرْ

إنَّما القِرْشُ وإنْ غَطّاهُ مَوْجُ البَحْرِ

فِي داخِلِهِ يَبْقَ الـمُسَيْطِرْ

فَعَلامَ القَـلَقُ القَاهِرُ

والفُرْصَةُ قَدْ تَأتي ولِلْأَمْرِ مُدَبِّرْ؟

وعَلامَ اليَأْسُ والأيَّامُ أَشْواطٌ

وما أدْراكَ؟ فالوَقْتُ مُبَكِّرْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأتْباعُـكَ في رأسِكَ تَلْهُو وتُنَظِّرْ

مُنْذُ عَامَيْنِ وأَيّامُـكَ تُعْطِيكَ الَّذي تَرْجُوهُ

لكِنْ لنْ تُريدَهْ !

مُنْذُ عامَيْنِ وأَقْلامُكَ تَشْكُو مِنْ جَفافِ الحِبْرِ

والأَوْرَاقُ بَيْضَاءُ جَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ ولمْ تَكْتُبْ قَصِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وقدْ غابَتْ جِراحٌ

وجِراحٌ ظَهَرَتْ فِيكَ جَديدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وتَأْريخُكَ مَجْهولٌ

وضَيَّعْتَ سَراياكَ العَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأَرْقامُكَ أَرْقامٌ

وزُوّارُكَ جُلّاسٌ على نَفْسِ الحَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأَخْلاقُكَ ما عادَتْ حَمِيدةْ !

مُنْذُ عَامَيْنِ تَغَيَّرْتَ كَثِيراً

يا لِذُلِّ المَلِكِ الواقِفِ يَسْتَجْدِي عَبِيدَهْ

مُنْذُ عَامَيْنِ وأَرْقَامُكَ صِفْرٌ

والَّذي عِنْدَكَ لا تَعْرِفُ في السُّوقِ رَصِيدَهْ

إنَّها حَقّاً مَكِيدَةْ

وعَلَيْكَ الآنَ أنْ تَخْرُجَ مِنْ جُحْرٍ وأَنْ تُخْفِي الـمَسائِلْ

وتُحاوِلْ

وتُحَاوِلْ

وتُحَاوِلْ

***

وحيد خيون

..................

26-2-2000