عبد اللطيف الصافيعشرون عاما ونيف

وأنت تربي الحزن

كالنمل

بين أعشاش ضلوعك

وتدفن حلمك في الرمل

كأنك ستنساه

إذ تطهرت منه روحك

عشرون عاما ونيف

والبنفسج ينمو أمام عينيك

في حقل

لست عليه بمسيطر

تقف كشاهد قبر

عاجزا

حائرا

امام لعبة القدر

و منذ أن أشرقتْ من جديد

بين جوانحك

أصبحت مدمنا

على المكوت تحت سمائها الغائمة

تنتظر ومضة الفجر

لتسرج للجوى خيولك

النائمة

و منذ أن فاض لسانك المدرب

على الصمت

بما يخالف الكلام المعتاد

أصبحت ملازما صراخ الدجى

تنتظر أول قطرة ندى

لتسقي حقولك

الحالمة

لا أدري

لماذا يظل قلبك معلقا

على حبل قدرك المكلوم

تنسج لربة الحب

بيتا فولاذيا كبيت العنكبوت

لتتصيد حزنك القديم

تقدمه قربانا

للهائمين في متاهات الملكوت

وعشقا ما عاد دفين الرمل

ولا هشا كغصن يابس في تابوت

لا أدري

لماذا يغشاها ظل هذا الدخان الكثيف

يمنعها من رؤية البهاء

في جوهر الأشياء؟

تستظل بمقدس مثقل بالتقليد

و المواعظ الصفراء

فيغدو قلبها الشفيف

كالقمر الكفيف

اخرج من تحت ظلالك القاتمة

وادعها لعشاء خفيف

في محراب عشتروت

مد للريح جدائلها المنقوعة في المسك

لتمسح عنها غبار الاساطير

تأبط عطرها الجميل

ثم اصعد بها إلى السماء

حيث الملائكة يسبحون باسم المحبة

***

عبد اللطيف الصافي /المغرب

 

داود السلماناسئلتي لطالما جفّ نشيجها، تنهدات

على رصيف الثكل،

تقمص الدموع لنهرٍ

دبق، يتهجى السُعال

بصدرٍ نهم،

بروق تستعطي المطر

تروم وداع الغروب بغيمة جذلى،

الى اين..؟

و الصدى يستعين بأنينه

يطارد الحلم الصدئ بتعاويذ قديمة

يخاطبُ الله علانية

كدرويشٍ مرشح للنبوة،

يحفظ حسراته عن ظهر قلب.

فدعيني..

أتهجّى الخوف بحروفٍ ترتجف

واضرب بعصاي الدمع

لينبثق ينبوعًا

تتوضأ فيه السماء، استعدادًا للوثوب

تثبُ الظلمة

بوجه النور، ليخرج شعاعًا

يستدل به المتعبين.

زقزقة تحل بمسجد عصفور

تلاوة حان قطافها،

يانعة للأصغاء،

فيفز الحلم خلسة، يودّع ليله

الطويل،

تنتهي الصدفة لمشاريع وعود،

تمّ خضابها

أنامل مطلية بالحنّاء في حضرة

الكف.

آهٍ..

النهار تيتم ليله ساعة السحر

في غفلة من الغروب

وكانت النهاية،

غسق داكن، يتحلى بالصبر.

تعالي نزرع الرمال في ثقب

الباب،

لعلهم يأتون فور خفقان الوميض

كي نؤدي النوافل سوية

قبيل رحيل الضياء

ها هي السماء تتبرقع بالغيوم

لعله يعود لأحضانها المطر.

هل تذكرين ذلك اللقاء؟

أم لعلك نسيتي؟

عامان كأنهما آلاف السنين

قرون هجرها الزمن.

آلام الفقد بلا مآق

تنتظر دندنة المجيء.

يأتون على عجل ثم يرحلون

هواة المنافي

الرواحل تستنشق السّير

كأقدامٍ تتعطر بالغياب

ليتُك تأتين بقطار الريح

قبيل صهيل الوقت

قبل أن يأكل الليل عشاء النهار

فترفرفُ اجنحة الدُجى

غربان من حرمان.

دموعٌ.. زفراتٌ.. انينْ

ضيوف أحلّت على منازل روحي

ترغب بالمكوث

فالجفاف لا يريد أن يهجرني مليًا

لهذا أعتدنا أن نكرز السأم

بأسنان نخرة

ونقتل الضجر بسيوف السكوت

فأيامنا العرجاء تتعثر بالخطى

صحراء يتيمة

جف رحمها.

ونحن نمتطي الذكريات بسرج الماضي

هكذا..

طفولتنا لا ندري ماذا أحلّ بها

من اغتال من العين طيفها؟

تدور رحى السنين

يذوي الماضي بخيباته

فيا ترى متى نشطب اوجاعنا؟

ونطلي احلامنا بالوانٍ زاهية

تيمنًا بقوس قزح

دعينا نقلّم أضفار الوداع

كما يقلّم الشيخ الهرم شجرة ايامه

ففي ثقوب الظلمة

نفقد قبعة البياض

فلا يكبح دلال النسيان

الا سياط الذكريات.

قتلنُا السُهاد، اقراص المنوّم تفقد عذريتها في موسم الارق هذا ما كُنّا نقوله  في نوباتنا الهستيرية، عندما نفقدُ تواضعنا و نقف على حافة السرير لنوغل في نومةٍ شبه أبديّة فكل شيء في اعمارنا هراء، من اين للفاقدين استعادة انينهم؟ و للموتى اعادة النظر في جدارية الحياة فالمرافئ لا تعبث بشعر السفن كأغان الغجر تغصُ بالدموع ونحن نغص بالفقد حتى الاشجار تشكو الصداع وبساتين أحلامنا غزاها الشّيب.

الا نشعرُ بالخجل، ونحن

نسكبُ

على دوارنا زيت اللهاث

كالمصابٍ بالتدرّن

ندخّن ايامنا سجائر من قش

ونرمي أعقابها حسرات مومسة

من يستطيع دخول أحلامي

وقد أضعت كلمة السّر؟

يا هذا..

لا تجبرني على احصاء هزائمي

وفحيح انكساراتي

فأنا مهزومٌ قبل مولدي

بألف عام

و في كل يومٍ تقرع أجراس هزائمي

أشجارٌ عارية

في قبضة الصيف

من يعيرني صبره

لأعطيه سيفي الثمل؟

كنت أقاوم الهزائم بكامل قيافتي

واعود الملم

ما تبقى من آلامي المنسية

واحزاني غير الناضجة

فاسقيها سنيني الخرساء.

***

داود السلمان

 

يحيى السماويالى الصديقة / الأخت سفيرة السلام

 د. بهية أبو حمد:

 محبةً وتجلّةً وعرفانا بجميل فضلٍ


 

 

(1)

الـوقـتُ مـن حَـجَـرٍ

وهـذا الـمـحـجَـرُ الـصـحـيُّ  مـنـفـىً

لا أنـيـسَ يـشــدُّ مـن عَـضُـدي عـلـى ضَـجَـري

و" سِــدنـي " لـيـسَ لـيْ فـيـهـا  ســوى ذكـرى لـيـالٍ مُـخـمَـلـيـّـةْ

*

مَـرَّتْ مـرورَ الـحُـلـمِ فـي مُـقَـلِ ابـنِ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ

يـومَ شــدَّ  فـمَـاً الـى شـفـتـيـنِ مـن شــهـدٍ

ومـحـراثـاً الـى تـنُّـورِ صـاحـبـةِ الـجـلالـةِ فـي بـلاطِ  الـعـشـقِ

مـن أقـصـى شـمـالِ الأرضِ جـاءتْ

لـلـجـنـوبـيِّ  الـسـمـاويِّ الـصـبـابـةِ والـغـوايـةِ والـهـويَّـةْ

*

كـلٌّ بـهِ عـطـشُ  الـكـهـوفِ الـى الـضـيـاءِ

وجـوعُ بـاديـةٍ  الـى عـشـبِ الـربـيـعِ

تـلاقـيـا فـي غـفـلـةٍ مـن مـقـلـةِ الـصـحـراءِ

فـاخـتـصـرا الـطـريـقَ الـى الـفـراديـس الـبـعـيـدةِ بـالـسـريـرِ

وبـالـهـديـلِ خـريـرَ دجـلـةَ والـفـراتِ

وبـالـصـهـيـلِ مـسـافـةَ الـفـرحِ الـقـصـيَّـةْ

*

بـيـنَ الـسـمـاوةِ والـسـمـاءِ

وبـيـن راشِـفِ  خـمـرةِ " الأضـحـى "

ومـسـغــبَــةِ الـضـحـيّـةْ

*

والآنَ " سِــدنـي " لـم تَـعُـدْ " ســدنـي " الـتـي شــدَّ ابـنُ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ

كـأسَــهُ لـخـمــورِهــا

وشــهــيــقَــهُ لـعـبـيـرِهـا

ونُـعـاسَـهُ لـسـريـرِهـا

فـالـوقـتُ مـن حَـجـرٍ

و " آمـورا  amora " كـمـا زنـزانـةُ الإعـدامِ : (*)

شــرطـيٌّ وراءَ الـبـابِ

شـرطـيٌّ أمـامَ الـبـابِ

شـرطـيٌّ أمـامَ  سَـجـائـري

فـأنـا  أســيـرُ "الإحـتـمـالِ" بـأنْ يـكـونَ الـفـاتِـكُ الـقـتّـالُ "كورونـا"

تَـمَـكَّـنَ مـن مُـصـاحَـبَـتـي

فَـحَـجْـري بـاتَ شِـبـهَ ضـرورةٍ خـوفـاً عـلـيَّ وآلِ بـيـتـي

مـن مـخـالـبـهِ الـعـصـيَّـةْ

*

يـومـانِ مَـرّا مـثـلـمـا دهـرَيـنِ

كـيـفَ أجـوزُ عـشـراً واثـنـتـيـنِ مـن الـلـيـالـي الـمـوحِـشـاتِ

وعـشـرةً واثـنـيـنِ  مـن قـلـقِ الـنـهـاراتِ الـشـقـيّـةْ؟

1695  بهية ابو حمد

(2)

ــ هـلْ لـيْ بـنِـصـفِ سُــوَيـعـةٍ فـي الـسـطـحِ؟

بـيْ عـطـشٌ لِـكـأسٍ مـن شـعـاعِ الـشـمـسِ  ـ قـلـتُ لـحـارسـي ـ

وأضَــفــتُ : أو سـيـجـارةً

ــ إيّـاكَ .. أو شـهـريـنِ سِـجـنــاً ـ قـالَ ـ

فـاغْـتَـمَّ الـصـبـاحُ بـمُـقـلـتـيَّ

***

(3)

الـمَـرْيَــمِـيَّـةُ أشـمَــسَــتْ لـيـلـي

وأيـقـظـتِ اصْـطِـبـاري مـن عـمـيـقِ سُــبـاتـهِ ..

دكَّـتْ جِـدارَ الـصـمـتِ ..

مَـنْ؟

لـلـصـوتِ أصـداءُ الـنـواقـيـسِ /  الـمـآذِنِ / والـهـديـلِ

مَـنِ الـمَـلاكُ الـمَـرْيَـمـيـةْ؟

*

الـخـيـمـةُ / الـنـهـرُ  / الـحـديـقـةُ / والـصـديـقـةُ / والـشـقـيـقـةُ

أيـكـةُ الأرزِ الـ "بـهــيَّــةْ "؟

*

سـأقـومُ مـن مـوتـي الـبـطـيءِ

مُـنَـفِّـضـاً عـن مُـقـلـتـيَّ الـلـيـلَ

بـاتَ الـصـبـحُ  طـوعَ تـجـلُّـدي

مـا كـانَ عـيـداً

غـيـرَ أنَّ الـمَـريَـمِـيـةْ

*

قـالـتْ:

هـيَ الأيـامُ بـسـتـانٌ   (**)

ونـحـنُ زهـورُهـا

أمَّـا كِـتـابُ غـدِ الـمـنـى فـالـمـزهـريَّـةْ

***

يحيى السماوي

سيدني / فندق آمورا  22/7/2020

...........................

(*) آمورا : أحد فنادق الدرجة الأولى في مدينة سيدني الأستراليا ـ إتخذته حكومة الولاية مكانا  للحجر الصحي ، حيث يتعيّن على كل قادمٍ من خارج أستراليا قضاء أسبوعين في عزل إنفرادي فيه ، يعقبه حجر صحي منزلي لمدة أسبوعين آخرين .

(**) البستان : الأرض المزروعة زهورا ... أما الأرض المزروعة نخيلا وشجرا مختلفا فتسمى الحائط .

 

 

طارق الحلفيمرثية لأخي عادل الحلفي

**

ضيقًا كان الكلام

ضيقًا كان المكان

وانا امشي على أطرافِ قلبي

وعلى عيّ اللسان

نائحًا كان حوارُ الروحِ من جور الحكايةْ

لم أكن وحدي على جرفِ الطفولةْ

فانا احملُ في خبزِ شعيري ذكريات

دهشتي الأولى وصوتكْ

وامتدادَ الصحوِ في عتمة جهلي

لتنحّي كلّ ما خالجَ روحي

من شرايين التكلس..

طرقاتِ الخوفِ والدغلَ، غبارَ الوحشة،

الماءَ الذي التفت يداهُ ذات يومٍ حول جذعي

لأطير بحمامات الصبا

نحو رؤيايَّ وأرضِ الذكريات

لم يكن يفزعني صمغُ المساء

وانا بينك أمشي

 في طمى النهر وهمس المستحيل

لنصيد الليل والطلع واعشاش النخيل

ببقايا الشيطنة

كم ضَحِكْنا

ضِحْكَنا كان يغطي جثةَ النوءِ التعيسةْ

ونبوءاتِ مرايا كسرَتْ حافاتها اصواتنا

وحُشاشاتِ الكلامْ

قبل ان تكسرَ قلبي

وكؤوسَ الطمأنينة

فوق قبرك

*

1694  عادل الحلفيعاريًا كنتُ ولكني مشيت

نحو أبوابِ المياهِ

كي أندّي شفتيكَ

وازيدُ الخمرَ خمرًا

لمسافات الطريق

سائرًا نحو شعاعٍ من جبينكْ

علني امسحُ من شالٍ البناتِ

حنظلَ الطينِ الذي يملأ قلبي

علني اسكب من إرث حليبي

قطراتٍ لاستعارات البقاء

علّ يومًا

بعض يومٍ

من ثقوبِ النورِ انّي التقيكَ

قبل ان يفجعني كعبُ رحيلكْ

بالرثاء

*

ضيقًا كان المكان

ضيقا كان أصيصُ الامس، كي يحملَ

في منفاي اهوالَ الفراقِ

وضَراعاتِ غدي

فتريثْ!

واتركِ النعشَ وعُدْ منه الينا

وادخلِ القلبَ وعانقني

فاني في الضياع

وامنحِ الوقتَ لوقتي

علني اكتبُ في مدحكِ جملةْ

جملةً اخرى تخبّي

بين اهدابِ الحروفِ

حبكةَ الموتِ ودمعي

قبلَ ان ترقدَ في قاعِ الغيابِ

بكمةُ الروحِ

وانت..

قبل ان أصقلَ ألماسَ الحقيقة

...

...

قد تأبطتَ الوداع

***

طارق الحلفي

ـــــــــــــ

إثر نوبة قلبية فارق اخي الحياة كمدًا، بعد ان فارقت الحياة ابنته، دنيا الحلفي

 

 

وليد العرفي لا يساري أنا ولسْتُ يميني  

            أنا: صوتُ الشُّعورِ إنْ تسأليني    

وبأصداءِ الصَّوتِ نغمةُ نايٍ

               وقوافٍ منْ جائعاتِ  الحنينِ 

وعناقيد منْ دوالي التّمنّي

                   تتدلّى لهفى لكي تقطفيني

 لا تظنّي يجفُّ بالحبِّ شعري 

                أنا غيمُ الشّعورِ دفقُ معيني  

فإذا ما العنوانُ فاضَ مجازاً

                   فبنصّي البيانُ نبعُ متوني

 رقَّتِ النَّفسُ في سموٍّ فهامَتْ

            بصعودي مرقى الجمالِ المُبينِ

موجةٌ إثرَ موجةٍ يتجلَّى

                واتّجاهُ الرّياحِ سمتُ سفيني 

 وبكفّي المجدافُ حالُ انكشافٍ

                قدْ جلا فيهِ الشَّكَّ نورُ يقيني    

  لي برؤيا الخيالِ حالةُ وعي

             وجناحي المعراجُ لمحُ عيوني

إنَّهُ الحبُّ يا صديقةَ روحي

               فإذا قالَ الحبُّ: كنْها: تكوني

فأنا أنتِ وانْشطرْنا مُثنَّى

         أنتِ منّي روحي بجسمي السَّجينِ

 قدْ محوْتِ الماضي بلحظةِ حبٍّ 

                      أتفيا بها  جميلَ سنيني 

كلُّ قيسٍ غنَّى لليلاهُ لحناً 

                 وغنائي ليلايَ لحنُ جنوني

وإذا ما العراءُ صارَ لباساً

                     فأنا ثوبُكِ الَّذي يرتديني

وأنا الكأسُ في شفاهِكِ ملأى

            عتّقي خمرةَ الغوى وارْشُفيني  

وإذا ما اختارَ الرِّجالُ زهوراً

                فأنا اخترْتُ زهرةَ الياسمينِ 

            ***

د. وليد العرفي      

 

 

سعد جاسمفي زمنِ الكورونا

أًصبحتُ

أَلعبُ مع حياتي

*

وأَنتِ ياصديقتي البعيدة

ماالذي تفعلينَهُ

في زمنِ الوباء؟

- أَنا أَيضاً:

أَلعبُ مع بلادي

*

وأَنتَ ياصديقي

ماالذي تعملُهُ

في زمنِ الحَظْرِ؟

- لاشيء سوى

أَنْ أَلهو بمصيري

*

وأَنتم ...

ماالذي يشغلُكم الآنَ

في حَجْرِكم الاجباري؟

- نحنُ نلعبُ ونلهو بحياتنا

حيثُ نعتقدُ ونشعرُ:

"إِنَّما الحياةُ الدُنيا لعبٌ ولهو"

وهذا مانُحبُّ أَنْ نفعلَهُ

قبلَ أَنْ نموت

 

حسناً أَيُّها الناس

إلعبوا وإلهوا

وامرحوا كما تُريدون

ولكنْ إِيّاكم أَنْ تنسوا

انَّ السَيّدَ كورونا

هوَ طاغيةٌ فاتك

وليسَ مُهَرِّجاً طَيّباً

في سيركِ حياتِنا المَوبوءةِ

بالحروبِ والمجاعات

واللصوصِ والفايروسات

والدمِ قراطيين

والظلاميين

والفوضويين

والمافياويين

ومُهندسي المكائدِ والفِتَنِ

وجحيماتِ الخراب

***

سعد جاسم

27-5-2020

 

انطوان القزيخبّأوا مزاميرهم خلف نعاس الغسَق،

أوصدوا المسافة دون وجهها المشرَّع على الضياء،

لعقوا من زبَدها وَهَناً يغزو صباحاتِها الرمضاء.

يا غنجَ المراسي وشبّاك الهزارات، وأيقونة النوارس.

سرقوا مدينتي، ألهبوا ريقها، أسكروا عنادلها وبُحَّ الهديل.

مَن يرسم لي رذاذها، انداءَها، من يقرأ قواميسها العتيقة،

من يطعمني رغيفها، مَن ينعشني بضوضائها بسَحَرها وسِحْرِها،

من يسرق من شرفاتها بيتاً لقصيدة، من يستمطر غمامَها دروباً لأجنحة الضوء وأسرجةً تنازل المنارات؟!

أعرف ان دخانها ليس بخوراً، وان ضوءَها ليس نهاراً،

أعرف ان المرايا تكسّرت خلف الأسلاك وأن الشوارع تخشى الشوارع،

واعرف أن للحبّ جفوناً ذبُلت وربوعاً شُرّدت وان للشوقِ مدخنةً تخشى ان تبوح بدخانها الابيض.

أعيدوا مدينتي، ملامحي، ظلالَ الجنون التائه على أرصفتها،

أعيدوا رفوفها العائشة على نهم القراءة، وحوانيتها الراقصة على شروقٍ ثائر، وأنفاسَها التي تستبيح مسامَ الحرية في اللامكان.

مدينتي، كم تذكرةٍ اضاعتني دون الرحيل، واليوم يرحلون بلا تذاكر،

كم كأسٍ ملأوها في الحواني، واليوم يسرجون بقايا الغبار،

كم سها الليل عنكِ، كم نساكِ الخريف، كم كبرتِ وكبرتِ ولكن..

مدينتي، أيتها الحبلى بالشوق والهتاف ومراويل الفصول،

ايتها الساكنة في الولوع وفي شرود القبطان العائد،

ايتها المسكونة وهجاً وحبوراً لغلالات النجوم.

اين شالكِ ومساكبُ اللازورد، اين صيادُك الأسمر وحورياتُك الولهى؟

أين بطاقةُ هويتي، ايتها الأنا؟

.. لماذا زوّدوني بجواز سفر؟

لماذا منحوني جنسياتِ العالم؟ لماذا حمّلوني منديلاً ابيض وسيارةً عرجاء ومظلّة للسفر؟

لماذا تسكتين، تصمتين، تتنازلين.. وانتِ هويتي؟

أعرف ان الصلاة أمست جداراً بين القلوب، وان الدعاء صار غلافاً للخطيئة، وأن الحبَّ كلمةً مكتوبة على خزانة أبي، وأن الوقت أخفى عقاربه في تعويذة أمي، وأنتِ، أنتِ ما زلتِ هويتي وحبّي وقلمي..

لا، لا تصيري بندقيتَهم، سيفهم، صوتهم.. فكلّهم سيعودون، سيشربون من غديرك المدفون في ثغر العروس..

كلّهم سيشهرون حبّهم وتسامحَهم ونبلهم.. لأنهم، كلهم، أخوتي..

ردّيهم الى صدركِ، عانقيهم، قبّليهم واغفري لهم، ولو كانوا يدرون ما يفعلون.

انهضي الآن، لأننا، لا نريد ان يأتي السامري، فلدَينا من البلسم ما يشفي جراح الكون ويطيّبُ خواطر اليائسين. لدينا من دمعِك ما يفتّت الجبال. لا، لن نسمح للسامري ان يمرّ، أقفلي بواباتِك السمحاء، حاصرينا، حاصرينا. فنحن اشتقنا، اشتقنا يا بيروت.. الى العناق.

 

انطوان القزي

 

 

صالح الرزوقديبورا آن توني

ترجمة صالح الرزوق


 

بالعادة يحضران لوالدتهما صفصاف الهرة أو أعواد البردي من الحقل غير البعيد عن ببتهم، المكان الذي ينتهي عنده الشارع السكني وتبدأ منه أرض موبوءة بغطاء من الأعشاب. كان ذاك في أواخر الخمسينات، حينما كانا أولادا، أخا وأخته. وغالبا ما كانا يتنزهان في الحقول، وتخدش ساقيهما الأعشاب القوية البرية وهما في طريقهما إلى الجدول. وهناك يبحثان عن صغار الضفادع وحيوانات الماء، وخلال الانحناء على الجدول يشاهدان جدائل الشمس اللطيفة على سطح الماء. كان هذا آخر موسم من مواسم الصداقة، بين الأخت وأخته، حفرا فيها الوحل جنبا إلى جنب، وامتطيا الدراجة وتجولا بها في الحي، وتنزها في الحقول. ثم تباعدت اهتماماتهما، والتقيا بأصدقاء حلا محل هذه الشراكة المتينة التي تقاسماها. وفي العقود التالية، فكرت الأخت بهذا المسوم حينما كانت العائلة على أتم انسجام. كان صوت دمدمة لوالدة ينبعث دائما في المطبخ، وغالبا تلقي الطرائف على الولدين وتناديهما بأسماء الدلع، وهي تحني ظهرها لتحضن كليهما. أما أبوهما، فهو رجل هادئ ورزين، لا يعلو صوته إلا نادرا، ويلزم غرفة المعيشة دون صوت أو يجلس على طرف المائدة في غرفة الطعام، وهناك يفرض نفسه ويبدو متفهما وصاحب رأي ثاقب، وله مهابة. على الأقل هكذا ستتذكره البنت. وفي أحد الأيام  في بواكير ذلك للصيف، حينما كانت تبلغ الثامنة وأخوها في العاشرة، وهما عائدان إلى البيت من الجدول، مر أخوها بكتلة من صفصاف الهرة فقال:"أمي سيعجبها هذا". وجر الأغصان للأمام والخلف حتى انكسرت. قالت أخته جولاي:"ألا تعتقد يا ستيف، أن هذا يكفي". رد بقوله:"غصن آخر فقط". وتابع ثني الأغصان، وهو يتقدم إلى الأمام، وسارت وهي تلمس عشبة طويلة بغصن في يدها. وابتعدا عن الممر الذي يسيران فيه عادة. وخلف الأرض المعشبة، حيث كانا يقفان وحدهما وينعمان بحرارة الشمس، شاهدا حقلا أوسع فيه أشجار كبيرة تموت، وهناك كان الممر يضيع في التراب. وقفت في الحرارة اللاهبة تنظر للدروب المتشعبة والبعيدة عنهما، وانتظرت أخاها، وتخيلت أنها تسمع نهيق حيوان. قال ستيف وهي تبتعد عنه باتجاه الصوت:"تمهلي". كان الممر جافا ومنحدرا بزاوية حادة. ويتخلل مساحة مهملة يغطيها العشب والحشائش، وكانت أشجار السنديان والبتولا والحور تعلو فوق شجيرات الجميز وغيرها من النباتات الأقصر وضمنها قوس من الشجيرات والورود البرية. وعندما بلغا المكان الذي يقود منه الممر إلى السور، شاهدا مبنى منخفضا في نهاية الحقل. ومع أنهما كانا بعيدين عنه، أمكنهما رؤية حظيرة يأتي منها نواح مؤلم لعشرين رأسا من الماشية تقريبا. وقف الأخ والأخت بنفس اللحظة، ودون كلام، وانخفضا قرب السور الذي يفصل الممر من الحقل المفتوح والمبنى البعيد. كان الرجال يتسكعون هناك، بعضهم عند طاولة للتحميل، وبعضهم بين الماشية، وكلهم بثياب داكنة، مع أن الملابس الثقيلة لا تناسب حرارة الظهيرة. كانوا يتحركون بين الحظائر المزدحمة، والفضاء مشبع برائحة السماد والعرق، وبصوت الرجال والآليات. قال الأخ:"هيا بنا إلى البيت. هذا الجو لا يريحني". وكان يحمل باقة من صفصاف الهرة، وينقلها من يد إلى يد، ليمسح العرق بسرواله. وللوصول إلى بيتهما، كان أمامهما مسيرة تستغرق خمس عشرة دقيقة عبر حقول من الأدغال البرية. تبعا ممرا غير مألوف يتعرج في منطقة من الغابات المبعثرة، وهناك كان الجو مظلما، وباردا، ورطبا بسبب مسقط مياه سمعا صوته ولم يرياه. ومرا من بقايا نار محترقة، مما يدل على بشر سبقوهما بالتقابل هنا خلال الليل. ودخلا إلى الحي السكني من باحة خلفية مسورة يوجد فتحة في سورها سمحت لهما بالمرور، ووصلا إلى شرفة البيت، حيث كانت أمهما تنتظر. وكانت بثوب مطرز بالزهور الملونة، وشعرها الأسود مضموم إلى للأعلى بشريط. قالت:"أين كنتما، لقد انتابني القلق". قال الصبي:"انظري يا أمي. صفصاف الهرة، النوع الذي يعجبك". كان أبوهما في غرفة المعيشة، يقرأ، وهي عادته قبل تناول العشاء، وحينما وصلا إلى المدخل، نظر لهما من فوق الصحيفة وقال:"أين كنتما يا أولاد؟". قال ستيف:"ذهبنا إلى الجدول". قالت:"مؤخرا كررتما زيارته كثيرا". فك ستيف رباط حذاء للرياضة وهو يقول:"نعم". وبعد أن ابتعدت الأم عن غرفة المعيشة لتذهب إلى المطبخ، أضاف:"وشاهدنا اليوم مبنى هناك أمامه أبقار، لكن لا توجد مزرعة. لا أعتقد أنها مزرعة في كل الأحوال". ألقى الأب الصحيفة في حجره وقال:"أين؟". وادلهمت ملامح وجهه. كان الوالد يرتدي حذاء التمساح. وبعد سنوات كتبت جولاي قصيدة عن الحذاء، وعن ما يراقبها من إيحاء بالتسلط، وبخاصة أنها تغلف القدم الرقيقة. وكذلك كتبت قصة عن امرأة تختبئ تحت السرير لتهرب من مخاطر متطفل يرتدي حذاء من هذا النوع وتسبب لها بالخوف الشديد الذي حرمها من القدرة على التتفس. تابع الأخ يقول:"ليس بعيدا عن الجدول، وقرابة النهر". قال الأب وهو ينحني نحوهما:"عليكما أن لا تذهبا إلى هناك، هل تفهمان؟". وترك هذا الاهتمام أثره عليهما، وملأ الغرفة بجو يضغط على الأعصاب، أو هذا ما خيل لجولاي، مع زيادة في مستوى الغضب. وتوقف الطفلان وعيونهما عليه، وكان بنبرته شيء يهدد و يتوعد. وأضاف:"عليكما أن لا تذهبا هناك. هل تفهمان؟". "و لكن لم لا؟". "لأنني لا أريد أن تذهبا إلى هناك". كان كلام الوالد رادعا، وبنتيجته تراجعت جولاي إلى الخلف خطوة. كانت نبرته غير مألوفة، فهو رجل لطيف المعشر، ومتعاطف، ولم تسمعه جولاي يشتم، وكان يشجع ابنيه على الكلام والنقاش ويكتفي هو بالاستماع لهما. وصاحت الأم من المطبخ وهي تسمع صوت زوجها يعلو:"ما الخطب؟". قال دون أن يرفع نظرته عنهما:"ذهبا إلى الحقل قرب ويفرلي". جاءت الأم إلى الباب وقالت:" كلا يا أولاد، كلا. لا يمكنكما فعل ذلك". ورقت نبرة الوالد وهو يراقبهما، كما يحصل دائما، فهو يتأثر بولديه فعلا، لضعفهما، ولوقفتهما المهذبة والمستكينة. وقف وذرع الغرفة بخطواته وقال:"انظرا يا صغار، المكان ليس آمنا. اذهبا إلى الجدول، ولكن لا تذهبا إلى هناك، اتفقنا؟". ونظر إلى كل منهما نظرة مباشرة وهو ينصب رقبته. قال الأخ:"حسنا يا أبي". ألح بقوله:"عداني، لا مزيد من تلك الزيارات". قال الأخ:"أعدك". "و أنت يا آنستي". لم تنطق جولاي وشعرت كأنها موشكة على البكاء، ثم نظرت إلى الأسفل ودمدمت:"حسنا". ومع أن جولاي وافقت كانت تعلم أنها ستقوم بالزيارة. ناقشت الموضوع برأسها وقررت أن تعاود الكرة بمفردها لمرة إضافية على الأقل. وهذه الرغبة نشأت بسبب العناد الذي يماثل إحساسها الغريب بذاتها وهي في العالم أو مثل تطفل البقرة عليها وبعثرة شعرها زعدم قدرتها على تصفيفه بقوس أو دبوس. قالت جولاي:"ماذا يفعلون هناك برأيك؟". كان يوما حارا، حرارته لاهبة ومعلقة فوق الحقل، ولم يمر على الوعد الذي قطعته للوالد بعدم العودة إليه غير أسبوع. قال:"لا أعلم، ولكن أخبرنا الوالد أننا لن نعاود الكرة". كانا وراء سلاسل السور، وينظران للمبنى المنخفض المشيد من القرميد الرمادي، وبسقفه المستوي، والمحاصر بشجيرات سرو وأشجار صغيرة يجللها الغبار. كانت الحظيرة فارغة، وفي الباحة بدا المبنى باهتا، ولدى الاقتراب منه شعرا أنهما اكتشفا مكانا وهميا. وهما ينظران، جاء رجل إلى منطقة التحميل، وتمطط، وتلفت حوله. اختبأ الولدان خلف الشجيرات البرية عند السور، ولذلك لم يمكنه ملاحظتهما. جلس على صندوق شحن كبير عند منصة التحميل، وأخرج سيجارة، أشعلها، وحدق بالحقل والسماء الصيفية العريضة التي فوقه. وسريعا انضم إليه رجل آخر، واستطاع الولدان سماع صوت كلامهما وضحكاتهما البعيدة. كان كلاهما ضخمين. وبالتدريج تباطأ إيقاع حوارهما وانغمسا بالتدخين بصمت، وهما يراقبان الأرض المعشبة والسماء الزرقاء الصافية. قال الأخ:"سأذهب إلى الجدول". ولكن الأخت كانت تدرك أنه لا يوجد شيء عند الجدول يمكنه أن يجذبها مثل هذين الرجلين الجالسين على منصة التحميل. خلال الشهور القليلة السابقة تعرض الجدول  للتقلص وأصبح أضيق من حفرة، وفيه تيار رقيق من المياه الذي يشق مجراه في درب موحل ومعشب ليصب في النهر غير بعيد عن الساحة التي وقف عليها المبنى، وكان الأخ يحمل معه علبا زجاجية كبيرة تستعمل للاحتفاظ بالمخللات أو محفوظات منزلية ومربيات، متمنيا إلقاء القبض على شرغوف أو ضفدع. ومرة نجح في القبض على شرغوف كبير، وراقباه كلاهما وهو يحاول تسلق زجاج الإناء. وكانت محاولته ضعيفة، وهكذا  ودون كلام سمح الولد للمخلوق بالفرار. ولكن كلما حضر إلى الجدول كان يحمل معه إناء، وأحيانا يغمره في التيار. ولكنه لم يكن يقبض إلا على الغضار والسلت والمياه الطينية المترسبة في مهد الجدول. قالت:"لا أريد أن أذهب إلى هناك. الجو حار جدا". "حسنا أنا سأذهب. المكان هنا ممل". "اذهب هيا اذهب". واستقام بوقفته وابتعد بصمتم، وتابع في الممر الذي كان وراءها، وهي لبثت قابعة حتى عاد الرجلان إلى المبنى. وحين ذاك أصابها البلادة والنعاس بسبب الحرارة، حرارة رافقها خمود ليس في الهواء فقط ولكن بإيقاع الزمن. وبعد رحيل الرجلين وتخييم الصمت، همدت في مكانها وارتكزت على الصخرة، ومدت ساقيها نحو الأعشاب الطويلة، ونظرت للأعلى نحو سماء فوقها كانت مصمتة وبعيدة. وانهارت على الصخرة، بتهالك وثبات، واستسلمت لإيقاع النهار الرتيب، وحرارته التي حاصرتها. في الأسبوع الثاني من آب جاءت إلى حي جولاي وستيف عائلة أخرى. وفي ذلك اليوم من نافذة غرفة المعيشة، شاهدت جولاي الشاحنة القادمة تتوقف أمام البيت حيث ستعيش العائلة الجديدة وتبادر لذهنها أن لها مظهر شيء أجنبي غريب، مثل سفينة فضاء حطت على الأرض في الليل في وقت نوم الجيران. وتراكضت جماعة من الأولاد في الأرجاء، وكان يبدو أن لأحدهم عمر شقيق جولاي. كان له شعر بني باهت ويرتدي جينزا باليا وقميصا بلا ياقة. وكان يميل على إحدى ساقيه بوقفته، ويهز رأسه كأنه لا يصدق ما يسمع، وهذه الحالة  ستدفع أم جولاي لتقول عنه: "الأحمق الذكي". كان اسمه روري، واقتنعت جولاي أنه اسم مناسب، لأن هذا الولد صاخب و له هدير. وفي نهاية الصيف أصبح هو وستيف متلاصقين. وكانت جولاي تسمع أصوات لعبهما وضحكهما في غرفة ستيف، وحينما ذهبت إلى الجدول الذي تزوره دائما، وتجولت في المروج، اكتشفت آثار تجوال جديد في الأرض المهملة. أحيانا كانت تسير بمحاذاة الحقل قرب المبنى الرمادي، ولكنها لم تصادف الحيوانات في الحظيرة الخارجية، والرجال الذين رأتهم يجلسون عند أبواب العنابر كانوا بنظرها حزانى. ولم يكن الحزن يرشح فقط من أولئك الرجال، وإنما شاهدت الحزن على وجوه قاطني الحي بعد العودة من العمل، وهم يسيرون من موقف الحافلة، وينظرون إلى أحذيتهم الثقيلة. وشاهدته في زوجاتهم، حينما جلسن على سلالم الشرفة في المساء، تشربن الشاي وعلامات الإرهاق تجللهن. في أحد الأيام قرابة نهاية الصيف، تابعت جولاي وحدها باتجاه الحقل غير المنظور، حيث انتصب المبنى. وكانت تفكر باقتراب أيام أيلول، وتعتقد أنها عما قريب لن يمكنها القدوم إلى هنا. كان يوما حارا بشكل غير اعتيادي، أحد الأيام شديدة الحرارة من العام، جلست على الصخرة، مكانها المفضل لمراقبة المبنى، والهواء مشحون بالأصوات اللاهبة والرياح الرطبة تهز أغصان الأشجار والشجيرات القريبة. وتآلفت مع البطء الجنوني لفترة ما بعد العصر، وشعرت بالنعاس الذي لم يخف إلا بعد صوت ناجم عن خطوات شخص يدنو. فتحت عينيها وكأنها لم ترقد إلا لحظات، وشعرت بحكة في ساقها وانتبهت لأعشاب تخدش فخذها، فربتت عليه تلقائيا. كانت الأعشاب والبساط الأخضر من حولها بلون جاف أبيض، وأدركت ببطء أن أحدا يقف بالجوار، فصوت هذا الشخص الذي يقترب ويدوس على الأعشاب دخل إلى إيقاع نومها الهادئ، وتسبب لها بالاضطراب واليقظة. ومع زيادة يقظتها، تذكرت كيف أصابها النعاس، وانزلقت على الصخرة، ورمت ظهرها عليها، ثم لاحظت أن رجلا يقف بجانبها على مبعدة أربعة أقدام. ولم تتمكن من تمييز وجهه لأنه وقف بينها وبين الشمس، وصنع ذلك هالة حول رأسه. انحنى باتجاهها. كان يرتدي واحدا من المريولات التي يرتديها عمال المبنى. قال:"اعتقدت أنني رأيت شيئا في الغابة". ارتكزت على أحد ذراعيها، ورفعت الثاني لتظليل عينيها، وحاولت أن ترى المتكلم بوضوح أكبر. وفورا راعها التعرف على الرجل فقد كان أباها. وتوقفت عن الحركة وفغرت فمها. ولكن كيف أمكنه أن يكون هنا، وبهذا الرداء، مثل الرجال الذين كانوا جالسين يراقبون المشهد الغريب عند منصة التحميل، أو المغموسين حتى خصورهم بين الحيوانات، ليعنوا بها؟. ولكن عندما اقترب الرجل وأمكن جولاي أن تشاهد كل وجهه، راعها أيضا أنه ليس أباها. أصبح تقريبا فوقها وهو يبتسم من خلال ابتسامة كشفت أسنانه الموحلة. قال:"ماذا تفعلين هنا؟". كيف تخيلت أنه أبوها، كان وجه الرجل ناعما، وأكبر بالعمر وأقصر بالقامة من أبيها. وخيم على عينيه حاجبان كثان. وأضاف:"هل وافاك النوم هنا أيتها الصغيرة؟". تراجعت للخلف لتبتعد عنه ولكن سدت الصخرة طريقها، فاقترب أكثر وأمكنها أن تشم رائحته، رائحة فجة ممزوجة بدخان السجائر والقهوة وعبير الأماكن المغلقة. ومرت لحظة جمود وهما يتبادلان النظر بطريقة حيوانين مترقبين، لحظة زادت من توترهما، ولم يكن أحدهما يعلم ماذا سيقول بعد ذلك. ثم قبض على ذراعها، وثناها، فقفزت، ووازنت نفسها على الصخرة. قال لها:"اأيتها الصغيرة، لا تتسرعي". وخافت من لمساته، وخشونة قبضته، فشدت ذراعها منه. وتعثرت، وهي تبحث عن موطء قدم في الممر، وأخيرا دفعته عنها وهربت. قال لها مجددا:"أنت، انتظري". لكن ضاع صوته في الريح. وتابعت الجري، وهي تتنفس بصعوبة حتى بلغت حيها. وهناك قابلت ستيف وروري يمتطيان الدراجات. كانا يدوران حول نفسيهما، ويقدران حجم أصغر دائرة ممكنة قبل سقوط الدراجة. قال ستيف:"أين كنت؟". ردت: "اتنزه". قال:"أتمنى أنك لم تقتربي من ذلك المبنى. وإلا قتلك الوالد". قال روري:"أي مبنى؟". قال ستيف:"هناك مبنى، على بعد عشرين دقيقة من هنا. في الحقل". قال روري:"المسلخ؟". قالت جولاي:"أي مسلخ؟" . رد:”حيث يذبحون الحيوانات". قالت جولاي:"أوه، كلا". أضاف:"نعم. هناك يقتلون الحيوانات، ثم نحن نلتهمها. هكذا نحصل على اللحوم".  تأوهت بقولها:"كل،د هذا غير صحيح". أكد بقوله:"بل هذه هي الحقيقة". وبعدما أخبرها روري بحقيقة معنى المسلخ، فهمت الموضوع. وكرهت روري بسببه.

يقال إن النار التي خربت المسلخ كانت متعمدة، ولكن لم يجد أحد الدليل. كانت جولاي بعمر عشرة سنوات ليلة الحريق. كانت في الباحة، تجلس في الأرجوحة، وظهر روري وأخوها وأخبراها عن النار. وكانت قد امتنعت عن الذهاب إلى الحقل المجاور للمسلخ منذ تلك الأمسية التي وجدها فيها الرجل. كان الولدان محمرين ومستثارين. قالا:"يجب أن تشاهدبها، يا جولاي، اللهيب وصل لعنان السماء". وقادوا جميعا دراجاتهم عائدين إلى المشهد. تركوا الدراجات بين الأعشاب الطويلة قبل الانضمام لحلقة من الناس المتسكعين قرب المبنى. كانت الحرارة بالغة. وقد ألهبت وجه ويدي جولاي. ثم اقتربت من السور، بعيدا عن التجمعات، وراقبت اندلاع اللهب من النوافذ نحو السماء. ولاحظت البريق الأحمر فوق الأرض عند قدميها. وفوقها، كانت الأشجار تتمايل بطاقة مرعبة ومرتفعة. وعند المبنى كان الرماد يتطاير مع النسمات. صاح ستيف:"جولاي، يا جولاي، تعالي إلى هنا". التفتت لتراه هو وروري يتبادلان التصفيق والصفير بروح مرحة. وبدل التوهج كل المرئيات- الشجيرات على طول الخندق، حوامل السور والأسلاك، وووجها أخيها وصديقه الضاحكان والمستغربان - كان كل شيء أحمر ويلتهب بنار عميقة.

 

...................

ديبورا آن توني Deborah-Anne Tunney مولودة في أوتاوا. تكتب الشعر والقصة والرواية.

 

حسن حصارينص مشترك مع:

مليكة فهيم


كَمَا الزَّهْرَة

تَهْمِس ِللنّدَى

تُوجِعُني الكَلِمَات

أَحْمِلُ قَلْبي ..

بِحَذَرٍ شَدِيد

أَضُمُّني وأُطارِدُ نَفْسي

عَلى حَافَّةِ الْغَرقِ العَمِيق؛

الْحُبُّ .. مِهْنَةٌ شاقّة

الْحُبُّ .. فَصْلٌ طَوِيل

الْحُبُّ .. وَرْدَةٌ

تَرْتَعِشُ تَحْتَ الْمَسَام

وَأَنَا امْرَأَةٌ

تُدْمِنُ التَّسَكُّعَ خَارِجَ الْأَجْرَام

تُرَوِّضُ الْخُطُوَات بِبَسْمَة بَلْهَاء

تَدُقُّ أَجْراسًا يَابِسَةً

كابْتِهَالِ نَبِيّ رَهِيف.

**

 

مليكة فهيموأبتلِعُ بِمَهلٍ ثقيلٍ

وَساوِسِي،

أرْتجِفُ بِوخْزِ قَلقٍ

كلمَا داهَمنِي

عَتْمُ البُكاءِ

كدُميةٍ هَشةٍ مِن قَش.

فَلا عُيونَ تُرابٍ لديَّ،

تَفيضُ

بِفائضِ مَاء.

لا صَوتَ لهُ،

هُو الخَوفُ

وَلا لوْنَ ...

مِثلُ سَرابِ

آخِرِ أفُقِ طرِيقٍ

بِلا طرِيق.

فَأنا المُبتدَأ

وَالآخِرُ وَصْلهُ،

فِي طرَفِ هَذا الوَجَعِ

المُمْتدِّ

فوقَ صَدرِ انكسَاراتِي

وَالخُطواتْ.

**

 

وَعِندما تعبرُني

ضَحكاتُ الأطفال

أَطهُو الزمنَ السَّائلَ

على نارٍ هادِئة

فَكيْفَ أمْتَثِل لِهَمْسَة الغيْبِ

ذلك الوَعْدُ الذي لا يُرَد؟

كيفَ أبْعثُ القلبَ من غَفْوَتِه؟

وأنا تَركْتُ النبضَ وحيداً

حَيثُ ..

عَمودُ الإنارةِ الشّاردِ

الطريق غير المُتوازنِ

البِذرَة الصّغيرَة

الشُّرْشُف المَنْسِي

كَيف أُلَمِّعُ شُحوبَ العِناق؟

كيفَ أجعَلُ العُشْبَ

يُصْغِي لِمَطرِ نِيسَان؟

لأزيلَ الغَشَاوَةَ

مِن جَوْفِ الغيم

أجعَلُ الطريقَ يرتعِش

مِثْلُ خيبةٍ

طاعنةٍ في اللّهْفَة

كم يَلزمُنِي مِنْ غَرَقٍ

لأُطْلِق العِنَانَ

لِمَوْجٍ

يطْوي المَوْج ؟؟

**

وَأرْتشِفُ بِعَجَلٍ

فِنجانَ الأمْسِ ،

كحَبَّةِ نِسْيانٍ مُرةَ المَذاقِ.

هيَ الألوانُ ...

مُنكسِرةُ الظلالِ،

فِي قلبِ لوْحةٍ

قاتِمةِ اللمَسات

تَغُطُّ فِي حُضنِ السَّهْوِ

وَالرَّمَاد.

طَيفُ فَراشاتٍ بَيضَاءَ مُتسكِّعَة

بِأهْدابِ أنامِلِ السُّؤالِ

بِلا أجْنِحةِ ضَوءٍ

وَلا رَحِيق،

تَتسَاقطُ

غُباراً

غُباراً...

فَوقَ بَتلاتِ العِشقِ المُترنِّحَة.

فَهلْ آنَ لِي،

أنْ ألوِّنَ افتِتانِي

بِخِصلاتِ قَصائِدَ

غَيرُ مُكتمِلةٍ

فِي أصُصِ العُشبِ الذابلِ

عِندَ عَتبَةِ نُوتاتِ

أنفاسِك ... ؟

**

وَأَرَانِي أَمْشي

في ارْتِعاشاتِ الوَقْتِ،

أُعَانِقُ سِلالًا

مَلفُوفَة بالوَهْمِ

تَتكاثرُ الأشباحُ في جُمْجمتي

أتَسَوَّلُ موْتاً على المَقاس،

عميقٌ كالحياةِ

خفيفٌ كلمسةِ أمي

ساخرٌ ككذبَة أبْريلَ

حَنونٌ كشُعاع شَمْسٍ مُتضائِلةٍ.

أَرَى في الظِّل الداكِنِ

"سيلفيا بلاث" ..

تَتَيَمَّمُ بماءِ العَطشِ

تُرَاقِصُ السَّتائرَ المُكتظةَ

تَنْزَلِقُ بيْن خُطوطِ العدَمِ

وأَنَّاتُهَا الطازجة الزَّرقاء

تِلك ..

وَسِعَت كُلَّ شَيء.

فكَيْفَ يا إلهي

أطلبُ كأساً ثالِثة

مِنْ فَمِ السَّمَكة؟

وأنا ..

كَمَا الزّهْرَة

تَهْمِسُ للنّدَى

تُوجِعُني الكَلِمات ..

**

وَتغمُرُني،

فِي شِبهِ يَقظة ...

نَشوةُ مَذاقِ كرزِ الصَّباحِ

حِينَ تتَوهَّجُ

مَفاتيحُ شَغفِي النَّائِم

بوَميضٍ يَلوحُ

فِي عَينِ غَيمةِ شِتاءٍ عَاشِقة.

أكسِّرُ،

أقْفالَ أمْنِياتِ لثَمَاتٍ

مُعَلقةِ الأجْنِحة

فِي شُرفةِ عَيْنيَّ

بِلا رِيح.

وَأدَّخِرُ لكِ

بِصَمتٍ غَارقٍ ظَمَئِي

عُشْبَ نَدى

يَنمُو...

بَينَ ظِلالِ خُطوَاتِكِ المُتَسارِعَةِ

وَأنتِ تُوقِدينَ بِلهْفةٍ

شُمُوعَ غُرفةِ نَهارٍ آخَر.

أحْضُنُ بِنشوةٍ

صُورَتنا الأولَى مَعاً

وَأتسَاءلُ بِرِقة ...

أيُّ جِدارٍ في القلبِ

أيُّ جِدارٍ...؟

أُعَلقُها ...

أعَلقُها ...؟

***

حسن حصاري - المغرب

 

فتحي مهذبلم يصدقني أحد

حين قلت :

في العتمة أطلق فهد السرد الأزرق. 

ليقطع شحمة أذن الريح.

ليجلب الفرائس والدرر.

ليضيء الينابيع في الأفق.

وتصير الأجمة ملكي الذي لا يزول.

**

لم يصدقني أحد.

حين قلت : البراق الذي وهبنيه الله

سقط في التجربة الأولى.

لما إقتربت كثيرا خدعتني السماء.

وفي المغارة إكتشفت روحي  المليئة بالكسور والكدمات الزرقاء.

أقفاص الله جمة والطريق لمعة وإشارة.

ذهبوا إلى الوراء بفهارس اللامعنى.

وبقيت وحدي ضاربا في ملكوت السيمياء.

**

أبوابكم إخوتكم فرقوا لحالهم.

هكذا قالت لي الأشجار

في الممر الهلامي.

**

المصباح شقيقي الأكبر

لفرط عذاباته المكرورة

صار يضيء.

يتكلم في خلوته بلغة المتصوف.

**

في البستان

كل شجرة تناديني باسمي.

لفرط ما أحببت الأشجار.

كنت أدور بدلوي في العتمة .

أسقي الجذوع العطشى.

ومن أنساغ روحي أرضع الأغصان.

**

لا مكان يليق بفضة روحينا.

لذلك فتح النوم ذراعيه

صرنا نلتقي كثيرا

أنا وصديقي الذي سرقته الهاوية.

شكرا أيها النوم الرحيم .

**

صامت وبعيد مثل الله.

صديقي الذي إنتظر طويلا

أصابع الخزاف.

**

قلت للجرة : أنت أختي.

فزمجر الماء : أنت صنوي. 

**

الكلاب التي تنبح

هي غرائزنا السائبة.

**

سأصير تاجك بعد حين.

**

بمقدورك أن ترى الروح.

ترصد حركاتها المدهشة.

من زجاج العين.

***

فتحي مهذب - تونس

 

جواد غلومحالما فككْتُ مرساتي الصدِئة

أنا الساكن المعبأ كَـسَلاً

شددْتُ حقائبي المعبأة بالحنين

ودسسْتُ أوراقَ السفر الرثّـة في جيبي

عازما الإبحارَ والرحيل

يجيء نداؤك لي : أنْ تمهّلْ

ما زال الوقتُ لم يأزفْ

فالرياحُ عاتيةٌ، تطاردُك

خوفي أنْ تنحني لها صاغراً

أيها المُشبع إنهاكاً

تؤرجحُ زورَقَك المتأرجح

مَهْدَك التائه في البحر

والنوء الخفِيُّ يرصدك ؛ يقنصُك

بكاتمِه الغادر

السحائبُ السود تغلقُ عليك كوّةَ الشمس

والصحوُ بعيدُ المنال

يا لَنحْسي... وسوء طالعي

الموجُ ينوي الإطاحةَ

بعزمِي الذي كان لا يلين

استحال الآن خسفاً هشّاً كـقشرة بيضٍ

يهجسُ لي العرّافُ شؤما

فالنجومُ نامت في خِدر السماء

سئمتْ غزلَ العاشقين

وتهاويمَ الشعراء الفجّة والعذبة

لم يعدْ الاهتداء بها هاجسا

نأنسُ به في الغدوّ والرواح

لكني محمّلٌ بأعباء الاغتراب

في أرضٍ لا تعرفني

وفي أنباء الاحتراب  بين أهلي

كماشتانِ موجعتان

مع ثقلِ الدموع واحتباس الأسى

وكمدِ السنين التي صهرتْني

بحممِ الشوق البليد الأخرق

والمواعيدِ التي بدأت تغادرُ أماكنَها

تعبتْ يائسةً من الانتظار

والمشاويرُ اصفرّتْ من ذبول خريفها

ولمّا يحنْ أوانُ جَنْيِها بعد

سأبحرُ في اكتظاظ ألوان الضنى الغائم فيَّ

لا أطيقُ المكوث في الوحشة

 تلملمني خردة بالية

جِلْدٌ متغضنٌ، لحمٌ منهكٌ، عَظْمٌ امتلأ هشاشةً

التعبُ نال مني فِتُوّتي

الشيخوخةُ أعجزتْني

محالٌ أن أصل حمى أهلي العاقّين

أتفقدُ مربعي

ملاعبَ صباي

هل ستترقبُني الحشودُ ؟

تومئ لي مرحبةً

تهللُ بسلامة العودة

تأخذُني بأحضانها

تعصرُني سواعدُها القويّة

تنثُّ عليّ ماءَ الزهر

تنثرُ الورودَ في دروبي

تمدُّ البساط َالأحمر ترحاباً بي

ترشُّ النقود على رأسي

فيهرعُ الأطفال لالتقاطها

أُزَفُّ بأهازيجهم الصاخبة

وطبولِها التي طرقتْ مسامعي طَرَبا

يا كلّ التوسّلات أجيبيني

حتّامَ أسعد بملاذي الآمن ؟

***

جواد غلوم

 

عادل الحنظلأنا رسول

لا أدّعي النبوّة

ولستُ مبعوثَ السماء

لم ينْهَنَي مُشغّلُ المجرّة

فلمْ أكُنْ هناك

قبلَ مولدي

بألفِ عام

وعالمي جعلتهُ كما أشاء

وسُنّتي

بلا عقاب

بلا جحور

بلا صكوك

ولا حساب

في عالم الغيوب

ما في شريعتي ظلام

فالضياءُ لا ينام

إنْ لم يكن هنا

ففي الجهات الاربعة

يراهُ من يبغَضُ الشكوك

وما دعوتُ مؤمنا

ليغمضَ العيون

لأنّ أمّتي بلا عيوب

خمورُ حانتي

ابيعها هنا

يشربُها من يدفعُ الآن

فلا أبيعُ بالديون

لحاجزي المقاعد

برحلةٍ مؤجّلة

لموعدٍ بعيد

لي جنّةٌ.. أجَلْ

لكنها بلا أجَلْ

ولا إماء

ومثلُها نار

أوقدتُها كي تحرق الاسرار

المؤمنون في رسالتي

أحرار

وليس بينهم عبيد

صلاتهم متى أرادوا

بلا سجود

يعكّرُ الجباه

وليسَ إعجازي وعود

فلا أقدّسُ الموتى

ولا الخلود

ودَعوَتي تعاشرُ الأحياء

كما رفضتُ أن اضيف

على رسالتي الاسماء

لانني رسول

قلبي هو الدليل

***

عادل الحنظل

 

ناجي ظاهربعد ان وفد محرور السخل، مدفوعًا بنيران عام 48، من قريته الشجرة الى مدينة الناصرة، حاملا على كاهله الاول طفولته المعذبة، وعلى الآخر جماله الفتان، بعدها بسبعة اعوام وسبعة ايام بالتحديد، تعرف على اقارب بعيدين له اقاموا في بيت متهدم مستأجر قريب من خربته، وبعد سبعة اعوام وسبعة ايام اخرى بالضبط، تمكن اقاربه هؤلاء من شراء قطعة ارض صغيرة، في احدى ضواحي البلدة، واقاموا عليها براكية من الزينكو والاخشاب، فرحين مسرورين بما تمكنوا من تحقيقه اثر عناء تشيب له الولدان، وعند انتقال هؤلاء حرص محرور على ان ينتقل للإقامة قريبا من براكية اقاربه هؤلاء، عملا بان التهجير يُقرّب بين البعداء، ويجعل منهم اقرباء، في العلن، وجريا وراء ابنتهم الفاتنة سرا.

منذ وقعت عينه على ابنتهم فاطمة، وهذا هو اسمها، تأكد محرور من ان هذه هي محطة حياته الكبرى، وان عليه ان يحط رحاله بالقرب منها، وكان اكثر ما يجذبه في فاطمته هذه، انها ما ان التقت عيناها الدعجاءين بعينيه اللوزيتين حتى شعر برعدة في جسده، لم يسبق له ان شعر بمثلها في الماضي الشجراوي وتاليه النصراوي. وقد حرص الاثنان، على ان يخفيا امر نظراتهما هذه، خشية من افتضاح امرهما، وبالتالي تخريب علاقتهما والتفريق بينهما بدعوى انهما محبان متيمان، قد يجلبان الى اسرة فاطمة المعرة والهوان.

مضت الايام مندفعة الى الامام، لا تعرف التوقف، ولا تُغيّر من مجراها المحدد لها، وكل من هذين المتفقين المتواطئين ضِمنًا، يبنيان عوالم جميلة من السعادة والورود، وكثيرا ما كان محرور يقدم الى فاطمته زجاجة عطر او مرطبان "جلي"، للتعطر، او لدهن الشعر بحيث يبدو متوهجا لامعا، بنور الامل، كما كان يهمس محرور لمن اختارها قلبه، ومع ان محرور لاحظ اكثر من مرة ان غاليته فاطمة تبادل شابًا اخر قريبًا بعيدا جدًا لأسرتها نظرات الاعجاب، فقد تجاهل الامر، وقال لنفسه "ستكون لي وحدي. يعني ستكون لي..".

مثلما يفعل صاحب كل هدف كبير، انهمك محرور في العمل، فكان يتنقل من بلدة الى اخرى، عاملا في هذه المهنة او تلك، ولم يتكبر على اي عمل فرضته عليه الظروف، واضعًا نصبَ عينيه موضوع ارتباطه بفاطمة في اعلى سلم اولياته، وكثيرا ما كان يشعر بالفرح وهو يستمع الى حديث ينشب هنا او هناك، عن جمال ابناء يعود في الاصل الى جمال والديهما، فكان يخاطب نفسه قائلا ان ابناءه سيكونون اجمل الابناء في الحي، فهو جميل بشهادة الكل وفاطمة اجمل بشهادة عينيه، وهذا يكفّي ويوفي. وكان محرور يعمل في النهار ويتوجه الى بيت فاطمة في الليالي يلعب معهم الباصرة، او الريميه، ويتعمّد ان يخسر مع والدها، ليقوم بجلب الهريسة اعترافا بخسارته الرهان في العلن، وتكريما لعيني فاطمة في السر..

ادخر محرور قرشًا فوق اخيه القرش، وليرة على ليرة، الى ان توفر له "مهر"، مزيونته فاطمة، فتقدم الى والدها طالبا منه يدها، ولما كان محرور عاملا مجتهدا، لا يعطل عمله ولو يومًا واحدًا، ويوفر ما يتقاضاه من المال، مما ظهر على شكله، خاصة تسريحة شعره، بعد دهنه بالجلي.. وملابسه كمان، فقد وافق والد فاطمة وبارك له بها بسرعة متوقعة فهو يستاهل ..غير ان الوالد سأله اين سيقيم مع ابنته، فاحتار محرور بماذا يجيبه، صحيح انه عمل بجد وادخر بجد ايضا، إلا ان جانبًا لا يستهان به من دخله كان يذهب، في السر ودون علم احد، الى فاطمة، زينتها وملابسها الفاخرة. مؤكد ان والديها كانا يعرفان هذا الا انهما لم يحاسباها عليه للعديد من الاسباب منها ان محرورا سيرتبط بها ان عاجلا وان آجلا، وانه لا يوجد لديهما الوقت الكافي للمحاسبة بسبب ضيق ذات اليد. المهم ان الحديث بين محرور وعمه والد فاطمة انتهى الى انه بإمكان محرور وزوجته فاطمة، ان يقيما في براكية والديها حتى يتمكن محرور من شراء قطعة صغيرة من الارض، ليقيم عليها براكية تقيه شر الحاجة الى الناس، كما تقيه الحر في الصيف.. والقر في الشتاء.

هكذا مضي كل شيء على ما يرام. تزوج محرور من فتاة احلامه، واقام معها جنبا الى جنب مع والديها، وحين ضاق والداهما بتأوهاتها في الليالي الباردة، طلبا من محرور ان يجد حلا لإقامته معهما هو وزوجته. بعد مشاورات بين الزوجين الطريين، ووالدي فاطمة تم الاتفاق بين الطرفين، على ان يقيم محرور براكية صغيرة.. قدّ عش العصفور، بسرعة كبيرة تمت اقامة العش المتفق على اقامته، واوى اليه الزوجان الطريان، غير ان ما حدث فيما تلا من الليالي عكّر الاجواء كلها، وحوّل مجرى احداث قصتنا هذه لتتخذ مسارا اخر مختلفا، فقد ابتدأ الزوجان الطريان يتذمران من تأوهات والدة فاطمة في الليالي الطويلة، الامر الذي دفع الزوجين الطريين الى القلق وعدم امكانية النوم، وقد ادى هذا الوضع الى ان يبقى هذان الزجان طوال لياليهما صاحيين، ليناما بعد توقف نخر وانين والدي فاطمة عند صياح ديك الحارة، وقد عكر هذا كله حياة محرور بالذات فبات يُعطِّل عمله في البداية مدة يوم وبعدها آخر فاخر. هنا ابتدأ وضع الزوجين يسوء، الامر الذي دفع والدها لأن يتوجه الى نسيبه محرور، طالبا منه ان يجد الحل المناسب لمسالة سكنه.

تشاور محرور مع زوجته فاطمة، خلال ثلاث من الليالي الطويلة، وكان ان اقترحت فاطمة على محرور ان يقوما باستئجار غرفة صغيرة في اي مكان يبعدهما عن والديها الجاحدين المتوحشين، في صبيحة اليوم التالي، وكان يوم ثلاثاء، عاد محرور من جولة قصيرة في المنطقة البعيدة، ليخبر فاطمته انه عثر على الغرفة المنشودة، عندها سألته فاطمة متى سننتقل الى هذه الغرفة؟ رد عليها بثقة: اليوم. وهكذا كان، احضر محرور تندر شوفرليه وحمله بساعديه المرهقين، بأغراض بيته.. بعدها انطلق التندر مثل سفينة ارهقها الابحار.. باتجاه هدفه ليستقر فيه.

في الفترة التالية، شعر الزوجان بمدى ما اغدقته عليهما الحرية، في غرفتهما المسأجرة، فشد محرور حيله وضاعف شُغله ليوفر دخلا يُمكّنه من العيش بمستوى عال يليق بفاطمته، فكان يُغدق عليها بالطعام، ويأتي بأفضله، اما من الفواكه، فقد غمرها بالسفرجل والكمثرى، فاكهتاها المحبذتان.. لم يحسب حسابا للغد، ولم يتمكن من ادخار قرشه الابيض ليومه الاسود كما كان يردد، اشترى لها راديو شنايدر، وساعات سايكو، وكانت كلما رأت ثوبًا جميلًا في احدى فاترينات سوق البلدة القديمة، وصفته له خلال جلستهما الليلية، فيبادر في اليوم التالي ليشتريه وليقدمه لها هدية من زوج محب الى زوجة طامعة بالحياة رفاهياتها.. بعد حرمان.

للحقيقة نقول ان ثقة محرور بنفسه كانت كبيرة، فقد بات يردّد امام زوجته بفخر كبير" اصرف ما في الجيب يأت ما في الغيب"، وكان ما يقوله لها في هذا الشأن، يدفعها لإغراقه بابتساماتها الساحرة فيطير عقله الى بلده البعيد ويردّد لنفسه اه لو بقينا في بلدتنا الشجرة الجميلة. تشجيع فاطمة محروها على الصرف بهذه الفداحة، اودي به لمضاعفة مصروفاته، في حين بقي دخله على ما هو عليه، وجاءت النتيجة المحتّمة، لجأ محرور للاستدانة من كل ما امكنه الاستدانة منه، بما فيه من المُدينين بالفائض. كل هذا لم يؤثر على الزوجين وتمر فترة لا باس بها من الوقت بسلام، ليبقي امر الزوجين يجري على هذا النحو المستتب نوعا ما، الى ان وقعت حرب 67 سيئة الصيت، فوجد محرور نفسه وقد غرق في بحر من الديون، ما دفعه لبيع بعض من اغراض بيته.. راديو شنايدر، بل انه باع في فترة تالية ساعة سايكو الغالية على قلبه وقلب فاطمته.

حدث بعد تلك الحرب المجنونة، ان عبثت بالبلاد موجة من البطالة اطلق عليها اسم "الميتون" بالعبرية، فتعطل الناس، عن العمل وضاقت احوالهم المعيشية، ما الجأ فقراء المهجرين تحديدا لأن يستدينوا من اهالي الناصرة الاصليين، وكان محرور دائم الصرف على فاطمته، لا يبخل عليها ويستدين بقوة قلب مُهجّر في الوطن، الى ان ابتدأ بالغرق في بحر من الديون، واخذ المدينون في التردد عليه لمطالبته، بما يتوجب عليه دفعه لهم. في البداية اخذ، في مماطلتهم بالدفع كسبًا للوقت، بعدها راح يتهرب منهم، الامر الذي اتاح الاجواء لواحد منهم للاختلاء بفاطمة، والتحدث اليها. فاطمة تقبلت الوضع في البداية على اعتبار انه لا "مهروب من المكتوب"، ثم بات عادة مقبولة لديها، وحدث ان خطط ذاك المُدين لأمر ما لبث ان بادر لتنفيذه، احضر زجاجة نبيذ، واخذ يشرب منها في احد اختلاءاته بفاطمة، اثر زوغان وهروب محرورها من البيت. بعد ان شرب ثلاثة كؤوس متتالية ارسل اليها ابتسامة ذات معنى وسألها عما اذا كانت تُحب ان تجرّب، فهزت رأسها علامة الموافقة. تناولت الكاس من يده وكرعته دفعة واحدة، بعد وقت قصير كانت تنعم بحضنه الجديد.. خلنج. في سريرها الزوجي.. الفم في الفم والصدر في الصدر و.. القدم في القدم. 

عندما عاد محرور في آخر الليل من منفاه القهري، استقبلته فاطمة وكأن شيئًا لم يحدث، وعندما احتضنته شعرت بنوع ما من تأنيب الضمير، الا انها قالت لنفسها" هو من اوقع نفسه. انا شو خصّني"، في الايام التالية تردّد شارب النبيذ على بيتها، وعندما احست بان محرور بات يوجه اليها اسئلة لا تخلو من الشك، اعلمت زميلها الجديد بالأمر، ففرّ هاربًا ومسامحًا بما تبقى له من دين. اما باقي المُدينين فقد لجأوا الى السلطات، ففتحت هذه في البداية ملفات لمحرور، بعدها قدّمته الى المحاكم، وفي فترة تالية ابتدأت الحجوزات تتتالى عليه. حتى انه لم يتبق له شيء يذكر في البيت. هنا ابتدأت ملاحقات رجال الشرطة له لاعتقاله، فكان ما ان يشعر بسيارة الشرطة، وقد توقّفت قبالة بيته، حتى امتقع وجهه وفر هاربا من نافذة غرفته.. ناجيا برجليه.

في احدى كبسيات الشرطة الليلية لاعتقال محرور، جاءت عين فاطمة بعين شاب شرطي ما زال في اول الشباب، فاندفعت من عينيه شهوة جامحة، اشعرتها بأنه عرّاها من ملابسها، بل انها تصورته يقبلها من رقبتها وينزل اسفل فأسفل، الى ان يحترق جسدها بنار الشهوة. هكذا وجدت نفسها في شهوة مستعرة. اما ذاك الشرطي، فقد جاء في الليلة التالية وحده، ففر محرور من نافذته، ليلحق به ذاك الشرطي مسلطا ضوء كشّافه في كل الاتجاهات كأنما هو يبحث عنه، وعندما تأكد من انه فر بعيدا عن المكان، دخل الى غرفته، واحتضن فاطمة، على ضوء قنديلها الشحيح، فما كان منها الا ان استسلمت له، وعاشت حلم ليل الامس، على اعتبار انه حقيقة الليلة. وكان ان رات من الشهوة الوانا، فقد جرت بينها وبين الشرطي الشاب، جولة من القبل الملتهبة، احتضن كل منهما اللآخر وغاب في عالم شهوته، هي غابت في لجة شهوتها المدرّبة، وهو اندمج في نهر شهوته المتجدّدة.

تكرّر هذا في الليالي التالية، وكان ان استيقظ شيطان الشك في صدر محرور، فسأل فاطمة عن سبب برودها معه، فعزت سببه الى الظروف القاسية، والى الديون الاقسى، لم يقتنع محرور بما قالته له، الى ان جاءت ليلة حالكة الظلمة، غاب فيها القمر، ونامت النجوم، وتوقفت سيارة ذاك الشرطي، قبالة غرفة الزوج المتيقظ، فخرجت فاطمة كعادتها المثيرة للشبهات من الغرفة لتعطي شرطيها الشاب، اشارة ان محرور قد هرب وانه بإمكانه ان يدخل الى سريرهما الاحمر، اما محرور فلم يفر هذه المرة واختبأ تحت سريره، وليشعر بكل ما راوده من شكوك وقد تحوّل الى حقيقة واقعية، وليهتز سريره الزوجي اهتزازا ارضيا فظيعا، وما ان اطلقت فاطمة اهاتها الاولى المدوّية، حتى ضاقت انفاسه، اسودّت المساحة حوله وفي عينيه، وغاب عن الوعي.. غيبه جنونية.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

 

زياد كامل السامرائيقراءة لا نهائية لمقتل خمبابا "إله الشرّ"

 على يد جلجامش وأنكيدو.


 مَنْ  ذا الذي قطعَ أشجار الأرز؟

مَنْ هزَّ باقة الهديل

و أوجعَ النبع فيها؟

مَنْ أسرف في لمِّ جدائلها الأقمار

أقصى تلك التلال؟

أنا حارس الدروب والإوزِّ والغناء

أجفان كل حلم اِبتكر طعم الوسادة

و شِفاه أشعلها ضوء اللقاء

ما كَمِدَ ثوب الربيع في خريفها

وما مَلأ الحزن فم النعاس بالرجاء

تهربُ كل شهقة ماء من أكتاف الفجر اليها

لآخر ورقة في شِباك السواد

غابتي بحرٌ

سماوات أرز تُمسك بيدي 

هي مذاق الشمس

و ارتجافة حبِّ، تُجمّدُ قلب آب

لا وجه عوسجة يحاصر خطوها كثيب.

مِن على كفوفِ الغيم أُغلقُ النهار

ومن جمرة الخيال

أُطلِقُ الملاك الفَظَّ عنّي

ينشدُ أوزاري 

و يُضحك الأجنحة على كتفي.

 **

"أربعة وعشرون ذراعا"

أعرف تمائمها

كالنبضِ حين تتقاسمه الظلال

ليس بسرٍّ إنْ تَبِعتَ ما تشتهي

قتلي !

أبوابها سِحرٌ يُحاصرُ شُرفات شقاؤك

أنقاض، بلا خمبابا الإله، تصير

لو مسّها سيفك الثقيل

فذاكَ الدم سِراج ضرير

ضيّقة فيه تضاريسُ الدعاء

كما يتلاشى إثم الصواعق في كبد السماء

أما كان قلبكَ كهذه الأسئلة  

تحبسُ النجوم وتقطفُ المطر !

**

أكتب هذا...

أنا العاجز في الأسطورة عن ذرف المراثي

لعلّ الخمرة التي تركتُها على شفاه عشتار

ينكشف منها الموج والشراع

ليتأرجح عاليا مركبي

قبل أنْ يسبح موتي في الآفاق.

**

ها أنا أتقبّل بين أيديكم الموت

كما يتقبّل الطائر الهواء

وجهان بسياجين من حديد

يلتقيان بمن سيموت

و أنا بمن سيولد

***

زياد السامرائي

 ...........................

هامش آخر: كما جاء في الفصل الثاني من الملحمة

فإنَّ قتل خمبابا "حارس غابة الأرز المسحورة" مِن قبل جلجامش وأنكيدو كان لهوا وعبثا وبدافع تجسيد قوتهما لا أكثر  

وتحديدا لتدوين اسم جلجامش في سجل الآلهة والخالدين..

كذلك كانت حادثة القتل للترفيه " كما أشارت إليه تفسيرات القصة السومرية"  عن خواطر أنكيدو لانه سئم حياة الحضارة  وحاول الاستعاضة عنها "بالبراري والقفار".

من خلال هذه " الكوّة " حاولت ان أمرّر هذا النص معتبرا قتل خمبابا فيه الكثير من التجني والظلم والاستبداد..

فعذرا لصحراء الأسطورة.

 

 

فرات اسبركَما تبتعدُ النارُ عن الماءِ أقتربُ إليك

لا أحوالَ عندي أفسِّرها

الفصولُ كلها في جسدي.

جربتُ الحبَّ مرةً وكان سمُاً

لم أجرب الموتَ.

ليس هناك ما يربط الصحوَ بالمطر،

سوىَ الغيوم التي تختارُ الأرض .!

ازرعني شجرةً واقطعني أغصاناً،

ثمة بذورٌ تحملُ الحقيقةَ،

تلك أحوالُ النباتِ إذ يموتُ في رحم الماءِ

تلك أحوالُ المرأةِ في حيضها،

لا أحوالَ لها ولا شطحات.

ماتت الفلسفة لأ نها لم تر زوجا ً صالحا ً.

الفلاسفة لا يتزوجون.

القمرُ والشمس مثالٌ على الحب والكراهية.!

اعطيتكَ الضوءَ الذي في قلبي

وأعطيتني ظلامك يا أيها العالم .

كيف يولد النور والظلام من رحم واحدة يا أيها العالم ؟.

كانت تغني بلا مزمارٍ، وتمشي بلا أقدامٍ . صعدتْ إلى أعلى جبلٍ في

الأرض وبكتْ كثيراً . كان هناك ما يُشغلها في فهمِ أحوالِ الكون لكنها

حاضتْ فقطعوا عليها الطريق.

اتأرجحُ مثل أرجوحةٍ نصبها صيادٌ، ليغري فراخ الطير فلا أنا أتارجح

ولا أنا ألعبُ، ومثلُ فقيرة مضيتُ إلى خيالٍ يتقطعُ بين نار وجنة.

شطحاتُ العاشقةِ لا يعرفها العاشقُ، فهو لا يحيضُ، لذلك يتعذرُ عليه

فهمُ أَحوالِ الجسد.

اقتربُ من جسدي كما تتقربُ الموجةُ من صخورِ الشاطئ هو الوحيدُ

العارف بموتها وجنونها وهي تئّنُ على صدره وأنا كنتُ أفهم أحَوالهُ، إذ يتغير ُمع فصول متقلبة ٍ بين حياة وموت . خيطٌ رفيعٌ من نورٍ أعقدهُ في داخلي لا يدركهُ إلا الظلام!.

***

فرات إسبر

 

 

صحيفة المثقفتجلد ،

قبل أن يموت فيك المسيح

إياكً تنزف مزفا ..

وقبل أن تجف الدماء

ترقب صباح يوم ذبيح ..

يا لهذا الزمان الكسيح..

يضاجع عهره قتلاً ونسفا..!!

**

تجلد ،

فأن النهار غدا عابساً

والدروب بدت مقفرات

بأشباحها العاريات

كأن السماء تحف بأنيابها حفا..

**

ترقب دماء تسيل

تطل عليك بوجه قبيح..

لتسلبَ منكَ

روح الغيارى

وحلم العذارى

وتعصف في جراحكَ عصفا..

**

لن تموت الشهامة في مرفقيك..

فأنت تحمل صلبان كل الدهور

وكل الملاحم ،

ما عليك

ملامة تلك العصور..

فأنت نجم هذا الزمان

وسماؤك عاشرت ذاتها

نزيفاً من التضحيات

فلا تختبئ خلف ذاك الركام

من الصمت

أراه كالرمل ، يسف نحوك سفا ..

**

تذكر ،

شموخ النخيل

وداعب نسيم الضفاف

وأنشودة الفجر ضجت

تحاكي النهار الفسيح..

فلا تبتئس،

أيها المتلحف بالصمت

لم تخض بَعْدُ ذاك الغمار..

وأنت في لجة قد طواها الغبار..

تذكر طلوع النهار..

وخيط الضياء بدا مارداً

يشق عباب البحار..!!

**

تجلد،

على الصبر،

كفكف دموعكَ عن وجنتيك..

وحاذر ذئاب البوادي..

ولسع العقارب

في سفوح بلادي..

وكن يقظاً موقناً يستبيح

المخاطر من كل جرفٍ

يشاغل ساعديك..

فقلوبنا  رهنٌ لديك..!!

**

تجلد ،

تلك خابية

 من خمور السمو احتسيها

بكل المعاني اصطفيها

 انتشاءً ورشفا ..

قبل أن يموتَ فيكَ المسيحْ ..!!

***

د. جودت صالح

(من مخطوطة ديوان ألق البحر)

 

محمد المهديامتداد الافق في عينيك

يم هادر يجرفني نحو الدوار

يسلك بي مهالك الغابرين

و يمسك بي على مضض

يشدني الى الاعماق..

يسلبني قرار موتي

يسجر قوارب النجاة خلفي

لا عودة ايها الساعي

الى مهالك الغابرين ..!!

فانوس يثير الفراشات..

تحوم على بداهتها ،

و تمضي الى منتهى الفناء

راضية تتعمد بالنار.

قلبي فراشة نارية،

تمتص رحيق الشمس،

و تنغمس في اتون النار

و تمضي الى مسالك الغابرين

راضية مرضية..

أهلكني الاصرار على السير

فوق حافة الشمس،

و أغراني سديم الكون البعيد..

يراودني عن نزواتي الدفينة،

و ينثر عبر ممشى الغد

الهروب أسافين الزمن..

تمتد يداي من خلف الافق البعيد

تقطف نجوم الليل الغريب،

و تبصم على وجنة الفجر

قبلة لللحياة..!!

و هذه حقيبتي مرهونة

لذى حادي الزمن..

يحجب عني مسارات السفر

و يعطل في حنجرتي اغنية المطر.

عنوة يسلبني قرار العودة

الى عشقي القديم ..

يصد عني ريح الشمال،

و ينفث في احلامي روح الجنوب

الذي لا ينتهي..!!

اعشقك ايها الجنوب الممتد

مني الى حافة الكون..

اعشق فيك جنوب الجنوب

جنوب الروح..!!

***

محمد المهدي

تاوريرت - المغرب

 

 

عبد اللطيف رعريالبُعد لي ..

القُرب لك ..

فمن يطوي زمن الأحاجِي بيننا ...؟

السّماءُ

لها تسلسُلها الضّوئِي..

لهَا حظّها مِن المدّ

 ومَا تنسَّمهُ الرّيحُ جزرًا

لها مَقامات بوجهٍ طلقٍ ,وبشاشةِ

الأنبياءِ ..

لها أدراجًا شاقولية المَدى

 لإخفاءِ هندسة الحرفِ

عن مَعناه..

لها أغْصانها تزهرُ بقُلوب العذارَى

تَحتفِي بِمواسِم الألوانِ

 وترْسمُ

 بالأحْمرِ مَسارًا للذِّكرياتِ..

لَها نِصفُ التُرابِ مقْبرة

 لِلجَوعَى..

ونصفُها مائيٌّ تسكنهُ البلوَ ى....

السّماءُ....

 حزْمة نارٍ أكلَ الفَضاءُ وهجُها

فَرمَّدها..

وَدخَّنها...

فَصار المُطلقُ فِيها اسِتثناءًا...

وصَارَ الاستثناءُ

بغيرِ

 اسِتثناءٍ .. 

البعدُ لي .. والقربُ لك...

فمَن يطوِي زَمن الأحَاجِي بينَنا ...؟

الأرضُ..

 تعجُّ بالافتراضِ ...

هي البِدايةُ وهي النِّهايةُ

جَوفُهَا النّارٌ

وسَطحُها النّارٌ...

وابنُ الطَّريقِ على لوحِها

بالذُعر ِ

 ينْهارُ ...

لها منَ الوحَلِ تاجٌ لِملوكٍ تَكهّنُوا

 بدَوامِ العزَّةِ

فَحفرُوا قبُورَهمْ

بِسبابةٍ عَارِية

يُشِيرُونَ بِها  إلى رَحبةِ الإعْدَامَات

يومًا... مَا

زَارَهُ الطُوفَان

 فَضاعَ المُلك مَع الوَحلِ

 وكذبت سيّدة النّهر توالِي الأحْكامِ

اسألُوا الجدَّات عَن نجْمةِ

سليْمان ..

لمّا تلقّفهَا طائرُ القصْرِ ...

 اسألُوا الجَدَّاتِ

 حِينَ مَرّت قَوافلُ النسَاءِ

مَعصُوبةَ العُيونِ...

والغُرابُ يرْمِي الوادِي بحَصَى البرِّ

البُعدُ شَجرةٌ أبديةَ العَراءِ...

 مخْمَلية الرائِحةِ كالقِدمِ ...

شَجرة عَدميَّة

جِدعها خيالٌ محتَّلٌ...

 وأوراقُها  فراشات  ميِّتة

 حينَ  يتخلَّلها  البردُ  تصمتُ  فتنامُ ...

البعدُ مسَافات  مجَازِية

 يرَاها الهَاربُ ماءً

 وأرَاهَا أَنا

كَوْمةً من ضَوءٍ شَارِدَة..

لَكِن

 وحْدي أسبحُ في هذِه المَتاهةِ

 مُنذُ بِدايةِ الشَّكِ...

أنا صانعُ البعدِ

 أحْرقُ الماء

 وأسحبُ الضَّوءَ من خَطواتي المُسرعةِ

أقِفُ ساخراً

 من ابنُ الملكِ حينَ يقلِّدُ أباه

وتخُونهُ أناهُ...

أقهقهُ في صمتٍ معَ الحَريمِ

 حتّى  أخر الموتَى...

هذَا البعدُ

مِشوارٌ مَكانِيٌّ فاشِلٌ

وخَطواتي ثَقِيلة

ويدِى تمسكُ ظلاً ليسَ ظلِي

فمنْ يوقفُه عن الهروبِ كلَّما اقتربتُ منهُ مَجازًا.. ؟

البُعدُ

 ولَمعانُ الثّلجِ

ينتَهيانِ في فَمِ مَوجةٍ

لا يسْحرُها الشّط

 فيحتَرِقا....

البُعدُ

 شُعاعٌ

 نتج عنْ احْتكاكٍ بينَ صخْرةٍ وَعينٍ دامِعَة

فتفرقَ بلا حُدودٍ

 اليدُّ الخشنةُ تسحقُه بين قبضةٍ

وقبضَة

ولا يسيلُ من بين الأصَابعِ

 إلاَّ دخانَ الغيمة

القربُ

هو أن تمْسِد ظهرَ النَّهرِ

 فَينامُ بينَ يديكَ

لِتستحمَّ ساعَة علَى بِساطِ المُستحِيلِ

 رَغبة فِي القيامِ

 بثورةٍ

منْ

 تحتِ

 الماءِ

القربُ هو انشِطارُ قاطِرتِي

إلى فُصوصِ رَمل تحتَ زحمةِ المارّة

 هُو

 تحلُّل الأجْساد المُتهالكةِ

إلى مُضاداتٍ سامَّة تقتلُ الألفةِ

هُو

انفِجارُ موجةِ قُربَ زوْرقٍ

 مِن وَرقٍ

قدرهُ حملُ ذِكرَيات

 الطِّفلِ السَّاكنِ في الجسدِ إلى الأبدِ

 البُعد لي ..

القُرب لك ..

فمنْ يطوِي زمنَ الأحاجِي بيننَا ...؟

عَفوًا لا البعدُ لي ولا القربُ لك

مُجرَّد هذَيان بعَظمةٍ واهِيَّة ...

 ***

عبد اللطيف رعري/فرنسا

 

سردار محمد سعيدمن المؤكد أنكم سترتابون بحكايتي وتعتقدوني أهذي أوأتخيل في أقل تقديرأو بالغت، فشككتم في سلامة عقلي أو رب قائل يقول هذا من كثرة الولع في مشاهدة الرسومات الكلاسيكية ولصور الجان وتأمل تفاصيلها الدقيقة وألوانها المتداخلة، وحفظي للشعرالقديم لا سيما الغزل والتشبيب، ورؤيتي دائماً أتصفح أوراق المجلات التي تقع في يدي، ولكن لم يتنبه أحد لشكلي الذي يعجب الفتيات أو ربما أخذتهم الغيرة فيتعامون عنه، وتنبهوا إلى معائبي فشاعت بينهم لثغتي وانتشرت وتناسوا صفات محمودة كثيرة، لكن اللثغة هذي كانت سبب رحيلي من هذا العالم البائس .

أتذكرقول سُعدى عندما رحلت هي الأخرى فكانت المغامرة الخارقة الغامضة على أفهام البشر.

صرخت :

يا أهل أوروك بم تفكرون وقد جمدت العقول؟

أنتم يا ناس أوروك أحدثكم،

أستصرخكم،

يامن كان لهم فيما مضى عقول تفكر وتحلل وتركّب.

ما كان وما لم يكن وما سيكون، ما لم يحدث وما حدث وماسسيحدث .

ضوء يتبع عباءة الظلمة الكالحة ليثقبها .

ما قيمة الفجر لو لم تكن هناك ظلمة، لتشدو يمامة الحقل، وتكتسي السنابل ذهباً.

لا ريب .. لا ريب.. أن الذي اغتصب النور هي الظلمة .

فمن ذا الذي سمح لها، كيف؟

ألا تخجلون أيتها الذريّة الوسخة، مَن الذي استنتج من دوّارات ماء الفرات فكرة الدوران فصنع العجلة والباب والختم الأسطواني .

المجرات التي تهت بنورها ونارها وظلامها ونجومها تدور وتدور، تتسع وتتسع، مذ فُتق الرتق، بينما عقولكم التي بدأت تضيق وتضيق، وهاهي النتائج الوخيمة التي تعيشون في سوادها .

لا لوم علي إذ رحلت من عالم الخيبة والخذلان والإحباط إلى عالم النقاء والحب والمسرّة .

البشر لهم عيون وبما ترى يقنعون، ولكنهم بالغيب يؤمنون كذبا ً وربما من خوف إجتماع ماكان وما لم يكن،وخوف تناقص أطراف الكون، بينماالظلمة باقية سرمدية .

ليفرح الفانوس والفتيل قليلاً بوهمه، فمارج اللهب لن يزيح ظلمة اكتسحت الكون العظيم .

أسمعوني !!

أليس من طبعكم المغالطة فلطالما تغنيتم بالضميرولا أحد يعرف حجمه وشكله وموقعه .

إخترعتم فكرة الضمير الحي، وتجنبتم الجواب هل يموت أم لا، أم الحياة هنا محض كلمة مجازيّة .

إتخذتم أيها الناس اللغة العربية ملاذاً لتفسيرالظواهر وأسرار الكون .

آدم قلتم أن اسمه مشتق من أديم الأرض، كأن آدم عربي وليس أباَ لكل البشر .

هربت منكم، ووليت وجهي تلقاء عشيقة الثنايا والزوايا وماء الخلايا، تجاه من وهبني من روحها ما افتقدته دهوراً .

مرحباً حبيب كل ما يشتاق له حبيب .

***

سردار محمد سعيد

 

 

كريم الاسديالى بيروت التي ستكون عصيةً على الهزيمة

بوحدة أهلها الطيبين الباسلين ..


 يبقى فنارُ البحــــرِ يا بيروتُ

 مهما دجَتْ لا يعتريهِ سكوتُ،

 

 أُفُقاً يُمَــــــدُّ على الدُنى ومنارةً

فيها الضياءُ على الضياءِ يفوتُ

 

مَلِكٌ على الأنوارِ نورُكِ كاشِفٌ

حتى يُضاءَ بِوهجِهِ الملكــــوتُ

 

يا أبجدياتِ الحروفِ مطالعاً

عبرتْ ليقرأَ حرفَها الناسوتُ

 

يا دارَ أهلي في الجبالِ وساحلٍ

صعدَتْ على كفِّ السماء بيوتُ

 

مِن آلِ شمسِ الدينِ، من مغنيّةٍ

مِن آلِ محفوظٍ لديــــــكِ بيوتُ

 

وبِهمْ الى هورِ الجبايشِ مَنسبٌ

ونعُوتُهم ما لا تقولُ نعوتُ

 

 أُسدُ الديارِاذا استباحَ عرينَهـا

جيشُ اللئيمِ سيسقطُ الطاغوتُ

 

بيروتُ يا طيفَ المسيحِ مُسالماً

ومُحارباً أسيافُهُ الياقــــــــــوتُ

 

بيروتُ ضمّــــي شيعةً فـي سنّةٍ

في آل عيسى في الدروزِ، تموتُ

 

كلُّ الدسائسِ في المهودِ ويزدهي

أرزٌ سيخشى علْوَهُ الجبـــروتُ ..

***

شعر: كريم الأسدي

....................

ملاحظات:

1 ـ زمان ومكان كتابة هذه القصيدة: في اليوم السابع من آب 2020، في برلين .

2 ـ هناك كثير من الأسر والعوائل في العراق ولبنان تجمعها أنسابٌ مشتركة وأصولٌ واحدة، وأقول هذا لا للرغبة في التصنيف العشائري والقبلي على أساس الانتماء للقبيلة بل للرغبة في أِظهار الروابط التاريخية والجغرافية والاجتماعية بين أبناء العالَم العربي الواحد بالفعل، فأسماء العوائل التي وردت هنا مثل شمس الدين ومغنيّة ومحفوظ هم عوائل لبنانية وفروع من عائلة الأسدي الكبيرة ـ المنتشرة في كل العراق والمتمركزة في هور الجبايش ـ مثلما قرأتُ في تاريخ العائلة المكتوب من قبل عارفين في علوم الأثنيات والأنساب والأنثروبولوجيا والتاريخ . وبعض العوائل يسكن الى الآن موزعاً بين البلدين الشقيقين مثل اسرة آل محفوظ التي أنجبت العلّامة المرحوم الدكتور حسين

علي آل محفوظ الكاظمي البغدادي الأسدي والذي توفي في بغداد قبل سنين ودُفن في الصحن الكاظمي الشريف .