سعد جاسمحلمتُ انكِ حمامةٌ تبكي

تبكي على طائرِها الوحيدِ الذي تحاول أن تنهشَهُ افعى

تجيدُ التسلّقَ الى اعالي الشجر

 وتعرفُ كيفَ تتسللُ الى الاعشاش

وتنفثُ سمومَها في القلوب

وقبلَ أَن يستحيلَ الحلمُ الى كابوس

أَيقظتُكِ ومسحتُ دمعَكِ الحار كرغيف

وهمستُ لكِ: لاتخافي ارجوكِ

أَنا كنتُ احلمُ: أَنتِ حمامة

وعندكِ طيرٌ وحيد

فضحكتِ أَنتِ بصوتٍ يُشبهُ الفرح

وقلتِ لي : انا الاخرى كنتُ احلمُ

انكَ كنتَ طائراً تستوطنُ عشّاً على شجرة

وكانتْ ثمَّةُ افعى جاءتْ تسعى كي تنهشَ

قلبَكَ الذي كانتْ لهُ هيئةُ صقر

وكانَ قلبُك الصقر قد استنهضَ كلَّ بسالتهِ

وقامَ من عشِّ الخوفِ

وألقى بالافعى أَرضاً بصيحةٍ مكتومة :

-الى الجحيمِ يامسمومة

*

ها انتِ تتكئينَ على صدري الذي تعتبرينهُ ملاذَك

أَو وطنَكِ الآمن

تنتظرينَ حلماً مكتنزاً بالمباهج والقُبلات

*

ها نحنُ نحلمُ فرِحينِ تحتَ مطرِ الخلاص

ونمشي بعيداً بعييييييييييييداً

ونُحلّقُ عالياً عااااااااااااااالياً

حتى اعالي الحقولِ والينابيعِ وبعدَها بكثييييييييير

***

سعد جاسم

 

صحيفة المثقفيا عصا الترحال طيقي * قربـت شوطا ً طريقي

يا عصا الترحال صبراً ** قربت شوطا ريقي

واستبان الصبح فيـها ** ها هو الظـــلّ ُرفيـقي

بين صحو بين نـوم **** يا نـــوايانا أفيـــــقي

فاذا في الأُفق نـــار ٌ *** - ليس نوراً- لحريق ِ

فغدا الكون ثبــــوراً **** جلداً كن يا خفوقـي

يا خليــــلي َّ بــدربٍ *** مسـه المولى بضيـق ِ

يا..أحلاني فوعدي *** لكـما رأس المضيق ِ

ان يظلَّ الجو صحوا ً ** لم يكن وعدَ صدوق ِ

غيمة ٌ حبلى كذوب ٌ ** ذات عـــزف وبـروق ِ

بددت وعدي هباء ً *** فاذا ليـــــل ٌ شروقـي

وأنا الرائد لم يكــــــــــــــــــذبْ ولم يرم بموق ِ

فهوى عنّي اتزاني **** و نبا عنّي بريـــقــي

قيــد تحقيق ٍجناني **** نُقضت كُلاً حقــوقي

ورماني الدرب شلوا ً ** نحـــو قطّاع الطريق ِ

سامني الدهر غباء **** بعـد ود ٍّ ووثــــــوق ِ

أينما قلـّبــــــت عيني **عتــــب ٌوجه الصديق ِ

يا عصا الترحال مهلا ً ** نحن صنوان فسوقي

حيثما تمضين أمضي ** أينـــما شئـت مروقي

فاذا ما شط ّ عقلـي *** أنــت لي خيـــر رفيق ِ

اجتباك الدهر صنوا ً ** لي مع الشيــب فروقي

***

سمية العبيدي 

 

 

هناء القاضيكان أحد الصباحات الجميلة في نيسان

قلعة قاتيباي، البحر، رائحة القهوة

أنا وصديقي الكهل يعتمرُ قبعتهُ الأنيقة

يُحادثني تارة.. وأخرى

يسرحُ بعيدا صوب البحر

يعاتبُ رفيقة عمرهِ ماري

**

الكهل إعتاد الجلوس كل يوم في ذات المكان

يقرأ ُ مع البحر تقلّب الفصول

يوشوش للريح الخمسينية.. فتخبرهُ

أن مراكب العمر توشك على الوصول

**

اليوم وبعد اكثر من عقد

أعود لماضٍ أسرني من بُعد

القلعة، البحر، أنا وفنجان قهوتي

أسرحُ بعيدا فألمحُ

صديقي الكهل مبتسما تتأبطُ ذراعهُ ماري

**

من دونهما الأسكندرية لم تعد تُشبهه التي أعرفها

حتى أنا ..

لم أعد أشُبهني

***

د هناء القاضي

23-4-2019

 

جابر السودانيغدا، عندما يمرُّ الغزاةُ

من هنا

لن يجدوا ما يستوقفهم

سوى أطلالِ هذه البلادِ

المحترقةْ.

لن يجدوا غيرَ أسمالِنا

التي ستبقى بعدنا

عالقةً على أشواكِ البراري

يضمدونَ بها

جراحَ خيولِهم ويرحلونَ 

دونَ مجدٍ أو غنيمةٍ خائبين.

**

جابر السوداني

 

زياد كامل السامرائيإلَى أَقْصَى أَشُور . . 

إلَى مُنتهَى الوجعِ

بِمَا يحملُ الزَّعْفَرَان . 

حِرابٌ فِي سَهْلِهَا 

وعندَ طَرْفها الدَلالْ . 

*

نَصِيبِي مِن المدينةِ غُصْنًا

وجرح

 أعبرُ بهِ خارطةً لمساميرِ الطفولةِ

بلهاثِ زورقٍ مَثقوب . 

ألعقُ الريحَ بمصراعِ الفؤادِ

يُنبتُ لَحْنًا سَخِيًّا

مِلءَ السِّلالْ . 

*

نهاركَ . . 

يفرشُ حاجِبيه

يقيمُ الحدّ عليكَ

وانتَ لمْ تُقدِم عَلَى خطيئةٍ

أَو تتوسلُ كَلْب حزين 

الاّ بِمَا اشْتَهَى الضوءُ

عَنَاقِيد التِّلالْ ! 

*

تصومُ . . 

لعلّ الهلاكَ يَجمعُ موتكَ الرحيمَ فِي آنيةٍ

وانتَ تحدّقُ فِي رسغهِ المُتورِّمِ

حَتَّى ينْقطِع عنكَ الفجرُ

بَيْن أشناتِ مقبرةٍ مُسيّجةٍ بالقضبانِ 

لِكَيْ لاَ يَعبرُ حُلمكَ أبعدُ مِمَّا تُريد . 

فمنْ يَدلّه بَعْدَهَا 

عَلَى بابِ الجديِ الجديدِ 

أَو رقصاتُ الدبِّ الأكبرِ؟ 

منْ سيزرعُ خريفَ عُمرِه بالأصفر ؟ 

منْ يَجْرُؤ 

ومَهدُكَ ذُو الجلالْ !

 ***

زياد كامل السامرائي

 

سميرة بنصرحينما أسدل جفني بيني وبين العالم

أسكن الصدى

أتملّك عرش عزلتي .. المفقود

حيث لا ظلّ يربك خطاي

لا ظلّ يرجّف النورعلى بصيرتي

أو يجرّها لعتمة ظلاله وأقداره

حين أسدل جفني

أطوي البحار

أطوي الجبال

اأطوي المدائن

أطوي المدى

زرقاء اليمامة أنا

أفتّق الحجب

وأنفذ من مسامات جلودكم

إلى نفايات الانسان

***

أنا

... طرحٌ يوافق وحدتي

حين أراني او لا أراني

اقول أنا

حين أجدني أو لا أجدني

أقول أنا

حين أراك أقول أنت

حين لا أراك .. أقول أنا

لأنك في الحقيقة حين سكنت “هو”

كنت تلاشيت في مركّبات أنا

أنا حلم أفسره كيفما أشاء..

أنت صدى حلمي تستوقفني

بانعكاسات أبعاد المرايا

انا أتستّر عن جميع تفاح الغواية

بين اللحم والعظم

أنت تعريها الى نخاع اللّب

ستحتاج وقتا طويلا

وانت تنقّب عن مكبّ فداحتها

وحين يشاء بك

ستصعق من هول هو

المتربع بانتظارك

المتربص بك

حيث أكوام الخطايا

ينوء من حملها هو

هو الذي هو أنت

هو انت الذي هو أنا

تتقلّص الرؤيا

يتقلّص العالم

تزدحم الأنا

وتلتقط جزيئاتها

أنفاسٌ..ذرّاتٌ..هباءاتٌ

لتصير أنا النّافرة

المتنافرة

لا غيرها في الوجود

الالتحام الومدي

يذيب المعاني

يذيب التنافر

يذيب التضاد

فأعود أنا لا شيء سواي

هل كنّا صفوة ً

أم كنا طفرةَ ً

أم كنا هفوة ً

من جنى الطفح الأجاج

ما كنت أساير العالم أنا

ما كنت أراكض النهر

كنت أبدد حيرتي

على أحزمة المرافئ

ما كان ليعنيني الى أين يهرع السيل

فقط أردت نهاية الطريق

أين تلقى الودائع

أين تمضي الاسراب

!!!لا جواب ؟.. لاجواب

صخور المرافئ صمّاء

التيار يستحم بكل الاشياء

ويمضي وتمضي معه

ذاتي مضغة من ماء

وحدها الافكار تتشكّلُ

حين كان الصبح ممزوجا بالماء

حينما المساء ممزوجا بالماء

حينما الانا تغفو على سرير الماء

كانت سميرة تتقن غفوة الغيب

حينما لا اسم ولا مسمى

لا ضمائر تستحضرأو تغيب

حينما الضمير هو

لا اله الا هو....

***

سميرة بنصر

 

ريكان ابراهيملا تأمني جانبي يا بنتُ، إنَّ يدي

                         فوضى، وإنَّ غرامي دائِمُ الفِتَنِ

إن كنتِ واحدةً عن جنسها اختلفتْ

                       أنا جميعُ رجالِ الارضِ في بدني

فلا ملاحُ أمراضٍ تُعطّلني

                              ولا مشارفُ تسعينٍ تُؤدّبُني

بياضُ نحركِ إغراءٌ كأسودهِ 

                   ما بين نحرين أقضي العُمرَ في محَنِ

حتّى وإنْ مَيّتٌ حَوّاءُ في رئتي 

                             فلا يَغرُّكِ إنْ لُفلِفْتُ في كفني

على دماثةِ أخلاقي سرى خبري 

                     وصرتُ أُضحوكةٌ في السِرِّ والعلَنِ

شَوّهتُ سمعة أبنائي بأنَّ أباً 

                             لصبيةٍ لم يُوقِّرْ حُرمةَ الزمنِ

ووالدي، وهو في مثواهُ مُمتعِضٌ

                         وصارَ ندمانَ أن قد كان أنجبني

أنا ابنُ ذاك الذي أغرتهُ من يدِها

                               تفاحةٌ فتناسى حكمةَ السُنَنِ

أمام سحركِ أهوى العُهرَ أجمعُه

                           ولا أُحاذرُ من مُخضَرّةِ الدَمِنِ

فالجوعُ في آدمٍ طبعٌ، وسيّدُهُ 

                          جوعٌ إلى الجسَدِ المملوءِ بالفِتَنِ

على فراشِك أنسى كُلَّ فاضلةٍ 

                          من الخِصال التي كانت تُهذِّبني

تُسامِحُ الشهوةُ الحمراءُ ما سَمِعتْ

                         عن كلِّ ماضيكِ في زَلّاتِهِ أُذُني

وإنْ أسأتُ إلى قانونِ تربيتي 

                            فإنَّ مَنْ خلقَ الإنسانَ يعرفُني

فيكِ الذي يَتحدّى كُلَّ ذي أنَفٍ

                              فينحني الرَجلُ الجبّارُ للوثَنِ

أنا الذي لم يكنْ يقوى عليَّ فتىً 

                          لكنَّ حوّاءَ مَنْ قد كان أضعَفني

بلمسةٍ من يديها يرتخي جسَدِي 

                      وتنتهي في حصاني سطوةُ الرَسنِ

ولَثْغَةٍ دون معنى من مراشِفها 

                           تصيرُ كالمتنبي حين يسحَرني

وكنتُ في قيَمي السمحاءِ مُؤتمناً

                           وحينَ أَحببتُها ضَيّعتُ مُؤتمني

والناسُ تعرفُ أنّي لم أهُنْ شرفاً

                                ولم أبعْ ذِمّةً يوماً ولم أخُنِ

وكانَ لي وطنٌ، لكنَّ فاتنتي

                        بسحرها وهواها أصبَحتْ وطني

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

وليد جاسم الزبيديإش.. إش

لا إش بعدَ اليوم

فالأخرسُ نطقْ

والخوفُ مزّقَ أغلاله

والصّوتُ فِرَق

إيـــهٍ.. زهرونْ

تتعمّدُ، والدمعُ عيونْ

والناسُ نيام

من تعبٍ تحرسُها الأحلام

يعتصرُها عطرُ الأفيون

إيهٍ.. زهرونْ..!

تتفيأ بُستانَ السلطان

والبستانُ ظلالُ الـ (إش)

و( إشْ) سوطُ السجّان

لو.. (ماركس) يأتينا اليوم

لأخفى " رأسَ المالِ"

بجوراب " أنجلز"

لأستحيا خجلاً من هذا العصر

من التنظيرْ

فلا تنظيرَ، ولا تطهيرَ، ولا تحريرْ

فالسوقُ اختلفتْ

والسّوقةُ والأرباب

إيهٍ.. زهرون..!

اختلفتْ فيكَ نظرياتُ:

الموتِ، الحرب الأهليةِ، والجوع

ورصيفٍ كانَ لك المسكن

تلغيهِ البلديةُ من خارطةِ التصميم

فأنتَ المتجاوزُ على حقوقِ

الأمم المتحدة

وحقوقِ الحيوان

أيهٍ.. زهرونْ..!

لو.. تعرفُ ما الإنسانْ..؟؟

في زمنِ البؤسِ وخارطةِ الحرمانْ

لو.. يأتي.." ماركس"

في أجواءِ فراغ خزائنِ مصارفنا

وهروبِ الخيطِ والعصفور

والأرضُ تدورْ

لو.. يأتي..؟؟

ماذا سيكتبُ عن نفاياتٍ بشريةْ..؟

ماذا يقترحُ لحلّ الأزمات القهريةْ..؟؟

ماذا سيطرحُ من مشروعٍ

للتأميمِ..؟ ببلدِ الفقر

ولمنْ.. سيعطي حقّ لجوء..؟

ماذا سيكتبُ في فلكلور

التشريع.. التصريع..التمييعْ

لو.. يأتينا..؟؟ لتمرّدَ

يساريو الشرقِ

وغنّتْ جوقةُ " ماو"

الحانَ كفاحٍ لا مصرّح

على شواطئ الكافايين

وتجاهلَ يساريو الغربِ

ستايلَ (لينين)

في تقليعةِ لحيتهِ

واستغراقٍ في التلوين

وشوارعَ يخنقُها الطينْ

إيهٍ.. زهرونْ..!

أينَ تكونُ..؟ وكيفَ تكونْ..؟

في عولمةٍ صارتْ هجرة

يلفظُنا الوطنُ فننزحُ

خلفَ بحارٍ، خلفَ سهول

نؤسسُ أوطاناً لليُتمِ

لأراملَ تلتحفُ الطُرُقاتْ

تتسوّلُ.. تجترّ نفاياتْ

إيهٍ... زهرونْ,,!

كنتُ أظنّكَ تبقى أبيضَ

لا تتقلّبْ

تكدحُ.. تتعبْ

لكنّي... قرأتُكَ في صحفٍ

"بوتينياً" قُح

أكثرَ من " بوتين"

تحتسي " الفودكا" مع صورةِ " ستالين"

وتدخّنُ سيكارَ "كاسترو"

وتأخذُ " سيلفي"

مع " انجيليا جولي"

وتُضاهي خسّةَ " راسبوتين"

في فصلٍ آخرَ

تتبدّلُ أوراقَكَ، تصوّتُ، وتُهلّلُ

تصد؛ُ بلونِ "ترامب"

" ترامبيٌ" أنتَ ومسكين

مسحورٌ ببهرجةِ التكوين

إيهٍ.. زهرونْ..!

فدنيانا أفعى

وغرورُ شياطين

إشْ.. إشْ

إشْ زهرونْ..!!؟

***

شعر/ وليد جاسم الزبيدي/ العراق

 

حسين حسن التلسينيالبرقية الأولى

نهض الشعر الفياض الأخضر من تحت الأنقاضِ

مامرَّ بمحكمةٍ يسأل عن قاضِ

أو هبَّ ليلتمس العون من بلسمٍ

زكاهُ الجرح وعنهُ الطبيب الماهر راضِ

طار صوب جروح ضحايا فك الوباءِ

ظل يمطرها بغمائم دقات خافقه الحبلى بسما أقراص الدواءِ

بصباحات يحملن أزاهير البشرى من روض الشفاءِ

 

البرقية الثانية

شربَ الشعرُ من منهل البِرِّ

صارت عيناهُ لأكواخ الجوعى كوكبين من البحر والبَرِّ

وغدا قلبهُ مسرحاً فاضحاً للجلاد وسوطهِ القاتل المُرِّ

 

البرقية الثالثة

الشعرُ سفيرُ الحُبِّ

لاطبلَ الحربِ

ومصابيح تلوي أعناق ظلام الدربِ

الشعرُ نسيم يهب لأطراف الأرض الأربعْ

نحْلٌ من ضوء لم يصنعْ شهداً لظلامٍ أوفي مقلتهِ يقبعْ

***

شعر / حسين حسن التلسيني

العراق / الموصل

 

 

فتحي مهذبفعلا أنا مجنون

شلخت جبهة قديس بمطرقة

اختلست خبزه ونبيذه..

جرنه المليء بماء المتناقضات..

مزقت روحه القرمة بمخالبي..

بلت أمام كنيسة مثل أرنب مسن..

أمام قساوسة يبيعون تذاكر مزيفة

قذفت قائد الأوركسترا بالحجارة

باركت غريبا يستمني

يبدو مثل ثور مكسور الخاطر..

رغم ذلك لم يطردني ابن الانسان

***

فعلا أنا مجنون

أشك في معجزات رأسي..

مغاوره المليئة بفهود اللاوعي..

برجه المائل الى جهة الضباب..

قطانه الكثر من سنخ الزئبق..

فعلا أنا مجنون

أفتح النار على متصوفة..

يطيرون في الهواء..

على ضرير يقود دراجة من قش..

على خفاش عالق بابط عجوز..

على زيزان ٱذار الفارط..

على قتلة يختفون في بنك معتم..

(على ماضي الأيام القادمة)..

***

أهديت كتب ماركس لهيكل عظمي..

مركبا لالاه مريض..

سريرا لميت يشك كثيرا..

مسدسا لنبي معزول..

ألبوم أغان  لأصم..

تنورة عانس لجورج باتاي..

قميصا فضفاضا للسهروردي..

صك غفران لرهين المحبسين..

نظارات شمسية لهوميروس..

***

فعلا أنا مجنون

كل ليلة أنام فوق ضريح..

أسرد عذاباتي على أشباح خجولة

أغني مثل طاووس في ملهى ليلي

لطرد اوزة النسيان..

وتشتيت غيوم الندم..

في الصباح يذهب الميتون الى

حقول الأرز..

بينما وحدي أعوي مثل ذئب الفلاة.

***

فتحي مهذب

 

تواتيت نصر الدينوطني ياقبلة للثائرين

وطني يا أيها الغالي الثمين

أيها المرسوم في لوح جبيني

أيها الممتد في أغوار ذاتي

أيها الشوق الكبير

*****

ياهوى يكبر دوما في قلوب العاشقين

ها أنا دوما أراك

شامخا كالقبلتين

شامخا كالصرح مرفوع الجبين

منذ أن كان جدودي

منذ آلاف السنين

*****

أنت للحر مثال

أنت للأسد عرين

أنت يا هذا الّذي لا يستكين

في وجوه الكائدين

في وجوه الغاصبين

وستبقى واقفا طول السنين

عاتيا رغم الأعادي

ونشيدا من تسابيح الجهاد

وطني يا قبلة للثائرين

جنة أنت اصطفاها

مبدع الكون..اله العالمين

***

 تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

جمال مصطفىمِـن سُـرّة ِ الـعَـدَم -الـوجـود ِالى أقـاصي الأنـفـجــارْ

حيثُ اسـتَـوتْ (حيثُ) الـتي انـداحَـتْ فبـانَ الجـلّـنـار ْ

إذ  سَـبَّـحَ  الـعَــدَدُ الـصـحـيحُ  وكَـسْـرُهُ بـالأنـكـسـارْ

بـتَــفَــتُّـق ِ الـمبنى عـن الـمعـنى ، بـواعِــيـة ٍ تَـحـارْ

بـالـمـوجَـبِ الـمـسـلــوب سـالِــبُـهُ بــه ِ نــوراً ونــار

بالـقـافِ بالـقـافـيْـن ِ في ذات الحـقـيـقـةِ ، بـانـشطـارْ

سِـرٍ الى سـرّيْــن ِ ، والـسرّيْـن ِـ ـ  أسرارٍ ـــ  بِـحـارْ

بـجُـسَـيْــمَـةٍ للـربِّ أصـغــرَ مِـن وأكـبــرَ، بـالأطــارْ

بـالـذبــذبــاتِ  الـساهــراتِ عـلى  نـظــام  الـلاقــرارْ

بـبـواطـنٍ فـرّتْ  فـلـمْ يَـلـحــقْ بـهـــا  حـتـى  الـفـرارْ

بالـساتِــر الـمـستــور بالـكـشْـف الـمُـؤجَّـل للـسـتــارْ

بالـفـرْسخ الـفَـلَـكيِّ تـمْـخـرهُ الـطـلـيــقـةُ بـاجـتــرارْ

جـمـرِ الأبالـسـة الـمُـؤنـسَنِ  بـاستـعـادتهـا الـشـرارْ

بالـثـقـب أسـودَ هـل سَـيَـسْـري في غـياهـبهِ استـبارْ

هـو شـامـةٌ - سـبّـابـَـةٌ ، قـالـوا  تُـلَــوّحُ : أنْ حَـذارْ

حـتـى الـجـوابُ  بـدايــة ٌ حُـبْـلـى بـأسـئِـلَــةٍ غِـــزارْ

وتَـعَـرّجَ الـمَـسْعى ابـتـغـاءَ اللاوصـولِ كـمَـن يَـغـارْ

خوفـاً على حُلُمِ الوصول مِن الوصولِ مِن اصفـرارْ

أوراقِ سـدْرة ِ مُـنـتهـى  أشـواقـهِ  ومِـن احتـضـارْ

ذئـبِ الـبـراري حـيـن يـنأى ثـمّ  يـنـسى ما الـبَـرارْ

ضـيـقَ العـبارةِ تـشتـكي الـرؤيا  فهـل ذاك الجـدارْ

يـنـزاح ُ ؟ قـد  لكنَّ (قــدْ) وقـفـتْ كجُـرفٍ جـِدَّ هـارْ

وتَـقـوّسَ الـزمـنُ ـ الـمكانُ  إزاءَهـا  حـتى اسـتـدارْ

بـحـراً مِـن الـظـلُـمـاتِ  يُـبْـحـرُ في تَـلاطـمِـهِ  فـنـارْ

بـيـن الـريـاحِ  وأعـيُـن ِالـغـرقى  وسـابـعـةِ الـدوارْ

وعَـلا عـلى  قُـطـبَـيْ  مَـحـاورِهِ  الـمُعـفَّـرةِ انـتـظـارْ

أنْ يَغـطـسَ الـطـافي وتَـنـفـصلَ اللآلىءُ عـن مُحـارْ

ما كان إلّا أوّلَ  الـمـسرى  سـتـصعــدُ في الـمـسـارْ

وتُـغــيِّــرُ الـعــنْــقــاءُ  أجـنـحـةً  وأجـنـحـةً  كِـثــارْ

في بعـضِهـا طُـوبى البناء وبعـضِهـا حُـوبا الـدمـارْ

حـتى  يـقـولَ  اللّازَوَرْدُ :  اللازوردة ُ،  تـلـكَ  دارْ

كانتْ  هـنـاك ،  كَـحـبّـةً  مِن رمْـلِ  ذيـّـاكَ الـمـدارْ

كـمْ  جـارةٍ  بـمَجَـرّةٍ  يـا  لا زوردُ   لـهــا  وجــارْ

كمْ نـسـخـةٍ مـنّـا هـنالِك  في الـمـنـام لَـهـا ازديـارْ

ولَـنـا  طـيـوفٌ عـنـدهـا  ولَـربّـمـا  نُـسِخَ الـنهــارْ

أأنا  أنا  الـثـاني  يُـبـادلـني  - ولا نـدري - الحـوارْ

أمْ أنّ  نحنُ الـفـردَ  أجـمعَ  وحـدَهُ  جـمْـعُ  انـتـثـارْ

أمـلٌ  كَـواحـاتٍ  تَـ  نـا ثـ ــرَ في مَجَـرّات ــ قِــفــارْ

وصدى ارتهـاصاتٍ مِن الـسُـدُمِ الـقَـصِيـّةِ بـافـتـرارْ

شـفـةِ الـبـروقِ  اللـؤلـؤيّـةِ عـن زغـاريـدِ انـحـسارْ

ماءِ  الـدَيـامـيـس الـبـهــيـمِ الـمُـدْلَـهِــمِّ  كأنّ  قــارْ

يَـنْـجـابُ عـن  دربٍ  حـلـيـبـيٍّ  تَـألّــقَ  كـالـسـوارْ

بـيـدِ الـمشـيـئـةِ هـا هـنا  تَـبـدو وحـيـداً  لا غِـرارْ

يا لا غِــرارَ عـلى  غِـرارِكَ  بـذرةٌ  ثُــمَّ  ازهِــرارْ

كالمُبـدعِ المخلـوقِ مِن نُـطَـفٍ تَـخَـيّـرَهـا اخـتـيـارْ

حـتّى  تَـسـامى  إذ  تَـعـالى  كي  تُـقـلّـدَهُ  الـذَرارْ

ما مِـن رجـوعٍ عـن سـبـيـلٍ لاحَ  أوحَـدَ  لا خـيـارْ

كـتـقـابـلِ الأزلـيـنِ  فـي  لَـعِـبٍ  بـأقــدارٍ  قـِـمــارْ

الـنـردُ مـفـتـاحُ الغـيـوبِ  إذا  تَـقَـلّـبَ  واسـتـعـارْ

لـغــةً  مُـشَـفَّــرَةً  مُـعــبَّــأةً  مُـلــثــَّـمَـةَ  الـجـِـرارْ

أيّـانَ  كـيـفَ  بـأيّ أرضٍ  لا مُجـيـبَ  وأيِّ غــارْ

إنَّ الخـريـطـةَ  لا  تُـشيـرُ سـوى إلى أنَّ  الغـبـارْ

في جوفِ أصغـرَ جَرّةٍ  وحَذارِ مِن كَسْـرِ الـفـخارْ

منذُ الشروعِ إلى القـلوعِ ومِن إلى خوضِ الغـمارْ

الـسنـدبـادُ هـوَ الـمسافـةُ  والـنِداءُ  إلى الـسِـفـارْ

والسُلَّـمُ الحَلَـزونُ يَـصعـدُ (لا نُـزولَ) هـوَ الشعـارْ

زمَكانُـهُ أنْ تـستـديـرَ الـقـوسُ حـتى  سوف صارْ

مِن شهـرزادَ  شـقـائـقٌ  حُسْـنى وشُمِّعَ  شهْـرَيـارْ

في مُـتْحـفٍ بـبَـناتِ نَعْـشٍ وهْـوَ مُـصْغٍ  في  وقـارْ

مَـولايَ قـالتْ شهـرزادُ : الـسنـدبادُ هُـوَ اخـتـصارْ

أبَـدٍ  مِـن  الأكـوانِ  ،  أبـعــادٍ  مُـرَكّـبَـةٍ  ،   أوارْ

شـمْـسٍ وراءَ  الأرخبـيلِ ، الـسنـدبـادُ هُـوَ انجـرارْ

الـتـرجـمـانِ  وراءَ  أشـواقِ الـسريـرةِ ،  واخـتـبـارْ

مـلـيـارِ سـلـسـلـةٍ  وسلـسـلـةٍ لِـيـكـتـشـفَ الـنـضــارْ

بَعْـدَ اسـتباقِ الـوقـتِ نـزهـتُـهُ عـلى (كُـنْ يـا اقـتـدارْ)

فـيكونُ :  قـد زارَ الـتي  لـيـسَـتْ هـنالك كي  تُـزارْ

نَصبـوا وما زالـوا الأراجـيحَ  الـعـمـالـِقـةُ الـصغــارْ

مِن فـوقِ هُـوَّتـِهـا هـنـاكَ ـ ـ  يُـلاعـبـون  الأنـتحـارْ

لـن يَـكـبـروا  إلّا إذا  صدَعَـتْ  بأنْ : كـونـوا كـبـارْ

في وردةِ  الـمَـلَـكـوتِ أنتَ هـنـا  سـريـرُكَ والـدثـارْ

مِـن غـيـمـةِ الـرؤيا ،  يُـكَوثـرُك  ادّثـارُكَ  بالـبُخـارْ

سـيّـانِ  تَـغـرقُ أو نَـجَـوْتَ  الآنَ  حُـرّاً  فـي إسـارْ

ريـشِ انـطـلاقـكَ منكَ فـيكَ إليْـكَ  يا سَحَـرَ الهَـزارْ

سَحَـرٌ إلى  فـجْـرٍ إلى  صـبْـحٍ  إلى مـا شـاءَ  طـارْ

كَـمْ  خُـنَّـسٍ  يا مـا  لَـعِــبْـنَ  وكُـنّـسٍ مَعَـهُ  جَـوارْ

خـلْـفَ  الـدَراري وهْـوَ يَـركـضُ  يا دَراري  يا  دَرارْ

مِن وحـشةٍ أمْ  فـاض فـيـضاً لا احـتـياجَ ولا اقـتـِسارْ ؟

خـلْـقُ الـمـصادفـةِ الـسعـيـدةِ  بـيـن عـابـرةٍ    ومــارْ

هِـيَ  قـصّـة ٌ أنـتَ اخـتَـلَـقْـتَ وأنتَ  بـائـعُـهـا  وشـارْ

جـنّـيـتـي عُـريـانـةٌ عـنّـي  ، أنـا  الـشـبَـح  ــ  الأزارْ

هـاكِ  الْـبَـسي وتَـلَـبَّـسي يا جَـنُّ بـي  نحـن افـتـقــارْ

هـذا الجـنـاحِ  لِـذا الجـنـاحِ : الـطـائـرُ الآتي  انـصهـارْ

وَعْـيَـيْـنِ في وعْـي ٍ بـبـوتــقــةِ الـمـصـائــرِ  يـا ثـمـارْ

كـوني أجَـلَّ  غــداً  وأجـمـلَ  مِـن  مُـخـيّــلَــةِ  الـبَـذارْ

أنـأى وأقـربَ مِـن  خـفــاءٍ  فـي الـمـآلِ  ومِـن  جهـارْ

في آيـةِ  الـتـلـويـنِ غـيـمـةَ لا انـقـشـاعَ  ولا انهـمـارْ

فـتـألّـهـي كي  تَـنْـتـهـي  فـي  صـرّةِ  الـعَــدَمِ  ادّخـارْ

يـا مـاءَ  يـاقـوتِ  الـسـمـاءِ ، ومـا وراءَ  الأحـمـرارْ

نـامي  هـنـاك  ،  تَـريْ رؤى الله ِ الـتي  قَـيْـدَ ابـتـكـارْ

مـثـلاً  زمـرّدُةَ الـحـقـيـقـةِ لـمْ  يُـخـالـطـْـهـا اخـضــرارْ

مَـثـلاً حـنـيـنَـك - غـيـرَ مُـضـطــر ٍ- إلى أيِّ اضـطـرارْ

فـتَـشـاجـري  مِـن أجـل أنْ تَـتَـشـاجـري ـ واللاشِـجـارْ

يـا  كـلَّ  ذبـذبــةٍ ،  و حـقْــلٍ ، وابـتـنــاءٍ ،  وانـهـيـارْ

في  كـلِّ  وعْـيٍ ،  كُـلِّ عـقــلٍ  مِـن  حـيــاةٍ  وانـدثــارْ

إنّ الـخـيـالَ  لَـدَهْـرُكِ الأبْهـى  فَـسـيـحي  في إنـدهـارْ

غـيْب ِالغـيـوبِ وأنتِ في غـيْبِ الغـيـوبِ شذى انتـشارْ

ضوءِ الـتَـجـلّي مـنـكِ فـيـكِ فـحـيـثُـمـا  تَـسْريـنَ  سـارْ

شـتّـى عـقـاقـيـرُ الـسـمـاءِ  ولـيـسَ فـيـهـا مِن عُــقــارْ

يـجـلـوكِ في رَأدِ الـضحى  وجهـاً  ويـكـفــرُ بـالـخِـمـارْ

أنتِ الـتـبـاسُ  الألـتـبـاسِ  وقـد  تّـلَــبَّــسَّ  كـلَّ   كــارْ

يا مَـنْ مـقـامُـكِ فـي الـمُحاقِ وحالُ شَهْــرِك في اقـتـمارْ

***

جمال مصطفى

 

 

طارق الحلفيولأنني مستسلمٌ لِهواكِ

انحازُ فجراً للندى

عشبٌ يطرزُ مقلتي

لأراكِ

*

ولأنني وحدي وفيكِ هواجسي

منفايَ صَدُّكِ

والدنوّ رضاكِ

*

ولأنني احتاجُ ذكركِ دائماً

فليَ القصائدُ حارساً

ورَواؤها لِصَداكِ

*

ولأنني اَصغي لِنبضِ حبورنا

سَرجُ الليالي

والصهيلُ نِداكِ

*

ولأنني كنتُ انتظرتُكِ طائعاً

طردَ النعاسُ دروبَهُ

فلعلَهُ القاكِ

*

ولأنني كنتُ انتظرتكِ واهِماً

صفوُ الصدى

لم يَرتجعْ الاكِ

*

ولانني احتاجُ اركضُ في المدى

خضراءَ تنمو بِالخضابِ

خُطاكِ

*

ولأنني احتاجُ بوحُ غياهبي

فليَّ الاصائل نَرجِساً

وقصائدي بِرعاكِ

 *

ولأنني فيضُ سأبذرُ غيمتي

متزنّراً زلزالَ قلبي

والحصادُ رؤاكِ

*

ولأنني شفقٌ وانتِ وميضهُ

هتفَ الوجودُ لِوَجدِنا

متلألئاً بِسَماكِ

**

ولأنني اُطريكِ قوساً سِحرهُ

قزحٌ يُلونُ شهقتي

بهواك

*

ولأنني اُهريقُ قلبي خمرةً

اسعى لِأسهرَ في فضاءِ

مداكِ

*

ولأنني تاجٌ وانتِ جواهري

بَذخاً اُرمِّمُ مهجتي

لِرضاكِ

*

ولأنني احرقتُ كلَّ سفائني

قدري اليكِ ولائِذاً

بِحماكِ

*

ولأنني ذَكرُ الحَمامِ وانتِ لي

اُنثاهُ جمراً والهديلُ

 سناكِ

*

ولأنني اَتأملُ الصبحَ الجميلَ جميلتي

اتذكرُ القبلَ التي

بَهرتْ مساءَ وسادتي بِشذاكِ

*

ولأنني الزهرُ الذي باركتِهِ

يأتي رَخيماً مِثلُ نَفحَةِ عاشقٍ

حتّى يضمخَ بالأريجِ مَساكِ

*

طارق الحلفي

....................

النص الفائز بالمركز الثالث من جائزة النور السابعة للإبداع / محور شعر التفعيلة

 

يحيى السماوي"مقاطع من قصيدة طويلة"

يـومـي وأمـسـي فـي الـهـوى خـصـمـانِ

أأنـا الـقــتـيــلُ؟ أم الـظــلــومُ الـجــانـي؟

 

يــتــقـاتـلُ الــضِّـدّانِ تــحـتَ أضــالـعـي:

نــورُ الإلـــهِ وظُــلـــمـــةُ  الإنـــســــانِ 

 

وكـلاهـمـا رغـم انــتـصــارهــمـا عـلـى

بُـقــيــا غـدي الـمـأســورِ  مُــنـهَــزمـانِ

 

فـأنــا عـدوّي فـي الـطِّـعـانِ ونـاصـري

وأنــا وقــودي والــلـــظــى ودُخــانــي

 

عـجـبـاً عـلى غـصـني يُـحـاربُ جـذرَهُ

وتــخـافُ مــن أهــدابـهـــا أجــفــانــي

 

زادي قــلـيــلٌ والـطــريـقُ طــويــلــةٌ

ويــدايَ راسِـــفـــتـانِ .. والــســاقــانِ

 

أســمـاحـةَ الـشــيـطـانِ لـو عـلَّـمـتـنـي

مـكْـرَ الـخـؤونِ  ســمـاحـةَ الـشـيـطانِ

 

حـاولــتُ أكـفــرُ بـالـعــراقِ وأهــلِـــهِ

فـاعـتـابـنـي شــرفـي وشُــلَّ لِــسـانـي

 

وأرَدتُ تــجــربـةَ الـخــيــانــةِ  مـــرَّةً

فــتـحَـجَّـرَتْ مُــقــلـي وهُـــزِّ كــيـانـي

 

وارْتَـبْـتُ مـن نـفـسـي وكـاد يــفــرُّ مـن

صـدري فــؤادي واســتـحـى قــرآنـي

 

غـنَّـيـتُ والـنـيـرانُ تـشـربُ مـن دمـي

وأنـــا أســـيـــرُ الــرعــبِ والأحــزانِ

 

لـيْ طـبـعُ بـاديـةِ الـســمـاوةِ رمــلُـهــا

لـمْ يــشــكُ جـمـرَ الـقـيـظِ لـلــغــدرانِ

 

 أمـســكـتُ عـن زادِ الــمَـراءةِ نـابــذاً (1)

إلآ الــمَــروءةَ فـي صـحـونِ خِـوانـي

 

كفـرتْ بـغـيـرِ ندى الـفـراتِ فـراشـتي

وأبـى ســـوى أمــواجــهِ بــســـتــانـي

***

يـــومــي بــهِ لـــيـــلانِ مُـــتَّــصِــلانِ

أمّــا صــبــاحــاتـي فــبـعــضُ ثـــوانِ

 

يـشـكـو زمـانـي لـلـمـكـان ويــشـتـكـي

زمـنـي الـمـؤرَّقُ مـن  جـفـاءِ مـكـانـي

 

قِـدِّيــســةَ الـشَّـهَـواتِ آيـةُ عِــشــقِـنـا

أنّـا بـِـعَــرفِ الـعـشــقِ مـجـنـونــانِ

 

ما أنـتِ يـا أنـثى الـخـيالِ؟ ومـا أنـا؟

جـنٌّ وأنـسٌ .. كــيــفَ يــجــتـمـعــانِ؟

 

نـلـهـو كـمـا زُغــبُ الـقــطـا لـكــنـنـا

حـيـن اقــتـحـامِ ريـاضـنــا صــقــرانِ

 

إنـي عـثـرتُ عـلـيَّ فــيــكِ فـحـاذري

أنْ تـخـبـري الـعـذّالَ عـن عــنـوانـي

 

مـنـذ الـتـقـيـنـا والـسـحـابـةُ مـنـزلـي

والـمُـقـمـراتُ جـمـيـعـهـا جـيـرانـي

 

والـعـاشـقـون جـمـيـعـهـم أهـلي بهم

عَـضُـدي يُـشَـدُّ ويـزدهـي بـنـيـانـي

 

ما الـضـرُّ من قول السـفـيـهِ وزعـمِـهِ

أنّ الــفــراشـــةَ والــنـدى خـصــمـانِ؟

 

كـم ســبَّـنـي مَـنْ لا يُـسـاوي رأسُـــهُ

نـعـلـي وأشـذى من شـذاهُ "سِــيـاني" (2)

 

فـعـفـوتُ لا عـفـوَ الـحـلـيـمِ وإنــمــا

شَـرَفـاً لِـنـعـلـي مـن جـبـيـنِ جَـبـانِ

 

ولـربَّـمـا سـامـحـتُ  فــاقِـئَ مُــقــلـتـي

إنْ كــان ذا أصـلٍ  رفــيــعِ الـــشــانِ

 

حـسـبـي ربـيـبُ الـطـيـبـيـنَ تـوارثـوا

مَــجــداً فـكـانـوا الــتـاجَ لـلــتـيــجــانِ

 

ولــربــمـا سَــبَّ الـصـقـورَ أُرَيْــنـِـبٌ

واعــتـابَ قـردُ الـغـابِ عـزفَ كـمـانِ

 

قـفــزَ الـســفــيــهُ فـلـم يُـجـاوزْ رأسُـــهُ

شِـسـعـي فكـيـف إذا ركـبـتُ حِـصانـي؟

 

مُــتــشــابـهــانِ إذا تَــبَــسَّــمَ وجــهُـــهُ

وقِـــفــاهُ فـهــو بــشــخــصِــهِ إثـــنــانِ

 

لـو كـان قـد خَـبَـرَ الــنــزالَ عَــذرتُــهُ

عُــذرَ الـخـلــيــلِ يُــســاءُ مـن خِــلاَنِ

 

يـا صــاحِــبَـيَّ وهــل يُــلامُ مُــخــنَّــثٌ

فـي غـمـزهِ مـن نـخـوةِ الــشــجــعــانِ؟

 

لا تـســألِ الـمــنــبــوذَ خُــبــزَ مــروءةٍ

ومـن الـجـبـانِ شــمــائِـلَ الــفــرســانِ

 

إنْ كـان يــنــقــصـنـي الـكـمـالُ فــإنـهُ

فـرطَ  الــخــطــايـا كـامـلُ الـنـقـصــانِ 

 

قـطـعـاً لِـكـفّـي لـو تُــصـافــحُ فـاسِــقــاً

وعِــمـىً إذا تــاقــتْ لــهُ الــعـــيــنــانِ

***

أسـمـاحـةَ الـشـيـطانِ شـكوى حـنـظـلٍ

يــشــكــو إلـــيــكَ مَـــرارةَ الإيــمــانِ

 

أسـمـاحةَ الـشـيـطانِ واخـتـلـطَ الـصـدى

مـــا بـــيـــنَ  صــوتِ ربــابــةٍ وأذانِ

 

الـقـائــمـون الـى الـصـلاةِ جـبـاهُـهُــمْ

كـالــقــائــمـيــن الى  كـهـوفِ غــوانِ

 

أســمـاحـةَ الـشــيــطـانِ تـدري أنــنـي

ضِــــدٌّ .. .. وأدري أنِــــنـــا  نِــــدّانِ

 

مـا لــ" ابـن آدمَ  " يــتَّــقــيـكَ لــسـانُــهُ

أمّــا  الــفِــعــالُ فــأنــتـمــا  صــنــوانِ

***

جُـرحـا  قـرنـفُـلــتــيــنِ؟ أمْ شَـــفـــتــانِ؟

أمْ لــلــهـــديــلِ ولــلـــشــــذا نـــهـــرانِ؟

 

صـلّـى صـلاةَ  الـلــثــمِ  بـيـنـهـمـا فـمـي

فـهــمــا بِـديــنِ الــعــشــقِ مــحــرابــانِ

 

ألـفــيــتُــنـي ســبــعـاً أفــيــضُ تــبَــتُّــلاً

مُــسْــتـغــفِـراً مـا مَـرَّ مـن عـصــيــانـي

 

أخـطـأتُ يـومــاً فـاقــتــرفـتُ وزلَّ بــيْ

شَــبَــقٌ فــأخـزى نـشــوتـي ســلــوانــي

 

هـيَ جَـنَّـةٌ أرضــيَّــةٌ ... قـد أعــجَــزَتْ

فـي وصـفِـهــا شــفــتـي وبَـوحَ بَــيــانـي

 

فـيـهـا الـجـواري مُـقــلــتـانِ ومِــبــسَــمٌ

والـنـاهـدانِ وخـصــرُهــا غــلــمــانــي

 

نَـفَـخَـتْ رمــادَ الأمـسِ مـنـي فـانـبــرى

شَــجَــراً وريــقــاً مُــثــقَــلَ الأغـصــانِ

 

ســبـعـونَ لــكــنْ : لا أزالُ طــفــولـــةً

وصِــبــاً ونــهــراً مـن نــمــيـــرِ حَـنـانِ

 

أنـثـى كـمـا يـرجـو الـخـيـالُ وتـشــتـهـي

عَــيــنٌ وتــحـلــمُ بــالــربـــيــعِ مَــغــانِ

 

لـيـكـادُ يـتـبـعـهـا الـرصـيـفُ إذا مَـشــتْ

تـــنـســـابُ فــوقَ الــدربِ نــهــرَ أغــانِ

 

جـازتْ بـيَ الـسـبـعَ الـطِّـبـاقَ ولم أكــنْ

جـاوزتُ قــبـلَ  " بُــراقِـهــا " وديـانـي 

 

فـإنِ اصـطـبــحـتُ فـإنـهـا الـشــمـســانِ

وإنِ اغــتــبَــقـــتُ فــإنـهــا الــقَــمَـــرانِ

 

عــذراءُ مـا افــتــضَّ الـغــرامُ فــؤادَهــا

قــبــلـي ولا غُــوِيَــتْ بـِـعِــقــدِ جُــمــانِ

 

ورِثَــتْ عـن الأمِّ الــعـــفــافَ وعـن أبٍ

تــقــوىً .. وخُــبــزَ الــكـدحِ عـن أخـوانِ

 

تـأبـى ســواهــا لــو شــدوتُ ربــابــتــي

عـزفــاً  وغــيــرَ حـقـولــهــا  غــزلانــي 

 

جـابـتْ بـيَ الــســبــعَ الطـبـاقَ من الـمـنـى

فــإذا الـقــصــيُّ مـن الــقــطــوفِ الــدانـي

 

تـرفــو بـحـكـمــتِـهــا فــتــوقَ حــمـاقــتــي

وتـــصــوغُ عِـــقـــدَ بَـــلاغــةٍ هَـــذيــانــي

 

هـيَ أوَّلٌ فـي الــعــاشــــقــيــنَ وفــاؤهـــا

وأنـــا  ـ إذا ذُكِـــرَ الـــوفـــاءُ ـ الـــثــانــي

 

يحيى السماوي

...................

(1) المراءة : المخادعة ... المروءة : منتهى مكارم الأخلاق ... والخِوان : هو المائدة إذا كان عليها طعام .

(2) السيان : في اللهجة الشعبية العراقية الجنوبية : الماء الآسن . 

 

مصطفى الخليلالضلالة؛

أن تبتلع شفرة الفتور لتمزيقك

وصولاً إلى القلب

ولن تجازف برشفة ماء ...

أنت الخاسر ؛

منذ أن دسوا حروبهم في سندويشة طفولتك

منذ أن لبست خوذة التراب مرغماً...

وأعلنت للشمس عن فائض حاجتها

والجراد يقرض حرثك

ماذا تنتظر ؟!

اتل، خطاب الوداع لديدان نحولك

وتبختر لقادم موتك..

ثم اصعد سنامه دون خطيئه

أكبر خطاياك ستكون امرأة تحتضنها

وجسداً اكثر نضارة

و أشد شبقاً... سترفل به

القديسون لا يبرحون السماء

إن نزلوا...سيطردون

على هذه البقعه من الارض

أحببتك مرة..؟

وقتها- لمست قلبك كان يرتجف مثل سنجاب هارب

على هذه البقعه من الارض

أحببتك للمرة الأخيرة،

وهي غارقة بالدماء

ولذتُ بك الى آخر المطاف

التيه، زمن ماقبل الفرعون

وحتى مابعده

لا أنبياء هنا...

***

مصطفى الخليل

منير لطفيحدّثنا أبقراط بن قحطان، قال:

ذات سوادِ ليلٍ غابر، وفي أكناف الخليج العامر؛ رقد ابنُ البنجال (سليم)، وغطّ في سُباتٍ عميق، فرأى فيما يرى الوسْنان، بأنه غدا (شهريار)، يعْتمّ بالشماغ والعقال، ويتزيّا بالطيلسان والصولجان، بل ويطوف بالمرسيدس باريس، ويلتهم الكافيار في أمستردام؛ بعدما غرقَت بنجالُه في النفط والغاز، وفاض فيها الجُمان والماس، ونعمَ الناس بالعيش الرغْد، ورفلَوا في ثوب السعْد!

ولمّا أقبل الفجر ولاح، وكزه رفيقُه فاستفاق. ليهوي من علِ السكْرة، إلى أدنى قاعِ الفكْرة. وبقلبٍ كَسير وجناحٍ مَهيض؛ هجَر الوِساد وبَرِح المهاد، وأَوْدع حلمَه النسيان، بعدما طواه طيّ السجل للكِتاب. ثمّ ازدرد فطوره الفخْم، جرعة ماء وحفنة تمْر! وعصَب رأسَه واحْتزَم، وبأسماله ائْتزَر، وفي أرجاء المزرعة انطلق. يهرَع كفأر مذعور، يلاحقه قطٌّ موتور. فيجزّ الحشيش ويروي النخيل، ويحلب البقَر ويسوم الغنَم. وخلفه يعدو جرْو صغير، في اللون أسود غربيب، وفي الحركة أهْيج من عفريت. يَنبح كحاطب ليْل، ويسيل لعابُه كالسيْل.

يقول الرواي: وفي غفلةٍ نهشه الكلبُ وأَبق، وأَدمى له الأَدَم والعضَل؛ فرفع صوتَه بالعويل، حتى تفصّد بالعرق الجبين، وانقطع منه حبلُ الوتين، ومال الجِيدُ إلى اليمين. وعلى عجَل تداعى القوْم، ليتداولوا بينهم الأمْر؛ فحضر القَضُّ من البنجال والباكستان، والقَضيضُ من الهنود والنيبال؛ حتى تَعاظم الجمْع من الشّغِّيلة، وودُّوا لو حضرَت (البي بي سي) و(الجزيرة). فحكى سليمُ ما تمّ، بعقيرةٍ مغموسة في الغمّ، وعيونٍ غارقة في الدمْع، وعقَّب بأنّه كالطريد، وفي المزرعة كالسجين؛ فشمّر كلٌّ عن ذيله، وأدْلى بخيْر دلوه؛ بين قائلٍ: لا ضيْر، فالجرْو فتى غَرير، وقائلٍ: لا خوْف، فالجرْح قريب الغوْر، وقائلٍ: البدار البدار، فالسمّ يسري في النخاع، وقائلٍ: خذوا حذركم وانفروا في ثُبات، فتدقيق الهويّات على قدمٍ وساق. وبعد أن لجب الجمْع، وحانَت ساعة الحزْم، أزمعوا بالمريض السيْر، مستترين بغبشة الليْل، ولْيفعل الله ما يشاء، بعبده اللائذ المُلتاع.

وبعد أن قادوه كالضّرير، أوقفوه بحضرة الطبيب؛ الذي تلقَّاه بالارتياح، ومحا من قلبه الارتياع، ومازحه كابن العمّ والخال، إذْ تبيّن أنه (إقبال)، من الجارة باكستان، والذي أمر من فوره بتطهير الجراح، وحقْنه في غمضة عيْنٍ باللقاح، وواعدَه مثلها ثلاثا مفترِقات، لا مجتمِعات، ثمّ منحَه مِن النقديْن، ما لا ذهَب فيه ولا لُجيْن، بعدما رآه أنْحل مِن قلَم وأفْقر من عوَز. فانصرف القومُ فرِحِين، وآبوا غانمِين سالمِين؛ بل زاد الفرحُ أضعافا مضاعفة، حين لمحوا الجرْو صريعا قبالة المزرعة، فحمدوا الله ثلاثا وثلاثين، ومِثلها في التكبير والتهليل، إذ نجّى الله الشِّبل (سليم)، مِن مخلب داءٍ مُميت!

يقول أبقراط: وداء الكَلَب داءٌ وبيل، يَفنَى فيه البدنُ ويَبيد، بعدما ينتقل مِن حيوانٍ إلى إنسان، إثر عضّة كلْبٍ أو هرٍّ أو حتى خفّاش. وفيه يلتهب الدماغ، ويحلّ بداره السّعار، بعدما يمسّه الفيروس، بمسٍّ من جنون. كما يُرهَب الماءُ كالموْت، ويَعسُر النفَسُ والبلْع. أمّا الدواء والعلاج ، فليس سوى الوقاية والاجتناب، على نهْج بناء السدود تحسُّبا للطوفان، وملْء الكنائن قبل الرِّماء. وصدقَت العرَب إذْ أخبرَت: " درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج".

 

بقلم: د. منير لطفي - طبيب وكاتب

 

صحيفة المثقفخرجت تصرخ ولا تلوي على شيء. تكلم نفسها ولا تبالي بلحافها الذي سقط عن جسدها. تقول كلاما غير مفهوم ولا تسمع منه سوى "قتلني. ولد الحرام. ولد الحرام" واستمرت في المشي بين الأزقة والدروب الملتوية والصغيرة كأنها تبحث عن شيء ضاع منها. وتعيد تصرخ وتولول «ولد الحرام. قتلني.قتلني."

ولجت بيتها بعد جهد جهيد. التفت حولها جاراتها بعيون تطرح ألف سؤال وترغبن في معرفة ماذا حصل لها. وهي السيدة التي تلازم بيتها ولا تغادره سوى لتلبية طلبات أطفالها الصغار. مات زوجها بعد صراع مع المرض وقصر اليد. تركها وحيدة مع ثلاثة أطفال.

سألتها احدى جاراتها وصديقاتها المقربات كثيرا اليها،" مالك اختي فاطمة؟ " ظلت تأخذ أذرع الغرفة ذهابا وإيابا وتولول وتشتم وتسب وتقول "ولد الحرام." وتقترب منها جارتها رقية بكل عطف، تريد أن تفهم ما تعانيه. فتصرخ كطفل جائع" ولد الحرام سي الطيب اختي رقية. والله حتى ولد الحرام".

لم تفهم شيئا. حاولت تهدئتها حتى تساعدها وتهدئ من هيجانها. كانت كالثور الهائج تصول وتجول.

اقتربت منها بكل ود وهمست لها "ماذا وقع يا فاطمة؟" وأضافت «ما به سي الطيب؟".

وأخيرا جلست وكل مفاصلها ترتعش وقالت بصوت يحمل نبرة الحكرة والظلم" ماذا تعرفين عني يا اختي رقية. قولي لي الصراحة؟" انزعجت جارتها وكأنها في استنطاق. أجابت وهي خائفة "انت صاحبتي وجارتي وحبيبتي وأنت سيدة محترمة." واستمرت فاطمة، تولول وتشتم وتضرب رأسها بيديها كأنها ارتكبت جرما. وأضافت «هذا الصباح، ذهبت عند سي الطيب أشتري من عنده العشوب." ثم رفعت رأسها وتأملت كثيرا في وجه جارتها رقية وقذفتها بسؤال دون سابق انذار "ماذا تعرفين عن سي الطيب؟".

ترددت وقالت "رجل طيب وكل سكان الدرب يحترمونه ولا يبرح المسجد أبدا." وأعادت جارتها رقية وقالت "والآن قولي ماذا وقع؟" لم يسعفها فمها ولم تستطع أن تحكي. صورة سي الطيب تهاجمها وتضغط على أنفاسها وترتفع نبضات قلبها كأنها ارتكبت جريمة بشعة. منذ مدة، وهو يحاول التقرب منها واستلطافها وكانت هي صارمة في معاملتها. تأخذ ما تحتاج اليه من مواد غذائية وتعود الى بيتها لترعى أطفالها. فكرت مرارا أن تتجه صوب تاجر آخر، لكن قصر اليد كبلت كل قراراتها وكانت أحيانا تنزوي في ركن من البيت منهارة مستسلمة. لأنه هو الوحيد الذي يسمح لها أن تأخذ ما تريده من حاجيات وطلبات دون ان تضطر أن تدفع في تلك اللحظة. كان يقول لها دائما" لا تفكري في الدفع الآن. خذي كل ما تحتاجينه. لقد ساعدني زوجك كثيرا." لم يعد لها حياة بعد وفاة زوجها. عالمها صغير، يقتصر على البيت والسوق. حتى جارتها المقربة اليها هي التي تزورها.

تركتها جالسة وذهبت الى الغرفة المجاورة لصالة الجلوس حيث يوجد الحمام، وأخذت تنزع عنها كل ثيابها وتغتسل بشكل جنوني. ظنت جارتها رقية أنها جنت. مضت ساعة وهي تغتسل، لم تفهم رقية ما يجري ولم تفهم كلامها السريع والمتضارب الذي تقوله. انتظرت كمن ينتظر نتيجة الامتحان. جاءت فاطمة وهي غير طبيعية. ليست كعادتها ترحب وتحكي وتطلب من جارتها أن تكون متسامحة مع الجميع. لأن وفاة زوجها جعلها تخلو الى نفسها وتهرب من الآخرين ولا تحاسب أحدا. جلست ترتعش وتولول. "ولد الحرام" صرخت رقية لأن صبرها نفذ وقالت لها "ماذا بك؟ إنك تكلمين نفسك؟" وقفت رقية وعزمت على مغادرة البيت وقالت لها بحدة" سأذهب إذا لم تحك لي ".

نظرات في الفراغ. حركات بيديها ورأسها غير مفهومة. دب الخوف في نفس رقية ولما عزمت على الذهاب. سمعتها تحكي وتقول" مشيت عند سي الطيب أشتري العشوب. قال لي، انتظري، سأعطيك أحسن ما لدي. كان يشرب الشاي. ذهب وتأخر قليلا ثم عاد حاملا كأس شاي آخر، طالبا مني أن أشاركه في تذوق طعم الشاي الذي يصنعه بيده. وقال لي اننا أهل ولابد أن نشترك في الأكل والشرب. رفضت." والتفتت الى رقية وقالت لها " انت تعرفينني جيدا.  لكنه حكم عقله وحلف بأغلظ الايمان حتى أشرب. وأنا أمام حلفانه لم أستطع أن أرفض. وشربت." رقية تستمع وتتلهف على النهاية. صمتت فاطمة. كأن رقية غير موجودة. قامت فجأة وذهبت تستنجد بالماء تصب على جسدها وتفركه بقوة حتى كادت أن تنزع الجلد عن العظم. لولا تدخل جارتها بقوة وأمرتها أن تكف عن هذا السلوك الغريب قائلة "ماذا بك؟ لماذا تغتسلين بكل هذا العنف؟" لم تهتم فاطمة لكلامها. ظلت صامتة وجلست من جديد. وقالت لها رقية " ماذا وقع فيما بعد؟" تابعت وهي في عالم أخر " لما شربت الشاي. كأنني سافرت. استيقظت من سفري وكأس الشاي الى جانبي وجسدي ممد على الأرض. ثيابي مبعثرة وشعري بدون غطاء..." وهنا وقفت كجندي تلقى أوامرا.  بدأت تلعن وطارت الى الحمام تستنجد بالماء كأنها تحتمي به من شيء. وأخذت تصب بكل قوتها وتلعن وتصرخ. قامت رقية وخرجت تحكي لجاراتها وتقول لهن بأن فاطمة أصابها جنون الماء ولا تبرح الحمام.

استحالت حياة "فاطمة" الى فوضى وضجيج. من امرأة لا تغادر بيتها ولا يدخله الا القلة، الى تائهة على وجه الأرض. تكره الولوج الى بيتها. سلقتها ألسنة الناس، لا يعرف فمها كلاما آخر سوى "ولد الحرام." حتى لقبها الجيران وحتى الاهل "امرأة ولد الحرام". تخرج من بيتها نهارا ولا تعود اليه الا عندما تنام المدينة ويختفي المارون من الشوارع كأنها تتحاشى نظاراتهم القاسية والسامة كوخز الابر. لم يسمع قصتها أحد ولم يصدقها أحد خصوصا انه "سي الطيب" الرجل التقي وصاحب الكلمة الطيبة.

 

أمينة شرادي - المغـــــــــــرب

 

جميل حسين الساعديقرّرتُ فراقـــــكِ مضطـــــرّا ً

                         وحلفـــت ُ بمعبــــودي سَبْعـــــا

أنْ أبعــــد َ عــنْ درْب ِ امرأة ٍ

                        تتحيّـــــن ُ لـدْغــــي كا لأفـــعـى

الحـــبُّ لديـــها مَنْفعـــــــــة ٌ

                    فهمتـــه ُ شـــــــــراء ً أوْ بَيْـــــــــعا

اليوم صحوتُ فلا أمــــــــــل ٌ

                   بغــــد ٍ قدْ ضقـت ُ بــــــــــه ِ ذّرْعـــا

أقمارُ سمــــاواتي خُســــفتْ

                       لــــمْ أبصـــرْ نــورا ً أو لمْعــــــا

الليل ُ تسلّل َ فـي غُـــــرفي

                            وشمـوعـــي مُطْفأة ٌ صَرْعى

أحلامــــــي أمســتْ ذابلــة ً

                       لا تُورق ُ قاحــــــلة َ المرْعــــــى

قلبي قدْ غصَّ بأوجـــــــاعي

                           ومزاميــــــري نَزَفَتْ دَمْعــــا

فارقت ُ الصبــر َ بلا أَســـف ٍ

                         إذْ طـــال َ ولمْ يجلــــبْ نَفْعـــــا

إغــــراؤك ِ سوف َ أعرّيـــه ِ

                             وسأدفَعـــــه عنّــــي دَفـــــْعا

ما كنت ُ غبيّــــا سيّــــــــدتي

                           لأمـــــوت َعلى شفتـــيْ أفْعـى

 956 جميل الساعدي

صورة الشاعر وهو يمسك برأس أفعى ضخمة ــ الزمان: منتصف التسعينيات من القرن المنصرم، المكان: جنوب الهند

 

جميل حسين الساعدي

 

عبد الله الفيفي«وتَعَاوَنُوا...» انْهَمَرَ الضِّيَاءُ، فأُبـْرِمَتْ

                              سُــوَرُ الإِلـٰـهِ، مَـدَائِـنـًـا تَـتَـحَــرَّرُ

«وتَعَاوَنُوا» .. فتَـهُبُّ في حَدَقِ الدُّجَى

                              خَـيْـلُ الرَّسُوْلِ، مُـخِـبَّـةً لا تُـقْـهَـرُ

إِنَّ الـحَـيَـاةَ مَــذَلَّــةٌ ومَـشَــحَّــــةٌ

                           لَوْلا الـمُـعِـزُّ الـمُـجْـزِلُ الـمُستَـنْصَرُ

وتَضَاحَكَ الغَـيْثُ الـجَوَادُ، مَوَاكِـبًـا

                              ومَـوَاهِـبًا، مِـلْءَ الـجَـدِيْـبَـةِ تُـبْـذَرُ

يَـنْـثَـالُ فـي أُفُــقِ البِـلَادِ غَمـامُـهَـا،

                             دِيَــمًا تَـرُوْحُ مَـعَ الكِـرَامِ وتُـبْـكِــرُ

نُـوْرٌ يَـشِـعُّ على القَصِـيِّ، ويَنْـثَـنِـي

                            فـي الأَقْـرَبِـيْنَ، وفَجْــرُهُ مُـتَـمَـطِّـرُ

* * *

ما النَّـاسُ إلَّا مُـؤْمِـنٌ، نَـذَرَ الـحَـيَـا

                              ةَ لِـشَعْـبِـهِ، أو كَـافِـرٌ، وسَـيُـكْـفَـرُ

والـمَـالُ مَـالُ اللهِ، مـا لا يُـرْتـَـجَـى

                             وَجْـهُ الذي يُـوْلـِـيْـهِ ، لا يُسْتَـثْـمَـرُ

* * *

يَسْتَـكْـثِـرُ الإِنْـسَانُ قَـرْضـًا فَـانِـيـًا،

                          وقُـرُوْضُ رَبِّكَ في الفَـرَادِسِ كَـوْثَــرُ

مـا ذَلَّ قَـوْمٌ فـي الحَـيَــاةِ تَـعَـاوَنُـوا،

                            أو زَلَّ قَـوْمٌ فـي الـمَمَـاتِ تَـفَكَّـرُوا!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

جميلة بلطي عطريقَدَمِي التي تعوّدتْ مُعاندَة الصّخْر

تَقفُ حيْرى

كيْفَ لها أنْ تركلَ ذاك المُتغطرسَ الجائر؟

كيْفَ تدوسُ عليه فلا يكتمُ أنفاسِي؟

وهيَ تُكابر العجز يهمسُ الشّوقُ فيها

أن افتحِي شرايينَك للشّمس ، للنّور

دَعيهما يضخّان فيكِ عطرَ الصّباح

وعبقَ المساء

قولِي للوجَع سأدحركَ أيّها المُمسك بتَلابِيبي

سأجتثُّ عُروقكَ مِنْ وريدي

لنْ أتركَه ساقية مِنْ خريرها

تَرْتَوي

اليومَ سأعلنُها حربًا عليكَ عليَّ

على الخُضوع السّاكنِ فيَّ

سأركبُ جَناح نورسِي

أحلّقُ في الفضاء القصِيّ

أعْلُو ...وأعْلُو..

أقبّلُ عينَ الشّمس

ألبسُ شالَ القمَر

أُعاقِرُ النّجومَ كؤوس السَّمر

أُدندِنُ معها أغنية ثَمْلَى

تردّدُ عشق الحياة

ترسمُ أحلامَ البشر

أنا العنقاءُ أُغالبُ الموتَ

أنتفضُ.. أُسقطُ ثوْبَ الكَدر

أصْلبُ عودي

أمتطِي صَهوة البعْث

تحْتَ قدميَّ تركعُ الآلام

فِي وجهي كلّ المَعابر تُفتح

والفألُ يسقينِي قهوته الزُّلال

مزيجُ ابتسامٍ وهطلُ مَطر

أنا بروميثيوس اللحظة

أحْضنُنِي مِنْ جديد

أمدُّ الخُطى بقلب مُريد

يا طيبَ اللّقيا بكَ يا أنا

كمْ أهواكَ أيّها المُتحدّي

تكْسرُ الصّعب تَزفّني إلى الفجر ..إليَّ

إلى يومي الباهر وَغدِي.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي - تونس