صحيفة المثقفمن عدسة بابي ارقب خطواتها المغناج، تسكن في الشقة المواجهة لي تماما، يفصلنا ممر بطول عشرة أمتار، كنت أميز عطرها من على بعد كبير حين تدلف من باب العمارة التي نقطن فيها بعد تجوالها اليومي مع كلبها، كنت استرق السمع لوقع خطواتها على السلم فأهرع بأتجاه عدسة الباب لاتأملها وهي تقطع الممر الفاصل بيننا متموجة بخطواتها التي طالما دكت قلبي دكا فتنتابني حالة من الدوار اللذيذ، كانت تعرف بفطنتها الأنثوية من اني اقف دائما عند عدسة الباب فترشقني بأبتسامة وهي تغلق خلفها باب شقتها .

كم هي ساحرة هذه المرأة وكم هي قادرة ان تسلب قلوب الرجال واستطرد مع نفسي، ترى اي نوع من الرجال قادر ان يكبح جماح هذه المرأة الشاهقة . ذات يوم فتح بابها فهرعت كعادتي بأتجاه عدسة الباب، كانت تقطع الممر الفاصل بيننا بخطى واثقة حافية القدمين وكأنها تتجه صوبي بينما كان كلبها يقف عند الباب ينظر إليها متمعنا واذا بها تطرق بابي، تيبست اطرافي في مكانها اشحت بعيني عن عدسة الباب بعد أن قطعت أنفاسي تماما، عاودت الطرق ثانية وبصوت خفيض قالت، اعرف من انك تقف خلف الباب لقد جئت لادعوك لشرب القهوة معي لقد أعددتها للتو، انا بأنتظارك ثم عادت إدراجها .

صعقت وانا اعيد وقع كلماتها في أذني ثانية وبسرعة فائقة ارتديت اجمل ثيابي، انطلقت نحوها مرتعش الاوصال لأجدها واقفة عند الباب بأنتظاري .

تفضل بالدخول وأشارت لي بالجلوس على كنبة وثيرة بنية اللون كلون كلبها تماما، استأذنت بالذهاب لإحضار القهوة بينما بقي كلبها يجلس أمامي يرمقني بنظرات تحد لم أستطع تفسيرها، بعد برهة قصيرة عادت تحمل أقداح القهوة ناولتني أحدها لتأخذ هي الآخر بعد أن جلست بجواري، كانت قريبة جدا من حتى اني كنت اسمع أنفاسها صعودا ونزولا، كان يبدو عليها الارتباك وهذا ما اشاع الفرح بداخلي من انها لا محال قد وقعت في شباكي، أوشكت على شرب قهوتي لكني بدأت احس بثقل رأسي حتى ان اكتافي بدت عاجزة على حمله ثم بدأ الخدر يدب في اطرافي حتى عدت غير قادرا على تحريك اي طرف منها لكني جاهدا أبقيت عيني مفتوحتين لأرى ما عساه أن يحدث لي وبأبتسامة ماكرة أومأت لكلبها برأسها فركض هذا بأتجاه مكان ما ليعود جارا ورائه حبلا قابضا عليه بأنيابه، تناولته وبدأت توثق يدي ثم رجلي وانا أشاهد كل هذا عاجزا عن فعل اي شيئ، انتهت من تكبيلي بأحكام ثم أومأت لكلبها من جديد ليركض هذا بأتجاه المطبخ هذه المرة عائدا بعد قليل قابضا بأنيابه على سكين ذات نصل طويل تناولته حسنائي وبصوت مرتجف قالت خذ هذا يا جميلي واذا بطعنة في بطني، عاليا صرخت لكن صوتي ظل حبيسا في فمي، صرخت ثانية لكن صوتي لم يتحرر أبدا، استمرت في شق بطني واخذت بتقطيع أعضائي رامية اياهم لكلبها الذي انهمك بأكلهم بلذة فائقة وهو ينظر لي منتشيا بما تفعله سيدته .

كنت ارقب كل شيئ بيأس مطلق أما حسنائي فما زالت تلقي بأجزائي لكلبها الذي غدى أكثر وحشية وهو يلتهمني، لم يبق إلا القليل قالت، سوى قلبك الذي اوهمك الوصول لي واذا بها تشق طريقها بأتجاهه وحينها صرخت صرخة مدوية اهتزت لها كل أركان المكان ثم سقطت ارضا، وإذ بي اسمع طرقا شديدا على الباب ركضت اتجاهه وفتحته، كانت هناك جمهرة من القاطنين في المبنى هرعوا فزعين إثر تلك الصرخة المدوية، قاتلتي كانت ضمنهم تقف مأخوذة بالمشهد حافية القدمين، هرعت مسرعة مع الآخرين بملابس نومها تضع شالا على كتفيها العاريين يقف خلفها كلبها مستطلعا الحدث بذهول، لا شيئ فعذرا، عذرا لكم ثم اقتربت منها جاثيا على ركبتي رافعا رأسي نحوها آه، آه منك يا قاتلتي الحسناء ...

 

شفق ريحاني

 

عبد الجبار الحمديحياته مليئة بالأزقة الضيقة المعتمة تلك التي لا يخرج عنها إلى إنفراج بعد أن أجبرته أيدٍ أن ينصاع لما قمعته أن يتعود عليه وإلا؟؟ حتى مارة المصادفة تَعَود عليهم وقد أكتظ مكانه بعدما أضاق الزقاق بكثرة الخرق البالية وبقايا قطع مختلفة من مخلفات  وعتيق الأشياء التي يجمعها، او تلك التي يكبها بعض الناس من أسطح شقق، فالزقاق لها سلة مهملات كما هي سيرة حياتهم... يجمع كل شيء تقع عليه يده، أغطية قناني المشروبات الغازية او الماء أو أغطية علب الصفيح، يتلذذ بجمعها خاصة عندما يختلي بنفسه فيعمل على زخرفة الحائط الذي ينام الى جوارة لينسى واقعه، يلصقها بشكل تجعل منه يُدون عالمه الذي يرغب متلونا تماما بخداع بصري كما هو الواقع الذي يعيش، أما حين تتجمع هواجسه الشاردة في عالم الإنقباض المتعسر ولادة،  تراه يمد يده الى أوراق طواها كسيجارات غير أنها طويلة بعد أن مل من الماركات العالمية والمحلية بعض الشيء، يعمد الى لفها بأكثر من نوع من الورق بمختلف أنواعه ورق جرائد، صفحات من كتاب تأريخ قديم، دفتر ملاحظات، او أوراق لسجل أسماء عن سجل مخابرات، كي تصبح سمينه يتلذذ بطعم خبايا ما حوته من صور لمجتمع باتت أوراقه خريفية تتساقط وإنسانها عند أول هبة رياح موسمية، خاصة عند تغيير وجوه من تقبعوا السلطة كجراب حاوي، نثروا البعر الذي كان يتصدق عليهم به من رفع من شأنهم وغير من هيأتهم الى مشعوذي من الدرجة الأخيرة... البعض منهم خلق بطبيعته حمارا يكرى بباقة من حشيش بعد أن تسوست أضراسه من كثرة بقايا طعام فاسد عندما يشاركه من ركبه ليكتري وئد جثث موتى في ظلمة ليل دامس..

يمسك بعلبة الكبيرت الأزلية التي لا تنضب من أعواد الثقاب، كأنها تتوالد فيما بينها كخنثى الحيوانات، لا يبالي لبسبسته حين يشحذ رأسه بعد ان جسته رطوبة المكان، فتراه يأز معلنا أنه يرفض السير في ممر رطب، فالرطوبة تتعب رأسه تصدعه مالم تكن سببا في كسر ساقه، ومن ثم ينتفي غرضه فيكون مصيره حيث محيطه.. فيجدُ بإشتعال بعد ان يقوم بلعن اليد التي ستشعل اسرارا تجعلها دخان في عالم منتن من الفضائح.. يستذوق طعم الأوراق قبل ان ينفثها من خارج صدره وهو يرى تلك الأرقام، الجمل، العبارات، الأسماء والتأريخ الذي تَوَقف نبض الكتابة على صفاحتها.. كان يَحَمر، يحنق عند شعورة بمرارة بعض ما يتذوقه، لقد كانت اخبار الجرائد التي تعمل للسلطة فتجمل الحمار منهم أسدا او حاميا للوطن الذي تسيدته الضباع، فيدير وجهه زافرا بحدة حيث لا يبقى للدخان من شكل.. فجأة وأثناء بلعه كمية من الدخان تحشرج صدره مما جعله يكح بشدة حد الإختناق، دفعت به لأن ينتفض عن مكانه بحثا عن هواء يستنشقه، مزق الدخان رئتيه، انتفخ صدره كالبالون، قفزت عيناه عن باطنها، مرر يده على رقبته بقسوة يدفع بما يحاول ان يستنشقه من هواء.. غير ان انفه وفمه اللذان تعودا ان يستنشقا رائحة أجساد تعفنت وتجيفت عندما كان يشاهد من يدفع بها حيث الهلاك لا لسبب سوى أنهم رفضوا الواقع، أباحوا أنهم ليسوا ممن يبيع القيمة والمبدأ، الشرف والوطن كي يثمر بزقوم ابدي، تذكر كل شيء، لقد كان من بين تلك الثلة التي تسجل أحداث وتواريخ وأسماء من تربص بهم الزمن الأسود كي يكونوا ضحية لحمار او شاة، رفض إكمال سيجارته الورقية رمى بها لكن سرعان ما أنتبه بأنها أخذت تحرق ما كان يحيط به من عالمه الذي اشتراه في لحظة ضعف، سارع الى طمطمة النار بيديه تذوق طعم النار التي أضرمها من رافقهم في أجساد تفحمت فغابت معالمها وهو يقيد اسماء مجرد أسماء بالنسبة له، ألغى وقتها تأريخ ميلادها اعوام حياتهم طفولتهم صباهم عالم كامل شطب عليه لمجرد انه كان حافظ سجل للسلطة.. عاد الى الوراء بعد ان أطفئ النار، اخذ سيجارته الورقية ليمتصها رغم ضيق صدره وهو يقول يا لك من حقير يا قدر... تتبعتني حيث مثواي الأخير فقد كي تذكرني بعاري الذي حاولت طيه مع قاذورات بشر، في مكان تأنف الحياة ان تمر به او تتلقى منه بأمل، نعم كنت جبانا الى حد أني تلقيت الضرب بعد ان رفضت أن اخرج مع ذلك الحقير الذي اجبرني ان أكون مع مجموعة التي ستقوم بإشعال النار في أجساد عفنت من الجرب الذي أصابها وهي تقتات الموت رحمة في كل لحظة من الله، كثيرا ما تساءلت فيما بينها لم يحدث ذلك؟ أين عدالة السماء التي نصدح بها وتصدح المنابر ليل نهار؟ أين هو ميزان الحق والباطل؟ أين سخط الله على عاد وثمود؟ ألا نستحق أن تطوى صحفنا ونخلق من جديد؟ أنحن نعيش ابتلاء غيرنا بعد ان تذوق أسلافنا سفك دم زكي طاهر، لقد ساقتنا المقادير والأزمة ان نعبر على مخلفات غيرها من الدهور، البعض منه نتوق لإعادة صياغته والبعض الأخر نتمنى ان نطمسه حيث قعر جهنم... جهنم هي من نعيش الآن بتنا نعبد حجارة في شكل إنسان كفور عقيم لئيم نمجد به يعلو على اجسادنا سلطان مؤدلج أو كسلطان خشبي تحركه خيوط على مسرح عربي بإخراج أبالسة الشيطان لا ينفك يصفق ويضحك ذاك هو عالم الظل يختم بطاقات دخولهم لمرة واحدة فقط.. كان الدخان يخرج حاملا صور من فاق الفضاء بآهاتهم، علت صرخاتهم أيقظت بعد ان انتشرت في سماء تشكو أنينها دخان عزفته الأقدار بأوتار وجع بعد أن جعلت من العود الأخضر عازفا لرتم بائس عندما يدندن الجلاد على أوتاره يجعل منها قيود لقمع الحرية التي ينشدها عندما يصدح مناديا للعدالة عند مقابر جماعية.  

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي  

 

محمد ابوبطهاشتري السيد عدداً من العبيد،وأخبرهم أنه سيمنح من يكتسب ثقته حريته وبيتاً صغيراً وزوجة وبعضاً من المال وأرضاً !شهق العبيد للعرض وتمني كل واحدٍ منهم أن يكون الفائز !اشتد صراعهم حتي دبر أحدهم مكيدة ليتخلص من الآخرين فيخلو له المكان وينال كل شيء!

لاحظ السيد ذلك من خلال الكاميرات التي زرعها في كل مكان بالقصر والحديقة الواسعة!

جمعهم وألقي عليهم سؤالاً:

-  هل تعلمون عدد الفائزين ؟!

أجابوا جميعاً في صوت واحد:

-  بالطبع فائز وحيد!

ضحك السيد قائلاً:

-  ليس عندي مانع أن تكونوا جميعا فائزين!

أطلق الجميع صيحات الفرحة وانحنوا له إحتراماً وتبجيلاً.

أرسل مساعده ليخبرهم أن السيد يريدهم جميعاً في الفجر أمام بوابة القصر!غادر المساعد سكنهم فسألهم أحدهم هل سيذهبون في الوقت المحدد؟!اختلفت إجاباتهم فقال أحدهم أنه سيذهب في الوقت المحدد وقال آخر أنه سينام مبكراً ليستيقظ في الموعد !وقال ثالث أنه ربما لا يذهب فالجو سيكون بارداً جداً !ثم تساءل أحدهم:

-  ماذا لو لم نذهب جميعاً؟!

حدث هرج شديد بين مؤيد ومعترض ومتردد فسأله أحدهم:

-  ما هدفك من سؤالك؟!

فقال بوضوح:

-  اظن أن السيد سيزيد من طلباته لو نفذنا هذا الطلب!وأنه سيزيدها صعوبة حتي لا يخسر الكثير من ثروته إذا فزنا جميعاً!

هنا رد أحدهم قائلاً:

-  ومن أدرانا أنه سينفذ وعده لنا؟!

في الموعد المحدد ذهب البعض وليس الكل!سأل السيد عن أسباب عدم حضور الباقين؟!تبرع أحدهم ليخبره بموقفهم واسبابهم فهز السيد رأسه أسفاً!

رحب بالحاضرين ثم طلب منهم أن يحضر كل واحد منهم بمجموعة مميزة من زهور الحديقةعلي مدار أسبوع!

انصرفوا عائدين إلي سكنهم وأخبروا من غاب بما طلبه السيد! ظلوا يتناقشون بصوت عالٍ حتي أرسل السيد مساعده إليهم وطلب منهم الهدوء.

انتهت الليلة بقرار البعض الانسحاب وأنهم راضون بالحياة في القصر ولن يرهقوا أنفسهم بوعدٍ غير مؤكد!

وتراجع أحد الغائبين عن الموعد الأول وعزم علي جمع أجمل مجموعة من الزهور!وسرق أحدهم مجموعة زميله!

حان الموعد فرآهم السيد وقد نقص عددهم بدرجة ملحوظة كما لاحظ عودة أحد الغائبين عن الموعد الأول فسأله عن السبب؟فطلب منه العفو وأن يقبل استمراره في المسابقة!

وافق السيد بشرط الالتزام فانحني العبد موافقاً!خرج لص الزهور بعد ان كشفه السيد وطلب منهم ان يقوموا بسبع دورات من الجري حول القصر وقت الظهيرة وسبع أخري في برد الليل!

خنق اللص أحد القريبين للفوز ثم وضع اداة جريمته في أشياء قريب آخر من الفوز !

كشف السيد اللغز باستخدام كاميرات المراقبة وحكم علي اللص بالشنق بنفس أداة الجريمة وألقي بجثته للوحوش خارج أسوار القصر!

وصل ثلاثة فقط للنهاية وأعلن السيد منحهم جوائزهم وسألهم عن أمانيهم الأخري فقال الاول أنه يريد زوجة شقراء جميلة ناعمة وحديقة بها كل انواع الزهور والعطور والفواكه وقوة خمسة رجال ليستمتع بزوجته!فأعطاه السيد ماطلب!أما الثاني تمني زوجة جميلة وعيونها سود وجسمها رائع وقصراً جميلا به كل شيء وحديقة لا تخلو من العصافير والنسيم وقوة جنسية فائقة!فلبي السيد له ما طلب!وجاء الأخير فقال:

- ما أريد إلا رضاك سيدي!

نهض السيد من مكانه واتجه إليه وابتسم قائلاً:

- لك كل ما تتمني حتي في نفسك!لك حورية وقصر من بللور وقوة عشر رجال وحدائق لا تخلو من كل ما لذ وطاب صيفاً وشتاءً وأموالاً بلا حساب!

حسده الجميع ثم نظر السيد لمساعده وأمره أن يأخذ الآخرين جميعاً ليكونوا طعاما للوحوش خارج اسوار القصر!ظلوا يبكون ويتوسلون للسيد ليعطيهم فرصة ثانية!التفت السيد لمساعده عائداً للقصر وطلب منه تنفيذ الأمر وأن يذهب ليحضر مجموعة أخري من العبيد!.

***

قصة قصيرة بقلم: محمد أبو بطه

 

سليم الحسنيكان مزاج الأمير معروفاً لمن حوله، فأزالوا من رؤوسهم أشياءً كثيرة، وحشوها بأشياء كثيرة، لم يكن لديهم غير ذلك لينالوا رضاه، أو يرحلوا. وكيف يرحل عاشق المجد عن عالم الأوهام؟

ظنّوا أنهم بالخضوع لمزاجه المتقلب، سيقتربون منه، فتنافسوا على الانصياع، يسبق بعضهم بعضاً في رجيم الكرامة، ويُسرع المُتعجّل منهم الى إزالتها طبقة طبقة، كأنها قشور بصل.. هكذا تتحول عندهم أغلى جوهرة الى رأس من البصل الرخيص.

نال قسم منهم الحظوة عنده، جالسوه كتفاً بقدم، ساروا خلفه يطأطئون رؤوسهم خشية أن يلتفت إليهم فجأة، فيرى رقابهم مستقيمة. ومن رعب هواجسهم، اعتادوا النوم برقاب مطوية، فقد يراهم الأمير في منامه، فيغضب، وغضبه مقدّس تلحقه اللعنة والطرد من جنّة رضاه.

قال أحدهم:

ـ إن اردتم الحظوة عنده، تعلّموا صنع الأقنان، ناموا بها أربعين ليلة، ومن يفعل ذلك، يقترب منه خطوة. ولا تنسوا رجيم الكرامة، لقد جربّه كل الذين حوله، أما ترونهم حين يسير يتزاحمون خلفه فلا يطردهم؟

شحّت الأقنان من المدينة، لكن كثر الدجاج.

كان أهل الحظوة عنده، هم كبار الحاشية، منزلة لا يُلقّاها إلا من دخل بعض كهوفه، وقرأ في ظلامها الدامس رموزه المرسومة على جدرانها. فالأمير يكتب سطوره على ملامح وجهه، فمن يقرأها يدنيه من مقعده.

والأمير لا يفصح عن رغباته بالكلام، لقد جعل لسانه في عينيه، فمن يسمعه، يفز بشيء من رضاه، ويقرأ عليه قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) وعند ذاك يعرف أنه نال رتبة القرب....

استبدل بعضهم عمامته بأخرى من قماش مغشوش، قالوا إن الأولى لا يهواها الأمير، يرى في سوادها ما يذّكره بالمعلم الأول، ويرى في بياضها ما يذكّره بالشيخ القتيل، فاستبدلوا عمائمهم بما يريحه، ويهدئ مزاجه، ويطمس الألوان المذبوحة.

لقد عرفوا ذلك من سنوات الفتنة الكبرى، حين أزعجته عمامة العامليين. وتيقنوا أكثر حين لمسوا نار غضبه يشعل المدينة القديمة لعودة رجل أحبه المعلم الأول. وهو الذي أقسم بالحقد صادقاً أن يزيلهم من المدينة وبحرها. وكانت حاشيته تبتهل له بالنجاح والفوز، يدعون له في سرّهم وعلانيتهم، فلقد انتهى عصر المعلم الأول، وجاءت أساطيل ما وراء البحار.

 

سليم الحسني

 

عبد الله سرمد الجميلسلِّمْ على حارةٍ في الشامِ تسكُنُها

                   ظِلالُ من رحلُوا عنها فنحضُنُها

و(بابِ  تُوْما) التي ضاقَتْ أزقّتُها

                            لكنْ تُوسِّعُها هندٌ وأعينُها

على (الجنينةِ) والأشجارُ يابسةٌ

                           فبالدماءِ هنا تُسقى جنائنُها

و(قاسيونَ) قُساةُ القلبِ كم وقفوا

                          عليهِ وِقْفةَ (نيرونٍ) يُدخِّنُها

و(بَحْرَةٍ) حولَها أبهى النِّسا جلسَتْ

                        والياسمينُ الذي فيها سفائنُها

سلِّمْ على كلِّ بيتٍ فيهِ قد صدحَتْ

                     (يامو) فأغدَقَ كلَّ البيتِ هاتِنُها

سوقَ (الحميديّةِ) المعمورَ خذْ بيدي

                     خلفَ الجدارِ حكايا أنتَ ألسُنُها

لبائعٍ جادلَتْهُ في بِضاعتِهِ

                      أنثى وقد أزهرَتْ فيها مفاتنُها

(كِرْمالُ) عينيكِ يا من صوتُها حلَبٌ

               يصيرُ أرخصَ ما في السوقِ أثمنُها

أسيرُ ثمّةَ موسيقى فأتبعُها

                       من جامعٍ أُمَوِيٍّ فاحَ سوسنُها

في حضرةِ الليلِ مقهىً أحمرٌ، مدنٌ

              حمراءُ تصمتُ صمتاً سوفَ يطحَنُها

كانَتْ دمشقُ إذا نامَتْ على كتفي

                       أخشى أحرِّكُها، إذْ فِيَّ مَأْمَنُها

الصبحُ والليلُ فيها واحدٌ أبداً

                       لولا البدورُ أنا ما كنْتُ أُوْقِنُها

مدينةٌ وَسِعَتْ كلَّ القلوبِ هنا

                          سِيَّانِ كافرُها فيها ومؤمنُها

لَوِ الشواهدُ ما دلَّتْ، سألتُهُمُ:

                            حديقةٌ هذهِ؟ قالوا: مدافنُه

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق

 

 

مصطفى عليدرْدشةٌ حوْلَ موقِدٍ ذاتَ شِتاء خبّت به

الريحُ فإنطلقخبَبَاً أتعبهُ فَتَدارك

(تداعياتٌ حُرّةٍ لخافِيَةٍ حُبلى)

 

أمضى في الحانةِ ليْلَتَهُ

ذاتَ شتاءٍ دُونَ رِفاقْ

لَمْ يسكرْ لكنّ الساقي

أبصَرَ فِيهِ طيْفَ ذُهولْ

وروامِسَ صمْتٍ وذُبولْ

فأشارَ تبسّمْ يا هذا

فالحانةُ فيها سُمّارْ

لاذوا في جمرِ مواقِدِها

لِيُريحوا بالدِفْءِ نُفوسْ

***

في البرْدِ تَسَمّلَ أنْبِذَةً

عَتّقها سِرّاً باخوس

إن غازلَ دَنّاً باللّمْسِ

أو شاكسَ زَقّاً بالهمْسِ

فاضَ نبيذُ الكرْمِ القاني

يوقِدُ ناراً ليْلَ الحانِ

فإصْطَفَقتْ في الحانِ كُؤوسْ

أصغى المكلومُ لِحكْمَتِهِ

فالحكْمَةُ بوْحُ المتْعوسْ

يرشِفُ في صمْتٍ فلسفةً

فيها أسْرارٌ تَتَوارى

فيها أشواقٌ تتبارى

كالشطحَةِ عِنْدَ العُرّافْ

و بدتْ حكمتُهُ تتسوّى

كالطينِ بأيدي الخزّاف

إذ يرْتِقُ ذاكرةً شاختْ

كسِمالٍ عِنْدَ الروّاف

فمضى قلبي دُونَ دليل

مُعْتلّاً يحبو وعليل

يَتَأبّطُ حَدْسَ القيّاف

للنُدماءِ يحِلُّ الطلسمْ

و يُكابِدُ رمْزَ الناموس

***

قُدّامَ الموقِدِ قد جلستْ

إذ سكبتْ في الكأسِ ( شَموسْ)

وَ وَراءَ الشُبّاكِ سنيني

مرّتْ شعواءً وضروس

المِلقَطُ في يدِها اليُمنى

يحْرُثُ في روحي ويجوس

بديارِ الذكرى مُصْطَلِماً

لِيُلامِسَ سِرّاً محبوس

بِفُؤادٍ أدْمتْهُ النجوى

عُمُراً فَوْقَ الجمْرِ يدوس

و قرينُ الشعْرِ تَلَبّسَهُ

يوْماً فتصابى الممْسوس

بصهيلِ النغمةِ سكراناً

و لُهاثِ الحرف المهْموس

بحواسٍ يلقُطُ شفْراتٍ

و يسافرُ خلْفَ المحْسوس

لخفايا الروحِ تراودُهُ

لُؤلُؤةُ السِرِّ المحدوس

***

أ تُقلِّبُ حقّاً موْقِدَها

أم جمراً يلهثُ في صدري

إذ ترمي جمرات المعنى

بعُروقي كدبيبِ الخمْرِ

و الْحَمَأُ المسْنونُ تشظّى

بينَ الجُلّاسِ فمن يدري

في عينيها ألفُ بريقٍ

تشْعِلُ أحزاني كالجمْرِ

فَدَنوْتُ وقلبي يسألني

أيُّ النارينِ بهِ تسري

أ تُحِبُّ النارَ تُرى ؟ سَألتْ

فإنْبجستْ في الروحِ (شُموس)

قد أحببْتُ النارَ كثيرا

أهواها مُذْ كُنْتُ صغيرا

يا فاتنتي كنتُ غريرا

تجمعنا ليلاً جَدّتُنا

مِثْلَ طيورٍ حوْلَ الموقد

نقرأُ أشعاراً تتواري

في خيطِ شُعاعِ الفانوس

نفترشُ الأحلام حصيرا

تُطعِمُنا تمراً إذ تحكي

آناءَ الليلِ أساطيرا

فَنُهوّمَ حتى يوقظَنا

في شهقةِ تنّورِ الفجرِ

صوُتُ أذانٍ أو ناقوس

***

يا سيّدتي كنتُ فقيرا

وعفيفاً قلباً وضميرا

أ فقيرٌ من بلدِ النِفطِ؟

سألتني فأثارتْ سُخطي

كانَ الريْعُ عليَّ عزيزا

أخطأَني فالقسْمةُ ضيزى

يبقى الخيرُ لديَّ غزيرا

ويظلُّ القسّامُ ضريرا

قرأ التاريخ فلم يفهمْ

إلّا غبراءاً وبسوس

انهارٌ ، نخلٌ وحقولٌ

جفّتْ في بلدٍ منحوس

بُستانُ البصرةِ مسروقٌ

والحارسُ خانَ المحروس

عافَ الزرّاعُ مناجلهم

وبكتْ في البستانِ فؤوس

ومُليكٌ أعمى يتلّوى

في قيدِ الداءِ المهْووس

إحذرْ مقصلةً لم ترحمْ

من أفنى في السوحِ رؤوس

فقدَ الناطورُ شكيمتهُ

وإنطفأتْ في الحقلِ نفوس

زُرّاعُ الحقلِ بمملكتي

أبهى من عرشِ الطاووس

***

دَمعتْ عيناها وإشتعلتْ

فيها أنوارٌ  وطقوس

غادرْتُ الحانةَ مُكتئباً

وبقلبٍ باكٍ وعَبوس

 

صالح البياتيالموت حقيقة ساحقة، أكثر التصاقا بالإنسان من الحياة نفسها، اما فاجعته فإنها تتوارى وراء جبل هائل الارتفاع من الأسى، لا يعلم الا الله متى بدأت اول صخرة ترتفع فيه عن الأرض؟

 عاد نوح ظهيرة يوم بارد، ولكن كان صحوا، وشمسه ساطعة بعثت الدفء في اوصاله، والأسى بنفسه المكتئبة في آن، عندما التفت لجهة اليمين، فرى مكان امه خاليا، يغمره الضوء، اعتصر قلبه الألم، وراح يخاطب نفسه:

هناك يا نوح بعيدا في صحراء مقفرة، ليس فيها أفياء غير ظلال شواهد القبور، وليس فيها شجر ولا نهر، سوى بحر من الرمال. هناك في وادي السلام، تركتها ترقد الى يوم الدينونة، كيف طاوعتك نفسك ان ترجع بدونها..

كان يرفع يده بلا وعي، كلما مرت سيارة بالاتجاه المعاكس، تحمل على سطحها (الذي يبرق تحت الشمس) نعشا ملفوفا بالعلم العراقي، احصى ثلاثة، أربعة..

بعد ذلك طوحته دوامة افكاره وهواجسه بعيدا، كأنما كانت روحه تعرج في سماوات عجيبة، رائعة، لم تصفها أي من كتب السماوية، سماوات بيضاء، أنصع من القطن النظيف، بعد قطفه مباشرة من شجيراته في الحقل..

كان يسمع آلات موسيقية، تصدح بمقطوعات سيمفونية، ليست من تأليف أحد من البشر، الملائكة إتخذت اماكنها في قاعة أوركسترا كبيرة، وثمة ملاك عظيم يقف امامهم، يقوم بدور القائد، المايسترو...! كان بينه وبينهم شلال مائي كالبلور الصافي، رأى من خلاله الجوق الملائكي، الكورال وقائده، بكل التفاصيل الدقيقة، الملابس الآلات، وعصا القائد، التي كانت تلمع كالبرق في السماء.. لم يفق من حلمه حتى نبهه صوت بوق احدى السيارات التي حذرته من الاقتراب منها، تخيل انه بوق يوم البعث، الذي يقيم الموتى من قبورهم الدارسة..

 في أمسية اليوم الذي وصل فيه، جلس في مأتم شاب ميساني، سقط ضحية الحرب الدائرة رحاها بشراسة على الجبهة الشرقية، انه حنون، ابن المرأة التي أطلق عليها قديما، الرقم الصعب في المعادلة الجنوبية، لأنه لم يستطع اقناعها آنذاك، ان استبدال اسمه بأخر مسألة عادية، تحدث كل يوم تقريبا، وينحصر اثرها عادة على المسمى، في الجانب المعنوي فحسب، هذه المرأة التي لا زلت عندما يغمض عينيه، ليستعيد ذكريات طفولته، يرى قامتها الفارعة منتصبة كالرمح، أمام تنورها الملتهب بالنار، والوهج يلفح وجهها الأسمر، فيزيد بشرته دكنة، اقرب للسواد، كلما لوحته الحرارة اكثر، تخبز كل يوم عددا لا يستهان به من الارغفة، التي تعبق رائحتها الطيبة في الهواء، كان يتضور جوعا، عند عودته ظهرا من المدرسة، يشتهي كسرة خبر ليسد بها رمقه، حين يرى الارغفة يتصاعد منها البخار، تتساقط من يدها بخفة لطبق على الأرض، فيسيل لعابه، ترحب به باسمة، وتنفحه رغيفا ساخنا، يرقصه بيديه حتي يبرد قليلا، ثم يلتهمه بشهية، صنعت هذه المرأة شابا ناجحا، من بيع الخبز في السوق، تخرج حنون من الكلية العسكرية، الدورة 83 / العام 1980 ضابطا، برتبة ملازم ثان، في السنة التي اندلعت فيها الحرب..

حين سمع ما حل بها من كارثة، تألم كثيرا.. راح يردد مع نفسه، وهو في طريقه لمأتمه، هاتين الكلمتين: خسارة فادحة..

 فعندما يختطف الموت الأبن الوحيد، لامرأة بفقر وبؤس وشقاء وكدح ام حنون.. فتلك يا عالم خسارة فادحة..

 كان المعزون كالعادة منهمكين بأحاديث، لا علاقة لها بالفقيد، يتحدثون عن هموم ومشاكل تخصهم وحدهم، تساءل اليس الاجدر بهم، والاجدى في ظروف كهذه، رثاء الميت بكلمة، يترجلها احد اصدقاءه المقربين، او واحد من افراد اسرته ، يُذكر الحاضرين بشيء من سيرة حياة الفقيد! حتى وإن كانت متواضعة وغير مثيرة.. مجرد استذكار، سيثير الشجن في النفوس، اما وان المأتم قد خلا من ذلك كله، فما جداوه إذاً، هذا الشيء اثار الأسى في نفسه، واعتبره تقصير ونسيان مبكر جدا للراحل.. ناهيك عن الادعاء بثواب تلاوة القرآن على روح الميت، حيث لا تجد من يستمع او ينصت اليه، سوى قلة من الذين هم على عتبة الموت، كبار السن الذين يأمون المأتم، سعيا وراء الاجر والثواب، وان التلاوة كما بدت له  اطار ديني للوحة حزن كئيبة، اما الأكثرية فأن المأتم بالنسبة لهم، مناسبة للقاء، وتجاذب أطراف الحديث، كما هو الحال الآن، حيث يجري الحديث بين شخصين يجلسان بجانبه، عن تأخير الترفيع الوظيفي، وعن توزيع الأراضي على اسر ضحايا الحرب، وتساؤل احدهم كم ستطول الحرب، وأمل الآخر انها ستنتهي قريبا، انصت لهذا الحديث بين الرجلين: 

" اسمعت عن حرب كرة القدم، او ما تسمى بحرب المائة ساعة بين السلفادور وهندوراس؟"

"  لا. هذه أقصر من حرب الأيام الستة بيومين."

" نعم أقصر حرب في التاريخ الحديث."

" نتمنى ان تنتهي الحرب بيننا وبينهم سريعا."

" لا اعتقد.. الإيرانيون متعنتون جدا، والعناد فيهم صفة متأصلة."

"احقاد قديمة."

قال في نفسه اخطاء متبادلة. لأنهما يخافان من التخلص من عقدة الماضي، لذا يخوضان الحرب على خلفية تاريخية عفي عليها الزمن. سمع الأخر يجيب الجالس بجنبه:

" سيرضخون اخيرا للأمر الواقع، الجيش الإيراني ضعيف ومفكك، بعد هروب معظم جنرالات الشاه الكبار الى الخارج وهذا ما اغرى الرئيس على الهجوم عليهم ..

" ولكنهم بدأوا يجندون المتطوعين، ويزجون الأطفال للقتال."

"ولكن عندهم أزمات داخلية متفاقمة. "

" وأيضا ازمة الرهائن الأمريكيين.."

وقال الذي عنده شئ من الأمل

" أتوقع ان الحرب لن تستمر أكثر من سنة."

انتقل الحديث الى موضوع آخر، لينتهي بالكلام عن شخص ثالث، غائب، لم يذكرا اسمه، اشارا اليه بـ هو.. فتحدث احدهما عنه هكذا.. هو لا يهمه سوى الوصول لمصلحته الشخصية النفعية، وبأية وسيلة كانت.. وأيده الآخر، وأنه لا يتهاون ابدا بكسر رقاب الناس، فإستنتج الأول.. بصراحة هذا هو وقعنا، قال نوح في نفسه، واقع مؤلم، قاس، غير إنساني، وشاذ وبائس. واستأنف الرجلان حديثهما عن الرجل المجهول..

"امثاله كثيرون في مجتمعنا، القوي يأكل الضعيف"  فرد عليه الآخر

" البقاء للأصلح.."

هنا تدخل نوح عند هذه النقطة من الحديث من باب المشاركة في النقاش فأدلى بدلوه.

" عفواً.. البقاء للأصلح، تعني ان تتكيف أنواع معينة من الاحياء مع تغيرات البيئة الطبيعية، وهي فرضية بيولوجية جاء بها دارون في سياق نظرية النشوء والارتقاء.."

نظر اليه الرجل شزرا، كأنه قال شيئا سخيفا، قطع عليهما استرسالهما في الحديث. لم يقل شيئا، لأنهما لزما الصمت لبضعة دقائق، ثم قاما وغادرا..

راح نوح يلوم نفسه على التدخل في حديث لا يعنيه."

انتهى المأتم على روح الضابط حنون، كما ينتهي في كل يوم، مآتم آخر، في جميع ارجاء البلاد، وفي كل مكان في العالم، دون أن يتغير شيء في لعبة الحياة والموت.

 ولكن البلاء الأكبر بوجود أمثال سليم الخماش، وغيره من الأشرار، في حياتنا، أعظم من مصيبة الموت، وجودهم شيء مفزع، لأنهم يتسلون بالحاق الأذى بالناس.. خاصة أولئك الذين ليست لديهم اشواك ابرية حادة.. تساءل، لماذا لم يخلق الله او الطبيعة لهؤلاء الضعفاء من البشر (الذين ليس لهم حول ولا قوة) دروع او تروس تحميهم عند الحاجة، وتصد عنهم غدر الاقوياء، كما لدى بعض الاحياء..

فكر بذلك ولكنه لم يكن بصدد حكم أخلاقي، في موضوع حساس كهذا، ومثير للجدل اوالاجتهاد.. ولكن قرر مع نفسه، على ضوء ما رأى وسمع الآن وقبله، ولمرات عديدة لا تحصى، أن يصرف النظر عن إقامة مأتم  للمرحومة امه، كهذه المجالس التي يطلق عليها إعتباطا كلمة مآتم، عزاء، او تأبين..

وحينما يسأله الشيخ كاظم عن سبب هذا التحول والاعراض، عن تقاليد متوارثة منذ اجيال عديدة.. سيصارحه برأيه، سيقول له: بأن العزاء سيقتصر فقط على النساء، وسيقام في بيت صديقتها الدهلة.. وأنه سوف لن ينعى امه، وإنما سيجلس في بيته يستقبل نفرا قليلا من اصدقاءه المعزين.

هذا ما وطد العزم عليه، لقد كره أن يتسرب الزيف في اصدق مشاعر الانسان.. في حزنه بمصاب وفجيعة من يحب، وكره كذلك سماع ثرثرة المعزين اثناء جلوسهم، وهم يدخنون السجائر الرخيصة، او يُسقَونَ الماء، ويرتشفون الشاي او القهوة المرة بنفس الاقداح والفناجين، فهي بنظره عادة غير صحية، ومدعاة للقلق، وقد تكون سببا لانتقال الامراض من شخص لآخر..

ولما كان لميسان ارث حضاري قديم، يمتد لآلاف السنين، وطابع جنوبي فريد، وخصوصية ذات ملامح سومرية اصيلة، وجذور ضاربة في أعماق الأرض، ارتاح نوح لهذا القرار، فأمام فاجعة الموت، يجب أن يغدق الانسان حزنه بسخاء، كما ناح جلجامش وجزع على رفيقه انكيدو، لا كما يُتخلص من الحزن بأسرع وقت ممكن، كما لو أنه عبء ثقيل، وحين سيرى الدهلة اليوم، سيفتحان معا كتاب المراثي القديم جدا، قدم مسوبوتيميا، سيبدآن بأول صفحة، ولن يتوقفا حتى تفيض ينابيع القلب العميقة والغزيرة.

عانقه الشيخ كاظم الموحان عند باب الجامع بحرارة، فبين له ما انطوت عليه نفسه بشأن تأبين امه، تفهمه بأريحية، شعر نوح ان الشيخ يخفي في نفسه شيء من القلق والحيرة من افكاره الغريبة هذه.. ولكنه قال:

"سأحضر مساء غد لبيتك."

" سأكون بانتظارك هناك."

"سأجمع شيئا من النقود، من المحسنين، للمرأة العجوز أم حنون لتستعين بها.."

استحسن نوح ذلك، بدلا من التخافت بالأحاديث، التي ان لم يكن فيها غيبة، فإن الانشغال بالثرثرة الفارغة، عن الانصات لتلاوة القرآن، فيه عدم الاستجابة للأمر الإلهي..

مرت برهة صمت قصيرة، كانت كافية ليمد نوح يده لجيبه ويخرج محفظته، تبرع  بالدنانير التي كانت مخصصة لمأتم المرحومة، سلمها للشيخ، شعر براحة عظيمة، كأنه تخلص من مشكلة عويصة، او خرج  توا من حمام السوق الممتلئ بالبخار والحرارة، في ليلة قارصة البرد.

" اعطها من فضلك يا شيخ لام حنون، فهي بحاجة ملحة اليها، في مثل هذه الظروف القاسية.."

أخذها، لم يقل شيئا، نظر اليه طويلا ثم ودعه وذهب.

 تساءل نوح مع نفسه، وهو في طريقه لبيت الخالة الدهلة:

 كيف تكون كل كلمات السلام والله والخير، التي سمعها في المأتم، والتي كانت تتردد بكثافة على افواه المعزين، وفي المقابل يوجد هذا الكم الهائل من الشر والكره والضغائن، صرخ بألم، نحن نغرق في مستنقع من الدم..

في مساء اليوم التالي، اجتمع الأصدقاء لمواساته في في بيته، حضر الشيخ كاظم الموحان، والدكتور هلال، والقاضي عبد الهادي إجباري، وابنه المحامي حسن، صديقه، وشخص آخر غريب وملثم، جلس متنحيا عند الباب، أثارت هيأته الشك والريبة في النفوس، قام حسن، قدم القهوة للجميع، وعندما وصل للغريب اومأ بيده ايماءه الرفض، رثى نوح أمه، بكلمات تقطر اسى، عن صبرها العجيب، عن حكمتها وطيبتها، وعن ذكريات طفولته معها، عن الحب الذي غمرته به، وفاض على كل من كان حولها، تمنى في تلك اللحظة، لو كان شاعرا لرثاها بقصيدة تخلد اسمها، تأثر الجميع بكلامه لأنه كان نابعا من القلب، كانت صورتها معلقة على الجدار محاطة بشريط اسود، كان بين الفينة والأخرى يرفع رأسه وينظر اليها، فجأة أنتحب الرجل الملثم وتعالى نشيجه.

كان الدكتور هلال ونوح يرتشفان القهوة المرة على مهل، غارقان في أفكارهما، يتفرسان بالسجادة القديمة ذات اللون الأحمر الناصل.. أخبره الطبيب تلك اللحظة، بنقله لوحدة طبية ترابط وراء الخطوط الأمامية في القاطع الجنوبي، في منظقة الفكة..

تذكرا الرحلات المدرسية الربيعية للمنطقة، التي تدور فيها الآن معارك شرسة.. سأل الطبيب:

" لماذا أطلقوا على هذه الحرب أسما قديما، مضى عليه ما يقارب الأربعة عشر قرنا؟! ابتسم نوح بمرارة.

" لا أدري ياصديقي، ولكن لو كان الأستاذ مقبل موجودا.. لقال: تلك استعارة تاريخية، إنتاج الأحداث القديمة، بسيناريو جديد، أفكار مستحكمة في عقولنا..

ساد الصمت بين الصديقين، قطعه نوح بسؤال عن العراف، فإستغرب الطبيب 

اصرار صديقه على معرفته، حتى في ظروف حزينة كهذه، ولكنه مع ذلك أجاب مبتسما.

"هل لا زلت تفكر به يا نوح.. نظم العراف نبوءته  شعرا"

 وعده أن يحضرها ان عثر عليها بين اوراق والده.

   " متى سأراك ثانية؟"

" لدي يوم واحد قبل ألتحاقي بعملي في الوحدة الطبية، فإذا لم يشغلني شيء سأراك غد.."

ودعه وخرج، وبعده  قام  القاضي وابنه حسن، ودعهما عند الباب، لم يبق سوى الشيخ والملثم، قام اليه، قدم له فنجان القهوة، اخذه، جلس جنبه، فأماط الرجل لثامه، فإذا به وجها لوجه امام سعيد.. الرجل الذي كان مثيرا للريبة قبل قليل، والذي توجس منه، وفكر أنه ربما كان واحدا من رجال سليم الخماش، دسه للتجسس، راح سعيد بعد أن اطمأن، يرتشف قهوته على مهل، دون ان يتكلم، قام الشيخ  وعانق ابن عمته بحرارة، وصب لنفسه فنجان قهوة، ارتشفه دفعة واحدة. وقال:

"سيبقيني هذا صاحيا هذه الليلة."

 طوى الشيخ طرف السجادة القريبة من الباب، علامة على خاتمة الأحزان، وعاد لمكانه، شعر سعيد بالأمان عندما انصرف الجميع، وراح يتحدث عن معاناته اثناء البحث عن ملاذ آمن طوال فترة غيابه..

سأله نوح ماذا ستفعل:

" سأقتل سليم الخماش انتقاما لأخي وزوجته.."  ثم بكى، وبعد فترة صمت اطبقت على الرجال الثلاثه، تكلم سعيد وهو ينشج باكيا:  

" كانت المرحومة أمي أيضا، ولن أنسى ما فعلته لنا.."

وعندما ودعه نوح عند باب منزله، دس بيد نوح ورقة، وخرج.

استقبلت الدهلة نوح في بيتها، بالبكاء والعويل، قبلته، بللت دموعها وجهه. أدهشته بمعرفتها بحضورابنها سعيد للمواساته، ولما تساءل عن كيفية معرفتها بذلك، كان جوابها أن قلب الأم هو الذي اعلمها، وطلبت منه ان يأخذها معه حينما يعود لتزور قبر المرحومة، وان يجد لها وسيلة للذهاب للشمال، ومن هناك الى ايران لتبحث عن هيلا وامها، لم يحب نوح ان يكسر بخاطرها ويثبط عزيمتها، ولكنه وعدها بأن يتدبر الأمر، وبين لها بنفس الوقت الصعوبات التي تكتنف السفر، فالحدود مشتعلة، وعندما سألته هل عنده اخبار عن ابنها مقبل، اخبرها انه لا يعلم بالضبط اين يحتجزونه، وسيحاول ان يتوصل لمعرفة مكانه، عن طريق اصدقاءه في بغداد.

شعر نوح أن هذه المرأة لم تعد قوية كما كانت من قبل، وأنها لن تحتمل مزيدا من العذاب، فقد انهار كل شيء أمام عينيها. وطاف بخاطره انكسارها عندما اعتذر عن اخذها معه، عندما ذهب الى بغداد المرة الأولى مع امه لعلاجها..

أشارت بيدها، سينام الشيخ على الكنبة في الصالة، وستنام انت في غرفة سعيد مع زوج عمتك، وعندما سألها متى وصل؟

اخبرته انهما سبقوك بيوم، ولما لم يجدا احدا في بيتكم جاءآ الى هنا، واثناء ما كانت توزع اماكن النوم، قُرع الباب، ذهبت لتفتحه، للضيفة وزوجها، كاد نوح ان يبوح بالسرعن هذه المرأة؛ التي لا تمت له بصلة القربى، ولكنه امسك، وبعد الترحيب وكلمات المواساة، كان على نوح ان يشارك الضيف غرفة النوم، بينما شاركت الدهلة غرفتها مع الضيفة، تأخر نوح يتحدث مع الشيخ كاظم حتى ساعة متأخرة من الليل، وعندما ذهب لينام وجد الضيف يغط في النوم، يشخر بصوت عال ومتقطع، جلس على حافة السرير، قرا رسالة سعيد:

"اراد التوديون ان يتفادوا تجربة الشيوعيين العراقيين، بعد فشل الجبهة الوطنية، فحاولوا بجرأة تثير الدهشة، استباق الأحداث، للاستيلاء على الحكم في إيران، في عيد العمال، الأول من إيار، ولكنهم للأسف فشلوا، فصعد التيار الديني، ونكل بهم اشد التنكيل، واستفرد بالسلطة، ولو انهم (أي التودديين) نجحوا لما كانت هناك حرب بين الدولتين، الحرب كانت نتيجة لصعود التيار الديني في ايران من جهة، وانقلاب القصر وتبديل القيادة في بغداد، من الجهة الأخرى، ولذلك لم أستطع الهروب الى الاتحاد السوفيتي بدون مساعدتهم، لذا عدت للعراق، سأحاول التسلل الى هور الحويزة، سيكون ملاذا للجنود الهاربين من المحرقة، أما هدفي الآن فهو الانتقام لأخي وزوجته.. بلغ تحياتي لأمي..

سعيد

لم يستطع نوح النوم بعد قراءة الرسالة، لقد أثارت مخاوفه وقلقه، خاصة وان المخبر المدعو زوج عمته  يشاركة حجرة النوم.

كان شخير الرجل مزعجا جدا لا يطاق، شعر نوح ان هذه الكتلة من اللحم المتورم، تشفط هواء الغرفة بطريقة جشعة، تملأها شهيقا وزفيرا وصفيرا، هذا المخلوق البائس، المسخ، الذي يغدر بالناس، يكتب تقارير ضدهم، ولا يتورع أن يشي حتى بأقربائه، لذا كان نوح يتحاشاه دائما، ولا يحبه، حتى قبل ان يعرف ان زوجته وهو لا يمتان له بصلة، على كل حال كان يتجنب هذا الرجل عندما تجمعه الصدف، يحترس، ويحذر عند حديثه معه.

خرج من الحجرة للبحث عن علبة كبريت في المطبخ، ليحرق رسالة سعيد، تفاجأ بالشيخ جالسا في ظلمة الصالة، يتمتم بكلام لم يستطع ان يفهمه..

" ماذا تفعل، ولماذا أنت جالس في الظلام؟ "

" الخلوة مع الله، يا نوح خير وسيلة للخلاص، اناجيه، اقرا الأدعية المجربة، اتضرع اليه لكشف الغمة عن هذه الأمة، ابتهل اليه يا نوح.

 جلس يستمع لأدعيته، فتلا بعضا منها، قرأ في كتاب صغير الحجم، غلافه اسود سميك، دعاء المشلول ودعاء الفرج ودعاء الغريق، حتى أشرف الوقت على طلوع الفجر، فقام الشيخ للوضوء والصلاة.. دخلت الدهلة، وكان لا يزال متوركا، يرفع يديه عاليا بالدعاء، عقب انتهاءه من صلاته. ختمها بهذا الدعاء:

"اللهم إنّا نعوذ بك من شر سلطان سوء، وقرين سوء، ويوم سوء، وساعة سوء.."

 قاطع استرساله دخول الدهلة، انزل يديه، ارخاهما على ركبتيه، اخبرتهما.

"الجماعة يريدون العودة مبكرا الى بغداد، سأعد لهما طعام الإفطار، تعالوا نفطر سوية ونودعهم"

 خرجت، فهمس نوح في أذن الشيخ:

" أحذر أبو بدور، فهو مخبر... "

" عرفته فهو متقلب ومراوغ، ولكن لا أدري لماذا يكرهني!"

"هو يكره حتى نفسه."

تتمتم الشيخ كاظم، ثم رفع صوته:

" قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا."

تناول الجميع افطارهم صامتين، حاول المخبر استدراج الشيخ بالحديث عن الحرب، وصفها بالجنون، وبأن الرئيس هو الذي بدأها، خوفا على كرسيه، حاول إيقاع الشيخ كاظم في الفخ، ولكن محاولته فشلت، حينما أعتذر الشيخ  وقام مودعا، فقام المخبر ليحزم حقائب السفر، وأبدت زوجته رغبتها بأن تذهب مع نوح لزيارة قبر المرحومة في اربعينيتها. لم يقل نوح شيئا.

خرجوا للسيارة التي تنتظرهم أمام الباب، شكرتهم الخالة على تكبدهم المجيء، تحركت السيارة، وخرجت  من الزقاق الضيق واختفت.

بقى نوح مع الدهلة يواجه قرارا صعبا، ولكنه حزم أمره أخيرا، وقرر ان يساعد الدهلة  في البحث عن هيلا، تلهفت لمعرفة ذلك، فطمأنها، وأكد لها أنه لن يتركها لوحدها مهما كلف الأمر، لأنها تحتاج لرجل يقف بجانبها، وهو يحتاج لإمراة بمثل حكمتها وشجاعتها. قال:

" سأقف معك، فلا تقلقي"

عانقته وقبلته، شعربدموعها الحارة تبلل وجهه، شرح لها خطة الهروب.

بعد اربعينية المرحومة، سنذهب لمدينة السليمانية بالتحديد، هناك صديق لسعيد يثق به جداً، سيسهل لك طريق الهروب الى إيران، الفرصة مواتية الآن، فالقتال لم يحتدم بعد في الجبهة الشمالية، وبإمكانك عبور الحدود من إحدى الثغرات التي ينشط فيها المهربون..

لم تقل شيئا، دلفت لغرفتها، وبعد دقائق خرجت وبيدها مغلف، دسته في يده.

"ما هذا ياخاله؟"

"هذه النقود، كانت هيلا قد وفرتها للمولود، لجهازه.. وأضافت متحسرة لو انهم تركوها هنا، حتى تلد، لكان عمر طفلها الآن ثلاثة أشهر، وهذه أقراط ذهبية لزوجتك، نوح، ألم تقل لي ما اسمها؟

خنقته العبرات.

"احتفظي بالنقود لحفيدك يا خالتي.."

" نوح ما أسم زوجتك، أهي جميلة، وبنت من؟"

" سيناء، بنت الحاج سبتي الزبون، جميلة، لم نتزوج بعد، مجرد عقد قران يا خاله."

"كانت امنيتها ان تعيش حتى ترى زفافك قبل ان تموت."

" الحمد لله تحققت امنيتها، وقريبا جدا سنتزوج "

فكر بما قالته قبل قليل عن هيلا، (لو أنهم تركوها هنا) وهي تقصد بهنا: تركوها في بيتها، الذي هو الوطن، الأمان، الحب والحياة، الذي كانت تتمناه لحفيدها، وهل معنى التهجير (هناك) لإيران، إلا الغربة والخوف والموت..

ولكن الوطن.. مكان العيش والفرح، أنقلب الى مسلخ وقبو تعذيب مظلم.. تداخل الوطن بالمنفى، والموت بالحياة، ولم يعد التفريق بينهما ممكنا..

أخبره سعيد أن هيلا ولدت صبيا، في مخيم اللاجئين بمدينة جهرم محافظة عيلام، كان وقع الخبر مؤلما في نفسه، فمجيء صبي لمقبل، كان سيفرح الدهلة كثيرا، لو حدث ذلك في ظروف عادية، وفكر ان اخبارها سيضاعف حزنها، سيعذبها ويقتلها، لقد أحبت هيلا حباً صادقا وعفويا..

 كتم الخبر، علم من سعيد ان الطفل وأمه وجدته، يعيشون في قبو أحد البيوت القديمة، القريبة من محيط ضريح السيدة معصومة في قم، هذا كل ما عرف من سعيد، وسيبوح به للخالة الدهلة، قبل أن يشرعا بالرحلة المحفوفة بالمخاطر الى شمال العراق. ولما شكرها قائلا البيت عامر بأهله، قاطعته:

" لم يعد بيتا كما كان.. البيت بدونهم قبر يا نوح."

" فوضي امرك الى الله، وسوف لن يتخلى عنك ابدا."

" نم في غرفة مقبل وهيلا فهي مريحة أكثر."

قضى نوح نهار ذاك اليوم هائما في حواري المدينة وأزقتها، كأنه ضائع يبحث عن شيء مفقود، عن آثار أقدامه  التي طمستها السنين وغبار الأزقة.. وكان أينما يمم وجهه، فثمة أكف أنهار مبسوطة بالخير، ندية بالعطاء والمياه..

هذه هي مدينته العمارة...

وقبل هبوط الليل، اتجه صوب النهر، أنتظر مجيء صديقه هلال..

لم يأت، عذره حتى دون ان يعرف السبب، فالحرب قد ألغت جميع المواعيد، صارت لها الأولوية على كل شيء، والتقاعس عن تلبية نداءها يعتبر جريمة لا تغتفر، بنظر الذين يقدمون القرابين البشرية  ليلا ونهارا، على صخرة مذبحها المقدس.

لابد ان شيئا منعه من المجيء، فنوح يعرف دقة مواعيده كطبيب، أرسل نظرات تائهة الى المياه الجارية، أو الياردن كما يسميها المندائيون، وهي تنساب وتنفلج عند نقطة غير مرئية، قديما أغرق الأتراك مركبا بخاريا في هذا الجزء من النهر، في محاولة فاشلة ليعيدوا التوازن المفقود لمياه الدجلة، وقيل إن الإنكليز هم الذين أغرقوا المركب، لأنه كان محملا بذخيرة حربية للجيش التركي المتجحفل في مدينة العمارة..

 وهناك بعيدا، تدور الآن معارك طاحنة، على امتداد الجبهة الشرقية، الاطول والأكثر عنفا ودموية، كم يا ترى في هذه اللحظة، سيصل عدد الجثامين الملفوفة بالعلم العراقي، بينما هو واقفا على ضفة النهر ينتظر صديقه..

 راح يخاطب نفسه..

هل لا زلت تحت تأثير النبوءة، هل استحوذت على عقلي، ورسمت في مخيلتي هذه الصورة الوهمية.. لماذا ارى الآن مياه النهرتصطبغ بالدم، اصحيح ان الطبيعة أحيانا تواسي الأنسان وتشاركه أحزانه، أو تناصبه العداء..

كم مرة شعر أن الرذاذ الخفيف، يتحول الى أحجار قاسية تطرق راسه بقوة فتؤذيه.. ولكن الطبيعة في الحقيقة محايدة، لا تكترث لأفراح أو أتراح الناس، قد تبعث أحيانا رسائل مشفرة، ينبغي فك ألغازها، هل الاندماج بين مشاعر الأنسان والطبيعة يصل في بعض الحالات حد التماهي، وهل اصطبغت السماء فعلا بالدم عندما قتل الحسين...!

 هم بالقيام بعد ان يئس من مجيء صديقه، وقبل أن ينهض من مكانه، شعر بيد حانية تربت على كتفه، رفع رأسه، كان ضوء عمود النور القريب منه، يكاد يبدد شيئا من عتمة المساء، رأى شيخا مندائيا، يتسربل بالضوء الخافت، بينما يلف الظلام المكان، جاء ليواسيه، ويمسح بابتسامته الوضيئة، جبلا من الحزن الذي جثم على صدره، كان قبل مجيئه يشعر بأن حياته أصبحت صورة مشوهة لموت مؤجل..

رفع رأسه اليه، قال الشيخ بصوت ملائكي:

" قم وأذهب لبيتك، لن يأتي صديقك الذي تنتظره، ولكن سيأتي في المرة القادمة.."

 واختفى كما جاء خيالا خفيفا، بين الظلال الداكنة لأشجار اليوكاليبتوس، تلك الأشجار الباسقة التي شاهدها يافعا، أول مرة في حديقة مرسى القوة النهرية. وعندما اختفى الشيخ، ترك وراءه خيطا نورانيا، كاد نوح أن يلمسه بيديه، تركه غارقا في ظلام تساؤلاته المحيرة، ولكنه حرره في آن من قيوده الارضية.

شعر نوح أن روحه تسمو تلك اللحظة في معراج سماوي، تتحرر من عبء ثقيل، يشدها للأسفل، وروحه متلهفة للصعود عاليا..

سأل نفسه: أين بيتي الآن؟

لم يعد له بيت منذ رحيل أمه عن هذا العالم، النهر الذي احبه، دائم السيرورة، في حالة زود وصيهود، وأشجار اليوكاليبتوس الباسقة لا زالت تخفي بين أغصانها الكثيفة أعشاش العصافير، ومدرسة السلام التي كانت هنا اختفت ايضا..

الزمن كالأفعى يزحف بوتيرة ثابتة على حراشف الضجر او المفاجأة، لكنه محاط بالقسوة دوما، على مقربة من هنا، لا يزال جسر الملك فيصل منتصبا فوق مياه نهر الكحلاء، المتهادية ببطء في جريانها، حتى تنتهي بالهور الواسع، الناس والبهائم الذين يعبرون الجسر، الذي شيده الإنكليز ابان احتلالهم لمدينة العمارة، لم يفطنوا للعلم البريطاني الذي يعلو رؤوسهم، حديقة المرسى النهري، بناية البلدية القديمة ذات الطراز التركي، منازل الصابئة ذوات الطابق الواحد، وشارع بغداد الممتد عموديا بين الكحلاء ودجلة، والمركز الصحي الصغير الذي وعى عليه صغيرا، حين كان يعاني من غثيان دائم، لمجرد رؤية الطعام، بعد ذلك تحول لمخزن كتب وقرطاسية تابع لمديرية التربية.. كل هذه الأماكن القريبة من بيته، كانت تتشكل باتساق وتماسك في ذاكرته، صورة غائمة، تعبق برائحة المكان المتمرد دوما على جبروت الزمن، وتتناهى صوتا واهنا، ينبثق خافتا من الحلم والخيال الجامح، أعطت هذه الصور لحياته إطارا سحريا، لا زال واقعا تحت تأثيره المدهش حتى الآن..

لم تترك له الأحداث المتلاحقة فرصة لالتقاط الأنفاس، ولن يكون بإمكانه بعد الآن، ان يتفسح بين مفاصل الزمن، كما كان يحلو له من قبل، الماضي الذي تركه وراءه ، لا يستطيع أن يكيفه، يروضه، او يخضعه للأحداث المتقلبة، لقد تمرد عليه الزمن..

لربما عندما يترك مدينته، ولن يراها مرة آخرى، سينسى كل شيء، لكن النهر، الذي عشقه، حفر مجراه عميقا في ذاكرته، لن ينساه أبدا، يستطيع ان يغمض عينيه، فيتخيل أمواجه تتهادى بطيئة بين الضفتين، وتحت الجسر، يعد الركائز الحديدية التي ترفعه، من جهة بناية البلدية القديمة: الركيزة الأولى القريبة من الجرف الرملي، الثانية على مبعدة خمسة امتار، وهكذا الثالثة، والرابعة، فتنتصب أمامه الركيزة الخامسة، ملاذا آمنا ورائعا، استراحة وجيزة، لالتقاط الأنفاس، لسباح تخطى مرحلة التدريب، يرتاح على حديدها الأملس البارد، المغموس في الماء، قبل عبور النهر لشاطئ الماجدية..

مسؤوليات جسام اضطلع بها سابقا، ولكن أيا منها لن ترقى لمهمة تهريب الدهلة، فهي مسألة أشد صعوبة من الصعود لقمة إفرست، تساءل:

هل تحتمل امرأة عجوز مشاق السفر، على دروب وعرة بجبال كردستان الشاهقة!، وقد بدأ فصل الشتاء ببرده وثلوجه وامطاره، هذه المرأة الرائعة، التي قضت طفولتها وشرخا من شبابها، لا تقع عينيها سوى على صفحة المياه الساكنة، ولا تسمع اذناها غير زعيق الطيور المهاجره شتاءً، من الأصقاع المتجمدة، وصياح الخضيري والحذاف ودجاج الماء، المتماهية مع خفقات المياه بين سوق القصب والبردي، وتستمتع حد الإنتشاء حين ترى رؤوس الجواميس مشرأبة فوق مياه الهور، المزدانة في الربيع بزنابق الماء ذات البياض الثلجي، كل هذا الجمال الأسطوري، أي فردوس مفقود، منجمه الطبيعة الساحرة، تضطر على هجرانه، لأجل العيش في بيئة حضرية، كان شراب الدهلة حليب الجواميس وطعامها أسماك الشبوط والقطان والبني.. كيف ستقوى على رحلة عذاب تنتظرها في أرذل العمر!

في تلك الليلة، لم تغمض عينيه، جلس على طرف السرير العريض، المغطى بمفرش حريري بصلي اللون، مطرز بورود، بألوان حمر وصفر وبنفسجية، ومنثورة في حاشيته بفن راق، فراشات ملونة تحلق في دائرة كبيرة في وسطه، ومشغول بخيوط مذهبة من البريسم، وحبات خرز بيضاء شبيهة باللؤلؤ..

هذه الغرفة كانت مخدعا لمقبل وزجته هيله، يقضيان فيها أسعد لحظات العمر، يتبادلان أشهى الثمرات، لا تزال في السرير رائحة جسديهما، يشمها، ويكاد ان يسمع الهمسات الناعمة بين لهاث الأنفاس المتلاحقة والمتقطعة، وصوت القبلات السريعة الملتهبة، لا توجد لحظات تتماهي فيها السعادة بالعذاب، كما هي في لحظة الغرق والعوم على موجة متعة مغرقة بالموت اللذيذ، يحترق فيهما جسدان عاشقان الى درجة الذوبان ببعض..

أخذ وسادة وبطانية وانطرح على الأرض، أنب نفسه ولامها، على النوم في سريرهما الخالي.

عند الفجر كان مرهقا، فأخذته إغفاءة لم يستطع مقاومتها، لا يدري كم مر من الوقت..

 

شكرا لمتابعتكم

 

صالح البياتي

...................

حلقة من رواية:  بيت الأم

 

 

مامند محمد قادرعندما كنتُ صغيراً لم أنعم بِمتعة اللعب ولم أقدر على الخروج من البيت يوماً لشراء اية حلوى من دكان محلتنا، أو رؤية نفسي في المرآة، أو تمييز الألوان، أو مشاركة أقراني من الأطفال في نزهة مدرسية . ذلك لأنني كنتُ قد أصبتُ مبكّراً ومنذ صغري بالعمى جراء مرض معد . تربّيتُ كصغار الكنغر في حضن والدتي التي لم تفارقني للحظة، ولم تكفّ عن مراقبة جميع حركاتي وسكناتي . ترعرعتُ تدريجياً وقضيتُ صبايَ في ظلامي الدامس . وكنتُ قد اعتدتُ في طفولتي على البقاء وحيداً في البيت، أتجوّل في أرجاء المنزل وأعبث بِكلّ ما تصادفه يدايَ . وقد حصل كثيراً أن اصطدمتُ بالجدران أو قطعتُ أصابعي بالسكين أو احترقت يدايَ بِانسكاب مرقٍ مغلي عليها . فكنتُ للحظات أترنّح، أتأوّه، أو أذرف دموعاً دونما جدوى . لذا فقد كنتُ أنا أكثر من ايّ شخص أتأمّل الضياء، فهي كانت رغم العمى تتجسّد في أحلامي وترتسم في أذهاني . ذات يومٍ في زنزانتي الدائمة تلمّست أناملي ثقباً صغيراً في الجدار، شرعتُ أعبث به، قرّبتُ اليه عيني، ونظرتُ خلاله، يا للدهشة، تناهت نظراتي المبتورة على بريق شعلة تتلألأ في الظلام، لم أعرف مصدر البريق أو كنهه، فلربما كان بريق مصباح وهمي، أو خيالاً قد تجسّد في الضياء، أو كتلة شمس كانت قد سبتت في الظلام . لطالما استأنستُ وعشقتُ هذا الثقب الذي أصبح رفيقي الوحيد في الحياة . فقد كنتُ أستمدّ من البريق القابع فيه نوراً لعيني المكفوفة، وقد كان يبعث في نفسي الدفء، ويخمد في أضلاعي ظنون ظمئي الجامح . فطوال ساعات اليوم كنتُ غارقاً في تأمّل ذلك الضوء الدافيء، اذ لم يكن هناك ما يبرّر وجودي على الأرض سوى اللهفة في التحديق في ذلك الضوء حتى أصبحتُ رجلاً . شاء الدهر أن أجريتُ عملية جراحية لِعينيّ، لم يلبث سوى أياماً حتى رجعت بصيراً . حينها تلمّستُ ضياء الشمس ورأيتُ في المرآة نفسي، وميّزتُ الألوان عن بعضها . غير انها لم تثر في نفسي جدوىً أو سروراً أو دفءءا، كما لم تمنح عينيّ نوراً . لِذا وعلى عادتي القديمة، مجدّداً .. لازمتُ الغرفة في البيت، وكسابق عهدي كنتُ أحدّق دوماً خلال ذلك الثقب في الشعلة القابعة في الظلام التي قد تكون هي الشمس الحقيقية.

***

قصة قصيرة

مامند محمد قادر

 

 

جواد غلوممُــعــلِــمَــتي لا تُــحــبّ الــلــقــاءَ

اذا مــا استــطاب وجــازَ حــدودهْ

 

بليــتُ بِــوجْــدٍ عــسيــر المَــنــالِ

وفــاتــنــةٍ فــي هَــواها عَــنــيْــدةْ

 

فلا تشــتهي غـيـر طول العــذاب

ومشْــيَــتُــها للــغــرام وئــيْـــــدة

 

عجــزتُ وهُــنْتُ وهُــدّت قــواي

أمِنْ مسعِــفٍ في مســاعٍ حميدة ؟

 

هــو الحــبّ حــربٌ ولا تنطفــي

وتضعــف فيها العقول الرشيــدة

 

تـعلّمْــت مــنْـك جَــمال الــرويّ

وأرشَــدتِــني دائــما ان أزيْــــدَه

 

حبــيــبة قلــبي وعَــقْــلي ســواء

قريضي تهاوى فصرتِ عـموده

 

تُــحــبّ الكــتاب ومــا يحــتـوي

وتعشق في الصبح ما في الجريدة

 

تـرعْــرتِ فــيّ غَــرامــا بَــكـــى

نَـمَــوتِ جنــيــنا وكـنْــتِ الوليدة

 

فإن خفَــتَ اللــحنُ في مسمعــي

يــظلّ الفــؤادُ يـغــنّـي نـشــيــده

 

أحبّــك بحْــرا مــن المُــلغِــزات

طروحات فِـكْــرٍ ورؤيا سديْــدة

 

وأكـره فـيْــكِ الصدود العَـسيــر

ولاءاتِــك المكْــثرات العـتـيــدة

 

فإنــي المــشوق بـلا مَــطْــمَـعٍ

بــلا أمَــلٍ ارتجي ان أعــيْــده

 

وحتى متى قد يغـيب الرحيق

ويــنأى بعـيدا ليـنسى وروده

 

أشيري إليّ تــعالَ ، اقْــتربْ

فان المسافات لـيست بعــيدة

 

هــنا مُــلْـتَــقاكَ بحضنٍ خـلا

فلمْلمْ شِـتاتي ؛ فإنـي شـريـدة

 

فأنــت تـراني بعــقْــلٍ سَــويّ

ولـكـنْ بـقُـربِــك أبْــدو بـلـيْــدة

 

وإن بعُــدَ الطيــر عــن سربـهِ

فـتُــوقعــهُ فـي فخاخ المكيْــدة

 

وان باعَــدتْــنا دروب الحيـاة

فقد ننْزوي لحظةً في قصيـدة

 

أريــدك قُـرباً ووقْــع خطــىً

إذا كان حلما فلا ، لن أريده

***

جواد غلوم

 

 

عبد الله الفيفيرِئَـةُ الزَّمَانِ صَغِـيْرَةٌ  لا تَـقْـدِرُ

                 وفَمُ الحَـيَاةِ  يَظَـلُّ فِـيْـنَا يَـكْـبُرُ

وإذا عَبَرْتَ فِجَاجَها ولِـجَاجَها

                 عَـبَّـتْـكَ مِنْـها لُـجَّـةٌ لا  تُعْـبَـرُ

تَرْدِيْ بِنَا صَدْرَ النُّجُوْمِ كَوَاكِـبًا

               وتَـرُدُّنـا  والدَّارُ صِفْـرٌ تَصْـفِـرُ

لا تُـمْهِلُ الغُصْنَ النَّدِيَّ بَـنَانُـهُ

                   حَتَّى تُـرِيْـهِ بَـنَانَـهُ يَـتَـكَـسَّـرُ

لا تَسْأَمُ الأَثْكَالَ تَنْزِفُ  سَرْمَـدًا

             إِذْ تَـسْأَمُ  المـِيْلادَ  صُبْحًا يَقْطُـرُ!

هِيَ في رَوابِيْ صَهْوَتَيْها لا تَرَى

             صَيْدًا  سِوَى ما أَنْتَ مِنْها تَحْذَرُ!

***

أَ تَـشاؤمًا؟ مُتَشائلًا، مُتَـفائـمًا!

             وهِيَ المُنَى.. لا فَرْقَ فيما تَـشْعُـرُ

تَسْرِيْ بِكَ السُّفُنُ البَوَارِحُ سُنَّحًا

               والبَحْـرُ لَـيْلٌ زَمْهَرِيْـرٌ  أَحْـمَـرُ

قِفْ ضاحِكًا لا باكِيًا مِنْ ذِكْرِها

                 ماذا يُـعِـيْـدُ بُكَاءُ  نَاسٍ نَذْكُـرُ؟

* * *

أَخَذَتْ بِرَأْسِيْ، ثُمَّ قالتْ: يا فَتَى،

              لَكَ نِصْفُ كَأْسِيْ والشَّرَابُ مُقَدَّرُ

لا تَنْـتَظِرْ ما لا انْـتِظارَ لِفَجْـرِهِ

             والشَّمْسُ لا تَصْحُوْ لِـمَنْ يَتَنَـظَّـرُ

جَـفَّتْ مَوَاعِـيْدُ الغَرَامِ بِدَفْتَرِي

            والحُبُّ في كَفِّ اشْتِيَاقِيَ  مُمْطِـرُ!

***

قَبَّلْتُ ساقِـيَـتِيْ بِمَفْرِقِ عِطْرِها

               ومَضَيْتُ والدُّنْيَا عُـيُوْنٌ تَـأْمُـرُ:

غَامِرْ وحَاذِرْ ساعَـتَيْنِ  بِسَاعَـةٍ

              وغَدٌ سَيَرْحَلُ مِثْلَ أَمْسِ ويَحْضُرُ

هِـيَ قِصَّـةٌ مَكْـتُوْبَـةٌ بِدُمُوْعِـنا

              يا عَـلَّ خاتـِمَها ابْـتِسَـامٌ أَخْضَرُ!

***

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

 

محمد المسعودياتفق الأصدقاء، في سياق عبثهم وضحكهم، أن يقنعوا السيد محمد بإحضار ديك أسود ليكون وليمة يجتمعون عليها في نهاية الأسبوع القادم. واتفقوا على أن يسردوا على مسامع سي محمد رؤيا "الشريف"، وهي رؤيا صادقة، مما لا شك فيه. وكما حكى "الشريف" تفاصيلها كانت الرؤيا تؤكد تحلقهم حول مائدة عامرة فارهة توسطها طبسيل ضم ديكا طُهي بمهارة وإتقان، وهو ديك قبل أن يُذبح ويتم تحضيره كان أسود اللون، وأن الصوت الذي هتف به كان يوصيه بضرورة حصول السيد محمد على هذا الديك مهما كان ثمنه، وأن يجلبه من أي بقعة في الأرض وُجد. وزاد الصوت توضيحا أن يقوم السي محمد نفسه بشراء الديك وجلبه حيا إلى المكان الذي اعتاد الأصدقاء اللقاء فيه أسبوعيا على أن يقوم "الشريف" بذبحه، بينما سيسهر السيد عبد الجليل على طهيه وإعداده بما عُرف عنه من حرفية وإتقان في طهي شتى صنوف الطعام المغربي الشهي.

ظل السيد محمد يتلكأ على عادته، ويتعلل بمختلف الأعذار ليفلت من تبعات الزردة التي وقع عليه شرط تمويلها وكلفة البحث عنها: البحث عن ديك أسود لا شية فيه. صار يتساءل: أين سيجد هذا الديك الأسود؟ وهل من السهل العثور على ديك أسود خالص لا توجد فيه ريشة من أي لون آخر؟

تطوع أكثر من واحد من المجموعة مقترحا مساعدته في البحث عن هذا الديك الأسود في أسواق طنجة، وأسواق القرى المحيطة بالمدينة: أربعاء عين دالية، أربعاء عياشة، ثلاثاء جبل حبيب، خميس بني عروس.. وغيرها، لكن السي محمد ظل مصرا على موقفه الرافض، وتشبثه بما قرره في دخيلته: أن لا يرضخ لطلب أصدقائه، وأن لا يُسهم في هذه الوليمة المحلوم بها.. المتخيلة.. في رؤيا "الشريف" المزعومة.

مضت الأيام، ونُسي في خضم اللقاءات والأحداث موضوع الرؤيا، وإغراء الديك الأسود. وحدث أن السيد محمد اشترى هاتفا جديدا من الهواتف الذكية، عرضه على الأصدقاء في جلستهم الأسبوعية، ولأنه أول هاتف ذكي يتعامل معه، احتاج لمن يدله على كيفية استعماله، وكيفية تنزيل بعض البرامج الضرورية التي يستعملها أصحاب الهواتف الذكية للتواصل: ميسنجر، وات ساب، فايس بوك، إنستاجرام.. وغيرها. وإذا بعبد الرحيم، وفي إطار محاولته مساعدة السيد محمد على البحث، في جوجل وبلاي ستور، يقترح عليه فجأة، وبمكر، أن يكتب باللغة العربية: الديك الأسود. نفذ سي محمد طلب عبد الرحيم، فظهرت، فعلا، معلومات وافرة عن الديك الأسود الخالص، وأماكن توافره بأندونيسيا والبرازيل والمكسيك ودول إفريقية عديدة، وأنواعه، وأثمانه المرتفعة التي يباع بها عبر العالم، ومعلومات أخرى عن بيضه، وعن فوائد لحومه. وكان الأصدقاء يمزحون معه قائلين:

-أرأيت حتى هاتفك الجديد اعترف بوجود الديك الأسود، ودلك على قيمته، وأنت تنكره، وترفض أن تحقق رؤيا "الشريف".. ياك البخيل.. سترى رؤيا "الشريف" غدي تخرج فيك..

ومرر عبد الرحيم البحث من المعلومات إلى الصور، فبدت صور مختلفة للديك الأسود الأندونيسي والبرازيلي والمكسيكي والإفريقي، وشكل بيضه الأسود الغريب، وشكل لحمه الأسود الخالص. ثم انتقل إلى حيز الفيديوهات، وهو يغمز "الشريف" بعينه، وترتسم على ملامحه ظلال ابتسامة ماكرة، ومد الهاتف إلى السيد محمد ليجد نفسه أمام صور لمواقع خليعة تسمى بهذا الاسم، وهنا شحب لون سي محمد وصار يسأل محرجا عن كيفية حذف هذه الصور من هاتفه:

-كيف غنزول هذ المصيبة.. كيف.. العيال غدي يشوفو هذ المسخ.. أعباد الله..

كان الأصدقاء يضحكون.. و"الشريف" يقول له:

-شُفتي أقليل النية.. ها ربي جابا فيك.. تم.. تم.. والو هاذ شي ما يزولشي حتى تشري الديك المعلوم وتجيب باباه نطوجنوه...

ازداد لون سي محمد شحوبا، وهو يتململ في كرسيه متوسلا عبد الرحيم كي ينقذه من الورطة، غير أن عبد الرحيم اعتذر له. وأصر على أنه لا يعرف كيف يمحو مثل هذه الفيديوهات من الهاتف لأنه لم يسبق له أن رآها، ولم تدخل هاتفه أبدا، وادعى أن الأمر يحتاج إلى معلم مختص، وأن على سي محمد أن يذهب إلى (كاسابراطا) ليبحث عن الحل، وليصلح  هاتفه، وليزيل هذه المصيبة منه.

لم ينبس السيد محمد ببنت شفة، وظل مطرقا هنيهة. ولما رفع رأسه، خاطب عبد الرحيم:

-أنت عزري..  ميلومك حتى واحد على مشاهدتك مثل هذه الأمور.. قل لي بشحال يتصلح هذ الهم..

رد عليه عبد الرحيم:

-أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. أنا ما كانشفشي هذ الشي.. وما نقدرشي نطلب من المعلم يزول هذ المصايب.. مشي بيدك أخاي..

-الله يرحم والديك.. بشحال نقدر نزول هذ الحريرة..

مد الهاتف إلى عبد الرحيم الذي أطفأه، ووضعه في جيب سرواله.

-أر ميتين درهم.. هذ المصيبة باش تزول خصها 200 درهم..

-بزاف.. بزاف.. أسي عبد الرحيم..

-أنا مبغتشي نقولك كثار من هذ الثمن.. هذ الحريرة هذي كيعدلها المعلم ب 300 أو 400 درهم.. يا الله جبد يمهم..

أُسقط في يد السي محمد، ولم يجد بدا من إخراج مائتي درهم ناولها لعبد الرحيم. وضعها عبد الرحيم في يد "الشريف"، وهو يقول له:

- هاك باشتشري الفروج اكحل.. وأنا غدي نتكفل بالباقي.. 200 درهم.. متكفشي نالزردة..

لم يفهم سي محمد ما يجري. كان الأصدقاء ينظرون إليه، وهم يضحكون في صخب، وبعضهم اقترب منه يربت على ظهره. وقال له المختار وهو يلف دراعه على كتفه:

- هذي عاقبة قلة النية.. نهار الخميس مرحبا بك تكول طجين الديك الأسود.. وتدي التلفون ديالك..

وعلت قهقهة الأصدقاء، وشاركهم السي محمد ضحكهم على مضض، وهو يقول:

- اعملتوها بيا يا اولاد الحرام..

***

محمد المسعودي

 

صحيفة المثقفحيث لا أطماع في خزائن القلب

ولا جيوب للرجاء

ولا تذاكر تقطع للرحيل

يرقد الطفل في قمط الطمأنينة

مثل نوية في بيضة

وتمد الريح خيوط الزعفران

برائحة الياسمين

يهبط الملاك ليبذر السلام

في ثرى وطن رثته السماء

يزرع في قذاله وردة  بيضاء

قطفها من سموات  " الكاردينيا "

هداياه إرثاً للطيبين

يشتلها فوق مهود وردية

للصغار

وينثرها على رؤوس العجز

كواثر المطر

يطفأ جرائم الألم  ..

وجراحات الضمير

وحمى الكهولة

أراجيح الذكرى

تهدهد الحلم الآبق من جفن اليباس

سقيا لمزرعة الطفولة

دعاءٌ ينتظر الإجازة

ليحبوَ على أرصفة الحقيقة

وزلال الذاكرة

يسيل على جبين الطوايا

رافعا راية الانتصار

على سواري سفن الضياع

مدمدماً

على زواحف الانطفاء

فوق  أوجه القمر

لا وسم في عضد الغريب

ولا سبب

في منزلق الرماد

يُتشبث بالريح من عصف النصال

وليس هناك

في الأُفق القريب

سوى

عينان ترتجلان البراق

قدمان ضالعتان في اجتياز الجسور

ويدان يلكز احداهما الصحو

ويجذب يسراهما انفصامْ

***

سمية العبيدي

 

 

 

فتحي مهذبالى الصديق Alaa Mohsen

بيت يشبه قلعة مهيبة مهجورة يتكئ على صدر تلة مسيجة بأشجار الكاليبتوس

الكثيفة خالعة على الفضاء الداخلي لصحن البيت الوسيع دكنة غامقة الى درجة تخيله لوحة سريالة مثيرة للرعب لطخها فنان

بهستيرية مفرطة..لوحة رمادية معلقة مثل قلادة من عظام الموتى على صدر التلة الموحشة..

ورث هذا القلعة الصغيرة المشبعة بروح قروسطية مذهلة عن أبيه المشهور بتجارة المخدرات حيث كان الوارث الشرعي الوحيد لهذه التحفة الفنية الموغلة في سوداويتها المقرفة ..

كان( ش ) كلفا  حد الهوس بتربية الحيوانا ت الغريبة .. الأفاعي السحالى..  الذئاب..

الكلاب الضخمة المدججة بأنياب فظيعة..

يبدو مظهره مثل قس هادئا غارقا في نهر عميق من التأملات ولكن في الحقيقة هو على نقيض ذلك ..

انه كائن شهواني عدائي سفاك..

مبشر بايقاع القتل المجاني..

مكتظ بضروب الحيل والشرانق ..

انه عنكبوت سام وضخم يتخفى وراء قناع ملاك بريئ..

اختلف (ش) كعادته الى الملهى الليلي ليراقص الحسناوات الرشيقات يغريهن بالأموال وبابتسامة قس مزيف ..

يرمي شبكته السحرية التي حبك خيوطها من معدن ذئبيته الماكرة ويظل منتظرا فريسته  بروح عنكبوت لا يمل الانتظار.. المهم أن يحصل على فريسة مشتهاة..

ليسكت نواقيس شبقه الداخلى الفوار..

هاهو يستفرد بقنيصة خلاسية

مشبوبة الملامح تتقطر عسلا وشهوة ..

ساقها مثل شاة عمياء امتطت سيارته الشبيهة بعربة الأموات الموسرين..تبادلا النظر بصوفية مرهفة.. أطلق ضحكة مدوية مثل قذيفة هائلة لم تقف على ما تبطنه من عواقب..سرد لها قصصا رائقة

عن الحمامة التي افترست صغارها

أفعى قرمة اندست الى عشها في غيابها القسري بحثا عن الطعام لصغارها وكيف انتصر الطائر الكسير على الأفعى المتسلطة اذ فقأت عينيها بمنقارها فاندفعت من أعلى الشجرة الى أسفل لتلتقطها هوام تجوب المكان بسرية مطلقة..

انه مبدأ الافتراس الحتمي .. العالم يفترس بعضه بعضا .. أحيانا تفترس الأشياء ذاتها بعذوبة باذخة..لقد خلقنا لنفترس ونفترس..

انها لعبة قذرة ولكنهالا تعدو أن تكون ضربا من الاقتضاء والضرورة..هكذا خلقتنا الآلهة لنكون قرابين لبعضنا البعض...

-قالت ببحة تتقطر طلاوة :

أنت فيلسوف يفسر الحقائق مشفوعة بسيل من البراهين الساطعة..

-قال معقبا: كل ما نفسره قابل للدحض والتفنيد..

ليس ثمة شي ثابت قطعي..

مثل النظريات التي تنقض بعضها البعض..

التهمت لسانها دفعة واحدة مثلما تلتهم الأفعى جرذا جموحا..

وغابت في أعماق غابة من التفكير

المليئة بقمح مجازاته واستدلالاته.

أهدى اليها أساور ذهبية سحبها من جيبه الأيمن..

اطمأنت قليلا وزالت رهبتها الغامضة بينما السيارة تطوي المكان بجنون وسط طبقة كثيفة

من العتمة ..

قالت: ما أروع قصصك الآسرة التي نفذت الى عمق روحي .. أنت بارع في سرد الحكايا..

رد باقتضاب : الحياة حكاية ضخمة ونحن الأشباح التي تملأ صفحات كتابها الأبدي..

قالت : جميل هذا.

قال : العفو أيتها الوليمة المقدسة..

لم تعي جيدا مغزى حديثه مسدلة زفرة عميقة على المكان كما لو أنها توجست شرا..

طمأنها مداعبا أرنبة أنفها بأصابعه

المشبعة برائحة القتلى..وبعد ربع ساعة ونيف تقريبا وصل الى قلعته المخيفة .. أطفأ محرك السيارة .. أمسكها من يدها اليسرى مترنما بأغنية ذات ايقاع دموي..

بصوت خفيض جدا..

أيها البيت الملعون

الخالي من ضوء الضمير

الذي تسكنه  ملايين الأشباح

في الدهاليز السفلية

مثل شياطين تمارس لعبة الغميضة..

أيتها القلعة المكتظة بأرواح الأسرى النائمين على سرر الفجيعة

أيتها اللعنات الأبدية

أيتها الضفادع المخيفة

التي تغطس في حوض الشيطان

التي تأكل لحم القطط الساخن..

هانذا جلبت وليمة

لابنك الذي تدهسه العزلة في غيابات القاع..

وليمة لاسكات زئير الفراغ

أيتها السكين

كوني مهذبة أثناء الصلاة

وتقطيع الأطراف..

هذه وليمة لسكان القلعة المخفيين

نظر اليها نظرة نسر كاسر

وفجأة استل سكينه المقدس طاعنا فريسته طعنات متلاحقة في أماكن حساسة من جسدها المستسلم لقدره البائس..

جر جثتها مثلما تجر كلاب الاسكيمو زلاجة ثقيلة..

انتهى به المطاف الى المغسلة..

جلس على قائمتيه مثل وحش أسطوري .. أزال بعض البقع الدموية المتحجرة .. وبحركة عدائية استأصل عينيها الزرقاوين المغرورقتين بالدموع ثم ابتلعهما

مثل حبتي لوز..

حدق في وجهها مثل عقاب يتجسس على حال فريسته الهشة

صاح مولولا بلهجة خفاش غامضة

استيقظي الآن يا أميرتي..

لنرقص رقصة الأموات الأخيرة..

رقصة الفأس في تضاعيف الشجرة المتغطرسة..

رقصة فارغة من طعم المعنى..

رقصة يتحرر فيها الجسد من قبضة الأمكنة المتعفنة..

طوقها بذراعيه بقوة قرش محدب

وأخذ يرقص.. فمه ملطخ بالدم..

يزرب دخان أسود من محجريها المثيرين للذعر..

سقط أرضا مثل سلحفاة عرجاء..

الآن أتممت طقوس رقصتي الوثنية على مسرح هذه الخلوة الفريدة..

أنا مروع الشياطين

وحارس الجحيم الهلامي..

صوتي هراوة قدت من عظام المردة..

أخذ سكينا تلمع مثل ضوء قنديل في عتمة المقابر..

قطع رأسها .. دق حزمة من المسامير في فروة رأسها صائحا

ليغفر لك الرب ما اقترفت من آثام

أيتها المومس.

أنا النهر الملكي الذي يتدفق في

غابة الجنون الخلاق..

يا لها من حفلة شواء رائعة..

أيها المردة أيها الجن أيتها الأبالسة تعالوا .. اهبطوا من سرايا الغيب ..

هذا عشاء مقدس لم يك بد من الحضور ومقاسمتي لحم هذا الضأن الطازج..

سأحتفي بكافة الأشباح الملعونة التي تسكن بيتي الرجيم..

أيتها الكائنات السريةالحارسة لفخامتي من عضة الذئاب البشرية..البشر القذرين الذين هم في مسيس الحاجة الى

صلاة سكيني الرحيمة..

أنا دخان متشظ يقبع داخل كومة من  اللحم القذر..

أكره البشر الذين دمروني ودمروا قرية الله الجميلة..

سحقا لشيئ يسمى انسانا..

هذا الذي الذي امتص جمال روحي مثل حبة فراولو..

اندلعت معركة وحشية بين قططه وكلابه الشرسة التي كانت تقاسمه

الحياة بمجرد تسلل رائحة الشواء

الى مسامات أنوفها..

تساقت الكؤوس الفاخرة من أعلى الرف المصنوع من  الأبنوس..وتهشمت الأواني واحتل المكان  ذعر شديد ..

احتسى كميات من  دم ضحيته معمدا وجهه وأطرافه صائحا لتنزل بركة الرب..

فر طائر غريب يشبه الى حد بعيد طائر غرغر من أعلى تلة رأسه..

نادته خزانة صغيرة محشوة بجماجم ضحاياه

كف عن الضجيج أيها الحقير شاتمة أصله وفصله والسلالة التي تحدر من منابتها..

رد عليها بكل برودة دم وبلهجة فيها ما فيها من العنجهية

سأكسر عظامك أيتها البائسة العطنة..

سقطت الساعة الحائطية محدثة قرقعة فتحت النافذة وفرت خارج أسيقة الزمن..والتقاويم..

ثارت الملاعق الخشبية ..كان لثورتها واحتجاجها وقع كبير في صحن القلعة الرمادية ..

فقد الكرسي الذي يجلس عليه حاسة اللمس ظل يعوي مثل كلب خرافي..بينما الريح تطرق باب القلعة الكبير كما لو أنها رجال  شرطة بيد أنه لم يزل غير آبه بهذه

الاحتجاجات داخل بيته الرهيب..

مزمجرا مخاطبا الريح بعدوانية

انتظريني قليلا

سأفتح الباب وأمسك جدائلك وأمزق لسانك المتطاول.

وبينما هو كذلك في نشوته الدموية الباذخة اذ هطل مطر شديد لم يسبق له مثيل..

حمله الطوفان الى قاع الجحيم  لينال جزاءه الحتمي مثل حشرة

قميئة تعشش في غابة

***

فتحي مهذب

 

وحيد خيونلا تُحاولْ

إنَها الحِكْمةُ أنْ تُخفِقَ في كلِّ المسائِلْ

إنّهُ حظُّكَ أنْ يقْتُلَكَ النّاسُ

وأنْ تَأتِي على أَنَّكَ قاتِلْ

لا تُحاوِلْ  

 إنَّهُ عَجْـزٌ إذا حاولتَ أنْ تَشْرَحَ لِلْبَحْرِ

تَوَارِيخَ السَّواحِلْ

إنّهُ عَجْـزٌ وقد حاوَلْتَ

حتّى انْكَسَرَتْ منكَ قويّاتُ الـمَفاصِلْ

إنّهُ عَجْـزٌ فلو حاولتَ أنْ تبعثَ روحاً فيكَ

قد تُصْبحُ جاهِلْ

لا تُحَاولْ

روحُكَ الخضراءُ ماتتْ فيكَ

والأحْلامُ لا تُعْطِيكَ

حتى القِشْرَ مِن حَقْلِ السَّنابِلْ

اقْبَلِ القِسْمَةَ كُنْ مُحْتَرَماً أو بعضَ عاقِلْ

حيثُ أَنَّ القَدَرَ الواقِفَ في بابِكَ لا يُعْطِيكَ

مَهْمَا كَثُرَتْ مِنكَ الوسَائِلْ

لا تُحاولْ

أَغْلِقِ البابَ على نفسِكَ واصْمُتْ

مِثْـلَما يَصْمُتُ في الرِّيحِ الشَّجرْ

أَغْلِقِ البابَ على نفسِكَ مِنْ حُزْنٍ على ماضٍ

ومِنْ خَوْفٍ على مُسْـتَـقْبَلٍ حَفَّ بهِ أَلْفُ خَطَرْ

جَفَّ شِريانُكَ يا هذا

وأصْبَحْتَ شبيهاً بحَجَرْ

أَغْلِقِ البابَ على نَفْسِكَ واحْذَرْ

ناقَةَ البَدْوِ وثُعْبانَ الحَضَرْ

وصديقاً ربَّما تحسَبُهُ النّاسُ لأيّامِكَ لو تَـقْسُو

وأيّامِي إذا ما أدبَرَتْ كانَ صديقي

قدَرِي الأشرسَ مِنْ كُلِّ قدَرْ

وصديقاً خَنَقَتْهُ غَيْرَةٌ مِنكَ

 وفي وجْهِكَ مِنْ حِقْدٍ تَشَظّى وانْفَجَرْ

وصديقاً كانَ مِن أيّامِكَ السَّوْدَاءِ أدْهى وأَمَرْ

وصديقاً دائِماً يَغْلي وقدْ عَضَّ الأنامِلْ

ضجراً يَغْلي لأنّي

لم أزلْ رُغْمَ سُقُوطي مُتَفائِلْ

حيثُ حاولتُ و حاولتُ ومازِلْتُ أُحاولْ

كنتُ أرجو مِنْ عَلاقاتِي رُقِيّاً وتكامُلْ

كنتُ لو قالوا بأنَّ الحبَّ والأشواقَ زَيْفٌ

يَعْتَريني ألَمٌ حَتّى المفاصِلْ

وإذا قالُوا الصَّداقاتُ نِفَاقٌ

أتَحَدَّاهُمْ بِصَحْبي وأُمَاطِلْ

وأخيراً بعْدَما صِرْتُ وَحِيداً

وتَغَرَّبْتُ وَهَزَّتْنِي الزَّلازِلْ

فإذا قلتُ أنا عِنْدِي صديقٌ

فأنا إنْ لمْ أُنافِقْ فَأُجامِلْ

غُرْبَةٌ يُزْعِجُها جِدًّا وُجُودِي

والَّذي يُزعِجُها أَنِّي مُفَكِّـرْ

غُرْبَةٌ حُبْلى بإِعْصارٍ قَوِيٍّ وَ مُدَمِّرْ

أَجِّلِ الصَّرْخَةَ فَالمَوْعِدُ مكتوبٌ

وسَاعَاتُ أَعَادِيكَ تُقَصِّرْ

أَجِّلِ الصَّرْخَةَ ما زِلْتَ شُجَاعاً

والشُّجَاعُ القَاهِرُ الدُّنْيا مَتى شاءَ يُقَرِّرْ

وَمَتى شاءَ يُكبِّرْ

ومَتى شاءَ ومَنْ شاءَ يُصَغِّرْ

لا يُهِمُّ القِـرْشَ ما مَعْرَكَةُ البَحْرِ

وعنْ ماذا سَـتُسْـفِـرْ

إنَّما القِرْشُ وإنْ غَطّاهُ مَوْجُ البَحْرِ

فِي داخِلِهِ يَبْقَ الـمُسَيْطِرْ

فَعَلامَ القَـلَقُ القَاهِرُ

والفُرْصَةُ قَدْ تَأتي ولِلْأَمْرِ مُدَبِّرْ؟

وعَلامَ اليَأْسُ والأيَّامُ أَشْواطٌ

وما أدْراكَ؟ فالوَقْتُ مُبَكِّرْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأتْباعُـكَ في رأسِكَ تَلْهُو وتُنَظِّرْ

مُنْذُ عَامَيْنِ وأَيّامُـكَ تُعْطِيكَ الَّذي تَرْجُوهُ

لكِنْ لنْ تُريدَهْ !

مُنْذُ عامَيْنِ وأَقْلامُكَ تَشْكُو مِنْ جَفافِ الحِبْرِ

والأَوْرَاقُ بَيْضَاءُ جَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ ولمْ تَكْتُبْ قَصِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وقدْ غابَتْ جِراحٌ

وجِراحٌ ظَهَرَتْ فِيكَ جَديدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وتَأْريخُكَ مَجْهولٌ

وضَيَّعْتَ سَراياكَ العَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأَرْقامُكَ أَرْقامٌ

وزُوّارُكَ جُلّاسٌ على نَفْسِ الحَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأَخْلاقُكَ ما عادَتْ حَمِيدةْ !

مُنْذُ عَامَيْنِ تَغَيَّرْتَ كَثِيراً

يا لِذُلِّ المَلِكِ الواقِفِ يَسْتَجْدِي عَبِيدَهْ

مُنْذُ عَامَيْنِ وأَرْقَامُكَ صِفْرٌ

والَّذي عِنْدَكَ لا تَعْرِفُ في السُّوقِ رَصِيدَهْ

إنَّها حَقّاً مَكِيدَةْ

وعَلَيْكَ الآنَ أنْ تَخْرُجَ مِنْ جُحْرٍ وأَنْ تُخْفِي الـمَسائِلْ

وتُحاوِلْ

وتُحَاوِلْ

وتُحَاوِلْ

***

وحيد خيون

..................

26-2-2000

 

 

 

نور الدين صمودكورسكوف !

بَدِّدِ الليل المخوفْ

وأزِلْ عنه السُّجُوفْ

بقصيد كشذا زهـر الربيعْ

رائعٍ عذب بديعْ

لم يُسَجِّلْ بالحروفْ

لا يبالي بالخريف

ذلك الجهم المُخيفْ

ليس يَفـْـنـَى

بسوى لحْنٍ ربيعِيٍّ وريفْ

فازرع ِالألحانَ في قلب السهارَى

واهْـدِ بالنور الحَيارَى

واجعل الأوتار في القلب كطير يتغنـَّى

فتهادَى

وتمادى

وأعادَ

واستعادَ

ومضى يذبح بالعزف شرايينَ الوترِ

وعلى أوْرِدَةٍ شـُدَّتْ إلى عُنـْقِ (الكمانْ)

بهدوءٍ ناعم ٍ كالريش قد فاض حنانْ

مثل سكين رهيف الحدِّ بالـقـَوْسِ عَزَفْ

وبدا لي اللحَْنُ مثل الدَّمِ مِنْ جُرْح ٍ نــَزَفْ

أو كأنـْفٍ شامخ في شِدَّةِ الحَــرِّ رَعَــفْ

أو كمََن، في وَقـْدَةِ الرَّمْضاءِ، للعنقودِ قد كان ذبَـحْ

ليرَى النشوة َتــغــزو كل قلبٍ بأهازيج ِ الفرحْ

مثل ماءٍ،

من سماءٍ،

مُنـٍـهَـمِـرْ

وهو، إذ يسمعُهُ (بَابَا عُمَرْ)

وهو فلاح كبير مُشـْتهِرْ،

عِندَه قد كان أشجى من ترانيم الوتــرْ

وغدَا يُخصِبُ إحساس البشرْ

فيضوع العطرُ من قلب الحجرْ

وعلى الأغصان في رقصتها

تـَتـَـغـَنـَّي الطيرُ من نشوتها

ولـَها، لمّا لهَا، بالقوس في أوتارها، كان حفيفْ

لغصون راقصاتْ

وطيور في فضاءْ سابحات رفرفت أحلى رفيف

*2**

كورسكوفْ

يا سمير الساهرينْ

كن رؤوفْ

وتـَرَفـَّقْ

بدماء تتدفقْ

في قلوب العاشقينْ

وتـَسَمَّعْ في شرايين القلوبْ

صوتَ آهاتٍ تـَذوبْ

ومن النشوة قـد سالت دموعْ

مثلما ذابتْ، لِتـُجْـلي الليلَ، آلافُ الشموعْ

والطيوبْ

تغمــر الجـــوَّ الرحيبْ

والعبيرْ

كدتُ أنْ أبْـصِــرَهُ يغزو الأثيرْ.

والنغمْ

سَيْلُ حُبٍّ ووئــام وشجونٍ وألمْ

في اصطخابٍ وخشوعْ

فهو كالبحر تراه تارة يبدو نؤومٌ

وتراه تارة يبدو غضوبْ

مثلَ رَعْـدٍ يَسْبـِق البرق ويأتي من بعيد وقريبْ

وهو  للبعض أنيس وهو للبعض مُخيفْ

**3**

كورسكوفْ

أيها العازفُ لا تعزف عن العزف ودع عنك الُعُـزوفْْ

وعلى أوتار قلبي وقلوب الساهرينْ

وجميع العاشقينْ

كن عَـطـُـوفْ

كورسكوف

أيها السابح والذابح والنائحُ والعائثُ والعابثُ والنافث في صدر الكمانْ

أيها المنشد في الشعر على أسماعنا أحلى قصيدْ

مثلما (البَرْبَط ُ) عند الفرس (صَدْرُ البط )ِّ شكلا وهو عودْ

مثلما شـَدّتْ حَكايا شهرزاد الساحرهْ

شهريارًا ذا العيون الساهرهْ

وَسَبَتْهُ بخيال في سماءِ الفـَـنِّ طارْ

بالحكايات الطريفات التي قد أسرته ألـْفَ ليلهْ

قد جرَتْ في الهند أو في السندِ أو في الكـَنـْج أو في نهر دِجْلـَهْ

كم ألانت من قلوبِ

بترانيم الصنوج

أرقصتْ في الغاب آلاف الزنوجْ

فأسالتْ أدمُع الفرحة والحزن وفاضت بالنشيج

وشـَدَتْ أحلى قصيدْ

فيه يُبْــدي ويُعيدْ

بابتهالات النغمْ

ولذاذات الألمْ

ظل يسري في حكايا شهرزادْ

لم يُسَجَّلْ بالمِــدادْ

رائع دون حروفْ

مثل عزفٍ مُسكر ٍ من كورسكوفْ.

****

نورالدين صمود

.........................

توضيح: عثرت على مسودة هذه القصيدو بين أوراقي المتراكمة فبيضتُ مسودتها وحسنتها وزوقتها وزففتها لتكون عروسا تليق بقراء منبر المثقف العربي. هذه القصيدة كتبت مسودتها من وحي حفل شعري موسيقي بمدينة بوسكوف قرأنا فيه الشعر بمختلف اللغات وسمعنا فيه الموسيقى العالمية ومن ابرز ما سمعنا موسيقى الموسيقار زامشكي كورسكوف، وذلك بمناسبة الاحتفال العالمي بمئوية الشاعر الروسي اللغة الإفريقي الحبشي الأصل، فامتزجت في هذه القصيدة الموسيقى بالشعر والواقع بالخيال، فهل كنت مصيبا في بعثها من رقدتها الطويلة منذ 1979أي منذ ما يناهز أربعين سنة.

 

سليم الحسنيغضب الأمير. انتشر الخبر في المدينة القديمة، تبادل الطلبة والأساتذة والحاشية والموظفون والمهتمون الخبر. تحققوا من صحته، استمع بعضهم لرأي بعض. تأكّد الخبر، لقد غضب الأمير.

مرت ساعة من النهار، لا أحد يجرؤ على دخول غرفته، انتظروا أن يدخل عليه خادمه بالشاي. خرج الخادم كما دخل فملامحه غير مقروءة، ازداد الأمر صعوبة. تبادلوا الرسائل، لا شيء جديد، ننتظر دخول الخادم عليه ثانية.

مرت الدقائق ثقيلة بطيئة، هكذا يكون الزمن حين يغضب الأمير. دخل الخادم، تسمّرت أبصارهم بالباب، سارت نحوها آذانهم، لكنهم لم يسمعوا شيئاً. مرت دقيقة أو ساعة، لم يعد بمقدورهم معرفة الزمن. خشخشة أوراق، رنين ملعقة، صوت غير معروف، خشخشة أوراق مرة ثانية.

مرت دقيقة أو ساعة، سمعوا قهقهة الخادم، أمطر الفرح عليهم، هذه بشرى خير، خرج الخادم محمرّ الوجه، كان سعالاً وليس قهقهة ضاحك. أمسك الفرح مطره، عاد الوجوم الى الوجود. تبادلوا الرسائل، لا شيء جديد، ننتظر دخول الخادم عليه ثالثة.

خرج الأمير، نهض جميع الحاشية وقوفاً، أحنوا رؤوسهم، ألقوا عليه التحية، ردها عليهم، ثم دخل الغرفة.

تبادلوا الرسائل، اختلفوا في الرأي.

قال بعضهم: إنه متعكر المزاج.

قال آخرون: بل هو غاضب.

قال ثالث: ادع الله أن يزيل هذه الغمّة.

ارتفعت الابتهالات الى السماء، وجوه خاشعة وقلوب جامدة. كانوا يجيدون خشوع الوجه، يكسونه بزيت من نبتة بوذية، فيفعل فعله بأسرع من لمح البصر.

انتصف النهار، خرج الأمير من الغرفة، ألقوا عليه التحية، ردها عليهم، أحسوا بنبرته هادئة. شاع الخبر في المدينة القديمة، زال غضب الأمير، فعمّ الفرح جميع الحاشية. كانوا يجيدون بشاشة الوجه، يكسونه بزيت من نبتة استوائية.

على هذا الحال، تمر الأيام والسنوات، فمزاج الأمير يشغل الطلبة والأساتذة والحاشية والموظفون والمهتمون، فعلى مزاجه يكون الرضا والسخط، وتسير نجوم السعد والشؤم. لا يجازف كبار المسؤولين بحاجاتهم اليه، إلا بعد أن يتأكدوا من مزاجه، فمن ينال بركته في ساعة الرضا فهو سعيد يمضي الى أعلى الدرجات، ومن يخسر بركته في ساعة السخط، فقد لحقه الخسران وساء به المنقلب.

 

سليم الحسني

 

قصي الشيخ عسكرفي ذكرى الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم 

القصيدة كتبت بعد احتلال بغداد مباشرة

 

سنظل نهتف دائما ونردد

                       لما يزل فينا الزعيم الأوحد

عبد الكريم وفي القلوب مكانه

                             في كل يوم حبه يتجدد

زعم الزناة الفاسقون بأنهم

                   قتلوا الزعيم فخاب منهم مقصد

لن يُقتل الشرف الرفيع ولا

              الكرامة والسماحة والحجا والسؤدد

لن يقتلوا في الشعب روحا شامخا

                        تهفو بأنفاس الحياة وتصعد

لكنهم هتكوا الصيام ببدعة

                     من شر ما أفتى شباط الأسود

قتلوا بنا أنقى وأصدق لحظة

                      وتجاهلوا عما يجيء به الغد

بغداد  كعبة  مجدنا  ستظل

                     شامخة برغم  جراحها تتبغدد

ونظل نشخص للسماء إذا بدا

                       قمر الزعيم وطلّ نجم أسعد

***

شعر قُصي الشيخ عسكر


إلى روح المرحوم الشهيد

عبد الكريم قاسم

القصيدة كتبت في الخامس من حزيران عام 1968

ونـُشرت في ديواني رحلة الشمس والقمر

ماذا أكتب عنك؟

يامن آنست الحق رفيقا

ورفعت على رأس الجلاد نعال المظلومين

قالوا عنك شعوبي كافر

والتهمة تلصق دوما بالشرفاء

مادمت شريفا

ستكون شعوبيا أو مجنونا

مادمت تدافع عن حق الإنسان

ولقد كانت بعدك أنباء

تخجل منها صفحات التاريخ

إن أسود الكلمات ومن شنوا حرب المذياع

باتوا- والجنرال الأعور يدحرهـم- باتوا

أحقر من جرذان تبحث عن مجرى تدلف فيه

كل مواخير الحقد وحانات التهريج بمصر وبغداد وصنعاء

سالومي...عبد الناصر... والسلال

كل القوادين من المغرب حتى البحرين

ركعوا للأعور ديان

طعنوك وباعوا القدس

باعوا الشرف العربي

ملعون هذا الزمن الجائر يابن الشعب

فغدا تحبل نسوان الحكام مخانيث ليبحث كل رجال الأنساب لهم

عن نسب يمتد لهاشم أو عبد العزى

قرشيون ولكن...!

عفوا يابن المظلومين الشرفاء

لم نقتلك فيوم قتلناك

كنا نقتل فينا الشرف الثوري

كنا نمسح من دمنا تيار الأخلاق

 

 التنومة على ضفة شط العرب عام 1968

 

 

رند الربيعيابّانَ الإحتلالِ الأمريكي للعراق، كنتُ في أحدِ

شوارعِ بغدادَ... أسيرُ مرتديةً العباءةَ العراقيةَ،

المفروضةَ حينها علينا معشرَ النساء،

بينما صديقتي (ريتا) ترتدي الوشاحَ

على رأسها.

كلُّما دخلتُ زقاقًا أَجدُ عُصبَةَ شَرٍّ تُلاحُقُني؛

 اثنانِ Made in u.s.a وثالثهم كَلبُهم المترجم!

تيقّنتُ اني قَصدُهم في متابعتِهم، وليسَ

شخص آخر بحيث خطواتهم سريعةٌ جدًا،

وَغزالُ الفلاةِ نافرٌ مِنْ وُحُوشٍ مسعورةٍ تلاحقهُ...

زادَ يقيني اكثر حين نَبحَ عليَّ كلبُهم

وَقطعوا الطريقَ:-

- قِفِ! أنتِ متهمةٌ!

قَطَبْتُ حاجِبَيَّ وقلتُ:-

- يا الهي! أيُّ تهمةٍ هذه، وأنا ربَّةُ الحبِّ

وَ الجمالِ، وواهِبةُ الخيرِ والنماءِ!

قالوا:-

- ما الذي تحملينهُ تحتَ العباءةِ؟

أخرجتُ كِلتا يديّ...

- لا شيءَ!

اعتقدوا أني أُهَرِّبُ أسلحةً للمقاوَمَةِ البطلةِ.

دارَ بينهم حَديثٌ، عرفتُ حينها ما يدورُ

في رؤوسِهم العفنةِ...

كيف أني امرأةٌ ولا أخافُهم أو أرتعدُ مِن أسلحتِهم. سألتُ مترجمهم:

- ما التهمةُ التي أوقفتوموني بسببِها؟

عندها... أخرج أحدهم جهازًا يشبهُ كشّافَ

تيّارِ الكهرباء في الاسلاكِ. طلبوا بِوَقاحةٍ

ابعادَ عباءتي، فرفضتُ...

وَراحتْ أصواتُ جهازِهم الخبيثِ تَتوالى بمجردِ ما اقتربَ منّي. زَعَقَ أحدُهم بخبثٍ:

- Oh! My God!

و فهمتُ... بَلْ قَدَّرتُ كَمْ تملكتهم الدهشةُ

وَأنا أحملُ هذا الأنتماءَ للوطنِ والعشقَ

الأصيلَ، لغاباتِ نخيلهِ وأهوارِهِ

وَمشاحيفِها تتهادى في القلبِ!

ومِن بُعدٍ يَشمُّونَ رائحةَ خبزِ تنورِ الطينِ...

آهٍ يا حفيدةُ عشتار، آلهةُ الحبِّ والعطاءِ،

كم أنتِ ممسوسة بعشقِ الأرضِ وتحملينَ

في رحمِك الرّجالَ تِلوَ الرّجالِ!

وقَطعًا سنركعُ في يومٍ ما، ونَلعَنُ اللحظةَ

التي دخلنا فيها العراقَ!

فَمَنْ يسكنُ مَنْ؟

أَ تاريخُ العراقِ وأرضُهُ وناسُهُ،

يا امرأةً..

خَلَّدوكِ في سِفْرٍ لَنْ يُمْحى؟

أمْ أنَّ وُجودَكِ عِنوانٌ لهذا الخلودِ؟!!

***

رند الربيعي

 

 

ممدوح رزقبعد موته في حادث؛ وزّعت زوجته أحذيته الكثيرة على غرباء كانوا في احتياج إليها .. لكن حينما ارتدى كل منهم حذاءً وجد قدميه تتحركان إلى أماكن لم يذهب إليها من قبل .. هناك من توجّه به حذاء الميت إلى شوارع يخطو فيها للمرة الأولى، وهناك من دخل مقهى لم يسبق أن جلس فيه أبدًا، كما أن هناك من قاده حذاء آخر إلى إحدى الحدائق التي لم يقصدها مطلقًا في الماضي .. لم يقتصر الأمر على التحرّك العفوي في مسارات جديدة، وإنما كان الوجود في هذه الأماكن مقترنًا بحدث غامض، وشعور غير معهود أيضًا؛ فأحد الذين تحرك به حذاء الميت إلى شارع ما توقف فجأة أمام بيت قديم مهجور، ووجد رأسه يرتفع كي تتطلع عيناه إلى شرفته المتهدمة لفترة طويلة، كأنه ينتظر ظهور أحد سكانه الذين ما عاد لهم وجود داخله، ثم أحس هذا الشخص بمرارة لم يفهمها مع انخفاض رأسه وعودته للمشي مغادرًا الشارع .. أحدهم أيضًا اكتشف وهو داخل المقهى الذي لم يسيق أن جلس فيه أبدًا أن أذنيه تستمعان إلى أصوات عدة كأنها تخاطبه وتضحك معه دون أن يستوعبها، كأنها تنتمي إلى أشخاص غير مرئيين لا يشاركونه الطاولة فحسب، وإنما ذكريات مجهولة أيضًا، حتى أنه عندما أراد أن يدفع ثمن كوب الشاي الذي تناوله قبل ترك المقهى؛ شعر بضرورة مبهمة أن يعطي نقودًا أكثر للقهوجي قيمة ما تناوله أولئك الذين لم يستطع رؤيتهم، وكانوا يكلمونه ويضحكون معه .. أما الذي ذهب به حذاء الميت إلى إحدى الحدائق فقد وجد نفسه يجلس فوق أريكة بجوار سياج من النباتات العالية التي تفصل الحديقة عن النهر، ثم تفاجأ بعينيه تتمعنان في امرأة جميلة تجلس وحدها فوق أريكة أخرى على الجانب المقابل له .. لم يكن يعرف هذه المرأة، ولكنه لم يقدر على إزاحة بصره عن نظرتها المهمومة، وملامحها المنكسرة، كما لم يكن بوسعه تضليل إحساسه المباغت بالرغبة الجارفة في التحدث معها، قبل أن يحسم الخوف ارتباكه الحاد، ويدفعه للوقوف والخروج من الحديقة، وهو يفكر بيقين ملتبس في أن ما فعله الآن سبق أن تكرر كثيرًا من قبل في نفس المكان ومع نفس المرأة .. لكن حينما أوشك هذا الرجل على اجتياز الشارع  توقف فجأة .. لم تكن هناك سيارات تعبر أمامه بل كان الطريق خاليًا تمامًا، ومع ذلك تسمّرت قدماه، أو بالأحرى قبض الحذاء على قدميه فمنعه تمامًا من التقدم رغم رغبته في التحرّك إلى الجانب الآخر .. رأى سيارة تمرق فجأة من شارع جانبي لتخترق الطريق بسرعة طائشة ثم تختفي في لمح البصر .. شعر بقدميه تتحرران من القيد المحكم للحذاء فأصبح قادرًا على عبور الشارع.

 

ممدوح رزق

 

كريم مرزة الاسديوالحكم للذوق العربي!!*

الأولى من البحر الكامل:

 

1 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ **** تتزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

2 - لنْ ترْكعَ الهاماتُ حتّى حتفها **خسئ الذي والى سواكَ ويركعُ

3 - يا موطني قدْ كان أمسكَ ساطعاً * إنْ زلَّ يومكَ، ذا غدٌ فستسطعُ

4 - يا موطني كمْ ذا حسبتكَ جنّتي** منْ بعدِ أرضِك كلُّ أرضٍ بلقعُ

5 - روعاً لنفحكَ، إذ يطلُّ صباؤه***يهبُ الحياةَ وأنتَ أنتَ الأروعُ

6 - هذي هـي البيداءُ شرعٌ تُربُها ** وطنٌ يوحّدنا، وضادٌ يجمع

7 - لغةٌ تفيضُ بها الخواطرُ لمحةً * تأتي القوافي، والقريضُ يقطّعُ

8 - يكفيكَ فخراً أنْ تهـزُّ قوادماً ** كالنسرِ يشـمخُ للسـما، إذ يقلعُ

9 - يا حنكة الدّهـرِالذي في أعصـرٍ*** قـد كان وتـرَ زمانهِ لا يشفعُ

10 - يا كربلاءَ السبطِ، كوفةَ جندِهِ ** يا أيّها الزهدُ (البطينُ الأنزعُ)(1)

11 - يا عصرَهارونٍ، حضارةَ بابلٍ**يا أرضَ عبقرَ، إذ يحلّ (الأصمعُ)(2) 

12 - للهِ أنتَ، وللمعــــين نميـرهُ ***** لتفيض والأحـرارُ حــولك تـكرعُ

13 - يستكثرون عليكَ مجداً، مجدهمْ **** يبنى على مجدٍ، ومجدكَ مصنعُ

14 - مالتْ عليكَ الحادثـــاتُ وتبـدعُ ***** تتـزعْزعُ الدّنْيــا، ولا تتزعْزعُ

***

 15 - كم يخدع الدنيا جهامٌ كاذبٌ ** زان الجهامَ لنـاظريهِ مشعشعُ

16- ما بين داعشَ والمراسيمِ التي* رُسمتْ لهم، باعوا العراقَ، وبُوْيعوا

17 أنّى لكم تستعبدون حرائرا؟! ** نهجٌ من(الفاروق) أنْ تتورّعوا(3)

18 - أخلاقهم ماتتْ، وماتَ ضميرهمْ *** يا بئس ما فقد اللئامُ وشيّعوا

19 - قد شيّعوا كـلّ المروءة و النّهى **** إنّا لها، ولكلّ خيـرٍ منبعُ

20 - (لا تطربنّ لطبلها فطبولها *** كانت لغيركَ قبلَ ذلكَ تقرعُ)(4)

21 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبـدعُ * تتـزعْزعُ الدّنْيا، ولا تتزعْزعُ

***

22 - زعمَ الردى أنّ العـراقَ مرابعٌ * ابشـرْ بوحدة شعبنا يا مربعُ !!(5)

23 - يتهافتون عليكَ ضيعةَ عاجزٍ*** يا ويلهم لـو أدركوا ما ضيّعوا

24 - زمنٌ يشيبُ لهُ الوليدُ فظاعةً * كمْ من رؤوسٍ في العراقِ وتقطعُ!!

25 - (ومشت تصنفنا يد مسمومة **** متسنّنٌ هذا وذا متشيع)(6)

26 - ما زالتِ القتلى تمجّ دماءها * وبقى كعهدكَ - يا جريرُ- الأفظعُ (7)

27 - العدلُ شيمتنا، ورحمةُ أحمدٍ * سُــورُ الكتابِ بهـا يطلّ المطلع

28 - إيهٍ بني الإسلام هــذا دينكمْ *** بالسلم قدْ حيَّ العبادَ، ويشرعُ

27 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ **** تتـزعْزعُ الدّنْيا، ولا تتزعْزعُ

***

28 - يا موتُ: إن الموتَ حقٌ للفدا * مهد الهدى، قيمَ الشهادةِ نرضعُ

29 - إنْ فاضتِ الأرواحُ من أجسادها * سيّانَ تهجعُ مبسماً، أو تدمعُ

30 - عاشَ الشهيدُ بأرضهِ وسمائهِ ** روحاً ترفرفُ بالعلالي تنصـعُ

31 - سهلاً كصحراء العـراق بساطةً *** وإذا يجدُّ الجدُّ، أنـت الألمعُ

32 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

***

33 - (جيشُ العراقُ ولمْ أزلْ بك مؤمناً * وبأنّك الأملُ) الذي لا يخدعُ (8)

34 - يا خالقَ الإبداعِ في سلمٍ، وفي *** حربٍ تكرُّ لها، وغيركَ يهرعُ

35 - (حمل الفرات بها إليك نخيله * ومشى بدجلة)، والفيافي تُقطعُ(9)

36 - (هذا العراق وهذه ضـرباتهُ) ** من قبل ألفٍ قلبـــهُ لا يُخلعُ (10)

37 - للعزِّ خيطٌ واللبيـبُ يبينهُ *** ما الفرق بيــن الذلِّ إلاّ أصبعُ

38 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

***

39 - يا أيّها الشّعبُ الذي يتوجّـعُ ** ممّن يعيشُ بتخمةٍ ويشبّعُ

40 - عاثوا فساداً بالبلادِ وأهلها * فلكلّ لصٍّ في لصوصهِ مطمعُ!

41 - حكموا وما حكموا بعدلٍ يُرتجى * طاغوتهمْ قدْ شطّروهُ ولعلعوا

42 - (كثرت دوائرهم وقلّ فَعالها * كالطبل يكبُر وهو خالٍ) يقرعُ (11)

43 - (علمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمّةٍ) * زيفٌ على المعنى الصحيحِ وبرقعُ(12)

44 - (المجد يحتقر الجبان لأنــــــه * شرب الصدى وعلى يديه المنبع)(13)

45 - (قد كان للعرب الأكارم دولة **من بأسها الدول العظيمة) تخضعُ (14)

46 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتــــزعْزعُ

***

47 - خمسون عاماً قد صففنا جُهْدها * * وجهادها دمّـــاً لمـنْ يتـربّعُ

48 - نحنُ- وإنْ طالَ البعادُ - بقربهم ** ولسانُ حال الشعبِ لا يتضعْضعُ

49 - نرمي تفاهات الحياة لأهلها ***** وطنٌ يُبـــاعُ، وعينُ غيبٍ تدمعُ

50 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتــــزعْزعُ

***

51 - يا أيّها التصحيح، صحّح ما خفى * من سابقيكَ، لديكَ شعبٌ مرجعُ

52 - إيّاكَ والتقسيم تفرقةً لِما ****** لغمتْ لجمعٍ، والهدى ما يُجمعُ

53 - سجّلْ لتاريخٍ وأجيــــالٍ عُلاً ***** نحنُ الأبـــــاةُ بذي الحيا نتبرّعُ

54 - زهد (الإمام)، وعدل(فاروق) الورى * وشهادةُ (السبطِ) الذي نتطلّع

55 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبـدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

 

الشاعر العراقي: كريم مرزة الأسدي

..............................

(1) البطين الأنزع هو نعت للإمام علي (ع)، يقول السبط بن الجوزي: (ويسمى علي (ع) البطين لأنه كان بطينًا من العلم، وكان يقول لو ثُنيت لي الوسادة لذكرتُ في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حمل بعير، ويسمى الأنزع لأنه كان أنزع من الشرك)، ويعتبر إمام الزاهدين في الإسلام، عاش حياته كلها متقشفاً زاهداً، وتأثر به الصحابة الكبار كأبي ذر وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وحذيفة اليمان، المهم لماذا لم ينهج نهجه كبار رجال السلطة في عراق اليوم؟!!!

(2) (الأصمع)، إشارة للأصمعي، وهو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي، ولد وتوفي بالبصرة (121 - 216 هـ / 740 - 831م)، راوية العرب الشهير، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، بزغ نجمه في العصر العباسي الأول منذ عصر المنصور حتى وفاته أواخر عصر المأمون، وكان نجماً في عصر الرشيد .

 (3) إشارة لقول الخليفة عمر بن الخطاب (رض) الشهير " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، وقصة ابن عمرو بن العاص مع ابن القبطي المصري معروفة، وابن الأكرمين والسوط .. وتسامح الخليفة كثيرا مع أهل الكتاب وكنائسهم وأديرتهم ومعابدهم، الإسلام دين تسامح ورحمة وعدل، وإلا كيف انتشر؟ وكيف وصل إلينا المسيحيون واليهود والمندائيون والإيزيديون إلينا عبر العصور الإسلامية؟ وكيف هجروا واستبيحت أموالهم وديارهم، وهدمت كنائسهم ومعابدهم هذه الأيام على يد داعش، وباسم الإسلام ؟!!!!

(4)، (6)، (13) : تضمين لأبيات الوائلي من قصيدة له في مؤتمر الادباء العرب الخامس/بغداد/ (رسالة الشعر) 1965..من الكامل أيضاً مطلعها:

لغد سخي الفتح ما نتجمع *** ومدى كريم العيش ما نتوقع

(5)، (7) إشارات وتضمين لبيتي جرير مع تباين الاستعارات والمدلولات:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً *** أبشر بطول سلامة يا مربعُ

فما زالت القتلى تمج دماءها *** بدجلة، حتى ماء دجلة أشكل

(8)، (9)، (10) : تضمين لأبيات الجواهري من قصيدته (جيش العراق ..) التي نظمها الجواهري عقبى ثورة 14 تموز 1958 م، الأبيات هي :

جيشَ العراق ولم أزلْ بك مؤمنا *** وبأنك الأملُ المرجى والمنى

حمل الفرات بها اليك نخيله **** ومشى بدجلة جرفها والمنحنى

 هذا العراق وهذه ضرباتــــه *** *** كانت له من قبل ألف ٍ ديدنا

- (11)، (12)، (14): تضمين لأبيات الرصافي من قصيدته (أنا بالسياسة والحكومة أعرف):

علمٌ ودستورٌ ومجلس أمةٍ * كلٌ عن المعنى الصحيح محرفُ

كثرت دوائرها وقلّ فَعالها *** كالطبل يكبُر وهو خال أجوف

 قد كان للعرب الأكارم دولة * من بأسها الدول العظيمة ترجُف

...................

 

الثانية من البحر الطويل (الدامغة): 

1 - أناتك لا تعجلْ عليَّ مُرائيا **فكلُّ عجولٍ في الدّنى ليس راضيا

2 - كأنّك لا تدري، وأنت مريدُها ***مشـاحنةً بغضـاءَ أنْ لا تلاقيـا

3 - وإنّي لها، لمّا تعجرفَ جهْمهُ*** وما كلّ مَنْ تلقاهُ دهركَ سـاميا

4 - فترمــي لكَ الأيّامُ ما لا تــــودّهُ *** ليشغلَ نفسـاً أنْ تجــــدَّ لياليا

5 - ومَنْ طلبَ العلياءَ عافَ صغـارَها* وبطنةَ قـومٍ أجوفَ العقلِ خاويا

6 - يكن همّه أن يسـتطيلَ مرافقـــاً ***** فتبّاً لـمن يرضى لنفسهِ ثانيا

7 - فمنْ يتخــفّى بالنّساءِ شوارباً **** ويلبسُ ثوبَ الزهدِ بالمكرِ باكيا

8 - وينفـــقُ ممّا نافقَ الناسُ حولهُ **** تراهُ كنفـخ الطبل ينبحُ عـاويا

9 - رأيتُ حياةَ الأكرميـن جريئــةً **** تقـولُ : لوحـدي أمٌةٌ، ذا ردائيـا

10 - نظمتُ عقوداً - لا أباً لكً - درّهـا **عفيفٌ وألْبسْتُ الزمـانَ قوافيا

11 - فمن لا يرى عقد اللآلئ لبّـهُ ***** فلا يــكُ حفّـــاظاً لعهــدٍ وراعيا

12 - وخلّفتُ خلفي مَن تهاوتْ عروضهُ *** فكنت أبيّاً، لــن أكلّلَ طاغيا

13 - وغيري ترامى للمناصب صاغراً***كما راحَ يستجدي الوزيرَ مواليا

14 - يعلّونَ كرشاً، سحتهُ أمرُ حُرمةٍ **ولستُ بذي أمرٍ، ولا المالُ كافيــا!

15 - تعالَ أمامَ العُرْبِ نسمو تباهلاً ***أردّكَ أرضــــاً، فالفضـاءُ فضائيـا

16 - فكم لحيةٍ حمقاءَ، يجري لهاثُها ***ولمّا أفاقتْ، إذْ ترى النّجم عاليا

17 - فذا رجلُ الدّنيا، وواحدُ عصرِهِ ** يرى نفسهُ حرّاً، وجمعـاً مواضيا

18 - ولستُ خجولاً أنْ أعـدَّ مناقبــاً **** لعيــنٍ تراني - بالتقاليدِ - لاهيــا

19 - فيا للعمى يعمي البصيرةَ بصْرها *** ألمْ تَرَ أقْلامي تجيشُ، وما ليا؟!

 

20 - وما لي جهولاً أن أقلّدَ جمْعهـا ***بجهلٍ، لقـدْ أدْمى العيونَ البواكيـا

21 - على وطنٍ قدْ دُكَّ ظلْماً، وشعْبهُ ***يغوصُ بنفطٍ خاويَ البطْنِ عاريـــا

22 -فما أنا باللاهي، وجدّي جديدُها *** لنلحقَ عصراً يسـبق الكونَ غازيـا

23 - وكلُّ حياةٍ ومضةٌ، أنـت عابرٌ **** بغوغائها، والمجـدُ يخلدُ ساريـا

***

24 - ألا يا زمانَ الغدرِلم تقضِ بيننا ** بعدلٍ، ولا عدتَ السنين الخواليا

25 - فمن يرتجي من بعدِ أينٍ وعثــرةٍ ***يعودُ صفــاءٌ للحيــاةِ كما هيا؟

26 - يعكّرها ريـــب الشـــقاقِ طوائفــاً ****فيا لعــراقٍ طفّـــهُ كـان داميا

27 - ومنْ عجبِ الدّنيا، ومقُلبِ أمرِها ** وجدتُ عـدوَّ الناسِ للناس قاضيا

28 - فقدْ ورثَ المجدَ الرفيعَ طغاتهـم **** أطاحــوهُ أنْفاً لِلْعراقَيَـنِ هاويا

29 - و لا تحسبنَّ الشّرَّ ضربــةَ لازبٍ****خــذِ الْأمرَ معكوساً لضدِّهِ جاريا

30 - جريتُ وكان الأفقُ يجري جهامهُ ****فقلت رويداً - يا كـريـمُ - تأنّيا

31 - غربتُ فكانت غربتي وحيَ عبقرٍ ****جزى اللهُ جهدا للمكارمِ ساعيـا

32 - ولمّا أنلْ غيرَ الوفـــاءِ لأمتـــي ****لعـــلّ الــذي يـــأْتي يجـلّكَ جازيا

33 - يموتُ رديء الدّهرِموتَ خسيسهِ***ويبقى منار الدّهــرِ ما دامَ باقـيــا

34 - عسى نهضةٌ قامتْ، وقامَ رجالها ****تفيضُ بنبعَ الرافـدين سـواقيـا

35 - فكمْ يُرتجى الإنسانُ روحاً أثيرةً ****فلا تكُ إلّا واهــبَ الخيـرِ صافيــا

36 - فمنْ يتخذْ جودَ التّسامحِ درْعهُ **** يكنْ حاملاً نبـراسَ عدلٍ و هاديا

37 - ألم ترَ زهــرَ البانِ فـــاح عبـــيرهُ***وصدّاحُــهُ الفتّـانُ بالنـغمِ زاهـيــا

38 - فما الأنسُ أنساً بالتزلّفِ والريـا ****ولكنّه الإنسانُ مـــن كـان زاكيا

39 - وما بادئٌ مهما يطولُ بقـــــاؤهُ ****يرى رســـم ختمٍ بالقضاءِ نهائيـا

 

الشاعر العراقي: كريم مرزة الأسدي

.............................................

* من المحال أن يستبدل الذوق العربي الفجل الفرنسي الرخيض بالتفاح اللبناني الأصيل!! لا تحجب الشمس بغربال، ولكن كما سيقول ابن الرومي الخالد: (ولن ترى الشمس أبصار الخفافيشِ)!! .  

 1 - من البحر الكامل:

مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ **** تتزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

2 - من البحر الطويل (الدامغة):

 أناتك لا تعجلْ عليَّ مُرائيا ** فكلُّ عجولٍ في الدّنى ليس راضيا

* من لا يحفظ عشرة أبيات من شعر التراث، ولا يعرف العروض والموسيقى، والشعر العربي غناء وحداء، وبث أشجان النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها، إذ يمتزج فن الموسيقى الطروب ببلاغة وسمو معاني الكلام، واختلاجات النفس البشرية، لا يمكن له أن يفهم أو يتفهم شعرنا الخالد، ويكون حكماً منصفاً عليه باسم المعاصرة التائهة بين أدغال جبال الألب، وسهول جزر الواق واق، الشعر والأدب ولدان شرعيان لبيئتهما ولغتهما وتراثهما.