نور الدين صمودبلادي إليها دوامًا أحِنّ ْ******حَنينا أكاد به أنْ أ ُجَنْ

كما جُنَّ قيسُ المُعَنى بليلى**وقد سَحَرَته بطرْفٍ أغنْ

وكلُّ بلادِ العروبةِ أرضي*وعِرْضي بأمجادها مُرْتهَنْ

أصونُ حماها وأحْمي ثراها*وما أنا منها إذا لم أصُنْ

أغارُ على حسنها من دخيل ٍ*وأدْفع عنها عوادي الزمنْ

حَبَتني بعطفٍ كأمٍّ رَؤُوم ٍ*ومِنْ ثديها أرضعتني اللبنْ

وكم أطعمتني الغِلال الغوالي*وما طالبتني بدفع الثمنْ

وأُقسِمُ أني سأبقَى مُحِبًّا*مَدَى العمر في حسنها مُفتتنْ

ومِنْ فرْطِ حُبّ الجميع لها*هتفنا لمن وهبتنا المِننْ:

سنحميكِ مِن كل باغ ظلوم ٍ*لِنحيا كِراما بأرض الوطنْ

تسابَق في حبها الزاعمون*وفي زعمهم قدْ أثاروا الفِتنْ

فإنَّ حبيبَ الحبيب حبيبٌ*وغاوي الحبيب يثير الإحَنْ1)

وإن زاد حُبُّ سِوايَ له* فإني أحب حبيبَ الوطنْ

وأدعوه كيْ ما يزيد هواه*فهذا الهوى، في يقيني، حسنْ

ولستُ من المغرمين أغارُ* فما ذنبُ من في بلادي فتِنْ؟

تلوحُ بفِكري نهارا وليلا*وأبقى إليها دوامًا أَحِنْ

وفيها لساني يَظلُّ طليقا*كما غرّدَ الطيْرُ فوق الفننْ

وإنّ الطيورَ على مِثلها*ترَى واقعاتٍ وتهوى الدِّمَنْ2)

ولن يأْلفَ العندليبُ الغرابَ*ولو صار مثل بياض اللبنْ

وإني أحب بياض الثلوج*ولا أستسيغ بياض الكفنْ

يحاكى جليد جبال الشمال*يُجَمِّدُ سيْل الدما في البَدن

ولم يَكْسُ إلا جثامينَ مَوْتَى*بأجداثهم قد أطالوا الوسَنْ3)

وإني أحِبُّ بياض الرُّخام*وأكرهُهُ إذ يَصيرُ وثنْ4)

وأهواه إنْ صار مثل "فينوس"*إلهةَ حُسْن ٍ بديع حسنْ  5)

وهلْ يَأْلفَ العندليب الغراب*فصَوت الغرابِ نذيرُ المِحَنْ

ولن يُطربَ الظبيَ صوتُ الحَمير*وتعشقُ صوتَ الحمير ِالأُتنْ6)

وذو الذوق يُطربه العندليبُ*ويَسْمو بهِ صوتُ (أم الحسَنْ)7)

فيا لغة ًصِيَّرتني طليقًا*بأجوائها كالهَزارِ المِفنْ 8)

لأنتِ الفضاءُ الذي طِرْتُ فيه*وغنيت كالطير ِفوق الفننْ

وسارت به في عروقي الدماء*وفيه اسْتعدْتُ الشبابَ الأغنْ

وإنّ هيامي بها سوف يبقى*يطير بها نحو أسْمَى القننْ )

كما ملكَ النسْرُ رحْبَ الفضاء*وتحَسَبُهُ غارقا في الوسَنْ

ويبغي الصعود إلى المنتهَى*ولو كانت الروحُ فيهِ الثمنْ

إذا جُنَّ (قيسٌ بليلى) فإني*لأحْمِي حِمَى أرضها لن أُجَنّْ

لتبْقى بشعري منارةَ عزٍّ*تشِع ُّ على الكون طولَ الزمنْ

وكالجوهَريِّ نظمتُ القوافي*كعِقدٍ على نحر ِ ظبي ٍأغنْ

فأسْمَعُ فيها بُغامَ الظباءِ*إلى مثلِها في الظباء تحِنْ9)

وتبدو القوافي كسِرْبِ العَذارَى*يُرَدِّدْنَ لحنا يثيرُ الشجَنْ10)

ومثل اللآلئِ  تخطفُ عيْنيْ*شَغوفٍ محبٍّ بها مُفتتنْ

تلوحُ على الطرس روضًا خصيبًا*يُطارد بالعطر طيفَ الحَزَنْ

ولم أر كالضاد لفظا ومعنى*ولم أرَ مثلَ بلادي وطنْ

****

وسائلةٍ: هل ستبقى مُحِبًّا*شغوفا بها رغم كل المِحَنْ؟

وإنْ كان ريبُ الزمان دهاها؟*فقلتُ لمن سألتني: وإنْ

 

أ د: نورالدين صمود

....................

1) من الحكم السائرة : صديق الصديق صديق، وعدو العدو صديق، ولكن مَن يزاحمنا في حب مَن نحب من البشر

2) تضمين للكلمة الشائعة: إن الطيور على أمثالها تقع، والدمن :جمع دمنة: آثار الديار

3) العندليب والجمع: عنادل: طائر جميل الصوت، والكفن عند العرب أبيض اللون

وتختلف الأمم في لونه، وتشبيه استحالة ابيياض الغراب بلون الكفن مقصودة وقد قيل في استحانة الشيء: (حتى يشيب الغراب)

4) الجثامين جمع جثمان، والأجداث الأضرحة5) الوثن: الصنم الذي يعبد من دون الله، والتمثال قد يكون رمز جمال مثل تمثال إلهة الجمال: فينوس أو أفروديت

6) الأتنُ: جمع أتان وهي أنثى الحِمار،  وبعضهم يقول حمارة خطأ

7) أم الحسن: تسمية تونسية لعصفور معروف بغنائه العذب، قال فيها شيخ الأدباء بتونس محمد العربي الكبادي على وزن البورجيله المعروف  في الشعر الملحون، باللهجة العامية مثل الشعر النبطي في اصطلاح الخليجيين، ولا يوجد هذا الوزن في الشعر المصري العامي) أم الحسن غناتْ فوق الشجرهْ*سامعْ غناها من العلايلْ يَبْرى

8) المِفن: هو البارع في فنه، وقد أطلق في العالم  العربي الفنان على كل مشتغل بالموسيقى والغناء، والفنان في العربية: هو الحمار الوحشي

9) البُغام: صوت صِغار الظباء وهي الغِزلان

صالح الرزوقسمعت بنبأ انتحاره في صبيحة يوم عابس. الطقس مثل البشر يضحك ويبكي، أو يبتئس ويبتهج...

اتصلت هاتفيا بجريدة (الفتى العربي)، ووعدت هيئة التحرير، بكلمة شرف، أن أكتب تقريري المفصل عن الحادث. ولكن الخيوط كانت تفلت من يدي وكأنني وراء سراب.

**

أتذكر: نحن الثلاثة. حزمنا حقائبنا وانطلقنا وراء أحلامنا الذهبية إلى لندن، ولكن لم نصل إلى "جوهر" الحلم أبدا. وجب علينا أن نضع العالم بين فكي كسارة بندق لنتخلص من القشور القاسية. وفي هذا الجو كان خليل، وهو أطولنا، ولذلك نناديه بلقب هود، يعمل في أحد المطاعم.. يغسل الصحون في النهار ويقرأ نابوكوف في الليل. كم تعلق بهذا المهاجر العنيد، الطير الروسي المشاكس. كنت تشاهد في عينيه حين يجلس لقراءة (لوليتا)، أو حتى روايته غير المشهورة (المحاكمة)، نوعا من التواطؤ.

**

سجلت تلك المعلومات في أول التقرير. ولم أتمكن من الاستمرار. ربما لأن نار التجربة التي احترقنا بها لم تبرد بعد.

أتذكر: لاحظت على الثاني بيننا تحولات جذرية في السلوك والمظهر، قبل أن يقرر مصيره بيده وينتحر. لقد أصبح صوته رخوا مثل حركة الحلزونات، بعد أن كان صعبا وحاسما. وأصيب بالهزال كما لو أنه من ضحايا المجاعات. سألته على سبيل السخرية: أين تذهب عظامك يا رجل؟.

فقال مع ابتسامة: أظن فأرة الحظ السعيد تقرض منها وأنا نائم..

وعلى الفور خطر لي أن تحت هذا الرماد الساخر جمرة لم تبرد. ولكن لم أتوقع موته الوشيك.

**

فواز لم ينتحر. كتبت هذه الكلمات. وبظني أنها بداية لتقرير سوف أنتهي منه مع مغيب الشمس هذا اليوم. ثم مزقت الورقة بعد عدة سطور. وألقيت بها إلى سلة المهملات. على ورقة أخرى كتبت: هل بمقدور فواز أن يغتال أحلامه الذهبية بجرعة من السم.. وأن يتصرف بطريقة فاشية وينهي حياته كما يفعل الأبطال والمجانين في لحظة الهزيمة؟. وكان في ذهني خليل حاوي وهمنغواي وكاواباتا. جميعا أنهوا حياتهم بأسلوب راديكالي كأنهم يكتبون قصة جديدة. ولم أتابع.. كنت أصاب بالإحباط سريعا. وأختنق بالأفكار والذكريات وأحيانا بالعبرات. في نصف يوم مزقت محتويات مظروف كامل من الأوراق البيض التي لها لون الثلج المندوف. كم غصن شجرة يوجد في كل صفحة ميتة بكماء، بل كم شجرة في هذا المظروف.. بستان ميت أم غابة كاملة؟.

وفي غضون ساعة تحولت الطاولة، التي حملت أدوات الكتابة، إلى رأس كالعهن المنفوش، إلى عالم من الفوضى والعبارات الناقصة. من الصعب دائما أن تحبس أنفاس صديق العمر في سطور. فقد امتدت صداقتنا حوالي عشرين عاما. عشرون عاما من الحماقات والخطط الخرقاء الطائشة، وبينها أحاديث سخيفة نخجل أن تصل لأذن شخص غريب الآن. وأقصد بذلك الكلام المتهور عن السياسة. لم نكن نعلم أن لندن هي نهاية المشوار. القفزة الأخيرة التي سنسقط بعدها في حفرة موتنا الوجودي. برد قارس، وإنكار للاتجاه والأهداف، لقد أصبحنا بالفعل أيتاما في هذا الوقت الخسيس والمنافق.

**

كان فواز في غضون ذلك يعمل بمطبعة. يقف خلف جهاز لا يتوقف عن الهدير. يقول عنه "خوار البقرة الحلوب". حتى حينما يذهب إلى البيت لينام يسمع صوت الآلة في رأسه مثل صفير قطار.. بالطبع كنت على شاكلته، أعاني من أوحال لندن، لذلك توجب علينا أن نبحث عن نفق للخلاص..

أتذكر: حين بدأت مع مهنة الصحافة. انتقل هو ليعمل بصفة موظف استقبال في فندق صغير مجهول. والتقى فيه بشارلوت. وكانت العلاقة سريعة، ومرت بسرعة برق خاطف. لكن لم تتوفر لدى فواز إثباتات دامغة تساعدني على تصور علاقته. وأنا لم أشاهد شارلوت أبدا. واليوم أتساءل: هل هي حقيقة أم من جراء خيالات عالمه الوهمي المريض. مع ذلك أعترف كانت لديه صورة تذكارية معها، وفيها تضع إحدى ذراعيها على كتفه مع ابتسامة خاصة بالكاميرا.. خطر لي أن أسأله عن اسم المصور لأتأكد أنه حقيقي وموجود. ولم أفعل حتى لا أدمر عزة نفسه وكبرياءه. كانت لفواز مشاعر رومنسية، وربما لن تحتمل أعصابه أسئلة محرجة من هذا النوع.

يا لتلك الأيام الغليظة!!. كنت في فترة شارلوت أمر من أمام الفندق. وفي معظم الأحوال أتمهل قليلا، وأتأمل النقوش البيزنطية على البوابة، والنوافذ الفرنسية المغلقة بزجاج مضاعف. نقول عنه في بلادنا "زجاج عازل". لا بد لمثل هذا المبنى أن يلفت الانتباه، فهو من النوع المنكسر بهيئته المطيعة والمنطوية على نفسها، ويحرك المشاعر العامة والقاسية في إطار من التهذيب. ألم نسمع جميعا بمبدأ التصعيد الفرويدي. بعد ذلك لم يعد لهذا المكان أهمية، لأن شارلوت انفصلت عنه، وذهب هو ليعمل في سوهو.

**

كانت الظروف تؤكد أن مأساتنا واحدة، وخرابنا نحن الثلاثة متشابه. أنا أيضا فشلت في الامتحان. وحصلت على وسام شرف في الخيبة وتدمير الذات. أحلامي تهدمت، واختزلت أفكاري وطموحاتي إلى صور على جدران المنزل، بجانب أحفورات في الخشب المعاكس وأيقونات تذكر المرء بعذاب الروح وآلام البدن المحطم.

أتذكر: كلما حاولت أن أعود إلى التقرير تذر بعض الشبهات الرماد في العيون.. خانني القلم الذي كان سهلا ومطيعا، ولم أتمكن من التعبير عن ظاهر المصيبة.

**

وصلني خبر انتحاره عن طريق خليل، فقد رن الهاتف وكنت على وشك النوم.

قال لي بصوت مفجوع: اسمع. عندي خبر مؤسف.

قاطعته بقولي: لا يا رجل. وهل حولنا شيء غير مؤسف؟.

رد بعصبية: اسمعني، أرجوك. الخبر عن فواز.

سألته دون اهتمام: ما به؟. هل انتحر؟؟.

و ران صمت مقيت.

قطعه سعاله المرتبك.

ثم سألني: كيف عرفت؟..

ولم أكن أعلم أنني أصبت الهدف. كانت هذه أول ضربة حظ في حياتي. لكنه الحظ الأسود.

**

بعد أن أغلقت السماعة شردت قليلا. ثم انفجرت بعاصفة لا إرادية من البكاء. هل القدر يلعب معنا مثلما يلعب مع بلداننا. نموت بطريقة رمادية وبالمجان. ثم بعد أن هدأت عزمت على التأكد من الموضوع بنفسي. وذهبت إلى سوهو، لعنوان البار الذي كان يعمل فيه. وبحثت عنه طويلا ولم أصل إلى أمام بابه إلا وآخر غصن أخضر في حديقة قلبي يحترق.

كنت أسقط في حطام الذكريات.

فواز ولندن.

كانت الساعة تشير إلى التاسعة تقريبا. الجو في الطرقات قارس البرودة. في داخل البار أخرجت يدي من جيوب المعطف الرمادي الطويل، وتخلصت من اللفاحة الصوف السوداء التي أضعها حول رقبتي، ونظرت بعينين دامعتين بسبب الدخان والبرد القارس والحزن الذي خيم على مشاعري. رأيت رجلا مفتول العضلات يخدم الزبائن، له لحية حمراء وعلى الأغلب أنها مخضبة بالحناء، ومعه فتاة بشعر أشقر وقفت وراء الكونتور. طلبت منها مشروبا منعشا بنكهة الكرز. مشروب طاقة لو شئت الحقيقة.

وهي تضعه أمامي سألتها: هل كنت تعرفين فواز؟.

نظرت لي نظرة تعجب و قالت: نعم؟.

-        آسف لو السؤال محرج.

-        تقصد السوري الذي انتحر؟.

وبلعت غصة وقفت في منتصف حلقي. كنت على وشك أن أبكي. ولكن لم يكن المكان مناسبا لهذه الفضيحة.

**

كتبت: فواز غير موجود معنا. أحد الفرسان الثلاثة غاب من الوجود. كنت كمن يرثي نفسه، ولكن أثناء الكتابة، لم تذهب من رأسي صورة العاملة في البار بصوتها المتهدج الدافئ. كان دائما هناك شيء يقف في وسط الطريق. حجرة سيزيف؟. كلب الحضارة الجريحة؟. جرح كرامتنا؟ ربما. ربما. لذلك توقفت في منتصف السطر، وألقيت القلم فوق الورقة.

صدق أو لا تصدق!..

مرت تسع سنوات على الحادث، وحتى الآن لا أمتلك القدرة على كتابة هذا التقرير.

 

د. صالح الرزوق

2005

.................

* من مجموعتي (تشبه القصص). مطبوعات مجلة ألف. دمشق. 2010. مع تعديلات طفيفة.

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ ..

لأقيمَ طقوسَ الأسئلةِ ..

فأبدأُ بسورةِ البُكاء ..

وأغيبُ كصرخةِ طفلٍ في غاباتِ الرّمال ..

أتأمّلُ قُرى الأحلامِ كيفَ دمرّها الطوفان ..

*

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ ..

أرقبُ العالمَ المكسوَّ بالغُبار ..

أرى النهايات تلوحُ بالأُفق ..

أرى الدّمار ..

تساورُني الأسئلة :

ما جدوى الحضاراتِ حينَ يُحاصرها القلق ؟

ما الفرقُ يا حبيبةُ بينَ صائدِ الحمام وقاتلِ البشر ؟

*

أدخلُ في رحابِ الصّمت ..

كراهبٍ ..

كقدّيس ..

كحُزن الشّجر ..

لأرى :

كم هو واسعٌ هذا القبرُ !

كم هي ضيّقةٌ أرضُ العرب !

*

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ  ..

كأمٍ مزّقها الثُكلُ ؛

لأسألَ السُّفوحَ عن الرعيانِ ..

وعنِ الغنم ..

وأسألُ السّهولَ عن السنابلِ ..

وأسألُ الشّرقَ عن الشّمسِ التي رحلت عن الشّرقِ ..

كما يرحلُ عن النهارِ القمر ..

وأسألُ الطّريقَ الخاويةَ إلّا من أوراقِ الشّجر ..

عن الرّفيقِ ..عن الصّديقِ .. عن الجارِ .. عن القريبِ ..

عن الغريبِ الذّي مرَّ من هنا فأشعلَ الطّريقَ بالحريقِ ..

ورحل ..

*

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ ..

كعجوزٍ وشمَ الزّمن على جبينها ..

خريطةَ العرب ..

لأسألَ عن خريفِ التّاريخِ ..

عن اتّصالِ الألم ..

عن انكسارِ النّاي ..

عن تشتُّتِ النّغم ..

عن فرقٍ وحيدٍ بينَ وجودِ العربِ والعدم ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

زياد كامل السامرائيربما حطّ الهُدهدُ في سبأ !

ربما على قُصورها علّقَ النبأ

وجه بلقيس ما انطفأ

جنّة أرضها، وكتاب حنين.

قد لا أجد في حياتي

وخضرة نهديك،

المُهدّد بالانقراض، مبتدأ 

لا أستطيع أنْ أشعر بسعادة "الكوليرا"

وهي تعانق، بخفةٍ، مِزاجها

جثة بعد أخرى

تَهدي شهوتها، نجمة و ضمأ

قد لا أصادف إمرأة يمانية

في حياتي

تُخضّبها بولدٍ "صالح"

يحتمي من قنّاصين،

بشجرة ملحٍ

ومن حصانٍ مجنونٍ،

بخنجرٍ معقوف.

من السهلِ لشُرفات قلبكَ أنْ تجفل

أو تُطفأ مصباحكَ، رصاصة

وانتَ ترتشف ليلكَ المرّ

بشاي أسود

وتضحك، لانها عمياء.

منْ بعيد ...

سماءٌ صافيةٌ يجرحها دخانٌ ضائعٌ

يهرولُ مع نداء عقيم.

قد لا أرى  مصيري جائعا

لرغيف يابس أو كتاب سقيم

كسيح في جنازته، أمين يمشي

خلفه سرب من خطايا،

لعنات أرامل وموحّدين

ينصبوا فخا له وكمين..

تفزّ عظامه شضايا

ليعود لي حاملا

ذكريات موت وكلأ.

 ***

شعر: زياد كامل السامرائي

نادية المحمداويعويلُ مريعُ

يجتاحُ صبحَها الذي.

يلوذُ من خوفِهِ المخيفِ

بالانكسارْ.

ودروبُها التي أفقرتْ

تضجُّ بالفوهاتِ والخطى المريبةْ.

أعمّدتُ جرحي

بهزيعِها الدامي

وأيقنت أن الموتَ بغتةٍ يجيءْ. 

ألفَ نبيٍ قتلوا هناكْ

وطغى اليتمُ مختالاً بما جنتْ يداهُ

في أزقتِها التي تلوذُ بالظلامِ 

حزنُ مقيمْ. 

كطعنةٍ حمقاءَ تمسُّ شغافَ القلبِ

كلعنةٍ أخرى

تراودُ بردَ  ليلها المخيفِ

عن إغفاءةٍ أمنةْ.

يشتاقها المشردونَ والعورِ والزوايا  

أسرابٌ من الأرواحِ تعلو

صاعدةً إلى بارئها الكريمْ. 

كريحٍ تدورُ في عتمةِ الفراغْ. 

كصرخةِ بكرٍ تعاورتها

أنوثتها ذئابُ المزابلِ

سيذوبُ الليلُ مثل الشمعِ فيها

ويسيلُ الدمعُ مثل النبعِ فينا

لا شأن للعابرين بما يعتملُ

في أرواحنا التي تفحمتْ.

لا شأن لمن مروا عابرين

بصرخاتِ نسوتنا المستغيثة

***

نادية المحمداوي

 

نبيل عودةتجمدت عقارب الساعة واستطال ذهوله لوقت من الصعب تعريفه وتحديده بمعايير الزمن المتداولة.

تاه في رحلة بلا معالم.

بحث عن صوته ليطلق صرخة ذهول.. فتلاشى الصوت.

كان الالم يعيث فيه تمزيقا. يبعثر اشلاءه. لم يصب بأذى ويا ليته اصيب. كان ذهوله وحشيا. تداخلت افكاره عليه. فقد القدرة على الفهم. اختلط المكان عليه ففقد الدلائل لتحديد مكان تواجده. تناثر الزمن.. فاختلط عليه الوقت. كان يرى ولا يرى. يعرف ولا يعرف. ينزف دما ولا ينزف. يمزقه الالم ولا يمزقه. يصرخ ولا يصرخ. الصراخ محبوس في صدره. تلاشى امام ذهوله. أحس بضياعه. ضياع يتكثف. خانق، مؤذ، كئيب. قد تفيده الصرخة في تحديد مكانه، في العودة الى عالم معروف والى زمن معلوم والى رؤية محددة.

ركض مرتعبا نحوه .. شنطته متدلية من كتفه .. وصوته ينطلق مرعوبا:

- بابا…

بابا ممتدة طويلة نصبت شعر جسمه بقشعريرة وايقظت كل حواسه. حتى تلك اللحظة كان كل شيء واضحا.. وبزمن من الصعب تعريفه انتهى احساسه بما حوله. صرخ مستغيثا، صرخ بقوة لم يعهدها في نفسه. ركض نحوه بهمة ظنها تلاشت مع تلاشي الشباب. اشتدت عضلاته، وتيقظت كل حواسه ... للحظات فقط. بعدها تمزق في ضياعه. تاه في رحلته.

رحلة غامضة .. فقد صوته .. لم يعد يشعر بذاته .. تتفكك اطرافه .. لا شيء يجمعها .. لا شيء يربطها .. لا شيء يحركها .. تسمر في مكانه باحثا عن اطرافه . لا يشعر بيديه. لا يشعر بقدميه. لا يشعر برأسه بين كتفيه. لا يجد صوته. لا يجد يقينه. لا يستوعب رؤيته. جسده يفقد ترابطه. يتفكك. ركبتاه تفشلان في استمرار حمله. لم تعد له قدمان، لا يحس بقدميه.. تلاشتا ... وتهاوى فوق الارض الترابية. لم يحس بألم ركبتيه.. لم يحس بأي الم يعتريه. كان ألمه غريبا. يتدفق من داخله. يتفجر بدفعات ... والدم يتدفق. حارا. والنظرات المرعوبة تتعلق به بلا حراك .. ربما فيهما رجاء، رجاء صامت .

- بابا..

صرخة مرعوبة ممتدة تطرق طبلتي اذنيه، وتترك صدى لا ينتهي. احساسه العارم بالعجز المطلق يزيده ذهولا وألما.. ذهول ممتد وألم متدفق.. طاغ، صرخة مرعوبة ممتدة تمزق طبلتي اذنيه. وصراخه يتراكم في صدره.. لا يجد منفذا له، صراخ اخرس، يكاد يخنقه صراخه المحبوس.. ولم يجد بدا من احتضان الجسد الصغير. احتضنه بأمل ان يجد فيه بقايا حياة. خضب الدم يديه وثيابه.. دم حار. والصرخة المدوية تواصل طنينها.

صرخة مرعوبة ممتدة .. "بابا" كان الدم دمه والالم المه .. والجسد المتراخي جسده، والعينان الجاحظتان عينيه. مد يده يلامس الجبين الذي تدفق العرق منه قبل لحظات. اصطبغ العرق بالدم. كان يجري مرعوبا صارخا للاحتماء به، فأجبرته طلقة على افتراش الارض... منهارا مذهولا امامه. كاد يحتضنه وهو يتدفق حياة .. وها هو يحتضنه ودمه ينزف قطراته الاخيرة.

كل شيء تغير بلحظات، كل شيء اختلف بلحظات. لم يستوعب ما جرى .. وعجز عن التفكير.

تغيرت المشاعر والافكار، انعدمت، تلاشت، وغيرت مضمونها .. احتلته احاسيس اخرى، احاسيس مجهولة لم يدر كنهها. اعترته رؤية غير التي يمارسها منذ نصف قرن. حاسة سمع غير التي اعتاد عليها كل عمره. ألم لم يعرفه من قبل .. حتى حاسة اللمس تفقد مميزاتها القديمة.

الدم الحار المتدفق لا ينتهي. ربما خياله يوحي له ذلك. . والصرخة في صدره تتضخم ولا تجد مخرجا.. تكاد تخنقه. والدم يخضب يديه والارض، والجسد يتراخى بين يديه، وصرخته المرعوبة الممتدة " بابا " تدوي بتواصل لا يتوقف .. وفي عينيه الجاحظتين رجاء .. وهو عاجز امام الرجاء.

لم يشعر بالجلبة التي حوله، لم يسمع صراخ القهر المدوي .. وغرق بألمه وذهوله وعجزه المرعب. ذهوله تجاوز المه .. تجاوز قهره .. تجاوز صراخه. "بابا" تدوي بأذنيه. كان بينه وبين احتضانه لحظة. قطعتها طلقة. بعد الطلقة حل الذهول .. ولم يحتضن الجسد المنطلق، احتضن صرخته المدوية " بابا ".

الطلقة اوقفته على بعد خطوة منه .. وتلوث الجبين الفتي بالدم الحار المتدفق بغزارة.. واحتضن الارض تحت قدميه. واحتضنه الذهول .. وبقي الرجاء في عيني الصغير.

اراد من نفسه اشياء كثيرة .. في تلك اللحظة لم يفهمها. كان في زمان محدد ومكان معرف .. ولكنه خارج ذاته. كان منفصلا عن حواسه، حيا وميتا، موجودا وغير موجود. قريبا وبعيدا. يمسح العرق عن جبين الصغير فيتدفق الدم. الدم الاحمر القاني. دم لا يتوقف. يملأ يديه. يروي الارض الشرهة بغزارة. تصطبغ ولا ترتوي. وصرخات الالم حوله تعلو.. وهو بعيد.. ربما لا يسمع؟ ربما هو المقتول؟ الدماء المتدفقة دماؤه؟ كان خارج نفسه. خارج وعيه. خارج مكان تواجده . وخارج الزمان المعروف. خارج حواسه ومشاعره. وفي اذنيه دوي لا يتوقف .. يمتد مرعوبا .. مدويا " بابا "، وهو لا ينجح ان يجمع نفسه ... فيتهاوى.

للحظات تداخل الحدث في ذهنه بشكل غير منظم. ربما بقي وعيه. ترسبات ذهنية من قبل الذهول.

حين دوت الصرخة اهتز جسده بفزع.. وبشكل خاطف انطلق للخارج باتجاه الصرخة. لم تكن ضرورة ليفكر بما يحدث. كل شيء كان واضحا بالصرخة.

كان يراه شابا يافعا وعروسه ترفل بالبدلة البيضاء وسط غابة من الزهور، والسعادة تملؤه. تلك امنية عمره. رزق به بعد سنوات طويلة من المعاناة ولم يرزق بغيره. كان يرى حفيده. كان يحلم ان يكون له حفيد، يحمل نفس اسمه، يتجدد به. يحقق ما لم يحققه هو. ومن كثرة ما تاه بحلمه صار يشعر بأصابع الحفيد الصغير تلاطف وجنتيه.. تشد شعره. ولكن الصرخة نقلته من حلمه الجميل الى واقعه التعيس. من شطحته الذهنية الممتعة الى حاضره المذهل اللعين.

" بابا" تدوي ممتدة مرعوبة في اذنيه ... تختصر احلاما وامنيات واسعة رحبة. حين ركض نحوه فهم كل شيء بأجزاء من اللحظة. حاول ان يوقف الطلقة بكفه الملوحة للجندي.. او ان يقنع الجندي بتوجيهها نحوه، بدل الصغير المرعوب. ولكن القرار كان جاهزا.. ونفذ بلا تردد.

تأمل لثوان سحنة الجندي الباردة، ولمح ظل ابتسامة. حقا سحناتهم متشابهة. ورصاصهم متشابه، اما تلك السحنة لذلك الجندي مع ظل ابتسامة، بوجهه الطفولي الاجرد من الشعر، وبعينيه الزرقاوين الباردتين، فترسبت في ذهنه.

كان فيها شيء مألوف لم يستوعبه في ذهوله. لأمر ما كانت السحنة تضغط للتجلي .. للبروز. ولكن الصرخة المدوية الممتدة " بابا " افقدته القدرة على اي حس او تفكير او مراجعة ذهنية. افقدته تفكيره وذاكرته. افقدته احساسه بالزمان. افقدته احساسه بالمكان. افقدته معرفة ذاته. ومع ذلك ضغطت سحنة الجندي ذهنه ... ذهنه الخالي الا من ذهوله والمه وصراخه المحبوس .. سحنة لن ينساعا. لأمر لا يفهمه تشده سحنة الجندي نحو حدث لم يتضح له بعد. ولكن ذهوله امام الدم المتدفق والصرخة الخرساء والعينين الباردتين المذهولتين، والارض المخضبة بالدم.. ابعده عن كل ما يوثق عراه مع عالمه. والرجاء يطل من العينين الجاحظتين. صرخاته المحبوسة في صدره تؤلمه. لم يعد يقوى على لملمة نفسه. يتفكك. جمع نفسه، او ربما لم يجمع .. وأخذ الجسد الصغير الدافئ بين يديه. ضغطه الى صدره عله يوقف تدفق الدم. شدته حواسه بين الحار والبارد. ولم يدر ما هو فيه. كانت السحنة ذات الوجه الطفولي الاجرد تضغط في مكان ما في ذهنه.. وتتراوح الصور والافكار بين المعتم والمضيء، بين الواضح والمجهول، بين اليقين والوهم، بين الوعي واللاوعي، والصرخة تدوي ...والدم يتدفق .. وهو يتفكك .. يتحلل، يفقد توازنه، يفقد ذاته، والسحنة تعمق قهره، وذهوله يشتد ... و"بابا " صارخة قوية مرعوبة... اراد ان يصرخ، ان يحتج .. ان يخترق صمته وذاته ... فلم يجد بدا من الانهيار فوق الجسد الصغير .. وفي ذهنه شاب يافع عروسه ترفل بثوبها الابيض الى جانبه وسط الزهور .. مئات الزهور...

***

اقيمت خيمة التعازي في عصر اليوم نفسه. جلس صامتا وصرخة الفزع المدوية " بابا " ترن في اذنيه، تتفجر داخل اذنيه، وتكاد تجعله اصم عن سماع آية كلمة تعزية .. بل يكاد لا يعي احدا من المعزين. عجز ذهنه عن استيعاب الوجوه المعروفة. كان حاضرا وغائبا .. قريبا وبعيدا .. ذهنه يراوح بين التشتت واليقين .. بين الوهم والواقع ... وتلك الصورة المشؤومة للجندي ذي الوجه الطفولي الاجرد، مصوبا بندقيته، ومطلقا رصاصته القاتلة بلا تردد، تمزق هدوء نفسه. تقف حائلا بينه وبين عودته لذاته.. تشده بعيدا، بعيدا جدا عما هو به. خيل له للحظات ان ما يعتريه ليس حزنا على فقدان حلمه، بل ندما على تصرف لن ينساه ولن يسامح نفسه بسببه ابدا. ربما بسببه يتواصل صراخ الفزع الممتد " بابا " مدويا في اذنيه، حتى يكاد يعزله عن كل ما يحيط به .. فلا يسمع الا صرخة الصغير المرعوبة، ولا يرى الا الدم المتدفق من الجبين الفتي، ثم انهياره فوق الجسد الصغير..

كان منفيا عن ذاته غائبا عما حوله. وصورة الوجه الطفولي الاجرد، بالعينين الزرقاوين الباردتين، والبندقية المصوبة، ودوي الطلقة، يكثف قهره ويضاعف قيظ نفسه...والرجاء في العينين الصغيرتين يعمق قهره وعجزه ...

لوهلة اتضحت الملامح واتضحت الصورة. لا بل كان كل شيء واضحا من اللحظة الاولى، حتى من اللحظة التي سبقت الطلقة. ربما هذا ما ضاعف ذهوله وفجر المه بكثافة لم يعهدها. ربما " بابا " ليس نداء استغاثة من مرعوب فقط ..انما توبيخ على حماقة لم تكن ضرورية. هل بتصرفه ذاك ارتكب خطيئة يدفع ثمنها اليوم ؟! .. ليكون هو قاتل ابنه بيديه ؟!

تندفع الدموع لعينيه، يشعر بها لكنها لا تشفي غله. محبوسة مع صرخاته، محبوسة مع المه، محبوسة مع تفجر نفسه بالقهر، تتهدم ذاته وتعذبه افكاره المشتتة، وملامح تلك السحنة من وراء البندقية لا تفارقه... والاحساس بحرارة الدم لا يفارقه. والجسد المرتخي بين يديه يكاد لا يغادره، وهو بعيد عن نفسه، لا يرى الا الجبين المثقوب، والوجه الطفولي الاجرد من وراء البندقية .. وهو بين اليقين والشتات. الصرخات المرعوبة لا تغادر سمعه ... يتواصل دويها. يصدق ولا يصدق .. ويرى صغيره يركض نحوه .. يراه شابا يافعا يسير مع عروسه والزهور تحيط بهما .. ويرى الوجه الطفولي الاجرد من وراء البندقية، يتضخم ليحتل كل شاشات دماغه.

في ظهر يوم قائظ التقى تلك السحنة الطفولية الجرداء. لم يكن ذلك منذ وقت طويل، منذ اسبوعين في خضم الاحداث الاخيرة. وها هو اليوم يدفع الثمن. الصرخات المرعوبة " بابا " تتفجر في اذنيه، توبخه، تصيح به، تتهمه، تؤلمه وتزيد قهره ... ويطل من عينيه رجاء لا يستطع تلبيته.

كان بعض الشباب الهائجين يحيطون بسيارة عسكرية حاولت ملاحقة بعض الفتيان، واستطاعوا ان يوقعوا بها، ويشعلوا فيها النار. ومن البعيد لمح ظل جنديين. أيقن ان النيران ستأتي عليهما ان لم يخرجهما من السيارة. ولأمر لا يدريه نسي كل حقده والمه لما يجري. قال لنفسه انهما لا يختلفان عن صغيره. لهما احلامهما وقلوب تبكي خوفا عليهما. ربما لو سمع عن حادث بعيد عنه لما اهتز .. ولكنه لم يحتمل ان يحرقا امامه. شعر ان الذي يحترق قد يكون ابنه الوحيد واحلامه. فاندفع كالمجنون تحت حجارة الشباب، ورغم الحروق الخفيفة التي اصابته واصابت الجنديان، استطاع ان يخرجهما من السيارة المحترقة ويمنع الشباب من تنفيذ غضبهم ونقمتهم .. ربما شتموه .. ولكنه شعر بكبرياء وراحة. شعر انه انسان .. يعطي الحياة ويعطي الأمل، ليس للعسكريين، انما للإنسانين المرعوبين داخل البزات العسكرية. وأيقن ان رعبهما لا يختلف عن رعبنا، وكرههم للموت لا يختلف عن كرهنا. هذا ما أعلنه مرارا متفاخرا بإنقاذه لعدوين مرعوبين ... " سننتصر بإنسانيتنا " كان يصر رغم سخرية الكثيرين منه. وحين كان ينظر لابنه، ويتأمل احلامه، يعرف انه تصرف التصرف الصحيح، وقد شده وجه أحد الجنديين الطفولي الاجرد بعينيه الزرقاوين. كان مرعوبا وفاقدا لتوازنه فاحتمى به. حماه بجسده. ورافقهما حتى الحاجز. لأول مرة يشعر بالشفقة على عدو له .. شعر بإنسانيته تتجاوز ذاته وتمتد. كان سعيدا لقراره المباغت بإنقاذ الجنديين، ولن ينسى الوجه الطفولي الاجرد المرعوب ... ولكنه اليوم لم يكن مرعوبا .. كان ينظر ببرود من وراء بندقيته .. وابتسامة تعلو شفتيه وهو يطلق رصاصة على الصغير المرعوب الراكض للاحتماء به. وتبعثرت افكاره مرة اخرى .. تبعثرت راحة نفسه التي عاد بعضها اليه .. وعلى حين غرة انفجرت صرخته .. وانطلقت دموعه .. بحر من الدموع والقهر والالم... ليس لفقدانه صغيره فقط .. الذي كان صوته يدوي حادا مرعوبا كل الوقت، ومؤنبا غاضبا "بابا" ... ولكن، ربما لأنه كان انسانا ...؟! لا يدري ما يؤلمه أكثر. كان المه مضاعفا. وكان لا بد له ان يصرخ.

 

قصة: نبيل عودة

 

ريكان ابراهيمأنا لستُ إسماعيلْ

وأبي عراقيٌ أصيلْ

كان اسمهُ إبراهيمَ لكنْ لم يُلقَّبْ

بالخليلْ

والله لم يأمرْهُ في رؤيا المنامِ

يذْبح يافعهِ العليلْ

فأنا فتىً واهي الخُطى، متواضِعُ

القُدُراتِ في زَمن لئيمْ

وفتىً كما أنا لا يكونُ فِداءَهُ

كبْشٌ عظيمْ

أنا لستُ يُوسفَ، إنّما

لي مِثّلُ إخوتهِ النشامى المُخلصيْن

لي إخوةٌ فعلوا معي

ما يُخجلُ الشُرفاءَ بين العالمينْ

أنا إخوتي لم يُدْخِلوني الجُبْ

لكنهم فعلوا بيَ الأقسى فقد دلّوا

عليَّ الذئْب

لي مثلُ إخوتهِ ولكنْ اخوتي من دونِ قلبْ

                  ***

أنا لستُ موسى، إنّما

أنا ذلك الرجلُ المشاكِسُ من يهود

بني قريضة أو قينُقاع المدينةِ او

يهودِ السامرةْ

أنا منذُ عهدي بالجدالِ وبالنّقاشِ

رفعتُ صوتي قائلاً:

ما لونُها؟ كم عُمْرُها؟ هل إنّها

بِكْر عُوانْ؟

فلقد تشابه عندنا بَقَر الزمانْ

أنا لستُ موسى، إنّما

انا ذلك الرجلُ المشاكِسُ في

ثيابِ التاجرِ

وأنا الذي أغراهُ عِجْلُ السامري

              ***

أنا لستُ عيسى، إنّني طفلٌ عراقيٌّ

تقمّصَهُ جنونُ الشاعرِ

عيسى نبيٌّ والذي لم يتَّفِقْ مَعهُ

يهوذا ناصري

أنا شاعرٌ ومُبغَّضٌ في الشعرِ

أنْ يغدو خطابَ منابرِ

الشعرُ أعذبُهُ الكذُوبُ، وليسَ

يكذبُ مَنْ يكونُ بهِ شَقَيّا

مِنْ قبْلُ حاولَها أبو الشعراء أحمدُ،

كانَ عملاقاً ولم يُصبحْ تقيّا

ليس النبيُّ بشاعرٍ فعلَام

نسألُ شاعراً أن يستحيلَ

بمَحْضِ رغبتهِ نبيّا

***

للدكتور ريكان إبراهيم ..

 

صالح موسى الطائيأُغلِقي البابَ

وافتحي الليلَ للملائك ِ

والشياطين ِ

وانزعيني مِنّي أمامَ

هذا الخيالِ الموشّح ِ بالضوءِ

خُذي جَسدي ....

وَغطّيهِ بك ِ

كي أ ُزاولَ هذا الخلاص

وَدَعي الجنة َ تلعبُ في حضني

حتى انتصاب ِ الروح ِ

والرأس ِ المُبحر ِ في هذا العناق

*

فـَلرُبّما سوف

لن يتكرّرَ هذا الليلُ أبدا ً

لأنّ الموتَ قريبٌ جدا وبعيد

فدعيني أ ُداعب حلمك َ ببطْء ٍ

وهو يلتصق

بالتاء المربوطة ِ

والملصوقة بلساني

كي يجعلني شيخا رضيعا ً

رغم انفطامي من كلّ السنين

*

أغمضي عينيك ِ

على كتفي

كي يكتملَ الحبّ ُ

حَدّ الضياع

فالكرة الأرضية لا تدورُ أبداً

دون سماء ٍ أو غرام

واغلقيني عليك ِ

كي أتلاشى

ثم افتحي الفجر الجوريّ بساقيك ِ

كي أستريح....

أو كي أدوزن َ هذا الكون بنهديك ِ

هامساً :

(عطشٌ أسرى بلوعاتي اليك ِ

فاعصري القلبَ وهزّيني عليكِ)

ودعيني أطيل احتلالك َ

وأطيلي احتلالي حتى انبثاق الحليب ِ

وانكسار الصليبْ

وأطيلي اللثم آهــا ً بـآه ٍ

كي نهز الارض التحاما

فوق هذا السرير

***

شعر: صالح الطائي

 

محمد شداد الحراقجلس (طاهر) على مقعده الدراسي المعتاد بجانب زميله (حميد) وهما يستعدان لإجراء اختبار مادة الرياضيات. كان معظم التلاميذ في حالة توتر وترقب لا توصف. الوجوه واجمة والقلوب واجفة والعيون جاحظة. الجميع يتساءل في قرارات نفسه عن درجة صعوبة هذا الاختبار اللعين. عن هذا الشبح المقيت الذي يطاردهم.  الكل ينتظر لحظة البداية على حوض من جمر، ويصوغ احتمالات عدة وفرضيات كثيرة لنوع الأسئلة التي كتبت على السبورة المغلقة والمحروسة بإحكام.

طاهر- مثل كثير من رفاقه- يكره هذه المادة ويجد صعوبة بالغة في استيعابها، ومع ذلك فهو مطالب باجتياز هذا الاختبار والحصول على نقطة جيدة تشجعه على مواصلة الدراسة، وعلى تحقيق النجاح الذي يعني بالنسبة إليه الكثير. إنها مادة الرياضيات، ذاك البعبع المخيف الذي تقدسه السياسة التعليمية، وتروج له باعتباره مفتاح المستقبل وتعتمده كمقياس للتمييز بين الطلبة. كان طاهر يحس بحمم القهر تصهر أحشاءه، ويشعر بسكين الظلم ينغرس في أعماقه إذا سمع ذلك المعلم المتغطرس يثني على المتفوقين في الرياضيات ويمدحهم على مسمع ومرأى من الجميع، وفي المقابل يعيب على غيرهم ويزدريهم ويكيل لهم كل عبارات القدح والسخرية الجارحة التي تستقر في باطن تجاويف القلب، وتصيبهم بالإحباط وبفقدان الثقة في النفس. كان غالبا ما يردد عبارته البذيئة الجارحة:

"العبقرية مقرونة بمادة الرياضيات. ولهذا فنحن هنا من أجل تدريس أسيادكم. ندرّس ونتعب من أجل طبقة العباقرة فقط، لأنهم هم المستقبل، أمّا أنتم -معشر الأكباش- فلا خير فيكم ولا أمل مرجو منكم"

 صار مقياس التميز في الفصل هو التفوق في هذه المادة، لأن المناهج الدراسية لا تهتم بتنوع الاهتمامات ولا تعترف بتعدد الذكاءات ولا تعير أهمية للمواد الأخرى التي تنبغ فيها بعض المواهب. لم يكن طاهر يعترف بهذه المعايير التمييزية المجانبة للصواب، لأنه يعلم أن الدول والحكومات والمنظمات العالمية الكبرى تسيّرها النخبة المثقفة من أهل الكلمة والفكرة والحكمة والفن، وتستعين في برامجها بخبراء التحليل السياسي والنفسي والتربوي والاجتماعي  القادرين على معالجة قضايا الإنسان والبيئة والمجتمع .

يعلم طاهر أن درجته في هذا الاختبار لن تتجاوز درجة زميله حميد الذي يتفوق دائما في مادة الرياضيات بفضل الساعات الإضافية التي ينجزها رفقة أحد الأساتذة.فهو من عائلة ميسورة توفر له المبالغ المادية التي تتطلبها دروس الدعم.  أما طاهر فلم يكن باستطاعته فعل ذلك. فالعين بصيرة واليد قصيرة، كما يقال. كان يحس بالقهر والغبن حينما يرى زميله حميد يتقن فك ألغاز الرياضيات، ويتمكن بسهولة من فهم العلاقات والمعادلات وإنجاز أصعب التمارين والواجبات، بينما هو يحاول طويلا ويجهد نفسه كثيرا، ولكنه لا يستطيع استيعاب تلك الطلاسم المعقدة.

 في يوم سابق، دعاه حميد إلى مرافقته إلى بيت أستاذه لحضور درس إضافي في الرياضيات بعدما أحس برغبته في إتقان هذه المادة العصيّة عليه.

- اليوم أدعوك لترافقني لحضور درس الدعم في الرياضيات. سيعجبك أسلوب الأستاذ. وسوف تستفيد منه كثيرا.إنه رجل طيب ومحب للتلاميذ.

- ولكن، هل يوافق الأستاذ على حضوري ؟

- لا عليك، سأطلب منه ولن يرفض طلبي.

في البداية ابتهج طاهر لهذا العرض. سلك الطريق رفقة حميد وهو في حالة انشراح. ولكن لما وصل بهما المسير إلى باب البيت رفض طاهر الدخول واعتذر لرفيقه. أحس بالحرج وبعدم الارتياح. لم يكن مستعدا لمثل هذه الوضعية التي تعني الرضا بنظرات الإشفاق والقبول بمنطق الإحسان والصدقة. ألحّ عليه حميد كثيرا وحاول طرد تلك الهواجس السلبية التي تستوطن ذهنه، لكنه أصرّ على الرفض. دخل حميد مسرعا لإخبار الأستاذ. وفي التو خرج  هذا الأخير باسما.صافح طاهر ورحب به ودعاه إلى الدخول. كانت الحصة الأولى والأخيرة التي حضرها. فقد أحس خلالها بفقدان التوازن وبعدم الرضا عن النفس. كان يتابع الشرح وهو يحس بالدونية ويمضغ أصابع الحسرة ويلوم حظه العاثر الذي حرمه من كثير مما يتمتع به غيره.

فتحت دفتا السبورة، وظهرت العديد من الطلاسم والأرقام والمعادلات المحيرة والرموز المعقدة. إنها إشارة إلى بداية الاختبار، كانت قلوب البسطاء تخفق بشكل غير طبيعي، في حين كانت قلوب الأذكياء والأغنياء مستقرة غير مبالية. فقد تم التمرن على مثل هذا الاختبار في دروس الدعم الإضافية بشكل كاف، وليس هناك ما يثير فيهم المخاوف. أما طاهر فقد تغير لون وجهه بمجرد أن ألقى نظرة استطلاع على السبورة . تجمدت الدماء في شرايينه، ولم يعد قادرا على قراءة ما تتضمنه تلك الأسئلة الصادمة. أحس بصعوبة في التمييز بين الأرقام نظرا لضعف بصره. ومن دون وعي منه، سأل زميله :

- حميد..هل ذاك الرقم الموجود بالسطر الثالث هو رقم 3 أم 9 ؟ أنا لا أراه بشكل واضح.

  كانت هذه الكلمات العفوية كافية ليتهمه أستاذه بالغش. حاول تبرير موقفه لكن الأستاذ الفظ الغليظ القلب أصر على معاقبته. نزع من يده الورقة، ووضع عليها علامة صفر، وكتب بخط عريض: (محاولة غش). انفجر طاهر بالبكاء وانهار كليا. استعطف  صديقه حميد الأستاذ بكل عبارات الاستعطاف والتوسل، وشرح له الموقف، وأكد له براءة زميله من تهمة الغش، لكن دون جدوى.

خرج طاهر من الفصل يجر ذيول الخيبة والقهر وقد أدرك أن الحظ يعاكسه والحرمان يطارده ويقتفي أثره. كما أدرك أنه محتاج الآن أكثر من أي وقت آخر إلى وضع نظارات طبية لتصحيح النظر إن هو أراد الاستمرار في متابعة الدراسة. ولكن من أين له أن يحصل على هذه النظارات؟ وما السبيل إلى ذلك؟

في الغد نصحه حميد بزيارة الطبيب بالمستشفى العمومي، وأكد له أن الفحص بالمجان ولا يستغرق سوى بضع دقائق. وبالفعل ذهب طاهر إلى المستشفى وأجرى الفحص، فتأكد له ضرورة حمل النظارات الطبية خلال ما يستقبل من حياته. خرج بائسا مكسور الجناح، مطأطأ الرأس، تتحرك قدماه بصعوبة بالغة وكأنما تثاقل جسمه فلم يعد يقوى على حمله، وفي أعماقه تتحرك مطارق حيرة قاتلة تهد كيانه بالكامل:

- ما العمل الآن؟ وكيف أحصل على النظارات؟ من أين لي ذلك؟؟؟

مرت خمسة أيام وطاهر بدون نظارات، ويجد صعوبة بالغة في متابعة الدروس. كان حميد يراقبه في السرّ ولا يقوى على سؤاله. فهو يعرف وضعه الاجتماعي ويدرك الصعوبات الجمّة التي يعيشها بالبيت منذ وفاة والدته. وفي الأخير قرر القيام بمبادرة إنسانية تجاه زميله تضع حدا لهذه الأزمة القاسية. وفي غفلة من طاهر دعا حميد رفاق الفصل جميعا لاجتماع طارئ، وشرح لهم الوضع، وطلب منهم القيام بما يقتضيه واجب الزمالة:

- أنتم تعلمون الظروف التي يمر منها طاهر.. وهو الآن محتاج إلى النظارات. وهذه هي المناسبة للتأكيد على أخوتكم.

- ماذا تقترح؟. ما العمل؟

- نجمع المبلغ الضروري. كل واحد منا يساهم بما يستطيع، ثم نسلمه إليه.

- لا . لا.. أنا أعرف طاهر جيدا. هو شديد الحساسية.. لن يوافق بالتأكيد.

- صحيح.. سوف يحس بالحرج وقد يرفض تسلّم المال. لذلك أقترح أن نشتري له النظارات.  لكن يبقى علينا الحصول على ورقة الفحص الطبي. 

- أنا معك. نعم الرأي !  

 بدهاء بالغ حصل حميد على ورقة الفحص بعدما أوهم طاهر بأن أحد أقربائه نظاراتي، ويمكنه أن يصنع له النظارات المناسبة بدون مقابل. ولم يتأخر طويلا. وبعد يومين كان طاهر لابسا نظراته الطبية. ينظر إلى السبورة فيميز بين رقم 3 ورقم 9، وينظر إلى الحياة فيرى الحب في أجلى صوره مرسوما على وجوه زملائه، ويتطلع إلى المستقبل بعيون حالمة متحفزة. لكن حب الرياضيات لم يجد سبيلا إلى قلبه. 

***

  قصة قصيرة

د. محمد شداد الحراق        

 

فتحي مهذبأقيس قطر مخيلتي بقفزة كنغر ..

حديقة رأسي بدموع المتصوفة..

غواصة روحي بريش طائر الهدهد..

تلة الماوراء بتنظيرات العميان..

سماء كلماتي بضحكة مسدس..

عمق ذكرياتي بعكازة طاووس..

أسرار الموت بقبعة الكاهنة..

*

بأظافري المتوحشة

أحصي نجوم النوم..

عدد الرهائن في معتقلات اللاجدوى..

أحصنة الهنود الحمر

الرابضة وراء جنازتي..

أصابع مقطوعة على المائدة..

دموع غزالة في صلاة عابرة..

بنادق الفهود في الأرياف..

جرار القمح في الكلمات الصيفية..

ملابس الأشباح في الخزانة..

نقود اللامعقول في جيب البوهيمي..

*

أكسر دمعتي بفأس..

أغسل براهيني بفضة المطر..

مثل سيارة اسعاف متوترة

أنادي نجمة لترويض هواجسي..

أعطي الجسر اسمي

ليفكك سيمياء المصادفة..

أنا مثل الله

داخل بيتي..

عاليا وعميقا ومكتظا بالأسرار..

لضفائر صوتي أبهة فارس حبشي..

لي شمس من الكريستال

تطلع من عمودي الفقري..

عرباتي مليئة بفواكه الأسلاف..

كل عابر يصب في مجراي..

كل فراشة طفلة هاربة من المدرسة..

كل زفرة رصاصة طائشة..

كل غراب مسدس حزين..

في كل بيت وليمة..

الشجرة وحدها تعي صفير مفاصلي..

كل ذئب مصباح شهواني..

هات مزمارك لأطارد اعصارا

يحفر كتفي بأسنانه..

لم تسقط تفاحة واحدة من عنق الحصان..

لم أدن بعد من شرفة يانيس ريتسوس..

لم أزل أقاتل حجر الآلهة..

قوسي ورماحي ..

وامرأة مترامية الأغصان..

هذه أسلحتي في الغربة..

***

فتحي مهذب

 

حسين حسن التلسينيمـن قلبِ المهــدِ

الـى قلبِ اللحــدِ

مـانجـــا أحـدٌ

مـن صفعــاتِ الأخطـاءِ علـى الخـدِّ

فـارحـمْ نـفـسـكَ يـا ابـن آدم فـارحـمْ والجـمْ

رعـدَ وبــرقَ غلـوِّكَ في النـقــدِ

بضيـــاءِ الـرحمــــةِ

لابـإقـامــةِ ســـيفِ ظـلامِ الحـدِّ

فجـحـيــــمُ الـنَّـقــــصِ

تـظــلُّ وتـبــــقى تـعـشِّـــشُ فـيــنـــا

في كلِّ خطــــوةِ جزرٍ ومــدِّ

ونعـيـــــمُ الكـمــــالِ

يـظـلُّ ويـبــــقى لـوهَّــابِ الـرحمـةِ والــودِّ

***

شعر: حسـين حسن التلسيني

الـعــراق/الـموصــل

 (25 / 5 / 2015)

فاتن عبد السلام بلانيـا .. صـغـيـري

صافرةُ الحربِ

تُدجّنُ السّككَ للرحيل

مـاذا أفـعـل

 وقد نسيتُني

تحتَ شُبّاككَ المكسور

وكُلّي أصابعُ نازفة

وكُلّكَ ستائرُ شرود؟

قلبيَّ المدعوّ بـ (الضّال)

مـاذا يـفـعـل

والبلادُ  بالأحمرِ آبارٌ

ودلوُ السّماءِ حزين؟

أحاولُ الحبوَ

على عظامِ روحي

وصوتي المُباد

 نايٌ جريح

أهذا منجلكَ

أيُّها الحَصَادُ

يَشري بأعمارنا ويبيع؟!

 فـ على جلدِ الدمعِ

أُعدّدُ الأحلامَ الكسيحة

 آهٍ ياجناحَ حُلمي الكسير

 واحد .. مئة .. ألف

تلكَ مشاعري

 تطوفُ حولَ

حجرِ الهزيمة

والشيطانُ يرجمُها

من كُلِّ فجٍّ عميق

مـاذا أفـعـل

والفَقدُ يقطفُ البسماتِ

ويدزُّها أحطابًا

بينَ ألسنةِ الحريق؟

على ضفّةِ الوجع

أراني أمامي

عاشقةً ثكلى

تمدُّ أشلاءها

لطفلِ حُبّها الغريق

تُحنّي ضفيرتها

بـ كمشةِ رماد

كيف أضعتي رسائلي

في كومةِ غُبارٍ

أيُّتها .. الريح؟

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (الغريب)

صُلبَ على لوحِ الانكسار

وامهرَ  نبضاته

جُثثًا .. لـ التوابيت؟

فـ أينَ أنتَ مني

وهذا الاغترابُ قاحلٌ

نذرتُهُ خطواتِ تيهٍ

فوقَ دربٍ حليق؟

أتسمعُني أتراني؟!

طَرَقاتُ يديّ أنّاتٌ

وبابُكَ أصمٌّ كفيف

مـاذا أفـعـل

وشريطُ الذكرياتِ

 زُجاجُ ظلالٍ

 يخرمشُ صمتي

فتئنُّ مرايايَّ

بينَ حفيفٍ وفحيح؟

قلبيَّ المدعوّ بـ (الشّاهد)

يعوي أبهرهُ

فالحُمْلانُ تتسيّدُ

بدرَ الدماء

والقميصُ

 في جُبِّ الغدرِ

زَغبُ فرْخٍ صغير

عدْلًا يا إخوتي عدْلًا

فـ أنتم الجُناةُ

والذئبُ من الذنبِ بريء

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (المُشرّد)

يحملُ في بُقجتهِ

الحُبَّ والأضواء؟

تعال لـ تتقمّصني

قصفةَ زيتونٍ وحمامة

ودعني أحدّكَ

من أربعِ جهات

زُمرتي قاسيونية الهوى

وفي ملامحي

رُضّعٌ تلبّؤوا الشّيبَ

من أثداءِ الخيام

أنـتَ .. وأنـا

وفصلٌ خامسٌ

أوتادهُ الجِراح

يمزّقُ ندوبنا

 بـ رصاصه

فـ نخيطها

 بـ مسامِ التُّرابِ

ونخبّئُ غُرَزها

في جيوبِ الرصيف

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (المُنتمي)

يُهادنُ الكوابيسَ

بـ أرقهِ  ..؟

فـ ليلُ البلادِ

دونَ قناديلكَ

شبحٌ فارعُ العتمةِ

والصباحُ

دونَ هبّةِ زقزقاتك

روتينٌ ثرثارٌ

 بينَ النشازِ والزّعيق

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (الضحيّة)

يُعدّدُ بقاياه

بـ تأتأتِ الخسارةِ

وعلى نحرهِ

غربةٌ وسكّين؟

تحتَ شُبّاككَ المكسور

يتهاوى ذابلًا

قطرة قطرة

غضَّ الرمشَ

وغصَّ بـ البريق

أنـتَ .. وأنـا

 ومآقي البلادِ

أيقونةُ الحِلِّ والتّرحال

أتموتُ البلابلُ شاديةً

أسرابَ سمفونياتٍ

بينَ أعشاشِ السّماء؟!

فبأيّ حقٍّ يُقتلُ

الحُبُّ في بلدي

وبلدي ياسمينُ اللّهِ

من يُمناهُ إلى يُسراه؟

و بأيّ حقٍّ تَجْرِمُ

بـ ياسمينكَ

وعطرهُ مفتاحُ داركَ

ومظلّاتُ أسواركَ

أيـُّهـا .. الـربـيـع..؟

***

فاتن عبدالسلام بلان

بن يونس ماجنفي منحدرات التيه

نبحث عن وطن

وفي انكسارات الريح

 نواري شعبا بلا اكفان

*

نبحث عن منفى أمن

بين فكي تمساح

ارهقه المضغ

وما يزال ينزف اوجاع  الابارتايد

*

في الارض المحتلة

نصبوا اعواد المشانق

واغلقوا المنافذ بالمتاريس

واخرجوا الرعايا من ديارهم

*

في الظلام القاتم

دونما أى ذنب

 يطاردنا كابوس الخوف

وتحاصرنا خفافيش الليل

*

وفي اعشاش المهجر

نبني وطنا بلا هوية

ونرفع علما لا الوان له

ونحرث حقول الامال

ونشيد متاحف ليوم العودة

*

ومرت الاعوام

فطال انتظارنا

وشاخت اعمارنا

حتى تعفنت جثثنا

في وحل المستنقعات الدولية

المسماة بالامم المتحدة

*

وجاء من اقصى المنافي

وطن مشرد

يمشي وهو نائم

يحمل فوق اكتافه

ما تبقى من دروب الشتات

وحفنة من كوابيس احلام كئيبة

وشظايا قارب محطم

وبقايا اطراف زيتونة مزهرة

غيرعابئة بالنفق الطويل المعتم

*

ثم اغلق باب البحر وراءه

ورحل

 ولم يعد احد

يبالي بغيابه

***

بن يونس ماجن - لندن

 

طارق الحلفيالى...

جوليان أسانج

***

سأغسلُ اقدامَكم المتعبات

بإسرافِ وَجعي المُؤَدب

واجفّفُها بأهدابِ محنَتي

اجلسوا الى موائدِ محبتي

وتعللوا برقّةِ النَّقاءِ

المرتعشةُ بهدوء الحضور

لن ابكي ندماً

وانا احسِمُ اختياري

ولن افيضَ بالكنايات

كي لا يتصدعَ بلورُ يقيني

لقد اغلقتُ وريدَ المعاني

ونزعتُ جواهرَ الشهواتِ

ودهنتُ حروفي بزيتِ الصدق

فلا خوفَ من الشرفاتِ المتهاوية

لا خوفَ من حدقاتِ الظلامِ

بللوا حروفَكم بنقاهة التحدي

فبوابةُ السماءِ تتضرعُ بالعنادِ

ولسانُ الكذبِ ينتخبُ الموتى أبداً

رُسلاً لنبوءات الهزائمِ

في حقولِ التخاذلِ

*

عبثَ الكمالُ بِنا

وتَكَلَّفنا اِناقتَهُ الناقِصةْ

مرتفعاً الينا بأختامِ التأويل 

وَهُم يَحِزّونَ اكبادَنا بِالمواثيق

لِيُدخِلوا عليها سِفاحُ نقائضها

نسيئةً لفِقهِ النفاق

*

طارق الحلفي

 

محمد صالح الغريسينيسان يا عمرا ذوت أوراقه

في غابة النسيانِ

ذكرى تعمّق وحدتي

بالهمّ والأحزانِ

فوجدتني

جمّ الهواجس تائها

في اللّامكانِ

أمشي على أشلاء ذاكرتي،

تلاحقني الوساوس

في متاهات  الزّمانِ...

قف أيّها الإنسان حمّال الخطايا

طافح الأحزان.. مكسور الجنانِ

قف وادفن الموتى

ودحرج أدمع الأطفال من آن وآنِ

في فوهة المزراب للحدث المنمّق بالطّعانِ

واعزف نشيج الأم،ّ أدرك طفلَها صوتُ الرّدى

من قبل إدراك الأماني

واجمع شظايا الحقد في أغمادها للموسم الآتي ،

فقد ردّ الصّدى:

هيهات للسّبع السّمانِ...

من يرفأ الجرح الممزّق في العراق

ويطفئ النّيران في بغدانِ

ويعيد لليمن السّعيد أمانه

فيعود من كيد العدى بأمانِ

من يرفد الشّام الكريم بأزره

ويشدّه في سورة الميدانِ

من يرجع القدس الشّريف لأهله

من يرجع السّودان للسّودانِ

يا أمّة يرثي الجميع لحالها

قد ضيّعت ميزانها في كفّة الميزانِ

أو لم يكن "شالوم" غاصب أرضكم

فصببتم الأحقاد في "إيرانِ"

و ملأتم الأرض الطّهور "دواعشا"

لتصير جحرا للأفاعي الرّقط و"الجرذانِ"

تبّا لك نيسان من وجه قبيح غادر

تبّا لك نيسان من نيسانِ

ولّيت وجه الودّ نحو مخرّب ومنافق

و قلبت وجه الغدر للإنسانِ

 ***

شعر: محمد الصالح الغريسي

...............................

 1- نيسان: هو شهر أفريل وهو رمز لفصل الرّبيع. في 9 أفريل 1938 سقط في تونس عدد كبير من الضّحايا على يد جنود الاستعمار الفرنسيّ لمطالبتهم ببرلمان تونسيّ. في 9 أفريل 2003 احتلّ الجيش الأمريكي بغداد وبسط نفوذه على كامل العراق. في أوائل أفريل 2019 دخل السّودان دوّامة من الفوضى والتّجاذبات، تحت عنوان الرّبيع العربيّ ، انتهت بسيطرة الجيش على الحكم وتنحية عمر البشير من الحكم وإعلان حكومة انتقاليّة لمدّة عامين.

 2 - بغدان: هي بغداد عاصمة العراق. والملقّبة بمدينة السّلام.

 

 

حسن حجازيمارلين مونرو

وأشياء أخرى

***

الليل

على تل دفلى

باغثت الليل

وهو يرمم بكارته

دونما حاجة

لتخدير موضعي

أو كلي!

 

سلفادور دالي

من يكون

سلفادور دالي

حتى ينبت له

كل ذلك الشارب

المعقوف على

مدارات اللامعقول!

 

البحر

هو دائماً

سيد نفسه

لاوصاية على هديره

راسخ في العلم

في جوفه

كل المعنى كامن!

 

إيكس" X"

إيكس :

عشب البدايات

ثمالة كريستال مشدوخ

ولادة قبل الأوان

سجادة قبلتها

محراب التوله

إيكس رهان خاسر!

 

الصباح

يرتق أكفان الوقت

يستعير وجه جثة

تحللت على

تخوم مقبرة الأحياء

يتنكر به في

كرنفال العميان!

 

الشعراء

يهيمون

في فجاج اللامعنى

لم يعد يتبعهم الغاوون

يتلصصون على

الغيوم الشاردة

يطاردون أرداف

الكلمات المسبية

قد تمقتهم ليلى

تزدريهم بثينة

ترثي لحالهم جولييت

لكنهم رائعون!

 

الحقيقة

نصفها الأول

قضمته سحالي "National geographic"

فبدت تماما كتفاحة

سيدي اللابتوب "Apple"

نصفها الثاني

يتعهده رعاة الأوهام

بالتعتيم والحجب

ما من حقيقة إذن. .!

 

فتاة ليل

وحدك،

تملكين سر الأرحام

وحدك،

تطارحين الحقيقة

صنوف الغرام

على قارعة العدم

عفواً، ربما نسيت

أو تناسيت أنك

كل الحقيقة. !

 

مارلين مونرو

آه..يامارلين،

صفحا جميلا إن كنت

قد أغويتك يوما

لكنني قد أقضي

من غير أن أعرف السبب

الذي دونه،

لم تهدني حاملة نهديك

القرمزية اللون،

مع أنني بالكاد

كنت أبلغ التاسعة. .!

 

الصمت

يتسلل دوماً

في غفلة من اللغط

إلى جبة الساحر

يهرب من قبعته

أرانب بألوان الطيف

هي وحدها تعي

معنى الصمت. .!

***

حسن حجازي

 

قصي الشيخ عسكرالفصل الخامس

مرة أخرى يحاول الحاضر أن يوقعه في لبس مقابل مايكشفه له ماض عريق من صفحات كانت خافية عنه!

أيتهما الحقيقة أم ايهما الخيال " جوليه" الذي من المفترض أن يكون " بيزاري" أم " ضحى العبد الله" وتساءل ترى أين هي الآن. آخر مايعرفه أنها هربت إلى الإتحاد السوفيتي.. بعد خراب البصرة. هناك في سويسرا سمع أخبارا عنها.. "ضحى" الأولى على دفعتها تقبلها الروس في قسم الفضاء. تلك التي تصغره بعامين عرفها شيوعية متحمسة سمراء يتأرجح الصليب على فتحة قميصها النهدي الأنيق الذي رآها فيه أول لقاء.. الجبهة وإخوة السلاح ثم رفقة الشعارات.. نحن في خندق واحد.. كتب الاشتراكية.. أنغولا اليسارية وكتاب طبعته وزارة الثقافة عن تجربتها نفد أسرع من لمح البصر.. لا للكتب الصفراء .. الرهان في الغرب على بولندا ورهان اليساريين في العراق على السيد النائب.. أول نقطة خلاف ظهرت بينهما بعد تعارف أزال الشكوك فأمن كل منهما للآخر . إنه لايدخل في تفصيلات تخص الحكومة الا معها كانت في السنة الثالثة وقد تقاربا إلى حد بعيد من دون أن يشعرا. شغلهما البحث إلى درجة أنهما نسيا نفسيهما. كانت تعيد التجربة التي أعادها العام الماضي داخل المختبر في تأثير الكيمياء الفيزياوية على الضوء بِعَدِّ حامض الكبريتيك عاملا مساعدا فسقطت قطرة منه على جانب المغسلة وأحدثت ثقبا صغيرا، فتقدم منها وهو يقول مبتسما:

أنت دائما قوية فكيف حدث هذا!

يمكن أن تكون فاتحة خيرمثل انزلاق القهوة!

طبعا هكذا نستطيع أن نثقب الكون فنعرف مغزاه وسره.

لاأدري لم ارتجفت يدي!

وجلسا متجاورين في صالة المختبر، فتطلع في عينيها.. مجرد لمحة عابرة. الآن يكتشف أنه نسي نفسه من أجل البحوث والحلم الكبير.. فيزياوي ثم ماذا بعد وهي نسيت نفسها في الدراسة والبحث لكنها لم تنس السياسة.. مامعنى الحب إذن والحياة بنظرها تتحول إلى تراب. كلنا نصبح ترابا ذات يوم نتحلل مع التربة نصيرسمادا يأكلنا الدود قد يكون الحب شعورا متطورا من مراحل المادة مثلما هو العقل.. حالة تجعلنا نرتاح لإنسان ما فيدفعنا ارتياحنا إليه إلى نفضله على آخرين إذ نود في المحصلة أن نقضي الحياة معه .. قوية عنيدة مع ذلك استهلكت السياسة براءتها. التفتت إليه ودست قطعة ملبس بيده ففتحها وتذوق طعمها من دون أن ينتبه، فغمزت ضاحكة أو ساخرة وقالت:

ألم تقرأ ما في الداخل؟

فالتقط غلافا طعجه قبل دقائق وفتحه ثانية :

مبروك؟

قال ذلك وتساءل:

هل تمت خطبتك؟

فواصلت ابتسامتها :

إنه عيد تأسيس الحزب!

فتنفس الصعداء وقال بجد:

لكن احذري من طلبة الاتحاد الوطني!

قالها وفي نفسه هاجس من أن كثرة لقآتهما قد تلفت نظر طلاب الاتحاد الوطني لكن مايخفف عنه أنه الطالب الأقدم وأن مايسمعه منهافي جلساتهما تردده في أي مكان كان:

أووه البركة بالسيد النائب

فصمت بضع دقائق واسترسلت:

إنه يساري يسعى معنا الآن جادا لتأسيس الجبهة وأظن كما يظن معظم الرفاق أننا سوف نكسبه لديه الاستعداد الفطري والثقافي للتغير ومن خلاله سوف يتغير البعثيون إلى ماركسيين مثلما حدث في اليمن الجنوبي إذ تغير القوميون إلى ماركسيين تصورشعب كامل غير عقيدته من اليمين القومي إلى اليسار الشيوعي!

أنا لاأستسيغ السياسة لكني أقول إن تجربة عام 1963 تثبت أن الجماعة لن يتغيروا بدليل أنهم لم يعتذروا وإنهم جاؤوا بصيغة ثورة بيضاء لكن بعد إيام من تمكنهم أعدموا اناسا بعد أن لفقوا لهم تهمة التجسس!

لقد كانوا جواسيس حقا أنا نفسي خرجت في مظاهرة مع طالبات الثانوية يوم إعدامهم!

يالهذه النمرة تجعل نفسها وحزبها مقياسا عاما تقيس وفقه احداث الحياة والموت:

دعك من هذا لكن الم يتم قتل رئيس الجامعة مع قدومهم أكان جاسوسا!

فقالت بكل برود

هذه حادثة فردية

وعندما لمحت استنكارا يلوح على وجهه ردت متحمسة:

إنك مازلت تعيش في الماضي الديالكتيك نفسه يثبت عنصر التغيير هناك دول انقلبت من مبدأ إلى آخر مصر تحولت من فاطمية إلى سنية وإيران من سنية إلى شيعية إنكلترا والدنمارك تغيرتا من بروتستانت إلى كاثوليك فلماذا لايتحول حزب البعث إلى يساري أممي وفيه كوادر تقدمية لديهم الاستعداد للتغيير ولدينا القدرة على تحويلهم مثل النائب وآخرين!

ربما أفحمته.. فالسياسة لاتعنيه بقدر ما يفكر بغدٍ يوفر له الأمان كي يستطيع إكمال دراسته وتخصصه في مجال علوم الفضاء يحلم في المستقبل بمفاعل نووي ومركز بحوث فضائي قد يكون رئيسه أو باحثا فيه أما عن التاريخ الذي احترفت " ضحى " تفاصيله عن ظهر قلب منذ العصور الأولى فلربما لايتذكر عن نفسه ماذا فعل قبل أسبوع.. وقطع حديثهما دخول الاستاذ الهندي البروفيسور " راجار " الذي أطلق صفيرا حادا حين وقعت عيناه على ثقب المغسلة وأشارت بإصبعها نحوه وهي تمد رزمة أوراق إلىالبروفيسور:

 لقد ساعدني كثيرا في التجربة:

 فهز البروفيسور رأسه مبتسما وعقبت:

لكن مع ذلك حدث ماحدث!

فقال بهاء ملاطفا :

بعض التجارب العظيمة جاءت من أخطاء!

فنطق البروفيسربصوتٍ وقور رزين:

 المهم أن التجربة نجحت!

وغادر الثلاثة المختبر وكان ثقب المغسلة يتوارى في ذهن " بهاء " لمديات ابعد من كونه ثقبا صغيرا نتج عن خطأ في تجربة تجريها طالبة في السنة الثانية من قسم الفيزياء لكن إحدى آيونات الماضي التي لمت داخلها دقائق وثواني ليوم منصرم عصي على الذاكرة أقرب إلى المحال هي التي انتشلته من غفلته.

وهاهو الحلم المخفي أو الحلم الواقع يكشف عن نفسه ليقول إن الحديث بينهما كان أبعد من واقع سياسي لايرغب فيه هو لو منح حرية الاختيار من دون رقيب في وقت بدت زميلته ضحى ترفضه رفضا قاطعا..

كل ذلك ظهر متوازيا مع صوت " دوبيرجوليه" البديل للمدير" بيزاري"!

ففي الليلة ذاتها غشيته وهو يغط في نوم عميق شأنه كل مرة حين يأوي إلى فراشه فيستلقي على جانبه الأيسر ويده تحت خده تلك الليلة رآها تنحني على المغسلة قبل أن تسقط أية قطرة من الحامض. لم يحدث أي ثقب.. والعالم مازال ملقى على الرف الكوني بشكل مرتب فجأة .. سطعت عيناه على ساقيها كان يجلس على بعد أمتار من المغسلة تمعن في ظهرها طويلا وهي منسجمة بعملها تراقب التجربة بحذر والدورق بين يديها كاد ينسى العلم والدرس والنقاش لحظة فخطا بحذر نحوها .. كلما مشى خطوة توقف لئلا تسمعه.. واقفة كالكوكب اللازوردي لكنها راسخة مكانها لاتتزحزح مثله مبتعدة عنه كلما اقترب منها.. دب نحوها اقترب منحنيا على ساقيها وبدأ يقبلهما ثم ضمها إلى صدره وطبع شفتيه على رقبة شعت مثل العاج ظلت منهمكة في تجربتها وأنفاسه خلفها تتلاحق. وحينما انتهى عاد إلى مكانه دون أن تشعر به.. راح يتطلع في ساقيها العاريتين المثيرتين . وارتفع نظره من ساقيها إلى ظهرها وشعرها ثم هبطت عيناه نحو ساقيها كرة أخرى.. هتف ساخرا من نفسه:

لص! سارق!

وسأل نفسه وهو يتجرد من سخريته:

كان يمكن أن تسألها!

ثم محاولا أن يستحسن تطاوله:

ربما لو جعلتها تشعر بك لما عارضت!

وعاد إلى هدوءه ثانية فجأة.. استدارت نحوه ملقية بالدورق على دكة المغسلة.. راحت تقترب منه متهادية كوزَّة مسك بيضاء خرجت للتو من الماء تتبختر.. وحدقت عيناها بعينيه:

التجربة نجحت!

ظل يمعن النظر في عينيها فقالت:

بماذا تفكر؟

بك أنت!

بي أنا؟

نعم بك أنت

قلت لك التجربة نجحت!

أية تجربة؟

الكيمياء والضوء فتح جديد يشذب الزمن فيحوره من ثلاثة أزمنة إلى زمن واحد!

تجاهل عبارتها الأخيرة :

أنا أفكر بك فبماذا تفكرين!

أطلقت ضحكة:

بالعالم!

قال شبه حانق:

أقول لك أفكر بك فتقولين إنك تفكرين بالعالم؟!

تحولت ضحكتها إلى ابتسامة:

أنت جزء من العالم!

أريدك لي وحدي!

لايأخذك الطمع

لمن تكونين إذن؟

 أقتربت منه وحدقت في عينيه قائلة:

هل زعلت مني؟

 ثم خلعت قميصا فارقه صليب ألفته عيناه كلما التقيا..

تجردت من حمالة الثديين والتنورة كل ملابسها الداخلية وألقت بورقة توت تستر عورتها على رأسه الذي مازال يعج بشعر ناعم الملمس كثيف.. وقفت أمامه ثم مدت ذراعيها وطوقت عنقه نسيت تماما حديث السياسة والبحث العلمي وتجربة جديدة قامت بها قبل لحظات من دون أن تخطيء.. كانت بعيدة عن كل شيءإلا منه هو .. هما وحدهما في المختبر بل وحدهما في الكلية لاصوت ولاضجيج ولا زحام.. هدوء مطبق يخيم بظلاله عليهما..

قالت له أووه نحن وحدنا نسيت أن أخبرك أن اليوم عطلة ولم يأت أحد!

جمعة ؟

لاإضراب!

 وفي الصباح لم يتذكر الحلم لكنه وجد آثاره في ملابسه الداخلية ممتزجة بعد سنوات طويلة بصوت قادم من بعيد يؤكد له أن تغييرا طرأ على مركز البحث فوق سطح الكوكب القزم:

أنا زميلك " دوبير جولية " المدير الجديد للمركز سأشرح لك الأمر فيما بعد!

 

الفصل السادس

حين عاد إلى الكوكب القزم توقع أن يرجع في الوقت نفسه زميله " هايفن ميلر " من رحلته في غرب المجرة غير أنه لم يجد له أثرا هناك . كان قد رحل نحو الماضي وعاد إلى الحاضر وسوف يواجه المستقبل. أقر مع نفسه أن هناك تغييرا لابد أن يطرأ على الخطة، فالمدير الإيطالي غادر المحطة إلى الأرض، الحق إنه شعر بارتياح كبير فالمدير الجديد صديقه ويكاد يوازية في الأقدمية العلمية إلا بضعة شهور.. ما ينقصه فقط هو ظهور الألماني إذ لابد من أن يتواجه المستقبل مع الماضي بخط تواز أو تقاطع لئلا تكون تجربته ناقصة المضمار إذ بعد تجربته السابقة استعاد الوعي من ماضيه بشكل أكثر سطوعا من ذي قبل وقد زال تماما خوفه من المستقبل نفسه فهو على موعد معه، لقد ألف الماضي بل أحس نعومته واطلع على أسراره فتيقن أنه يمكن أن يصبح مستقبلا وماتبقى هو الحاضر المبهم.. زمن لا يثير خوفه قط كما كان لأن كل شيء يمكن أن يصاغ من جديد وفق طريقته الجديدة.. دائما الحاضر والمستقبل يطوعان حقيقتهماـ للماضي.. قدرهما أن يصبحا عبدين له.. فلم لانطوعه لهما.. نستدعيه ليصبح حاضرا ومستقبلا فلم تعد هناك أسرار تبعث في نفسه الريبة.. من أيام مضت كان أولها هو ما اطلعت عليه- عدا موضوع الحب الخفي – من أنك لم تكن جادا في التخلي عن "ضحى "ليتحمل مسؤولية متابعة سيرها العلمي بدلا عنك السيد " خليل العمران" الطالب الأقدم الذي أبرزت أناقته ثقته بنفسه ثم استدرك أخيرا أن مظهره عكس بعد عشرات السنين حقده على النظام السياسي وعجرفته كونه شعر وهو الأقدر على دفعته أنه أمام خيار القبول بفكر التبعيث وعضوية الحزب وإلا فلن يحصل على امتيازات من ضمنها بعثة للخارج أو أن يغامر فينزوي مدرسا للفيزياء في مدرسة ثانوية بأحد الأقضية مداريا إخفاقه الذي لم يكن منه بد بزيادة أناقته فكان ينفق جل راتبه متناسيا وضعية أهله ومستواهم في اقتناء ملابس أخفت حقده وكراهيته فضاعت عبقريته الفذة مع مرور السنوات!

كان " بهاء الخالد" محصورا وهو في الفضاء الواسع بين من هو اقدم منه.. طالب عبقري صامت لايتكلم كثيرا ولايعنى بشيء سوى البحث .. يراقب إبداعاته فيرفع عنها تقويما أوليا للأستاذ المشرف وبين طالبة رافقها مشرفا فكانت الأقرب إليه في من الناحية العلمية فهي مفتونة بالفضاء في حين كان مرافقه الأقدم" خليل العمران" يعنى دائما بطبقات الأرض وإن ارتفع قليلا فلا يهمه من السماء شيء إلا علاقة طبقة الأوزون بالتربة وأعماق الألارض!

لذلك كله تجاهل كل علاقة له بالطالب الأقدم – خلال تجربته الجديدة- وانصب سيره المتوازي مع الماضي المتعلق بها وحدها ليكون منطلقا جديدا لتغيير العالم بصيغة زمان جديد يكون خليطا مركبا من عالمي المستقبل والماضي!

قبل أن يدخل أية غرفة من غرف المحطة توجه إلى مكتبه وانكب على الرسومات البيانية والألواح الصفراء التي تلسط أشعتها على خلايا الذاكرة. كان متأكدا من ذاكرته التي رجعت إلى أعوام الجامعة وانقلبت إلى كتاب مرئي وجده في الفضاء الخارجي مخزونا عبر سنين وقرون. لم يقرأه أحد قبله. فهل كان محقا يوم فكر أن يطرح على أستاذه العراقي صاحب فكرة النخبة المتفوقة"برهان الفضل" في أن يتخلى عن التزامه بضحى للطالب الاقدم منه في السنة النهاية " خليل العمران" بحجة أن رفقته لها تجلب عليه شبهة سياسية هو في غنى عنها. قال ذلك مع نفسه ثم تردد في عرض الموضوع على " خليل العمران" الذي رافقه ثلاث سنوات فعرفه شخصية باردة لاتنفعل مع الأحداث أقرب إلى شخصية طالب من طلاب الرياضيات، واليوم جاء الحلم الذي مر ولم يشعر به عبارة عن لزوجة ما في ملابسه الداخلية دلت أن كل مافكر به من موضوع التخلي عن " ضحىالعبد الله" لطالب آخر ماهو إلا هواجس غير حقيقية كان لايجرؤ على أن يفاتح بها أستاذه العالم أو الطالب الأقدم، فيا ترى متى يعود الألماني إن كان هناك نبأ ما عن المستقبل يغيّر قناعات سابقة أو يحوّر حقائق باتجاهات اخرى؟

ألقى نظرة على أفق المجرة الشرقي فداعبت عينيه ظلمة خفيفة ولاحت له الأنجم كما هي كأنه تركها تنشطر منذ أن فتح عينيه إلى الفضاء وعمّق غموضه ذلك الثقب الصغير الذي حدث بالخطأ.. تلك النجوم ماض يقدم إليه من بعيد.. بعضها ماتت وهي معنا حية .. فضاء بارد مظلم لكنه ينقلب إلى دفء ونهار مجرد أن يندس في أعماقنا.. أما ضحى فماض وحاضر حي يراودنا متى يشاء هو فمتى نراوده نحن.. ماذا يحدث لو حاول أن يذهب إليها فكل مرة تأتي هي إليه!

غادر مكتبه قاصدا الحمام فانتعش جسده تحت ماء دافيء ثم استلقى على سريره بضع لحظات . عب زجاجة صغيرة مليئة بسائل حلو وضغط على زر صغير عند رأسه فجاءه صوت زميله" دوبير جوليه"

حسن كنت أراقب قدومك هل من شيء؟

يمكننا أن نتحدث؟

قد تكون بحاجة إلى راحة.

أبدا إني أشعر بنشاط غير عادي!

يمكنك القدوم إذن.

اجتاز الممر الذي ران عليه الصمت سوى صوت المحركات الخفي ثم ارتقى السلم النحيف إلى الطابق العلوي حيث مكتب زميله المدير الجديد للمحطة الذي استقبله معانقا وكان يبدو أطول واكثر نحافة:

لم أتوقع أن يغادر السيد " بيزاري " بهذه السرعة!

 تعني أنك غير مرتاح لي!

أوه أنت تعرف أننا زملاء اشتركنا في البحوث معا وتخرجنا في العام ذاته وكان السيد" بيزاري " من جيل آخر لكن المفاجاة غلبتني لرحيله الذي يبدو ملفعا بالغموض.

لاعلم لي بالتفاصيل سوى أنه طلب تعيين شخص بدله لإدارة المركبة وحين وصلت وجدته قلقا كان محبطا فهو لم ينتظر إلا بضع ساعات بعد وصولي حيث غادر إلى الأرض!

قلت إنه محبط؟

نعم تحدث عن فكرة الاعتزال وقد عرفت أنه فعلا استقال من منصبه وتوجه للعيش في الريف!

ماذا تسمي تصرفه هذا؟

الحق سلوكه واضح لقد قال باقتضاب إنه غير مقتنع بتجربة الماضي والمستقبل ويخشى على نفسه منها لأنه اصبح هو المحور وكان يتوقع للمستقبل السقوط في الهذيان ولتجربة الماضي الموت!

بل العكس التقرير موجود على الالواح الصفراء وذاكرتي تعي الأحداث بإمكاننا أن نقرأ الماضي جيدا ونعي أحداثه نعيشه كما هو وفق حقيقته لا بالشكل الذي تصورناه نحن!

فقال " جولييه " وهو يفكر بعمق:

عليك أن تقنع المركز الأرضي باستمرار البحث!

طبعا سأجعل سويسرا تقبض على اسرار العالم من خلال قراءة الماضي!" كأنه تذكر شيئا ما"

قل لي ألم تستلم إشارة من " ميلر "

رد بلا مبالاة:

أكد في أكثر من إشارة أنه كلما تقدم خطوة كونية صارت حاضرا لذلك هو مضطر لمزيد من الزمن كي يتوغل أكثر في تجربة المستقبل الجديدة.

صدمة أم خبر غير سار .. جواب مبهم غير أنه مازال يثق بالفضاء أكثر من الأرض .. كثيرا ماكان يستشهد بموت " كاكارين" في أي مازق يواجهه. الفضاء ياسيدي لم يقتل أول إنسان سعى إليه بل الأرض:

أما زال يتقدم؟

وفق مابعث إلي قد تكون اللعبة سحرته فاندمج معها معنى ذلك أنه لن يعود أبدا!

أووه لهذا السبب لم يمر بي لأنه على النقيض من الآخرين لم يعش الحاضر فيتأين إلى ماض بل دخل مباشرة إلى المستقبل وكلما صار حاضرا تسرب إلى المستقبل حيث لم يصل إلى الآن!

 محاولا أن يخرج عن سمة الجد:

تقصد أنه تحول إلى زمن افتراضي!

استنكر تأويل زميله ورد ببرود:

بمفهومي الزمن الافتراضي يعني الوهم!

ليس بالضرورة.

لهذا السبب فر " بيزاري " تراجع فقد خشي أن يحول إلى جثة أو وهم إنه لايستطيع أن يبقى حاضرا إلى الأبد!

يبدو لي أن المسالة أكبر من مجرد تجربة!

فرانت دقيقة صمت كان خلالها " بهاء " يلقي ببصره من النافذة فتقع عيناه على العتمة البعيدة التي روَّضها قبل ساعات وتفاعل معها فشعر بحنين إلى تلك الظلمة والألق الشفاف والنجوم التي تبدو كثقب منسي في مغسلة قديمة . كان يواصل قراءته لكتاب الكون ولابد أن يعود إليه ذات يوم:

على أية حال ستجد التقرير كاملا على اللوح لكن أرجو أن تدركه بعناية فعليّ أن أواصل التجربة وسوف أحث مركز الإدارة الأرضي على دعمي للعودة مرة أخرى!

عني أنا لامانع عندي لاسيما أني عشت التجربة معك في آخر دورتها!

فهز كتفيه وقال بحماس:

حين نستطيع أن نقرأ كتاب الكون والآيونات المتتابعة التي تأتي باستمرار من الأرض سنعرف كل خفايا الماضي و تاريخ كل مخلوق هناك فوق كوكبنا من حشرات ونبات وحيوان وإنسان ولاأنكر أن التجربة ربما تدفعني أن أحصل على إعادة اصوات السابقين لنا.. كلماتهم وفق انطباعٍ أوليِّ خطر بذهني مطبوعة في تلك الآيونات سنعيش مع كل فرد من السالفين على حقيقته لا وفق ماسمعناه وقرأناه عنه بذلك ندرك أن كل دقيقة لكل مخلوق تتأين حالما تصبح ماضيا وتندفع من الأرض إلى الفضاء باتجاه شرق المجرة تزيح ماقبلها لتزيحها القادمة التي تأتي بعدها.

ذلك يعني أنك ستقدم كشفا يصدم سكان الأرض جميعهم فهل نكشف عن جبناء صورهم لنا التاريخ شجعانا وبغايا هن قديسات وندخل القصور والبيوت فنعرف خفاياها وماخطط له الأقدمون ومن يعيشون إلى الآن بصورة دقيقة لاغبار من الشك عليها!

هذا هو المقصود إني ألغيت تماما فكرة غاليلو القائلة إن الأرض جزء من الكون بل الكون هو الكتاب الذي تسجل عليه الأرض تاريخها في كل لحظة لكل مخلوق عليها كما هو بدقة متناهية ومن أجل هذا وُجِدْنا نحن سكان الأرض من ناس ونبات وحشرات وحيوانات وحدنا في هذا الكون الذي جعلناه خزانة لنا فلم يكن هناك من مجال سوى أن يصبح غير محدود!

فصمت " جولييه " كأنه يقف عند كل كلمة من كلمات زميلة يتأملها وينعم النظر فيها ثم تساءل فجأة:

لحد الآن لم أتبين أنك تنظر إلى تجربتك بمنظار إيجابي واقعي .

لو قرأت التقرير على الألواح لوجدت أني أشرت إلى بعض الخصوصية الإيجابية فيما يخص المرض.

لكن ذلك ورد موجزا

حين يطلب مني مركز الأبحاث وأكاديمية الفضاء الدخول في تفصيلات سأنبههم إلى أننا يمكن أن نقرأ تطور الأمرض ونشأة البكتريا والجراثيم فنتخلص منها ونعيش عالما من دون مرض!

قال زميله وهو يميل إلى الأمام ويستند بمرفقه إلى المنضدة:

حلم البشرية بخلق جنة جديدة بعيدة عن الكوارث!

سمه ماشئت . أنت نفسك قد تكون تحب الآن ولاتدري والحب أحد الجوانب الإيجابية للتجربة الجديدة!

لكن العالم قد يصاب بالجنون فعلا حين يدرك حقيقته كما هي أو أنه يعيش حالة حب لم يدرها في السابق أو معنى من الكره انشغل عنه بمشروع آخر!!

مثلما أدركت أني كنت أحب ولم أكن أعلم!

لحد الآن لم نتحسس شيئا ملموسا والتجربة العلمية كما تعرف تؤمن بالملموس!

حسنا ماذا تعرف عن الحب؟

ليس أكثر من انفعال أو شعور بالارتياح نحو شخص إلى درجة إحساسك أنك لاتستطيع أن تستغني عنه!

طيب رائع جدا وهذا هو الماضي القريب الذي لاحقته فاكتشفت اني كنت احب طالبة معي في جامعة البصرة شيوعية من عائلة مسيحية تخرجتُ قبلها، فسافرتُ إلى سويسرا ثم غادرتْ بعد إكمال الدراسة الى الاتحاد السوفيتي حيث درست علوم الفضاء واصبحت رائدة فضاء في محطة قد تكون قريبة منا.

فغر مدير المحطة فاه واكد:

 لم تدون ذلك في إشاراتك السابقة؟

انت تعرف ان الاتحاد السوفيتي متطور في علوم الفضاء ومما لا أشك فيه ان لديه الوسائل التي يقرأ بها اتصالاتنا . كان رائد محطة مير خلال تفكك الاتحاد السوفيتي يرسل إشارة سخرية إلى الارض يسألهم فيها أن عليهم ان يحلوا مشاكلهم خلال ستة أشهر فلديه من الطعام مايكفي لتلك المدة فقط وقد ظلت إشارته الساخرة تلك تسيح في اعماق الكون وهي عين الجد ليثبتوا انهم يسيطرون على الفضاء فكان علي التحفظ ثم هناك بعض المعلومات التي من حقي ان احتفظ بها لأناقشها في المحطة الارضية مع البروفيسور هنري مدير مخابرات قسم البحوث.

 في تقريرك الألكتروني تقول هي التي لاحقتك لكنك أيضا لاحقتها عبر موضوع التأين ألا تعتقد أن هناك تداخلا في مسألة من الذي بدأ أول مرة؟

لايهم لكن المهم اني اكتشفت من خلال كتاب الكون والماضي المتأين اني كنت أحب من غير ان ادري لكن البحث والجد والنجاح في الجامعة شغلني عن ذلك " وتأفف ثم واصل" تصور شهادة بكلوريوس تحجب كل عواطفنا فلا يكتشفها إلا فضاء واسع مرعب لانهاية له!

فتطلع اليه زميله بعمق بضع لحظات:

يخيل الي أنك سوف تدخل في سباق محموم مع مخابرات الفضاء الروسية!

سأتوجه إلى الارض ولكل حادث حديث

متى قررت؟

الآن إن لم يكن لديك مانع فالقرار يرجع أليك بصفتك المدير قبل كل شيء!

فنهض زميله المدير من مكانه خلف المنضدة وقال وهو يربت على كتفه:

أبدا يمكنك الرحيل " وعقب بابتسامة هادئة"

لقد التبس الامر على السيد " بيزاري " فظن انك تنتحر بتجربتك الجديدة وحسب أن " ميلر " يصير إلى الجنون والعكس هو الصحيح!

سنرى فيما بعد والعبرة بالنتائج

لكن احذر مخابرات الفضاء السوفيتية

بل الروسية فقد قال الماضي كلمته وانتهى كل شيء

"وضغط على شفتيه" كمن يؤكد شيئا أصبح حقيقة لاجدال فيها:

روسيا فقط كنا مخدوعين هناك وحدهم الروس!

وقبل أن ينطلق في طريق عودته إلى الأرض عانقه السيد"جوليه " بحرارة و كانت علامات القلق ترتسم على وجهه وقال ونبرة من الحزن تخالط صوته:

الحق أني لاأشك في تجربتك لكن قلقي عليك متأت من امرين مهمين الأول إنك خلال تقريرك الذي تابعتُه باهمتمام وشغف أنك لم تقرأ أيونات صديقنا " بيرازي " وهو الأقرب إليك..

فقاطع كما لوكان يرفض أي اعتراض:

الحق كنت أنتظره ثم شغلتني "ضحى" عن كل شيء. كنت أتبع أيوناتها التي استقرت في غرب درب التبانة منذ زمن جامعة البصرة أما ماضي زميلنا فقربه الحالي حينذاك مني دفعني إلى تجاهله وهو الآن في الأرض لو أردت أن اكتشفه في أي مكان لفعلت مجرد أن ارجع إلى شرق المجرة أما زميلنا " ميلر " فلم يصبح ماضيا بعد أنت نفسك قلت كلما تقدم خطوة رجع خطوة أي بقي حاضرا لأنه على النقيض من الآخرين لم يعش الحاضر فيتأين إلى ماض بل دخل مباشرة إلى المستقبل وكلما صار حاضرا تسرب إلى المستقبل حيث لم يصل إلى الآن! آمل أن أراه قريبا!

مهما يكن أؤكد الأمر الثاني قضية الحب زميلتك التي فاجأتك بظهورها الحاضر وفاجأتها بماضيك الحالي هذا امر أقرب للواقع منه إلى زمن افتراضي وهناك لاتنس المخابرات الدولية التي تدخل على الخط دائما!

لاتقلق ياصديقي

وتعانقا. وقد شعر تلك اللحظة بمدى تأثر رفيقه من أجله ثم انحدر بمركبته إلى الأرض!

 

الفصل السابع

كانت فكرة الأستاذ العراقي البروفيسور "برهان الفضل" تقتضي أن يتشكل في قسم الفيزياء مجلس للنوابغ يضم الطلاب الأوائل على صفوفهم اي طلبة السنوات من الثانية الى الرابعة ويبقى اختيار الطالب أو الطالبة في السنة الأولى الجامعية القادمين من المرحلة الثانوية من شأن البروفيسور نفسه فيعين ذلك النابغة أو تلك بعد ستة أشهر من الملاحظة والتجريب والاختبار.

لقد وضع البروفيسور " الفضل "في الحسبان أن يجتمع مجلس نوابغ الفيزياء مرة كل أسبوع ويكون الطالب النابغة الأقدم في صفه مسؤولا عن الطالب الأقل قدما، وعندما التحقت الآنسة "ضحى العبد الله "بالكلية كان مسؤولها العلمي بعد ستة اشهر الطالب " بهاء الخالد " الذي كان في السنة الثانية.. ليس من باب المصادفة أن يتوقع البروفيسور "برهان الفضل " للطالبة ضحى مستقبلا مهما في بحوث الفضاء بل تحدث علنا ذات يوم قائلا:إنه لايشك في ظهور نوابغ جدد لايقلون منزلة عن عبد الجبار عبد الله ولو سارت الأمور على مايرام من حيث الأمن والسلام ولو رصدت مبالغ لبحوث الفضاء لأصبح العراق من الدول المتقدمة في الطاقة النووية وفي مجال البحث الفضائي.

قال هذا عنها بعد استطلاعه مدة الأشهر الستة الأولى ومراقبته الدقيقة لجميع الطلاب والطالبات!

وكان البروفيسور " الفضل " يحظى باحترام وهيبة وسمعة عالية عند الأساتذة والطلاب بصفته مؤسسا لقسم الفيزياء في الجامعة وباحثا يتمتع بسمعة دولية حتى هؤلاء الطلاب اليساريون المتطرفون الذين لايستسيغون أمريكا ويضعون علامات استفهام كثيرة على اي شخص أنهى دراسته هناك كانوا يكنون تقديرا كبيرا للبروفيسور ومن هؤلاء الطالبة الجديدة ضحى عبد الله التي رأت فيه عالما كبيرا وباحثا موضوعيا لايتعامل بالهوى والعواطف بل بموضوعية يفتقر إليها كثير من الأكاديميين.

وازداد إعجابها به يوم اختارها لتصبح عضوا في مجلس نوابغ القسم فلم تخف رغبتها – بعد هذا الإنجاز الذي حققته خلال ستة اشهر من التحاقها بالجامعة- في متابعة دراستها في إحدى الدول الإشتراكية وإن خصت بالأولوية الاتحاد السوفيتي. فلم يزدها تقييم البروفيسور " الفضل" لها غرورا والحق إنها كانت تعتد بنفسها كونها فتاة تعنى بالسياسة أكثر من كونها طالبة علم نابغة في حقل الفيزياء والفلك .. كانت شيوعية تفتخر بريادة الاتحاد السوفيتي للتقدم في تلك البحوث إلا أن حماسها الحزبي الزائد سار بموازاة همتها في البحث العلمي. بدت نشطة في المجالين العلمي والسياسي .. حيث استغلت فترة التقارب الشيوعي البعثي ومباحثات الحزبين في العمل لتشكيل ماسميت فيما بعد بالجبهة الوطنية فعبرت عن آرائها بصراحة ونية صادقة. نشطة صريحة لاتحابي ولاتجامل.. كانت طوال الوقت تراهن على تقدمية النائب والأمل في كسبه وإعادة تأهليه ولم تغفل عن اي مهرجان وأية مناسبة فلبست ثوبا اسود يوم الثامن من شباط ووزعت الحلوى في ذكرى تاسيس الحزب وحررت في جريدة طريق الشعب لكن النقاش بينها وبين صديقها الأقدم لم ينقطع. كانت تثق به ربما تعترض على شكوكه وتحس أنه ينظر أحيانا للسياسة بمنظار قاتم أقرب إلى المتشائم وهي على ثقة تامة من أن العالم سيتحول كله في القريب العاجل إلى عالم اشتراكي تسود الأرض فيه النظرية الشيوعية حيث يعم الأرض السلام والخير وتزول الحدود بين الشعوب فلا يعود من فقر ولاعوز أو جوع..

على الرغم من كل ذلك فإنه يعترف الآن مع نفسه أن هناك شيئا خفيا كان يثيره في أعماقه منظر خصرها الدقيق أثناء وقوفها أمام الدكة أو منظر ساقيها الممتلئين.. الصليب الذي يتأرجح فوق صدرها.. جسد متوسط الطول بشرة حنطية، كل هذا لايهم والأهم: ماهو المستقبل؟.. من حسن حظه أن الطلاب الأوائل قبل تبعيث معظم الميادين والدوائر كانوا يجدون فرصا للحصول على بعثات قبل أن يتم سوقهم إلى الخدمة الإلزامية.. ربما تتغير الأمور بعد سنوات ويخفق مشروع النوابغ مثلما تغض الدولة النظر عن مبدأ الكفاءة فتختار طلاب البعثات وفق الانتماء الحزبي لكن نجم الآنسة " ضحىالعبد الله" لمع أكثر حين تم تشكيل الجبهة فارتفع اسم النائب، في الوقت نفسه وجه الطلاب المنتمون لحزب البعث انتقادا لخطة البروفيسور إذ اقترحوا أن يضم مجلس النوابغ أحد الطلبة المجتهدين ممن له عضوية في الاتحاد الوطني.. يومها قابل البروفيسور الاقتراح بشيء من برود سترته ابتسامة مبهمة، وتعليق إنشائي مقتضب:

كل ما اسسته هو لكم.. للبلد أما أنا فسوف ينتهي عقدي بعد سنتين فأعود إلى الولايات المتحدة عليكم أنتم أن تكملوا المشوار!

كان " بهاء الخالد " في غاية الانفعال وحينما ضمتهما غرفة المختبروحدهما وليس هناك من نأمة سوى بصيص لمصباح أزرق خافت وأزيز دائرة كهربائية يوحي لمن يسمعه بطنين ذبابة قادمة من بعيد:

أسمعت الخبر عن العضو الجديد المفروض؟

وما المانع؟

فاجأه جوابها. لم يتخيل نبرة صوتها ودهشة عينيها. ونسي في خضم احتجاجها مشاعره وإذ رأت دهشته اندفعت :

أهناك من أسرار عندنا نخفيها عن الآخرين؟

فقال ممتعضا من حدتها التي قرأها من خلال دهشة ارتسمت في عينيها:

لا لكن ماذنبك أنت التي حصلت على علامة مائة في كل المواد وذنب الطالب في الصف الرابع وهو بعد جهد فاز بعلامة تسعة وتسعين من مائة أهناك من مبرر ليأتي معنا طالب يشاركنا مجلسنا ومعدله لم يتجاوز السبعين أو الثمانين وربما في غد ينظم من هو دون ذلك!

فنفضت يديها من التجربة أزاحت الموشور والتفتت باهتمام:

أنت الذي تقول ذلك؟

العلم لست انا!

لماذا نحجب العلم عن الآخرين؟تلك تفرقة لاتقل خطورة عن التفرقة الطبقية.. في الاتحاد السوفيتي الآن راتب الفراش أقل بقليل من راتب رائد الفضاء قد نستهزيء مادمنا بعقلية برجوازية لكننا حين نفعل ذلك نروم أن نجعل الفراش والعامل بمستوى رائد الفضاء.

هم بالكلام فلم تمنحه فرصة واسترسلت:

أنت نفسك تبدي انزعاجك من عجرفة "العمران " الفقير وشعوره بالتفوق لأن ترفعه سلوك برجوازي لاترتاح أنت له ولا أنا أو أي شخص آخر وأنت الآن تؤدي الدور نفسه بصيغة أخرى!

خطوة تجر خطى تخيلي النابغة خالد العمران الحاصل على معدل تسعة وتسعين بالمائة لايحصل على بعثة لأنه ليس منهم في حين يتمتع بهذا الحق طالب جاء بمعدل ثمانين بالمائة!

مشكلتنا نحن في العراق أن الجميع يرغب في أن يصبح دكتورا ليقال عنه دكتور يا اخي الاتحاد السوفيتي حتى أوروبا الغربية قامت كلها على الكادر الوسطي!

يعني ذلك انك من مؤيدي الاقتراح الذي قدمه الاتحاد الوطني في أن ينضم إلى مجلسنا أي طالب لايقل معدله عن السبعين!

بل أنا متحمسة له فليس كل مايقترحه حزب البعث باطلا وإلا لما وقفنا معهم في قضية التأميم دع الطالب الجيد معي في المجلس وسأمنحه خبرتي العلمية ليرتفع مستواه فالأفضل ان يكون البعثي عالما بدلا من أن يصبح من الحرس القومي!

وهمس لها كأنه يخشى من الحيطان أن تسمع:

إني لاأثق بهؤلاء قط فهم لحد الآن لم يعتذروا عن المجازر بحقكم عام 1963 بل يعدون انقلابهم عروس الثورات!

فقالت بإصرار كأنها ترفض كلامه:

ياصديقي إنك تكرر هذا الكلام على مسمعي دائما. أنا والدي طبيب معروف من عائلة ثرية وأنت أهلك من ملاكي الأراضي والأجدر بنا أن نتحرك نحن لن نغير الآخرين إذا بقينا في حدود طبقتنا . الرفيق لينين انحدر من عائلة أرستقراطية فتحرر منها ليكون ضمن العمال والآن نحن نفعل الأمر مع النائب ومجموعته في حزب البعث ماقد حدث فيجنوب اليمن فهل أظل أصقل وأعيد!.

حديث يشوبه ملل.. بارد لاحياة فيه ونقاش يتكرر كل يوم. اليمن الجنوبي.. النائب مرشح لأن يصبح شيوعيا .. كان الأجدر أن تكون بولندا بعدالحرب العالمية الثانية ضمن المنظومة الرأسمالية واليونان شيوعية غير أنها الموازانات. الحسابات الدولية التي أوصلتنا إلى هذا فهل نكون مجانين مثل ماوتسي تونغ فنلقي قنابلنا الذرية على المعسكر الرأسمالي لنقضي عليه.. مالفرق إذن بيننا نحن الداعين إلى السلام والنازيين.. في البدء حاججها ثم تحاشى أن يثيرها . كانت تتمسك بكل حرف تقوله.. شجاعة لاتخاف تهديدا أو وعيدا وتنسى أنها فقدته في الأرض وهو الأقرب إليها فعثرت عليه في السماء أو .. لكن العواطف تلح عليه الآن . تتحدث عن حب دفنته السياسة قبل أن يشعر به الطرفان فكشفه الخلاء . لقد سمع بوالدها الدكتور "عبد الله"الذي تعدت شهرته البصرة إلى محافظات قريبة ودول الخليج . . من أفضل أطباء البصرة. خريج بريطانيا أم الإمبريالية. لم تكن خصوصياتها لتهمه. ولم تلتفت إلى طبقته الاجتماعية سوى ما يعرفه الزملاء في الكلية عن بعضهم من عموميات. ويوم تحدثت عن الطبقات بداية انقلاب عام 1968 قال لها إن والده ملاك . صاحب بستان في البراضعية وتاجر، ولعلها حدثته عن سفرها مع والدها شبه المستمر إلى بريطانيا وسألها متعمدا عن الحياة في لندن فأجابت بجرأة: إنها مقرفة بلد الرأسمالية الأم التي كان رأسماليوها يقتلون عمال المناجم بدم بارد.. لصوصية مسعورة قد يداهمك لص في أحد شوارع لندن في أي وقت . هذا الأمر لن يحدث في أية دولة اشتراكية لا في الليل ولا في النهار!

 

د. قصي الشيخ عسكر

 

حميد بن خيبشالشيفور ليس سائقا فحسب، إنه حصيلة السياقة في بلد يبرَع مسؤولوه في سن الغرامات، بينما طرقاته يصعب فيها تفادي المخالفة. لذا فالحاج أحمد شيفور ضمن قائمة طويلة ستجدون حتما أسماء البعض منكم عليها !

انحنى ليبوس جبين أمه الراقدة منذ سنة بسبب انزلاق غضروفي. وكعادتها لم تبخل بدعاء الرجوع إلى الأولاد سالما، وأن يكفيه الله شر زمانه.

أدار محرك الشاحنة وانطلق على الإيقاع اليومي للجارة. زهرة تدعو أن يقتلع الله كل الشاحنات ويلقي بها في جهنم، ثم ينقلها إلى حي لا تخنقها فيه ريحة المازوت.

"ديننا يدعو إلى محبة الجيران".. تذكر حديث الأمس على الراديو، ونبرة الواعظ الذي يبدو أنه لم يزر حيا شعبيا منذ زمن. "الله يعطيها حبوبة تحت اللسان". عندما تخرج ابنها من مركز المعلمين كانت هذه الشاحنة هي بساط الريح الذي نقل له أغراضه إلى جبال ورزازات, لكن "اللفعة" لا تذكر الخير. رفض أن يأخذ منها مقابلا، بل ودفع ثمن طاجين الغذاء من جيبه، وتحمَّل ثرثرة صغيرها عن غياب العدل في هذا البلد، وابنة مدير السجن التي حظيت بالتعيين في ضاحية المدينة، رغم أنه متقدم عليها في اللائحة.

غير مؤشر الراديو ليتوقف عند برنامج للإهداءات. نفس الأسماء تتبادل التحية فيما بينها كأنهم على طاولة مقهى. المذيعة تتلعثم وهي تقرأ حِكمة عن المحبة والتسامح. يبدو أنها مثل الواعظ، لم تزر حيا شعبيا منذ زمن.

لوّح له الدركي بمواصلة السير. يعرفان بعضهما جيدا منذ أشهر. السائق المحترف يقرأ "الباراج" جيدا. حين تكون المراقبة روتينية فلا حاجة لأن يركن شاحنته، ويسحب منديل أمه الذي يضم إلى جانب الأوراق حرزا خطّهُ الفقيه المعطي. تبسم الدركي يومها حين وقع الحرز على الأرض، فالتقطه بخفة وهو يلمز الحاج " لوكان الخوخ يداوي..".

السياقة أخلاق وليست مهارة فحسب. ولأن أخلاقه عالية فقد أمضى ليلتين في مخفر الشرطة قبل أسبوع.

تقدمت منه إحداهن حين هَمّ بمغادرة محطة الوقود. وبعد ترديد الأدعية المأثورة صرحت بأن اسمها بدرية، وأن مباراة ولوج معهد البريد ستفوتها بسبب إضراب سيارات الأجرة. اعتذر في البدء لأن زوجته تحذره من كيدِهن، لكن مشهد الإلحاح والدموع حمله على القبول.

ككل رحلاته إلى سوق الجملة يُعرج الحاج على مقهى النهضة لاحتساء قهوته المفضلة. يومها لم تسمح نخوته بأن يؤخر بدرية عن موعدها فواصل السير، لكن نقطة مراقبة في غير محلها اعترضت الشاحنة. حرص الدركي الجديد على أداء دوره بالكامل. فجأة نطت بدرية خارج المقصورة وأطلقت ساقيها للريح.

عامل محطة الوقود، كثّر الله خيره، تفضل بالإدلاء بشهادته ليعتق الحاج من فضيحة "الحشيش".

- بغيت ندير الخير.

- دير الخير في راسك، أجاب الدركي بحزم، ثم سلمه رزمة الأوراق التي وقع منها الحرز مجددا. ابتسم الحاج وهو يردد في أعماقه " يمكن الخوخ كيداوي..".

***

 - قصة قصيرة-

حميد بن خيبش

 

امين دمقورد لأجنحة التعب

البحر مضطرب بشامة من يحب

والريح مثقلة بأجنحة التعب

       في البدء كان الليل بوصلة القصيدة

      أنما رحلت أضاء الشارع الخلفي

للفوضى و من سئم العرب

سيفور تنور الحداثة حينما

                       تهب الملامح ريقها و بريقها ..

                                                            للماء

                          (لا طوفان يغرق طيف من ركبوا و ما ركبوا)

الطود منهمك و ما في القلب

متسع ليجهش بالعلو

قد كنت مثله خائفا

لكنني أثخنت دربي عامدا ..

                                  متعمدا و مضيت أبحث عن سبب

ورد لأعناب الحبيب

 

إذا ما تغنى حبيبي

       تثنى له عنب في الشآم

و طاف بكعبته جوهر المترعين

يحجون من كل فج عميق

إلى صبوة تخلد الليل للنوم

                                نوم تغنى بطمث السماء و لو ركبت رأسها

فــي الحـــنــيــن

نغني .. أفي سكرة الوجد

ضل الوجود و أبرق ماء السلالات للموت

                                                 (لا مهرب الآن منه إليه)

فقد طوق التوق كل المريدين

سلاما على من يطهر ماء

الجداول من درن في الجناس

سلاما على من تهجى خرائط

أرواحنا المتعبات من الخيل و الليل و الاحتباس

ورد لأوردة الغريب

تراودها مراودها

فيرتد المدى ألقا

لها أن تسحب الغزوات

من لهجات من فروا إلى التحنان ...

لها أن تجهد الأيام عابثة

بمن رهبوا من الماضي

و ظلوا في فجاج الأرض ينتحبون

من أيلول إن نطقا

تجاهرهم بما كرهوا ..

فيعتمر الأسى الأفقا

ذروني عند من سفكت دماء الليل

               (لا إرهاب إن ماطلت من غنت على قبري إذا اتسقا)

ذروني عند مفترق الظنون

حيث لا جدوى من الأقمار

إن كالت لنا الأمواج صفع البحر إن نفقا

***

 أمين دمق

 

عبد الرزاق عودة الغالبيمن عينيها

تشرقُ شمسُ بلادي

 تثيرُ براكينَ فؤادي

عواهرُ تنتهكُ الحرماتْ

مزاميرٌ تعزفُ ألحانًا

هو ظنٌّ

هو فتنة

هو طردٌ ببريدِ الآهاتْ

هو إفكٌ

أم طغيانٌ في الكلماتْ

آهٍ ياقلمي ....!

لو تعرفْ...ما تخفي جناتي

تحتَ ثيابِ الدنيا...؟

تعيشُ بعقلي

طواغيتٌ

وملوكٌ

وطغاة

أحيانًا أسمعُ في نومي

أصواتٌ تخرجُ من أذني

تتحدّثُ عن سلبِ الأرضِ

*

 ضجيجٌ وهتافاتْ

بحياةِ الحقِّ...

وصلبِ الكذبِ

وإعدامِ الآهاتْ

تذبلُ عيناها

برحيقِ الصوتْ

فينبلج الصبحُ  من شفتيها

بصراخٍ يطرشُ أُذُنَ الفجرِ

يعلنُ موتَ الحقِّ

وهجرةَ أهلِ الصدقِ

فسألتُ الهاتفَ عن جنسي

فتكلّمَ  قلمي قسرًا

وضميري يسردُ أنباءَ وحكاياتْ

عن فحلِ النخلِ

وتفاحِ الخدِّ

وصحراءِ الصدرِ

وأحصنةِ الدهرِ

وعضاتِ الجوعِ

وسنينِ الفقرِ

وتجاوزِ سيلِ الحرماتْ

آه يا قهري

تفاصيلُ محيَّاها

يهدمُ جدرانَ الدهرِ

*

والأيسرُ يبرزُ مهذارًا بالقهرِ

عسلٌ يسكنُ بينَ الحلماتْ

قطعٌ من حلوى تحتلُّ الجسرَينْ

يأخذني الثلجُ بسحرِ                                    

 وخريرِ جداولِ أهلي

وأغاني الدهرِ

وسنينَ العمرِ

بينَ ضفافِ النهرَينْ

سأنهي حياتي

وأعلنُ يومَ مماتي

عندَ ضفافِ البلوى

أو بينَ حتوفِ النهدَينْ...؟

فعلًا هي سلوى

هي دنيا

هي أشكالٌ مختلفة

ألوانٌ من فنٍّ تمزجُها

فرشاةُ الضوءِ بلونَينْ

ترسمُ أيامي وسنيني

بيضاءَ سوداءَ

 حمراءَ خضراءَ

وتختفي كلُّ الألوانْ

 تحتَ طواحينِ الستينْ....

***

عبد الرزاق عوده الغالبي