مامند محمد قادرأنظري الى الطيور المحلقة في السماء

وهي ترحل

انها تشبه خطواتنا

التي تقطع أبعاد اليأس .

امعنِ النظر

في الأمواج التي

تتجه صوب الشاطيء

انها تشبه أغانينا

التي ننشدها

خلف الجدران العالية .

حبكِ ... كان رسالة

بدّدت تشردي

وأغرقت ضياعي في اليقين .

أفتح نافذة غرفتي

فاذا بوجهكِ الطري

يورق تحت قطرات بصيرتي،

حضورك

يضيق بالمسافات ذرعاً .

انكِ قد أنقذتني ببريق عينيكِ

من ظلامي الدامس،

وأقلعتُ أنا

أبواب انغلاقكِ

بجموح انفتاحي .

وبيد من غضب مقدس

رسمتُ زهور أنفاسكِ

على صفحات الماء

وأجنحة الطيور،

جعلتُ الموت جاثياً

في قلوب العصافير،

و قدّمتُ الربيع

بسلّة من الجروح

الى انتظار الخريف .

اننا نبلل أجنحة أسفارنا

في برك القوس و القزح

و قامة السنابل،

نحدق من نافذة صباحٍ

في المروج التي

حدودها غياب

تتساقط أوراقها

من أغصان الزمن .

***

مامند محمد قادر

 

حاتم جعفرأي صباح نحس هذا الذي أصحو عليه! أهو سوء طالعي، أم هو نذير شؤم سَيُعكرَ صفو يِومي بأخبار لا أقوى على سماعها! أم لأن الأمر كله على صلة بالكتاب الذي فرغت منه في ساعة متأخرة من الليلة الفائتة. سألت نفسي: مالك يا رجل، ما كان عليك الاّ أن تلغي فكرة تكملة قراءته وتذهب الى تأجيله حتى اليوم التالي، لكنك ضعفت كما يبدو أمام سطوته، فجمال نصِّه ووحدة موضوعه وما الى ذلك، كلها أشرت الى قدرة كاتبه وكفاءته على ِأن يجرك أينما يشاء، بل حتى وفي بعض منعطفاته بات يُشعركَ بالعجز عن اللحاق به. لكن في ذات الوقت وعلى الرغم مما يحمله من حبكة وصور كثيفة من الجمال وما به من المتعة، الاّ اني سأسجل إعتراضا واحدا عليه وهو موضوع الكتاب، وربما سيختلف البعض معي في هذا التقييم والوصف، فعلى ما رأيته فقد زاد من همّي همّاً وجعل من غربتي أكثر ثُقلا وإغترابا.

ولكن ما رأيكم لو اختصرنا اﻷمر ودخلنا في أهم مفاصل الرواية التي هي موضوع حديثنا. حسنٌ فمن خلال متابعتي لشخوصها التي وردت، وتعليقاً على ما جاء فيها، سأخرج بنتيجة وربما هناك آخرين مَنْ هم مثلي وسبق لهم الإطلاع عليها،  تفيد بوجود تشابها كبيرا بين الشخصية الرئيسية والمحورية في هذا العمل وبيني. ومن شدة التقارب فيما بيننا والذي وصل في بعض فصوله الى حد التطابق، فقد انتابني ولا زال إحساس خاطف، غريب، سيفضي الى الظن بأني المعني بهذا العمل وليس من  أحد سواي، أو ان هذه الشخصية على أقل تقدير قد بُنيتْ وأستقّتْ مني ومن دون دراية، فحركتها وتطورها وحتى اسلوبها في الحوار والمفاهيم التي تبنتها وما كان يصدر عنها، كلها تدعو الى القول بأن الشخص الرئيسي في هذه الرواية هو أنا، أو ان الكاتب وهذا احتمال آخر، يتحدث بأسلوب كمن سكن داخلي وتحرك برغبتي.

الاّ أن ما جعلني أتراجع عن هذين الإحتمالين وأستبعدهما، هو جملة من المؤشرات، كان من بينها على سبيل المثال ماورد في مقدمة الكتاب الذي هو حديث ساعتنا، بعض المعلومات والإيضاحات واﻷسماء والتواريخ، التي ستختلف بكل تأكيد عمّا انا فيه، فضلا عن إسم الكاتب واسم المترجم الذي ألحِقَ به. كذلك دار النشر التي صدر عنها والمتخصصة أصلا  بالأدب الأجنبي. وكي نصل الى النهايات، فالكتاب الذي فرغت منه تواً يعود الى أحد كُتاب أمريكا اللاتينية، آه كم بدا  التقارب جليا بين تجربتينا رغم البعدين الجغرافي والزمني، وكم أعادني الى ما كنّا نعانيه من قادة تلك البلاد التي أبعدتنا والتي ستبقى وطننا، وهي حقا كذلك رغم كل ما قاسيناه. إذن فنحن نعيش في عالم متشابه، عنوانه القمع والتسلط والإنتهاك المستمر.

وفي لحظة كهذه وأنا أفرغ من قراءة الكتاب، الرواية، ما كان عليَّ الاّ أن اُعبِّرَ في سري وفي علني عن التضامن التام مع ضحايا تلك الدولة وغيرها من الدول التي هي على شاكلتها، والتي يتحدث عنها أو يعنيها الكاتب، فهم أخوتي بكل تأكيد ولكن هنا سيبرز السؤال: منْ سيتضامن معنا نحن أبناء البلاد الحزينة؟ مَنْ سيغني لنا؟ مَنْ سيلعق جرحنا النازف حتى اللحظة؟ مَن سيخفف الهمَّ عنّا؟.

لا اُخفيكم القول فبسبب من جمال بعض فقرات الكتاب، فقد أعدتُ قراءتها لعدة مرات، حتى أني في المرة الأخيرة وحين عزمت على إعادتها، وجدت نفسي قد حفظتها عن ظهر قلب مع كل وَقفاتِها وهوامشها، ولأنها أعجبتني فساُعيدها عليكم نصاً وعلى لسان إحدى الأمهات التي فُجعتْ بغربة ولدها:

الكثير منّا رحلَ وانا أيضاً رحلت معهم، لقد أطلت الغياب ولم تأتِ حتى لحظة مغادرتي هذا العالم، تعبتُ من الإنتظار حتى أصابني اليأس. على كل حال لا تقلق يا ولدي، فلقد وضعت مفتاح البيت بنفس المكان الذي اعتدت عليه في كل مرة حين كنت تعود في ساعة متأخرة من الليل. قد تجد سكان البيت يغطون في نوم عميق، لذا إن عُدْتَ يا ولدي من غربتك، دعهم وشأنهم فلا ضرورة لإيقاظهم، وإذا ما شعرت بالجوع فلا زال الأكل ساخنا. نعم، هو ذات البيت الذي وُلدتَ فيه ونشأت وكبرت، ولكنك غادرت قبل أن يحين موعد قطاف الحب، وكي لا تتفاجأ، فقد أعدنا ترتيب الغرف بعد أن ازداد عدد أفراد العائلة وتشعبت الاّ غرفتك، فقد بقيت على حالها، لم يمسها أحدٌ، وأبقيت على صورتك معلقة على ذات الحائط كما أوصيتني.

قد ترى وجوها لم ترها من قبل، فالصغار كبَروا ووُلِد آخرون بعد رحيلك الإضطراري. لا تلمني يا ولدي إن لم تجدني فلقد تَأخّرتَ كثيرا وبانت عليّ علامات الشيخوخة المبكرة، لكن علي أن أقول لك، أن لا تستغرب حين سماعك بعض الاخبار التي سأسردها عليك، قد يكون من بينها ما هو سار وما هو غير ذلك: لك من الأخوة من كبُرَ ومنهم من قضى نحبه في تلك الحرب التي لم ترَ شرها وشرارتها التي أحرقت السهل كله، ربما كان ذلك من محاسن الصدف التي خففت قليلا عن بلواي وعن أوجاع قلبي على فراقك. هناك أيضاً من مات كمداً على رحيلك بعد أن ظنّك ستأتي ذات يوم ولكنك لم تأتِ، ومن شقيقاتك من ترمَّلت وخطَّ الشيب مفرقيها وضاع نصف عمرها. (انتهى الإقتباس من الكتاب).

حالة من الضيق والإختناق بدأت تحاصرني، كان من المفروض أن لا أعيد قراءة هذه الفقرة ففيها من الشوق والحنين كما فيها من العذاب، لذا قررت أن أركن الكتاب بعيداً عن ناظري، أملاً بإرجاعه الى صاحبه وبأسرع وقت ممكن، وأن أتجه صوب ما تهدأ له الروح، لذا قررت أن أولّي وجهي صوب ذاك المكان الذي سميناه ملتقى للغرباء، رواده جُلَّهم على شاكلتي أو أنا على شاكلتهم، وقد اعتدنا على تبادل الشكوى من حياة الغربة وطول الإنتظار، إذ لا حيلة لنا الاّ أن نكابر ونصابر بعضنا بعضا. كنا نتصيد الضحكة والبسمة التي تكاد أن تفلت منا والى الأبد. في بعض اﻷحيان وعندما كان ينتابنا شعوراً بالوهن والضعف، كنّا نرنو الى مسائلة أنفسنا: عَلامَ كل هذا الجَلد والتحمل؟.

الساعة اﻵن تقترب من منتصف الظهيرة وهذا ميقات مناسب كنا قد اتفقنا عليه مسبقاً أنا وَمَنْ يقاسمني سكني، للخروج سوية من البيت وتزجية بعض الوقت، فغرفته ملاصقة لغرفتي واهتماماتنا تكاد أن تكون متطابقة، فكلانا انتمينا الى ذات الخيار السياسي، وكلانا اغتربنا سوية، وكلانا أثار من التساؤلات ما رفضها الباب العالي ومن قبل الإستماع اليها (أتعرفون مَنْ هو الباب العالي، لندع هذا اﻷمر الى القادم من اﻷيام) كلانا حَمَلَ ذات الهموم والإهتمامات مع بعض الإختلافات البسيطة التي تكاد لا تُذكر، لذا طرقت الباب على صاحب، لم يردَّ عليَّ، أعدت الطرق ثانية وثالثة حتى فُتحَ الباب، مصطحبا معه صوت الموسيقى وصوت أحدهم وهو ينشد تلك اﻷغنية اﻷليفة على أسماعنا يوم كنا فتية أو قُل في بدايات الوعي والإنتماء السياسي: دَمٌ في الشوارع، سانتياغو…  الى آخر اﻷغنية، انه صوت جعفر حسن وقيثارته الشهيرة وتلك الحماسة الثورية التي تدفعك ﻷن تتذكر فيكتور جارا وكل شهداء الثورة التشيلية وشهداء العالم، لتتذكر بابلو نيرودا وسلفادور الليندي ومريم ماكيبا وجياع أفريقا وفلسطين المحتلة وووو.

هنا سألتُ صاحبي: الا تعتقد بأنَّنا نشترك في جرح واحد مع مَن أنشدَ لهم جعفر حسن؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد أن لنا أيضاً شعراء استشهدوا في شوارع مدننا وعاصمتنا؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد بأن لنا من السبايا ما فاق أعدادهم أو يكاد يقترب من ضحاياهم؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد أن لنا من اﻷطفال مَنْ تيتم مبكرا وعلى يد أنظمة القمع التي تعاقبت على حكم بلادنا؟ قال بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف. قلت له لماذا إذن لم يغنّوا لنا كما غنينا لهم، أو على اﻷقل لم نسمع بتلك اﻷغاني التي تدل على تضامنهم معنا؟. هنا توقف صاحبي لبرهة خاطفة من الوقت ليقول لي بلغة ودودة: كم أنت ملحاح وكثير أسئلة. فأجبته وكم أنت ساكت لا ترد. ثم وبلحظة خاطفة قرر صاحبي وحسماً للجدل أو من أجل تأجيله الى أيام أخرْ، أن يوقف جهاز التسجيل ويخرج الكاسيت ليضع آخر بدلا عنه وليصدح صوت السيدة فيروز برائعتها:

بغداد والشعراء والصور  ذهب الزمان وضوعه العطر

يا ألف ليلة يا مكملة الاعراس    يغسل وجهك القمر

بغداد هل مجد ورائعة       ما كان منك اليهما السفر

أيام أنت الفتح ملعبه            إنا يحط جناحه المطر

 

حاتم جعفر

السويد - مالمو

 

طارق الحلفيالغَيمُ الملقى في النهرِ

بوميضِ قناعٍ وجرارِ غروبْ

اياماً ظلّ يعومْ

مرتجفاً، مُسهَّداً بينَ عصفِ العنادِ وبينَ المطرْ

قبلَ انْ يَخرجَ من وقتهِ

ويُنقذَ حَيرتَهُ مِن بكاءِ الشجَرْ

ما تحدثَ قَطْ

موحلاً كانَ

ومُختَرَماً بِالذُّهول

فكلّ الفصولِ تَجرّ مراكِبَها في الهَزيعِ الأخيرِ من الليلِ

على مُنحَنى موجةٍ من ضفافِ الغصونِ

دليلاً الى المُنتَهى

ليأخذَ كلَّ الحَصى في الضِّفافِ

الى فيضِهِ في الوجومْ

مُستوحِشاً مرسى التَّبدّلِ في الثباتِ

اسمالَهُ البردُ

والثلجُ عَصاهْ

مقرورةً بالظلامِ خَلايا الدروبْ

فيُبهرُ بالصوت البعيدِ خليطَ الرياحِ

ليحكي اِنحناءَةِ قدّاسهُ

بين جرفِ انتظارِ الشتاءْ

وبين نظرةِ ماءٍ ضجرَهْ

تتردَّدُ بين الدوائرِ والحجرِ المُلقى

قبلَ ان يختفي صوتهُ بصدقِ النّهار

 

طارق الحلفي

 

عبد الله سرمد الجميلأنا مُتعَبْ،

أنا حزني هنا كوكبْ،

أنا مَنْ فِيَّ جُلمودُ النَّوى أعشَبْ،

أنا من طينةٍ عمياءَ لكنْ أُبصِرُ الغيهَبْ،

أنا استمطرْتُ غاباتي بلا سُحُبٍ فشعشعَ ذلكَ المِخْلَبْ،

أنا قدّيسُ أوهامي وأخلُقُها وتخلُقُني وتُسغِبُني ولا تَسغَبْ،

أنا خدُّ الحصاةِ البِكْرِ في نَهَرٍ تكاثَرَ فوقَها مطرٌ فهل حَبَبٌ أثيريٌّ بها يُشْرَبْ؟

أنا صمْتُ البراري في الشتاءِ،

تثاؤبُ القمرِ المُسِنِّ،

تكاتُفُ المَرْجِ المُرقَّصِ بالرياحْ،

أنا وعروقُ أوراقِ النباتِ حكايةٌ لا تنتهي،

فلأجلِها صِرْتُ الندى المنسابَ في زَهَرِ الصباحْ،

أنا شفةُ الصوامتِ في الصحارى،

حَوْمةُ الصقرِ المُحدِّقِ في الضحيّةِ،

 رقصةُ الرملِ المخادِعِ تحتَ رفرفةِ الجناحْ،

أنا مَنْ صاحَ بالحطّابِ: لا تقرَبْ،

***

عبد الله سرمد الجميل

 

فتحي مهذبفعلا حصاني عالق

في خرم الابرة..

والبخار الصاعد من رأسي المقطوع

يتمطى مثل عربة نقل الأموات..

فعلا تحت جذعي حطاب يعوي..

يقطع مخيلتي الى نصفين..

ثم يرمي فأسه باتجاه غيمة جريحة..

العابرون مثل العاصفة..

مسلحين بزئير الحتميات..

صنعوا من شرياني حبل مشنقة..

أسقطوا طائرة قلبي بقذيفة..

لم أنس المصابيح التي انتحرت

في غرف الكلمات..

امتلاء يدي بدموع من الفضة ..

هروب غزالة من مظاهرة عنيفة

في شوارع اللامعنى

 

فتحي مهذب

 

سليم الحسنيكان هاجس الأمير أن يبسط نفوذه أكثر فأكثر، يقضي الليل في التفكير، يستعرض أسماء الأقوام السابقة، يتأمل في سِيَر ملوكها، يسخر من أولئك الذين عشقوا الذهب ولبسوا السندس والاستبرق وسكنوا القصور، يسخر منهم ويضحك مع نفسه:

(ما أولئك إلا كفتية يتلعبون بألعابهم، لن أكون مثلهم، إنما الجميع لعبتي).

يسمع من غرفة مجاورة صوت والده السيد الكبير، يقرأ القرآن الكريم ويقيم الصلاة، تأتيه نسمات خشوعه الصادقة، يتحسسها باردة ندية رطبة، يشم عطرها فوّاحاً بزهده وبشيخوخته النقية. يبتسم الأمير، تزداد أحلامه اتساعاً، يذهب بها بعيداً:

(أقم صلاتك يا أبي، أطل السجود والركوع، وأطل القنوت، فخشوعك بضاعتي، فحين تنام سأستله من حيث لا تدري، وأملأ به المدينة القديمة والبلاد وما وراء البحار. خشوعك هذا ثمين، سأصنع منه المجد العتيد، سأصوغ منه خواتم أصابعي، سأطرز به عمامتي، وأقايض بالرطل منه مليون تابع، يروني وحدي بلا شريك، يسمعون صمتي فيطيعون.

أكثر سجودك يا أبي، وزد من خشوعك، صلاتك لله يتقبلها منك بقبول حسن، لكني أريد سيماء الخشوع، سأعرضها بعد طلوع الشمس، فالناس ينتظرون، سأغلق آذانهم وأعمي أبصارهم وأختم على قلوبهم، فهذا الزمان زماني، وهذا السواد رجالي).

أنهى السيد الكبير صلاته، قضى شطراً من الليل، انقطع الصوت وساد الهدوء. بقي الأمير في غرفته يستعرض سيَر الملوك والأمراء، أطلق ضحكة ساخرة، وراح يحدّث نفسه:

(ما أخفّ عقولهم، يتنافسون على عرش وتاج، فإذا فاز أحدهم، قضى أيامه في خوف وقلق، وما يكاد يستقر في جلسته، حتى تأتيه المتاعب من كل صوب، مخلوطة بهواجس الليل على نهاره، وبمخاوف النهار على ليله.

لن أكون مثلهم، سأجلس حيث أنا، قرب السيد الكبير، في غرفتي الصغيرة، بين هذه الجدران العتيقة، أخرج منها الى باحة المنزل، أدخل على غرفة أبي، أقبّل يده، ثم أعود الى غرفتي، فأهمس همسة قصيرة، أقلب فيها العرش على صاحبه، أبعده باشارة من اصبعي، وأختار ملكاً جديداً، فيكون العرش والتاج والصولجان والملوك والوزراء طوع أمري.. أنا المالك لما يملكون، أنا المهيمن على يفعلون.. لا شأن لي بأصوات العامة وصناديقهم، أركلها بقدمي، وآتي بمن أريد).

عاد صوت السيد الكبير، رجع الى صلاته الخاشعة، يرتل الآيات بقلبه ولسانه، تنبعث من روحه الصافية سكينة تغطي المكان، تنتشر في البيت الصغير، تصل الى باب الأمير، فتصدّها سحابة معتمة من الهواجس والأوهام والأحلام والغضب والقلق.

جاء الأذان من مآذن المدينة القديمة، قطع على الأمير رحلته في عالم الأمجاد القادمة، أدى صلاته بسرعة، عاد الى أفكاره، لكن صوت السيد الكبير شوّش عليه خلوته. آيات من القرآن يتلوها بهدوء، تخرج صادقة دافئة، تجوب حوله تنشر السكينة والخشوع والوقار، وضوء ناعم يغطي المكان.

يستغرق السيد الكبير في تلاوته، وخلف الجدار يستغرق الأمير في عوالمه المتداخلة، صارت غرفته معتمة رغم ضوء الشمس، كانت الهواجس والقلق والطموحات تصد الضوء، فيرتد عن الغرفة.

مشت الأصوات على شوارع المدينة وأزقتها، خرج الأمير يحمل خرجاً كبيراً، استله من خشوع السيد الكبير، أعطاه لخادمه يبيعه رطلاً بميلون تابع.

الرواية لم تنته بعد، لها تتمة

 

سليم الحسني

 

جميل حسين الساعديالى بركي ميللر (Burgi Müller)، الإنسانة التي أخفت مرضها  القاتل عني، لكي لا أتألم، لأنها كانت تدرك مدى علاقة الحبّ، التي تربطنا . لقد تركت برلين وذهبت الى بلدها سويسرا، ولا أعرف إن كانت على قيد الحياة أم إنّها توفيت. لقد آثرت أن تموت بصمت دون أن أعلم . أهدي هذه القصيدة، التي تصور آخر لقاء لنا في مصر.. لقاء الوداع الأخير

 

ولمّـــا احتوانــا الطريــقُ الطويــــل ُ

                   وغابَ المطــارُ مـــــع َ الطــــائــره ْ

غفـــتْ فوق َ صدري كطفـل ٍ وضمّتْ

                    يـــــديَّ كعصفـــورة ٍ حائــــــــــره ْ

 أحبّـــــك َ ــ قالــــــت ْ ــ وأنفاسُـــــها

                   تطــوّق ُ أنفاســـــي َ النافــــــــــــره ْ

لأجلك َ أعشــق ُ نخْـل َ العـــــــراق ِ

                   وأعشــــــق ُ أهــــــــواره ُ الساحره ْ

 وأعشـــق ُ مصْر َ لأنّــــك َ فيـــــها

                   تمجّـــــد ُ آثـــارهـــــا النـــــــــادره ْ

صمــتُّ وحــرْت ُ بماذا أجيــــــب ُ

                    تذكّــــرْت ُ أيّامــــــــي َ الجائــــره ْ

 تمنيّت ُ أنّـــي نســـــــيت ُ الوجـــود َ

                   ونفســــي وعشــت ُ بلا ذاكـــــــــره ْ

 فقلْــت ُ وإنّــي أحبّـــــــك ِ جـــــــدا ً

                  بكُثْـــــــــر ِ نجـــــوم ِ السما الزاهره ْ

 مكـــــانك ِ في القلْب ِ يا حلوتــــــي

                   وليس َ ببغـــــــداد َ والقاهـــــــــــره ْ

وخيّــم َ حزْن ٌ علــــــى وجههـــــا

                   بلوْن ِ غيــــــــوم ِ السمــــا الماطره ْ

 وقالت حبيبي إذا غبت ُ يـــــــوما ً

                    فلا تحْسـَــــبنْ  أنّـنــــــــي غــادره ْ

 ولا تحـــزننْ سوف َ أأْتـــي إليك َ

                    وتشعــــر ُ بي اننــــــــي حاضــره ْ

سيحملنـي الفـــــلُّ  والياسميــن ُ

                     إليــــك َ بأنفاســـــــه ِ العاطــــــره ْ

 وســـالت ْ علــى خدّهـــا دمعة ٌ

                    فضقْـــــت ُ بأفكـــــــاري َ الحائـره ْ

 نظـرت ُ إليها أريــد ُ الجـواب َ

                     فردّت ببسمـتهــــا الســــــاخــــره ْ

 قصــــدْت ُ المزاح َ فلا تقلقَـنْ

                     خيــــــالات ُ عابثــــة ٍ شاعــــــره ْ

أجبت ُ هو َ البحـر منتظــــــر ٌ

                     يريـــــــد ُ لقاءك ِ يا ساحـــــــــره ْ

 هنالك ّ في المـــوج ِ نرمــي الهموم َ

                    وأوهـــام َ أزمنـــــــة ٍ  غابـــــــره ْ

نخـــطُّ علـــى الرمْل ِ أسماءنـــــا

                     كطفليْــــن ِ في دهْشـــــة ٍ غامـره ْ

ونرشــف ُ في الليل ِ كأسَ الهوى

                      تســـامرُنــــا نجمــــــة ٌ ساهــره ْ

 ويوقظنا البحر ُ عنْـــد َ الصباح

                      فنصغـــــي لأمـــــواجه ِ الهادره ْ

ومـــرّتْ على البحْـــر ِ أيّــامنا

                      ســـراعا ً وعادت بنـــــا الطائره ْ

 فقـــدْ كان َ هــــذا اللقاء الأخير

                     فقــدْ رحلـــــتْ جنّتـي الناضــــرهْ

 وليس سوى الجرْح يحيـــــا معي

                     كوقْـع ِ  السكاكين ِ فــي الخاصره ْ

***

جميل حسين الساعدي

كتبت القصيدة في  يوم 2.7.2012

 

علي القاسميدخلتُ المدينةَ أوَّلَ مرَّةٍ عندما كنتُ فتًى يافعًا غريرًا، وعالَمي يقتصر على فضاء قريتنا الإنسانيّ البسيط. بيوتٌ طينيَّةٌ قليلةٌ متواضعة، تحيط بها حقولٌ شاسعةٌ خضراء، وتُظلّها سماءٌ صافيةُ الزرقة معظم أيام السنة، وتتغلغل أشعة الشمس الذهبيَّة في كلِّ مكان: في المزارع والأزقَّة والمنازل والقلوب، تحمل معها الدفء والحنان، وتُشعِل الألوان زاهية في المراعي والحقول والبساتين، وتبعث البريق في العيون. وفي الليل غالبًا ما ننام على سطوح المنازل أو في باحاتها المشرعة على السماء، فتبدو النجوم لنا كبيرةً قريبةً في متناول اليد. وعدد أهالي القرية لا يتعدّى العشرات ويعرف بعضهم بعضًا، وتربط بينهم أواصر القرابة والصداقة والعمل، ويوحِّد مصيرَهم الحرثُ والسقي والحصاد وأحوالُ الزرع والمحصول. البسمة على الشفاه، والطيبة في الأفئدة.

غادرتُ قريتي متوجِّهًا إلى المدينة باحثًا عن عمل. فقد بهرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها. سمعتُ أنَّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنَّ مساكنها فاخرة ذات مرافقٍ مريحةٍ تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنَّ غُرفها مجهَّزة بمكيِّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بِحَرٍّ ولا برد، بل بهواءٍ ربيعيٍّ دائم. قالوا إنَّ أحياءَها تتوفَّر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات. وقالوا إنَّ العمل ميسور بأجورٍ سخيّة لمَن يرغب، وإنَّ المرء يعود إلى قريته غنيًّا بعد فترةٍ وجيزة.

أقبلتُ على المدينة فبدتْ لي من بعيد كتلةً متراصّةً من أبنيةٍ شاهقةٍ بُنِّيَّة اللون. وكلَّما اقتربتُ منها تلاشتِ المزارع والخضرة من حولي، وخفتتْ أصوات الطيور، وطغى ضجيجُ المعامل المنتشرة في أطراف المدينة، واتَّشحتْ زرقة السماء بدخانٍ أسودَ يتصاعد من مداخن المصانع.

كاد أوَّل شارع ولجته في أطراف المدينة يخلو من المارة. أردتُ أن أسأل أحدهم عن نُزُلٍ أسكن فيه. ولكنِّي لم أجد أيَّ فرد في ذلك الشارع سوى بعض السيّارات التي كانت تمرق مسرعةً بجانبي وتوشك أن تُلقي بي أرضًا. سرتُ طويلاً قبل أن أصلَ تقاطع الطرق. وهناك رأيتً شرطيًّا ببزَّته الخاكيَّة، يقف على منصّة في وسط الساحة، وهو يرفع يدَيه يمينًا وشمالاً لتنظيم حركة مرور السيّارات. وأقعى إلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثةِ حسبتُه واحدًا من تلك الكلاب البوليسيّة التي سمعت عن عجائبها. لم أجرؤ على الاقتراب من الشرطيّ أو طلب مساعدته، لأنَّه لم يأبه بي، ربَّما بسبب انهماكه في عمله.

الشارع خالٍ تقريبًا من المارة، والسيّاراتُ فيه نادرة. واصلتُ سيري وأنا أحرص على المشي على الرصيف خوفًا من السيّارات التي قد تنطلق في وسط الشارع. وعندما سمعتُ ضوضاءَ قادمةً من الخلف تُنْبئ بقدوم إحدى هذه السيّارات، أدرتُ وجهي إليها فلمحت رجلاً يقود سيّارته، وعلى المقعد المجاور له كلبٌ يُقعي على رجليْه ويطلُّ برأسه من النافذة الجانبيّة نصف المفتوحة.

شاهدتُ على الرصيف امرأةً تسير في اتّجاهي وهي تدفع عربةً أمامها، لا شكَّ أنَّها تحمل رضيعها في تلك العربة. وعزمتُ على أن أرجو منها أن تدلَّني على نُزُلٍ قريب. وعندما اقتربتْ مني رأيتُ في العربة كلبًا صغيرًا ذا شعر طويل أشبه ما يكون بالقطَّة، وقد أراح رأسه على الوسادة داخل العربة، وغطّ في إغفاءة هنيئة. غلبتني الدهشة وهلةً، وعندما أردتُ أن أتوجّه بسؤالي إلى السيدة، كانت قد ابتعدت بعربتها، ولم يعُد من اللائق أن أتبعها، لألقي عليها بسؤالي.

أقْبلَ رجلٌ وهو يقود كلبًا متوسطَ الحجم بسلسلةٍ تنتهي بطوقٍ جلديٍّ على عُنق الكلب. ألقيتُ السلام على الرجل، وتوقفتُ لأرجوه أن يدلَّني على نُزُلٍ قريب أستطيع أن أقيم فيه. ولكنَّ الرجل لم يردّ التحية، ونظر إليّ باستغراب، ومضى في سبيله دون أن يتيح لي فرصة السؤال.

واصلتُ سيري وأنا أتطلَّع إلى المنازل المُمتدَّة على جانبَي الشارع، وهي موصدة الأبواب. ولكنَّ بعض نوافذها مفتوحةٌ ومحميَّةٌ بمُشبَّكٍ حديديّ.  ودفعني حبُّ الاستطلاع إلى إلقاء نظرةٍ على بعض تلك النوافذ المشرَعة. فرأيتُ من خلال إحداها صالةً مؤثَّثةً بمجموعةٍ من الأرائك الفاخرة، وقد استلقى على إحداها كلبٌ ضخمٌ أسودُ أفطسُ الأنف، وما إنْ التقتْ نظراتنا حتّى اكفهر وجهه، وكشّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم عليّ. ابتعدتُ مُسرِعًا عن النافذة بقلبٍ خافق.

لم أستطِع مقاومةَ حبِّ الاستطلاع في داخلي، وأخذتُ أنظر إلى النوافذ المطلَّة على الشارع. فألفيتُ معظم الغرف فارغةً لا أحد فيها. ولكنَّني رأيتُ، في داخل إحدى هذه النوافذ المفتوحة، كلبًا يستحمُّ في المغطس، وقد انهمكت امرأة في غسله بالصابون والماء، ورائحة العطور تفوح عبر النافذة.

وتوقَّفتُ أمام واجهة زجاجية كبيرة لإحدى المحلات التجاريّة وقد عُرض فيها عددٌ من الجِراء ( صغار الكلاب )، وهي تلعب مع بعضها، أو تأكل طعامها، أو تَلِغ في آنية الماء الموضوعة بعنايةٍ في زاويةِ مكانِ العرض. كانت كلُّها نظيفةً لامعةَ الشَّعر.

واصلتُ سيري في الشارع، وكلَّما اقتربتُ من وسط المدينة، ازداد عدد المارَّة وكثرتِ المحلات التجاريّة. بَيْدَ أنَّني لم أفلح في التحدُّث إلى أيِّ واحدٍ من الناس، رجلاً كان أو امرأة. فكلُّ واحدٍ من أولئك المارَّة، كان يصطحب كلبًا يُشغله عن أيِّ شيءٍ آخر. بعضهم يجرُّه وراءَه بسلسلة، وبعضهم الآخر استغنى عن السلسلة وراح كلبه يتبعه أو يسير إلى جانبه أو أمامه. أبادرهم بالسَّلام فلا يردّون عليَّ، بل ينظرون إليَّ بشيءٍ من الاستغراب، ثمَّ يمضون مبتعدين عنّي.

وأخيراً تأكَّد لي أنَّ أحدًا لن يتحدَّث معي. ولا بُدَّ لي من الاعتماد على نفسي ومحاولة قراءة اللوحات المعلَّقة على البنايات لَعلّي أعثر على نُزُل. لم أقرأ منذ مُدّة طويلة، وأخذتُ أنسى ما تعلمتُه من القراءة في المدرسة الأوَّليّة في قريتي، وصار التمييز بين الحروف المتشابهة أمرًا عسيرًا عليَّ. فرحتُ أتوقَّف بين الفينة والفينة لأفكَّ رموزَ لوحةٍ من اللوحات.

وبينما كنتُ أقرأ إحدى هذه اللوحات في الجانب الآخر من الشارع، جذب انتباهي كلبٌ أوقف صاحبَه على الرصيف المقابل وأخذ ينظر إلى الرصيف الذي كنتُ أسير عليه. ظننته أوَّل الأمر ينظر إليّ. ولكنَّني وجدت رجلاً يسير خلفي مباشرة ومعه كلبه. وقد أوقف هذا الكلبُ صاحبَه كذلك، وراح ينظر إلى الكلب الآخر على الرصيف المقابل. ثمَّ أخذ الكلبان بجرِ صاحبَيهما متَّجهَيْن أحدهما نحو الآخر حتّى التقيا وسط الشارع. وهناك، شرع الكلبان في تبادل النظرات، وصدرت منهما همهمة خافتة، ثمَّ أخذا بشمِّ أحدهما الآخر، وانغمرا في عناق طويل، في حين وقف صاحباهما كلٌّ في مكانه من دون أن يتبادلا كلمة. وتوقَّفتْ حركة المرور في الشارع، وانتظرتِ السيّارات من الجهتيْن حتّى انتهى لقاء الكلبيْن.

وبعد جهدٍ، قرأتُ كلمة النُزُل في لوحةٍ من اللوحات وهي تشير إلى شارع جانبيّ. توجهتُ إلى ذلك الشارع الفرعيّ. كان الطريق مُوحِشًا والأبواب موصدة. وسرتُ حتّى رأيت بناءً كبيرًا له بابٌ واسع مفتوح على مصراعَيه، فدخلتُ منه. امتدَّ أمامي ممرّ طويل وعلى جانبيه أقفاص حديديّة متراصَّة لها أبواب تُفضي إلى الممرّ. وفي كلِّ قفصٍ منها كلبٌ وأمامه إناءُ ماءٍ وصحنُ طعام. كانت الكلاب من أنواع متعدِّدة، وذات ألوان مختلفة، ولها أحجام متباينة.

لمحتُ في آخر الممرِّ مكتبًا، يتوسَّطه رجلٌ بَدينٌ يجلس على كرسيٍّ وثيرٍ، وأمامه منضدةٌ كبيرةٌ عليها سجلات وأقلام، وهو يدوّن شيئًا في تلك السجلات. نظر إليَّ الرجل وبادرني بالكلام قبل أن ألقي عليه التحية:

ـ هل تريد أن تحجز مكانًا لكلبك في النُزُل؟

ـ ما عندي كلب.

ـ إذن ، ترغب في شراء كلب؟

ـ لا، ولكن..

فقاطعني قائلاً بنبرة صارمة لا تقبل الردّ: إذن، لا أستطيع أن أفعل شيئًا لك.

وصرف نظره إلى سجلِّه يدّون شيئًا فيه.

خرجتُ من المكان، ورحتُ أحدّق في اللوحة المعلَّقة على بابه، وأكملتُ قراءتها ففهمتُ أنَّه نُزُلٌ للكلاب. وعدتُ إلى شوارع المدينة أبحث عن نُزُل للبشر. وبعد لأي عثرتُ عليه.

دخلتُ البناية فوجدت ساحةً فسيحةً وفي أرجائها الأربعة انتظمت الغرف. وكان بعض أبوابها مفتوحًا، بحيث كنتُ أستطيع أن أرى مَن فيها وما فيها. رأيت،ُ مثلاً، رجلاً وكلبًا مستلقييْن على سريريْن منفصليْن في إحدى هذه الغرف. وفي غرفةٍ أُخرى، رأيتُ امرأةً تداعب كلبًا صغيرًا وترمي بدُميةٍ إليه. وتوجَّهتُ إلى مكتب الاستقبال في النُزُل، حيث يجلس رجلٌ كهلٌ على كرسيٍّ مرتفعٍ، وإلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثّة.

نظر إليَّ بشيءٍ ظاهرٍ من الاستغراب. سلَّمتُ عليه فلم يردّ السلام. قلتُ:

ـ أريد غرفةً صغيرة .

ـ لماذا؟

ـ لأنَّني أنوي البحث عن عملٍ لي في هذه المدينة.

ـ ولكن أين كلبك؟

ـ لا كلب لديّ.

في تلك اللحظة ارتسمتْ على مُحيّا الرجل أماراتُ الدهشة الممزوجة بشيءٍ من الخوف والاشمئزاز، وقال:

ـ إذن، لا يمكنك البقاء في النُزُل.

كنتُ على وشك أن أسأل عن السبب، عندما أضاف بعدوانيَّةٍ جليَّةٍ قائلاً:

ـ بل لا يمكنك البقاء في هذه المدينة، ولا العمل فيها. 

اعترتني الدهشة وداخلتني الحيرة، ووقفتُ مرتبكًا أنظر إلى الرجل باحثًا عن تفسير لقوله. حدّق الرجل في وجهي بحدّة، وأخذت عيناه تحمران شيئًا فشيئًا، وأرنبتا أنفه تخفقان ، وشفتاه ترتعشان بشدّة. وصدر منه صوت خافت سرعان ما علا حتّى أصبح أقرب إلى العواء منه إلى الصوت البشري، وراح الزَّبد يخرج من شدقيه، وكشَّر عن أنيابٍ حادة، واستطال فكاه إلى الأمام حتّى أصبحتا مثل فكَّي الكلب، وانتصبت أذناه، وازداد عواؤه حتّى تحوَّل إلى نباح، وقفز من وراء المنضدة وكاد يقع عليَّ لولا أنَّني تراجعت القهقرى، واستوى على أطرافه الأربعة على الأرض أمامي، وقد تجرّد من ملابسه ونبتَ لجسمه شعرٌ قصير، ونمت لقوائمه الأربعة مخالبٌ بارزة، ومُسِخَ كلبًا نبّاحًا ضخم الصوت كبير الخطر، فما كان منّي إلا أن أولّي هاربًا من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيَّ خلفي، لأجري بأقصى ما استطعتُ في اتّجاه القرية.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

أديب وباحث أكاديمي عراقي مقيم في المغرب.

 

 

قصي الشيخ عسكرتحية للدكتور صالح الذي كثيرا ما يحث ذاكرتي

 فيجعلني أخرج عن الركود إلى عالم زاه متعدد الألوان*.

1

كلّ شيء إذن كان يجري بشكل آخر ..

وفق ترتيب مختلف تماما .. لا نقص فيه ولا تحوير!

عن يمينه تقلصت غابة لأشجار الكستناء البريّ الضخمة والزيزفون إذ يمتدّ منها موقف واسع للسيارات، مرحاض لذوي الاحتياجات الخاصة وبناية ليست بذات علو تلوح عند نهاية الموقف من أقصى الجنوب.إنه الترام الذي شق نوتنغهام نصفين.فياله من زمن بعيد يعيد نفسه بوجه آخر.قيل له بعد كلّ تلك السنين إنه يستطيع أن يستقل الحافلة إلى " هايسن كرين" أو الترام الذي يتوقف في " فورست فيلد".الخارطة بين يديه ولم تكن مثلما بدت له قبل ربع قرن. نوتغهام تغيرت ولم تتغير.أصبحت أكثر حيوية وخمولا.كان يتلفت حوله فيراها تتبدل وتعود إلى صورتها .. هو أيضا قدم إليها ذات يوم يحمل حبة بغداد .. مشروع جديد ينبض بالحياة .. شهادة عليا من جامعة نوتنغهام .. حينها على الرغم من كل المنغصات لم يعترضه عائق .. لم يخف أو يفكر بالبقاء وإن مرت على الحرب أربع سنوات ولو عرف الغيب لقضى على نفسه أن يعيش سنوات ثلاثا في أتونها، ربما خالها كما يظن الآخرون لا تنتهي .. أيسمي ذلك عبثا .. أمر واقع لا يحب أن يتمرد عليه مثلما هو الحال الآن حيث وجد خطواته تسير باتجاه واحد يعرفه قبل دقائق أو سنوات .. تابع سيره وهو يهبط إلى "كريكوري بوليفارد".معالم جديدة .. أربع سنوات شدّته إلى تلك الشوارع والمحلات حتى انطبعت تماما في ذهنه إلى هذه اللحظة .. قد يتوقف الزمن وينطلق فجأة ليلتهم الدقائق والسنوات، وكان عليه ثاني يوم لوصوله بعد كل تلك السنوات أن يقصد هايسن كرين.استدار نحو شارع " رادفورد" الشارع الذي اشتغل فيه للمرة الأولى في حياته.لقد كان على حق تماما.مدينة توسعت ولا تنكر أصدقاءها القدامى .. تبدو بوجه آخر ومسحة ترتسم عليه من الجدة أخرى لكن لانشاز، وسيمشي الخطوات نفسها التي مشاها تلك الليلة.يرى محلات جديدة خمس أو أربع محلات .. حلاقة. مطاعم .. دكاكين حتى يصل مطعم البيتزا فيجد مكانه مكتبا للسفريات .. خطوط كردستان .. مطعم كردستان هي المرة الأولى التي يعمل فيها .. لاشيء هناك في العراق غير االدراسة حتى حصوله على البعثة .. والإعلان في الصحيفة التي أمامه يدعوه لعمل مساء الجمعة والسبت .. مطعم بيتزا في هايسن كرين .. يعدّ سلطة .. ينظف المحل وساعة يوزع المنشورات على البيوت القريبة.قال له أبوه أدرس .. أدرسوا .. أحصلوا على شهادات ولا تفكروا بالعمل .. أنا سأتحمل كل العبء. وهنا في نوتنغهام يقول لهم زيلهم مسؤول المنظة أدرسوا الدولة تتكفل بكل شيء، والإعلان نفسه يثير غريزته. العمل شيء جديد ليجربه .. شهر شهرين .. معنى ذلك يظلّ سرا إلا إذا كشفته المصادفة، قضية الشغل يومي العطلة ستظل خفية حتى عن عبد العال أقرب الاصدقاء إليه، فليصف الآخرين بصفاتهم الحقيقية أو المبهمة، إن عبد العال بآرائه الغريبة وفلسفته الواضحة المبهمة المتناقضة أحيان الايعدو كونه رفيق دراسة التقاه في نوتنغهام، صديقته جزائرية تدرس الطب البيطري.فلتكن قضية العمل في طين الكتمان إلا إذا ذهب ذات يوم إلى بيت وبيده رغيف بيتزا فيفاجؤه أن ساكن البيت أحدالرفاق عندئذٍ يصبح لكل حادث حديث.

وقد وجد نفسه يعبر المدرسة الباكستانية إلى الشارع الضيق فتجاوز عند التقاطع روضة الأطفال. الدروب الفرعية كما هي لم تخلع ثيابها أوتغير أسماءها .. لوحاتها القديمة احتفظت بنكهتها .. مطعم الشمس .. كان سوبر ماركت "المدينة" وحده يبيع اللحم الحلال ثم "الشمس" عليك يانادر أن تحذر حين تدس المنشورات في فتحة باب .. ربما ينهش أصابعك كلب ما .. خطا يتجول في الشوارع يلقمها المنشورات .. سمع نباح كلب وكان حذرا .. ثم تجول في فورست رود ويست ولم يعرف أن القدر وحده سيجعله يقف أمام باب يعود إليه بعد يوم .. أو ثلاثين عاما .. وعبر ممر الحديقة إلى الباب ثم دس منشورا في .. وهاهو فورست رود" يسقط بعد ربع قرن " بين قدميه .. لقد رنّ هاتف المحل عصر ذات مساء خريفي .. الشمس مازالت تهبط وعيناه تراقبان الشارع من زجاج الواجهة .. ترك السكينة وحبات البندورة والخس جانبا ثم صعد لنداء أنجم ا

العنوان قريب لا داعي لان اذهب بالسيارة وأترك الزبائن.

تطلع في الورقة فاتسعت ابسامة على شفتيه:

راد فورد .. شارع البغاء سأحث السير فأصل والبتزا ماتزال ساخنة .

طيب حثّ خطاك لئلا تبرد ولا تنس أنى تأخذ منها أربع باونات ..

حثّ خطاه ومرق ثانية من بين الشوارع الفرعية .. شارع البغاء كلمة مثيرة .. اسمه شارع البغاء هكذا سماه أنجم والآخرون، لكن لتكن أية تسمية، فالخطوات إلىدرب الحرام قصيرة، ومازالت البتزا ساخنة وقد طالعه عند الاستدارة أمام البيت امرأة في بداية العد الرابع تصرخ بوجه شاب في العشرين فر سريعا وهو يضحك:

الباون والنصف ايها المخنّث أعطها لأمّك ..

البيت نفسه السادس في جيبه العنوان ورقم التلفون لكن المرأة ظلّت تخاطبه كأنها تشبع رغبتها في الثرثرة:

ليلعق بظر أمه أقول له عشرة باونات عشرة لن تنقص بنسا يقول ممكن باوند ونصف ابن الكلبة twat أمك son of bitch

لو سمحت هذه البيتزا

التفت إلى الرزمة بيده، وقالت:

آسفة .. يبدو أنها إلى " جستينا" دلفت داخل البيت وبعد لحظات أطلت فتاة في في الخامسة والعشرين من عمرها طويلة شقراء تنضح بياضا وفتنة، تفوح من خديها رائحة عبقة، وفي شفتيها ابتسامة عذراء كل مافيها متناقض ولا تبدو عليها للزائر الغريب أية ريبةن، هي طيبة غير مفتعلة من البغايا.هكذا سمع عنهن في عالم البصرة حيث الكبت والعرف الصارم، لكنه جاء لهذا الوجه الجميل بحبة بغداد.أستاذه في قسم البايولوجي نصحه أن يختار موضوعا حيويا لم يسبقه إليه أحد، وخطر في ذهنه أن يكون موضوعه اللشمانيا، حملها من البصرة وجاء يطاردها في مختبر جامعة نوتنغهام.يا ترى أين يضعها في خد جوستينا اليمين ام الخد الآخر قرب الانف أم أبعد.مازال مفتونا بوجهها مبحرا لحظات في عينيها وهي تمد يدها إليه بالنقود:

شكرا لك

العمل والجنس محظوران عليه سنوات طويلة.أحدهما انهار أمام الإعلان والبخشيش، ثلاثة باونات ونصف. خمسون بنسا بخشيشا، وقد اعتاد أنجم أن يوصل الطلبات البعيدة بالسيارة ويتركه يوصل الرزمات القريبة من بيتزا وشاورما، فيألف شوارع هلدئة واخرى صاخبة، وفي باله خاطر أن يمتنع أحدهم من أن يدفع له فضلا أن يعتدي عليه كل شيء محتمل .. وهاهو يقبض أول مكافأة له من بغي قبل أن يستلم أجر اليوم من صاحب المحل ولن يخبره عن الخمسين بنسا .. عالم جديد .. حياته توزعت بين الدراسة واللعب .. الابتدائية والثانوية ثم الجامعة.يأخذ أجره من والده كل تلك السنين. فأي شيء تغير سوى أن أول مكافأة حطت على راحة يده من مكان مشبوه، وكأنه في شك مما يرى:

ياسيدتي ثلاثة جنهيات ..

لم يشغله كثيرا نصف الجنيه بل كان يتحسس جيبه ليتأكد من العنوان ورقم الهاتف!

2

وصل السكن المشترك الساعة وقد جاوزت منتصف الليل، في جيبه بضعة جنيهات ونصف .. وسوف ينعم بنوم هاديء ليستفيق متأخرا يوم الاحد فيجد شريكيه يملآن الشقة مع صديقتيهما حركة وحيوية.فريدريش ذوالأصول الالمانية الذي يحمل الجنسية البريطانية لا يثير استغرافه منذ أن ضمهم السكن في هذه الشقة وهو يلازم صديقة واحدة لا يغيرها وربما لا يفكر أن يستبدلها على الاقل في السنوات القادمة. تيموثي ويناديه الآخرون تيم أمريكي مغامر من نوع آخر .. لا يستدعي إلا صغيرات السنّ .. تجده اليوم مع قاصر وبعد شهر أو اسبوع تزوره صبية اخرى .. وفي أحدالأيام سخر منه قال له ساخرا وهو يفتح فمه بشكل غريب لينطق اسمه يا "نادر " لا تتحرش باية صديقة من صديقاتي .. لا تمارس مع أية منهن الجنس فهن قاصرات عندئذٍ يطالك القانون، ومن حقه أن يسخر، هذا العاهر خفيف الظل ..

ستة أشهر مرت ولا امرأة تغزو فراشه!

يتردد، مازال العيب يغزورأسه.هل ينظرإلى الأرض كالمنكسر إذا مشي، هكذا علموه، في جيبه نصف جنيه، واجرة يوم، هذا في عالم الحصار الطويل العريض. يعني راتب أستاذ في الجامعة بعرضه وطوله. دكتوراه بايولوجي، في جيبه آلاف الدنانير لتي تعادل دولارا، نصف جنيه، فلا غرابة أن يسعى أيضا إلى راتب جندي مكلف خريج يمكن أن يختصر بثلاثة حروف: ج م خ خريج أو خراء، لافرق .. يجد نفسه يقبل شأنه شأن الأساتذة المحاصرين كيلو لحم .. كيلوي خضار دجاجة لايهم .. سيبعثها إلى بيت أخته مقابل تعديل في العلامات وذات يوم وجد نفسه في نوتنغهام أمام الدجاج مباشرة، ركب الحافلة خلال جولة بحث متوجها إلى "الكامبوس" أقفاص دجاج تمتد أمامه، دجاج وأرانب وحيوانات وطيور، موضوع آخر غير اللشمانيا لكن لابدمنه، قال له مدير المخزن إن التجارب انتهت وبدلا من أن نقتل الدجاج والطيور يمكن أن نبيعها للطلاب القفص يباع بباوند سعر رمزي، طلاب خليجيون اشتروا.سيذبحونه .. طعام حلال، فكر في أن يبتاع أكثر من قفص فيبيعه بسعر أعلى إلى أنجم عندئذ قرف حين تخيل نفسه يأكل دجاج تجارب، وقرف أن يأكله الآخرون عن طريقه.اطلاع فقط على تجارب لاتخص موضوعه قرف منها ولم يقرف من تجربة أحضر بعض أدواتها معه.للمرة الأولى يدفعه القرف إلى التنازل عن نقود، فما الذي جاء به من بريطانيا إلى العراق ثانية؟ولم يكد يستديرعن الأقفاص حتى طالعه وجه صديقه طالب الهندسة عبد العال.كانا في الاجتماع الحزبي الشهري، وقد استغرب من سلوك رفيقه، كان مندفعا لان يتطوع في العطلة .. الذهاب إلى الجبهة .. القتال في حر تموز، وصديقته طالبة الطب الجزائرية تعارضه تحثه على الا يتسرع تقول العراق هو الذي كان سبب الحرب، يوافقها لكنه يرى أن الحرب واجب، معادلة صعبة، كل طالب بعثة يذهب في العطلة الصيفية يمكن أن يقضي شهرا في الحرب.يذهب ويرجع يتابع دراسته، نحن لانجبر رفيقا، وأيّ معتوه هذا يسافر إلى البصرة في شهر تموز، وقتهاالبلد لا يطاق فكيف بالصيف والحرب، وموعد الحرب الثانية والحصار الفتاك لم يحن بعد:

رائع أن أراك هنا وأنت المهندس في كامبوس الطيور والدواجن! !

حميدة ستأتي بعد دقائق! أخبرتني عن دجاج التجارب

ذهنه شغول بجوستينا يتردد .. يخجل أن يذهب إلى البوب والمراقص .. يسكر .. يرقص ثم يقول لمن راقصه هل نذهب معا .. عمل سهل وصعب، لو حاز على البعثة بعد الثانوية لفعلها وفي السينمات والمسارح تبدو القضية اصعب يقول:

أنا على وشك أن ابدأ سيصبح لي صديقة!

أخيرا انحلت العقدة!

وعلى بعد خطوات تقدم حميدة تتهادى مثل اوزة رشيقة بمريلته االبيضاء وقامتها المربوعة مد يدها تصافحه:

مرحبا بك

مرحبا بك ويواصل: اخبريني أنا بايولوجي وأنت بيطرية فماذا يفعل هنا المهندسون!

ياسيدي أنا أخبرته عن دجاج التجارب!"وأردفت"مازال لدينانصف ساعة ألا ترغبان أن نجلس في الكافتريا"

وحين اجتمعوا حول الطاولة وقبل أن يبدؤوا باحتساء القهوة غمز عبد العال حميدة بطرف عينه قائلا:

خبر جديد ياعزيزتي نادر وجد صديقة!

فتدارك الموقف:

تقريبا!

دفعها الفضول: عراقية أم عربية؟

يمكن أن تقولي إنكليزية قح!

فنظرت إليه بدهشة وقالت وهي تخفي بعض الامتعاض:

يعني نصرانية

كان يحلم أراد أن يقول ربما أخفق في محاولتي .. مجرد فكرة راودته.لديه إحساس أنه ينجح فتعجل بالتلميح .. بدت له حميدة مخلوقا غريبا .. جميلة لكنها أشبه بخرافة متناقضة .. ابنة مجاهد تدرس في الغرب وتكرهه .. والدها ساهم في حرب التحرير .. ثم عين ملحقا لسفارة بلده في لندن .. تزور عبد العال وتخلو به .. تكنك سيكس .. كل شيء مباح ماعدا البكارة لكنها تكره جميلة بوحيرد التي تزوجتمن محاميها النصراني:

قلت المشروع في بدايته:

يتدارك عبد العال الموقف:

على أية حال مادمنا مبتعثين فلا يحق لنا الزواج من أجنبيات!

عندئذ اشارب عقرب ساعة الحائط في الكافتريا إلى الحادية عشرة، فغادر الثلاثة إلى معرض الكامبوس حيث كان المكان يعبق برائحة الدجاج والطيور والحيوانات.

3

ماذا تقول؟

يسأله الرفيق مسؤول المنظمة في الجامعة وقد انفرد به في عزلة منالطلبةنهاية الاجتماع:

سيدي حالما أنهي دراستي سأذهب .. اتوجه مباشرة إلى ساحة المعركة آمل أن تنتهي الحرب وآمل ألا تكون انتهت كي أشترك فيها لكن الموضوع الذي أنا بصدد الإعداد له جديد ويتطلب جهدا مضاعفا؟

طبعا تعرفون أننا لن نجبر أحدا من ناحيتنا ندرك جيدا ظروف بحوثكم

ثم السيد المسؤول مجرى الحديث:

هل تعتقد أنك تتوصل إلى علاج ناجع للمرض!

سأحاول ممكن لِمَ لا؟!

كان كل شيء واضحا، مازالوا لا يضغطون على طلاب البعثات، قيل العراق بدأ يتفوق غير أن من يسافر يلتحق بالجبهة فترة ما ويعود.لا يخشى الحرب سوى أنه لا يستطيع أن يوزع نفسه في جبهتين، لتضرب الحرب رأسها بالحائط، إن انتهت انتهت وإلا سيذهب برجله لها .. الآن في هذه الساعات يجلس أمام جهاز الفحص يراقب اللشمانيا.يدخل عليها في خندقها.مثلما تترك الحرب علاماتها على الأجساد والنفوس يفعل المخلوق الخفي بالوجوه .. أما عبد العال فقد ذهب أكثر من مرة سافر خلال عطلة الصيف.توزعته الحرب نصفين شهرا مع أهله وشهرا مع الموت.كل ذلك جرى على الرغم من أنف حميدة التي عجزتعن إقناعه على الرغم من تعلقه بها.تساءل وهو يترك المجهر جانبا فتغيب عن عينيه الفطريات المخفية، ما الذي يدفع شابا من أسرة غنية غير مقتنع بالحرب أساسا إلى الذهاب هناك.الجنون.حب الانتقام والقتل؟إثبات وجود؟لا يشك في سلوكه ولا يظنه يلتقط الكلمات ليتقرب بها لمسؤولين، وفي غمرة الأسئلة والشكوك والحيرة فالتي ظلت تلاحقه في العمل غير المعلن عنه يسأله أنجم وهو يمزج البندورة بالخس والخيار:

ماذا لو ذهب وفد من المسلمين إلى الخميني للوساطة؟

يذهله مايسمعه من الآخرين ما الذي يجري في عقولهم، يذهب يأتي .. حرب أشبه بخليط السلطة .. يتصورونها مطارددة بين عشيرتين حرب البسوس تظل تطول إلى نصف قرن .. ليست هناك من حرب تستاثر بالاهتمام مثلها .. أنجم المولود في بريطانيا الذي يتحدث الإنكليزية بلكنة غريبة يتصور الحرب قرارات عشائر، إنها دول مجلس أمن، السياسة والدين، وليس مصادفة أن يثور الخميني عام 1979 ثم يحصل على بعثة بداية عام 1981 قبل الحرب بشهور، ليبق الوضع كما هو عليه وفي كل مرة يجد عبد العال العائد من رحلة الصيف إلى الشتاء يحدثه عن مشاهد عجيبة غريبة يكاد العالم ينسى لها كل شيء .. الإنكليز أنفسهم نسوا حرب الفوكلاند، وعبد العال يقهقه ويقول تلك ليست بحرب بريطانييا خسرت مدمرة قديمة وفرقاطة .. ألف جندي أسير .. إنه يريد أن ينسى، وسيأتي يوم يقدر على أن يجلب إلى شقة الطلبة امرأة ما فيتحرر من عقدة المرأة التي عاش محروما من لذة جسدها إلى هذه الساعة.: آلو؟

قرأت إعلانكم عن الحاجة إلى عامل مساء الجمعة والسبت في مطعم أنا طالب دراسات عليا أستطيع التفرغ في هذا الوقت.

مائتان وثلاثون جنيها راتب البعثة .. التفرغ للعمل خلال عطلة نهاية الأسبوع سيعيقه عن لقاء عبد العال وصديقته الجزائرية، مع ذلك ستبقى لديه فسحة من الوقت .. أربعون إيجار السكن، ست ساعات بست جنيهات سيوفر إيجار الشقة، يستطيع أن يشتري بالفائض بعض لوازم لمختبر يحلم به فلتذهب عشرة جنيهات إلى جيب " جستينا" تلك التي سمع اسمها قبل أن يراها، يستطيع أن يهبط إلى الطابق السفلي، الساعة الآن قاربت الحادية عشرة، قد غادر تيموثي، وفريدريك مع صديقته، ولا يريد ان يأكله الفراغ .. لا بد أن تكون استيقظت الآن:

ممكن أتكلم مع جستينا!

دقيقة من فضلك.

امرأة اخرى تجيب .. يظل لحظات ينتظر، يأمل أن تكون في الدار:

نعم من؟

أنا رجل البيتزا، هل يعجبك أن تتناولي الطعام معي:

سأغادر اليوم البيت يمكنك أن تأتي مساء الإثنين.

فوضع سماعة الهاتف غير أنه وجد فراغا هائلا ينتظره حتى يحين موعد اللقاء.

3

في صباح اليوم ذاته شغله حديث الأستاذ وطريقة البحث ثم وجد نفسه في المختبر، تشتت ذهنه بعض الوقت وعاد ثانية إلى حديث اللشمانيا.هاهو يباشر الذباب من وراء حاجز .. المختبر والجراثيم، حين يعود إلى العراق يفتح مخبرا للتحاليل يأوي إليه بعد دوام الجامعة .. مورد آخر ورزق مضاف .. فكره لا بأس بها.في هذه الدقائق الطرية يمتد أمام عينيه مخبر الجامعة.الأنبوبة أمامه والسائل الوسطي.طلاب آخرون يجربون في مختبرات أخرى، وطالبات يرحن ويجئن، بعضهن يحملن كتبا وأخريات أنابيب شفافة.جاء إلى هنا بطفيلي اللشمانيا، وفي باله حسابات أخرى تخصّ العالم:اللشمانيا تغزو الصحراء .. حوض البحر المتوسط .. استراليا .. شرق آسيا .. العدوّ اللدود للوجوه والجلود محشور في علبة أمامه .. لا أحد سبقه في أن يعترض هذا العدو القبيح فيحشره في علبة صغيرة ثم ينقله عبر مسافات طويلة .. حسنا لكن الذهن وإن تجمَّع في لحظة سطوع فلابدَّ له من أن يجمح.قالت دلال مارأيكم في الدكتور ناصر .. متكبر .. متعجرف .. العلامات يقطرها تقطيرا .. سأذلّه أمامكم .. لم يصدقوا .. قالوا تبالغ، سألتهم إن كانوا يرغبون بإذلاله فليتركوهما وحدهما .. طلبت منه بكلِّ أدب أن يشرح لها تجربة عجزت عن فهمها وهناك في المختبراستغلت الفرصة صفعته فجأة وصرخت .. راحت تبكي، أستاذ ناصر المتعجرف يقف مذهولا .. ولكي لا تنكسر هيبة الجامعة والأستاذ الذي أصبح منذ تلك اللحظة ذليلا لايرفع عينيه عن الأرض نقلوه إلى الموصل .. ضحك من كلِّ شئ .. نفسه والجامعة .. والأستاذ .. تذكر دعوته للبغي.يسخر من الحادث كلما دخل مختبرا .. وتحاشى ألا ينفرد مع زميلة له، تخيل أن يلتقي الدكتور ناصر بدلال في إحدى المطارات بعد ثلاثين عاما هو أصلع وهي بدينة تسحل حقيبتها جسد مترهل وتجاعيد.هل يعرف أحدهما الآخر .. تندر الطلاب وارتحاحوا حين انزاح عن صدورهم هم ثقيل .. أستاذ متعجرف .. ارتاح مثلهم ولم يقرن سلوك دلال بسلوك واحد مثل جينيسيتا من قبل .. لكنه في هذه الساعة والأنبوبة بيده يضحك ويتذكر البغايا وصداقة يسعى إليها ..

خاطر جديد تسرع ولمح عنه لصديق فانقله بدورهإلى صديقته الجزائرية!

يا ترى هل تنكشف لهم الحجب في المستقبل؟

- حسنا هذا كتاب من جامعة البصرة إلى كلية الطب نطلب منهم أن يوفروا لك طفيلي اللشمانيا وعليك أن تحسب حساب الوقت.

- شكرا لك دكتور.

يتحرك بخفة، يدخل كلية الطب، يناور من مكتب إلى آخر.يقابل طبيبا، وينصرف إلى حاوية، بضعة أيام من الركض في مؤسسة كلية الطب أخيرا يتنفس الصعداء.هاهي اللشمانيا في صندوق جاجي يحميها مثل جنرال داخل قفص زجاجيّ لايخترقه الرصاص!

وقبل السفر ببضع ساعات كان يحمل ذلك العالم الخفيّ الذي يفتك بالوجوه!

الطيران ثلاث ساعات، والعينة في يده .. يمكنها أن تظل كما هي لأربع وعشرين ساعة .. حساب الزمن أقل أو أكثر لايهم بل الأهم أن تصل سليمة إلى الجامعة، ومن حسن الحظ لم يكن في ذلك الوقت على الرغم من خطف الطائرات والعصابات وحوادث المطارات أيّ حضر على مادة في زجاجة تثير الريبة.كانت الزجاجة في نظره تعادل شهادة الدكتوراه، يا دكتور " نادر " الآن تغير الوضع كنا في حصار.بدأت الجامعة تنفتح على جامعات العالم .. انتهى كل شيء والجامعة التي درس فيها رشحته للسفر خلال عطلة الصيف كي يواصل بحوثه في الجامعة التي تخرج فيها. بعد فراق طويل ثلاثة عقود يرجع إلى نوتنغهام بجرثومة اللشمانيا.جنرال مخفيّ في صندوق مضاد للرصاص!رائع جدا ان تكون كذلك وفي جعبتك الكثير.مختبره في شارع " الجزائر " ينقصه الكثير، وشهد الكثير .. مصابون بالسفلس .. جراثيم كلاميديا .. مثل شقته تماما .. هذه العينة التي جلبها من العراق، توحي له بالكثير وتخفي عنه حوادث تجري لا مفر منها، أربع درجات تحت الصفر حينئذٍ عليك أن توازن بين ساعات سفرتك بين مطار بغداد والبصرة ثم لندن ونوتنغهام.

كان يبتسم.

يتذكر ويعبث قليلا بالزمن.

ترآى له أنبمقدوره أن يفعل أيّ شئ يشاء.

لو كانت هذه العينة في يده بعد ثلاثين عاما.سيصبح بلاشك محط الأنظار.ستتحوّل إلى جرثومة خبيثة تغزو أوروبا والعالم.إنه زمن داعش وقطع الرؤوس.ترك الانفجارات خلفه وجاء يعايش الفطريات والفايروسات.يلاحق عالم الخفاء الذي ابتدأ به قبل ثلاثة عقود .. ستأتيه نساء متزوجات أصبن بالسيلان، وأخريات يعانين من كلاميديا، عدوى زوجات من أزواج، وآخرين من شريكاتهم.أسرار لايبوح بها ولا تردد صداها جدران مكتبه.ظل يراقب البكتريا والفايروسات بصمت .. حذر كما لو يجلس في خندق يتابع جنودا أعداء يتسللون لقتله أو قتل آخرين، لكن "جوستينا" طاهرة من أي مكروب.

لا تخف .. هنا الصنف المعني يخضع لفحوصات دائمة وأنت على الرغم من عبثك لا تجرؤ على أن تقتحم عوالم المراقص وتختار منها صديقة أو تتحرك في وسطك الجامعي فلا تخلق لنفسك خيبة أمل.

أليس هو الخجل؟

في تمام الساعة الخامسة نهض من أمام المجهر .. أعاد العينة إلى المبردة، وقصد غرفته يستريح قليلا .. أخذته غفوة ثم استيقظ .. كان يتهيَّأ للمغادرة حين سمع ضحكات تصدر من غرفة تيموثي .. ادرك أنها فتاة جديدة، قاصر أيضا .. وكان بعد دقائق في المطعم .. وجد العامل الآخر مشغولا في القبو، وقال أنجم:

- هل سمعت بالحرب؟

- ماذا؟بين لبنان وإسرائيل؟

- العراق اجتاح إيران؟وعقّب وهو يهز رأسه ويلمس صدغه بطرف إبهامه: والله المسلمون مجانين

في هذه اللحظة قفزت البصرة إلى ذهنه طول الطريق من المطعم إلى بيت البغاء.ترى متى تنتهي الحرب؟يقول أنجم بدأت الصباح وقتها كان مشغولا بالمختبر والاستاذ. أجواء الجامعة تعبق من حوله، فهناك في هذه الآلات الصامتة الناطقة يحتجز هو والآخرون مخلوقات صغيرة لا أحد يراها لو فلتت لفتكت بالعالم كله.كائنات مخاتلة تتغير وتتلون كل يوم وكل عام لتنجو من قدرها مع ذلك لا يقدر للعالم أن يستغني عنها.وعن بعد اندلعت حرب كلّ مايعرفه من أنجم أن العراق دخل الحدود الإيرانية لكنّ البصرة في ذهنه لمّا تزل واعية بصورتها الأولى التي تركها عليها.شط العرب في مكانه، والعشار .. الزبير .. أبو الخصيب .. الخطر مايزال بعيدا ولا يظن أن الحرب تطول .. تستهلك يومين .. ثلاثة اسبوعين وإن بالغنا شهرا ثم يعود كلّ شيء إلى مكانه ..

صباح الغد يتصل بمسؤول التنظيم.سؤال مجاملة يدفعه إليه كونه طالب بعثة لا أكثر أو لينتظر أسبوعا حتى يحين موعد الاجتماع، لكنه يأمل ألا تطول الحرب التي هو بعيد عنها.

كان تستقبله بابتسامة واسعة، بكامل أناقتها.وتستلم منه البتزا والشاورما.تسريحة تأخذ شعرها الذهبي إلى علو وتهبط به نحو اللصدغين.اجتازت به الباحة العريضة التي تبين وسطها مقاعد فخمة تحيط بطاولة شفافة من زجاج وعلى يمين الصالة شخصت بعض سنادين الورد وشجرة لماعة طويلة يكاد رأس جذعها النحيف يلامس السقف.خمس غرف، ابتسامة تقابله من فتاةٍ عبرت الدهليز نحو الباب الخلفي .. اقتادته إلى غرفتها، فالتقط أنفاسه كأنه قادم من زمن بعيد!

تركت الباب مفتوحا، فتهادت إلى سمعه ضحكة ناعمة، خطر يجتاز الممر باتجاه الحديقة كهل في الخمسين، وخيّل إليه أنه رآى من فتحة الباب امرأة في الثلاثين من عمرها إلى دورة المياه، ثم عاد بحواسه إلى غرفتها.الباب المفتوح شغله بعض الشيء .. كان لون الجدران التركوازيّ يثير بعض اهتمامه، جدران ذو نكهة خاصة .. يطوقها من الجهات الأربع خصر خشبي ورفّ زينته أوعية صغيرة بدت بملامح رومانية أو يونانية قديمة، وثمة ثلاجة صغيرة ومغسلة ومنضدة وضعت عليها لفة الطعام:

- ما اسمك قالت ؟

سألته وهي تأخذ مكانها على االأريكة المقابلة، فبدت له بشكل آخر غير الذي رآها عليه أول مرة.

- نادر

نمت ابتسامتهاعن أسنان بيضاء ناعمة متراصة ذات بريق وسأته باهتمام:

- Nadiir "لحظة صمت "أنت لاجيء؟

- أنا طالب بعثة.

وسكت .. .قيل له إلإنكليز يجيدون فن الإصغاء فيجيب بقدر ما يسأل عنه، وإلا لظلت تنصت إليه مادام يتكلم، فقالت وقد ارتسمت علامات الدهشة على وجهها:

- من أي بلد أنت!

العراق!

- قطبت حاجبيها:

- عندكم حرب الآن؟

-لم أسمع بها إلا قبل قليل.

- آمل أن تنتهي قريبا.

ربما يبدو اللقاء في بدايته باردا .. اسمه .. ذكر الحرب، يزيده برودا مدفأة في زاوية الغرفة مازالت مهملة مادم الطقس معتدلا .. وزاد من شعوره بالبرودة باب الغرفة الذي بقي شقه مفتوحا، فتتسلل إلى عينه من خلل ضوء الصالة الشاحب حركة ما، أو حفيف، وقد تتهادى إلى أذنيه ضحكة خافتة من غرفة ذات باب مغلق.

انتشله من تشتته المفرط صوتها ثانية:

- ماذا تدرس؟

سؤال، ونظرة طردت الضجر .. تريد أن تسمع أكثر مما تتحدث، وقد تاه تماما عمّا سعى إليه.تجتاح جسده برودة.يودّ لو يتعرق فيطرد عن أطرافه صقيع لا يعلم من أين انبثق : كتفيه أم خاصرته .. في مثل هذه الظروف لا يستطيع أن يفعل أي شيء، على الأقل الباب مفتوح .. يشعر أن هناك من يعرف حين يغلق الباب أنه يضاجع امرأة .. ولا أحد يعرف أنها المرة الأولى في حياته .. خيال الآخرين رقيب نصفه يدري والنصف الآخر يجهل، وفي هذه الليلة يدرك وفق العرق الذي لفظه جسده أنه عاجز، وسيظل العجز يلاحقه مادام في غرفتها.

هذه الساعةلن يفعل شيئا ..

متأكد من عجزه تماما.

- أحضر الدكتوراه في اللشمانيا!

حدقت إليه باستغراب .. دهشة .. احترام .. تعفف .. أية كلمة لا يهم، وبخاطر سريع أسرع من أية ساعة وشهر أو قرون .. رآى حبة صغيرة .. قرصا ينطبع على صفحة خدها اليمنى .. سيكون وجهها أجمل وأكثر جاذبية لو رافقته حبّة بغداد .. ليجرب قليلا ..

- بديع "وبنبرة دافئة":you are clever

إنها لا تجامل، وهو حقّا لو لم يكن كذلك لم يحقق المركز الأول في الكلية، تفوق جعله على رأس المقبولين في بعثات إلى جامعات بريطانيا ورغم ذلك لم يعترض على سلوك دلال حين استدرجت أستاذهم القدير الجاف المتعجرف إلى غرفة المختبر ثم وجهت إليه صفعة رنّت لها جدران الكلّيّة.كان لا يخشى من تزمت أي أستاذ ولا تستعصي عليه مسائل الامتحانات.ذكي حقا إلى درجة الاستهانة وعم المبالاة.لا يهمه غيره ولا ينحاز إلى أية جهة سواء مع الحق أم الباطل لكن أي لقاء هذا يبدأ بحرب وينتهي بلشمانيا.

هل يحرك الجمر من تحت الرماد والباب مازال يفتح شدقه نحو نور الصالة الخافت وأكثر من حركة تتراوح بين الغرف والمدخل الرئيس فتزيده برودا:

- شكرا لك كنت منذ الطفولة أحتل المركز الأول في المدرسة!

وسكت ليعبر ضبابا أنزاح عن عينيه في الصف الرابع الابتدائي .. يجد علي زعلان احتل المركز الأول وانتقل هو إلى المركز الاول مكرر، ومن حسن حظه أنها المرة الأولى إذ أن علي زعلان منافسه الصلب انتقل بحكم وظيفة الأب إلى مدينة أخرى فلم يطل حقده على زميل الطفولة أما الحادث فبقي يحزّ في نفسه مثل علامة سوداء أو خال بحجم حبة القهوة على خد ناصع البياض:

تصوري هناك وجوه كثيرة تشوَّهت بهذا الداء كم أكون سعيدا لو عثرت على سرّ ذلك الطفيلي!

I hope you will do

مع ذلك راودته ثانية اللمحة الأولى التي جعلته يشتهي أن تكون هناك حبة صغيرة أصغر قليلا من حبة الحمص على إحدى صفحتي خديها فتزيدها إشراقا وربما ستظل تراوده في لقاآت يودّ أن تتم :

- آمل أن أصل إلى حل ما!

وغيّرت الحديث:

- هل تحب أن تشرب شيئا.

- أي شيء لو سمحت!

من رفّ قريب انتشلت زجاجة ذات سائل أحمر عندئذ عرف أن اللقاء يمكن أن يمر من دون أن تقع أية مفاجأة.ودّ أن يظل الباب مفنوحا ليبحث عن لقاء آخر فيتخيل وجهها بحبة بغداد أو ليكن بعلامة أخرى ok mother mark .. لن يزحف إلى سريرها فيحتوي بين ذراعيه جسدها البض.مومس مشرقة الجسد والوجه.مازالت في أوائل العشرينيات هل يُعقل في عالم آخر غير اللشمانيا أنه يزل لم يقترب من امرأة.طالبات القسم معه في الجامعة بضات .. جميلات. بعضهن يرتدين المنيجيب .. والأخريات يمشين بإثارة .. لمن كل ذلك .. أما أعصابه في هذه اللحظة فقد ظلت بليدة .. باردة .. المرة الأولى لتي يلتقي فيها امراة فلا يرغب أن يعرف الأمر أحد .. سيان سواء اغلق الباب شدقه أم ظل يطل على الصالة.

لن يحدث شيء تلك اللحظة قط!

- أظنك جائعة فالطعام مازال ساخنا!

خلال دقائق رتبت المنضدة فملأت الغرفة رائحة الخيار المخلل والخبز، والشاورما، تجاهل تماما رغبةً في احتوائها.أجّل كلّ شيء إلى لقاء آخر، فرفعت كأسها نخبه، ردّ عليها بكأسه وهو يقول:هل ترغبين أن تزوريني في بيت الطلبة؟

- لِم لا "أضافت بهزة من رأسها" يمكن أن تتصل بي بعد يومين حين أعود مساء من ليستر!

4

فرح آخر ينتظره ..

كان لابدّ للصباح أن ينتهي بين لقاء الأستاذ المشرف ومتابعة جرثومة تتحرك وتتمدد، لساعات بقي يضع الذرة الدقيقة تحت المجهر فيتابع خطواتها وامتداداتها اللانهائية .. عالم لا ينتهي نحاول بكل معداتنا الحديثة واختراعاتنا أن نقضي عليه .. أنا متأكد من نجاحي في محاربة جرثومة الخفاء .. ألم يندحر السلّ من قبل، حدث نفسه قبل أن يدخل بعد ظهر اليوم إلى قاعة اجتماع في الكلية استأجرها ذلك اليوم طالب التاريخ مسؤل المنظمة، اجتماع استثنائيّ عن الحرب، تقاطر إلى القاعة طلاب من خريجي الثانوية وبعض طلبة الدراسات العليا.كانوا بحدود عشرين طالبا:

- لا بدّ من هذا الاجتماع الاستثنائيّ الذي سبق اللقاء الشهري

قال المسؤول وعدَّل جلسته .. حاول أن يتحرر قليلا من آثار المختبر، ويؤجل نشوته بلقاء الليلة.لا يدري أو يدري ولا يعرف لِمَ يحارب اللشمانيا في الوقت نفسه يود حبة صغيرة منها على بعض الوجوه.عند السادسة ستأتي من لستر، ولعل الآخرين مثله، يفكرون بأمور أخرى، تافهة أومهمة: صديقات، بحوث، تسوّق، زيارة الأهل، وسواء حضر أم لم لا فلن يغير ذلك من طبيعة الاجتماع، يستطيع أن يتجاهل .. كان يفتخر أنه احتل المرتبة الأولى في الكلية ولولا شرط الانتساب لجرت الامور على خير مايرام .. لابد من أن ينتمي وإلا يفقد امتيازه .. بعثة يستحقها ومظروف شهريّ ب 280 جنيها من السفارة .. وكلّ ماجرى أو يجري من أجل جرثومة تنقلها ذبابة .. شدَّ الانتباه المسؤول مرة أخرى:

- زملاء كلنا قبل أن نأتي إلى هنا سمعنا برسالة الخميني الى الرئيس البكر كانت شاذة في الأعراف الدبلوماسية إنَّهم يريدون أن يصدروا ثورتهم وكان علينا أن ندخل المحمرة لنحمي أنفسنا!

تدخل أحد الطلاب بلهجة تودد:

- هل يتطلب الأمر أن نتطوع ؟

ابتسم المسؤول وتأمل قليلا بقسمات مرحة:

- لا أظن الآن سوف تنتهي الحرب خلال أسبوع أو على أكثر تقدير شهر!

وتدخل أحد الطلاب القادمين من المرحلة الثانوية متحمسا:

- لكن هل نعيد لهم المحمرة إذا توقفت الحرب؟

نفى المسؤول بهزة قلقة من رأسه:

- جيشنا اندفع داخل بعض الأراضي مسافة خمسين كيلو مترا المحمرة ستصبح محافظة عراقية .. إيران انهارت.تماما ..

والحرب لن تطول.

ولفت عبد العال نظر نادر وهو يندفع متحمسا:

- يمكن أن تسجل اسمي أيها الرفيق!

تذكّر أنّه نسي أن يهرع إلى التلفون في اليوم الأول لسماعه اندلاع الحرب فيطمئن على أهله.ظن ماحدث مجرد مناوشات أراد أن ينساها مثلما نسي أمورا كثيرة من قبل. واثق إلى أنها سحابة عابرة والبصرة بخير، لعبة لن تطول.إيران في ثورة وفوضى ولابدّ من أن توقف الحرب ثم تحول إلى اقرب كابينة هاتف .. في البدء ظنّ عبد العال غير جاد، فالحرب ستنتهي قبل أن تأتي العطلة وموعد زيارة الأهل، حسب أن المكالمة الخارجية مكلفة فوضع في باله بضع دقائق .. تحدث مع أمه فارتاح إلى أن الحرب مازالت بعيدة عن الحدود وكلّ شيء يسير على مايرام، وأن أهل الخير سوف يتوصلون إلى وساطة ما بين العراق وإيران!

حديث بارد عن حرب ساخنة يلهج بهاالعالم!

غير أننا في رهان مع الزمن، والحرب مثل الليل تطول وتقصر لا كما يعجبنا نحن، النشوة راحت تتابعه بعد الاجتماع، ومكالمة الهاتف .. أمامه وقت طويل لمغامرة جديدة.أما كان بإمكانه أن يتصرف مع الأخريات هنا في بريطانيا أورمن قبل في البصرة مثلما فعل مع جوستينا.اكتشف قوته متأخرا .. سخر من نفسه لاكتشافه المتأخر .. يحاول أن يعرف سرّ كائنات خفية ظنها أجداده جِنّا.في آخر لحظة أدرك نفسه .. خشي من برود يلاحقه .. خامره يأس ولم تتركه النشوة.وقبل الساعة السادسة طرد كل الأفكار الجامحة من رأسه، ذهب إلى مجمع "مدينة "حيث الذبح الحلال فابتاع لحما وخضارا وفاكهة.تحاشى أن يمرّ على مطعم" الفردوس " حيث يعمل فقد يفعلها أنجم ويعتذر عن قبول أي مبلغ مقابل ما يأخذه من طعام جاهز .. وتحوّل إلى " أزدا" كان يبحث عن نبيذ غال .. ثم عاد إلى بيت الطلبة .. كم ودّ أن يكون فردريك أو تيموثي عندما تأتي حاضرين، سيشعر بزهو عظيم .. مفاجأة .. لا يشكّ أن الأمور تجري على مايرام، تؤكّد ظنونه رائحة الطعام وجوّ المطبخ العبق برائحة الكاري والفلفل .. والطرشي المخلل.الطبخة الوحيدة التي يعشقها "رأس العصفور" وبهارات جلبها من "سوق المغايز" تكفيه سنتيين.

هذه الليلة تختلف تماما!

ترى هل تخونه جرأته مثلما شعر بها تفلت منه يوم المصراع المفتوح!

كل ّ شيء بأوانه لكن أين فرديردك وتيموثي .. لا بدّ أنهما يأتيان .. يريدهما أن يقبلا قبل أن تغادر .. مثلهما لديه فتاة وخمر ثمّ لاحرب ولا ليشمانيا .. الجنود في أماكنهم على الحدود يتقاتلون وحين يتعبون تنتهي الحرب.واللشمانيا قابعة هذه الساعة ي صندوق يحميها.كلّ شيء يتلاشى من الذاكرة .. يختفي مثل سحر لطيف .. والهاجس الوحيد الذي يخامره ألا يراوده عجز ..

خيبة أمل ..

هو الجسد الأول الذي يكشف أسراره، ويدرك معانيه، ويثبت قوته، وقطعت عليه تأملاته وهو مستلق على السرير في غرفته نغمة الجرس .. نغمة تكاد تكون غير غريبة هذه المرّة.كانت تحمل باقة من ورود زاهية الألوان، خلعت معطفها وارتمت في الصالة على مقعد يقابل باب الشقة، وهي تقول:

_ إنّه مكان جميل!

- شكرا على الورود الجميلة!

- dont mention

قالت ذلك وهي تتطلع في لوحة لمجموعة خيول شخصت بين الجدار الخلفي وإحدى الغرف، فسبقها يدخل في التفاصيل:

- هذه اللوحة جلبها فردريك زميلي في السك.ياسيدتي نحن هنا ثلاثة طلبة في هذه الشقة، تيموثي أمريكي يدرس الاقتصاد عبثي، لا يصادق إلا القاصرات، وفيريدريك يدرس الرياضيات وله صديقة، إنسان مركب من جذور ألمانية!

فتساءلت ببراءة فتاة صغيرة:

- مرتاح هنا في السكن معهم؟

- نحن نلتقي مصادفة، وغالبا ماتكون لقآتنا في المطبخ أيام عطل الأسبوع والعطل العامة، تدور بيننا أحاديث عابرة ومجاملات لابدّ منها!

وماكاد الوقت يمضي في تناول الطعام والحديث العابر حتى خشي أن تتخلى عنه همّته، يتكرر ماراوده من عجز ليلة زارها في بيت الدعارة، زاده قلقا أن رفيقيه مازالا غائبين وإلا لشعر ببعض الزهو صائحا من أعماقه: أنا مثلكما .. يسميها ليلة الزهو .. مراسم الفحولة .. بعد أكثر من عقدين من الجفاف والظمأ معي امرأة .. تأخذ نقودا لايهم .. الدنيا الآن انقلبت إلى عملة.مال كان غافلا عنه سنين طويلة .. حوالة ترسلها السفارة العراقية كلّ شهر مرة .. أنا غامرت فاشتغلت في عطلة نهاية الأسبوع، أنا نفسي لم أكن أعرف البيع والشراء والربح والخسارة.العالم نفسه منقسم إلى رأسمالي وشيوعي، أتابع اللشمانيا التي تفتك بالوجوه مقابل بعثة كلفت الدولة لكثير، لايهم أن تكون معي امرأة ألتقطها من مرقص أو كلية، كلهن سواء، كانت دلال عبد الجبار فاتنة أغوت الأستاذ من حيث لايدري وصفعته .. لايهم .. مادامت معك امرأة تدفع لها أولا.

وخلال هواجسه الطويلة وانشغاله بترتيب بقايا الطعام، تسربت إليه حركة من الباب الخارجي، فخطى الى المطبخ يلقي بالنفايات في صفيحة الأزبال .. ترك الباب مفتوحا .. لعل العابر يلمح خيال جوستينا .. كان يراهن قدرته على حضور الآخرين وباب الغرفة، الآخرون يعرفون أنه مثلهم.زهو لم ينتبه إليه خلال زيارته الاولى، وإذا به وجها لوجه مع فردريك وصديقته، تعمد أن يبدأهما بالتحية، ورفع صوته قليلا مخاطبا ضيفته:

عزيزتي جوستينا أنا قادم حالا .. .

ودخل وأغلق الباب خلفه.آخر ما تهادى إلى سمعه ضحكة خافتة من " كلارا " صديقة فريدريدك، وقف يتأمل جوسينا التي استقبلته بابتسامة وادعة عريضة وهي تفتح إليه ذراعيها .. استغرقه صمت ولم يتكلم .. لحظات مرت فظنّ أن الصمت يطول، فيتحرك نحوها ويعانقها .. يشعر بدفء جسد بض طريّ.شيء ولاشيء، لابرودة .. قوة عارمة تجتاحه وعجز مفاجيء، هل يعقل؟بعد عقدين من الزمن يلجمه شئ تافه لا يدري مصدره، كان يخشى أن يعرف الآخرون أنه مع امرأة فيبرد، ذهنه مشغول بأمور شتى تختلط وتتلاشى، وقد تمنى أن يعرف جيرانه في الغرفة المجاورة فتضاعف بروده، أما جوستينا فلم تتركه.أخذته وحركت رأسها على صدره .. استدارت نحوه وبدأت تتجرد من ملابسها ثم حكت هامتها تحت ذقنه قبّلته ومسحت فمها على صدره كأنها تطبق على بعض شعراته بشفتيها فتسحبها برفق، وهمست له: قبّل كتفي، تمسحت به كقطة وادعة .. تلاعب به العالم الجديد فبدأ ينسى، غادرته برودته وتردده وإذ أحست أنَّ حمى دبت في جسده اقتادته إلى السرير .

أخذت تشاغله .. تستله عما يحيطه، وشيئا فشيئا استعاد فحولته، فهوىبشفتيه على شفتيها ..

انتهت سنوات الظمأ ..

تلاشى الخوف تماما ..

هناك زمن الصبا، والقحط يكتشف الصبي نفسه فجأة .. من خلال حلم أو مداعبة متعمدة باليد.عبث صبياني يمكن أن يفعله في أي مكان: بستان وقت الظهيرة .. مرحاض .. ساقية خاوية من الماء .. لحظات وينتهي كل شيء في الصف الثاني الثانوي قال له تلميذ حينما تحدثوا عن الأمر لا تكثر يقولون إن ماء الرجل ينقص بالإفراط فلن يجد حين يكبر من كثرة الاستعمال ذرية ولن يصبح أبا وقتها صدق الخرافة.

عقيم لاعقب له ..

تعلق نظره بسقف الغرفة وانتشل نفسه من ذكريات بعيدة .. هرب من الخجل والخوف والتردد .. عالم آخر يخوض غماره وكان يخافه من قبل. مازال صامتا وهي تسأله:

- سعيد بذلك؟

هل يصارحها؟ إنها المرة الأولى التي يلتقي فيها امرأة على فراش واحد، تساءل يا ترى هل عرفت حقّا أنها هي المرة الأولى التي يمارس فيها ليكن لتعرف أم لا:

- جدا! وأردف " إنك رائعة"

راحت يده تمشي على صدرها وبطنها .. جسدها البض نعومته، تمثال دقيق الصنع لم يؤثر فيه مرور الرجال عليه .لم يلح خدش يشوه بريقه، في الثانية والعشرين من عمرها .. تستقبل زبائن كلّ يوم فيغادرون من دون أثر .. اجتاحته رغبة أخرى، تأكد أنه قادر على أن يفعل، هو الذي يبدأ .. جاء دوره الآن .. فانقلب نحوها ثانية وهوى بشفتيه على شفتيها، وعندما انتهى كل شيء، نهض من مكانه، وبباله أن يحسب سعر المرة الثانية، مبلغ إضافي .. استلّ من محفظته عشرة جنيهات أضافها للعشرة الاولى، وضعها جنب حقيبتها.قالت شبه مستنكرة:

- ماذا تفعل؟

قال باعتذار:

- مرتين أنا ممنون جدا، أنت رائعة هل المبلغ قليل؟

فكشفت عن وجهها الآخر وانحنت تقرص أذنه:

- لا تكن غبيا لو قدمت للعمل لما جلبت معي باقة ورد نحن أصدقاء!

وقتها تلاشى من ذهنه أيّ شيء سوى عبارتها، نحن أصدقاء، وتمتم مع نفسه كأنه يخجل أو يخشى أن يبوح لأحد وإن كان جوستينا نفسها التي اكتشفته:

- أجل نحن أصدقاء!

لكنه كان مقتنعا تماما أنها هي التي اكتشفته!

 

د. قصي الشيخ عسكر

.........................

* كلمة لا بدّ منها: هذه أخر رواية كتبتها.

خلال إحدى المكالمات الهاتفية سألني الصديق الناقد والأديب القدير الدكتور صالح الرزوق لماذا لا تكتب رواية عن نوتنغهام لا سيما أنه كان في ثمانينيات القرن الماضي طالبا يعدّ لشهادة الدكتوراه فيها فقفزت في ذهني صورة طالب عراقي متفوق في الجامعة يضطر أن يوقع للحزب مقابل أن يحافظ على حقه في البعثة .. يقدم إلى نوتنغهام ومعه خجل فيتعرف إلى بغي ويتعلق بها مدة دراسته. وفي أثناء دراسته تندلع الحرب.

والحق أنّ سؤال الدكتور صالح شحذ ذهني فكتبت هذه الرواية وحين أنهيت مسوّداتها بعثتها له فأعجبته وأخبرني أنه كتب مقالا عنها ثمّ بدأت أصحح المسوّدات في الوقت نفسه فكرت أن أنشرها في المثقف على حلقات.

 

صحيفة المثقفهذي الحياة تسيرفي المقدار

                لا ترعوي للعتب والاعذار

قد خاب من القى القياد لدنية

                 ابدا غدورا ليس ذات قرار

كم البست زُهر الليالي حلكة

             وتعابثت بالشمس وضح نهار

تمضي الى غاي ٍ تقررعهدها

                      فيما تشاء ارادة الجبار

تاتي الرياض وما استتم ربيعها

               حتى تطيح بنرجس الازهار

بانت محاسنها بمائس غصنها

                  وتنورت قمرا من الاقمار

هلت بحسن شمائل وتبتل

               فجمالها في الخلق  تاج وقار

لم تدر ان المرء رهن قضائه

               يُزجى حثيثا نحو جرف هار

يا طفلتي ياروضتي وحياتي

                ما للمنية اغرمت بضراري

قصت جناحي والجناح غريرة

                    ماء الشبيبة ظاهر الاثار

ابكيك ياعين القلادة فالبكا

               من اضعف الامال  للمعسار

قمر تبدى بالضياء جلاله

                     لما تنور غيل بالاسرار

قد غالها من لاشفاء لدائه

                   سيان في حل وفي اسفار

يا ام من كان الخليل سميه

                        لله درك مهرة الايثار

افنيت عمرك في مغالبة الردى

                  كيما يعيش بنوك بالايسار

بذخت عليهم من فيوض مشاعر

                   سهرا وحبا عالي المقدار

ام سقت بالمكرمات صغارها

                     حتى تجلى يانع الاثمار

ارثيك ام ارثي الكرامة والتقى

                 والذكر والتسبيح بالاسحار

فارقتنا لجوار رب راحم

                   وهوالذي للعبد اكرم جار

إني إذا حجب التراب لقاءنا

                    فالقلب يبقى دائم التذكار

***

أحمد زكي الانباري

 

علوان حسينكانت تكفيه ُ طلقة ً واحدة

طلقة ٌ مسرورة ٌ من قاتل ٍ غبي

الشاعر ُ لا تنوح ُ عليه ِ سوى كلماته ِ

هي التي تشاطره ُ حزنه ُ وحياته ُ .

طلقة ٌ واحدة ٌ أيها الجبناء

طلقة ٌ غادرة ٌ ويستريح ُ قلب ُ العالم .

طلقة ٌ وتحلق ُ الكلمات ُ

تذهب ُ الروح ُ إلى بارئها

البلاد ُ التي تحولت إلى سجن ٍ

ماذا تطلبون َ بعد؟

من ْ أقنع َ الكلمات َ بالذهاب ِ إلى حلمها؟

من ْ خدع َ الشاعر َ بالموت ِ؟

من ْ إحتسى كأس َ الدم ِ حتى الثمالة ِ

ليميت َ شبحا ً ويطارد ُ غيمة ً في سماء؟

من ْ تقض ُ مضجعه ُ كلمة؟

من ْ على كرسيه ِ يجلس ُ ضجرا ً

قلقا ً تطارده ُ فراشة؟

طلقة ٌ واحدة

تتلاشى بعدها حياة ٌ وطفولة ٌ وكركرات ٍ

ليل ٌ وصباحات ٍ أليفة ٍ

كلها تختفي في لحظة ٍ واحدة .

ثلاثة عشر طلقة ٍ

هذا الرقم ُ البغيض ُ على القلب ِ

كم يكفيه ِ من الأرواح ِ ليشبع َ؟

هذا الصمت ُ هل طويلا ً

سوف يظل ُ ينام ُ؟

***

علوان حسين

 

نور الدين صمود (1) الجنس اللطيف

كــلُّ بَـيْتٍ بــدون جـنــس لطـيف*فهْــو كالعـود دون ما أو تار ِ

أو كـروْضٍ يـظــل دومًا عَـبوسًا*حيــن يخلـو من بسمة الأزهار ِ

بسماتُ الحسان في البيت وردٌ*وكلام الحسان  صوتُ  (كناري)

لـيْتَ كـُلَّ الـبــيــوت تـغـْدو رياضا*وجميع الببــيوت كالأوكــار ِِ.

 

(2) [محاكاة الزمخشري: البعوضة تدمي مقلة الأسد]

انظـُـرْ بعَـيْنـَـيْـك العَـدُوَّ كأنـَّهُ*فـيل، ولو أبصرتـَهُ في حجم نملهْ

ليس الكبيرُ على الدوام بغالبٍ*فلقد تسوق الفيــلَ في الغاباتِ طـفــلـهْ

ولقد تـُصيبُ بعوضة ُأسَـدَ الشَّرى*فيظلُ يشكو وَخـْزَةً منها بمقـْلـَهْ

وشرارةٌ في الغابِ، إن شبَّتْ، فـلـَنْ*تـَسْطـيعَ إطفاءً لها أمْواهُ دِجلهْ.

 

(3) الطبع والتطبع

تـذللَ حـتـَّى بــدا مثل قـطٍّ*بـحِــجــر التي دللـته زمانا

وقد هادنَ الفأر بين يديْها*وعـاش نؤوما كسولا جَبانـَا

ولكنْ تـَنـَمَّـر فينا وأضحَى*يَــسُــلُّ، إذا ما رآنا، سِنانا

زمان ٌبه أصبح الـهـِـرُّ ليْثـًا*فلا سامحَ اللهُ هذا الزمانا !

 

(4) زعامة مزعومة

إنَّ مَنْ حاولْ إصلاحًا لشعبٍ*قائلا: إني لدى القوم زعيمْ

لِيـَقِــيهـِمْ في مَـقالٍ وفِــعال ِ*وهو في الاثنين كذابٌ زنيمْ

وتراه كاذبا قولا وفعلا*وهو في كل الذي يسعى أثيمْ

بئس مَنْ أفعالُـُه أفعَى لـِمَنْ قد*ظنه في الناس ذا خُلـْق ٍ عظيمْ

 

(5) النملة والفيل

على أي شيء يَخاف التلفْ*إذا ضاع منه الحِجَى والشرفْ

أيبحث عن نملة في الترابِ*ولا يُـبْـصِــرَ الفـيلَ لمّا وقــفْ

وسَــدَّ عليه الفـضاءَ الرحيبَ*وزاد عـنادَا على ما اقـْتـَرَفْ

ومَــنْ  قــبّــحَ اللهُ أفـــعالـَهُ*فــزدْهُ على الوجه إخـًّــا وتــُفْ

 

(6) خرفان وذئاب

ليس شخصٌ أدنى إلى حسن ظنٍّ*من غبيٍّ أو من عديم المهارهْ

كخـــروفٍ يُــصَــدِّقُ الذئــبَ فيما*يَــدّعيــه مِــنْ عِـفـَّـةٍ وطهارهْ

وسجونُ الشعوب ملأى بمن قد*أحسنوا الظن في دُعاة الحضارهْ

وهُــمُ يلعبــون دور الثـــعالي*إذ يُـحِـــلـّون أكــلـها (بالشـطـارهْ)

 

(7) لزومية الإيطاء

لا تلمني إن لم أثق في الذي قد*أَكـَــلَ السُّــحْـتَ واستباح الحرامَا

ورأه غـَـنــيــمَـة وعَــطـاءً*مــنإلـــهِ السماء لـيــسْ حَــــراما

فــرأى  أكـْـلـَهُ  حــلالاعـلـــيه* ورأى تـــركه رآه حراما

قال ربي: مالُ االيتيم حــرامٌ*غير أني حللتُ ذاك الحرامَا

***

نورالدين صمود

 

 

صحيفة المثقففي كرادة بغداد

كمن الموت بأكمام الفرحْ

ومن اللؤم يقهقهْ

ملء شدقهْ

شاحذاً أنيابه

مثلما ذئب خسيس

ناسياً طعم البراءة

وجذاذات الخير في بردة عيد

لاغياً صفة العـيد  ..... سعيد

ناسيا بأن الطفل بسمة

ثوب أعياد جديد

وحصان أو ضفيرةْ

ناسياً إن الشبابْ

وعد حر لوطن

كنزها وقت المحن

ناسياً من الأُم حناناً وتــفاني

ومن المهد الى اللحد أغاني

ودعاءً وأملْ

ناسيا إن الرجولةْ

لمساتٍ

وعملْ

والد يمسكُ راحة  الطفل الطرية

به يعبر شارعْ

واضعاً فيه قلوباً وأضالعْ

تحتوي حباً و ملأى

تضحيات

جدة يمسك ابن الإبن بأطراف العباءةْ

وعدها المبتور .. الذي أمسى حقيقةْ

لدقيقة

ما عاد الى البيت به

فالحفيدْ

يحضن ثوب العيد

لم يعد للدار ... مثلما الجدةُ

موت اغتال الحياة

وكذا اغتال الفرحْ

من عيون العيد

ومن فرض الصيام

فهناك الخيرون

زرعوا بذرة الفرحة

بثرى طيب العراق

غير أنْ مليون غراب وغرابْ

سرقوها قبل أن تحظى بحبات المطر

أقفلوا باب السماءْ

برتاج من غباء

ومن غيظ تنامى

فيضه أعمى القلوب

نزلوا فوق اللحم مفروماً

فغدا الناس وليمة

في فم الغربان ْ

وغدا العيد دخاناً

وغدا العيد دخانْ

***

سمية العبيدي

 

مادونا عسكرالعبرات الّتي روَت ذلك الغَمر

مرّت بهِ

ليعودَ إليهِ

الدّمع، طرقٌ على أبواب الوهم

لا يهدّئ صوته

إلّا

عينان ذاب بصرها

في التّرنّم المرتدِّ

في بهاء العمق

وصحوة النّظر

الأزرقان المتعانقان عند الشّفق البعيد

أنشودةُ لقاءٍ

صامتٍ

اكتنفَ الحلم الأبيض

رعشةٌ، تهيّأت

فغابت

في ظلّ فجر

اعتمد قبل حلول الماء

قبل بزوغ المعنى

الحرف المفتوح على اللّابداية

متوهّجٌ

أشعل اللّغة المعتّقة في خوابي الأبد

تماهت عيناه والرّقة

تدافع الغيم

تناهى إلى الرّيح عزف الموت

يداه، مطر يلقاني

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

ناظم رشيد السعديذهبتُ بعيدًا

وقلتُ هو التلاشي

ردّدت أغاني اليمّ

وعاقرتُ التيهَ بنزعاتِ الصمت

سكنتُ أمامَ شبابيكِ الوحدة

ترسمُ أحلامَ الصمت

تخجلُ من ذاتك

حين ترتدي قناعَ الجهل

تنوسُ تحت جداريّة الحنين

وعنادُكَ الشرقيّ الأبله

ينتشي بجنونِ الاضطهاد

بداخلِكَ وطنٌ من عشقٍ لا يتروضُ

ولا يضمحلّ كهذه المسافات المنسيّة

أمضي دون عقاربِ الساعة ..

الزمنُ مثلبةٌ كبرى

حين يعيدُكَ للبكاء

والنقاءِ والناس، هناك قبل الطوفان..

اكتب أكتب

يا هذا لا تتوقف

كي لا تنظرَ لنفسكَ عاريًا

كي لا تهزمكَ أغاني الصباح

وتشيّعك فيروزُ

حيث عرباتُ العبث

والأجسادُ المنتظرةُ قدرَها

في شوارعِ اللاعودةِ

اكتب عن أحلامِك

عن أولِ حبيبةٍ

أولِ رسالةِ حب

عانقت الزقاق

لا تستفيقُ أبدًا

من ثمالةِ الهشيم الأخير

فيحملك النادلُ

بعيدًا عن الأغاني

عليك أن تموتَ بداءِ الصمت

كآخر قطرةٍ في كأسٍ منسي

فلا يقرأ أحدٌ نزيفكَ

***

ناظم  السعدي - السويد

 

صالح البياتياستأنفت أمي حديثها عن أبيها..

أما جدك فكان وكيل اعماله بتجارة الحبوب، ينقلها أثناء موسم الحصاد، من الحقول مباشرة لمخزنه، وفي ذاك الوقت، نمت وتوطت علاقة صداقة بينهما، وفي أحد الأيام وقعت عيني موسى الكيال على شقيقتي الصغرى أمينه، والدتك، وكانت صبية جميلة، اقل من نصف عمره بخمس سنوات، إذا افترضنا أنه كان في الأربعين، طلب يدها من جدك وتزوجها، ولكنها ماتت بعد ولادتك بحمى النفاس. ولم تمض سوى فترة قصيرة، على وفاتها حتى جاءت زوجته البغدادية، سألتها:

"هل عقد جدي، أعني أبوك، مع الكيال صفقة، وكم قبض منه! بالمناسبة لماذا لم ينطق لسانك باسم ابيك، ولا مرة واحدة طوال الحديث عنه.. لماذا لا تحبينه؟

" أنسيت ما حكيت لك عنه.. لا أحب ذكر اسمه. أما إن كانت بينهما صفقة!

لا أدري.. ربما، ولكن الكيال تكفل بالإنفاق عليك تحت وصاية جدك، لا أدري كم كان يقبض من نفقتك، ظل الأمر سراً بينهما، حتى أباح به جدك قبل وفاته بالجمرة الخبيثة، بعد ذلك أخذ يبعثها بيد زوجي، عندما كان الكيال يسكن مع زوجته البغدادية في بيته القديم، ذي الشنانشيل الزرقاء، مقابل دار البلدية قبل هدمها، وعندما قُتل زوجي في حرب الشمال، بعث لي من يخبرني ان استلمها من الحاج سبتي والد سيناء، أستمر الحال هكذا، حتى تخرجت أنت من الجامعة وتعينت موظفا حكومياً، فرفضت بعدها اية مساعدة منه.. هذا السر كتمته عنك..

صمتت هنيهة، ثم تنهدت وزفرت آهة حارقة من صدرها المكلوم الذي نهشه المرض الخبيث..

" ألم أقل لك أن جدك كان ظالما، وقد عاقبه الله فهلك بالجمرة الخبيثة، خرقت جمجمته، ونزلت على مخه فأكلته، والكيال أيضا سيلاقي حتما عقابا اشد وأقسى."

"ربما لاقاه وانتهى الأمر.."

" كيف!؟

" ربما هلك من التعب والجوع والعطش والمرض، أو انفجر به لغم أرضي، أثناء اجتيازه الحدود الى إيران.. لقد تناهي لسمعي أن عناصر الأمن المكلفين بنقلهم وخفارتهم، كانوا يرمونهم من الشاحنات العسكرية، على الحدود، كنفايات، ويطلقون فوق رؤوسهم وقرب أرجلهم النار، لإخافتهم كي يهربوا بأقصى سرعة، فيتخلصوا منهم بأسرع وقت، ولكِ أن تتخيلي أن بين هؤلاء المبعدين، اطفال وشيوخ ونسوة عجائز وفيهم المرضى.

 كنت اتألم وانا اتخيل منظرهم، يركضون خائفين، بلا حول ولا قوة، يحملون امتعة قليلة، يتعثرون بأحجار الطريق، ويسقطون بالحفر، أو يدوسون لغما ارضيا فينفجر بهم ويمزقهم أشلاءً.. كم هي مفارقة غريبة أن يموت ابي ذليلاً ومطروداً على الحدود.. ربما كانت آخر أمنياته أن يناديني يا بني.

"هل أنت حزين عليه يا نوح!؟"

" لا أدري يا أمي.. أحزنٌ ما اشعر به حيال مصيره البائس.. ام رثاء! لا أدري والله يا أمي، ولكن بقي لدي سؤال أخير، وكان طوال الوقت مؤجل.. ولكن لا.. لا داعي له، لم تعد له أهمية."

"ما هو.؟ "

" أسمي القديم؟ هل اختار ابي اسما  لي عند ولادتي؟ "

" نعم، أحب ان يسميك عمران على اسم ابيه، ولكني رأيت أن كل ما جرى لنا، لي ولك وللمرحومة شقيقتي، كل ما حدث قبل وبعد ولادتك، كان ضد إرادتنا، فسميتك اجباري."

"والآن حكيت لك الحكاية كلها... دعني أنام.. اشعر بوهن شديد، وصداع ينبض في صدغي.. أشعر بالتعب وأريد أن أنام.."

قامت سيناء وقبلت أمي، وخرجنا للعشاء، وبعد عودتنا وجدناها نائمة، جلسنا في غرفة الاستقبال نتابع آخر اخبار الحرب من التلفاز، حتى مجيء العم سبتي، جلس معنا، وأخبرنا عن حملة تسفير كبيرة طالت تجار الشورجة، لم أعلق على الخبر، أكثر من القول ان شيئا أقسى من هذا حدث لليهود في أواخر الأربعينات، وأطلق عليه آنذاك الفرهود، رافقته اعمال عنف وقتل، وحرق للممتلكات وانتهاك للأعراض ومصادرة للأموال.

 تمنيت لسيناء وابيها ليلة سعيدة، ودلفت لغرفة أمي، وجدتها نائمة، جلست قبالتها على الاريكة، أتطلع لوجهها، أُصيخ السمع لتنفسها العميق والمتقطع، كان تارة يعلو واُخرى يخفت، أدنو منها لأتأكد أنها لم تمت، كانت تساورني في تلك الليلة أفكار غريبة، عن حياتي بعد وفاتها، فأرى شبح الموت ينتصب جدارا أسودا بيننا، ملئ بالنتوءات والشروخ الغائرة، خاصة بعد أن عرفت حقيقة ابوة الكيال، فكرت به.. وفي هدأة السكون، كنت لا أسمع سوى صوت تنفسها الآخذ بالاضمحلال، كما أن ذكرى أبي اخذت تؤرقني مرة آخرى، فوجدت نفسي أثور على ذاك الماضي، الذي حرمني من أسم جميل في طفولتي، ومن ابوين حقيقين، وأخذ مني منير، دون أن أعرف أنه أخي، رغم أني كنت أتساءل عن سر الشبه الكبير بيننا.

 والان.. قامت الحرب ليس كما تنبا بها العراف، ولكن كانت ضحكة مجلجلة ساخرة اطلقها الشيطان في لحظة انتصار.. علمت بحجز جاسم أخ هيلا بمعسكر الرشيد، بعد إنهاءه لفترة التدريب العسكري في معسكر التاجي شمال بغداد، وكانت معه مجموعة كبيرة من الشبان خريجي الجامعات، جميعهم إبناء الاسر المهجرة، فكرت ان اتصل بصديقي المحامي حنا، واطلب منه ان يحصل لي على إذن بزيارته، وايضا يساعدني باصدار جواز سفر لسيناء، وعندما جاء لزيارتنا،  دار حديثنا عن الحرب التي كانت كفتها راجحة لنا، فالجيش العراقي أحتل أراض إيرانية على طول الجبهة، لكن حنا أبدى قلقا من عواقبها الوخيمة، وقال: الأمور بخواتيمها.. وإغتمنت الفرصة بعد أن عرفت انه لا يؤيد الحرب، تحدثت عن المسفرين الذين وصل عددهم الى نصف مليون، فقال: هؤلاء اكباش فداء.. ضحايا النزاعات الإقليمية، قلت: هؤلاء عراقيون ، ولاؤهم لوطنهم العراق..

كان الكلام المحبوس تحت لساني، ولكن المتعذر قوله، عن دور الرئيس في مأساتهم، على وشك أن يتحرر، ولكني آثرت الصمت، وقبل أن يودعني سلمني ملفاً، وطلب مني أن احتفظ به في مكان آمن، قلت: أفي الشقة، قال: لا.. ان كان بإمكانك أن تجد مكانا آخر.. وقال على وجه التحديد: إذا سألك أحد عن علاقتك بي، قل إنك استأجرت الشقة مني وسلمني عقد إيجار رسمي وموقع، وبعد أقل من أسبوع جاءني بالجواز، وبإذن الزيارة...

لبضعة أيام أخفيت الملف في السيارة، دون ان اعرف شيئا عنه، او ماذا يحتوي من معلومات، كنت أركن السيارة في ساحة قريبة من العمارة، لقاء أجر يومي.. أخبرت سيناء بكل شيء، فتوجست وخافت، طمأنتها بأني سأجد مكانا آخر نسكن فيه، ونتخلص من المشكلة.. وطلبت منها أن تطلع أبيها أيضا، وأخبرت أمي أيضا، وفي منتصف إحدى الليالي، جاء زوار الليل لشقتنا، فتشوها وكسروا قفل الغرفة الصغيرة التي تخص المحامي، وبعثروا محتوياتها، واستجوبونا، واطَّلعوا على عقد الإيجار، وجهوا الي أسئلة كثيرة، وفي النهاية، اتصلوا بجهة لا نعرف من تكون، وغادروا الشقة.. سألت أمي:

"هل أفزعوك؟"

" بالعكس أنا التي أفزعتهم."

" كيف!"

" لا أدري ربما رأوا ملك الموت يحوم فوق رأسي فارتعبوا منه.."

كانت سيناء خائفة، ولكن العم كان صلبا وشجاعاً.. اقترح علينا الإنتقال الى المنصور، لنسكن مع قريبه، وهو تاجر اقمشه، لديه محلين احدهما في سوق دانيال والآخر في شارع النهر، يعيش مع زوجته، وإمراة في الأربعينات تخدمهما، وتسكن معهم، حزمنا امتعتنا القليلة وانتقلنا هناك.

ذهبت لمركز الإحتجاز بمعسكر الرشيد، هناك احتجزوا عددا كبيرا  من الشبان، الذين سُفرتْ اسرهم ، ذهبت هناك لزيارة جاسم اخ هيلا، للإطمئنان عليه، واحضرت معي ما يحتاجه من أغذية معلبة وملابس وأشياء آخرى شخصية، كان جاسم  قويا ومتماسكا، رغم الألم والحيرة الظاهرتين بوضوح على وجهه ونبرة صوته، أخبرني أنه بعد ان علم بتسفير أهله، فكر بالهرب من مركز التدريب، ولكنه فوجئ عندما قُرئت اسمائهم في أحد أيام التعداد الصباحي، أن الضابط  امر كل من سُفرتْ عائلته بالخروج من الصف، فظن انهم يريدون ان يلحقون بهم ، وهذا ما كان يريده، عندما فكر بالهرب..

  يتسائل الى متى سيبقونهم محتجزين، أحتى انتهاء الحرب؟

اعتصر قلبي الألم عندما قال الى متى، فلم تكن هذه الـ متى للسؤال عن الوقت والانتظار، وإنما كانت شيء آخر، يدل على اليأس والإحباط والقهر وفقدان الأمل. عن الضياع الأبدي.. حكى لنا أشياء لا تصدق سمعها في مركز الإحتجاز.. عن أم منعوها من الذهاب لمدرسة ابنتها لأخذها من هناك، كانت تتوسل بهم حين داهموا بيتها، كان أولئك الذين حلت عليهم لعنة التسفير، يتركون طعامهم في مكانه، وملابسهم على حبال الغسيل..

كان جاسم ينظر الي بعينين حزينتين.. رأيت إثناء حديثه أحد الشبان المحتجزين، بالبيجاما، أشار اليه جاسم: هذا من مدينة الكوت، يخرج وقت الزيارة، ويظل يدور ويلف الساحة ينتظر أحدا ما يأتي لزيارته، وعندما تنتهي الزيارة، يصيبه اليأس فيرفع رأسه وينظر للسماء طويلا، وهو منذ احتجازه الى اليوم يقوم بذلك، أشك أنه قد فقد عقله.. لم أخبر جاسم بما حدث لمقبل وهيلا وامه، حتى لا أزيد من المه، على كل حال انتهت المقابلة عن طريق مكبر للصوت، وعند خروجي من باب النظام، كان الحارس عند البوابة ، يتفحص الختم الأحمر المطبوع على باطن رسغي الأيسر، الذي ختمه عند دخولي.

ضعفت أمي كثيرا، وتدهورت صحتها بشكل خطير، في حين ازدادت الحرب قوة وشراسة وعنفا، ايقنت أنها لن تعيش طويلا، وباتت أيامها معدودات، لقد تألمَتْ لجاسم كما تألمتْ لشقيقته هيلا..

كانت امي امرأة قوية الى آخر لحظة في عمرها، حتى في اسوأ أيامها، تحملت شظف العيش، والحرمان في أيام طفولتها المبكرة، وتحدت بصبر عجيب لم ينفد؛ آلام السرطان الفضيعة، في ايامها الأخيرة، كرهت الجزع واليأس، لأنهما ضعف لا يليق بامرأة مؤمنة، كما كانت تقول دائما، ولكن البكاء في نظرها، كان شيئا مقدسا، عاطفة إنسانية نبيلة، يغسل الحزن، ويخفف الكرب المكبوت في أعماق النفس، وبعد ان يؤدي وظيفته، ينسرب تلقائيا بهدوء، في مسارب الدموع والنعاوي الشجية الحزينة،  بصوت الدهلة المشحون بطاقة جياشة هائلة.

الأيام الأخيرة التي عشتها معها، كانت بالنسبة لي دروسا بليغة، في ضبط النفس والسيطرة على المشاعر، وفي نيل السلام الداخلي، اكثر فائدة من تأدية طقوس مرهقة للجسد، علمتني في فترة وجيزة، الشيء الكثير، الذي لا يتوفر للمرء أن يتعلمه، حتى لو دأب على ذلك سنوات طويلة، كانت تقول أن الحياة مدرسة مفتوحة، ما ان تلتحق بها في اي وقت، حتى تجد نفسك مستمرا ومواظبا على التعلم، وما دمت حيا وجادا، ستتعلم كل يوم درسا جديدا، قد تنسى الدرس القديم، الذي قبله، ولكن مع ذلك تبقى فوائده موجودة في الدرس الجديد، وهكذا تتابع تعليمك درسا يتلوه درس، دون هوادة .. حتى الدرس الأخير، الموت، فإذا لم تستوعب الدروس السابقة، ستجد نفسك أمام فراغ هائل وهوة سحيقة.. قد لا تتيح لك سنوات عمرك، خارج أسوار هذه المدرسة، إلا فرص قليلة، ومتناثرة، لتتعلم النزر الضئيل.. لماذا؟

كانت تسأل وتجيب على سؤالها بنفسها.

لأن الأنسان يصيبه التراخي، ويركن للخمول، كما أن طول الأمل يرديه في متاهات الغفلة، ولن يدرك أنه ملاحق بعدو لا يتركه ولا يغفل عنه لحظة واحدة، ليستريح أو يلتقط أنفاسه، يظل في لهاث محموم لا ينتهي، يدفعه دفعا نحو نهايته المحتومة، ومهما تشبثت رجليه في الأرض، أو ساخت أقدامه في عمقها، فأن دفعة واحدة كفيله ان ترديه الى القبر..

الموت الذي استحوذ على تفكيري، كنت أفلسفه لأخفف من وطأته على نفسي، أفكر ان غياب انسان عن ناظريك هو موت مؤقت، وأنت حين تغمض عينيك يموت العالم من حولك، وفي النوم نموت أيضا، ليس بمعنى انطفاء الإحساس والشعور، وخمود الحركة والتوقف عن التفكير، لا.. وانما لأن النائم يقصيه النوم عن تيار الحياة المتدفق، فشعاع الشمس لا يغمره، والهواء لا يداعب وجهه أو يحرك شعره وثيابه، ولا يثير ضوء القمر إعجابه، ولا تسحره نبضات النجوم المتلألئة في الليل.

وكما أن المخاض يسبق الولادة، فكذلك الاحتضار يمهد الطريق للعبور، لأولئك الذين يموتون حتف انفهم، نتيجة المرض او الشيخوخة، كانت امي تريد ان تستقبل الموت، كما يُستقبل الحبيب الذي طال غيابه، كانت كلما شعرت بدنو اجلها، او بعد صحوة غيبوبة غشتها، تحاول ان ترفع نفسها على يديها، لتنهض، ولكن المجهود الذي تبذله يحبط محاولتها،  شعرت انها لا تريد ان تموت مستلقية على ظهرها، كجذع شجرة منخور، طرحته ارضا ريح عاصفة، تخيلتها لو استطاعت الوقوف لفتحت ذراعيها كشراع واحتضنت الموت وابحرت معه الى عالمه المكتنف بالضباب والظلام.. هل كانت فعلا تريد ذلك، ام انها كانت تريد ان تقف امامه وجها لوجه، تدفعه عنها بكل ما تبقى من قوتها!

هذا التساؤل لا يزال يحريني..

 ماتت ولكن لم تمت كما يموت البعض، وهم يصارعونه بضراوة، فينتزع الموت ارواحهم بصعوبة، إنطفأت كشمعة بهزة خفيفة، دون نفخة هواء ضعيفة حتى..

لك الحمد أيها الاله الرحيم، لك الحمد لأنك مسحت كل آلامها مرة واحدة وبلمح البصر..

في ليلتها الأخيرة، احضرت لها عند العشاء، صحن الرمان الذي كانت تشتهيه، وضعته على منضدة صغيرة امامها، وكنت اريد ان أقطع واحدة لها، ولكنها سبقتني، أخذت السكين وقطعت الرمانة الى نصفين متساويين، قمت انا بعد ذلك بتفريطها الى حبات، واكلتْ واكلنا معها.. ونحن نضحك، كانت تمزح مع سيناء وهي تلتهم حبات الرمان بشهية:

" من بين كل أنواع الفاكهة أفضل الرمان، واحببت كل الناس، ولكن حب ابني نوح شيء آخر.."

وعندما استفسرت سيناء عن المقصود بالشيء الاخر، شرحت لها الفكرة، فهمت انها تعني حبا غير مشروط. وبنفس الروح الطيبة والنوايا الصادقة أحبت سيناء أمي، فأحبت في ساعة الوداع الأخيرة، ان تسألها عن مكانتها في قلب المرأة الكبير.

"احبك.. انت ونوح  بمنزلة واحدة قي قلبي."

 بهذه الكلمات الأخيرة؛ عبرت عن حبها النقي لسيناء، لم تقو بعدها على الكلام، بقيت صامته تحملق بسقف الغرفة، وكأنها ترى من خلالها السماء المرصعة بالنجوم وليلها المكتنف بالغموض والأسرار.

وقبيل الفجر غابت عن الوعي، وكانت سيناء طوال ساعات الليل راكعة عند السرير، تقرأ سورة ياسين بنبرة حزينة، تخنقها العبرات، وكان العم سبتي وانا نقف عند قدميها، ومن نافذة الغرفة المطلة على الحديقة الخلفية، لاح ضوء الفجر، اكتسحت خيوطة الناعمة عتمة آخر الليل، وانزاحت ببطء دكنة قمم الأشجار المنتصبة وراء سياج البيت.

 لفظت أنفاسها الأخيرة في بيت غريب، بعيداً عن الناس الذين احبتهم وأحبوها، وعن البيت الذي حمل أسمها، بيت أم نوح القديم، وعن البلدة التي ولدت وترعرعت فيها، وواكبت نموها حتى أصبحت مدينة من مدن الجنوب العامرة بالحياة. فتركت في قلبي لظى جمرة لن تنطفئ أبداً، كنا نحن الثلاثة فقط، الاحياء الشهود على وفاة أمرأه نادرة، من آخر جيل من النساء اللاتي اغدقت عليهن الحياة بكل ما تختزن من قسوة وعذاب، وستضيف الى الجيل الذي بعده مآس جديدة من هذه الحرب الدائرة الآن..

توفيت أمي في أوائل الشتاء، حيث أقبل تلك السنة مبكراً، بغيوم رمادية ورذاذ مطر وموجة برد قارس، كأنها صفعات لاسعة على الوجوه، وحل اول عيد أضحى احتفل به المسلمون، بينما كان القتال يشتد ويمتد من الجبل الى البحر، ومن الأرض الى السماء، ومع استمرار الحرب، كان عمود الحزن الاسود، يرتفع مثل جبل عال يوما بعد يوم، فانتشرت اللافتات القماشية السوداء، في كل المدن، على جدران المنازل والأسواق، والكنائس، والمساجد والحسينات، وستغطي مع استمرار الحرب، كل مكان تقع عليه الأعين، تعلق كرايات تعلن انتصار الموت بجدارة على الحياة..

قمنا بتغسيلها وتكفينها وتشييعها الى مثواها الأخير، لترقد بوادي السلام، استبدلت سيناء ثياب الفرح بالحداد، بكت وحزنت عليها كما تحزن أبنة على أمها.. وبكى الحاج متأثرا على ابنته التي انقلب فرحها الى حزن، ودعتهما بابتسامة حزينة، لأعود لمدينتي العمارة، لكي أقيم مأتم العزاء، وعدتها بالعودة بدون تأخير، وقلت سأتصل بها من هناك..

شعرت بانسحاق مميت، وبرغبة عارمة للبكاء، عندما قلت كلمة هناك..

وبين كلمة هنا وهناك.. ارحمني يا إلهي. فانت تعلم كم تعذبت نفسي، في جحيم المسافات بينهما..

***

صالح البياتي

............................

حلقة من رواية: بيت الأم

 

سليم الحسنيرأى الأمير بشائر النصر، كانت المنابر تلعن سيد الأرز، وكان الهندي الدجّال يدور على البيوت، ينثر العملة الخضراء، فصناديق المال تأتيه من كل مكان، والأمير يبعث رسائله الى شرق البلاد وغربها يحثهم على الزكاة لتزكى أموالهم.

جاء رجل من بلاد الأرز الى السيد الكبير، حدثه عن سيد الأرز ومرضه، وكان السيد الكبير كبيراً بقلبه وطيبته، فرفع يديه بالدعاء يسأل الله له الشفاء، ويبلغ ضيفه أمانة السلام والتحية. فما أن خرج الضيف، حتى أمسكه الأمير من تلابيبه، ورماه بنظرة غضب قائلاً:

ـ إياك أن تنقل حرفاً واحداً مما قاله أبي.

استغرب الضيف:

ـ ولكنها أمانة السيد الكبير، ثم أن الرجل هناك في مرض موته، وسيلقى ربه ويُنسى أمره.

أصابت شرارة غضب طائش صدر الضيف، انطلقت من عين الأمير وهو يقول:

ـ هل تُدفن كتبه معه؟ هل يضيع صوته؟ وهؤلاء الفتية الذين يكبرون على كلماته، هل ينتهي أمرهم؟.. لا والله إلا دفناً دفناً.

ثم استبد الغضب بالأمير أكثر، فراح يهدد ويتوعد:

ـ أما والله لئن قلت حرفاً من كلام أبي، فلأكتبن الى الآفاق بأنك كاذب، فالختم في جيبي والناس تصدقني، وتكذّب ما عداي، أنا مَن يُحدد لهم الناقة والجمل.

خرج الضيف متحاشياً غضب الأمير وتهديده، فهو يعرفه حين تأتيه نوبة الغضب، فلا يعد يرى ما بين يديه. ويزول طلاء الحكمة من وجهه، كما تنزلق عمامته على اذنه اليسرى، فتخرج منه الكلمات قاسية بلا حسيب ولا رقيب.

خرج الضيف يتعثر بالحزن والألم والحسرات، وعاد الأمير الى غرفته، ينفث بقايا الغضب الناري، يتمتم مع نفسه بما يشبه اللعنات، ولم ينطفئ غضبه إلا بعد أن دخل عليه خادمه يحمل كتاباً مختوماً بشمع أسود، فاستبشر خيراً وفضّه بسرعة، قرأ الكتاب مرتين، وهمّ بقول شيء للخادم، لكنه أحجم، وعاد يقرأ الكتاب ثالثة، ثم قال لخادمه:

ـ وزع على رجالنا عشرة عشرة، فلقد تضاعفت منابر اللعن وازدادت وطأة المرض على الرجل.

ثم استدعى خادمه ثانية وأمره:

ـ أبلغ الرجال والطلبة والعمال أن برئت الذمة ممن يدعو له بالشفاء، واكتب الى الهندي الدجّال أن يزيد العطاء ليستمر اللعن ستين عاماً لا ينقص منها يوم.

الرواية لم تنته بعد لها تتمة

 

سليم الحسني

 

وحيد خيونأنا لم أعُدْ مثـلَما تعرِفينْ

لقد غيّروني

وقد زوّدوني بجنسِيَّةِ المُنْتَمِينْ

وقدْ زيّفُوني

تنازلتُ عنْ كلِّ شئ ٍ جميلْ

تنازلتُ عنْ حبِّكم قبلَ سَاعةْ

وعن حُبِّ أهلي وحُبِّ النخيلْ

وعن حبِّ حتى النّهَرْ

تنازلتُ عن كبريائي الكبيرْ

وعن  قُدرَتي والشجاعةْ

تنازلتُ عن حقِّنا في الحِصَانْ

وعنْ حقِّنا في البِضاعَةْ

تنازلتُ عن حُبِّكم  قبلَ ساعةْ

تنازلتُ عنكم جميعاً فلا تَشْتُمُوني

فقد عِشتُ جاراً لكم ألفَ عامْ

ومِتُّمْ ولم تَعْرِفُوني !

ألسْتُم أّخَذْتُمْ مَكاني؟

ألستم قَتَلتُم سُكُوني؟

دَعُوني أكن تافهاً لكي تَعْرِفوني

فإني إذا حِزْتُ تلكَ الصِّفاتْ

ستحكي الإذاعاتُ عنّي بكلِّ اللغاتْ

لأنَّ النزاهةَ ذنبي الكبيرْ

ومَوْتي طوالَ الحَياةْ!

أنا الآنَ لا تَصْرُخِي لو أقولْ

أنا الآنَ لا أنتمي للبشرْ

 تفرّقتُ في حُبِّكمْ في الرِّياحْ

وأنتمْ تعيشونَ مِثلَ الحَجَرْ !

أعودُ إلى الغابِ ؟  كلا ّمُحَالْ!

أنا لم أصَدِّقْ عَبَرْتُ النَّهَرْ

وأهلي وقد ضَيَّعُوني وضَيَّعْتُهُمْ

وراحَتْ عيونُكِ خلفَ الشَّجَرْ

تُنادي عُيوني

تقولينَ لي لا تُبَالِ

تَحَمَّلْ قليلاً ولا تعلمينْ

لقد حَمّلَتْني جبالاً مِن الحُزْنِ تِلكَ الليالي

وقد أرْغَمَتْنِي لِأطْوي حِبالي

وأخرجُ مِن أيِّ شيءٍ بلا أيِّ شيءْ

تَحَمَّلْ إذنْ كلَّ شيءْ

وعِشْ كالطيورِ التي صادَروها

مِن الليلِ خُذْ ساعَتيْنِ

ومِمّا مضى خُذ دقيقةْ

ولا تَجْرَحِ النَّاسَ حتى ولو عَذَّبُوكْ

فأفْئِدَةُ النّاسِ جدّاً رقيقةْ

تَحَمَّلْ إذنْ يا صديقي

لأنَّكَ لو طرتَ حَدَّ السّماءْ

ستَهوي بنفسِ الطريقةْ

أنا (آخْ)

كم عِشْتُ تحتَ الجَحيمْ

وكمْ مِتُّ تحتَ المَطَرْ!

أنا لسْتُ أدري

إذا كان قلبي الذي ضيَّعوهُ

مِنَ الماءِ أمْ مِن حَجَرْ

أعودُ إلى النَّهْرِ ؟  كَلاّ مُحالْ

أنا لمْ أُصَدِّقْ عَبَرْتُ النَّهَرْ

تنازلتُ عنكمْ جميعاً

فلا تبْعَثوا لي نِداءْ

أنا جئتُ للأرضِ قبْلَ الأوانِ

وبعدَ انتِهاءْ

فهلْ تستطيعونَ أنْ تُرْشِدُوني لوَجْهِ السَّماءْ؟

لقدْ ضيَّعَـتْـنِي حَماقاتُ قَوْمِي

وأصبحتُ جدّاً حَـقيرْ

فلم أدرِ لو طارَدُوني على الأرضِ

ليلاً إلى مَنْ أطِيرْ

وللهِ شكوى الطيورِ التي هاجرَتْ للمصيرْ

إلى هذهِ الأرضِ إذْ لا مَكانْ

فأرجوكِ لا تَصْرُخي لو أقولْ

تنازلتُ عن حُبِّكم باللّسانْ

لأنَّ  الذينَ تنازلتُ عنهم أنا قبلَ سَاعةْ

لقد ضَيَّعُوا ساعتي مِن زمانْ

****

وحيد خيون

1-1-1997  لندن

 

صحيفة المثقفهبْ أنّ نجْمَ اللّيلِ دقّ البابَ

 في عزّ النّهارْ

هبْ أنّ شمسًا اختفتْ وقتَ الضُّحى في لحظةٍ خلفَ البحارْ

هبْ أنّ نبْضَ القلْبِ باتَ كساعةٍ ثكْـلى "تَوحّدَ" جَوْفَها الرّقّاصُ من فرْطِ انتظارْ

هبْ أنّ دمْعَ العيْنِ جفّ كرمْلةٍ منبوذةٍ تاهتْ وتاهَ الدّربُ في كنفِ الغبارْ

هبْ أنّيَ المولودُ منْ سنةٍ

سقاني اليتم كأسًا من مرارْ

هبْ أنّني زيتونةٌ نفقتْ بجانبِ بيْتِكَ المشؤوم تنْتَظِرُ القرارْ

هبْ أنّ أوراق الخريفِ تشبّثتْ بالغُصْنِ رغْمَ البرْدِ  رغْم الخوْفِ والخوْفُ انْتحارْ

هبْ أنّني المصلوبُ في جِذْعِ النّخيل ِ

تَضُمُّني الآهاتُ والمسْمارُ ينزف حرقةً

وأنا بدوري أغْرِفُ الأحزانَ

 أصنعُ عِقْدَ ياقوتٍ

 أطوّقُ صَمْتكَ الموْبوء منْ غيرِ انكِسارْ

هبْ أنّ ظِلاّ ملّ منْ دُور المسارِحِ واختفى لَبِسَ العَباءَةَ والخِمارْ

هبْ أنّ شارعَ حيِّنا نَطَقتْ مداخِنُهُ الحيارى في سكون اللّيلِ والأنفاس تلْطمُ خدّها  جمرًا ونارْ

هبْ أنّ في أقصى المدينة حالمًا

أغرتهُ أنثى الشِّعْرِ وهْو متيّمٌ فاستلّ سيفًا وانْبَرى يقْتَصُّ منْ كلِّ القصائدِ دونَ حُكْمٍ نافذٍ والموْجُ في خَلجاتِهِ عكس المَدارْ

هبْ أنّ أحلام الطّفولة أيْنَعتْ وربتْ على كفِّ الرّبى  زهْرًا تعلّمهُ النّسائِمُ خِلْسةً فنّ الحِوارْ

هبْ أنّ أسوار القلوبِ تفتّقَتْ من غصّةٍ

واستسلمت لحتوفها الأسرار إذْ كُشِفَ السّتارْ

هبْ أنّ أسراب الحمام تفلّتتْ منْ قيدها

وازيّنت جيد البراري في عزاء الأرضِ حين تخضّبتْ وتكحّلت رغم الحصارْ

هل يمنع الحذر المعتّق في قواريرالمدى

صوت الرّعود وبرقها إن غنّت الأقدار لحن الموت في عُقْرِ الدّيارْ؟

توحّد قصدت بها "أصيب بمرض التوحّد"

***

بقلم: سهام بعيطيش"أم عبد الرحيم"

 

مصطفى غلمانسرمدية العينين ..

أسبح بلغيبهما على جسور الكمان ..

موسيقى ترطب طقوس المتن والسواكن والرؤى  ..

وترفل في قطوفي الدانيات.

لا يليق الشعر إلا بضبيتي

 لنخب يتضوع بالنشيد الهادر  ..

لفلاة تسابق أرانب الوحشة ..

تستلقي مهطعة سابحة في غمرة الشوق  ..

في قصيدة تجس نبض محاري

أركب موجات القطف ..

وأعود لقاعدتي ،..

منثورا على ظهر الإلياذة 

وأوقظ عبر حدسها هوميروس

كي يرفع للشاربين كأس ملاحم الاوديسا  ..

 ويبلغ ترقوة الصوت الهميس  ..

من شرفة  تطل على شمس وأقحوانة وطليل حاني من ندى الصباح

***

د. مصطفى غلمان