حسن السالميالزّوال

السّراب يبني عرشه على الرّمل. والأرض شهباء عارية من الظلّ. كنّا -والجحيم يأكل الصّحراء-داخل خيمتنا الوحيدة نفترش الأديم، وقد اشتدّت علينا ريح سموم...

بغتة نفرت إلينا ظبية منهكة، وقد تخلّت عن حذرها الغريزيّ. بجرمها الضّئيل وقفت بيننا تمسحنا بنظرات حزينة. همّ أحدنا بالانقضاض عليها، لكنّ أبي أوقفه بإشارة منه. اتّجهت وسط ذهولنا إلى القِربة المعلقّة وتشمّمت ما تحتها من ثرى، فلمّا قرّبنا إليها الماء نفرت إلى الخارج. بعد حين، عادت ومعها جديان كادا أن يحرضا عطشا... مساءً، كانت رائحة الشِّواء تطبق الآفاق...

**

يمــــــامة

هكذا دأب الصّحراء، لا يبرد فيها الجحيم إلاّ إذا هزّها العجاج. من فرطه رقصت الواحة بما فيها فأسقطت بلحا وثمارا. ومن كلّ مكان تحرّكت ذرّات الرّمل في الفضاء، فالتقت على أمر قد قُدِر... كنت أعارك الرّيح، فما من جرفة تراب أروم بها سدّ الثّلامات في السّواقي إلاّ وأذرتها هبَاءً منثورًا، لقد فاض الماء ومسحاة واحدة لا تكفي لردّه...

رقصت نخلة فسقط عشّ به أربعة فراخ فاغرة الأفواه. صررتها إليّ... فجأة دوّى على صدري انفجار مكتوم. في اللّحظة الموالية رأيتها تغالب الرّيح في كرِّها عليّ، فما إن بلغتني حتّى خفقت بجناحيها أمام وجهي وأصدرت زُواءً ملتاعا... تذكّرت أميّ فبكيت.

**

ابن الجِنّ

مستحيل أن يكون من أمّة القطط. لا ندري من أين يأتي ولا إلى أين يذهب. كلّما ظهر إلّا وأذاقنا مرارة الهزيمة وخلّف فينا مزيدا من الغيظ. أسود، رشيق، لا تعجزه الشّواهق ولا الحواجز. يبرز مرّة واحدة كلّ ليلة، يتصفّح وجوهنا بعينه الواحدة في تحدّ سافر، يجمد كصنم، تخطئه أنعلتنا، لا يبالي بصراخنا. فجأة يقفز فيختطف خرنقا ويفرّ في طرفة عين...

تظاهرنا عليه بالحيل، فما أصبنا منه شيئا...

ذات ليلة أفقنا على مواء ملأ الحوش. حينها كنّا نرقد على الرّمل تحت السّماء.. قريبا من أفرشتنا وجدناه يعارك حنشا غليظا، يناور ويلتفّ، وسريعا ما يسدّد ضربته القاتلة...

**

الأحقاف

حسبنا الربّيع سكن هذه الصّحراء فأحياها بعد موت. وخُيّل إلينا أنّ الأرض الجدباء الحزيزة ستخرج أثقالها فيعمّ الرّخاء. لكن ها هي السّنون تمرّ وأنا وجملي نشقّ هذه الفيافي بحثا عن الواحة المزعومة فلا نجدها. كلّما رأينا سوادا يممّنا نحوه حتّى إذا بلغناه وجدنا الخيبة عنده.. نفذ الزّاد أو كاد، وقذف بنا التّيه والتّجوال إلى الرّبع الخالي. إنّه عالم الأحقاف...

الجوع كافر، ونفسي تراودني بذبح الجمل. هو الآخر رأيته يأكل من حوِيَّــــتِه*، وقد باتت نظرته إليّ غريبة مريبة تنذر بالقتل...

.............

* الحويّة: شداد الجمل، تقابلها البردعة عند الحمار.

**

السّاكتون

إذا أقبلت ليالي الصّيف، فررنا من حرّ بيوتنا إلى خارجها. ندسّ أرجلنا في الرّمل ونركب مراكب الكلام إلى الشّرق والغرب. ولا بدّ أن ترتفع ضحكة هنا وصرخة هناك، أو تنشب معركة ما بين طفلين فيتّسع مداها إلى الكبار.

هبّ النّسيم عليلا وهم يتّكئون على أذرعهم في التّراب. من أحجار قريبة نفرت إليهم تشقّ الرّمل سريعة نشيطة. غرست شوكتها في الأوّل، كتم صرخته وتركها تمرّ إلى الذي يليه. لدغت الثّاني فكتم صرخته و...

بعد ساعة، كان السُّم يجري في دماء الجميع...

***

بقلم: حسن سالمي

 

سعد الصالحي

أنا لا أملك غير أن أحيا معك

أية دمعة حزن يا سعد

أية دمعة حزن

سعد الصالحي كان يناديني أبي

(وهذه قصيدة كنت قد كتبتها له بعد أن أهداني ديوانه: "بيان رقم أسكت"، بلاغ رقم "إهرب"

(إلى العزيز "سعد الصالحي" نكاية بديوانه بيان رقم (أسكت

***

بلاغ رقم

إصرخ.. إلعن .. أشتم . إضرب

أو إهرب

..... فأنا قبلك كنت هربت

باحثا عن أرض لا تضاجعها البلاغات

ولا يقد قميصها, من دبرٍ, فحل رئيسْ

هل تتذكر يا سَعدٌ

يوم صفقت لك واقفا

أنا الذي اقترحت ذات يوم إلغاء التصفيق

والحكم على المصفقين

بالإعدام تصفيقا حتى الموت

لم تسألني لماذا صفقت لك واقفا

هو عصف كلماتك الذي دفعني للأعلى

وأنا أخفي وجهي بيديْ

حتى لا يراني أحدٌ مصفقا

فيحكم علي بالإعدام

تصفيقا حتى الموت

سأنتظر يا سعد شهادة موتي

فأنا وأنت لا نملك أن نتطلع إلى فوق,

أو أن نحلم دونها

وقبل ذلك سأشد يدي بوثاق

كي لا أصفق

...

وقد أبلغني بلاغك أن أسكت أو أهرب

فهربت

لأن لساني لا يتقن السكوت

ويداي لا تعرفان التصفيق.

**

يا سعد

ها إني اصفق لك في قبرك

وليقولوا عني

مجنون يصفق لميت

***

جعفر المظفر

 

محمد تقي جونعليكِ سهلُ أن تموتي نائمه

                 والموتُ يسري فيك طيفَ حالمه

فلم تخافي أو تعيشي وقعه

                 بل كنت رغم الحشرجاتِ باسمه

لكنَّ ما أدمى فؤادي أنه

                     من غير توديع تكون الخاتمه

أمِّي وما أجملها مفردةً

                      حرمتُها وكنتِ أنتِ الحارمه

اليتمُ في الكبير أقسى أثراً

                             فقد غدا مدركه وفاهمه

ولم يكن موتك موتاً إنه

                        كدولةٍ تسقط فيها العاصمه

فلسفة الموت التي عن فهمها

                            تقصرُ أفهامٌ تُظنّ فاهمه

لا تخشَ موت الصغر فهو راحةٌ

                       الموتُ في شيخوخةٍ ما آلمه

أبكوا على أمي وان لم تعرفوها

                             فدموع الله فيها ساجمه

بقيَّةُ الطيبة في عالمنا

                   هيهاتِ منها في العهود القادمه

طابتْ من الآلام والأحزان بعد

                     الموت واسترخت بقبر سالمه

ولم تمُتْ لكنها توفيت

                            فقط فذكراها حياة دائمه

اذا القبور بعثرت انتظريني

                            وخذيني للجنان الحالمة

                              ***

محمد تقي جون

 

انعام كمونةلمْ ترتد على أعقابها

حكايا خطاك ….

الممرغة منتصف الجبين

سنام عتمة بأنوار الضفاف

منذ شقشقة فجر القلم

سفر أنت ….

في مجرات النبض …

ابتلاءات مُزن…

تغازل وجعك

تأوهات خيبات كظوم ..

يرتديك ضجيج الزوال .. مواسم تصحر

تراود خضرة النوايا

رصاصات ضريرة  النهار …

تتسلق جفون النور

في دجى برزخ متناه التوسد.….

تشدو ترانيم كاحليك وهج جروح

تكحل مقلتيك لآلئ عَرَقِك الوجل

فينبع بقين* كوثر عذب

يقدح خمائل بردى

أشجان دمشق

**

منذ حرير فطامك من غرة النجوم

ونيف أهِلَةَ الخريف

تثبْ قوافل قفزاتكَ انبعاث فينيق

في سراديب نازقات الدروب

شعاب عروشك مقيدة الياسمين

تستبيحَ سُرُج صمتها سَكرَة قارون

تُبَعثِر لَهفَة عشتروت جورية هذيان

برعيلِ السؤال رِهامَ دموع.. !!

لمَ يتدحرج هدير الكون غزوات استفهام..؟؟

لمَ تنساب دردرة قلبك أخاديد تراب..؟؟

وشرايين زنودك أكاليل سلام ..!

وأنت مهدور النبض لسفوح اللهب..!

مخذولة أعرافك  في تعاريج التخوم..!

تتأجج أنامل حلمك الخديج أسرار يقين

تزف عاتقك المالح

غواية ضااااامرة الدليل

**

حين عطشَ صهيل الغروب

نزَفتْ جَرَعات روحك معشوشبة الحنين

خمائلَ نصر

فشربك رمق الوطن ..ريعان مطر

تعطر فهرسة التاريخ

أبجديات شموخك

بمدن عوسجية العروش

فضية الغسق ….

مسافر أنتَ..!!

تحمل غصن أمنياتك.. حورية اتكاء

حين ذبول المدى

وغضون حروب

تغرسها بساتين فرات

والموت باكٍ

يروي قصة عُشقكَ

لأسدية الطين..!!!

***

نص / إنعام كمونة

.......................

* بقين أسم نبع في سورية معروف بطعمه اللذيذ

 

سلوى فرحنَبْضُ الدَّهْشَةِ

أَفْلَتَ مِنِّي كَوَرَقَةِ خَريفِ

شَهقَاتٌ غَرِقَتْ بِالحُلُمِ

قُبَيْلَ شَغَافِكَ أُرَمِّمُ وَطَناً

أَتَرَقَّبُ إِيحَاءَ قِيثَارَةٍ

نَغَمَاً لا يَفْنَـــى

**

خَارِجَ الأَرْضِ أتَنَفَّسُكَ

وُجُودٌ وَ تَلَاشَي

أُغَازِلُ شَبَقَ الأَثِيرِ

لأَلِدَكَ نَجْمَةً

**

بَخُوْرَاً  دِمِشْقِيَاً

يَنْثَالُ مِنْ خَفَقِ الأَزَلِ

يَمْتَطِي الشُّعَاعَ

شُعْلَةُ الوَدَقِ تَجْتَاحُنِي

رَشْقَةُ عِطْرٍ

**

ذَهَبٌ يَطيرُ

رَعْشَةٌ مَاسِيَّةٌ

تَرْتَشِفُ الأُفُقَ

**

أَجْنِحَةُ البَرْقِ تَأْسِرُ الزَّمَنَ

اخْطُ منِّي  تَرَاتِيْلَ  المَطَرِ

الحُبُّ الكَوْنِيُّ رَقَصَاتٌ حُرَّةٌ

طَيْــــفُكَ

اِلْتِفَاتَةُ وَجْدٍ هَائِمَة

***

سلوى فرح

 

 

نادية المحمداويالحربُ لعبةُ الماكرين

إيرانيون وصهيوامريكيون

وأجناسٌ من البدوِ

المتخمينَ بالنفطِ والضغينةِ

يسدونَ أقطارَ السماءِ

بالرمادِ والحريقْ.

ويقتسمونَ الأرضَ حروباً

طويلةَ الأمدْ.....

لن تشرقْ الشمسُ على

وجوهنا الحزينةَ من جديدْ.

ولن تضعُ الحروبُ أوزارَها

عن قريبْ.....

سنظل نواصلُ الحزنَ يائسينَ

كأيتامِ الفجائعِ المتكررةْ.

طالما ظلتْ الأرضُ رماداً

محترقْ.

تسفُهُ الفصولُ والرياح.

***

نادية المحمداوي

 

سامي العامريعيشُنا شدٌّ وجذبٌ فسباتْ

                       نكتةٌ عندي ولا جيشُ نكاتْ

غير أني لست أنسى لحظةً

                    جعلتْ ما سوف يأتي ذكرياتْ

جرفتْني نحو لا أدري ولا

                      أنت تدرين ولا تدري الحياةْ

طفحت كأسيَ بالخمر كما

                     طفحُ الزورقُ بالماء الفراتْ!

إنني أسكرُ كي أصحوَ أو

                     فاق هَمُّ العمر كلَّ المُسكِراتْ

كلنا يغرق في أوهامهِ

                          كلنا يكسر ناي الصبواتْ

كلنا يضربُ عن ميلادهِ

                          كلنا يخلقُ من ذاتٍ ذواتْ

يتمادى البازُ في نكرانهِ

                        مُقْسِماً أنَّ العصافيرَ الجناةْ

لكنِ القلبُ الذي أحملهُ

                         شاهدَ الفرقَ، أتمرٌ كنواةْ؟

شاهد الزورَ لدى الناس رضاً

                          شاهَدَ الآمالَ دنيا مُشتراةْ

فانثنى من غير أدنى أملٍ

                          مثل حانٍ دون خِلٍّ وسُقاةْ

هامساً في أذن من تيَّمَهُ

                        بحروفٍ فعلُها فعلُ الصلاةْ

لا أبالي وسط موجٍ هادرٍ

                       فليَ الموتُ ولليأسِ النجاةْ !

                       ***

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يد الهوى

                وأنشأتُ صرحاً كل جدرانه جمرُ

ولوحتُ بالدمعات للفجر علَّهُ

                     يسير بإبطاءٍ كما ينزل القطْرُ

فليلي وآهِ الليل ترياقُ عاشقٍ

                    تجاهله مَن باعدوهُ ومن مروا

وحتى وشاة الأمسِ ما عاد منهمو

               حسودٌ يشي بيْ حيث أتخمهم بطرُ

ألا أيها النجمُ الدليلُ أريدُها

                     كما غرَّدَ الريحانُ يجرفه نهرُ

                    ***

طفحَ الفراتُ ودجلةٌ بدموعي

                      فتماسكي لا ترجفي كشموعِ

بل فابسمي للحادثاتِ لأنها

            امتصت أمانييِّ امتصاصَ ضروعِ

حتى إذا ذهبَ الفؤادُ إلى الهوى

                   جعلتْ ذهابي للهوى كرجوعي

أنا مذ ولدتُ عرفتُ أني مائتٌ

                      فوق الصليب وما أنا بيسوعِ

                       ***

سامي العامري - برلين

...............

 (*) أوقات من يواقيت، هو نفس عنوان مجموعتي الشعرية القادمة

 

فتحي مهذبالأشجار لا تذرف الدموع..

حين تحاورها الفؤوس بنبرة القتلة..

وترن أجراس البرقماتيزم

في دم الحطابين..

حين تتكسر ظلالها مثل زجاج الذكريات المريرة..

تواجه مصيرها بضحكة مجلجلة..

تعامل الريح بحكمة الفلاسفة..

الأشجار لم تك عدوانية بالمرة..

لم تهدم ضريح شاعر موهوب..

لم تطلق رصاصة واحدة

لقتل زهرة متظاهرة..

أو لقلق اختلسوا راتبه الشهري..

لم تنفق أموالا طائلة لارتكاب ابادة جماعية..

لا تملك طائرات تجسس..

أو أسلحة ثقيلة ..

لم تقتل عصفورا واحدا أو تطارد نسرا معارضا ..

لم ترم قذيفة باتجاه بستاني..

لم تشتم قانون الجاذبية..

أو تقذف العابرين بالحجارة..

مجهزة بشقق جميلة للطيور..

وفواكه طازجة جدا..

ملابس خضراء مطرزة بأصابع الله

تنادي الفراشات بأسمائها ..

لا تخفي نقودها في الينابيع..

وحدها الأشجار تعي لغة المطر..

وأغاني الرعد الهارب من جند المغول...

فعلا الله يحب الأشجار..

لذلك فهي معمرة جدا..

وسعيدة ومتفائلة حد البذخ..

متجذرة في رحم الأرض..

مشغولة بأوركسترا عصافيرها الصباحي..

لا تفكر في إيذاء الآخرين.

المجد للأشجار المليئة بايقاع الحكمة الأبدي .

***

فتحي مهذب

 

انمار رحمة اللهأي قوة هذه التي تجذبني؟!. تلك التي لا أستطيع مقاومتها. قوة الجذب التي تشدني نحو الهاوية بحبال وهمية!. أتحدثُ الآن وأنا في طريقي ساقطاً نحو الهاوية. من المفترض أن أرتطم بها بعد ثوان، دقائق، ساعات. بعد أن رُميت من شاهق. لكن لحظة الارتطام تأخرت طويلاً حتى عشعش غراب الملل في رأسي. لا أخفي عليكم ففي الثواني الأولى حين رموني، كنت أصرخ بعد أن نشب الفزعُ أظفاره في قلبي. وبعد أن لاحظت المسافة الطويلة التي قضيتها، ولما أزل أتداعى فيها ولم تنته، تضاءل فزعي وأملي في العودة معاً. وحين لا تخالط القلبَ أي مشاعر حتى لو كانت سيئة، سيسري فيه سمّ الملل القاتل. لهذا قررت كسر حاجز الملل قليلاً، والحديث مع من يسمعني حتى لو كانت نفسي. ما الذي يجعل الوقت الذي يستغرقه الارتطام طويلاً إلى هذا الحد؟!. حتى دخل الهواء في كل مسامات بدني!. أتذكر مرة أنني سقطت من شرفة نافذتي، حين كنت منهمكاً بوضع قلادة من الورد النايلون أزين بها منظر المنزل. في تلك الساعة شعرت بآلام انتشرت كالنار في عظامي. وما خفف الألم وقتها أن الأصدقاء والاحبة احاطوني برعايتهم. أما الآن فمصيري مجهول بلا رفيق أو قريب يحيط بي أو ينتظرني على الأقل في الأسفل.  سئمت من شقلباتي في الهواء هكذا كأنني ريشة تافهة تتلاعب بها ريحٌ هوجاء. الغريب أنني لم أعد اتذكر من المنحدر الذي رُميت منه أي شيء، سوى ضحكات من دفعوا بجسمي صوب الهاوية!. الحياة ما قبل المنحدر كلها حُذِفت من ذاكرتي دفعة واحدة. في أول الأمر- أعني الأمتار الأولى أثناء سقوطي- كنت لا أرغب في شيء من الحياة سوى العودة إلى ذلك المنحدر. وبعد أن طالت المدة ما بين المنحدر و القاع، تبدلت رغبتي، وصرت أرغب في الوصول إلى نهايتي راضياً بأي نهاية. وبالرغم من يأسي ويقيني أنني سألتصق بهاويتي عاجلاً أو آجلاً  كذَرْق طير، كانت تمرّ على عقلي نسائم خواطر لطيفة، أحدهم سيفتح مظلة، أو يضع لي فراشاً إسفنجياً ثخيناً في الأسفل، أهوى عليه ناجياً من الموت..؟!. أو على الأقل بعض الأفكار القريبة من نجاتي، مثلاً ، سأسقط على أغصان شجرة كثيفة، أو لعل الأرض التي ستشهد ارتطامي رخوة، طينية، مِلكٌ لفلاح رواها بمياه غزيرة. فتكون ليونتها تلك سبباً ضئيلا قد يؤدي بي إلى النجاة. ومع كل هذه الخواطر الحسنة، تأتي على ذهني عاصفة وسواس عتيمة، تقول أنني متجه بقوة نحو جسم صلد مدبب؟!. من الجائز أنني سأقع على صدر بحر أو نهر، فلا تتكسر عظامي، وتنفلق هامتي؟!. لماذا أفكر أن ما ينتظرني في الأسفل صخرة كبيرة مدببة؟. من الأفضل أن لا أفكر نهائياً بمصيري.. سأغفو قيلاً.. بعد هذه الرحلة المملة نحو القاع، صار لا يهمني بأي شيء سألتصق.. لا يهمني الآن سوى نهاية هذه الرحلة الرتيبة.

 

أنمار رحمة الله

 

ريكان ابراهيمالخالدانِ: صُدودُها وشقائي

                        والزائلانِ: وفاؤها وهنائي

الأقصرانِ: الليلُ عند لقائِها

                      والصبر عنها في مكانٍ نائي

الأبيضانِ: النهْدُ يغفو حالِماً

                       والشيبُ في رأسي بلا حِنّاءِ

الأحمرانِ: دمي على وجَناتِها

                         وبريقُ خدّيها لعينِ الرائي

الأسودانِ: الشعرُ يكسو جيدها

                          والحظُّ  مُلتحِفاً بغيمِ شتاءِ

الكاذبانِ: الصِدقُ في أحلافِها

                      وتسامحي فيها عن الأخطاءِ

الأعجبانِ: تَمزّقي لفراقِهـــا

                          وسعادةٌ فيها لطُولِ بلائي

الأطيبانِ: النوم تحتَ لحافِها

                       والموتُ بين النَحْرِ والأثداءِ

الأخوفانِ: فضيحتي في حُبِّهـا

                          وفناءُ قلبي قبل يومِ فنائي

الأخلصانِ: قميصُ نومي عندها

                      وقميصُها عندي بلا استحياءِ

الأفصحانِ: اللَثغُ في كلماتِها

                        وتعطّشٌ فيها لحرفِ الراءِ

الأدهشانِ: غباؤهــا وأُحِبُّــه

                          وكراهــةُ فيها لكلِّ ذكائي

ضِدّانِ يجتمعان دوماً بيننــا

                     ما أجملَ الأضدادَ في الأشياءِ

                    ***

د. ريكان إبراهيم

 

باسم الحسناويحينَ نبغي عناقَها عانقينا

                          مثلُها أنتِ تقطعينَ الوتينا

إنَّ تقبيلَها علينا حرامٌ

                          ولهــــــذا بلــــوعةٍ قبِّلينا

ولدتنا ولم نشأ أمَّهاتٌ

                       يشهدُ اللهُ كُنَّ حصناً حصينا

غيرَ أنّا نشاءُ من رحمِ الأحلامِ

                          أن يولــــدَ الــورى فلدِينا

لا تخافي إنْ حاملاً صرتِ بالعالمِ

                              طــراً فقد بدا مُسْتَكينا

هو خلقٌ مهذَّبٌ وجميلٌ

                      حينَ في البطنِ يُستعادُ جنينا

تضربُ البطنَ باقتدارٍ يداهُ

                          كي يُناغى ليستدرَّ الحنينا

لم يجئ بعدُ للحياةِ ويبغي

                          أن يُنادى بإمرةِ العاشِقِينا

لم يعرِّف بنفسِهِ قطُّ لكن

                           هو لا شكَّ سيِّدُ العارِفِينا

سالكٌ في الطريقِ دونَ طريقٍ

                           ثمَّ بالكفرِ يقذفُ السالكينا

وصلاحاً يريدُ من كلِّ عبدٍ

                           ثمَّ بالفسقِ يمدحُ الفاسِقينا

ثمَّ ينهى عن الخمورِ وينسى

                          أنَّهُ سكرُ خمرةِ الشّاربينا

ويرى القتلَ أبشعَ الجرمِ لكن

                            هـــوَ واللهِ مُدْيَةُ القاتلينا

ويريدُ الوصولَ ثمَّ إذا ما

                        فازَ بالسَّبْقِ يلعنُ الواصلينا

إنَّ هذا تناقضٌ منهُ فعلاً

                           حدَّ أنَّ الكلامَ يبدو جنونا

باتزانٍ يفكِّرُ الطفلُ حتماً

                     وهو فوقَ الجميعِ عزماً ولينا

ليسَ هذا النقيضُ حقاً نقيضاً

                           بل خطاباً مؤوَّلاً وبطونا

كم عقولٍ تظنُّ كانت حصوناً

                       جاءَ عقلٌ فهدَّ تلكَ الحصونا

كم عيونٍ رأت وجاءت عيونٌ

                          فرأت ما رأتهُ تلكَ ظنونا

كي تظلَّ العيونُ تبصرُ دوماً

                         سَنَنَ الحقِّ كم فقأنا العيونا

قد يكونُ الفضاءُ سجنَكَ أيضاً

                      آهِ من مسخِنا الفضاءَ سجونا

نحن نقداً أعمارَنا قد دفعنا

                          واستلَمْنا كنهَ الحياةِ ديونا

قد نثرنا الحياةَ نثراً جميلاً

                          لم يكن نثرُنا دخيلاً هجينا

وسئمنا من نثرِها بعدَ هذا

                         فجعلناها شعرَنا الموزونا

وجنينا الثمارَ من كلِّ شيءٍ

                  قد غرسناهُ واهتصرْنا الغصونا

نحنُ حتى لو تينةً قد غرسنا

                      ليس نجني إلا العذابَ الهونا

ثمَّ يأتي من لم يعانِ بغرسٍ

                        فجأةً يجني التينَ والزيتونا

ما أكلنا من الطعامِ ويكفي

                        أنَّنا بعدَهم لحَسْنا الصُّحونا

***

باسم الحسناوي

 

محمد صالح الغريسييا عليما بحالهم وبحالي

                  كن حفيظي ومنقذي من ضلالي

قد تداعت جباهنا في حضيض

                         يوم صرنا بِقُدْسِنَا لا نُبَالِي

صال فيه مزمجرا كلّ نذل

                         وظللنا من أمرنا في جدالِ

بين راض مهادن أو جبان

                               ويداه موثوقة بالحبالِ

أيّ خطب يا أمّتي قد دهاكم

                     هل أصبتم في عقلكم بالَخبالِ

أم دهاكم من أمركم ما دهاكم

                           فوقعتم لشرّكم في النّكالِ

أم رجعتم بغيظكم في الصّدور

                          وبكيتم بكاء ذات الحجالِ

عجبي من مدجّج في النّوادي

                        يتهادى مُجَعْجِعًا في النّزَالِ

أَبْعِدُوا طغمة الأراذل عنّي

                     فخصالي محمودة في الرّجالِ

أَبْعِدُوا بؤرة الزّواحف عنّي

                         واتركوني بهالتي كالهلالِ

أَبْعِدُوا عصبة الأسافل عنّي

                    ودَعُونِي في كربتي واعتلالي

أَبْعِدُوا حفنة الدّواعش عنّي

                       فالبلاد مصيرها في انحلال

أَبْعِدُوا بؤرة العقارب عنّي

                          هؤلاء كثيرهم في ضَلال

أَبْعِدُوا بؤرة "الأعارب" عنّي

                         هؤلاء ضميرهم في زوالِ

أَبْعِدُوا سادة المصائب عنّي

                        إذ تعالوا ما فكروا باعتدالِ

أشعلوها على المدى نار حرب

                       أكلت كلّ أخضر في التّلالِ

وتمادوا في جهلهم واستبدّوا

                            فأصابوا بلادنا بالهزالِ

خرّبوها بجهلهم.. التّعالي

                    فاستحال السّلام صعب المنالِ

كلّ نذل مستبسل في عنادٍ

                           وعَزِيزٍ مناضل للمعالي

ليس يدري طريقه من ظلامٍ

                       وخطاه مغروسة في الرّمالِ

كلّما رام في الشّراب ارتواءً

                         أسعفوه بملحهم في الزّلالِ

كم كشفنا من"علقميّ" خسيس

                  فاستجاروا بنسل رهط "رغالِ"

كم أذابوا من"خَشْقَجِيٍّ"بحِمْضٍ

                        أو أبادوا من قائلٍ في مَقَالِ

أو أراقوا بجهلهم من دماءٍ

                          ثمّ داسوا شعوبهم بالنّعالِ 

يا زمانا معفّرا بالخطايا

                     لست أدري إلام يمضي مآلي

هل أموت بحسرتي في فؤادي

                       أم أموت وعلّتي في السّؤالِ

***

شعر: محمد الصالح الغريسي

...................

معارضة لقصيدة: " قرّبا مربط المشهّر منّي" لعديّ بن ربيعة التّغلبي المعروف ب "المهلهل"، أو "مهلهل بني ربيعة التّغلبيّ"، رثا بها أخاه كليبا حين بلغه نعيه. وقد نظم الحارث ابن عبّاد قصيدة على نفس الوزن والقافية يرثي فيها ابنه بجير الّي قتله "المهلهل" بشسع نعل كليب (أي مقابل رباط نعل كليب)، وقد أوفده والده رسولا إلى المهلهل لتجنيب القبيلتين بكر وتغلب سفك المزيد من الدّماء، ولازمتها: "قرّبا مربط النّعامة منّي".

و"المشهّر" و"النّعامة" كلاهما فرس لصاحبها.

 

فلاح الشابندرفي أمسية ٍ زجاجية ٍ

نلتقي السوق فضة ً

على راحة الليلِ ....

ينزلق تلامس الظلال على سراب الزجاج

نمضي ...،

وآدمية عري أبكم

هبة رثاء عريّنا الفاضح

ثياب الفصول

سيدتي الدمية

ليس هناك من يرقبنا

 سوى الصحراءِ

عاريةِ الثوب ِ....

***

فلاح الشابندر

 

انعام كمونةيتشقشق من خنصر فراقك يمام ظلي

تتوااااااالد ...

تتوالد بأنواء غروبك أجنة حلمي ..

أيرتشف حنينك كؤوس الغياب

ومرافئ حواسك دفء أمسي..!؟

كيف تسري تنهيدة نجواي

بنسغ كفيك

اشواقااااا

مهرولة لضوع همسي..؟

كلما تحلق ملائكة انفاسي

بسماء صمتك

تُغرِق غابات غيومك

وجه شمسي..!!

تعااااااال

تعال نلملم حمائم الوجد

بصهيد روحي

لتذوي اجنحة البرد

سواحل لهفة

وتَحُلَ أَنيساً لأُنسي

غداً.. سيشربني الفراق مداك

ويطوق هديل حزنك

معصم رمسي

فيبعثر أنين كلي..!!

***

نص / إنعام كمونة

 

حسين ابوسعودأتأمل التماثيل الواقفة تحت المطر

اراها تبتسم

 وتحت اشعة الشمس تبتسم

اشعر بان الزمان قد انسلخ مني

انسلخ مني المكان

وكأني أقف وسط الماء ولا ماء

وسط الصحراء ولا صحراء

لم اعد اكترث بالمباني المخيفة

الساعة التي في يدي تمشي واقفة

ووجوه الصبايا كما قطع الرخام لا تسبب الاثارة

حتى الشخصيات التاريخية يتحولون الى مواد للتندر

نحن مساحيق بانتظار الرياح

تأكلنا المدن المزدحمة

وكلما زرعت بذورا أنبتت أشجار قزمة

اتوسد حقيبتي الصغيرة في المحطات الرطبة

أخاف من قطاع الطرق

انتظر خروج الناس من المسارح اخر الليل

كي ألقى اخر النظرات على المقاعد الفارغة

واقتنع بصور النهايات

نهايات الأشياء

لم يعد لهذا اللهاث مغزى

والكائنات تنصهر فتكون كائنا جديدا

مضحكا مخيفا

انام على الأرض الجرداء

 فينطبع نصفي الأعلى الذي فيه قلبي على التراب

وإذا نهضت انهض بدون رأسي

أخفي جسدي الذي يمشي بلا وجه بقطعة خشب

اين امضي الان

والبيوت صارت تضيق

والانهار بدأت تجف

نصفي في مدينة والنصف الاخر في مدينة أخرى

اسير بلون بشرتي السمراء نحو نقطة لن ابلغها

أقف امام بائع الاناناس

اساله من اين الطريق نحو نفسي

والأطفال الذين يولدون هذا المساء

مازالوا يحلمون بغد أفضل

وقطعة من خبز أكبر

هنيئا للذين ماتوا قبل هذا اليوم

لقد ملأت الزهور المقابر

التغيرات المناخية ستأتي على كل شيء

حتى الوجنات الوردية

***

حسين أبو سعود - فيينا

 

صحيفة المثقفها نحن

مرة أخرىٰ يحتوينا غبار الفقد، نشربُ التّوق فجرًا ونقلبُ فنجانَ اللّهفة بعد حين...

أي طالعٍ نحاولُ عبثًا اكتشافَه بين فسيفساءَ تشبهُ ملامحَنا.. وأخاديدَ ناغرةً في السواد!

لم أقصد أن أمتلئ بحُبك َ.. لكن ما حصلَ أني وجدتُ نفسي قصيدةً تلهثُ خلفَ حبرك وأنتَ تخطّ بإصبعينِ دمي...وعند امتلاءِ القافيةِ

انتظركَ بحرًا لم يكتشفه أحدٌ سواي

لأكرر تجربةَ غرقي في لجة قصيدتك...

*

لا أزالُ تنقصُني تهجئةُ شفتيكَ لجسدي.. هناك حيثُ تركنا القبلَ مبعثرةً تحتَ مصابيحَ أشدّ كرمًا في منحِ النّور.. في مدينةٍ لم ننتمي لها يومًا

كنا نحتضنُ الفجرَ بقوةِ اللُّقيا وهشَاشةِ أنفسنا، فرحيَن بأقلّ ما ألقتْهُ لنا الحياةُ نحنُ المشردَين على قارعةِ الحُب..

*

أوراقٌ محترقة،

في منفضة السجائر

بقايا قصيدة

***

مانيا فرح /سوريا

 

مصطفى عليالى: (كُلّيّتي في باب المعظّم) في بغداد

نصٌّ قديمٌ حيثُ لا جديدَ لديّ

***

بابُ المُعَظَّمِ أم بابُ السماواتِ

                   أم حضْرةٌ لامَستْ في الروحِ حاجاتِ

بابٌ تُؤدّي الى بابِ السماءِ فما

                             أبهى هيامي بها بعد المُناجاةِ

يَمّمْتُ شطْرَكَ كالغاوينَ يَحْمِلُني

                         بِساطُ ريحٍ طوى وَهْمَ المَفازاتِ

حتى وقفْتُ على الأعتابِ مُبْتَهِلاً

                           تسقي سنا لهفتي نارُ إبْتِهالاتي

ياطارِقاً خِلْسةً باباً بذاكرتي

                         هَيّجْتَ في خافقي المكلومِ دقّاتِ

طُفْ حوْلَ بابٍ لنا في قلبِ عاصِمَةٍ

                         حَجَّتْ إليْها على مُهْرٍ جِراحاتي

ياناطِرَ السورِ ذي روحي وذا خَلَدي

                        صارا على بابِكَ المَسْحورِ ثاياتِ

عُدْ بي الى سورِها فالبابُ مُشْرَعَةٌ

                        عَلّي أُحَنّي بطينِ السورِ راحاتي

وَياليالي الصِبا هُبّي على كِبَري

                         هُبوبَ ريحِ الصَبا صيفاً بليلاتي

للذكْرَياتِ صدىً مِنْهُ إذا إنْدَلَقَتْ

                   قلبي أحَسَّ الصدى من غيرِ أصواتِ

ما حَنَّ قلبي لها لكنْ الى زَمَنٍ

                            عَتَّ الفُؤادَ الى تيكَ المحطّاتِ

مِثْلَ الحنينِ الذي يشقى بهِ جَمَلٌ

                              الى صغارٍ لَهُ تاهتْ بِموْماةِ

جازَ التَيَمُّمُ من طينٍ بِدجْلتِها

                              أفتى بها عَندليبٌ للشُجيْراتِ

ياعندليبَ الهوى رَتِّلْ لنا سُوَراً

                                تروي لقافلةِ الأيّـــامِ أٓياتِ

وإسكرْ على ذِمّتي لا تخْشَ لائِمَةً

                                 قد قيلَ أعمالنا مِرْآةَ نِيّاتِ

قصيدتي من نسيغِ الأمْسِ خمْرتها

                        تُحْيي الفسائلَ إذ شاختْ نُخيْلاتي

تغريزَ واشِمَةٍ إزميلِها بِدَمي

                       أو نَسْغِ مَنسغِها في قلبِ (تاءآتي)

ريشاتها خضّبتْ شوقاً ذوائبَنا

                        فإحْتلَّ ليْلُ الدُجى بيضَ الذُؤاباتِ

أُنْصتْ لِقافِيَةٍ من تَمْرِها عُصِرتْ

                         مُذْ عهدِ هارونِها خيْرَ السُلافاتِ

بَلْ مُنْذُ سوْمَرَ أو أٓشورَ نادِلتي

                          كُؤوسُها نادَمتْ فجرَ السُلالاتِ

أفديكِ نادِلَةً أُمّاً لِأنْبِذَةٍ

                            هزّتْ بِأُغْنيةٍ مَهْدَ الحضاراتِ

يابنْتَ سومرَ قلبي ضاعَ في أكَدٍ

                               غداةَ موعِدِنا بينَ المَسلّاتِ

طيري بِنَا نحو سيْدوري وحانتِها

                     وأسْقِ الندامى على لحْنِ الكَمَنجاتِ

وإسْقِ العطاشى دموعَ الكرْمِ في كَرَمٍ

                    يُرْضي الكِرامَ وهاتي حِصّتي هاتي

سُبحانَ من أسكرَ الدرويشَ من وَلَهٍ

                          فهامَ سُكراً بها من دونِ كاساتِ

في رأسِهِ طاشتْ الصهباءُ ذاكِرةً

                        أيّامَ عهدِ الصِبا الحُبلى بِصبْواتي

أسْرى بروحي براقُ الشوقِ مُنْفَرِداً

                          لا وَحْيَ يُرْشِدُهُ غيرَ إنْكِساراتي

الى رسولِ الهوى المحرومِ من نَبَأٍ

                       غنّى بهِ هُدْهُدٌ في موطنِ (القاتِ)

كم من نبيٍّ بكى في الغارِ وحشَتَهُ

                         من نارِ وجدانِهِ صاغَ الرسالاتِ

أضغاثُ أحلاميَ السكرى تُراوُدُني

                            ليلاً فأشقى بتصديقِ المناماتِ

و قبْلما رَمَشتْ جِفْناهُ أبْصَرَها

                         في موكِبٍ هارِبٍ من فَخِّ أوقاتِ

قد جيئَ سِرّاً بها في هوْدَجٍ ثَمِلٍ

                            أسيرةً مَلَكتْ عَرْشَ الأميراتِ

مُمَرَّدٌ صَرْحُهُ الغافي على لُجَجٍ

                                يزهو بِلُؤلُؤهِ تاجُ المليكاتِ

مُمَرّدٌ من قواريرٍ إذا إنكسرتْ

                          سَكَّ الرُخامُ على البلّورِ شاماتِ

موهومةٌ شمَّرتْ عن ساقِها حَذَراً

                       من موْجةٍ عصفتْ في لُجِّ خيباتي

ما بين مَيْدانِها ، شمسٌ ، ودجْلتِها

                        ذابتْ قلوب الورى فيها زُرافاتِ

ذكرى بها أشرقتْ روحي على جسدي

                           ليلاً تُدفِّئُني في المِهجرِ الشاتي

مْرْ بي مُرورَ كِرامٍ في أزقّتها

                       وسائلِ النهْرَ عن عِطْرِ الزميلاتِ

في كُلِّ رُكْنٍ لنا مِرْأٓةْ ذاكِرةٍ

                       حذارِ ياصاحبي من خدْشِ مِرْآتي

وخفّفِ الوطْءَ حيثُ الدربُ تذكِرةٌ

                                لِأٓنِساتٍ بهِ جرّحْنَ ساداتِ

وأحضنْ جسوراً شكتْ أضلاعُها ألَماً

                              لكنها ما إنحنتْ إلّا لِمولاتي

لعلّ جسرَ الهوى لم ينْسَ دهْشتَهُ

                          لمّا رأى أدْمُعي ترغو بموجاتِ

سِيّانِ جِسْرٌ شكى شُحّاً بدجْلتهِ

                           ومُسْتهامٌ شكى بُخْلَ الجميلاتِ

طُفْ بالبيوتِ التي شاختْ بجانِبِهِ

                          سَعْياً الى سِدْرَةٍ فاحتْ بحاراتِ

فيها الأيائلُ والغزلانُ سارحةٌ

                               كالساقياتِ لنا خمراً بجنّاتِ

يازائرا حيّها إمّاً مَررْتَ بهِ

                          فَبَلّغنْ عبرتي الحرّى ودمعاتي

سُقْياً لِحيٍّ بهِ يوْماً نواعِسُهُ

                           أسقيْننا في الهوى سُمّاً وآهاتِ

هلّا أعَدْنَ صهيلَ الأمْسِ في دَمِنا

                         حينَ إعتليْنا سُروجاً من خيالاتِ

أو ليتهُنَّ لَمسْنَ النارَ في مُهَجٍ

                          ذابتْ بهنَّ وأخفتْ جمْرَ لوعاتِ

كُنَّ إعتذرْنَ لما ذُقْناهُ من كَمَدٍ

                          أو قد غفرْنَ لنا وهْماً بشطحاتِ

في رأسِ جسرِ المنى كُلّيتي رَقَدتْ

                            لها قُلوبُ المها مُدّتْ وِساداتِ

عروسُ دجلتنا من طينها سَرَقتْ

                          جُفونُ أزهارها كُحْلَ الفراشاتِ

جاورتُ أزهارَها والشوكُ في قدمي

                        أدنو ويمنعُني من وصْلِ جاراتي

مُكابراً أدّعي في حُبّها جَلَداً

                              والسرُّ يهتكُهُ دمعُ العَصِيّاتِ

كِبْرٌ يداري بهِ نيرانَ خافقِهِ

                          والنارُ قد احرقتْ ثوبَ المُداراةِ

مولايَ من أسكن الأضدادَ ساحتها

                       ترعى الصقورِ بها بين الحماماتِ

كغابةِ الأيْكِ أضْبتْ بعدما وَرِفتْ

                             يا طارقاً بابها جفّلْتَ ضبْياتِ

بْعداً لِمَنْ جفّلَ الغزلانَ مُنْتهكاً

                        سحرَ الوداعةِ في طبعِ الوديعاتِ

ياطاردينَ معاني الحُسْنُ من بلدي

                        رُدّوا عيونَ المها رُدّوا الغزالاتِ

كُنَّ الأماني إذا ضاقَ الزمانُ بِنا

                             وحينَ جافيْننا صِرْنَ المَنيّاتِ

بالأمسِ أودعْنني من جفْوةٍ عِللاً

                           واليومَ واعجبي يُنْكرْنَ علّاتي

هُنَّ الدواءُ وهُنَّ الداءُ فإحتَرزوا

                    من غارساتِ نوى الضدّينِ في ذاتي

ملَّ المَراسي فُؤادي ثُمّ غادرني

                         الى عُهودِ الصِبا عَوْداً لِمرساتي

لم تُهْدِ بوصلتي في التيهِ أشرعتي

                             فصارَ قلبي دليلاً للشراعاتِ

***

مصطفى علي

 

عبد الهادي الشاويذكرت دجلة في هجعةٍ

فعادت اليَّ طيوف الشباب

تحاور بازاً على هامتي

وتومئ بالعطف نحو الغراب

لعل الذي بيننا قد يعود

وكيف يعود؟

عنيدٌ

بليدٌ

منيع الاياب

تعد السنين التي قد مضت

فمنها جميلٌ

سريعٌ لذيذٌ

ومنها

غليظ

عصيٌ

كئيبٌ

كثيرُ اضطراب

ودجلة في صبحها حلوةٌ

ودجلة عند المساء اجتلاب

ودجلة واضحة كالصباح

ودجلة غامضةٌ كالضباب

ودجلة باسقةٌ نخلةٌ

تداعت عليها صنوف العذاب

وظلت تصارع ما حاطها

وتدفع عن وجهها

العاديات

وتلغي نوارسها المغرمات

بكل هدوءٍ طنين الذباب

فيا  رب دجلة معشوقتي

فأنعم عليها بزاهي الثياب

***

د. عبد الهادي الشاوي

 

رسمية محيبسكوني كما تشائين

هادئة أو  متمردة عاقلة أو مجنونة

تلتقطين الصور مع النساء الوحيدات

تمردي واعبثي بقوانين اللغة

لا تخشي العيون المتلصصة خلف السياج

اضحكي حتى تقعين أرضا للآراء السقيمة

انسي كل ما سمعته من قصائد المديح

التي تعلق على مؤخرات  القصائد الجاهزة

مزقي القواميس واعبثي بالخرائط

كوني مشاغبة رغم هدوئك العقيم

تتأخرين غالبا عن الحضور

وتحلمين ان الامتحان قد فات

والقاعة أغلقت

ولكن حين تكتبين أنسي كل ذلك

وأكتبي مستحضرة الوجوه الشاحبة المنكسرة

وكل الرجال الذين اكتشفت جماجمهم مؤخرا

في المقبرة الكبيرة التي تسمى الوطن

وابكي أبكي بحرقة

لأنك لم تجدي هؤلاء جميعا في ثنايا قصيدتك

***

رسمية محيبس

 

صحيفة المثقفيا لوعةً في الحشا والبين يشجيني..

                    والآه في حسرة قدت شراييني

لما مضى ركبنا والعين دامعةٌ

                في حيرة تشتكي والرملُ يحدوني

والنخل أعذاقه لاحت مودعةً

                     والنهر في أنةٍ قد بات يرثيني

والطير صاخت على أفقي معانقةً

                أصداء صوتي سدىً بين البساتينِ

كانت بقايا الأنا روحاً ممزقةً

               تمضي الى بلدتي للجرف والطين

في جرحها قبلت أعتاب منزلنا

                  شوقاً وردت الى عود الرياحين

أمنتها غرفتي أحلام مضطجعي

                 ذكرى طفولتنا.. كتبي.. دواويني

ماخلتُ يوم النوى والنأيُ يسحقني

                 والدهرُ يكسرني غدراً ويطويني

والظلمُ في أرضنا لازال منتقماً

               يسطو بسيفِ الخنا سطو المجانينِ

نمضي الى غربةِ الأزمان تترعنا

               كأس الضياع بها والعمرُ في دونِ

***

سهاد الراوي