صحيفة المثقفملحمة المنفى (3)

(1) النثيث ..

أراكِ،

تزمينها في شغفْ..

ووجهك نحو السماء

وهذا الوجود السقيم

يعاند

أن تصطفيه

ومهما تمادى النثيث

ومهما ارتشفْ..

من الجمرتين

وعطر الهيام

على صدرها المستدير ارتجف..

**

وعند الضياء الأخير

تعالت صراخات تلك النوارس

وذاك الرصيف

على حاله قد وقفْ..

مع الواقفين

وعبر نداء السفين

الى رحلة العابرين،

وبالبرد،

وغيم السماء التحفْ..!!

وكان الضباب

يموج كقطنٍ نديفٍ

وفي رحمهِ،

مخاضٌ تَعَسْرَ، ودهرٌ زحفْ..

يجر عواء السنين العجاف

ليعبر طوق السراب

وسرب الضباب

يغازل تلك العيون

وتلك الشفاه،

وهذا الرخام العنيد

تحدى الهوى واغترفْ..

من القمتين الشذى

ومن السهل والمنحنى

هيام تهادى

وصبر تهاوى

وعند طلوع الصباح اعترفْ..

**

يا لهذا النثيث الذي طاول العمر

حتى تحدر واعتكفْ..

في قمتين، وما بينهما

من رخامٍ علاه الشغفْ..!!

***

(2) الصهيل ..

أسمع في نومي

حمحمة وصهيلا..

وحين أفتح عيني

لم أجد خيلا،

تبجل حالنا تبجيلا..

ولكنَ آثارها فوق الأديم

تمور بأقبية القلب جيلاً فجيلا..

فضاءً أراه جميلا

وباءً يقول أنا الأوحد

يجول بكل الفضاءات

حتى غدا مارداً أجردا..

يحوم على العالمين بانيابه

ويفتك بالجمال وقطر الندى..

يا لهذا المصير

وهذا الصديد

وهذا القذى،

يسيح، كأن الحياة غدت

محنة في ضجيج الصدى..

***

(3) لا تخف ..

يومٌ يذهب

في طيات الماضي

ولنْ يرجعْ،

ويوم يأتِ

ولا يعرف ما كان يكون

وتظل الأيام تهرول في المنفى

تتراكض كيف يكون،

الكل ضجيج وسكون،

لا احد ينجو

هوذا الإعصار

في دورة مشوار الموت

فلماذا الخوف من الطاغوت..؟

ودنيا الجبروت..؟

ومن هاروت وماروت..؟

ما نفع الأصنام

وتحت ظلال عباءتها

يبتهج اللآهوت..؟

***

(4) طنين الذباب..

في كل الأوقات هناك طنين،

وطنينٌ اسمعه،

ليسَ طنينُ (نحلة بيتهوفن)،

طنين ذباب الجيف المنثورة

في عصر الأقزام،

طنين يتكاثر حيناً في الأرحام

وحيناً، يخمد مذعوراً ..

ثم يلح، ويعود يلح

ولا يترك للعقل صفاءه

ولا للموت نقاءه

ولا يعرف كيف يسود

ولا كيف يقود

يظل يطنطن منبوذا مدحورا ..

***

(5) الفارس ..

اراه كلما ينهبْ،

خلافٌ بينهم ينشبْ

ويبقى الراكب الأشهبْ

يعين الخيل إذ تتعبْ

لكي تعدو،

يظل الشوط مشدودا

فهل يُعقْلْ،

شباب في الفلا يُقْتَلْ

إذا ما امطر الغيمُ

نرى الأرضين لا تحبل..

فلا نفع بمن قال ولا يفعل..

ويمضي في لحون ما لها محفل

ويرسم صرحه الدامي ولا يخجل..

***

د. جودت صالح

20/06/2020

 

حسين فاعور الساعديلعينيك اكتبُ كلَّ القصائدِ،

أغمضُ عينيَّ،

أستنشقُ الأوكسجينَ ثلاثاً،

بعمقٍ،

أغادرُ أوردتي ألداخليةِ،

أو كبدي،

ربما لا أغادرُ،

ابحثُ عن قدميَّ،

أحسُّ يديَّ،

رؤوسَ ألأصابعِ،

أطرافها.

جسدي سالماً لا يزال ُ،

يبللهُ النفط ُ،

أو ربما الدّم ُ،

شكراً لجامعةِ الدولِ العربيةِ !

أبحثُ بين الضلوع ِعن القلب ِ،

لا قلبَ بين الضلوعِ،

تذكّرتُ:

ظلَّ هناكَ – على بعد عمرٍ،

على صخرةٍ في الشغور،

على موجةٍ في الجليلِ،

على زهرة ٍ في دمشقَ،

وقد لا يكون هناكَ !

ألم تأخذيهِ ؟

أحس بساقيّ مبتورتينِ،

أحسُّ يديَّ وحقلَ ورودٍ،

أنا في ظلام ٍشديد أمام الحريق ِ،

وبعض التفاصيلِ،

أستحضرُ العقلَ لا عقلَ،

لا شيء يشبهُ هذا الجنونِ،

أحاولُ في ساحةٍ للرحيلِ .....

-2-

دمشق البلادُ،

وكل البلادِ دمشقُ،

جميع المحطاتِ،

بعض النقاطِ،

الفواصلِ،

بعض العباراتِ :

عيناكِ أجملُ ما في الوجودِ

وتحتهما  وردتانِ

أرى جسدي غارقا لا يزال،

يبلله النفطُ أو ربما الدّمُ،

يرحلُ بعضُ الطغاة ِ ،

ويأتي طغاةٌ .

أرى بلدي مثل كل البلادِ،

ولست أنا مثل كل العبادِ!

وأرقبُ من فتحةٍ في الجدارِ،

أو السقف ِ،

أرقبُ أشلاءَ جدي،

وألعابَ أختي،

وأبصر أنقاضَ بيتي،

ودفترَ رسمٍ،

وخارطة ً للتمني !

وبعض التلاوين منعوفة ٌعند كوم الرمادِ ....

انفجار هنا،

وانفجار هناك َ،

وبينهما جثتي .....

أو محاولةٌ للحياةِ

تناثرت بين العناوين :

قاهرة ٌ أم دمشقُ ؟

طرابلسَ تنأى،

وصنعاءُ حبلى

المنامة يا غصة في الضميرِ

تقطّعتُ بين العواصمِ

بغدادُ نحن الذين قتلناك ِ،

نهربُ بين التفاصيل،

في غمرة الموتِ،

بين الحرائق ِ،

في كل عاصمةٍ ساحة ٌ للبقاءِ ،

وصومعة للبغاءِ ،

قبائل كنا ونبقى !!

أحاولُ،

لا موعداً للرجوع ِ،

ولا حلماً في الرحيلِ،

وفي كل عاصمة كربلاءُ !

وعيناك ِأجملُ ما في الوجودِ ...

-3-

أسافرُ،

اتركُ ما ظلَّ في الجسم ِمن ألمٍ

لا أريدُ سوى قبلتينِ :

على ومضةِ الصبحِ فوق الجفون ِ،

على عبق المستحيلِ...

تظلين أنت الحبيبة ُ،

قد يطلقون الرصاصَ على قبلة ٍ في الجبين ِ ....

وتبقين أنت الحبيبة ُ

يعطون كل الفتاوى لعاهرةٍ في الطريقِ،

حفاظا على اسم العشيرة ِ،

أنت الحبيبة ُمهما تمادوا !!

أتبكين أن حملتني الرياحُ إلى وطنٍ،

أو تلاشيتُ في ومضةِ الانفجارِ؟

أتبكينَ إن سقطَ السقفُ،

أو مالت الشمسُ نحو طرابلسَ؟

شُلّت ذراعي ....

وبيعتْ خيولي

دمشقُ ألا ليتني أستطيعُ البكاءَ،

لتبقينَ أنت الرجاءُ

طرابلس َ يا ليتني لم أعكرْ رمالَكِ باسم الشبابِ وبالعهرِ والشعرِ،

يا ليتني أستطيع البكاءَ

على نعجة ٍ تحتمي بالذئاب ِ

أتبكينَ إن لم تدبّ بيَ الروحُ؟

في الحالتينِ

تظلين أنت الحبيبة ُ،

أو رعشةُ الروحِ ...

ما أهونَ الحلمُ لولا العواصم ِ

ما أهون الحلمُ لولا الكراسي

وما أهونَ الحلمُ لو لم تكوني.

أما اشتدَّ هذا المساءُ لنبكي

.....سنبكي قليلاً،

لأسكنَ حضنك

ألا يُفرج العاشقينَ البكاءُ ؟

أو الموت من شدةِ القهرِ،

من كثرة ِالذلِّ،

في غمرة النفطِ،

ما أكثر الفاسدينَ \ العباءات ِ،

ما أكثر المفسدينَ !

أثور فيذبحني الفقراءُ

-4-

نسيتك حيناً،

لأغمض عينيَّ،

أترك للجسم ِأن يترهلَ،

أو يترجّلَ،

استنشق الأكسجينَ،

الهواءَ،

....بعمقٍ !

أُعيدُ إلى قدمي المسافاتِ !

يا عاهةَ النفطِ

بالأمس ِسرّحتُ خيلي،

وأحرقت ُ كلَّ القصائد ِ،

عذرا أبا الطيب المتنبي،

نسيناكَ،

أغرقنا النفط ُ،

والجوع ُ،

والذلُ،

والقهرُ،

والعهرُ،

والفقرُ ....

كل الأمور طبيعيةٌ

كل شيء على ما يرامُ :

جيوش تحاصرُ أغنيةً

أو تطارد حلماً !

رصاصٌ يصوّبُ نحو الرؤوس ِ

على اللافتاتِ

جيوش تحاربُ شعباً

تطارد حلما ً....!!

نجوعُ ونعرى،

ونبني القصورَ وراءَ البحار ِ

نموّلُ دورَ الدعارةِ

كل عواصمُنا كربلاَءُ،

قبائلُ كنا ونبقى !!

وأبصر من فتحة ٍ في الجدارِ،

أو السقفِ،

أبصر كل الذين يموتون عند انفجار الصواريخِ،

أو بعد موت العصافيرِ،

أو قبل حفل انتخاب الرئيسِ

وأبصر بغداد حافية القدمينِ

(ستنتعل ُ المجد عما قريب ٍ)،

طرابلسَ عارية تحتمي بالغريبِ،

وصنعاء ذاهبة ٌ في الطريق ِ

عواصمُنا كربلاءُ !

وأبصر من فتحة في الجدار أو السقفِ ،

أبصر عاصمة ً للعواصم ِ

لن يسقط السقفُ

أجمّعُ نفسي

وأبصرُ بعض القذائف أو حاملات الجنودِ

وأبصرُ بعض نساء طرابلسَ يحملن أشلاء أطفالهنَّ،

ولا ينتبهن كثيراً،

يمارسنَ بعض التقاليدِ،

لا ينتبهنَ كثيراً،

يُثرن امتعاض الصواريخ،

يبحثن بين الركام ِ،

يفتشن عن لعبةٍ،

أو يفتشن عن دمعةٍ \ طفلةٍ،

ربما طحنتها الجنازير ُ،

مريولها المدرسي هناكَ،

وبعض الدفاترِ....

يا أيها الحالمون بقرب القيامة ِ،

لم يحن الوقت بعدُ،

جميع العروش مدوزنة ٌ،

والكراسي مثبتة ٌبانتباهِ

وحرصِ ذوي الأمرِ والنهيِ خلفَ البحارِ .....

-5-

على ألفقراءِ التزام الهدوء أو الصمتَ،

لا نفط َ،

لم يحن الوقتُ بعدُ،

فنحن المصيبة ُنحن الضحية،

لم يحن الوقتُ ما دام نفط ٌ

نصلي،

ونكفرُ،

نبحث ُعن لغةٍ كالعصافير ِ،

نبحث عن زهرة ٍ كالفراشات ِ،

عما تبقى من الأفقِ ِ،

أو ما تبقى من الجسم ِ ....!

نخشى التفوّقَ

نبحث عن لغة للتفرّق ِ،

عن سبب للتمزّق ِ

نبحث عن وطنٍ بالتفاوضِ !

عن سبب ٍ للتناقض ِ،

نبحثُ عن موقعٍ للخيالِ،

وعن بئر نفطٍ لنزني.

أضعنا وضعنا

نغني،

فنقتل ُمثل الذباب ِ ....

جنازاتنا لا تثير الضجيجَ،

نودّعُ أبنائنا بهدوءٍ

نفتّشُ عن موقعٍ للخيال ِ

وعن فرصة للنجاة ِ ......

وزاوية ٍ للبقاءِ !!

نصلي ولا ننبذُ القاتلينَ،

نصومُ ونزني

ونحفظ عرض القبيلة ِ !

عصفورة فوق غصن المساء ِ،

وفي الأفق حلم ٌ .....

نمزقه ُ وندافعُ عنهُ !

فقدتُ أبي،

وابن عمي،

وعمي !

فقدت ذراعي اليمينَ

وأمي !

فقدت الصباحَ،

فقدت ذراعي الشمالَ،

وعتبة بيتي !

قُتلت ُ لتبقى القبيلة ُ

ظلي على الرملِ مال َ

تئن الطفولة تحت الجنازير ِ،

تصرخً،

والعصرُ مالَ،

ليختلطَ الرملُ بالعصرِ،

يختلطَ الرملُ بالدمِّ، بالنفط ِ،

يمتزج الدمُّ بالوردِ

لا لحظة ً للتخيُّل ِ،

لا فرصة ً للبقاءِ،

ولا أفُقاً للتمني،

قبائل نحن ونبقى قبائلَ،

نَقتل ُ باسم القبيلةِ،

نَنهبُ باسم القبيلة ِ،

نَحمي المزابلَ،

نحرقُ كلَّ الورودِ لتبقى القبيلة ُ !

................................

ما زلت أغمضُ عينيَّ .....

استنشق الأوكسجينَ

 

-6-

أغادرُ جسمي إلى ساحة ٍ في دمشق

إلى طفلةٍ في طرابلسَ

تقصفها الطائراتُ

أما زلتِ صنعاءَ بين النشيد وبيني ؟

مررتُ على شاطئ الأمنيات ِ

أظلَّ لنا حُلُماً ؟

كي نعودَ إلى الذاتِ،

أو نستقرَّ على الأرضِ،

دارت بنا الأرض ُ،

أين هيَ الأرضِ

مرَّت بنا قبل عرس الرحيلِ،

مررنا بها بعد موعدها،

من تضاريسها،

من ملامحها، من تفاصيلها،

ربما غادَرَتْ في زمان الترهُّلِ ِ،

في غمرة الكلماتِ،

تلاشتْ ونحن نُعدُّ الكراسي،

وندفع نفطا

ونبحث عما يفرقنا ........

أنا لم أكن ذات يوم أنا

-7-

وأفتح عينيَّ،

أستنشق الأكسجينَ،

أعدُّ الأصابعَ،

أحصي الضلوعَ،

أعود إلى النيل ِقطرةَ ماءٍ

أعود إلى ساحةٍ في دمشقَ،

إلى موقع ٍ في طرابلسَ،

لا حزنَ،

لا دمعَ،

هذا زمانٌ جديدٌ :

سننفضُ كل الغبار ِ

وكل الهوان ِ،

السقوط َ،

التردي.

سيصبح للفرد شأنٌ

وللأرض شأنٌ

سنكتب تاريخنا من جديد ٍ

سنزرع قمحا كثيراً

سَنَحيى كما الآخرونَ

سنكتبُ كلَّ القراراتِ في البيتِ

لن يسقط السقفُ

...أكتبُ من اجل ِعينيكِ كل القصائدْ.

***

حسين فاعور الساعدي

.........................

* من ديواني "عفو كل هؤلاء" - 2014

 

صحيفة المثقفسفن تبحر للمجهول

قصائدي

تحمل في جذوتها أُفول

ترحل والغيظ شراع

والمجذاف

من وهم مجدول

كلمات تترى الكلمات

أفكار من حمأ مسنون

ومشاعر

تزهر في العتمة

تتفتح مثل الأصداف

عن لؤلؤة في الأعماق

قد يحظى بها شار أو مفتون

أو تستأثر ببريقها

منون بعد منون

سفني

شاحبة المرساة

شدت في ليل

بالقسوة مأهول

لا طرب يسمع راكبها

لا رقص

لا ضحك مقبول

أوزان الشعر مبعثرة

نجوم ثكلتها نجوم

وقلائد ما عادت " موضة "

و وشاح كسحته  الومضة

وطيور

نسيت نغمتها

عشقت صوت غرابٍ

لا حظيت بالحب

ولا

لحقت بالمزنة مزجاة

مطرا ... عطرا ... وغيوم

سفن ترحل للمجهول

وأنا نسي منسيٌّ

ما بين الدفة والحيزوم

***

سمية العبيدي / بغداد

27/6/2020

 

 

عبد اللطيف رعريغَمزة منْ عينٍ لا تنام

فجرٌ

 يقترب من فوهة الفرنِ

بلسانٍ أطول من ضفيرةِ

رهيبة ...

تجلّتْ ملاكًا في سماء اللهِ

 فأقسمتْ على حملِ المتاهةِ في صدرٍ ثقِيلٍ

غمْزة لا تهابُ النّار....

 ولا تكْشفُ

عن حالِ المُصابِ

وضلالٌ لا تسلكُها الفراشات

 إلا حينَ يُهددُ النّهرُ

 بالهُروبِ ...

وأنا واثقٌ من جُرحي أدوسُ مرُوج النّهارِ

 بكعبٍ خشبي

صِلتي بالرُعبِ تأكلُ تموّجِي ..

تهيُّجي...

تدرُّجِي...

 بخُروجِي عن طواعيةِ الألفةِ...

 لأغالط هندسياتِ القلوبِ الجائعةِ

 وارمِي انكساراتِي على حبالٍ من صدى العُمرِ

 هذا الزَّمن بِوحشتهِ

وهذه الأطيافُ بمناقيرَ حجَريةٍ

 تصنع عمرًا للمزايداتِ

وعُمرًا لقوافل النّملِ

 فترشق الجبل  حبة  تلو حبة

 لتسكن المغارات

وهذا أنا أبُو الأشباحِ

 شيطانُ العصورِ

  برأسٍ من وحلٍ ورمادٍ

 لا أخِيفُ سوى الأعشاب

 فهل حتفي سيخفي عن الغابة ظلام السماء؟

 أم سيتيح للغربانِ ساعة رقصٍ

 للعقبانِ حالة قصفٍ...

وللعميانِ بصَّة عمرٍ

أكره الغمز الحارق...

 والغمز الذي يطال بُرودَ القلبِ

فلستُ صانع فرحةٍ

حين أتغنى بسذاجة السلاطين

ولا مُدرك لقرحةٍ

 حين أغضُ بصري

 عن خصرِ

امرأةٍ....

أسقطت بالميالِ المُبالغِ كلَّ المرَاهقينَ

وهي تقتنِي خبزَ الصَّباح

 منٍ بقالِ

 الحارَة

غمزة تخفي ضوء القُبورِ

لتتركَ للميتِ حظهُ في البُكاءِ

 حظهُ في تنهيداتٍ أخيرة

فأم الأفاعي ليست دُميةَ عمياء كما يظنُ النّورسُ الصغيرُ

الغمزة هي غمرَة قشٍّ

 في حلقِ ثعبانٍ

الغمزة هي شُعلة منْ ثلجٍ

 تحتضرُ كل صباحٍ

أمام دفء عاشقٍ يحلم ُبالجنَّةِ

وفي مسْمعهِ أغنياتٍ بليدة ...

أكرهُ الغمز حين يسُوقني وراءَ ورطةٍ

 تعرِّي ضُلوعِي

  للصِّرٍ

فمِنْ ليلتِي أنامٌ مَكلُومًا

 بالجًمرِ

ونصفُ الشَّهادة تلعثم حزينٌ

فما أنا كافرٌ فألَامُ

وما أنا بمُؤمنٍ في ثوب نعُمٍ

 يقدسُ الأحلامَ

تغامزت المولدات ليلة مَولدي

مع جدتي بفضولها المعتاد

فأسقطوا عني ستارا من السّماء

فتغامزوا ...

وتهامزوا ...

  صوّبوا القذائف لمحكيات الطفولة

 وأنا صبي بدأت بالظهورِ ولا حرجَ في تهورِي

الغمزةُ كَمشةُ عينٍ

 زائغة تزرعُ الضياعَ وسط الرُّعاعِ

 فلا تحكمُ صلحًا

 ولا تبطلُ طلحًا....

***

بقلب الشاعر عبد اللطيف رعري

 

غانم العنازقـالــتْ أراك شـــارد الأفــكــارٍ

         مــستـيـقـضا ً تـنهضُ في الأسـحـارِ

فـفي الصباح قائـمـاً في هـمـة ٍ

       مــســتـعــجــلا ً تـهــرع لـلأشــجــارِ

بين الرياض سائحا ً في غبطة ٍ

         مـسـتـرسـلا ً تـشـدو مـع الأطــيـــارِ

وفي الطريق ماشـيا ً في خفـة ٍ

       مـســبـــحـــا ً تـهــمــس بــالأذكـــــارِ

فـإن أتى أحـفـادنـا شـا ركـتهـم

        لـهـــوا ً وقــد ســـاويـت بالأعــمــارِ

عند الغروب جالـسا ً في وحدة ٍ

       مـنـتــشــيــا ً تــصــدحُ بـالأشــعــــارِ

وفي الليالي ساهرا ً في خـلوة ٍ

        مـسـتـرخـيـا ً تـنـظـرُ فـي الأســفــارِ

فان علا سـمعك َ لحـنٌ هـادئٌ

        طــربــتَ مــهــتــــزا ً مـع الأوتـــارِ

إني أخاف أن يقولن ْ بعضهـمْ

        ذا زوجــكِ مــســتـغـــربُ الأطــوارِ

فـقـلـتُ لا تـصـغــي الـيهـم إنـنـي

                 لا آبـهُ لـلـجـاهــلِ الــمـهــذارِ

أمـا عـلـمـتِ مـن قــديـمٍ أنــهُ

        لـن ْ تــنــتـهـي ثــرثــرة الـثــرثــارِ؟

هذا الوجود آية في الـروعـة ِ

       هــلا ســبــاهـــم رونـــق ُ الأزهــارِ؟

وتـلكم ُ الأشجار تزهـو جـذلـة ً

       ضــاحــكــة ً تــأخــــذ بـالأبـــصــارِ؟

هـلا عـلتهم من جـمال ٍ هِــزةٌ؟

          فـالــروح قـد تــهــتـــزّ لـلـمــزمـارِ

والروح قد تخبو فلا يحلو لهـا

           إلا ســـمـــاع رنــــة الــــديـــنـــارِ

والنفسُ قد تسمو كنجمٍ ثاقـب ٍ

         والـنـفــسُ قــد تـرســو مـع الأقــذارِ

بعض القلوب تنجلي من بسمة ٍ

       والـبـعـض تـقسـو قـسـوة الأحــجـــارِ

إني سأمضي في حياتي هكـذا

        إنـــي أراهـــا عـــيــشــة الأحــــرارِ

           ***

غـانـم الـعــنــاز - واتــفــورد

تـمـوز 1997

منشورة في جريدة العرب الصادرة في لندن بتاريخ 1 – 8 - 1997

 

كريم الاسديلا تكتبوا .. اِني سأكتبُ قائـــــلا

ولسوفَ تسمعني النجومُ جلاجلا

 

ولسوفَ تنفذُ في الأديمِ قصائدي

ولسوف أسري في الأثيرِ قوافلا

 

لا تكتبوا .. انَّ المُحَسَّدَ عائدٌ

يعدو بأرثِ أبيه مزناً هاطلا

 

ها عدتُ، كلُّ الماءِ أحملُهُ معي

مُتَفَرِتاً حيناً وحيناً داجِلا **

 

اِنْ شئتُ كنتُ السلسبيلَ مُداوياً

أو شئتُ أمسيتُ العبابَ القاتلا

 

أو شئتُ أقمعُكمْ ـ وأقسمُ جازماً ـ

لتزلزلتْ هذي البطاحُ زلازلا

 

أو شئتُ فجّرتُ السدودَ بخافقي

حتى يسيلَ سواقياً وجداولا

 

هذي الحقولُ جهودُ غرسي أثمرتْ

بالوجدِ وانتظمَ العقيقُ سنابـــــــلا

 

سارتْ بآلائي السعاةُ سعيدةً

واستقبلَ القمرُ التمامُ الزاجلا

 

وقياثري أسرتْ بكلِّ مموسقٍ

لتحطَّ في شجرِ النجومِ بلابلا

 

أبناءُ سومرَ سامرونَ وأحرفي

وبناتُ سومرَ زغردنَّ هلاهلا

 

في كلِّ وادٍ جُنَّ جِنُ قصائدي

فبعثتُ للجِنِ العجيبِ رسائلاْ

 

اِنْ قلتُ قالَ الحقُ قولةَ صابرٍ

جاشتْ كتائبهُ فأزهقَ باطلا

 

هذا أنا قلمٌ وسيفٌ حـــــــــدُّهُ

ولتمطرِ الدنيا عليَّ  نوازلا!!

***

 

أوقدتُ من زهرِ النجوم مشاعلا

ونسجتُ من صمّ الجبالِ سلاسلا

 

من موطني وطنِ السماءِ ومائها

قرأَ النبيون الحـــــــروفَ أوائلا

 

والبرقُ  أولهُ سحائبُ قدْ سرتْ

مني، وداخَلَها الضرامُ جحافلا

 

فالماءُ مائي، والضياء مواكبي

والنارُ ناري بُكــــرةً وأصائلا

 

ريفي مجراتُ السماءِ، وجدولي

دربُ التبانةِ قادمـــــاً أو راحلا

 

وعلى ضفافي قريــــــةٌ نهريةٌ

هيَ روحُ هذا الكونِ حلَّقَ للعلا

 

لا تكتبوا، اني العراقُ شدا بِهِ

سعفُ النخيلِ مكابراً، متمايلا

 

يستافُ من أسس العناصرِ روحَهُ

ريحاً، ومِن وهبِ الجِنانِ سوائلا

 

ويمدُ في شمس الشموس قوامَهُ

فيضيءُ فيهِ  سوامقـــاً وفسائلا

 

دُحرَ الزمانُ اذا تطاولَ مظلمــــاً

نجمي ضميرُ الدهرِ لا، لن يأفلا

 

واذا خسرتُ فكلُّ نجمٍ خاســــــرٍ

والكونُ من بعدي سيرحلُ زائلا

***

بالوافداتِ الى الفـــــــؤادِ أيائلا

والجاعلاتِ مِن الشغافِ موائلا

 

أيقظتُ سومرَ بالقصيدِ من الردى

وبعثتُهـــــا قلباً يقبِّـــــــــــلُ بابلا

 

أعتى من الأمواجِ تجرفُ ساحلاً

والعاصفاتِ تهزُّ كوناً كامــــــلا

 

مِنْ كلِّ باسقةٍ تطايرَ شَعرُها

نهبَ الرياحِ مؤجَلاً ومؤجِلا

 

مِن كلِّ فاتنةٍ أرومُ عناقَها

فتمدُّ عنقاً أهيفاً متطاولا

 

وأمدُّ كفّاً كي الامسَ اصبعاً

وصلاً، فيمتدُّ الحريرُ أناملا

 

سبعـــــــــــونَ مرتزقاً أحالوا بيننا

والوصلِ، اذ جعلوا الدسائسَ حائلا

 

عسسٌ وسريّونَ مناعو هوىً

كرّاهُ حبٍ كي يجفَّ ويذبلا

 

لكننا أهلُ الغرامِ وروحُـــــــهُ

و بنا فضاءُ العشقِ يسمرُ آهلا

 

قدْ جبتُ رفقتهنَّ آفاقَ الدنى

أفْقاً فأفْقاً مستحيلاً شامـــلا

 

لا ينتهي حتى يعــــودَ بدايةً

وليبدأَ التطوافُ شوطاً كاملا

 

فاذا سمونا نحوَ أبراجِ العلا

متجاوزينَ حواسداً وعواذلا

 

أزرى بنا نوُّ السماءِ بضربةٍ

عجلى وقد ثارَ المحيطُ  قلاقلا

 

فهربنَ ينشدنَ الأمانَ بِعزلةٍ

وبقيتُ وحدي آملاً متفائلا

***

أعطيتُ حبَّاً للنســــــــــاءِ أقلَّهُ

ما يجعلُ البيدَ العجافَ سواحلا

 

خضراً يضوعُ بها العبيرُ وتزدهي

فيها أفانينُ الثمارِ مشاعــــــــــــلا

 

ويفجِّرُ العشّاقُ فيها حبَّهــــــم

قُبَلاً تعادلُ في الوصالِ قنابلا

 

لكنَّها أبديَّةٌ فــــــــــي فعلِها

فيها غدا ماءُ الحياةِ مناهلا

 

ومَنحتُهنَّ مِن الفعالِ روافداً

ومِن  الكلامِ  كواكباً ودلائلا

 

ورسمتُ فيهنَّ السماءَ، دروبُهـــــــا

زرقٌ وخضرٌ: كمْ وصلتُ فواصلا !!!!

 

ما غبتُ لكــــــنْ غيَّبوني عنوةً

وبقيتُ وصْلاً واصِلاً متواصِلا

***

شعر: كريم الأسدي ـ برلين

...........................

ملاحظات:

* كتبت هذه القصيدة ـ المقطع الأول منها ـ في برلين في 30.12.2015  أي قبل انتهاء العام 2015  بيوم واحد ! ونشرتها بعد ذلك بيومٍ واحد ونوهت أنها ستكون نواة لمشروع شعري طويل . وها أنا الآن أضيف اليها.

** مُتَفَرِتٌ وداجل هما اشتقاقان من الشاعر كاتب هذه السطور من أسميّ دجلة والفرات .

*** الأِبيات مابعد الخط الفاصل الأول أو المقطع الثاني أضفته قبل أسابيع من تاريخ  24  نيسان 2019 . أما الأبيات ما بعد الخط الفاصل الثاني أو المقطع الثالث فكتبته في غضون أسبوع قبل تاريخ اليوم الثامن من أيار 2019 .

أما السباعية الأخيرة فهي من تأليف يوم 26 حزيران 2020  في برلين . وسأبقى أضيف لهذه القصيدة بين حين وحين كلّما طاوعني الشعر .

 

 

عدنان الظاهرأولاًّ ـ

مَنْ يرفعُ أوزارَ التوقيتِ الزاري ؟

الكونُ منازلُ طَقْسِ الأبراجِ الحُسنى

عالي شوقي سهمُ النارِ

يمضي بَرْقاً خطْفا

سمّوها ما شئتمْ وَعداً خُلّبَ صِرْفا

تأتي تسحبُ ثوباً تَرْفا

تمشي والمسعى بوّابةُ عِشتارِ

تنضحُ من خُضرةِ عينيها عِطرا

ناموسَ أريجٍ أَزَليّا

شيلي أطرافَ الزينةِ بالطَرْفِ الواطي

حتّى تتأرجحَ دِلاّ

غَصّتْ أو غضّتْ طَرْفا

قدّمتُ شهادةَ ميلادي طوعا

خشيةَ أنْ تنسى عَهْدا

أنهكني شمألُ وُدِّ الوردِ الدافي

أغراني ونهاني

إزوّرَ وقدّمَ جَمْرةَ نارالإنذارِ

قِسمةَ إنكارٍ ضيزى

ثانياً ـ

ناديني ..

راويني جُندَ شياطينِ التكوينِ

ماذا يجري لو لمْ تأخذْ شَكْلاً فَذْا

هذا يعني أنّي مُستثنى

برّرتُ التصعيدَ الجاري آليّا

وقّعتُ التوكيلَ الصُوريَّ وجفّفتُ منابعَ أخباري

ناديني ..

عَدّلتُ خُلاصةَ ميزاني لَهْوا ـ جِدّا

هذي أوراقي تتساقطُ حَرْفا سطرا

ماذا لو دقّقتُ وأسرفتُ كثيرا

أفما كان الأَولى رأبَ الصَدْعِ المُتكاثرِ فِطريّا

ناديني لا تُخفي عنّي شيئا

شأني ما فيكِ من شأني

رُدّي إحسانَ الرافعِ للأعلى غُصنا

أغصانُ هوى اللقيا مَدّتْ ظلاّ

دارُكِ أفضلُ من داري شمّاً ضمّا

راعي أغصاني

فيها نفحٌ يتقحّمُ جُدراني خَرقا

أرعى ما فيكِ وأنسى قَدَراً شقَّ طريقا

ناديني .. إني ألهو .. إني أهوى

طوقٌ يستقطبُ قُطْبا

لا كانَ الآسُ قريباً لا كانَ الماسُ

أكتبُ شِعْراً أقربَ للجَرْسِ الخافي

أقربَ للخمرةِ من أنفِ الحاسي.

***

عدنان الظاهر

حزيران 2020

 

 

صادق السامرائيصَحى قَلبٌ وروحٌ في شَظاها

مُؤجّجــــةٌ تُعالـــجُ مُنتهاهــــا

 

تُناجي كُنْهَ مَخْلوقٍ فأفْضى

بكائِنَةٍ تَطامَتْ في خَباهــا

 

وما حَسَرَتْ بها رأسا ورأيا

وإنْ بلغتْ رزاياها مَداهــــا

 

فمَنْ ذكرَ الخَطايا دونَ فِعْلٍ

توَرّطَ حائِرا يَرْعى أذاهـــا

 

فلا رَحِمَتْ ولا خَشِيَتْ إلها

قلوبُ الناسِ غلّظها هَواها

 

عَوالمُ كلّهـــــا في كلّ بَعْضٍ

يُزَعْزِعُها ويَجْمَعُها ضَراها

 

وفيْضُ الروح أجّاجُ ابْتهالٍ

يُؤنّبُ خافِقا حينَ اشْتكاها

 

وإنّ الحَمْدَ مَرْهونٌ بذِكْرٍ

لذيذِ ثنائِهِ الأعْلى تَناهى

 

يَطيبُ الحَمْدُ ما وَهَبَتْ حَميْدا

ومَنْ كندَ النَعيمَ فمـــــا جَناها

 

تباركَ سَرْمَدُ التَحْميدِ فينــــا

كأنّ الروحَ قد لمَحَتْ أخاها

 

لذاتِكَ في عُروشٍ سامياتٍ

مُناجاةٌ يؤبّدُها صَداهـــــــا

 

فهلْ أسْرى بِنا وَصْلٌ بكَوْنٍ

وإقْرانٌ يُعلّمُنا حَجاهـــــــا؟

 

جَلالُ الذكرِ تَعْظيمٌ لذاتٍ

نُحَمّدُها فتَمْنَحُنا شَذاها

 

لطائفُ رَحْمَةٍ بَزَغَتْ بروحٍ

أزالتْ عَنْ مَرابِعنا شَراها

 

ونُعْماكَ التي غَدَقَتْ وفاضَتْ

أ نجْحَدُها وننْسى مُحْتَواها؟

 

بحَمْدِكَ سوْفَ نرقى فوقَ أعْلى

فتُلْهِمُنا الغيوبُ بما عَلاهـــــــا

 

إلهي أنتَ رحمانٌ رَحيمٌ

بنا وَبِئَتْ فعاودْ مَبْتلاها

 

تُسَتِّرُ عَثرةً والعَيْبُ فينـــــا

وحينَ أقلْتَها بَرَزَتْ سِواها

 

بَنو زَمَنٍ بأزْمانٍ سُكارى

تزاحِمُهُمْ على سَقرٍ قِواها

 

وفيْ سَنَةٍ إذا جَدُبَتْ وجاسَتْ

وحوشُ الشرِّ يُطلِقها ضَناها

 

تنغّرَتِ الكراسيُ مِنْ ثَراها

فأشْقَتْ شَعْبَها ونَفَتْ أباها

 

فهلْ برزت لنا مِنْ رَحْــــــــمِ فُقْرٍ

وهلْ جَشَعَتْ وما ضَجِرَتْ أراها؟

 

وهلْ نُسِخَتْ بها الأوجاعُ طرا

وهلْ صارَ الوباءُ بها دَواها؟

 

فحَوْلُ الروح مَرهونٌ بحَوْلٍ

يُعاضِدُها فما ألقتْ عَصاها؟!

 

وما ضَعُفتْ إذا دَهَمَتْ وكادَتْ

لأنَّ اللهَ في مَدَدٍ رَعاهـــــــــــا

 

إلهي لستُ مَحْزونا ولكنْ

تفاقمَ شرّها حتى اصْطلاها

 

بها بَشرٌ إلى الأمْواتِ يَسْعى

وحيلةُ طِبّها أعْيتْ نُهاهــــا

 

مَصيرُ الخلقِ أوْهى مِنْ سَرابٍ

يُخادِعُنــــا فيأكلنــــــــا ثَواها!!

 

ومَنْ وردَ الحياةَ على هَشيمٍ

تَهَشّم خائراً حتى ازْدَراها!!

***

د. صادق السامرائي

22\4\2020

 

محمد ايت علوالرياح تناوح خلف نوافذ بيتي، وأبصر لا شيء في هذه العتمة المدلهمة، الرياح تصفق نافذتي!  ليس غير عذابي، وغياب المعنى، ثم أطل منها على غيابنا، وهوامشنا المنسية، الغربة قاتلة، غربة الذات تتحرك في اتجاهات عدة، والغياب يتآمر، يحمل سحنته بين يديه، يقسو ويزيد من زيف وقبح هذا العالم، غريب هو هذا الوجه الممتد في تجاعيد الوقت، مثلما يتورد الوجه من كلمة حلوة، مثلما الدفء يغزو جفون الندامى، تعشش عندي السكينة، ولم يكن كافيا ما أحمل من آمال عريضة، وقد حل الأمس محل الغد، ولاشيء تغير، فالسماء رمادية، وهذه الريح العاتية تدوي بالشتات، توزعني بين مساءات باردة، هي قادمة لا محالة. وما علي إلا أن أستبشر بالريح...، فقد يتناهى الغيث المدرار، وتنحث غمامها عند الوقوع على شبابيك النوافذ.

***

لقد كانت أمي دوما تجادلني بأسماء الرياح، وليس لدي ما أقول، فأنبؤها بالحصاد من فراديس الرماد شوارعا، والنهار الخافق، وموائد الصيد المهذب، والأصدقاء إلى جدار الوهم يقرأون الوقت، في صحف الوجوه يناوئون ويحتفون، أصغي لثرثرتها، ثم تقول:ـ (أي بني) لا ريح في هذا الهواء، وصوت المدافع في كل مكان، يزرع الجوع، يحصد الأبرياء،  ويقتلع الحجر، فأرى الإحتراق يمد الخطو إلى البقية من بقايانا، وهذه الريح القادمة تدوي بالشتات إلا قليلا...!

***

تجثوا أشجاري غصنا ، غصنا، في لغوب متعب، أنا والوهم سيان، حينما يحرضني نارا على كمد، ويوزعني على مساءات باردة، وأوراقي لا تحدث خشخشة، تتراكم مصفرة في مهب النسيان... تنظر و تستبشر بالعبث، أكداس ورق منتشرة مبعثرة على بساط الأرض، وكأن الرياح العاتية هزت جميع الأشجار، فتسقط الأوراق هامدة، فقد عصفت ثائرة، ولم تترك أية ورقة!

وهنا! لايزال الغياب يتآمر، يحمل سحنته بين يديه، وأنا أطل على غياب المعنى، وعلى هوامشنا المنسية، كما الباحث عن إبرة في غابة، على الرغم من كونها بلا أشجار، لذلك أقول كل شيء... بالأمس تراكمت الأوراق تستبشر بعبث الرياح، واليوم اقتلعت الأشجار غصنا غصنا، والأمكنةُ صارت قفرا باردا قاتلا وبالقلب أكبر غصة، موت المعنى صقيع تفجر بكل صلابته، ليجرف في تياره الصاخب، صراخ المعذبين في أعماق الفراغ. سحاب أزاح السحاب، وأشعله مطرا طيبا...

***

الغائبون تحت التراب أكثر حضورا منا، لم تبق لي غير ذكراه الجميلة، صورته على الجدار، وحيدة، لا أحد يشعر بكآبتها غير مسمار،  عيناه تحدقان في، وكأن أفكاره تضايق الوحدة، ترتل أشواقه في ثقوب الشبابيك، وكأن واحدنا يشبه الآخر- والرياح تناوح خلف النوافذ- لم يكن يحب الصعود إلى القمم، أو الإبحار، لكنه كان يحب البحر، يسير قريبا منه، يتبع الغروب إلى أقصى نقطة، وكل ما فخر به فيما مضى، صار مجرد تخاريف، لا تسمن ولا تغني، وعبثا حاول الخروج، عبثا حاول تضميد الجراح، بالحلم والتمني و الرياح التي لا تأتي بالإشتهاء.

***

كان دوما ينام بحذائه المثقوب، لأنه دوما كان يحلم بالحب و بالسفر البعيد، ولذلك فـهو لا ينام كثيرا، فهو مجرد كائن بسيط، يسعى أن يكون له من شيم الإنسان حفنة، ووجه بألف ضحكة وضحكة، لكن هيهات ! هيهات ! فقد كان له في القلب أضعاف اللوعة والحسرة.

ها أنذا أحفر ذاكرتي، كما أحفرُ في ليل بهيم، وحدها المسافات تجفف عرق اليد، رصيد من الموت والإنتحار البطيء، رصيد من البؤس و الإندثار، والصبر والإنتظار... والرياح تناوح خلف الشبابيك، فقلت :ـ يا نافذتي التي يقف فيها عصفور بجناح واحد، والآخرمقصوص...

هل كان يفهم البحرالصارخ ، الملسوع بالنوارس والبجع، وترامي الموج في غضب و صخب؟ وهل كان يفهمه لما يزبد و يرغى، وتجهش بعد ذلك بالبكاء؟ ولما كان يفيض على شاطئه...؟! وقلت في نفسي:ـ حتما كان يغرق ما حوله بالماء، وقد سحب ما حوله من قصور الرمال وآثار الأقدام.

***

هذا الذي عرفته، زمنا ضاربا في الغياب، وبحرا كله بحر، يقتفي خطى السعد، لكأنه المحال، ولما كان يشبهني ويتلبسني، نهرتهُ، وصحتُ (وفي القلب جرح) :ــ اسحب ظلك من ظلي واتركني أرحل!، فما عدتُ أُطيقُ المكوثَ هنا، سفري الذي حلمتُ به أبديٌّ وترحالي سيكونُ من غير عودة، فإياكَ عني، ودعني أفردُ الجناحَ وأحلقُ عبر المدى، فما زالَ هناك فسحة في الفضاء، فكم تعبت راحلتي في زمن بيع ما لايباع، الآن صرتُ أحسُّ بأنَّ الحياةَ غرورٌ وهمٌ وخداع، وبأن أُفُقي شاخ وامتلأَ بالأنواء، يراودُني همسي ويشتعلُ حطبا، والرياح الزعازعُ ملأت بالثقوب الشراع، وأنا الذي كنتُ أرى بأنَّ البحرَ في كل شيء، لكن حين يمَّمتُهُ زادت معرفتي اكثر، وأدركتُ أنَّ في كل بحر عناء ...

***

محمد آيت علو

 

محمد جواد سنبهخرجَ المَلكُ يوماً يَتفسَّحُ بالحَديقةِ.

قالَ لمُرافِقِهِ الكَلّبَ قُلّ ليَ الحَقيقَةِ.

هلّ يُعانيَ الشَّعبُ من مَشاكِلٍ قوّيةٍ او ضَعيفَةٍ؟.

قالَ الكَلبُ:

نَعمّ ياسيدي فالشَّعبُ يُعاني مُعاناةً تَعيّسَةٍ.

مِنها البَطالةُ ومنها الفَقرُ وحياةُ الشَّعب بئيسَة.

 فبنقصِ الخدماتِ صارَت كورونا شَديدَةٍ.

قالَ المَلِكُ:

يا كلبَنا العزيز  تلكَ مأساةٌ ومصيّبَة.

ماذا نَفعلُ حتى يَرتاحَ شَعبُنا بصورَةٍ أكيّدة.

قالَ الكلبُ:

مولاي عليكَ بتطبيقِ الاصلاح.

وان تجعلَ العدلَ لدولتِكَ كِفاح.

و ان تَشُنَّ على الفاسدينَ حرباً بكلِّ سِلاح.

غَضِبَ الملكُ غضبةَ سَفَّاح.

وقال:

ايها الكلبُ اللعينُ سأقضي عليكَ قضاءً مُبين.

مَن يسرقُ قوتَ الشعبِ غيري وغيرِكَ و السِّياسيين.

أَتُريدُ أَنّْ تَقتُلَنا أَجمعينَ اكتعين.

وتَنجو بنفسكَ لتَبقى مع الحُكّامِ المُستبدّين.

دولتُنا دستورُها دستورُ الدّيمقراطيين.

وكلُّ المجرمينَ تحميهمُ القَوانين.

أُخرُجّ مِن دَولتي فانَّك لَعين.

***

محمد جواد سنبه.

 

عبد الرزاق اسطيطوالحكاية الثانية

كن يأتين مشيا على الأقدام مباشرة بعد صلاة الفجر من القرى الفقيرة القريبة من الحقول، والبساتين المطلة على النهرأو من الأحياء الهامشية التي يسكنها النازحون من القرى والجبال المحيطة بالمدينة ..وكالنمل بلا كلل يمضين كل صباح في صف طويل أسفل الجسر بين ضفاف، ومنعرجات النهر، تحت زقزقة العصافير، وهدير محركات السيارات، والحافلات العابرة للجسر باتجاه العاصمة ... جلهن قرويات في مقتبل العمر؛ متشابهات في كل شيء في القهر، وفي المظهر، والملامح والبشرة، والضحكات، وأشياء أخرى لا يكشفن عنها إلا وهن منهمكات في جني المحصول لأنها تتعلق بأسرار غرف النوم....لا يظهر من وجوههن وأجسادهن التي أخفينها غير العيون المتعبة من قلة النوم والراحة، والأيادي الخشنة المتشققة التي تحمل صرة، أو قفة صغيرة ... كل ما يوجد بداخلها كسرة خبز حاف أو قطعة من رغيف وزجاجة الشاي البارد، وقنينة الماء، وحفنة زيتون، وتلك كانت وجبة غذائهم المعتادة.....ولأنه خبر مسالك النهر، وأشجاره، وبساتينه، وعسسه مثلما خبرمن قبل دروب، وأزقة المدينة، وأهلها، وذاع صيته بها، تحين الفرصة، ودرس المكان بدقة بعيدا عن عيون العسس المتلصصة، وضيعة خوسيه، وشجرة التوت، وعيشة التي تركته وذهبت للنوم، في انتظار مرور القرويات الذي يشبه مرور الغزلان بنهر تعيش فيه التماسيح ...كان غبش الصباح مازال طريا نديا منعشا، والعشب مبللا تحت سحب خفيفة مترددة، وخجولة تحركها ريح باردة، تهز معها أحيانا أوراق أغصان الأشجار فتحدث خشخشة. بقدر ماتضفي على النهر رهبة بقدر ما تزيده سحرا وجمالا.. وقف الفلاقي منتصبا متخفيا حذرا كثعلب ماكر ينتظر فرصة انقضاضه على فريسته. يراقب بعيونه اللامعة المشعة المتوثبة من بين الأغصان المتشابكة مع الأشواك، والقصب اقتراب القرويات منه... كان يعرف زمن نزولهن إلى النهر في اتجاه البساتين، والحقول لجني البرتقال أو السفرجل والنعناع ....ولأن مدينة"أبيدوم نوفوم" بحقولها وقراهاعرف عنها الأمن والسكينة، وغاب عنها لسنوات قطاع الطرق  لم تكن النسوة القرويات في حاجة لرجال أوفتيان أثناء نزولهن للنهر ...ترك الفلاقي الصف الطويل للقرويات ينساب بجانبه انسياب ماء النهرمن غير أن يحدث حركة أو خشخشة تنبئ بوجوده وتدل عليه...ثم بهدوء تقدم خطوتين ووضع كف يده المزغبة بقوة على فم آخر واحدة تنزل المنحدر لكي تصعد من جديد عبر القصب إلى مدخل البستان ...

أمسك بخناقها واعتصر رقبتها كثعبان، وأزال الفولارالأسود الذي يغطي وجهها، ولفه على عينيها وشده من الخلف بقوة، فلم تعد ترى شيئا من ضوء النهار ..تحول كل شيء بداخلها دفعة واحدة إلى ليل هلامي شديد الظلمة والقسوة.. ظلت يده اليمنى تغلق فم القروية قاطعةأنفاسها..فيماالأخريات لم يشعرن بشيء ولم ينتبهن للأمر في البداية ...وضع رأس السكينة الحادة على عنقها حتى كاد يمزق شرايينها ودفعها بعنف إلى الأمام ...وسار بها بين الأشجار والقصب والبساتين لمسافة طويلة لا يسمع منها غير أنفاسها الملتهبة، وارتفاع صدرها، وانخفاضه كموج البحر، ودقات قلبها تكاد تتوقف من شدة النبض والهلع والخوف... كانت تستنشق هواء النهر، وتتحسس عشبه، وشجره وقصبه، وتنصت الى خرير المياه، وزقزقة العصافيربألم وحزن كما لوأنها تودعهم وداعا أبديا لا لقاء بعده... وبعد ساعة من المشي لم تعد تشعربالعشب تحت قدميها. كانت تمشي كما لو أنها تمشي في فراغ مهول أوتسقط من قمة جبل إلى هاوية لا قرار لها ...

صعد بها إلى بستان مهمل موحش تركه صاحبه منذ فترة طويلة، ولأنه لم يكن له أبناء ظل البستان على حاله. يتوسطه بيت مهجور تهدمت أركانه، ونوافذه، وصار أشبه بالطلل، تحيط به شجرة التوت، ودالية العنب، وبعض أشجار التين، والبرقوق... لا أحد يقربها، غيرعصافيرالدوري والحسون، والثعابين، والكلاب المتشردة ...تتدلى فروعها بأغصانها المورقة، والمثمرةعلى منحدرات النهر، والقصب بشكل موحش يزيد من رهبة المكان وسطوته..دفعها بقوة من الخلف فانبطحت على العشب مستسلمة لقدرها، وقد تغيرلون وجهها، وطعم الهواء في أنفها ورئتيها، وازداد الفراغ في عقلها، وروحها اتساعا، وبدت وكأنها تعيش كابوسا حقيقيا في واضحة النهاريشع من عينيها رجاء مكتوم وأمل في أن ينزل من السماء من يخلصها من هذا الكابوس... لوكانت لها القدرة على مواجهته لواجهته... لو كانت لها القدرة على أن تصرخ لصرخت بقوة ..لكن هيهات ! ..فقد خانها القدر، ومعه القدرة، حيث تركها وحيدة منذ ولادتها بلا أم، وبلا سند ، وبلا حيلة تواجه مصيرا محتوما لا مفر منه...عراها من كل شيء، وألقى بثيابها إلى البئر المهجورة مباشرة من غير أن يفتشها... ارتجف جسدها كورقة في مهب الريح، واجتاحها الخوف اجتياح مياه النهر للمدينة ساعة فيضه وتدفقه في فصل الشتاء، وتشنجت عضلات فخذيها، وتجمدت الدماء في عروقها، وجف ريقها، وتوقف عقلها عن التفكير...  صارت قطعة من خشب بلاروح ولانبض ولا حركة...بدت في عريها مابين براءة الطفولة وسحر النساء بصدر عامر، وجسد منحوت وعيون عسلية واسعة، وشعر أسود طويل يخفي ظهرها كله ....حاولت أن تنهض وتتكوم على نفسها خوفا على شرفها ونهديها، لكن صفعته القوية على وجهها جعلتها تستسلم له مخافة قتلها.. وتجلت صورة عيشة بجمالها وفتنتها فيها واضحة ونابضة بالحيوية والجسارة، فقد صار يرى في كل امرأة صورتها ... كيف تتجلى عيشة بجمالها الخارق في وجوه نساء القرية والمدينة تجلي الصور في المرآة؟ هو نفسه لايدري متى وكيف يحدث ذلك !!..غير أنه ينساق خلف عريها، وسحرها كالمجنون... واشتعلت نيران الشهوة بداخله كبركان فزادته جنونا وجموحا لجسد عيشة، تلك الجنية التي تزوجته في لحظة جنون عارمة، فخلع ثيابه، ومضى بمحراثه بقوة بين تلالها وهضابها ووديانها، كما تمضي الخيول الجامحة بمحراث يحرث الأرض ويثير الغبار، والصخب حولها في انتظارالأمطار..انتبهت العاملات القرويات أثناء شروعهن في جني السفرجل إلى عدم وجود حياة بينهن فعدن بسرعة للبحث عنها عند مدخل  البستان ...وانضم إليهن العسس، وامتد الخبر إلى رجال القرية، وفتيانها فنزلواجميعا إلى النهر بعصيهم تسبقهم كلابهم، وهم ينادون بكل مافيهم من قوة حياااة ..حيااااة ..حياااااة.. حتى بحت حناجرهم، وخارت قواهم، وتسلل اليأس إلى قلوبهم، وغابت أصواتهم في مياه النهرغياب قرص الشمس ساعة الغروب.. ولم يجدوا لها أثرا، ولا خبرا طوال النهار.. تركها الفلاقي عند العصر مغمى عليها بجانب البئرعارية كما ولدتها أمها بعد أن التهم طعامها الذي كانت تحمله معها، مثلما التهم جسدها برمانتيه، وصب الشاي الأسود البارد في حلقه دفعة واحدة من غير أن يتذوق طعمه أو يتنفس.. ونزل إلى النهرمنتشيا ليستحم كعادته كأن شيئا لم يحدث ...تمرغ في الطين، والرمل أكثر من مرة ثم غطس في الماء كسمكة البوري ليصعد في النهاية إلى تلة صغيرة مرتديا ثيابه.. ثم عاد من جديد فخلعها وارتمى عاريا في المياه الباردة المتدفقة... يسبح تارة ويجمع عيدان الأشجار، وأغصانها تارة أخرى، ويدفعها فوق الماء في طقوس أسطورية غريبة ظل كل من رآه يجهل أسرارها، لكي يجعل منها في النهاية حطبا للتدفئة ... مر العسس، والفلاحون بصبيانهم وكلابهم بجانبه، ولم يشكوا لحظة واحدة بأنه صاحب الفعلة...وعند نهاية المساء مع آذان المغرب وبداية نزول الليل وجدوا حياة تلك الفتاة القروية الفقيرة المليحة الوجه، والقد تحت أغصان وأوراق شجرة التين بالقرب من البئر عارية، وباردة كقطعة الثلج. فاقدة للنطق، والقدرة ،والوعي ...وهكذا ضاعت حياة بعد أن ضاع صوتها، وجمالها، وشرفها، وعرسها الذي كانت تشتغل من أجله.. ومنذ ذلك الوقت أصيبت حياة بالجنون والخرس، وأصبحت ترمي أهل القرية بالحجارة، والطوب وتجري خلف الصبيان...وشاع خبر جنونها، واختطافها، وانتشركالنار في كل القرى، والبيوت، وأزقة المدينة وحقولها، وتداولته الألسن بالليل والنهار، ونسجت حوله الأساطير، والحكايات فمنهم من قال:" سرقها جن النهر أخو عيشة الذي يسكن بئرالبيت المهجور، وهو من فعل بها وبغيرها من القرويات ذلك"...ولم يعد أحد منذ ذلك الوقت يذهب إلى النهر بالليل، أويقرب البيت المهجور ...وظل الفاعل مجهولا عند الكل رغم أنه كان يستحم بالقرب منهم بمياه وطين ورمل نفس النهر .وتلك حكاية أخرى.

(يتبع)

***

قصص قصيرة

عبدالرزاق اسطيطو

....................

"أي تشابه أو تطابق بين  أسماء شخصيات القصة، وأسماء الأشخاص في الواقع هو من قبيل الصدفة لا من قبيل الواقع"

 

نزار سرطاوي.... على صهوة الوجد كنّا

معاً

تائهَيْنِ

عبيرُكِ يحتلُّ روحي   

يدايَ تَطوفان بين خمائلِك المخمليةِ  

تسترخيان بباحاتك المرمرية   

تستسلمان لرمّانِك المتوثب  

ثمّ تضيعانِ

أُلقي بساريتي

في عُباب الهلاكِ

ونحن هناك        

خيالان يشتعلانِ 

وراء السديمِ المقيمِ  

على شفة الشفق القرمزي 

ولاحت بروق

ودوت رعود

وزلزلت الأرض زلزالها  

ثم متنا

***

شعر: نزار سرطاوي

 

ناجي ظاهروقعت احداث هذه القصة بعد موجة الهجرة الروسية المتجددة الى البلاد، في اواخر الثمانينيات واوائل التسعينيات، في تلك الفترة تعاقب على الشقة المحاذية لشقتنا في الحي اليهودي بنتسيرت عيليت، عدد من العائلات.. كانت اخرها عائلة روسية مكونة من والدين وابنة، في السابعة او الثامنة من عمرها، في جيل ابنتي الصغيرة، وكثيرا ما كنت ارسل نظرة من نافذة شقتنا المطلة على الخلاء الرحب، فأرى ابنتي تلعب معها، وكأنما هما اختان، لم تلدهما زوجتي، او زوجة جارنا الروسي. وقد رأيت الاثنتين، ابنة جارنا الروسي وابنتي، اكثر من مرة تلعبان هناك في الخلاء، وكان ذلك في بداية الشتاء، وعندما امطرت الدنيا فاجأتني صغيرتي باصطحابها صديقتها الروسية إلى بيتنا، فسُررت وسرّت زوجتي، ونظر كل منا الى الآخر ناسيا العالم وهمومه والموقف العربي العام.. المعارض للهجرة الروسية، ومتذكرا امرا واحدا لا غير: ان صغيرتنا كبرت وباتت لديها صديقة روسية. رحبنا بتلك الفتاة ايما ترحيب، الامر الذي مكننا من ان نراها بصحبة صغيرتنا بصورة شبه دائمة. وان نتتبع امورها باهتمام.. الم تكن صديقة صغيرتنا؟!

لاحظنا ذات يوم ماطر مسحة من الحزن على وجه ضيفتنا الصغيرة العزيزة، فاعتقدنا انها مسحة عابرة، الا انها ما لبثت ان ازدادت في اليوم التالي، وقبل ان نسألها عن سبب تلك المسحة..، جاءت الينا بصحبة صغيرتنا لتفاجئنا بالسبب الفظيع، قالت بصوت متهدّج، ان الاطباء اخبروا اسرتها ان والدها لن يعيش فترة طويلة وان ايامه باتت في عالمنا محدودة، وعندما قلت لها ان ما تقوله لا يركب على العقل، انفجرت بالبكاء حتى ان زوجتي وصغيرتي بكتا معها، وما زلت اتذكر رغم مضي ردح من الزمن على هذه القصة، ان صغيرتي الغالية وزوجتي قامتا باحتضانها، وقد دفعتهما موجة لافحة من العطف عليها، لان تقترحا اصطحابها معنا في رحلة اخر الاسبوع الى بحيرة طبريا. تقبلنا جميعنا الاقتراح بل رحبنا به فما زالت صغيرتنا... ستكون سعيدة باصطحابها صديقتها، وما دمنا نقوم بواجب انساني نرفّه به عن طفلة يرقد والدها على فراش الموت في المستشفى، فان مرافقة تلك الصغيرة لنا ستسعدنا نحن ايضا، وعندما جاءت جارتنا الروسية تسألنا عما اذا كنا حقا سنصطحب ابنتها معنا في اليوم التالي الى بحيرة طبريا، لم نتردد جميعنا كبيرا وصغيرا في ان ندعوها هي ايضا، فاعتذرت جارتنا الروسية، لأنه لا يمكنها مرافقتنا بسبب وضع زوجها الحرج في المستشفى، وسألتنا عن الوقت الذي ستستغرقه رحلتنا تلك، فأخبرناها اننا سننطلق كعادتنا في ساعات الصباح الباكرة وسوف نعود في ساعات المساء المتأخرة.

في صبيحة اليوم التالي استقللنا سيارتنا الفيات اونو، بعد ان حملناها بكل متطلبات الرحلة من متاع وغذاء، وانطلقنا باتجاه طبريا. خلال انطلاقنا في سيارتنا، كان كل منا ينظر إلى الآخر بنوع من الرضا، فقد ادينا واجبنا نحو صغيرتنا ونحو صغيرة اخرى بحاجة لان نمد لها يد العون، عندما وصلنا شاطئ البحيرة، ترجل كل منا من السيارة وتراكضنا باتجاه الماء، ولا انسى ما حييت تلك الفرحة التي ارتسمت على وجهي صغيرتينا، الروسية وابنتنا، بعد ان هيئنا قعدتنا قريبا جدا من حافة الماء، وابتدأنا بإعداد الطعام، ارسلت نظري الى تلك الفتاة، لأرها تلهو وكأنما تمكننا باصطحابنا لها ولو للحظات من جعلها تنسى ما هي اسرتها فيه من وضع صعب، وحمدت الله على انه الهمنا ان نصطحبها. وبالغنا في اعلان المحبة فاستجبنا لطلب صغيرتنا ان تذهب للتنزه بصحبة صديقتها تحت الاشجار القريبة، لتنطلق الصغيرتان مبتعدتين عنا دون ان نلتفت اليهما جيدا، فقد كنا مشغولين بإعداد الطعام للجميع.

فرغنا انا وزوجتي من اعاد الطعام، وتوقعنا عودة صغيرتينا خلال لحظات، غير ان اللحظات مضت سريعة ولم تحضرا، فحملت نفسي، وانطلقت ابحث عنهما تحت الاشجار المحاذية، وعندما طال بحثي، ابتدأت الهواجس السوداء بمطاردتي، فالي أين ذهبت صغيرتانا؟ وهل تعرضتا لأي مكروه.. لا سمح الله؟ ما كان عليك ان تسمح لهما بالابتعاد عن حيث نزلتم، لكنهما صغيرتان ومن حقهما ان تستمتعا معا... ما تقوله صحيح لكن كان عليك ان تجعلهما في مرمى النظر، فلا امان في هذه البلاد، وكنت كلما طال بحثي عنهما ازداد قلقا، وجاءت المرحلة التالي في البحث، فلماذا لا اسال من اصادفه من الناس الموجودين في الشاطئ، عما اذا كانوا قد رأوا صغيرتين احداهما روسية والاخرى عربية؟ وصادف ان سألت عائلة عربية من منطقة الجليل عن صغيرتينا؟ ففتحت ربة العائلة فمها مستغربة ومستفسرة، شو بتقول؟ عربية وروسية؟ فهززت راسي اشارة نعم. وبعد ان عرفت المرأة انني من عائلة فلسطينية مهجرة اعربت عن ذروة استغرابها، وشيعتني وانا اولّي عنها باحثا، بنظرة مستفسرة متسائلة.. فما الذي يحدث؟ وبين الطرفين عالم من القسوة؟

تجولت خلال اكثر من نصف ساعة باحثا عن صغيرتينا، وسائلا كل من التقيت به عنهما، دون ان احظى بأية اجابة، ويبدو ان ما خالجني من قلق، قد انتقل عبر النسمات الشتائية الباردة الى زوجتي، فلحقت بي لتنضم الي في عملية البحث، هدأت زوجتي من روعي، طالبة مني ان اتفاءل بالخير لأجده، واقترحت بعد ان استغرقتنا مشاعر القلق.. من اقصانا الى اقصانا، ان يذهب كل منا في اتجاه لمواصلة البحث. تقبّلت اقتراح زوجتي.. وواصلت البحث في ذات الاتجاه، في حين توجهت هي إلى الاتجاه المعاكس، ومضى الوقت دون ان احظى بأية اجابة عن سؤالي الحائر: إلى أين ذهبت صغيرتانا؟ فكان علي ان اعود إلى حيث اقتعدنا قريبا من الماء. ما ان وصلت الى هناك، حتى اطلت زوجتي من الناحية المعاكسة، وعلى ثغرها ابتسامة... بشّريني.. بسرعة بشريني. طوّل روحك... شو اللي صار؟ لم تجب زوجتي وامسكتني من يدي وجرت على الشاطئ لأجري وراءها، وبقينا نجري إلى أن بلغنا اجمة من الاشجار، وهناك هناك.. في حضن شجرة معمرة.. قد تعود أيامها إلى أيام جدينا الاولين.. حواء وادم، رأينا صغيرتينا وقد ابتنتا بيتا وعمرتاه بالاصداف والرمال، وجلستا فيه تتبادلان الكلمات والضحكات.

***

عدنا في المساء باتجاه نتسيرت عيليت.. نطوي الارض طيًا، وكلُّنا رضا عما افضى اليه ضياع صغيرتينا.. من نتيجة طيبة، وعندما توقفت سيارتنا الفيات اونو، بالقرب من بيتنا في الحي اليهودي، فوجئنا بزوجة جارنا تداهمنا بموجة من الدموع والقبل، فسألناها عما يبكيها، فاحتضنت ابنتها بمحبة ام خشيت على صغيرتها من الضياع والموت، واخبرتنا انهم اتصلوا بها من المستشفى ليخبروها ان حالة زوجها في تحسن وان جسده ابتدأ في تقبل الدواء بعد ان رفضه فترة طويلة.

هنأنا جارتنا الروسية بما صارت اليه امورها وامور اسرتها.. من امن وسلام، ودلفنا باب شقتنا واحدا وراء الآخر ونحن نتمنى ان ينالنا مثل ما نالها من هدوء وسكينة نفس. اما هي فقد ادخلت ابنتها شقتها واغلقت بابها وراءها دون ان تزيد أية كلمة.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

 

سعد ياسين يوسفمُذْ أمسكَ بمِقَصِّ حياتهِ

الذي كادَ أنْ يُطبقَ على غُصنه ِ

وهو يقصُّ لنا قَصَصَ التكوينِ

لنغفوَ قبلَ الموقدِ

نَحلُم بالبحرِ المنشقِّ ،

بالرُّطبِ المتساقطِ .

يتفقدُ عَنَّا الجمرَ، الأغطية َ

سقفَ الغرفةِ لو أثقلهُ مزاحُ المطرِ ....

يقايضُ بردَنا بسِترتهِ ...

حينَ يشحُّ غِطاءُ الدفءِ

وعندَ الفجرِ ...

يَعرُجُ صوبَ الشَّمسِ

ليقصَّ  لنا ...

من ثوبِها الذهبي أرغفةً

ويَعدَّ الأقراصَ  العشرةَ

كَي لا ينسى أحداً  مِنا ،

وكثيراً ما كانَ ... ينسى  نفسَه .!!!

بمِقَصِّ اللهفةِ ...

قصَّ خيوطَ  ظِلالِ الحزنِ ،

وشذَّبَ كفلاحٍ ماهر

أغصانَ السَّنواتِ لتعلو

هالةُ ضّوءٍ تتبعهُ.

***

وحينَ نمدُّ بأبصارِ الدهشةِ

إلى بنتِ الجيرانِ وهي تُكسّر فوقَ السطحِ

سيقانَ مِقَصّاتِ الرَّغبةِ ...

أو نُعلي ضحكاتِنا السافرةَ

لتعبرَ جدرانَ البيتِ

كنا نسمعُ زمجرةَ مِقَصهِ .

علّمنا كيفَ نقصُّ نتوءَ اللّغةِ

كَي لا يجرحَ جسدَ المعنى

وهوَ يعانقُ جسداً آخرَ...

وكيفَ نَقصُّ ...

تَحدّبَ جدرانِ الظُلمةِ

نفتحُ فيها شبّاكاً يغمرُنا بالنُّورِ

وهو يرددُ " مَنْ يتهيَّب ...."*

نقرضُ بيتَ الأزرارِ ...

ونُغلقُها حدَّ العنقِ

كي لا نفشي سرَّ الحزنِ

وتنفلتَ طيورُالشكوى لحقولٍ أخرى

وحينَ دعاهُ النُّورُ مشى نحوه

مشَّطَ شعرَهُ وتفقدَّ هندامَهُ،

تبسَّم للمرآةِ ....

وقصَّ آخرَ حبلٍ أنهكهُ

وعَلَا .....!!!

***  

د. سعد ياسين يوسف

.....................

* وَمَنْ يتهيَّب صُعُودَ الجِبَـالِ         يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

إشارة الي قصيدة إرادة الحياة لأبي القاسم الشابي

 

نجيب القرنهذا الربيع الذي انتظرته المدينة

قبل حلول الخَرَف

لينهي حكاية (قَرَقُوشها)

حين تعالى

حتى استوى فوق عرشٍ إلها

فأضحت بيوتُ المدينةِ شاحبة

 والنوافذ عطشى

 وكل المسافات ليس لها مبتدأ

 الإله الذي

 ظل ينفخ أرواحنا بالسديم

 ويفتح جنته لزبائنه المخلصين

 الإله الذي

 على فلك العمر يسبح دون انتهاء

 ويوم يؤرقه ومض مشكاتنا

 تجيء العبيدُ إليه بعشر لغات

 تترجم سيرة نطفته في الهواء

 هذا الربيعُ الذي انتظرته المدينة في ولهٍ

 ليطمس كل فصول العناء

 ويخضر شارعنا

 هل أناخ على غير موعده

 كيف استطاع خداع جماهيرنا بسراب الخلاص

 أطلق حنجرة البؤساء

 فوق رصيف تكلس من سَفَر الأمنيات

 جاء يردد أنشودة نصفها حائرة

 ينثر حول الميادين ريش حمام

 وهتاف سقوط بغير ارتطام

 هذا الربيع

 زمجرة من وعود

 تاهت عقارب ساعته فجأة

 ليرحل دون اكتراث بأنوائه

 غادرنا

 والعصافير بين فضاءاتها واجمة

 أسلمنا للحقود يرمم آمالنا

 لغزاة يجيئون رغم أنوف شوارعنا

 يمدون ظل إله جديد

 على ظهر خارطة تائهة

 يا لهذا الربيع الذي

 يمنح الأرض زهراً بلا رائحة

 ***

نجيب القرن

18 / 8 /  2013م

 

صالح البياتيتكملة النص المنشور سابقاً


كانت الريح في المهد

طفلاً تولول

أجهشت تبكي، تعول

حين ثار البحر

والماء تكدر

وأنا المحزون اشدو

أيها النورس

في تيه بحار الله

يا بن الموج والريح

ياخفقة قلب البحر

يا صدراً يهيج الشوق فيه

1587  نورسمن تباريح قديمة

أيها الولهان دوما

بإلتقاء الماء

في وله بآفاق عجيبة

ليتني يا نورسي

كنت.. في جنحك

المغمور في فيض الضياء

ريشة.. اكتب بمداد الضوء

بالملح المتوج بالبهاء

أحرفاً قدسية

لونها  زرقة اليم

ومن زبد الموج

نجوماً لؤلؤية

يارفيق السندباد

أحكي لعوليس

عن  دنيا، بينلوبيا

غريقة

*

الأطفال احبته

يهدهدهم بأيديه

فلا الأعماق تبلعهم

ولا الحيتان تؤذيهم

تراقصهم

تداعبهم

تُحَييهم

وتُحْييهم

كما يونس

ببطن الحوت

ناداه

فأحياه

*

ليتني يانورسي

الطائر في لجة  شمس

كنت.. مرة آخرى

في جنحك ريشة

أرسم وجهها إيقونة

تطفو على الغمر المقدس

هلالاً وصليباً

ولتكن نجمة داود

او زهرة لوتس

***

- اللهم ندعوك، ونتوسل اليك،آباءً وأمهات، ألا تفجعنا بأبناءنا، وإجعلهم لنا في الدنيا، قرة أعين.

صالح البياتي

 

 

عبد الهادي الشاويعلى هامش الحرف

تبدو الحركات ضعيفة جداً

لكن ذلك لا يعجزها أبداً

عن تغيير المعنى

أو قلبه

على صفحة النص

تنحشر الفارزة

بين الجمل الرنانة

المفعمة بالأفعال

وبالأسماء

وبحروف الجر وأدوات الرفع

والجزم

والنصب

لكن ذلك لا يمنعها

من ايغال في المعنى

أو تبديله

في الجدار المنتصب أمامي

يصطرخ الأسمنت

ما بين الحجر الصلد

ولا بناء يستغني عنه

أو عمن شابهه

على ضفة النهر

هنالك صفصافة  وحيدة

لا يبدو النهر جميلا من دونها

وعلى وجنتيها

خال

ظل يشع طوال الوقت

السماء

كم هي مظلمة الليلة

لولا نجمة شاردة

اذاً

لا تستثني أحدا

في هذا الكون المملوء

بالأشياء

والغارق في الاختلاف والتنوع

***

د. عبد الهادي الشاوي

 

عبد الامير العباديويسألونكَ عن النجومِ

قلْ لا تضيءُ هنا

ويسألونك مَنْ علقها

بينَ السماواتِ

ثم يسألونكَ هلْ انَّ الملائكةَ

ارضعتها لتزقَ السامريون

عِلماً

هنا في ارضٍ ليسَ لها قاعٌ

يكتبون سوراً  في دواوينٍ

صنعتْ لتمجدَ البرامكةَ

كي تنالَ من الاتقياءِ

ويسألونكَ اينَ تذهبُ

قصائدُ الغاوين

قلْ هي نجاسةٌ لبولِ وروثِ

الحميرِ

ويسألونكَ عن قراكَ

قلتُ اخذتها الريحُ

القتها في جبٍ ضاعَ ماءهُ

ووقفتْ فوقهُ الغربان

تنقرُ ما ظهرَ من الاجسادِ

اذْ لا اثرَ هنا للنقاءِ

***

لا ادريَ لماذا تتقوسُ

وتنحني اشجارُ قرانا

مع انها تصلي قياماً

وقعوداً

توزعُ حلوى ثمرها

دونَ انْ تمتدَ لها يدُ الجياعِ

تنثرُ للقادمين مباخرَ ودعاءَ

وقلائدَ وافياء تضمُ

تنهداتِ العاشقينَ

اشجارنا حينَ تغردُ العنادلُ

فوقها تصفقُ لها الاوراقَ

جذورها كحلٌ للارضِ

لكننا انْ تعاقدنا معها

لا نبصمُ الا على الخيانةِ

لذا ايقنتُ انَّ انحناءها

حزناً ينتظرُ الموتَ

واكفاناً لا تغطي اجسادها

لنا معادلاتٌ مشفرةٌ

تبدأُ بالاسرارِ وتموتُ

محمولةً بتوابيتِ الاسرارِ

هنا في ارضِ الدفنِ

الابراجُ للصوصِ

عذراً لقدْ استقالَ الوعي

امنحوني خريطةً واحدةً

للمنافي ،اجدُ اني اموتُ

فوقَ كل خطوطها

حيثُ لم يعدْ جوازي

يتركُ لي هويةً تخبرني

انَّ هويتكَ الاخيرة

اشلاءٌ تأكلُ كلَّ الاشلاء

***

على هذهِ الارضِ

يقولون انَّ السبيَّ

وعشاقَ صناعةِ الوهمِ

زرعوا بواكيرَ الاستبدادِ هنا.

همْ مَنْ كتبوا في ديباجاتِ الضيمِ

العينُ بالعينِ

اللغةُ التي تقطعُ الضوءَ

علينا انْ نقطعَ ضوءها

نحنُ الذينَ كتبنا مواثيقَ

العبودية ،وجعلنا نسوةَ الله

جواريا

تفاخرنا بنقوشنا على الحجرِ

خلقنا للنفسِ من يستبدها

رسمنا الاباحاتِ للقتلِ

اخذنا سيقانِ الاشجارِ الجميلةِ

صارتْ عندنا صلبان للموتِ

الاحجارُ التي تتبولُ عليها

حميرُ الدنيا ،نخلدها

المستبدون ،هياجهم

من هذهِ الارضِ

مولعون بعلومِ المواريث.

نكتبها باقلامِ الدخلاءِ

نظلُ نتعاطى التزويقَ

اذْ يصيرُ درعاً نمقتهُ

نجلسُ بينَ دهاليزِ البؤسِ

نعتقدُ انَّا حقاً من يرثُ

الملائكةَ

***

عبدالامير العبادي

 

 

جليل كريمالتقيا هناك في مدينة أخرى من مدن الشمس القاصية. كانت عيناه تستوعبان كل ذلك الضوء الباهر، بانتشاء اجتاح اعماق جوانحه، وهفا إلى مكنون روحه التي أضحت لا تفقه أيما معنى من مسير تقاويم حساب السنين، أو تقلبات الأيام. فلقد غدت روحه متأججة بعنفوان شبابها، وملتهبة بلظى عشقها، وإن تقادمت الدهور، وتعاقبت الفصول. 

إنه عالم آخر لا يشابه في صوره وألوانه وأحاسيسه ومشاعره عالمهما الأول. عالم عسير عليهما أن يحددا فيه مديات مسراتهما، أو تطلعاتهما نحو حياة اكثر ارتقاء ورفعة. إنهما يستشعران الآن كما لو أن آلة مرقت بهما كبرق خاطف لتقذفهما صوب مسار آخر بعيدا كل البعد عن مآسيهما السابقة التي كان يخوضها كل منهما في لجج مفعمة بضياع مهين.

 حين استشعر رضا أن الراحة تحل ضيفة عليه، تنفس الصعداء، هامسا:

-  إنها مدينة أحلامي وآمالي وكل ماكنت أصبو إليه من صفاء وسكون في حنايا فؤادي.

هي مدينة ليست ككل المدن، يخالجني شعور غريب وقريب إلى روحي بأن يوم مولدي كان هاهنا، في زقاق من أزقتها المضيئة، وفي باحة منزلي، حين تسلقت يومها نتوءات سدرته السامقة بأفرع متينة، منحنية بأثقال نبقها على أسطح الجيران.

أجل.. لقد شاهدت ذلك كله، في مدينة زاخرة بمقاماتها، وأعمدتها الاسطوانية، شطها، جسرها العتيق، أناقة ناسها، وعشقهم لكل ما يمت للحياة بصلة. إنها مدينة ساحرة بكل معانيها وخصالها.

وددت لو أني مزقت دنياي تلك إربا إربا لأنثرها   نثار شجرة خريف لأوراقها.

 كنت أتقصى آثارك منذ زمن بعيد باحثا عن ظلك، بحث أبينا آدم عن أمنا حواء.  فلم أعثر عليكِ إلا الساعة، ولم أحيا في كنف السعادة إلا في مسكن من مساكن هذه المدينة البهيجة بناسها وشجرها ومائها وهوائها وترابها.

 هي ساعة مولدي على أرض طيبة، معطاء، كي أفوز بوصالك ها هنا، وأخلد إلى الراحة قريبا منك ما بقي من عمري. لهثت فائزة بحبور هامسة:

-  أجل.. يتملكني شعور بأن هذه المدينة قد أباحت لنا بتحقيق أمانينا وعقد رباطنا المقدس.

على هذه الأرض الحانية، أشعر بأمانها وأصالتها. تلك الأصالة الحقة أجدها متجذرة  في طبيعة ناسها تجذر عروق نخلة في باطن التربة.

 كل شيء هنا يبدو أليفا وبريئا وقريبا من الفطرة. علائقهم فيما بينهم كصبية لكن بعقول كبيرة.

 يرعبني في مدينتي وحياتي الأولى؛ أفواه تتملك ألسنة شتى. أعين شرهة. آذان مزودة بآلة تسجيل. ينتابني هلع على الدوام من عاصفة صفراء، لا أعلم في أية ساعة نحس تجتاحني بغتة

فتعريني من أوراقي وتقتلعني من جذوري. أخاف النهر الذي غدا نقالة موتى. وجوه مصطنعة كوجوه مهرجي السيرك. وأخرى زائفة، متفيهقة تسوس رعيتها بشعارات براقة.

لقد بديا كما لو أنهما يتوحدان، يتمازجان في عالم عشقهما الطارئ. بَرّق رضا عينيه إلى مياه ذلك النهر الجاري في اتجاهات متعددة، وعلى حافته استوى مركب يترنح يمينا ويسارا، استمسك صاحبه بوتد الجرف لئلا ينفلت قاربه عبر أمواج هائجة. راح يومئ إليهما بقبعة سوداء. أشاح الحبيبان بعينيهما عنه، فيما تشابكت أياديهما بقوة وعناد.

هتف رضا:

-  أقسم عليك أيها الزمن المشرق بالتماعاته  الزاهية أن لا تعيدنا كرة أخرى إلى زمننا الموبوء.

بانت من تحتهما وعلى المقربة من الجرف قبعته التي بدت الآن أكبر من المعتاد، ناداهما:

-   لقد انتهت الرحلة.

 ارتعدت فائزة من رأسها حتى قدميها وهي تضغط بكل قواها على كفي رضا متمتمة:

-  سأنشج حتما حينما أفيق من حلمي الفريد.

دام وصالهما مدة وجيزة من أزمنة مدن الأماني البهيجة.

جرى المركب بهما عبر مياه هادرة إلى أن  رسا على إحدى محطاته. أومأ بسبابته الطويلة، متمتما:

-  هذه هي مدينتكما الأولى.

هبط كل منهما حزينا، هبوط آدم وحواء من جنة المأوى الى أرض يباب. اجتاحت المكان عاصفة هوجاء، معتمة. تشتت شملهما.. جرفهما عصف الريح إلى بقاع نائية. أفاق رضا خائر القوى، والألم يعتصر حشاشة كبده. أحس ببدنه يحتك بأبدان جموع غفيرة من رجال ونساء قد امتلأت بهم أرض قفر، وهم يسيرون وفق نسق واحد حسب إشارة يتلقونها من شخص

يسير أمام الجمع وهو يلوح بها مرة نحوهم، ويومئ بها أخرى باتجاه هدف غير معلوم.

 سأل رضا أحدهم:

-  أين مسيركم؟

أجابه بلا اكتراث:

-  لا أدري.

سأله رضا مرة أخرى ممتعضا:

هل أنت لا تدري ولا تدري بأنك لا تدري أم أنك لا تدري وتدري بانك لا تدري.

التفت الشخص إليه مستغربا.. ثم أجابه:

-  أنا لا أدري وحسب.

أجابه رضا متهكما:

-  إذن انت من الصنف الثاني، ولو كنت من الصنف الأول لأكثرت الجدال والمراء.

أومأ الشخص برأسه موافقا على ما لا يعيه ثم سأله:

-   منذ متى وانت تسير قدما مع هذا القطيع؟

أجابه ضاحكا:

-  مذ كنت صبيا حين همس أبي بأذني ناصحا:

-  إياك والعصيان فإن للحيطان آذان.  

سأله رضا مستفسرا:

-  أين راعي القطيع.. أقصد قائدك المبجل؟

قهقه الرجل وبانت من باطن فيه أسنان مسوسة في لثة مهترئة، أما روحه فقد بدت واهنة، لا تفقه أيما معنى من معاني الحياة.

أجابه الشخص باحتقار:

-  إنك لا تعي شيئا مما يدور حولك من مؤامرات وفتن.

فرد رضا يسأله:

- حقا.. أنت حاذق.. كيف اكتشفت جهلي؟

ضحك ساخرا:

لأنك لا تفقه برامج وآليات ومناهج وعمل الانقياد.

يا أيها الغبي، هذا الذي يقودنا هو راع من رعاة  قائدنا الأعلى الذي يعلم ببواطن الأمور وشواردها ما لم نعلمه نحن، فهو ليس من شأنه مزاولة مهنة الرعي فمثل هذه الأعمال لا تليق بجلاله المهيب، إنما هو يوكل من يقوم مقامه، وينجز أعماله.

لاحت ابتسامة ساخرة على وجه رضا. ثم  سأله:

هل تحبه؟

تأمل الشخص في كلمة الحب واعتقد في قرارة قلبه أنه لم ولن يدخر في حياته حبا لأحد إلا له وحده.. وقد عبر عن هذا الاعتقاد بقوله: 

- لو أمرني أن ألقي بنفسي في النار لألقيتها.

سأله رضا مستغربا:

-  إلى هذا الحد!

-  أجل.

في هذه اللحظة جرت شجارات صاخبة في قلب القطيع مما أحدث جلبة كبيرة، واشتباك دام ساعات طويلة راح على أثرها خلق كثير. مر رضا بصاحبه فألفاه في رمقه الأخير وقد أصابه ما أصابه من الطعن والضرب والركل. فسأله رضا بأسى:

-  هل يمكنني مساعدتك؟

تبسم الرجل مزهوا بانتصاره الموهوم وأجابه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة:

-  أيها الغبي المعتوه.. هل سمعت أذناك أو رأت عيناك في يوم من الأيام أن شهيدا احتاج مساعدة  أحد.  أفاق رضا على عالم مدينته الأولى الغريب بكل مافيه من صور وأحداث.

صحا على عالم لا ينتمي إليه البتة. عالم مظلم.. ظلمة دامسة كظلمة الموت. تنهد رضا معاتبا حلمه:

- لماذا فارقتني أيها الحلم وقذفتني وسط هذه الخراف؟

أجابه الحلم ضاحكا:

-  لست ملوما عما يؤول إليه واقعكم، فلقد خلقتم في هذا الواقع لتحقيق أهداف كبرى لا يعي حقائقها إلا ذوي النهى الرشيدة.

إن انفصالي عن الآخرين هو لازم ذاتي لعالمي. حدثه رضا مستفهما:

-  هل سنلتقي تارة أخرى؟ فأجابه الحلم برأفة:

-  أجل..  فأنا ملهم العلماء والأدباء، ومؤنس السجناء والمرضى، ومثير حماسة العشاق وثوار التغيير والحرية.

لا تقلق يا صديقي فأنا معك دائما، وسأدعوها الآن لتتصل بك. فانطلق صوت فائزة من أمكنة قصية ليتسلل إلى قلبه تسلل المطر إلى عروق الشجر. سألته لهفى:

-  لماذا لا تكلمني أيها الحبيب؟ فسألها معاتبا:

- أين أنتِ؟ِ.. لماذا أبَتْ دنيانا أن لا نحيا إلا في بطون أحلامها. فردت متألمة:

- ربما لم يأن الأوان بعد. فسألها بامتعاض:

- متى يأن إذن؟

بكت متمتمة:

- لا أدري.. لكن يتحتم علينا في عالمنا هذا أن نكبت جميع أمانينا، ولا نبوح بأحلامنا. رد مؤنبا:

- أليست شرائعنا هي من أباحت تلك الأماني. فأكدت له:

-  وعاداتنا تأبى ذلك. فسألها:

-  إذن ما جدوى ارتباطنا بذلك العقد

-  لأحيا معك في الحلم.

- لم أعد أطيق هذا الحلم البتة.. لابد لنا من أن . نترجم أحلامنا وأمانينا إلى حقائق تحيا تحت الشمس وإن أبان لنا ذلك الوحش المتلفع  بالتحضر أنيابه ومخالبه.  فقالت له مذكّرة:

- أولم تناشد الحلم مرارا أن لا يعيدك الى عالمكَ الموبوء.. لماذا تصمتْ.. قل شيئا؟ 

تخربش حلم رضا.

 في الأثناء ظل الحلم راقدا بالمقربة من فائزة، هامسا في روعها:

- أليس من الجور أن الحب يتماهى مع الحلم، بينما عاداتكم المستهجنة لها أسواق رائجة في دنيا البغضاء. نَشجَت:

- أعرافنا تنّين مارد لا طاقة لي على ردعه. فأجابها الحلم بحزم:

- بسالتك وحدها كفيلة بقطع لسان التنين. فردت منكسرة:

-  قطع لسانه مؤلم.. مؤلم جدا يكاد يعكر صفو انتصار الحب.

بكى الحلم ووعدهما بانتشالهما من عالمهما المزري كلما سنحت له فرصة اللقاء بهما.

وهكذا ظل الحبيبان يتأرجحان بين مدينتين.

***

قصة قصيرة

جليل كريم

 

ريكان ابراهيمماكنتُ أعرفُ مامعنى رحيلِ أبٍ

            حتى رحلتَ فصار الحزنُ أغنيتي

وصرتُ أعرفُ انَّ الكونَ اجمَعهُ

                  خالٍ بدونِكَ من معناهُ يا ابتي

وأسألُ الناسَ إنْ يضحكْ لهم أحدٌ

          أتضحَكونَ وفي بطنِ الثرى رئتي؟

كأنّما لم يمتْ الاّ أبي فلقَدْ

              كتبتُ فوق يدي بالوشمِ: لم يمُتِ

نسيتُ كُلَّ منادى حين غادرني

                إلاّ أسمَهَ فهو ما أبقاهُ من لُغتي

وصار سَيّدَ أوقاتي البكاءُ على

                   أبي وأصبحتِ الآلامُ سيّدتي

في كلِّ زاويةٍ مني أرى أثراً

                   فكُلُّهُ فيَّ مطبوعٌ على شفتي

ولم أزُرْ قبرَهُ يوماً لأنَّ أبي

                  حيٌّ ويسكنُ في قلبي وأقبيتيِ

ولستُ أرثيهِ ،هل يرثى الخلود، وفي

             ذكراهُ أصبحَ كُلّ الكون اجنحتي؟

فأقسمت خلجات الطهرِ في بدني

                 ان لا أُغازلَ ممدوحاً بأخيلتي

            

                   ***

ياليتني جئتُ من أُميّ بدون أبٍ

                كي لا يموتَ فألقى فيه كارثتي

او أنّها أنكرتني أنْ اكونَ لهُ

                 أو أننيّ مَيّتٌ في بطنِ والدتي

أو أنَّ ذاكرتي شاختْ على صِغَرٍ

                حتّى اذا ماتَ لم يخَلدْ بذاكرتي

أو أنْ يعودَ أبي من موتهِ ليرى

        حُزْنَ العواطفِ في روحي وأوردتي

أقولها وأنا منها على ثقةٍ

        وصيحةُ الصِدْقِ في أوتارِ حَنْجرتي:

لن يعرفَ المرءُ حُبَّ الوالدينِ لهُ

              حتى يصيرَ أباً أو ثَدْيَ مُرضعة

          ***

د. ريكان ابراهيم