صالح البياتيللذين هووا للأرض ولكنهم ارتفعوا للسماء

في لازمان الصباحات الأبدية يتساقط لامكان المدن المنسية بلورات ثلج فاق جمالها كواكب الأفلاك البعيدة يتلبد الدم بين زنابق الماء وخصلات الشعر معجونا بالغار والملح كصفحات كتاب لم يفتح بعد ودم يطرز الأحرف وجراح نازفة تسجد بين الأسطر آثمة تختبئ النصال والرصاص الأحمق يحرق ذؤابات العشب تاركا دموعا في مهب الريح ينغرز الحديد في اللحم الطري يتوسد مكاناً بين العظم والعصب أو يتوارى خلسة في القلب في حد السيف رعشة برد في الدم دفء النار وبالرصاص طيش جنون وقرقعة أصوات في الظلمة وبمصابيح القمر ضوء ناعم ينساب كالحرير على جسد العروس يرسم بسمة كبيرة في ليلة الزفاف وابن أدم حين هوى للأرض كانت الملائكة نيام في السماء او سجود لله لم ترفع رؤوسها بعد بكت عليه وتضوعت روائح الجنة وصدحت الجراح وغنت الأسلحةً توارت إعتراها الوهن وعلاها الصدأ ركام في المتاحف كآبة وقذى في الأعين السنابل تحصدها المناجل فتزداد القاً تحت أشعة الشمس الرقاب تحزها السيوف فترتفع أهلة فوق المآذن وخشبة الصليب صهوة جواد تسنم ذروتها المسيح ينسكب الدم كالخمرة فيتحرر تموز من عالمه السفلي وترتفع راية الشهادة فوق ضريح الحسين وعلى ضفتي الدجلة ينفض الحلاج تراب رماده.

 

صالح البياتي

عبد الرزاق الصغيرلا عليك

قبل أن تذبلي

سأذيل قصيدتي بصورك

*

أزهار العليق

شاحبة

وجوه المصطفين في الطابور

*

شتاء

وانت تتكلمين

بخار تنفسك

الصيف نفسه

*

لا أحد يأبه للأقحوان

على الهامش

قصيدة

*

في المدن البعيدة

لا تهمني أخبار

الذين باعوا

*

الرصيف ضيق

لا يهم المارة

كثيرا زهر الياسمن

*

صمتا أيها الشاعر

الأزهار

تترنم

*

لا تهم الحلكة

نوار النافذة

ليس وهم

*

الليل

في المحطة

ليس غير خيوط ضوء واهوية

قفة سعف منسية

*

في غرفتي سخام

لا أدخن وليس لي لحية

ولا غليون

*

ببساطة و بين قوسين

على طاولة السرير

كأس ماء وقرص منوم

*

رأس الجندي

دون واقي

دمعة على حد خنجر البندقية واقفة

*

فراشة محنطة

تضج

طفلة تلحس البوضة

*

مع الغروب

رويدا رويدا يجرح خجل

القصيدة زهر مسك ليل

*

يغسل المطر

قباب الإكليل

شيئا ما يحز في قلبي

***

عبد الرزاق الصغير مع حبي

 

نور الدين صمودغَــضِـبْـتُـمْ لِـغَـيْــرِ شَــــيءٍ

                        فـَـعاد الهَـوى شِقـاقـَا

وَصِـرتُـمْ لـنـا خُــصــومًـــا

                         وكُــنْــتُـم لنَـا رفــاقا

فَــكــم ذا ركِــــبْـتُ وحْـدي

                         خيالَ الهَـــنا بـــُراقَا

وكــم ذا شَــرِبْــتُ صَـفـْـوًا

                         كؤوسَ الهوَى دِهاقَا

ولِلْــغـابِ أَلْــــفُ ظِـــــــــلٍّ

                         تَـراءى لنـــا رِواقَــا

وفــي الــروض لاح زهْــرٌ

                         تَــحَــلَــّى بِـه وراقَـا

يُــحيــط الشذا بِــقَـلبــي

                      فـَــما أجْــمَلَ النِّطاقَـا؟

تـُـــرَى لَـم أكُـــنْ جَـــديـــرًا

                        بشُرْبِ الــذي أراقَـا؟

فَــمــاذا دَهَــــى هَـــــوانــــا

                        فعــاد الهَــوى نِـفاقَا؟

وأضْــحَى الصَّـــفا خِـصامًا

                        وكـان الصَّـفا عِــناقَا

***

أ . د:   نورالدين صمود

8/11/1974

.....................................

* ملاحظة: هذه القصيدة على بحر المضارع وهو نادر الاستعمال قديما وحديثا لا يوجد منه في كتاب الأغاني للأصبهاني سوى أربعة أبيات.

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

صوتُ أُمِّي شاحبٌ هذه الليلةَ

وغريييب

كأنَّهُ هذا الزَّمنُ

يصرخُ بي :

لا تُصغِ للأمواتِ

أصغِ للموسيقى

التي تُشعُّ من قلبكَ

كأنَّها النُّور

أصغِ جيداً

إنَّها تُعيدُ ضبطَ إيقاعِ

هذا الوطن ..

*

انتبه:

المطرُ مُلوَّثٌ

والغيمُ موبوءٌ

بالفسادِ

تغيَّرَ لونُه

كما تتغيَّرُ القصورُ

والنِّساءُ

والكحولُ

والعطورُ

وأساورُ الألماسِ

والذَّهب !

*

انظرْ:

ذاك السِّوارُ في معصمِها

ينزِفُ دماً

بلونِ الفقراءِ

وتلكَ الأزِّقةُ تبكي

كما يبكي الجياع !

*

كيف ترنو إلى وطنٍ يحميكَ

وأنتَ لا تُتقنُ لغةَ الرَّفضِ :

لقد علَّموكَ منذ كنتَ في المهدِ

لغةَ الصَّمتِ

والخضوع !

*

اقرأْ حروفَ الذُّلِ

على جبينِ الأطفالِ

والشُّيوخِ

والنِّساء

اقرأْ ما يقولُه اليأسُ للشَّبابِ

واشربْ نخبَ موتِ الأجنَّةِ

في رحمِ الأحلام !

**

د. عاطف درابسة

 

هناء القاضينحن نقرأُ الغد في عيون من نحب

وبمنأى عنهم ..ننسى أنفسنا في الماضي

**

هذه الريح لو تكّف عن طرق نوافذي

لو تهدأُ قليلاً وتمنحني شيئا من الغمض

**

يا بعيدي

وحدكَ تعرفُ أني لا أحب الشتاء

لا أحب وحشة أمسياته

وأشعر بالحزن حين تحجبُ الغيوم زرقة السماء

**

أعرف أنك موجوع

ويقتلني أن الدروب بلا محطاتٍ نلتقي فيها

وأعرفُ

أنك لم تعد تحترف الوعود

وأن النجيمات لم تعد تحمل الأمنيات

**

كلهم عاشوا

وأنا بقيتُ عالقة بين ماضٍ وماض

أبحثُ عني في جفاف الوقت

وأحلمُ بحدائق عمرٍ ضاع

...في انتظار ما لايأتي

***

د هناء القاضي

1-3-2019

 

صحيفة المثقفانثى أيضا

حمدا

وتضحك "بيبي"

عن بضعة أسنان..........

وتبتسم الجدة

قسما بالله

قد أحسن ربي اليَّ

فورثتْ عني أنثى

عزمي وحضوري

وتلافيف دماغي

وحنيني

وبضعة أشياء أُخرى

لا يمكن أن تجلب

بالمال وبالسطوة

قسما أحسن ربي اليَّ

في الزمن الحالي

المرأة خير حصاد يد

وقامتها مرفوعة

لها راس  جبل

لا تهزأ من قمته ريح

ويغتسل قبل الأرض

بالمطر

الكوثر

يتطهر قبل الفجر

ويحمدل للباري

قسما أحسن ربي اليَّ

إذ أسند سقفي وجداري

بغير القش المنفوخ

والريش العاري

الا من شمخرة الطاووس

وخيالات الظل

اللاتي تتلوى  تتباهى

لا تغني شيئا

قسما أهداني الله

نافذة وضياء

وأريكة عزٍّ

اتكأ في ظلتها

زيتونةْ

ما ينفك ابريقها يسكب يسكب

دنانا

حبا وحنانا

والقمة صبر

***

سمية العبيدي

 

 

صحيفة المثقفنفور

ذُعرتْ الحروفُ، تزحلقَ الفعلُ بعصا الفتحِ، تاهَ في أتون التأويل، تمرَّدَ الفاعلُ على الضَّحية، تولَّى رئاسة الجُّملة، اعتلى هرم السَّلطة، هربَ المفعول به في ذكرى الجَّلْدِ.

 

شاهد

مرَّ شريطُ الزَّمنِ مُسرعاً في ذاكرتهِ، بدأ بِعَدّ القبور، جمعَ الأشلاءَ المقطَّعة في كيسٍ يصرخُ من التُّخمةِ، لملمَ رمادَ الأجساد برقعةٍ منْ علمٍ مُمزق، ملأ قارورته من النَّهرِ الأحمر، نعقَ الغرابُ، غرَّدَ البلبلُ تعساً للحربِ.

 

تكاتف

بحثَ الأصبعُ في رُفاتِ الوطن، حملَ رمادَ البائعِ المُتجوّلِ، هرعَ اللسان لإنقاذ العين الذائبة، كنستْ جدائلُ المرأة العجوز رذائل المُندسّين، أغرقَ النَّهرُ مفخخةً أخرى تتوقُ للجهاد.

 

مسخ

رفضَ الانتماءَ، قطعَ حبلهُ السّري بمخالبه، اقتاتْ على بقايا فريسة الغرير، احتسى ماءَ وجهه، نهشَ ركامَ الغرائز، قطعَ رأسَ قرينه، منحتهُ الغابةُ براءة اختراع.

 

ظــلام

رتَّقَ لسانهُ، تحشرجَ الحقُّ في فمه، توعدهُ السَّوطُ بتهمةٍ جديدة، حطَّمَ تمثالَ الهدهدِ بيدٍ واحدة، استطالتْ قدمهُ المبتورة نحو المنارة، كُتبَ على قبرهِ غازلَ ابنتنا المدللة.

 

ضمور

طفقَ يخصفُ التَّاريخ المُمزق، يُراقبُ المُشادَّة القائمة بينَ النَّهرين العظيمين، كشفتْ الضفتان عن لمعان الكنوز، طفا حمورابي باصقاً فوق بقايا مسلَّته المسروقة.

 

هالة

وقفَ أمامَ المرآة متهاوي الشُّعور، ابتسمَ منكمش الجَّبين، أطلقَ تنهيدةً متقطّعةً، هربتْ مِنْ فمهِ عبارة: إنّي أراني أعْتَصِرُ غدرا، عكستْ المرآةُ أجساداً هلامية تقفُ خلفه، عندما حاولَ الإمساكَ بها قفزَ مِنْ حلمه مصطدماً بفزعِ أفعى تحاولُ لدغه.

***

دعــاء عــادل

 

سليم الحسنييومٌ من كل عام، يعيش في أوله فرحةً طاغية، وفي آخره حزناً عميقا. يتذكر في الصباح مقتل المعلم الأول، فيغرق في فرحة الشماتة، يمد لسانه للهواء، كأنه يتذوق الفاجعة، فتسري بداخله نشوة لا يُفضّل عليها نشوةً أخرى. لكنه في آخر النهار يسمع أن ذكراه تجددت، فتغطيه غلالة سميكة من الضجر والغضب.

لقد أدرك أن أصحاب الأساطيل يكرهون المعلم الأول، فأخذ ما في صدورهم من غلّ ودسه في صدره، يستزيد من الكراهية ضعفاً وضعفين وثلاثة، كأنه يريد أن يأمن عليها، خشية أن تنقصها الأيام.

في هذا العام، كان غضبه منفلتاً، لقد تسربت بعض أسراره الى الناس، فاهتاج في صدره ذئب جائع. أمر خادمه أن يدعو المعتاشين. جاءوا يحملون أبواقهم ومزاميرهم، قبّلوا الأرض بين يديه، اصطفوا أمامه بالخنوع الذي يحبّه. استعرضهم جيئة وذهاباً بنظرات غاضبة، تراخت سيقانهم، اضطربت قلوبهم. وحين سمع من صدورهم نشيد الخوف، خاطبهم:

ـ لقد أفسدتم يوم سعادتي، وأطفأتم شمعة فرحي، وهبتكم شيئاً من رضاي، فما أحسنتم المبادلة، سأستعيده منكم، فلستم له أهلا.

 أطبق عينيه على نظرة ساخطة ودخل غرفته. كان يعرف أنهم سيقتلون أنفسهم لإرضائه، لقد روضّهم بنبرة الغضب، حتى استطابوا الانكسار أمامه.

كان يمسك الغضب بيد، ويضع الأخرى على الختم المسروق، كأنه يستعين به ليثبّت قلبه حين يرجف بالخوف.

لقد أنس بالراحة وهو يرى نفسه يُرعب المعتاشين. لكنه ظل يعاني من أولئك الذين طووا الشغاف على قراطيس المعلم الاول، فبقيت قلوبهم تنبض بإيقاع الأيام السابقة، كيف السبيل لهؤلاء؟.. كيف يمكن أن أجعل عيونهم تراني كما أريد؟ مثلما يراني الخائفون مني، الحذرون من غضبي، الطامعون بودّي.. كيف أقهرهم؟ أريد أن أراهم ينظرون لي أميراً.. ملكاً.. سلطاناً.. سأجعلهم كذلك، أنا الذي جاءته فرصة العمر طائشة فحولها الى زمن من البقاء الثابت، ألم أجبر غيرهم على ما أريد؟ سأحني رقابهم أمامي، وسأضحك طويلاً.. معي الأساطيل وأصحابها، قرأتُ أوراقهم، وسأفعل ما يأمرون.

أوشك النهار أن ينتهي، بعث خادمه يتلصص في المدينة، عاد اليه بالخبر:

ـ لا تزال كتبه في المدينة، ولا يزال قبره شاخصاً، بل رأيته يرتفع كأنه سيُبعث جبلاً من جديد. لا تقلق أيها الأمير، سيكفيك أمره أصحاب الأساطيل ورجال الهيكل.

أخفى وجهه بكفيه، همس بصوت ناقم:

ـ أيُّ عمل يبقى وأيُّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك، لا والله إلاّ دفناً دفنا.

 

سليم الحسني

 

ريكان ابراهيميُخاطُبني وآهتُهُ دَفينةْ

                  وأدمعهُ دمٌ، جرحَتْ جُفونَهْ

فألبسني رداء الخوف ممّا

                   سأفضي في مُعلقة حزينةْ

سما في محوه حتى تلاشى

                     وحين ارتدَّ علَّمني فنُونهْ

وأدّبني فكنتُ لــه تُقاهُ

                وعاقرني فصرتُ له مُجونَهْ

خفيٌّ لا أراهُ، وملءُ عيني

                غلالتهُ التي افتضحَتْ كمينهْ

كساني ذيل بُردته وأغفى

                     وحين أفاق لقننّي جُنونهْ

أجبريلٌ، ولستُ به نبـيّاً؟

                   وآياتٌ ووعيي كان دونهْ؟

أأحلُمُ؟ لا أظنُّ. بأمِّ أذني

               سمعتُ نداء صيحته السجينةْ

إذن ماذا؟ أقمتُ صلاة شكّي

                   لعلَّ الشكَّ يفضحُ لي يقينَهْ

تجرّأ انْ يكون بديل صوتي

                 ونائب فاعل الذات الطعينةْ

وحيّرني التمردُّ في سؤالي:

                  تُرى ماذا أكونُ لكي أكونَهْ

فلا منْ مارد لأصُدَّ عنهُ

                   ولا مِنْ طينةٍ لأمسَّ طينَهْ

وهبُه كان يغريني فمــاذا

               رأى فيَّ الذي يُغري ظنونَهْ؟

فذو قبُلُ إذا أعرضْتُ عنهُ

                وذو دُبٌرٍ إنْ احتجت المعونةْ

وقفتُ على الصراط أجيلُ طَرْفي

               وصرتُ بكفِّ مأساتي رهينةْ

يغيَبُ فلا أنامُ وحين يبدو

                       يُعيد إليَّ آلامي اللعينةْ

ولا أدري من الاقوى؟ يقيني

                أم الشبحُ الذي أهوى فتونَهْ؟

وقد ناشدتُه الفتوى لحالي

                    فعاتبني وقطبَّ لي جبينهْ

وقال سألتني واراك تدري

               فهل يُفتى ومثلك في المدينةْ؟

***

للشاعر ريكان إبراهيم

 

 

فتحي مهذبهكذا تسعل أصابعي

مثل جثة لم يكتمل موتها السريري..

أسمع فرقعات داخل مفاصل البرواز..

أظن أن ثمة جاسوسا ميتافيزيقيا ..

يمسح نظارات أبي الميت

منذ تعفن أقدام القمر ..

واصابته بحمى المستنقعات..

ليختلس كنوز الضوء المتبقية

في منحدرات عينيه..

أنا مستاء من قرقعة العربات

المليئة بالهواجس..

المسرعة مثل صحون طائرة..

تهبط من تلة رأسي المأهولة بزيزان غريبة..

باتجاه أمكنة موحلة..

أنا محارب قديم

أجر رهائن كثرا من جواري الكلمات

أصغي الى ايقاع كروان

يقيم تحت لساني..

عزائي الوحيد ..

نسيان آثار الجريمة..

مكوثي على حافة الهاوية..

واستنباط طرائق أكثر جدوى

لإحياء طفولتي المضطهدة..

واستئصال المسامير من رسغ

الوعي الأشقى..

هكذا أنعى الورقات الصفراء

التي سقطت من شجرة العمر..

مثل طائر يبكي بمرارة

في بهو كنيسة آيلة للسقوط..

هكذا أنا وحصاني..

مدججين بشهوة فظيعة

بمسدسين فصيحين

لاعتقال قطار الليل والنهار..

وقطع أصابع الحتميات..

واعادة المطلق الى حضن العائلة..

هكذا مهمتنا الذهاب الى لامكان

لترويض فهود الفراغ اليومي..

والغناء في الأماكن المعتمة .

***

فتحي مهذب

 

قصي الشيخ عسكرلكن الآنسة ضحى عبد الله لم تكن هلوسة قط!

ولانذير انتقام.. أبدا..

ذكرى جميلة مثل الخيال دامت ثلاث سنوات ثم تلاشت!

في هذا الفضاء البارد اللانهائي ظهر فجأة الدفء القديم تحت طيات السنين الخاملة.. كيف عثر عليها في هذا الكون المترامي الأطراف بعد أن سطع الماضي قويا في ذاكرته بل ليقل الحقيقة إنها هي التي عثرت عليه، فتراءت له من آيونات الماضي.. مجرد ظهورها أمامه بشكل مفاجيء وهو عائد إلى الأرض يدل على مدى قوة المخابرات السوفيتية تلك الدولة التي بدأت تتهاوى الآن وتتفكك.دولة عظيمة انهارت على الأرض وبقيت قوية في السماء التي أنكرتها !!هل تحزن السماء أم تفرح لانهيار دولة كانت هي العظمى الأولى التي فتحتها؟ ضحى العبد الله نفسها كانت ذات يوم تنكر الغيبيات والسماء فهل غيرت قناعاتها الآن؟ أيها السيد كورباتشوف المشاغب المتفائل الغرب يعجب بصلعتك حقا. " بهاءالخالد " أيضا يراك ويرى الوحمة على هامتك فيخيل إليه أن رأسك يشبه كوكبا ما والوحمة أرض .. رقعة تراب تطفو على كم هائل من الماء ومن هذه الرقعة يأتي التغيير.. أجدادنا العرب كان أحدهم إذا بلغ الثلاثين من عمره ولم يصلع حفوه ولم يكونوا ليعرفوا بعد علاقة الصلع بالسياسة.. ياترى كم من السياسين من يتمنى أن تكون له صلعة ووحمة ربما هي أمنية تشبه رغبة رائد فضاء في رؤية نبات له ينتعش مقابل النافذه التي يتسلل منها ضوء خافت من النجوم وسط ذلك الظلام الهائل الحالك.تحدث عن هذا في مجاملة مقتضبة مع رائدة الفضاء السوفيتية "كاتريشا" مديرة محطة مير.. كانت أحاديث العلماء موجزة عامة حتى لا يسيء السياسيون فهمها. قالت له لئن أشد مايضايقها حقا تلك الصفرة التي تلوح على أوراق النبات أمامها من شحة الضوء.. الكلام نفسه ينطبق على شجيرة الصبار الصغيرة التي صحبها معه من الأرض ووضعها مقابل كوة في مركبته يراقب منها فلول الظلام المنفلتة من سديم الكون.

وهاهو في الظلام كان يرى كل شيء!

عيناه تتوغلان في الكواكب والنجوم التي تبدو مثل حبات اللؤلؤ المتناثرة وسط الكون المترامي الأطراف. إنه في عمق الفراغ : تساءل وهو في مكانه داخل مركبته وعيناه تحومان بين النافذة حيث الظلام وشفق يلمع من أقصىنقطة: هل يعقل أن أقبض على الكون بيدي ومازلت أخضع لتأثير كوكب صغير لايعادل حجمه في هذه السعة الواسعة ذرة لؤلؤ.. سلط عينيه على عدسة ترصد الأرض فكاد ينسى الكون .كان مثل الساحر الذي يجلس قبالة بيضة بلورية الشكل.لم يكن كل شيء مثلما يتوقعه.في محطة الأبحاث شكّل مع السيدين "بيرازي " و"ميلر" ثلاثيا متكاملا.مختلفا ومنسجما.. وعلى الأرض تعايشت إلى الآن قبل لحظات ثلاث كتل كبيرة: العالم الاشتراكي .. الرأسمالي .. العالم الثالث.قبل دقائق أو أيام وفق الآيونات المهاجرة من الأرض إلى الفراغ تحررت الأرض من إحدى الكتل!. بدت نهاية العالم قريبة والحرب الباردة مقدمة لكارثة لاتبقي ولاتذر . نحن الآن في الفضاء ثلاثة . يقول أحدنا إنني إذا رحلت إلى الماضي حيث طرف المجرة قد أفجِّر الكون.. أصبح مثل قنبلة موقوته.. متفجرات بمائة كيلوغرام تهد بارجة عظيمة في البحر.. نكتة أقرب إلى المحال.وأول الظواهر الدالة انهيار الكتلة الشرقية.. مازال بعضنا نحن العلماء عاجزا عن التحرر من مقاييس الأرض التي يطبقها - دون أن يعلم- على الفضاء.. خرافة.. ثم وفق أسوأ الاحتمالات يستطيع الماضي الذي يحمل عقلا قاتما مثل العالم السفلي الذي عاشه جلجامش أن ينقلب عليه وحده بدلا من أن يضحي بالعالم كله من أجل فرد واحد هو أنا.إذا كان الماضي له عقل فبإمكانه أن يروضني أو ينتقم مني وحدي لكوني أستفزه أنا ابن الأرض في الفضاء.. لاينكر أن أي واحد من العلماء ذو أثرة يفضل أن يمضي في تجربته من دون مراعاة لهواجس زملائه.. "بيرازي " يجرب خلق استنساخ الكون تحت نفق في الأرض ثم يرحل إلى الفضاء ليرى فقط أبعاد التجربة وهو داخل مركز البحث.. لايغامر في الخارج.. يأمن الأرض على الرغم من مأساته ولايثق بالفضاء الذي لو تأملاه لوجدناه أكثر حنوا على " كاكارين" من الأرض!. و"هايفن ميلر"يرى أن المستقبل الذي نسعى إلى فك إشاراته يحمل بريقا ساطعا لايعشي أعيننا بل يمنحنا ومضة من هلوسة. جرعة من الضوء تزداد حدتها بمقدار توغلنا فيه.ليكن هذا لكن ظهور"ضحى العبدالله " الزميلة القديمة في أثناء عودته إلى الأرض بعد خلل مجهول طرأ على المركبة الفضائية فجأة غيّر كل حسابته عن الماضي.

لقد تيقن تماما من أن العالم بدأ يتحلل من أحد أقطابه المهمين!

والزمن أيضا يمكن أن يتحلل إلى جزيئات يمكن إعادة ترتيبها من جديد!

العالم الشيوعي .. المعسكر الاشتراكي.. في هذه اللحظة يفنى .. الأساس في هذا المعسكر الاتحاد السوفيتي وحده بكل قوته العظمى الهائلة وترسانته النووية. من يناطح الغرب سواه.كوبا أم فيتنام؟ بولندا . الجيك دول ضعيفة تجري في فلك السوفيت غير أنه كان يرى أبعد من وحمة ظاهرة على هامة كورباتشوف. بلا شك سوف يتغير كل شيء، فأين تذهب "ضحى"؟ أية دولة تقصد وهي الشيوعية العتيدة التي لم تتخل عن مبادئها قط؟ أهو حب كاد يكون مخفيا طالعه به اعتكاف في الفضاءوسعى به إليه ماض حذره منه السيد"بيرازي " قبل البدء بتجربته تلك؟لايظن أنه أحبها يوما غير أن هناك إحساسا بالراحة بات يراوده اي وقت يجتمعان فيه فمن المحال أن يكتشف باحث في الخمسين من عمره أنه أحب قبل أكثر من ربع قرن ولم يدر عن أحاسيسه من قبل.هذا هو الماضي ثعلب مخادع.. لايبدو وحشا كاسرا .. إذا كان يحب ولم يدر بنفسه لانشغاله في الدرس والبحث فللا ينكر على نفسه أنه أحب فتاة تنتمي- من حيث المعتقد- إلى ثلث الكرة الأرضية .حين التقاها بعد عودته إلى الأرض في الفضاء أدرك تماما مدى قدرة المخابرات السوفيتية السابقة ومدى تقدمهم العلمي.لقد التقط إشارة من رائد مركبة مير القريبة من الأرض يسخر فيها من السياسيين في بلده: أيها الرفاق أنتم تتشاجرون الآن أما انا فلدي مايكفيني من مؤنة وطعام مدة ستة اشهر اطمإنوا سوف أهبط حين تنتهي المدة حتى وإن لم تتفقوا على حل مشاكلكم.الحق إنه كان قلقا من أحداث الأرض التي تابعها في عزلته من خلال شاشة أمامه وعبر تأمله بذرات جاذبية شرق المجرة المتكاثفة عن الماضي وفق الترتيب التجاذبي الكهرومغنطيسي حيث بدأ يتذكر الايام الماضية يوما يوما وكان هدفه أن يصل إلى السنوات الأربع التي عاشها في قسم الفيزياء بجامعة البصرة فيكتشف أن أقوى العلائق التي عايشها هي إحساسه الخفي تجاه "ضحى العبد الله" التي لم يجتمع بها في أي مكان سوى قاعة المحاضرات ومختبرات البحث ومقصف الطلبة.

لامفر من ماض عاش فيّ ولم أدركه.. هذا هو أول اكتشاف غير متوقع سلفا في تجربته..

كانت هواجسه وأحاسيسه تنصرف باتجاهين ذرات شرق المجرة الخفية حيث يجرع منها مايجعله يعايش الماضي لحظة بلحظة ومايجري على الأرض في الساعة الراهنة ثم يسأل نفسه هل مايحدث هناك على الأرض يؤثر في الكون؟ نظام يحكم ثلث العالم بدأ ينهاركانت الكتلة الاشتراكية تتهم الماضي وتقع في حبه في الوقت نفسه.. إقطاع .. رأسمالية.. فكرة الله.. بدعة.. التجرد عن مخلفات قديمة مع ذلك تفخر بإنجازات ذلك الماضي.. الكاتدرائيات . المتاحف.. الموسيقى الكلاسيكية.. بحيرة البجع.. الروايات والشعر الموروث إنها ماض لم يتحرر منه رافضوه وهو لم يهرب مثلهم منه بل سعى إليه لذلك رفض نظرية وحشية الماضي وانتقامه التي جاء بها السيد الإيطالي مديره في المحطة . إنه لايريد أن يحمل الماضي مالاطاقة له به لكنه مقتنع بأن مايجري على الأرض لابد أن يؤثر في الكون سواء كان التغيير من الطبيعة أم المجتمع. هذه الأرض كانت تدور ذات يوم أسرع مما هي عليه يومُها حينذاك ساوى اثنتي عشرة ساعة وبفعل زلازل قوية تأثر محورها فكان يومنا بأربع وعشرين ساعة ولو حدث زلزال مرعب لجعل يوم الأرض أطول سيتغير طول الكون فكيف نقبل التغيير الطبيعي ولا نرى أثرا لانهيار كتلة اشتراكية كبيرة حكمت لسنوات ثلث الأرض؟

راح يراقب باهتمام وقلق من موقعه في المركبة مايحدث على الأرض وكأنها أحداث تمر في الحلم . من يصدق أنه وهو على مسافة أبعد من طريق التبانة يستطيع أن يعرف مايجري على الأرض في غضون ساعات.. ثورة في بولندا. انهيار كامل داخل رومانيا. وانفلات في جيكوسلوفاكيا سبقه بركان في بوخارست!

هل دخل العالم في فوضى أم نظام جديد وقد قالت له " ضحى " ذات يوم: العالم يسير نحو الكمال فمحال أن ترجع الساعة إلى الوراء.سوف تنقلب شعوب على أنفسها لتكون الأرض غير الأرض " وأكدت قولها بثقة مطلقة" إنه المنهج العلمي الذي كان له السبق في غزو الفضاء!

 لكنه أعرض عن كل ذلك.. لف البللورة البيضوية بإصبعه وتوقف عند مكان دراسته.. البصرة .. الجامعة.. قسم الفيزياء يوم كانت الجامعة في التنومة.. ذاك زمان انفلت وها هو يرسمه في لوحة الفضاء.. سلط مكبرة ألكترونية على المكان فتحسس أطلاله كما يتحسس شاعر قديم آثار قوم رحلوا منذ عقود.. أما آثار التجربة فكانت واضحة .. شاخصة مثل مغسلة ثقبتها قطرة من سائل حارق؟.. ياترى لو تمكنا من العثور على مادة تحرق الزمن ألا يمكننا أن نحرق السنوات السيئة التي مرت بنا.. بالضبط مثلما تحرق أشعة الليزر الأورام الخبيثة؟ كانت الجامعة هنا. لايريد أن يراها في الكرمة موقعها الجديد بعد اندلاع حرب الخليج الأولى.. ماتزال في التنومة وبدا الناس متعبين مثقلين بهموم شتى أولها مخلفات الحرب.. هناك دول أخرى تتغير أنظمة تنهار والناس هنا متعبون مثقلون بهمومهم وأحزانهم:

نحن نراهن على النائب شاب يساري سوف يتغير عنئدذء تصبحح دول الخليج الرجعية محصورة بين نظامين تقدميين اليمن الشيوعي والعراق!

الثوري اليساري!

هل يعقل ذلك؟ سياسي قدير يندفع بعاطفته.. يلغي كل مراكز تفكيره هؤلاء يرونكم عملاء تابعين لروسيا ببغاوات تردد ماتقوله موسكو ويرون ذوي اللحى جواسيس للغرب والقوميين صبايا القاهرة المهزومة هؤلاء يضمرون الشر بالآخرين دائما وما كل شيء يمكن أن يقال علنا فلعلك تصبحين يوما عن طريق الإكراه منهم فتنقلين جل كلامي إليهم:

لا أشك في كلامك غير أني لاأستوعبه.

ياصديقي العزيز المنظومة الاشتراكية وفرت الطعام والسكن والعلاج لشعوبها فمحال أن يرجع العالم للوراء.

أنا معك .. لن أخالفك الدواء والغذاء والسكن مهم لكن ليس من الضرورة أن ينقلب كل منا إلى أبي ذر فيحمل سيفه .. السيد المسيح نفسه قال..

فقاطعته بابتسامة ساخرة:

أعرف ماتعني أنا من عائلة مسيحية والدي برجوازي كبير الدكتور عبد الله اليوسف يربح من عيادته كل يوم المئات لكن أما كان الأجدر بهؤلاء المساكين أن يعالجوا مجانا كما يحدث في موسكو وبراغ وعدن.. المسيح قال ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان وقال أيضا أعط لقيصر مالقيصر كان ذلك قبل أكثر من الف وتسعمائة سنة والعالم يسير إلى الأمام نحن أبناء اليوم!

ومال على أذنها هامسا كأنه يخشى من رقيب صارم:

هناك شيء محير في سلوك أي يساري يقف في صف كتلة موسكو كيف لاتثقون بأفراد مثل والدك الذي تسمينه برجوازي كبير وتثقون بتغيير حزب مارس التسلط قبل سنوات!

هذا هو خطأ البرجوازيين أمثالك نحن نخاطب عقلية المجموع إذهب إلى أي فلم في أية سينما ستجد النضارة يصفقون كلهم في وقت واحد بعقل جماعي لمشهد ما إنهم يفرحون بوقت واحد والآن بدأت مراكز الرأسمالية تنهار مثلما حدث في فيتنام وكوريا واليمن الجنوبي والكونغو هناك عقل جماعي في حزب البعث يمكن أن يندمج مع اليسار قد ينتكس هذا العقل إذا ماذكرناه بمآسي الماضي فينتعش اليمين على حساب ضمور اليسار أفهمت أم مازلت في عنادك!

الأيام بيننا وسترين!

لايهمه كل ذلك تجاهل انقلاب بولندا وثورة رومانيا وأعرض عن انهيار الاتحاد السوفيتي.. هؤلاء الناس الناس المتعبون. هل يقدر أن يساعدهم.. هم الآن في حال رثة .. راحت عيناه تحملقان في وجوههم التي تساوت ألوانها بلون ملابسهم الكالحة مع الغبار العالق بأحذيتهم.. شيء مخيف حشود تثور في أوروبا وآخرون معزولون تماما عن العالم ربما تنتظرهم كوارث قد يجرفها إليه زميلة العالق في رحلة المستقبل ذات يوم.

متى يحدث ذلك، وهل بإمكانه تفاديه؟

سأل نفسه وأضاف: مادام قد رحل في الماضي وانقلبت إليه منه "ضحى العبد الله "تلك التي تستفزه باندفاعها السياسي ويستفزها بحب قديم مكتوم فالأولى به ان يعيد صياغة الماضي متحاشيا قدر الامكان سلبياته منتظرا في الوقت نفسه اطلالة شحنة من المستقبل قادمة من غرب المجرة حيث زميله الباحث " ميلر" ليخفف من حدة الماضي وسطوع المستقبل في مزيج واحد يكون أشبه بالعالم الجديد!

***

الفصل الرابع

في تلك اللحظة ويداه قابضتان على الأرض البللورية شعر كما لو أن ذرات الماضي التي تكاثفت في الطرف الشرقي من المجرة حيث تقف المركبة في أعماق ضبابية شفافة وأصداء كهرومغناطيسية كما لو أن تلك الذرات تلتبس بأحاسيسه وخياله فيقتحم بعضها عليه عزلته مع الأرض ليعيده إليها من جديد وبعضها الآخر يتكاثف بجوه القاتم حول المركبة كأنه يهم أن يطرق النافذة الزجاجية فيدلف إليه.. حاول أن يبعث بإشارة إلى محطة البحث الرئيسة الرابضة على الكوكب "القزم " فتذكر أنه أصبح منذ هاجر إلى شرق المجرة ماضيا قاتما وقد لايجد السيد الإيطالي في مكانه الآن؟ أين هو ياترى؟من المعقول أن يكون في سويسرا أو إيطاليا ومن غير المعقول أن يكون تلاشى، فهاهي ذرات الماضي القاتمة توحي بأمر ما ،وخطرفي ذهنه السيد " ميلر " لكن ما الذي يمكن أن يفعله؟ أنا الآن ماض وهو مستقبل فكيف يستقبل الإشارة؟ لم يتوقع نفسه في خطر ما.. كانت تجربته تتماشى مع تغيرات الأرض لكن هناك شيئا ما خارج مركبته الفضائية يدعوه.. فكر ثانية أن يخرج من القمرة من دون البدلة الواقية ثم استسخف الفكرة.. هو الانتحار بعينه.. الموت.. لعل الماضي يبدو أليفا لنا أما إذا أصبح حاضرا فله القدرة على أن ينقلب إلى وحش كاسر.. ربما كان زميله " بيزاري"محقا في تحذيره.. الماضي وحش أو مخادع يقتلنا حين نستفزه. حاول أن يتجنب اليأس وينسى فكرة الموت.. هناك كتلة هائلة على الأرض جربت التنكر للماضي فبدأت تنهار مثل قشة.. . وأنا حاولت الهجرة إليه والتحقق منه .. ليس من العدالة أن ألاقي المصير نفسه..

عدل الوسائد الهوائية وتحسس صفائح المركبة وقوة الاستشعارثم غادر موقعه.. ترك الأرض في مكانها على الشاشة.. ثم القى نظرة ساخرة على وحمة غورباتشوف.. واقية الصدمات . قنينة الأوكسجين.. البدلة الثقيلة كل تلك التجهيزات تمنعه من أن يحتك مباشرة بذرات الماضي غير أنه لابد من أن يواجهها خارج المركبة.. كان يراها عبر زجاج النافذة تتكاثف كل لحظة.. كل ساعة.. تصبح طاقة فاعلة ومازالت على الرغم من كثافتها الهائلة ودودة أليفة . في السابق تصورها مثل جحيم جلجامش عالما باردا قاتما لاحياة فيه ننزل إليه حين نموت.. وهي كذلك سوى أنها الآن تتخذ مكانها شرق المجرة.. تزداد وتنمو كل دقيقة تنصرم على سطح الأرض.. وتحقق ذاتها باتجاه المطلق

كان يغادر المركبة ويواجهها وجها لوجه!

ظلام واسع وفراغ هائل..

هو ذاته أصبح محور الكون.. الأفلاك تدور حوله فهناك ومضة من بعيد نقطة لامعة تشير إلى الشمس وثمة الأرض في المركبة أما هو فالكون يدور حوله يداه تحددان الشرق والغرب ورأسه وقدماه.. البدلة تعيقه إلى حد ما . هو الآن بعيد عن الأرض التي تركها في مركبته. يمكننا أن نتقلص .. نكون بحجم الجراثيم والأرض بحجم قلب الإنسان لكن مايشغله تلك اللحظة عن داخل المركبة سيل الثواني المنصرمة .. هي أمامه تكاد تلامس وجهه واحدة واحدة يراها تقرع عليه الزجاج الصقيل الذي يفصل عينيه عنها.. ملايين.. مليارات .. مليارات الثواني المنصرمة المنفلتة من الأرض تأتي إلى شرق المجرة تداعب وجهه وتنصرف .. كلما جاءت ثانية جديدة أزاحت التي قبلها. راحت الثواني الماضية المتأينة بالمغناطيسية وجاذبية الكون تبتعد وفق قدومها فيظل الأحدث وصولا قربه ثم ينزاح في كتل تكبر وتنمو متجهة نحو أقصى الشرق إلى بعد لايدركها فيه بصر أو عقل أو وهم.. ثوانٍ ماضٍ ونجوم تلوح من بعيد كأنه رآها ذات يوم قريبة منه في ثقب مغسلة نشأ بسبب انسكاب قطرة من حامض حارق ؟ هكذا هي الكواكب والنجوم يصلنا ضوؤها وقد تكون ماتت وربما ينشطر ذلك الثقب الصغير القريب منا في حمى الماضي ليصبح عددا غير متناه من الثقوب.. لم يكن ثمة مانراه سديما ولا كويكبات صغيرة إنما هو ماضينا يتكاثف لعيوننا وأي منا يقترب منه مثلما اقترب " بهاءالخالد" يجده شاخصا أمام عينيه كما هو بالضبط من دون زيادة ولانقصان فأين ياترى هي "ضحى العبد الله " ولم هذا الحنين المفاجيء إليها.. مثله مثل الجالس قرب نبع لايأبه به إلا حين يفارقه.. سنين مرت والتجربة على الأرض أنسته مشاعره وعواطفه ثم كشفت تجربة الفضاء عنها بشكل مفاجيء لم يتوقعه! الثواني المنزاحة تتجمع في دقائق وتلتمّ بشكل ساعات والساعات في أيام والايام في سنين.القادم توا يزيح الواصل قبله إلى مكان أبعد غامض الاتجاه.. هنا المتجردات .. المتجردات أفضل تسمية لهنّ.. يشعرن. وينطقن بشكلهن.. يكشفن عن حقيقتهن.. كل واحدة منهن تُقرَأ وتـــُسمَع وتــُرَى بوقت واحد.. في هذه البؤرة أدرك أن الماضي وهو في الفضاء يشترك مع المستقبل في الغموض ثم تيقن من دهشته .كان قد سأل أستاذ الفيزياء في الجامعة هل يعقل أن تنفرد الأرض وحدها بالمخلوقات والمخلوقات العاقلة وهناك مليارات المليارات من الكواكب والشموس شيء مخيف أن ننفرد وحدنا بالحياة فندور على أرض يلفها ظلام وخواء. نحن سكان الأرض نشعر بالعزلة والكآبة حيث نعيش وحدننا في كون لايشاركنا العيش فيه أحد.. لم يكن يهمه أن يكون الاستاذ مؤمنا بالله أم لا. حدث ذلك في السنة الجامعية الأولى ولم يكن قد تعرف بعد بالآنسة "ضحى العبد الله".. الآن يدرك حقا مدى خطورة الأرض. سوف تظل تدور على نفسها وحول الشمس . كل دقيقة يعيشها أي منا عليها هي تاريخه الذي يرتفع باتجاه الكون وسوف تظل ذرات الماضي تتأين وترتفع إلى الأعلى نحو شرق المجرة تسير باتجاه اللامتناهي ولو كان الكون متناهيا لانفجر على نفسه إذن وتناثر إلى متناه آخر.. أين هي ذرات ماض لفرد عاش حياة امتدت خمسين عاما قبل عشرين ألف عام على الأرض.. إنها في كل لحظة تندفع من شرق المجرة مركز الماضي باتجاه لانهائية الكون فهي الأرض ذاتها التي رسمت تلك اللانهائية العظيمة المرعبة .. كان واقفا أو مستلقيا باتجاه ما.. لقد رآى عن بعدٍ سنواتِ ذرات متأينة لها.. لايريد أن يغالط نفسه فيتهم عينيه من وراء القناع الزجاجي.. يحس بها قريبة منه.. لم تتقدم نحوه خطوة. هي هي بقوامها الفاره وجسدها المليء وسمرتها اللذيذة.يدركها نقطة رائعة في هذا الكون المتلاطم اللانهائيّ تنزاح عنه ببطء تزيح ماقبلها وتخضع لدفع آيونات سرت بعدها.. وشدما ازدادت دهشته حين أبصر الصليب يتأرجح تحت رقبتها ويتمايل فوق فتحة قميصها.. مسيحية سمراء. السمرة لون شائع في العراق غير أنه نادر عند المسيحين .لايدري لم يربط بين البياض النقي المثير ومسيحي العراق لولا الصليب لما شك قط في أنها مسلمة كان وقتها عهد الرسميات قد انتهى بينهما .. هو في السنة الثانية متقدم على زملائه وهي الأقدر على زميلاتها وزملائها من طلاب السنة الأولى:

هل تؤمنين بالله؟

سؤال كثيرا ما أجَّله وماطَلَ الوقت حوله حتى إذا ما توطدت العلاقة بينهما تجرأ في عرضه. لم يفاجؤها سؤاله فليست المرة الأولى التي تسأل بتلك المباشرة والصراحة من آخرين:

تلك مسألة لم أفكر بها قط؟

صَدَمَه جوابها فأراد أن يلتقط أنفاسها بأي شيء حتى يحضر جوابا آخر:

ماذا تشربين؟

لاشيء هكذا نحن أفضل!

لاشيء وتلك مسألة لم تفكري بها قط يعني أنك الاقرب إلى الإنكار والشيء الذي لفت نظري الصليب إنه رمز الإيمان والروح والتضحية وأنت شيوعية علمانية ألا يدل ذلك على التناقض؟

أبدا لا.. ها أنت تقول إنه رمز النقاء والتضحية من هذا الجانب فقط أليس هناك شيوعي من عائلة مسلمة يذهب إلى المسجد و يلطم في مناسبة عاشوراء؟وابتسمت مضيفة:

هل تصلي ؟

أحيانا أو في المناسبات . رمضان .. عاشوراء..

مسلم ولاتصلي إذن هي الشكليات والمجاملات!

ربما الخوف من الله!

إذا كان الله خيرا كما تقولون فهو لن يخيف!

أليس هناك اعتبارات أخرى؟

فهزت كتفيها قائلة:

بلا شك عامل الجمال له أثر كبير في هذه المسألة مثل القرط وحلقة الزواج!

المعروف عن الشيوعيين أنهم كادحون لايعيرون أهمية للشكليات!

فكرة خاطئة تحملونها أنتم البرجوازيين عنا. العامل هو الذي يخيط الملابس ويبني البيوت ويستخرج الذهب من المناجم فهو أحق بها من غيره!

مع أنك صنفتني ضمن البرجوازيين فأقول الله يسامحك لأنني مازلت آخذ مصروفي من والدي!

ياصديقي العزيز لاتزعل أنت عالم كبير تستحق وأنت طالب أن تدرِّس في الجامعة وسوف تصبح عالما كبيرا هذه شهادتي العلمية فيك لكنك من حيث الانتماء برجوازي!

ربما كان لي غرض من سؤالك عن الله لاتظني أنه غرض خبيث لأن الواقع يفرضه.. تصوري حزب عريق مثل حزبكم انفض الناس من حوله مجرد صدور فتوى من مرجع ديني ينبه الناس فيها إلى موقف الشيوعيين من الله لكن صدقيني ليس هذا هو المهم بل المهم إني واقع بين اثنين أو بينكما أنت التي تأكلينني بكلامك بعد أن نفرغ من البحث والدرس والتجارب ثم مرافقي " خليل العمران " الذي لايعنيه سوى التجربة والدرس ومابعد ذلك الصمت والبرود.

قاطعت مؤكدة:

ألاحظ أنه قليل الكلام!

ولايرغب بمجاملة أحد حتى يخيل إلى الطلاب أنه مترفع يأنف من الحديث مع الآخرين!

سألت بفضول:

من أين هو!

من عائلة فلاحين تسكن البوارين!

مثل هؤلاء لايعون واقعهم الطبقي فيعرضون عن الاحتجاج والمعارضة بالانزواء وقلة الحديث!

فقال ساخرا:

حاولي أن تجري رجله!

فردت بسخرية أشد:

بل اسأله أنت عن الله .

ليس قبل أن تجيبي!

إذا كنت مصرا فسأجيبك كي لاتقول تهربت: ياسيدي كل حقيقة تتعرف إليها في واقعك اليومي هي الله!

بعض سعادة وتأمل وسلام في حديث ماض يكرر نفسه بشكل أكثر صفاء ثمة قليل من الخوف الذي قد يتلاشى إذا طالت وقفته أو رقدته في هذه الظلمة الضبابية المتجهة إلى اللامحدود فكيف يشق طريقه إليها في الظلام لأنه وإن كان يبصرها خارج المركبة وهي القادمة من مستقبل قريب إلى ماض قريب.. على مرمى أمتار ضوئية منه لم يتلمس الألماني الطريق إليه بعد. هل يعقل أن الماضي يتحسسنا والمستقبل نفسه يتأخر في الوصول؟ وهو الذي افترض من خلاله أن السيد الألماني الآن قابع في المستقبل ولابد أن ينساب إليه.. لعله يشك في نفسه كونه ماضيا وفي السيد " ميلر " أيضا حيث المستقبل فهو لايشك قطعا في أن الحاضر يتمثل بزميله " بيرازي " .. نقطة الوسط .. ولابد أن تمر الدقائق والثواني القادمة من " ميلر " عبره فإما ان يأتي اليه وحده أو يأتي الإثنان معا فلا يتعجل..

امتدت يده إلى المسدس الضوئي عند أعلى فخذه .. وجهه نحو الأفق المترامي. أين هو الحاضر والمستقبل الآن.. سيمران به لاشك.. كل شيء يصبح ماضيا .. كرر السؤال وبعث إشارة إلى زميليه : إنه عالم رائع.. كل العالم يتحرك الآن؟ كيف أنت ياسيد " ميلر " كيف أنت ياسيد" بيرازي " أظن أنكما سوف تقتحمان عليّ عزلتي من جديد .. ضغط على زر المسدس الألكتروني الموصول بالبدلة الواقية وانتظر الجواب.. رسالة مهمة من الماضي لكنه لم يسمع شيئا.. حملق في الثواني المتواصلة الهطول حوله المارة به كالنجوم بفارغ الصبر.. إزاء تلك الفرضية التي جعلته يظن العالم يتلاشى فيه فكر ثانية أن يخلع قناعه الواقي ليكون وجها لوجه مع الثواني الماضية تلتحم فيه ويلتحم بها دونما أي حاجز أو سدّ ما.. بلاشك شعور غريب يرِّوض جسده.. ففي كثير من الأحيان ، خلال المهمات الفضائية،يجد رائد الفضاء نفسه أمام عمق من السواد .. امتداد حالك يسبب الغثيان أما البرودة فيكاد يحسها تعبر إليه من نافذة المركبة وهو جالس يواصل مهمته، وتكاد تلامس أضلاعه فتنخرها من وراء البدلة الواقية بالصقيع اللافح بخاصة عندما يغادر المركبة سابحا في الفضاء.. هذه المرة كانت أعماق السواد وحركة الكون داخل مكان التأين حولة رائعة جدا تبعث البهجة في النفس بل تكاد تغريه بالتحرر من بدلته الثقيلة..

 فجأة .. . تراجع ..

 صرخ فيه صوت زميله " بيرازي " من بعيد:

الماضي وحش كاسر سوف يفترسك !

وهتف من أعماقه :

 ربما ننتحر معا.

ثم في آخر لحظة.. خانته شجاعته.. لم يفكر في التوغل مسافة أطول خشية من أن يتحول إلى سديم ثوان متأينة فينقطع عن مركبته فدب إليها وهو يشعر بجاذبية محمومة تكاد تبتلعه. هنا أدرك أنه أحسن صنعا حين لم يبتعد في الفراغ مسافة أطول فتلمس سطح المركبة وأعاد وضع الكوة والمفصل الحلزوني إلى ماكان عليه ودفع جسده من جهة القدمين داخل الفتحة واستعان بالجوانب المعدنية ليقذف بنفسه داخل المركبة فانزلق قرب النافذة .. أول ماوقعت عليه عيناه شجيرة الصبار،فأزاح القناع وتأكد من أغلاق الكوة المفضية للخروج ثم تخلى عن البدلة.. جسده .. عيناه.. شكله.. يداه قدماه.. أشبه بالبالون الذي يمكن أن يرحل بطيئا مع الموجات التائهة في أعماق الفراغ ثم في أقل من ثوان معدودة عاد تصلبه إليه ثانية فتماسك.. .كان قد نسي نفسه فلم يلتفت إلى عطش شديد يجتاحه.. بعد لحظات امتص زجاجة صغيرة من سائل شفاف وازدرد حبة من طعام محفوظ في كبسولة بأحد أدراج المكتب عندئذ وقد استعاد انفاسه وتحرر من ثقل الذرات أعاد الإشارة من جديد وتطلع إلى الشاشة التي استقرت قرب الكرة الأرضية الشفافة التي لما تزل تنقل أخبار الناس على الأرض.. كل شيء على مايرام.. شعوب تمارس التحلل وأخرى تسقط وأمم تغير أنظمتها أما هو فلا يعرف شيئا عن زميله في مركز البحوث:

السيد " بيرازي " كنت بعثت لك إشارة من خارج المركبة هل وصلت؟

لم يظهر أي رد فأرسل مرة أخرى:

الى"بيزاري" هل وصلت إشارتي السابقة؟

كلا أما الآن نعم!

أنا الآن في داخل المركبة ياسيد "بيزاري"

فانطبعت على لوحة الضوء الإشارة الجديدة:

أنا لست السيد " بيزاري أنا" دوبير جوليه " زميلك القديم في بحوث الفضاء!

***

د. قصي الشيخ عسكر

 

نبيل عودةلأول مرة لا نختلف على ان صيف هذه السنة كان صعباً، ولأول مرة نتبادل في سرنا ان المرحوم اختار توقيتاً سيئاً لجنازته، وسيجعلنا نتذكر يوم موته أكثر من كل ايام حياته.

قلت لصديقي الجالس قربي، لا أدري كيف ستتدبر النساء امرهن في هذا الحر وداخل غرفة تكاد تكون مسدودة عن الهواء من كل الاتجاهات، ونحن نكاد نموت اختناقاً من غرفة تهويتها أفضل. قال انه لا خوف على النساء. سيتدبرن أفضل منا. قلت في نفسي هل هي عودة لاختلاف الآراء، ام هو موقف من المرأة؟! وأضفت بسخرية همساً ان الدموع ستختلط بالعرق، ولن نعرف من منهن أكثر حزناً.

نجحت بالحصول على ابتسامة عريضة استطالت حتى كادت تقيم خطاً واصلاً بين اذنيه. امتدت الابتسامة لوقت اطول مما هو مسموح به في وضع الحزن المفروض ان نظهره في وداع صديقنا المتوفى. الاطالة بالابتسامة لا تليق بالمناسبة ولا تليق بنا. زجرته بنظرة معبرة فضم شفتيه الى بعضهما، مستعيناً بكف يده، وكأنه يحاول ان يمنع امراً ما من الانفلات. ربما ضحكة، "سيسوّد وجهنا!!" تمتمت هارباً من الموقف وكأني اؤكد لنفسي:

-صديقنا المرحوم كان طيباً..

كانت محاولة لجر الحديث لما هو لائق، بعد ان كاد صديقي الجالس قربي يفضحنا. فالمرحوم صديقنا منذ وقت طويل، ولا يختلف عنا ولا نختلف عنه. له حالاته ولنا حالاتنا. ايجابياتنا وسلبياتنا تختلط احياناً حتى يصعب فرزها عن بعض. الطيبة والسوء تندمجان. همومنا أكبر من ان نفرز بين الخصال الطيبة والخصال السيئة. كل شيء في حياتنا متداخل. احياناً هناك فائدة بل ضرورة لكي تكون سيئاً، رغم جيلنا المتقدم، عشنا حياتنا بكل لحظاتها، فهل نستطيع ان نواصل ما كنا به بعد فقدان ضلعنا الثالث ..؟!

- طيبته هي التي جمعت بيننا هذا العمر الطويل، لم نفقد مجرد صديق.. نفقد أنفسنا ايضا.

نظرت الى صديقي، فرأيته يهز رأسه علامة الموافقة. مرة اخرى يتفق معي .. او ربما يعارضني بأسلوب لم اعهده من قبل. قال:

- الطيبة تبدو سلبية اذا اكتفينا بها لوصف ما كان عليه صديقنا المرحوم بالفعل.

هل يزايد علي أم يسخر مني؟! ام لعله يقصد مدح طيبته الذاتية ايضاً؟ سايرته صاغراً:

- الكلمات تعجز عن التعبير، للأسف اننا فقدناه.

- خسارتنا كبيرة.

نظرت اليه، فبادلني نظرة بنظرة وتمتم بحزن ظاهر:

-ليرحمه الله ..

همست في اذنه:

- وليرحمنا معه في هذا الفران الملتهب..

قال وهو يدفعني خلسة بكوعه:

-هذا الاختناق من الحر الملعون يصعب علينا حتى الحديث عن المرحوم.

قلت لنفسي ان عقلنا ذاب ولم نعد نعرف هل نتنفس هواء نظيفاً ام نستنشق ثاني اكسيد الكربون الذي تطلقه انفاسنا في اجواء هذه الغرفة/الفران، والذي يزيدها سوءاً تعبيق دخان السجائر في سقفها، ملوثاً هواءها، دون ان يجد له مخرجاً الا بالعودة مرة اخرى لرئاتنا وكأنها مصفاة دخان.

لعنت الساعة التي قبلت فيها بالجلوس داخل الغرفة، بدل الانزواء في ساحة البيت الاكثر تهوية، رغم ان الشمس تضربها معظم ساعات النهار. حرارة الشمس اهون من جو الغرفة. على الاقل الهواء نظيف من دخان السجائر والتنفس أسهل.

- الله يرحمه.. لم اصدق انه مات .. هل يموت الطيبون امثاله؟!

التفت الى مصدر الصوت، وزجرت ابتسامة كادت تفضحني. كان المرحوم يقول عن "صاحب الصوت" انه بصعوبة يرد عليه السلام، ولكنه على ثقة اذا حدث وان مات قبله، سيكون اكثر المعبرين عن لوعتهم بفقدانه، ولن يتردد ان يتبوأ مركز الصدارة في الجنازة، والوجبة عن روحه، وأيام التعازي .. وها هي نبوءته تتحقق .. شعرت بسخرية عميقة تجتاحني وتكاد تطلق لساني بما لا يليق بجو العزاء، وتابع "صاحب الصوت" مظهراً لوعته وأساه وحيرته:

- فقط امس رأيته.. وقفنا نتحدث بضع دقائق ..

همس لي صديقي ان هذا الحديث كذب، وانه بصعوبة كان يبادله السلام ..

قاطعته:

-معلوماتك موثوقة بشهادتي.. لم تجدد لي شيئاً، صديقنا المرحوم كما تعلم، غائب عن الوعي منذ اكثر من أسبوعين .. منذ ادخل المستشفى، ويبدو ان صاحبنا هذا لم يسمع بتلك التفاصيل، اصبر وسيتغير الامس الى فترة ملائمة لرقود صاحبنا في المستشفى، قال لي همساً:

-ابن الـ ...

وعلقت الكلمة بين أسنانه. هامسته:

- إنس، اعبر الى غيرها.

- لم يتعرف عليه في حياته ويريد ان يتزعم في جنازته؟!

- صاحبنا المرحوم كان يعرف ذلك..

- لله في خلقه شؤون.

همس قريب للمرحوم في أذني، بعد ان سمع بعض همساتنا:

- هذا ابن عمنا، لا ينفع الا في الجنازات.. نكاد لا نراه الا في جنازاتنا. مهمته ان يقبرنا. عندما يفتح فمه لا يعرف ما يقول. تعودنا عليه .. مصيبتنا به اكبر من مصيبتنا بالمتوفى .. يدعي ما ليس فيه.

- معلوم... كان المرحوم يتطير منه ولا يتحمل مجالسته.

- ما باليد حيلة، نرجو ان يلهمه ربنا الصمت... على الاقل حتى يمر العزاء!

عاد "صاحب الصوت" يزأر:

-سبحان الذي يغير ولا يتغير.

يبدو كتلميذ نشيط، مستعد لإلقاء درسه الذي حفظه غيباً. وها هو يحرك يديه بالطول والعرض، ويجمع نفسه داخل المقعد الوثير، ويتنحنح، قلت بصوت مرتفع قاصداً قطع الحديث عليه:

-الحر هذا الصيف غير طبيعي، روحنا في حلقنا.

تأفف الجميع بموافقة تامة. ولم تخل تأففاتهم من تعليقات ومشاكل شخصية مع الحر، حتى يبدو ان الحر يختارهم بشكل شخصي. دفعت صديقي بفخذه، ليساهم بقطع الحديث عن "صاحب الصوت" حتى لا يقتلنا بوعظته في هذا الجو القائظ والملوث بالدخان، فهم قصدي وانطلق لسانه بحدة ظاهرة مصوبا عينيه على صاحب الصوت:

- الصمت اسلم الامور في هذا الحر.. الصمت رحمة في هذا الجو الخانق، ما قولك يا ابن عم المرحوم؟!

وصلت الرسالة!! ربما فيها شيء من الوقاحة؟ زأر "صاحب الصوت" بشيء من الضيق وعدم القبول:

- الموت حق يا اخوان... لا مفر من هذا الحق، والانسان يا اخواني....

قاطعه صديقي تلقائياً، دون ان يشعر انه يتجاوز اللياقة المفروض ان يلتزم بها في مناسبة كهذه. لكن يبدو احيانا ان للياقه معاييرها المختلفة. اضاف صديقي :

- كنت وصديقي (واشار الي) والمرحوم لا نفترق عن بعض، ورغم رقوده في المستشفى غائباً عن الوعي لمدة اسبوعين.. الا ان موته صدمنا.

فهل سيصر "صاحب الصوت" الان انه التقى صاحبنا المتوفي أمس؟! يبدو ان الرسالة وصلت فآثر صاحب الصوت الصمت حتى يجد منفذاً جديداً ..

قلت لنفسي ما بالي انشغل به، وهل هذا يغير من الحال؟! ولكن يبدو ان الحر بدأ يفرض تأثيره ويغلب سلبياتنا على ايجابياتنا. بصراحة طلعت روحنا. وقلت لنفسي: غريب امر الانسان، ماذا يكسب من الادعاء الكاذب والكلمات التي لا رصيد لها؟ هل يقدم او يؤخر ما قد وقع؟! هل يغير حالة المرحوم ويجعله صاحب عمر أطول؟! وهل يظن انه بكلماته الفارغة يحقق مهمة العزاء، فيطيب خاطر اهل الفقيد؟ قلت لنفسي ايضا: ربما يظن حضرته ان لولاه لما كانت الجنازة، ولما كان الحزن، وربما ما كان الموت. فالموت حق على من مات. اما الاحياء فلا يريدون الموت .. لا يريدون هذا الحق .. حتى حضرته لا يظهر ان الموت حق من حقوقه. ربما هناك ضرورة لتشريع هذا الحق في القانون ليقتنع البشر انه لا مفر منه. وسنحصل بلا شك على مساواة، بل وتفضيل ملحوظ. تفضيل في الموت وليس بمصروفاته. من المضحك ان الميت اليهودي يكلف الدولة أكثر من الميت العربي. ربما يعدلون الامر لتشجيع الموت عندنا، يجعلونه منطقة تطوير (أ) اسوة بالمناطق اليهودية فتتحقق بعض المساواة من حيث لا ندري، تطوير لليهود وموت للعرب .

تأففت من بطء مرور الوقت، وتيقنت ان هذه حال الجميع يستعجلون الوقت لإنهاء مهمتهم والتفرغ لشؤونهم الاخرى. تواصل صمت صديقي اثناء دخول مؤاجرين جدد، لعلي أرحب بهم وأكرمهم بمكاني؟ الدخان الكثيف يكاد يطرحني ارضاً. دوخة شديدة ووجع رأس حاد يعترياني. ما اللذة في تنفيخ سيجارة في هذا الحر وفي هذه الغرفة العابقة بالأنفاس والناس والدخان؟

احياناً تشدني افكاري لأمور لم افكر بها من قبل، ولو حاولت التقدير، لما رأيت اليوم امكانية ان يتداولها فكري. ربما هذا هو جزء من تخلفنا؟ هل يفترض ان تكون للتقدم مقاييس اقتصادية شكلية كالملابس والبيوت والسيارات؟ وبتجاهل مطلق لما يسببه هذا العشق للسيجارة والاصرار على تدخينها في مكان معزول عن الهواء؟ لماذا الاخر غير موجود؟ لو كنت مدخناً هل كنت أفعل نفس الشيء؟! هل اتهم السيجارة بتخلفنا وعاداتنا السيئة؟

استفاق صديقي من صمته وهمس بأذني:

- ما بال بغلتك سارحة؟!

-لم اعد استطيع احتمال هذا الجو الخانق.

- عشان المرحوم كل شيء يهون..

-انت تعرف حساسيتي للدخان. يفقدني وعيي.

- اهدا واصبر.

هل يسخر مني؟!

كالمستفز انتصبت واقفاً ومعتذراً:

- المعذرة، سأجلس في الساحة، اكاد اختنق من الدخان.

لم يعن الامر احداً كما يبدو. شعرت بنظراتهم الباردة في ظهري وانا اتسلل للخارج لاقطاً انفاسي بصعوبة، واخذت لي مقعداً في الظل شاعراً بتحرري من هم غير قليل. وقلت لنفسي مادامت هذه الحال فمشوارنا طويل. بعد قليل وجدت صديقي يسحب كرسياً ويلتصق بي.

- افترض اني مت.. ستلحقني؟!

- كل يموت على ذوقه.. ولن اياك ان تفعلها بالصيف.

كدت ابتسم رغم عصبيتي الظاهرة، وتابع:

- ظننتك ستقول شيئاً يطيب خاطر اهله؟

- ما عساي اقول ؟.. كنا ثلاثة لا نفترق فبقينا اثنين، للأسف لا أستطيع ان افكر بشيء. هذا الجو يرهقني، ولكن لماذا لم تتشاطر انت؟!

- ما يرعبني هو هذا الاستقبال البارد للموت حقاً يعز علينا فقدانه ولكني اشارك بجنازته وكأنه واجب، وليس كصاحب ثكل صاحبه.

- ربما نحن في مرحلة ما بعد المشاعر، ما بعد العواطف؟

- ابداً هكذا الحياة، مهما كان الموت صعباً.. تبقى الحياة أقوى. الخاسر هو الميت فقط!!

نظر الى ساعته ليخبرني:

- بقيت امامنا ساعة

- هل تستعجل التخلص منه؟

- ابداً، ولكه اختار الموت في يوم قائظ، وهذا سبب ضيقنا .

- هل ستحاسبه؟

تجاهلني وقال:

- أفكر فينا، اقول لنفسي هذه بداية نهايتنا.

- اتركنا من تشاؤمك ام ستبدأ وعظة انت الاخر؟

واضفت:

- جئت استريح من الجو الخانق. فلا تلاحقني بهم فوق همي. ومواعظ لم اعد اقوى على سماعها.

- لا اشعر بحزنك لرحيل صاحبنا ..؟

- هل تريدني ان اقف ماعطاً شعري..؟

- توقعت كلمة مناسبة..

- قلت لك كنا ثلاثة وبقينا اثنين.. ومن الاثنين سيبقى واحد ..

- أنا ام أنت؟!

- هل تظنني اتنازل بسهولة؟

قادنا حديثنا بعيداً عن اجواء الجنازة احياناً بمتعة نحاول اخفاءها واحياناً بعصبية. فلم ننتبه لأنفسنا الا والرجال يدخلون لحمل النعش في طريقه الاخيرة. فسارعنا نشارك بحمل نعش صديقنا، وللحظات كادت الدموع تفر من مقلتي.

سرت وراء النعش بخاطر مكسور، شاعراً ان جزءاً مني قد انتهى، ولم استطع ان افهم معنى هذا الشعور الذي اعتراني بلا مقدمات، وتابعت سيري وراء النعش انا وصديقي وعشرات الافكار التي لا رابط بينها.

***

نبيل عودة

 

صالح موسى الطائيأتـَراكمُ فوق الصمت ِ جثـّة َ شـِعر ٍ دون َ حُروف

وعَلى عُنـُقي يَتمشّى الموت ُ دون َ هُويّة

حيث المدينة ُ موحشة ٌ جداً بعناكبها

وبدمعاتِ العصافير

وبكابوس ٍ يُعيدُ اجترار الخرافة  في الرؤوس

فـَأين َ أدونيس...؟

أين َ دالي...؟

أين نورُ السماوات...؟

في هذا الليل البشري الملغوم

فالحديقة ُ ما زالَ يَحْجُبُ أزهارَها السخام

والبيوت ُ تعرّت ْ من كركرة الأطفال والعتبات

فـَبأيِّ دَهاليز ٍ مغوليّة ٍ يتكاثرُ هذا الحُطام ؟

أو في أيِّ ثأر ٍ وطفوف ٍ

يَعْصِرُنا هذا التأريخ ُ المثقوب...؟

حيث لا أحمرَ في الشفاهِ ولا في القلوب

لا أحمرَ في هذا العالم ِ غير الدم ِ المسفوح

فلقد سقطتْ كلّ ُ الشوارع ِ

والشوارب  والثورات  تحت شعار:

قد فاز َ بالأصوات ِ وبالموز ِ

مَن ْ كان قردا ً أصيلاً

أو مَن ْ كان يدَوْزن ُ أوتارَ شهوتِه ِ

بفحيح ِ الثعابين والأوبئة

حتى هرَبَ الشيوعيُّ الأولُ والأخيرُ

واختزَلَ الشاعرُ كلَّ قصائدِهِ

بصفير ِ الصمت ِ

وبـِحَشرَجَة ِ الروح ِ والجسد

فـَعَلامَ تـُراهن ُ يا أيها النخلُ اليتيم

وَعـَلى مَن ْ...؟

فـَهذا الليلُ بلا كأس ٍ وبلا طرقات

بلا فـَجر ٍ وبلا فـَرَج

أرصفة ٌ يلكزُها القلبُ بما تبَقـّى فيهِ

مِن ْ ذكريات

فـَأراها هامدة ً

تتجوّلُ فيها الأشباحُ والبهاليلُ

والديـ فـَخ ْـراطيّة ُ

والإنتحابات....

حينها أتـَراكمُ ثانية ً فوق الخيبة ِ

بين الأزَقـّة ِ التي تأكلُ جدرانها شوقا ً

لِضحكات الذين أضاعـَهُمُ المنفى

والترحالُ

والعصاباتُ

وتجّارُ المقابر والصلوات على محمّد وآلِ محمّد

***

شعر  صالح الطائي

زياد كامل السامرائيما لمْ يسمعهُ "بيتهوفن"

ماكان ليحدُث كل هذا،

لولا خُرافة البومِ.

وتصديقُ الموتِ

في القضاء على الخلائق

بالسحر والتأبين.

أنتَ ميتٌ الآن.

وكل الأشياء من حولنا ميتة أيضا

هذا يجعلكَ تكتبُ بيسرٍ

سيمفونية أكثر شُهرة من "التاسعة"

بعض الوتريات التي تعطّرتْ بمصيرنا المجهول،

دوّنها وسننصبك قائد أوركسترا، لبرلمان الموت العظيم.

واذا ما نشّزَ واحد أو أثنين بما لم يحفظ،

وهذا واردٌ جدا في لعبةِ الغرابِ مع البلبلِ

هشّهُ خارج السرب

كما يطرد أب، عن فم إبنه الجائع، الذباب

رغم صممك.

فان رمال الشاطيء تتحرك

ولا يأمرها بذلك

غير أمواج  موسيقاك المُشعّة.

سينتهي العرض

وتغادر ..... أعتاب الليل

والنشيد المزعوم..

الى قلب السهاد

في حضن بوصلة.

 ***

زياد كامل السامرائي

 

احمد راضي الشمريأطلقتُ في بحرِ الضياعِ شراعي

                      الشكُّ زادي والظنونُ متاعي

أنا مبحرٌ صوب الحقيقة تاجر

                         جشعٌ بلا حدٍ من الاطماعِ

ماعاد ما في السطح يشبع رغبتي

                       انّي اريد الغوص نحو القاع

ألجهلُ معبد أمتي وطقوسهُ

                      عِوَذٌ من التخديرِ والإخضاعِ

اشكوه همساً والمشاعر ثورة

                        بركانها يهتَزُّ في اضلاعي

نفسي تجاهرني وتسأل من أنا؟

                    وأنا اخورُ بمحنتي وصراعي

لن ارتضي غير اليقين جزيرة

                    يرتاح فيها العقل من اوجاعي

فيعودُ حراً إذ يكسرُ وهمَهُ

                ويزيل عن وجه الغموضِ قناعي

إن النجاة من الشكوك مكانة

                       عليا سابلغها بعمق ضياعي

***

أحمد راضي

 

عبد الجبار الحمديهكذا يلقبونه كونه يشبه ترامب بكل تفاصيل شكله.. حين فاجئه بمكره دامبي بالقول...

غريب أمرك يا هذا!! لم تسلط علي غضبك؟ فأنا مجرد ساعي أوصلت لك ما قيل لي شفاهيا، أيستحق ما سمعته أن يثير حنقك حتى اتلقى منك هذه الصفعة التي طالت رقبتي فكادت تكسرها.. ردد ذلك بعد أن ابتعد ثم بدأ بالسباب والشتم صائحا سألحق بك الضرر هذا وعد مني، ستتمنى أن اصفعك بدل الضرب الذي ستناله، حقا إنك رجل اخرق فأنت لم تعرف مع من ورطت نفسك.. القاك وانت بين يدي من لا يرحم.. تف عليك يا مخنث.. ثم ولى هاربا، لم يستطع من صفعه أن يقوم من وراء الطاولة التي جلس خلفها كونه يحتاج الى وقت لضخامة جسمه في فرصة لنيل من شتمه وتف عليه إضافة الى الزحمة وضيق المكان...

- قال له من رآه يصفعه... إنك تستحق ما أسمعك إياه من السباب والشتم، إنه ساع ليس إلا، أما ما نقله لك من خبر أثار غضبك وجب عليك ان تحقنه بداخلك وتزرقه الى من أرسله إليك، مسكين الفتى لقد أدمعت عيناه وكسرت خاطره، فما كان من ترامب إلا ان يرد عليك بالشتم والوعيد..

- لم يعجبه ما سمع فرد بفضاضة... من تكون حتى تقدم لي الوعظ والنصح!؟ أراك على شاكلته ترغب في صفعة تعيد لك وعيك تنهيك عن التدخل في شؤون الآخرين..

الرجل: لا ابدا... لأنك لا تجرؤ على فعلها كوني سأردها لك مضاعفة، وربما ستحمل على نقالة الإسعاف... ضحك من حوله ممن آزرو الرجل وقاموا جميعهم لمجابهته..

ما ان رأى ترامب أنه ليس في وضع يمكنه من الاستمرار رد مبتسما.. ههههه لم اكن أعني ما قلت، فالغضب نال مني، يبدو أني اخطأت بحقك.... أعني بحقكم أستميحكم العذر

الرجل: هيا لملم حاجياتك ثم أرحل، لا تعود لمثلها هنا او في اي مكان تجلس فيه، وأظن ليس في كل مرة تسلم الجرة يا... .. هههههههه

خرج ترامب وتلك الكلمات التي نقلها دامبي كأنها مطارق، خاصة انه أسمعها متقصدا لمن كانوا جالسين في المقهى العام.. فهناك من يعرفه لكن لا يتذكره، إنه من حثالات المجتمع الذين استطاعوا أن يغيروا جلدهم من مخنث الى قواد رخيص ثم الى رجل أتاوات جبان... فمن عمل معه يعرفه جيدا أنه لا يتوانى أن يبيع أي معلومة أو جسد بتهديد قوي، لذا جعله من رامه قوادا ان يجمع الأتاوات من الداعرات اللاتي يبعن أجسادهن على ناصيات شارع أو أركان تقاطعات.. فتلك الرسالة التي اوصلها دامبي تخبره بأنه لو أنه رجلا بحق عليه أن يواجه ماوكلي الذي أغتصبه أكثر من مرة ولم يستطع ان يحمي أسته، فكيف له أن يحمي بائعات الهوى من رجال العصابات الآخرين؟ خاصة بعد أن أُجبرن أن لا ينصاعن الى تهديد ترامب المخنث... تلك العبارة هي من تلقى دامبي الصفعة من اجل أن يوصلها بصوت عال أمام العامة في المقهى...

كان دامبي رغم أنه شاب يافع إلا أنه شرس، لا ينسى ثاره ابدا وقد علم من جاوره في تلك الرقعة التي يأوي إليها عندما يريد ان ينام، مكان خرب مليء بالمتشردين الذين تغص بهم جحور وانفاق الجسور والعمارات الآيلة الى السقوط، حتى المجاري لم تسلم من جرذان آدمية أتخذوها سكنا بعد أن رمت بهم الدولة عندما أنتهت أغراضها منهم... بلد يجمع الكلاب كي تعيش كالبشر، ثم يجمع البشر أمثالهم كي يعيشوا كالكلاب، لكن المشردة منها والجرباء... في تلك الليلة قرر دامبي ان يحيط صديقه المقرب مالكوم علما بما جرى له وعزمه على إزاحة ترامب المخنث من على وجه الأرض، فتلك الحثالة باتت تنغص حياته، كما همس لنفسه... أنه لم يتعرف علي رغم أن أمي كانت تعمل لديه، نال منها كثيرا بعد أن امتنعت عن ممارسة الدعارة وهي حامل بي... ذاقت الويلات منه فهربت حتى انجبتني، بعدها عادت الى الشارع للعمل مرة أخرى، فتلك المرأة العجوز التي آوتها واحسنت إليها قد ماتت، فما جاز لها بعدها ان تعيش دون عمل، لقد قطعت وعداً للمرأة العجوز ان لا تمارس البغاء ما دامت تحت سقفها وكنفها، كانت تعيش على المعونة الاجتماعية... احبتها، ساعدتها لأنها تشبه ابنتها التي هربت مع صديقها لأكثر من خمس أعوام انقطعت اخبارها حتى ذلك اليوم المشؤوم الذي جاءت الشرطة اليها كي تتعرف على جثة إبنتها التي وجدوها في احد الأزقة وقد فقدت عينيها وجميع اعضائها الحيوية... كانت جريمة بحق، لكن وبعد موتها اضطرت والدتي كي تعيلني ونفسها بأن تعود للعمل، تحملت الضرب والإهانة حتى بت في السابعة من العمر وترامب لا يعلم عن أمري شيئا، غير أنها كانت تخبرني بكل ما يفعله وتقول لي... عليك ان تحذر من هذا المخنث، فلو علم بأمرك لأستغلك لأغراضه الشخصية، لذا كنت بعيدا عنها لكني اراها خلسة، استمر الحال بنا كذلك حتى صدمها ترامب بسيارته بعد أن كشفت سره الذي أخفاه عمن يعرفه سواها... قتلها بدم بارد، وهاهي الاقدار قد وضعته في طريقي، لقد فر هاربا بعد أن اتهم بقتل أمي، فما كان من الشرطة الى جعلتها قضية باردة أخرى مع بقية القضايا التي لم تحل، الآن قد حانت الفرصة فما ان سمعت بأسمه من ماوكلي حتى استعدت معاناة أمي ومنظرها وهي تموت بين يدي، لن أنسى دموعها التي اختلطت مع الدماء التي كانت تسيل من رأسها بعد أن شج نتيجة ارتطامها بالارض... كانت أيامي حالكة الظلام، قاومت قساوة الأيام، دلفت الى العديد من الاعمال كي اجلب ما يسد رمق جوعي، ثم إلتفت الى مالكوم كنت معي يوما بيوم، إتخذتك صديقا لي لأن قصتك تقريبا مشابهة لقصتي، يبدو ان الطيور على اشكالها تقع حقا، فما قولك؟ هل أنت معي ام تبقي نفسك خارج الدائرة؟

مالكوم: تعلم جيدا دامبي أني معك في كل شيء، فدع عنك ما تُلَمح به.. لكن هل لديك خطة؟

دامبي: نعم لقد فكرت بالذهاب الى ماوكلي وأطلعه كذبا بأن هذا المخنث قد توعده بتحطيم رأسه وقطع قضيبه كي يحشوه في مؤخرته، وإنه سيأتي إليه حيث هو كي ينال منه... عندها وأنا متأكد من قولي سيأمر بجلب ترامب المخنث إليه حتى يرى شجاعته في تنفيذ وعيده، في تلك اللحظة سأنقض على المخنث وأمام الجميع سأطلق النار عليه من مسدسي هذا الذي اشتريته منذ زمن لأجله..

مالكوم: غريب أمرك فعلا!! رغم أني صديقك المقرب وتقريبا ملازم لك، لكني لم أعلم بقصة هذا المسدس... أما عن خطتك يا دامبي فالشيطان نفسه لم يفكر بمثلها..

دامبي: في الغد سأذهب الى ماوكلي وأطلعه على ما قاله ترامب، وأنا متأكد ان ترامب لا يقرب تلك المنطقة كونه يخاف ماوكلي ورجاله... اما هو فعُملَةٌ زائدة وجودها مجرد خدمة لصديق مجهول سادي، فما كان من ترامب إلا قتل أمي لأجله بعد ان أرادت ان تفضحه أمام زوجته... سيأتي دوره حين معرفته هو الآخر.

غضب ماوكلي حتى تصبب عرقا بعد أن اخبره دامبي برد ترامب، فأمر ثلة من عصابته بخسف الأرض كي يجلبوا ذلك المخنث وأمهلهم ساعة واحدة حيث المكان الذي يعرفون وإلا سيحطم رؤوسهم...

في ذلك السرداب الذي كان تحت أنقاض مباني قديمة ماوكلي ينتظر، كنت معه بعد ان توسلته قائلا:

دامبي: سيدي أرجوك دعني اذهب معك كي أرد له الصفعة التي صفعني إياها المخنث حين أخبرته برسالتك

فما كان من ماوكلي إلا أن ضحك طويلا وربت على كتفي قائلا:

ماوكلي: سيكون لك ذلك يا فتى سترى ما فعله رجالي بذلك المخنث...

أُشبع ترامب ضربا حتى غابت معظم ملامحه، فما ان رأى ماوكلي وأنا الى جانبه حتى أخذ يسبني.. يشتمني ويتوعد بقتلي.. ثم توجه بالحديث حيث ماوكلي متوسلا إياه أن يعفو عنه، فقد علم من رجاله سبب ضربه فعلق باكيا...

ترامب: كن على ثقة يا ماوكلي لم أقل أي شيء من ذلك، إنه يفتري علي صدقني، فأنا أكن لك كل إحترام، أعدك ماوكلي سأترك المنطقة برمتها.. بل سأغادر المدينة سأذهب الى أي مكان تأمر به..

كان ماوكلي يتطلع إلي وأنا أضحك على ما يقوله ترامب، بدا علي أني أتشفى بذلك فوجه كلامه لي قائلا:

ماوكلي: ما قولك دامبي فيما يقول هذا المخنث؟ ألست مخنثا ترامب وهو يدير رأسه حيث ترامب

ترامب: نعم سيد ماوكلي إني مخنث جدا

دامبي: سيدي.. لقد قلت لك الرد الذي قاله، لذا صفعني بشدة بعد أن اخبرته رسالتك وهناك العديد من الناس رأوه يصفعني ولولا هربي لكنت ميتا بين يديه...

ماوكلي: لا عليك دامبي سأجعلك تنتقم منه لنفسك ولأمك التي قتلها هذا الحقير، او تظن أني لا أعلم أنك إبن جاكي، لقد جاءت في مرة تشتكيه عندي قبل مقتلها باسابيع، كنت قد أطلعتها على سره كي تهدده، لكنها يبدو قد أساءت أستخدامه فعمد الى قتلها كي يخرسها.. حينها وفي تلك الفترة كنت خارج المدينة، وعند عودتي كان قد هرب وانت اختفيت، لقد أوصتني بك، هاهي الظروف تجمعك معي ومع هذا المخنث فأفعل به ما بدا لك... كان دامبي قد استعاد جميع ذكرياته مع أمه والليالي التي كانت تأتي تأن من تلقيها الضرب الذي يبرحه إياها والآثار على جسمها... تنام ودموعها على خديها، كل ذلك يزيد من كراهيته وحقده عليه... سارع دامبي بإتجاه ترامب دون شعور وقد صفعه بشدة مخبرا إياه.. ألم اقل لك ستنال الضرب قبل أن اصفعك.. بل سيكون موتك على يدي انا دامبي إبن العاهرة جاكي يا مخنث...

أخرج المسدس الذي كان يخبأه بسرعة وأطلق النار على رأس ترامب وسط ذهول الجميع.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي    

 

عدنان الظاهريتشاءم العراقيون من نجوم الظُهْر أو نجوم النهار

ثمَّ من النجمة المُذنّبة أو النجمة أم الذيل

***

هاتوا أُخرى ..

هاتوها ضوءا

سَقْفاً يتساقطُ أو نجما

كُنّا في الزُمرةِ مزمارا

كُنّا أضغاثَ خيامِ محطّاتِ الترحالِ

كمأةَ رملةِ طيشِ الشوقِ المُستشري صحراويّا

نتشبثُ بالجذرِ الناتئِ مِسمارا

نسعى للبرزخِ ماءً مسكوبا

نتنفّسُ إحصاءَ

خوفَ الأوبةِ مسحوقاً مجروشا

***

صفَّ الليمونُ كؤوسا

مدَّ الزيتونُ مِهادا

فهوى بُرْجُ الصهوةِ في رأسِ الريحِ القصوى

أقفلتُ برامجَ تلقيحِ الموسيقى لَحنا

أطفأتُ النجمةَ نورا

تتأقلمُ غسلينا

ألاّ يأتي سِربُ قطاةِ الموجِ العاتي مَدّا

عجّلْ لا تمهلْ

فِنجانُ القهوةِ في رأسكَ مقلوبٌ خطّا

ليُريكَ طلوعَ النجمةِ ظُهرا

قايضها من أرقِ الصيفِ سطوحاً أشباحا

عاطيها كأساً كأسا

أُنشرها لغسيل الموتى حبْلا

ها أنتَ رسولُكَ لا يدنو منّي

يُبعِدُني عنّي ميلاً ميلا

يُسمِعُني صمتَ النبرةِ في صوتي

يتلصصُّ باباً بابا

يطرقُها نبراساً عملاقا

يتردّدُ أجراسا

يحملُ آثارَ عبورِ متاريسِ النيرانِ

يفتحُ أدراجي بحثاً عنّي

أطفأتُ مصابيحي مصباحاً مصباحا

فاظلمّتْ في عيني عينا أُمّي

لا نورٌ في شمسِ إطارِ المرآةِ

لا خبرٌ لا من همزةِ وصلِ

أمشي في أرضٍ أخرى نوما

لا أثرٌ للزمنِ المُندّسِ الأمسِ.

***

عدنان الظاهر

 

عبد الرزاق الصغيرأكذب عليكم

لم أقلم شجرة الزقوم

لم أكنس بابي ...

شعري كالنوابض لا يحتاج تمشيط

أمس استعرت ترانسوناز لقصه ، ولم أفعل

لا أبتعد عن شاشة كمبيوتري

ليس لي بن حامض ولا حتى قطعة سكر أسلخ بها جلدة هذا الوسخ

لا أكتب

لا أكل

لا أشرب

لا أبول على الأشجار في النواحي ، ولا

أجمع القوارير لاستعمالها لهذا العرض

لا أحتاج قفازات بيضاء وقلم

لم أغادر غرفتي من زمن

أكذب عليكم ..

أنا الآن أشوي بعض سطور السمان

وبعض الفطر قطفته من أسفل بعض القصائد السامقة

في دغل تبرق أحداق بعض النصوص المتوحشة تنتظر غفلتي

قلت لكم

أنا أكذب عليكم

***

جلست في الحافلة

معطفي غير مزرر

كذلك قميصي الأحمر

لا أدري على أي مقعد نسيت وشاحي التبني

توقفت الحافلة صعدت آنسة ملفوفة بالأسود

فجأة اندلق الحليب كالشلال يشرشر علي

أنا المنتهية صلاحية ولعه

شهوته

قررت غسل مخي قبل

و بعد وصولي

أغتسل ..

***

تأبط شرا

يحمل ذراعه الآخر تحت إبطه

يجر معطفا بنيا

يمشي بمشقة

يجر قفة

تفيض مننها شهقات الجنود

وحرقة الأرامل

أشقر ، عشبي الحدق

واسع الرُّدن والكتفين

رفيعا طويل الشعر

قال : واحد من من في المقهى

لا يكون هذا إلا عربي

لم يعشق ، لم يعش في الشوارع المرفهة

لم يبتع يوما بدلة، أو ربط عنقه بقماشة موردة

أو حدث وتوسد ثديا اشتراه ذات ليلة

أو جالس إحداهن على طاولة مطعم فاخرة

قضى أيامه يثأر للشنفرى

***

عبد الرزاق الصغير

 

محمد المهديتسألني الصبية..

اين ابي و أخي

واين ابن الجيران؟

مذ زارنا العسكر ذات فجر،

غابت نجوم الليل عن سمائنا ،

و تلاشت وجوههم في الظلام .

و تعطلت خيوط الشمس،

و تثاقلت ديوك الفجر عن الصياح..

كلاب و نباح ، كلاب و نباح .

سياط و اذرع وسلاح .

تسألني الصبية

بكل ما أوتيت من دموع..

لماذا كسروا باب منزلنا

و اطفؤوا كل الشموع ؟

لماذا اعدموا ازهار الحديقة

و قطعوا كل الجذوع؟

لماذا دسوا العيون بين جوانحنا

و فرقوا كل الجموع ؟

قلت لا تخافي صغيرتي ..

سيعود الفجر غدا،

و يعود بابا و الاخوة

و يعود ابن الجيران ..

وتعود النجوم .

و تزهر الحديقة صباحا ،

و تسمو الاشجار ،

و تنزاح الغيوم .

فلا تخافي صغيرتي،

و ارقبي القمر ..

و امسحي دموعك ،

فقد جاءتني الطيور بالخبر ..

غدا سيأتي المطر !

غدا سيعود المطر !!

***

محمد المهدي

................

* الى كل الاحرار في الريف الشامخ

 

نور الدين صمودقَبْلَ عهْدِ الغرام ذقــتُ الغرامَا

                       وأنا كنتُ في الغرام غـُلامَـا

ومع الأصدقاء، رغم صِبانا،

                    كم رسمنا، لِمَنْ نـُحِبُّ، حَمامَا

ووضعنا في جيدهِ الحلوِ طوقـًا

                        ومـلآنــا مِـنقــارَهُ أنـغـامَـا

يتغنـنـَّى في الجوّ"ِ طردًا وعكسًا":

          (دو ري مي فا صول لا سي، أرقاما)

 وضعوها لضبط لحن ٍشرودٍ

                  بسواها قــدْ يُـفـْـلــِتون الزّمــامَا

 وأتـيْــنـا بأ لـْــفَ (حــاءٍ وبــاءٍ)   

                    في عِـنـاقٍ، كيْ يَسْـتـَمِرَّ دوامَا

فهي في رسمنا البريءِ حروفٌ

                    ونـــراها أمــامَــنا تــتـــنــامَى

خارجاتٍ كأنهـــنَّ صِـغـارٌ

                 فارَقـوا الدرس، يَخْرِقونَ النظاما

 وكتــبنا أسماءنا بحــروفٍ 

               حــامــلاتٍ لـمَـنْ نـُـحِـــبُّ ســلاما

وهَدِيلُ الورْقاءِ حَيَّر قلبي

                    وهْو، عند الحَمام، يغدو كلامَا

وانـْتـَقـَينا اللحونَ من ألف طير ٍ

                     ومَضيْــنا نـُحقــق الأحـــلاما

وسألنا مَنْ ذابَ في الحب وجدًا:

                       كم ستبقى تـَستعذبُ الآلامَا؟

وعذابُ الحبيبِ عذبٌ يُضاهي

                      شـاربَ الشهد إذ يراهُ مُـداما

 ونـُرَجّي أن نلتقي من جديــدٍ

                       ويـدوم اللقـاء عامًـا فــعـامَا

 ويَــظــلُّ العــبــيرُ يــأتي لِماما

                   وَمُـنــانا أن يــسْــتــمِــرَّ دوامـا

 ما أنا بائحٌ بــسِــرِّ التي قــدْ

                    زِدْتُ فيها، مدَى الحياة، هُيامَا

  بَـيْــدَ أنَّ الشعرَ الذي قلتُ فيها

                     ظل في البوح يسبق الإعلاما

   وغدَا حُـبُّــنا شريــط َ غــرام ٍ

                  زادَ فيه أهــلُ الغــرامِ غــــرامَا

   فيه غـَنـّتْ (فـيروزُ) ألـْحانَ وَجْـــدٍ

                  تـُرجِعُ الشيخَ، في هواهُ، غـُلامَا

  و(العَتابا) تمحو (العِـتابَ) الذي قد

                 أرْهــق القلبَ حين صارَ ملامَــا

  وعِـتابُ المُــحِــبِّ يَــفسدُ حُـبًّا

                 في قــلوب الأحـباب إذ يَــتـنامَى

فهو (كالمِيجنا) تَهُــدُّ قلوبًا

                  خـَوْفَ أن يغتدي المَلامُ خِصامَا

   وتـَغَـنـَّى الوجودُ لحـنَ خلودٍ

                     ما سَـمِـعْــنا أمْــثالـَهُ أنــغــامَا

    صَـبَّ في الكأس ألفَ (حاءٍ وباءٍ)

                  في عناق، ولم يَصُــبَّ المُـــدامَا

يا هَـزارَ الغرام في بَدْءِ عمْري 

                    تلك كأسي فارْسُمْ عليها حَمَامَا

   إنّ صوت الورقاءِ يَسْكُبُ حزنا

                 في قـلــوبٍ تـَــستـعـذب الآلامــَا

(أ بَكتْ تلكمُ الحمامةُ) وجدًا

                   (أم تَغـَنَّتْ) وجــوَّدَتْ آنغـــامَا؟

ثم غـَصّتْ (بالحاءِ والباءِ) حَتـَّى

                  (بُحَّ حُبًّا) والقلبُ زاد اضْطِرامَا

ومضى في الدجَى ينادي بليل ٍ

                  فـَنـَرَى الليلَ يُبْــطــئُ الأقـــداما

يتأنـَّى مَجيءَ (ليلَـى) إلى أنْ

                  يطردَ الصبحُ بالضياء الظــلاما

وكلامُ العــيـونِ أبـلـَغٍ مِـمّ

                 يُـبْـلِــغ ُاللفـْــظ ُ إذ نـقـول كــلامَا

كالطيور التي  كتبنا عليها:

         (سي لا صول فا مي ري دو) (أرقاما)

وأطـَرِنـا في الجـوِّ (حاءً وباءً)

             رَمْــزَ حُــبٍّ لا يستطــيعُ انفــصـاما

وجعلنا الحرفين أمــرًا بـِبَــوْح ٍ:

              (بُـحْ بـِحُبٍّ) فالبَوْحُ يُـذكي الغــرامَا

في قلوب مطعونــة بســـهام ِ

                 وتـظـلُّ الدماءُ تــكســو السِّهــاما

دفـْقـَة ٌإثـْرَ دفــقــةٍ من دماءٍ

                مثل صدر الشهيد لاقى الحُسامَــا

وأراني في الحب صرت شهيدًا

                  غير أني ما زِلــت  فيه غـُـلامـَا

يجعل الليثَ ظبية ً في كِناس ٍ

                          ويصير الزئيرُ منه بُغـامَا

وهُيامي بمَن أحبُّ طويلٌ

                       بيد أني اختزلتُ فيه الكلاما

لست أنوي في الحب أُلـْقِي خِطابًا

                        فأنا عاشــقٌ ولستُ إمــامـَا

وكلام العيون أبلـغُ مِـمّا

                       يُـبْـلِغ ُاللفـْظ ُإذ نـقـول كلامَا

والطيورُ التي  كتبنا عليها:

            (سي لا صول فا مي ري دو) أنغاما

***

نور الدين  صمود