حسين يوسف الزويدعَزَفَ الغرامُ مواجعاً في أضْلُعـــي

                    يــا كلَّ آهـــي يــا هيامَ تَطَلُّعي

وَ لكَمْ رسمتُكِ في الخيالِ مواسماً

                    و حقولَ شــدوِ ربابةٍ لَمْ تُسْمَعِ

يــا أنتِ يــا قمـــراً تسيَّدَ عُتْمتــي

                     فبدونِكِ الدنيــا خَبَتْ لَمْ تَسطعِ

من يومِ أنْ مَرَّتْ غمامةُ وجهِكِ ال

                     قُطنـيِّ هـــامَ القلـبُ لَمْ يَتَورَّعِ

فالليلُ في عينيكِ يرســمُ أنجماً

                و الصبحُ في شفتيكِ خَمْرُ تَسَكُّعي

ما زلتُ أخشى كالسفينةِ موجةً

                و من الرياحِ هناكَ حيثُ تَصَدُّعي

ماذا سأكتبُ ؟ كلُّ مَنْ عيناكِ قد

                 رمَقَتْهُ .. يَـــمَّمَ للســـما بِتَطَـــوِّعِ

هـي لوحــةٌ للحـــبِّ لَسْتُ أُتِمُّها

               وَ مَلَكْتِ عرشاً في الفؤادِ ، تَرَبَّعي

و لَكَمْ عَزَفْتُكِ في الشفاهِ تَأوُّهاً

                 و تحــرّقــاً و تــألّمـــاً لــم يَقْلـــعِ

وَ لكَمْ شَكَوْتُ من الزمـانِ عَداوةً

                  و متاهةً ظلمــاءَ لا ، لـــم تُقْشَـعِ

ينتابنــي وجـعٌ دفــيـــنٌ أنْ أرى

                   فيكِ الهيامَ و فيكِ عينَ مودِّعي

يا أنتِ يا شَغَفَاً تموضَعَ في دمي

                  يـا كــلَّ آهـي يـا دواءَ توجُّعــي

اللهُ لو تدرينَ كَمْ بي من هَوَىً

              و دَلَفْتُ في الستينِ أغْذُذُ في السعي

فَلَكَمْ شَهدْتُكِ في سمائي نجمةً

                عليـاءَ ينشدُهـــا وقــارُ تَضُرُّعـي

أوّاهُ هـــذا العمـــرُ مَرَّ تَضوُّراً

             أغضاضةٌ لو صارَ زادي مَدْمَعي؟!

***

د. حسين يوسف الزويد

 

كريم الاسديالثامنُ من شباطْ

سحابةٌ هائلةٌ قائلةٌ سوداءْ

حامتْ على العراقْ

أمطارُها دماءْ

بروقُها تحزُّ هاماتِ النخيلِ، تحرقُ الحقولْ

و رعدُها  نذيرْ

بالشؤمِ والخرابِ والدمارِ والتدميرْ

 

الثامنُ من شباطْ

قاطرةٌ من الغيومْ

رؤيتُها مفزعةٌ

أمطارُها مُهلكةٌ

وغيثُها مسمومْ

 

في الثامنِ الأسودِ من شباطْ

مضى الذي يحملُ في الأحداقْ

رمزاً عظيماً اسمُهُ العراق.

مضى بدون بيتْ

ثروتُهُ عشرون ديناراً

وكونٌ هائلٌ للحبِ اسمُهُ العراقْ.

***

كريم الأسدي ـ برلين.

8 – 2 - 2020

 

مهدي القريشيوإنْ تعطّل المصعد،

ثمّة سلّم للطوارئ

ومحطات لم يعطبها الضوء الخافت.

أرجلي تفيض نشوراً،

فوق بلاط السلّم،

تناغم أوتاراً جامحة رغم دلال الرئتين.

للرئتين ما يتيسّر من

عويل السنابل

وانكسار أجنحة الليل

وتدّخر ما تبقّى لأشجارٍ خدّج

كي تديم الخضرة في عرش الشهوات.

يزاحم اللهاث الشفتين

مصحوباً بغيوم الأسئلة

وكلمات تغسل سفوح الأسنان

من بقايا قمح وعسل وفراشاتْ.

المصعد عاطل

والمسافة بين الجذر وشهقة السلّم

كالمسافة بين الهطول والأجنّة في رحم الأرض.

هل شاهدتم جسدي

تجرجره رغبة المصعد

نحو وصاياه المستقيمة؟!

محشور في عربات الفوضى

بفقد الإقامة مع أسماك الزينة.

جسدي أنهكه التمدّد بين الطوابق

وبوصلته مزّقها ضجرٌ خجولْ.

أفتّش في دفاتري القديمة

عن حرف لا تكسره السنوات

وفي ليالٍ داكنة الضحكة

عن طريق يفضي إلى مجهول

لا يسوّس عينيه مرور الحسناوات.

لا الأشجار لها القدرة على مشاكسة الريح

ولا للريح أخلاق البحّارة

حين يلوّحون للفرح.

صعبٌ على المصعد أن يهضم أحشاءه

بعدما يتعفّن الهواء في سمائه المحتفلة باللغو

ثمة أسرار مضاءة بازدحام الظن

وأجساد لا تشعر بغربة البرد

والضحكات سجال.

لا مُنقذ إلّا رجاحة الوردة..

كيف تستعيد عافيتها

والعطر محاصر في بريد العودة؟

والمصعد غافٍ في لجة الصخب

وذاكرته معطوبة؟

***

مهدي القريشي

 

صحيفة المثقفكـُنـْتَ على رَصِيفِ الْجِهـَة ِ الغـَربـِيّة لـِلْحـِكـَايـَة ِ

وكنت ُ في وسـَط الحديث ، بقية َ نـِهاية

وكـَانـُونُ التُّفـــَّاحـَاتِ المنسية دفئا يــُرتـــِّب ُ ورقات البياض...

كـُنـّا قـَاب َ قوسين منا

حدّثـُتـُكـ َ عن سِنين َ خـَانـَتها المـَواجـِع ُ

عن قـَاربٍ شـَاخـَت ْ أعوادُهُ على موانئ َ مـِن ْ رُخـَام

حدثتني عن المطر الخـَجـُولِ

وعن أرض نــــَسيتْ ضـِحـْكــَتها على عـَتـَبة غـِيـّاب ٍ

خـَبـَّرتـَني عـَن ْ أهــْوَال الخـُطى في مــَوَاسـِمِ الذكـْرى

وعن الأغـْنياتِ المـُسـَافراتِ سـَرابـًا

كـُنـَّا قـَابَ قـَوْسـَيـْنِ مـِنـّا

شـَقَّ النـّهـَارُ بـَراءة َ اللّيـْل ِ

وسـَحـَب الجـِراح َ إلى حـُقول الكـِتـْمان

ضـَمـّتنا المسافات ُ سـَبـْع َ سـُنـْبـُلاتٍ

أنجبنَ تـِسعة َ وتسعينَ رجـْفة َ فؤاد..

 

أيهذا الساكن عرائشَ النبض

على مـَـــرْمـَى شوق :

شرفتان وخصلة ُ شـِعـــْر ٍ

و قـُــــبلة ما تـَــــزال عذراء َ

وزحمة ٌ من نظرات ٍ، ترقرقت في قلبي شجرة َبلوط ٍ وتـَــدفـّقـَتْ هـَمـْسًا نـَـــــــدِيـّا

 

أيهذا الساكن عرائشَ النبض ِ

شيء ما فيكـ َ ، يتهجى فرحا المساءُ

شيء ٌ ما فيكـ َ يأتي بالنوارس الزرقاء َ...

شيءٌ ما فيكَـ يجعلني امرأة ً بـــــ عدة انسيابات...

***

فاطمة الزهراء العلوي - المغرب

05/12/2014

 

 

سعد جاسمكلُّ شتاءٍ

يستحيلُ منفايَ

الى جحيمٍ طاعنٍ في الوحشةِ

والكآبةِ السوداء

والعزلةِ الباردة

*

وكلُّ شتاءٍ أَيضاً

يزدادُ قلبي بياضاً

وأَصابعي تزدادُ برودةً وزرقة

ولا أَترددُ في النشيجِ

على أُمي الغائبةِ

وبلادي الجريحة

وأصدقائي المرتبكينْ

من فرطِ التأمّلِ والحنينْ

*

وفي الشتاءِ كذلكَ

أُمارسُ النومَ كمهنة

وأُصبحُ أَحياناً

حارساً لأَحلامي

رغمَ أَنَّ أَحلامي قليلةٌ جداً

ولاتتعدى أَنْ :

تكونَ عندي إِمرأةٌ

طيبةٌ ولذيذةٌ وبسيطة

وتكونَ عندي دراجةٌ هوائية

أَستخدمُها فقط للنُزهةِ والتسوّقِ المنزلي

ويكونَ عندي عندليب

يُغرِّدُ لي في صباحاتي الدافئة

ويكونَ عندي بيانو صغير

أَعزفُ عليهِ كونشيرتواتِ "موزارت"

التي أَحبُّها حدَّ الشغفِ والجنون

وأَخيراً أَحلمُ أَنْ يكونَ عندي :

صديقٌ مَرِحٌ ونبيلٌ

ومستعدٌ لدفني في المقبرةِ الريفيةِ القريبةِ من بيتي الكندي

حينَ يختطفُ السَيَّدُ الموتُ

روحي البيضاءَ

ذاتَ شتاءٍ باردٍ

يُشبهُ منفايَ البعيد

أَو ذاتَ صيفٍ لاهبٍ

يُشبهُ جحيمي الطاعن

في الأَسى والبياض

***

سعد جاسم

6-12-2019

 

 

فتحي مهذبإختفت النجوم وراء أكمة من الضباب الكثيف.أيقظته رقصات الفلامنكو التي يمارسها المطر على زجاج النافذة . فتح الأحدب  باب بيته الخشبي الشبيه بغطاء تابوت قديم. كان يضلع مثل إوزة مسنة.

إمتطى عربته التي يجرها حصان

من القرون الوسطى واتجه نحو الماريستان لجلب جثة أحد جيرانه الذي مات بفيروس الكورونا الذي سيحصد أرواحا ثرة في بداية هذا القرن الوبيل بما أن ثمة إضرابا قام به عمال محطات بيع البنزين.

الحصان يركض مثل أرملة وراء نعش. الأحدب ذو العينين الضيقتين يكاد يسقط من العربة المتلعثمة الإيقاع.

منذ خروجه من بيته لم ير أحدا من البشر كعادته كل يوم. لم ير غير قردة بدائية تملأ الشوراع والحواري ليس ثمة سيارات ولا قطارات ولا درجات نارية.

قردة تتقاتل وتتراشق بالحجارة.

شرطى ملقى على الأرض ملطخا بالدماء. حاول أن يدحض حجج عينيه العميقتين ولكن لم يفلح.

صدمه مشهد تراجيدي جارح لما رأى كوكبة من القردة مسلحة بالعصي والهراوات تقفز من سور البرلمان وتطلق زعيقا مخيفا يثير التقزز والإحباط.

ورأى كراسي مهشمة مقلوبة وعيونا عمياء تنز بالدم على أضابير مضرجة ببراز الكهنة.

واصل طريقه إلى الماريستان لجلب الجثة بأقصى سرعة ممكنة.

إعترض طريقه قرد ملتح يبدو متشددا منقبض النفس قصير القامة له ذيل معقوف يرتدي نظارات سميكة.

سدد نظرة حادة للأحدب المصدوم

محاولا إسقاطه من عل دون سبب منطقي.بيد أن الأحدب لكزه بسرعة فائقة بسوطه فوقع أرضا

مجلجلا شاتما أصل البشر .

الطريق ملآى بالقردة.

المواخير والحانات وقصور العدالة

والسجون وساحة الحكومة.

إختفى النوع البشري وحل محله شكل زنخ من القردة التي تتقاتل طول اليوم محدثة الفوضى والإضطراب.

واصل الأحدب السير قدما ولما بلغ باب الماريستان وجد الجثة ممزقة يتقاسمها عصبة من القردة والدم يتطاير في الهواء.

وعلى غرة إنقضت القردة على الحصان المسن بينما لاذ الأحدب بالفرار.

***

فتحي مهذب

 

عبد الرزاق اسطيطوإن مت يا أمي عند الفجر

غدرا أوقهرا

فدثريني ببياض الثلج

وريش النوارس وأوراق الشجر

واحمليني إلى شط قريتنا

وصبي على روحي

فيضا من الشوق والعناق وماء النهر

ورذاذ البحر

ودعيني هكذا خفيفا  ...

شفيفاكجناحي فراش

تحت السحب المثقلة

أراقب سقوط المطر

وأشبع من عسل عينيك

لعل موج البحريفيض علي

فيحملني كمركب إلى جنان الله

لعل ضوء الفنار يتفجر من روحي

شلالا أونبعا رقراقا للغزلان الحالمة

لعل عقارب الوقت ياأمي تتوقف هاهنا

عند مصب النهرأوعند زبد البحر

وتعود بأدراجها ودقاتها

سهلا مخضرا للخيول الجامحة

لعل الحنين إليك يصيرني

شرفة للعيون العاشقة

ولعلني ياأمي أنهض من ترابي باكرا

أنا وعصفوري وحقلي وفخاخي

كما كنت طفلا شقيا

أعدو خلف الفراشات القزحية الحالمة

ضميني يأمي إليك بحب

كسري أضلاعي وحزني وموتي

ودثريني بمناديل نساء قريتنا

لتهزني كأغصان الأشجار

رائحة الفرن والخبز والحطب والحقل

فتعشش في روحي بوله العاشقين

أسراب الطيورالهائمة

أنا ياأمي مذ كنت طفلا

عشقت البياض حدالهوس

فدثريني بهوسي وزهر اللوز وطفولتي

وعشقت المطرعند الصبا حد الجنون

فدثريني بجنوني وصباي ومطري

وعشقت  التشردوزرقة البحرحد التلف

فدثريني برذاذ البحروتشردي وتلفي

ليحملني البحر كجناحي نورس

حيث قبر المعتمد

أنا ياأمي شغفت بالحكاية

وبالوتر والأغنية وبليلى والليل الليلكي

وبالزهروالسفروريح الصبا

فخذي روحي بحنووضعيها على ركبتيك

وقصي عليها حكاية أميرة القصور

وانثريها علي كأزهار الياسمين بعد موتي

تجدروحي تعود إلي سفرا ووترا

فأبعث حيا

أنا ياأمي أخذني البحر كطفل أنى شاء

وأخذني الحرف كتائه كيفما شاء

وشردتني النساء والطرقات

والأودية والشرفات

وأغوتني أشعار المتنبي فمسني الجنون

فاجعلي من رمال البحر قبري وجنوني

وزيني شاهدتي ببيت المتنبي

الخيل والليل والبيداء...

دعيها هكذا ياأمي على الشاهدة

لا تكمليها أرجوك..

ففي زمن الخسارة هذه العبارة توجعني

وهذه العروبة توجعني

وألقي بروحي وبأشعاري وبعشقي

وبشاهدتي وبخسارتي وبآهاتي

وبعروبتي وبرؤاي وببياضي

وبكل مأحببت خف أو ثقل

من حرف ولفظ واسم ووتر..القي بكل ذلك

إلى البحر ساعة سقوط المطر.

***

عبدالرزاق اسطيطو

 

 

حمزة الشافعيخُذني أيها البحرْ

إلى أبعد أعماقكْ،

حَيثُ لا يُوجد ماءْ

يُذكرني بدموعٍ ودماءْ

تسيل كالأنهارْ،

كما فوق الأرضْ..

خذني هناكْ

حيث لا يضعف إنسانْ

وهو يُصارع الموجْ،

بل يقوى من أجل الحياةْ

حتى يُدرك العتقْ...

خذني،

حيث يغلب الماء على الدمعْ

ليصير عُمقا بلا صدعْ...

حيث الخوف لا خوفْ،

والظلمات طُهر ونورْ،

والغرق نجاةْ،

والبعد دنو من حياةْ،

تنطق الأمان والدفءْ...

خذني،

فقد اتعبتني

آلام إخوةٍ لي

من كل لون ولسانْ،

فوق كل أرضْ...

هناك؛

في أبعد أعماق البحر،

لي موعد مع  الربيعْ

وأناشيد الأملْ...

لي عشق لمذاهب حياةْ،

رفعت بحروف اختلافْ...

لي نفي لبنودٍ، لهثها دمارْ،

وقصف حياة إنسانْ،

أينما وُجد ْ؛

أينما كانْ...

***

حمزة الشافعي

تنغير/ المغرب

 

صحيفة المثقف

  مهداة الی روح شاعر الخريف والغربة  محمد عمر عثمان

 الذي انتحر صامتا هذا الخريف ميٶسا من الساسة


في صباح يوم ما

قبل أن نستيقظ

يتجمد ساعي البريد

دون ان يضع الرسالة

في فتحة الباب

ثم لا تصل أي رسالة بعد

*

ستسقط التفاحة من الشجرة

لكنها تبقی في الهواء

دون ان تصل إلى الأرض

ثم ينطفيء الوقت

کمصباح منير

أطفأ فجأة

*

لن نتمكن من القاء النظرة الاخيرة

علی ألبوم الصور

عندئذ يتغير لون الحياة

إلى عديم اللون

حيث يبقی رجل-الثلج وحيدا في الحديقة

علی مدار الفصول

ينظر بلا حراك

ولا تهبط على كتيفيه زرازير مهاجرة

*

صباح  يوم ما

ننزلق الی عمق الأحلام

ولن نعود ثانية

***

سوران محمد

خريف / ٢٠١٩

.................................

النص بالانجليزية:

 

Lone Snowman

One morning

before we wake up

the postman freezes

just before putting a letter

into the letterbox

No more will ever arrive

 

The apple falling from the tree

remains in the air

never reaching the ground

 

Time – such a bright bulb

Suddenly turns off

 

We have no last chance

to look at

the photos in our albums

 

Life's colour vanishes

into nothing

 

The snowman stays alone

 in the garden

for all seasons

still motionless. Nothing to watch

no starlings landing on his shoulders

any more..

 

One morning we slip deep into our dreams

and do not come back.

صالح البياتي لم تبق في دكان  العطارة التي ورثها عن أبيه، سوى علبة معدنية فارغة، استعملها  لشئ آخر غير ما كانت مخصصة اليه.

 انحصرت في أسرته المعروفة منذ أجيال متعاقبة، حرفة التداوي بالأعشاب الطبية.

 كانوا محل احترام وتقديرأهالي مدينتهم الصغيرة، للخدمات الجليلة التي قدموها، في هذا الحقل من المعرفة، فكانت العطارة في زمنهم تجمع بين الطب والصيدلة معا، ولكن الإبن بحسه البدهي ادرك ان مهنة الأجداد ستنقرض قريبا، وسيأتي اليوم الذي تنتشر فيه عيادات الأطباء والصيدليات، فعول بالإعتماد على نفسه، لتعلم اسرار تركيب الأدوية، وبجانب ذلك درس العلوم الدينية التي كان شغوفاً بها، لكنه عندما حصل على الإجازة، لم يتخذها خلافاً للعادة، وسيلة للإرتزاق، لإيمانه ان ارشاد الناس لمكارم الأخلاق وتعاليم الدين الحنيف، عملٌ جليل، ينبغي ان يكون أجره ان شاء الله، الثواب يوم الحساب، لذا انصرف للعمل الحرفي، فصار الناس يدعونه بالشيخ الحكيم.

 لم ينافسه احد في الحرفة، لكن كما يقال لكل شاخص في الشمس ظل يشابهه ويخالفه في آن، فكان ظله رجلًا دجالاً، فمن جهة المشابهة زعم انه يداوي علل الجسد، ومن حيث المخالفة ادعى انه يداوي علل النفس أيضا، كان يسخر من الذين يؤمون دكان الأعشاب الطبية، يشيع انها ستضر بصحتهم على المدى البعيد، لم يصدقونه في بداية الأمر، لكنه استطاع بسحره ومكره ان يقنعهم، فتحولوا عن العشاب، وإلتجأوا اليه طلبًا للإستشفاء حين يمرضون، فكان يعالج المريض بالعوذة والحجاب، وبحرز ورقي يخفيه في محفظة جلدية صغيرة، مكتوبة بطلاسم ، نقشت عليها كتابات بأحبار مختلفة الألوان، على هيئة أشكال هندسية وأرقام وأحرف وصور غريبة.

بعد ان استفحل امر المشعوذ الدجال، واضمحل عمل العشاب، لم يعد العوام يأتون لدكانه، ورغم قلة مواراده من الأعشاب الطبية، وإقتصار عمله على زبائنه التجار والمتعلمين، بقى صامدًا، لكن في  نهاية المطاف، اضطر ان يقلص عمله، فتخلص من العلب المعدنية، المصفوفة بإنتظام على رفوف خشبية، افرغ محتوياتها، في أكياس قطنية بيضاء، راح  يرطب بلعابه طرف قلم  الكوبيا، ويخط  أسماء الأعشاب، فهذه علبة زهرة البنفسج ، وآخرى  نبتة الورد ماوي وتسمى أيضا لسان الثور، وهذه فيها قرون القرنفل، نبتة اليانسون وأنواعها بحسب موطنها الطبيعي، وهكذا كل علبة ألصقت عليها رسمة النبتة التي تحتويها، وبعد ان انتهى من وضع الأكياس بصندوق خشبي أودعه المخزن، لم تبق سوى واحدة فارغة، كانت تحوي عشبة السنامكي، وهي عشبة مباركة، أزال الرسمة التي عليها، وإستذكر مع نفسه فوائدها الجمّة،  لعلَّ أعظمها: (انها شِفاء من كلِّ داءٍ، إلَّا السَّامَ، وهُوَ الموتُ)*.

 كان في صلاة الليل،  يبتهل متضرعا الى الله الا يجربه في محنة يعجز فيها عن مساعدة الناس ، كوباء الطاعون، الذي حكى له والده عن أهواله الفظيعة، وأعداد الذين فتك بهم اثناء تفشيه في العراق، ايّام حكم الدولة العثمانية.

  ترك العلبة على الرف، تتوسط الجدار الخلفي لواجهة الدكان، ظاهرة للعيان لكل من يمر به، وأخذ يجلس في دكانه لمجرد الإجتماع بأصدقاءه، الذين يأتون لرؤيته والحديث معه، او لطلب المشورة ، كان هؤلاء الأصدقاء  هم القلة، الذين لم يؤثر عليهم المشعوذ، يشترون منه ما يحتاجون من أعشاب، او يتبرع بها لهم أحيانا، كما كان يفعل من قبل مع الفقراء المحتاجين، او القرويين الذين كانوا يقايضون البيض والخضار الطازجة بالدواء.

 لم يفصح لسائل، ما تحتوي العلبة المعدنية الوحيدة، ترك الأمر للحدس والتخمين، كل بحسب ما يتفق وفهمه.

 استفحل امر الدجال، وازداد تأثيره أكثر، كالمرض الذي لا يسترجى شفاؤه، حتى سيطر على عقول الناس، فتحكم بأرواحهم وأجسادهم، واجترحت له بطانته من الأعوان والمروجين، قدرات خارقة، أشاعوا انه أحيا ميتاً، وعندما يُسألون، من كان ذاك الميت الذي أحياه، وأين هو؟ يقولون كان رجلا غريباً عن البلدة، عابر سبيل لدغته أفعى سامة، فأحياه العراف، وزوده بما يحتاج من مؤونة الطريق، ورحل دون ان يعلم بقصته احد، شيء غريب، غامض ومبهم في إجابتهم، يوحي في الظاهر انها معجزة، وهكذا يقع بعض الناس أحيانًا في مشاكل نتيجة عدم الفهم، بسبب الإستعماء وأخذ الكلام على عواهنه دون تمحيص وتدقيق في فحواه ومعناه، ولذا نجد ان الإذكياء عادة  لا يخجلون من الإستفسار عندما يستعصي عليهم فهم كلام الآخر، يسألون ماذا تعني؟

 فهل مات الرجل فعلاً من لدغة الأفعى، ثم أحياه العرَّاف المشعوذ بعد موته، ام انه أنقذه من الموت؟

 انتشرت هذه المعجزة الزائفة بين الناس، وأمثالها من الخرافات، وصدقوها.

كان العراف إذا مَرِضَ هو او واحدًا من اتباعة، يبعث امرأة بصفتها خادمة سيدة ثرية، تصف العلة للعشاب وتطلب الدواء وتدفع له بسخاء، ولا يعلم احد بذلك.

 كانت الأمراض العادية التي تصيب الناس آنذاك، مثل نزلات البرد، والزكام شتاءً، والإسهال والزحار صيفاً، نتيجة شرب مياه ملوثة، كانت هي الأمراض الشائعة، التي تعالج بالأعشاب الطبية آنذاك.

يذكر احد جلساء العشاب انه أصيب مرة بالدزانتري (الزحار) صيفا، فوصف له الترياق*، أعطاه فص صغير بحجم حبة اللوز، لونه بني داكن، وشُفي بعد ثلاثة ايّام، كادت أمعائه تتقطع من شدة الإسهال والألم، ولكن بعد ذلك اعتاد على الترياق ليريح أعصابه ويساعده على النوم، وحاول العشاب ان يثنيه بأن يستبدله بزهرة البابونج المهدئة والمساعدة على النوم الهادئ، لكنه لم يفلح، فتركه بعد ان تعهد انه لن يتجاوز الحد المسموح به، الذي  يؤدي الى مرحلة الإدمان.

أخذت الأمراض تفتك بكبار السن والأطفال في العامة، لأنهم وثقوا وإعتمدوا على العراف المشعوذ، وازدادت الوفيات بينهم، فكان العشاب يؤم المآتم، يعزي ويواسي، ويترحم عليهم، لفت أنظار المعزين، انه قبل أن يغادر المكان، يخرج من جيبه دفتراً صغيرا وقلما، يلتفت الى الجالس بجانبه يسأله عن اسم الميت، اذا كان لا يعرفه، وسبب موته، ثم يدون ذلك في الدفتر، ويخرج، دأب على ذلك، وأعتاد الناس على حضوره، كانت له حاسة  استشعار طويلة، يكتشف او يشم الموت عن بعد، كان يعود لدكانه، وينقل ما دونه في سجل كبير، حتى ان بعض المتفكهين، اطلقوا عليه كاتب عزرائيل، وفِي احدى الليالي، بعد عودته لبيته، من احد المآتم، رآى ملاك الموت في المنام، أمره ان يأتي اليه، ويحضر معه سجله الخاص، ليطابقه مع سجله الأصلي، وعندما تمت المطابقة بين السجلين، سأله الملاك، لماذا لم أجد اسم العراف ضمن أسماء الأموات، إعتذر العشاب انه لم يكن يعلم بموته، وسأل متى مات؟ لم يجبه الملاك، ولكن نظر اليه يؤنبه، ارتعب العشاب من نظرته، بعد ايّام من هذا الحلم، توفي العشاب. وبعد مراسم التشييع والدفن، ومأتم التأبين، قام ابنه بفتح الدكان، وانزل العلبة المعدنية الفارغة من الرف، فتحها، وجد فيها ورقتين، وصية العشاب اليه، يوصيه بأن يدرس علم الصيدلة الحديث، وأن يتخذ من دكان العطارة مكانا لعملة، وفِي الثانية، مكتوب فيها بخط انيق، هذه الحكمة التراثية:

 "لكل داء دواء يُسْتَطَبُ به إلا الجهالة أعيت من يداويها"

تمت

***

قصة قصيرة

صالح البياتي

...........................

- تنشر للآول مرة في الصفحة الأدبية للمثقف.

- السنا مكي، نبتة عشبية موطنها مكة المكرمة، وشبه الجزيرة العربية، ينسب هذا الحديث للرسول صلى الله عليه وسلم، رواه الألباني.

- الترياق او الأيفون: مادة مخدرة، وتستعمل أيضا لأغراض العلاج.

 

فالح الحجيةهي الورودُ جَميلةٌ بِغُصونِها

وأريجِها، قلبي مُتيّـمٌ يَهواها

.

وَلَعَلَ بالأشْواقِ نارُ سـَـعا دَةٍ

قلبي لِقلبـكِ بالهَنا نـَرعاها

.

أشْتاقُ في ظلِ الوُرودِ سُويعَةً

لِوصالِهــــا وَسَنائِها وَصِباها

.

وَأحسُّ نَفْسي أنْ تَطيرَ سَعادَةً

قلبُ المُحِبِّ يَتوقُ أنْ يَلقـــاها

.

هذا الفُـؤادُ وِدادُهُ يَسْـمو لَهــا

يَشْكو إليها شَــــوقَهُ وَجَـفاها

.

رُحْماكِ ياعُطرَ الوُرودِ وَسَعْدِها

وَأريجِها . أ نْتِ المُنى وَشَذاها

.

فَصَحَ الغـَريرُ جَمالـُـهُ يَحْلو لَـهُ

وَبِـمَـنْ أحَـبَّ فَــزادَ هُ أوْلاهــا

.

فَتَســــــامَقَ الشَّوقُ القَديمُ يُزيدُهُ

شَـوقٌ الهوى. فَتَشابَكَتْ أسْماها

.

أنْتِ الرّجاءُ وأنْتِ غَـرْسي والمُنى

أ نْـتِ السَّنا وَالسّعْـدُ،أ نْتِ الآهـــا

.

أنّي أحُبُكِ وَالزُهورُ شَـــــهيدَةٌ

وَالحُبُّ يَأ رَجُ عِطْرُهُ نَجْو اها

.

وَبِكُلِّ غُصْنٍ شـاهِـدٌ وَفُـروعِـهِ

وَالماءُ يشـْهَـدُ والرَّجاءُ سَجاها

.

إلّا كِ: قَلبُـكِ جاحِدٌ أشْــواقَـهُ

فَلَعَلـّهُ يَرْنو الوِصالَ رِضاها

.

إنّي أحُبُّـكِ وَالحَيـــا ةُ غَريرَةٌ

وَالوَصْلُ يَمْحو للفُؤادِ شَقاها

.

وَسَأمْتُ نَفسِيَ وَالحَياةَ بِبُعْدْ كُمْ

أسَـعادَ تي .. بِلقائِنا أَ لْقــــاها؟

.

ضاقَتْ بِنَفسي فَالحَياةُ وَما بِها

ماذا دَهاكِ عَذابِنا بِجَفاهـــــا؟

.

شَوقي الى الشّوْقِ القَديمِ أَزُفُـهُ

مِثْلَ الأريجِ بِعُبْـقِها وَرِياهــــا

.

يا أيُّها الـوَرْدُ الجَميلُ تَلَطّـفا ً

فَالنَّفْسُ حَيْرى،بِالفُؤادِ هَواها

.

يابَلْسَماً .كُلّ الجُروحِ تَلاءَمَتْ

الّا خِصـالُكِ مالَنـا إ لاّ هُـــــا

..

وَتَعَذّبَ القَلبُ المُقرَّحُ جُرْحَهُ

يَهْـفـو إليكِ بِلَهْفَـةٍ سُــقْيا هـــا

.

اللهُ مِنْ بُعْــدِ الحَبيـبِ وَهَجْـرِهِ

وَتَساءَلَتْ نَفْـسي بِحَينِ لِقـاها !

.

هذا الصُّدودُ فَـلَهيبُهُ وَسَطُ الحَشا

رِفْقاً بِنَفْسـي يامَنْ قَصَدْتِ أَذاها

***

شعر: د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــــــــد روز

 

قصي الشيخ عسكرالجزء (4 و5) من رواية: كورونا

في الليل اتصلت بوالدتي التي كانت ترفض من حيث المبدأ العمل في نوتنغهام.

بعدي عنها بضعة أيّام في الأسبوع جعلها لا تخفي تذمرها كلما حدثتني في الهاتف.

أخي الأكبر صبيح أنهى الثانوية ثم تزوج من فتاة أرجنتينية الأصل وغادر معها إلى لندن يعملان في مشاريع سياحية. بان الانشراح على وجوهنا يوم بعث لنا عبر النت بصور، وتسجيلات لشهر العسل من بوينس آيرس في بيت عمه والد زوجته.. أختاي تزوجت واحدة في الإمارات والصغرى، بيتها قريب من سكننا في برمنغهام. أمي تخشى بعد عمر طويل أن نقذفها في دار للعجزة. وربما تخاف من أن يقتحم البيت ذات ليلة لص فيذبحها. وعلى الرغم من طيبة صهرنا وعَرْضِه السكن معهما إلا أنها رفضت.

تأنف!

تشعر بالحرج حين تعيش في بيت صهر!

ولو كان زوج أختي عراقيا لتلقى الجواب ذاته..

أما أنا فما علي إلا أن أتبع مايحقق مصلحتي. بعد تخرجي في قسم البسايكترسك وجدت فرصة للعمل في نوتنغهام. وظيفة ذات ربح بوجهٍ إنساني.. أختي ماجدة تضجك وتستغرق في القهقهة.

تسخر تضع إبهاميها عند صدغيها وتزعق وهي تفرط في الضحك . ستقضي عمرك مع المجانين وفي النهاية وفق المثل من عاشر القوم أربعين يوماصار منهم تصبح واحدا منهم.

تسنفزني. فابتسم:

والله كلامك صحيح والدليل أني عشت معك!

تلك الليلة استمرت أمي في شكواها شأنها كلما ردت على أية مكالمة لي. تركتموني وحدي. هذا جزاء التربية. ليت اللص يرضى بالنقود وحدها.. القتل.. الذبح.. كم عجوزا وجدت مقتولة في بيتها.. لو كانت جدتك حيَّة لما شعرت بأيَّة وحشة.. طلبت مني أن أكون عندها خلال عطلة الأسبوع، ووعدتها وفي بالي أن أختلق عذرا ما. على الأقل آمل أن أقضي شهرا بكامله لا أغادر نوتنغهام. هذا أول يوم لي في العمل. أول يوم لانطلاق فايروس جديد من الصين.

يوم مرعب حقا.

قد يتحمّل البشر القتل وصنوف الأسلحة الفتّاكة، أما أن يحاربهم شيء لايرونه، يداهمهم فجأة.. . وقبل أن أغلق الهاتف فاجأتني بخبر جديد.

اتصل بزوج عمتك وخذ من خاطره فقد قتل ابن أخيه في تظاهرات الناصرية اليوم!

مجرد أخبار ألتقطها من بعيد.

أسمعها.

أتفاعل معها وقد لا أنفعل.

كان والدي يصحبني بضع الأحيان إلى المسجد في برمنغهام. أصلي معه. يريد أن يترك في نفسي بعض آثار الشرق. لايجبرني قط.. ولا يتدخّل في شؤون أختينا.. يرى أن لكل جيل طباعه وخصوصيته.. أحضر أنا وأخي معه مراسم عاشوراء والعيد. أحيانا أسمعه يدخل مزاحا مع أصحابه في المسجد أو خلال التبضع من المحلات الشرقية. أسمع بعضهم يردد الشجرة الخبيثة. قلت إنه مزاح. وحين أسأل أمي أو جدتي عن معنى الشجرة الخبيثة تقولان.. سفاهة. هؤلاء سفهاء ثم أدركت أن هذا لمز على أهل الناصرية بلد أبي وجدّي. أدركت فيما بعد أنّ الحزب الشيوعي خرج من هناك. حزب البعث. الدعوة.. نحن فقراء لكن مثقفون.. كلّ التيارات خرجت منا.. وبالمزاح والنكتة يرى الآخرون أن هذا هو سبب بلاء البلد.. الطامة الكبرى من هناك. فهد.. الركابي. الرفاعي. أسماء تمرّ بي فلا أعيرها أيّ اهتمام..

ترسخ في ذاكرتي أو تزول بعد بضع دقائق.

أحداث جرت وأنا لم أولد بعد..

وأناس عاشوا وماتوا في بلدآخر مازال جيل أبي يتحدّث عنهم..

لكن ماذا علي أن أفعل أنا المولود في بريطانيا لأبوين جاءا من الناصرية؟زوج عمتي نفسه كان يعارض التظاهرات الأخيرة التي انفجرت قبل كورونا. آخر حديث كان في نوتنغهام. ضغطت أمي على مايكرفون الآي باد لأشترك معهما حول أحداث أجدها بعيدة عن طِرازِ حياتي. تبدو بنظري تافهة أكثر مما هي قبيحة.. كان يقول إن المظاهرات الأخيرة حدثت بتحريض من أمريكا.. الأفعى أثارت الشارع على رئيس الوزراء بعد عودته من الصين. الاتفاقية ستبني لنا محطات كهرباء وتعبِّد شوارع.. تؤسس مجاري.. مشاريع تماطل فيها أمريكا تنجزها الصين بعام، مرّ أربعة عشر عاما والعراق من دون نور أو ماء حلو.. لا شوارع.. لا نظام. فوضى.. كان زوج عمتي يكره الحكومة لكنني أجده مثل زميلي في العمل كالم ينطق بكلام لا أستطيع أن أفنِّدَه.

على الرغم من ذلك فلا بدّ من أن أتصل به.

5

وأقف شأني كلَّ يوم أمام المرآة.

سبعة مصابين بفيروس كورونا.

اثنان بريطانيان واليابان تحجز باخرة على متنها رعايا انكليز.

يستفزّني خبر آخر:

سقوط خمسة قتلى في الناصرية والعدد يصل إلى 525

كان حديثي مع زوج عمتي مقتضبا. إنه الآن يفكر كيف يساعد أقاربه على الهجرة. يتبع طريقة جدتي قبل ثلاثين عاما. تكرّر في أغلب الأحيان الخارج من العراق مولود والعائد إليه مفقود. وأظن أن أبي كان أول ضحية تصبح عبرة لمن يعصي حكمتها الأثيرة. أسمع الأحداث فأشعر بالأسف..

لا أبالغ إذ أصفه أسفا..

انزعاجا..

لا أشعر أنه حزن.. وأجد أن أمي لا تخفي انفعالاتها. أما شغل أبي الشاغل فكان الحديث عن العراق ومشاكله. ربما يشعر بالضجر حين أتحدث أنا وأخوتي باللغة الإنكليزية. نجدها معنا في المدرسة والشارع. في النوادي الرياضية، والمسابح. دور السينما. المسرح. برمنغهام تغص بالمسلمين، والتعاونية العربية الإنكليزية تجد مكانا في مبنى البلدية يتعلّم فيه الأولاد اللغة العربية. ثلاث ساعات يوم السبت أجدها ثقيلة.. .

ضجر..

ساعات تفسد عليّ عطلة نهاية الأسبوع وساعلت التزحلق على الجليد. ذهني لا يتوافق مع الفاعل والمفعول. وضرب عمرو زيدا. كثيرا ما نغتنم الفرصة فندير التلفاز على القنوات الإنكليزية.

X factor

British god talent

Shyn the singer will win

Dancing on ice

أرطن مع أختي وأخي: أراهن أختي أن الروسية الراقصة على الجليد ستفوز هذا العام. الروس أفضل العالم في الرقص على الجليد. في المدرسة أيضا يتوقع معظم التلاميذ فوز الروسية، ونختلف فيمن يفوز في مسابقة أكس فاكتور، أما حديث الثلج فيستفزني:

يثيرني.

أكاد أجربه.

أمي تستنكر:

أخشى أن تقع فتنكسر يدك.

أغرق في الضحك وأعترض:

لو طبقنا هذه القاعدة لأعرض الناس عن جميع الرياضات فلا كرة قدم ولا سلة ولا تزلج على الجليد.

ويعقب أبي :

دعيه يجرب صحيح ليس كل من يفعل ذلك يقع وتنكسر يده!

 ويمد يده إلى الريموت كونترول، فيغير إلى محطّة الأم بي سي أو العربية وأجد أمي لا تكتفي بالتذمّر: قرفتمونا.. وجدتي تضحك وتتساءل بماذا ترطنون.

الماضي مازال يتطفل.

لا يزعجني.

حقّا أراه جميلا في بعض جوانبه.. مشرقا أحيانا.. نضحك من جدتي حين نوضح لها إني أتوقّع مثلما يرى تلاميذ المدرسة أن الجمهور الإنكليزي في صالة استعراض x factor سيختار الشاب الإفريقي الأصل ذا الصوت الأجمل.. فتستغرب.. أبصر الدهشةبعينيها.. تظنهم ينحازون، فنسخر في سرنا من سذاجتها. وعندما يتحقق فوز الإفريقي، تعقب :

في كل مكان، وعندنا في العراق السود يتمتعون بأصوات جميلة.

أغلق المذياع وأستعد لمغادرة شقتي.

اليوم سنخرج إلى المسبح أنا وكالم مع الأسبرجر "تايرون"ذي الثانة عشرة العنيف والهاديء في الوقت نفسه.

لايتكلم.

تعرف أنه جائع أو متضايق من ردة فعله.

معلوماتي الأوليّة عنه:أبواه منفصلان.. الأب شرطي، والأم ربّة بيت.. جلست معه في المقعد الخلفي، وراح كالم يقود السيارة.

سألني :

اليوم ينزلون العالم البريطاني من الاتحاد الأوروبي.

سمعت فقط عدد ضحايا كورونا.

الصين عظيمة إنهم يشوهون سمعتها.

الغائب الحاضر جنبي تململ ثم أطلق ضحكة وأشار إلى شئ ما على الرصيف، ربت على كتفه، والتفت إلى كالم:

هل تظن أن سكوتلاندا ستنفصل.

ربما أرجح الانفصال وأشك أحيانا، الواقع رغبة الانفصال موجودة.. كل الخبراء هناك في اسكتلندا حيث النفط إنكليز كيف سيدير الأسكتلنديون بلدهم ولا خبرة لهم مثل الأنكليز؟

وأنت ماذا تفعل؟

أنا زوجتي إنكليزية وبيتي هنا!

ضحكت وتوقفت السيارة ليبقى تايرون بصحبتي حتى قطع كالم التذاكر ودخلنا المسبح.

توجهنا إلى الماء.

نزلنا ثلاثتنا، وبدأ تايرون يعوم. كان يسبح بسرعة مذهلة .

قوة مفرطة.

 أحيانا يغوص بخفة الضفدع.

تذكرت طفولتي والرقص على الجليد، وسباق السباحة حين يصحبنا المعلم ومعنا التلميذات إلى مسبح بلدية برمنغهام. في الصف السابع عمري ثلاث عشرة سنة.

نلعب .

نسبح

يرش أحدنا الماء بوجه الآخر.

لا أكثر من أن تستعرض في ساحة المدرسة لتثير نظر فتاة أو تستغل استعراضك في المسبح. نعرف نحن الأولاد أن كل بنت معنا في المدرسة معجبة بواحد منا..

الأجساد.

النهود الصغيرة تحجبها الحمالات والأفخاذ.. .

أشياء حية بضة رائعة.

وكانت "كريستي" تحتك بي.

تثيرني.

أقرب التلميذات لي. جعلت مكانها جنبي في الصف. وفي الفرص حالما تجد فراغا تجلس قربي تحدثني.

أحيانا أرتجف.

أخاف.

هل أنا في عالم آخر؟

وزاد من خوفي أن أمي استلمت رسالة من المركز الصحي تخص أختي. وحينما ذهبت فهمت من الطبيبة الهندية أنها رسالة عامة تبعثها المراكز الصحية، إلى الأمهات الوصيات على فتياتهن القاصرات تخص فحصا عن السفلس وأمراض الزهري أو الآيدز. أمي ترى أنها رسالةُ مَنْجَسَةٍ لا تخصنا المسلمين. مثل الكلاب هؤلاء. لاحرام ولاحلال. بناتنا عذراوات. لايعرفن الجنس إلا يوم الزواج. ويميل أخي بفمه على أذني مقهقها:

والتفريش؟ أكيد لا يعدي.

لكن أمي تحس بلمزه المكتوم عن البنات الشرقيات:

أنت ماعندك غيرة ولا نقطة حياء. لم يخربكم إلا شيء اسمه التلفزيون والنت لكن ماذا بمقدوري أن أفعل وأنا وحدي مع دنيا مليئة بساعات الكترونية ومجوعة بورد وهواتف نقالة وأفق مفتوح على كلّ ماهو وقح، وتضيف بعد سَوْرةِ حنق. والله تربية البنات أسهل في أوروبا على الأقل البنت لا تفلت مثل الولد!

قد يذوب هاجس التردد.

يقل الخوف حين أدرك أن الأمهات بعد مرحلة الابتدائية يعلمن بناتهن كيف يمارسن ويستعملن حبوب منع الحمل. وتظل الحالات النادرة تثير خوفي. حالة أبوة لشاب إنكليزي عمره اثنتا عشرة سنة وفتاة بعمر الثالثة عشرة. معلمة تمارس الجنس مع طفل في مرحلة الابتدائية. وأخرى تعلم أن شريكها يمارس الجنس مع ابنتها، فتصمت..

أضحك.

أصل إلى قمة التلّة وأنا ألهث، فأضم كريستي إلى صدري. أقبلها قبلة طويلة.

أتلفت حولي فيقع بصري على ساحة خيل تسيجها أسلاك معدنٍ مبروم، وحقول خردل صفراء. أعود إلى تقبيلها ثانية ثم ترفع رأسها وتقول وسط اللهاث:

لننزل إلى هناك

ننزوي خلف أجمة تغصّ بشجيرات الهندباء، ترتمي على ظهرها وتفرج ساقيها..

أندفع

قوة لا أقاومها.

صخب في داخلي.

عنف لامتناه.

فأرتمي فوقها.

لحظات.. دقائق.. . أنفاسي تتلاحق.

ألهث.. .

فأجد أن روحي الصاخبة تكاد تخرج من ذلك المكان وتسيل فيها، فأطلق صيحة وترسل صرخة قصيرة..

أهدأ..

كأني أحلق إلى عالم ناعم يشيع في السكون والخدر..

تغيب في الأفق فأهبط من فوقها، فتلتفت أسفل عجيزتها ترى بقعة دم تختلط بتراب الأرض الرملي الداكن، فتبتسم، تقبلني وتقول:

لم أعد الآن عذراء.

كنت يوم المسبح قد أسرعت إلى الحمام، ثورة أخرى، حركت يدي.. صورتها.. فخذاها اللامعان.. وأطلقت تحت الدش لهاثا مكتوما كأنني أرتب الأمر للقاء اليوم. لا أخفي أني خفت. في الثالثة عشرة من عمري. أمارس مع فتاة بعمري. صورة الصبي الأب والصبية الأم، أصغر أبوين في بريطانيا تلاحقني.

هل أعترف لأمي.

يشغلني بعض الوقت أن أصبح أبا صغيرا لمولود جديد فأقع تحت رقابة البلدية وأهلي، وأجد أمي تصرخ فيّ أن حفيدها ابن حرام وليتها ماتت قبل أن تعيش إلى هذا اليوم ثمّ أتخلّى عن أفكاري السوداء، وأراهن على أن أم صديقتي دربتها على استخدام حبوب منع الحمل، وقد فزت في الرهان على نفسي. ظلت كريستي صديقتي إلى السنة التاسعة. بقينا نلتقي عند أجمة الهندباء، ومرة دعتني إلى بيتها. كانت أمها في العمل. في غرفتها فعلنا الذي نفعله في الأجمة.

كنت أبدو مطمئنا والجميع في المدرسة يعرفون أن كريستي صديقتي!

سنغادر الآن!

ينتشلني صوت كالُم من الماء، فنخرج وبيننا تايرون الأسبرجر. وفي طريق العودة قلت مشجعا :

أنت سباح ماهر ياتايرون!

أطلق هممهمة، وتجاهل كلامي:

مادمت رائعا بهذا الشكل فسنأتي إلى هنا مرة أخرى.

قال كالُم ذلك، ولم يتوقف تايرون عن الهمهمة طول الطريق!

 

قصي الشيخ عسكر

 

رائدة جرجيسارفعُ الكأس عاليا

فنخب البعُدِ نجومٌ

امُّدَّ يدي عبر المدى

اعيدها واتنشق عطرك

على فراشي سلوت بعضك

وبعضي ترنيمةُ الهوى

فاقبِل

لملمْ المطر

لزرع حصاده انا والحب

لطفا افروديت*

اعيدي مكحلتي

فالاحبة ترنو لوجهي

والرغبةُ بعض ثياب

زمانك ولى وزمان الهوى زماني

***

رائدة جرجيس

.................

* افروديت الهة الحب، الشهوة والجمال

 

صحيفة المثقفكفى، ان تقولوا كلاماً هجيناً

يجاهرُ حيناً بكذباته

وحيناً، يداهن بالفذلكه..

كفى، إنكم أشقياء هذا الزمان

كأن حياة الجموع الذين تسوقونهم

في الطريق الى المهلكه..

لا يساوي حياة الملايين

تهتف، لا للمهزله..

**

كل يومٍ يعود السراب لأوهامكم

يكبل أقدامكم

في عميق المزبله..

**

كفى،

لا تنكروا، إنكم تعرفون القتله..

قالها واحدٌ منكمُ :

إذا لم تراعوا طموحاته

سيحرق الدنيا

على من تبقى من الأحياء

يحصد كل يومٍ زهور الطريق

في سماء حالكه..

**

كفى، دجلاً

وأنتَ تلقي خطابك

من بلادٍ تكن العداء ولا ترعوي

لتلك السماء التي في عرفها مفسده..

دع عنكً هذا الهراء

فشعب اليقين غدا واحداً

يجاهر في كلمة واحدة..

لا، مكان لفاسدٍ في ربوع

هذي البلاد الخالدة..

كذبت كثيراً

وخدعت الكثير بأوهامك الحاقدة..

وأحلامك الفاسدة..

كفى إحتقاراً لتلك الملايين من حولنا

وانت تحلم بالنفوذ،

وكسب الرخيص،

حتى، وإن جاءَ على جثثٍ هامدة..!!

***

11/02/2020

 

صحيفة المثقفسكت الكلام وعاد صوتك مبهما

هات الورود ومدّ منكَ البلسمـــا

 

شهدٌ حديثكَ، من حوارك قد نما

بين الحنايا وردة ً وتبرعمــــــا

 

روض الكلام بفصل حبك مفعمٌ

حاور فديتك كي تريح متيمــــا

 

قل لي و لو بالعين منك قصيدةً

لا تترك الأوقات تمضيَ دونما

 

صوتٌ يشف الحزن في نبراتهِ

قيثارة والحب منه ترنمـــــــــا

 

رتل بعيشي كي تعــــود ملامحي

جدباء روضيَ كم سكوتك أسقما

 

لقد اعتراني الحزن بعدك منيتي

فامنح فؤادي في سمائك سُلّمـــا

 

قلبي إليك وخاطري بك يحتمـــي

و النبض يعزف راغبا كي تبسما

 

ليعود ثغرك ضاحكا متوهجا

فالضحك يجعل وقتنا متنغما

 

فإذا ضحكت الحزن يهرب خائفا

ويصير بالأفراح قلبك مفعمـــــا

 

لا تترك الأحزان تطـــــرق بابنا

واسعف فؤادا ً بات عندك مغرما

 

ففراتُ قولك في حدائق مهجتي

عذبٌ نميرٌ دونه قلبي ظمــــــا

 

ثرثر وأمطر بالحديث مدائني

فحديثكَ المائي يروي لو همى

***

صباح الحكيم/ عراقية

Mercredi 15 juin 2016

 

حسين حسن التلسينيمرحباً يارشيقة الحاجبينِ

               ياسَما المشرقينِ والمغربينِ

أنتِ عيدٌ لطلعةِ العيدينِ

                  قمرٌ فوق راحةِ الرافدينِ

أرى عينيك بالهوى خصبتينِ

                 بهما جَفَّتْ محنة الغربتينِ

إنَّ خديكِ موطن الفرقدينِ

             أصبحا في بردِ الشتا مَوْقدينِ

ظل نهداك للهوى خافقينِ

                  ولترنيمةِ الدجى عاشقينِ

لو جرى البخلُ في قُدوم اليدينِ

                 ظل نهداك باللظى ناقدينِ

           ***

أقبلي ياسحابة الفكرتينِ

              يا نسيماً يطوفُ في الرئتينِ

أشتهي قُبلةً من الشفتينِ

                فبها أمسي للورى ضفتينِ

أوقِدي للهوى سَمَا المُقلتينِ

             وضعي في يد الوفا زهرتينِ

ففؤادي يراهُما أسرتينِ

                  للحبيبين بل شذا الجنتينِ

          ***

ياهزاراً لدمعة المحبسيْنِ

          يانسيماً يضمُّ شعرَ الحُسينِ (1)

يارياضاً لنزهةِ الأزهرينِ

         ياقصيداً لمُلتقى الأصغرينِ (2)

كان حرفاي في الدنا خاسرينِ

          غدوا اليوم بالهوى ظافرينِ(3)

غزلي كان مُقفرَ الناظرينِ

                  ثم أضحى منابعَ النهرينِ

غزلي كان شاردَ القدمينِ

                   وهزيلاً كملتقى العدمينِ

ظل جفناك في الدنا مُحْسنينِ

                 هاهما أصبحا لهُ موطنينِ

غزلي حُرٌّ في سَما الوجنتينِ

       قَضَتِ الأرضُ العُمْرَ في دورتينِ

غزلي ظلَّ مُثقلاً بالدَّيْنِ

            بعدَ أن ضاءَ في ربى النهدينِ

 

شعر : حسين حسن التلسيني

العراق / الموصل - 2012.

...........................

(1) المحبسان : إشارة الى شاعرالفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبي العلاء المعري الملقب ب : رهين المحبسين . الحسين : هو الشاعر حسين حسن التلسيني .

(2) الأزهران: هما الشمس والقمر .الأصغران :هما القلب واللسان  .

(3) الحرفان : هما الشعر والنثر .

 

 

عبد اللطيف رعريشَجَرَة  فِي ضَيعةِ القَلبِ

يسْكُنهَا شَاعرٌ

رَوّضتهُ الأفْلاكُ عَلى حُزنٍ قَادمٍ

 يَوم العُبُوسِ سيضلُّهُ السَّبِيل...

 لِيُحرِقَ خُيُّوطَ المُعجِزَاتِ

**

لا نَحتاجُ عُنفًا رَهيبًا للاستِظلالِ تحتَ ظلِّكِ

 أيَا شَجرَة الويستِريَا

لا نَحتاجُ خاتَم الأمْسِ الغَابرِ لمُحاذاتكِ

 وَلَا نبياً كسُليْمانَ....

لا نَحتاجُ كاهِنا لَحْيانا

وَلا عَصَا مُوسَى بن عِمْران

**

ارْقٌصِي ..

.لَسْتِ حَجرًا لتَنفَجِرِي..

 لَسْتِ بَحْرًا لتنْفلقِي....

تَمَايلِي...

فُوحِي بالعِطْرِ الترَابِي ...

فلقَد أوْحَينَا لكِ منْ وراءِ سِتار

مُنتهاكِ بالجمالِ...... وقَذفْنا فِيكِ البِشَارَة

 فبهَاؤكِ يَمنحُكِ  نخْوَة المُلُوكِ...

**

 تكَشّفِي ...

جُوبِي صَحرَائنا بأقدَامكِ الحَافيتينِ....

لِتَنمُو ورَائكِ شَقَائقُ النُعْمَانِ...

فعَصَافير الجنّةِ فَوقَ صَدْركِ قَانِيةً

 لِلعِشقِ

للرَّحيل بلَا حُدود خَلفَ آثارِ الشُهدَاءِ 

تَهَادَيْ وَالثُمِي النُّجُومَ

 يَا عَرُوسةَ

 الأشْجارِ

 فِي كُلِّ مَكانٍ ...

فِي كُلِّ زمان......

**

العَطاءُ نزْوةٌ فِي الفُصولِ البارٍدَة

 وأبَديَّةُ جَمَالكِ أنتِ عَطاءٌ رَبَّانِي

نَحْنُ جُندُ مِنَ السَّماءِ

 تُظللُنَا

 أحْكامُ الرَّب....

 ومَقامُنا لمغازَلتكِ مِن سُننِ الأتقِياءِ 

فَطبْطِبِي علَى الزُّهُورِ

 وانثُرِي الِبساطَ بِرَحمتكِ

زَغْردِي...

هَللِّي....

فأسْماءُ المِيلادِ

 كَتبتُها بالنَّدَى الذّي يرْشَحُ منْ رَحمك..

 وَطَوَيتُ الَمَسَافات التّي تحُدُّنا

 إلى قُبلةٍ سَاخِنة

 وتمرْجَحتُ بينَ أفْنانكِ كَرَضِيعٍ مُتخَلّى عنهُ

 لِسنَواتِ العُمرِ

 لأبدٍ في عِلمِ الغِيابِ ...

**

أيَّا شَجرَة الويسْتِريا

 لا تنْشغِلِي بِظلكِ

فقدْ أقضُمُ الحَجر بأسناني

 فتَتقاطرُ أوْرَاقُك يابِسة

 وقَد أحْرقُ ظلكِ برُضَابِ الجَماجِم....

وأزرعُ برمادِكِ عُيونا لاتنامُ حتّى يؤذن لها بالنَّومِ

**

فَقدْ عَلَّمنَا

خَريرُ المَاءِ وهُو يُصافحُ الغَابَة

كَيفَ نَصْنعُ أعْشاشَنا فِي الفضَاء

ونتَدثرُ بالغَيمَاتِ

  فَوقَ سَريرٍ ثلجِيٍّ

 ولا تَسقُطُ مِنْ أيْدينَا الحُلمَةْ حتَّى أخِرِ صَيْحةٍ

 تجَرَّ وَرَاءَهَا مِزهَرِياتُ الكَنائِسِ

 إلى رَمَادِ العِظَامِ ...

إلى لَطْمةِ الجِدارِ المُسيّج...

إلى جَامُورَة

 المَآذنِ المنحُوتة بالنُّحَاسِ....

  إلى الشَّارِعِ الأعمَى ...

إلى مُنتهَى التيهِ...

إلى أخِرِ الأرْقامِ التِّي تعتَرِفُ قِدَمكِ 

**

علَّمنَا

كَيفَ نُرَوِضُ ضَوءَ القَمَرِ لِنرَى وُجُوهَنا..

  فِي اكتِمالِ اليأْسِ...

 فِي آخٍرٍ اهتزَازٍ نَصْنعُه للمُجازَفَة

 وَكيفَ نغَازلُ عَينَ الشَّمسِ

ونَخلعُ عنْهَا ثوبَها الكَاشِفِ لِلعُمرِ

لِلقَهرِ

 للرَّذِيلةِ وصُرُوفِ الدَّهْرِ

 فتُصابُ بالعمَى ونسْرقُ مِنهَا دِفء ها

**

وأنت يا غيمة العُبورِ ألا يُخجلكِ تبرّجكِ الفاحشِ

 تَحْملينَ أشْجَارَ العِشْقِ إلى أيْن ؟

وتُيَّتمِينَ شَجَرةَ الوِيستيريا

 انْظُرِي كَيْفَ جَمُلَتْ وهِي تُعَانِقُ المَطرِ

كَفاكِ عَتمةً  ...

وطِيرِي بِجُيوبٍ مثقُوبةٍ فقَصَائِدِي ترْسُمُ الطَّرِيقَ

** 

شَجرَة الويستسريا

لَا أمَلَ لكِ فِي التِّيهِ خَارِجَ حُدُودِ القَلبِ

ارْقُصِي ....

تَمَايلِي.....

تَكَشَّفِي......

زَغرِدِي.......

 هَلِّلِي........ فالرَّبُ يتَوِلاَّكِ..

***

عبد اللطيف رعري/ونتبوليي / فرنسا

 

 

مصطفى عليأو (ريمٌ من شمالِ القلب)

[ورقةٌ منسيّةٌ من دفترِ الصِبا والشباب]


ورأيتُها بين الخزامى والحَبَقْ

        صَهْ عاذلي: سيفُ الغزالةِ قد سَبَقْ

لِنياطِ قلبٍ سائحٍ بديارِها

             وَوَتينِ مُصْطافٍ تناهبَهُ الأرقْ

عَبرتْ شِمالَ القلْبِ صُبْحاً فإعْتلى

            قلبي سَنامَ الريحِ وإفْتَرشّ القلقْ

مَرقتْ مُروقَ السهْمِ من قوْسِ الرُبى

           والسهْمُ من قلبِ الرميَّةِ قد مَرَقْ

وَدَقَ الرَميُّ على فُؤادي غيْثَهُ

            فَتَقاسمتْ جَمَراتُ قلبي ما وَدَقْ

ناجيْتُ ربّي خاشعاً مُتَعوّذاً

            من سِحْرِ آرامِ الجبالِ وما خَلَقْ

فَشقيقةُ الآرامِ حينَ تَضوّعتْ

           طَفَحتْ قواريري رذاذاً وإنْدَلقْ:

مِسْكٌ كأشْذاءِ الشقائقِ في دمي

         فَزَهوْتُ كالطاووسِ أسكرهُ العبقْ

شلّالُ فيروزٍ تلأْلَأَ هادراً

        خطفَ البصيرةَ والسريرةَوالْرمقْ

فَتوهّجتْ ألوانهُ كَسبيكَةٍ

           سُكِبتْ بها الألوانُ نهراً من أَلَقْ

فالشعْرُ عَسْجَدُ والعُيونُ حشائشٌ

            والخدُّ والشفتانِ من لوْنِ الشفَقْ

وَتماوجُ الألوانِ أسْكرَ صُبْحَنا

            فَهمسْتُ رِفقاً إنّ قلبي من وَرَقْ

ذاتَ العيونِ الخُضْرِ قلبي أخضرٌ

                لكنّهُ بالصدِّ عوقِبَ فإحْترقْ

سَرتْ الجوارحُ خلْفَ هوْدَجِها سُدىً

               بِقوافلٍ أغرتْ فُؤادي فإلْتحقْ

مُتَوهِّماً حَسِبَ السرابَ غديرَهُ

                فَإذا الظنونُ تُذيقُهُ ما لم يُذَقْ

حَدَقاتُها شَعّتْ شُموساً ألْهمتْ

                  عَبّادَها بِطَوافِهِ بين الحَدَقْ

في عيدِ نيروزِ الهوى مُتَرنّحاً

              طافَ المُدلّهُ حولها ثُمَّ إحترقْ

لَثَمتْ رُؤاهُ زهرةٌ برّيّةٌ

                  ألوانُها طيفٌ تقزّحَ وإنْفتقْ

عن ألفِ سهمٍ في سماءِ تَخيُّلي

           فَخَشيتُ من سهْمٍ تفرّسَ وإنطلقْ

مُتَصيّداً لُبَّ الحشاشةِ والحشا

              وكَمارِقٍ شقَّ الحَنايا وإخترقْ

كم وَدَّ تقبيلّ السِهامِ لِأنّها

              لَمَعتْ كبارِقِ ثغرِها لمّا بَرَقْ

سَرَقَ الغزالةَ شاعِرٌ بخيالهِ

            ومضى يُنادِمُ بالقوافي ما سَرَقْ

نَسِيَ الفراديسَ العُلا وخُلودَه

            مُذ لاحَ تفّاحُ الغِوايَةِ في الطبقْ

وَبِكوثرِ الأوهامِ أفرغَ كأسَهُ

             سعيًا الى فيضِ اللذائذِ والغَدَقْ

وَكَمَنْ تَبَلّدَ حِسُّهُ في جنّةٍ

          ومشى على جمرِ الخطيئةِ فإْتَلَقْ

ياليتَ جنّتَها سَعتْ لِجهنّمي

              لِتَذوقَ ما ذقناهُ فيها من رَهَقْ

يا بنْتَ أودِيَةِ الشمالِ تَرَفّقي

               أغْويْتِ قلبي بالغوايةِ فإنْزلقْ

إرْمي جِمارَكِ نحْوَ قلبي وأرْجُمي

          رَمْزَ الغوايةِ لو تَجاسرَ وإلْتصقْ

بِدِلاءِ قلبٍ لا حبالَ تَشُدُّها

             حَذَراً تَدلّتْ في أراجيحِ الشبقْ

طَفَقَ المُوَلّهُ خاصفاً من توتِها

            لِيُعيدَ ما أوْحتْ شِفارٌ في العلقْ

لا هيْتَ لي قيلتْ ولا نطقتْ بها

          فَزُليخةٌ صدّتْ ويوسُفُ قد صدقْ

لمّا تمايَلَ قَدُّها مُتبخْتِراً

             قلبي تراكضَ حافياً ولها خفقْ

نَكأتْ أقاصي لوعتي بِغرورِها

         فإرتجَّ موجُ الروحِ وإنفرطَ النَسقْ

قَدَحتْ قناديلُ الغرامِ سريرتي

          فَتَهتّكَ المستورُ جمراً في الغَسقْ

وَتَهفْهفتْ كالباسقاتِ رشاقةً

         رَشَقتْ غريباً فرّ من ذاتِ الرشقْ

قلبي رَآها لبْوةً مُتَوجّساً

             وبَدتْ لخفّاقي المعنّى كالوَشقْ

لكنَّ شاعرَها تملْملَ هاتِفاً :

            هِيَ كالفراشةِ رِقّةً : لا بَلْ أرَقْ

في غابةِ النسرينِ يسألني الندى

            هل فزَّ مُرْتَعشاً فُؤادُكَ أم شَهَقْ

ما زالَ في سحْرِ الصبابةِ هائماً

              يتلو صحائفَ غيبِها لم يسْتفقْ

وَكَحالِ مخمورٍ صحا من سُكْرِهِ

               بِصبوحهِ وإلتاعَ ليلاً فإغْتبقْ

هلّا صحا الضِلّيلُ من شَطَحاتِهِ

             وإرْتاحَ عنترةُ البوادي وإنْعتقْ

أم أنّ ليلَ العاشقينَ لأهْلِهِ

              جبٌّ ليوسف َ صبحهُ لا ينبثقْ

قل للعواذلُ لا تلوموه إذا

          بِرِضابها المعسولِ راوده الغرقْ

بين المراشفِ أضمرتْ كأسًا بِها

          رَشفتْ مدامعَ مُهجتي حدَّ الشَرَقْ

فأَدرْ شَمولاً من شمائلِ قَدِّها

         وأسكبْ على نزَقي أباريقَ النزقْ

(يا شاهِنازُ) قصيدتي لم تكْتملْ

              وبِمثْلِها المكلومُ يوْماً ما نطقْ

مَنَحوكِ إسْماً بالدلالِ مُتوّجاً

          فَغفى على رأسِ المليكةِ تاجَ حقْ

ما ألطفَ الأقدارُ عدلاًرَكّبتْ

            إسْماً على أحلى مُسمّى فإنْطبقْ

ومُتيّمٍ  بغزالةٍ  كُرديّةٍ

         وَرَدتْ مياهَ الزابِ تشكوهُ الحُرقْ

فتراقصَ الزابانِ مثلَ قِوامها

               وتعانقا بينَ الأساورِ والحلقْ

فشكوتُ للزابينِ ظبْياً شارداً

              قد سلَّ أسيافَ التمنّعِ وإمْتشقْ

أنتمْ أقاربُها نعم ورُعاتُها

           وأنا الحبيبُ المُبتلى فَمَنِ الأحقْ

لم يُشْركِ القلبُ ولم يأثمْ إذا

            بِغزالِ نهرِ الزابِ آمنَ وإعتنقْ

دينَ المحبّةِ ناسكاً مُتهجّداً

        صَلَواتِ عشقٍ في رحابِ المُعتَنقْ

ظبيٌ على جبلٍ بقلبي قد مشى

            فتشابكَ البلّوطُ واللّوزُ إصطفقْ

فتقَ الجروحَ بخافقي ياليتهُ

             داوى جروحاً للمُقرّحِ او رَتَقْ

أَ وكُلّما رتّقْتُ جُرْحاً في الهوى

            ثنّى عليهِ الريمُ أخرى فإنخرقْ

يا بدرَ شاهقةِ الجبالِ أعرتني

           جبلاً من الأسقامِ عني ما إفترقْ

يوْماً ولا لاحَ الهلالُ لصائمٍ

       لا مات من عطشٍ ولا الساقي رَفَقْ

بدرٌ تلمّسَ في الدُجى أطوارَهُ

              ما إن بدا بِتمامهِ حتى إنمحقْ

مُتخفّياً يغشى غمامَ نوافذي

              هلّا تَسوّرَ بابِ قلبي او طرقْ

يا جارةَ الوادي هُنالك منزلي

         يغفو على طُرُقِ اللُقى لا المُفترقْ

يا جارتي بابٌ يئنُّ بخافقي

                   دقّي عليْهِ كُلّما نادى ودقْ

عجباً لجارتنا تُغلّقُ بابها

                 وأنا فُؤادي دونها لم ينغلقْ

لو جادَ بلّوطُ الرُبى بزيارةٍ

         ذكرتْ له النخلاتُ طيبَ المُرْتفقْ

       ***

مصطفى علي

 

سامي العامريهو العمرُ عنــد العُرْب تكرارُ أيامِ

ومحض ثغاءٍ مــــــن أناسٍ كأنعام

 

ومَن ظــنَّ شيئاً جَدَّ في واحة الرؤى

فقد لاكهُ مــِـــــــــن قبلنا حشدُ أقوام

 

وكل الذي تلقاه في الصـــــبح جِدَّة

ستلقاه بعد الظــــــهر جوقةَ أوهامِ

 

وإنك لو ألقيتَ نــــــــــــظرةَ فاحصٍ

على كل ذا من حظوة (العالَم النامي)

 

ستُلقي بنفسك من علوِّ ســــــــحابةٍ

وتَفنى مـن الخذلان والقهر والسامِ

 

عبوديةٌ قامت قيامتــــــــــــــــها دماً

على المرأة الهيفاء فــــي موكبٍ دامِ

 

كذاك علـى الأنهار عامت ضفافُهــا

بضربٍ من التنكيل ما عاشـه ظامي

 

نوارســــــــــــُـها الجذلى تمدُّ رقابَها

سهاماً وســهم الموت يُرمى بلا رامِ؟

 

وحرية الإنســـــــــــان أقسى وقبلها

كرامته عَقدٌ تلاشــــــــــــــى بإبرامِ

 

أثأرٌ مِن النسْـــــــمات تهفو وسعدُها؟

ومِن مركب الأشـــذاء يُسقى بأنغام؟

 

وحتى هلالُ البوح والتوق والســــنى

أتاحوا له مـَـــــــــــــن يستبيه كإكرامِ

 

فيا كرَمَ البارود من كــــــــــــفِّ حاقدٍ

ويا لمضـــــــــــــــافاتٍ أتيحتْ لأيتامِ

 

كأنَّ لإسم الشــــــــــــــــرق ألفَ دلالةٍ

وها شَرَقَتْ أفواهُ شرْقٍ بإطـــــــــــعامِ

 

أو الضدَّ حيث القِرشُ في البحر كاسرٌ

وفي البَر يبني العُرْبُ دنيــــــا بإجرامِ

 

فواحدهم جانٍ ويختال ضــــــــــــاحكاً

يقال: يرى الأوراد مــــن خلف أكمامِ !

 

ويـــــــــدعو رُقيَّاً فاضحاتِ انحطاطهِ

وأين الوضاعةُ مـــــن تَرافُلِ أجرامِ ؟

 

ويحسب فيضَ الوجد نوبــــــاتِ علةٍ

وأن قِوى النجوى دعاياتُ إعــــــلامِ !

***

سامي العامري - برلين

...................

شَرَقَ: غَصَّ

القرش: لفظ الشرق معكوسا

 

حمزة الشافعييحل الشتاء مهرولا،

فتحتل سحبه كل أركان السماء،

وينتظم البرق و الرعد في لا انتظام،

ليبدأ قصف الأنفاس البريئة.

تنسحب كل الزهور المتبقية  باستحياء،

تتكون وديان وبرك هنا وهناك

وتجرف معها أوراق الشجر وهي تحتضر

على أديم الأرض جراء لامبالاة الخريف.

ننتظر إطلالة الربيع،

كي ينبعث صفاء أرواحنا بزحفه،

وتشتعل الأرض زهورا

تطفئ حر الصيف

الغائب،

خوفا من  جبروت الشتاء

الذي حل مهرولا.

لكن...

قضي على الشتاء الأسود فجأة،

كيف اذن؟!!

(....)

نتبادل ألغاما نظنها رسائل شفاء،

نتبادل نظرات زائفة

سرعان ما تذوب فتصير حقدا.

حتى الشتاء المدجج بالوجل،

لم يعد يقوى على العودة!

فلم العودة ؟

فالأرض مازالت مسكونة

'بأحاسيس متوحشة'.

***

حمزة الشافعي

تنغير/المغرب