حسين يوسف الزويدمنذُ أنْ لزَّت خيولُ الشوقِ

في واديكِ والأهاتُ

ما تنفكُّ تجتاحُ المنى،

كأسيرٍ يرفعُ الرايةَ بيضاءَ

ارتضى عمقَ المهاوي

 * *

منذُ أنْ لجَّتْ نياطُ القلبِ

والأشجانُ تثوي

يا لهولِ الهولِ من هذي المثاوي

 * *

منذُ أنْ دارتْ رحى التحنانِ في عينيكِ

حتى صرتِ في قلبيْ

كـ (إينانا) السَّماوي (١)

كلما مرَّت بهذا القلبِ ذكراكِ

أيا فيضَ هيامي

جاءني الضليلُ :

لا نومٌ ولا صحوٌ

لمن كانَ لهذا الوجدِ حاوي

 * *

منذُ ذاكَ المنذُ باتَ القلبُ

مهووساً وموجوعاً

على دربِ المغاوي

 * *

أيهذا القلبُ مهلاَ

فلتكفَّ اللومَ

كمْ كنتَ هزيلَ الرأيِ

في أذنيكَ وقرٌ

رغمَ ما شقّ عناناً في السماواتِ الهوى

كمْ كانَ داوي

 * *

إنَّكَ المسؤولُ عما فاتَ

ذاكَ اليومَ لما كنتَ غُمراً

بالتجاريبِ وفي معنى الهوى

حيثُ التداوي

 * *

كنتَ طفلاً في الربى

تتقنُ أن تقطفَ تفاحاً من الأشجارِ

أو غيماً من الأفقِ

ولكنَّكَ يا قلبُ قصيرُ الكفّ

والبنتُ التي أحببتَها أعلى من النجمةِ

كالزهرةِ كانتْ في الربيعِ الطلقِ

لكنكَ يا القلبُ الذي في الصدرِ ذاوي

 * *

كنتُ أعدو في السماواتِ

كطيرٍ في الأعالي

غيرَ أنَّي عندما

أطلقَ صيادُ القلوبِ / الحبُ سهماً

أصبحَ القلبُ

كعصفورٍ ـ على كفيكِ ـ هاوي.

 

د. حسين يوسف الزويد

.....................

(١) إينانا : هي إله الحب و الجمال في المثولوجيا السومرية وقد أكثر من ذكرها الشاعر الكبير يحيى السماوي في العديد من قصائده الباذخة كرمز لطهر الحب ونقائه.

 

قصي الشيخ عسكرقصص قصيرة جدا،

ومن قصص اللمحة

***

1

عاد ولم يجد نومة السطح بانتظاره.

2

لحظتها أدرك إذ لم يبصر وجهه أن المرآة مثل بقية خلق الله تفقد ذاكرتها.

3

راح يطعن ظهره لئلا يسبقه أحد ومايزال.

4

بالموت هددوه منذ عقود ومازال.

5

ارتفع نسر للشمس لينقض على جرذ.

6

غيّرت الرصاصة آخر ثانية مشوارها.

7

غادرت الغيمة  لمكان ما بلا دموع.

8

غنّى قبل موته لحنا مفعما بالفرح.

9

استبدت به السعادة لدرجة الجنون.

11

أثبت صورته بالماء ونفاها بالمرآة.

12

حلم الخفاش بشمس لاتشرق.

13

فاخر الغراب الليل أنه أكثر سوادا.

14

الموتى كالنبات بحاجة لرعاية وعرضة للآفات تمتم مع نفسه ثمّ نثر الورد في المقبرة ورشّ على القبور الماء.

15

إنها تحب المزاح الثقيل،قال الطفل ذلك حالما خرج من غرفة المرأة الأربعينية وأضاف ظلّت تعصرني بين فخذيها إنها تحبّ المزاح الثقيل.

16

قبل عام ،حين ابتاع بيتا كانت أبواب البيوت في ذلك الزقاق ذات لون بنّيّ،فطلا بازرق لونه الأثير بابه،وبعد عام بدت أبواب البيوت بألوان شتّى.

من قصص اللمحة

البائعة

اعتادت المرأة صاحبة البقالة أن تسألنا ونحن عائدون من المدرسة عن ابنها المعلم كيف يعاملنا وهل يضربنا لأنه لو فعل ذلك معنا نحن أحبابها الصغار لكانت تجعله في البيت يتمدد على السرير فتجلده على رجليه أو إليته مثلما كانت تفعل وهو صغير في سننا. جميع أهل الحارة يعرفونها امرأة تعادل مائة رجل تعتمد على نفسها بقيت في بقالية زوجها بعد وفاته ولم تقبل أن تعتاش من راتب ابنها معلم مدرستنا.كنا نرتاح لحديثها ونحن نتوقف عند بقالتها في أثناء عودتنا من المدرسة فتستمع إليها وهي تقلب العالم لنا رأسا على عقب إذ المفروض أن يسألنا الآخرون عن رأي المعلم فينا لا عن رأينا فيه .

والحق لم نكن نشعر بالخوف إلا يوم ماتت ... رحنا نسأل أنفسنا ونحن نمر من أمام البقالة المغلقة : هل ييّر المعلم طبعه بعد وفاة أمه؟

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها :

روحي

تحومُ حولَ مرافئِ النُّجومِ

تسألُ الأُفقَ

عنِ العشقِ

كيف يستوي على نارِ المسافةِ

وجمرِ الزَّمن

**

يا وجعَ الأوردة

حين يفيضُ فيها

عشقٌ

كأنَّه الرُّؤى

فتترجرجُ النَّارُ

في مرايا القناديل

ويَضيقُ على حدِّ شفتي

المدى

**

أعبرُ الأحلامَ

وحيداً

فتأتيني أُنثى الجليدِ

وجهاً بلا ملامح

كأنَّها نجمةٌ خرجتْ

كالجنونِ

من زُهرةِ السَّماءِ

واتَّخذتْ من روحي

وطن

**

سمائي التي تزدحمُ

بالنُّجومِ التي انشقَّتْ

عن ثورةِ روحكِ

تلتوي كالطَّريقِ

إلى الشَّيطان

فتعجُّ الرُّوحُ

بالضَّباب

وتنحني المسافةُ

على صدرِ الآه

فتدمعُ عيني

ويسجدُ في خاطري

البُكاء !

***

د.عاطف الدرابسة

 

فلاح الشابندررسالةٌ

 إلى..... حتفِهِا..

قصاصةُ يومٍ

ألرملةُ ثقيلةٌ.... ثقيلةُ جداً

 إلا على ظهِر

ألريح...؟؟

**

جاءَ بما ..... استطاع َ

أن يودع صدى ...

لفح َزفيره ِفي ألضباب

فأشتعل.....

فغابت ْ....

كلها ألأبعاد

***

فلاح الشابندر

 

جواد غلومأيتها الليالي الحمرُ

ما الذي أبقاكنَّ نائماتٍ جنب وسائِدِنا

تنثرْنَ الأقاحي على أنفاسِنا

تفرشْنَ الزّغَبَ في بساط جسَدينا

ما زال القزُّ في شرنقة اللذّة

وفورة الحرير تتلوّى في محبسِها

لمّا تتحررْ بعد

وخبايا التوت لم تحمرّ حباتُها

مازال " الأوركيد " لم يزهر

أكادُ أتضوّر شهوةً

متى أرتقي صهوةَ فحولتي ؟

أعيش دوري كفارسِ أحلامٍ

مترعٍ بالزهو ؛ مكسوٍّ بالخيلاء

خاطفاً أنوثة حواء المشتعلة بالآثام

عمِّدِيني عاشقتي ، أنا رِجْسُك الشّهيُّ

أنا نِعْـمَ الاسمُ غير الفسوقُ

حينها سأغتسلُ بالطّهْر

أتوضّأُ بالحياء

أتزيَّنُ بالتوبة

نابذاً الكلماتِ النابية

واللعناتِ البذيئة

والشتائمَ الرخيصة

ودبقَ العهْر

واللسانَ السليط

أتعلّم حسْنَ التلوّن بمعسول الكلام

أتصنّعُ البكاء

حتى يندى جبيني بالاستحياء

***

جواد غلوم

 

سيروان ياملكيفي أُمسيةٍ شعريةْ..

قاطعَني رجلٌ وأنا أقرأُ أبياتاً

أُعلنُ فيها حُرقَةَ قلبي

وأقولْ:

أن اللهَ بكى وطني

فعشقتُهُ حينَ بكى لبُكائي..

قلْقَلَ وتملْمَلَ

بسْمَلَ حوْقَلَ وتعوَّذَ

قامَ من المقعدِ..

وبحِنقَةِ قلبٍ قالْ:

أو ما تخشى غضبَ اللهِ عليكْ؟!

فأجبتُهُ مُبتسماً:

أنتَ العبدُ المملوكُ

وأنا العاشِقُ يا هذا

فأخافُ اللهَ على ماذا؟!

***

سيروان ياملكي

فانكوفر 14/7/2014

ديوان (مَن يمنع البحر!)

 

عبد الزهرة شباريإليها وحدها!!

بعد المسار فأعيني لا تبصرُ

وطوى النهار إزاره ...

وتبددت أنواره نحو الظلام،

فأوجس النائي يريد المعبرُ .

فوددت لو أن العيون ..

مراكب لا تبحرُ،

أواهُ ....

كم برحت عيونك  ...

تقتفي الأسرار والأخبار ...

والأشعار لا كلّتْ ولا ملّتْ ..

ولا أدمى بها السهرُ،

يا زهرتي وبيان تلك قصائدي

هذي العيون الناعسات المطفآت،

كما الشوارع إذْ مادت فراقدها ..

بليلٍ أجدرُ،

كفي الملام حبيبتي ..

فاللوم في غسق الليالي ..

الحالكات يكدرُ .

كفي عتابي زهرتي

ففي عتابك أدمعي أضحت ..

دماءٌ تقطرُ،

هبّي على جسدي النحيل ..

نسائماً،

فيها عبيراً من ودادك ...

 يزهرُ،

الله ما أحلّى وداد الخافقين ..

بصمت عند ليلك وهو يمسي مقمرُ .

جفّتْ عيوني الصامتات الساهرات ...

واصبحتْ حيرى حبيسةِ  ..

شدوك المتحيرُ .

ما بالها عين الوداد شحيحة ..

لا تمطرُ،

هي أدركت عمق الفراق ..

بلا لقاءٍ بيننا ..

فأوجستْ تيها حيالك تفخرُ،

لمّي وريقاتي ونفحة أسطري ..

لمّي صباحات تناثر زهرها ..

وبدتْ تلوك قصائدي وعقاربي ..

الولهى لوصلكِ معبرُ،

بيّ صرخةٌ تدمي الفؤاد ..

فيا لها من صرخةٍ

حتى الحديد تفجرُ،

تدوي بطياتِ الضلوع ..

وبالحشاشةِ تنخرُ،

هاك  اليراع حبيبتي..

وهاكِ بلسمُ عنبري،

تالله أمسى عبيراً في ..

مسارك يقطرُ .

فبقيتُ أحدو في مواويل الهوى ..

وبالملامة أسهرُ،

لمّي الوصال حبيبتي ..

ها بتُ أمسي في غيابكِ أفقرُ،

وألوك بعض قصائدي ..

فلعلها تفضي بليلٍ سامقٍ

أشكو إليك مغاولي ومكابدي ...

علّ العتاب حبيبتي ..

هو أجدرُ،

فكسرتُ عكازي الذي أحبو به ..

فهو الدليلُ على سلامة

مصدري،

وهو الأسى الدامي لقلبٍ

تاه في وهد الصحارى ..

يبحث في هجير الرمل ..

وهو ظامئ يسعرُ .

تالله أفنيت القوافي كلها

فلعل في شدو القصائدِ ...

أحبرُ،

فلك الوداد حبيبتي ..

وقصائدي الولهى التي ..

أضحت لوصلك تهدرُ  !!

ولك شوقي وشدوي عند ...

عند ذاك الليل ...

في ذاك السكون المقمر  !!

***

عبد الزهرة الشباري

في البصــــــــــــــــ3/2/2018ـــرة

عبد اللطيف الصافي- ستار -

يفتح الستار

يظهر المهرج الوديع

يمشي مكبا على وجهه

كذئب صريع

ينهار الجدار

الرابع

يصفق الجمهور الرائع

و يسدل الستار

**

- نافذة -

شجر كثيف

يرتق شقوق النافذة

يد نافذة

تفقأ عيني رجل كفيف

**

- أمرأة -

امرأة تلامس السبعين

على مهل

تكشف للمرآة

عن خصرها المهلهل

ولا تخجل

**

- تلاشي -

يغالبني الشوق

والهذيان.

أمامي طيف امرأة

في قعر فنجان.

أجثو لأقبلها،

تتلاشى أمامي هاربة،

كخيط دخان.

**

- قبلة عابرة-

تفر مني أصابعي،

حين تلامس نبضك.

تذوي يدي،

حين أطوق خصرك.

تسألينني بنظرة ماكرة :

هل تأذيت ؟

ثم تعطيني قبلة عابرة.

**

- صدى نباح-

على غير هدى

تسير القافلة

خلفها

بعض السابلة

تزين صدورهم

ازهار ذابلة

من بعيد

يسمع صدى

نباح كلبة حابلة

**

عبد اللطيف الصافي : كلميم/ المغرب

 

محمد المهديمُسْرج كالرّيح،

تُسامِقُ الطّودَ..

تُلامِسُ أديم الأفق،

وفي يدكَ قَصفَة من أفلاك ونجوم .

يَمضي ماضيكَ،

حَسيرا وجريحا .

بالذكريات مُثقلٌ كأحلام العشاق.

ويأبى حاضركَ الحضورَ ..

بين الأمس والآتي عَوان،

قد أعجبه السّديم ..

وكلما راحت الرّيح،

وأسلمَت مفاتيح الفجر،

إلى طلاىع الربيع،

تهاوى إلاهُكَ خلف المساءات الكليلة ..

يُواري سوءة الزّمن المُتّشِحِ بالعروبة،

ويُرَتّقُ ما تَفَتَّقَ من مَتْن الحكاية،

وما سَقَطَ  من عِقْدِ الكلام .

وإذا ما هَلّ الهَجيرُ،

و أَوْقَدَ نارَ الفتنة،

وسَرى في أوصالِه شَغَفُ الدّم الأحمر،

نزعَتْ أمّي عن الكلام سناء البوح،

ولَوّحت بمنديلها في وجه الطّوفان .

وأسمَعَتْ صُراخَها الهامات المَوات..

لعلّ أجداثَ الغابرين تَهْوي إلى خَرابنا.

وتشهَدُ على نَسل الخريف ..

ثم تُغادرنا وقد ضَيّعْنا مَضَارِبَنا،

وأحرقنا مُروءتنا،

وَأَوْدَعْنا تاريخنا مزابل الغابرين .

***

محمد المهدي - المغرب

 

انعام كمونةتهاليل شمس مشرئبة النوى بأسى اللوعة الذاوية الأنفاس وفلول الاشتياق. ندى اغتراب  منهمرة الدموع من شرفات ربوة الرؤية، تنازع بلوى أشواط الوداع المكلومة العطش. تهرول بشذرات الروح حنينا، تباهل جسد الصبر هلاهل هاشمية الفجيعة تنادي: يااااجداه .. يااااجداه قد أُسبُل لجام سيفك وتَهشَمَ زُبر ضلوع التسابيح، وتفطر فؤاد ريحانة أحضانك سنام ملح على ظهر العلقم، فانقصم فقار الكواكب منار فج عميق باشتعال سنابك الدجى ركضة أعوجية السرادق، ها قد فاح شجى الوعد قربانا يسري لسدرة الخلود ياقوتا أحمر السنا مراقا، من نحر القُبل، توضأ دمه طوفان المدى فأرتقى صلوات فجر بمحراب وديعة ذااااابلة التهجد، وسبط أريج النبوءة ملأ قرطاس النور منذ سر ضفيرة القلم بأتراب عجينة آدم، قد اِندسَّ الظمأ صلاة هجير فغيض منبر التعبير وفيض شفاه الترتيل على رماح سكنت أوزارهم تيارات ذرائع يغشاهم ضجيج أشعث التناسل بلا شُربة غد، فكيف لا تميد دموع الأرضون في تخوم صفعات رحى الخجل.. ؟؟.

 

إنعام كمونة

15 /9 /2019 ...

صالح موسى الطائيأخرُجُ الآن جريحاً

من مِحراب وَحشتي...

مِن هَذياني الطويل

مهزوماً بأوهامي المزمنة

تاركاً بيتي الخشبي الملغوم

هذا البيتُ  التابوت الجميل ...

قاصداً أهلي الميتين

بتذكرة ٍ هي نصفُ عمري الشريد

او هي نصفُ موتي البطيء

**

ها أنذا أتـَلـَفّـتُ  في المطار

لا أحملُ غيرَ حقيبتين:ـ

قلبي النابض بالدمع

وبالترقب والانتظار

وروحي المعبأة  برحيل الأصدقاء

**

لمْ أجدْ احَداً ينتظرُني غير العراق

غير دخان ٍ بشريٍّ

يتصاعدُ من سَعف ِ النخل ِ

مخلوطاً بنواح الحمائم

والأمّهات

حيث المدينة قنبلة ٌ

وشحوب ٌ...

وسراب...

أصرخُ مرتجفاً في المطار...

بأعْلى اشتياقي وخوفي

تكسي...

**

تكسي...

خُذني لبابلَ

مشتاقٌ أنا...  منذ عشرين موتا ً

يستهلكني الليلُ

والعمرُ والصبرُ كلّ يوم

مشتاقٌ   لِقبر ِ أُمّي....

........................

.......................

مشتاقٌ لمَن ضيّعَني

......................

يصرخ السائق بي:

إن ّ بابلَ منذ سنين ٍ قد رَحَلت ْ

والمقابرُ قد سُرِقَتْ

(والخضراء) ما زالت تفتحُ فخذيها

للعابرين... وللأوباش

حيث لا دستور غيرُ العورات

وسيكون الحملُ.....

أعوذُ بالله

فأين تريدُ الآن....

قل لي واستعْجلْ ...

فهناك موتى آخرون

ينتظرون ...

أين تريدُ الآن... ؟

**

ليس لدي جواب

ليس لدي غير ان اصرخ ثانية ً:

(لا حِظتْ بـِرْجَيلـْهَ)...

.....................

.....................

فيعود الصدى بسعالٍ ثقيل

(أُوْ لا خَذَتْ سَيّدْ عَلي)

.........................

.........................

(او لا خذت سيد علي)

......................

وفي  الغابة ليس لديّ مكان

حينها لمْلمْتُ كل كياني

ثم اختصرتُ اختناقي ورحيلي

بنزيف الوداع الأخير

وبالرجوع الى التابوت

والثلوج

والذكريات

بلا رأس ٍ

وبلا ذات

***

صالح الطائي

 

محمدـحسينـ الداغستانيدقت الساعة .. وأم حمادة في الزلزلة

ها .. جدائلها تسفح على الهلال الممشوق فوق المأذنة

أيتها المبلولة بندى الفجر الوضاح

لنتبادل الأدوار في توهج المسافات

ونركن مع غزاة الأفئدة الى فئ الصبوات ،

لكني وحدي أدرك أن العصر يلفظ الساهين

سكارى الدروب الموحشة

وفي عز العودة الى الموضوح المباح

تنتحر دون وجل ...

موجبات الصبر وعاصفات الأشياء .

***

تمرد الصمت

فإنهمر النجيع كالمزنة على الميدان

جمراً أينعت في الشريان

والمدينة تذبح أبنائها

و تشعل النار في الصرخة الوجعانة

وتتسلل عبر الصليب المطعون

تمرق كالعصف في رئة النسيان

كيف تكتظ روائح الدم خلف الصبر المرعوب ؟

كيف تفل القيود أسارها ؟

اه .. دقت الساعة حبيبتي

تمرد الصمت

وسقطت النجمة من عليائها

على المدار المغضوب !

***

توقفت الساعة ..

إندلقت الغنوة في خضم السعير

كالوطن المبكر إذ يأفل القمر الساهر

في المعمعة

تريث أيها المحارب الماكر

محمد في النعش ...

في زمهرير الوجع

محمد في الكينونة ...

يكابر !

***

محمد حسين الداغستاني

 

نادية المحمداويوصلت إلى العيادة مبكرا، وجلست انتظر وصول المترجمة، لكي تساعدني في وصف حالتي النفسية للطبيبة التي ستعالجني، وتحدد حجم الضرر النفسي الذي أصابني جراء سنوات العمل والغربة، وتشرح لي سبب حالتي المرضية وجذورها ونشأتها وكيفية علاجها، لكن ما يهمني هو الحصول على القرار الطبي الذي تتوقف عليه إحالتي على التقاعد.

لم أتذكر كم من الوقت لبثنا معنا في غرفة الطبيبة، لكن أسئلتها وعلامات الامتعاض التي ارتسمت على وجهها خيبتي أملي بالحصول على ذلك القرار المطلوب، خصوصا حين تحدثت معي عن السقف المالي الذي استحقه كراتب تقاعدي، كأنها هي التي ستدفع راتبي من حسابها الخاص، راودتني حالة من القلق وسرحت بخيالي خارج غرفة الطبيبة، استعدت في ذهني صور المنام الذي رأيته الليلة الماضية.

والدتي تقف أمامي وتسألني بلهجة معاتبة: ابنتي ألم تشتاقي لي؟ احتضنتها وشممت عطرها الذي ألفته وأنا صغيرة، فصحوت من غفوتي، يتملكني فزع وإعياء، كنت فعلا مشتاقة كثيرا لامي، لكن لا سبيل لتحقيق هذه الأمنية سوى الهروب إلى الموت والالتحاق بها في العالم الآخر، هذا الاضطراب النفسي الذي أمر به نشأ منذ وفاتها ولم يفارقني إلى الآن.

الطبيبة ربما فهمت أن سبب أزمتي هو الفقد لكنها لم تخبرني بشيء مما أعاني، فغادرتُ العيادة امشي على مهل وتهالكت على احد مقاعد المطعم المجاور للعيادة، تناولت فطوري هناك وأخرجت من حقيبتي علبة السجائر، أشعلت واحدة منها ورحت أدخن باسترخاء وأحس بمرارة في بلعومي، تعيدني إلى أجواء غرفة الطبيبة.

من المفيد الآن أن أغادر المطعم لعلي انشغل بمصادفةٍ ما تبدد عني استيائي من موقف الطبيبة السلبي وهدر فرصة مواتية كنت انتظرها منذ عامين.

جمعت أشيائي على عجل من فوق الطاولة ووضعتها في حقيبتي استعدادا للمغادرة لكنه المصادفة اعترضت سبيلي فورا وقبل أن أخطو الخطوة الأولى.

سألني بمكر: هل أنت متزوجة، المفاجأة قلبت مزاجي وأذهلتني  فعلا عن استيائي من الطبيبة، فأجبته بعفوية، نعم أنا متزوجة، ثم حاولت الانصراف من أمامه لكنه سد علي الطريق بجسمه وسألني مرة أخرى هل التقينا من قبل؟ لم اجبه على سؤاله الثاني وأزاحته عن طريقي بعصبية واضحة، ورغم ذلك تجرأ أكثر وطلب رقم تلفوني، لكني غادرته وأنا استمتع بسيجارتي دون أن أعير حيرته اهتماما يذكر.. 

 وصلت إلى العيادة مبكرا، وجلست انتظر وصول المترجمة، لكي تساعدني في وصف حالتي النفسية للطبيبة التي ستعالجني، وتحدد حجم الضرر النفسي الذي أصابني جراء سنوات العمل والغربة، وتشرح لي سبب حالتي المرضية وجذورها ونشأتها وكيفية علاجها، لكن ما يهمني هو الحصول على القرار الطبي الذي تتوقف عليه إحالتي على التقاعد.

لم أتذكر كم من الوقت لبثنا معنا في غرفة الطبيبة، لكن أسئلتها وعلامات الامتعاض التي ارتسمت على وجهها خيبتي أملي بالحصول على ذلك القرار المطلوب، خصوصا حين تحدثت معي عن السقف المالي الذي استحقه كراتب تقاعدي، كأنها هي التي ستدفع راتبي من حسابها الخاص، راودتني حالة من القلق وسرحت بخيالي خارج غرفة الطبيبة، استعدت في ذهني صور المنام الذي رأيته الليلة الماضية.

والدتي تقف أمامي وتسألني بلهجة معاتبة: ابنتي ألم تشتاقي لي؟ احتضنتها وشممت عطرها الذي ألفته وأنا صغيرة، فصحوت من غفوتي، يتملكني فزع وإعياء، كنت فعلا مشتاقة كثيرا لامي، لكن لا سبيل لتحقيق هذه الأمنية سوى الهروب إلى الموت والالتحاق بها في العالم الآخر، هذا الاضطراب النفسي الذي أمر به نشأ منذ وفاتها ولم يفارقني إلى الآن.

الطبيبة ربما فهمت أن سبب أزمتي هو الفقد لكنها لم تخبرني بشيء مما أعاني، فغادرتُ العيادة امشي على مهل وتهالكت على احد مقاعد المطعم المجاور للعيادة، تناولت فطوري هناك وأخرجت من حقيبتي علبة السجائر، أشعلت واحدة منها ورحت أدخن باسترخاء وأحس بمرارة في بلعومي، تعيدني إلى أجواء غرفة الطبيبة.

من المفيد الآن أن أغادر المطعم لعلي انشغل بمصادفةٍ ما تبدد عني استيائي من موقف الطبيبة السلبي وهدر فرصة مواتية كنت انتظرها منذ عامين.

جمعت أشيائي على عجل من فوق الطاولة ووضعتها في حقيبتي استعدادا للمغادرة لكنه المصادفة اعترضت سبيلي فورا وقبل أن أخطو الخطوة الأولى.

سألني بمكر: هل أنت متزوجة، المفاجأة قلبت مزاجي وأذهلتني  فعلا عن استيائي من الطبيبة، فأجبته بعفوية، نعم أنا متزوجة، ثم حاولت الانصراف من أمامه لكنه سد علي الطريق بجسمه وسألني مرة أخرى هل التقينا من قبل؟ لم اجبه على سؤاله الثاني وأزاحته عن طريقي بعصبية واضحة، ورغم ذلك تجرأ أكثر وطلب رقم تلفوني، لكني غادرته وأنا استمتع بسيجارتي دون أن أعير حيرته اهتماما يذكر.. 

 

نادية المحمداوي 

 

علي القاسميكان الجوّ بينهما مُكهرَباً، فنظراته مشحونةٌ بشهوةٍ مكبوتةٍ ورغبةٍ دفينةٍ، وعيناها الهدباوان خفيضتان منكسرتان باستسلام، كما لو كانتا تتأمَّلان لونَ حذائه البنيّ اللامع، بحيث أُتيحت لعينيه الحريّة الكاملة لترتعا في ملامح وجهها الجميل، وخريطة جسدها الفارغ الرشيق، وفستانها الحريريّ الطويل الذي بدا له مثل ستارة مُنسدِلة، لولا النهدان البارزان بقوّة وعناد، ولولا تقلُّصٌ عند الخصر كأنَّ نسيماً عليلاً قد ثناها في وسطها.

ليست هذه المرَّة الأُولى التي يجتمعان فيها على شاطئ البحر، وقد لا تكون الأخيرة؛ فقد دأبا على الالتقاء في مطعمٍ من المطاعم الراقية، أو في مقهى من المقاهي الفارهة، في أماكن قصيَّة عن المدينة. منذ أزيد من عام وهما يلتقيان هكذا مرَّة أو أكثر في الأسبوع، كلّما عَنَّ له أن يهاتفها ويضرب لها موعداً، مُحدِّداً الزمان والمكان بملءِ إرادته.

وعندما يلتقيان، يتبادلان تحيةً مقتضبةً، ثمَّ يسود الصمت وتتعطَّل الشفاه. ينظر إليها ويطيل النظر، ولكنَّ عيونهما لا تلتقي أبداً، فحالما يُحسّ بأنَّها سترفع وجهها المليح إليه، يُشيح ببصره نحو أمواج البحر الهائجة طوراً، الهادئة المنسابة بأناةٍ طوراً آخر. وتفعل هي فعله كذلك، فكلَّما وجّه نظراته إليها وهي تتأمَّله، تُسرِع في تحويل بصرها إلى حذائه، كما لو كانت تستكشف لونه البنيّ اللامع. ثمَّ تنظر إلى وجهه حينما يكون بصره طافياً على أمواج البحر. تحدّق في شفتَيه، تتأمَّل أنامل يدَيه الطويلة وعروقهما البارزة، وتقاوم رغبة شديدة في تناولهما بكلتا يدَيها وتقبيل أصابعهما واحدةً واحدةً، ثمَّ ضمّهما إلى صدرها بالقرب من قلبها الخافق.

تتساءَل في نفسها ما إذا كان سيتفوّه يوماً ما بالكلمة التي تنتظر سماعها منذ أكثر من سنةٍ كاملةٍ. تتساءل ما إذا كان سيجود يوماً بلمسةٍ من يده، طالت صبوتها إليها؛ لمسة يتيمة تمسح عن جفونها ظلال التيه والترقُّب والقلق؛ لمسة تهمي على يدها، ذراعها العارية، رقبتها الأنيقة؛ لمسة تكون مدخلها الفذّ لمدينة الأمل. علَّمتها خبرتها أنَّ لمسةً واحدةً تقول ما لا تستطيع الإفصاح عنه ألفُ همسة، فكثيراً ما تُغني الإشارة عن العبارة في لغة التواصل الإنسانيّ.

لم تطلب منه شيئاً، ولم تأمل من وراء لقاءاتهما أمراً ذا بال. إذن، ما فائدة هذه اللقاءات؟ وما الذي يشدُّها إليه، ويجذب مشاعرها نحوه، حتّى غدت أسيرة إرادته وطوع إشارته؟ تترك كلَّ شيءٍ وتنسى جميع المواعيد الأُخرى حين يُهاتفها هو. وتسير منوَّمة، حالِمة، فرِحة إلى المكان الذي يختاره في الوقت الذي يريد. أتراها وجدت فيه صورة الأب الذي افتقدته منذ طفولتها؟ أم أنّها تمارس إنسانيّتها المسلوبة حين تلتقيه؟

منذ عامٍ ونَيِّف وهما يلتقيان هنا وهناك على شاطئ البحر. يجلسان متقابلين والصمت ثالثهما. وبالرغم من أنَّ بصرها مُثبَّت على حذائه البنيّ اللامع، فإنَّها كانت تُحسُّ بلسع عينيه على شفتيها المكتنزتين الحمراوين، وعنقها العاجيّ الطويل، وخصلات شعرها المنسكبة مثل شلالِ نورٍ على كتفَيها؛ فيصعد الدمُّ حارّاً إلى خدَّيها، فيلتهبان حمرة وجمراً؛ ثم تشعر بانزلاق بصره إلى صدرها الناهد ليغفو عليه، فيزداد وجيب قلبها.

ويتساءل هو في نفسه ما إذا كان هذا اللقاء سيكون الأخير. في كلِّ مرَّة يلتقيها يعقد عزمه على عدم الاتصال بها ثانية. ولكنَّه حالما يبتعد عنها يوماً أو بعض يوم، يشعر بالشوق إليها يتلظّى بين الجوانح، فيسرع لمهاتفتها. ولكن لا شيء في هذه المكالمات الهاتفية سوى السؤال عن الصحة والحال. يكاد يكون السؤال نفسه في كلِّ مرَّة والجواب ذاته، لا غير. اللغة هنا أمست مفرغة من مضمونها. إذن، ما جدوى هذه المكالمات الهاتفيَّة، وما فائدة تلك اللقاءات الصامتة؟ أهي تمرين على ممارسة الصمت واختلاس النظر، تمرين نظريّ لا فائدة عمليّة تُرجى من ورائه؟ كلُّ ما يخلِّفه هو شعورٌ بالذنب، وحيرةٌ في القلب.

في كلِّ مرَّة يلتقيان، كان ينظر إليها، يتأمَّلها، يُحدِّق في ملامحها، كأنه يبحث عن شيءٍ فقدَه أو افتقده، وهو طوال ذلك الوقت صامت هادئ، كما يبدو للناظر، في حين تغلي الفِكَر في أعماقه مثل غليانِ الحمم في أغوارِ بركانٍ ساكنٍ. كانت رغبته الدفينة تضطرم بين ضلوعه، تحرق قلبه، تدبّ في شرايينه، ثمَّ تتوقَّف فجأةً عند شفتيه، فيرتجفان. كانت تبدو له مثل تفّاحةٍ شهيّةٍ مقضومةٍ، يكاد يقطر منها عصيرها، فيشعر بجوعٍ وعطشٍ، ويهمُّ بالتهامها ليشبع سَغبه ويروي ظمأه، غير أنَّ شيئاً مُبهماً في أعماقه يأبى عليه ذلك. إنَّها التفاحة المحرَّمة بذاتها، وهو متأكِّد تماماً من عدم قدرته على أكلها، حتّى لو عزم على ذلك، بالرغم من الحرمان الذي يمضُّ نفسَه. سيُشَلُّ فكاه عن الحركة، وستنطبق شفتاه بلا إرادة منه، ولن يستطيع القضم، ناهيك بالابتلاع.

إنها تفاحة مُحرَّمة. هكذا يصرخ فيه كلَّ مرَّة ذلك الصوت الداخليّ الآمر الناهي، صوتٌ في باطنه يُطلِق أوامره ونواهيه، يُصدر أحكاماً على سلوكه، يُحسِّن له بعض الفعال ويرتضيها له، ويقبّح بعضها الآخر ويحذّره من مغبتها، حسبَ قواعد أخلاقيّة لا يعرف كيف انغرست في نفسه. كلَّما فعلَ شيئاً يتماشى مع تلك القواعد، أحسَّ بالارتياح في نفسه ونشوة اللذَّة، أمّا إذا خالف تلك القواعد، شعر بكثيرٍ من الندم والتأنيب والتبكيت. إنّه صوت قويّ مُتمكِّن من نفسه. بل هو صوت النفس ذاتها، يعلو على كلِّ صوتٍ حوله.

وتساءل ما إذا كان ذلك الصوت هو الذي يسمّونه الضمير، وما إذا كانت تلك القواعد أو القيم الخُلقية التي يراعيها ضميره هي أزليّة عالميّة، يتَّفق الناس عليها  ويبجِّلونها في كلّ زمان ومكان، أم هي نسبيّة يختلفون حول قيمتها ووجوبها. وإذا كان الأمر كذلك، ألا يحقُّ له اليوم أن يخرق إحدى هذه القواعد أو يتناساها، مادام أنَّه في أشدّ الحاجة إلى قطف تلك التفاحة اليانعة؟ وتساءل كيف أصبح ذلك الصوت الداخليّ بهذه القوَّة والسطوة، وكيف صارت تلك القواعد بتلك الصلابة والرسوخ؟

تذكَّرَ أن أباه الفقيه هو الذي غرسَ تلك القيم الخُلقيّة في نفسه منذ أنْ كان صبيّاً. لم يكُن أبوه يراجع معه دروسه المدرسيّة فقط ، ولكنه كذلك كان يمضي الساعات الطوال في تلقينه الخير والشرّ. كان يقول له: عليَّ أنْ أعلِّمك ما لا تعلِّمك المدرسة. كان يُقرِئُهُ القرآنَ وكُتُبَ الأخلاق مثل "الأدب الكبير"  و "الأدب الصغير" لابن المُقفَّع، و "أدب الدنيا والدين" للماوردي، و"الرعاية لحقوق الله" للمحاسبي.

 كان أبوه يريده أن يتجنَّب شرور الدنيا ليفوز بالآخرة. وتركّزت تلك الشرور في ثلاثة: الكذب، والخمر، والجنس الحرام. فكان الأب لا ينفكّ يُحدِّثه عن قبحها وإثمها ونتائجها الوخيمة، بحيث أصبح الصبي يشمئزّ حتّى يكاد يتقيأ من رؤية الرجل وهو يكذب، وأمسى يُصاب بالدوار عندما يشمّ رائحة الخمر، ويغشيه الغثيان حينما يرى واحدة من بنات الهوى في الطريق. كان يميّزهن من كثرة مساحيق التجميل على وجوههن وطريقة لبسهن. لماذا فعلتَ بي ذلك، يا أبي؟ ألم تعلم أنَّ الدنيا مليئة بالكذّابين والمخمورين والفاسقين والذئاب؟ لماذا فعلتَ بي ذلك، يا أبي، وأنتَ تعلم أنّي أحبُّك وأنتَ تحبّني، ولكنّي أحبكَ أكثر مما تحبني، لأنَّ لك أولاداً آخرين وأنا لا أبَ لي سواك؟

في هذه الجلسة، وبينما كان بصره طافياً على أمواج البحر الممتدّ باتساعٍ أمامه إلى ما لا نهاية، تذكَّرَ كيف التقى بها أوَّل مرَّة. كان ذلك في المطار حينما كان في طريقه إلى مدينة ساحليّة لإلقاءِ محاضرةٍ في جامعتها. وبعد انتظارٍ لم يطُل في صالة المطار، خرج مع بقيّة المسافرين ليركب الحافلة التي كانت ستنقله إلى الطائرة الرابضة على مدرج المطار. وكانت حقيبته كبيرة بعض الشيء، ثقيلة كثيراً بفعل عشرات النسخ التي حملها من أحد كتبه ليوقعها لمن يقتنيها من الأساتذة والطلاب، في حفلٍ سيعقب المحاضرة. وكان ينوء تحت ثقل الحقيبة عندما همَّ بصعود الحافلة. وفجأة وقعت عيناه عليها. التقت نظراتهما. ولا شكَّ أنّه انبهر بحُسنها وهي جالسة بقامتها الفارعة على أحد مقاعد الحافلة، فقد ارتبكتْ حركاتُ ذراعية وساقيه. كان بحاجة لشيء من التوازن في حركاته يمكِّنه من ارتقاء درجة الحافلة وهو يحمل تلك الحقيبة الثقيلة، ولكن ذهنه أُخِذَ بجمالها.

في تلك اللحظة هبّتْ واقفةً من مقعدها، وبخفّة الشباب وعنفوانه، أسرعت إليه وتناولت الحقيبة من يده ورفعتها إلى جانب المقعد المجاور لها. فما كان أمامه خيار إلا أنْ يجلس في المقعد الشاغر بجانبها. لم ينطق بشيء ولا حتّى بكلمة " شكراً ". كان مأخوذاً بحيويتها، ممتناً لشهامتها، منبهراً بحُسنها. كان في حاجةٍ إلى بعض الوقت لالتقاط أنفاسه. وبعد ذلك كلِّه، فرحلة الحافلة إلى الطائرة لا تستغرق أكثر من دقيقتَين، وهما لا تتسعان لكيفية الشكر التي يريدها.

جلسا متجاورين في الطائرة. لم تفُه بشيء. كان إحساسها على يقين من أنّه سيوجّه الكلام إليها. وانتظرت بصبر. أما هو فقد أغمض عينَيه وأخذ يتمتم بدعاء السفر عند إقلاع الطائرة. وبعد قليل، فتحَ الحقيبة، تناول منها نسخةً من كتابه، التفتَ إليها، سألها عن اسمها قالت: " وسناء". كتب على الصفحة البيضاء الأولى من الكتاب: " إلى وسناء، مع شكري وإعجابي"، وناولها الكتاب.

ألقتْ نظرةً على عنوان الكتاب في صفحة الغلاف الأولى: " مفهوم الحبّ في الثقافة العربية "، فلاحت ابتسامة باهتة على شفتيها تكتنفها سخريّة غامضة. قلّبت الكتاب، وقرأت التعريف الوجيز بالكاتب في صفحة الغلاف الأخيرة. قالت: " إذن، أنتَ الكاتب. زميلتي اقتنت هذا الكتاب، ووعدتني أن تعيرني إياه بعد الفراغ من مطالعته. شكراً."

لم يكُن على وجهها شيءٌ من مساحيق التجميل. لم تلوّن أهدابها، ولا ظاهر جفنَيها، ولا خدَّيها، ولا شفتيها. وإذا كانت قد استعملت تلك المساحيق، فلا شكّ أنّها خفيفة وذات ألوان طبيعيّة، وأنَّها وُضِعت بمهارة وخبرة. فبدا وجهها المليح طبيعيّاً بلا مساحيق. ومع ذلك راودته شكوك في نفسه.

التفتَ إليها، سألها بلُطف:

 ـ ماذا تعملين؟

رمشت عيناها، تردَّدت، غضَّت من بصرها، خفضَّت صوتها، وقالت بتوريةٍ:

ـ أعمل.. أعمل.. في السياحة.

***

قصة قصيرة

علي القاسمي     

......................

* من مجموعة قصصية عنوانها "دوائر الأحزان" صدرت طبعتها الثانية عن دار الثقافة في الدار البيضاء هذا العام، وكانت طبعتها الأولى قد صدرت عن دار ميريت بالقاهرة عام 2004

 

زكية المرموقالغرفة باردة

باردة وموحشة

كدكة غسل الموتى

**

صورتك على  الفيس

تحدق بي بغموض

تكبر الصورة

تكبر

ثم تقفز على الحائط

الحائط الذي يتحول إلى ملاءة

كلما أطفأت النور

وشعرت بالبرد...

**

أرن عليك

لاتجيب

التفاحة الخضراء على صفحتك

لاتظهر

ربما قفزت إلى صحنك

فكيف كان عشاؤك الليلة حبيبي؟

**

أتقلب على سريري

مثل سمكة على مشواة

أفتح الواتساب

لست على الخط

أدخن قصيدة كتبتها لي

نكاية في الأرق...

**

الحطب الذي كنت تخمده تحت قميصك الأصفر

في محطة الرمل

اشتعل في قلبي

ترى ماذا تفعل الان ؟

**

كي أحكي لك عن الليل الذي يكبر في غرفتي

كلما قلت لي:

تصبحين على خير حبيبتي

وأكلتك العتمة

فتسحبني الوحدة الى حقل من المسامير...

**

أيتها الغابة

حينما فتحت بابك

لم أكن ألبس معطفا أحمر

ولاجدة لي تنتظرني عند ذئبة الفكرة

فلم يطاردني العواء؟

**

أيتها البوصلة

جئتك حافية

فكيف ستتعقبين أثري

اذ انقطع التيار؟

إن لم يقدك قلبك

قفل الطريق ابوابه

وعيون الآخرين

خرائط عمياء...

**

موت واحد لايكفي كي أصطاد الحياة

لذا سأطعنني من الخلف

مثل ساموراي فقد ذكورته في رهان على ماتريوشكا

فاكتشف انها من شمع...

**

أو أنصب لي الفخاخ

واحدا تلو الآخر

حتى لا تبتلعني صحراء  الغياب

الغياب جبل ثلج

والجنوب لاشمال له

**

أو أختفي في الكواليس

كأية ممثلة أصيبت بالجذري

ثم أستعير من فرجينيا وولف

قدرتها على مفاجأة الموت...

**

قل لي ايها الخيط

ماجدواك إن لم تكن للابرة

عين؟

أيتها الحقيقة

لم تصلين دائما بعد نهاية العرض

أيتها الحقيقة

اوليس لك فم؟

***

زكية المرموق

فاس/ المغرب

 

يوسف جزراويمضيتُ في أمستردام

دون دليل

والطرقات التي سلكتها

لم تعرّفني بنفسها

ربّما لان المطر

الذي رجم المدينة

.قد غسل الواجهات.

**

لم يكن معي أحد

لأتحدث إليه...

حتّى ظلي الشاحب

المُعمّد بماء الفرات

 كان يتسكع خلفي

يحث الخطى ليصلني!.

***

الأب يوسف جزراوي

 

ريكان ابراهيمبانت سعاد فصارت وصمةَ الزَّمنِ

                          كأن غير سعادٍ فيه لم تبِنِ

وأنَّ مَنْ لمْ تَصُنْ عهداً لصاحبِها

                  غريبةُ الطبعِ والأخلاقِ والسُّنَنِ

هل كان كعبٌ بريئاً حين أوردَها

                    مثال قُبحٍ على مُخضرَّةِ الدِّمَنِ

أم أنَّهُ نَدمٌ تُرجى شفاعتُهُ

                       لدى نبيٍّ كثيرِ العفوِ والمِنَنِ

أم جاهليةُ شعرٍ تبتدي غَزلاً

                     وتنتهي حِكَماً من شاعرٍ لسِنِ

وقبل كعبٍ قريشٌ حين ألجأَها

               كُرهُ الرسولِ إلى الويلاتِ والمِحَنِ

من عنكبوتٍ بنَتْ بيتاً، ونائحةٍ

            باضَتْ بدا مُعجِزٌ يعصى على الفِطَنِ

وثانيَ اثنينِ إذ في الغارِ صاحبُهُ

                    يشكو فيسألَ فيه صَبْرَ مُمتَحنِ

أضِفْ إليها "ألمْ نشرحْ" فموقِعُها

                   كموقعِ الغيثِ من هَطّالةِ المُزَنِ

وفي البُراقِ الذي أسرى به، صُوَرٌ

                 تحكي العَلاقةَ بين الروحِ والبدَنِ

ما قالَ: فاكتب بلِ اقرأُ، حين أطلَقها

               أنابَ عن عينهِ المسموعَ في العَلنِ

إذ كانت العربُ الأُولى بلا قَلَمٍ

                         لكنَّها لم تكُن يوماً بلا أُذُنِ

                     ***

قد كنتُ قبل رسولِ اللهِ في قَلقٍ

                أُمسي وأصبحُ من سُهدٍ إلى شَجنِ

كمرتَقٍ جبلاً أو مُمْتطٍ زلقاً

                  أو راكبٍ موجَ بحرٍ غيرَ مُؤتَمنِ

حتى بدا ليَ في نومي يُعلّمُني

                 وَضوءَ روحي من الآثامِ والدَّرنِ

وخاطَ لي ثوْبَ إيمانٍ وتَبْصرةٍ

                           لبسْتُهُ فأراني هيبةَ الكَفَنِ

                       ***

يا سيدي يا رسولَ الله لي شرَفٌ

                 أنّي على العَهْدِ لم أنكُثْ ولم أَخُنِ

يا سيدي كان لي أهلٌ ولي وطنٌ

              فصرتَ أكرمَ من أهلي ومن وطني

لو انَّ ما في الفلا من شاجرٍ قلمٌ

                  والبحرَ حبرٌ ونورُ البدر يُوقِدُني

لما وَفيتُ لكم مَدحاً ولا نفَدتْ

                    قصائدي، أنتَ تُغريها فتكتبُني

                ***

جمعتُ ما قيلَ من شِعرٍ بمدحِكمُ

                   وكلَّ ما جاءَ من طيرٍ على فَننِ

فلم أجدْ خَيرَ قولٍ من خطابكُم:

                       يا أيها الناسُ إن الله أرسلني

                    ***

طيّرتُ زاجلَ أفراحي بمبعثِكمْ

                    فراحَ ينشرُ أخباري وينشرنُي

فيا نبيّاً أباحَ السُّعد في لغتي

                 بهِ نسيتُ على باب الهُدى حَزَني

إنّي غدوتُ كمجنونِ الهوى بِكمُ

                    فلا تردُّ جِماحي سطوة الرَّسَنِ

توَثّنَ الحُبُّ في قلبي لشخصِكمُ

                 حتى خشيتُ على قلبي من الوَثنِ

هيفاءُ مقبلةً، ردفاءُ مُدبرةً

                  قصيدتي فيك فاسمعها لتسمعني

لثغاءُ في غنَجٍ إلّا إذا ذكرَتْ

                     مُحمّداً تستحي منهُ فتُحرجَني

فيا مدينةَ علمٍ لا نفادَ له

                 ويا شواطيءُ تَرسو عندها سُفُني

يا مُبتدا جُمْلتي في منتهي خبري

                   بكَ اكتملتُ فأغلى فضلْكَم ثمني

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

احمد بلحاج اية وارهاملَيْتَ كَعْكَ الْفَجَائِعِ أَتْخَمَنِي... وَاكْتَفَى

سَدَّ دَرْبَ الْبَصِيرَةِ... حَتَّى اخْتَفَى

قُلْتُ: أَنْزَعُ قِشْرَةَ رُوحِي

الْمَسَافَاتُ حِينَ اعْتَلَيْتُ تَفَاصِيلَهَا...

ضَحِكَتْ

وَالَّتِي الْعُمْرُ أَسْفَرَ عَنْ وَجْهِهَا...

لَمْ تَحِضْ

قَدْ تَغَشَّتْ بِإِجْلاَلِهَا كَوْكَبِي

أَجْهَشَتْ فِي تَضَارِيسِهَا وَارِفَاتُ الشُّعُورِ

أَذِيقِي خَرَائِطَكِ الْيَوْمَ عِشْقاً

خُمَارُ الْكِهَانَةِ فَاشٍ

وَسُنْبُلَةُ الْحَدْسِ مُمْسِكَةٌ بِالزِّنَادِ،

إِذَا طَائِفٌ مِنْ دُخانٍ تَعَرَّى

يُصَوِّبُ هَذَا الْفَضَاءُ بَنَادِقَهُ

تَحْفِرُ الْكَلِمَاتُ الْخَنَادِق

تَسْكُنُ جُرْحَ الرِّجَالِ،

أَذِيبِي الَّذِي يُثْقِلُ الدَّمَ

مَازَالَ قَلْبِي رَشِيقاً،

أَنَا ضِدُّ غَيْمِ الرُّخَامِ

أَنَا ضِدُّ دَفْنِ الظِّلاَلِ

يَدِي تَطْبَعُ الْبَرْقَ

يَقْتَرِبُ النَّعْشُ مِنْ نَعْشِهِ

حِينَ فَوْقَ أَدِيمِ النَّهَارِ

جَدَاوِلُ كَيْنُونَتِي

تَصْطَلِي

**

وَطَنٌ لِلْمُحَال

وكوكبةٌ للجَلال

عَلَيْكِ السَّلاَمُ إِذَا الرُّوحُ مَدَّتْ بَرَاءَتَهَا،

فِي الزَّمَانِ الَّذِي لَيْسَ تَعْرِفُهُ الْعَيْنُ

نَغْرِسُ مِيعَادَنَا،

وَالْفَنَارَاتُ بَوْحٌ

رَصِيفُ التَّوَهُّجِ يَشْرَبُهُ

وَجَعٌ لِلتَّآكُلِ يَقْذِفُهُ

كَيْفَ تَخْزنُ هَذِي الشَّوَارِعُ نُسْغَ اللَّهِيبِ!

... وَلاَ نَلْتَقِي!؟.

فِي الْعِظَامِ الْجَلِيدُ

الْعِمَارَاتُ صَمْتُ رَمَادٍ

حَرَاشِفَهَا تَجْمَعُ اللَّحَظَاتُ

فَمَنْ يُشْهِرُ الدَّمَ شَمْساً

عَلَى لَيْلِ هَذَا الْفَحِيحِ الْمُدَجَّجِ؟!

تَمْشِي الأَزِقَّةُ

تَأْتِي الْمَنَازِلُ

(جَاهِزَةً لِلْغِيَابِ)

وَيَشْتَعِلُ الْمُزْنُ فَوْقَ جَنَاحِ الأَحِبَّةِ،

إِنِّي الْحَقَائِبُ بَعْثَرَهَا الشَّرْقُ

إِنِّي الْغُصُونُ مُكَابِرَةً

خَانَنِي الْجِذْعُ

إِنِّي الشَّظَايَا لَهَا أَلْفُ ذَاكِرَةٍ

إِنَّنِي الْوَصْلُ

وَيْلِي مِنَ الْحِقَبِ انْكَسَرَتْ

(فِي مَدَارِ التَّظَنِّي!)

الْمَطَارَاتُ تُسْعِفُنِي شَبَحاً

لَيْسَ تُسْعِفُنِي قَمَراً

صَارَ بَعْضِي يُكَفِّنُ بَعْضِي

وَبَعْضِي يُبَاغِتُ بَعْضِي

وَبَعْضِي...

أَلاَ أَيْنَ بَعْضِي؟!

دَمِي خَمْرَةٌ لِلْفُصُولِ

تَوَحَّدَ فِيَّ، الَّذِي مِنْ جَحِيمِهِ يَأْتَلِفُ النَّبْضُ

تَنْفِرُ خَيْلُ السُّهَادِ

بِجَانِحِ طِينِ الْوُجُومِ

وَأَنْفُثُ فِي بِئْرِ جِنِّيَتِي.

**

قَدْ سُجِنْتُ بِقَطْرَةِ مَاءٍ

ضَجِيجُ الصَّحَارَى بِحَبْلِ اشْتِهَائِي تَعَلَّقَ،

عَنْ رِيحِ هَذِي الْمَدَائِنِ تَسْلَخُنِي

مَنْ غَزَتْنِي كَعَافِيَةٍ

بِضَفَائِرِهَا

أَتَذَوَّقُ فِي صَوْتِهَا عِنَبَ الْمُعْجِزَاتِ

دَلِيلِي إِلَى وَاحَةِ الْعَنْدَلاَتِ

مَلاَحَتُهَا

هِيَ عَيْنُ الْحَقِيقَةِ،

يَا بَرْزَخاً أَشْتَهِي الذَّبْحَ فِيهِ

إِلاَمَ النِّيَاقُ الْعَصَافِيرُ تَنْفقُ

شَارِدَةً

فِي مَقَاهِي الْعُيُونِ؟!

يَدُقُّ الْعَمَى كُلَّ نَافِذَةٍ نَبَضَتْ

سُرُرُ الرَّوْعِ مَجْدُولَةٌ

لاَ إِلَيْهَا صَبَا السِّرُّ

أَوْ بَسَمَ السِّحْرُ.

أَزْهَارَهَا تُخْرِجُ الرُّوحُ

إِنَّ الْجَسَدْ

لَمْ يَكُنْ خَيْمَةً

كَانَ نَهْراً

وَكَانَتْ جُذُورُ الْمِيَاهِ الْبِلاَدْ.

**

عَارِياً مِنْ شَقَائِي دَخَلْتُ

مَذَاقُ شِفَاهِهَا بَيْنَ الْخَلاَيَا شُمُوسٌ

عَلَى رَفْرَفِ السُّكْرِ أَدْنُو...

... وَتَدْنُو

طَوَيْنَا السُّجُوفَ

سَنَاءُ التَّلاَحُمِ يَنْسُجُنَا شَهْوَةً

شَبَقُ الْحُلْمِ ظَلَّلَنَا

وَالطُّفُولَةُ أَجْنِحَةٌ

(هَسْهَسَتْ فِي رَبِيعِ الطَّهَارَةِ.)

مَالِي أَرَى الذَّاتَ مَلْحَمَةً

وَالْخُطَا سُرُجاً

وَالْحُرُوفَ قَبَائِلَ حَوْلَ غَدِيرِ التَّمَاهِي؟!.

تَهَيْكَلَتِ الرِّيحُ

هَذَا الْوَتِينُ نِدَاءٌ بِلاَ شَفَةٍ

غَشْيَةُ الطُّورِ

زَمَّلَنِي فِي سَرِيرِكِ

إِيقَاعُهَا الْعَذْبُ

... يَا امْرَأَةً مُثْمِرَةْ.

**

خَامِدٌ فِي بَرَارِي الصَّدَى

مَا مَضَى

بَعْدُ لَمْ يَنْبُتِ الْوَهَجُ الْمُشْتَهَى،

غَيْهَبٌ آسِنٌ

حَاصَرَ الْقَلْبَ فِي زُلَفٍ مِنْ خُمُولٍ.

أَتَسْتَسْقِفُ الْحَذَرَ الْمُرَّ

أَنْتَ الَّذِي لَحْمُ سَيِّدَتِي نَاشِجٌ

بَيْنَ أَضْرَاسِكَ؛ الْمُتَرَنِّحِ إِعْصَارُهَا؟!

رَكْوَتِي مِنْ قَلِيبِكَ لَمْ أُدْنِ

هَيْهَاتَ تَشْطُؤُنِي،

فِي يَدَيْكِ انْتِحَابُ النَّجِيعِ

وَفِي رَاحَتِي بَذْرَةُ الانْبِعَاثِ الْجَلِيلْ.

**

يَا جُنُونِي الْجَمِيلَ؛

أَمَازِلْتَ تَدْهَنُ رِيشِي بِزَيْتِ الْقَدَاسَةِ؟!

هَذَا الْخَرَابُ ابْتِدَائِي

وَهَذِي الْمَنَافِي سَنَابِكُ

تَأْشِيرَةُ الْفَيْضِ جُرْحٌ

وَإِيمَاضَةُ الْوَصْلِ فَتْحٌ،

أَذِيقِي خَرَائِطَكِ الآنَ عِشْقاً

لِعَيْنَيْكِ أَحْمِلُ رُوحِي سَمَاءً

لِنَهْدَيْكِ أَنْحَازُ مُنْتَفِضاً

كِبْرِيَاءُ الرَّذَاذِ تُمَاطِلُنِي

لَمْ تُغِثْنِي الرُّؤَى،

قَلَقِي مُهْرَةٌ

(جَاوَزَتْ مَلَكُوتَ السُّؤَالِ)

أَرَى جَنَّةً...

تَعْرُجُ الرُّوحُ...

لَكِنْ مَتَى تَسَعُ الْقَطْرَةُ الْيَمَّ؟،

أَصْعَدُ فِي خَيْطِ مَاءٍ

أَجُوبُ مَدَائِنَ؛ تَنْهَضُ مِنْ رَمْلِهَا جُثَتٌ،

وَالِغٌ فِي نُخَاعِي الصُّرَاخُ

أَعَائِشَةُ الْبَحْرِ تَسْحَبُ لَوْنِي؟!

لَهَا عَرَبَاتُ الْغُبَارِ

بُخُورُ التَّآوِيلِ

لاَ دَهْشَةُ الْمَدِّ تَمْسَحُ عَنْ أَرَقِي...

كُلُّ هَذَا الزِّحَامِ سَجِينٌ بِذَرَّةِ وَهْمٍ:

قِلاَصُ الْهَوَاجِسِ

عَنْزُ الْحَنَادِسِ

دِيكُ النَّوَى...

شَهْقَةٌ فِي صِرَاطِ التَّبَتُّلِ،

أَعْلَمُ أَنَّ امْتِدَادِي انْتِحَارٌ

وَأَنَّ شَرَايِينَ قَافِيَتِي حَرَدٌ

كَصَلاَةِ الْعَصَافِيرِ أَنْزِفُ

تَرْقُصُ عَائِشَةُ الْبَحْرِ

تُمْطِرُ جَدْباً.

أَهَذِهِ نَاقَةُ (طَيْرِ الْجِبَالِ)؟!

لِمَاذَا تُوَزِّعُ وِجْدَانَهَا فِي هُبُوبِ الْخَرِيفِ؟

جِهَاتُ الْحَنَايَا لَهَا غُرَفٌ

وَالنَّدَى شِرْبُهَا

نُسُكٌ يَوْمُ إِسْرَائِهَا،

جَذَلٌ يَوْمُ تَجْمِيلِهَا

يَوْمُ أَشْلاَئِهَا:

لَوْثَةٌ كَالْعَرَاءِ

وَخَلْخَلَةٌ لِلْعَنَاصِرِ،

بَرْدُ الْخُرَافَةِ مُتَّقِدٌ

وَأَنَا أَتَصَبَّبُ وَشْماً

جِدَارُ الزَّمَانِ انْحَنَى فَوْقَ رَأْسِي

عِصِيُّ الطُّقُوسِ لَهَا شَطَحَاتُ التَّشَظِّي عَلَيْهِ،

تَقُولُ الْمُدَى نَصَّهَا.

**

زَهْرَةُ النَّارِ أَنْتِ

أَغِيثِي دَمِي

حِينَ أَحْلُمُ فِيكِ

الْغُيُومُ تُمَزِّعُنِي

**

كَيْفَ مُرَّاكُشُ اقْتَلَعَتْ نُقْطَةَ الانْسِحَارِ؟!

أَفَاضَتْ عَلَى رَوْنَقِ الصَّحْبِ سَوْرَتَهَا

هِيَ لاَ تَخْلَعُ النَّعْلَ فِي بَابِ مَنْ نَهَشُوهَا

اِسْتَوَتْ فَوْقَ عَرْشِ الْمَشِيئَةِ

حِكْمَتُهَا فِي سَوَادِ السُّكُونِ اخْتِرَاقٌ،

لأَسْئِلَتِي فِي ثَرَاهَا مَخَاضٌ

وَأَنْفَاسُهَا سُنْدُسٌ،

غَيْرَ فُرْقَانِهَا لاَ أُرَتِّلُ

أَحْلَى مَنَ الْجُودِ تَرْقِيصُهَا لِلشَّهَامَةِ

لِي فِي بَسَاتِينِهَا أَلَفٌ

لِي سَرِيرَتُهَا أَرَجٌ

يُبْدِعُ الْجِسْمُ فِيهِ مَفَاتِنَ صَحْوَتِهِ

**

الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ... قَصَائِدُ أَهْلِي

الصِّعَادُ الْحِدَادُ... نَوَافِحُ أَهْلِي

التَّجَلِّي الْمَطِيرُ... دَرِيئَةُ أَهْلِي

لَكَ الْوَيْلُ يَا غَاسِقَ الْمَيْنِ

آتٍ شِهَابِي

وَآتٍ بَهَائِي...

- وُقُوفاً!!

(أَشَارَ مِنَ الأُفْقِ طَيْفٌ؛

تَرَقْرَقَ هَمْساً):

[لِبَهْجَةِ هَذَا الْجَنُوبِ الأَزَلْ

قَالَ: "إِنِّي اصْطَفَيْتُكِ؛ لاَ تَحْزَنِي يَا غَزَالَةَ نُورِي * مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي اللَّوْحِ * لاَ وَسْوَسَاتُ الأَبَالِيسِ تَغْشَى مُحِيطَكِ * بَيْدَرَ يُمْنٍ حَبَوْتُكِ * خَاتَمَ قُرْبٍ وَهَبْتُكِ * حُلَّةَ بِشْرٍ كَسَوْتُكِ * يَا أَيُّهَا الْمَلأُ اقْتَرِفُوا الْحُبَّ فِي حِضْنِهَا * الرَّفَثَ اسْتَلْحَدُوا * إِنَّهَا حَرَمٌ * فِيهِ لَيْسَ

تَضِيعُ

تَجُوعُ

تَمُوتُ

الْمُنَى"]

- هَلْ غَرِينُ الطِّبَاعِ يُدَاهِمُهَا؟

- يَضْحَكُ الْمَوْتُ مِنْهَا وَمِنْ وَهَجِي

كَمْ شَكَاهَا / شَكَانِي إِلَى قَوْسِهِ

اعْتَقَبَ الْحُورِيَّاتِ اللَّوَاتِي تَبَسَّمْنَ فِي دَاخِلِي

**

كَيْفَ لِلصَّوْتِ يَخْلُقُ حُنْجُرَةً

يَخْتَلِي بِتُخُومِ الْفَرَحْ؟

كَيْفَ مِنْ جِلْدِهِ يَهْرُبُ الْجِلْدُ

يَصْحَبُ أَسْلاَكَ مَوْجٍ

وَأَعْصَابَ فَجْرٍ

وَيَمْلأُ مِنْ شَفَقِ الْهَيْمَنَاتِ إِنَاءَ الْفَرَاغْ؟

يَلْزَمُ الآنَ

أَنْ أَنْتَحِي بِالْجُنُونِ الْجَدِيدِ

أُغَنِّي...

لِشَاهِدَةٍ تَتَرَقَّبُ عُرْسَ الْجَنَائِزِ،

فَاصِلَةً بَيْنَ ذَبْحٍ وَذَبْحٍ

وَكَرْكَرَةٌ بَيْنَ تِيهٍ وَتِيهٍ

عَلَيْهَا تَمَرَّأَتْ رَغَاوَى الذِّئَابِ.

عُرَاةً نُنَقِّشُ بَوَّابَةَ الاكْتِئَابِ

لَنَا فِي رِيَاحِ الْجِرَاحِ تَكَايَا

وَلِلْجَمْرِ أَفْرَاحُهُ،

مَنْ ترَى فَوْقَ صَدْرِ الْوَضَاءَةِ أَلْقَى الْحَجَرْ؟!

ظَمَأٌ.. ظَمَأٌ

كَنُبَاحِ الْمَسَاءِ

يُرَابِضُ فِي الْعُمْقِ،

تُخْفِي الْوُجُوهُ تَلاَوِينَهَا

حَرِجاً

يَأْكُلُ الشَّجْوُ مِنْ جَفَنَاتِ الْغُيُوبِ،

كَفَاكِهَةِ الاِحْتِضَارِ

تَنُوحُ الْفَوَانِيسُ

تِلْكَ مَقَابِرُ حُلْمٍ

وَتِلْكَ أَثَافِي الْعَشِيرَةِ،

(أَجْدَبَهَا الطَّلْقُ

فَوَّقَتِ السَّهْمَ

لَمْ تَلِدِ النَّجْمَ

نَامَتْ عَلَى لَعْلَعِ الأَثْلِ)

لاَ صَبَّحَ السَّيْلُ تَسْآلَهَا

وَلَداً طَائِعاً كُنْتُ عِنْدَ الدُّخُولِ بِهَا

صِرْتُ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا مُفْرَداً

لَيْتَنِي حَجَرٌ

أَفْسَدَ الْحَينُ شِنْشِنَةَ النُّبْلِ،

مَا عَادَ تَصْهَالُنَا شَجَراً فِي فَيَافِي الْغَسَقْ

نَحْنُ مِنْ زَمَنٍ

لاَ أَقُولُ خِلاَسِيَّةٌ قَسَمَاتُةُ،

أُعْلِنُ أَنَّ شُقُوقَ الرَّغَائِبِ مُقْبِلَةٌ بِهَوَادِجِهَا

لاَ الأَصِيلُ يُوَفِّرُ لِي مِرْوَدَ الاِكْتِحَالِ

وَلاَ الاِرْتِحَالُ

يَصُبُّ عَلَى شَغَفِي قَدَحاً مِنْ رَحِيقِ الرِّضَا.

**

سُجَنَاؤُكِ يَا بَهْجَةً فِي جَنُوبِ الضُّحَى

ثَقَبُواْ الصَّمْتَ

قَامَتُهُمْ كَامْتِدَادِ الرَّبِيعِ،

بَهِيٌّ شُمُوخُهُمُو

لَيْسَ أَعْطَرُ مِنْ ضَوْئِهِمْ

هُمْ سَجَايَا الْبَلَدْ

نَجْمَةُ الرُّشْدِ هُمْ

وَهُمُو فِي لُهَاثِ الْقَدَرْ

بَسْمَةٌ مِنْ حَلِيبٍ

وَمَائِدَةٌ مِنْ سَمَاءْ.

فَبِأَيِّ حَنَانٍ لَهُمْ

رَعْشَةُ الأُمَّهَاتِ

تَخُطُّ اخْضِرَارَ الرَّجَاءْ؟

**

لُغَةٌ مِنْ وُرُودٍ، وَمِنْ جَسَدٍ

وَمَدىً مِنْ لَهَبْ،

لِرَدىً فَاسِقٍ

تَنْحَنِي النَّظَرَاتُ

وَتُشْعِلُ تَصْدِيَّةَ الإِفْكِ،

مَا أَنَّ فِيهَا انْدِهَاشٌ

وَلاَ جِرْمَهَا خَضْخَضَ الاِحْتِلاَمُ

لِعِزَّةِ هَذَا الرَّدَى تَكِلُ الأَمْرَ

يُولِجُ أَشْيَاءَهُ فِي طَرَاوَتِهَا!.

* *

مَا الَّذِي فِي تَلَفُّتِهَا النَّفْسُ تَلْمَحُ...؟

عِنْدَ اِنْدِلاَعِ الْقَتَامَةِ

يَنْهَارُ كُلُّ جَمِيلٍ

فَأَنَّى لِمَوْجَتِهَا الإِلْتِقَاءُ بِسَطْحِ الْحُلْمْ؟!

* *

مِنْ حُطَامِ الرِّغَابِ الْبَهِيمْ

مَنْ يُرَكِّبُ شَكْلَ الْوُجُودِ الْحَمِيمْ؟.

* *

وَحْدهم ْ

كَنَسُوا صَدَأَ الإِحْتِضَارِ

الشَّمُوسُ مَنَاقِبُهُمْ

وَالنَّوَارِسُ إِهْلاَلُهُمْ،

بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْمَوْجَةُ الْبِكْرُ تُزْهِرُ.

قِيلَ: الْغَوَاشِي بِكَلْكَلِهَا قَطَّرَتْهُمْ

وَقِيلَ: الرَّدَى غَاصَ فِي جُثَّةٍ

يَطْلُبُ الاِعْتِرَافْ

إِنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا... (أَقَرَّتْ)

وَلَمْ يُوقِدُوا شَمْعَ مَغْفِرَةٍ

أَدْمَنُوا الْوَطَنَ الْمُتَأَوِّهَ

تَحْتَ السِّنِينِ الْعِجَافْ.

* *

مَا السَّبِيلُ إِلَيْكِ؟

أَنَا الْمُتَلَبِّسُ بِالْعِشْقِ

زَهْوُ الْغَرَابَةِ يَطْعَنُنِي

غُرْبَةُ الْوَقْتِ تَنْشُرُنِي

لِلدُّخُولِ إِلَيْكِ طُقُوسٌ

أَلاَ عَلِّمِينِي التَّطَهُّرَ مِنْ مِحْنَتِي وَاغْتِرَابِي

لأَنْضُوَ مَأْلُوفَ طَبْعِي

وَأُخْلَقَ ثَانِيَةً

فِي مَرَايَا الْفُصُولْ.

***

شعر: أحمد بلحاج آية وارهام

شاعر وباحث وناقد من مراكش

 

فتحي مهذبأيتها الأرض

يوما ما سأكون وجبتك المميزة..

ستلتهمين قلبي مثل شطيرة بيتزا

لكن حذار ثمة مواد سامة

دسها أصدقاء أثيرون في أذينه الأيمن..

ثمة غراب ميت داخل أذينه الأيسر

ثمة حمامة بيضاء عالقة في الشريان التاجي..

أعلم جيدا أن أسنانك غزيرة وحادة مثل أسنان القرش الأبيض..

لكن أرجوك ستجدين حبلا طويلا

في رأسي ..

كان يساعدني ليلا في الصعود

الى سماء سنواتي الأولي

حيث لا شيء غير الجمال المطلق

حيث لم تزل ذئاب الشك صغيرة

وهشة ..

لم تقطف حملان يقيني بشراسة..

أحيانا أصنع منه أرجوحة

لألهو مثل صوفي حذو أريكة الله..

أرجوك أنزعيه بلطف

لئلا تهاجمني موسيقى حزينة جدا

لئلا تندلع ذكريات حارقة في غابة رأسي..

خذي عطر عيني العميقتين

ورشيه على المارة النائمين

ليستيقظ في أرواحهم نيزك الأسئلة..

هبي أصابعي الجافة لبستاني

ليزرعها في الحديقة مثل عيدان غريبة تجلب الحظ والمطر

لشجرات الفستق ..

أطردي الحشرة الملعونة

التي تطن في حنجرتي..

التي سببت موتا مبكرا لمنظرين

كبار زاروا قلعة روحي البعيدة..

هبي قدمي المتعبتين لأول ظربان

يتهجى شاهدة قبري

ويحاول الحصول على حصته من الغنيمة..

أيتها الأرض طبي خاطرا

سأسكن جسدا آخر

جميلا ومتماسكا وخاليا من أفاعي الأصدقاء..

في مكان ما من هذا العالم المليئ

باللاشيء .

***

فتحي مهذب

 

فاتن عبد السلام بلان

ثمَّةَ بؤبؤانِ يتلصّصان ..

كنهرٍ بعيدٍ تُحدّقُ بي

حذارِ .. حذارِ

سيسقطُ رأسي بألفِ سَمَكة

كيف سأغرّبلُ

مجدافَ هروبي مِنْ مجدافِ ظلّي

وأنتَ تُشاكسني

بنشنشةِ زورقٍ

وثرثرةِ قشّةٍ

وغرغرةِ حصاة ؟

**

مَنْ منّا سينزعُ الشَبَكَ أولاً ؟

أنتَ .. تُلاغزُني

بقافيةٍ إلّا زُرقة

وشراعٍ بلا وِجْهة

وقُبلةٍ دونَ شِفاه

وأنا .. أستشيطُ شوقًا

 فمي رسائلُ غرقى

وكفّايّ ستةُ نوارسٍ

وأربعُ صفصافاتٍ إلا جسر !

**

مَن منّا سيتشعّبُ كالضوءِ

في موجِ الآخر

ومراياكَ على ذمّةِ التصحّرِ

وملامحي على قيدِ العطش؟

ومع كُلِّ هذا وذاك

غمّازاتكَ تخطوطبُ

فتمغنطُني

وأصابعكَ تتجسّسُني

كالرادارات

وأنا أفكُّ أزرارَ كيف

مِنْ عرواتِ لماذا

وكُلَّني أتعرّقُ حيرةً

تحتَ ألفِ فرسخٍ من اللُهاث

**

أتلبَّسُكَ على مصلوةِ التخاطر :

أتتشاقى برشْقةِ نهرٍ

وتَشْرَقُ بزَعْنَفةِ "أحبُّكِ"

فيتخثّرُ نبضي بنشيجٍ مُدْقع ؟

أضعتُني على حافّةِ الغرق

وضفّتاي قاربانِ بعشرةِ صيادين

**

أحبُّكَ بالجدوى واللاجدوى

و بغمْزةٍ مضْفورةٍ

 برمشِ الماء

مَن منّا سيرتكبُ حماقةَ الرحيل

ونمشُ صوتكَ

 يطفحُ بالحفيف

والخريفُ مسافاتٌ برّمائية

بين شيطنةِ معابركَ وتهجّدِ ممراتي ؟

**

أحبُّكَ بالشعورِ واللاشعور

و بشرنقةٍ حُبلى

بحقلِ فراشات

مَن منّا سيبتكرُ أكفًّا للتلويح

وعيناي ساقيتا آهٍ

في هسيسِ المناديل ؟

يا لذروةِ التيهِ اللولبيّة

وأنتَ تقترفُني

بوسواسٍ قهريّ

فأصْدَأُ في قبضةِ تخاريف

رمَّدتْ ماءَ الشمسِ

بظلالِ الفوانيس !

**

أحبُّكَ حدَّ الإختناقِ والتلاشي

فما زلتَ نهرًا

تُحصّصُني على الإبحار

وتشاطرني برَّ القلق

أحبُّكَ حدَّ التكْميمِ للزفير

فما زلتَ رجْفةً

تستدفئُ في صدري

كبلادٍ مزكومةٍ برُهابِ الحرب ..

**

وا أسفاه أتُهمّشُ زُرقتكَ

في حواشٍ ضبابية

وتُعنونُ خرائطَكَ

بهجرةٍ إلا زهايمر

وأضلاعي موانئُ لجوءٍ

وكتفاي هواءٌ وخُبز .. ؟

أتجغّرفُ بأربعةِ قلوب

أنا الطافحةُ بأبراجِ الحَمَام

المُفْرطةُ في جذورِ الوطن

فلماذا تبرُّ شريعةَ الفزَّاعاتِ

وتعقُّ الزيتونَ بفؤوسِ السَّفر ؟

**

يثْكلُني جُرْحُ الوداع

صافحني بعناق

تشمّسني بعناق

تفيّأني بعناق

صدّقْ أو لا تُصدّق

النهرُ في غيابكَ

زجاجٌ يُدمي كُلْيتيَّ حدَّ العراء

وأنا جَناحٌ مِنْ سِربٍ

أراوغُ مكيدةَ القفّاصين

وأستذئبُ على لعنةِ الرصاص

**

يثْكلُني جُرْحُ الوداع

حدّقْ بي أكثر

لأعبرَ إليكَ أكثر

لأتقمّصكَ أكثر

صدّقْ أو لا تُصدّق

 تعرقلُني المطبّاتُ

لكيلا أُبكَّرَ في العودةِ إليكَ أكثر !

**

ثمَّةَ بؤبؤانِ يتلصّصان

ووجهٌ يفيضُ بالألغام

وجُحُورٌ ملأى بالغرباء

وأنا رفرفةٌ أمامَ سارية

وإشارةُ اِستفهامٍ خلفَ شاهدة

يؤلمُني صمتكَ العاري

تجلدُني "أُحبّكِ" الباردة

فكيفَ أعوّلُ على شبْرٍ بيننا

والخطوةُ صرخةٌ كسيحة

وأسلاكٌ شائكة

وقصيدةٌ مُبلّلةٌ إلّا وطن ؟

***

فاتن عبدالسلام بلان