اسراء العكراوييحقُّ لي

كلُّ الذي يحقُّ للنساءِ في مدينتي

أن آكلَ الطعامَ .. وارتدي الثيابْ

وامتطي مهْرَ القوافي في حدودِ غرفتي

يحقُّ لي ..

أن اسمعَ الأوامرَ .. وافهمَ الكلامْ

في كلِّ ما يقالْ

"لا تنظري .. محرمٌ على الإناثِ رؤيةَ الجمالْ

لاتكتبي الشعرَ ..

فأنَّ الشعرَ صنعةُ الرجالْ

لا تضحكي .. في حضرةِ الرجالْ

لا تصرخي ..ألماً ولا فرحاً ..

فصوتكِ قد يزعجُ الرجالْ..

أنفاسكِ معدودةٌ .. لا تكثري من فرطِ الانفعالْ

أحلامكِ موءودةٌ .. لا تحلمي

لا تبسطي الآمالْ

إياكِ أن تعترضي بل أنصتي لكلِّ ما يقالْ

"قلةُ عقلٍ أنْ تعدَّ المرأةُ النجومَ في السماءْ ..

أو أنْ تحبَّ زرقةَ السماءْ

قلةُ عقلٍ أنْ تحبَّ الأرضَ ..

أو تعشقَ الأعشابَ في الحديقةِ

فقد يكونُ العشبُ ملغوماً إذا .. ما لامَستْهُ

أذرعُ النساء"

لأنني امرأةٌ ..

يسفهونَ منطقي

يقننونَ بحرَ أفكاري .. يحددونَ مطلقي

خلاصةُ الحديثِ ..

إنَّ النساءَ في مدينتي،، أشبهُ بالسجائرِ

يمتصّها الرجالُ منذ أولِ الأنفاسِ حتى الآخرِ

وعندما تموتْ ..

يعلقونَ نعيها في احدِ الجدرانِ

توفيتْ عقيلةُ أل"فلان"

أو قد ثوتْ كريمةُ أل"فلان"

ليسَ لها اسمٌ .. دونما عنوانْ

مسْملةَ العيونِ ..مقطوعةَ اللسانْ

***

د. اسراء العكراوي

 

محمد صالح الغريسيأنا "نرسيسُ"،

من فَلَقِ الصّدى

 صوتي

و من بوح  التّلاحينِ

فلا صوتٌ بهذي الأرض يطربني

و لا لحنٌ يواسيني،

سوى صوتي

يُرَدِّدُنِي

"نداءَ الماءِ و الطّينِ"

فما أنت بفاتني

و لا  نجواك تغريني

و لا الأطيار صادحةً

على خضر الأفانين

ولا عيناك تفتنني

 ولا ريحان أردانٍ،

 ولا  أنفاس نسرينِ

أنا "نرسيس" أُعْجِبُنِي

إذا ما الشّعر أرّقني، بهمس من " شياطيني"

و هاج الشّوق من لهف،

 ببوح من تفانيني

فكفي عن ملاحقتي بأرض الله يا امرأة

فلا مرآك يعجبني

ولا نجواك تسحرني

بتطريب وترنين

أنا "نرسيس"

مذ علقت روحي بتوأمها

وشتّ الذّهن في الحينِ

وهام القلب من شغف بأوصافي و تكويني

عشقت مياه نهر الله صافية

ومرآةً تغازلني بحسن الْخَلْقِ تغويني

وزاد الشِّعْرُ من ولعي بحرف الفاء و النّون.

فذوبي اليوم  يا امرأة،

 بمرآتي

وآهاتي و أوتاري،

  وشِعْرٍ غير ممنونِ.

أنا "نرسيسُ"،

 قد فعلوا بهذا القلب ما فعلوا..

أنا مرآة ُخيبتهم..

وحمقٌ غيرُ مكنونِ

فذوقوا اليوم ما فعلتْ،

 يَدٌ حَمْقَى ِبَمَجْنُونِ.

***

شعر: محمد الصالح الغريسي

..................................

* نرسيس: بطل الأسطورة الإغريقيّة (انظر ويكيبيديا)

 

احمد الحليلا بأسَ أن تستمرِئي

مضغَ قلبي قطعةً فقطعةً

وأن تسرقي نبضَه

ولكن إيّاكِ أن تبادلي

ذهباً بفِضّه

 

كلّما اعتزمتُ

أن اعتزلَ الصبابةَ

هاجت شجوني

وعاتبتني أمكنةُ اللقاءِ

وثمّةَ شجرةٌ عندَ الضفةِ

كانت تُصغي لنجوانا

 

تغادرُ القهوةُ المُرّةُ كينونتَها

لتكتسِبَ مَزايا إبنةِ العنقودِ

وأنا أرتشفُها

من يدِكِ صُبحاً

 

مَطعونَ القلبِ

أُجرجرُ خَطوي في صَحرائِكِ

بانتظارِ أن ياتيَ ربيعٌ

وبرقٌ  ومطرٌ

فأملأ سِلتي

بكَمأ رِضاكِ

***

احمد الحلي

..................

* في إحدى المرات ذهبت إلى النهر وجلبتُ ضفدعاً  إلى البيت وانعقدت بيني وبينه اواصرُ صداقة ومودة  كنت أبتغي ان يعلمني كيف اتنفسُ الهواءَ المذابَ في الماء وبعد مدة أفشى لي بسره وطلب مني القيام بعدة محاولات ففعلت ونجحت  فهنأني وقدم لي استمارة الإنتماء إلى البرمائيات .

وقفتُ أمامَ كفتيّ الميزان حائراً مُحبطاً . كان يتوجبُ عليَّ أن أضع في إحداهما رزمةَ افراحي وفي الأخرى رزمةَ أحزاني وحدث ما كنت أتوقعه فقد رجحت كفة أحزاني بفارق كبير جداً .

 وفي محاولةٍ يائسةٍ أخيرة تراءت لي شعرة طويلة تعود لكِ وهي تستقر على كتفي فأمسكتها برفق ووضعتها في الكفة فإذا بها تهبط وإذا بالأخرى تعلو .

 

يوسف جزراويفي ساعةٍ متأخّرةٍ

من لَيْلَةٍ صَافِيَةٍ

ألتمَّ فيها شملُ

القمرِ مع النُّجومِ

رأيتُ ديكَ الوطنِ

يتسكّعُ مُتنكّرًا ومُرتَبكًا

بينما عيونُهُ مُثَقَّلَةٌ بالنّعَاسِ!

كان يدورُ حولَ نفسهِ كالنّاعورِ!

نظرتُ إليهِ مُبتسمًا وسائلتهُ:-

عَلامَ تسيرُ في آخرِ الّليل؟!

أجابني بصوتٍ خنقتهُ الحَسْرَةُ:-

لكي أرقبَ مَن سيُقبّلُ الوطنَ على خدِّهِ

ومَن سيسلّمُهُ بثلاثينَ من الفِضَّةِ!

نَزَعَتُ قبّعتَهُ من رأسهِ

وحللْتُ ربطةَ عنقِهِ

.ثُمَّ حاولتُ أن أُمرِّنَ صوتي معه

رغْمَ هذا اِمْتَنَعَ

وأبَى ان يُبشِّرَ العِراق

بطلوعِ فجرٍ جديدٍ!

سألتُه: لماذا ؟

فأجاب:

 .لئلّا ينكروه قبل صياحِ الدّيكِ

***

يوسف جزراوي

 

عبد الجبار الحمديلم يقتنع بأنه جحش إبن حمار فمذ بصر الحياة أوعز الى نفسه أنه اكثر ذكاء من بقية الجحوش التي يعرفها او يجاورها، خان كبير فيه الكثير من الحمير في جانب والى الجانب الآخر عربات خشبية... يستهجن إنصياع ابيه عندما يضع ذلك الإنسان لجام الحديد في فمه كي يلجمه عن التعبير عن رأيه في الحط من شأنه... لقد اتخذ صاحب الخان مقولة (أدفع تأخذ) يا لحقارة البشر لم اسمع عن ابي أنهم اجتمعوا علي خير ابدا، ذاك ما حدثني عنه مرة وأنا أدلف من ليلة ماطرة حيث خاصرة أمي كي اتحاشى المطر والبرد... سمعته يقول: إن هذه الليلة تُذَكِره بجدي الذي هرب عن صاحبه بعد ان اوجعه ضربا، فحاله لم يتغير بل في تدهور تام... كان ذلك بعد ان مرض جدي واصيب بالهزال رافضا ان يكون حمارا دون مشاعر، مما جعل صاحبه يسوقه سوق الحمير... يصرخ عندما يضربه أتريد ان تهرب من مسؤلياتك؟ وأنا اقدم لك العلف والمسكن وكل ما عليك هو ان تجر هذه المخروبة التي كرهت حياتي وحالي بسببها، عليك اللعنة من حمار كسول تتمارض حتى لا تقوم بعملك وتغير من حالي... سخر جدي منه بعد ان نهق عليه نهيقا اسقطه وعفط عليه ثم ركله ركلة أطاحت باسنانه تاركا إياه مضرجا بالدم... تلك هي المرة الاخيرة التي رأى فيها صاحبه، بعدها اندفع جدي الى خارج ذلك المكان هاربا رغم ضعف جسمه، اسس جدي عالما لنفسه، خاصة بعد ان استمال الكثير من الحمير المقهورة الى جانبه، صار فيهم الزعيم لا يعصون له أمرا، استوقف منظر جدي والحمير اصحاب العربات الخشبية ذلك الشجب والاستنكار عن جدي وبقية الحمير فعقد بنوا البشر الصلح والهدنه على ان يكون للعمل ساعات وقوانين، فالحمير عالمها الذي لا يطيح به جبروت بشر تمرد على إنسانيته فتمخض عنها العبودية قيدا يجيدون ربطه على جميع الحيوانات ما عدا الظالم منهم... رعاع جبناء هم اصحاب الفقر والعوز يراهم جدي كالذباب الذي يحوم حول كومة من النفايات او على مخاطه حين ينسى ان يلعقه فتراهم يطنون كانهم أمام وليمة يتذوقون طعمها بشراهة وذلة...

أخبرت أبي في تلك الليلة بأني سأكون مثل جدي حمارا ذو حكمة أرقب ما يدور من بني الإنسان الذين لا يعرفون معنى لِمُسَامهم، إن الإنسان فاقد للأهلية، طامع بالجبروت والسلطة ناكرا حق التعبير للغير باذخ للفساد نمرود على نعمة بين يديه... لم ارى او اسمع شخص منهم ذكر وشكر النعمة التي هو فيها... التذمر عناوين مثل العبارات المكتوبة بخط جاهلية على جدران الخان من الخارج، العمل عبادة، ما ضاع حق وراءه مطالب، القناعة كنز لا يفني هههههههههههههه أي عبادة وأي حق واي قناعة؟ هربت عن الخان مع صحبة رغم الألم الذي خلفته لأمي وأبي، صار لزاما عليّ ان اتحرر، أن اعيش كجدي حرا طليقا أعتاش من هنا وهناك اردت ان ارسم خطوط لحياتي وذاك ما جعل بعضا من الجحوش والحمير تهرب معي، كانت أزمة خرج فيها صاحب الخان معربدا يلعن الصبية وحارس الخان الذي ضرب يومها ضربا لم يناله حمار في مطلع، جن جنونه لكني ومن معي اطلقنا لأرجلنا العنان، ابتعدنا كثيرا، فالعالم الجديد بالنسبة لنا متنفس اوله كان صعبا غير أننا ما أن الفنا المكان حتى استقرت بعض الشيء النفوس، حالفنا الحظ ببعض بغال شاركتنا همنا وقد طفقت هي الأخرى تنشد البعد عن بني الانسان ذلك الحيوان الناطق بترهات الحرية والديمقراطية متمجدا بأنها تعليم سماوية أوجدت الخط المستقيم الى الحق ونسوا انهم قتلوا الحق ونحروا العدالة عندما استباحوا بيوت الشعر التي سكنوها والبيوتات بعد أن صنعوا لهم ارباب من حجر وطين وتمر...

لم اتصور أني سأكون في موقف كهذا احسد عليه، فقد خالني أن الامر سيدوم او على الاقل يبقى على ماهو ولكن السلطة هي أن تكون سيدا معبودا ونسيت ان اضفي على نفسي تلك الصفات حتى برز حمار اسود قبيح كان قد زحف وقد أصابه البهاق فبات حمارا ابقع الشكل.. عاش بيننا الى ان سمعت من حمار مقرب أنه يعد للتمرد عَلَي، يريد ان يكون ربا لهذه الحمير صاحب سلطة ونفوذ.. لم اولي الامر أهتمام غير ان التذمر من تابعيه صار عاليا وعتو على نعمتهم فأكثروا من النهيق في نكران الجميل، شرعوا بدس الدسائس، انخرطوا في تكوين جبهة معارضة، دعوا فيها الى ان يكون الحُكم لهم فهم احق واكثر خبرة خاصة أن هذا الابقع قد جاب وعاصر الويلات وأما حاله وشكله فهو نتيجة رفضه لواقع الحمير الذين يرفضون العبودية... شرعت ومن معي في دفع تلك الحمير الى الخروج من سقف الحرية، إننا كنا جحوش وصرنا حمير نروم العيش بسلام لا نريد لسلطان أبقع جائر ان يسوق جنسنا بالسوط، إنه من اسلحة الانسان عندما استعبِدوا الضعفاء في الجاهلية وجلاده يصرخ إعلوا هبل، إننا في عصر لا نريد أن تكون هناك عدالةعمياء تحمل ميزانه عجوز شمطاء وصاحب محكمة ابقع، إننا نبحث عن الانفراج والحرية لا عن التحزب والاتيان بقوانين تمنع ان تكون حمارا واعيا، الجهالة في تابعيك يا ابقع هي من جعلتهم ينهقون لك، اشارت عليك بأنك هبل الجديد ونسيت أنك من خوارجها، ما بَعُد عنك ذكر اصحاب الرايات السود، جاؤوك يدعون العدالة والحق وهم للحق كارهون إنكم يا ابقع بعيدين كل البعد عن أثنين الحق والباطل، اقسم بالذي لم اقسم به إن لم تخرج ومن معك عن ملتنا لتنال ما ناله السامري، تجمعت الحمير على الابقع فطردوه شر طردة... الشعور بالانتصار جميل لكن المحافظة عليه هو الاجمل، سكن الامر هاهو الحمار يذكر صولات جده التي اورثها الحمار الاقدم، لم يتغير شيء لا زال الانسان يؤمن بالشعارات وكتابتها بلا وعي على الجدران كالمعلقات وما زال ينادي ( نحنو نريد الديمغراطية اليديدة). 

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

عبد الاله الياسريتَساوَى العيدُ في المنفَى وحزني

فمــا أَدري أَأَبـــكـي أَمْ أُغـنّــي؟

 

أَرَى الأَيَّــامَ قد صارتْ سهامــاً

وصـرتُ لرميهـــا مثــلَ المِجَنِّ

 

ومـاغطَّيــتُ وجهي في قنــــاعٍ

ولاغيَّــرتُ كالحــربـــاءِ لــوني

 

يُكذِّب بالصيـاحِ الديـــكُ صبحاً

فمـا يـومي سـوَى ظلمــاءَ دَجْنِ

 

أُوفّـي الدَّيـنَ بالدَّيـنِ اقتـراضــاً

وأَرجـــعُ مُوفيـــاً دَيــني بدَيــنِ

 

أُجـاهــدُ كادحـاً صبحـاً وليـــلاً

وإِنّي ــ رغم ذا ــ صفرُ اليدينِ

 

ظننتُ المــالَ بالجــدِّ اكتسـابــاً

وكـمْ قـد كـذَّبـتْ يمنــايَ ظنِّي!

 

وكيـف بجمعِــه سَطواً بغــابٍ

ومامِنْ مخلـبٍ عنــدي وقـرنِ؟

 

أَرَى كـلَّاً يُريـــدُ دمي ولحمي

ولا أَقــوَى عليـــه.فيـالَـوهْني!

 

أَأَبْــدِلُ كَونيَ البشـريَّ وحشــاً

وأُغْرَى بالدمـاء لشـبْعِ بطني؟

 

وأَشري صــدقَ أَفعالي وقولي

بتــدليــــسٍ لتُـجَّـــــارٍ ومَيـنِ؟

 

أَلا ياقلبُ ســـاعـدْني ثبــاتــــاً

ولاتسـمـعْ إِلَى ما قـــالَ جُبني

 

ولاتَبِعِ الضميـرَ بكسبِ سُحتٍ

ولا حُبَّـــاً لإيــثـــــارٍ بضِغـنِ

 

مُحيــطٌ بي ذوو الأَمـوالِ لكنْ

غريـبٌ بينهـمْ مثل (الحسينِ)*

 

لصوصٌ ماعليهــم من رقيبٍ

وكــمْ عَيـنٍ علَى عَفٍّ وأُذنِ!

 

شِباعٌ بـــاركَ الرزَّاقُ فيهـــمْ

بحفظٍ منه في الدنيــا وصونِ

 

أَيـــــا أَلله! مــاهـــــذا بعـــدلٍ

فنشكـــرَ نعمةً وعليـــكَ نُثني

 

أَســـارقُ أُمّــةٍ يَبـقَى طليقـــاً

وســارقُ خبزةٍ يُلـقَى بسجنِ؟

 

أَقــمْ بالقسطِ وزنَـك في عبـادٍ

ولاتنقـصْ لهــــمْ حقّـاً بــوزنِ

 

وهَبْ ياربّ مأوىً لي بأَرضٍ

فلستُ أُريد منــكَ جنـانَ عَدْنِ

 

وأَمْنـاً أَعطِني فيهــــا وعـدلاً

وغيرهماــ لغيري ــ من تَمَنَّ

 

إِلَى مَ أَظلُّ (سيزيفَ) المُعنَّى 

أَنوءُ بصخرةٍ لي فوق متني**

 

وفـي كفـيَّ أَغـــــلالٌ لعَسْـفٍ

وفي قدميَّ ســلسـلـــةٌ لغَبـنِ؟

 

أَهُـزْءُ الأَبيـضِ العاتي بلـونٍ

لنـــا أَمْ هُـزْءُ نَخَّـــاسٍ بقِـنِّ؟

 

أَجاب بداخلي الإِنسانُ: قـاوِمْ

ولاتَــخضـــعْ لإِذلالٍ وهَــونِ

 

وقفْ جبــلاً بمعُتـركٍ لفكــــرٍ

وضِئْ نجـمـــاً بـآفــــاقٍ لفــنِّ

 

ولاتطمـعْ بعيـشِك فـوق زهـدٍ

فإِنْ تقنــعْ فإِنَّ الزهــدَ يُغـنـي

 

فكـمْ مُثرٍ تَسـجَّى قبــل موتٍ!

وذي ترَفٍ تَـوارَى قبـل دفنِ!

 

إِذا رضيتْ عقـولُ المالِ يوماً

عليـكَ فلستُ منكَ ولستَ منّي..

 

فيـاليـت التجــــارةَ مَعْ كـلابٍ

فتُخلصَ لي الــودادَ ولــم تَخنِّي

 

أَلـوذُ بـصدقِهـا من كذبِ إِنْـسٍ

فتغمـــرُنـي بــألـــــطافٍ ومَـنِّ

 

فما لربيــــعِ حُبِّي مِن غَمــــامٍ

لدَى جِنْسي,ومِن روضٍ أَغـنّ

 

تَشــوَّهَ طيـنُ آدمَ مـن صــراعٍ

لــه نَــزفٌ يسـيـــلُ بكـلِّ ركـنِ

 

أَلا هل يَرعوي الخصمانِ يوماً

ويَنعـــمُ مَـن أَخــافـــــاه بأَمـنِ؟

 

ويُلقي المديَــةَ الجــــزَّارُ سلماً

ولايَـلـقَى لحـــقـدٍ مِـن مِســنِ؟

 

وتُمسي الأرضُ آمنــةً كطيــرٍ

طليـقِ الجنـــحِ راضٍ مُطمئِنِّ

 

ويَغسـلُ قبـحَ ماضيهـا ســـلامٌ    

بــإِبــــداعٍ لإصلاحٍ وحُســــنِ

***

عبدالإله الياسري

.............................                      

* هوالحسين بن علي بن أبي طالب. رفض أن يبايع يزيد، وأبَى أن يستسلم للجيش الأمويّ؛ فقُتل في 10 محرم 61 هـ.

** سيزيف هو رمز الشقاء الإنسانيّ في الميثولوجيا الإغريقية.

 

 

عادل الحنظلساءَلتُ العطّار

عن نبتٍ يشفي داءَ الترحالْ

ويزيلُ الغربَةَ في النفسِ

ويطَرّي يَبَسَ الأحزان

أخبَرَني

ما عادتْ في بَلَدي أمكِنَةٌ

يهواها الزرعُ .. أو ماء

حتى الريح

تحملُ أدرانا .. وترابا

تذروهُ بأعين من عشقوا

في الليلِ مناجاةَ الأقمار

**

مسحوا عن وَردِكَ يا وطني

قَطَراتِ ندى الأصباح

خدشوا في الليلِ حياءَ الصمت

جعلوا أُمّا تبكي

أختا تندبُ مَن راح

وأبا ما عادت في عينيه

غيرُ خيوطِ العزّةِ

تنسجُ  في وهنٍ

سترا يخفي جبلَ الاحزان

سرقوا ياوطني

منكَ صلاةَ الفقراء

ذبحوا ايمانَكَ قربانا

لعبادةِ أوثانِ الغُرَباء

**

أنبأني

شيخُ الأديان

أنّ عمامَتَهُ

تحوي أسرارَ الكونِ

وخبايا الخلقِ

وتفاسيرَ كتاباتِ الانسان

من آدمَ حتى الآن

يعرفُ أين هوى الجدُّ ألاكبرُ

لمّا رَفَستهُ الى الأرض

أقدامُ الرحمن

حدّثني

أنّ علومَ الإنسِ وأخبارَ الجان

من تحتِ عباءَتِهِ

أخرجَها الكفّار

أنّ بهاءَ سماحتِهِ

تكشف كلّ الأقدار

تغفرُ ما فاتَ وصار

لمَ يا شيخُ إذنْ

في بلَدي

يُقتَلُ من قالَ لكم ..

لا

***

عادل الحنظل

 

 

حسين فاعور الساعديعفوَ شاعرٍ يرتب الكلامَ

وفق أجمل البحورِ والأوزانِ

يعشق الحياة َ والجمالَ

يطربُ الجمهورْ

في شرقنا القتيلِ لا مكان للألوان ِ

لا وجود للبحورِ والأوزانْ .

**

عفوَ من يغازلُ التاريخَ والأمجادَ في القبورْ

لن ينفعَ التاريخ ُ من في حلقة ٍ يدور .

**

عفوَ دور النشرِ والأهواءْ

عفوَ دور الرقصِ والغناءْ

وما يُبثُّ في الفضاءْ

عفو كاتبٍ  مقدامْ

يبيع ُ حالهُ ويتقن التهريجَ والكلامْ

عفوَ كل هؤلاءْ

الغزوُ جارفٌ

والجهلُ شاملٌ ومُطْبقٌ

تبخرتْ أرواحُنا ، أيامنا

ولا مجال للتعبير والإنشاءْ .

**

عفوَ وردةٍ من قهرها تموتُ

عفوَ شرفةٍ يلفها الحريقُ

عفوَ عسكرِ الحدودِ،

شرطةِ المرورِ،

مجلسِ النوابِ،

مجلسِ الخرابِ،

عفو مجلسِ الإفتاءْ

وما أباحَ من دماءْ

**

عفوَ شيخنا الجليل ِ

عفوَ فرقة التمثيل ِ

عفو موكب الزناةِ والطغاةِ والأزلامِ

عفوَ كلِ هؤلاءْ

اللهُ واسعُ الرجاءِ والعطاءْ

أباحَ أن نراهُ

كيفما وأينما نشاءْ .

**

عفوَ قادةِ الميدانِ،

والعساكرِ المروَّضينَ،

بئر النفطِ،

موكب الأغنام ِ

....والأصنام ِ

عفوَ هيئةِ الأركانِ

عفوَ كل هؤلاءْ

في شرقنا المذبوحِ

منذ أقبل "الربيعُ" هاجرَ الإنسانْ

وأجمعت مراكزُ الإفتاءِ والبحوثِ،

دورُ النشرِ والإعلامِ،

كلُّ القنواتِ،

....أجمعت وأعلنت جميعها :

لوجه ِ الله نخدمُ الشيطانْ

وباسم الله نذبح الإنسان .

***

حسين فاعور الساعدي - الحسينية

من ديواني الصادر عن دار "المل" عام 2014

 

 

عبد اللطيف رعريالكُوجِيطُو

لُعْبة أسرّهَا المَنطقُ

في

 حَاشِيةٍ

 مِن ترَابٍ

فمِنَ أينَ يأتيكَ المَللُ

 إذنْ

سيِّدِي النَّاهِي...؟ ديكارت

النوافذ ُاحكمَ الرّيحُ إغلاقَها

 بعدَ سِلسلةٍ

مِن

الضَّرباتِ...

الأطْيافُ العَاريَّة

 حوَّلهَا الحَائط ُإلى مُومِياءٍ

تَقتاتُ

 منْ لونِ

 الدِهليزِ

كُلّمَا مسَكَ الّليلُ ذيلَ

 السّماء ....

وأنتَ

 تَعُدُّ سيِّدي مِزهَرياتَ القَصر ِ

لابُدَّ أن تقعَ علَى شَوكةٍ

 دَاميّة

 تَكشِفُ خيانةَ سبَّابتكَ

لا ترَاوغِ الظّلَ

 حينَ يعْزفُ نفسَ اللَّحنِ

أرْقُص عَلى سَاقٍ

 يتِيمَة

 ولا تُنعِي الفَشلَ للفَراشاتِ...

خُذ منّي

 تِقنياتِ التّيهِ

 لِمَواسِم الهَذيانِ

 فَوحْدكَ لنْ تنجُو مِن غَرقِ المَعانِي ,,,

ولنْ يَنعَم بالمَلامةِ

 أبٌ

 تَصيّدَ في خُلوةِ الشّكِ مجبرًا

 لمّا للرّيحِ صفّقت بَناته

مِن ورَاءِ سِتارٍ كَاشفٍ...

.لا تُجَازف بِبهاءِ طَلعتكَ

 فخِصْر امْرأةٍ يغْني عنْ سُؤالكَ ..

وصَدرٌها مَقامٌ حتّى نَستفِيقَ

 منْ غَيبُوبةِ

الحُلمِ العَنيدِ.

يا سيِّدي ....

بِمذهبِ المُفارقَةِ والتَّشكيكِ

خُذ منّي سُبلَ الهُروبِ

 مِن سَوادِ الورْطةِ...

 إلى فجْوةِ النهَاياتِ الأليمَةِ

وأنتَ الواقفُ علَى حَبلِ الذِّكرَياتِ

 تَكْفيكَ

 دَمعَة

 دَمْعتانِ....

 سَيلٌ مِن الأضْرارِ

 لترْميمِ المَعابدِ المُخربةِ...

والكاتِدرالياتِ المُتعبةِ ببُكاءِ القَساوِسةِ 

أنت فارِسُ التَّلمِيحاتِ ...

عَانِق طُيورَ الفَجرِ

 ارْحَلْ....

اغتَرٍبْ...

اغتَسلْ بتُرابِ القَلبِ..

اغْرقْ فِي المَتاهَةِ لبِضْعةِ عُمرٍ.

أنتَ مشكاةٌ رُخَامِيةٌ لمِصْباحٍ دَائمِ الشُعلات...

اجبِرهُ علَى الخُلودِ

 وفي عَودتكَ  منَ الرَّحيلِ

تأهَّب للرَّحيلِ ...

فبعدَ طُولِ انتِظارٍ

 الأبلهُ

 مِن أطْفالنَا سَيردُّ البابَ خلفهُ

  برَكلةٍ طائشَة

وفي الطّريقِ إلى أمِّ العلاَماتِ

طائرٌ يحفرُ السّماءَ بمُنيقرِ النّدامةِ

سلِّمهُ الأمَانَة...

 ضَبابةٌ  عَلى وَشكِ الانْهيارِ

سيَسكُنها...

كَما الأشْباحُ قبْلهُ سَكنُوا...

وبعْدَ كُل انتِظارٍ

 المَجْنونُ مِن شُعراءنا

سَيغتَصبُ القصيدةَ

 لِتلدَ شَاعرًا أخَر مِن زَمنِ العَبثِ

 يَحلمُ بصَمتٍ أبدِي

سَيّدي ديكارت

 لا جُنونَ فوَقَ جُنونِي

 وأَنا أتَسكَّعُ

 في جُبِّ

 المُفارقاتِ

 لاهذيانَ يقبلُ صَمتي

 غيرَ شَعائرَ الشَّكِ التِّي بنَيتهَا لليقينِ

مِن الصّمتِ إلى الصّمتِ

 تُطلّ المَعانِي

 بزيِّ

 الأزلِ..

.سَيّد ديكارت

من الرَّحيلِ إلى الرَّحيلِ

 حَزْمةُ البداياتِ

تُنذرُ بأفُولِ النهَاياتِ

الأزلُ صُد فةٌ من صُلب شجرةٍ ...

ربَّما صُلبِ امرأةٍ...

الأزلُ

 نوبةٌ هَوجاءَ تحكُم المَكانَ

  تُمطِّطُ الزّمانَ إلى شعلٍ ناريةٍ

 تغمزُ مَاء البحرِ

 الأزلُ

 قبسٌ

 منسِيٌّ يسْتثنِي فِي الكَونِ شرحَ

المَ

شْ

كُو

كِ

 فيهِ

 لتَلتفَ حَولكَ المُغالطَاتُ

 رَبَّ الكُوجِيطُو

أنتَ

سيِّدي النَّاهِي

 للتَّسلِيمِ بالمُسلَّمَاتِ ...

الأزلُ شرَارةُ تُخفِي مفْهوم القِدمِ

 لُعبة ترْكُبها الظّلالُ

إلى حَرقِ المَسافاتِ في جوْفِ المَدى

  فلِمَا أنتَ مُشككًا بَديعاً فوْقَ العَادَة

والشعَراء

 بينَ رَاحَتيكَ

 تُجنُّ ....

بعْد كُل انتِظارٍ ...

سَتمرُ قَوافلُ النَّملِ

 لا كَعادَاتِها

مُدجّجَة بالوَيلاتِ

تُبكِي الجَبل

تُعرِّي الشَّجر..

وتَنفُضُ عَن حَالهَا أبجَدياتِ الطَّاعةِ

فلكَ سيِّدي ديكارت

 نشْوة الشَّكِ ...

لكَ شهْدَ اليقِينِ مِن مَخاضِ المُحالِ

وَلي بينَ نشْوتكَ وشَهدِ اليقِينِ

 بِدايةَ وَحمٍ للقَصيدَةِ.....

***

عبد اللطيف رعري – مونتبوليي / فرنسا

 

 

ناجي ظاهرلا اتذكر متى التقيت به اول مرة، وان كنت لا انسى ولا يمكن ان انسى أول مكان رأيته فيه. كان ذلك عندما شعرت برجفة غريبة في أعلى شجرة الكينا المحاذية لبيتنا المستأجر، فأرسلت نظري إلى هناك لأراه يرسل نحوي نظرة تكاد تكون تؤامًا سياميا لنظرتي نحوه. بوعي او دون وعي.. شعرت انه قريب مني.. قرب نفسي. وكان ان رأيت في عينيه دمعة مُهجّرةً، تشبه حد التطابق دمعتي.. انا المهجر ابن المهجر.

مضت اللحظات وانا ارسل نظرتي اليه، وهو يبادلني النظرة، مع مضي الوقت بتنا نتواصل بلغة الدموع، فكلما عصف بي الشوق إلى من رحلوا للإقامة في منفاهم القسري.. ليعيشوا هناك ويقيموا بالتالي في الذاكرة، ارسلت دمعة موازية، لتهمي بعدها دمعة مقابلة من عينه، ويبدو ان ذلك التبادل للنظرات، خلق بننا مزيدا من الالفة حتى انني بت لا استغني عنه بالضبط مثلما بات هو لا يستغني عني، وكنت كلما غبت يوما او بعض يوم عن نافذتي تلك، واعود اليها.. اشعر بشوقه الي، فأبثه في المقابل.. ما في قلبي وروحي من شوق.

يوم مات ابي بعيدا عن قريته المهجّرة المحبوبة، وعن اهله في الشتات، عدنا إلى بيتنا بعد ان وارينا جثمانه مقبرة الغربا في الناصرة، كان اول ما فعلته، هو انني هرعت الى نافذتي تلك، لألوذ اليه من احزاني، ولما رآني اكاد اغرق في بحري الكرب، قفز من اعلى شجرة الكينا، مقتربا من نافذتي، ومرسلا نظرة متسائلة:

- ما لذي حدث؟ سألني، فرددت عليه.

- انني اكاد اغرق في بحر احزاني.

نظر إلى البعيد وتمتم بكلمات فهمت منها انه يعرف سبب حزني ذاك. سألته:

- هل عرفت حقا السبب.

فهز راسه علامة الايجاب ولم يجب مباشرة. تمعنت في عينيه اكثر فرأيت حزنا يكاد يكون مطابقا لحزني، سألته عما الم به، فرد قائلا:

- قبل قليل شيّعنا ابي الغالي الى مقبرة الغربا في الناصرة.

قلت له بلكنة دامعة:

- لكن الموت حق.

- هذا صحيح في الأوضاع العادية.

سألته في محاولة مني لاختطاف إجابة من فمه:

- هل تؤمن ان هناك اوضاعا غير عادية؟

فقال بسرعة من لا يريد ان يبوح اكثر:

- اوضاعي.

لمست حفاف مصيبته تلك، فابتدأت مصيبتي تهون رويدا رويدا. بعدها حاولت عبثًا ان ادفعه للتحدث اكثر عما عناه بالأوضاع غير العادية، الا انه اكتفى بأن قال:

-  انت تعرفها اكثر من أي كائن آخر.

وعاد إلى اعلى شجرة الكينا، تاركا اياي نهبة لأحزاني.. وفوقها تساؤلاتي، ترى ما الذي دفعه للتحدث إلي عن الاوضاع غير العادية، وما هي هذه الاوضاع، أتراه يكون مُهجّرًا مثلي.. ام ترى والده دفن في ثرى غريب..، الم افهمه بعد كل هذا الوقت، وماذا علي ان افعل كي افهمه؟. وكان لا بد لي من ان اضع حملي الثقيل هذا في عيني وان اقترب منه اكثر، لأحظى بإجابة على سؤال مقلق يتعلق بنا نحن الاثنين. هتفت به:

- حلّفتك بكل غال قل لي ماذا قصدت بالأوضاع غير العادية؟

فتجاهل سؤالي ورد علي  دون ان يلتفت الي:

- ماذا تقول عما تسبب لك به مغتصب ارضك من آلام؟

قلت بسرعة:

- غير عادي.

- وماذا تقول عن موت والدك ودفنه في ارض غريبة.. غير تلك التي تمنى ان يدفن فيها.

قلت:

- غير عادي.

رفرف بجناحيه ملامسا اوراق الكينا:

- اوافقك الرأي هذا كله غير عادي.. غير ان هناك ما هو كارثي.

تساءلت بحرقة من اكتوى بكل انواع النيران المهلكة:

- وما هو الكارثي؟

قال باحتداد:

-  ان يعيش ابوك وان يموت وحيدا وبعيدا عن عزوته وأهله في المنفى القسري.

عندها غبت عن الوعي وعدت اليه.. لاكتشف انني انما كنت اتحدث.. إلى نفسي.. ما اصعب هذا.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

 

صحيفة المثقفقصة للأطفال

 حين رافقت اُمها الى بيت جيرانهم الذين انتقلوا حديثا الى بيتهم الجديد هذا، لاحظت سماح في شبّاك مطبخهم وردة حمراء ظلت تنظر لها بإعجاب شديد . واذ عادتا الى البيت طلبت سماح من والدها أن يشتري لها وردة لتزرعها في الشباك . أجابها والدها: يا حبيبتي لا يمكن زراعة وردة في الشبّاك . ولكنها أصرّت بأدب وضربت له مثلا بوردة الجيران، هنا استدار الوالد برأسه الى زوجته مستفسرا فقالت: نعم يمكن وضع زهرية صغيرة على حافة الشباك، فقال الوالد : اما هذا فنعم، ووعد ابنته أن يأتي لها ب (سندانة) ورد جميلة.

 بعد بضعة أيام كان الأب عند وعده فجاء بزهرية جميلة فيها شجيرة ورد صغيرة لم تكتمل بعدُ، وإذ قدّمها لسماح شكرته وقالت: ولكن أين الوردة يا أبي؟ أجابها مبتسما ً: ستظهر بعد أن تسقيها وتعتني بها كما تعتني ماما بأخيك الصغير أحمد . ظلت سماح تعتني بالنبتة وتسقيها حتى ظهرت فيها وردة صغيرة مضمومة الحواف ملتفة على بعضها (جنبدة) ركضت سماح الى والدها قائلة: ظهرت الوردة.. ظهرت الوردة ولكنها يا أبي تختبىء ... أتخاف مني؟! . أجابها الوالد: لا ..لا تخاف الوردة منك بل ستظهر يا ابنتي ستظهر ولكن اصبري قليلا أيضا .

 وبعد بضعة أيام فتحت الوردة أوراقها حمراء قانية تتمايل مع الهواء كما لو كانت تحفة من الحرير الفاخر . فرحت سماح جدا وظلت تنظر اليها بعيون الحبِّ . وفي عصر ذلك اليوم أحبت أن تشمّها وتقترب منها فسحبت كرسيا الى قرب الشباك وصعدت عليه وما كادت تمد يدها الى الزهرة الا وأحسّت ان إبرة تنغرس في اصبعها صرخت وهي تنظر الى دم بلون الوردة ينبثق من اصبعها المتألم، وهنا ركضت الى والدها صارخة : أبي أبي لقد جرحتني الوردة انها لا تحبني بل تكرهني فقد جرحتني!. احتضن الوالد سماحا بين ذراعيه ومسح الدم عن اِصبعها بمنديل ورقي نظيف - سحبه من علبة كانت أمامه فوق المنضدة - قائلا: لا تكرهك الوردة لكنها ظنت انك ستقطعينها فحمت نفسها منك، فلكل شيء يا ابنتي وسيلة دفاع، ووسيلة دفاع الوردة أشواك تحيط بها . كان عليك يا ابنتي أن تنتبهي وأن تمسكيها برفق وبحذر وبحنان .. لما جرحتك أبداً اذن .

***

سمية العبيدي 

 

 

خالد الحليملأتْ زَوْرَقَها ألغازاً يجهلها البرُّ،

وراحتْ تتوسّلُ بالماءْ

أنْ يقرأَها

هبّتْ ريحٌ عاتيةٌ عمياءْ

جَعَلَتْ زَوْرَقَها

يتقافزُ  في بحرٍ مائجْ

نَدِمتْ

كيفَ انهزمتْ

كيفَ تَرَكْتهُ وحيداً

يتقاذفُ زورقَهُ

بحرٌ هائجْ

الإثنانِ بعيدانْ

والبحرانِ عنيدانْ

وطيورُ النورسِ حائرةٌ

لا تفهمُ ما تعني ضَحَكاتِ الريحْ

**

منذ زمانٍ كانَ البحرانْ

وسيظلانْ

لا يلتقيانْ

 

- 2 -

من أين أتتْ؟

من أين أتى؟

ولأين مضتْ؟

خُطُواتٌ يتعثرُ فيها قلبانْ

خطواتٌ تائهةٌ

تَحلُمُ أن تمشي فوقَ الماءْ

باحثةً عن أوراقٍ خضرٍ

وحروفٍ بيضاءْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - 6/5/2020

 

عدنان الظاهر(أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدُللِ

وإنْ كنتِ قد أزمعتِ صَرْمي فأجملي

إمرئ القيس)


1 ـ أسهو؟

أسلو مَنْ فَطَمَتْ سوّتْ عَدْلاً ميزاني

حَمَلَتني جحفلَ أزهارِ ربيعٍ تختالُ

أتلفظُها بهجةَ طودِ وسامٍ سامٍ في صدري

مرآها مِطلاعُ الدُرّةِ في كونِ الأنوارِ

عيناها نجما قُطبٍ فَلَكيٍّ دوّارِ

ألمسُها جسداً من ذهبٍ يتحرّكُ حيّا

أتحسّسُ موضعَ إزميلِ النحّاتِ

أنطقُها حَرْفاً وتريّاً شرقيّا

يُطربُني ... يُشجيني

يُبعِدُني عنها يُدنيني

يُبكيني حتّى يتقطّعَ صدري أنفاسا

يتنهّدُ ينفُثُ من كَبِدٍ جمرا.

**

2 ـ النارُ النارُ إذا شبّتْ في داري

أَرِقَ العُشّاقُ بأقصى الأرضِ وجُنّوا إرهاقا

الصاعقُ لا يُخفي أنواءَ

دعْهُ للماشي ليلاً إعياءَ

زمنُ الأزهارِ على الأغصانِ طويلُ

ويطولُ إذا ما أدلجنا إسرافا

[طولي يا ليلةْ / عِدْنا الولِفْ خُطّارْ ... أغنية عراقية قديمة]

أدعوها ...

لقضاءِ شهورِ الصيفِ سويّا

نمشي الساحلَ نستنّطِقُ حبّاتِ الرملِ

ونُخاطبُ أفراسَ وحيتانَ البحرِ

نسألُها ماءً عَذْباً للظمأى

قالتْ كلاّ ...

لا أجعلُ أزهارَ السوسنِ قدّاحا

لا أوقدُ في الموقدِ نارا

الشجرُ المشحونُ يُقلِّدُ زيتَ الزيتونِ ضَراما

هل يأتي العيدُ؟

العيدُ يشُدُّ القبضةَ في بابي طَرْقا

طَوِّقْها إكليلا

الليلةُ أُرجوحةُ فنِّ سقوطِ الأمطارِ

فوقَ الجسدِ المتيَبّسِ قنطاراً قنطارا

يا حاصدَ أرواحِ الأفلاكِ تَمَهّلْ

طيفٌ يتبقّى مخفيّا

لا يملكُ ثَمّةَ للرجعةِ مِفتاحا

طوّفتُ وطافا

نبحثُ عن حُبٍّ يتفلّقُ أحداقا

يا سالكَ وجهِ الليلِ أما فكّكتَ الألواحا

هل مِنْ شقٍّ في شَفَةٍ ينضحُ إخفاقا ؟

لا أغلقُ للمحنةِ بابا

دَعْها تأتي.

**

ختام:

(أفاطمُ لو شَهِدتِ ببطنِ خَبتٍ

وقد لاقى الهِزبرُ أخاكِ بِشرا

إذاً لرأيتِ ليثاً أمَّ ليثاُ

هِزبْراً أغلباً لاقى هِزْبرا / للشاعر بِشر بن عوّان).

 

عدنان الظاهر

مايس 2020

....................

(شُكرٌ جزيل للدكتور عبد علي عوض إذْ صحح هذا الشعر وذكر اسم الشاعر ))

 

نجيب القرنخرجوا سويا

لكنهم تركوه في وقت الزوال

واستظلوا (بشماغ) الفارهين

على الشارع المحايد مرت سيارة

مروا وما أكثرهم

دون أن يدلوا بدلوهم

عند المساء

كان أخوته على القناة يموسقون

خدعوا البدو في الساحات والخيام

من صار حلمهم ..

مثل شارع مفتوح لا ينام

يوسف أيها الغريب

تركوك وحدك

باعك حتى (بنيامين)

هل كنت تسعى للوصول

كي تصبح الأمين

فتعيد الضوء لعين أبيك المسكين

وترسم دفئ الشمس

منازل ضحك القمر ..

فوق ديار يحرث بسمتها

ناب الاقطاعيين

ها هم إخوتك الآن

يدخلون من باب واحد

يصطفون وراء حراسة (آمون) !

سقط العزيز

وانهارت الخزينة قبله

ليترك سبع عجاف

ليس لها منتهى

يلتقطها القادمون

القحط صار يأكل الثرى

والبيوت شاحبة

والجياع في الأزقة فاقعة البطون

تصرخ : أيتها العير

وأتباع هواة العير

إنكم لسارقون

***

نجيب القرن

اليمن ـ تعز

 

 

عبد الناصر الجوهرييا عمَّاه

قالوا لي : نحْنُ رواةْ

والقاتلُ يشبهُ "هوْلاكو"

في نشْر الموتِ بكلِّ طريقٍ،

وفلاةْ

فانقسمتْ ضبَّاطُ فيالقه

ميليشياتٍ

انقلبت تتصدَّاه

والآن تخورُ قواه

قالوا ما في الخمْرِ :

القاتلُ يشبهُ "هولاكو"

في نصْبِ مشانقه

لنْ تفلتَ منها - في البلدان - رعاياه

والآمر للشَّبيحةِ ليس سواه

قالو ا :

هذا القاتل ظلَّ

يهدِّدُ مبْكى "المغْضوب عليهمْ"

يوقف مُسْتوطنةِ المُحتلِّينْ

يتربَّص بالسُّنةِ، 

والأكراد؛

لكيلا ينْفصلوا عن دستور "العلويينْ"

قالوا:

الثَّورةُ في "درْعا" نسرقُ قطْفَ شرارتها الأولى

نتبنَّاه

نتسللُ بالأسلحةِ الفتَّاكةِ،

بالاستخبارات

نحرِّضُ كل نواعير "حماه"

"هولاكو" حاصر - أعوامًا - "حمْصًا "،

بمجانق نارٍ،

لم يرحمْ أبناء ضحاياه

هولاكو ألقى الكُتبَ،

المخْطوطات إلى "دجلة"

حتى اسودَّتْ عيناه

الحِبْرُ يفارقُ أحْرفهُ

كيف تراءى يسْبحُ مفزوعًا

تغرقُ كل ثناياه؟

قالوا :

قد يسْتسلمُ لو أطلقنا

غاز "السَّارين" على الأحياء الشعبيَّةِ

حتي تنقلب عليه في مأواه

ونهيِّجُ ثائرةَ المجتمع الدوليِّ

لإصدار عقوباتٍ ضدَّ مجازره المُسْتثناةْ

قالوا:

هذا الطَّاغية الماجن يعشق تحرير "فلسطينْ"

يحرسُ أضرحةً لـــ "بني هاشم"،

والآن يُرمِّمُ قبر "صلاح الدِّينْ"

قالوا :

كيف تصدَّى لـــ "خوارجنا" المُنْقلبينْ

هذا القاتل لن يتخلَّى

عن كرسيِّ السُّلْطةِ،

والجاه

والفُقهاءُ ستلْعنهُ

في كلِّ فتاوى التَّكفير،

وتأخذهُ عدوًّا لله

هولاكو كيف يساندُ حقًّا قي ذكرى يوم الأرض،

وأنتَ تنكَّرتَ له

وتزْعمُ أنكَ لستَ تساند باطل تخشاه

اختلط الأمرُ عليك - هنالك- يا عمَّاه

"هولاكو " لم يمنحْ جرْحانا

حقَّ علاجٍ بالمجَّانْ

ما نسَّق أمنيًّا معهمْ

ما سلَّمهمْ - في أرْضَ المحْشر - للسَّجانْ

لم يقتسم القُدْسَ المُحتلَّةَ،

أو يتحالف يومًا

مع "فيتو" الأمريكانْ

لم يفصلْ بين "الضِّفة"،

أو "غزَّة "

أو يحتلّ مزارع "شبْعا "،

أو مُرْتفعات "الجُولانْ"

لم يشركْ جيشًا في حرْب طوائف يومًا ؛

لتفكِّكَ خارطةُ الأوطانْ

لم يُصْبحْ سمْسارا للنِّفط ؛

ولم يسرقْ من إجماع سقيفتنا

خاتم سلطانْ

"هولاكو " ما كان "دمشْقيًّا"،

أو أعرابيًّا من أرض الشامْ

"هولاكو" لا ينقذ مخْطُوطات هُويِّتنا

لو غرقتْ في "دجلة"،

لا يمنحُ غير جدارٍ فاصل للإجرامْ

"هولاكو" ليس يطوف بــ "مكَّة"

مُرْتديًّا لبْس الإحرامْ

"هولاكو " - في الأصل-  مغوليٌّ

رائحة الموتى في كلِّ بناياتي

صاغتها كلتا يداه

سرق الثَّورةَ،

ألصق بالثُّوار جرائم،

أخبارًا كاذبةً ومُلَّفقةً؛

ليخوِّنَ مَنْ عاداه

هولاكو لا يعفو عمَّنْ قاتله،

لو خرج اليوم ليلقاه

هولاكو ما جاء لنهب كنوز" العبَّاسيين"،

ولو كانت جبلاً تلمعُ في الأفْق ضياه

سيِّدُ وجْه الشَّام بريءٌ

لم يقطعْ رأسَ "المُسْتعصمِ بالله"

ليس لديه "علاقمةٌ"

ترسلُ أىَّ حمامٍ زاجل،

تسْتطلع ما في التاريخ رصدناه

هولاكو ما  كان يزور أبا "الزهراء"،

ولا تترقرقُ عيناه

هولاكو ما كان بطيَّات الحلم أراه

ليس شبيها ذاك العربيّ..

بــ  "هولاكو " يا عمَّاه

كيف تُبدِّلُ لي فطْرة تلك الثَّورة،

دمْعَ كتاباتِ الأطفال على الجدران،

حراكي السلميّ لأجل الحُرِّيَّةْ؟

كيف تُبدَّلُ بالتَّفجير،

وبالتَّهجير،

وبالحرْبِ الكونيَّةْ ؟

ليس بـــ "هولاكو"

مَنْ تزْعمُ يا عمَّاه

هذا هولاكو المؤمنُ ما ساق "دواعشه"،

ما سلَّط "جيشًا حُرًّا"

ما أرَّقهُ إلا شعبٌ هبَّ لحقْن دماه

هذا هولاكو المؤمنُ

ضدَّ الاسْتيطان،

وضد المارينز،

وضدَّ الإرهاب،

ومَنْ يرعاه .

***

شعر: عبد الناصر الجوهري - مصر

 

 

انعام كمونةمنذ نيف وفجر....

احمل مآسي روحي ...

أسفارا مسنّدة

كأني نبض هياكل مشيّدة..

 بغمد نسيانٍ

 يجثو على عاتق عروشي..

 صفحات غبار

  مدججة بسرمد أحزانٍ

 مخضوضرة الجفاف

تلوك رائحة الخبز.. خميرة جوع

وشفاه الصمت صراخا وئيدة..!!

أتراني لا ابالي..؟؟...

ولسان الفقر رحى خيط بالٍ...!؟

أأستظل بمخاض نومي..!!

وفتنة الريح قشة وهم  زهيدة..؟؟

لا .. لن تقصم جذوع همومي

 زفرات حلمك الصديدة

سأمد كف الصبر ذراع  بصيرة

أحتضن أسلاف طيني

بصُلب ضياء عتيدة

فتستضئ الشمس من دُر اكتمالي

ويشرق الصبح معالي قصيدة

وأن تذر جروح ترابي ضماد ملح بمذاق دمي..!!

وأن تنعتني الأهواء مصفوفة موت عنيدة...!!

فلن يرمش لي جناح ذل

لأن النور يسبح في جل خصالي

وغراس فراتي عراقات

مديدة

***

إنعام كمونة

 

 

مصطفى ساهي كلشلا أرضَ للغيبِ كي نسعى لأجوبةِ

ولا السماءَ بها مرسى على ضفةِ

 

مُعلقونَ على الأحلامِ أضرحةً

علَّ العقيدةَ تأتي عند أضرحةِ

 

حُزنُ النبيينَ فينا دُونَ وحيهمُ

لمـــا نموتُ بحربٍ بين آلهةِ؟

 

تُرى النصيبُ، تُرى الأقدارُ، خالِقُنا؟

إذ قسّـــــــــــــمَ الخلقَ ألقانا بفوهةِ؟

 

ضاقتْ علينا وما تَنفكُّ حُنجرةٌ

في ذلك الدمع أو في آهِ حُنجرةِ

 

إني كَتبتُكَ شعــــــــراً دُونَ فاصلةٍ

أخشى الفواصلَ تمحو نبضةَ الرئةِ

 

أما السكونُ على حرفي فأقصدهُ

هو الخشوع أمام الوحيِ والعظةِ

 

عند الصلاةِ إذا ما قامَ أحدكـــــــمْ

قُل يا (عراقُ) ستكفي دونَ بسملةِ

 

واقرأ جـــــــــراحَ شهيدٍ أمهُ بقيتْ

عند الطريقِ ، تُمنّي النفسَ بالدعةِ

 

واحمل ذنوبَ غرامِ الهائمينَ بهِ

قُل: يا إلهيَ هـــــذا كُلُ فاجعتي!

 

تلكَ الصلاةُ التي آياتُها ارتفعتْ

من (شيلةِ) الأُمِ تعلو كُلَ مئذنةِ

 

تلكَ الصلاةُ لها الأبوابُ قد فُتِحت

حتى وإن قُرأتْ من دونِ فاتحـــةِ

*    *     *

من أوهلوا فيكَ قتلاً فاتهــــــمْ مَثلٌ

لن يرجعَ العمرُ في عُذرٍ ومعذرةِ

 

الشطرُ في الشعرِ والأوطانُ غائبةٌ

شطرٌ سيبقى ولكــــن دونَ (تقفيةِ)

 

من دونِ عَينِكَ ما للشعرِ مُلهمةٌ

من ذَا سيكتبُ شعراً دونَ مُلهمةِ؟

 

أحتاجُ إسمكَ في معنىً يُكمّلُنـــي

إني إليكَ كما الموصوفِ للصفةِ

 

إذا خطرتَ على الأقلامِ وشوشـــةً

يأتي الـ(قصيدُ) بسحرٍ فاقَ فلسفتي

 

وإذا كتبتُكَ فـــــي الأشعـــارِ خاطـــــــرةً

تمشي الـ(العروضُ) بزهوٍ مشيَ عارضةِ

 

شيطانُ شعري بحرفِ الـ (قافِ) مُنعقدٌ

ما إن لفظتُكَ حتى كُنتَ بوصـــــــــلتي

 

أُمشطُ البحرَ والغيماتِ أحرثُهــــا

وأنثرُ الضوءَ في أمواجِ عاصفةِ

 

وأسبقُ الغيبَ والمجهولَ في لُغةٍ

حتى يكون (عراقُ الله) في لُغتي

 

تُفاحةُ الخُلدِ لا تكفي لتُخرجنــــي

من جنةِ الشعرِ والأبياتُ شاهدتي

 

كانَ (العراقُ) ليَ الرؤيا ووسوسةٌ

حتى هديتُ شياطيناً بوسوستـــــي

*    *    *

يا أَيُّهَا الغيبُ يا قُدّاسَ من عبدوا

يا أَيُّهَا الموتُ يا همساً بأوردتي

 

أنتَ القديمُ بأرضٍ كان أجملُها

عُذريةَ الوردِ إذ ينمــو بساقيةِ

 

أرضٌ نبيةُ هذا الكونِ أجمعـــهُ

لا تسألُ الخلقَ عن دينٍ وطائفةِ

 

يا أَيُّهَا الموتُ يا لونَ الغيابِ بنا

كيفَ انعقدتَ على كفيِ قابلةِ ؟

 

بِاللّهِ أسألُ ما الإحساسُ حينَ ترى

عينَ الشهيدِ التي تنمو بِأسئلةِ ؟

 

والخوفُ يملأُ روحاً ما تزالُ بها

الذكريات التي تعدو كهلوســــةِ

 

في ذَلِكَ البيت ، والأطفالُ راكضةٌ

وبسمةُ الصُبحِ في أحــــداقِ إمرأةِ

 

وكفُ أُمٍ بهــــــا الأزمانُ قد نقشتْ

صوتَ المواويلِ والأهوارِ والدعةِ

 

يغفو ويصحو وحـــــــــرُ الدمِ يُنبئهُ

لم يبقَ في العُمرِ إلا بعضُ حشرجةِ

 

كان السؤالُ على الأحداقِ مُنشتلاً

ما لـــــــم يقلهُ غفا في ذمةِ الشفةِ

 

هل جنةُ الخُلدِ طابورٌ وتذكرةٌ؟

فالساقُ قد بُترت في نارِ قُنبلةِ

***

مصطفى ساهي كلش

 

محمد المهديتُسائِلني مُهجتي كُلّ ليلة،

حين أَخْتلي بشمعتي و أَسْفاري.

فتَسبِقني الكلمات،

تُراودُ أوراقي و شظايا أفكاري..

كَـي أرسمَ على عينيكِ

آثار خَطوي و بقايا مَساري.

و أُفحمَ القدر الهَرُوب،

و أرفعَ على الخافقين تَهَجُّدي و تَرانيم أشعاري..

و أبعثَ مع نسيم الفجرِ  رَسائلي،

و أصرخَ مِـلْءَ الدُّنَــا،

أَتَأَبّطُ حُرْقتي و لَهيبَ شوقي

و سلاحي إِصراري..!!

أنتِ قَدَرٌ من أَقداري،

و سِرّ غائِـرٌ من أسـراري.

أَحضُنُهُ و يَحضُنُنِــي،

فَيُمْعِنُ غَوصًا في أَغـواري.

أُنِـيخُ على أعتاب صَدركِ العَـاري

نُـوقَ أذكاري وأشعـاري،

وأُسلِمُـكِ على نُصُـبِ عِشقي

شِـفرةَ الـرّوحِ و رُكـنًا من أركانِ قَـراري..

فَهَلْ نُسْلِمُ الرّوحَ معًا

ونَسير إلى نَفس المَزار ،

أَمْ نَظَلُّ على نَفسِ المَــدى

نَدُور في ذاتِ المَــدارِ،

كـِلانـا قمَـرٌ تائِهٌ يهفو إلى حُضْن أَقْمار..!!

***

محمد المهدي

المغرب - تاوريرت 29 ماي 2020

 

جميلة بلطي عطريذاكرةُ الدّفْءِ تُغازلُ الشّمس

تنصبُ أرجوحة الوُصول

على الرّصيف الباردِ

يتمطّى الشّعاعُ

والصّقيعُ بالونةٌ

تُفرقعُها شوكةٌ مُهملة

الشّمسُ مُحارة الزّمن

في أذنيها يرْوي حكاياته العجيبة

منذُ ألف رجفة ورجفة

يُذيبُ الدّفْء ثلج المَللْ

يكنسُ الظّلّْ

يُمزّقُ شبكة القلق المعلّقة كالعناكب

على فوهة الانتصارْ

يوقظُ الحِسّ الغائرَ في الصّمت

غُبار الأيّام

لوثةُ مجنون يعدّلُ السّاعة

على هواهْ

يُبعثرُ الأوقات ..يضحكُ

ثمّ يُعيدُ ترتيبها

ذاكرة الدّفْء

تُراقصُ ليْلَ المُسهّدين

على شُرفاته تعلّقُ القناديل ..

نجومٌ على حافّة الوَسَن

وزُورْبا يَعُدُّ الخُطى

يقيسُ المسافةَ

يُعِدُّ خيمة

على الجانبين يُسقطُ الفزّاعات الواهمة

تتجلّى البحارُ في المَدى

همسُ المُحارة يُرْجعُ الصّدى

سفينةُ نُوح والخضمّ

عزفٌ أزليٌّ ..نايٌ وقيثارْ

والأنَا للأنَا دِثارْ

أُغنيةٌ مُعتّقةٌ في ذاكرة الحُروف.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي

تونس - 30 / 5 / 2020

 

 حاتم جعفرللمرة الثالثة وبفترة قياسية، تعود مرة أخرى لتضل الطريق الرابط بين بيتها وبناية السراي، على الرغم من توجيهات (هدَّو) المتكررة لها بعدم المجازفة والمجيء اليه تحت أي ظرف. وإذا ما كنت مضطرة، يقول لها، فيمكنك الإستعانة بأحد أولادك، الاّ انَّ زوجته لم تصغِِ له وستبقى مصرة على القيام بما تعتقده صحيحاً، ولتتحمل بعدها نتائج ما سيترتب على عنادها. أمّا دافعها والذي لا يريد (هدَّو) الإعتراف به هو شعورها العالي بالمسؤولية إتجاهه، فهو الآن بحاجة ماسة الى وجبة طعام دسمة، تعينه على القيام بوظيفته على أكمل وجه، خاصة بعد أن حُرم من وجبة الصباح، حتى وإن تظاهر بعكس ذلك.

  بمجرد أن أخذت الشمس مدارا عموديا ووصل مسامعها آذان الظهر ومن مختلف مساجد المدينة القريبة، قدَّرت زوجته أن النهار قد بلغ منتصفه وأصبح الوقت مناسباً ليحسَّ (هدَّو) بخواء بطنه، لذا شرعت بالتهيأة والتجهيز واعداد وجبة دسمة، ريثما يأتون أولادها من المدرسة، ومن بعد ستترك صغارها الثلاثة بحماية بعضهم بعضا، ملقية عليهم بعض من الوصايا والتعليمات المهمة، وبلغة لا تخلو من تهديد ووعيد، وبعاقبة لا تستثني منهم أحدا إن عصوا أمرها، مضيفة وبتشدد بأن العقوبة ستطالهم ثلاثتهم وبنفس المستوى، بصرف النظر عمن سيكون المسبب في إحداث أي مشكلة، دون أن تستثني من ذلك حتى صغير أبناءها ومُدللها.

 خرجت من دارها على عجل، غالقة الباب الخارجية بإحكام وبقفل لايقل وزنه عن كيلوغرامين، تعود صناعته الى عقدين من الزمان على أقل تقدير. لونه أسود، لم يكن طوع يديها عندما حاولت التعامل معه في بادىء الأمر، بسبب الصدأ الذي غطّى طلائه واخترق حتى وصل جوفه، ينتمي الى جيل أكل الدهر عليه وشرب. تذكرت نجية(هذا هو اسمها) أثناء قيامها بغلق الباب بأنَّ (هدَّو) قد نذر وتعهد لها ذات يوم، بأنه سوف يبدّل القفل القديم بأحدث منه، بعد أن يستلم أول راتب، ولكنه أخلف الميعاد ولم يقدم على ذلك، رغم مرور أشهر عديدة على تعيينه.

 ولأن زقاقهم الضيق أصلا ينحدر بشدة نحو الأسفل، فقد بذلت جهداً مضاعفاً حتى وصولها صعودا الى مدخله. وبسبب إرتباكها وبدلا من أن تنعطف نجية يساراً بناءاً والتزاماً بتوجيهات زوجها وإختصاراً للطريق، تجدها  متجهة نحو اليمين، وعندما سألها هدَّو فيما بعد عن سبب تكرار ذات الخطأ، ألقت باللائمة على إحدى جاراتها التي أرشدتها بأن تسلك طريقاً آخر، أكثر راحة واختصارا، لكنه وللأسف لم يفضِ الى ما تريد وترغب، مما جعلها تتيه مرة أخرى، وكان خطأها على ما اعترفت به، بأنها إنعطفت مع التواء الشارع، ثم حاولت إستدراك الطريق لكنها لم توفق في الوصول الى مبتغاها.

 بعد أن أدركت ما ارتكبته قدماها من خطأٍ، حاولت نجية تصحيح مسارها لكنها وجدت نفسها وقد دخلت زقاقا صغيراً آخر يسمى بالتوراة، نسبة الى ساكنيه من يهود مدينتها، لتجده مغلقاً من طرفه الآخر، مهجورا منذ سنوات بعيدة. أوشكت نجية أن تطرق أحد أبوابه، ففيما مضى كانت على صداقة وثيقة مع إبنتهم الوسطى، الا انها تذكرت بأن أهل هذا البيت ومَنْ يجاوره قد غادروه رغماً عنهم الى جهة ما خارج البلاد.

 وقفت لبرهة في منتصف الزقاق، لا تعرف كم أستغرقت من الوقت. أجالت بعينيها منزل صديقتها، ماسحة بابه صعودا ونزولا. أطالت النظر في إحدى نوافذه الزجاجية المهشمة، علّها تعثر على أحد ما من أهله، ثم راحت مطرقة نظرها أرضا لتستعيد في ذاكرتها بعض خطوط من الطباشير يوم كن يتقافزن وهن فرحات، مرحات بين مربعاته المرسومة بكل ألوان الزهو. إسترقت النظر، تلفّتت يمينا ويسارا، كادت أن تخلع عباءتها وتضعها جانبا لتلعب (التوكي) وتقفز قفزتين فقط بين مربعين ولتسأل الواقفات من زميلاتها ممن يشاركنها البهجة: كبي؟ ليأتيها الجواب بــ(نو أو يس) كما كان يصلها حين طفولتها، لكنها تراجعت في اللحظة اﻷخيرة خشية أن يراها أحدهم.

 خَطَتْ نحو باب البيت الخشبي العتيق لتطيل ملامسته براحة كفها اليمنى،  تلتها بعدها بالراحتين. اسم صديقتها (حبيبة) لا زال محفورا رغم تشققات الباب الذي كاد أن يمحي أثره. يداها لم تعد ناعمتان كما كانت صغيرة، كلانا كبُرَ، هذا ما همست به نجية للباب. تراجعت خطوتين بعد أن إستنشقت منه ما حسبته عبقا معتقا باﻷحبة، لعله سيعيد لها بعض ما فات. لا تستكثروا على المرأة تصرفها هذا، والذي قد تجدون فيه بعض غرابة أو تذهبون بها الى أبعد من ذلك والى ما يساء الظن بها، لكنها هي هكذا. وإذا أردنا الغوص أكثر، ففي سابقة لها وحين التقت بإحدى أقرب صديقاتها وبعد فراق دام طويلا، أصرت نجية على إصطحابها الى بيتها والقيام بما يلزم، عرفانا لتلك الصحبة ولتلك اﻷيام التي خلت. فهي البسيطة والعفوية في سلوكها، وكذلك الوفية لرجعها البعيد، والوفية أكثر لكل صداقاتهاحين كانت صغيرة.

 أبت مبارحته فــ(نجية) لا زالت هناك قبالة البيت الذي غادره أهله مجبرين. رفعت رأسها عاليا بإتجاه سطح المنزل، تراءت لها من علٍّ غرة إحدى الشجيرات الباسقات، انها شجرة البرتقال: آه كم أنت صابرة، غير انَّ نضارتك وللأسف قد غادرت هي اﻷخرى مع مَنْ غادر المكان، لا أحد يسقيك. أتذكرين ايتها الشجرة كَمْ كنّا سعداء في طفولتنا؟ كنّا نطير سوية كما سرب الحمام ثم نحط ونطير ثانية، كنّا نشبه ألوان الطيف السبعة، بل كنّا أجمل من القوس قزح وأجمل من باقات الورد.

 غاصت في رجعها، ناسية ما الذي أوصلها الى هنا بعد فراق سنين: كان هذا الزقاق يضمُّ بين جنباته كنيس قديم يعود لأتباع النبي موسى عليه السلام. قالت في سرّها: كان لنا أخوة هنا، وكان الزمان حلوا.. حلوا، تُرى مَنْ سيعيده الينا؟. حبست دمعة، شعرت بحالة من الحزن واﻷسى على فراق أهل هذا البيت وَمَن جاوره. بعد مضي ما يقارب الدقائق العشر، تنبَّهت على نحو مفاجئ وخاطف الى طبيعة المهمة التي ينبغي القيام بها، لتجد نفسها وقد عادت أدراجها بسرعة الى حيث المكان الذي إنطلقت منه وهي في حالة من القلق والإرتباك.

 توقفت لتعيد حساباتها مرة ثانية. سلكت من جديد ما افترضته الشارع الذي سيفضي بها الى مبتغاها، غير انها راحت في دوامة أخرى من التيه. أخيرا اهتدت وبعد مرور قرابة الساعة والنصف من الوقت الى ضالتها ولكن بمساعدة أحد أصدقاء ولدها الكبير. وحين بانَ لها جلياً البناء الذي يعمل بداخله (هدَّو)، وشعرت بإطمئنان تام وتأكدت من عدم تكرار أي خطأ أو إلتباس في العثور على ما تريد ومن الوصول الى غايتها، التفتت الى مَنْ ساعدها لتقدم له واجب الشكر والثناء على ما قدمه من معروف، مقترحة عليه الإلتحاق بأولادها الثلاثة كي يلعبون سوية داخل البيت، ناسية انها قد أغلقت عليهم الباب، غير انه إعتذر.

 

حاتم جعفر

مالمو ــ السويد