نادية المحمداويسأستعيدُ انتظامَ نبضي.

وأعدو راكضةً  إلى أحضانِ

طفولتي التي تلاشتْ

كخيطِ دخانٍ في الهواءْ.  

سأعدو هاربةً من هواجسِ

يومي المتخم بالأسى

استعيدُ من ظلماتِ العثارِ

ثباتَ خطـوي المكابـرِ  

أرهقني السيرُ وحيدةً

أجرُّ أذيالَ انكساري وامضي

كأني مسافرةٌ لا تعودْ.   

انتزعُ حلمي من براثنِ الخديعةِ 

والتمسُ العذرَ لجموحي العنيدْ.

إخوة يوسفَ

وجوهٌ تملكتها الضغينةُ

خلفوني في غيابةِ الجبِ ميتةً   

(وجاءوا أباهم عشاءً يبكون)

(لا تثريبَ اليومَ عليكم)

سأبدأ بعدَ الموتِ

خطوي الموعودَ بالوصولْ.

وتصهلُ في دمي حرائقُ

الغناءِ الحزينْ.

ستلتقطني من غيابةِ الجبِّ

السحيق، أيادي السيارةِ العابرينْ.

***

نادية المحمداوي

 

لطيف عبد سالمذاتَ لَيْلَةٍ مُطَيْرة في مطلع العقد الثامن من القرن الماضي، إستفاق مِنْ شروده عَلَى صوت صغيرته المدللة، فوثب مذعوراً قبل أنْ يهرعَ حافي القدمين وقلبه يسبق أوسع خُطُوَاتِه صوب حجرة والدته الَّتِي تَعِدها كُلّ ما ورثته عَنْ أبيه.

أصابه الذهول لفترةٍ من الزمن وهو يحاول لملمة أفكاره خلال انشغاله بعقدِ ذيل دشداشته العتيقة بوساطةِ حزامٍ متهرئ وهبه إياه قبل أعوام عدة جده لأمه، بعد أنْ جعل من بابِ حُجْرَتها المتهالك سندَاً لظهرِه، أطرقَ للأرضِ قبل أنْ يترك لعينيه النظر إليها وهي تكور جسمها محولة إياه لما يشبه كرة غير منتظمة الأبعاد بفعلِ احتضانها وسادة تحتفظ بها منذ ليلة زفافها لأجل التخفيف من ثقل امراضها.

كان جل اهتمامه منصباً علَى الظفر بمحاولةِ إبعاد كل ما يثبط عزيمته حول التعامل معها بطريقة مِنْ شأنها خلخلة وجدانها المعبأ غيظاً وألما.

وهي ترخي عينيها في إغماضهٍ خفيفة أعادت إليه ذكرى حزنها يوم مات أصغر أبنائها غرقاً، حدق في صغيرته وأشار بيده إليها أن تتقدم منه، تحركت ببطء شديـد، وقفت أمامه، انحنى قليلاً، رفعت رأسها نحوه، همس في أذنها وهو يداعب شعرها بإصبعه، ذهبت لحجرته راكضة، ثم عادت إليه تحمل حقيبتها المدرسية، احتضن الحقيبة وافترش الأرض، أخرج منها دفتراً صغيرا وقلم رصاص، أمسك القلم من المنتصف وانحنى به على الدفتر، ممرّراً إياه في الورق بالاتجاهات كافة.

كانت والدته حيرى فيما بوسعها فعله، ووسط ذهولها نظرت نحوه ثم قالت:

- ماذا تفعل يا ولدي؟

رفع رأســه نحوها مبتسماً وقال:

- أكتب رساله إلى أخي.

قالت له والذعــر بائن في نظراتها:

- كيف تكتب رسالة وأنت لا تقرأ ولا تكتب؟

أشار إليها بيده قائلاً:

- وما الضير في ذلك؟ ما دام هو أيضاً لا يجيد القراءة والكتابة!.

***

قصة قصيرة

لطيف عبد سالم

 

سعد جاسملوكنتِ (سيدوري*) النبيذ

لإستحوذتِ على الدنانِ كلّها

حيثُ تجلسينَ في مساءاتكِ الليلكية

تشربينَ الكؤوسَ مترعةً وريّانةً

وتغنينَ بصوتكِ الماسي الحزين 

أغاني الرعاةِ

والمتصوفةِ العشاقِ

وتهذينَ :

عن النسيانِ

 والحياةِ التي لاتحبينها كثيراً

ولهذا تحصرينَها بين قوسينِ

أو بين نهرين

أحدهما كقلبٍ خائفٍ

والآخرُ ذابلٌ كغصنٍ يتيم

وتحكينَ نازفةً :

عن أبٍ ساخطٍ

وأصدقاءٍ طاعنينَ في الألمِ والغياب

وعن أمٍّ أنتِ أمُّها

وأنتِ خيبتُها الجميلة

وعن (جيفارا) فتاكِ الحُلمي المهدور

و(المعرّي) شيخكِ العدمي الحكيم

وعن (كافكا) وكآبتهِ الفادحةِ

و(لوركا) وحبيبتهِ الخضراء

ودمهِ المضيء في شقائقِ السهول

وعن الصمتِ والضجرِ والأرضِ

 والحبِّ والشعرِ واللاجدوى

 والخلاخيلِ والأساورِ والموسيقى

 وثوراتِ الربيعِ الأسود

 والموتِ والحروبِ العبثية

التي لامزاج عندكِ لها الآن

 *

لو كنتِ سيدوري

لجلستِ كلَّ مساءٍ

انتِ وندمانكِ الطيبون :

النجومُ المطرزةُ على قميصك السماوي

المجانينَ الجميلون

صعاليكُ الفوضى اللذيذة

بوماتُ الحكمةِ

والعاشقات الحزينات

 *

لو كنتِ سيدوري

لإستحوذتِ على النبيذِ كلِّهِ

وتركتنا عطاشى

ونبكي من الصحو الثقيل

***

(هامش في المتن)

 *سيدوري

هلْ أنتِ صاحبةُ الحانةِ

في اوروكِ جلجامش؟

أَمْ أنتِ العاشقةُ الجريحةُ

في هذا الخراب ؟

***

سعد جاسم

 

 

سردار محمد سعيديا سفيناً تاه في لجج

                  أنت مثلي فاقد النُهج

كلما أوقدُت من سرج

                هب نقع قاتم الرهج*

وحبيب حل في الكبد

             كحلول الرقم في العدد*

أسفرت في هيئة الشبح

               وانثنت كالعابث الوقح

قبلة أم رشفة القدح

           أم معاً، يا طائري الصدح

غاب عنّي طافح الشجن

               في غفلة الأيام والزمن

غادة معسولة الكلم

                من بنات اللوح والقلم

كرحيق في الهوى العرم

           وحريق في النوى الضرم

شفة أم مشمش الشام ِ

                 فوق ثغرجائع ظامي

طائر يشدو بلا سبب

              ولهاث العاشق الطرب

يرتجي في سورة الغضب

                 رشفة من ابنة العنب

كنْ على قهرالنوى جملا

                   ربما في فرقة أملا

همساتٌ أول الطرق

           وارتجاف الهدب والحدق

وارتعاش الصوت والحرق

                     إنما ألقتك في نفق

الحديث الحلو كالعسل

              وارتشاف الخمر بالقبل

يا لذيذ اللثم والقُبل

                ورقيق العهن كالحَمل

ضمة حتى على عجل

               وليكن من بعدها أجلي

رب عود شاحب النظر

             عاد غصناً وارف الثمر

وجنة أم خوخة العرب

          تستقي من غصني الرَطب

لونوى صب ولم يثب

             ليس في ذياك من عجب

نخلتي في جنة الخلد

                 حبذا تدرين ما عندي

في هزيع الليل والسهر

                 ونجوم الجو والمطر

وعبير الخَمر والخُمُر

                لائمي ذي جنّة الظفر

رشفة من ثغرها الشَغِف ِ

              حُلِلت في نهج معتكف ِ

غيمتي تختال بالبَرَج 

           تشعل الآهات في المهج*

وبصدرالعاشق اللهج

                 فاتناتي: هذه حججي

ليتني أمسيت حرفاً ألقا

               في عبارات وقد سمقا

ضقت ذرعاً يا جوى الكبد

                فطيوف القهر في مدد

شقوتي في حزني الكمد

          والهوى في دمعي الحرد*

طائر الأشواق غنّيها

             إن حضن الصدرواديها

ليتها تأتي على عجل

                وتناست بدعة الخجل

وتمادت لحظة الوجل

                فلذيذ العيش في النهل

لو بشق ضيق رقدا

                  ليس ينسى قلبها أبدا

لو تحاكي حواء في الولع

               واشتهت تفاحة المتع*

قد تخطّت سالف البدع

                وتحدّت زائف الورع

ما لتقوى الروح تستتر

                  وفجورالنفس يفتخر

ويح تلك الخرقة الهدف ُ

                  كلّكم في نيلها كلف ُ

إنها الأخلاق والشرفُ

             قولة جاءت بها صحف ُ

***

سردار محمد سعيد

نقيب الخائبين في المشرقين والمغربين

..........................

* الرهج: الغبار.

* الأرقام: من صفر إلى 9

* البَرَج: سَعة العين وشدة بياضها وسوادها .

* الحرَد: الغيظ والغضب .

*يحكي أو يحاكي: يشابه .

 

فتحي مهذبلدي غراب يتنقل بسهولة من ربوة كتفي الى شجرة النوستالجيا ..

لدي سبعة عشر فهدا لحراسة مخيلتي من لصوص الليل ..

لحراسة قلعة رأسي من هجوم الفلاسفة.

لدي مفاتيح خارقة لأبواب لم تولد بعد..

أنادي الغابة الغاطسة في سيمياء السهو..

لأعادة أبوابي الهاربة..

لدي امرأة في الأسر..

وأسد مكسور الخاطر فر من ديون كثيرة في السافانا.

يخطط لاغتيال اوزة البلاغة..

وربط صداقات أثيرة مع بهلوان.

لكن لن أنسى العضة في زندي الأيسر..

اللكمة المروعة التي أهدانيها هذا

الأسد الساخر من تقاويم العالم.

لدي خطة ماكرة لتهريب الآلهة

وتسليحها ببندقية صيد

لقتل هواجس الشعراء..

التي تطوح مثل خفافيش الكهوف.

لدي خنجر سام ورثته من ساحر

يسحب الغيوم الى شقته بحبال المخيلة..

ليصنع من جلدها الناصع كرباجا لتهذيب القساوسة..

لدي خطة واضحة وغير مجحفة

لاستقبال نجمة مشبعة بدموع البيانو..

خمش جلد الحتميات بحزمة من الأظافر .

عقد صفقة القرن مع الفرح اليومي

للاطاحة بجلاس هتلر .

لدي طريقة سلسة لانقاذ كوكب الأرض.

لدي رسل عميقون ينامون في عمائق الينابيع ولا يدعون الى الآخرة

بل الى أساليب شتى في الانتحار

كأن تلقي نفسك من أعلى جرف صخري..أو تدعو قناصا رحيما ليهديك طلقة محبوكة باتقان في ذؤابة رأسك حيث تتقاتل غربان الميتافيزيق منذ ولادتك..

أو تصنع زلزالا من الكلمات المضغوطة وتهدم بناية رأسك بالكامل..

لدي براهين مروعة على صحة اللاشيء معقودة بذيل الكوبرا..

لدي مشكلة مع قراصنة يتسلقون عمودي الفقري لاختلاس حيتان زرقاء .

لدي سبع رصاصات جاهزة لقتل ثعالب العادة ..

جر المقدسات الى محاكمة سريعة واخفاء القضاة في بارجة ضحوكة.

لدي تعقيب على عبثية الأشياء.

***

فتحي مهذب

 

 

مادونا عسكربالأمسِ

لمّا سافر إلى مآله

وانتهى

نما في لهيب الدّائرة

واختفى

خلف ستائر النّبوّة المنسيّة

بالأمسِ المشرفِ على أكمَة مجهولة

زرع في الدّهر دهراً ومضى

تبخّرَ

كما الأبصار عند خواتمها

كما الرّحيل عند حلول المجيء

لا يعلم الأنبياء أنّهم

قوافل النّور

المتمدّدة في رحاب الشّوك النّديّ

إلّا

عندما تهوي الكتب

وتذوي اللّغة

في إشراقة الهيام

-2-

إذا اشتعل القلب

تجلّت القصيدة

مقاماً متوقّداً

في فراغ الفراغ

ليس من شعرٍ في الأعماق الخامدة

والعقول المتيقّظة

الشّعرُ

اشتياق الله إلى همس القلب

-3-

تشبّث بدهشة قمرين

ينتحلان

عقيدة الجرح الرّحيم

يتلبّسان

حالة الوجد السّقيم

يثوران

كلّما

تراءت لهما

يدان مخمورتان

تباركان

عصير الكرمة المقدّسة

تلاعبان

أطفالاً لمّا يولدوا بعد

ليس في المقامات أعلى

من يدين

تشبّثان بدهشة قمرين

يستحضران القداسة القديمة

في ظلّ عتمة المدينة

-4-

لمّا كان للقديم

عينٌ

تعانق الشّفق والغسق

ارتوت الظّلال من شغف

الظّمأ الأعلى

الكلّ في حلمٍ

والعين ساهرة

الكلّ في ثبات القلق

حتّى يسكن إلى غفوة إلهيّة.

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

بن يونس ماجنهل ما زلتم تنتظرون

ما ثمن الفشل والخسارة عندكم

وكم واحد منكم فقد عقله

أنا لا اتكلم عن الوطن

فالوطن فقدناه وفقدنا منذ زمان بعيد

ايها الواقفون على جسر الاحلام   

هل فكرتم يوما ان تعبروه

وانتم واقفون على رؤوسكم

تزحفون فوق بساطه المتأكل

بلا أطواق النجاة

ماذا سيحصل اذا كسرتم معاويلكم

وشحذتم سكاكينكم

واشهرتم مناشر العظام

اين كنتم حين سرقت ممتلكاتكم

هل ما زلتم تغوصون في سبات عميق

هل شاخت ادمغتكم ومسكم الاحباط

وصرتم من ذوي الاحتياجات الخاصة

مقابل تغاضيكم عن مؤامرة القرن

انهككم الادمان على الانبطاح والخنوع

وانتم متمسكون بصمتكم في دوامة التيه

ستسفرالايام انكم كنتم  امة مخذولة مخدوعة

وكنتم قوما بورا

هل ما زلتم في اجازة

تتطأبطون أسفار الرجوع

اما أن لكلمة الحق ان تكسر الوتر المشدود

على وقع نقر بعيد

تخونون قضيتكم

وتتغامزون كالتماسيح المكشرة الانياب

غيومكم متوترة ودروبكم موصدة

هل سمعتم عن سبع موجات لبحر واحد

فمن يأتيكم بماء معين

لا بد ان هناك فيكم من يعصر الخمر لربه

ما أنتم الا سكارى في مصانع النبيذ

فجوركم السياسي

ودسائسكم الماكرة

وخيباتكم  المتكررة

كواليس واشباح

فوق تضاريس مثخنة بالجراح

ايها الانقلابيون الحائرون بين السفور والشادور

ألهذا الحد، أنتم خائفون وكيف تحزنون

وانتم يا ائمة الجوامع

ويا مشايخ العمائم

وجنرالات الغدر

نفاقكم تحالف مع خائنة الاعين

وتحولتم الى أبواق في بلاط السلاطين

اما زلتم تاكلون الطعام

وتمشون الهوينا في الاسواق

وانتم مقمحون تجرون ورائكم

 اغلال واصفاد المستبدين

نزلتم الى الحضيض

لم يبق منكم غيردمى متحركة

روبوتات بلا بطاريات

يمكن ترويض البعوضة

على ازعاجكم اثناء النوم

تتركونهم يحرفون التاريخ

ولا  أرض ولا تاريخ لهم اصلا

تتركونهم يصممون الخرائط

وهم لقطاء من سوق الحريم

***

بن يونس ماجن

 

نجيب الخالديتغمر المكان أمواج يتعاظم عبابها لحظة بلحظة، تتدفق في جنون على الكراسي والطاولات وكل الفراغات المجاورة. لم يعد بالإمكان السير على الرصيف، ولا السيارات والدراجات قادرة على استعمال الطريق. ينحصر المكان، وتنغلق فيه كل الممرات والمنافذ والفجوات.

الأعين الآن معلّقة جاحظة، الأكف ملتهبة والأوداج منتفخة نافرة... وفي قبضة هذا الزمن، تداهم الجموعَ لحظة يسود فيها صمت صاخب يقطع الأنفاس حدّ الموت، لكن يفجرّه صراخ مدوّ كالرعد، تعقبه أصوات هتاف محموم، تندفع إثره الأيادي وهي تلوّح بما تلقفته من علب السجائر والكؤوس والقنينات الفارغة وأشياء أخرى.

في هذه اللحظة يقلب أحدهم بشدّةِ يدِه الطاولة، وينسلّ آخر من مجموعته ليطوّح بكرسيّه بعيدا في غير اتجاه... تستقر على وجه هذا الأخير صفعة منفلتة، وعلى رأس آخر ضربة قاضية. تتشابك الأذرع والأرجل والأبدان المتموجة، بينما تنبعث الأفواه من الجهة المجانبة بالقذف والإذلال وكل أصناف التحقير.

تتأجج النار التي بدأ لسانها صغيرا، تستحيل ألسنةً مستعرة زاحفة تلتهم المكان برمتّه، وتطال المدرسة المجاورة والمشفى المحاذي لها ومرافق عمومية أخرى.

***

قصة قصيرة

نجيب الخالدي

ريكان ابراهيملو لم يمُتْ مُحمّدٌ من قبلهِ

لقلتُ: لن يموتَ مَنْ له كَمالُ قَدْرهِ

وفضْلهِ

لو لم يكن محمدٌ قد ختَمَ النُبوّة

لظلَّ منها بعضُها في حاجةٍ

لمثْلهِ

***

بحثتُ في دواخلي عن قائدٍ إمامْ

عن واحد إمامْ

يقودُ هذي الأُمّةْ

واخترتُهُ لكنّه خيّبني

لأنّه ما كانَ بالإمامْ

بل كان وَحْدَهُ أئمةْ

***

أحببْتهُ

ولم يكنْ يُحبّني لأنّه كان يُحِبُّ ربّهُ

يملأُ منه قلبَهُ

فلم تَعدْ لي حِصّةٌ في ما أردتُ كسْبَهُ

***

قد ولدتْهُ أمّهُ في باحة الحرَمْ

وكرّم الله القديرُ وجْهَهُ فلمْ

يسجدْ ولم يَحْنِ الجبينَ للصنمْ

***

أُسائِلُ الرِّجالْ

أسألُ كلّ واحدٍ صار اسمُهُ عليّ

كيف يخونُ المرءُ ما وعَدْ

وكيف يحملُ الحسَدْ

وكيف يعتدي على أحَدْ

وكيف لا يخافُ رَبَّهُ الصمَدْ

وكيفَ؟ كيف؟ واسْمُهُ عليّ

***

مسكينةٌ فاطمةُ الزهراءْ

لم تَتّشحْ يوماً بما تلبسهُ النساءْ

ولم تعشْ في اليُمْن والرخاءْ

وكان هذا حظُّها لأنّها:

والدُها إسلامْ

وزوجها إمامْ

***

بلاغة الإمامْ

أسكتتِ الحمامَ عن هديلهِ

والفَرسَ الجموحَ عن صهيلهِ

و "أكثمُ الصيفيُّ" كفَّ عن خطابهِ

لمّا رأى الإمامَ في محرابهِ

يُترجم القرآنَ في أُصولهِ

***

إذا مشى ...

تَوضّأَ النهارُ من زمزمهِ

ليرفع الصلاةَ عالياً

لربِّه الكريمْ

***

... وقالَ قائِلُ الكُفّارِ من قُريْشْ:

هيّا نُعِدُّ جيشْ

يُحارب الإسلامَ في جذوره ويقطعُ الوشيجةْ

ولْتعلموا يا سادتي قريشْ

بأنّكم لن تربحوا النتيجةْ

ما دامَ ذو الفقار في يمينهِ

والمالُ من خديجةْ

***

أهل العراقِ يكرهونَ مَنْ يَسبّهُمْ

مكابرون في العنادِ والغضَبْ

ولا ينالُ وُدَّهمْ إلّا الذي يمدحُهمْ

وإنْ كذبْ

لكنَّهمْ لم يكرهوا الكرّارْ

وحينما خاطَبهمْ في وَضَح النهارْ

بأنّهم فصيلةُ الشقاقْ

تقبّلوها عن رضا، وأعلنوا

الوفاقْ

لأنَّ مَن قد قالها لا يعرفُ

النفاقْ

***

تدحرجَ الرأسُ الذي تملؤهُ الكرامةْ

وحينما أدرك أنَّ موتَهُ أمامهْ

صلّى وخرَّ ساجداً

ليكتبَ التاريخُ أنَّ واحداً

يُدعى عليّاً ماتَ كي يُقرِّبَ القيامة

***

براءتي مِنْ ذنوبِ الطيشِ والزَّلَلِ

أنِّي وقفتُ على باب الإمامِ عليْ

ولي الحصانةُ يوم الحَشْرِ من خطئي

إنْ قلتُ يا ربِّ إنّي من جنود عليْ

ما فاقَ شيءٌ قناعاتي بحكمتهِ

إلّا قناعاتُ إيماني بربِّ علي

قد كرّم اللهُ وجهاً منه عن صنمٍ

هل كرّم اللهُ وجهاً غيرَ وجهِ علي

سلْ ابنَ يكرُبَ عن ساقٍ له قُطِعتْ

إذ ذابَ قلبُ امرئٍ لو كان غيرَ عليْ

قد صارَ رابعَها لا طامعاً أبداً

وكيف يطمعُ مَنْ يرقى رُقيَّ علي

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

تواتيت نصر الدينحين يؤرقني الهوى

أستلقي على سرير متاعبي

وأتوسد باقة أشعاري

وأرحل بذاكرتي إلى عالم حبّك

الذي يزملني .

حينها يراودني الكرى

فأغوص في بحرحبّك المزين

بزرقة السماء فأراك هناك...

هناك داخل مملكتي

كملاك يتهادى قادما من ملكوت

العشق يناديني بصوت ملائكيّ

فاردد في نفسي بأنك فاتنتي

وبسمة النورالصاعدة من قناديل

المحبة المتوهجة بأشعة الهوى

تلك المحبّة الّتي تنشر

نورها المقدس على سويداء

القلب النابض بالحبّ والحنين

وحين تقتربين مني تزهر مدني

ويزهر المكان

فأمدّ لك يدي وأضمك إلى صدري

حينها نسافر بأحلامنا إلى أبعد

نقطة من مدارات الخيال

***

تواتيت نصرالدين / الجزائر

 

سجال الركابيلا تنادِني بحرفٍ أبكم

متربّصة تلك الجدران

ما بين  خذلانٍ ورياء واعتقال أفكار

كيف أسمعكَ...؟

الضوضاء عقيمة الإنصات

أيطير الفراش والشذا عسير...؟

الفضاءات  جدران

عقولهم جدران

لا تنادني بحرف أبكم

بصخبِ عِشقٍ نادني

دعنا نفرّ بما تبقّى مِن فتات روح

ما اغتصبتها جدران

متعبين نَحْنُ

تسحقنا الجدران

دعنا  نحلّق  في عذريّة أوزون

لم تطلهُ مخالب الذئاب

دعنا نحلّق وننِثُّ أنغاماً بيضاء بنكهة حُبّ

يرتشفها الصغار

لعلّ في غدٍ تُزهرُ الأرض عناقيد فرح

***

سجال الركابي

Baghdad

 

حيدر جاسم المشكورصدقني لا أبكي هوىً..

لكنَّ في العينِ قذىً

من واعدٍ كذابْ

**

صدقني لا ابكي أسىً..

لكن في النفسِ أذىً

من طبعك القلاّبْ

**

صدقني لا أبكي الجفا..

لكن في القلبِ منىً

أن ترتقي الاسبابْ

**

صدقني لا أبكي العَنَّى..

لكنَ في الروح لظى

من عاشقٍ تلعابْ

**

صدقني لا أبكي الجوى..

لكنما الدمع همى

من صاحب مرتابْ

**

صدقني لا أبكي الونا..

لكنما العزمُ وهى

في الهجرِ والغيابْ

***

حيدر جاسم المشكور / العراق

عباس علي مرادبصورة رتيبة

تسير عقارب الساعة

تردد صوتاً أليفاً

يذكرنا أننا ما زلنا على قيد حياة

أفرغت من عناوينها

تبدأ من عشق

بين رجل وإمرأة

وتنتهي في حفرة

تتخللها اوقات

من الفرح والحزن

من السعادة والألم

من الحب والكراهية

تتجدد من دون عِبر

كأن شيئاً لم يحدث

كأن علينا أن نملأ الفراغ

بعبث مناسب

يخطف الضوء

يعلن رحيل الحلم

ينعي أبجدية الحب

ويبذر الخوف

في حقول الدهر

ويطبق الصمت

على موائل العاشقين المتصحرة

بعدما جافاه المطر

والغيم حجب الضوء

وأضحى العاشقون

يتيهون في زواريب الضياع

والزمن لا رحمة عنده

يقسوا

ويقسوا

ويقسوا…

***

عباس علي مراد - سدني

 

صحيفة المثقفعجزتْ الثّمارُ عن اقناعه، ابتلعَ قشورهم، طفحَ دينه، جمعَ الأصنامَ في صندوق البريد، تعجَّبَ السَّاعي من حرصه الشديد على عقولِ صغاره، بعد خريفين أطلقتْ المتاحف نداء استغاثة؛ تحذيراً من التَّخمة.

**

ديستوبيا

بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله، كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة، هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي   المكسَّرة، مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب.

**

تتويج

تأبطتُ نصراً، توظأتُ بدموعِ أمّي، أعلنتُ الحدادَ على القنوطِ، رتَّلتُ على رأسِ الظَّلام طلاسمَ قوس قزح، أهديتُ جديلتي قرباناً للفرح، على شفا حفرةٍ ألبسني الظفر وشاحه.

**

تهميش

ازدحمتْ الكلماتُ على الجدار، تفاخرَ بانحسار البياض في أركان المنزل، قتلَ بازدراء الحشرة التي دنستْ قدسية معلقاته، حانَ وقت العشاء، تلاطمتْ الأحجارُ في صحنه مع صرخة آخر صفحة في كتابهِ المشنوق.

**

تهجين

حفرَ الظلَ بفأسه، أخذَ يراقب الطائرَ المارق، لم يفهم إشاراته المتكررة، حاولَ التشبث بالريش المُرسل، مع أولى محاولات التحليق أسقطهُ سوط  النخاس الذي شاهدَ الكفر بأم عينه.

***

دعــاء عــادل

 

نور الدين صمودمنارةَ المَجْدِ، يا فخري لدى نـَسَـبي!

             نَـوَّرْتِ خَضْرَاءَنَا مِنْ سَالِفِ الحِقـَبِ

وَكُـنْتِ دَرْبَ الهُدَى للمُسْتـَنـِيـرِ بـِمَا

          في سرِّ زَيْتِـكِ مِنْ نُـورٍ ومِـنْ لـــهــبِ

بِهِ اسْتضَاءَ الأُولَى لمْ تـَعْشُ أَعـْيُنُهمْ

           عَن نُورِ عِلمٍ، بِـلـَيـْلِ الجَهْـلِ والرِّيـَب

وكنْـتِ، في كـُلِ عَصْرٍ، قِبلةً جَمَعَتْ

            مـَنْ أَمَّ دَرْبَ العُلـَـى والعـلـمِ والأَدبِ

فَتَّحْتِ أعيُنَ مَنْ ضَلـُّوا السَبيلَ، عـَلَى

             نُورٍ يُبـَـدِّدُ ما قـَدْ رَانَ مـن سُــحُــبِ

وباسْمِـهـِمْ تـَـفـْخَـرُ الدنْيا إذا ذُكِروا

          حتَّى تَـمِـيلَ رُؤُوسُ النـّاسِ من طـَرَبِ

رفَعْـتِ أَعلامَ عِلـْـمٍ فَـوقَ صَرْحِكِ، يا 

            زيتـونـةَ المـجـدِ للإسـْــلامِ والعـَـرَبِ

في كل نــادٍ تَـــراهـــمْ بـحــرَ مـعرفةٍ 

              لله درّهُـــــمُ مـــن ســـــادةٍ نُـجُـــبِ

 حيّـاهــُـمُ اللهُ مـن أشـــيـــاخِ معـــرفةٍ 

           كـَانوا هُـداةً بـِأُفـْــقِ العِــلْمِ كالشُّـهُــبِ

هُمُ المنـاراتُ، قـــدْ شعَّــتْ معارفُهـمْ

            وسُجِّلتْ في مطَاوي الذِّهْـنِ والكُـتـُبِ

 كَانُوا دُرُوعًا بِعَـهْـدِ الظـلمِ، لـم يَهنُوا

            فَـبَاءَ غَـازِي الحِمَـى بالويْلِ والحَرَبِ

وخلـَّـفَ الـرأسُ أذْنـابًــا تُـحـــاولُ أنْ

           تُطفي السِّراجَ، وليسَ الرأسُ كالذَّنَبِ!

سِوى العَقاربِ من بعض الأقارب مَن

           كـانــت زبـــاناهــمُ للَّسْـــعِ والعطَــبِ

هـَـمّـُـوا بِإطـْـفـاءِ نُـورِ اللهِ، فانْطفـؤوا

           وجَرَّرُوا خِزْيـَـهمْ، يـا سُـوءَ منقَـلَـبِ!

يا جَامِعَ العلْمِ في عهدِ الجهـَالَـةِ، بَـلْ

            يا شمْسَ معـرفـةٍ شعّـَـتْ ولــم تـَـغِبِ

 قدْ كنتَ صـَـرْحًا لِـعِــزٍ لا انكِسارَ لَهُ

            إذا رآهُ جَـــبـانٌ، فـَـــــرَّ مِــنْ رَهَــبِ

كـانتْ بِـهِ حَلَقـاتُ الـدرْسِ أَنْــدِيَــــةً

          تـُعِيــدُ رُشْـــدَ الـــذي للرشْــدِ لـم يَؤُبِ

يا حُلْمَـنا الغضَّ في ماضِي شَـبِـيـبَـتِـنَا

            شَابَ الزمانُ ومِنْـــكَ الرأسُ لم يَشِبِ

وأشْرَقَتْ شـمــسُ نـورِ العِلْمِ سـاطِـعَةً

           إذْ عَـادَ مَجْدُك، يا زَيْتُونَـــةَ العـَـربِ!

يا جــامـــعًــــا قـــد غَـدَا للعلمِ جامعةً

            تُحْيي الرّجَاءَ، وهــذا خَيْـرُ مكتـَـسَبِ

بهــــا تـحقّـقَ للمـَــاضـيـنَ مَأْمَلُــهمْ

            أيّامَ سَـطْــوِ ذَوِي البِيـعَــاتِ والصُّلُبِ

وأيْقَظـَـتْنَــا أغَاني المهرجــانِ علـى

            تحقِيقِ حُلْمٍ بَــديــعٍ رائـــعٍ عَــجَـــبِ

ثلاثةٌ مِـنْ قُـرونِ العـــلـــمِ حـــافـلـةٌ

             مِــنْ قـَــبْـلِـهَـا ألْفُ عَامٍ، دُونَمَا تَعَبِ

فيهَا لِزيْتِـــكِ إشعـــاعٌ يُـضـِـيءُ لـنـا

            دَرْبَ الصَّوابِ، وَيَمْحُو اللَّيْلَ باللَّهَـبِ

زيتـــونـَـــة َ العِزِّ يَـا جِذعًا بِهِ نَبَتَـتْ

             فـُرُوعُ عِلمٍ مَدَى الأيـــامِ والحِــقَــبِ

 إذا افتَخَرْتُ بشـــيءٍ كُنْــتُ مُفتخِرًا

             بأنِّـنـي لاسْمِـــهَــا شُرِّفـْتُ بالنَّسـَـبِ

لمِثْلِ مَجْدِكِ فلـْتـَـسْــعَ النــفــوسُ إذا

             كانتْ كبارًا، لِتَرْقى عَـــالــيَ الرُّتبِ

وسِفـْرُ مجـدِكِ مثـْــلُ النُّورِ أحــرُفـُهُ

             قد خَط َّ عنــوانَــهُ التــاريخُ بالـذهبِ

يظــل يعجَبُ ممــن قـــال قـــائِـلـُهم :

             "السيْفُ أصـــدقُ أنباءً من الكـُتـُبِ"

***

أ‌. د. نورالدين صمود

........................

إنارة لطريق القصيدة

أقدم جامعة في العالم العربي والإسلامي هي جامعة الزيتونة بقلب عاصمة تونس الخضراء العتيقة تخرج فيها كثير من الأعلام المشاهير نكتفي منهم بذكر العالم الموسوعي مؤسس علم الاجتماع المؤرخ عبد الرحمن بن خَلدون (1332-1406م) ومن أشهر مَن تخرج فيها في العصر الحديث: الشاعر التونسي الأشهر أبو القاسم الشابي (1909-1934 م)وغيرهما كثير عبر التاريخ، وقد ألقيت هذه القصيدة في الاحتفال الثاني الذي أقامته جامعة الزيتونة بمناسبة مرور 1300 سنة ميلادية بالضبط على تأسيسها

ملاحظة نادرة خاصة جدًّا: دَرَسَ صاحب هذه القصيدة في الزيتونية ودرَّس في جامعتها، والطريف أن بين تاريخ ميلاده وتاريخ ميلاد ابن خلدون خمسة قرون بالضبط، فهو [أسنُّ] من صاحب المقمة بما يناهز عِقدا من الزمان، و[أسَـن] من الثاني بما يجاوز ستين سنة، ويرى أنهما [أكبر] منه وكل منهما جدر بالتقديم. وقول لكل منهما ما قال ابن مالك صاحب الألفية لابن مُعْطي صاحب الألفية السابقة لألفيته:

وهْو بسَبْقٍ حائزٌ تفضيلاَ**مُسْتوجبٌ ثنائيَ الجميلا

 

باسم الحسناويلعلمكَ إنِّي أستفزُّ خيالَكا

                      إذا قلتُ إني لا أريدُ وصالَكا

وإلا فإنَّ اللهَ يعلمُ أنَّني

                 أصلِّي صلاةَ الحبِّ أبغي جمالَكا

أفتِّشُ عن قلبي فما هوَ كائنٌ

               بأضلاعِ صدري بعدما قد سَما لَكا

علا القلبُ في تلك السماواتِ لاهثاً

                      ويخسأُ قلبي حينَ يزعمُ نالَكا

مجالُ فؤادي نقطةٌ ثمَّ دونَها

                        فضاءٌ بلا حدٍّ يكونُ مجالَكا

فيا ويلَ من قد حدَّثَتْهُ ظنونُهُ

                  بأن سوفَ يقوى أن يردَّ نصالَكا

لك الحقُّ حتى حينَ تقتلُ غيلةً

                      إذن عبثاً يبغي القتيلُ جدالَكا

لها قيمةُ الصفرِ التفاصيلُ كلُّها

                     وقد وقفت عندَ الحسابِ قبالَكا

لقد تيَّمَ الطيفُ الذي جاء طارقاً

                  فؤادي إلى أن قلتُ مالي ومالَكا

**

الكأس

أفتِّشُ.. لا ألقى خيالَكَ في الرأسِ

                    وما ذاكَ إلا أنَّه حلَّ في كأسي

إذن ليسَ رأسي فوقَ جسمي مثبَّتاً

            فرأسي هو الكأسُ المضيئةُ كالشَّمسِ

أذمُّ حياةً تخدَعُ الناسَ دائماً

               إلى أن يزوروا فجأةً حفرةَ الرَّمْسِ

لها الفضلُ طبعاً أنَّنا في رحابِها

            عرَجْنا إلى أقصى السَّماءِ من القُدْسِ

وما القُدْسُ؟ إنَّ القدْسَ محضُ إشارةٍ

                      إلى أنَّكَ النورُ الإلهيُّ للإنْسِ

وإنَّ سماءَ اللهِ أقصى تخومِها

                 فؤادُكَ لما كانَ خلواً من الرِّجْسِ

سأرجمُ نفسي مثلَ زانٍ لأنَّني

                دنت منكَ كفِّي فابتغتكَ مع اللَّمْسِ

إذا كانَ قلبٌ لستَ أنتَ حياتَهُ

                   فذا وثنٌ يحتاجُ للضَّرْبِ بالفأسِ

**

شفيعٌ أنا للمذنبين

أفَضْتُ إلَيْها من ذُرى عَرَفاتِ

                    وكانَ لها حجِّي على الحدَقاتِ

أطوفُ عليها والجميعُ يَرومُني

                             بِرَجْمٍ لأنِّي طائفٌ بفتاةِ

وأثناءَ تَطْوافي أقبِّلُ ثغرَها

                        وطَبْعاً قصدْتُ اللهَ بالقُبُلاتِ

ولم ينْتهِ التطْوافُ حتى توجَّهت

                   إليها على رغْمِ الزَّحامِ صَلاتي

غسلْتُ ذنوبي كلَّها بل تبدَّلت

                      كما أخْبَرَ الرَّحْمنُ بالحَسَناتِ

دخلْتُ جنانَ الحبِّ في نظراتِها

                       ولم أنتظرْ حتى تحلَّ وفاتي

رأيتُ هناكَ الخمْرَ تَجْري جداولاً

                      ويَنْبَعُ في الجنّاتِ ألفُ فراتِ

شفيعٌ أنا للمُذْنبينَ جميعِهم

                        لديها فإيّاكم ولعْنَ عُصاتي

***

د. باسم الحسناوي

 

 

قصي الشيخ عسكرمأواك قلبي وذاك البحر والأرق

                           يانفحة من بقايا الأمس تحترق

يالمحة من بقايا الأمس ساطعة

                       كم شدني نحوها الحرمان والنزق

كوني حياة وموتي عند رفتها

                        ما أجمل الموت في طياته الشبق

وحاذري هدأة في الدرب عارضة

                             فربما طال من رفاتك الرمق

وحلقي حلما يرقى لمغتربي

                        إن أجدبت صحوة أو غالها القلق

وطالعي نشوة في الأفق هائمة

                           إذ حال مابينها والنظرة الشفق

من أيما ضفة أبصرت فاتنتي

                           النور ينثرها والصمت والألق

ومض المسافة ألقاها على كتفي

                      حتى ارتعدت كأني الهمس ينطبق

هذا دمي ياعق السكين من كبر

                               كأنه الشك بالنيران يلتصق

فالشك قاتلتي والخوف فاتنتي

                                 أكبرت قاتلة بالعهد لاتثق

فهمت تحفرني الأيام في تعبي

                             أين المسير إذا ماعز منطلق

إذا سقطت وجدت الدرب يلفظني

                           وإن مشيت يشد الخطو منزلق

أبحرت في نشوتي من أجل لاهدف

                           الليل أشرعتي والساحل الأفق

فلست آخر من ضلوا بغربتهم

                      أنى اتجهت فقد ضاقت بي الطرق

وليس ليلي بقيد الصبح مرتهنا

                        حتى احتواني كأني المقعد الطلق

عودي فهذا امتداد الدرب يحصرنا

                                إن الطريق بنا لابد تفترق

***

قصي الشيخ عسكر

.....................

قصيدة قديمة، من مجموعة "رؤية المنشورة عام 1985"

 

ابويوسف المنشدأنا الممجّد عارياً

ما عرفت السفر

إلى نهد امرأة

وعرفت السفر إلى ... ذراعيّ المسيح !!

**

للداخلين في العري المطلق ..

أنتم الأطفال في مملكة الإنسان !!

تحت أقدامكم ... طائر (جيفارا) .. !!

**

لم يكن عبثيّاً ... طائر جيفارا

كان طائراً ... لايفهم من القانون شيئاً

ومداه اللّامكان !!

أيّها العبثيّون  ..،

سترون الزهرة التي ... تتضخّم

وترون الموت في ابتسامتي ... يتعرّى !!

**

أي طائر جيفارا

محرّرٌ صليب الأرض فيك ..

متضاحكٌ إليك !!

أيّها الوافد للحياة ، لن تخرج منها !!

**

لأغنيةٍ

في العدم الحي ..

تشير السماء

ولطفلٍ يلعب خلف العصور !!

**

هذا الرغيف المعطّر ..

أحمله.. للموبوء بالإنسان

للهارب للإنسان ..

للذاهبين في صليب المسافات !!

أحمله.. بعيداً عن المدن، واعتكاف الريح

أحمله.. خارج الحلم، وداخله

خارج القيامات ، وداخلها

أحمله ... للمدجّجين بالتيه،

والمحاصرين باللّامكان !!

**

أيّها العالم ، لمَ الخوف؟

إفتح الباب ..

أنا ضميرك !!

**

في الغد الأكثر عرياً

ستكون الأبديّة.. تحت ركابي !!

**

(هل أتاكِ حديث) الأطفال ، جياع العالم

كوني فصيحةً أكثر.. أيّتها الأرض !!

**

أنا العالق في.. (غرفةٍ بملايين الجدران)

سأرسم زهرة ً

ليشمّها سجّاني ، ويبكي !!

لي غيبوبة الحلم

لي حزن جميع البشريّة !!

**

(آدم) مازال يبكي

ونجم الكون منكوسٌ

فتعال َ.. ياطائر جيفارا !!

**

العراق – الشاعر أبو يوسف المنشد

 

يحيى السماويلكنها هَبَطتْ إليَّ  ..

تعهَّدَتْ عطشي بكوثرِ جدوَلِ


 

أزِفَ الـوداعُ

ورحـلـتـي لـم تـكـمـلِ

*

لابُـدَّ مـن تـذكـيـرِ نـفـسـي

قـبـلَ يـومِ تـرجُّـلـي

*

عـن صـهـوةِ الـفـرَحِ الـمُـؤَجَّـلِ مـنـذُ أوَّلِ  ضـحـكـةٍ

شُــنِــقَــتْ بـحَـبـلِ الـخـائـفـيـنَ

مـن اخـضـرارِ الـعـشـبِ آذَنَ

بـاصـفـرار الـسُّـنـبـلِ

*

كَـذِبَ الـهـوى  ..

مـا الـحـبُّ إلآ لـلـحـبـيـبِ الأمـثَـلِ (*)

*

الـمـهـدُ أوَّلُ مـنـزلٍ لـيْ  لا كـمـا حُـفِّـظْـتُـهُ ..

والـقـبـرُ آخـرُ مـنـزلِ

*

فـأنـا حـيـاتـي رحـلـةٌ  عـذراءُ

ثـانــيـهـا غـصـونٌ مـن جـذورِ الأوّلِ

*

وحـكـايـةٌ شــرقـيـةٌ

خُـطَّـتْ عـلـى رمْـلٍ تــسِــفُّ بـهِ ريـاحُ الـعـشـقِ

قـبـلَ هــبـوطِ إيـنـانـا الـى كـهـفِ اغـتـرابـي

مِـنْ عَـلِ  (**)

*

لا الـلـيـلُ يُـدبِـرُ عـن نـوافـذنـا

ولا ألَـقُ الـصـبـاحِ بـمُـقـبِـلِ

*

بـيـنـي و"إيـنـانـا" الـذي بـيـن الـسـفـيـنـةِ والـشـراعِ ..

وبـيـن "يـوسـفَ" والـقـمـيـصِ ..

وكـان يُـمـكِـنُ أنْ تـظـلَّ بـعـرشِـهــا خـلـفَ الـمـدى

فـأظـلُّ مـنـغـرسـاً بـكـهـفِ تـأمُّـلـي

*

لـكـنـهـا هَـبَـطـتْ إلـيَّ  ..

تـعـهَّـدَتْ عـطـشـي بـكـوثـرِ جـدوَلِ

*

وأنـا عـهـدتُ لـهـا بـأنْ تُـبـقـي كـتـابَ الـعـشـقِ مـفـتـوحـاً

تُـدَوِّنُ فـيـهِ مـا سَــيـجـيءُ  فـي ألـواحِ سـومـرَ

مـن بـشـائـرِ " عـروةَ بـن الـوردِ "

عـن لـيـلٍ تـأبَّـدَهُ الـظـلامُ ســيـنـجَـلـي

*

قـرَّرتُ أنْ أُهـدي ـ لِـدَكِّ مـعـابـدِ الأصـنـامِ ـ مـطـرقـتـي ..

ولــلـمـتـأهـبـيـنَ لِـحَـزِّ شـوكِ الـطـائـفـيـةِ مِـنـجَـلـي

*

لا شـيءَ لـيْ مـنـي سـوى مـا لـلـضـريـرِ مـن الـضـيـاءِ

ولـلـمـسـافـرِ فـي الـخـيـالِ مـن الـحـقـيـقـةِ

لـيـس لـيْ مـنـي سـوى حَـطَـبـي ونـيـرانـي ومـاءِ تـبـتُّـلـي

*

أفـعـايَ مـن صـنـعـي وذئـبـي والـغـزالُ

وبُـلـبـلـي

*

قـرَّرتُ أن أهـدي بـقـايـا الـعـمـرِ لـلـتـنُّـورِ ..

والـتـنـورَ لـلأنـهـارِ  ..

والأنـهـارَ لـلـواحـاتِ ..

والـواحـاتِ  لـلـصـحـراءِ والــمـاشـيـنَ

نـحـو غـدِ  الـفـرات الأفـضـلِ

*

وأنـا ســأهـديـنـي الـى قـبـري ..

وقـبـري لـلـذي ســيـشــقُّـهُ لـيـقـومَ

بـيـدَرُ سـنـبـلِ

***

يحيى السماوي

................................

(*) إشارة الى قول أبي تمام :

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلآ للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبدا لأول منزلِ 

(**) إينانا: إلهة الحب والجنس والجمال والتضحية في الأساطير السومرية .

 

صحيفة المثقفسألتني،

إن كنت أجيد هوايتها

في العزف على الأوتارْ..

إن كنت أراقب قامتها

عند الجري

وعند طقوس الشعر

الحالم بالأفكارْ..

**

وحين تفحصت ملامحها

غرقت عيني

في لجة عينين

تهادت بين ضفاف الكون

ملامح صفرتها

قمراً صحراويا يهميً

عند طلوع الليل على الأمصارْ.

**

لا ادري كيف يكون العوم

في بركة عينيها

حتى كدتُ أغامر

بينَ ضفافٍ

كادت تغرقني شغفاً

تسحبني نحو القاع

إلى حيث اتون

العالم بين حوافيها..

بحيرة عينيها كادت

تشبعني غرقاً

كادتْ  تمحقني

لكني ، عدت

أداعب وجهاً قمرياً

يشعلني ناراً وبخوراً

ورياح الكون تجاريها..!!

**

سألتني ،

إن كنت أغازل مقلتها

أو أسبح

بين ضفاف بحيرتها

أو أحلم عند تخوم ثناياها..

أنسلُ على مهلٍ

كي أكسر مشكاتي وقوافيها..

لأنام بين جبال الثلج

لعل شفاهي

عند مغيب الشمس

وعند الفجر

تقبل ما فيها ..!!

* * *

د. جودت صالح