لمياء عمر عيادلرحلتي ألف طريق يشدّني اليه ..

مبعثره روحي ورئة القرار منهكة..

 لازالت تصارع انفاس البقاء ..

لا فوانيس تنادي نجوم الذاكرة..

الكلّ ظلام ..

هل من جرح آخر يبثّ قراري ..

وملح يكتب طول المسافات للشفاء مني ؟..

اجتثّ حُفر الذّكرى كلما تعثرتُ فيها تأتيني أجنحة فيْنَق بألوان النار شوق يمتدّ ..ويمتدّ..

 أنامل أرضي تشبثتْ في أوصالي تجرُّني وأجرُّها..

 لا مناص ...

لرحلتي بدايات عناوينها صمت يلتهم ربيعا ..

لا وجه يرْسم الابتسامات ...رافضة

لا ارتعاش يُشْعر بميلادِ نبضِ يُمَوْسق أجزائي ...فتنشقّ أكفاني كشرنقةِ تجفُّ لتحترق...

والقلب معلّقٌ في مِشكاة ينتظر نور السّلام..

***

بقلمي.. لمياء عمر عياد

 

حسن السالميبطل من ورق: الحياة كذبة، وهم خادع. بتُّ على يقين من أنّي لست على شيء من إرادتي. وما أنا إلاّ قشّة في مهبّ إرادة أكبر منّي.

ذات صباح ولسبب غامض خرجت من البيت ولم أودّع أهلي.. يممّت وجهي صوب الجسر، لا أدري لماذا الجسر تحديدا، كان يمكن أن تكون الوسيلة، سُمًّا أو سكّينا أو طلقة نار...

تأمّلت صفحة الماء، كانت بعيدة عميقة، تخيّلتني أتخبّط في لـجّتها. تساءلت، ما كنه عالم الآباد؟

وهممت بالقفز... فجأة ابيضّت السّماء ودنت من رأسي. ثمّ وجدتني أُعصَر بينها وبين الأرض... الزّمن صفر، وهمهمات ترتفع من حولي: عالمنا ورق، كمشته يد ورمت به إلى المزبلة!

جاري

جاري رجل طيّب، يعشق الزّبالة وتربية الكلاب...

إذا فتحت بابي نهارا جرحت عيني نفاياته التي يملأ بها الشّارع، وإذا أغلقته ليلا ضجّ الحيّ بنباح كلابه.. في البداية كان الكرى أعزّ علينا من طلب النّجوم، لكن بعد عقد من الزّمن صار لا يزورنا إلاّ اذا اشتعل الجوّ نباحا.. وإنّه ليأتي علينا حين تسكت فيه الكلاب، فيغادرنا الكرى، فلا أجد بُدًّا من رفع عقيرتي بِ:

هب، هب، هب... فلا أسكت حتّى ينام كلّ من في البيت...

الذّبيح

أسبّه في باطني وأتبسّم له إذا لقيته.. مذ رماني القدر إلى جواره وعشرات الكلاب تطلّ عليّ من سطح بيته.. أنا الآخر بِتُّ أسمّيها بأنواعها: بِرجي، كنيش، شيان لو، دوبرمان، سلوقي، عربي...

لم أحبّ كلبا كما أحببته. أشعر أنّ صلتي به تعود إلى عهود غابرة، إلى ما قبل أن أولد.. كبر على عيني وأصبح جزءا ممّا تعودت رؤيته. ما رآني قطّ إلاّ بصبص بذنَبِه مرحبّا...

افتقدته لأيّام خلت. سألت عنه الجار فسكت.. أرسلت بصري فأرعى انتباهي كيس يطنّ حوله الذّباب.. من مزَقِه رأيت جلد صاحبي ورأسه المقطوع...

من يومئذ لم أكفّ عن العواء...

السيّد إكس

في مكتب مغلق بعيدا عن الأضواء، قال السيّد إكس بصوت خفيض:

"غدا إذا اختلط الحابل بالنّابل، حرّضوا النّاس على رشق الشّرطة بالحجارة، فإنّه إذا تزعزع كرسيّ السلطان كان في أيدينا!"

***

ورائحة المجزرة تسافر شرقا وغربا، خطب السيّد إكس:

"إنّا ندين العنف، مهما كان مأتاه."!

تستعر القاعة بالتّصفيق.. ثمّ تنزل السّكينة على النّاس، فيرفع السيّد إكس صوته بالنّشيد الوطني، والجمع الغفير يردّد خلفه: "حماة الحِمى يا حماة الحِمى. هلمّوا، هلمّوا لمجد الزّمن..."!

خيبــة

ترمي الواحة بظلالها على الوادي.. وشمس المساء تنفذ من بين جريد النّخل، وترمي بقبضة من ذهبها على صفحة الماء.. من الشّرق هبّت ريح خريفيّة باردة، صفعت وجْهَيْ ذلكما الرّجلين.. بينهما قلّة قيشم*، وكأسان، وسَردِينٌ مشويّ، وسرب ذباب.. قال أثقلهما سُكرا: "لو كنتُ رئيسا لقتلت كلّ هذا النّخل"..

قال الآخر بعد أن عبّ من كأسه...

هنا أسمع زوجتي تصرخ كعادتها: "ما جنيتَ من ورقك هذا. أفلا تعينني على أبنائك؟"

أضع قلمي، وألملم ورقي، وأنصرف وفي صدري غصّة...

***

بقلم: حسن سالمي

........................

* قيشم: سَكَرُ النّخل.

 

طارق الحلفيمرّةً كان على أهدابِنا

برعمُ ضوءٍ وطفولهْ

البداياتُ سلامْ

والنهاياتُ زحامْ

والخياراتُ فراشاتٌ عَجولهْ

وشِفاهُ الحُلمِ المرويِّ قَمحٌ

وبساتينُ كلامْ

*

مرة كان على أصواتِنا

صورةُ عشقٍ ورجولهْ

فالحِكاياتُ هُيامٌ وتَبصّرْ

وغيابُ البِرِّ هَجرٌ او توتِرْ

وسباتُ الصوتِ ظَنٌّ

وثراءُ القبلةُ الفجرُ

واسرابُ يمامْ

*

مرة كان على أكتافِنا

لفحةُ شوقٍ وبطولهْ

تاجها عنقودُ نَسلٍ او صلاهْ

وحدتي بعضُ وجودي

ورفاقي نبضُ عيشي

إن ما ينسى يُقالْ

أو يقال: عمرُ ابناءِ الغَمامْ

*

مرة كان على أنفاسِنا السوط ُ

وغلمانُ الخليفةْ

ماتَ من مات على مخملِ بازلتِ الخلودْ

وتندى بَوحَنا موقد نَذرٍ وهباتْ

سقطَ الزائِفُ كالثوبِ وخانُ

ورأى في شارةِ الليلِ شراعاً

وتَغنى كاللئام

*

مرة كان على أقدامِنا

عبادُ شمسٍ وفحولهْ

قُلْ إذا تاهَ الزمانْ

واسْتُرِّقَّ السمعُ إن ماتَ الأمانْ

يقشعرُ الدفءُ في سوقِ النِّخاسَهْ

قبرَنا يَصبحُ رَقماً

وأسامينا مَقامْ

*

مرة كان على أجسادِنا العشبُ

ارتعشنا، وتنفسنا طلولهْ

فاستبقنا العادياتِ في الخنادق

واقتحمنا الهاوياتِ بالبنادق

ونحرنا باطلَ الفصل الاخير

وانتظرنا جَمرةَ الماءِ دليلاً

لمواعيد الكِرامْ

*

مرة كان على ساعاتِنا التّيهِ يُغني

سوفَ نمضي

نحوَ.. لا ندري

إلى أينَ..

ومِن أينَ.. ولا..

مرةً كنّا على هذا الضّياع

قد توسدنا الفِطامْ

*

طارق الحلفي

فلاح الشابندرمن نافذة ٍ

غرب الخوف

جرحٌ فرّ َمن ضمادهِ....

ألمساءُ...

هياكل ُغسقٍ

مع إننا كنّا

في حفلةِ سرك...

حرائقُ مضحكة ٌ

شرائط ُمهرجٍ

اقصى اليسار

ركنَ الظلُّ

قهقهةَ دمع ٍ

وضحكةً سائلة  من فمِ

القناعِ

يوشكُ الفجر ُ

علينا أن نذهب..!؟

***

فلاح الشابندر

 

ابويوسف المنشدلا تنــــــم ياليلُ إنّي – ساهــــــرٌ للأبد ِ

 وجراحاتي الدوامي – ما لها من عدد ِ

**

ها أنا ياليل وحدي – في الدروب الخاويه

لم يلوّح ليَ شيءٌ – غيــــــر تلك الهاويه

**

آه ِ ياليلُ وماذا  -- ما ورائي أم وراك

عدميٌّ أنت مثلي – لم تكن هذا وذاك

**

أيّها الليل أتدري – ما نداء القادم ِ

إنّه صوت شقائي – وشقاء العالم ِ

**

ضمّني ياليل نهراً – من دمـــــــوعٍ وأنين

ودع الأحزان تبكي – من بكائي كلّ حين

**

فتنهّد مثل قلبي – وتجــــــرّد للحياة

ليقول الحزن شيئاً – لم تقله الكائنات

**

واستدر بي  لمكان ٍ – لم يعش فيه مكين

فأنا ياليل أولى – بضجيـــــــــع العالمين

**

كنت قبل الدهر طيفاً – قبلما كنت تراب

وأنا الآن طريــدٌ – وعلى رأسي غراب

**

فالذي أشعر فيه ِ – صرخةٌ في لا زمان

والذي أهفو إليه ِ – وطـــــــــن ٌ للهذيان

**

أيّ تيهٍ دائريٍّ –  ياضياعي أتّقيـــــــــه

مأتميُّ الكون قلبي – تندب الأحلام فيه

**

آه ِ ياليلاي َ قل لي – ماالذي كان التمنّي

ليس لي إلّا أنينٌ – سلبتــــــه الريح منّي

**

أنت ياليلايَ مثلي – لك في السرّ دبيب

وكلانا كغريبٍ – جاء من كون ٍ غريب

**

ذاك ياليلُ رمادي – طُف أياليلُ عليه

فأنا قد جئت منه – وأنا أمضي إليــه

**

العراق – الشاعر أبو يوسف المنشد

حسين حسن التلسينيمن خفق جناح العطرِ

وحنان الشطرِ

من حُبِّ يجري جري صلاة الفجرِ

كقيام الليل المورق فوق سفوح الأجْرِ

ليدثِّرنا في بَرْدِ الشَّوك المُرِّ

بشُموس جِنان الزَّهرِ

بِرنين الجهْرِ

بِهَدير بُحور البصري (1)

بِقوافٍ ترجم وجه ملاهي العصرِ

بِشموخ صلاةِ العصرِ

بدواةٍ لم تفتحْ فمها يوماً لسموم يراع القَصْرِ...

ليحاصرنا بأكف الشهد ودفق بياض البِرِّ

أبني لحكايا النور قلاع القْطْرِ

وأغازلها غزل الأضحى وأقبِّلها بشفاه الفطرِ(2)

وأظل مدار الحُبِّ لأنجمها وسماء السَّطرِ

***

شعر: حسين حسن التلسيني

العراق / الموصل

..............................

(1) البصري: هو رائد علم العروض ومؤسسه الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري رحمهُ الله .

(2) الأضحى والفطر: هما عيدا الأضحى والفطر المباركين .

 

 

زياد كامل السامرائيالضوء سلفا

"فيثنار" إبقي

كيفما أوحى لكِ الهديل

قبل انبلاج الحرف،

قبل إتساع النحيب.

ذراعان يتوسدان نشيج البراري

ما اتسعتْ ساعة الصفر

الاّ وملأ الرفيف

آخر يومي النحيل.

مدينة، مات فيها الفجر

نهاية الليل.

 *

فناء

آهٍ...

 أيها الوجع المستيقظ

في رأس الرمح.

يالحظة، تشير الى فراغ الكلمات،

بإصبع ضرير.

ضمّتْ ذلك الجسد،

الطائر مع قصيدة في حنجرة العالم

وأبتهجُ،

لأني سأرمي الليل

بجيادٍ بيضاء

تحمل دمه القاني،

تزرعه فوق ألف رابية

أجنحة

مملوءة بالشمس.

 *

جحود

لا جدوى

من هدأة أوتار الغجر

وفجر غرناطة المنكسر

بعد غياب السوسن.

لا هُدنة للقاتل واليتامى

في ذاكرة الخوف،

ودفء الخاتمة.

فمنْ يُلقي بباب القمرِ

المطوّق بالآثام

أمواج هذا البحر الشاتمة؟

 

وتر "دي فالي"

كنتُ أحتمل البوح بأسراري

طالما هنالك غصن وغيتارات.

مثلما يؤصدُ الندى

ثغر الأزهارِ.

هل استغاث البيدر

مِن سياط الريح؟

أم هل تنفس المعتقل

مِنْ ضراوة الجرح الفصيح؟

***

مِنْ حُنجّرة الوتر

الى جحودِ الأصابع،

تُنبت شجرة للسهادِ.

هذا سرّ اللقاء لا احتمال الرمح.

***

زياد كامل السامرائي

..........................

* فيثنار: منطقة قرب غرناطة.. تم أعدام لوركا فيها.

* دي فالي: صديق لوركا الحميم، وهو كاتب وموسيقي، اشترك معه في تنظيم مهرجان (الكونتي خوندو) الأغنية العميقة لجنوب اسبانيا.

نور الدين صمودأُحِسُّ بكفّي اضطرابَ القلــمْ*

                   فَيَسْرِي إلى القلـــــب منه الألمْ

يـظــلُّ يـسـائـلـنـي: ما الـذي*

                    سيكتبـــه مــــن بديــع الكلِــــمْ

ومـاذا سأُملي ليكتب عـــنّي *

                       بنورٍ من الحبر يُجْلي الظُّلَـمْ

إذا حلّـَقتْ في السما ريشتي*

                      وظلّتْ تُـرفرفُ مثلَ العـلَـم..

أَخُّطُّ الـذي مرّ في خاطري*

                   فهــلْ، بالذي في فؤادي، عَلـِمْ؟

***

 ظِلُّ الشاعــر

ظَلَّ دوما مُلازِمي طولَ عمْــري   

                   من صباحي حتى يَحينَ مسائي

ربَّــما أرّقَ الجُفـــونَ فظلّـــــــتْ    

                   حـائراتٍ في الليلـــة الظلمـــاءِ

وهو يغفو في الليل إن جاء نومي   

                   ثم يصحو مع انبثاقِ الضيــــاء

كلــما سِــرتُ خلـفَــه فـــرّ منــي    

                   وإذا مــا ولّيْــتُ ســــارَ ورائي

إنما الشِّعــرُ مثلُ ظلّي، فهـل لي

                   مهْـربٌ مـن مُــلازمٍ كالقَــضاءِ

ثـــريا في ثريا في ثريّا

****

ثريا في ظلام الليــل شــعَّــــتْ

                        فقلت: أضاءتِ الدنيا الثريَّا

وفي النادي مصابيحً أضـــاءتْ            

                        فما أبـهى الأشعّةَ في الثريا

وفوق أريكة في الركــن لاحـتْ     

                        فتـــــاة لأْلأَتْ مثل الثـــريا

سألت عنِ اسمها، فافـــترَّ ثغــرٌ   

                        وقالت: إنني أُدعى الثريـــا

فقلت، وقد سرى في الجوِّ نورٌ:    

                        ثـــريا في ثـــريا في ثريــا

***

سفينة الصحراء

كان في البِيدِ رمزَ عزِّ وفخرٍ   

                 وهو فـــيها سفــــــيـنة الصحراءِ

تُقطع البيدُ والفيافي عليــــــه

                 دون ظـــل في وَقــــْدةِ الرمضاء

ما له دافع لقطع البــــــراري

                 والصحاري، سوى رنين الحداء

هو فحل الفُحول يُصدرُ رعبا

                 وهديــــرا مصاحَبًا بــرُغـــــــاء

ذللَّــوه ودَجَّنــــوه، فأضحـَــى

                 فـي بــلادي مطيّـَـــةَ الغربـــــاءِ

 ***

الأُسُود والكلاب

عَيَّرَتْ كلبةُ الحِمَى أمَّ شبـلٍ 

                 زوجةَ الليثِ، بابْنِها ذاتَ مـرَّهْ:1

 لِمَ لا تُنجبينَ في الـعـامِ إلا

                   واحدا مُـفرَدًا، وأُنجبُ عشْـرهْ؟

فأجابتْ:" هيهات إنَّ وليـدي 

                  يَبعثُ الرعْـبَ في القلوب بزأرهْ

ونُباحُ الكلابِ، مهما تعالى، 

                  ليس يُجْـدي، ولا يُحرِّكُ شَـعْـرهْ

تلِدينَ الكلابَ، لكنْ وليــدي

                  أســدٌ تَـرهَــبُ الملاييـــنُ شــرَّه

***

حـــدود

 تجــاوزتَ بالإثـمِ كُــلَّ الـحــدودْ 

                  وحطمتَ بالهُــجـرِ كلَّ السُّــدودْ

مَـنَحْـنـاكَ حبًّــا وودًا وعـطْــفًـــا 

                  ووجْـهًـا ضحُــوكًـا وقـلـبًا وَدودْ

فَـقـابَـلتَـــنا بازورارٍ وعُــجْــــبٍ

                 وجازيْــتَـنا بالجَـــفـا والصُّـــدودْ

 

لقد جئْتَ، في البغي، شيئا عُجابا

                 وأخجلتَ، تحتَ التراب، الجدودْ

أيـا مَــن كَـسَـرْتَ حُــدودَ الإخاء

                  متــى ستُـــقامُ عليــك الحُــدودْ؟

***

الصقر والبُغاث

 أُحِسُّ بأنّ روحي في انبعاثِ

                     تُحلِّق في الفضاءِ بلا اكتراثِ

وتبقى في سماء المجدِ ترنـو

                     بعينِ الصقرِ لا عيـنِ البُـغاثِ

لها مني المدائحُ في المعالي 

                     ومني، في تَـدَنِّيـها، المَــراثي

تزوّجتُ الحسانَ، من العاني

                     وطلَّقــتُ العـجائــزَ بالثَّــلاثِ

وكم قالوا جديد، وهو ميْــتٌ

                      وكم من مُـحْدَثٍ عبْرَ التُّراثِ

 

***

وعــدُ السراب

ساءني مــا سمـعتُــه اليــوم جِـدَّا 

                      أترى أضْـحتِ المهازلُ جـدَّا

قـد سئمنا مِـن كـلِّ قــــولِ لذيـــذِ

                      كم حسبناه في الحلاوةِ شهْـدَا

وهو وعْـدُ السرابِ دومـا كذوٌبٌ 

                    رغْــم أني أراه يوُشِــكُ يَـنْدى

كـم وُعـودٍ قَطَــعْتَـــــها وعهـــوٍد

                      وقطعتَ العُـهودَ عهدا فعهـداَ

لا يكون السـرابُ يــوما سرابــا

                    إنْ يُحــقِّــقْ لسالك البيدِ وعْـدَا

***

 نورالدين  صمود

 

ليث الصندوقأنا أحبّ أمريكا

بسودِها المسكوبين كالقهوة في فناجين

وبهنودها الطائرين مع النسور في أسراب

وبقروييها المتخذين من قبعتَي روبرت فروست وشتاينبك أكواخاً (1)

أمريكا البلوز (2)

والعمارات المغروسة فسائل

تُسقى بالكوكاكولا

فتنمو، وتُثمر زوابع رعدية

**

أحبّ أمريكا

ولطالما حلمت أنّ شاشة التلفاز شُرفة

أتبادلُ الرسائلَ عبرها مع جارتنا جين فوندا (3)

لكني أكره ترامب

إنه الإبن غير الشرعي لقنبلة هيروشيما

أسلحة أمريكا مومسات يُنجبن المرتزقة والطاعون

**

عندما يغني بوب ديلان (4)

تخرج من فمه شمسٌ تحمل مظلّة

بينما تُغطي المستمعين قبعاتٌ سودٌ من أسراب السنونو

لذلك أتبادل القبلاتِ مع تمثال الحرية

وأتبادل الصفعات مع ترامب

فأنا أكرهه برأسه المغطّس بالمرق

وبمعطفه الذي يُخفي في بطانته الأعاصير

أنه يُذكرني بخنزير في روضة أطفال

عندما يتكلم تخرج من فمه الضفادع

وعندما يوقع مرسوماً

تنطفيء الكهرباء في النصف الجنوبي من العالم

**

أنا أحبّ أمريكا

لكني أرفض أن تكون القدسُ ولايتها الحادية والخمسين

لأن المقدسيين لن يتبنوا ضفادعه اليتيمة

هيهات يصدّ أسرابَ النحل المحملة بالعسل اللاتيني

حتى لو بنى أسواراً من سراويل ستورمي دانيالز (5)

عندما اختاروه رئيساً

قلتُ أنّ نسور كلورادو ستتحوّل إلى روبوتات

غداً يُسمم بلعابه المسسبي

وينفي أسماكه إلى غواتيمالا

مادام المقصّ بيده

فسيخيط المحيطاتِ والصحارى جواربَ نسائية

**

ربما على جورج واشنطن اتخاذ علم جديد للبلاد (6)

فالغاضبون اتخذوا علم الإستقلال أوراقَ مراحيض

ربما على نعوم شومسكي ألا يبيتَ في برج ترامب (7)

سيسكبون – عندما ينام – في أذنيه أحلاماً

مسروقةً من الجولان

أنا أحبّهما

لكني أكره ترامب

وأتمنى لكل المخبولين أوقاتاً دبقة

وهم يكسرون البيض على رؤوسهم

  

ليث الصندوق

..........................

(1) روبرت فروست (1874 – 1963) من أعظم شعراء أمريكا . وجون شتاينبك (1902 – 1968) من اعظم الروائيين الأمريكيين، نال جائزة نوبل عام 1962 . وقد ركز الأديبان في أعمالهما على قضايا الفئات الفقيرة والمعدمة .

(2) البلوز من موسيقى الزنوج الأمريكيين التي تستلهم إيقاعاتهم التقليدية وهمومهم الاجتماعية .

(3) جين فوندا – 1937 ممثلة وكاتبة وناشطة سياسية أمريكية حائزة على الأوسكار

(4) بوب ديلان مغني وموسيقي ومثقف مناهض للسياسة الأمريكية وشاعر كبير نال جائزة نوبل للاداب عام 2016

(5) ممثلة أفلام إباحية نربطها علاقة مشبوهة بترامب

(6) جورج واشنطن (1732 – 1799) أول رئيس للولايات المتحدة الامريكية، وأحد أبرز آبائها المؤسسين

(7) نعوم تشومسكي (1928) احد أبرز علماء اللسانيات في العالم، وهو مؤرخ وفيلسوف وناشط سياسي أمريكي

 

عبد الجبار الحمديخرج بعد ان أستحم وهو يغني.. قولي أحبك كي تزيد وسامتي فبغير حبك لا أكون جميلا.. سعيد بما يردد شارف على العقد الخامس من عمره بعد ان يأس بإ يجاد الحب الذي ينشد، فرك شعره بشدة مزهوا به، وقف أمام المرآة وهو يتطلع إليه قائلا: يمكن ان يفي بالغرض، كما اني احب ان يظهر الشعر الابيض على جوانب رأسي، لقد عملت الاصباغ الحديثة على تورية ما اكل الدهر وشرب منه،  ثم عاد يدندن بصوت وهو فرح بقوامه مادحا نفسه ... الآن قوليها ولا تترددي فبغير حبك لا أكون جميلا...

آه منك لقد قلبت حياتي رأسا على عقب، لم اتخيل يوما أني سأدخل تجربة اللهفة والعاطفة هاته مرة أخرى، ترى هل هناك من ينتقدني؟ لقد رأيت بعض من أصدقائي وقد لفت انتباههم حين شاهدوا التغيير الذي بدا علي وأنا اجلس معهم سارحا في ملكوت غير الذي اعتادوه عني، سألني خليل ... كريم ما الذي أصابك؟ لقد تغيرت فهذه المرة الثالثة التي القاك فيها مع شلتنا وانت لا تتحدث إلا مع نفسك فابتساماتك وشرودك في عدم مشاركتنا الحديث جعلت بقية الاصدقاء يشعرون بالملل... هل هناك شيء ما؟؟

كريم: لا.. أبدا إنما أنا... مغيرا الموضوع أنه العمل فأنت تعلم مشاكله....

خليل: أي عمل؟ إن شرودك وتلك المسحة التي تعلو محياك لم نشهدها من قبل، فالجميع هنا يعرفك جيدا لا يمكنك ان تخبيء شيئا عنهم...أليس كذلك؟  موجها حديثه الى عماد ورافد..

هز الاثنان رأسهما وقد علقا ..أجل فأنت لنا مكشوف كالكتاب..هههههههه

كريم الواقع أني أمر في تجربة جديدة لم أخضها من قبل، ترددت كثيرا، فكرت وأمعنت بالتفكير لكني وجدت أنه قد أن الآوان لأتخذ مثل هذه الخطوة رغم فارق السن الكبير بيني وبينها....

خليل : واخيرا..

عماد: مرحى لك..

رافد: يا لها من مفاجأة لقد عدمت الأمل فيك...هيا اخبرنا من تكون...؟؟؟

كريم : لا أستطيع فأنا لا زلت رغم نسبة القناعة قد وصلت لدي حدا كبيرا إلا أن هناك بعض من تردد..

عماد : هكذا انت دوما، تدع عقلك يسبق عواطفك حتى في الحب، مع العلم ان الحب جميل ورائع، برغم المنغصات لكن يبقى الحب صفة لا يمتلكها إلا الإنسان الجميل ...

كان ذلك قبل يومين من اتخاذ قراره بالارتباط بمن يحب... شرع يقلب ملابسه التي يريد ان يبدو فيها مثل أمير الاحلام... هذه لونها قاتم لا... هذه شديدة الزرقة...نعم هذه، فأنا احب اللون الرمادي تماما مثل لون شعري... رغم انه قد أقمت عليه الحد بتغييره.. لكن لابأس فأنا احبه كثيرا، بيد ان لاحب انصاف الألوان في قراراتي أما تكون بيضاء او سوداء فلا يوجد ألوان وسطية...

ثم جلس على كرسيه وعاد بشريط رأسه الى الوراء متذكراً ميرفت...حبه الأول تلك التي ما كان لوجوده معنى دونها، بل هي سبب وجوده ...تلك الفتاة التي أُبتليت بشيء اسمه كريم ... كريم الذي حاول ان يحطم كل المعوقات فقط للارتباط بها، راميا إذابة جبال الجليد التي كان والدها قد وضعها كونه لا يمتلك مقومات الرجل الناجح.. ذبح طفل حبه على اعتاب محراب النفوذ، حاربه بل حتى جعل حياته جحيما، أدخله السجن ليبعده عن حب عمره ميرفت، مع ذلك كانت تسرق من الزمن وقتا فتذهب لرؤيته في سجنه... حتى ذلك يوم جاء والدها وقال له: دعني اخبرك شيئا يا كريم، فبرغم حبها لك فلا يمكنك ابدا ان تتصور في يوم أنها ستكون لك، لقد أقسمت على ذلك لأسباب كثيرة، وكما ترى لا أريد ان أدمر حياتك أكثر، فبذلك ادمر حياة ابنتي الوحيد، لكني سأعرض عليك أمرا إن قبلت به سأخرجك من السجن، لكن بشرط ان تذهب بعيدا عنها فليكن اي دولة تختار سارسلك بما يكفيك للحياة بترف هل تسمعني؟؟

فكر كريم قليلا وقال: حسنا قبلت ...

أيام معدودة كان فيها كريم خارج السجن يبحث عن وسيلة للإتصال بميرفت... لكن لا جدوى، عَدِمَ الحيلة حاول الاقتراب من المنزل لكن لاحياة فيه!! اقترب من حارس البيت الكبير وهو يسأل أين ذهب ساكني هذا البيت؟؟

لقد سافروا بعيدا ولا أظن لهم عودة بعد ان أنهوا كل متعلقاتهم...

ترنح كريم وقد امسك بقضبان الباب الحديدي حتى يمنع سقوطه... ماذا قلت؟؟ سافروا منذ متى؟

الحارس: من ثلاثة أيام تقريبا..

كريم هامسا... ذاك يعني بعد يوم من زيارة والدها لي... جن جنونه ترك المكان ورجلاه تخط الأرض تساؤلا بعد تساؤل...عكف في غرفته شهورا يخرج فيها فقط ليقف امام منزلها...الذي فارقته الحياة.. في تلك الفترة تعرف الى خليل وبقية الاصدقاء هم الذين أخرجوه من عزلته التي احاط نفسه فيها بعد ان اكتشف ان والدها قد تنصت وشاهد مقابلتها مع كريم وإنه طامع في مالها ويمكنه ان يثبت لها ذلك، فكان ما عرض عليه من  المال والسفر مقابل تركها... لكنه لم يفعل أي شيء من ذلك كان همه الخروج فقط

في ذلك الوقت أقسم أن يكون رجلا يحمل كل مقومات الانسان الناجح... هكذا سارت حياته عمل مجهد واصدقاء محنة، تحولوا الى رابط مقدس... حتى جاءت من كسرت قيده المحكم، تلك التي شرعت بنثر عبق حبها، أنوثتهاعلى شرفة حياته الموحشة.. فاستنشقه الى أن بات اوكسجين بقاءه حيا.. ترك تلك العقدة التي أظلمت سمائه دون مطر، بعد ان فقد الإحساس بالبرودة او الحرارة رجل يعيش بلا مشاعر...أما الآن هاهو يجلس وقد اخضوضرت واحته التي يقطنها بكل همسات مفرداتها التي تسامره مثل اليمامة البيضاء... تنثر اوراقها التي تكتب عشقا في شعره الأشيب وهي تقول له أنا أحبك يا من تسكن حجرات قلبي.. لقد أسرته بكل صفاتك...أتعبتني نعم أقولها صراحة... لكني احببت عنادك وصدك لي... كريم أنك فارسي الذي انتظر عشقا لتحملني بعيدا الى خلوة نعشقها معا....

لاشعوريا نظر الى الساعة... صاح يا إلهي لقد تأخرت!! لبس ثيابه وقد تأنق حتى لام ذاك الشاب الذي يناديه قلبه كأنها أول مرة .. أه يا قلب!! أتذكر كم بكيت حتى ظننت أني أغني..؟ هيا يا حبي الجديد يا من أنتِ بنصف عمري زائد خمس أخرى... هل الحب يكسر الفوارق؟  ثلاثون عاما هو الفرق بين عالمي وعالمها، أيمكن ان نجد جداول مشتركة....رد قلبه بسرعة نعم.. لاشك وإلا كيف خفقت لها!؟

دعني أقول لك يا قلب، إن لها مسحة شبه من صورة عمري كله، ربما هو ذاك ما شدني نحوها، اجابت نفسه...لا تثرثر هيا اذهب لملاقاة ذويها، كن جريئا بما يكفي، لا تجعل معوقات اجتماعية تهتك ستر رغبتك، فأنت لا ينقصك شيء، المال، الوجاهة، والمنصب المرموق كلها لديك... وأضف إليها الحب، فأدخل دون ان تتردد...

أجاب بصوت مسموع...نعم سأفعل ذهب مع اصدقاء دربه، مرافقين له في خطوته التي انتظروها، علق خليل: يا لك من رجل وسيم يا صديقي! يبدو ان الحب قد أرجعك قرنا...

قال عماد: لا بل قد عقدين من الزمن....

قال رافد: لا لقد عاد الى حيث هو يريد، فتلك كانت عالمه الذي لم ينله...وهذه هي العالم الذي سيدخله..

رغم امتعاض كريم من جملة رافد... وقبل ان يرد.. قال خليل: دعك منه فقد اعتاد ان يكون المنغص في مجموعتنا...لا عليك منه...

كانت في انتظاره سعيدة الى درجة أنها لا تقف ساكنة... كانت كالفراشة في كل لحظة تنظر الى نفسها في المرآة ، تذهب ناحية الشرفة، تعود الى تلك الورود... تسأل أمها هل هي جميلة؟

كانت والدتها تقول في كل مرة تسألها.. نعم وإنك أجمل فتاة في عالمي الموحش الذي دخلت عنوة... إنك الايام التي اعدها وهي تتساقط من ساعة عمري الرملية... فانت كل حياتي سأهبك فقط كونك ستنالين من تحبين، رن جرس الباب هرعت لتفتحه قبل مدبرة المنزل... اشرقت حتى تنهد جميع اصدقائه.. إنها كوكب من شروق شمس، عبير يثلج الصدر... عصر على كتفه خليل وهو يهمس في أذنه... إنها فعلا أميرة احلام... ادخلتهم صالون الضيوف مستأذنة لبرهة...

عماد: يبدو أنها من عائلة راقية، فالبذخ والترف يبدوان عليها، كريم... اقدم لك صادق التهاني الحارة من الآن، إنك رجل تستحق ان تكون مثل هذه الدنيا عالما لك...

رافد: اجل يا صديقي كريم... أنا أؤيد كلام عماد...

قبل ان يتحدث خليل .. دخلت مدبرة المنزل وهي تحمل كؤوسا من العصير مرحبة بهم...وهي تقول لحظة وستأتي سيدة المنزل..

خليل مستغربا مثل صدقيه!! ما أن خرجت... كريم حقا لم تخبرنا الكثير عنها أين والدها؟؟

كريم: أنه متوفى منذ ثلاث اعوام ..هكذا قالت لي وهي تعيش مع والدتها فقط ..

لم يكمل حديثه حتى دخلت سيدة المنزل ..قام الجميع لإستقبالها ... وما ان جلست حتى جلسوا إلا كريم فقد بقي واقفا تهتز كل فرائصه مسقطا كاس العصير من يده... وهو يقول: ميرفت أهذه انت؟؟؟؟

صعقت سيدة المنزل وهي تتفرس فيه صارخة... كريم مستحيل!؟ هل انت خطيب ابنتي؟؟ لا يمكن أن تكون انت؟؟

كانت تلك اللحظة باب آخر مظلم أدخل نفسه كريم بعد ان فتحت له نادلة الحب قلبا من عذاب. 

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

 

صحيفة المثقفكان الوقت يوشك ان يكون  ربيعا ً وقد بدأ الشتاء ُ يغــادر مدينتا بملابسه الثقيلة ذات الالوان الغامقة  وشوارعه المبللة والموحلة  .

ابتسمت طلائع الربيع في شوارعنا وعلى الشرفات وكــللت اشجار الحمضيات بالعطر والزهر.. واعدة ايـّــــانا بأجمل الايام  وأحلى النزهات (ولوفي حدائق بيوتنا) .

خرجت ريم الى الحديقة وقد علت شفتيها ابتسامة حلوة مثلها وريــم في الرابعة من عمرها تتمتع بحب نادر للحديقة واشجارها واطيارها وخاصة لأرجوحتها .

وطالما ألحت ريم على افراد الاسرة طالبة مرافقـــــتها للارجوحة وللحديقة طوال موسم الشتاء. فكيف بها الآن وها هــــو ذا الربيع بلطفه ينشر ملاءات الفرح والعطر.

وفي المساء عندما زارت ريم مع امها بيت جارتها الصغيرة رؤى اصطحبت ريم معها الدمية الجديدة - التي اهداها لها عمها لمناسبة عيد مولدها - كي تلعبا بها معا ً. شمت ريم وهي تحيـي صديـــقتها رائحة لطيفة ثم انتبهت لعِقد ابيض يتدلـّى من عنق  رؤى فقالت لها ما أحلى قلادتك يا رؤى . وقد عزمت ان تصنع لنفسها قلادة مثلها .

استيقظت والدة ريم على بكاء حار  فتركت الفراش مذعـورة نحو مصدر الصوت وهو  الحديقة  لترى ريم ملقــاة على الارض ودموعها تغطي خديها  وقد لطخت بقع التراب ملابسها الجميـلة .

ومن  بين البكاء والكلام عرفت  امها  انها حاولت تســـلق شجـرة البرتقال لتقطف بعض ازهارها فدفعتها الشجرة  بأغصانها والقتها أرضا ً

قالت الأم  تلوم ريم  بصوت غاضب وهي تنفض الأوساخ عن ثوبها: كيف خرجت الى الحديقة بمفردك ؟! ...وما ذا تفعلين فوق الشجرة؟ أجابت ريم والبكاء يجعل كلامها مبهما ً متقطعا ً :ار..يد مث ل ..عِق..د ..رؤ..ى .

اجابت الام : جيد ٌ ما فعلته بك الشجرة  كيف تسمحين لنفسك بسرقة جهودها وثمرها . ثم تابعت الام  كلامها: كان عليك ان تخبريـــني بما تريدين سكتت  ثانية ثم قالت: حسنا ً سيكون لك مثل عقد رؤى . هيّا ساعديني ........

وأخذت الام ترفع زهرات البرتقال الجميلة والكاملة من ارض الحديقة برفق وهدوء وتضعها في راحة يدها المبسوطة ثـم عادت الى المنزل لتأتي بصحن نظيف وضعت فيه كل ما وجدته من زهر ابيض متألق  وعادت الى المنزل مع ريم  لتجمعا بوساطة الابـــرة والخيط كل ما وجدتاه من زهرالبرتقال ليكون عقدا جميلا ً وضعته ريم في عنقها الجميل ليزيده جمالا  .

مرت ريم على كل افراد الاسرة لتريهم عقدها الجميل وتحكي لهم  عن الشجرة التي دافعت عن زهرها  والذي هو برتقال الموسم القادم.

***

سمية العبيدي

 

 

جميلة بلطي عطريقُلتُ : لِمَ تهْوى الأنين

أيّها الفارسُ الجميلُ

اِخْلعْ رداءَكَ الدّاكنَ

غيّرْ قهوتكَ " السّادة"

قال : كيْفَ سيّدتي؟

لقدْ وأدوأ فرحِي في الزّنازين

أَلْقمُونِي مِدادا هجينا

رقَصُوا على أشْلاء غدِي

قالوا : يا حزنُ حَاِصرْ نبضَه

ألْبسْهُ السّوادَ

قلتُ : لا تُصغِ لِهذاينِهم

حوّلْ سَمعكَ إلى هَمسِ السّواقي

لاحقِ الفراشاتِ على قِممِ الرُّبى

معَ الضّوءِ سافرْ

مِنْ عُمقِ البِحار اِجْلبْ حُوركَ

على الشّطآن عانقْ جدائلَ الشّمس

في مَحاريبِ الجمال اُسجُدْ

فكَمْ تطيبُ هناكَ العبادة

قال : قُودِيني سيّدتي

عَلَّ عينيَّ تستعيدان هالةَ النّور

عليِهما ألقِي قميصَ يوسف

عمّدي مِنّي نبضيَ والمدادَ

أنا الموْجوعُ

مِنْ يومِ يوْمي أعرفُ

كَمْ في رياضِ البيان تكونُ السّعادة

قُودينِي لأبعث في حضُورك

اِكْسِرِي معِي القضبان

اُنْظُرِينِي

كَمَا النّورس أعْلو ..وأعْلُو

أعيشُ بهجة العِتْقِ..أغنِّي

دَمي لمْعةُ فجرٍ

وبوْحي كَرامةٌ وريادة.

 ***

يقلمي ...جميلة بلطي عطوي 

تونس

 

كاظم نعمة اللاميالمشهد الاول

مع فتح الستارة (صوت تصفيق الجمهور بحرارة) ظلام الا من بقعة على مايسترو .. يقف على مرتفع في مقدمة يسار المسرح .. يحي الجمهور .. يبدأ العزف مع حركات المايسترو المناسبة وفي نقطة معينة يستدير مشيرا بالعصا الى خلفية المسرح عند موضع الداتا شو

المشهد الثاني

داتا شو

سيناريو مشهد سينمائي

لقطة كلوز لعيون فتاة وهي مغمضة تفتح عينيها الناعسة .. لقطة للبحر .. الكاميرا تطير فوق البحر باتجاه الاعلى تستقر عند مركب صيد .. لقطة قريبة لعيون الرجل سين تنزل الكاميرا لحدود فمه وهو يتلمظ .. تنزل عند حدود يديه في احد اصابعه خاتم وهو يمسك بدستة اوراق بوكر لقطة قريبة ليده ترفع زجاجة خمر . لقطة قريبة للزجاجة عند حدود فمه .. يفرد اوراقه  .. لقطة قريبة لشخص شرير يبتسم وهو يفرد اوراقه فيجمع كل الفلوس التي على الطاولة .. الرجل سين مطأطأ الرأس,, يمسك رأسه بيديه.. يأخذ الشخص الاول ورقة وقلم ويكتب نسختين يسلمها للرجل سين.. يدس كل منهما  ورقته في جيبه ثم يوزع ورق اللعب من جديد

.........................

لقطة للرجل سين من الخلف وهو يسير في شارع مظلم يستخرج الورقة ينظر فيها يطويها في جيبه.. لقطة قريبة لفمه يشرب من الزجاجة يمشي مترنحا يصل شارع مظلم تسير فيه السيارات تتخطاه سيارة ثم يحاول العبور.. فلاش ضوء يدير وجهه باتجاهه.. صوت اصطدام سيارة  ..

المشهد الثالث

صوت سنوريات مع صوت الامواج رقصة يا مال مجموعة من البحارة وعددهم ثمانية او ستة تتوسطهم قتاة.. تتقدمهم تلك الفتاة باتجاه المقدمة بشكل مستوي ثم تفصلهم فترمي كل مجموعة على جهة

المشهد الرابع

جابر وهو رجل في الخمسين من عمره .. ملتحٍ ..سكير.. يرتدي كوت مطري وجزمة سوداء.. يمسك رمحا بيد واليد الاخرى يمسك بها زجاجة خمر

جابر: (وهو يصوب رمحه باتجاه السماء) سأنال منك .. سأطاردك وين ماعند الله كاع .. مصيرك احتضان سنارتي

ربيع: (العمر 40  بعين واحدة.. يرتدي نفس تجهيزات جابر .. يعالج شبكة صيد) هراء.. كل ما قلته محض هراء .. ما هي الا خسارات تترى .. ستنام وستغفل عنه كما في كل مرة

جابر: لدي عين ثالثة إذخرتها للأوقات الحرجة ... لذا سأعثر عليه، وحينها سترى بأم عينيك ..

ربيع: (بسخرية) ماذا ارى؟ لا ارى شيئا سوى صوتك وهو  ينزلق على صفحة الماء مثل حصاة اعياها اللهاث لتستقر هناك حيث قاع البحر.. صوتك الان يحتضن ثرثرة الغرقى

جابر: (يمسك رأسه وكأنه يتألم) ثرثرتهم تجتاح رأسي كل حين.. اسمعهم يقولون: اين وعدك بقدوم فارس مهدي يرتدي الابيض كملاك ..يركب حصانا ابيض فينتشلنا من اعماق البحر واحدا واحدا

ربيع: منذ رحيل ولدك بين فكي سمك القرش ونحن لم نصطد شيئا .. يا جابر عندي عيال تستجدي الخبز

جابر : لا يموت المرء ان حرم من الخبز.. لكنه يهان ان حرم من احلامه

ربيع : وحلمك ان تقتل سمك القرش؟ ها؟

جابر : نعم نعم (بألم) كم حاولت ان اصرخ بأعلى صوتي كش ملك مات الملك

ربيع: وكم صرخة ستحتاج لتشفى من هذا الجرح العظيم؟

جابر : انت جبان

ربيع: شجاعتك ستغرق مركبنا ..عليك ان تضبط السمكة المتلوية في ذهنك

جابر: انت محض سمكة لا تحتاج الى من يعلمها السباحة باتجاه فم حوت.. هي تعرف طريقها

ربيع :انا متصالح مع نفسي ..(صمت) متى تكف عن مغامراتك؟

جابر : حينما أذيب كل هذا الثلج الذي يطمرك ويطمر غيرك والذي أخفى كل معالمكم..

ربيع : والثلج الذي جعل منك تمثالا ابيض؟

جابر: اتيت لإذابته ايضا ..لكن ... تنقصني عدوانية سمك القرش

ربيع : (يضحك) ايهما يعبر عنك؟ سمك القرش ام الروبيان ؟

جابر : (يضحك ساخرا) الروبيان اختصاصك انت .. ههه فأنا لا تروق لي اسماك القطيع.. اكررها لك .. انت جبان

ربيع: هذا الجبان الذي تتحدث عنه يا جابر قضى احدى لياليه في جوف القرش ولمّا أذِنَ له بالخروج نسيى احدى عينيه هناك

جابر : (يصفق ساخرا) ماذا؟ قضيت ليلة في جوف القرش .. بالتأكيد كان جوف القرش فندقا بخمس نجوم ؟..

ربيع: كان منطقة خضراء مغلقة من كل الاتجاهات

جابر: لا يسكنها الا من تجاوزت سرقاته ملايين الأرواح

ربيع: ادهشتني لَكْنَة سكانها.. فلا هي عربية على وجه .. ولا هي اعجمية.. حتى انهم حفروا علامات وسم في جباههم بشكل خروف وقرد

جابر: لو قلتَ لي انك قضيت احدى لياليك بين احضان امرأة تمارس جنونها متربعة فوق صدرك لصدقتك لكن (يضحك) (بعد صمت ..(صوت امواج) وكأنه التفت الى شيء كان غائبا عن ذهنه .. يهزه بعنف) .. وماذا وجدت في جوفه؟ اخبرني؟ تكلم. ماذا وجدت في جوفه؟

ربيع : وجدت طفلا متلفعا بقماطه متهم بزيارة قصيرة للحياة ..

جابر: وماذا وجدت ايضا؟

ربيع: وجدت شيخا فقد عصاه فلا هش بها على غنمه ولا توكأ عليها ولم تكن له فيها مآرب اخرى ..

جابر : وماذا وجدت ايضا؟

ربيع: وجدت مقاتلا من عامة الشعب كان قد حرر مدينته بفتوى دينية ترك امه في الشارع بعد ان اخرجها المؤجر عنوة ..

جابر : وماذا وجدت ايضا؟

ربيع: وجدت فتاة فقيرة فقدت طهرها بعد ان وُعدت بوظيفة محترمة في مكتب مسؤول كبير..

جابر: هل كان ابني معهم؟

ربيع: تالله تفتأ تذكر ابنك حتى تكون فريسة للقرش

جابر : جرحي ثرثار اثخنته الأيام بالملح

(تدخل فتاة متلصصة في اثناء حديثهم.. تتنقل في خلفية الخشبة تحاول ان تختبئ خلف البحارة الا انهم يكشفونها .. تتكرر تلك الصورة عدة مرات  ختى يحين حوار الفتاة)

ربيع : جرح غائر اثخنته الايام بالملح .. ها انت قد ذكرت الملح .. دع جرحك الذي يخصك ليصمت قليلا وكلمني عن كارثة الملح .. ما نملكه لا يكفي رحلة صيد واحدة

جابر : تريدني ان اكلمك عن الملح؟ ..حسنا.. من منكم تلقى ضربات اصحاب البدلات السود المبرحة وهو يطالب بتخفيض اسعار الملح؟ من؟ جميعكم كان يتفرج ..من اشعل الدنيا بوجه النائبة المالكة لشركات تصنيع الملح؟ من منكم تعرض بيته للرمي بالرصاص لأنه كتب اعتراضه في الفيس بوك من ؟ 

ربيع: بالمناسبة هل رأيت النائبة يوما؟

جابر: ما يسعدني اني لم ارها ولا اريد ان اراها.. وماذا عساها تكون؟ بين قوسين عوبة تكمل مسيرة العوبات

ربيع : ستلاحقنا برفع اسعار الملح

جابر: ألَمْ تكفها اليابسة لدفن ضحاياها وضحايا رفاقها حتى يأتون البحر محتلين

ربيع : بعض الناس رصاص وبعضها بنادق يا جابر

جابر: الى ماذا ترمي؟

ربيع: حساباتهم موعدها ليل بهيم وشارع ضيق يخلو من المارة.. وصوت يرج الافاق .. طا (يستخدم يده كمسدس)

جابر: وليكن.. سنبيع السمك مباشرة للتجار دون الحاجة للملح

صمت .. يكرع جابر من الزجاجة .. يخرج جابر زجاجة اخرى يقدمها لربيع

جابر : احتفظ بها قد تنفعك

ربيع : ولم ذلك؟ هي انيسك

جابر: انا شخص بائس.. ولن البث ان اموت

تصطدم الفتاة بعظام معلقة غند دفة القيادة فتصرخ المجموعة برعب وينهزمون مختفين خلف الكواليس عندها تختفي الفتاة ايضا..تسمع اصوات طقطقة العظام المعلقة على جانبي الدفة وهي تصدر اصواتا تحذيرية .. يتتبعون مصدر الصوت فيمسكون بفتاة تختبي خلف الدفة.

جابر: تكلمي من انتِ ؟

ربيع : كيف وصلت الى هنا؟

الفتاة : كي تصل البحر لابد ان تسبح في السواقي

جابر: من انتِ ؟ كأني اعرفك؟

الفتاة : بحثت عن نفسي في وجوه عدة لم اجدها الا في مهد طفل قد كبر فعاش مع الحيوانات

ربيع : لا تراوغي قد تكسر قدمك

الفتاة : قدمي من فولاذ

جابر : من انتِ.. ؟

الفتاة : انا لست احدا معينا على ما اظن

ربيع: ما سبب وجودك هنا؟

الفتاة : لأعمل معكم .. لا تكثروا من الاسئلة فالمراكب تتهيأ للغياب وسط المياه الزرقاء (تقترب منهم تحاول التحرش بهم)

جابر: وماذا تجيدين وسط هذا الكم من الرجال العطشى لنون النسوة؟

الفتاة : اجيد تمليح السمك.. اعمل لكم الشاي

ربيع: وجسدك ؟

الفتاة: لي فيه مآرب اخرى

ربيع : اخرجي من هنا قبل ان ارميك طعاما للقرش

الفتاة : اوَ تقدر؟ (تقترب من جابر تطلب الحماية)

جابر : قد تنفعنا ..دعها يا ربيع

الفتاة : (تكرر حوار جابر بغنج) دعها يا ربيع

ربيع: ولكن..

جابر: قبل قليل كانت الريح اهدأ من ان توجه الشراع .. ومجيء هذه الفتاة منح الريح قوة هائلة

ربيع: اوهامك لا تقف بصلابة امام هذه الريح القاتلة .. الرب يحذرنا بنصائحه .. التفاحة يا جابر التفاحة

جابر: نصائح الرب لا تؤمن الريح التي نريد اكثر مما يؤمنها دفء هذا المشروب والتفكير برأس القرش ورومانسية هذه الفتاة ..انا اعرفك يا ربيع ..مناهض لكل تطلعات المرأة في التحرر

ربيع : افعل ما يحلو لك .. ولكن لا تسمح للبحر ان يأخذك بعيدا ... (صمت) ماذا ستعطيها من مهام؟

جابر: سنعطيها اه .. 0يتردد) سنعطيها نعم سنعطيها .. مهمة تقطيع رؤوس السمك

الفتاة: واستخراج احشائها

جابر: واستخراج احشائها(يؤمن على حديثها)

الفتاة : وتقطيع كبدها

جابر: وتقطيع كبدها

الفتاة : ووضعها في براميل

جابر: نعم

الفتاة: ورميها في البحر

جابر: نعم 

الفتاة: ولا من شاف ولا من دري

جابر: نعم نعم نعم .. (يقوم بالصراخ .. يستخرج زجاجته ويشرب)

ربيع: خورة ماي يا جابر .. انها ريح قاتلة يا جابر.. ستدور بنا حتى القاع

جابر: من يشك في الامور، لا يصل ابدا

ربيع: قلت لك يا جابر لا تسمح للبحر بأن يأخذك بعيدا..

جابر: لا سلطة الا للبحر .. هيا انهضوا واستعدوا..(يدخل البحارة بثلاث عربات او اربعة كل يحمل زميله يجتمعون امام الابطال الثلاثة) سنجذف اليوم(يخرج زجاجته ويشرب منها) كي نلعب لعبة صيد السمك

الفتاة: ليست اللعبة هي اصطياد سمكة بل قتل رجل (يصرخ البحارة فيرمون زملائهم من العربة)

اظلام

المشهد الخامس

جابر لوحده في المسرح.. وهو يوقد شمعة يلقي قصيدة.. موسيقى مناسبة

ذات صغر

كان لي ربا

لا يشبه أربابكم

رب بسيط

بسيط جدا

رب نحبه ويحبنا

كان يلعب

يرقص

يغني معنا

يا شميسة يا شميسة

يجري

فنجري خلفه في الحقول

تحت شمس هو خالقها

يسبقنا

نناديه بتعب

ربنا

تمهل

يبطئ من سرعته

يتركنا نسبقه

فنصل بصحبته

عند خط النهاية متعانقين

الرب طفل يتيم

تنقض الفتاة فتجلس فوقه ..

الفتاة: (متسائلة) هل انت شاعر؟

جابر: انا مجرد مخلوق ضئيل اذوب مع الثلج اتحول الى بركة بول يخفيها الشعر عن اقدام الناس

الفتاة: وهل قرأت كل هذه الكتب التي غرقت في البحر؟

جابر: بعضها

الفتاة : ثق .. لن تسعفك الكلمات بعد قليل.. (ينتبه اليها رافعا رأسه) ..اما تعلم ان الشعر اختصاص المتخاذلين

جابر: هي كلمات.. كمن ينفث زفيرا لا يبتغي من خلفه شيئا

الفتاة: هنا .. وفي عرض البحر.. لا حاجة للرجال بالكلمات.. هم بحاجة الى توفير الدموع لأحزانهم التي تنتظرهم على اليابسة

جابر: وهل هناك احزان اكثر من كوننا جثثا تمشي في ازقة الحياة

الفتاة: احيانا نحتاج الى السيول العارمة في الشوارع كي تزيح تلك الجثث التي باتت حجر عثرة للمارة

جابر: الحياة معقدة.. والموت ينهي كل هذا التعقيد.. لذا انا أنتظر موتي

الفتاة: وكيف سينهي الموت قصة من وصلت ديون حياته قمة جبل

جابر: البحر يعرف كيف يغرق الناس فلا ديون بعدها

الفتاة: هو مدرب على ذلك .. فإن لله جنود من بحر وغرق وقرش

جابر: ديون وموت وحياة كالحنظل ..ليتنا نملك القدرة على اضافة السكر لأيام حياتنا لتبدو اكثر حلاوة

الفتاة: انت لا تملك السكر فالملح يتسيد حياتك

جابر: حياتي معك كرائحة السمك بجسد البحارة.. لا فكاك منها.. من أنتِ؟

الفتاة: (تحاول تغيير الموضوع) الملح.. الملح يا سيدي .. الملح قليل جدا في قاربكم وينتظركم صيد ثقيل كيف ستتدبر الامر

جابر: اخبرني ربيع بأنه يكفي لرحلة صيد واحدة

الفتاة: ربيعٌ هذا لا أراه مأمون الجانب

جابر: ربيع؟ انه أخي واقرب الناس الى قلبي

الفتاة: كثيرا ما اراه يسخر من رغبتك في الثأر لولدك وتصفية ديونك مع القرش

جابر: ربيع؟

الفتاة: نعم .. ربيع

جابر: لا اعتقد

الفتاة : لا شيء حقيقي يؤكد ذلك.. فقد يكمن شخصا خلف شجرة يسخر منك ومن رأيك .. كما اني لا ارتاح الى نظراته الشبقة .. فقد لمحت عينه تنهش لحمي من ثقب الحمام وانا استحم

جابر: ربيع له نظرات شبقة؟ (يضحك.. يخرج وهو يضحك فيضحك معه البحارة)

الفتاة: الضحك فايروس معدي

المشهد السادس

يدخل ربيع يقود دراجة صغير ة ومعه بقية البحارة على نفس الهيئة

ربيع: (يغني) عالبسكلته عالبسكلته .. (يترجل فتترجل البحارة ثم يحملون دراجاتهم على ظهورهم فيخرجون) كلما اوغلت بعيدا في البحر اتجول بدراجتي ابحث عن اليابسة على سطح هذا القارب لكنني لا أجدها.. اين ذهبت يا ترى؟

الفتاة: هي لم تذهب بل انت من غادرها

ربيع: النأي عن اليابسة يقلق الروح كما لو انني اقود دراجتي نحو العزلة

الفتاة: غير من أحلامك واعلن توبتك وعد سالما عند احضان اليابسة

ربيع: احلامي لا تتعدى احلام عصفور نام ليلة امس دون عشاء.

الفتاة: احلام فارس ركن سيفه في جوف حماره

ربيع: الهي ، يا من رزقتنا الخبز فجعلته بيد الطغاة ، هلا منعت الكلاب عن النباح علينا حينما نمر امامها بثيابنا الممزقة

الفتاة: الطغاة صنائع الجبناء .. وحدائق الموت تملؤها جماجمهم

ربيع: هناك طغاة يتناسلون ويتوارثون حتى الزنازين بل قولي حتى الحشرات القارصة فيها .. هل سمعت بالعراق؟

الفتاة: هل هو على الخارطة؟

ربيع: لا اعرف..

الفتاة: ولم تسأل

ربيع: مجرد ثرثرة فوق البحر .. هل سمعت بحرب ايران ؟

الفتاة: لا

ربيع: حرب الكويت؟

الفتاة: لا

ربيع: سقوط الصنم؟

الفتاة: لا

ربيع: احتلال الموصل؟ .. سبايكر؟  .. الخيانة العظمى؟ .. تحرير الموصل؟ .. عودة من حرر الموصل بأشلائهم يستجدون الدفن .. هل تعرفين؟ هل تعرفين؟ .. (يقوم بما يشبه نداء بائعي الخردة في الشوارع) اوجاع.. اوجاع.. اوجاع

الفتاة: قلت لك انا لا احب الاهتمام بغيري .. انا ابحث عن مدين لي سرق الماضي والحاضر .. لذلك كف عن حديث لا ناقة لي به ولا جمل .. اوجاع غيرك باب فتحه الله فنسي ان يغلقه

ربيع: كانت هناك ذبابة تطن وتطن (يقوم بالدوران والطنين) افقدتني متعة الرقاد.. هل تسمعين؟ انصتي طنينها يصل اليك فيتجاوزك

الفتاة: لا اسمع سوى تهريجك وصخب البحر

ربيع: هناك من يتألم .. هناك من يطلب النجدة ..

الفتاة: دعك من هذيانك وانتبه لجابر الذي سيعيدك الى اليابسة صفر اليدين

ربيع: انهم يحاصروننا

الفتاة: من هم؟

ربيع: اسعاف سيموت الرجل

الفتاة: اي رجل؟

ربيع: ارجوك لا تتدعني اموت هناك زوجتي في انتظاري ستنجب طفلا في الشهر القادم وهو يصادف موعد اجازتي

الفتاة: دعه يموت فكر بنفسك..

ربيع: بلاد ما بين النزيفين .. قبر مشى بقدمين

الفتاة: دعني من عراقك الذي تتحدث عنه .. وركز بما يفعله جابر الذي يريد ان يصبح سيدا كبيرا مقابل جوعكم وكساد بضاعتكم (تقترب منه تحاول الاحتكاك به)

ربيع: مستحيل .. من انت؟

الفتاة: اما تلاحظه كيف يسخر من رغبتك بجهادك من اجل حصولك على قوت لعيالك

ربيع: عند ناصية كل جوع وعري ثمة سلطة غاشمة (صمت) من انت؟

الفتاة: جابر حوت كبير سيبتلعكم جنونه

ربيع: (صمت)

الفتاة: سياطه تستدل طريقها حيث جلودكم .. انتم عيال الله.. مساكينه .. اقتلوا قاتلكم

ربيع: (صمت)

الفتاة : تكلم صمتك يقتلني .. قل كلمة تمنحني الرقاد ليوم واحد .. جابر

ربيع: كفى ..انا اعرفك .. كلما طرقت بابك وجدت قميصا قد من دبر

الفتاة: سوف لن يكف التاريخ عن اتهامك عن كل شيء يفقده الناس لانك ظل لجابر ...

ربيع: امرأة بقلب شيطان وراس مسيح.. من انت؟ هل انت لعنة تسير بقدمين ام لعبة استهوت الشيطان..(يبعدها عنه ثم يعود اليها في محاولة خنقها)

الفتاة: انا عباءة سوداء تخفق في المدى

المشهد السابع

(تتغير الاضاءة بشكل ومضات دليل الارتباك صوت ريح وامواج متلاطمة  مع موسيقى خاصة  .. رذاذ ماء من الجانبين.. اصوات متلاحقة ومتداخلة من البحارة)

جابر: (خلف دفة القيادة) اقذفوا الموت بعيدا(يصنعون وكأنهم يرمون قنبلة يدوية)

ربيع: لا شيء يحمي الصياد سوى صلاته ومهارته ونياته

الفتاة: السفينة تابوت الحمقى.. لا تمسحوا اقدامكم الموت كفيل بتجفيفها(يعمل البحارة وكأنهم يصبغون احذية بعضهم)

جابر: اليّ بسترة الصيد (يلبسها له الصيادون) الخطاف جاهز؟ (يضعونه في يديه) يرميه باتجاه مقدمة المسرح فينبت هناك .. يخرج زجاجة الخمر يشرب منها) من لا يشرب هذا السائل الممزوج بلعاب الجميلات لا يعمر كثيرا .. اشربوا .. سنحتفل بعد قليل .. اشربوا .. اكررها عليكم من لا يشرب الخمر لا يعمر طويلا(يقوم بسقي البحارة من زجاجته)

ربيع: الريح تشتد

جابر: كأنها تواطئت مع القرش

الفتاة: ماذا تفعلون؟ .. استسلموا لتيارات البحر .. دعوكم من جابر وثورته .. اتراكم ستصحون على الحياة ام لا؟

ربيع: أتراها تمطر سمكا اضعه في حضن اولادي؟ ام لا؟

جابر: أترانا نسحق الصمت لتبتهج الكلمات؟ ام لا؟

الفتاة: أتراكم ستعودون لليابسة برأس يستريح على كتفين؟ ام لا؟

ربيع: أتراها تحبني؟ .. ام لا؟

جابر: من؟

الحياة .. الحرية .. اليابسة .. زوجتي

جابر: مغفل ..(يضحك فيضحكون.. ينزع قبعته وقفازه ومع كل رمية يقفزون عليها البحارة) الضحك فايروس معدي (تشتد الريح والامواج) انتظرني يا سمك القرش .. انتظرني يا قوت اطفالي .. انتظرني ايها السابح في بركة موت الابرياء..

 ربيع: يا قطعان السمك نحن قادمون

الفتاة: تيارات الموت مولودة من رحم الثلج ..  ستغطي العالم .. ستغرقكم

جابر: حركوا المجذاف عكس التيار .. التيار ملتو خداع .. لا تغريكم ابتساماته.. لا تستجيبوا له وان طوقكم بالسمك ..هو يغريكم بتدفقه  .. اصفعوه لا تديروا خدا طريا له (يصفع البحارة بعضهم بعضا .. يتساقطون واحدا تلو الاخر.. ينامون يقومون بالشخير .. يصرخ بهم جابر

جابر: مالكم؟.. سبق وان جدفنا عكس التيار فنجونا وسط ريح اشد.. كونوا حجرا يشج رأس التاريخ فيدميه(يجتمعون حول جابر وكانهم يحتمون به)

الفتاة:  (ترتجف) يقتلني عدم اليقين بالسمك والبحارة والسفن (تتقدم لزاوية في مقدمة المسرح)..حال السماء لا يتغير عن التقلب والبحر ظل لها (يضحكون) ستغرقكم ضحكاتكم

جابر: حلم .. حلم .. حلم .. الحياة احلام .. من لا يملك حلما فهو في خطر ... (يصرخ) لقد ابتلع الطعم.. السنارة تغوص في لهاته

(يصنع البحارة وكأنهم يتعاملون مع بكرة السنارة)

ربيع: ربما سمكة عادية ؟

جابر: لا.. هو قرشي .. حلمي الوحيد.. اني اشعر به.. اشمه عن بعد عراق بأكمله .. (ينزل للحركة حول الرمح ).. ربيع تولى المقود وثبت المركب .. ايها البحارة تمسكوا بالسنارة

(ترمى كميات من الماء على ارض المسرح من الكواليس بشكل مطر)

ربيع: هل تراني انفقت كل اموالي من اجل قرشك يا جابر؟

جابر: انا الذي انفق حياته من اجل هذه اللحظة .. ولدي قرة عيني فهو لا تعدله اموالك

ربيع: ستغرقنا ..اللعنة

جابر: لا اظن ذلك سنوغل في التجذيف .. الريح في طريقها لتهدأ

ربيع: ستغرقنا يا جابر

جابر: تمكنت منه هو في متناول يدي

الفتاة : ثلاثتنا وسط البحر ولا نجيد السباحة ..

ربيع: الهي ... الموت يداعب اصابع اقدامنا.. فارفق بنا

جابر: حصلت عليه.. اجلبوه للأعلى

الفتاة: لن تحطموا جدران الشكولاتا.. (يقترب منها جابر يلبسها سترته) .. لن تحطموا جدران الشوكلاتا

جابر: سترة الرجل هي الافضل لتدفئة قلب المرأة.. خذي سترتي فهي لك .. امام المرأة نكتفي بجلد الذات كي تتحرر الكلمات .. (تتوقف الفتاة عن الارتجاف تشعر بالقوة والنشاط .. تأتي رشقة ماء لجابر يترنح لها.. يقترب جابر من جؤجؤ السفينة يضعف يرتجف تصطك اسنانه يسقط يحاول الوقوف بالاتكاء على الجؤجؤ لكنه يسقط) (يحاول التحدث لا يقدر يفتح فمه بيديه يسعل) تجمدت الكلمات في فمي.. هي تتخذ شكل تمثال من جليد ينغرز كفالة في سمكة.. لم اعد اجيد الحياة .. البرد .. الثلج .. يخترق دفاعاتي .. إلي بزجاجات الخمر  ..  (يأتي البحارة فيدلقون عليه زجاجات الخمر .. ينهض قويا  خطوتان وفي المقابل تنهض الفتاة) كيف يمكننا العيش بدون مجهول يترصد خطواتنا؟

(تريد الجري باتجاه جابر.. تصل عند اقدامه..)

المشهد الثامن

ملاحظة: (بين كل مشهد واخر يدخل طفل يبيع الجرائد وهو ينادي .. ثورة جمهورية الف باء .. جرايد جرايد لايعيره احد اهتماما)

جابر: خطوات الاخرين ووقعها باتجاهك يكشف مقدار محبتهم من عدمها

الفتاة: كم انت ضعيف ايها الانسان عندما تواجهك المصاعب عندها تغدو كخشبة ينهشها الجمر حتى تفقد معالمها الى رماد يستحق الرثاء

جابر: لقد جردني البحر من رجولتي.. وجعلني شيخا عاجزا

الفتاة: الدجاج يملأ قريتنا الصغيرة .. أينما تولي وجهك فثمة دجاجة تبيض فاصبح البيض يتدحرج في شوارع القرية ليفقس شيخا عجوزا باليا يطالب بحقوقه في الملح

جابر: كم امضينا هنا ؟..

الفتاة: يبدو اننا منذ الازل

جابر: اين نحن الان؟

الفتاة: في نقطة ما على خط تسديد الديون

جابر: لا اعرف لم تخونني الشجاعة وينعقد لساني عند النظر اليك.. لكن في النهاية عيناك تخدر كل شيء على سطح المركب.

الفتاة: اين العدالة في وجودك .. اين العدالة في فتاة جميلة تلاشى سحرها نتيجة لعدم عدالة وجودك .. جحيم لعين 

جابر: اي سر تحملين اي شرك غيبي نخوض في سجنه.. اقتربي .. تقاطعي معي .. انا وانت كخطي سكة حديد نمشي متوازيان

الفتاة: اليس من الجميل ان يكون هناك اطفال يضحكون حتى هذه الساعة

جابر: عن ماذا تتحدثين .. اريد مغادرة هذا المركب كطلقة عيار ناري

الفتاة: لن تهرب

جابر: مالي كلما صادفت امرأة ادنو حثيثا من الموت .. الموت يترصدني

الفتاة: ما تقوله لا يطهر الجراح القديمة(تقوم بإشعال اعمدة خشب تتوزع في المسرح)

جابر: انا وانت في زورق تجديف يسرب الماء وشبكة صيد مهترئة وفي نيتنا اصطياد النجوم .. تعقلي

الفتاة: اتعقل؟ وانت ايها السيد.. ايها الرجل .. ايها الذكر  .. قلت وقولك الحق المرأة لا عقل لها ...

جابر: انت قنبلة موقوتة زرعها القدر في طريق الغائبين في الرذاذ.. الحذر الحذر(يحدث الجمهور تسحبه بقوة)

الفتاة(تحدث الجمهور) لا تصدقوه انه يحكي ليزرع الفوضى..

جابر: وانت تتصدرين الفضاء كصدر افعى كل شيء هنا آثر  الصمت .. حتى البحر والنوارس كفت عن صخبها

الفتاة: الا جراح المرأة فهي لا تهدأ

جابر: لدي الكثير من الفراغات في ذاكرتي.. منها الحرب.. الموت.. الطفولة.. الاغاني الحماسية.. العادة السرية .. انت في اي زاوية من هذه الفراغات

الفتاة: (تركله بقدمها يتدحرج تركله مرة اخرى فينحني ككرسي فتجلس عليه .. اضاءة لخلفية المسرح تبدو المجموعة متشكلة بكرسي ومنضدة ورجل جالس فوقها) كنت انا وامي قطعتا نقود تتوهج كأنها قد سكت توا  .. كانت حياتنا في ظل ابي جنة مصغرة قبل ان يلوح ظلك في الافق فتلاشت عندها ضحكات الاطفال.. (تغير مجموعة البحارة من وضعيتها وتقوم بالبكاء وتتناقل منديلا لتجفيف دموعهم..(صمت) في ليلة باردة ممطرة كان ابي عائدا منهكا من عمله في البحر  وكان هناك رجل مستهترا يقود سيارته بجنون فصدم ابي وسحق رأسه فحرمنا لذة الرقود .. كنت ارى في كل عودة لابي خمسة رجال ابي خامسهم رأيت حينها اربعة رجال .. سألت البحر والزوارق وحتى رمل الساحل اين ابي؟ فأشار الجميع ناحية جسد مسجى تهشم رأسه.. (تقلبه ككرسي كانت تجلس عليه)هل عرفت من هو قائد السيارة الذي هشم رأس ابي؟؟

جابر: (صمت)

الفتاة تكلم .. عاجز حتى عن نبش كومة احرف كي تتوهج بكلمة .. تكلم

جابر: ....... يحاول الاتكاء على الرمح الذي ثبته في مقدمة المسرح فيسقط .. يجعل الرمح بين فخذيه يجلس على الارض)

 الفتاة: البحر يصمت.. لا بأس فهو متقلب عاشق للتحولات.. تصمت النوارس.. امر طبيعي.. تعِبَت ومَلَّت من صياحها.. يصمت كل شيء..قدرة الله .. اما انت فيجب ان تتكلم.. هيا فجر  لهاتك واخبرني .. من هذا الرجل الذي غيب ضحكاتي؟

جابر: (بعد صمت .. يصرخ) انا انا انا (يذهب الى الجمهور..ويدور محدثا ديكورات العرض) انا من قتل اباها .. انا .. ياناس يا عالم.. انا انا المجرم السفاح القاتل .. غصة خانقة تشتعل قهرا منذ سنين .. سأتقيأ تاريخي

الفتاة: كلمتان غيرتا حياتي في المحكمة .. حينما قال القاضي ..ليس مذنبا .. (تقبض على رأسه) هل انت مذنب ؟ .. تكلم

جابر: (يأخذ كل منهما جانبا .. داتاشو تظهر الاب كما في المشهد الاول وهو يريد عبور الشارع .. اعاده للمشهد الاول لكن بعد الاصطدام يظهر جابر وهو ينزل من السيارة راكضا باتجاه الاب .. تظهر يد جابر تمسح عيون الاب .. يفتش جيوب سترته يستخرج ورقة مكتوب فيها : اقر ببيعي ابنتي داليا الى ذئب البحر المسن وقد استلمت مبلغ البيع كاملا) (تتوسع اللقطة لتشمل وجه جابر وهو يقرأ ما مكتوب)(ينتهي الداتاشو) ..(يجتمع مجموعة البحارة بحلقة تستمع لجابر) كنت عائدا من مؤتمر علمي في المدينة المجاورة .. وابلغوني باحتضار زوجتي بسبب ولادة عسيرة فجن جنوني فقدت السيارة بسرعة.. لكن والد هذه الفتاة اراد العبور وهو يترنح ثملا حاولت ان اكبح الفرامل لكنه رمى بنفسه وكأنه يريد الانتحار  فمات وماتت زوجتي هي الاخرى.. فتركت جامعتي وطلابي وهجرت كل شيء.. وعكفت على رعاية ولدي الوحيد لكنه ادمن البحر لرغبته بأن يرى امه بشكل حورية تخرج من البحر لتحتضنه كباقي الامهات..  أمن للبحر  فالتهمته زرقته.. لالا انما التهمه القرش .. نعم القرش .. وها انا هنا اريد الانتقام منه .. فأتيتِ انتِ للانتقام مني.. لكن

الفتاة: لكن ماذا ؟ او تعلم بانك دست بقدمك الملوثة بفضلات الاسماك ورودا شفافة .. وكتمت صوت البلابل .. واجهضت السماء وابلا من نار

جابر : ما زلت محتفظا بورقة البيع

الفتاة: اي ورقة بيع هذه؟ .. لا تلوي الحقائق .. هنا في وسط البحر ليس هناك من يقول لك: ليس مذنبا؟ (يقوم البحارة برمي القصاصات في اجواء المسرح وعلى الجمهور)

جابر: ما لا تعرفينه ان اباك باعك ليلة موته بعد خسارته كل ما يملك في القمار لرجل اسمه ذئب البحر المسن وهو من تزوج امك بعدها فعشت انت في كنفه  .. ثم كبرتي في احضانه فغذى روحك بالضغينة.. فباعك الى رجل برلماني عجوز ..

الفتاة : كذب .. كل ما قلته كذب .. (تعود للامساك به يقلدها البحارة مع بعضهم) غالبا ما يضيق المسار.. ولا يتسع الا لشخص واحد.. ولن يكون انت بالتأكيد(يكرر البحارة ما قالته الفتاة جملا متفرقة .. ومع كلمة بالتأكيد يضرب احدهما الاخر)

جابر: يقع في وسط شبكة الصيد التي كان يتعامل معها ربيع في بداية الامر) حياتنا اصبحت شريط ذكريات يحكي قصة مجرم قتل الكثير.. كتب مذكراته.. قرأها ابن احدى ضحاياه.. كتب مذكراته هو الاخر ..فقتل فيها الكثير

الفتاة: الذكريات الطيبة تتلاشى لكن الذكريات السيئة تستمر بإلحاح عجيب لا تختفي.. وانت اسوأ ذكرياتي

جابر: لن تكفي عن صيد حياة الاخرين حتى تأكلي احدى يديك

الفتاة: هناك نعيق غراب كامن في الصدر يحثني على قتلك

جابر: سيكتب التاريخ عني .. باني شهيد مات في ثورة الملح

الفتاة: لن تكون حين ذاك حقلا من الورود.. بل جثة هامدة ..بل مقبرة بلا حراك

المجموعة: لا تسمح للبحر ان يبتلعك .. اصبر قليلا .. سيشعر البحر بالملل فيتركك .. حاول ان تعقر قوائمه

جابر: (يحاول التخلص من شبكة الصيد)

الفتاة: روحك معذبة

جابر: (يرتجف) روحي ثياب ممزقة يخترقها الصقيع (ترتجف المجموعة)

الفتاة: ماذا تريد شكل قبرك

جابر: اريد قبري بعمق بسيط حتى استطيع ان اخرج لأشرب زجاجة كاملة ثم اعود

الفتاة: كن جاهزا لقطع انفاسك

جابر: قبل ذلك اريد الصلاة .. لا تحرمي ميتا من صلاته الاخيرة فقد يأتي الدور عليك

الفتاة: رغم سخافة طلبك.. لكن سأسمح لك

جابر: (يخرج زجاجة الخمر ويبدأ الشرب فتقلده المجموعة).. بلا خطيئة لن تكون هناك حياة.. بلا خطيئة لن تكون هناك حياة

الفتاة: انتهى رزقك من الاوكسجين

جابر: افشال سادية الالهة يكمن في الاستسلام التام لوحشيتهم (يخضع جابر مع المجموعة)

الفتاة:: لتذهب الى الجحيم (صوت سقوط في البحر)

المشهد التاسع

(يدخل الطفل وهو يبيع الجرائد) جرايد جرايد .. ثورة جمهورية الف باء .. ثورة جمهورية الف(يخرج)

(يدخل ربيع وهو يحمل جريدة) اين انت يا جابر .. حبيبي جابر .. لقد كشفت اللغز ..  لقد عرفت حقيقة هذه الفتاة المتنكرة .. هي ابنة السكير المخمور.. كما عرفت بانها النائبة المالكة لشركات الملح .. اين انت يا جابر اين ذهبت .. الحذر الحذر .. تنكرها كشف نواياها .. ستقتلك ستقتلك

(يدخل البحارة وهم يحملون التابوت .. يدخلون مع الدفوف والرقص ..)

ربيع: دائما ما يأتي الفرح على استحياء.. ويأتي الحزن بصخب وعويل ودفوف

(يضعون التابوت على الارض .. يستقبلهم ربيع باللطم فيلطمون معه بطريقة الشيعة في احياء طقوس الحزن الدينية.. يدخل بائع الجرائد وهو ينادي كالمعتاد .. يشترون منه وعندما يقترب من ربيع يدير وجها له .. يجلسون للقراءة .. ثم يظهر الداتا شو بوجود جثة غريقة للطفل السوري او لاحد الاطفال من ضحايا عبارة الموصل وفي اعلى الشاشة صورة لمذيعة وهي تقدم الاخبار ..

صوت المذيعة

اعلنت قبل قليل السلطات المحلية وفاة السيد جابر الدكتور والاستاذ الجامعي في كلية الفنون الجميلة بعد ان القى بنفسه منتحرا في البحر وقد التقطه صيادو الخليج عندما حمله التيار بمحاذاة قاربهم ولم تعرف دوافع هذا العمل اليائس بوضوح حتى الان لكن النائبة داليا (تظهر صورة النائبة في الجانب الاخر للشاشة وهي تبتسم )عزت الامر الى تجربة عاطفية فاشلة خاضها السيد جابر مؤخرا قادته للانتحار تيمنا بتارة فارس وكرار نوشي

ربيع : كذب .. كذب.. هي من قتله .. هي من قتله

المجموعة ..قتلته الامواج

ربيع: لالا هي من قتله

المجموعة: امتلت رئتيه بالماء فمات

المجموعة: انقطع رزقه فمات

المجموعة : الله هو من اغرقه فأماته

ربيع (يمسك رأسه .. ثم يذهب ناحية شبكة الصيد فيمزقها) لالالالا

المجموعة: هاك خذ كأسا وانتعش (يعطيه زجاجة)

المجموعة : اشرب لتنسى .. فالحياة اولى بالنسيان

المجموعة: خذ خذ تحلى بروح رياضية

ربيع: انا متأكد من انها هي من قتله ورمته طعاما للقرش.. هذه ليست جثته.. هو في جوف الحوت.. اللعنة عليكم

المجموعة: امامك جثمانه تطلع فيه

المجموعة: انت اعمى شبيك

المجموعة افتحه بنفسك وشوف

ربيع: ( بهستيريا يحطم خشب التابوت برفع لوحاته واحدة بعد الاخرى حتى يرفع جميع اللوحات فيجد كتلتين تتحركان وباصوات غريبة) (يضحك.. تتراجع المجموعة بفريقين يسار ويمين .. يرفع الكتلتين احدهما نعجة والاخرى قرد يرفعهما ويواصل الضحك فيرمي النعجة فتتلقفها مجموعة ويرمي القرد فتتلقفها المجموعة الاخرى)..(بقعة على ربيع) نعجة وقرد .. نعجة وقرد.. حقائق التاريخ تكشفها النعاج والقرود.. ههههههههه .. (يخرج زجاجة الخمر) هذا ما تبقى منك يا جابر وكما قلت لي خذها قد تنفعك سأنتفع بها بالتأكيد لكنك خلفت بوعدك حينما قلت من لا يشرب من هذه الزجاجة لا يعمر طويلا كنت تشربها ولم تعمر طويلا(يبدا بالشرب)

(يضحك فيأخذ جانب اليسار من مقدمة المسرح حتى تتلاشى بقعة الضوء)

المشهد الاخير

بقعة يمين مقدمة المسرح على المايسترو مع الموسيقى بعض الثواني ويقفز عليه البحارة بكيس فيخفونه بداخله.. صوت رمي شيء في البحر)

الختام

 ***

كاظم نعمة اللامي

 

حسام عبد الحسينحلمها ان تعشق رجلاً

الحياة ارادت ان تغيب شمس الهوى

في ظل عدة سلاطين

رحل الفؤاد ما بين الجزر والعراء

واستوطن عند رغيف محترق

يعتلي في غياب عتمة الجهل

ويتلاشى ان حل الفقر

هي ارادت ذلك الانسان بشغف

وسعت بين الخفايا تبحث عن منقذها

وتردد مفاهيم الفكر المستنير

تقطعت حبال صوتها عند كل صرخة

لا تعلم، ان هناك سكاكين خلف حنجرتها!

ولا تدري ما يريده الوعاظ من صمتها

وهناك ايضا ساحرة متعرية في الخفاء

تكتب التأريخ وتهتك الشرفاء

لها وجه متناقض:

يحاربه ثائروا الفكر

ويعبده قاتلوا العقل

هذا صراع الازل

ليبقى الهام العشق ارادة

بين حلمها والانسان.

***

حسام عبد الحسين

 

زوليخا موساويشجرة الزيتون العجوز هادئة، تربّت بأغصانها الخضراء على كتفي وتستمع إليّ. كانت تفهمني رغم تلعثمي في الكلام ورغم نطقي للقاف ألفا وللكاف تاء. ليست الحروف وحدها التي كنت أبعثرها وأنطق بعضها مكان بعض بل حتى بعض الجمل وبعض الحركات لها معنى في رأسي غير الذي يعرفه الناس. مثلا، وضع إبهامي في فمي يعني أني جائعة وتحديقي في شمس الظهيرة يرمز إلى أني أشعر بالنعاس ومعنى أحب خالتي زوبا أني أرغب في الخروج من البيت...

كعادة الكبار في فهم الواقع من منظور واحد ووحيد، لم يحاول أحد أن يفهمني في البداية. المرأة التي تقول إنها أمي أصبح قلبها يفهمني وشعرت أنها كانت تخاف من ساعات صمتي أكثر مما تخاف ألا تفهم ما أقول. فتطرح عليّ الكثير من الأسئلة وهي تتنقل من غرفة إلى أخرى، تقوم بحركات لم أكن افهم منها شيئا ثم بعد ذلك فهمت أنها تعدّ لي الأكل وتنظف لي فراشي ولباسي. فكنت أتبعها من حجرة إلى أخرى وأركز على حركاتها بل وأحاول أحيانا أن افعل مثلها لكني عدلت عن ذلك لأني مرة كدت أغرق في سطل ماء وضعته في باحة الدار استعدادا لغسل الملابس ومرة سقطت تحت المكنسة التي كادت أن تشج لي رأسي ومرة أخرى تدحرج جسدي الصغير على الدرج المؤدي إلى السطح وكاد يغمى عليّ من الخوف ليس من الدم الذي رأيته لأول مرة بل كنت مرعوبة من عيني القط الذي كان ينظر إليّ من أعلى الدرج ويشمت بي.

شجرة الزيتون هي الوحيدة التي تسمعني وتفهمني وتقدّر كل المصاعب التي أمر منها كي أخرج من هذه الورطة: لا أريد أن أبقى طفلة. أكرّر الجملة مئات المرات: لا أريد أن أبقى طفلة حتى أصبح الجميع يرددها بمجرد أن أفتح فمي للكلام.

من الغريب جدا أن لا أحد يكترث لما أقول رغم أني أعرف أني محقة. الأسبوع الماضي، تلقيت ضربا مبرحا من أمي لأني قررت أن أذهب عند صديقتي سعاد ولم أخبر أحدا بالأمر. كيف يمكن ألا أبقى طفلة إن أخبرت أحدا بالأمر؟  لكن يبدو أني نسيت بيت صديقتي وقضيت وقتا في الدوران في متاهة الدروب الضيقة المحيطة بالبيت إلى أن وجدتني إحدى الجارات كانت ذاهبة إلى السوق فأرجعتني إلى البيت. كانت أمي وسط النساء تبكي بصوت مرتفع وقد نفشت شعرها والجميع حولها يحاول إسكاتها وتهدئتها وحين رأتني تلقفتني بين ذراعيها وهي تبكي وتقبلني وتطرح عليّ سلسلة من الأسئلة. لا أدري كيف تفعل أمي كل هذا في وقت واحد لكن كثيرا ما أراها تفعل أكثر من ثلاثة أشياء في وقت واحد كأن تستمع للراديو، تصبن الملابس وتكلّمني.

هل كنت أعرف أنهم قرروا الذهاب إلى المدينة عند عمتي الشريفة وتركي مع جدتي أم فقط حين استيقظت من النوم وجدت نفسي وحيدة.؟

لم أكن خائفة. أتذكر ذلك تماما. لكن شيئا ما كان يكبر في صدري ويجثم على أنفاسي. الآن أشعر بدموع ساخنة على خدي. هل هذا هو الحزن؟ إذن أنا حزينة.  قلت ذلك لشجرة الزيتون العجوز فدانت أغصانها أكثر، أحاطت بي كغيمة لذيذة من السكون.

كيف عرفت الشجرة أني كنت حزينة وجدّتي لم تعرف ذلك؟ أنا دائما حزينة. أظن أني كنت حزينة في بطن أمي. حتى في أجمل اللحظات التي أقفز فيها فرحا مع صويحباتي نقطف الزهور البرية من الأحراش المحيطة بالبيوت بأصابعنا الصغيرة المضمّخة بالحناء في صباحات العيد مزهوات بملابسنا الجديدة، حتى في أعماق تلك اللحظات وصفائها كنت أشعر أني حزينة أو على الأصح أنه يمكنني أن أكون أسعد لو كنت متيقنة أن هذه اللحظات ستدوم. ما كنت أشعر به حينها لم يكن سعادة بل كان فرحا سيزول سريعا.

أظن أن هذا ما كان ينغصّ عليّ لحظات السعادة أو الفرح تلك.

أذكر أني لم أبك حين وجدت نفسي وحيدة مع جدتي ومع شجرة الزيتون العجوز. شعرت أنها صديقتي الوحيدة التي لن تتخلى أبدا عني فجلست إليها وحكيت لها كل شيء.

حكيت لها أني كنت أعرف منذ البداية أني لا أنتمي للأسرة التي أعيش معها. صحيح أني أحبهم: المرأة والرجل أسميهما أمي وأبي، المرأة العجوز الطيبة التي أناديها جدتي وزوبا الحمقاء التي أحبها رغم أنها تخيفني أحيانا.

حكيت لها أني أتيت من بلاد بعيدة. بعيدة جدا يسكنها الملوك والأمراء ويحرس أبوابها الجن بالليل والملائكة بالنهار. لا أدري ما الذي حلّ بمدينتي وبأسرتي الحقيقية. أعرف بيقين أني لست ابنة أمي وأبي أعني هؤلاء الذين أعيش بينهم الآن. لم أجرؤ على سؤالهما عن أصلي ولماذا أتوا بي إلى هنا. ربما وجدوني مرمية على حافة الطريق ورأفوا لحالي وربما وضعتني عندهم إحدى قريباتهم بعد أن لم تجد رجلا يمكن أن أقول له أنت أبي. لكن التفسير الذي أرجحه والذي يكسبني راحة كبيرة فأسرد القصة مرة تلو مرة وفي كل مرة أدخل عليها تحسينات وإضافات هي أن أمي وأبي الحاليين كانا يشتغلان عند والديّ الحقيقيين في القصر وحين أغارت قبيلة أخرى على مدينتنا ودخلت قصرنا قتلت أبي وأمي الحقيقيين وقتلت كل من كان فيه لكن أبي وأمي الحاليين اختبآ وكانت أمي تحملني في كيس كبير في قبو كانت تحفظ فيه المؤن إلى أن خرجا بي مختبئين تحت جنح الليل فارين من موت محقق.

حكيت كل هذا للشجرة ووصفت لها القصر والحياة فيه: غرفه المتعددة وحدائقه الغناء. كم كنت أحب تلك الحدائق وأغني طيلة لنهار لأشجارها وسواقيها ونباتاتها وحشراتها. حكيت لها عن جمال أمي وقسوة أبي ودسائس الخدم والمرافقين وكل من كان يحاول التقرب من أبي وأمي لينال قسطه من المال والجاه والسلطة وكيف أنهم كانوا أول من تنكّر لوالديّ ولم يرفع أحدهم أصبعا للدفاع عن القصر وعن المدينة وأضفت أن البعض منهم مثل سليمان النجار وخادمته قاموا بالتآمر على أبي وفتحوا للعدو أبواب المدينة بعد أن وضعوا للجنود السم في الطعام.

هزت الزيتونة العجوز رأسها وقالت لي بصوت هامس:

نعم صغيرتي أعرف كل ذلك. صمتت قليلا كأنها تفكّر بعمق ثم أضافت: وقع هذا تماما كما في القصة التي يحكيها لنا أبوك في ليالي الصيف المقمرة.

 

زوليخا موساوي الأخضري

 

 

سليم الحسنيصخب يملأ رأسه، ضجيج لا يتوقف، أصوات متداخلة مختلفة النبرات. وحين يضع رأسه على الوسادة يزداد الصخب، تخرج العفاريت من مخابئها، يصرخ الجنّ بوجه الأمنيات، فيموت بعضها ويولد جديد. ريح صرصر عاتية، رعد وبرق ونار ومطر، ثرثرة لا تنقطع، تذبل بعض الأحلام وتورق أخرى.

 يقفز من فراشه، لا يطيق الثورة المجنونة في رأسه، لكنه ما يلبث أن يعود بسرعة، فهذا الصخب سبيله الى الأمنية العليا، لابد أن يقبض على جمرة الأحلام، لابد أن يتصبّر على الضجيج، فما هي إلا أسابيع ويضع القدم الثابتة، وعند ذاك سيكون وتد الأرض ومدارها.

في ليلة سبت باردة، تصاعد الصخب في رأسه، فقد سمع صرير الباب، انتفض قائماً، ظنّ أن أحدهم تسلل الى الغرفة المجاورة. كان المزلاج محكماً، والحرس في أماكنهم، سألهم واحداً واحداً، لم يصدّق كلامهم. دخل الغرفة رأى والده نائماً، بحث الجدران بعيني صقر، تفحص الزوايا يلمسها بكفه، لا أثر لمخلوق ولا لشبح، لم يدخل الغرفة جسد ولا روح، فمن أين جاء الصرير؟

أيكون زائر قد دخل غرفته وليس غرفة أبيه؟

عاد بسرعة، تفحص غرفته في العتمة، ثم تفحصها في النور، لا أثر لزائر. جلس على فراشه، شعر بالتعب وبرعشة البرد في عظامه، وضع رأسه على الوسادة، فاندلعت ثورة الصخب، ثرثرة وصراخ وضحك وعويل، أسئلة بلا جواب، وأجوبة بلا سؤال، زجاج يتكسر وفخار يتحطم ووقع أقدام طائشة، عاصفة من نار وعاصفة من جليد. خرجت العفاريت من مخابئها، ورقصت الجن بشعوذتها، فماتت بعض الأمنيات وتوشك أن تولد أخرى، شعر بآلام الطَلْق في رأسه، صداع ثقيل كأنه صخرة بركان، موج غاضب يضرب صدغيه. صكّ أسنانه بقوة، كان يعرف أن أمنية عظمى ستولد.. وُلِدَت.

صرير الباب ثانية، زائر يدخل بحذر. كان يعرف هذا الزائر منذ زمن، ناصحه الأمين، يحمل خبرة الدهر، جاب جنان الأرض والسماء، ويعرف لغات الجن والإنس.

استرخى على فراشه، هدأت روحه بزائره، وراح يسمع نصحه:

ـ تحمّلْ ولا تضجرْ، إياك أن تضعف وأنت قطعتَ الشوط بطوله وعرضه، اخترقتَ الأنفاق، أمسكتَ الخيوط، نسجت الشباك، أعانك الموت على خصومك، كان يقف الى صفك أزاحَهم عن طريقك، وسيهديك أمنيتك العظمى.

أنت في زمن التوريث، وهذه لك.

انت في زمن القداسة، وهذه فيك.

أنت في زمن الرؤوس الفارغة، وأنت تاجهم. 

سارعْ بالوصية، اكتبها بنفسك، وبيدك الختم، فادمغْ به الورقة المقدسة بما لديك من قوة، واستشهدْ المعتاشين يلهجون بكل قسم عظيم. فما يدريك ما يحدث بعد قليل، فبالورقة تزداد سطوتك سطوة، ويعلو شأنك قامةً، ولك عليّ عهد لا أخلفه، سأغوي الخائفين والمترددين والساكتين.

لا تضعفْ، فالمُلُك صبر ساعة، ولقد صبرتَ طويلاً. سترث التاج والصولجان ويهتف لك الصم والبكم والعميان.

لك البشرى، هي لك خالصة، هذا تاجها وهذا بساطها، ولك الوراثة العظمى.

 

سليم الحسني

 

ريكان ابراهيمبالراءِ أختزِلُ الطريقَ إلى الطريقْ

وألُّم رابعةَ النهارِ ونصفَ هذا الليلِ

في شعري أُفتِّشُ في النهارِ

عن النهارْ

فالراءُ مِشكاةُ التأكيدِ من بقايا الذاتِ

في هذا الدمارْ

الراءُ في اسمي المستفيضِ غرابةً، والمستهامِ

صبابةً سهْمٌ يُشير إلى بَوارْ

وإلى انكسارْ

فبأي آلاءِ النهايةِ قد بدأتُ

وبأيِّ منطوقٍ تلوتُ

فالراءُ راءُ الوالدينِ وما حملتُ

هو الضميرُ المستعارْ

هو ياءُ يُوسفَ في غيابةِ جُبِّهِ

هو صوتُ مَنْ رفع الدعاءَ لربِّهِ

هو راءُ "رابعةٍ" وقد قالتْ:

أُحِبُّك مَرّتينْ

الراءُ مملكتي، وكُلُّ ممالِكِ الدنيا التي

بالراءِ تحيا بين بَيْنْ

الراءُ مزرعتي التي ضيَّعتُ فيها

كُلَّ أقنعتي وأسئلتي بكيفَ، متى،

وأينْ

الياءُ محفورٌ على صَدغي السقيم

كهلالِ يوم العيدِ جاء يُعيدُ ثديَ

المرضعاتِ إلى فطيمْ

الياءُ قوسُ الضوء يُعلِنُ عن نقاوتهِ

ويُخفي خلْفَهُ الشوق القَديمْ

الياءُ آخِرُ أحرف الفصحى على ظهر المعاجِمْ

الياء آخِرُ من يُسالِمْ

 لكنّهُ ثاني حروف اسمي المُقيم بلا غنائِمْ

الكافُ مطرقةُ الخريف على سَنَادِينِ الشتاءْ

يهوي عليها في أشتهاءْ

فتئنُّ باكيةً وتمسحُ ذيل دمعتها بشيءٍ

من دعاءْ

وحدي أنا مَنْ أدركَ المقصودَ في كافِ التَشبُّهِ

بالشبيهْ

فغدوتُ أمشي بين قبرينِ؛ النزاهةِ والنزيهْ

أُغضي فأُغمِضُ عينَ ديكِ الفجرِ في صَلَفٍ

وتِيهْ

بالكافِ أفتحُ عينَ مكفوفِ العيونِ عن النَظرْ

بالكافِ أَحملُ سيفَ عنترةَ القديمَ، ورُمْحَ

ذي يَزَنٍ لأجعلَ منهما قَدماً تدوسُ على الخطَرْ

الكافُ: كعبةُ قبلتي

الكاف: كوثرُ توبتي

الكافُ: (كان) المبتدا في جُمْلتي

الكافُ: كُلُّ فُتوتّي

الكافُ: كَلْكلُ ليلتي

الكافُ: كافٍ أنْ أقولَ قصيدتي في محنتي

الألفُ آلافٌ من الدعَواتِ تتلوها جموعُ

الخائفينْ

الألف فَتْحُ القلبِ قبل فَمِ الشقيِّ أمامَ

بارقةِ السنينْ

الألفُ مبتدأُ الصراطِ بلا خَبرْ

الألفُ ينصبُ فاعلاً للنازعاتِ،

يجرُّ مرفوعاً من الدعواتِ من أثوابها

قسْراً ولا يخشى خَطرْ

بالألفِ أَمتشقُ الدعاءَ، ولا أخافُ

من البلاءِ لأنّه مَحْضُ ابتلاءْ

الألفُ أنكيدو، يُفتِّشُ بالنيابةِ عن

أمانييِّ ويبحثُ عن خلودْ

الألفُ سرجونُ الذي في اليَمِّ أو موسى

الذي سيماهُ فوق جبينِهِ المُسْودِّ

من أثَرِ السجودْ

النونُ خاتمةُ المطافِ، وبؤبؤ العينِ

التي كانت تخافْ

لكنّها لا تستحي في ما استحي منه الضِّعافْ

النونُ، بالقَلمِ الذي قد عَلّمَ الإنسانَ

حَرْفٌ لا يملُّ من الخطابْ

النون في (ذي النون) بارقةُ الخلاصِ من

العذابْ

فالحوتُ يبتلعُ البحارَ ولا يخافُ من الغرقْ

لكنَّهُ، والنونُ في أحشائهِ، أمسى

يُراوحُ في أرَقْ

هذا هو النونُ الذي في آخرِ اسمي،

والذي اخترقَ الكآبةَ والقلَقْ

                ؟

***

د. ريكان ابراهيم

 

 

فالح الحجيةمهداة لشهداء عبارة الموصل

واهلها الطيبين

***

الحُــزْنُ خَيّــمَ والقلــــــوبُ هَـــــــــواءُ

يا مَوصِــلاً وَلَـكَ الشّـــهادَةُ وَالإبـــــاءُ

.

قَـدْ طــالَ لَيلُـــــك ِ أو تَعكّــــّرَ صَفْـــوُهُ

فـصُـــدورُنــا وَنُفوسُـــــنا تُعَـــــســـاءُ

.

وَتَعـالــَتِ الأصْــــواتُ في جَنَبـا تِهِــا

تَهْـــدي الزّهـــورَ الغـارِقـــــاتِ جَــواءُ

.

عَبّــارَةٌ فيهــا النّفـــــوسُ تَــزاهَـقَــــتْ

في عيـــدِ( نَـوروزِ)الحَــــزينِ هَـبـــــاءُ

.

عَبّــــارَةُ المَـــوتِ الـــزّؤامِ وَأرْهِـقَــتْ

حَصَدَ تْ وُروداّ في المُــروجِ سَـــــناءُ

.

غَرِقَــتْ فيهــــا النّفــــوسُ وَقُــتّـلَـــــتْ

ما بَيـنَ طِفْـــلٍ أوْ رَضيــعِ سَـــــــواءُ

.

وَالفاتِنــاتُ الغيـــدُ يَقْتُـلُهـــــــا الطّـمى

ما بَيـنَ أحْضـانِ الحَديــــــــدِ جَفــــــاءُ

.

غٌرِقَوا وَفي وَسَـط ِالقُـلــوبِ :فَلوْعَــةٌ

جَـيّـــا شَــةٌ إذْ تَــكْتَــــــوي وَجْــــراءُ

.

وَتَعـالَتِ الأصْواتُ في جَنَبـا تِهِــــا

فســنا النُفوسَ الغارقـــا تِ وفــــــاء

.

وتجمعـــت كل الجمـــوع حــزينـــــة

ابناؤهــــا فقـدت جـوى والنســــــاء

.

عبّــارة المــــوت الـــزّؤام تحـرّكــت

حَصدت وروداّ في المــروج غبـــاء

.

امســى المســـاء كئيبـــة انــــــــداؤه

وبـدجلــــة أجســــادهــــم غـرقـــــــاء

.

وتقطعـــت أكبـادنـــــــــا في حســــرة

والعيـــن تدمـع والقلــوب خـــــــواء

.

رفقا بهم يا مـــــاء دجلـــة وارعوي

الليـــل يغـــدو والنهـــــار ســـــواء

.

ياايها المـــــوج العتيـــــد هديـــــــره

زهقـــــت بها تلك الـــورود عــــزاء

.

من لا يمـــوت بها يمـــوت بغيــــرها

قــــد رالحيــــــاة ســـــعادة وبــــــلاء

.

والشــعب يصـرخ في وجـوه عُــتاتـه

رفقــا بنا ياظالمين .. نـــــــــــــد اء

.

في صوتها هـزّتْ عُروشَ طُـغاتِـــــهِ

فَـتَحَطّمَتْ تِلكَ العـــروش خــــواء

.

والظالمـــون دنانيــــرتـؤرقـهــــــــم

عبـدوا السّـــحـت الحــــــرامَ هــــراء

.

فَلِتَنتخي كــــل النفــوس ازاءهــــــم

نَظَراتُــــهم : فحـزينـــة ســــــوداء

.

سَمْعاً لِـقَلْـبِكِ - مَوْصِلٌ – اشَــوْاقَـنــــا

في حُبِّهـــا أذْ تـــنْبَــري ورضـــــاء

.

توحي الى القَلْبِ الغَريــــمِ وحزنـــــــه

فَدموعنــــا: مهــــراقــــة وبـــكـــــــــاء

.

وتكالبت انـــــداء نفســـــي حزنهـــــــا

وتكفهرت مِنْ حزنهـــــاِ الأجْــــــــــواءُ..

.

وَالنَّفْسُ تَسْــــــبَحُ في بُحورٍ مِنْ اسى

وَتَســـوّدَتْ سُـــبُلُ الحَيـــاةِ نَضـــــا ءُ

***

الشاعر

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

 

صالح موسى الطائيأتمشّى مُغترباً

مهزوماً في الحلم وفي الذكريات

أتسَكعُ في المُدن المغلقة الأبواب والقلوب

وجهي ينضَحُ وحشة ً... وحنين

ودمي جائعٌ...سكران يبحث عني....وعنك ِ

وعن أحلى موت ٍ

تحت نهديك ِ أو

فوق هذا العمر السراب

أتلفّتُ مرعوباً  في حركات العناق

فلقد جاءَ المغولُ من كلّ زمان ٍ ومكان

والقلبُ يصعدُ الى الرأس

يَصُبّ ُ فيه كلَّ ما تبقّى في الروح

من صُراخ ٍ ورجاء

ويهبط ُ فيك ِ لِكي يختصرَ الاوهام

فسقوط ُ آدمَ

وسقوط ُ الله في دموعي

هو ما يعصرُ كلّ خيالي المحاط ِ بالتاريخ المشلول

فدَعيني يا ابنة َ الحرب ِ

يا ابنة َ الحب ِ الهارب ِ من هذه الارض

دعيني أهبط ُ فوق خَصرِك ِ طفلاً

أو شيخاً تركته القوافلُ

عند مفترق الأفكار ِ

وعند سقوط المطر

ورعونة هذا القدر

يادمعة ً بحجم الروح ويا جسداً

يطفيء كلّ احتضاراتي

خلّيني أمارسُ وجودي

على  صدرك ِ ثانية

فلقد مللتُ هذا الفراغ

وهذا الوهم اللعين الذي

لا يظهرُ إلاّ في القصيدة الضائعة

وفي الوطن المجهول

يا آلهة الرقص والضياع

رأسي يتدلّي على جسدي الخراب

وذاكرتي تترنّحُ

بين الشياطين والسلاطين

حيث آلافُ الثعالب واالذئاب

وآلافُ لصوص ِ النفط  والدماء

وألف قنبلة ٍ ومليون قتيل

فلا أفُقَ اليومَ لي غيرعينيك ِ

وغير السعَف ِ المُتيبّس ِ تحت أقدام الغزاة

فدعيني يا عشتار أن أصرخ َ بمليون آه ٍ

وبقلب ٍ شريد ٍ ووحيد

لملمي أعضاء بنيكِ يا عشتارُ من هذي الشوارع

ودَعيني أحْمل رايتك ِ السوداء

صوب خرائبنا التي لم يبق فيها

غير قناني الخمر والكراسي الفارغة

وغير أحلام جماجم  خاوية ٍ

وصعاليك ليل ٍ

يشربون الموت ببطء ٍ

ويبصقون الدمَ فوق المحنة

والأرصفة الشاحبة

حيث الأراملُ والأيتام

والصيّادون

وتجّار الضمائر

وبائعوالمقابر والسجائر

والتوابيت

***

شعر: صالح الطائي

فتحي مهذبكل ليلة أصعد تلة مهجورة على كتفي مومياء..

أعوي كما لو أني مخلوق من الفحم والرماد..

هاربا من مركب نوح على قدمين

متلعثمتين..

تأتي ذئاب كثيرة..

من مرتفعات الندم الليلي..

من قاع كلمات مظلمة جدا..

من ذكريات الأرملة العميقة..

من أقاصي الغابة المطرية..

ظلي المتشقق يلقي نصوصي

بفصاحة سنجاب منبوذ..

تصفق أشجار ضريرة..

بلبل دمر ذكرياته الحلوة

اعصار في كنيسة..

ينصت بأذني روحه الجميلة..

متكئا على مطرزات الريح..

تبكي ذئاب مخيالي العدمي..

بينما بوم الدوق الكبير..

عالق في سم الخياط..

كل ليلة يضرب رأسي جناحيه

مثل طائر خرافي..

على صخرة الميتافيزيق..

مفردا جثتي في العراء..

هامدا يركل بلاطة صدري

فرويد بعكازته الشهيرة

***

فتحي مهذب