مصطفى عليالمَقام العراقي

والچالغي البغدادي

 

بكى (النسْطورُ) أنغاماً فريدَه

                     ليالينا بها سكرى سعيده

فهل لِلْ(الجوْزَةِ) الجذلى جوابٌ

                 يُعيدُ الأُنْسَ للروحِ الشريده

أ يحْدو (الرَقُّ) إيقاعَ الليالي

               و يرجو (طبلةً) في أن تُعيده

بِدمْعِ الوجْدِ طرّزْتُ القوافي

                وشاحاً يعتلي هذي الخريدة

الى بيْتِ (المقامِ) و مُنْشِديهِ

                 لِتنْشُرَ عِطْرَها أبهى جريده

فَللْ (تخْتِ) العراقيِّ إشتياقٌ

                     لبغدادَ التي أمْست بعيده

فمرحى للّذي يشدو مقاماً

        وَ يُعْلي في الورى صوْتَ القصيده

مقاماتُ الهوى فيها تراثي

                   و فيها روحُ بغدادَ العنيده

و مَنْ لم يرْتشفْ منها مقاماً

                      بليدٌ يرتدي روحاً بليده

إذا غنّى (الصَبا) أبكى فُؤادي

                   وَ لِلْـ(سيْگاه) آهاتٌ مديده

وَ إِنْ غنّى (بياتاً) لا تَلُمْهُ

                  إذا ما قطّعَ الحادي وريده

أبو (يعگوب) يُشْعِلُها (حِجازاً)

                 وَ يلهو في سِدارتهِ المجيدة

ينادمُ بال(نهاونْد) الندامى

         و يرمي بال (نوى) مهجاً طريده

ألا سُقياً لِألحانِ الغزالي

                    و ذكرى كُلَّ أُغنيةٍ فقيده

أ ينْسى (ألهالُ) (عزّاوي) مساءا

         و سحُرُ الشايَ في المقهى العتيده

على يُمْناهُ (شعّوبي) ينادي

                 على بغدادِهِ الثكلى الشهيده

و يصرخُ أيْنَ شاعِرُنا النُواسي

                  لكي يُعنى بِلحني أو يزيده

مضى (زريابَ) محْزوناً فأحيا

                  بها (عُثْمان) ذكراه التليده

بِإنشادٍ أفاقا بعدَ سُكْرٍ

                   و كُلٌّ أرضعَ الدنيا نشيده

سلوا (مُلّايتي) الخجلى (صديقه)

               و ما أوْحتْ لجارتها (فريده)

كفى فخراً فتاةٌ إذ تُنادي

                    بِحقٍّ ضائعٍ كي تستعيده

إذا ما صاحَ مُحتالٌ فخورٌ

                يرى النسوان حُلّته النضيده

تضاحكْنَ إنتصاراً هاتِفاتٍ

                        معاذَ أللهِ ما كنا عبيده

فغنّت شهرزادُ لِعاشقيها

                تناغي شهريارَ لكي تصيده

و مالي كُلَّما غنّوا مقاماً

               زَهت في النفس ألوانٌ جديده

و صارت كلُّ أطرافي خفافاً

                  و كانت قبلها كسْلى وئيده

و هاج الرقص في بدن المُعنّى

                     طروباً هزَّ كتْفيهِ وجيده

فيسْلو بُرْهةً أسمى وَقارٍ

                    و تجفوهُ رزانتُه الوطيدة

قديماً قيلَ في ألالحانِ سحرٌ

                يغذّي الروحَ أسراراً عديده

يناجي كلَّ صبٍّ مُستهامٍ

                 و يسْتهويهِ في أحلى مكيده

حصدْنا بيدرَ الانغامِ حَبّاً

                و قلبي طائرٌ يهوى حصيده

حلالٌ في الهوى سحْرُ الأغاني

                     بها نزدانُ أذواقاً حميده

غريبَ الدار هل تنسى عِراقاً

               و هل تنسى المها فِيهِ وغيدَه

لأيّامِ الصِبا تشتاقُ روحي

                    كمفجوعٍ بكا حزْناً وليده

غراماً يسلُبُ العُشّاقَ وعْداً

                    ويسقيهم بلا عدْلٍ وعيده

فمهلاً سادتي أضحى فُؤادي

             صريعَ العشْقِ في الدنيا عميده

أنا المسكون في أشقى بلادٍ

                    كأنَّ الحبَّ دينٌ أو عقيده

و نارُ العشْقِ تكوي قلب صَبٍّ

                  فماءُ النهْرِ لم يُطفئ وقيده

أحقّاً سادتي صارتْ بلادي

                 مزاراً أتعبَ الباغي مُريده

أرى الأوطان بالأعياد تزهو

             سوى وطني الذي سلبوه عيده

***

مصطفى علي

 

نور الدين صمود**المطلع**

نُـغَـنّي لإفريقيا الصامدهْ**ونـَروي لأجيالها الصاعدهْ

حكايـةَ أمجـادها الخالدهْ.

****

وبالشمس نمحو ظلامَ القرونْ*ونملأُ بالنور كلَّ العيونْ

ونبدأُ عهدَ الإخا والسلامْ **وندعو الجميع لنشرِ الوئامْ

ونشـدو لأفريـقيـا المادهْ***نـَـشيدَ عُهودِ الصّفا الماجده

*****

**

نـُغني لأفـريقـيا الصامدهْ....

**

**المقطع الأول* *

جعلنا ليالي العبيدِ صباحْ ** تُنَوِّرهُ بالضياءِ الشموسْ

وراحتْ عهودُ البُكا والنواحْ ** وقد رفع العزُّ كلَّ الرؤوسْ

سنشرَبُ نخْبَ انتصاراتِنا** ونقْرعُ في العيدِ أحلى الكؤوسْ

ونكتُبُ في سِفْرِ أمجادِنا ** سطورًا منَ المجدِ تُحيِي النفوسْ

نـُغني لأفـريقـيا الصامدهْ....

***

رفعنا مشاعلَ هذا الوطنْ**فشعَّتْ على الكونِ مثلَ المنارْ

ورُحنا نبدِّدُ عنه المِحَنْ **ونمحو الظلامَ بنورِ النهارْ

وننزع، بالعزم، عنّا الكفنْ **ونتّخذ الشمسَ أحلى شعارْ

ونصدحُ كالطيْرِ فوقَ الفـَنَنْ **إذا راقه الجوُّ غنَّى وطارْ

ونحكي لأجيالنا الصاعدهْ **حكايـةَ آمـالنـــا الــواحـدهْ

 نغني لإفريقيـا الصامدهْ ...

**

**المقطع الثاني**

**

نُقدِّسُ حقَّ جميعِ الأممْ ** وآمالَها في حقوقِ البشرْ

ونرفعُ روحَ الإخاءِ علمْ ** يُرفرفُ فوقَ روابي الظفرْ

ونسعَى لنبلُغَ أعلى القممْ ** فإنّا سئمنا حياةَ الحُفَرْ

وإفريقيا شعبها قد عزمْ ** وبالعزمِ لا بدَّ أنْ ينتصرْ

**

وأسطورةُ اللونِ صارتْ لنا ** سبيلَ الإخاءِ وعمقِ الودادْ

وإنْ غمرَ الكونَ موجُ السَّنا ** فلنْ تُبصرَ العينُ دونَ سوادْ

نُقدِّسُ في الكونِ ميثاقنا ** ففيه تَساوَى جميعُ العبادْ

ومن أجلِ تحقيقِ آمالنا ** سنرفعُ أعلامنا للجهادْ.

**

وقُوّتُـنا في الحِمَى سائدهْ**بها نُوقِـدُ الشعْلةَ الخامدهْ

نغني لإفريقيا الصامدهْ**ونروي لأجيالنا الصاعدهْ

حكايةَ أمجادنـا الخـالدهْ

**

**المقع الثالث**

سعينا لتحرير أفريقيا ** ونسعَى لتحرير كلِّ الشعوبْ

ستشدو وترقصُ أفريقيا: ** ليحيَ الشمالُ ليحيَ الجنوبْ!

وللشرقِ والغربِ نبغي السلامْ ** ونملأُ بالحبِّ كلَ القلوبْ

ونسعى لنشر الإخا والوئامْ *** ونُبْدِلُ بالوردِ شوكَ الدروبْ

                                * ** *

نُدافعُ عن كلِّ حقٍّ سليبْ *** ونسعى لمستقبلٍ أفضلِ

ونطرُدُ كلَّ دخيلٍ غصــوبْ *** ووحدتُنا غايةُ المأْمَلِ

ونُطْلِعُ في الكونِ فجرًا جديــدْ *** بـأنــوارِهِ لـيـلُـنــا يـنـجـلي

ونُنْشدُ في الكون أسمَى نشيدْ *** يـــُمثـــلُ حُلْمَ الغدِ الأمْثَلِ:

**ختام**

عزيمةُ أجيالنا الصامـدهْ***على عمقِ وحدتِنا شاهدهْ

نغني لأفريقيا الصامـدهْ***ونروي لأجيالنا الصاعدهْ

حكايةَ أمجادنـا الخـالدهْ

***

أ. د: نورالدين صمود

...................

نشيد منظمة الوحدة الإفريقية

ألف هذا النشيد سنة 1986 ، بطلب من الرئيس الثاني لجمهورية السينغال آنذاك ورئيس المنظمة في تلك الدورة، تطبيقا لما أوصت به الدورة التي سبقتها لها، وقد دعا ثلاثة شعراء من إفريقيا يمثلون البلدان الناطقة بالفرنسية والأنكليزية والناطقة بالعربية، وطلب منهم تأليف نشيد يكتب بثلاث لغات: العربية والفرنسية والأنكليزية فيه التعبير عن ماضي إفريقيا وحاضرها ومستقبلها، وقد ألف شاعر من (جزر موريس) النص باللغة الفرنسية، وألف شاعر من الحبشة النص باللغة الأنكليزية، وقد قام شاعرنا بتأليف النص العربي وقام بتلحينه الموسيقار الليبي " حسن العريبي " وغناه في الجلسة الختامية لقمة المنظمة الإفريقية، وهذا نصه:

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

هذا الجسدُ

تحتشدُ به أقسى أنواعِ السُّمومِ

كأنَّها مظاهراتٌ شعبيَّةٌ

أو عصيانٌ مدنيٌّ

أو اعتصام ..

*

كلُّ الشَّرايينِ

إلى القلبِ والعقلِ مُغلقةٌ

وكلُّ الدِّماءِ

التي تسري فيها فاسدة ..

*

هذا الجسدُ

ينتظرُ الموتَ الجميلَ

الموتَ الذي يُعيدُ إنتاجَ الحياةِ

وينقلنا إلى الشَّاطئِ الآخرِ

بأمان ..

*

لا تسألي يا حبيبةُ :

كيف يكونُ الموتُ حياةٌ

وكيف يكونُ الموتُ عزاء !

*

سرِّحي النَّظرَ

في الشوارعِ والمدنِ

في الأزقَّةِ والقرى

وكلِّ الآفاقِ المجهولةِ والمعلومةِ

في وطني !

كم هي شاحبةٌ

كم هي سوداء

بلونِ العراةِ

ولونِ الفقراء !

 

لِمَ تغيَّرَ لونكَ يا وطنْ

فصارَ بلونِ الخوفِ

ولونِ الظَّمأ ؟

*

لِمَ تغيَّر عطركَ يا وطنْ

فأصبحَ كرائحةِ الرُّعبِ

أو العفن ؟

*

من أين جاءتْ هذه النَّباتاتُ الغريبةُ

لتتفتَّحَ على سطوحِ السُّهولِ

ومعارجِ الجبال ؟

*

هذا الشِّتاءُ الغزيرُ

الذي يسيرُ في شرايينِ الوطنِ

لا نجني منه سوى الموتِ

أو التَّعب !

*

ما أطولَ الطَّريقَ إليكَ

وما أقصرَ الزَّمن !

فكلُّ الزُّهورِ المهاجرةِ يُراقُ دمُها

على شراشفِ أسرَّتِهم

في اللَّيالي الحمراء !

*

كلَّما قلٌبتُ الجسدَ

لا أجدُ إلا الجِراح تزدحمُ فيه

كازدحامِ الأطفالِ في المدارسِ

أو كازدحامِ الدَّعاوى

في المحاكمِ الشرعيَّةِ

أو غيرِ الشَّرعيَّةِ !

*

كم تحملُ أيُّها الجسدُ من ذكرياتٍ

حزينةٍ أو حزينةٍ

كأنَّها مقابرُ جماعيَّةٍ للفقراءِ

على مرِّ العصور

تتراكمُ فيها الآلامُ

كأنَّها الجبالُ

تُقيمُ فيها أسرارٌ وأسرارٌ

كأنَّها أساطيرُ الفراعنةِ

أو اليونان !

*

وداعاً أيُّها الجسدُ المسَّمومُ

فكلُّ المواقدِ مُطفأةٌ

وكلُّ الممرَّاتِ إليكَ ضيَّقةٌ

فلا تسألني عن شمسِ الشِّتاءِ

ولا تسألني عن شمسِ آذارَ

فكلُّ الشَّموسِ التي تُشرقُ عليكَ

مُحرِقَة !

*

هامشٌ:

ما زالَ هذا الجسدُ المسمومُ يبحثُ عن الموتِ الجميلِ

فهل تسمحينَ يا حبيبةُ أن تَهبيهِ قلبكِ مقبرة ؟

***

 

د.عاطف الدرابسة

 

جميل حسين الساعدياختار أحد الملحنين العرب المقيمين في ألمانيا هذه الأبيات

وغنّاها بصوته وهي من قصيدة طويلة

ألقيتها في إحدى الأماسي ألأدبية في برلين .

 

تاهتْ خطايَ وقلبي خابَ مسعــــــــاهُ

أوّاهُ ممّــــــــــا ألاقــــــــــي منكِ أوّاهُ

 

قدْ قلتِ لــي إنَّ هـــــذا الدربَ يجمعنا

فكيفَ أنكرني لمّـــــــــــا سلكنــــــــاهُ

 

الحبُّ ليسَ هو الأهواءُ طائشـــــــــــة

فكيفَ يجتمـــــعُ الشيطــــــــانُ واللـهُ

 

حبٌّ كحبّك شــــئٌ لســتُ أفهمــــــــهُ

لوْ أستطيـــــــعُ بأن أنســـى سأنســاهُ

 

شكوتُ لمْ أجْــــنِ بالشكوى سوى ألمٍ

صبــــرتُ حتّى شكاني الصبرُ والآهُ

 

مســافرٌ أنا قدْ ضيّعتُ قافلتـــــــــــي

ومُبحـــرٌ ليس يدري أيـنَ مرســــاهُ

 

أنــا الغريبُ الذي في الشرقِ مولدهُ

لكنّمـــــا فــي بلادِ الثلجِ سُكنــــــــاهُ

 

أرادَ بالحُبِّ أنْ يُنهـــــــي تغرّبَـــــهُ

فزادهُ الحبُّ منفــىً جنبَ منفـــــــاهُ

 

كنورسِ البحرِ يبكـــي وحْـدهُ ألمــا ً

والبحرُ يهـــــدرُ لا يدري بشكـــواهُ

***

https://www.youtube.com/watch?v=U0vJf9O4vJk

 

جميل حسين الساعدي

 

 

شذى الاقحوان المعلمألا يا اخضرار العمر كم خانني برق

                         إذا ما تماهى في حياتي كبسمتي

وقد عزني إهمال من في حشاشتي

                        يرائي فأنأى عنه صون كرامتي

وكم من ليال عشتها دون سامر

                         وحيدا أهاب الناس تسعى أذيتي

جميل بدا يختال حسناَ كما أبي

                    بلا .. في سبيل الحب أسلمت رايتي

أراني ووجدي هائم حين يختفي

                           كأني ببحر غارق ... وسفينتي

فأقسمت الا أهدي زهوري لغيره

                مدى الدهر مادامت ترى الضوء مقلتي

وأشكو هياماَ بي وكم تطرب الشذا

                          لا أهلاً .. توافيني وتلقى تحيتي

و يا حبذا همس بحرف ومبسم

                              ويا حبذا عشق يزيد بعزتي

هو الروح للأيام بل غيث ديمة

                    إذا أمطرت حباً على أرض همستي

***

شذى الأقحوان المعلم

 

 

صحيفة المثقفالى الزميلة بشرى البستاني

البقاء لله

 

حين يصرخ القلب

وتصمت العيون

حين يندس الأسى تحت الأظافر

يقرضُ يقرضْ

حين يرتجف القلم

لاعناً موجة الذكريات

حين يتبدد العمر

كعطر نفته الزجاجةْ

والأماني معلقة .. تجفَّ

فلا نسغ في الشجرة

ولا عيب في أحاجي الشتاء

يرقد الموت على مُكثٍ

ليرتجل النواح

حين ترتحل الجراح

من وطن لآخر

على خرائط الجسد

يمتري المرء

أساطير الكفاح

مضيفا الى سفره

صفحات أُخر

كيما يليق

بمرمرة شاهدةْ

يحتضن الطفولة دمية

ويدّكر الشباب

يطوي الخطايا

وأستار الجنوح

يمحو ويطوي

لهيب الرؤى .. سويعات الجموح

مضى كل شيء كغيمة

وأمطرت السماء ضفادعها

على مقل السنين

لابأس ... لا بأس

فما عاد في الجبِّ غِيلان

وما من سعالى

تذبُّ عنّا الموت

والنسيانَ

وسقط المتاع

*****

سمية العبيدي

29 /1/2019

 

 

حميد الحريزيفي كل إرجاء المعمورة شاعت أخبار مملكة (ملك الزمان)، حيث تمر عقود وتتلوها عقود من السنين، تذهب أجيال، ترثها أجيال، والحكم ثابت والآباء يورثون الحكم للأولاد والأحفاد، شعب يطيع ملوكه حد العبادة، فله الأرض والثروة، وله على الأرواح والأملاك السيادة ...

أثار هذا الأمر العجيب والحال الغريب احد صحفي العالم الديمقراطي المتطفلين ومن محبي المغامرة وطلب الدخول الي المملكة منفذا وملتزما بالشروط المطلوبة منه وهي:-

أن يكون ملزما بارتداء جلبابٍ خاصٍ يغطي جسده بكامله ابتداء من رقبته حتى أخمص قدميه، وان لا يخلعه أبدا طوال وجوده في المملكة وإلا سيكون رأسه ثمنا لخرق التعليمات .

ان يراقب، يرى ويسمع ولكن لا يعترض ولا يختلط بمواطني المملكة، اثناء تجواله ووجوده بينهم في الأماكن العامة او الخاصة ...

في المنطقة الحدودية استقبلته شلة من الأشخاص ضخام القامة متجهمي الوجوه، أيديهم على الزناد، ابرز لهم وثيقة السماح بالمرور بعد ان لبس الجلباب قبل رؤيتهم، اصطحبوه في عربة خاصة، مضللة الزجاج، اغرب ما شاهده ان لهؤلاء ذيولا طويلة يجرونها ورائهم، واضح ان رئيسهم أطولهم ذيلا، ففسر ذلك بكونه زي خاص يتوجب على قوات الحرس ارتدائه، فبدلا من وضع ريشة طاووس ملونة مثبتة في خوذ حراس بعض الدول والممالك، تقرر وضع ذيول في مؤخرات هؤلاء الحراس وفق نظام هذه المملكة،سارت السيارة لما يزيد على أربع ساعات، توقفت، فتح له الباب ليلج دار تبدو غير مسكونة، الا من بعض أشخاص كان يبدو أنهم من الخدم الخاصين بضيوف الدار، دار بينهم حديث لم يتمكن من حل ألغازه ولكنه يبدو توصيات خاصة به ...

تم حمل أمتعته وحقائبه وإيصالها الي غرفة معدة بشكل جيد لنوم وراحة شخص واحد، مزينة جدرانها بصورٍ للملك ِ وإخوانهِ وأبنائهِ وأحفادهِ وقسم من حاشيتهِ، في هذه الدار أيضا لاحظ ان للخدم ذيولٍ مختلفة ٍمن حيث الطولِ واللونِ، فلم تكن ردة فعله تختلف عما شاهده لدى الحراس فلازال ضمن حرس وحاشية الملك بمعنى إنها ضمن الأزياء الرسمية لموظفي الدولة ولا غرابة في ذلك .

كان يلاحظ ان الخدم بين حين وآخر يرددون عبارة كأنها هتاف، تبين له من خلال سؤال مرافقه، أنهم كغيرهم من موظفي الدولة يلهجون دوما بالهاتف بحياة الملك والعائلة المالكة قبل وبعد أداء إي عمل من إعمالهم اليومية،الغريب ان هؤلاء الأشخاص كانوا يرددون هذه الهتافات حتى مع عدم وجود الرقيب، يرددونها بنفس النغمة ونفس وقفة الخضوع والترجي والرجاء يرددها معهم دليله ومرافقه أيضا، ومن كثرة تكرارها كاد الصحفي ان يحفظها على ظهر قلب حتى انه اخذ يتوقع أوقات ترديدها بشكل تلقائي كما آلة تسجيل وفق تسجيل و توقيت مسبق .

لم يلاحظ وجود أكثر من قناة واحدة في التلفاز تعرض خطب ومؤتمرات ومحاضرات ونصائح الملك الى رعيته، جولاته، طريقة كلامه ولبسه ونوع وطريقة تناوله لطعامه، والكثير من مفردات حياته أليوميه، الجميع يجلسون يستمعون ويشاهدون بدهشة كبيرة كل ما يعرض في التلفاز ...

أمضى ليلته الأولى في هذا المنزل، ليستيقظ مبكرا طالبا من دليله ان يقوم بجولة في شوارع وأسواق وساحات المدينة كان له ذلك، وكانت أول ملاحظة لفتت نظره ان كل الناس البالغين رجالا ونساء تبرز من مؤخراتهم ذيولا مختلفة الألوان ومختلفة الأطوال، وكان صاحب الذيل الأطول يمشي وهو يختال فخرا، كما تتباهى وتفتخر الفتاة الحسناء بطول ضفائرها، فسأل مرافقه حول هذه الظاهرة التي تبدو غريبة فلم يرى ولم يسمع حول جنس بشري بذيل :-

 فأجابه مرافقه إننا نفتخر بهذه الذيول، فالذيل هو علامة الإخلاص والطاعة لملكنا العظيم، وإخلاص المواطن لملكه تتناسب طرديا مع طول الذيل، لذلك قرب وبعد الفرد عن الملك تقاس بطول ذيله، ستشاهد ان وزراء وحاشية وقادة الجيوش تم اختيارهم لأنهم الأطول ذيلا بين رعايا المملكة فرئيس الوزراء مثلا هو الأطول ذيلا بين جميع الوزراء وفترة بقائه في منصبه مرتبط باحتفاظه بهذه الميزة فان ظهر من هو أطول ذيلا منه فسيحل محله فورا وهو ينزل الي مستوى أدنى ...طبعا لكل طبقة او شريحة اجتماعية لون ذيل محدد يميزها عن سواها، يمنع اختلاطها، ويمنع تزاوجها مع الفئات والطبقات من الألوان الأخرى، تحصل عادة حالة تنقل بين هذه الفئات وفقا لمتغيرات الذيل، فقد يرفع احدهم الي طبقة أرقى إذا بلغ ذيله معدل طول أذيالهم، وبذلك تجري له مراسيم خاصة لتبديل لون ذيله، وكذا هو الحال بالنسبة لمن يصاب ذيله بالقصر حيث ينزل الي مرتبة أدنى وبنفس المراسيم ...حتى الزوجين يتم انفصالهم الفوري في حالة اختلاف طول ذيليهما، ليقترن كل منهما بشريك آخر له نفس طول الذيل ...

وهل يولد الإنسان عندكم بذيل ؟؟؟

طبعا لا، فنحن لازلنا كبقية البشر من حيث المواليد، تجري الآن بحوث علمية متطورة ومتخصصة لتكون الذيول اعضاءا تولد مع المولود منذ يومه الأول إي ان تكون الذيول علامة الطاعة للملك خاصية جينية وليست مكتسبة كما نحن الآن وقد تعاقدت مملكتنا مع علماء أجانب من مختلف دول العالم من اجل الأشراف على هذه الأبحاث والتجارب في معهد الأبحاث الخاص وقد وضعت لهم ميزانية مفتوحة غير مقيدة من اجل تتويج بحوثهم بالنجاح ... الأسرة لدينا ترقب بفارغ الصبر ظهور برعم الذيل للمولود منذ سنواته الأولى إي بعد نمو أسنانه الدائمية وبداية فطامه عن صدر امه،حيث تجري مراسيم احتفالية خاصة وتكريم من قبل الأسرة ذات الاطفال الذين تنمو وتظهر ذيولهم بوقت مبكرا أي تظهر ذيولهم قبل ظهور أسنانهم اللبنية، وهناك احتفال خاص ومميز لمن يولد بذيل، تصدر المراسيم الملكية باعتبارهم من أفراد الصف الأول ضمن حراسات وحاشية الملك ويخصص لهم رواتب وعناية خاصة ويخصص لهم زيا خاصا بهم يميزهم عن سواهم، لا يحق لغيرهم حضور ديوان الملك او الاقتراب من موكبه، وإما من لم يظهر له ذيل حتى عند بلوغه سن الرشد، فأما ان يقتل من قبل عائلته لأنه عار عليها ومؤشر خطير على عدم ولائها وإخلاصها وعدم تكريسها وقتا لتربيته وترويض طباعه حتى لا يكون شاذا، وإما ان يسلم للسلطات المختصة ويكون تحت رعاية (التيوس) وهم أصحاب اللحى والذيول الطويلة ذات اللون الأزرق الغامق، ليقوموا بإعادة تربيته وغسل دماغه وتطبيعه لعدة أشهر فان لم يظهر ذيله، يرسل الي مكان خاص لا يعلمه احد،ويتم عزله تماما عن الرعية ... وما يجب الإشارة إليه:-

 لا يسمح لكائن من كان ان يطلق لحيته ليكون من التيوس، فهؤلاء طبقة خاصة يتم اختيارهم من قبل مقربي الملك استنادا لطول ولون ذيولهم وتاريخ أسرهم لعدد من الأجيال السابقة تثبت عدم وجود ولو فرد واحد من أجيالهم من (الشواذ)، وان سلالتهم نقية الذيول واضحة الميول والإخلاص للملك المعظم ... هؤلاء هم الوحيدون اللذين يسمح لهم لقاء الملك المعظم وأسرته في قصره المعظم، مرة واحدة في السنة هي تاريخ ميلاد الملك، حيث يلقي بهم كلمة هي حزمة من الوصايا والإرشادات، يلقيها من خلال كرسيه الذهب المطعم بالجواهر والدرر والأحجار الكريمة، تحف به أسرته التي لا يعلم احد عددها ولا أعمار أفرادها، تتكاثر وتتزاوج فيما بينها لا تأخذ ولا تعطي مع بقية أفراد الرعية، حتى ان الملك يظهر لهم كل عام ولألف عام بنفس الهيئة والشكل والعمر، يذكر بان الملك لا يموت، لذلك يحتفل بيوم محدد من كل عام هو الأول من نيسان كعيد ميلاد للملك تحتفل به عموم المملكة من أقصاها الي أقصاها فتعطل الدوائر الرسمية والمعامل وتعطل كافة الأعمال في المملكة ليوم واحد ...

الشواذ أقلية قليلة جدا نسبة الي مجموع رعايا المملكة، فالطفل منذ ولادته، يخضع لتعاليم مشددة، يتعلم عدم الجدل، عدم رفض إي أمر يوجه إليه، لا يعترض على أكل او شراب او ملبس يرتدي، يحفظ عن ظهر قلب خطب ومقولات الملك المعظم، يهتف تلقائيا بحياة الملك ودوام ملكه، لا يسير الا مع الجماعة،لا يقرأ الا ما يقرره معلميه ومربيه، وهي لا تزيد عن تاريخ الأسرة المالكة ومعجزاتها ووجوب تقديسها وتمجيدها، وبمرور السنوات الأولى يلاحظ الصبي نمو وتبرعم ذيله فيعم العائلة الفرح والسرور، يقيم الأهل احتفالا خاصا بهذه المناسبة شبيه باحتفالات الختان للصبيان في بعض المجتمعات، توزع الحلوى وتذبح الذبائح وتقام دبكات جماعية تمجد الملك والأسرة المالكة، وعندها يتم تنسيبه الي إحدى القطعان تحت رعاية احد رعاة الملك من ذوي الذيول الطويلة وهناك تجري عملية مراقبة نمو ذيل كل فرد فجر كل يوم وقياس الطول بالمليمتر والسنتمتر وتثبيتها في سجل خاص وعبر بطاقة خاصة تعلق في رقبة الفرد ذكرا كان او أنثى، ووفق ذلك يتم فرز الأفراد ومنحهم علامات ومراتب تعبر عن مدى ولائهم للملك المعظم،تشكل من هؤلاء فرق مهمتها الأخبار عن كل من لا ذيل له،فلهذه الفرق حق قتل مثل هذا الشخص إذا حاول الإفلات من قبضتهم، فلا حياة لمن لا ذيل له في المملكة مصيره إما الموت او العزل التام عن المجتمع ...

ولفت نظره وجود صالونات فخمة في اغلب الساحات والشوارع متخصصة في تزيين وتلوين والعناية بالذيول، تشبه صالونات الحلاقة والتجميل في بقية أرجاء العالم

كما لاحظ وجود أطباء مختصين بصحة وسلامة ونمو الذيول لمختلف الأعمار وللنساء والرجال ..

لوحات إعلانات ضوئية كبيرة الحجم في اغلب الساحات كداعية لأنواع من المراهم والحبوب والإعشاب التي تساعد على نمو وصحة الذيل، كما يوزع قسما منها مجانا في الأماكن العامة، ويجبر طلبة الابتدائية على تناولها إجباريا مع وجبات الطعام

 على حين غرة يتوقف كل شيء عن الحركة وأخذت الأفواه تردد الهتاف نفسه في كل مكان، وقد لاحظ الصحفي ان مثل هذا الطقس يتردد ثلاث مرات يوميا، عند الفجر والظهيرة وفي المساء، الدليل موضحا ان هذا الطقس يمارس في البر والبحر، في المعامل، في المدارس، في المزارع، في المحلات الخاصة ..الخ فتضج المملكة بهذا الهتاف الموحد .

لاحظ زمر او ما سميت قطعان (الكلاب النابحة) مهمتها ترديد التهم والشتائم للأعداء كما يشخصهم الملك، وهناك قطعان (القردة) مهمتها ان تلهج باسم الملك تتدرب وتدرب الناس على أساليب الخضوع واستجداء عطف الملك وإسعاده وإضحاكه، وهناك قطيع (الثعالب)، و(الخيول)، وال(ذئاب)، الخ

 إما قطيع (الأسود) يتوزعون كقادة لكل هذه القطعان، ولاحظ وزارة التدجين والتدريب ومهمتها كما قال الدليل القيام بتأهيل وإكساب مهارة القيام بالواجب للفرد وحسب حاجة الملك لينظم الي احد القطعان وهنا تعطى حرية نسبية للفرد لاختيار القطيع الذي يناسبه طبعا يجب ان يحظى هذا الخيار بموافقة قطيع (التيوس)، وهناك قطيع (الغزلان) وهن من أجمل نساء المملكة مهمتهن إسعاد الملك وأسرته وتلبية رغباتهم وطلباتهم في إي وقت وفي إي مكان لهم وحدهم لا شريك لهم، وهناك قطعان العاملين في الزراعة والصناعة والصيد والتعليم وغيرها من الخدمات العامة لإدامة الحياة، هؤلاء لاحق لهم بالمطالبة بحقوق خاصة لهم الا ما يديم حياتهم اليومية فلا وقت للعمل ولا تحديد للراتب ...

لم يجد للناس بيوتا بالمعنى المتعارف عليه في بلدان العالم وإنما هناك مساكن جماعية لكل قطيع حسب صفته ومهمته، فكل شيء من اجل الملك، النساء والأولاد والغاية من الإنجاب، والتعلم، وحتى الأثاث ووسائل العمل .

 شعارهم إنا روحا وجسدا أحيا وأعيش من اجل الملك وهذا هو الكسب العظيم ...

صور الملك لا تخلو منها دار ولا مؤسسة ولا شارع ولا ساحة، وكل فرد صغير او كبير يحمل على صدره باجا خاصا لصورة الملك المعظم ...صورة الملك حاضرة أمامه ومعه دوما رغم انه لا يحلم برؤيته او مجالسته يوما، الا من كان ذو حظ عظيم ...

 وجبات الأكل مواعيدها موحدة في كل المملكة لكل (قطيع) وجبته الغذائية، وحسب ما متيسر ولا يحق لأحد الاعتراض وليس له الخيار والمفاضلة بين أنواع الأطعمة .

كان الصحفي مثار تساؤل ومحل ريبة من قبل (القطعان)، فهو لا يشبه ولا يسير مع احدها، كانت كاميرته توثق، ودماغه يضج بالكثير من الأسئلة، اخذ الخوف يدب الي نفسه فربما سينظم الي احد هذه القطعان لو طال مكوثه هنا، فاخبر دليله بأنه ينوي الرحيل، ولكن ليس قبل تحقيق رغبته بزيارة قلعة المنبوذين، التي شاهد بالصدفة قطعة تشير نحوها ...

سارت بهم السيارة مسافة طويلة حتى بانت من بعيد قلعة وسط ارض موحشة، محاطة بحرس من قطيع (الذئاب) وفصيلا من قطيع الكلاب، دخل القلعة وأتيحت له فرصة لقاء من كان في داخلها، وكانت الملاحظة الأولى أنهم بلا ذيول، ومن رافضي الالتحاق بأي قطيع من القطعان، وجد العديد منهم من ذوي الفكر الفلسفي، والأدباء والشعراء، وعقول تعشق الابتكار والتجديد وترفض التقليد، ممن لم يتمكنوا من الانسجام مع تقاليد مجتمعهم، كما لاحظ وجود قطعة صغيرة معلقة على صدر كل واحد منهم كتب عليها رقم بالدولار ...

اخبره الدليل ان بإمكانه اختيار إي عدد من هؤلاء المنبوذين مقايضة بكمية من البضائع تعادل السعر المثبت على صدره، فلا حاجة للمملكة بأمثالهم، اتصل الصحفي ببعض الشركات في بلاده عارضا على مالكيها الاختصاصات المعروضة للبيع في مملكة الذيول مع قائمة بالأسعار لبيان الحاجة، وقد أتاه الرد سريعا، بالموافقة على جلبهم جميعا وبدون استثناء وسيحصل مقابل ذلك على مكافئة سخية وقد كانت المنافسة شديدة بين الشركات للفوز بالصفقة، وعدوا الصحفي بمكافئة مغرية لو تمكن ان يعقد مع سلطات مملكة الذيول اتفاقية طويلة الأمد لتصدير (المنبوذين) إليهم مقابل ما يحتاجون إليه من حاجة .

استبشر الديوان الملكي ورحب كثيرا بالاتفاقية عارضا على الصحفي واحدة من قطيع (الغزلان) كهدية له من الملك مقابل خدمته للملكة، مما اضطره الي رفضها لأنها تتعارض مع حقوق الإنسان في بلده، وسط استغراب مرافقيه .

طلبت من مرافقي ان يقدم لي طلب للموافقة على حصولي بإذن دخول ديوان الملك ان كان ذلك ممكنا ... وعلى الرغم من استغرابه الشديد لهذا الطلب الذي يعتبر من المستحيل الموافقة عليه، ولكنه مأمور بتلبية كل طلباتي بأمر من الجهات العليا، فأرسل الطلب الي مراجعه، وقد جاءت الموافقة بعد وقت قصير وكمكافئة لي لأني تمكنت من استغفال (الشواذ) في دولتي بعقد اتفاقية مقايضة شواذ مملكة الذيول بسلع من بلدان دول (الشواذ) كما كانوا يسمون من لا ذيول لهم في العالم الآخر ...

رافقني عدد من الحراس الي باب القصر المهيب،باب بالغ الضخامة محروس بعدد من رؤوس الأسود الذهبية، ومرصع بمختلف أنواع وألوان الجواهر، محكمة أقفاله الكترونيا ويتم التحكم بها عن بعد من داخل القصر ...

سلمني هؤلاء الحراس الي عدد من التيوس الأشداء اللذين تخط الأرض ذيولهم ولحاهم الزرقاء،ما ان دخلت حتى رأيت العجب العجاب، أبواب تليها أبواب وفي كل باب صف من الحراس المدججين بالسلاح، بعد الباب السابع، دخلت جنة الله في الأرض حيث الأشجار دانية القطوف، وأشكال وأنواع من الطيور لم تر مثلها عيوني في كل مكان، بحيرات متراصة ونافورات ملونة تعمل على مدار الساعة، تربض بين خمائلها الغزلان والطواويس، والحمام والبلابل ووو...

بعد ان اجتزنا عدة كيلو مترات من الرياض والجنان باذخة الجمال وفائقة الخيال، تم استقبالي ولوجدي هذه المرة من قبل كردوس من أجمل الفتيات كوصف الحواري في جنان الخلد، تمت قيادتي من قبلهن الي باب ضخمة من الزجاج السميك قيل انه ضد الكسر حتى من قبل قذائف مدافع الدبابات، فتح هذا الباب كلمحة البصر، سحبت من دون ان اعلم الي الداخل ولوحدي طبعا ... فشهدت ما لا تراه عين، قصر من الزجاج الشفاف والمعتم وبمختلف الألوان، ترقد عند بواباتها المضللة بالورود فتيات باذخات الجمال ولكنهن أيضا بذيول من صنف (الغزلان) ذيولهن تخط خلفهن، فتح لي الباب الأول فاستقبلت بالموسيقى وبأصوات مهللة مرحبة بضيف الملك المعظم، ومرددة هتافات المجد والحياة لعظمته،كنت أسير على أرضية مكسوة بالذهب والفضة لا تشعر وأنت تسير في دهاليزها لا بالحر لا بالبرد، كانت تسير أمامي سهام من ضوء تدلني على متابعة طريقي صوب الملك المعظم،ولا اعرف كيف أحسست ان اذرع عملاقة رفعتني عاليا،حملتني وبعد وقت قصير وضعتني أمام كرسي بالغ الضخامة قوائمه من الذهب المطعم باللؤلوء والزمرد والجواهر البراقة التي لم ار مثيلا لها في حياتي، يجلس خلفه رجل مهيب الطلعة تشع الصحة والعافية من خدوده، بريق عينيته يكاد يغشى عيوني، يرتدي لباسا من الحرير الأبيض، وعلى رأسه تاج لا يمكنني وصفه لأنه يتموج بألوان وإشعاعات مختلفة، يقف في كل جانب سبعة فتيان،لهم صفات الملائكة يبد لي أنهم لم يروا نور الشمس طيلة حياتهم، ومن أهم ما لفت نظري، ان الملك ومرافقيه ومن يحف بيه من الأمراء والأميرات جميعهم بلا ذيول ....

ابتسم ألملك وكأنه فهم ما اضمر من أسئلة، وما أصابني من الاستغراب، قائلا :-

- يكفيك ما شاهدت وما سمعت، ولا تسأل عن المزيد، فلا غرابة ان نكون بلا ذيول، فالحاكم ليس له ذيل، الذيول للرعية فقط، ومن يظهر له ذيل من الطبقة الحاكمة يقتل فورا وبلا سؤال ... والآن عد من حيث أتيت، شاكرين لك ما قمت به من جهد وتخليصنا من شواذ مملكتنا .

- ما ان لفظ لفظه هذا حتى تلاقفتني الأكف واذرع العملاقة ولم اشعر الا وآنا مرميا أمام الباب الأول وبانتظاري الحرس المذيل الذي جلبني أول مرة ومعه مرافقي ومترجمي الذي واصل حديثه السابق حول ظاهرة الذيول قائلا :-

ظهرت على شاشات التلفاز بشارة لرعايا المملكة بعقد اتفاقية طويلة المدى لمقايضة شواذ مملكة (الذيول) مع ممالك (الشواذ) في العالم ببضائع تسد حاجة الملك المعظم .

فلتحتفل كل القطعان بهذا المنجز العظيم وخلاصهم من الشواذ أول بأول من الآن فصاعدا .. .

***

رواية قصيرة جدا

حميد الحريزي

 

 

 

فتحي مهذبأحيانا

تبدو متحدبا وعلى ظهرك

جرة هذا العالم

مملوءة بسم الشوكران ..

أحيانا يبدو ظلك

منهمكا في الإصغاء الى طقطقة

عظام الأسلاف ..

مهجوسا برائحة عرق الأرض .

ينام وحيدا أمام البيت.

أحيانا

تناديك شجرة نائمة

بايقاع مبحوح..

شاعرا بالأمس كانت..

مسمرا في عزلته

تنقر فروة رأسه

طيور كوابيس

كم آلمه غياب الأسماء..

أحيانا

ترسو باخرة على ساحل ظهرك..

يهبط زنوج كثر  بأكياس هيروين..

امرأة مظلمة تبحث عن طائر قلبك..

يسقط سمك نافق من مخيلة بحار..

يعلو ضجيج أوركسترا جنود

فروا من إمارة رأسك..

يسعل حظ أعمى على كرسي متحرك..

أحيانا أبصر غيمة تبكي بمفردها

ذاهبة الى حجرتك الغائمة

بحثا عن خاتمها المفقود ..

أحيانا

أسخر من مشية هذا العالم..

من تأويل الغراب لأحلام الشجرة..

من ايقاع باخرة الموت

في أنهار شراييني..

من فهارس أسماء

تثغو تحت صرير ممحاة..

من سحلية الوهم

اذ تقرض حبال الهواجس..

من هجرتي العبثية

في أقاليم الصيرورة .

أحيانا

على غرة يزورني فرانكنشتاين

على جواد من ذهب خالص..

باحثا عن مسخ آبق من حجرته

الرجيمة..

- أرأيت هذا الجرم الكاسر..

- نعم ينام منذ البارحة في قاع النص ..

لا أدري من فتح النار على مخيلته..

- لم يشرح لي سبب هروبه..

يبدو مهموما بتقليم أظافره..

يغني لأسرى وثوار يعتاشون

من تجاعيد مراراتي..

- أرجوك أعني على استرجاعه الى مملكة رأسي..

- كيف السبيل اليه..

- ذره يتطوح في اللامعنى

وفي اللاشيء .

***

فتحي مهذب

 

محمد المهديوها هي ذي الأوقاتُ

تَنسِلُ من أناملنا،

كماء مُنهَرِق يَتوقُ إلى انحدار. .

فهل مِن وِعــاء للزّمن،

يُجزيـنا تَعبَ الحِرص،

ولُهاث الطريق؟

وهَل من صَبر يُنْظِرُنـــا

الى صباحٍ يُشيــح العَتْمة،

و يَنثُــرُ أسبابَ الحياة بين شقوقِ الأرض

ويَمنعُ العَبَرات عن عيون الغد؟؟

حينَ تحضُنُــنــي عُزلتي،

وتُلهيني عن هموم الأرض،

أَذوب سَمْعًــا بين هَمس الرّوح

وتَأنيــب الحَجَــر الصَّـلْـد الممتد فِــي!!

أَ أُهاجر وَحدي،

وأُغادر الأوراق والقلم ..

وأعانقُ وَحْدي كلّ آيـات البُؤس والألم..؟

لا ليس مثلي يسعى إليه الندم،

أو يَبني هَرَمــا من عدم !!

أنا المُـمْسك بِكَـفٍّ روحي،

و بكفٍّ وَرقا وقَلم .

***

محمد المهدي ـ تاوريرت ــ المغرب

 

محسن الاكرمينأرتشف قھوتي المسائیة وحدي وبكل ھدوء وسكینة، اللیلة لیلة صیام الیوم الأول من شھر الغفران رمضان... المقھى فارغة من رواد كرة الموندیال ... في زاویة مغلقة من فضاء المقھى عكف حبیبین على تبادل الابتسامات الاحتفالیة، وفي كل لحظة من غفلة الجالسین تسمع ضحكة مدویة من تجمھر لشباب الیوم حول براد شاي یتیم ...لا أعرف سبب الضحك، ولكن أقر بأنه نزق الشباب الطفولي، یفرغ عن الذات الثوریة السلبیة ...

رن ھاتفي وكعادتي أبحث عنه، إلى أن أضع علیه یدي بالوصایة ... لا أعرف بالضبط رقم المتصل، لكني أیقنت عند ملامسة الصوت لمسامعي أنھا حبیبتي ... لم أستطع الرد إلا بلفظة " ألو" فانطلق صوتھا بالسؤال عن أحوالي؟ وعن غیبتي؟ وعن حالتي الصحیة؟ تجمعت عدة أسئلة بالترادف المنطقي ...لكني في قرار نفسي ..أذكر لحظاتھا الجمیلة، ترتسم بالتمام والكمال عبر نوستالجیا إحیائیة أمامي ... نظرت ذات الیمین وذات الشمال كمن أراد الإفطار في رمضان عنوة عند قطعه للشھد، أو جني الورد ... ثم قررت البوح بالكلام المباح ...شكرت مكالمتھا في "العواشر ... الرمضانیة " ...واستلھمت من قاموسھا الاجتماعي مجمل المفردات ذات السلطة الأولیة في بدء الحوار سؤالكم عن إسم حبیبتي، علامات استفھام قائمة الحال عندكم .

 أحسست كذلك بتردده على شفاھكم منذ البوح بسرھا . إنھا " شعلة " اسم غریب علیكم ألیس كذلك؟حقا ھي شعلتي في طفولتي . ھي الید السمحة التي كانت تغفر عن نزواتي السلوكیة . ھي ذلك الأمل الذي تعلقت به في حیاتي الفردیة والجماعیة ...حضورھا بجانبي كان یغطي مساحة المكان بالفرحة، وبشلال شمس أشد برد من نار إبراھیم علي... كنت أیام ذاك أعتبر نفسي سلطان زماني ... فالحب یغطیني ویفترش لي جنة ورد ...ھي ذي حیاتي الماضیة أرجع إلى ھاتفي، وأترككم تتوسعون في مدى سعادتي ...قاطعت صوت حبیبتي الذي غلب علیھ البكاء ... منادیا علیھا " بالشقیة " وھي الصفة التي كنت أحب أن أنادیھا بھا عند یكون التوتر یمتلك دواخلھا ... تنھدت حتى ضننت أن الھاتف زاد ثقله على یدي ومسامعي ...لكني أردت أن ادفع بشيء من علم الاجتماع والنفس الذي سكن قلبي عند الدراسة الجامعیة ...أن أخرجھا بلطف من قوقعتھا المتجمدة بجلید الزمن الماضي ... أیتھا الشقیة أحن إلیك ...أحن إلى الدفء الطري بجانبك ...أحن إلى لمسة شلال شعرك ...حین ذاك أیقنت أن .... روعتھا بزوبعتھا الأولیة بدأ سحابھا ینقشع شعلتي ماذا حل بك؟، سكتت حتى ضننت أن الھاتف نفذت بطارته، لكنھا افتتحت قولھا بحبي الأول ...ھنا سحبتني برفق إلى الخلف ثم عملت على شدي كي لا أقع عندما أتمت اللازمة وحبي الأخیر ... لم تنادیني بإسمي، بل كان إسمي العائلي ھو خطابھا الموجه إلي ...ورغم أن الأعوام الخمسة من علاقتنا، فلم تذكر یوما لما كانت تتجاھل إسمي وتنقلني دائما إلى صفتي العائلیة ... رجة مدویة حین ذكرتني بالیوم الذي حضرت إلى جلستنا المعتادة وھي منتقعة اللون ...حین ذاك جلست قاب قوسین مني ویدھا مشدودتان ...ثم حكت أن خطیبا قد دق ببابھم یطلب الحلال ... بكت وعند ذاك لم أدرك مرجعیة الأمر إلا من تیقني الأكید أنھا تحبني ... لكن لھا اعتبارات أخرى لا داعي أن أعري عنھا غطاء الماضي ...اه، سادتي الكرام كنت في تلك المرحلة طالبا في السنة الثالثة بالجامعة ... للمرة الأولى تخاطبني باسمي ھنا توقف تفكیري وانحصر بحالتھا ...كم كان جمیلا اسمي ینطق من طرفھا بلیونة القلب الخافق ...تنھدت بقوة زفير، وأكدت أن والدیھا قد قبلوا الخطبة ووثقوھا بتلاوة "الفاتحة " مع الخاطب وباركوا الزواج ...ثم أردفت القول بأن إمكاناتي لا تسمح لي بالإقدام على خطوة الزواج ...ووضعت مجموعة من الاعتبارات ...الحق إليكم أبوح به لأول مرة لم أكن أستمع إلى تسویغاتھا التبریریة وإنما سبحت في مكاني بعرق بلل ثیابي في عز البرد المكناسي القارس، في عز جبني آنذاك ... أنھت كلامھا بخطاب رفق لحالي ... یا ولد الناس أفتیني في أمري ھذا؟ ھنا ولأول مرة في حیاتي أشعر بقلة حیلة الید ...ماذا عساي قوله انتظریني ...فإلى متى؟...تزوجي ...واتركي لي یدك الیمنى قلیلا فھو خیانة لا أرضى بھا لنفسي فبالأحرى لغیري ولحبیبتي الغالیة ... ھنا أعترف بأنھا كانت أذكى مني، وأسرع إلى الحل بإجرائیة منطقیة ... قبلتني بمتم جبيني ... ثم أخلت المكان بما فیه قلبي وزماني ...

ھي ذي قصتي مع شعلتي الضائعة بزمان انحسار الحب ...وأنا أحادثھا شد انتباھي طالبة تحمل كراسة الدراسة المغلقة رغم أن الامتحانات على الأبواب دخول موسمھا المتعب ... قدھا الجسدي یماثل بقلیل شعلتي ...ھنا ارتبط الماضي بالحاضر وأشكل التوقیع على المستقبل الآتي ... رجعت بمسامعي التامة إلى حكي مخاطبتي حین صرحت لي أنھا قد أنھت علاقاتھا الزوجیة بطلاق ثلاثي المرات ... وبین یدھا طفل عمره بعمر زواجھا ... وبعد ندامة الزوج قرر العودة إلى أبنائه وحضن زوجتھه... مع إعلانه التوبة التامة... من تم وبعد استشارة العدول أكدوا علیھم بضرورة تزوج المطلقة بثلاث "من محلل" ثم الطلاق والعودة إلى الزوج الأول

 ....ھنا فھمت القصد بمتوالیة سلبیة الماضي وقرار الحاضر .... خاطبتني، :حبي ھل أنت مستعد بالتزوج بي ثم تطلیقي؟ مع العلم أنھا تعرف تمام العلم أنني لازلت عازبا ... لأنھا تسكن مدینتي وتتبع أخباري ... سكتت ... واستحضرت ظلمي لنفسي ولھا في الماضي ...ثم قررت تكسیر حدودي الاجتماعیة المعیاریة وإجابتھا بالقبول .... على الھاتف أحسست بفرحتھا المطلقة وبأنھا ترقص وشعرھا منفك خصلاته ... ضحكت وأقحمتني في خانة أنني لا زلت أحبھا وبحبھا متیم ... بیني وبینكم سادتي الكرام لازال حبھا یسكن دواخلي العاطفیة ... ولأول مرة أقر بحبھا علانیة وبصوت مرتفع ...بقولي ...وإني أحبك،إني أحبك ...لكن أخاف .... أقسمت أنھا لا زالت وفیة لعھد الحب الذي رسمناه سویة على شجرة الزیتون بوشم الحروف الأولى ... ثم عملت على إرجاعي إلى مكمن السكون برفق حدیثھا ...من خلال أنھا أرادت تذكیري بأن الحیاة عطاء وأخذ ... وأنني قد أجد بنت الناس من تسكنني فردوس الحب والحنان ...ثم أكدت أنھا لم تطلق ولو لمرة... وإنما إحساسھا بالذنب نحوي،ھو من دفع بھا إلى مھا تفتي لتلتمس مني ... البحث عن حب جدید اختلف ردي لھا في تلك اللحظة ... بمخاطبتھا سیدتي الشعلة وعیت خطابك وآمل لك العیش الكریم ...أتمت كلامھا بمتمنیاتھا بقضاء رمضان كریم ...إنھا قصتي الیوم مع حبیبتي الشعلة المدویة... والتي انتھت بسماع نفیر الإعلان عن إقبال شھر رمضان الكریم.

 

ذ. محسن الأكرمين/ المغرب

 

زيد صالحمن صدرها لي غيوم العشب ملتجأُ

                       وريم عمري بهذا القلب يختبئُ

حرفي يسافر في جنّاتها شغفاً

                         فمن يديها جرار الشعر تمتلأُ

الشمس يا صاح من تنورها خُلقت

                          وخبزها سجدت من آيه سبأُ

كأنّ حبل غسيل الغيم اغنية

                          لحن الثياب ِ على آفاقها يطأُ

تنمو شجيرات حبرٍ في أصابعها

                           والوجه سِفْرٌ وفي آياته النبأ

انى اخاف من الظلما وذا جسدي

                      على عصا ضوئها كم كان يتكا

أمي تخيط لنا الافراح من دمها

                        أذا رأت ثوبنا بالحزن يهترئ

الحقل يرشف من الوان ضحكتها

                        اذا أصاب ثرى لوحاته الظمأ

جداول الحب تحدو حولها قبلا

                        إذِ النبيّون من أضلاعها نُشِئُو

***

زيد صالح

 

عبد الجبار الجبوري1- قلتُ لَها أُحبُّكِ وكَفى

مرةً، قلتُ لها أحبُّك، فوضَعتْ إصبِعَها على شَفَتي، وقالتْ (بدلالٍ) لاتكْذُبْ رجاءً، فآحمَّرَّ وجهُ القَصيّدةِ، وشابِ شعرُ الزَّمانْ، وباسَ ضِحكتَها فَمي، بَعدَها سَالتْ الحروفُ على شفتّيّها كنهرٍ حَزينْ، وأمطرَتْ مِزِنُها عَسلاً وخَمراً وضوعَ سنين، بُستّانُ أُنوثتِها يملأُ الأُفقَ عِطْراً، وزّيتونتا صَدرييّها، تَقْطرانِ حليبَ الشّبقِ القُدسيِّ، قلتُ لها أُحبُّكِ، فآمتلأتْ سماؤها بالغُيومْ، ومَشى الليّلُ على وجْهِ المَاءِ، وإختفى منْ خَجلٍ، قمرُها القَتيلْ، قلتُ لها أُحبُّكِ، فآشتبكتْ الشّفاهُ بالشّفاهْ، والليّلُ بالليّلِ، والماءُ بالماءْ، والشوّقُ بالشوّقْ، ونَمَتْ على خَديَّها أزاهيرُ القُبَلْ، أعترفُ لكُم، أنَّ تلويحةً من شالها الأحمر، تُحييِّ عِظامَ رُوحي و(هي رميم)، تُفجّرُ أوقاتي طرباً، فأتيهُ في حُرَقٍ مِن وَجَعِ الَماءْ، وقلقِ المَاءْ، وشَبقِ الماءْ، ولعنةِ الهيامْ، دُمْتَ صَحْواً أيُّها البَهاء، دُمتَ خمرةَ العِناقْ، وَدَعْ قَلميْ يسرقُ مِن محبرة ألأنثى، كأساً من خمر العيونْ، لتَسْكرَ حُروفي في بَرَيد القُبَلْ....

 

2- محاولةُ لتقبّيل ثَرى خُطاها

حاولتُ كثيراً، وفشلتُ كثيراً، أنْ أرْعَى غَنَمِي في بُستان أُنوثتِها، بَلى حاولتُ كثيراً، أنْ أداوي جُرح مواجعِها بأنينِ قصائدي، وأُيمّمُّ وَجْهي شطرَطفولتها، وخمرةَ شفتيها، جُنَّ ليلي وإبيضَّتْ عيناي من البُّكا، وما طلعَ قمرُ نِهديّها، فماتتْ نجمةُ صُبحُها على عتبة دَمي، دَمي المجبوّلُ بِوحلِ صمتِها، صمتُها الذي يَذبحُني كلَّ يَوم، وتَسيلُ أدمعهُ على خدِّ أحرُفي، تُربِكُني نظراتُها، وهي تُرسِلُ لي إشاراتٍ إلهّية، تُربكُني دمعُتها المهَطولةُ فوق أديمِ جُرحي النازفِ حُبّاً لحظةَ لُقيّاها، دمعُتها وهي تهبطُ على خدِّ قصيدتي، حين تقرأُها بصمتِ الأنبيّاء، وتَشهّقُ من وَلَهٍ – الله كمْ هي جميلةٌ قصائدُك، ورائعةٌ مثلُك – هو سيفُ عشقٍ يدخل قلبي كضوء، ويخرج مِنهُ كضوء، فلا نُوقٌ تَحِنُّ، ولا طارشٌ يَجيءُ، ولا قمرٌ يطلعُ مِنْ بين النِّهدِّين النافرّين، كغزالٍ هاربٍ من صيّادٍ، لايُجيدُ الصَّيدَ، إنهّا غزالةُ قلبي، التي ضَلَّتْ الطريقَ إليّهِ، كما تَضَلُّ القُبْلةُ الطريقَ الى شِفاهِ البَّحر، أقصدُ قَلبي، قَلبي الطفلُ المُدلّلُ لديهَّا، وهو يُعاندُ ويُعانِدُ، وهي تجيءُ مُحمَّلةٌ بالقّصائدِ، والغيومِ والمَطرِ، وشَبقِ الكلام، تعالَ أُيهُّا القَمَرُ، ها هي قصائدي، تَفتح ذراعيَّها لَكَ، لكَ وحدَكَ، لاشريكَ لكْ، تعالْ ستَخضرُّبساتينُ صدرِها، والمواجعْ، وسيُلوِّحُ لي شالُها الأحمر، ليُعانِقَ أحرُفي، أحرُفي التي تَحبّو إليها كطفلٍ عاشقٍ، أتعّبهُ النظّرَ الى عينيّها، وهامَ على وَجهِهِ في متاهاتِ العُمر، تَعالي لأُقبِّلَ خَطوَّ ثَراكِ وأموتْ ....

 

3 - صلواتُ عشقٍ في حَضرتِها

رُبمّا، نلتقيْ في وحَشةِ الليّلِ، أو في آخرالليّلِ، نَلتقيْ، في آخرالعمر نَلتقيْ، ليسَ مُهّما أبداً، مَتى وأينَ نَلتقيْ، لكنَّنا سَنلّتقي، تحتَ ظِلِّ غَيمةٍ مهاجرةْ، ونجمةٍ مُكابِرةْ، وليلٍ بَهيمْ، وسماءٍ بلا قَمرْ، أيتُّها المغرورةُ العنيدةُ، قُولي لموجةٍ تُريكِ الثُرَّيا، وقبلةٍ تُريكِ القَمرْ، أننّي لستُ سِوى عاشقٍ في بَهو حبك، أُصلِّي ركعةَ عِشقٍ كلَّ يومْ، لبهاءِ وجهِكِ، لطولِ قامتِكِ الفارِعةْ، لعينيكِ اللتّانِ تحكيانِ لي كلَّ شيء، لِحُمرةِ خَديّكِ، اللتان ترسُمانِ على رملِ دَمي خريطةَ الشَّجنْ، لشفتّيكِ اللتّانِ تهطلانِ على شَفتي عسلَ الأنوثة، لحُلمةِ نِهديّك الهاربتانِ في براري اليقين، لعُشبِ إبطيّكِ، اللذانِ يَعْبقَانِ برائحةِ الأنوثة الكافرةْ، لشمسِ جَفنيّك، وهما يُظلّلانِ روحي، من قَيظِ الشَوّق، لقلبي الذي يَنزفُ حُبَّاً، لا هذا ليسَ قَلبي، هذا حُبُّك يُعيدُ لي، عِظامَ حياتي وهي رميم، يَتشكُّلُ في روحي، زمانٌ آخيرْ، لكلِّ هذا يُصلّيْ قَلبي ركعّتا عِشقٍ صُوفي، ويُسمِّي الاشياءَ كُلَّها، بريدَ القُبَلْ، هاهو غُبارُ غيابِكِ يَحجبُ عَنِّي، وجهَكِ البَعيدْ، وتَحجبُ غيومُ حُبُّكِ شبح أيامي، أفكلّما إلتقيّنا، تغيبينَ عَنِّي، وراء ذلك الشيءُ الذي إسمهُ الخَجَل، وتُربكيِنَ خَيْليَ، وهي صاهلةٌ في صحراءَ ليلكِ الحزين، تَعالي شُوفي الأقمارَ كُلّها في سمائي، تشتّاقُ لكِ، وتُصلِّي لكِ، وتُغِّني لكِ، وتُرتّلُ لكِ مزاميرَ عِشقٍ أزليّة، فلا تُخادِعي وتَخدّعي قلبّكِ، وهو حائرٌ بينَ قَلْبي والقَمرْ، فالحبُّ ليسَ خِدعةً بين إثنّين، الحبُّ جِسرٌعائِمٌ بين قلبين، لايعرفُ الهذيّان، وقدرٌ يرفضُ النِسيّانْ، دَعيِني إذنْ، أُصلِّي صلاةَ عشقٍ بحضرةِ حُبِّكِ، وأستغّفرُ القُبَّلْ ......

 

4- ترّسمُنِي ضِحكَتُها قَمراً

يَكفيْ، حينَ تُطليّنَ يَتلعّثمُ حَرفي ويَنعقدُ لِساني، حينَها يركضُ قلبي كطفلٍ سعيد، لينْحَني ويُقبِّل يَديّكِ، ورُوحي تُقبّل يديّكِ، ويَدي تُقبّل يَدكِ، أعرف تَفصلُنا ملايينُ السنّين، يَستحيلُ فيها اللقاءُ الأبديُّ، أعرفُ هذا(زَيْنْ)، ولكنْ ليسَ لي سلطةٌ على قَلْبي، أنْ أَمْنعَهَ مِن أنْ (يموتَ عَليكِ)، كما أموتُ عليكِ حُبّاً أنا، وأعرفُ كمْ تخذلُنا الأيامُ، والليّالي الطويلةُ، وتُؤّرقُنا الأماني، وتُحيلُ أحلامَنا رّماداً، ولكنَّ وجهَك المُدوركقمر الله، يُطيلُ عُمري، ويُحرِّضُ حَرفي للبُكاء على يديّكِ، الى آخر العُمر، قاسيةٌ أيامُكِ، وقاسٍ صمتُك، ويابسةٌ أحلامُكِ، وهاربةٌ نجومُك الى بساتين روحي، وفرحِ وجعي، لترعى غَنم أيامي، وتُريني كيفَ أتعلُّقُ بذيلِ عباءتكِ، وأتوّهجُ على شفتيكِ قمراً ترسمُهُ ضِحكَتكِ، فأغني مع فيروز (لو فينا نُهربْ ونطير مع ها الورق الطاير تنكبر بعد بكير شوصاير شوصاير)، يا إلهي كيفَ يخفقُ القلبُ جنوناً، ويدي ترتّجفُ، وأنا أرسمُ شفتيكِ على الأرضِ وأُقَبّلْهُمَا، لَوّحِي لِي، ولوْ بِضحكةٍ من بَعد ألفِ مِيلْ، إهمسيْ ولو بظلِّ كلمة –مرحباً –يرتاح قلبي وتهدأ جوانحي وترقص أحرفي طرباً، (ياريتني في بيتك مرايا، وكل صباح تشوفني)، أترى هل تُفكّرُ بِيْ كما أفكِّرُ بِها، أتُرى تَحلُم كما أحْلَمَ، تُحبُّ كما أُحبّْ، أتعرفُ كمْ أُحبُّها يسألُها قَلبي، أمْ (تُغلّسْ) خَجَلاً، وتَترُّكني ليأسِ الكَلام، وقسوةَ الكَلام، ووجعَ الكَلام، وهي غافيةٌ على سُرّر الشوّق تَنامْ، يا تُرى أينَ هيَ ألآن، مِن بَوَحي وهُيامي، أينَ هي من شَجني وغَرامي، أعرفُ أنَّكِ لستِ لِي، بَلى لستِ ليْ، ولكنْ تأكّدّي أنَّكِ تَسكّنينَ أعماقَ رُوحي الى الأبدْ ..، فقط يكفيني من شفتيك نصف قمر لأعيش...

***

عبد الجبار الجبوري

 

سليم الحسنيعلى نبرة مزاجه يُسعد أشخاص ويشقى آخرون، يجتهد كل من حوله لنيل مرضاته، حتى شاع ذلك بين الناس، فأسموه (الأمير رضا).

كان يختار رجاله بعناية، يلتقطهم من بين الآخرين بنظرته الفاحصة، وحين ينال أحدهم الحظوة عنده، فانه يُصاب بقلق الطاعة، فيقضي الليل والنهار يسأل نفسه وأصدقاءه وأهله:

هل رضيّ عني الأمير؟

هل بدر مني ما يخدش مزاجه المقدس؟

هل سمعتم منه صمت القبول؟

أسئلة لا جواب لها، فلا أحد يعرف ما في رأس الأمير، إنه سرّ من الأسرار، عالم من الضباب والغموض والألغاز، دهاليز معتمة، أرقام وحسابات ودوائر وخطوط ورموز، فمن يقوى على قراءتها، إنها لغته الخاصة، اصطنعها لنفسه، يكتب حروفها على الهواء بإصبعه، فلا يراها غيره. وزيادة في الحذر، فانه يُبخر عمامته كل مساء ببخور هندي يمحو أثر الأفكار.

وحين يرى الأمير الطاعة المطلقة على أحد رجاله، فانه يمنحه مثقالاً واحداً من الثقة، ثم يضع عليه عيناً من عيونه الأمينة، ترصد صمته وسكونه، تتسمع دقات قلبه، تفسّر أحلامه، فلا أمان للأعوان حتى يصلوا يقين التوحيد بالأمير.

...

لم يكن الأمر معه كذلك، ففي زمان مضى، كان يخرج من بيت والده بجلبابه، يحمل دفترين وكتابين تحت أبطه، يقصد الدرس صباحاً ويعود خائفاً، فقد كان يرى الشباب يحتجون على الظالم والظلم، ينشرون كلام المعلم الأعسر، يدخلون السجون منتصبي القامات، يعود نصفهم اجساداً ممزقة في جوف الليل الى المقبرة الكبرى. فكان ينطوي على نفسه، ينأى بها عن هذا الدرب، يلوذ بجدران الأمان يحتمي بظلها.

قضى على ذلك سنوات الصبا وأوائل الشباب، حتى جاءت الألفية الثالثة، وسقط برجان ضخمان في أقصى الأرض. فبعدها بأيام قليلة رأى في منامه حلماً غريباً. قصد عجوز المدينة التي تفسر الأحلام.

ـ إني رأيت في منامي هياجاً وضجيجاً، وصنماً يتهاوى، وخيلاً من حديد، وذئاباً زرق العيون. وكأني أحلب عشر بقرات سمان، وكلما انتهي من واحدة يجف ضرعها، ويهزل جسمها فتأكلها التي تليها، حتى أتيت العاشرة فما أن لمستها حتى أنقلبت ثوراً هائجاً، يضرب بقرنيه ذات اليمين وذات الشمال، فما أبقى بيتاً إلا وأصابه بخراب، ما عدا بيتي فقد بدا أكثر علواً وأحسن بناءً وأوسع داراً.

سمعت العجوز مفسرة الأحلام كلامه، جفّ ريقها، فغرفت بيدها شربة ماء، وقالت:

- سيأتي من أقصى الأرض غزاة لا يرحمون، يحبون الفتنة ويسقونها من زيت الشيطان. ثم يتناوب على حكم البلاد عشرة رجال، تختارهم أنت بيدك، وتعزلهم بيدك، ومع آخرهم تكون الكارثة، فيهجم عنف أسود ويأتي غزاة يخربون الديار، لكنك تنجو.

غطت وجهه غلالة باردة من الفرح، وهمّ بالخروج منتشياً بما سمع، قالت له العجوز وقد اجتاز عتبة الباب باحدى قدميه:

ـ لن يتحقق حلمك إلا بعد أن تندثر كتب المعلم الأعسر، وتتمزق عمامة صاحبه في بلاد الأرز.

 

سليم الحسني

 

وحيد خيونيا فلسطينُ جراحي بَقِيَتْ نازفةً طُولَ السِّنينْ

يا فلسطينُ أريحيني مِن الهمِّ قليلاً

فأنا ماءٌ وطينْ

أمُّنا باعتْ أراضينا وماتتْ

أُمُّنا قبلَ الجنينْ

يا فلسطينُ أيا قبلةَ أجْدادي

و يا عزَّةَ كلِّ الـمُسلمينْ

أنتِ يامَنْ قعدتْ كلُّ بلادِ العالمينْ

بينهم يا أنتِ يا واقفةً لا تجلسينْ

كيفَ أرتاحُ وفي كلِّ قواميسي حديثُ العاشقينْ؟

وتركنا بينَ أوراقِ التواريخِ زهورَ الياسمينْ

فلماذا تسكتينْ؟

وأنا في مِدْخَنَةْ

يا فلسطينُ وهل ينسى وحيدٌ وطَنَهْ؟

ومتى يسكُنُ قلبي سَكَنَه؟

فتعالي لنعدَّ السنواتِ الـمُحْزِنةْ

سَنَةً بَعْدَ سَنةْ

وفؤادي مُدْمِـنٌ سِحْرَ هَواكِ

وعُيُوني مُدْمِنَـةْ

وجِراحاتي بها عاثَ الأطبّاءُ فظلّتْ

تَنْزِفُ الحُبَّ جِراحاً مُزْمِنَةْ

فتـَحَدّيْتُ المقاديرَ جميعاً

وتحَدَّيْتُ بآلامي جَميعَ الأزمِنَةْ

والأطبّاءُ جميعاً خادَعُوني

فحياتي يا فلسطينُ فَراغاتٌ وليسَتْ مُمْـكِنَةْ

حيثُما كانَ قراري

أينما كانَ مداري

في جميعِ الأمْـكـِنَةْ

أتحَدّاهُم إذا كانتْ حَياتي مُمْـكِنَةْ

حُبُّكِ الـمُلْتَفُّ مِن حَولي فلن يُجْدِي هُروبي

 فالحراساتُ شديدَةْ

بتُّ لا أقْوى على تَحْريكِ جِسْمي

فجِراحاتي عَديدَةْ

يا فلسطينُ وهلْ أغفو قليلاً ومسافاتي بعيدةْ

يا فلسطينُ وهل يفرحُ محبوبٌ

ومحبوبَتُهُ ليستْ سعيدةْ؟

قد تخيّلتُ عدُوّي حينَ يُعْطيكِ التعاليمَ الجديدةْ

كانَ يُهْديكِ خضوعَ العُرْبِ في تلكَ الجريدةْ

صفعَ الزيتونَ في خَدَّيكِ يا أحلى خريدةْ

 ثمَّ أعطاكِ وعيدَةْ

لا تقولي أصلُـكُم كانَ وضِيعاً

والتقاليدُ التي تحْـكُمُكُمْ كانتْ شَدِيدَةْ

لا تقولي إنّكُمْ قومٌ صِغارٌ

وأنا عندي لإحْراقِكَ أسْبَابي العديدَةْ

لا تقولي قَذِرٌ أنتَ وتَجْتاحي مَزايايَ العنيدَةْ

وأنا أرجوكِ أنْ تعْــتذِري بعدَ وُصولي

وترُدّي لي على وجهي دَمَ الصِّدْقِ وأشْـكالَ قَـبُولي

وأنا أرجوكِ أنْ تعْـتَرِفي

وتقولي إنّني مُخْطِئةٌ حَدَّ الخَسارَةْ

مرَّةً واحِدَةً لا تَظْلِمِيني

وامْنَعِـي أوْلادَكمْ أنْ يَرْجُمُوني بالحِجارَةْ

مرَّةً واحدَةً لا تظْلِمِيني

وامْنَحيني الحُبَّ في يومٍ ولوْ بالإسْـتِعارَةْ

ودَعِينا نرْسُمِ التطبيعَ رسْماً

تارةً منْ بعدِ تارَةً

تارةً نحنُ نُسَمِّيهِ تِجارَةْ

تارةً سَمُّوهُ أنتمْ مثـلَما شِـئـتُمْ شَطارَةْ

فإذا ما صَدّقَ النّاسُ أكاذيبَ هَوانا

و رَأوْا  أنّي على هَيْكَلِكُمْ أجْمَـلُ جَارةْ

فافْتحُوا لي حيثُما شِئتمْ  سَفارةْ

عندَها لا شيءَ عيْبٌ أو حَرامٌ

كلُّ إنسانٍ هنا حُرٌّ بأنْ يَرمِي قَرارَهْ

حقُّنا أنْ نلتقي دونَ وشاةٍ

والذي يَحْسدُنا غِــرٌّ إلى حَدِّ الحقارَةْ

حقُّنا في القُدْسِ هذا

ولقد ذُقْـنا مِنَ القُدْسِ تفاصيلَ المرارَةْ

 نحنُ خطـَّطْنا ودقَّقْنا طويلاً

فدَعِي الفلّاحَ كي يَجْني على مهْـلٍ ثِمَارَهْ

نحنُ لنْ نترُ كَ في القُدْسِ وُشاةً

يَتَمَنَّوْنَ لنا الموتَ إلى حَدِّ الإشارَةْ

فبلبنانَ لنا واشٍ قويٌّ

نحنُ لن نرفعَ للموتِ حِصارَهْ

وبإيرانَ  لنا واشٍ غريبٌ

كلّما نرمي لهُ السِنّارَ ينجو بمهارَةْ

ودِمَشْقٌ كلُّها عندي وُشاةٌ

وأنا أحْسدُهُمْ حَقّاً على حُسْنِ الإدارَةْ

حقُّنا أنْ نَمْلأَ الدُّنيا صُرَاخاً

فعَرُوسِي حَرَّمَتْ كلَّ مَعانيها على أهْلِ الدَّعارَةْ

وعَرُوسي لم يَنمْ غيري على أفيائِها

وأنا عندي طُمُوحٌ بعدما أُنْهي مَراسِيمَ زواجي

فانظُرِي كيفَ تشائينَ إلى أهلِكِ مِنْ كُلِّ مَنارَةْ

سوفَ أقْتاتُ عليْهـِمْ بجُنوني

حارةً مِنْ بعدِ حارَةْ

نحنُ قومٌ أصلُنا أولادُ كَلْبٍ

نحنُ لا نعرفُ ما مَعنى الرسالاتِ

 ولا معنى الحضارَةْ

نحنُ أولادُ خنازيرٍ وأولادُ دعارَةْ

نحنُ مِنْ أجْلِ أمانينا تحَوَّلْنا قُروداً

وتجَنَّيْنا على موسى وأحْرَقْنا ديارَهْ

نحنُ لا نَخْجَلُ مِنْ شيءٍ وإنْ كانَ حقيراً

أصلُنـا أولادُ شيطانٍ وأولادُ حقارَةْ

نحنُ لمْ نقرأْ مِـن التأريخِ  سطراً

نحنُ مَنْ نبْغَضُكُمْ سِـرّاً وجَهْـراً

فضَعُـوا ما بيننا حَدّاً ولو حتى سِتارَةْ

اقبَلُونا بينكُمْ لِصّاً غريباً

اقْبَلونا بينكم أمراً عَجيباً

نحنُ لنْ نطـْمَعَ منكمْ بزيارَةْ

همُّنا خَيْرَاتُكُمْ

ما أكثرَ الخيراتِ في هذي المغارةْ

هَمُّنا أحْلامُكُمْ لنْ تَرْبَحُوها

قد تَفَنَّنْتُم بها حَدَّ المَهارَةْ

وصَباياكُمْ بما تحْمِـلُ مِنْ سِحْرٍ ومِنْ نورٍ

ومِنْ عِطْرٍ نَدِيٍّ ونَضَارَةْ

همُّنا أنْ نشرَبَ النِّفْطَ ولنْ نُبْقِي لكمْ حتى بُخارَهْ

همُّنا أنْ تقبَلونا بقَذاراتِ صَبايانا

وأشكالِ بَنِينا العَفِنَةْ

بلَحَايانا التي ظلَّتْ على مَرِّ الليالي نَتِنَةْ

همُّنا أنْ تفهَمُوا أنَّ حياتي

دونَها مَحْضُ فـَراغٍ

أتحَدَّاكُمْ إذا كانتْ حياتي مُمْكِنةْ

أتحَدّاكُمْ بأنْ يُسْحَقَ رأسِي

إنّكُمْ لنْ تَعْرِفُوا سَحْقَ الرؤوسِ العَفِنَةْ

وأنا مازلتُ في أعْقابِكمْ جِسْماً غريباً

كَدُخانٍ خارِجٍ مِنْ مِدْخَنَةْ

أَتَحَدّاكُمْ جَميعاً

أَتَحَدَّى الأزمِنَةْ

أتَحَدَّاكُمْ بما تعْنِي الحَضاراتُ لدَيْكُمْ

 وبما تَعْنِي جميعُ الأمْكِنَةْ

أتحَدّاكُمْ أنا منذُ سِنينْ

أتحدّاكُمْ بكلِّ الأزمِنةْ

ومِنَ الآن إلى ألفِ سَنةْ

***

وحيد خيون

 

قصي الشيخ عسكروتفقدت الهدهد فما رأيت له من أثر.

 حالما استفقت جرى الحديث أمامي عن حمى انتابتني وانفجار والذي كنت أهذي به وماحدث على ضفة العشار قبل أن أتهاوى على الفراش في غيبوبتي الطويلة .. وتأكدت أن عينيّ لم تعثرا بالقفص .. اختفى تماما .. كانت أمي قد خرجت وعلى شفتيها تسبيحة، فظننتها أنزلته لتنظفه وتبدل الماء .. زحزحت جسدي بنصف جلسة على الوسادة، وسألت أبي:

- أين الهدهد؟

نادى على أمي متجاهلا سؤالي وقال في اثناء دخولها:

- إسمعيه بعد كل ما جرى يسأل عن الهدهد!

قطبت حاجبيها وقالت:

 أعطيته لأم صابر!

 آخر ما أتوقعه أني موضع شك من أبويّ ..

مسحور ..

 مجنون!

مسكون .. أنهض في الليل أخاطب قن الدجاج الفارغ وأهم أن أخرج إلى حقول الالغام أبحث عن رشاد البرِّ ذي الرائحة العطرة أو أفكك معادن من زمن الحصار أبيعها في سوق الصفَّارين، وأسمع كماتسمع مدينة التنومة عواء مختلِطا بالنباح .. هذياني دفع أهلي إلى الريبة .. الطبيب الذي حضر بهاتف من ابن عمي المسؤول يؤكد لاشيء .. التقارير لاتفصح عن شيء خطر .. أنا أهذي أصرخ .. الصداع داء شقيقة مزمن .. والهذيان متأت عن الانفلونزا .. الطب قال كلمته .. ومايقوله الطبيب في البصرة يؤكده الطبيب في إيران والهند وبريطانيا .. جبيني ينضح عرقا، الآن بعد أن استفقت أراني تحسنت قليلا: إنهما يظنانه السحر .. عالم مبهم غامض يدفعني للسفر، الآن اتضح ماخفي فلا داعي لان أطأ الهند بلد السحر مادامت أم صابر موجودة .. قلت مغلوبا على أمري كاتما غضبي:

- ماالذي تفعله بالهدهد!

- أووه الهدهد معروف منذ عهد سليمان !

وقالت أمي بين غاضبة ومشفقة:

- إسمع لن أدعك تقتل نفسك أم صابر تستفيد من عظمة تعرفها في الهدهد لو لم يكن في بيتنا لكنت سألتها أن تشتري واحدا فتفكّ أسرك.اليوم ستعود إلينا بعد الظهر .. ستسمع وترى بعينيك!

 في وقت متأخر وعيت أن أبي استدرك الأمر بعد فوات الأوان .. اجتذبه من هذياني عواء يحتدم في البستان بعد منتصف الليل بساعة، ويقسم أنه رآى وهو على السطح عيونا تلتهب في الظلام، فظن من حدَّة سطوعها أنَّها غاضبة، وهناك على مسافة بعيدة من أطراف البرّ اختلط نباح وعواء .. ملحمة بين كلاب وذئاب .. عند الصباح والمدينة تستفيق من صمتها حكى لأمي ما شاهده وتبين الناس في اليوم التالي جثة كلب ممزقة .. يبدو- كما خيّلَ إليّ- أن العالم مشغول بالانفجارات والأحداث الجديدة، ولا يعلم أن السحر يحاصره .. كانت القصة تختلط بهذياني وزاد أمي شكا ماسمعته من ادعاء أبي عن الذئاب في الليلة التالية .. جاء أكثر من ذئب لم تقصد بستانا آخر .. أشباح تتحرك وعيون تلمع .. العتمة بدأت تخف بقدوم الهلال خلال ذلك كان هناك شيء ينبئ عن ضجة بعيدة يخالط فيها العواء النباح .. وأنا أضرخ ..

 أصرخ بكلمات غير مفهومة ..

 العرق يتصبب من جبيني، وأبي مع ضوء الهلال الخافت يسلِّط من على السطح المصباح الكاشف نحوالعيون اللامعة فيتأكد منها ومن غضبها .. بعدها التقطت التنّومة جثة أكثر من كلب .. راح أبي وأمي يفتشان عن أيِّ أثر في غرفتي .. بستاننا المستهدف وحده من دون بقية البساتين .. لم يأو فيه أيُّ حيوان مدة غيابنا عنه سنوات الحرب العراقية الإيرانية .. فتشا في ملابسي والكتب والدُرْج فعثرا على الأحجار الغريبة اللامعة، فظنا أني جمعتها في عملي مع المساح .. والحق إني كنت أسخر من نفسي حين قادنا أستاذ الآثار إلى مكان معركة الجمل فلم نجد هناك أية علامة تلفت النظر .. وقتها كان العالم غافلا عن كونه محاصرا بالسحر والذئاب فلم يحدث مثل مايريب، قلت ذلك لأبي وإن صعب عليه فهمي وسخرت أمي حين قالت: أنتم مثل الأطفال تبحثون عن حجر .. السنين إذا مرَّتْ غطت بالتراب القصور الشاهقة .. ومن حقي الآن أن أسخر من نفسي حين أعود فارغ اليدين من صحراء البصرة فأعثر بين الأنهار الميتة والبساتين المحترقة بحرب العراق وإيران على حجارة تسبب لي الصداع والمرض .. فأظل أهذي بها عن غير وعي!

ليس هذا فحسب، فخلال زيارة أبي نبيل لي التي لم أحس بها أو بغيرها عرض عليه أبي ما وجده في الدُرْج فأخذت الرجل المفاجأة عشرات الأحجار .. عرائس جميلة تكاد تتراقص على راحة اليد .. صامتة ترقص عنها ألوانها، وفي الزيارة الأخيرة التي وعيت بها سأله أبي وكأنه يقصدني:

- هل وجدها معكم في المسح؟

نعم أنا حذرته واستعذت بالله مما رأيت وسمعت!

- هل كان ينوي بيعها!

- يا أخي يا أبا "عقيل"هذه ليست آثار هذه رهائن الذئاب من عالم الخفاء!

والتفت إليّ العم أبو نبيل منكسرا:

- ألَمْ أقل لك إن الاحجار التي تلفت النظر تضم أسرى الذئاب ألَمْ أحذر من أن الذئب يرى الجن فيطارده إذ يدلف هذا الأخير في حجر ثمّ يأتي الذئب يتشمم الأرض حتى يصل الحجر فيبول عليه عندئذ لا يستطيع الجن الفكاك لكنك لم تكن تصدقني كنت تتحدث عن النت والموبايل والمخترعات الحديثة كأن الجن ليس له أثر!

عدت بذاكرتي إلى السحر الذي يحاصر الناس تحت الأرض وفي الحجر وهم غافلون عنه، وقاطع أبي الذي بانت على وجهه علامات القلق:

- والعياذ بالله هذا كفر الجن موجود في القرآن "والتفت إلى قريبنا السائق قائلا بلهجة توسل ورجاء":أخي أبا نبيل نحن أهل مايضرني يضرّك وما يسؤوك يسوؤني ليبق السر بيننا .. الناس لايخشون الله يتقولون ويختلقون الاكاذيب !

أما أمي فكانت تقصد أم صابر، قبل ذلك لم يمارس بيتنا طقوس السحر .. بل لم أسمع به إلا من أفواه الأخرين فأكاد أشكّ فيه .. حضرت المرأة ذات الخمسين عاما أسميها الساحرة وتسميها أمي الطقاقة قاتلة السحر، تطقه مثلما تكسر السعفة اليابسة، والحمد لله أنّ عصا موسى ابتلعت بقدرة الله كيد السحرة في مجلس الفرعون، وتمعنتْ أمي بهذياني ..

أصغت إليه ..

شكّت أن يكون هذيان مرض .. فدعت خلال النهار أم صابر، فطلبت الهدهد رسول الملك سليمان وأخرجت عظمة من صدره تقول إنها رمتها في شط العرب. لا أدري لِمَ خفت حدة المرض حين فشا بعض سري .. أمي عرفت بالحجر الملون وأبو نبيل وأبي .. وربما يشيع الخبر.كانت الانفجارات من حولي وأنا من حيث لا أدري أستفز الذئاب المنشرة في برّ الالغام على الحدود، وأحلق مع طيور غريبة أجذبها إلى فخ .. تعريت من ملابسي .جميع ملابسي ذهبت لتحترق، بقيت تحت اللحاف عريان أنتظر قدوم الزائرة الغريبة.امرأة ورثت موسى وسليمان، ذات تجاعيد صارمة، ليست مخيفة كالساحرات القدامىاللائي سمعنا عنهن في قرون خلت حيث اعتدن أن يركبن سعف النخيل الأجرد اليابس .. سوى أنها بدت أكبر من عمرها لحقيقي بسنوات .. بعد العصر جاءت بيدها كرة كبيرة وخيط.لمحت بنظرة خاطفة يديها فقرأت عروقا خضراء، كدت أرسم لأصابعها النحيفة بعض الأظافر الطويلة، وراودتني نظرة لعلني أرى بين قدميها سعفة جرداء امتطها، فسخرت من نفسي .. نظرت إليَّ نظرة ذات دلالة وشاعت على وجهها ابتسامة إشفاق .. طلبت من أمي وعاء مملوءا بالماء .. أطفأت زر الضوء فانقشع نو رالغرفة إلا من حزم تتسلل من فتحات الشبَّاك وكوة السقف التي يتراقص مع حزمتها الذهبيّة غبار طائش .. وبإشارة من يدها أمرت والديّ أن يخرجا فرضخا للأمر ..

 بقيت أنظر إليها كالأبله ..

هزّت رأسها وهي تقول :مسكين، أنصحك لوجه الله لا تلتقط ما لا يلتفت إليه الناس وإن كان ذهبا خالصا، وليست كلّ مرّة تسلم الجرّة.

راحت تضع راحة يدها على جبيني دقائق وتحرك شفتيها بكلمات لا أسمعها ثم تنزل يدها على بطني تنقرها بأطراف أناملها ولا تتوقف عن الترتيل الصامت.

أصبحت طفلا بين يديها.

دمية تحركها كيف تشاء أو تمثال يعي أنه مملوء بشيء مبهم.

رتلت بعض الكلمات، وانشغلت بنأمة طويلة، فبدت لعينيّ كأنها نسيتني بل نسيت العالم كله في ركن بعيد عنها .. الشيء الذي جعلني لا أتوجّس خشية من الصمت الغريب الذي اقتحم عليّ عوالمي .. بعدئذٍ أشعلت بخورا ودارت به حول سريري، وبين دورة وأخرى تتوقف تلمحني وتمس بعضا من جسدي بأطراف أناملها، كانت تنظر وهي ترتل بصوت خافت إلى الماء .. أغمضت عينيها، وأطرقت .. طالت إطراقتها فأحسست بموجة حر تجتاح جسدي وثقل كالجبل يخرج من رأسي .. أشياء ثقيلة تنسلّ هاربة من أعضائي .. البخور يملأ رئتي .. يحوم حولي ويتصاعد في الغرفة يعانق حُزْمَتَي ضوء الكوة والنافذة فيهتز راقصا مع ذرات الغبار .. لِمَ لا أصدق أني مسحور .. الطبيب يقول لا مرض .. الأشعة تثبت سلامة عقلي .. تحليل الدم .. الفحوصات العامة .. هذا زمن السحر فلِمَ لا أصدّقه وهو الآن في ذروته وأوج أوانه؟الناس محاطون مثلي بالعنف والسحر فلا يعون إلا العنف يحيطهم وينسون السحر وأنا أعيالاثنين، فجأة لاح لي أن الوعاء يتململ وسط العتمة الخفيفة.أشياء تتحرك تلتبس صور الحيوانات .. ألوان يختلط بعضها ببعض .. ألوان زاهية يطلقها جهاز حاسوب ذو تقنية عالية .. قوس قزح يهبط على الأرض .. يعشعش في وعاء ماء صغير .. في هذه اللحظة وجو الغرفة مثل قطعة منسوخة من بستاننا وقت الليل .. انفصلت الألوان في الوعاء واختلطت ثم انفصلت عندئذٍ توقفت أم صابر الطقاقة، وأشعلت الضوء ثم نادت على أمي .. فهرع إليها كلاهما ..

قالت وهي تنفث عن ارتياح:

 خلاص والحمد لله انتهىالسحر!"أشارت إليهما أن يصمتا وواصلت":لينزع حتى القطعة التي تستر عورته تحت اللحاف ولتحرق مع ملابسه " ووجهت الكلمة إلى أمي" احملي الوعاء واسكبيه في الماء الجاري حالا واحذري لا يشرب منه طير أو حيوان!

 خرج الجميع مع الماء الذي تلون بألوان شتى وكنت أخلع آخر قطعة تسترني وأراقب نار التنور تلتهب في ملايسي!

 

12 البر

أقسم أّني أدركت البرّ من غير صداع ..

وأنّي استعدت عافيتي فماسخرت منه أصبح حقيقة ماثلة للعيان.

كان عليّ بعد أن زال الصداع وتطهر جسدي أن أعيد الأسرى الملونين.وحدي أقوم بالعمل فلا أحد يقبل أن يمسَّه مامسني ولا أرضى أن يشاركني أيُّ مخلوق خشية من أن تستشري العدوى بين الناس .. مرض .. طاعون .. حُمَىً غريبة تستعصي، وليس عندي أي تعليل يبرؤني سوى أن الواقع اختلط بالخرافة فاستدرجتُ الذئاب من دون أن أدري .. واقع يستلقي على شطٍّ بدا يشيخ ويغزوه من المصبِّ إلى منتصفه ملح الخليج، فيكاد يموت، وخرافة تنتهي إلى برٍّ يضج بالألغام فَجَعَلْتهما، عن غير سوء نيّة، ذات يوم، يلتقيان!

خرجت حاملا كيس الحجر فوجدت الحقيقة أمامي .. لم أكبر بعد حتّى قن الدجاج الذي تركناه فارغا قبل الهجرة بعدّة أيامٍ من اشتداد الحرب عاد كما كان يضجّ بديك مفرط النشاط ذي صوت جهوري يوقظ أُمِّي للصلاة فجر كل يوم، ترافقه هنا وهناك دجاجات ثمان واحدة سوداء وأخرى حمراء والأخريات بيضاوات .. ذلك لأن أمي لا تحب دجاج مزرعة الشعيبي الداجن تقول دجاج العرب ألذّّ وأنقى له تحت اللسان مذاق يختلف، وكانت تتولّى رعاية القن في الفجر حيث تفتح بابه فينطلق طيره في باحة البيت الواسعة وقبيل المغرب تستدرج السرِّبَ أختي بوعاء حب الشعير .. أما أنا فيلذُّ لي أن أنتظر حتى أعرف أيَّةَ ساعةٍ تبيض دجاجة فأتربص بها، أراها تنزوي عن بقية الدجاج فتعصر نفسها تعصر وتقأقيء يطول الوقت أم يقصر فتنزل من مؤخرتها بيضة ذات بياضٍ لمّاع أسارع في التقاطها .. فأحس بحرارتها على راحة يدي وربما لمحتني أمي فتنهرني بخليط من ابتسامة وعبوس قائلة: أما تخجل؟أماتستحي؟وفي الوقت نفسه الذي امتلأ به قفص بيتنا بالدجاج، عادالشطُّ بهديره وموجه الصاخب .. مائه العذب والبساتين من حوله .. اختفى الزورق المقلوب من مرفأ الداكير حيث حلت محلّه باخرة ضخمة جميلة .. عاد المعبران كلاهما، معبر الأهالي والجامعة يمخران التيّار، وتلاشى الجسر الذي بناه الجيش زمن الحرب، وها هو بستان الشعيبي يرجع زاهيا يظلِّلُ بنخيله أشجار العنب والرمان .. نهر الشعيبي .. نهر الحوامد .. تلاشت مدينة الألعاب وعين البصرة اللتين يفصلهما شطّ العشار الهَرِمُ عن تمثال السياب.أهكذا حقا انكمشت التنومة فتصاغر معها العشار .. وعند استدارتي من الفلكة شممت رائحة من باحة بيت يعبق تنوره بشواءٍ لسمك الصبور، وحلقة أطفال عند باحة ذلك البيت تغني:

  يابط يابط .. إسبح بالشطّ

  قل للسمكة .. أتت الشبكة

  ميلي عنها .. تنجي منها

ربَّما بالغت كثيرا هذه اللحظة في خطواتي فتوغلت في زمانِ ماقبل الحروب فوجدت الأعمى حينذاك يبصر والأخرس ينطق رحت أتجاوز خواتيم الأمور حتى وصلت إلى الفلكة، هناك التقيت أحد عميان التنومة الثلاثة المبحرين في الظلام .. ساعة بيغبن الحادة بدقاتها ورنينها ذي الصدى المتتابع فاجأتني عودته في مثل هذا الوقت الغامض الذي يتساوى فيه الحضور والغياب:

- كم الساعة الآن يامختار؟

 آخر ذكرى لك أنك رحلت مع من رحلوا كانت التنومة وكردلان صغيرتين لم تترهلا .. لكن أهلنا حذرونا أن نسألك عن الساعة فيما بعد لئلا يُحمل الأمر على سوء الظن من الأمن .. .كم الساعة الآن عشرات يسألونك وأنت لاتمل ولا تخطيء فأين كنت ولِمَ أعرضت عن الجواب زمن الحرب ؟

كم الساعة يا مختار الآن؟

 ......... !

مختار، الحرب انتهت لا تصمت بل انتهت بعدها حربان أخريان، فلا تخف، هل كنت تعلم بذلك؟ هل أُصِبْتَ بالصمم؟

الزمن الذي سعينا إليه ملهوفين أصبح أخرس .. ابتسمت لمختار الأعمى من أعماقي .. بدا لي أن الشيخوخة تحاشته .. لم يترك عند أي أحد منا علامة مثلما فعل جار الله حتىساعة سورين في قلب العشار التي نعجب بجمالها ولا نثق بها مثله اختفت قبل أن يختفي هو وزالت زوال دورالسينما وعمارة النقيب المقابلة لها .. الزمن كله اختفى بحلوه ومره قبل أن نعثرعلى مختار .. لكني لا أريد أن أشغل بالي بما ضاع فذلك امر لاحيلة لي فيه!

تخطيت في رحلتي بعيدا .. التنومة صغيرة لا يتعبني المشي في شوارعها وحاراتها .. اجتزت الشارع الرئيس إلى بداية البرّ عبرت الجامعة القديمة ثمّ دخلت البرّ وحدي .. كانت ساعة ضحى والوقت يميل إلى برودة تجعل قشعريرة حادة تدبّ في كتفيّ ذكرى من أيَّام زمان يوم كان جار الله الأعمى الواثق بي يضع على راحة يده حفنة من الفلفل الأحمر الحار يبتلعه دفعة واحدة ويغط في الشط فنسمع عن برد العجوز والجوامبيس التي تغادر الماء سبعة ايام هربا من برد يعقرها .. أخرجت الحصاة من الكيس وبقيت أرميها في الهواء .. لايهم ان أذهب إلى الدعيجي فأعيدها إلى مكان التقطتها منه .. أيُّ مكان كان .. لايهم فالذئاب تستدل على أحجارها بالرائحة .. الذي أرغب فيه أنها تمتنع عن اقتحام بستاننا وقد فعلت .. حجر يلي حجر.ينطلق من يدي نحو الهواء، أرمي الحجارة إلى البرّ وأظنني أرميها على سطح الماء فتقفز مرة وثانية ثم تهوي .. .

كأّي ألفظ الماضي كلّه الذي طاردنيعبر رائحته وقسوته!

حتى عدت فارغ اليدين من أسرى الذئاب ..

وعند العودة تغير الأمر.انقلب إلى حديث آخر .. كحكاية مسافر آلى أن يقطع الصحراء، رآى مطاعم وعيون ماء زلال، وأشجاراً عامرةً وطيوراً تصدح بالغناء، فحدَّث نفسه وقال هذه الأرض عامرة وأنا أحمل زاذاً يثقلني فرمى طعامه وأراق ماءه وإذا الصحراء عادت برمشة عين إلى ماكانت عليه من حقيقتها الأولى .. الخرافة أصبحت واقعا ولم يعد أيٌّ يفرق بين الصحو وأضغاث الأحلام ..

التنومةكبرت .. على حافة البرّيّة .. قبل حقول الألغام مجموعة شباب بعضهم يفترش الأرض وآخرون يجلسون على كراسٍ كلٌّ منهم يشد خيطاً إلى يده .. طائرات ورقية كثيرة .. حمراء وخضراء وصفراء .. بنفسجية اللون ذات ذيول ملتوية كالافاعي وزعانف مثل السمك .. أما أصحاب الطيور فكانوا وقوفا غائبين عن كل شيء ماعدا ملاحقة أسراب حمامٍ راحت تناور في الهواء تحوم وتلف .. حمام يعترض السماء فلا طير غريب الشكل واللون .. طيور مألوفة عرفناها قبل أن نشعر بأسراب البعيجي والأوز تعبر باتجاه الجنوب في بداية الربيع .. أما ألسنة شط العرب ذات الماء الراكد فقد وقفت عند البوارين وحدِّ الدعيجي، وانحشر ماء النهر العذب في قنان بلاستيكية فارغة ألقاها العابرون في البرِّ فكبت مثل دمى لاتثير أحداً، فلانسر ولاعصفور أو شواهين تحوم.لم يكن هناك من ضجيج سوى همسات وأحاديث عابرة ولا أحد يعيرني اهتماماً .. لابشر يلاحق شخصا تبعته الذئاب في الليالي .. وبين هؤلاء المشغولين بالحمام والطائرات الورقية مساحة من زمن الحصار ربض عندها حقل ألغام امتدَّ إلى الحدود .. جذب ذلك الحقل بعضاً من المغامرين والمحتاجين بالرشاد البريّ الحاد ذي الرائحة العبقة والكمأة المنتشرة بين الهياكل والمعادن الصدئة، فدخلوه غير مبالين ولا ملتفتين إلى الموت بعضهم قُتِل بلغم وآخر فقد عينه وثالث طارت يده في الهواء.رشاد من بر التنومة ذو لسعة حادة.كان أبي بعد سكون الحرب الأولى يحذرني من أن أجمع الرشاد البري.يقولون إنه يعالج السكر فلا حاجةَ أن يدخل سُمُّ الأنسولين في أجسادنا لم يُعْرَف عن أيٍّ من آلِ النبهان مات بمرض السكر .. السكتة القلبية نعم .. الضغط .. الكبر صحيح .. القتل، ويقول في الوقت نفسه بعد ان استدعت أمي الفكَّاكة أم صابر، من حقها أمك ياولدي أن تفعل كل ماتراه مناسبا لسلامتك فلا تلمها، في النهار اعترتك الحمى فقفزت من سريرك اتجهت راكضا إلى زاوية البيت عند قن الدجاج، رأيت نملة وحيدة تدلف في ثقب فقلت صارخا أنت هنا تختبئين فأين أخفي نفسي، ويبدو أني في الليل صرخت هائجا:أنا لم أدخل حقل الألغام ولم أعمل في تهريب الرشاد البري ولا معادن المدافع ..

لكني الآن تخلصت من كل شيء وعدت وحدي ..

الكيس نفسه تركته على البرّ، أطلقته في الهواء فوقع بين قدمي، ومع تلك العودة فارغا من دون خِحارةٍ راحت التنومة تكبر وتتمطى ..

 تتسع فتضيق أنفاسي ..

تتعاظم ببيوتها وسكانها الجدد وضجيج سياراتها التي تغص بالشارع الرئيس .. الجامعة القديمة اختفت وامتدت مكانها بيوت لأناس لا أعرف من أين جاءووا .. أين كان كلّ هؤلاء البشر محبوسين ؟الناس يموتون، يقتل بعضهم بعضاً، يخوضون معارك كلَّ يوم، لا تكاد الارض تخلو في أية ساعة من لحظة موت، انفجارات، اغتيالات وعبوات ناسفة، انتحاريون، مع ذلك يتكاثر البشر ويزداد عددهم .. حقا كانت الحقيقة تختلط بالخرافة وقد داهمني من كل ذلك صداعٌ وهزالٌ كاد يقضي عليّ، أما وفاة قريبنا الحاج محسن النبهان فلم يبق لها من أثر سوى دعوات نعي قديمة بَهُتَ لونها وعلاها غبارٌ على أعمدة الكهرباء، وبعض الحيطان الممتدة مع الشارع الرئيس وصور له تشير إلى أن كل ماحدث من أمر جلل في طريقه إلى التلاشي وأن الناس ينتظرون مراسم أخرى للحزن يمليها عليهم حدث تال!

وانتبهت في طريقي إلى البستان ساعة انتهيت إلى المكان الذي قابلني فيه جار الله الاعمى وأتحفني بالحجر الأخضر المزرق .. تذكرت أني سأجده يوما ما في مكان ما، مادام جارالله أعطاني إياه بعد الحرب الأولى فالأمر هين .. وهو واثق من أني أحافظ عليه.لعلّ نسيما هبّ من خاصرة النهر فغطّاه بالغرين، سأكون إذن كمن راح يبحث في مكان بعيد عن كنز مطمور تحت قدميه.سنين وأنا أترك أحجارا لاتثيرني في بر الزبير خلفتها معركة قديمة .. أحجار متشابهة يعلوها الغبار، وفي بغداد حيث زرت المتحف هناك رأيت الصخر، والتماثيل، ورقع الطين، وحجارة صغيرة، فكان كل الذي رأيت حقيقةً تنطق عن سرّ، حقيقة يدركها الجميع ثم التقطت حجرا انكشف بعد حرب دامت ثماني سنوات فهاجت عليّ الذئاب .. لابدّ من أن أعثر على حجر النهر .. لا أخاف الذئاب فما يمنحه النهر بخاصة إذا كان نهرا كبيرا مثل شط العرب لا خوف منه .. الرهبة في نفسي منه ظلت منذ آخر غطسة لي فيه .. سوف أبحث عنه في أي مكان .. لقد تركته في مكان بعد إنذار الجيش لنا بالمغادرة خلال الحرب مع إيران .. لقد شفيت تماما .. الساعة لا تعنيني وقعت الحرب الأولى فخشينا أن نسأل عن الوقت.كل ذلك يمكن أن أتفاداه.

وعندما وصلت البيت قال أبي :

- ماشاء الله صحتك اليوم عال، خفنا عليك يبدو أنك نسيت الهاتف النقال على السرير!

حقا لم يكن الهاتف النقال ليشغل بالي ولم أعر اهتماما للمسافة التي مشيتها من كردلان إلى البرّ على الرغم من أنني نهضت من مرض عنيد .. كلّ همي أن أتخلص من كدس الحجارة:

- قلت هل من شيء!

- ابن عمك " صالح "قَلِقَ عليك فاتصل يقول لا تتعب نفسك لا تذهب إلى الشغل حتى تشفى تماما!

قالت أمي تزف خبرا آخر:

- والله "صالح "حزام ظهر.اليوم في الليل يطير إلى الإمارات هو وأخوك يقول لديهما مشروع سيديره اخوك عقيل في دبي هناك والله دبي جنة!

 إذن أخي يطلب اللجوء بطريقة أخرى .. أيّ بلد محطة أولى لغياب دائم .. يستطيع أن يتجنب العبوات الناسفة ويربي أولاده في الخارج أفضل تربية .. تجربة جديدة .. كان يجرِّب أن يفلتَ من مظلة عمل تحتها بحماس مفرط أيَّام الحزب ولجأ إليها بعد الاحتلال .. وربما عثرت الآن -بعد أن رميت حجر البرّ إلى ذئاب رأتني غنمت أسراها-على السبب الذي جعله يبِّريْ ذمته أمام أبي.

راودتني نشوة زاهية فالبستان أصبح حقيقة لي وحدي.قلت:

-ألم يتصل بك!

قال أبي:

- كانا معا واعتذر أخوك عن المجيء لانه سيرسل زوجته إلى أهلها حتى يرتب أمور سكنه في هناك في الخليج!

قلت مع نفسي:

 كم كان جارالله ذكيا يوم حظر النهر على واحد كبير السنّ من آل النبهان وقبل بآخر صغيرٍ مثلي فأهداه قِطْعَةً منه لكنني نسيت أن أسأله هل عثر على شيء يوما ما في النهر-ماعدا الحجر الأخضر المزرق- أعرض عنه الناس أوشيء لم يدّعِه أحد، ففي ذلك الوقت كان سني لا يسمح لي بالتفكير في أمور تبدو صعبة جدا، واصلت بهزة من رأسي وأنا أطيل النظر إلى قنِّ الدجاج الفارغ:

 - لن أذهب إلى الشغل وسأعمل في وظيفة اخرى!ربما التدريس.

 قلت ذلك آملا ألا تطالني وصاية ابن عمي من جديد في سلك التعليم، وإن كنت أشك في الأمر .. ومن دون أن انتظر أيّ جواب قلت:

- مارأيكما أن نربي بعض دجاجات كما كنا قبل الحرب!

عقدت لسانهما دهشة من السعادة، والتفت إلى امي قائلا:

- لن تتعبي سأعتني بالدجاج والبستان حين أعود من العمل.

 ردّ أبي بابتسامة تدلّ على ارتياح لما تهادى إلى سمعه:

- صالح يخصك بالسلام ويقول فكرتك عن حديقة الحيوان مشروع يستحق التقدير أوّل مايرجع من الإمارات يتعاون معك في الموضوع.

تلقيت لكمة هائلة على فمي .. أيّ خطأ ارتكبت عن غير وعي ساعةَ تحدثت بحضور صالح النبهان عن رغبتي في أن أبني قفصا كبيرا للطيور داخل باحة البستان الفارغة ناسيا أني أخاطب شخصا يقتنص كلمات ويصطاد جملا من أيٍّ كان تصبح بمرور الوقت مشاريع عملاقة .. والطامةالكبرى التي لا أجد لها حلاً أن الذئاب التي جاءت من أجل أن تستعيد أسراها من الجان سيكون أحدها أو بعضها داخل قفص فلا تأبه للأمر .. ولا تطالعنا بعيونها الحمراء عند هبوط الظلام .. زلّة لسان جعلتني من دون قصد أسابق المستقبل فأقلب بستاننا الذي سلم مع بساتين قليلة على النهر من حرب الخليج الأولى إلى مَعْلَم جديد من معالم المحافظة تطاول به التنومة عين البصرة ومدينة الألعاب على ضفة العشار.

كدت أترنح مما سمعت.

 وقبل أن أخطو إلى غرفتي قلت بصوت خافت ظننته زعيقا عاليا:

- على فكرة هل تتذكر يا أبي حجرا أعطاني إياه بحضورك ذات يوم جار الله الاعمى!

- أما زلت بعدكل ماجرى من تعب بسبب الحجارة تبحث عن حجر؟

لم أجب، قلت مع نفسي: إنه حجر الماء الذي كان علامة على سلامتي ثم خطوت إلى غرفتي أبحث عن ذلك الأخضر المزرق .. رحت أبحث وأبحث في كل مكان .. قد اضطرّ _ إذا أخفقت في البحث _ إلى أن أحفر الأرض فأنا على يقين أني سأجده ذات يوم.

 

د. قصي الشيخ عسكر

....................

حلقة من رواية: النهر يلقي إليك بحجرا

 

 

صالح البياتيجاءت المدعوة عمتي وابنتها بدور، اعتذرت عن عدم مجيء زوجها لظروف طارئة، عند العصر حضر رجل الدين، وبعد قليل جاء صديقي المحامي حنا حمد، بيده باقة جوري حمراء، وبينما كنت لا أزال اقف مرحباً به، جاء صديقي يوسف استقبلته، وعرفتهما ببعض، تبادلا عبارات الترحيب المألوفة، وعرفتهما كذلك بالحاج سبتي، أقبل يوسف على أمي حياها بحرارة، وسألها عن صحتها، وقبل يدها، كما اعتاد عندما كان يأتي لزيارتنا في الكاظمية، عرَّفتُ المحامي حنا على أمي، سلم عليها وتمنى لها الشفاء، وهمس لي، أمك تتمتع بشخصية قوية، ابتسمت له وشكرته على المجيء وباقة الزهور، قال معبرا عن فرحه، و سمعته سيناء التي جلست وحدها في غرفتها يقول .. لا أحب إهداء الحلوى لأنها مضرة بالصحة وأيضاً لأنكما حلوين بما فيه الكفاية، لا تحتاجان اليها، أما الورد فهو جميل وسيفتح شهيتكما لحياة زوجية سعيدة، ابتسمتُ وشكرته على تمنياته الرقيقة، وقع حنا ويوسف بإسميهما الكاملين، شاهدان على عقد زواجنا، همس الشيخ بإذني، عندما قرأ أسم حنا، أن لا يجوز شهادة النصراني على زواج المسلم، ابتسمت، قلت، هو مسلم ولكن الاسم فقط هو المسيحي، أحس حنا بما يدور بيننا من همس، فأخرج بطاقته المدنية وناولها للشيخ، أخذها مرتبكاً، ألقى عليها نظرة سريعة، ثم أعادها له معتذرا، ضحك حنا عاليا، وقال: لا عليك يا شيخ حصل خير، ليست هذه هي المرة الأولى التي تحدث معي، لا عليك، أخي نوح يستحق أن يشهد على زواجه، مسلم ونصراني ويهودي، الأديان الثلاثة مجتمعة، كما هي موجودة في العراق منذ القدم، ولا تنسى يا شيخ هذا نوح، الذي أنقذ البشرية من الفناء.

ضحك الجميع لخفة روحه. كانت أغاني أم كلثوم تصدح في الهواء، في تلك الليلة الأيلولية الدافئة، تناوبت معها أغاني الريف، للمطرف المحبوب داخل حسن، التي تحبها أمي كثيرا. ودعنا الجميع وتمنوا لنا  زواجا سعيدا، وكان صوت كوكب الشرق، يهدهد روحينا، كأنه أرجوحة سماوية، ترفعنا عاليا وتظل شاهقة هناك، معلقة بأهداب النجوم، وضوء القمر الذي كان يغمر الشرفة بنورة المخملي المنساب كالحرير الدمشقي. كانت القبلة الأولى التي طبعتها على جبين سيناء، حينما قطعنا معا الكعكة بسكين واحدة، لا تزال دافئة على شفتيً..

سألتني عندما اختلينا في البلكونة، بنبرة هادئة ناعمة تقطر عذوبة ورقة، ونحن ننظر لبعضنا بصمت، نظرات فيها شوق ورغبة وجنون:

" نوح.. أهذه هي اللحظة الجميلة، التي انتظرتها في حياتك، والتي ستذكرها دائما"

 كان صوت أم كلثوم يصدح برومانسية الحب، وتلفاز الجيران ينعق بأناشيد الحرب النارية، احترت أي لحظة سأتذكرها في هذه الليلة الرائعة. قلت مع نفسي، لتذهب الحرب للجحيم، وليذهب الحب الى النعيم، ثم قلت لها:

" بل هي الأجمل في حياتي كلها، وسأذكرها الى آخر لحظة من عمري."

" مسكين، لم تكن حياتك سعيدة، ولم تر في حياتك لحظات هنيئة وجميلة، سأعوضك عن كل دقيقة ضاعت من حياتك. قمت أخذتها من يدها برفق، الى زاوية معتمة من الشرفة، احتضنتها بحنان بين ذراعي، طوق ذراعاها رقبتي، وتبادلنا قبلة طويلة، شعرت أني غبت عن العالم ، وغامت عيناي، ولم أعد أسمع شيئاً، سوى أنفاسنا اللاهثة الدافئة. وبعد أن غمرتنا السعادة بفيض كرمها، كانت لحظات ليست من حساب الزمن، جلسنا متقابلين، بعد ان استعدنا شيئا من الهدوء، سألتني سيناء:

"ما قصة صديقك حنا، لماذا اختاروا له هذا الاسم!"

حكيت لها قصته..

كان ابوه ضابطا قديما في الجيش، وقع بحب فتاة مسيحية من تكريت، مسقط رأسه، وتزوجها رغم معارضة أهله، لكن الفتاة اشترطت عليه أن يُسمَّى أول مولود لهما باسم ابيها، فقبل، حنا إنسان نبيل ونقي السريرة، وكان تأثير امه أقوى عليه من تأثير ابيه، هو عضو بارز في حزب السلطة، ومحامي بارع.

سألت سيناء بعد سماع قصته:

" اخبرتني أن شقته التي نسكن فيها كانت مكتب محاماة يدير منها عمله.. ماذا يعمل الآن؟"

" عينته محكمة الثورة محامي دفاع في قضايا متهمين ."

"  تقصد يدافع عن متهمين ضد الحكومة.. كيف!"

" لأنه لا يحق لمحامين مستقلين القيام بذلك."

"وهل  يستطيع حقا القيام بواجبه على أكمل وجه!"

وجوابا على سؤالها، اوضحت، ان المشكلة هنا تكمن في الأختيار، بين الواجب المهني الذي اقسم عليه، وبين الحزب الذي اقسم الولاء اليه، ولما استغربتْ، كيف إذاً ستتحقق العدالة، إذا إنحاز للحزب، كان جوابي أن لا أهمية لذلك. ولكني استدركت فأكملت ما بدأته.. انه حاول قدر استطاعته مساعدة الذين ساقهم حظهم السئ ، بسبب عداء شخصي أو وشاية لئيمة، وهو يسميهم ضحايا العقارب السامة، ويقول هؤلاء كالمسيح، لم  يدافع عنه احد، عندما حوكم امام كبار الحاخامات اليهود.

" حقا هو إنسان نبيل وشجاع "

 في اليوم آخر يوم لذهبنا لمستشفى الطب الذري، كانت القوات المسلحة العراقية تخترق الحدود، وتتوغل في العمق الإيراني، وصلنا في العاشرة صباحا، موعد حضور الجلسة، والتي تستغرق ساعة كاملة، جلستُ في صالة الانتظار، أنظر لساعة الجدار، وأراقب الدقائق الآخيرة المتبقية، على انتهاء الجلسة، خرجت امي من الباب الذي دخلت منه، كان الممرض المعالج يسندها من تحت كوعها، كانت قواها خائرة وفي حالة يرثى لها، لا تكاد تقوى على المشي، خلافا للمرات السابقة، أسرعت اليها لأسندها، شكرته، طوقت خصرها بذراعي اليمنى، سألتها ماذا تشعرين، ابتسمت وقالت:

" لا تقلق أمك أقوى من المرض."

وعندما غادرنا المستشفى، كانت أخبار انتصارات الجيش العراقي تذاع  على مدار الساعة، وصور المعركة تُظهر الجنود العراقيين وهم يرفعون علامة النصر، ويتوغلون بسرعة في عمق الأراضي الإيرانية..

عدنا للشقة، كانت بغداد قد تغير وجهها الى الأبد، حدث شيء غريب ومؤذ ودخيل، أقتحم حياة المدينة، شيء طارئ ومعتد، حال بينها وبين شموس نهاراتها الضاجة بالحركة، الزاخرة بالحياة والنشاط الدائب، كان شعاع الشمس الذي يخترق كالعادة، مياه دجلة في الظهيرة، قد انطفأ فجأة، وصُب مزاج البغاده المرح وضحكاتهم، في قالب كونكريتي، وانقلب صبرهم وجلدهم إلى وجوم رمادي..

من ساحة الأندلس إلى الأعظمية، اخترقنا عدة شوارع، حتى أفضينا لشارع الرشيد، بعد أن تجاوزنا ساحة التحرير، ثم باب المعظم، فخيل لي أن سحابة دخان تشكلت في سماء بغداد وطمست معالم المدينة التي كانت بالأمس القريب قبلة الناظرين، وبهجة القلوب...

أوت أمي تلك الليلة الى فراشها مبكرا، فحمدت الله أنها لم تذكر حكاية الفتاة.. التي شارفت على الانتهاء..

كانت منهكة من تأثير الإشعاع وهواء الغرفة الخانق، حركت المروحة المنضديه الهواء قليلا، ولكنها لم تلطف من درجة حرارته كثيرا، كانت مرهقة جدا فما ان وضعت رأسها على الوسادة حتى غطت في نوم عميق وأرتفع شخيرها عاليا ولكنه هدأ بعد قليل..

جلست أدخن في البلكونة، ومعي العم سبتي، ثم انضمت الينا سيناء، بقى العم نصف ساعة ثم نهض وتمنى لنا ليلة سعيدة، وذهب للنوم مبكرا.

تذكرت وصف الخالة الدهلة لحالة التشوش والدوار، لمن تفاجئه المصائب، فهي تصفها بدولاب الهواء، الذي يدور ويدور، حتى يفقد الانسان توازنه، ويدوخ وتختلط أمام عينيه الأشياء، وتتداخل الاتجاهات..

قلت في نفسي لقد إقترن دولاب الدهلة  بطرقاعة زهلول فأنجبا مسخا أسمه: الطرقلاب.. سألتُ سيناء:

" هل سمعتِ بامرأة اسمها الدهلة؟"

" لا.. من هي؟"

" هي امرأة رائعة، تؤام أمي الروحي، صنعتهما الحياة من طينة واحدة، وعندما تستعيدهما الطبيعة الى أحضانها، سيمضي وقت طويل حتى تنجب إثنتين مثلهما، شيء لا يتكرر دائما بسهولة، الطبيعة تسترجع ودائعها إذا وجدت أنها لا تلاقي الامتنان والترحيب"

" هذه ألغاز لا أفهمها."

" تبدو لك ألغاز، لأنك لا تعرفين المرأة، اسألي أمي عنها فهي صديقتها، وسوف تحكي لك عنها."

" سأفعل."

" وهل سمعتي بالعراف ؟"

" سمعت الناس يتحدثون عنه، اليس هو من تنبأ بهذه الحرب؟"

" هو تنبأ بشيء آخر، اسمه طرقاعة، والدهلة حين تلفها الدنيا، وتدور بها حتى تذهلها عن نفسها، تسمي ذلك دولاب، ومن اقتران طرقاعة العراف بدولاب الدهلة ولد الطرقلاب، وهذا الاسم من اختراعي انا، .. أعرفتي الآن كم هذه المرأة عانت في حياتها! أترين يا سيناء أنتِ اخترعت كرسي الاعتراف الداخلي، وأنا

الطر قلاب." ابتسمت سيناء.

 كنا مستيقظان طوال الليلة الأولى لاندلاع الحرب، وكان صوت تلفزيون الجيران ينقل صورا من المعركة، ويذيع أناشيد الانتصار الحماسية، وينقل صور المعارك من جبهات القتال، الممتدة  شمالا من جبال كردستان إلى البحر جنوبا، وبينما كانت حالة امي آخذة بالتدهور، كانت الحرب في تصاعد مستمر، قلبها يضخ الدم بقوة، وشرايينها تنزفه بغزارة.

***

يتبع رجاء

شكرا لمتابعتكم

 

صالح البياتي

...................

حلقة من رواية: بيت الام

 

سليم الحسنيمدينة عتيقة وبيوت بآبار، وفي بعض أزقتها تنزوي بيوت مملوءة بالأسرار، آباء يقرأون كتباً قديمة، وأبناء يلعبون فوق صناديق كبيرة، خزائن مال تُشبع دود الأرض.

حين يموت السيد الكبير، ينتشر الحزن ثقيلاً على الفقراء، يبكون، يجزعون، تختفي الشمس من سمائهم أربعين يوماً، وكذلك القمر. لا يُسمع في المدينة القديمة سوى النواح، يهجر الرجال نساءهم، ويغلق الباعة حوانيتهم.

تخلو الشوارع من المارة عند أول الليل، يسود الصمت، ويخيم الظلام، فلا يُسمع سوى صوت خشخشة أوراق ورنين قطع معدنية، ينبعث من وراء الأبواب.

ضوء خافت في بيت السيد الراحل، ورجال يحملون صناديق مغلقة، ينقلونها بحذر وحرص الى بيوت أبنائه، لقد قضوا أربعين ليلة في تجهيزها حتى جاءت متساوية متشابهة. يقولون للحمالين هذه أموال (الغائب) نحتفظ بها لحين عودته، يكتفي الحمالون ببركة لمسها فلا يطلبون أجر جهدهم.

تطول آخر الليالي الأربعين كثيراً، تتضاعف ساعاتها ولا تعود الشمس للشروق، إلا بعد أن يتفق الأبناء والاصهار والأرحام على السيد الجديد ليكون الكبير، ويصبح أبنه البكر هو الأمير.

على ذلك مرت العقود والقرون، تغيرت العصور، تبادل المحتلون حكم البلاد من الشرق والشمال وأقاصي الأرض، والحال في المدينة القديمة لا يتغير، يموت السيد ويخلفه السيد، وصناديق (الغائب) ينقلها الحمالون الى بيوت الأبناء. حتى جاء عام الصنم، وفيه هجم الروم على بلاد (ما حول النهرين) فكانت بداية عهد جديد....

في عام الصنم كان السيد الكبير يلزم بيته لا يخرج منه، يكتفي بالقليل من الزاد، ليس له من الدنيا سوى غرفته الصغيرة وسجادة الصلاة ومصباح أنهكه الظلام.

اكتشف ابنه الأمير، ان الأرض قد دارت عكس دورانها، كان الوحيد الذي اكتشف ذلك من بين الأبناء والاصهار والمعلمين والطلاب. ففي ظهيرة يوم قائظ، سمع ضجيجاً قرب مسجد الامام، وإطلاق رصاص، لقد قتل الشاب ابن المقدس، أميراً جاء مع جند الروم. عندها تحسس الأرض بدقة، وتطلع الى السماء، فوجد الشمس تتجه نحو المشرق، فهتف بثقة:

ـ هذا الزمان زماني وسأجعل الرجال رجالي.

هو زمانك لا اعتراض ولا مُعترض، لقد أزحت من طريقك المنافسين، أبعدتهم من السيادة الكبرى، عرفت قوتهم، فحركّت جند الفتنة، وفي الفتنة يفوز الماكرون، فاتخذهم رجالك، لكي تبقى بيدك مفاتيح الصناديق، وتزداد الخزائن وزناً وعدداً، وحين تلّوح بالورق الأخضر يزحف اليك الخطباء بمنابرهم والكتّاب بأقلامهم والطلبة بعمائمهم. ولا تخش العوز، فهذه الخزائن تزيد ولا تنقص، أليست هي للغائب كما تقول؟ إذن فهي تزيد ولا تنقص.

 

للقصة بقية

 

عبد الله سرمد الجميلقصيدة تفعيلة مدورة

يوماً أردْتُ بأن أقولَ قصيدةً في زهرةٍ كانتْ حديقةُ بيتِنا تزهو بهـــــا،

فجلسْتُ ساعاتٍ أُحدِّقُ في بياضِ الصفحةِ الأولى ولم أنبِسْ بحــــرفٍ،

قلْتُ: علَّ اليومَ ليسَ بيومِ شِعْرٍ وارتميْتُ إلى النعاسِ. رأيْتُ في حُلُمـي

مدائنَ أهلُها يتحدّثونَ عن الغريبِ وأنّهُ دخلَ البيوتَ جميعَهــــــــــا، لم

يُنكروهُ وكان يعرِفُ سرَّهُم، بل إنّهُ منهم وإن كان الغريبَ! فززْتُ من

نومي كئيباً، أضحَتِ الشمسُ المريضةُ في سمائي ثُمّ جاءَ الأصـــدقاءُ؛

هُمُ الدواءُ، لقد تنادَمْنا، ضحِكْنا أو نسِيْنا، غيـــــــــــــرَ أنّي لسْتُ أنسى

زهرتي. من شرفتي هيّأْتُ أوراقي ومحبرتـــــــــي، نسيمٌ هبَّ ذا بللٍ،

فراشاتٌ على هامِ الزنابقِ، كلُّ شيءٍ شاعريٌّ، ليسَ من عذرٍ لأغتـــالَ

القصيدةَ بيدَ أنّي جفَّ فيَّ القلبُ ساعتَها، ألا بُعْداً لها.. في ثالثِ الأيّــامِ

غِبْتُ عنِ الحديقةِ، طُفْتُ في سوقِ المدينةِ، واجمٌ وجهُ الأناسِ، كسيرةٌ

نظراتُهم حيثُ الأزقّةُ في شِجارٍ. حينَ عُدْتُ لبيتِنا عصراً لمحْتُ أبـــي

يودِّعُ ضيفَهُ فجفلْتُ؛ كانَتْ زهرتي مقطوفةً، إذّاكَ جاءَتْني القصائـــــدُ

كلُّها؛ أبصرْتُ كيفَ الشمسُ تنفُذُ في التُّوَيْجِ كأنّهُ الموشورُ حلَّلَهـــــــــا

لأطيافٍ ستدخلُ في شقوقِ التربةِ العمياءِ، تخلُقُ حقلَ صخرٍ صــارخٍ:

لا نعرِفُ الحبَّ إلّا حينَ نفقِدُهُ.

***

عبد الله سرمد الجميل

 

 حسين يوسف الزويد(١) في باب المعظَّم

ومِنْ بابِ المعظَّمِ كانتِ البشرى

تهادى الوحيُ جياشاً

وصَلَّتْ أنجمٌ كبرى

وصاحَ مؤذنٌ فينا

صلاةُ القلبِ

لا تُنْسى

سجدْنا كلُّنا وَرَعٌ

وتَيْهٌ في أمانينا

وجاءَ نداؤُنا الخافي

ومِنْ أعماقِ نجوانا

يَشُقُّ ظلامةً نَزَلَتْ

وغَطَّتْ بدرَ وادينا

لِيُعْلِنَها نبوأَتَنا

ونشوةَ وحيِنا الكبرى

ألا هُبُّوا لأرواحٍ

ذَوَتْ وخلاصُها في الحبْ.

***

(٢) بين اربيل وشقلاوة

اليومَ جئتِ وفي المطرْ؟ !

في رحلةٍ وِسْعَ القدرْ

أخشى عليكِ من المطر

تَعِبَتْ رؤايَ وحيلتي

في الدربِ قد زاغَ البصرْ

أرجوكَ يا مطر احتبسْ

فحبيبتي تشكو القلقْ

سلكَتْ حديثاً دَربَنا

وَهْيَ المدللةُ الأعزْ

لا تنسَ لا ..

إيّاكَ أقصدُ يا مطرْ

فديارُها عبرَ الطريقْ

و تشدَ للسفرِ الرحالْ

وبقلبِها يحلو الجنونْ

سَكَنَتْ عيونُ حبيبتي

أشلاءَ قلبي والظنونْ

أرجوكَ يا مطر السكوتْ

لا برقَ مهلاً لا قبسْ

فحبيبتي

وعشيقتي

وأميرتي

تخشى الوميضَ وترتجفْ

كرديةٌ جُبِلَتْ على

عشقِ الثلوجِ مع المطرْ

لكنني اخشى على

قلبي الرهيفِ المستعرْ

***

د. حسين يوسف الزويد

 

محمد شداد الحراقكان بيتنا الصغير عالمي الوحيد الذي يشبهني ويمدني بالطاقة والمتعة، ويمنحني الشعور بالأمان.عشت طفولتي الأولى بين جدرانه الأليفة. أتدحرج كالكرة المطاطية بين غرفه وفنائه وباقي مرافقه. عشت فيه طفولة بسيطة تغمرني فيها السذاجة والبراءة واللامبالاة الفطرية. أكتفي باللعب مع أختي التي كنت أسميها (زازا) آنذاك. تكبرني بسنتين... كنا نمضي أغلب الوقت معا منشغلين بلعبنا الطفولي. لعب بريء في عمقه، ولكنه شبيه بالفوضى. كان يجر علينا كثيرا من اللوم والعتاب طوال اليوم. تارة نصفف الوسائد القطنية على الأرضية ونشكلها في هيأة سيارة، نجلس داخلها ونتخيل أننا نسوقها، فنصدر صوتا صاخبا كصوت المحرك. وأحيانا نلعب لعبة الغني والفقير، نلبس لباس الكبار. نضع صرّة مستديرة ناحية البطن للدلالة على أثر النعمة، ونتصنع في كلامنا ومشيتنا للتعبير على أننا نوع آخر من الناس،لاينتمي لحينا، ولا نراه إلا في الشاشة. نوع  له لغته وطقوسه ونمط عيشه. وحينما تسيطر علينا شقاوة الصغر، فنتراشق بالوسائد وبالماء وبكل شيء تصل إليه أيدينا. نقضي لحظات ممتعة بالرغم من عبارات العتاب التي نتلقاها من طرف والدتنا التي كانت تتظاهر بالغضب ولكنها تضمر في أعماقها كل الحب وتتراقص في قلبها سعادة لا توصف.

لكن هذا العالم الممتع سرعان ما سكنته أطياف الملل وجثمت فيه أشباح الغربة والوحدة والكآبة.  فأختي بعد سنتها السادسة، بدأت تتخلى عني وتنعزل في زاوية من البيت لتلعب بلعبها الخاصة وتلبس لباس الأنثى وتقلد من هن أكبر منها. أحسست أنها تزهد فيّ، ولم تعد تطيق اللعب معي أو مشاركتي لحظات المتعة. أدعوها مرارا، لكنها تأبى الاستجابة وتنهرني بكلمات جارحة لم أكن في السابق أسمعها منها:

- أنت ذكر ولا يجوز لك أن تشاركني لعبي الخاصة.

هكذا بدأ عالمي الجميل ينقلب إلى سجن ضيق، وأخذ يغير لونه وهواءه ويقلص جرعات المتعة ويجعلني أحس بالاختناق والكآبة والسأم. لم أعد أجد فيه ما يغريني بالمكوث فيه بعدما انقطعت لحظات المتعة والمرح التي كنت أعيشها سابقا. أنظر إلى أختي وهي مستغرقة في تمشيط شعر دميتها وفي تزيينها بقطع القماش، فينتابني إحساس بالمرارة والغضب والغيرة، فأتعمد استفزازها لعلني أحرمها من متعتها هي أيضا. لكنها -على الرغم من نداءاتي واستفزازاتي المتكررة-  لم تستجب لرسائلي ولإشارات الاستعطاف التي أوجهها إليها. ولمّا أدركت أن (زازا)  قد هجرتني، صرت أكثر من النظر عبر النافذة المطلة على الشارع، وكأنني أبحث عن بديل يعوّضني ما حرمت منه. كان أطفال الحي من مختلف الأعمار يلعبون ويمرحون ويرددون كلمات غريبة عني لم أكن أدرك فحواها؛ كلمات لم تكن تنتمي لمعجمي الخاص. ولكنني كنت أشعر أنها كلمات خاصة بالشارع، لا يجوز التلفظ بها، لأنني لم أسمع أحدا بالبيت يستعملها في خطابه. بدأ فضولي يزداد لمعرفة هذا المعجم وفهم ما يضمره من دلالات ومعان محظورة لا مجال لتداولها بالبيت. ومع ذلك الفضول المتولد في أعماقي كانت الرهبة القوية العاتية تنتابني كلما فكرت في الخروج إلى الحي والالتحاق بباقي الأطفال.كانت أمي كلما وجدتني معلقا بالنافذة تقول لي:

- اخرج قليلا، واجلس قرب المنزل. أو العب مع ابن الجيران

- هل أخرج وحدي؟؟ ولماذا لا تخرج معي زازا؟

- الفتاة لا تخرج إلى الشارع وإنما تلعب بالبيت.

- وأنا كذلك لن أخرج.

بعد إلحاح كثير من والدتي تمكنت من تخطي عتبة البيت نحو الخارج. كنت خائفا لا أشعر بالأمان. ليس لي اللغة المناسبة ولا الجرأة الكافية حتى أفرض نفسي في عالم الأطفال المتحررين. كنت أكتفي بالجلوس بباب البيت كمرحلة تدريجية وخطوة تدريبية حتى أستأنس بأجواء الشارع وأتعرف على الأبجديات الأولى لثقافته وطقوسه الخاصة وأمتلك الأدوات الضرورية للاندماج في هذا المجتمع الجديد. كنت أشاهد الأطفال يلعبون ويمرحون، فأغبطهم على ذلك لأنهم محظوظون ما داموا يستطيعون الابتعاد عن منازلهم دونما خوف أو وجل. كنت أرى خروجهم المستمر عنوانا للجرأة التي أفتقدها وعلامة على المتعة الحقيقية التي أبحث عنها. لكن حاجزا نفسيا قويا كان يصدني عن الإقدام على المحاولة الأولى، ويمنعني من التجريب.

كان بيت جارتنا ميمونة أول بيت استطعت دخوله بسهولة قصد اللعب مع ولدها الصغير الذي لم يتجاوز بعد سنته الثالثة. لم تكن والدتي تجد حرجا في أن أمضي بعض الوقت هناك. كنت ألعب مع الصبي مكرها، بل في الحقيقة كنت ألاعبه حتى يحس بالأنس والمرح. ولم يكن ذلك اللعب يشعرني بالإشباع والامتلاء، ولم يحقق لي تلك المتعة التي أنشدها. ألعب قليلا بلعبه ثم أتركه، فأعود لأجلس بالباب وأسرّح نظري في الشارع الطويل الذي يعج بأطفال في سني وأكبر مني. وأنظر إليهم بعين الغبطة، وأمنّي النفس بأن ألتحق بهم يوما.

وفي يوم حدث لي ما لم يتوقعه أحد.. اختفيت فجأة عن الأنظار. كأنما امتصني جوف الأرض أو حملتني الريح بعيدا في السماء. بحثت أمي عني في غرف البيت كلها ولكن لا أثر لي. سألت عني جارتنا فأكدت لها أنني كنت جالسا بالباب، ولم تنتبه لحظة مغادرتي للمكان. خرجت أمي من البيت مندفعة متوترة تبحث عني في زقاق الحي وفي الأحياء المجاورة. تسأل عني الكبار والصغار دون جدوى. كادت رأسها تنفجر من شدة التفكير. كانت الوساوس المقيتة تتزاحم في عقلها وتحمل إليها كل احتمال مدمر لقلب الأم. ظلت المسكينة تسأل من تعرف ومن لا تعرف. انضم إليها كل الجيران، فتحول الحي إلى ساحة للبحث عن جرذ نزق متوار عن الأنظار.

وبعد ساعة من القلق والخوف والهواجس المدمرة والبحث الحثيث، أطلّ الصبي المختفي بعفوية وبراءة من تحت المائدة المستديرة حيث كان راقدا مستسلما لنوم رحيم هنيء في بيت الجارة. أراد أن يلعب لعبة الاختباء،  لكن يد النوم كانت أسرع من إرادته. خرج يجر قدميه الصغيرتين ويفرك عينيه الناعستين، يوزع بصره في كل اتجاه، ولا يفهم سبب الصخب المزعج الذي يسود الحي.. تحول في لحظة إلى بؤرة إشعاع مثير.أصبح بطلا جديدا ناشئا في الحي.. وصارت قصته على ألسنة كل الناس.

 

د. محمد شداد الحراق