سردار محمد سعيد

أتشعران بي ؟

أنا أشعر بكما بمجرد سماع صوت هشيم الأباريق ،وصدى وقع خطوات مريم، فتعروني قشعريرة، يحتضن شجرتي نور الشمس فتورق، ويضوع ريّا ثمرها الزكي .

لقد أمحضتماني الفنّ.

فإليك يا بياتي ويا سعدي ولم ترحل فراشاتكما من بستاني،ولو أن المنتأى واسع.

لكما مني تسليم البشاشة.

حاولت أن أزيح طرفاً من الستار العظيم كما فهمته منكما ، أيها المعلمان.

لو كنت أعرف أين مريم

لاتّبعت النجم نحو بلادها ،

لكن مريم خلفتني في المتاهة منذ أن رحلت

وقالت : سوف تلقاني إذا أحببتني

سعدي يوسف

 

الحب يا مليكتي مغامرة

يخسر فيها رأسه المهزوم

بكيت ، فالنجوم

غابت ، وعدت خاسراً مهزوم ...

" عبد الوهاب البياتي "

***

 حكاية "سُعدى"

إني أعترف

أنا برعم الحب الرهيف المتفتح يوم عرف الإنسان أنه إنسان .

قلت: سيغدوالتاريخ ناصع الوجه.

وتنشر الريح ريّا الزهورفي الفضاء.

ترقص الأغصان بشدو الطيور.

تتزحلق الفراشات على سرير قوس قزح فتهديه ألوان أجنحتها .

في يوم ما صرخت بوجه القلاع التي بنيت لتمنع ثورات الأنوثة،

وتسلقتها رافعة فوق أعلى ذرواتها راية العشق،

فجعلوا مني آلهة الحب والجمال والخصب .

شُغفت بلين النبات ووداعة الحيوان وعنف الإنسان .

عشقت ظلام الليل واسوداد الحدق وجدائل الشعر، وبياض القلوب وضوء الفجر .

عشقت الصمت والسكوت والسكون، وصوت الريح وحفيف الشجروهمس العشاق.

ولم يبق جسد إلا وذقت ثمرته .

ولا شفاه إلا سقيت أرضي من رضابها .

مُسخت عربة مطهمة بالذهب واللازورد،وتجرّها الصواعق، وناديت "جلجامش "خذ هديتك،هيت لك، وهبني ثمرتك، فأبى .

ألّهت في أوروك،وسموني "عشتار".

وفي مصرسموني" إيزيس " .

أحببتُ وعشقتُ، ومن كان بلا لحاف صرت له لحافاً،

ومن مسّه عطش سقيته لبن أثدائي .

امتزجت بأجساد امتزاج الماء بالنبيذ .

ذبت بأخرى ذوبان الملح بالماء .

وسميت ببلاد الإغريق" افروديت " .

إذ برزت عارية كلؤلؤة من صدفة تطفو على سطح الماء .

وصفتُ بآلهة الحب والعشق والشهوة .

وعُرفت ُفي شتى البقاع بأسماء مختلفة فمرّة فينوس ومرّة اللات ومرّة كليوباترا، وكلهن أنا .

أنا " سُعدى "، إسمعوني ياأهل العالَمَين العلوي والسفلي.

حمل الراية معي، وكان لي لحافاً، ذاب فيً وذبت فيه، اندمجنا معا، حين أكون كأساً يكون كافورها، وحين يكون كأساً اكون كافورها .

وبلا وعي فُرض عليه أن يذوب في العدم، فكان لزاماً عليّ أن أفديه ليبقى زيتون شجرته مشعّاً وإن خمد ضياء شجرتي، ولتبق لثغته تتمتع بها أسماع الإناث بعدي وبها يتلذذن .

الحقيقة كنت أراه كما لو خُلق لي لا لغيري وإن وصفت بالأنانيّة، لذا فمن البدهي كنت أشعر بأنه سيفقد شيئاً حتى لو نظر إلى غيري مجرد نظرة سطحية، سطحيّة هذه بنظر الناس أو أنها حجة لإبعاد الشكوك، كنت أتمنى أن تصاب عينيه بعمى من نوع خاص تجاه الجميلات اللواتي ينظرن إليه وفي بالهن تتسارع مشاهد تقبيله أو معانقته، وبرغم عدم تصديقي أن كريم لن يقدم على خيانتي إذا كانت فعلته ترقى إلى مستوى لفظة خيانة أقول سألت أمي إذا كان يوجد لديها ما يمنعه من النظر إلى الفاتنات أو يمنعهن من التمعن في قسمات وجهه، لكن أمي قالت إن قسمات وجهه خالية من أي تعبيريعجب النساء، وأني وحدي المعجبة به، وأنني ثاني امرأة معجبة به، وحين سألتها من الثانية ؟ وكنت أغلي في داخلي وقررت على وجه السرعة أن أعد فخّا للتخلص منها، لكني بردت بسرعة حين قالت : المرأة الثانية هي أمه . وبعدها رحت أضحك على نفسي، فلا يعقل أن أنصب فخاً لمن أنجبته، ثم أين هي الآن، في أي عالم إذا بقت على قيد الحياة ؟ والحق قد فرحت بمتابعتها له وترصّد حركاته وسكناته في كثير من مغامراته التي كان يسردها لي طوال الليالي الشتائية وهو يلفّني من البرد، ولا أكتمكم سرّاً أني كنت أفتعل البرد حتى لوكان الجو ساخناً، وأعجبت بجدّته كثيراً، وتمنيت لو أعد لها محراباً لسعت النساء جميعاً إليه ولمسحنه بالحناء ويربطن الخرق على شبابيك ضريحها، ويقربن القرابين لله تعالى داعيات أن يمنحهن فتيات بعقول راجحات العقول كهذه الأنثى الطيّبة .

أمي كانت تعزو حبي للثغته، ولو أنها كان لديها بعض الحق لكن اللثغة كانت الطريق الذي دلّني على روحه التي لا مثيل لها على الإطلاق، وجمال الوجه والوسامة زائلتان بعد القبلة الأولى، ولا فائدة من وسامة وجه رجل بقلب لئيم وروح وسخة، وفي الحقيقة لا يرى القلب ولا تدرك الروح وهذا السبب الذي طالما غش البليدات والمتعجرفات .

إن حبي لم يولد مع لثغته بل مذ كان رضيعاً، بل مذ كان نطفة، وهذا ربما يضحككم، وربما تقولوا هو حب كحب أم لإبنها أو الأخت الكبيرة لأخيهاالصغير، فالحب أنواع ودرجات، نعم أنواع ودرجات، ولكني كنت أحرص على أن يكون لي حبيب روح ولا يهم الإنتظارمهما طال الزمن ومر الوقت ولكن لست أنسى يوم فُقد حليب الرضّع في الأسواق كيف وضعت علبة كبيرة بباب دارهم وكتبت ورقة معها تقول : من فاعل خير، وعندما شبّ كم كنت أحزن عندما أراه يميل قلبه إلى قلب غيري مثل زميلته في المدرسة المختلطة، وكنت أود سحق الضفدع الذي أرسله لها، وفيما بعد اعجابه بتفاصيل جسدها يوم هطل المطروهي ترقص بثياب قد التصقت مبرزة التفاصيل، وكان يرى ويحفظ تفاصيل جسدي عندما كان يزورني ليلاً، وظل يعتقد انه محض حلم أوكابوس كما تعتقد أمي .

ألله ما ألذ الكوابيس بين ذراعي حبيب .

أعترف أني كنت أتابعه وأتخيله حتى عندما كان طفلاً وأحلم به يلعب معي لعبة " الغميضة " وأجعله يمسكني بسهولة، فأرتمي بأحضانه وأدس شعري في صدره، فيلعب بـالشرائط الملوّنة التي تزينه .

 ولم أفرح وأبتهج إلا عندما اختارت عريساً غيره، وكنت أود لو أرقص مع الفتيات بهجة بليلة الزفاف، ولا يعلمن أني أرقص بهجة لأن حبيبي كريم قد تخلص من حبل كان يربطه بها،والآن أصبح الحبل بيدي، ولم أكن غافلة عن نزواته وتصرفاته المراهقية وعلاقاته الجنسية غير أني كنت أعدّها تصرفات عابرة وقضاء حاجة اقتضتها الفسلجة .

كنت قد قررت أن يكون لي لا لغيري، وانتهى الأمر.

***

سردار محمد سعيد

 

لالة مالكة العلويإهداء: إلى بيروت

وجه زينب الخنساء في يومها القيامي


المرفأ الغضوب كريهة الحرب

سماء بيروت ..

في غمام الصيف الخؤون ..

كرمة الوجع ..

يد تدود على اقحوانة الشرق

يابسة الخراب كأنها لن تكون من شوق فاخر

أو قصيدة يتيمة !

الذين يطلقون الرصاص

كأي وهم يركض إلى حتفه .. 

أو هباء يصيد قلبا حقيقا بالحب

حقيقا ببيروت

العذراء السنية المريمية

قمرية الهوى

ذائقة العشق

في وردة مجتباة .. 

كان قلبي لبيروت

وكان لها القلب

شرفة للذكرى

راقصة في دم الغياب ..

بيروت ،،

يا بيروت  ..

قصيدتي التي تأتي

كأن صداها ندى الارتياب .. 

شمس لا تطلع،

إلا في سراب أثيل ..

شعب يعد أياما جديدة

وخمرة حرون ..

تخال وشيها شراشف في بحر العذاب.

***

لالة مالكة العلوي

 شاعرة وباحثة مغربية

 

 

عبد اللطيف الصافيبَنَفْسَجِيَّةُ الرُّوحِ

كُحْلِيَّةُ الْعَيْنَيْنِ

فَرَاشَةٌ مِنْ ذَهَبٍ

وَ مِنْ تَعَبٍ

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

والْأَسْرَارُ

سَلَامٌ لَكِ

وَعَلَيْكِ

وَ لِبَيْرُوتَ السَّلَامُ

**

فِي الْقَلْبِ انْفِجَارٌ

قَاتِمٌ

وَانْكِسَارُ

وَفِي بَيْرُوتَ

حُزْنٌ جَاثِمٌ

وَ أُوَارُ

دَوَّى الْمَاءُ وَانْتَفَضَ الْغُبَارُ

صَاحَ الْبَحْرُ مُتَوَجِّعاً

مُتَصَدِّعاً

مِنْ هَوْلِ الْفَجِيعَةِ

مَذْهُولاً مِنْ ظُلْمِ ذَوِي الْقُرْبَى

وَ أَثَرِ الْخَدِيعَةِ

**

فِي الْقَلْبِ دَمْعٌ

وَحُلْمٌ أَبَداً لَنْ يَمُوتَ

لَيْسَ فِيهِ غَبَشٌ

أَوْ مُتَّسَعٌ لِلنِّسْيَانِ

وَفِي بَيْرُوتَ

مَرْفَأ الْأَحْزَانِ

تَنَاثَرَ الدَّمُ فِي الْأَكْفَانِ

عَرَّتِ الْخَطايَا سوْأَةَ الْمَارِدِ

الْمُدَثَّرِ بالْأَدْيَانِ

**

يَا بَنَفْسَجِيَّةَ الرُّوحِ

سَأَحْمِلُكِ جُرْحاً عَلَى كَتِفِي

وَأَمْشِي

وَئِيداً

غِرِّيداً

وَ فِي بَيْرُوتَ

مَهْدَ الشُّهَدَاءِ

تَهْجَعُ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ

والطَّوَائِفُ وَرَاءَ الْمَتَارِيسِ

تُحْصِي خَيْلَهَا

عَلَى وَقْعِ الْمَآذِنِ وَ النَّوَاقِيسِ

تُعِدُّ لِلَّيْلِ حَقَائِبَ مِنْ دُخَانٍ

وَدِمَاءِ

**

وَ مَا بَيْرُوتُ إلَّا نَسِيجَ وَحْدِهَا

لَا تَبُورُ

وَلَا تَأْسَى

وَ مَا بَنَفْسَجِيَّةُ الرُّوحِ إلّا نِدَاءُ الْقَدَرِ

و نُذُورٌ

لَا تُتْرَكُ وَ لَا تُنْسَى

***

عبد اللطيف الصافي/المغرب

 

 

عبد السلام مسعودي1- القربان

ثمة قرابين تقترب منا كأنها الرائحة

التي فقدت بريقها زمن الخراب

ثمة جمال جاثم على صدر الموت في الزحام

وحزن معلق عند بعض الخلق

يتلو بيانات زمن قادم

من تراتيل محصنة في الخيام

تركتها رياح النار والبارود

**

2- نبوءة

إليك أيها الفارس الذي توحّد بالغيب

حين غابت عنك الألحان

إليك كتاب الغريب

الذي صدقت نبوءته قبل ألف عام

مزّقه

أعتقه من غواية المقدّس

**

3- الحصن

في المحيط تحتاط

حتى تبلغ نهاية لا ينهيها الخطاف

لا يرسمها قارب

خسر قصائده خلف أضواء الروح

من أجل خاتمة لا تمتلك فواصل بعثها

**

4- تمفصل

في تفاصيل المواقيت

تقتات النفس جوعها من الفراغ

وتجتمع الكلمات مع الحروف

حتى تكتم أصواتها الغائبة

في القسم الكوني أبجديات تمفصل أزلي

تذهب بعيدا..

بعيدا في انكسار الحلم

**

5- القوة والضعف

الغواية:

نلتمس القوة من ضعف الآخرين

الرواية:

ضعف الآخرين يتضاعف من تضاعف قوتنا

الهداية:

أن يتحلل الضعف في قوة الغواية وتتجمل القوة في ضعف الرواية

**

6- الحكيم

الكتب تتسلل منها بقايا الهزائم العاطفية

لتحترق في منتصفها سنابل التاريخ

وتدون في طقوسها رسالة الحكيم الملهم

**

7- عبادة

يصمت المريد حين يريد

ويعتصم الشاهد على جهله بالشهادة

فقط..

للألوان المنكسرة طموح الكتابة

وزيف العبادة

**

8- عين

للعين متن الجفون

الذي لا يكتفي بحدود القمر

بل يقتسم صور العربات

التي خلدت وصاياها في الغيوم

للعين هامش الريح

الذي تهشمت على قلاعه أساطير الجنون

**

9- النهر

أيها النهر تمهل...

فالجائحة ختمت رسالتها

لتمر رحلة العصيان بلا غفران

أيها النهر لا تستمع إلى العيون

فالطارق بالباب

بلا طريق

والسارق في الأحلام

يستغيث

**

10- سفر الخروج

في سفر الخروج

 سافرت الحقيقة بلا موعد

بعدما رسم العقل خارطة زيف حكمته وهو في المعتقل

وبعدما تناثرت حبات التراب في مواقع الاشتباك

مخلفة الرماد

***

عبد السلام مسعودي – كاتب تونسي

 

 

حيدر جاسم المشكورلا شيء مقفل..

الرحمةُ تنزلُ كالمطر

والهوا ملءُ الفراغ

والنورُ كالماءِ الطهور غُسلُ حياة

لا شيء مقفل

الرزقُ نزيلُ كل بيت

والنفسُ تدركُ جلال المستحيل

ومن عجين الترابِ ينشئُ الخلق الجديد

وفي الليل غمارُ جسدٍ عنيد..

والروحُ فيهِ سارحةٌ مع ذؤبانِ المنى

والحلمُ مضرجٌ بالمشاهدِ والصور

وافكارٌ تُغالبُ بعضها من غير نظم

لا شيء مقفل..

أبوابُ السماءِ مشرعةٌ

والمناهلُ مترعةٌ

والدعاءُ بلا حجاب

ونظرةُ الرجاءِ لا تُخذل

وفي الدماءِ بيوض الهوى

وعطرُ الحبِّ يملأ المكان

لا شيء مقفل..

وسحرُ الأملِ يكبرُ في النفوس

ومع الألمِ رغبةٌ بالحياة

واجنحةُ المنى تحدق بالبقاء

لا يأس يفترسُ الرضا

ولا يكسر العينَ القنوط

للرحمةِ اجنحةٌ هدى

تُحيطُ الدروب

والربُّ جل عُلاه ابوابهُ لم تؤصد

في وجهِ عبدٍ رجاه

 ***

حيدر جاسم المشكور

العراق/ البصرة

 

 

الطيب النقرتريد هي أن تحيا حرة، ويأبى دينها وذويها والمجتمع التي تعيش فيه إلا أن يقصوا من جناح هذه الحرية، فهي منذ طفولتها الباكرة أظهرت من ألوان الشدة في مجابهة هذه القيود ما يثير ويغري بالشر، فقد كانت تتصدى لكل من حاول ردعها بالتسفيه والتحقير، وظلّت على ذلك العهد حتى أخذتها خمرة العناق، وأستغرقتها لذة القُبّل، أضحت الان بعد أن فرهدت ثغور رياضها، وعربدت مخايل الحسن فوق حياضها، فاتنة مهووسة بأسباب الدقة والنظام، فهي تفي بوعدها لكل من فارقه لبه، وتخاذلت عُرى قلبه، أمام جمالها الأخاذ.

2-

لقد تقوضت دعائم الصبر عند عائلتها التي لم تزل على أتمّ قلق، وأعظم حسرة، منذ أن تجاسرت فتاتهم على القيم، ومضت خلف نزواتها، آثر والدها الذي وقع اليأس في دواخله، ومرض أمله في تقويم اعوجاجها، أن يضع حداً لتهتكها ومجونها قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه، خاصة أنها بعد أن تورد من غضارة الشباب خدّها، واهتز من نضارة الصبا قدّها، قد شفًها حُب السهر، وأضناها كلفها بمحادثة الفتيان، أتت تمشي بخصر دقيق، وردف ثقيل، كأنها غصن بان، أو قضيب خيزران، وهي تنتفض من الذعر، بعد أن لاح لها أن أباها قد رام جزّ عُنقِها بحسامه الصقيل الذي يزين به جدران غرفته، ولكنها فغرت فاها العْذب من الدهشة حينما رأته وقد أماطت السعادة عبوسه، وأبدت النشوة شموسه، وبمعيته شاب ينحدر من أسرة كظها الغنى، وبشمتها الثروة، كان هذا الشاب يختلق الأسباب ليفصح لها عما يُعنّى نفسه من أغلال الغرام، سئم نقش قوامها السمهري على وجوه ألواحه، ونصب تمثالها الجميل فوق سطوح الحيطان، أمسى أسير عينين يعجز عن وصفهما لسان، وشفتين يذهل عنهما بيان، هو لا يرعوي لمن خاض في ذمها، لا يأبه لمن أقسم بأن صدره قد ضمها ، لم يبقى له عشقها فضل من عقل، أو حظ من فهم، إنّّ أشهى ما يسمو إليه الآن هو تقبيل خدها، ارواء روحه الظمآنة من غدير حبها، لقد سحرته عيونا دُعْجا، وحواجب زُجا، وقضى عليه جسمها الريان.

3-

بعد اقترافه لمخزيات الضعة والهوان، وزواجه ممن أفنت أمواله، وذعذعت آباله، وغيرت أحواله، بات عِظم ميزته، وعلو مرتبته، يكمن في اقترانه بمن ينشد وصالها الليوث الضراغمة، والملوك القماقمة، لقد أستطاع أن يؤدي الأدوار المرجوة منه في تفاني وإخلاص ، فهو لا يمتعض إذا ضم مخدعها أراذل الرجال، لا يتأفف من الأغمار إذا أوغلوا في رشف حميا الوصال، أما هي فقد ظلت في بهجتها ورونقها لم يُشِن حُسنها تهافت أو ذبول، ما زالت تصرع ضحاياها في مجالس السلاف، وملاعب الشُمول، حتى تحدرت من أعينها سوارب الدموع، وأظهرت لبارئها الامتثال والخضوع، عندما ظفرت بداء عُضال من شقي بسطت له هي رقاع الإغراء.

***

الطيب النقر

 

 

عبد الجبار الحمديخرجت بونانا تبحث عن كانوفا الذي تأخر كثيرا، لقد وعدها أنه سيعود خلال شهر، ها هو أسبوع مضى بعد الشهر ولم يرجع بعد ان قال لها: انه سمع عن والدها أنه يريد مهرها نبتة الحياة النادرة، لم ترغب بونانا بذهابه فهي تعلم أن والدها يريد أن ببعده عنها كي يستطيع أن يزوجها من كاموا ذلك المارق الذي يسيطر على مقدرات القبيلة ورغبات والدها التي لا تنتهي... أيام كثيرة تماطل والدها ولكن لما انهكها بكثرة ترداد طلبه وتعنيفها قررت الخروج خلسة للبحث عن حبيبها كانوفا....

هي تعلم أن رحلتها ستكون عصيبة خاصة أنها سمعت عن جدها والد امها ان تلك النبتة لا توجد إلا في غابة السواساوي وهي غاية يقطنها قبيلة اشتهرت بأن أهلها يأكلون لحوم البشر فلا حظ لمن يطلب نبتة الحياة عندهم... خرجت يحدوها الأمل بأن نلاقي كانوفا على ذلك المعبر الوحيد المؤدي الى السواساوي... توقفت بونانا لتسترد أنفاسها التي أخذت بإنهاكها في كل لحظة تسمع أصوات الذئاب او الدبب نعم تقول لنفسها انا شجاعة لكن الظلام يطيح بثلثي شجاعتي... لاستلقي هنا ولتكن هذه البقعة مكان مبيتي، أرخت أعصابها للحظة اطلعت على الضياء الذي حسر ثيابه ما ان رأى مارد الظلام ينشر أنفاس عتمته في كل مكان... ثم صاح من يسمعني صوته وهو في عالمِ تحت جنح ظلامِ انا ملك السواد ههههههههه...

لم تعر أي اهتمام بونانا فهي تهمس لمن تحب.... كانوفا حبيبي لا أدري كيف اصف لك شوقِ لهفتي، أه لو تضمني بين ذراعيك كما عودتني لأطمئن أشعر بالأمان معك نعم... يا لك من احمق و يالي من بلهاء، لِما صمت ولم اردعك عن الذهاب إلى رحلة لا أدري ما سيكون مصيرك فيها.. يبدو ان قدرنا ان تكون معا في رحلة لا يكتب فيها النجاة لك او لي... لا يهم لم يعد لي في العالم سواك اما والدي فقد باعني بعد موت والدتي كمدا على شقيقتي التي ضحى بها من أجل رهان، باعها إلى كاموا لبس دم رهانه عارا، لكنها سرعان ما ماتت نتيجة رفضها ان تكون سلعة لمن يكتريها متعة، انتقمت من والدي ومن كاموا بالانتحار، بعدها ماتت والدتي حسرة وتركتني وحيدة، غير ان والدي في لحظة ما شعر بالعجز والوهن فتركني إلى أن تقرب إليه كاموا وطلبني لأكون من زوجاته، حينها عاد والدي إلى سابق عهده إلى مجون الرهانات والمقامرة أثقل عليه كاموا ليكسر ما بقي عنده من كرامة حطمه واخضعه لرغباته...

كانت بونانا تقص حكايتها لحبيبها ولنفسها تذكرها أنها لا تزال تحت الرهان، فعالمها لن يستقر إلا مع كانوفا... اوقدت النار لتقي نفسها الوحشة وطلبا للدفئ.. جرعة ماء لقمة من زوادة كانا كافيان لسد رمق جوعها... خال لها خيال من ألسنة لهب النار، خرج منها ما جعل قلبها يخفق بسرعة، أمسكت رمحها وهي تصيح أظهر نفسك لا تكن جبانا تتوارى خلف النار، هنيهة سمعت صوت هادئ دافي يقول: هدئي من روعك بونانا لست طالب الشر لك انما انا نذير... لا تستغربي ان قلت لك ان من تحبينه قد حط رحله تقريبا في نفس مكانك هنا، انذرته عواقب رحلته لكنه رامها تحديا ودليلا على حبه لك...لا أخفيك حكى لي عنكما كثيرا حتى اني رافقته رحلته إلى الحد المسموح لي فيه بعدها أكمل رحلته لوحده...

لم تصدق ما تراه عيناها بونانا او ما تسمعه نال منها الصمت والوجوم... أخرجها من يحدثها متسائلا!؟ ما بك بونانا هل صدمت؟ ام ان الظلمة والخوف وهواجس جعلوك تقولين انك تتخيلين ما ترينه وما تسمعيه... أبدا إنها الحقيقة لقد أشفقت عليه بعدما وجدت أنك كل عالمه الذي يتمنى وقال لي: أني مستعد لأني اضحي بحياتي من أجل حب الوحيد بونانا سأفعل ما يلومني به قلبي وعقلي ستكون لي حتى وإن خسرت حياتي فمن يعشق مثلها تهون عليه التضحية من أجلها...

الواقع صعقت وعجبت!!! جاريته كي ارى مدى صلابته وجلده على ما سيواجهه من عواقب.. كانت كثيرة لكنه جابهها بمهارة وشجاعة فاقت الوصف مددت يد العون له حتى اوصلته الى اقرب نقطة يمكنني أن أصلها بعدها اشرت عليه بعده نصائح... لا اخفيك بونانا كنت متوقعا مجيئك للبحث عنه فمن حديثه عنك قلت لنفسي لابد ستأتي للبحث عنه وساقوم على إرشادها الى اخر نقطة توقفت فيها عنه لذا إن رغبت اوصلت الساعة إن سارعت في الجري فلا آمان لك في هذه البقعة فسرعان ما يرتادتها من لا ترغبين بمواجهته ما قولك؟

بونانا بين مصدقة ومكذبة ما تسمع لكنها قالت في نفسها يبدون أنه يعرف الكثير عن كانوفا وعني وهذا باد من حديثه ليكن قدري هو من يدير دفة مسيرتي في البحث عن حبيبي... دون تردد قالت بصوت عال هيه أنت... سأسير معك مهما كانت عواقب اختياري سأكون سعيدة حتى لو نال مني الموت فيكفي اني سألقى حبيبي كانوفا وإن كان في الحياة الأخرى... لم تفطن أنها قد ركبت الريح و ألسنة اللهب تتطاير من حولها كانت المدة بالنسبة لها ساعات معدودة لكنها في واقع الامر ايام تقلب فيها الابيض والاسود دون ان يتحكما بالزمن قلبها صفحات أثارت حفيظة من لا يعرف للحب معنى... فجأة توقفت بونانا عن الجري وقد لاح لها ضوء النهار سمعت الصوت يقول لها: هناك هو حبيبك ذهب في ذلك الإتجاه حيث نبتة الخلود هيا إذهبي إليه حاولي ركوب ما يمكنك ان تعبري ضفة النهر وأفضل الآن إنها الساعة المواتية فهولاء لا يتحركون إلا في الظلمة لكن أحذري الحراسة ولا تلتفتي الى اي صوت ينادي بإسمك حتى وإن كان صوت كانوفا افهمت... مدهشة بونانا وهي ترى عالما لم تشهد مثله إنه بالتأكيد عالم من السحر فكل شيء فيه يفوق الخيال وكل شيء فيه يتحدث ويتراقص... اخذت بالنصيحة فما ان وجدت وسيلة النقل حتى أخذتها تدفع بيديها الماء نحو الضفة المقابلة لاح لها الجبل ما أن وطئت قدميها الجانب الآخر.. هرولت وكان العالم المحيط بها دون حراك مع علمها ان هناك الكثير من العيون ترصدها لكنها لا يحرك أصحابها ساكنا حتى عثرت فوجدت نفسها أمام كانوفا.... دون وعي صرخت كانوفا حبيبي هل انت بخير!!؟

كان كانوفا صامت يشير إليها نحو اتجاه معين، لم تعلم ماذا تفعل؟ استغربت من تصرف رامها حبيبة وعالم يكتنفه بالطمأنينة اراد ان تلمسه ان تلف ذراعيها عليه لكنها تذكرت النصيحة بأن لا تتعامل مع من تراه وإن كان حبيبها دون شعور نهضت تجري حيث دلها قلبها الى مكان من أحبت... ركبت الجبل صعودا انهكها تثاقلت لم ترى وهي تصعد ان هناك من كان يترصدها وقد احاط بها من كل جانب... ابتلعت خوفها وهي تقول إنها موتة واحدة أتمنى على الألهة ان تجعلها بين يدي كانوفا وبعدها الى اي مكان آخر حتى ولو كان الجحيم لكن معه سيكون الفردوس لي ... ما ان وصلت حتى وجدت كانوفا يمسك بنبتة الخلود ولا يتحرك سوى عيناه شعر بالغبطة والفرح حينما رأى بونانا أمامه اغرورقت عيناه بالدموع اراد بشدة ان ينادي بأسمها لكن شيء ما يمسك به بتلابيب جسمه، يبدو أنه شل هكذا فسرت بونانا عدم حركة كانوفا... أقتربت منه وهي تقول له: هل أنت حي حبيبي؟ اشار لها بعينيه نعم وهو ينظر الى النبتة، سمعت صوت يقول لها: ها بونانا لقد وصلت الى نبتة الخلود كل ما عليك هو ان تقومي بالنذر قربان للحياة الابدية عليك ان تقتلي كانوفا حتى تأخذي النبتة لوالدك او لنفسك او إن شئت سأطلق الحراك لكانوفا ليقوم و بتقديمك أنت قربان للحصول عليها إن إراد ما رأيك؟

لم تفكر طويلا بونانا اجابت نعم إنه يستحق الحياة والخلود اكثر مني لقد جازف بحياته ولم يتوانى للحظة عن التضحية بنفسه رغم كل المخاطر للحصول على النبتة لم يفكر بالعواقب نعم لا مانع ان أكون القربان الذي يقدم لحصول حبيبي كانوفا على النبتة شرط ان ينالها هو لنفسه..

شعر كونافا بأنه حر في الحركة دون ان يبالي بالنبتة سارع الى إحتضان بونانا... أمجنونة أنت!! هل تعقلين ان اضحي بك من اجل خلود لا طعم له؟ أنت الحياة والخلود الذي أريد فما حاجتي بحياة دون بونانا إني اريد لك الحياة لأنك تستحقين الحياة أكثر مني سأحياك بونانا في عالمِ الآخر حيث لا خلود سوى الخلود الحقيقي.. سارعت بونا قبله الى طعن نفسها وهي تقول: أظنني سأكون أنا من ينتظرك في العالم الآخر حبيبي كانوفا ساراك لابد اعتني بنفسك من اجلي عش حياتك كما تحب حتى وإن أحببت غيري فأنا واثقة أنك لي قلبا وروحا..صرخ كانوفا اللعنة عليك بونانا لقد قتلتني بفعلتك لا لن ارضى ان تكوني الضحية قطع نبتة الحياة ومضغ جزءا منها ثم زقه الى فمها وهو يقول: كلي ابتلعي بونانا لا اريد لك الموت لا اريد الحياة لنفسي بعيدا عنك هيا ابتلعي نبتة الخلود...

فجأة كان هناك جمع غفير من الحيوانات والطيور وحتى الاشجار تصفق وتضحك وتقول هما يستحقان نبتة الخلود إنه الحب الحقيقي أنها التضحية من اجل من تحب... مرحا لكما كانوفا وبونانا سعيد بكما الخلود ستعمر الأرض بالحب والحياة  ما دام هناك وفاء هنيئا لكما الخلود في عالم لا يقطنه سوى الشياطين.

***

عبد الجبار الحمدي

 

محمد سعيد العتيقأينَ الرغيفُ

و كمْ أتى فجرٌ مخيفٌ

سامرَ الأرقَ المكابرَ

لاصفرارِ الليلِ

كانَ الوقتُ يهرَمُ منْ

ضجيجِ الصمتِ

منْ نومٍ يمرُّ على النجومِ

و يختفي مثلَ الكلامِ

و مثلَ ألوانِ الجريـــــــــدةْ !!

2 –

لو كانَ ينتظرُ

السؤالُ على الطريقِ

فثَمَّ نحَّاتٌ يُجدوَلُ

في المواقيتِ الرتيبةِ

أو يُغيِّرُ شكلَ عاصفتي

فأهدأُ

ثمَّ أهدأُ

ثمّ أغرقُ في السكونِ

و أَرتدي لغتي البعيـــــــدةْ !!

 قد قالَ: حبــــــرُكَ ساحرٌ

رسمَ النّوايا و استعارَ

غشاوةَ الحزنِ العتيقِ

و بعدُ ما قرأ المرايــــــا و الوجوهَ

و دمعةً للخائفينَ

منَ ( الذبابِ )

و راحَ يبتدعُ

الخرافاتِ الجديـــــــدةْ !!

3 –

في الحيِّ أرصفةٌ

تنامُ على الغبارِ

و تشتكي للعابرينَ

منَ الضبابِ،

و للأحاجي، و الغيابِ

و تشربُ الماءَ

المُبَلَّلَ بالدماءِ

و بالوصايا العشرِ،

ترتشفُ النبيذَ

لتنتشي منْ شدَّةِ

الخوفِ الرهيبِ،

و منْ تخاريفِ المشاةِ

على الخيالِ،

و منْ أكاذيبِ الموائدِ،

و الحفاةُ لهمْ طريقٌ ثالثٌ،

عبروا الرصيفَ

بلا خطى

يتعكَّزونَ على قصيـــــدةْ  !!

4 _

المـــسرعونَ

إلى الصباحِ،

إلى فمِ المستقبلِ الوهَّاجِ،

يرتبكونَ منْ سدِّ التشتُّتِ

للضياءِ على المدى،

أو ينحنونَ منَ الرياحِ،

و قسوةِ الأخبارِ،

فارتكبوا جريمَةَ ظلِّهمْ،

تلكَ التي شهدَ الشهودُ

على تفاصيلِ التفاصيلِ

التي لم لم تكنْ فعلًا،

و لكنْ هُيِّئتْ

كلُّ المشاهدِ،

كلُّ أسبابِ المكيـــــــدةْ !!

حتَّامَ تغتالُ الغرابيبُ

القداسةَ منْ عيونِ اللهِ

باسمِ

( الخالقِ الوطنيِّ )

تنبتُ مثلَ

( طحلوبِ ) المسالخِ،

أو تغيِّرُ جلدها،

و الخائفونَ،

بلا عيونٍ، يُبصرونَ

الحربَ أورامًا حميـــــــدةْ  !!

5 –

يا أنتَ

يا جمرَ الحرائقِ،

يا رمادَ الأمسِ

يا منْ جانِحاكَ

تكسَّرا في الفجر،

تنتظرُ السماءَ

لتُمطرَ الأشياءَ

منْ مَنٍّ و سلوى،

ثم تزرعُ للطيورِ سنابلًا،

و تلمُّ للدهرِ الحصى،

يا أنتَ

تركضُ في النهارِ،

مسافرًا بينَ

المسافةِ و المسافةِ،

ثمَّ ترجعِ خاليَ الخفَّينِ،

تبتدعُ التعرَّقَ و التشوُّقَ

للمساءِ، تحضِّرُ الأحلامَ

تخترقُ المتاريسَ

الخَؤونةَ للندى،

تغفو عن الرؤيا،

عن الآهاتِ،

ما يدعُ التخيُّلَ

أنْ تنامَ بلا عَشاءٍ

فوقَ معدتكَ العنيـــــــــدةْ  !!

***

د. محمد سعيد العتيقُ

 

 

سمية العبيديكانوا يسيرون في الممر القديم المتشعب، منتشرين في الحديقة المهملة المتيبسة مثلهم، عيونهم الى الأرض  كأنها تبحث عن حلم جميل ضاع عبر السنين ربما دفعة واحدة وربما دفعة بعد اخرى . انحناءة ظهورهم تدل على إنهم يبحثون مذ زمن طويل وليس اليوم فقط غير إنهم لم يعثروا بعدُ على ما ضيعوه، ولذا فهم يواصلون البحث في أرض باحة وممرات تلك البناية القديمة مثلهم والتي علتها الرطوبة فكست آجرها. كان بعضهم يطلق لحية تحاكي القطن لونا وبعضهم يحلق ذقنه ذا الأخاديد يوميا لذا بدت بعض الجروح البسيطة على صدغيه - لأنه لا يرى جيدا فتخونه يداه - فضلا عن بضعة شعرات منسية هنا وهناك . بدوا منهمكين فيما هم فيه منهم من يقطع الممر جيئة وذهابا عدة مرات يوميا مستعينا بعصا من الخيزران تهرأ أسفلها هذا إذا لم تكن مغلفة من أسفلها بقطعة معدنية تشبه الكأس وآنذاك تعزف العصا على الممرات المرصوفة معزوفة من نوع رتيب . وبعضهم لا يجلس بل يرقد في كرسيّه العادي أو ذي العجلات . حين دخلت الصحفية الشابة الى بناية دار الرعاية يتبعها المصور وفي جعبتها مئات الأسئلة التي تريد أجوبة شافية عليها، وعلى صوت وقع حذائها ذا الكعب المرتفع وهو ما لا تلبسه المراسلات عادة - لكن الغواية قد تغلب الصواب - التفتت بصعوبة بالغة جل الرؤوس التي حان وقت قطافها ولكنها لم تقطف بعدُ التفتت لترى شبح المرأة الفتان يدرج على الممر الذي ملَّ من الخطى البطيئة الباردة التي عهدها . كانت الصحفية وقد أخذت الإذن من المسؤولين تنوي أن تمر بمن في الدار واحدا تلو الآخر وتصورهم وتتحدث معهم، لكنهم تجمعوا أمامها كما لو كانوا أطفالا يتحلقون حول بائع حلوى . ومع ذلك أبوا أن يُصوروا كلا على انفراد مما اضطر الرجل الذي ينوء تحت آلة تصويره الى الاكتفاء بصورة جماعية واحدة عن بُعد . ابتسرت الصحفية الشابة عملها فأخذت تسأل كلا منهم عن اسمه وعمره وعن امنيته في العام الجديد العام الذي كاد يطل برأسه من الأبواب فكانت حصيلة الأجوبة التي سجلتها في دفتر ملاحظاتها الأنيق والذي تضع قلمها بين أوراقه غالبا ولكنها بين حين وآخر تنقر بالقلم ذاته على غلاف الدفتر – مستبطئة الإجابة من بعض الشيوخ اللذين أضر بهم المرض وحجمتهم العزلة في هذه الدار -  كانت الإجابات  كالآتي وبعضها في غاية الغرابة كما سترون .... فاثنان منهما أرادا الزواج، وخمسة منهم أرادوا العودة الى الشباب بأيّما طريقة، وستة منهم رغبوا بالعودة الى بيوتهم التي غادروها قسراً أو بمحض إرادتهم، وخمسة آخرين أرادوا السفر في بلاد الله الواسعة بلا عودة، وواحدا ظن إن جارة للبناية تحبه وقد رآها مرة في سطح دارها وكان الممرضون الموكلون برعايته يتندرون بهذا الأمر ويسخرون منه زاعمين له إنها تحبه فعلا فصدق ومع انه كان يخجل فيدلدل رأسه الى الأرض أو يشيح ببصره الى جانب آخر وتحمر اذناه لذلك لكن امنيته في العام الجديد هي أن يعيش معها قصة حب رائعة يحبها ويواصلها لتكون له حبيبة فزوجة، وواحدا كان يعاني الشلل الرعاش أخذ يتحسر لأنه أهمل في شبابه موهبته في الرسم فأراد أن يعود الى ممارسة هذا الفن البديع . غير أن ما استلفت نظر الصحفية بل أدهشها واحدا منهم كانت امنيته الكبيرة في العام الجديد أن يغدوَ امرأة .

***

سمية العبيدي

 

 

سوران محمد  أشم ريحة نتنة

تأتي وتصارعني

من کل الاتجاهات

تبدو وكأنها ريحة أجساد هامدة

تطفو علی السطح

كسيقان أشجار مقطعة

فتجرفها  الامواج

الی ان تستقر علی اليابسة

فتتجمع حولها الحشرات

.

هنالك رائحة نتنة

انها ليست لبارود

بل هي ريحة تنبعث 

من اجساد الطرقات ليلا

تحت الاضواء البراقة

وبالنهار تختلط  بضجيج  المقاهي

فتعكر صمت الذي

يفهم من خلاله

كلمات أغاني الحياة الأزلية

   .

هنالك أمام أبواب الفيلات

أرتال طويلة من الخنافس

وفي باحة  المدارس

مجاميع من البزاق مسترخية

وأما العقارب

طالعة رأسها من  حفر القبور

يزحفن نحو الروائح الكريهة

دون أن يری

ظل للانسان

خلف ستائر الشبابيك

.

هنالك روائح نتنة

ريحة  موتة رمادية

موتة عفنة

ولن يشاهد أحد في المقابر-

قد يدفن،

وأشجار الطرقات التي تروی

بماء الحنفية الذي

 يغسل به

شراشف غرف نوم القصر

 لا تثمر الا  شوكا

.

هكذا تهرب النمال بعيدة

الی  قمم الجبال

هنالك ينظرن و

يضحكن من سکان 

قد أهدوا السلطان يوما ما

 أحسن أنواع التبوغ

و أحيان أخری

 أجود خنجر دبان

ولكنهم الآن

کزجاجة فارغة

يبحثون عن رٶسهم!

.

هنالك قد يسمع العواء من کل الاتجاهات

عواء الانسان

دون أن يری أحد

وكأنها مدينة الاشباح

أو منفی

ترفض أستقبال البشر

.

قد يسمع العواء من كل الاماكن

دون ان يتعرف أحد علی أحد

و كأن آثار مسارات الأمس

قد اختفت من الوجود تماما

.

كل الوجوه متشابهة

لا يعرف أحد أحدا

و يعلو  من کل الاتجاهات

صدی واحدا 

وهو: 'الموت'

ثم ينزل فجأة  

علی سطوح أرواح  قاحلة

يمزق التأريخ والذاكرة اربا اربا

و دون الفوت

***

سوران محمد

 

 

ناجي ظاهرتغيب الشمس فجأة.. بدون اي انذار. تبدأ الاجواء بالاكفهرار.  نجد انفسنا، امي.. ابي وانا صغيرهما، مجتمعين على ترقب  وخوف . نحن لا نعرف ماذا تحمل لنا اللحظة القريبة المقبلة، لكننا نشعر بالخطر الداهم الزاحف، كأنما هو امامنا ومعنا، يحيط بنا من كل ناحية وجانب. المجهول يتساءل في اعيننا عما تخفيه اللحظة المخيمة مثل شبح مميت.

تخرج امي عن صمتها: "اشعر اننا على مفترق درب".

ابي يقول: "بالتكاتف نواجه الفراق"..

ترسل امي نحوي نظرة اقرأ فيها تاريخ الهزائم البشرية المتتابعة. اذا مرت هذه اللحظة.. سنكون الاسعد في العالم. الآن ابتدأت اعي نعيم الوجود.

التصق اكثر بثوب امي وسروال ابي..

اشعر بقطرات الماء تحاول انتزاعي منهما. تتزايد قطرات الماء.. نلتصق اكثر. نصير كتلة واحدة. السيول لن تفرقنا. تبدأ الامطار بالتدفق، شلالات تتدفق من السماء الغاضبة فوقنا تغمر ارضنا.. وجه الارض حولنا يختفي.. كأنما هو لم يكن.. نتشبث بالأرض اكثر. تهتف الوالدة. يضغط والدي على كتفي ضغطة ذات معنى، اشعر به لكنني لا افهمه. هل هو الوداع؟

تشرع المياه في جرفنا معها.. نتباعد.. نتقارب.. ارى ابتسامة تعلو وجه امي.. اراها تتشبث بلوح خشبي.. تحاول الاقتراب مني. تبعدها السيول. ابي يحاول الالتحاق باللوح، دون ان يتمكن.. تشردنا المياه.

السيول تعبث بنا تفرقنا لتجمعنا. وتفعل العكس. ما أقساها من سيول. اشعر بيدين من حنان تحتضناني. انهما يدا امي. انظر في عينيها. ارى فيهما تصميما جبارا. لن تفرقنا السيول. سنبقى معا.

يتمكن ابي، اخيرا، من الالتحاق بنا. يتشبث بشيخوخته الواهنة.. بطرف لوح الخلاص. تشبث ابي يشعرنا انه لا مكان لأكثر من شخص واحد على اللوح... وان احتضان امي هو الذي وسع المساحة.. وجعل منا كتلة بشرية واحدة.. اتكور في حضن امي. اعود جنينا كما كنت قبل ستة او سبعة اعوام. ينتفخ بطنها مجددا. ها هي تبدو حاملا بي للمرة الثانية، بعد ولادتها لي قبل كل هذه السنوات.

يتغضن وجه ابي. اول مرة اراه خائفا الى هذا الحد. مع هذا اقرأ في وجهه ملمح امل وارى شعاعا من ضوء يطل منه.. ما زال لدينا رجاء.. "تشبثا باللوح".. تقول لنا عيناه..

المياه تتحول الى بحيرة.. اشعر بنوع من الطمأنينة. لا يخرجني منها الا ذعر اراه في عيني والدتي. ارسل نظرة الى مصدر خوفها. ارى والدي متعبا منهكا. يكاد لا يقوى على مواصلة التشبث بلوحنا المُخلّص. ارى امي وهي تفسح المجال لوالدي ان يأخذ مكانها على اللوح الخشبي، تناولني له، يحتضنني ابي بحنو.. اشعر انه قد يكون الاخير. ما اقسى هذا.

من موضعي في حضن ابي، ارى امي تتشبث بطرف اللوح. عينُها لا تغيب عني. يشتد الصخب المائي حولنا، اشعر ان يديّ ابي وهنتا.

"اياك ان تتركه"، تصرخ والدتي بوالدي.

"يداي مرهقتان". يقول ابي بتراخٍ.

ترسل امي نظرة آسية الى وجه ابي. نظرة اقرأ فيها ما لا يمكن لأنسان آخر سواي ان يقرأه. اشعر ان لحظة الفراق تقترب.

يرسل ابي نظرة متعبة الى البعيد. يقول:

"لا استطيع المواصلة"، يهتف بأمي، ويتابع" ابننا هو الامل الباقي..".

تصل الرسالة الاقسى في العالم الى امي. تعيدني الى حضنها، وتعود الى موقعها على اللوح الخشبي، فيما ارى ابي يعود الى تشبثه بطرف اللوح.

يمضي بنا لوحنا المُخلّص شاقا سحب الليل والمجهول. يطفو الظلام على وجه الماء. بعد ساعات يعمُّ هدوءٌ مُريب. ابي لم يعد يتحرك في الماء. نسمعُ آهةً عميقة. بعدها تتوقف آهاته. تحتضنني امي. بقوة حنانها تهتف بي:

" لا تخف".

يزداد خوفي. ارسل نظرة الى امي.. لا اراها.. العتمة تحول بيننا.. اشعر بالدفء الغامر في حضنها. هل تشعر هي بمثل ما اشعر به الان؟

اسمع طيورا غريبة تحمل لي حفيف الحياة.. يتحرك الدم حارا في عروق امي. اشعر به كأنما هو يسري في عروقي. تأخذ الحياة بالدبيب في جسدي الصغير. اشعر باقتراب الفرج والخلاص. ينقشع الظلام رويدا رويدا. ها انذا اعود لرؤية عيني امي.. التعب يطل منهما.

"لا تخف يا ولدي" تقول لي. اشعر بيديها تتراخيان.. ما اقسى هذا..

تضعني على اللوح الخشبي..

"تشبث به بقوة"، تهتف بي..

"ستبقين معي؟"، اهتف بها من اعماق رغبتي والمي.

لا ترد.

"اين انت يا امي؟". تملأ صرختي الصامتة المكان.

اتشبث باللوح.. كما اوصتني.. واتابع نحو الخلاص.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

 

عبد الرزاق اسطيطوفرح خوسيه فرحا شديدا بضم ضيعة زهور إلى ضيعته فأقام حفلة عشاء بالمناسبة على شرف ضيوفه الأجانب ، بدا منتشيا تغمره السعادة وهو يوزع كؤوس الشراب بنفسه، ويمازح الضيوف خاصة الجميلات، أووهو يحكي لهن حكايات بديئة فيضحكن بصوت عال، مما كان يثير غيرة زوجته الشقراء روزاليندا التي كانت تراقب تصرفاته، وتخاف طيشه بعد السكر فتكتم غيضها مخافة الفضيحة.. وباقتراح من زوجته، وإلحاح منها قرر خوسيه قضاء عطلة قصيرة باسبانيا، ومنها إلى ريو ديجانيرو للتمتع بجمال، وسحر شواطئها .وهكذا حزم حقائبه وسافر مساء الغد إلى طنجة، ومنها إلى اسبانيا تاركا خلفه الضيعة المترامية الأطراف تحرسها الكلاب، وعيون العسس..لم تمر أيام قلائل على سفر خوسيه وزوجته حتى اشتد الحر واختنق الكل، وصارت مدينة أبيدوم نوفوم تغلي على صفيح ساخن من شدته اشتعلت النيران في الغابة، وبعض البيوت، والمحلات. وفر سكانها إلى المدن الشاطئية فصارت عند الظهيرة أشبه بالمدن المهجورة...

تمدد العسس من شدة الحرعند القيلولة تحت أغصان الأشجار الوارفة المطلة على النهر فأخذتهم سنة من النوم فلم يعرفوا كيف، ولا متى اشتعلت النيران في كل أركان بيت خوسيه، ولم ينتبهوا للأمر إلا عندما امتدت ألسنتها بجنون إلى أكوام التبن والأشجار والكروم المحيطة بها، ومنها إلى مخازن الحبوب والعلف ، وبراميل البنزين والقصب فانتشرت بسرعة وجنون عند المساء مع هبوب الريح فاشتد لهيبها وسعارها فأتت على حظيرة الغنم والمعز ففرت منها البهائم والطيور والكلاب والأرانب مذعورة، وحاصرت النيران الإصطبل من كل الجهات فاحترقت الخيول وبعض الثيران المربوطة به.... وتصاعدت ألسنة النار الحمراء المتوهجة في الأفق فغطت سحب الدخان السماء وسارت كأشباح مخيفة فوق بيوت القرى، والمدينة .وهكذا وصل الخبر للكل ...لم يستطع العسس لوحدهم إخمادها، والحد من انتشارها الواسع والسريع فقد صارت كما لو أنها حمم بركان تتدفق من تحت أرجلهم ... حاصرتهم ألسنة النيران من كل حدب وصوب، ولما وصل رجال المطافئ مع آذان المغرب، ومعهم أهالي الأحياء والقرى المجاورة للنهر، لمساعدتهم كانت النيران قد أتت على كل شيء، وحولت الضيعة إلى رماد، وأطلال وخراب ، وكأن أفران جهنم تلقفتها دفعة واحدة أو حرب طروادة جديدة وقعت بها... اتصل الروبيورئيس العسس، والمكلف بحراسة الضيعة، وبكل صغيرة وكبيرة تحصل بها بخوسيه ليعلمه بالخبر كانت قبضة يده، وهي تمسك بالهاتف ترتعش كأوراق غصن رقيق في مهب ريح قوية، وصوته يكاد لايسمع .فقد جف، وبح حلقه من شدةالدخان، وهول مارأت عيناه، وهده الخوف على مصيره فعجزت قدماه على حمله، ونشف ريقه ...ولأنه عجز عن إخبار خوسيه بعدماخانته القدرة والكلمات، نقل الخبر لزوجته روزاليندامن غير تفاصيل ...أدى للموظف ثمن المكالمة، وغادر مصلحة البريد الوحيدة وسط المدينة على عجل ليعود إلى الضيعة من جديد.. ومن غير أن يحزم حقائبه عاد خوسيه بسرعة البرق على أول طائرة متجهة إلى طنجة ومنها إلى مدينة أبيدوم نوفوم حيث توجد ضيعته الوارفة المطلة على نهر اللوكوس... في الطائرة والدموع تغسل وجنتيه ولكي ينسى ماسمع طلب من المضيفة أن تمده بكأس من الويسكي جرعه دفعة واحدة .وطلب أخرى من غير ثلج..ومع كل كأس كان تطفو على السطح ذكرياته، وطفولته وكيف جاء مع والده الجندي إلى المغرب في بداية الاستعمار الإسباني واستقر بضفاف نهر اللوكوس المحيطة بمدينة ابيدوم نوفوم ، وكيف حول بعرقه وجهده ، ومكره البستان الوحيد الذي ورثه عن والده إلى ضيعة ممتدة كالبحرعلى مساحة واسعة من البساتين والحقول وكأنهاجنة من جنان الله على الأرض. وعندما تذكر زهور بنت العتال بجمالها وعيونها الواسعة كعيون الغزلان البرية، بكى شوقا وحنينا إليها ولعن الزمن، والقدر لأنهما سرقا منه حتى رائحتها وعطرها الذي كان يشمهما في ضيعتها بعد انتحارها .."أي لعنة هذه التي تطارد ضفاف نهر اللوكوس، وتطاردني وتطارد مدينة أبيدوم نوفوم" قال لنفسه بحرقة .ولعبت الخمرة في روحه ورأسه فصار أقرب إلى تصديق ما يقوله العسس عن لعنة عيشة تلك الجنية الجميلة التي تسكن شجرة التوت وعن كيفيةانتقامها لعشيقها الفلاقي...

منعت المضيفة الإسبانية الجميلة عن خوسيه المزيد من الشرب، وطلبت منه أن يخلد للنوم لأن في ذلك راحة له، وللركاب..لما وصل إلى الضيعة وجد كل شيء أكلته النيران، وعبثت به كالخنازير... البيت والحظيرة والإصطبل، والأشجارالمورقة، ومحاصيل القمح والشعير.....وحتى الحصان الأبيض الذي كان يحبه بهوس وجنون حد تسميته على اسمه خوسيه لم ينجو من المحرقة... نظر خوسيه إلى مكان مربط حصانه بحزن وغضب شديد ، مخاطبا إياه قائلا :" يحزنني فراقك أيها العزيز بهذا الشكل المريع..سامحني فقد كنت غبياعندما تركتك لوحدك طوال هذه الفترة" ثم انتقل ببصره إلى الأراضي الشاسعة الممتدة على طول البصر، والتي كانت تسرح فيها الخيل والثيران، ولا يستطيع جن ولا إنس الإقتراب من أسوارها وأشجارها مخافة بنادق العسس، وعصيهم، وأنياب الكلاب المفترسة وقد صارت بين عشية وضحاها صحراء سوداء، موغلة في الظلام الممزوج برائحة دخان الحرائق، وطعم الخسارة والأسى... فاجتاحه كموج حزن جارف، وندم شديدعلى أنه سمع كلام زوجته وسافر إلى اسبانيا، ومنها إلى شواطئ ريو دي جانيرو لقضاء عطلة الصيف، وخلف وراءه العسس المغفلين لحراسة الضيعة، وصب جام غضبه على زوجته عندما التحقت به عائدة من اسبانيا فانفجر في وجهها كبركان، والرذاذ يتطاير من بين شفتيه وأسنانه ويداه ترتعشان من شدة الغضب والانفعال أمسك شعرها الأشقر بعنف، وجرها حتى كاد أن يسقطها أرضا، وهو يصرخ كالمجنون في وجهها مرددا: "كاارثة.. كااارثة ..أنت السبب في كل شيء ..قلت لك دعني هنا لا أحب السفر في الصيف.." وهي بالمقابل كانت تلعن أجداد أجداده واليوم الذي أحبته فيه ... انتابت خوسيه حالة سوداوية شلت عقله بعدعراكه مع زوجته أمام الملأ فشعر بالضياع، والوحدة وبأن شيئا ما بدأ ينهار بداخله ويتهاوى إلى مياه النهركجبل من جليد في عز الصيف...في الغد وجد العسس خوسيه معلقاكأضحية العيد بحبل إلى فرع من فروع شجرة من أشجارالكاليتوس المنتشرة على طول الطريق الموصل إلى العاصمة...لم يخطر ببال روزاليندا زوجة خوسيه أن يقدم زوجها على الانتحار بهذا الشكل المريع بسبب الحريق. فقدعهدته شابا قويا وذكيا وماكرا كثعلب، وله من القوة والقدرة على تجاوز المحن ما لا تقدر عليه فحول الثيران والخيول. لذلك أحبته وتزوجته . ولما مال بروحه إلى زهور بنت العتال، كما تميل الأغصان إلى مياه النهر.وعشقها بوله وجنون كرهته وتمنت موته، وقتله ..لذلك عملت في السر، وفي العلن على خيانته مع الروبيو رئيس العسس..

كيف ضاع كل شيء في لمح البصر، وضاعت معه الضيعة بأشجارها الوارفة ؟!كيف ضعف خوسيه وانهار دفعة واحدة كقطعة ثلج تحت شمس حارقة؟! وكيف أدى به عشقه للضيعة إلى الجنون بعد احتراقها ثم إلى الإنتحار؟!..هذا ماكانت تجيب عليه زوجته وهي ترد على أسئلة الشرطة أثناء كتابة محضر مفصل لواقعة الحريق وانتحار خوسيه قائلة:" كل شيء قد يفعله خوسيه. يسكر.. يلعن.. يضرب يصرخ.. يسب.. يخون ويعشق.. يحتال و يكذب إلا أن يقتل نفسه بهذه الطريقة البشعة!. فقد كان يحب الحياة حد الجنون مثلما كان يحب الضيعة ومياه النهر والأشجار، وحصانه، وزهور بنت العتال..".

بكت بحرقة على احتراق ذكريات حبها الأول وأحلامها، وصورها الملتقطة على ضفاف النهر، وتحت أغصان أشجارالضيعة بالقرب من مهرتها المدللة ...قادت الشرطة العسس للتحقيق معهم بتهمة التآمر، والإنتقام والإهمال. وبعد التحقيق مباشرة أطلق سراحهم بعد تنازل زوجة خوسيه عن متابعتهم نظرا لحبها للربيو وتعلقها به. فهي لا تقدر على فراقه وسجنه...ولأنها فقدت القدرة على البدء من جديد في نفس المكان بعيداعن مهرتها الجامحة المرقطة بالأبيض والأسود، وخضرة البساتين، والأشجار المورقة، التي كانت تتمتع بها ساعة الغروب من شرفات بيتها الواسع، المطل مباشرة على مياه نهراللوكوس المتدفقة كأمواج البحر باعت كل أراضي خوسيه وأملاكه بمافيها الضيعة المحترقة لمهندس لم يعرف أحد لحد الآن من أين جاء بكل تلك الأموال، ليعقد صفقة البيع معها، ويطرد العسس وحمالو الرمل بحميرهم وبغالهم وعرباتهم من على ضفاف النهر....وقف العسس جميعهم ذات مساء بعد الواقعة بأيام معدودة، وانتهاء التحقيق لتوديع روزاليندا عند مدخل الضيعة..نزلت من السيارة بصعوبة، وهي ترفل في ثوب أسود يكشف عن ذراعيها المنحوتتين وصدرها الناهد . ومدت يدها بأدب ورقة لتسلم عليهم واحدا واحدا وتودعهم وداعها الأخير، وهي تمنح لكل واحد منهم مكافأة نهاية الخدمة ...بدت ملامحهم وحركاتهم، ونظراتهم وكلماتهم، وهم يودعونها مشوشة وتائهة ومرتجلة. فقد طغت الكآبة على كل شيء، وصارت مياه النهر في حلوقهم مالحة كمياه البحر بعد أن كانت عذبة رقراقة واسودت الدنيا في عيونهم ، وفقدت خضرتها وطراوتها...ولما وصل دورالروبيو، وكان واحدا من العسس المخلصين لها، والذي لم تعرف روزاليندا كيف وقعت في حبه.. جرته من ذراعه بلطف وطلبت منه أن يصعد إلى السيارة وينتظرها... لما جلست بجانبه، نظرت إليه بعيون ذابلة والألم يعصر فؤادها قائلة :"أنت تعرف كم أحبك ولا أستطيع تركك تضيع مني كما ضاعت الضيعة بأشجارها. فإن شئت السفر معي فهذا ما أتمناه وإن شئت البقاء، وهذا ما لا أوده فسوف أترك لك من المال ما يغنيك عن التعب والمذلة ". نظر الروبيو إليها بدهشة وقد شل كلامها وعطرها وجمالها تفكيره .وساد الصمت بينهما للحظات. ثم أشاح بوجهه عنها جهة النهر، وجال بعينيه الحزينتين المنكسرتين مابين أغصان الأشجار الوارفة في الجهة الأخرى من النهر المقابلة لضيعة خوسيه حيث بساتين ولد الفاسي، والجسر الممتد فوق مياه النهر، وسرح بخياله مع أسراب طيور اللقالق والسنونو، وهي تسبح في الأفق تاركة العنان لأجنحتها في الهواء لترسم ماتشاء من لوحات فنية تزين لحظة الغروب..كان يتأمل المناظر المحيطة بالنهر ويودعهاكما لو أنه يودع قطعة من روحه...قطعت روزاليندا على الربيو شروده قائلة بحزم:" ماذا قلت .القرار الآن قرارك." تمل الروبيو سحر وجهها طويلا فمن يرى روز الشقراء بقوامها الساحر، وعيونها الزرق لا يقدر على رفض طلب لها. وبحركة من يده وضع الظرف الذي مدته إليه بين يديها وضغط بقوة عليهما في دلالة على الموافقة والرضا والحب قائلا :"لقد قررت السفر معك".

وهكذا في الغد سافرا معا الى اسبانيا واستقرا هناك للأبد..وأشاع العسس عن روزاليندا زوجة خوسيه والروبيو بعد رحيلهما مباشرة مسؤولية إحراق الضيعة، وأقسموا بالله أمام الأهالي بأن الروبيو وبطلب منها هو الذي أضرم النيران في بيت خوسيه، وضيعته كي يستطيع الزواج من روزاليندا وامتلاك الضيعة، فالنيران التي امتدت، وانتشرت يقول العسس لم تكن تشبه النيران التي عرفوها وألفوها لأنها كانت شديدة الحمرة، والزرقة وتنتشربسرعة البرق، وبجنون في كل الجهات كمياه فيضان النهرعلى مدينة أبيدوم نوفوم في ليالي الشتاء الطويلة والباردة، فقد كانت تصهر، وتحرق وتعبث بكل شيء تصادفه في طريقها، وتحوله في رمشة عين إلى رماد وركام وأطلال.. كانت نارا مجنونة مدمرة لايستوعبها عقل إنسان كيفما كان.. وأقسموا كذلك أنهم شاهدوا بأم أعينهم إلى جانب الروبيو عيشة عشيقة الفلاقي بنفسها تصب البنزين على أثاث بيت خوسيه وعلى الأشجار، والتبن، وفي الإصطبل، وعلى القصب... وفي كل شبر من الضيعة، وتلقي بأعواد الثقاب المشتعلة عليها . بل أكثر من ذلك عطلت شاحنات الإطفاء، وأفرغت مياهها وسط الشوارع، ولم يكتشف الإطفائيون ذلك إلا عندما وصلوا إلى الضيعة. وإلا كيف تأتي شاحنات الإطفاء بكل هذه الضجة والسرعة وهي فارغة بلا مياه لإطفاء الحريق؟ ! وكيف تبقى مشلولة عاجزة أمام هول مارأت من نيران؟!... وتلك حكاية أخرى .

يتبع

***

عبد الرزاق اسطيطو

.......................

* "أي تشابه أو تطابق بين أسماء شخصيات القصة وأسماء الأشخاص في الواقع هو من قبيل الصدفة لا من قبيل الواقع"

 

 

 

جميل حسين الساعديأتصدقين َ بأنني فــــــي لحظـــةٍ

      عـــــنْ كــل هـــــذا  الحـــبِّ انْ أتحـــوّلا

أبداً فحبُّكِ صارَ لي كـــلَّ المنى

               عُمُري ، حياتي ، بَلْ أهمَّ وأفضلا

أنتِ التي أوصلتِ روحي بالهوى

                 وفتَحْتِ للأحلامِ بـــاباً مُقْفـــــــلا

فبكِ الحيـــــــاةُ تبسّمت وتفتّحت   

                والكونُ أصبحَ مُذْ عشقْتُكِ أجمــلا

أمسى هـواكِ حقيقةً عنْدي ومَنْ

                يهوى الحقيقة َ لنْ يعيــشّ مُضلّلا

الحبُّ عندي واقــعٌ لا مسْرحٌ

                 فأنا رفضتُ بانْ أكون َ مُمثّـــــلا

أنا قد وهبْتُ هواكِ كُلَّ مشاعري

                 قدراً رضيتُ بـهِ وحُكْمـــاً مُنزلا

أنا مَنْ جعلْتُ القلْبَ محراباً لهُ

                 ومنحتــهُ بيــْنَ الأضالعِ مَنْــــزلا

الحـبُّ عندي مثْلُ جذرٍ راسخٍ

                  لا كالفصــــولِ تقلّبـــــــاً وتبدّلا

فتخيّلي ما شئْتِ انْ تتخيّلــي

                   إني أحبــكِ فوقَ أَنْ أتخيّــــــلا

 

مّلِكٌ أنا مِنْ غيْرِ عرْشٍ إنَّمـــا

                   قَدْ عُدتُ بالحــبِّ الكبيرِ مُكـلّلا

وبرغْـمِ انّــي واقعــــيٌّ إنّمـــا

                   حُبّــي خُرافيُّ الرؤى َلنْ يُعْقـلا

حفظتْهُ ذاكرة السماء وعندما اجْـ

                 ـتَمعَتْ خُطانا فـي الطريقِ تنزّلا

                          ***

أنتِ الحبيبةُ مــا سواكِ حبيــبةٌ

                  ولأنْتِ .. أنـْتِ كما لقيتُـــكِ أوّلا

وأنا ــ كما قد كنْتِ ــ قلبٌ عاشـقٌ

                  إنْ تطلبي لقيـــاهُ جـــاء مُهَرْولا

غذيّتُ حُبّكِ من شعورٍ صــادقٍ

                   يا حُلْوتي فَنَمـا وأصبـح َ أكملا

نَقَلَتْ إليَّ الحبَّ أوّل ُ نظــــرةٍ

                  ليسيلَ فـي أعماق نفسـي جَدْولا

فإذا العواطفُ تستفيقُ على فمي

                شِعْـراً نطْقْتُ بهِ كشَعْرَكِ مُرْسـلا

والدرْبُ أزْهَرَ وهو يجمعُنا معاً   

                  فُلاّ وورداً عاطـراً وَقُرُنْفـــــــلا

ما كنتُ أحسبُ يا حبيبـةُ هكذا

                  فـي مِثْلِ لَمْحِ العَـــيْنِ أنْ أتحوّلا

كيفَ استبحتِ رجولتي فجعلتِني

                    طفـــلاً صغيــرا عابثـاً متدلّلا

                  ***

جميل حسين الساعدي

 

 

عدنان الظاهر1 ـ إشتقتُ وطوّقتُ الشَفَقَ المتألِّقَ حولي مُلتفّا

يُشرِقُ أضعافا

ينطقُ بالحبِّ الراقي ويُفلِّقُ أفلاكا

أَيُعاني مثلي

أيُداري أجفانَ عيونِ الوردِ ؟

القبُلةُ إحسانُ العيدِ

وإذا طالَ التقبيلُ تحوّلَ أشعلَ نارا

يصلاها عُشّاقُ التنسيقِ جِهْارا

عيدٌ يتحقّقُ مشقوقَ ثيابِ الرؤيا

يتخفّى ما بين الآفاقِ هِلالا

خطّاً مُعوجّا

شاحبَ لوناً مُحتجّا

يبدو .. يتخفّى تلميحا

لا بأسَ .. غداً عيدُ

يتقلّبُ في عُدّةِ ميزانِ اللهوِ شَرابا

يتقمّصُ ما فينا من شوقٍ للباقي

يكشفُ للباطنِ عقلاً مُهتزّا

يكشفُ ما لا فينا

تهريجُ مَهيضِ جناحِ التدبيجِ

مرآهُ ضجيجٌ ممزوجُ

عيدٌ ؟ .. حَسَناً ليكُنْ عيدا

**

2 ـ مَنْ سمّاهُ عيدا

عيدٌ مُرٌّ عادَ يُكرّرُ أطوارا

يعدو يكبو ينهضُ يشتدُّ

تسقطُ فيهِ أوراقٌ سودُ

ودواليبُ نيازكَ تنهارُ

إيهٍ يا عيدٌ منكودُ

عَبْدٌ أسودُ سمّوكَ سعيدا

بوقٌ ينفثُ في بوقٍ صوتا

أخبارَ النجمةِ في رصْدِ التنجيمِ

الصورةُ لونٌ يغدرُ لونا

يكسرُ مِرآةَ شهابِ النورِ

يُطفئُ جيلاً في جيلِ

الطقسُ شِتاءُ مدينةِ ألعابِ

إركبْ جوّاً يتقلّبُ دولابا

شأنَ الصبيةِ في عيدِ الميلادِ

طرِّز أوهامكَ منديلا

عدّدْ أعدادَ سِواكَ ومهّدْ تمهيدا

عيدٌ حَلَّ بأيةِ حالِ

إبحثْ عن حلِّ

للساقطِ من حبلٍ في بئرِ.

***

عدنان الظاهر

الأول من شهر آب 2020

 

 

صادق السامرائيوطِئْناها بكاظِمَةِ اسْتياءِ

ومَفسَدَةٍ مُتوّجَــــــةٍ بِباءِ

 

وقدْ قَرّتْ بها أمَمٌ تعالتْ

وأسْمَتْها بسافِكةِ الدِّمــاءِ

 

وكانتْ أمةُ مِنْ نَسْلِ جُرْمٍ

فقابيلٌ تأثّمَـــــــــــها بِلاءِ

 

كأنّ اللهَ في غَضَبٍ عَليْها

بِصائِخةٍ تُزَلْزِلُهــــا وَداءِ

 

هيَ الأخلاقُ ما بَقِيَتْ تواصَتْ

بحاديةٍ لسامِيَةِ العَـــــــــــــلاءِ

 

لطائفُ يَوْمِها نَهَلتْ زُلالا

وسُلاّفا مِنَ الثَمَرِ السَّناءِ

 

وأنْوارا بمِشْكاةِ ابْتِهالٍ

مُعَلّقةً بآفاقِ التَّنائــــي

 

تُبادِرُها الخَلائِقُ كلَّ يَوْمٍ

بأدْعِيَةٍ لِمَعْسولِ العَطاءِ

 

وأفْئِدَةٍ مِنَ الأشْواقِ ناءَتْ

تُعَلّلُها مَواقيتُ الـــــــوَفاءِ

 

تَهَجَّدَ رَوْعُها فرَأتْ وتاقَتْ

تُنَوِّرُها وَميْضاتُ الضَّياءِ

 

كأنَّ لِقَدْحِها بَرْقٌ ورَعْــــدٌ

وإعْصارٌ بصَوْلاتِ انْتِهاءِ

 

فهذي الرّوحُ إنْ شَهِقَتْ عَبيقا

تَساقَتْ مِنْ نُسَيْمـــــاتِ النَّقاءِ

 

بها الْإشْراقُ فيّاضٌ غَديقٌ

ويُطْلِقُها بأرجاءِ الصَّفــاءِ

 

مُحَلِّقَـــــــــةً بلا بَدَنٍ وذاتٍ

جِناحُ وُجودِها حَرْفُ ابْتداءِ

 

وكُنْهُ الكُنْهِ في نُونٍ وكــافٍ

إذا ضَبَحَتْ أجادَتْ بالبِناءِ

 

وإلاّ في مَعاقِلها اسْتَجابَتْ

وإنّ الله مَوثوقُ الرَّجـــاءِ

 

تَعالى فَوْقَ أكْوانٍ وكَوْنٍ

ويَسْمَعُنا بداجيةِ الْخَفاءِ

 

هوَ الله الّــــــذي فيهِ ارْتَقَيْنا

فَهَلْ نَفَذَتْ نَواميسُ السَّواءِ؟!

 

رَؤوفٌ كيْفما ذَهَبَتْ رُؤانا

عَطوفٌ رُغْمَ آفاتِ الهَناءِ

 

 وآمِرَةٌ بســـــــوءٍ اسْتقادَتْ

كأنَّ النَفسَ في شرَرِ الغَواءِ!!

 

تُخَلّقُنا كأشْـــــــــرار عُتاةٍ

وتَرْجِمُنا بمُعْجِزة الرّقاء!!

 

هيَ الدُنْيا كمـــــا فينا تراءَتْ

وقدْ طفَحَتْ بأوْصابِ اعْتِداءِ

***

د. صادق السامرائي

15\5\2020

 

انعام كمونةتَطلُ عَتَمَة الَليل

بكُل هيبتها ووقارها

كأنها شَبح استباح الأزل

بزرقة الخلود

يعانق همسا يقترب متردداً

يهيمن على ليلي متكبراً

بكل ما يحمله من مواجع المحبين

ودمعة فراق المودعين

يُخيم بلونهِ القاتم

ليستر لوعة غاصَت بجذور آهاتي

أستضيفَهُ بشوق الانتظار

ليرتَشف قهوة الأغراب

يُذيب فيها ثمل الساهرين

على مائدة الأماني الغافية...

ما كنت أعتقد يوما

إن الضيوف تستقبل ليلها

في طريق العودة لباحة الذكرى

تُلَوح بــــــــــ إِيماءةِ الصمت

المأخوذ بقَلق التواصل

لتتحدى…

إغفاءةٌ هَوَت بمرفأ الجفون

على عجل حلم تمرد بومضة ارتعاش

ومن خلال رفقَتي لسَراب السُهد

ومقارَعَة صَفحات الذكريات

لرسومَهُم الهبائية

...أيقَنت ...

لا سُلطان على فنجان قهوَة اللَيل

إلا حروفٌ تسخَر من الظُلمة

تروي لَونَهُ الداكن

تَقلب فنجانهُ         

تُتَرجم معاني حضورَهُ

لذا ماعدت أستَغرب وجودَه

بل أفتقدهُ

لنَرحَل معاً لدوامة الوقت

نسكُب معاناتنا

في قوارير الهَمس

لحين توديعه

على عتبة اللقاء

وسَكرَة الوَسن

يختفي .... مودعا

مفارقا.....

ممسكا بيدي

مقبلا أحلامي

موشمها بنكهة....

لا تنتمي..!!

***

 إنعام كمونة

 

 

فتحي مهذبيا إلهي

التنين الذي أخفيته في عمودي الفقري.

ليحرس تاج السلالة من نقار الخشب.

فر بكنوزه الزرقاء.

تاركا مفاتيح سبعة في حديقة رأسي.

يا إلهي

عانيت كثيرا من عتمات الوضوح.

من الفقد والقطيعة واللاجدوى.

من حبال مخيلتي الطويلة.

من زمهريرالحارس الليلي.

وهو يمشي على جثة صمتي.

من موتنا اليومي الأشقر.

وهو يأخذنا الواحد تلو الآخر

في عربة من التنك والقش.

القطار جائع حافي العجلات.

يعشش ضباب زاجل

داخل سكته المبهمة.

الفهود تفتح النار على الكناغر.

الغابة إمتلأت بالدسائس.

الكسالى إختفوا في براري النوم.

بيتنا مظلم مظلم مظلم .

وحمامتي العذبة مكسورة الجناح.

وحليب المشنقة ألذ من نور المطر.

صفارتك النبيلة في قاع البئر

كرسيك شاغر

والكهنة يتقاسمون الحنطة والذهب.

يا إلهي

الأشجار التي قاسمتني العزاء.

التي عانت من الوقوف على ساق واحدة.

التي منحتني الفاكهة والسلام والمحبة.

التي بكت طويلا أمام ضريح حبيبتي.

ذرفت كلمات لا تنسى في الهواء.

الأشجار التي حفرت جذوعها بعمق:

دموعي المليئة بالخناجر.

سردي اليومي المدجج بالرماد.

تلك الأشجار العذبة

صرعتها فؤوس الحطابين.

يا إلهي

طريقك شائكة.

صوتك شربته بندقية آدم.

خيراتك بيد القراصنة والعيارين.

الملائكة رحلت في قوارب هشة.

النور والموسيقى على حافة الهاوية.

حواسي مومسات في مركب الجسد.

البراهين كلاب سلوقية مكسورة الخاطر.

المصيدة تبني عشاشها في ظواهر الأشياء.

عقلي بومة عمياء.

قدماي مقطوعتان.

رأسي بناية متصدعة تسكنها الأشباح والأساطير.

الظلمة عارضة أزياء في الكازينو.

وخفافيشي تلعق دم البديهيات.

تحت ركبتي الحجرية

مات رسول بطعنة ذئب .

لم أصل بعد.

الحقيقة مسيجة بالفهود.

لم أزل مكتفيا بحصتي من اللاشيء.

***

فتحي مهذب . تونس

 

 

داود السلمانالاشجار تتراقص عارية

في حفل الريح

صه..

لا يعلو صوتك،

عزفُ نايك

مزّق حنجرة السكون

أنا، أنت، نحن، هُم

وجوه متكررة

في دائرة اللا شيء

نحو أفقٍ اضاع تضاريس

طريقه

ينشد المعنى،

يقتل ضجره في اوقات

فراغه.

المواسم وحدها تعرفُ

سيلان الخريف

فتلبس الورود سنادينها

كل صباح.

دعني اسعل

إستمع لخرير لهاثي.

اوشكتُ أن اتلاشى

محتدمًا وسط الذهول، مرميًا

في خانة الفراغ.

الشتاء لا يلدغ من جحر الخريف.

حكايات سمعناها،

حروفٌ ضفرنا جدائلها، بالوشم،

متعلقين بأرجل الاحباط،

ندور مع الافلاك،

كنجوم حبلى بالأفول،

بانتظار أن تلد: الايام، السنون.

النهار يغازل الفوضى.

هكذا علمونا، درسونا

نحن المتهمون بالطفولة

نحن المتواطئون مع الشيخوخة.

تمزقنا اللحظات

تلملم شتاتنا المحن.

تنكرنا اجسادنا، تغازل ملامحنا

التجاعيد،

ينسانا العدم، من أول

نظرة.

لا تندهش بظهرك المقوّس، املئ فراغات

انحناءاتك،

لا تستسلم، لتواضع الوقت.

الحيرة كعبة الوجوم.

غضّ طرفك لأصابع السلّم.

المطر تنفس السماء، لتبييض

وجه البرق.

لا يتثاءب الليل ايام النعاس.

اعيادنا محدودة الظهور.

أشُير الى السُهاد

سيأتيك متقاطع الاوصال.

لعل الفوارز اذهلتك

فتش عن ضوؤك

في جيوب ذاكرتك

في جلباب سنيك الغابرة.

ماذا يعني أن اشطب ملامحي؟

من اوراقي القديمة!

وأن اتمدد على سرير اسئلتي بخشوع؟.

يا لسذاجتي..

ها هي الافكار تغادر السهرة

فيتأجل الحفل،

الى شعار آخر.

حتى السكاكين بحُت اصواتها

لا تريد قتل الوقت.

اصلح ازرار معطفكْ

فالشتاء على الابواب،

تبرّع بحلمك القديم،

الى الفاقدين احلامهم.

وامّا عطرك

فاحتفظ به

الى المواسم المنتهية

لكي لا تخسر الرهان.

الطيور ترقص على ايقاع

الريح، حتى

لا تُصاب بالعشو الليلي.

هي نفسها الطرق،

المؤدية الى الالتواء.

حصّن ضميرك من الوعكة الصحية،

سترى شمسك تغازل النهار،

اسراب اليمام

تطير حرة في حدائق السماء.

تمهّل هنيهة

عند عبورك الجدار؟.

من قال أن الاشواك

تحمي انامل الزهور،

من الخدوش؟.

غبار الكلام

يوهن الحوار، اخُرج

من زنزانة صمتك،

تعطّر بالمساء، صادق الليل

دخن نفسك

قبل أن تدُخن سيجارتك.

لا تهدأ اسراب الريح.

راقب خطوك بحذرٍ

قبل ايداع الطريق.

العصافير وحدها

من يفقه لغة الاشجار،

اما أنا، فلا

أفقه غير لغة عكازي

خارج الشيخوخة.

اطنانٌ من الرغبات

اكداسٌ من المواجع،

لذلك لا يعنيني

الخوض في تجارب الآخرين،

هُم لهم تجاربهم

كذلك

لي، أنا تجاربي.

المغامرات لا تفي

 بحل الكلمات المتقاطعة،

لأننا في مفترق طرق.

الساعة الجدارية،

هي الاخرى، لا تعنيني،

بالمرة،

لأنني مولودٍ لغير هذا

العصر، غير هذا الزمن،

 لا تعنيني السلالات، ودبكات الماضي،

فليّ ابجدياتي الخاصة،

لا اقيسُ الزمن بالثواني

بل اقيسه بالسنين، بالدهور،

واعبّر عنه

بالشهور الميتة،

وعليه، لا استمع للأغاني الحديثة

وانما يسيل لعابي

للأغاني المعتقة،

الاغاني التي تنبش الذاكرة

بمعاول الشجن.

ففي العطل الرسمية، والعطل

شبه الرسمية، فقط

اجُالس أوجاعي،

واشرب قهوتي

عند احزاني- احزاني غير

المعدّة للبوح.

تعالى، شاركني الاسى،

قاسمني

رغيف المي،

ابسط لي يدك، بايعني

كأمير، كفارس، يخوض غمار الصحارى.

اعطني سيفاً

اهزم به معاناة العالم،

وكن عليّ شاهدًا عمّا

اقول.

الاوقات تقتل الفراغ،

والذبول، دائماً، يجرح

احاسيس الورود.

لذلك سأطهي الحديث

على نارٍ هادئة.

الضحكات البريئة معدّة سلفاً

فتعذر علينا

خفي جرائم القهقهات.

لذلك لا نزعج موتانا عند زيارتهم،

فالموتى انهكتهم المنافي.

هُم يريدونني

أن اعرّض تواضعي للمخاطر،

أن اهُزم

أن الوذ بالانكسار.

والآن..

يحق لنا أن نرفع الستار

عن عورات انفسنا

ليبان بياض الحقيقة،

للملأ.

للمنافي نكهتها الخاصة، وليّ

المسالك الضيّقة.

اطارد خيوط السعادة

كحاطب ليل،

بحثا عن ملجئ آمن

عن بقايا احلامٍ، اطلالة عفنة.

فليشعل البحر شموعه،

ويعلن الابحار.

ها هي الايام تعبّر عن

نكهتها، كأنها مصابة

بالزكام.

لا أدري كيف تذكرتُ،

هذه الجملة:

-السفر مواعيد قديمة أعُد تأهليها-

وكنتُ أضحك من اعماقي

اضحك بصوت عال

كأنني كومبارس

يتقمص دور مجنون،

كنت نصف فيلسوف

امتهن بيع الافكار،

وانا بكامل هندامي

وجلابيبي الرثّة.

الدهاليز لا تصلح لإقامة الصلوات

الحقول لا تتسع

لتأجير الاضرحة

وتهريب النذور.

فقررت:

أن لا اعلن حدادي، خوفا

من الطارئين.

فعلاج الثمالة الترنّح

امسك بتلابيب خمرتك،

لا تجعلها عرضة للمتسكعين.

الزحامات تشرب الشارع

الاماكن تلهث بالوجوم.

لكنك وحدك، تدرك

وعورة الخطى،

خفّظ همسك

كوّر صوتك، واعزم

الرحيل.

فالآن المسرحية

على وشك النهاية.

***

داود السلمان

بغداد 25 / 7/ 2020

 

 

ريكان ابراهيمأشقى الرجالِ هو اليتيمْ

أشقاهمُ مَنْ ماتَ والدُهُ ولم يرَهُ

بما يُرضي هواهْ

هذا اليتيمُ يُطيلُ وَقْفَتَهُ،يُحدُقُ

في المرايا

وأمامَ صورةِ والدٍ هرئِتْ يُفتِّشُ في الخفايا

متسائلاً: أأبي أنا؟ أم أنّنيْ

هو ما أراهُ وقد تجعّدتِ الثنايا؟

أشقى الرجال فتىً تَعوَّدَ أُمَّهُ

وأضاعَ من يدهِ أباهْ

ويظلُّ (أُوديبُ) المريضُ مطارداً وَهْمَ

التخلّصِ من أناهْ

لا الأُمُّ كافيةٌ عليهِ، ولا أبوهُ

اذا أرتجاهْ

فأبوهُ ماتْ

هو لا يرى منه سوى ماصار ذكرى

هو لا يراهْ فيستعينُ بأُذْنهِ عن عينهِ سِرّاً وجَهْرا

الأُمُّ يسألها فتنقُلَ عنه ما يُغري النساءَ من الرجالْ

والكارهونَ له يَعيبونَ الكثيرَ

من الخِصالْ

والمُنصِفُونَ يُجمِّلونْ

***

بلغَ الفتى عُمْرَ الرجالِ وصارَ شاعرْ

وأرادَ أنْ يرثي أباهُ بمالديهِ مِنْ

مشاعرْ

ماذا سيكتبُ عن أبيهِ فقد تضاربتِ المراجعُ والمصادرْ

فأبوهُ لم يتركْ له أثراً،ورأيُ الأُمِّ مُختَلفٌ على تصديقهِ ،وكتابة التاريحِ تخضَعُ للكثير من المخاطِرْ

ومضى يُدمدِمُ ثم قال.

إني ّ هنا لا علمَ لي الاّ الذي قالتْهُ أُميّ

فأبي بقايا منْ ملابسَ في الخزانهْ

وأبي بقايا  صورتينِ على الجدارْ

وأريكةٌ كانتْ مُفضَّلةً لديهِ

بَعضَ ساعاتِ النهارْ

وأنا أُحاصِرُ  فيهِ ذاكرتي بما

قد قالَ شاعرْ:

إنَّ الفتى مَنْ قالَ :هاأنذا

و(هاأنذا) صنيعةُ وعيِ أُمّيْ

والأُمُّ طيبةٌ ،تُعلِّمُني الوداعةَ

لا الشجاعةَ،

والسهولةَ لا الرجولةَ ،تلك أشياءٌ

يُعلِّمُها أبي لو كانَ حيّا

لكنّني في ظِلِّ أمي صرتُ مخلوقاً حَيّيا

أشقى الرجالِ أنا اليتيمُ

وكُلُّ عمري مُشكلةْ

رُحماكِ يا أُميّ فليسَ لكِ الخيارُ

بأنْ تكوني أرْملَهْ

***

إستدراك ليسَ للأخفش

أشقى الشبابِ هو اليتيمُ

لأنَّهُ في البعض من انواعهِ

يغدوُ اليتيمُ مريضَ حالتهِ

ويُصبح مجرماً ، يؤذي،ويقتلُ

كُلَّما ظفرَتْ يداهُ بمنْ لهم

آباءُ، منتقماً من

الدنيا التي أخذَتْ أباه

***

د.ريكان إبراهيم

 

 

صحيفة المثقفلست في منهل الغيب حتى أرى

ولستُ مَنْ يبصر الوهم،

كي يخمدُ الجذوة الحائرة ..

نحن في غيهبٍ،

نعصر الخمر من كرب النخل،

ونحشر الغيب في رحاب السماوات

ونسقي رهاناتنا في محنة الذاكرة..

**

كلنا يريد الوثوب الى قمة الصحو

حتى نرى ما وراء النفوس

خفايا الطقوس

الباهتات الشاحبات

وراء الرؤوس الخاويات

وأذنابها النافثات

التي لا ترى،

غير تلك المعتمات الحيارى

سكارى وما هم بسكارى..

**

جئنا مع الصرخة الاولى

ثم، على صوت الصدى تهنا،

في دروب القهر لا ندري،

لماذا هدنا  الطاغوت والغيب

لماذا كل هذا القتل  والنهب

أإيذاناً يرينا كل هذا القهر

والإذلال والكرب..؟

عذابات تعدت،

حجب لاقت مساراً أبديا،

أم سراباً لا نرى فيه علامات طريق ؟

كلنا في غيهب اليم غريق..

مَنْ يغير دربه المرسوم حتى لو تحاشى؟

كل شيء قد بناه العقل في ظني تلاشى..

مَنْ يزيل القدر الموصوف في بابي وبابك

إذا الوهم تبدى وتداعى

في رحابي ورحابك..؟

يوميَ السالف يوحي بنهاري،

ونهاري يرسم اللوحة في مسرى خيالي

هو ذا المعنى الذي ارتاب منه كي اراه

ماثلاً في أعين الغيب شهاباً أو ضبابا..

فهل الصبح نراه مُشرعاً بابا فبابا ..؟

 نعرف الأمس وما عاناه في اليوم

ولا ندري مساراً أو شعابا ..

وَهَنَ العظمُ ولمْ يبقَ على العهد معافى

وبدى الرأس كإعصارٍ تحداني شبابا ..

هل نرى الحب  سليلاً أبديا..؟

هل نرى الحسن جمالاً أزليا..؟

هل نرى طعْمَ الحوارات شهيا..؟

هل نرى الأشياء تبقى

في رحاب الكون إيقاعاً شجيا..؟

اتمنى ان يعي العالم، حتى يتعافى..

امنيات، لا تعيد المارق المأفون انسانا معافى..

وكذا الباقون في الرهط قميئين ضعافا..!!

***

د.جودت صالح     

20/07/2020