صادق السامرائيأبا حَسَنٍ وإنّ الروحَ تاقَتْ

إلى زمنٍ بهِ الأيامُ راقــتْ

 

وأحلامٍ مُزيَّنةٍ بلمْـــــــــــعٍ

وإبْراقٍ يُعَسْجِدُها ففاضَتْ

 

تَشرَّبَها الفؤادُ بكأسِ حُبٍّ

وأوْرَدَها لأعْماقٍ تنامَــتْ

 

وما رَوِيَتْ مِنَ الأنوارِ نَفسٌ

سَناءُ وُجودِها لهَفٌ فهامـَتْ

 

ومَنْ رضَعَ المَحَبَّةَ مِنْ إمامٍ

يَطيرُ بها إلى أُفقٍ تَسامَــــتْ

 

يَنابيعُ التُقى تَخشى رُكــــودا

وتجْري نحوَ رَمْضاءٍ تصادَتْ

 

 مَعارجُ أوّلٍ بَدَأتْ ودامَـــتْ

وما انْقطعَتْ ولا يوْما تناءَتْ

 

أبا حسنٍ بنا الأزمانُ ثكلـــــى

نُخاصِمُها وإنْ تعبَتْ وشاخَتْ

 

فتشْكونا لعاليةٍ وأخْــــرى

تمادَتْ في أعاليها وفاقَتْ

 

تكاتَفَتِ المَنايا دونَ ذنْــــبٍ

على أمَمٍ بها الأحْقادُ كادَتْ

 

فأرْدَتْها على وَجَعٍ عَظيمٍ

يُجَرّدُها مَعانيَها فخابَـــتْ

 

وما نَظرتْ إلى أمْرٍ بعَقْـــلٍ

عَواطِفُها بما جَلبَتْ أصابَتْ

 

فعَيْنُ السوءِ في سوءٍ هَواها

تُرَغِّبُها بماحِقَةٍ أحاقَــــــــتْ

 

وتدْعوها بنفسِ الشرِّ جَبْرا

فتلقيها على سُجُرٍ أراعَتْ

 

وسامراء من حَدَبٍ وَوَجْـــــدٍ

ألا بسرورها سَرَّتْ وطابتْ؟

 

أبا حَسَنٍ سلاما أنْتَ فيهـــــا

فكيفَ بهمْ أصابوها فعانَتْ؟!!

***

د. صادق السامرائي

............................

* أبا حَسَنٍ: الإمام علي الهادي عليه السلام، ومرقده في مدينة سامراء.

 

 

محمدـحسينـ الداغستانيفي منتصف التوق إليكِ

يرتد وابل الأمنيات المستحيلة

ينكفأ على سحر الحرف المعلن

يزخر بالرغبات الخفية

يلف المجرة بحثا َعن عبير

يهطل نرجسة برية

يرسم دوائر وجع أغر

باحثاً عن وتين ثرّ

يمدني بصبر صوفي آسر

وحلم أخير

عن ملاك ينثر الود

في فضاء بلا جدران

ولا سبيل

في حقول العشب الأخضر

كفراشة وسط موجة عصية

تختنق بدبيب الغبش الأغبر

لكنك ِ

في طريقي الى حيث شوقي

كلما تحتاجين لا مبالاتي

يستحيل الحزن الى نسرٍ مجنح

يستعر مع فيض المشقة

ويتلون بالنباهة المفتقدة

ويترنح !

لو كان المدى جاثماًً في وكره

لتحدث عن بعض أوجاعه

مثل حزن نبيل صداح

مثل موال

يشاطرني وحدتي .

أنت ِ المترامية في الأصقاع

العابرة في الصباح

كعصفورة ترتجف في شباك

ترمقك كسهم كسير

كالمحال

يشاطرك فساتينك ِ .. أهواءكِ

مرآتك حين ترقبين تقاطيع وجهك ِ الحبيب .

فأحتال

على زمني المعصور

على نبض الأهوال

فيحيل الوقت سعيراً

وأموت

وأنت على شفتي سؤال !

***

محمد حسين الداغستاني

 

عاطف الدرابسةقلتُ لي:

 

لِمَ أحببتكِ

وأنتِ لستِ أجملَ النِّساء

ولستِ أذكى النِّساء

ولستِ أقوى النِّساء ؟

 

لِمَ أحببتُكِ

وحولي آلافُ النِّساء ؟

سؤالٌ يُحاصرني كالضُّوءِ

كموجِ البحرِ

كرملِ الصَّحراء !

 

أرى فيكِ أشياءً وأشياء

أشياءً لا يراها البشرُ

وأشياءً ما تجسَّدت يوماً

في الأساطيرِ

ولا تصوَّرت

في خيالِ الشُّعراء !

 

أنتظرُ كالأطفالِ

أن ألمحَ عينيكِ تبتسمانِ

فتستيقظُ على صدري

كلُّ الأنهار

فتهتزُّ الأرضُ

ويملأُ جنوني

فضاءَ الكونِ

ويملأُ عطركِ العالمَ

وتُبحرُ نحو عينيكِ

كلُّ الشُّموسِ

وكلُّ النُّجومِ

وكلُّ الجُزرِ

وتجري في جذورِ الشَّجرِ

الغارقِ في رمالِ الصحراءِ

سيولُ الماء !

 

هذا البرقُ

الذي يُطلُّ عليَّ

في ليالي الشِّتاء

بقايا رفَّةِ جفنٍ

من عينيكِ ..

 

هذا الرَّعدُ آخرُ

حرفٍ في صوتكِ

حين قلتِ لي ذات مساءٍ :

أُحبُّكَ ..

 

هذا الزَّهرُ المنثورُ في السُّهول

هذا القمحُ المزروعُ في الحقول

إيقاعُ خطوكِ ..

 

هذا الجنونُ الذي يسكنُ

خيالَ الشُّعراءِ

نبضُ قلبكِ ..

 

هذه الفصولُ

حين تتعاقبُ وتدورُ

هي رهنُ

إيماءةِ كفِّكِ ..

 

هذا النَّحلُ

قبلَ أن يُعلنَ

عن ولادةِ العسلِ

يطوفُ حولكِ سبعاً

ثمَّ تأتي ملكةُ النَّحلِ

وتُصلِّي على ضفَّتي شفتيكِ

وتعودُ إلى بيتِها

وذكورُ النَّحلِ تزفُّها

وتُقيمُ حولَ الخليَّةِ

طقوسَ الفرحِ

فيفيضُ العسلُ على الأرضِ

كأنَّه المطرُ ..

 

وتتنزَّلُ عشتارُ من عليائِها

تمسحُ بيديها

جسدَ الأرضِ

ثمَّ تصعدُ نحو السَّماء

وتحجبُ الغيومُ

عيونَ الشَّمسِ

وتُعلنُ الرِّياحُ

عن أوَّلِ ثورةٍ لها

فتتهيَّأُ الأرضُ

لليلةِ الزَّفافِ

فيهطلُ يا حبيبةُ

من عينيكِ

المطر !

***

د. عاطف الدرابسة

 

بكر السباتينأخرجت من حقيبتها المدرسية علبة الزينة الصغيرة، والتقطت منها قلم أحمر الشفاه، ثم هبطت خلف الدرج قبل الأخير متوارية عن عيني مدرس التربية الفنية الجديد الذي يشبه في نظرها نجوم الغناء الذين تحفظ أجمل أغانيهم.. وفي غمرة إنشغالها بمراقبة المدرس الشاب وهو ينهي كتابة الأسئلة على الصبورة، ثم يذرع غرفة الصف جيئة وذهاباً، أثناء شرحه التوضيحي للمطلوب.. كانت عيناها تتجولان في ملامح وجهه القاسية كالزمرد.. كأنها فراشة مزدهية الألوان تتهادى فوق مدارج الصخور. وتنبهت بغتة إلى ما جعل يقوله حول جمال المرأة، وكيف أن روح الجمال تكمن في طبيعة الأشياء وأصالتها دون رتوش متكلفة. لم تفهم الطالبة المسلوبة الوجدان معنى كلام المدرس.. وخامرها شك بقدرته على الصمود أمام جمالها الصارخ المقموع بلباسها المدرسي، فهمست في أعماقها الخاوية ساخرة:

"سترضخ لجمالي كغيرك!"

وكان بوسعها وهي في غيبوبة التلاقي معه أن تراقصه وتحتضنه بل وتقبله بخضوع، وهما في ظل الوهم الذي هيأ لهما لقاءً في خيالها الخصيب.

وتساءلت ببراءة:

" لنختبر مقولتك حول الجمال.. لن أعجز عن جلب انتباهك بكل بساطة.. سوف أكسب الرهان، ستعترف صاغراً بجمالي أيها الأبله."

وانهمكت تلون شفتيها بحذر شديد. كانت تخفي المرآة تارة وتظهرها تحسباً من انكشاف أمرها.

زميلاتها في الجوار تسترن عليها واكتفين باختلاس النظر إلى يديها المرتجفتين وهما تخفيان أدوات الزينة في جيب الحقيبة الخارجي.

وفجأة اكتشفت بأن المدرس قد جلس إلى الطاولة ثم سأل الطالبات قبل أن يشرعن في الإجابة على الورق:

"هل من سؤال حول درس اليوم!؟"

فرفعت الطالبة يدها وقد أحاطتها الأنظار بالدهشة، وتعالت الهمسات كفحيح الأفاعي حول وجهها المزين بنعومة، وإزاء ما أحست به من غيظهن غير المكظوم؛ تخيلت أن جمالها وشجاعتها أصابتا في كبريائهن مقتلاً.

انتبه المدرس إليها، تعامل مع الموقف بروية وحكمة، طلب منها أن تتفضل بالسؤال.. قالت له بدلال بأنها لم تفهم معنى عبارة روح الجمال.. وبينما الهمسات أخذت تتصاعد في أجواء الغرفة كالدخان، لم يبد المدرس اهتماماً بها، لا بل طلب منها بهدوء أن تسارع الخطا إلى الصبورة لتمسح كل الأسئلة المرشومة عليها، حتى يعيد شرح ما طلبته الطالبة، وقد أغاظها تجاهله لها.. ثم طلب منها أن تكتب ما سيمليه عليها:

"أكتبي".

واستجابت لذلك متأففة، وأخذ يملي عليها النص بطريقة معبرة:

"الجمال بدون رتوش يأخذ من حلاوة قلب صاحبه سلافتها، فالمتواضعة عندي وإن بدت قبيحة الوجه فهي أجمل من فتاة جميلة لكنها مغرورة ولا تثق بنفسها"

شعرت الطالبة بأنه يقصدها بهذا الكلام.. أحست بالامتعاض الذي بدا على وجهها فأطفأ بريقه.. توقفت عن الكتابة وتسمرت مكانها كأن على رأسها الطير.. لم تنبس ببنت شفة وهي تراقب شفتي المدرس الذي تظاهر بالدهشة مما اكتشفه في وجه الطالبة فعلق موبخاً:

" ما هذه الفوضى التي عمت فضاء وجهك الحالم، تجميل الوجه فن سأشرحه لكم في الدرس القادم"

أضحك ذلك زميلاتها فيما جعل يسكتهن بحزم:

" ألا توافقنني الرأي بأن وجهها سيكون أجمل بدون هذه الأصباغ المدلوقة عليه دون عناية.. هذا ما عنيته بالرتوش!؟"

ثم أكمل وهو ينظر إليها وقد طفرت الدموع من عينيها، متسللاً بروحه إلى قلبها الذي أصابه الانقباض، إذ راح يفتش عن عبارة تحفيزية قد تحتاج إلى ترديدها في عقلها الباطن:

"أنت فعلاً طالبة ستعترف بأنها أخطأت ، وخاصة أثناء الحصة المدرسية فهذه ليست حفلة عائلية، أليس كذلك، والأمر لا يمنع من أنك صرت أجمل ودموع الندامة المسكوبة ها هي تغسل وجهك الطفولي من رتوش الفوضى".

هذه المرة عادت الطالبة إلى مقعدها وأسهمت النظر إلى ما هو أبعد من الصبورة، ثم رفعت يدها وهي تقول بحياء ممزوج بالقلق:

" لقد فهمت النص يا أستاذ"

انفرجت أسارير المدرس الذي شعر بوطأة المسئولية تجاهها؛ ليطلب منها من جديد بأن تعود إلى الصبورة كي يملي عليها بقية الدرس، في أجواء أطبق فيها الصمت الممزوج بالذهول بعد أن ذبلت زهور النرجس واستفاقت شمس الروح كي تستنهض في قلوبهن براعم المعرفة وروح المسئولية. ولم يكترث المدرس بالضجيج والمرح الذي أعقب كل ذلك وانشرح صدره وهو يرمق ذات الطالبة التي أحست كما يبدو بزهو الانتصار وكأن حملاً ثقيلاً أزيح عن عاتقها، وهي تنظف وجهها من الرتوش بمساعدة زميلاتها في المقعد الأخير.

***

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

عبد الزهرة شباريما كدت أبرح الأحلام ..

والليل البهيم .،

حتى بدى خيط الصباح ..

مولولاً بين الروابي  والبطاح،

والأرض ظمأى تعربد ..

في مجاهلها الرياح،

في الفجر مأتزراً همي ..

و  سارٍ في الغيوم،

وألوك يتم ولادتي الظمأى  ..

بليلٍ باردٍ يحكي الهموم،

أحني الفؤاد لعطرها ..

وأذوب عند وسادتي ...

وأبلها بالدمع ...

فاتحة العطاء،

أواه يا بلد الحرائق والفناء،

مهما بعدت ففي فنائك غلتي ...

نخب الوفاء،

الفجر لا أدري ..

أيحملني إلى  جزر السلامة  ..

والهناء،

أم ما يزال ثوبك الأبيض ..

معفر بالدماء،

أواه يا بلد الحرائق ..

والفناء،

نخب الذين تعطروا  ..

بالحب فاتحة الوفاء،

جاؤوك يا وطني ...

بجنحٍ من ثبات ْ،

متسربلين بحلةِ الموتِ ...

على عين الحياة،

والموتٌ يا وطني

لشئوك والغزاة،

والمجد للإنسان  ...

في عين الوفاق،

وشراذم الأوغاد في وطني

تساق،

والليل حيث مغاوله الغرثى ...

تعربد في النفاق،

وقوافل الموتى  ..

على عين الحقيقة  ...

والخيال،

كسفينةٍ رجعت تزغردٌ

في القتال،

وبدت تباركها الرجال،

وغدت تزفٌ وليدها ..

للمجد في أعلى الجبال،

وتبارك الأيام في شدوي ..

وفي بوحي جدال !!

***

عبد الزهرة الشباري

 في البصرة 1/7/2018

 

 

آلاء محمودلا تسل دمع المآقي

تجرح الصمت في افق التلاقي

دعني وعينيك

أرى فيهما سنا الأشواقِ

لا تسل

فالورد ضاع شذاه

والقلب لو تكلم

ترتعش من حزنها القوافي

وترتمي الحروف في عياءٍ

فوق سطورالتجافي

يا لقلبي

كم ذاق في الهوى

من لوعةٍ

وكم غرّبته قسوة المنافي

دعني وعينيك

لا تنكأ الجرح في اعماقي

ولا تسأل الليل عني

ففي الروح منك حزن وآهاتِ

فأذا ما راودتك المٌنى

وقادتك الخطى نحو خرير السواقي

ستلمح على وجه الماء

دمعة حيرى

عالقة بين الرمش والاحداقِ

دعني أكفّر عن ذنوب عشقي

ففي محراب عينيك

سكبت كل أشجاني

و رحتُ أصارع حزناً طويلاً

وما أطول الاحزان في دربِ الفراقِ

عاتبت قلبي كثيراً

وصرت مع الايام بقايا من جراحِ

سيموت الخوف يوماً

في عمرنا

ونُدرك حلماً ضاع منٌا

في زمن التلاشي

دعني وعينيك

لا تسل

فلقاؤنا قدرٌ

وهل يضيق الفجر ببهجة الإشراقِ؟

***

الشاعرة العراقية  آلاء محمود

من ديوان  تقاسيم الذاكرة الأخرى

 

حسن العاصيقرب الشجر المنحسر

جهة القنديل المتأرجح

ودّعها

امتزجت دموع المساء

بألوان الحرائق

أفشى لها بآخر الأسرار

مدّ كفه

تحسّس خد السماء

صلّى لله

وراح ينتظر

امتلأت النوافذ ببخور الصباح

ولم يستيقظ الدعاء

على الأبواب المغلقة

بعد ثلاثين خلوة مع الأسرار

خرج بحزنه المستتر

من تأمّل الفصول

يبحث عنها

لم يجدها جنب القمر القريب

سأل شجر الضوء

وسأل الزيت عن سر النور

قالت الغجرية

لم يبق من الموسم

سوى وقت خارج الزمن

قد وَرَثَتْ عنكَ

وجه العشب وأرق الاتجاهات

أماط الوجع عن تقاسيم الأسماء

لم يجدها

الصغيرات أوتار حزينة

نادى عليها بصوت مكلوم

سأل العجوز

تحت أبعد صفصافة

هل تتسع سيرة المطر

لعصافير الريح

من سيتجرع فوق قبري

الحلم الأبيض

قالتْ

خلف كل تراب باب

يخفي عصفور الفضة

وخلف كل مسافة

خطىً متأخرة

إبحثُ عنها في المقابر النائية

بكى بكاء اليتيم

كثيراً بكى

قال

تتخشب الصور

إذ ما الأرض أغلقت الغيوم

سأظل لكِ وعداً على النافذة

حتى تعودين

مازال ينتظرها

كل يوم

يعبر قبور الأطفال حافياً

يرسم وجهها

على أجنحة الطيور المهاجرة

وكفه مغلقة على أمنيات الصغار

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

سامي العامرييا طيوراً ليســـــت تطيرْ

يا ندامى العمر القصـــيرْ

 

صار قلبي في حبـــــــها

مثلَ مستخدَمٍ أجــــــــــيرْ

 

فهي في روضـــــها مَليـ

كةُ دلٍّ تغــــــــــري، تثيرْ

 

حيث مصوّا رحـــــــيقها

ثم سادوا فلا يضـــــــــيرْ

 

زُمَرٌ أو شـــــــــــــــراذمٌ

لم تفارقْ حدَّ الســــــــريرْ

 

كل فردٍ بسِــــــــــــــــمنةٍ

كأميرٍ خلــــــــــــف أميرْ !

 

بـــــــــــــركاتٌ من ربهم

وشخيرٌ يــــــــــعلو شخيرْ

 

آه يا بغـــــــــــــــدادُ التي

بك حتــــــى الدمعُ عسيرْ

 

فاق هجوي حُطيئـــــــــةً

وفــــــرزدقاً وجـــــــريرْ

 

ثم ماذا ؟ لا شــــيءَ غيرُ

لصـــــــــوصٍ ظلت تغيرْ

 

يالديِنٍ مــــــــــــــــن لؤلؤٍ

وخوابي الدرِّ النـــــــضيرْ

 

وأنا ليْ حـظــــــــــــــيرةٌ

بانتظاري حيث أســــــيرْ

 

فأداري ثـــــــــــــــغاءَها

حاملاً أطنــــــــــانَ شعيرْ

 

ما يرى جــــــبرانُ النبيُّ

مع الأخــــــطلِ الصغيرْ ؟

 

حين تمســــــــــــي مشرَّداً

في ليالٍ شـــــــــأنَ الأسيرْ

 

هل ستجديك نســـــــــمةٌ ؟

أم سيجدي البدرُ المـــنيرْ ؟

 

آه يا كوكـــــــباً هــــــــوى

من عَلٍ كالثوب الحــــريرْ

 

حيثُ وافاك جمعُنـــــــــــا

طائعاً قبــــــل أن تـــــشيرْ

 

هل تُرى كــــــــــــان هفوةً

أم هَواناً دون نظــــــــــــيرْ

 

أنْ رفعنــــــــــــاكَ أكؤوساً

فسمعنا لها خـــــــــــــــريرْ

 

وحملناك شــــــــــــــــــعلةً

وربَطْنا بكَ المصـــــــــيرْ ؟

***

سامي العامري - برلين ـــ آب 2019

........................

للأصدقاء هنا إيميلي الجديد

sami.alamiri@yahoo.com

 

فتحي مهذبأنا لص كبير ..

أخطف سلة الفستق من أصابع اللاوعي ..

أتجسس على سكان روحي القريبين البعيدين..

أخفي ذهب الكلمات في حديقة رأسي..

وخمور المتصوفة في جرار مخيلتي..

مفاتيح الميتافيزيقا في محفظتي اليدوية..

أنصب كمائن للأشباح التي تزرب من قاع المرآة..

لمركب يرسو فوق هضبة

من دموع الأرملة ..

لعميان يحاولون كسر عظام العالم..

بعد حرب مريرة..

أقتل الأربعين لصا مستفردا بكنوز المغارة..

أعتني جيدا بصحة ناقد مريض

ينام فوق سرير النص..

ينز بعرق الفوبيا ..

أسقيه من دم الإستعارة..

مالئ جيوبه بفواكه نادرة..

لماذا حين يستوي على سوقه

يرشق فراشات صوتي بالحجارة ويفر؟

***

فتحي مهذب

 

ذكرى لعيبيمحطّة خالية

بلا مسافرين

إلا من ظل عاشقيـن

غابا في زحمة

الظنون

**

عويل طرقات

وآثار امرأة

كانت تنتظر

غائباً لا يأتي

**

ساعة مراوغة

أيام تمضي

وأنتَ دقيقة

متجمدة على أزميل

الرحيل

**

محطة وليل تائه

"لا أنت حبيبي"

والفراغ

يملأ المسافة

**

ذكرى لعيبي

عبد الهادي بريويك من تلك التي تنمو في الباحات البيضاء

حين تعصف الريح

أهي شجرة التفاح المجنونة؟

تلك التي تثبت في الضياء

تبعثر ضحكاتها المثمرة

بعناد عاصف وتهمس

ترتعش

مع وريقات النبتة التي ولدت ساعة الفجر

ترفع عاليا ألوانها الذهبية في فجر الانتصار؟

وتحت ظلها تنهض الفتيات العاريات

حين يحصدن شعير القمح بأذرعهن السمراء

وهن يطفن حول أحلامهن

ويرفعن الزجاجات الخضراء

التي تفيض بأسمائهن من شدو الطيور

أهي شجرة التفاح المجنونة

التي أسقطتنا من السماء

وأوثقت عرف الحصان الشارد بمائة سوط

ومنعت عنه زينة البهاء

وتلوح بمنديل أعشاب اللهب الفاتر

**

البحر يدنو من ألف سفينة وأكثر

مع الأمواج الثائرة

للمرة الألف وأكثر، وتذهب

إلى السواحل التي لا عطر لها

حيث عناقيد العنب الحمراء

التي تضيئ وتصلي

لتضلل بالأنوار عواصف أنصاف الآلهة

في وسط الكون

في وسط الموج

وتنثر في الحلم البعيد طوق زعفران النهار

المزخرف بأناقة الأغاني الضائعة

من أجل ماتبقى من أنصاف الآلهة

وتنسل بتهور تنورات للفتيات العاريات

وبضع قبعات من الربيع المتهالك

في المياه الآسنة

شجرة التفاح الغاضبة

تلك التي تدفع الثمن

لأنصاف الآلهة

بإمكانها أن تغري

ترتعد من تهديدات الطيور الجارحة

ومن قبضة النفوس الباردة

لتمتص الثدي الأعمق غورا

في أحلامنا

طوال النهار في حلم يقظة الحصى

والبحر المثقل  بالوجع

تلك الشجرة الماردة

قالت لي أن أدخل في حساب الماء العاري

للنهارات المضاءة

على ظهري لأبتهج حين يأتي فجر الأشياء

الضائعة

أو لأهيم ثانية في السهول الشاحبة

ويذهب كل شيء مني

وأبقى بطعم العاصفة .

 ***

بقلم: عبد الهادي بريويك

 

جميل حسين الساعديقصيدة للشاعر الألماني: هاينش هاينة (2)

ترجمها شعرا موزونا مقفى: جميل حسين الساعدي

***

أفكّــــرُ كلــــّما حـــلَّ الظــلامُ *** بألمانيـــا لأنّــي لا أنــــــــامُ

عيوني ليسَ تغمضُ ثمّ سالــتْ *** دمــــوعٌ راحَ يُسخنها الهيامُ

                                ****

سنونٌ قدْ مضتْ وأتتْ سنونٌ *** ولمْ أنعــمْ برؤيـــةِ وجــهِ أمّــي

مضى لي اثنتا عشرَ اغترابــا ً*** وشــــوقي في ازديادٍ كلَّ يــومِ

                               ****

وتكبــرُ لهفتي ويزيدُ شوقـي *** لســــاحرتي.. لسيّدتي الكبيرهْ

أفكّـــرُ دائماً فيهـــــا، فصنْها *** إلهي .. أنتَ أدرى بالسـريرهْ

                                ****

أحبتنـــــي الكبيـــرةُ أيّ حُــبِّ *** فإنّـــــي فـــي رسائلها رأيتُ

يـداً رَجفتْ وقلباً في اضطرابٍ *** بعمقٍ راحَ يخفقُ مُــذْ بعُدْتُ

                                 ****

بذهنـــــي دائمــاً ذكرى لأمّي *** لمدّةِ اثنتـــــا عشـــرَ الطويلهْ (3)

فمـــــا عانقتُهـــــا منذُ افترقنا *** سنــونٌ قدْ مضتْ ليستْ قليلهْ

                               ****

لألمــــانيا بقـــاءٌ مُستمّـــــــرٌ *** بلادٌ أشبهــتْ جسمــا ً سليـما

ببلوطٍ يميـــــسُ وزيزفـــونٍ *** سألقـاها كمـــا كانتْ قـــــديما

                                ****

وإنّـــي لستُ ذا لهفٍ وشــوقٍ *** لألمــانيا وأمّــــي ليسَ فيهـا

بلادي سوفَ تبقـــى غيرَ أنّي *** إذا أمّــي مضتْ لــن ألتقيـــها

                                 ****

فقدتُ أحبّـةً مُنـذْ اغتــــرابي *** كثيـــرٌ منهُـمُ تحتَ التــــــــرابِ

ولو أحصيتُ منْ أحببتُ عدّاً *** ستدمى الروحُ من كُثْرِ الحسابِ

                                 ****

يُزيد العـدُّ مِنْ ألمــي فما لـي *** خلاصٌ مِنْ مُعاناتـــي ومخرجْ

إلهي ـ أيّها ـ المحمودُ ـ خفّفْ *** جنائزهمْ على صدري تُدحْرَجْ

                                ****

بضــوءٍ من نهارٍ ذي صفاءٍ *** فرنســــيٍّ مِــــن الشبّــاكِ نَــوّرْ

وبسمةِ زوجةٍ كالصبحِ حسناً *** تبــدّدَ همُّ ألمــــــانيا وأدْبَــــــــرْ

 

.............................

(1)    في ترجمتي هذه أدخلتُ بعض التغييرات الطفيفة وأضفت بعض الكلمات دون المساس بالأصل، وهذا ما اقتضاه الإلتزام بالوزن الشعري والقافية، كما هو متبع في الشعر العمودي .

(2) الشاعر الألماني هاينريش هاينة(1797 ـ 1856) هو أمير الشعر الغنائي في ألمانيا، وقد اعتبره كثير من النقاد أهم شاعر في تأريخ الأدب الألماني بعد غوتة . وهو في قصيدته هذه يعبر عن حنينه إلى الوطن وإلى أمه، في الفترة التي أمضاها في فرنسا

(3) اثنتا عشر: المقصود اثنتا عشرَ عاما ً

........................................

Nachtgedanken (Heinrich Heine(

Nachtgedanken

Denk ich an Deutschland in der Nacht,

Dann bin ich um den Schlaf gebracht,

Ich kann nicht mehr die Augen schließen,

Und meine heißen Tränen fließen.

Die Jahre kommen und vergehn!

Seit ich die Mutter nicht gesehn,

Zwölf Jahre sind schon hingegangen;

Es wächst mein Sehnen und Verlangen.

Mein Sehnen und Verlangen wächst.

Die alte Frau hat mich behext.

Ich denke immer an die alte,

Die alte Frau, die Gott erhalte!

Die alte Frau hat mich so lieb,

Und in den Briefen, die sie schrieb,

Seh ich, wie ihre Hand gezittert,

Wie tief das Mutterherz erschüttert.

Die Mutter liegt mir stets im Sinn.

Zwölf lange Jahre flossen hin,

Zwölf Jahre sind verflossen,

Seit ich sie nicht ans Herz geschlossen.

Deutschland hat ewigen Bestand,

Es ist ein kerngesundes Land!

Mit seinen Eichen, seinen Linden

Werd ich es immer wiederfinden.

Nach Deutschland lechzt ich nicht so sehr,

Wenn nicht die Mutter dorten wär;

Das Vaterland wird nie verderben,

Jedoch die alte Frau kann sterben.

Seit ich das Land verlassen hab,

So viele sanken dort ins Grab,

Die ich geliebt – wenn ich sie zähle,

So will verbluten meine Seele.

Und zählen muß ich – Mit der Zahl

Schwillt immer höher meine Qual,

Mir ist, als wälzten sich die Leichen

Auf meine Brust – Gottlob! sie weichen!

Gottlob! durch meine Fenster bricht

Französisch heitres Tageslicht;

Es kommt mein Weib, schön wie der Morgen,

Und lächelt fort die deutschen Sorgen.

 

عباس علي مرادترحلين

وبين الآهات تسكن

وقع خطواتك

التي تأبى الرحيلا

وتأخذني إلى صمت اللقاءات

تعزيني بعض الذكريات الشاردات

من بقايا الحب الجريح

**

حقول التيه

العمر يتسلّل

 من بين أصابع الأيام

رمال متحركة

تغرقني في ليل صامت

تغرقني في ظلامه

تغرقني في نهاره

 يهزّني فجوره

يخطف الإدراك

لا أمل بالإنتظار

 وقت من السراب

يقطف من حدائق العمر

في حقول التيه

تزاحم الأحلام

يسابق الزمن

لعله يدرك البدايات

ويدنو من  مُرتجّى النهايات

**

نوافذ

عيون حالمة

من خلف نوافذ مغلقة

تنحني لتلقي عليكِ تحية محبة

عابقة بعطر شوق القلوب المتلهفة

**

رماد

أبحث في ذاكرتي

عن رماد الأيام

التي ما زالت تفتح كوة

في مشوار عمر

يتكئ على حلم

لم يكتمل بعد

**

سفن

على مرافىء الأمل

ترسو سفن أحلامي

تغازل أمواجاً

تدنو من شاطئ العشق

لتفرغ محبتها

 وتشحن عواطفي

**

 

 

عواصف

عندما تبوح عيناك

بعبير الحب

تعصف بي عواصف خفية

مشاعر صاخبة

 تتماوج

 لتبلغ موانئ القلب

 ودفء الأحاسيس

تلوح منك نظرة

فتثمر عشقاً

***

عباس علي مراد

 

صحيفة المثقفمرة أخرى يستيقظ باكراً.. تحت لهيب خيوط أشعة شمس الصيف الحارقة التي اخترقت غرفته عبر النافذة المشرعة، كان الضوء باهراً وعنيفا، أجهز على البقية الباقية من أرقهِ المحموم.. لم ينم سوى دقائق معدودة.. نهض بصعوبة، بعد تردد وحيرة.. حالة شبه الميت تثير إحساسا بالوحدة القاتلة والضياع والتشتت حيث القلق والخوف، نهر من القلق يفيض داخله، الصمت لا شيء غير الصمت، فما أشد تعاسة المرء حين لا يجد من يؤنسه، يحاول استعادة صورته.. يحاول ترميمها من جديد في دواخله المنكسرة.. سماؤه وحدها ملبدة بالغيوم والضباب.. يحمل عبء قلبه وحده ويمضي، دون رغبة في الذهاب إلى مكان بعينه ثم الرجوع إلى البيت والجلوس والانتظار في عزلة وانطواء، كان يلزم الصمت دائما ويظل بمعزل عن الناس، ويبقى دائما منزويا على نفسه دون أن يقوم بشيء، كما صار لا يلبث في مكان بعينه.. لم يكن هكذا من قبل.. لقد وقعت أشياء غريبة بعد وفاة آخر من أحبهم وتعلق بهم بقوة.. تلك جدته التي كانت بمنزلة أمه والتي عوَّضتهُ حنان أمه كثيراً في غيابها وفقدها منذ أن كان صغيراً.. ثم يرحل أبوه وعمته وفيما بعد أخواله وخالته، فأعمامه وتستمر الفواجعُ وكأنه طويس هذا الزمان، ثم ها هو يفجع في أحب الناس إليه، صديقه ورفيق دربه والذي وضع حداًّ لحياته بانتحاره واستسلامه لحالة ضعف، فلكأنَّ من يحبهم يتساقطون اتباعا كأوراق الخريف أمامه.. نظرته الآن للحياة صارت شبه معقدة، تخيف وتزعزع، وتبعث على الانطواء والانزواء وفقدان الثقة.. أصبح متوتِّراً ويزداد صمتا أكثر فأكثر..

ومع كل الألم قد يبدو راضيا مكابراً، يدندنُ، ويبتسم وحده غباء أو عبثاً ليس يدري، وهو يُعِدُّ لنفسهِ الغامضةِ كأس شاي، وهو ينشغلُ بتحريك السكر في كأسه.. وهو يتناولُ فطوره على عجل.. ثم يغادر شقَّتهُ، عبر سلاليم العمارة.. كان جسده يسبح في أوهام يصطنعها الحرُّ الزائدُ، وتسيطر عليه هواجس محمومة عجز عن إسكاتها، تقودهُ خطاهُ الواهنةُ نحو البنايات الشاهقة الزجاجية الرابضة على الضفة الأخرى، في ذاك الشارع المزدحم رغم شدة الحر، ليقف أمام لافتة كبيرة وجد صعوبة في تهجيتها في بادئ الأمر، دفن ألمه كالمعتاد، وتوجه نحو مدخل المبنى الذي كان يَعُجُّ بالجلَبةِ حيث امتلأ بالناس والأصوات والروائح والوجوه الكالحة الشاحبة، التي تبعث على الغثيان، وقد صفعتهم الأمراض والظروف.. ، ألقى نظرة على لوحات بأسماء الأطباء واختصاصاتهم، ازدادت دقاتُ قلبه وهو يصعد بالمصعد إلى أعلى .. يدخل قاعة الاستقبال ذات الواجهة الزجاجية، تجلس خلفه شابة حسناء، رقيقة نحيفة ترفع وجهها وفي عينيها بريق، تفرَّسَت وجهه.. نظرت إليه وهي تعدل نظارتها مرحبة.. فيشعر على الفور أن الوجه مألوف لديه.. تستفهم بعينيها، تبتسم.. كأنها تنتظر حواراً، يبتسم أخيراً لها.. سرعان ما همست له:ـ ارتح هناك حتى يأتي دورك.. ثم أخذت تدوِّنُ في مذكرة صغيرة، وشغلت نفسها بتقليب الأوراق، فلكأنها ملَّت من السحنات المريضة والتطلع إلى الوجوهِ نفسها.. .كانت القاعة مكيفة باردة، والمرايا تعكس بعنف صوراً لوجوه مبعثرة باهتة بالية، وأفواه متثائبة..

اِستوى أخيراً على كرسي فارغ، ثم أطلق شيئا من التنهد المكتوم المليء بالاستسلام، والإذعان مثل إناء من زجاج وقد انكسر، أحكم أزرار قميصه، وهو شارد الفكر في أشياء كثيرة لاتعني شيئا.. انتابته حالة الشك مرة أخرى في قواه العقلية.. فابتسم.. ثم مضى بقية الوقت يعبث في الندبة المحفرة أسفل الذقن..

في صالة الانتظار لم ينتبه أنه كان من بين الرجال الخمسة إلا فيما بعد، حيث انشغل على حين غرة بشد فردة حذائه، يستفيق من الشرود ليرصد الساعة المعلقة على الجدار البنفسجي عقاربها تشير إلى اليأس وتبعث الملل.. تثاءب، كانت عيناه ترصد صوت الألم.. ثم سرعان ما أثاره ضجيجُ نسوةٍ وفتاتَين في مُقتبل العمر، والقلق باد على وجوههن التي كساها الوجوم، لربما أجهدهن طول الانتظار، وشردَ ذهنُهُنَّ ينتظرنَ بصبرٍ بالقربِ من باب غرفة الفحص.. أخذ بتقليب بعض المجلات المبثوتة على المنضدة الزجاجية وسط الصالة، ثم نزع إحداها كي يدفع عنه بعض الرتابة.. .لَمْ يدْرِ، لِمَ كان تركيزه على الأفواه والوجوه فقط، أفواه أفعوانية، فمٌ يزبد كثيراً حتى انتفخت أوداج وجهه، ثم يستمر في الصراخ والشتم.. كان الوجه قذراً ومُنكَمِشاً، بلحية طالت وتبعثر شعرها، لم يكن راضياً عن نفسه، متضايقا جِداًّ .. ، ووجه آخر فوقه نظارة شمسية داكنة، تقعُ خلفها عينان زائغتان بفمٍ مُنفرج، يصدر منه صوت مبحوح بائس، ينظر إلى السيدة ذات الثوب الأنيق نظرة شفقةٍ.. بعدها أدارَ وجْهَهُ نحو سيدة أخرى حائرة تُحِسُّ بأنها مراقبة، أما الرجلُ الثالِثُ فقد وقف هُنيهة يحملقُ مَلِيا وهو يحك جسده، فوجد نفسه معه وجهاً لوجه، ثم تمتمَ بكلمات غير مفهومة امتزج فيها شيء من الآياتِ بأدعيةٍ لم تكتمل.. وكأن حواراً كان يتدفَّقُ بين سمعه ووجهه، ثم ساد الصمت.. كان فمه يلوك علكا، وكانت نظراته تمسحُ أيضاً بهدوء كل ما يقع أمامه في الصالة، وإذا بوجهه يرتفع إلى أعلى ليفتعل متابعة الشَّاشَةِ المعلقة في أعلى الحائط، ولكن ماتزال سحناته المتضايقة تفضحُه، وكأنه هو الآخر غير راض، أما النسوة فكن يثرثرن، ويتناقلن آخر الأخبارِ ويُتابعْنَ رجلا نحيفاً في الخمسين من العمر، والذي جلس خلف باب الفحص مباشرة ينتظر دورهُ القادم، جلس على الأرض، كان يتصرف بشكل غريبٍ وفي عصبية غير محسوبة، يلعب بأطراف أصابعه يشابكها ثم يفتحها، ويرفع حاجبا للأعلى وكأنه يتنصت على شيء، ثم ينقر الباب نقرات خفيفة، ثم إذا به يصرخ منزعجا: السلاسل السلاسل، البوليس.. كما لو أنه تحت المكائد والمؤامرات وقد أثار فضول كل الحاضرين بهلوسته، ثم بدأ بهمهمةٍ حين نهرته إحدى مساعدات الطبيب البدينات بالصالة، حملته بكلتا يديها وأجلسته على كرسي، وكان لا يزال متوتِّراً مشدوداً حاول مقاومتها ثم صرخ: أيتها الجاسوسة إياك عني.. ، بعدها ناولته قُرصاً للتهدئة، حاولت بكلامها اكتساب وُدِّهِ لكن لم تُفلِح.. ولم يتمكن من الولوج لغرفة الفحص، وغادر رفقة ممرضين اثنين.. ثم تقدم الرجل الآخر قليلا وكان مُقَطِّبَ الجبينِ، يُعاني بدانة مفرطة، يمسح العرقَ بكُمِّ يده اليُمنى ولم تتح رؤية وجهه، يفتح فمهُ صامتاً فوقهُ شاربٌ كثيفٌ كمن يتثاءب، ثم إذا بابتسامة سمجةٍ ترتسمُ على زاوية فمه، قبل أن يفكر في الانقضاض على شيء، إلى أن قام بجَرِّ كُرسِيٍّ بحدَّةٍ وتَحَدٍّ على بلاط الأرضيةِ واصطكاكه مع الباب بقوةٍ أحدث دويا صارخاً هَزَّ الجميع.. كان هذا جنونيا، ثم قال بصوت جهوري: ماذا يفعل الطبيبُ كلَّ هذا الوقتِ.. ؟ شعر بضرورة إنهاضه وتهدءته بأي شكل .. لكن الأمر يحتاج إلى قوة وجُهد، أمَّا هو فلن يجرؤ على فعل ذلك،لم يكن يعرفُ بالضَّبطِ ماذا يفعل، ثم تدخل أحد الممرضين والمرأة البدينة مرة أخرى، وقد ارتسمت على محياها ابتسامة شيطانية، فحقنتهُ بإبرةٍ هدَّأَتْ من روعهِ، ثم نزع إلى التخاذُلِ والتَّراخي مع الاذعانِ والامتثالِ والطَّاعَة، ومَدَّ لِسانَهُ بوجه منتصبٍ مطموسٍ خَجُولٍ، وبعد أن هدأَ وعاد إلى صوابه تركوهُ في النهاية.. اِلْتَفَّ حَوْلَ نفسهِ كما لو كانَ بهِ دُوار ولا يستطيع التوقُّفَ، وهو يَقْرِضُ أظافِرَهُ أو ينزعُ جِلدَهُ قطعةً قِطعة.. ، كان وَخْزُ الإبرةِ شديداً، أخذ يُهلوسُ بكلامٍ عن نفسه، وبلا انقطاع، يكررُ الأشياءَ نفسها يعجنها ويمططها بين الحين والآخر، كمن ينبشُ بأصابعه كي يخَلِّصَ الشَّعْرةَ منها، حين جلسَ القُرفصاءَ فوقَ المقعد، بدأ يتلوَّى مَاداًّ عُنُقهُ جاحظَ العينينِ، يشعرُ بشيءٍ من الانْزِعاجِ والقلقِ، كان خائفاً يكادُ يطيش صوابه، وكان يهتَزُّ كالثُّعبان أمام مِزمارٍ تُلاعِبُهُ أصابع طائشة فوق ثُقوبهِ الكثيرة المنتشرةِ على امتدادِه، أحس بحالته التي أصبحت درجة ما بين الخَدر والجُنون، صار مثل كائنٍ لاوجودَ له، ضاق من نفسه وتصرفاتهِ، ثم هدأَ قليلاً، وكان هدوءه مخيفاً ووديعا، مثل الهدوء الذي يسبق العاصفةَ.. ، ثم انطوى على نفسهِ ينظرُ ولا يفعل شيء، كمن يتأمَّلُ بَواطِنَ انشغالاتِهِ اليوميةَ، ثم إذا بباب غرفة الفحص ينفرجُ لحظة، فتَدْخُلُ سيدة عجوز متحفزة بدت بشعةً شاحبةً تتجلى نظرة القَهْرِ على وجهِهَا.. أمَّا الفتاةُ الشقراءُ ذاتُ الخدودِ الوردية، فقد كان وجهها أملسا ومُسَطَّحاً، كان وَجْهُها مختلفاً، فقد بدَا في الوهلة الأولى كأنَّ توتُّراً داخليا قد جعلها تقلب صفحات المجلة المصورة بقوةٍ وخِفَّةٍ في الآن نفسه، وهي قابعة قبالة الباب، لكن المسحوق أضفى عليه بهاء جافاًّ مما جعله هذه المرة يظهر بنظرة لا حياةَ فيها، ولا يَنِمُّ عن أي تعبير، ثم انفرجت أساريرُ وجهها، وكأنها لاتفكر في شيء، تجلس وقورة هادءة لاتتحرك، لكنها تهلْوِسُ بأشياء غير مفهومة.. هي تعلم أن دورها سيأتي، هكذا بَدَتْ وجوههم وأفواههم بالنسبة له، وكأنهم يشربون من الكأسِ نفسِها، الهلوسة والنَّظراتُ الشَّاردَة، هنا تتجسد قبالته الحقيقة المضاءة، الحقيقة التي يبحثُ عنها دون قناعٍ أو زَيْفٍ، وقد قادهُ البحثُ إلى ضالَّتِهِ وأطاحَ بالشَّغَفِ.. الذي أخرجه من حياته الاعتيادية، ليعثُرَ على الحقيقة التي بحث عنها بنفسه.. كأنه فهم السر، أدرك ما هو مُعقَّدٌ للآخرين، ذلك أنه من تمام العقل أن نعتقد أن هذا العالم مجنون، إنه يعرف الآن بأنَّهُ مريض، كحقيقة تابثة مثلهُم تماماً لا يساوره شك في ذلك الآن، وبأنه البُومَة والشر، وبأن الكل مريض.. وما عليهم سوى أخذ الموعد والإنتطار، فالحرباء تنتظر.. والدور سيأتي لامحالة، ودوره هو الآخر سيأتي، والفرصة أمامه لترويضها مليا، ستكون الجلساتُ والاختباراتُ النَّفسيةُ بعدها، ليفصح عن مَكْنُوناتِه، ومشاعر الاكتئاب، والرغبة والزهد في الحياة، وعن فواجعه التي لا تنتهي، وأسراره، وعن كل ما يحسن إخفاءه.. لكن هل سيتكلم.. ؟ وعن أي شيء سيتكلم ؟ ماذا سيقول؟ من أين سيبدأ؟ ثم تعود أسئلته خائبة إلى صدره المتخشِّبِ تذروها الرياح والزوابعُ الهامسة، ثم تخرج في صفيرٍ وتنهيدٍ حزين، شرد.. ازدادت رغبتهُ في تجنب ما قد يحصل!! صوت المفتاح في مزلاج الباب الآن، والبابُ حتماً سيغلق بقوةٍ لاحقاً..

مَزَّقَ أوراق الملف التي كان يحملها معه، وغاب مُتظاهراً بالذهاب إلى المرحاض، ثم هَرْوَلَ مُسرعاً كمن يطلب النجدة، وهو يَنْفُثُ هذيان أفكاره، أكمل سيره عبر الممر في أروقةِ الجُنون، والكلمات مازالت ترنُّ في أدنه، فهو البُومَة والشَّر، كان المصعدُ مشغولاً، ثم تدحرَجَ عبر السلاليم، داهمهُ الإحساسُ بأنَّه مراقب، انزعجَ.. رفع عينيهِ ليجدَ شخصاً ما ينظرُ إليهِ، العينانِ النَّافِذتانِ تتربَّصانِ وتترَصَّدانِ، وكأنَّ وجهاً يريدُ أن يطعنَهُ، وفماً فاغراً يُصر على غَرْسِ أنيابه، يريدُ مَضْغَهُ وعجنهُ بلا رحمة،كانت ظلالُ الدكتور وكأنه يُشرفُ من أعلى السلاليم، يمُدُّ رأسه ووجهه نحو الأسفل، نظارته توشك على السقوطِ.. صارت تخترقُهُ النَّظراتُ، تدور عيناه، الخطرُ قادمٌ من الخلفِ.. تُراوده احتمالات حمقاء رعناء وتقفز أمامه، نسي في رمشة عين وجوه وأفواه الجميع، سوى وجه وفم الذي يريد أن يطعنه في ظهره دون سبب، التفتَ بتوتُّرٍ وخوفٍ ينبضان في عروقه، جفل بسرعة طائشة لم يكن ثمةَ أحد.. اتَّكَأَ بجسدهِ الهزيلِ على الإطار الحديديِّ للسلاليمِ.. توقَّفَ فلم يجد إلا خياله يُطارده، تتراقصُ عيناهُ من جديدٍ، دَقَّ قلبه بسرعة، توقَّفَ نبضهُ وسقطَ.. غداً سيأتي آخرون للصَّالَةِ ولا يرونَ مايثير اهتمامهم..

 

محمد آيت علو

ريكان ابراهيمقد يصدُقُ الشعراءُ أحياناً فيمسخُهمَ جلالُ الصِدْقِ

(جوقةَ) أتقياء

‏قد تُلجئُ الحاجاتُ جُرذانَ المدينةِ أن تسير مع القطط

أين الغلط؟

‏في الحافظينَ فروجَهم والحافظاتِ، ‏الكاظمينَ الغيظَ،

أم في مَنْ (...)، وأخجلُ أنْ أُسمّي؟

‏زمَنٌ تشابَه كلُّ ما فيهِ وتخجلُ_ كلما طلعت عليهِ_

‏الشمس حين تراهُ يرفعُ فيهِ ساقيه مكانَ جبينهِ، زمَنٌ يُصلّي ركعتين فريضةَ اليومِ الذي لا موتَ فيه ولا مجاعةْ

-‏قد يصدُقُ الشعراءُ أحياناً فيعلنُ كاهنٌ في الجمعِ عن أشراطِ معركةِ القيامةْ

لا أنتَ منّي، أن سقطت على قفاك، ولاأنا من هذه الجُثثِ الدميمةْ

كُفّت حروف الجرِ، والمفعولُ مفعولٌ به من دونِ فاعل

-من أينَ للنحو المعتَّقِ من زمان الأصمعيِّ الحَولُ أن ينصو ثيابَ الارتهانِ وأن يقاتل؟

...(وطني سماؤكَ حُلوةُ الألوانِ)

وبنوكَ أمواتٌ بلا أكفانِ

والشاعرُ المثقوبُ جيبُ قَميصهِ

أمَةٌ تعيشُ على الزنى في الحانِ

قد يصدقُ الشعراءُ أحياناً فيندهشَ الإلهْ:

-أنا ما خلقتُهمُ لهذا ...

-فلأملأنَّ بهم جهنمْ

-واحسرتاهُ عليكَ يا زمَناً، جميع رجالهِ شعراءُ، والشعراءُ قد

قطعوا العهودَ بأنهم لا يصدقونَ، فكيف إنْ صدقوا وتاهوا في العراءِ كأنبياءْ؟

إنَّ النبوةَ لا تجيءُ إلى بلادٍ ليس فيها كاذبونْ

-...(وطني سماؤكَ حلوةُ الألوانِ)

فيها خرائطُ من دخانِ الطائراتِ، وطبعةٌ من كفِّ صاروخٍ، سماؤكَ أيها الوطنُ المُفدّى بالقصائدِ والأكاذيبِ الجميلةِ حلوةٌ سمحاءُ فيها الغيمُ من هذي الحرائق

***

يا أيها المُلقى جِوارَ الأبيضِ المتوسطِ، الممتدُّ كالأفعى

على عُنُقِ البنادقْ

صَفَّقْ بملء يذيكَ فالشعراءُ قد صدقوا، لأنَّ الله

يفعلُ ما يشاءْ

***

فرسي جريدُ النخل أركبُهُ ويركبُني، ولي سيفٌ من الخشب المعتَّقِ

من زمانِ بني قُريظَةَ، والسماءُ مداسُ طائرةٍ من الورق الصقيلِ، فكيفَ أخشى الصقرَ في الأعلى، أنا الشَبَحُ المخيَّمُ في عيونِ القادمينَ من الأعادي

حَرستكِ كفّي يا بلادي

أمشي ويصحبُني ذهولي

وأقُشِّرُ التاريخَ في صمتٍ، أُفتِّشُ فيه عن أضغاثِ أحلامي، وأرقصُ مثل رقص البدو في الصحراءِ، أشربُ من حليبِ النوقِ فلسفةَ

التحّصنِ ضدَّ جُدريٍّ يُصيبُ الأغبياءَ، وأستعينُ على المجاعةِ

بالصيامِ، وبالصلاةِ على الفجورِ، وكلّما ضاقتْ عليَّ فتحتُ أُغنيةً

لعنترةَ بن شَدّادٍ، وخاطبتُ المهلهلَ أن يُلقِّنَ قومَ جساسٍ دروساً في الصمود أمام عاديةِ الزمانِ.

ليلى قَضَتْ وابنُ الملوَّحِ لا يلوحُ له غبارٌ في الظهيرةْ

اليومَ خمرٌ يا صديقُ، وفي غدٍ خمرٌ، وبعد غدٍ خمورٌ حيث قولُ الفصلِ في بعضِ الأمورِ

وربما سيجوعُ رأسي يا صديقُ فأستعينُ عليه بالسُكْر الجديدِ، وأدخلُ الحلقاتِ من كأسٍ إلى كأسٍ، فإنْ سألتَكَ ليلى أن أجيْ بقيسها

فاذكرْ لها أمري وعلّمها التَريّثَ، قد أجيءُ إذا صحوتُ، لها عليَّ-

إذا صحوتُ- النُذرُ أن آتي لها بابن المُلَوَّحِ مِنْ شقوقِ الغيبِ،

عيبٌ أن تظلَّ بلا عشيقٍ كلَّ هذا الوقتِ، وامرأةٌ بلا رجلٍ تُضيَّعُ

مثلما ضاعتْ شعوبٌ حينَ غادرها الرجالْ

***

يا أيها الـ(...)، أدري ، إذا أفصحتُ، كم أكوي بملقطِ جمرتي

قوماً، وكم أشوي على مِقلاةِ ناري

أنا مَنْ إذا دخلَ  المدينةَ أطفأتْ أنوارها خجلاً، وأطبقتِ

الكلابُ عليهِ تنهشُهُ، ويَرجِمُهُ الصغارُ بما لديهم من

حجارةْ

ويقولُ حارسُ زمزمِ الصلوات: غِيضَ الماءُ يا رجلاً...،

ويتركُهُ يقيمُ بلا وضوءٍ أجملَ الركعاتِ في حلباتِ رقص الليلِ،

يتركُهُ المُقيمُ على شؤونِ الحَجِّ مُحتجّاً، ويدلِفُ بعد ذلكَ للمقابر باحثاً عن رقعةٍ ليموتَ فيها

فيجيئُهُ بَوابُ مقبرةِ المدينةِ: يا بُنيَّ... سُدىً تُفتِّشُ..

لا مكانَ لجثةِ الغرباءِ، مقبرةُ المدينةِ لا تليقُ بغير  أهليها...

وأخرجُ خائباً، فرسي جريدُ النخلِ أركبهُ

ويركبُني، وسيفي، ذلك الخشبيُّ، في حجري،

وأُمنيتي بثورُ الوهمِ في جَسدِ المُحالْ.

***

د. ريكان إبراهيم

 

سلام كاظم فرجلست وطنيا/ ولا عروبيا/ ولا أمميا..

لو كنت وطنيا لانتحرت منذ سنين

من هول ما يجري.

خليل حاوي الشاعر العروبي

إغتال نفسه ظهيرة دخول الجيش الاسرائيلي

باحات بيروت..

لقد عرف ان البديل خياران.

أما حكومات عميلة.. او إسلام سياسي صاعد..

مايكوفسكي الشيوعي..

جرب طلقة الروليت الروسي على قلبه الشاعر

فجاءت الطلقة المرتجاة في قلبه

لإنه خًمًن ان ستالين سيقود خراف لينين صوب محارق قادمة وحروب..

قبل يومين بلغت الثامنة والستين.

المفجع ان هناك من يرى ان بإمكاني أن أقدم شيئا جديدا..(في الكتابة.. في النضال، وفي العشق..)

والغريب إني أصدق ذلك أحيانا..

أحدهم دعاني في ليلة عيد ميلادي السابع والستين .. أقصد في العام الماضي..

لأشارك في تظاهرة ضد نقل السفارة الأميركية إلى القدس..

وبعضهم إقترح  بيانا مني (في عيد ميلادي لهذا العام) كمواطن تقدمي غيور ضد انتهاكات (المُسَيرات) بدون طيار..

بعضهم قال هلم بمسيرة مليونية عند حدود الجولان المحتل..

بالنسبة لي أفكر بعلبة حبوب الضغط مصحوبة بعلبة سكائر(أوسكار..) تكفيني زادا.. وتحميني من مغبة الطريق.. سميح القاسم همس لدرويش (خذني معك..).. لكن لا احد يسمعني البتة حين أخاطب العدم.. خذني إليك..

الان فقط  عرفت إنني لم أكن وطنيا قط

خلال كل لحظات عمري الخجول..

فوا خجلا من قلبي الزعول

ومن حبيبتي التي تكلفني ما لا اطيق..

أعني (أمة العرب..)..

***

سلام كاظم فرج

 

صحيفة المثقفتلتفُ الأفعى من حولي

وبمَلمَسِها  الناعم

أبحرُ، رغمَ  مخاطرها

نحوَ الأفقِ

وأدنو من فمِها المشطورْ ..

كالطفلِ  العابث

لا يدري كيفَ يخطُ

على سطحِ القلبِ خرابيش الطبشور ..

ومن بينً أصابعها

تتلألأ ماسات ..

وتهيمُ سحابات ..

وعندَ  دروب الحب

تتبرعمُ آهات ..!!

**

تنتزعُ النومَ من الأجفانْ ..

وتغرقُ في جوفِ الأحزانْ ..

تلكَ مخيلتي

فيها كل معاني الحب

وكل دعابات الصبيانْ ..

تذري في حقلِ الحبِ بذور ..

وتجني عطراً ربانياً  ونذور ..

وعندَ مسارات القلب الغافي

في أحضان الليل

تسكبُ  دمعاتْ ..

**

وبينَ هيام العشق مسافاتْ ..

تمرحُ فيها  أنسامُ  الحبْ 

ترقص، لا تعبث في مشوار الدربْ ..

تكتب قافيتي الشعرَ

في عبقِ الزهرِ المنثورْ ..

آه، من تعب الدنيا

آه، من شغف المحذورْ ..!!

* * *

د. جودت صالح

21-4-2013

 (قصيدة مستلة من ديوان غدق البحر)

 

فاتن عبد السلام بلانإصْبعٌ تحشْرجَ تلوَ الآخر

يسّاقطُ هباءً في الهباء

والواوُ بينَ أثقالي ومَدَاك

تُرابٌ وماءٌ ونارٌ وهواء

**

يا نونَ نوركَ: أينَ مُبتداكَ

وفي الزُرقةِ لا مُنتهاك ؟

يالذي فردَ خيامه

على أربعِ صحارٍ بـ اللاشعور

همّشتُ قرابيني

اِعتزلتُ النذور

وابتكرتُ من عويلي

وجهَ دمعٍ وراحةَ منديل

**

أينُكَ فـ الشوارعُ لعوبٌ

وخطواتي ذنوب ؟

أيحيا الظلُّ بـ لمْسةِ ضوءٍ

والشّمسُ قتيلةٌ على مذبحِ الغروب ؟

**

يا مَنْ تعلّقتُ بـ قشَّةِ

في مُحيطِ هواك

 زوارقي غرقى والأقدارُ أمواج

والصمتُ يجرفني

دونَ بوصلةٍ دونَ مجداف

فـ ارمِ لي بـ كفّكَ

 حُضنَ شراعٍ أو قُبلةَ نجاة

فمَنْ لي في عتْمِ الطوفانِ إلّاك ؟

**

يا بسملةَ الأريجِ في الزهر

يا سجودَ العنقودِ في الخمر

أينُكَ وابنُ الإنسانِ للترابِ

خطيئتهُ تاجُ شوكٍ

 وعلى صليبِ جمْرٍ

أدمتْهُ مساميرُ الضباب ؟

**

يا أَلِفَ أُلوهيتكَ

أيُّها المُحتجبُ عنْ الجوابِ

خلفَ إشاراتِ الاستفهام

تَكشّفْ وعانقْني مرّةً

فـ فواتحي تكبيراتُ مآذنٍ

و أدعيتي صكوكُ غُفران

**

يا مَنْ نصّبتَ بـ اسمكَ

باكورةَ الآزالِ وخاتمةَ الآباد

يا تساؤلاتي اللاهثةِ خلف

" في البدء كان الكلمة "

تَكشّفْ وعانقْني مرّةً

يا مَنْ نذرتُ الروحَ إليكَ

مزاميرَ _أسفارًا

شموعًا _ وآيات

إنَّ أشواقي طفلاتٌ

يتأرجحْنَ تيهًا بينَ أرضكَ وسَمَاك

فـ مَنْ لي بعدكَ

وقدْ حطّمتُ أصنامَ شرودي

وتبرّأتُ مِنْ تماثيلِ ظنوني

مَنْ لي يا مُنايَّ سِواك .. ؟

**

يا باءَ بعضكَ و كافَ كُلّك

أيُّها اللامرئيّ لـ النَّاظِرِ في الزُجاج  

تَكشّفْ وعانقْني مرّةً

فـ حقولُ حنجرتي قصبُ نداءٍ

وصوتي نايٌ جريحٌ

تُفخّخُ لهُ الريحُ ويُبكيه الضياع ؟

فاكرمْ براءِ ربوبيتكَ

دمْعًا خاشع الصلاة

وادْنُ بضادِ ضيائكَ مِنْ كفيفٍ

يشْخصُ بـ روحهِ

مِنْ أدْناهُ إلى .. أعْلاك ..

***

فاتن عبدالسلام بلان

احمد ختاويمرفوعة الى كل امرأة تسكنها طفولة مدللة

وإن كل سبائك كليوباترا

أمطرت مجوهرات

أو أدلت لوكالات الانباء بمعاصم

كل سلالات الفضة والذهب ..

عند النساء ..

أو أومأت رجّات أساور الفتيات

 لرحم محلات ترويج

 أشتات الموضة والألبسة،

أو توق ومجالس الافراح والمزارات ..

عند النساء ...

عند طفلتي المدللة

كل هذا مكدّس بين آب(1 )

و "تبت يدا " (3)

وخزائن هامان (4)

ومن طغى واستكبرا

مقابل حكايا الصبايا

ومرتجعات كليويوباترا

 من أمام مرآتها ..

***

مدللتي تحب الدمى وفقط

مدللتي تحب اللُّعب ...

مُذ كانت طفلة مدللة

مدللتي تحب جمع الحطب وموقد

الشمع في المسا ..

ثنا عن عشقها للُّعب

 في العشق فقهُها ..

ومن ثنى فستانها البنفسجي

ومن يحبها ولا يهاب ..

حين يرفل المغيب مزهوا،

يمتر وإياها

مقاس

 دمية وأختها ..

بين وتبة وغمزات دمية اسمها " سهى " . .. ..

يَمْتُران كل مرة

بساطهما الوردي بين غرغرة

وسكرات الموت عند أبي لهب ..

ومجوهرات باقي الأمم ..

***

هذي مدللتي التي تغتني

 عن جمع الذهب والمال .

وهشيم الحطب .

ليطوق أو يخنق بناره وغيّه

 كما التمائم

 صدرها

 أو كما عُجاج أساور النسا .

.أو مهيارا (1) تعشقه الصبايا

.بطلا في المسلسلات

أو بمن ارتبطت وهْما

 عينها بجٌهْر الرّجالْ .

في بقية غيّهم وغيّها ...

***

مدللتي لاتكتنز الدمى مثل سُحتِ الأنظمة..

هذي دميتي التي تعشق الاسفارَ

 على صهوة ضوء السناء ..

حين توقظ أعز دمية عندها ..

 لتنام وجيدها عند الموقد ..

يسامران الدجى وقضايا الأمم ..

في نثرها وشعرها ..

هذي مدللتي التي تحب اللُّعب .

في الحبر والمداد.قبل

 أن تُسند الاسماء .

من السماء .

ألوان عشقها ...

في كنف وسادة ملؤها عطر

 الأسمال و المنى ..

على وجنتي دُماها .وما يمليها عشقها

***

كتب : أحمد ختاوي / الجزائر

..................................

هامش

1) آب / شهر أوت حيث تكثر الاعراس ومجالس النساء ..

2) - المهيار :بمعنى الوسيم في هذا التوظيف ، الجميل كالقمر .

3) - تضمين من القران الكريم

4) وزير فرعون ..

 

لالة مالكة العلويكلما غمست يراعي في يم الدهشة

تصورت أن كل شيء يزول من سحر ومن شك ..

وكلما حررت رغبتي من السطو على ذاكرة متأخرة ..

أبعدت قلبي عن حماسه الزائد

ورممت أفكاري كي تكون صالحة للحكمة ..

كنت أنسج من طريق العودة

حقولا من وبر الثريا  ..

أقبض بها يد المجد والسعادة

ثم أنشبها عمارة ضاجة بالورد وحبق المحبة ..

أنا سليلة الشعر

عندما يحمدني الليل ،

أسجن روحي في بارقة الصمت

وأمدد الحروف كي تشيح عن الفرادة

وتصير قمرا بين أغصان الذكرى ..

يا سابحة النور في ظلماء الصدى

كوني سماء لصيرورتي

نجما يعبر دمي

إلى جنان العمر ..

وشما في روح المدى ..

أملا في صارخة يوح مهيبة .. 

***

لالة مالكة العلوي