نادية المحمداويبين احتدامِكَ بالغيظِ

ونـفاذُ صبرِي عليـكَ

متسعٌ من الحلمِ الوقورْ

يضيءُ لخطوي

طريقَ عودتي إليكَ 

في محطاتِ الوهمِ الباردةْ.

كانَ وجهُكَ

البضُ في الانتظارْ.

يشتعلُ بياضاً لؤلؤياً شفيفاً

يرتلُ للقادمينَ

ابتهالاتٍ سماويةً دافئةْ.

**

انفعالاتُ الورقِ المحترقِ

بجذوةِ الحروفِ الحكيمةِ

دروبٌ يسكنها الضوءُ دائماً

وتتسعُ رويداً لخطوي الذي يجيء

من آخرِ المطافْ.

تستوعبُ أحلامي التي انتظرتها

بصبر الزاهدين

**

على أديم الورقِ المحترقِ

بجذوةِ الحكمةِ القديمةْ. 

متسعٌ آخرُ يضيءُ

كاشراقةِ البياضِ بوجهِكَ المشتعلْ. 

ويفضي بخطوي على حذرٍ

إلى حدائقِ آسٍ متراميةِ الجنابْ.

يطوي تحتَ غبشِ جناحيهِ

ساعاتهُ الحبلى بما سوفَ يأتي 

ويلغي من قاموسِ حكمتي

اعتباراتها القديمة. 

***

نادية المحمداوي

 

حيدر جاسم المشكورمجرد هاجس تلبّد بين الاحاسيس

سحرتني فيكِ يا دمشقْ

امرأةٌ عصيةٌ على العشقْ

تُحسبُ بالياسمين..

ورقةً وشذىً وعبقْ

في شفتيها ندىً

تبرقُ في كلِّ فن

تفاحيةُ الحبقْ

**

سحرتني امرأةٌ من حمص

جمالها بستاني

وقلبها زيتوني

وعطرها ريحاني

وصدرها من تينٍ

بلونِ كلِّ الأُصُص

تُحاكي أجمل القصصْ

**

سحرتني فتاة من حلبْ

غنجيةُ البسمة والأدبْ

فستقيةُ الطعم..

كنفانيةُ الشكلِ.. ذهبْ

رقيقةُ كنفحةِ الجوري

عذبةُ كالرُّطَبْ

غشاني سحرُها..

ولا سحرُ الملكينِ ببابل

بوابلٍ من حُبْ

يا سحرها.. يا رب.

***

حيدر جاسم المشكور

العراق / البصرة

جميل حسين الساعديبَعُـــــــدتْ مســــــافاتٌ ومرت أعصــــرُ

وهواكِ يزهرُ في الفـــــؤادِ ويكبـــــــــــرُ

 

مِن قبلِ أنْ ألقــــــاكِ كنتِ حبيبتــــــــــي

مــــا كُنتُ أعلمُ غير أنّـــــي أشعـــــــــرُ

 

مـــا قلتُ مِنْ شعــــرٍ ومـــا سطّــــــرتُهُ

هـــوَ للذي أخفــى الزمانُ تذكّـــــــــــــرُ

 

فهوَ القــــــديم المستجــــدُّلأنّـــــــــــــــهُ

مِنْ قبلُ في لوحِ الخفــــــاءِ مُسطّــــــــرُ

 

هــوَ شوقُ روحٍ، موجـة ٌ تطوي المدى

تأتـــــي كموجـــات الضيــــاءِ وتعبــــرُ

 

قال النديمُ: سكرتَ مِنْ خمرِ الهــــــوى

وأنــــا هنـا فـي حـــانةٍ لا أسكـــــــــــرُ

 

فأجبتــــهُ: لا لستُ وحــــــدي إنّمــــــا

الكــلُّ حـــــولي مُنتـــــشٍ يتبختـــــــــرُ

 

اطلــبْ شراب الحبِّ وارشفْ رشفــــةً

تجــــدِ الوجــــودَ خلافَ مــــا تتصـوّرُ

 

وتحسُّ أنّـــكَ غارقٌ فــي نشـــــــــــوة ٍ

يعيـــــا اللســانُ لوصفهـــــا والأسطــرُ

 

سترى بلا عينيــنِ كونـــا ً ساحــــــرا ً

فيهِ جمــالٌ ـ ليسَ يوصفُ ـ مُبهــــــــرُ

 

ولســـوفَ تنســـى يا نديمــي كًلّ مـــا

يؤذي النفــــــوسَ بلحظــــةٍ ويُكــــدّرُ

 

الحبُّ عتــــــقٌ ما لــــهُ مِنْ غـــــايةٍ

تُقصيـــــكَ عمّــا تستلــذّ وتشـــــــعرُ

 

فسفينــــــةُ العشّــــاق لا ترســـو ولا

تبغـــــي موانئَ فهْــيَ دومـــا تُبحــرُ

 

ربّانـــــها هجــرَ الامــاني عندمـــــا

وجـــدَ الامــاني غيمــة ً لا تُمطــــرُ

***

يا مَـنْ برغمِ البُعْـــــدِ أبصرها معي

والحبُّ يختصرُ الدروبَ فتقصـــــرُ

 

إنّي عرفتُ وذاكَ مِنْ سرِّالهــــــوى

أنّ الحبيــبَ بطبعــــــهِ يتنكّـــــــــرُ

 

يـــا مَنْ برغمِ الموتِ عادت حيّــــةً

في صــورةٍ تُذكــي المشاعرَ تسحرُ

 

فإذا تلوّثَ كــــــلُّ شـــئٍ إننـــــــــا

دومــــا ً بمحــــرابِ الهوى نتطهّـرُ

 

تتغيّـــرُ الاشيــاءُ لكـــن حبّنــــــــا

باقٍ كمـــــاقدْ كانَ لايتغيّــــــــــــرُ

 

في البيــــدِ كانَ صداهُ امسِ مُدويّا ً

واليوم ردّدهُ الفضـــــا والأبحـــــرُ

***

يا مالئ الأكوابِ خمراً خمرتـــــي

ليستْ هنا هي في السمــاءِ تُحضّرُ

 

لا بابــــــــلٌ عرفتْ لها شبهاً ولا

روما ولا هـــيَ في بلادٍ تُعصـــرُ

 

جلّتْ عن الوصف الدقيق فما لهـا

وصفٌ وإنْ وِصفتْ فليستْ تُحصرُ

 

هيَ خمرةُ الحبِّ الكبيـرِ برشفِــها

يتكشّـــفُ السحــرُ الخفيّ المُبهــرُ

 

الحبّ مملكــــة الذينَ تطهّـــــــروا

ستعيشُ خالدةً ويرحـــــلُ قيصـــرُ

 

شاخ الزمـــانُ وكنتُ أعرفُ أنني

سأظلُّ طفلاً لا يشيـــخُ ويكبــــــرُ

 

جميل حسين الساعـــــدي

...................

كتبت القصيدة  في برلين بتاريخ الثالث عشر من تموز للعام 2019

 

 

سميرة بنصرهناك التقينا.. وهنا لم نلتق.. هناك كانت الامنيات تعبث بيدي.. تسرح على معلقات الجدار.. تشطب وجوها جف عنها

الطين

شققتها براثن الغبار

// هناك كنا ..

نسكب الالوان نزفا

 أخضر ... .....

**

لا لم تكن يدي.. بل كانت الامنيات تعبث بي

كان الخيال جبارا عنيدا يقتحم ما أضمره المتوقَّع

يسطو على يدي

يجرها على المسافات، على المساحات.. تسري وتسري

بجنون الريح.. بذهول الصمت

// أيا قلم.. تجري ثم تجري.. تحـت الطوفان.. فوق غليان الماء..

أيا قلما

 يأتي على كل الصور والمفردات ..

يشجها نصفين يلمع الايمن ويمحو الايسر بارتكاس الرماد حول تدرجاته الضــــوئية .. لتغوص بضلعي الايسر ..

 أيا قلم بوحك الزجاجي يخدشني .. يعتصرني ..

أيا قلبُ احفظ تعاويذك بعيدا عن ظهرك فلا تغتصب منك

يالإشفاقي عليك

يالإشفاقي على يدي

أخرجها بيضاء من دون سوء

مسلمة لا شية فيها

بيضاء قبل الخطيئة

قبل تعرّق الخطوط والجذوع

قبل اشتباكها وتنافرها

قبل انشقاق الحزن عن الفرح

هناك التقينا ///

خارج حدود المسافات خارج الريح والهذيان

في خفقة فراغ بين مضغتيْ وقت

/// هنا لم نلتق

هنا لن نلتقي

 اسماؤنا تتأرجح على حبل غسيل

دونه الريح والعويل

قف تناثرت الاسماء

لا اسم لي

لا اسم لك

**

الحبل يؤرجحه الجنون

يكاد يسقط في الامس

الامس في غياهب الوقت والتراب

يضمر سكونا مهيبا

للراسخين في الموت

للذين تربو بهم الارض

خميرة الطين

ينبتون نسل النيات  لتأبين المدى بعد انحسار الانفاس

// هناك انجذبنا وانجرفنا وتعرت من خطانا الارض

**

هناك أخرج من جرحي بكامل قواي

وافتح بابا على لوحة على جدار علا مخيلتي

داخل اللوحة أفياء ومفازات وقصور

قيس وليلى،، طوفان عشق وحبور

هناك التقينا ونلتقي الى اكتمال وحدتي

***

سميرة بنصر

 

إباء اسماعيلغائبةً كانتْ بلقيسُ

أمِ الغائب أنتْ ؟!!

أخذتْ منكَ البحرَ

وزرقةَ عينيكَ

ودقاتِ القلبِ المشحونةَ بالبرقْ ...

أخذتْ شهقةَ روحِكَ ،

رعشةَ أزهارِ الجسدِ الغافي

في حلُمٍ يسرقهُ كابوسُ الشَّرقْ !...

أخذت خاتمكَ الملكيَّ،

كنوزَ سليمانَ

وتاجَكَ

والمملكةَ الخضراءْ...

غائبةً كانتْ

أمْ كنتَ الغائبَ

لا فرقْ !...

**

يا الهدهدُ إنْسُجْ أسرارَ الحكمةِ

في عرْشِ امرأةٍ

علِّمْها باسم اللهِ

وباسمِ الحُبِّ

وباسم الشِّعرِ

بأنّ سليمانَ يُرتِّبُ أضواءَ قصائدهِ

 الورديَّةَ،

نجماً

نجْماً

كي تنجُمَ بلقيسُ كوهْجِ الشمسِ

تُفَتِّحُ أزهارَ محبَّتِها الأولى

فوق جبين العاشِقِ والتائهِ

في جنَّتِها الفيحاءْ !...

غائبةً كانتْ بلقيسُ

أمِ الغائبُ أنتْ ؟!!

أخذتْ كلماتِكَ

كالشالِ تغطّيها

صيفاً وشتاءْ..

أخذتْ لثغةَ صوتِكَ

تهطلُ في دمها،

مطراً

شِعراً

وهديلَ نداءْ !..

أخذتْ كل طقوس غوايتها

وعطورَ براءتها الأولى،

وجَعَ الغربةِ ،

حينَ تصيرُ الدّاءْ ...

كالجمرةِ تقطفُ وهْجَ  أنوثتها

وتعانقُ أشجارَ غيابِكَ

في الأمْداءْ ...

تركتْ معطَفَها الشتويَّ

المسْكونَ

 بقبلتكَ الأولى

كي تصحو في روحكَ

عصفورةَ شوقٍ

حمراءْ !..

***

شِعر: إباء اسماعيل

 

فتحي مهذبالذئب الذي يسقط من القمر

وفي خطمه منديل أحمر..

القمر الذي يغني منذ آلاف السنين

هائما في المدن والبراري

مثل مقاتل شركسي..

الغابة التي استودعتني مفاتيحها مثل ابن بار.

الذين فروا من مرآة الأميرة.

الذين كسروا بلور الجوزاء.

وناموا عراة على سرير الهاوية..

الذين استيقظوا حين ناموا

لم يجدوا أزهار البرقوق.

لم يجدوا الفهارس ونثر الحدائق.

لم يجدوا حجر الساحر .

وبريد الهدهد الليلي..

حقا لن ييأس الشلال أمام سور المحكمة..

عجل أيها القاضي بمحاكمة

آكلي غزلان الضوء..

صانعي توابيت الملائكة..

الذين يجلجلون في الهضبة المعتمة..

سأحرر جميع الأسرى من مخالب البارجة..

لن أثق في صلاة القباطنة .

في مشية الغراب المريبة

على زجاج الريح..

لن أثق في ميزان الحواس..

سأقلب الطاولة والكرسي لتهدئة مراكب العميان..

سيتبعني زنوج كثر لايقاظ المنارة.

لجبر عظام الشجرة الأسيرة..

لدحض فصاحة الفهد في الأرياف.

سأقاتل من أجل خبز مصابيح النهار..

أحب الغرقى لأني واحد منهم

ابتلع خاتمي حوت أزرق.

والموجة الزرقاء لم تشف من الجنون..

لم تسلم سلالتي من عضة الثور الأسود..

حملوا جرار الخمر الى التنين.

والقناطير من الضوء الى فخامة القس.

بشفاه غليظة يلعقون حليب المحظيات..

لن نيأس يا زهرة الحقول الجريحة.

سنخاتل قدرية الأشياء.

سكرة الأمير في البستان .

لنستفرد بالتاج والسنبلة..

***

فتحي مهذب

 

صالح الطائي (نثر مكثف)

أيها الواقفون في طوابير الانتظار المر

على حدود ضياع العمر

ليلكم تيه تسرح فيه الجنيات

وصباحكم ثغرة تطل على سواتر الفرح

تبعث في نفوسكم نشوة دفء الفصول الذبيحة

حيث دفء الخريف يلاعب العواطف الهائمة

لنفوس قرفصها البرد

في حقول ألغام الاشتياق

والبحث في دفاتر الزمن الغائر

عن شهوة إلى حضن تفوح منه رائحة أم

فقدت وليدها منذ عصر السبايا

ولا زالت تبحث عن وطن في منافي الدنيا البعيدة

ليت يوم عيد واحد يمر في حياتها

لتستنشق نفحة من أمل

أمل لقاء الأحبة

لكن على شواطئ الحنين

لا في ظلمات المقابر المكفهرة

فالحياة لا تبدأ في المقبرة

بل تنتهي بها غالبا وليس على الدوام

وألا فكثير من الذين فقدناهم في معارك التوحش

توسدوا الأرض وأغمضوا جراحهم

ولم نعثر لهم على قبر

فقط رائحتهم التي عهدناها منذ طفولتهم

رائحتهم العالقة في قوبنا

أشارت بإصبع الاتهام

إلى الأرض الندية

تخبرنا عن حدود مقبرة جماعية

كل المدفونين فيها لا زالوا يتنفسون

ويحملون في قلوبهم حقداً على الجلاد

فالموتى مثلنا يحلمون أحيانا بشيء من الجمال

***

الدكتور صالح الطائي

 

فاطمة الزبيديحينَ اختمارِ الأسى، والليلُ يهدهدُ الصمت

أبحرتُ في لُججِ الطارئات 

وريقاتي ، تندبُ حظَ الشجرة

دفاتري ، تتأوهُ كمحمومٍ ....

تعاني انجمادَ أطرافِ التقليب

*

لاشيءَ يحتفي بي  ...

كان ظِلي إلاهاً شغلَتْهُ الرعية

إلّاهُ ... تائهةٌ في قَفرِ أيامي

*

مَنْ يؤرخُني؟ وأنا نبعٌ تعتعتُهُ الكلمات!!

هواجسي تجادلُني، وأنا في صومعةِ أفكاري  ...

أُحصي الصعقةَ تلوَ الصعقة 

*

لمْ أكن في عزلة ...

فأنتَ لي النشوةُ الحالمة 

عطرُ أصابعِكَ  يملأُ قارورةَ الفصول

*

أنتسبُ إليكَ أيها الغريب  ...

أنا وإياك من قبيلةِ الضاد

كلانا حاضرٌ في هيبةِ الأبجدية  ...

وهي تبسملُ بحمدلةِ نبي

***

فاطمة الزبيدي

 

انمار رحمة اللهسطعت إشارةُ المرور الخضراء، مانحةً الرخصة لمسير رتل من السيارات كان ينتظر دوره للعبور في إحدى تقاطعات المدينة. كانت سيارة أجرة من ضمنهن، صاحبها نظر إلى الزبون الجالس خلفه بمرآة السيارة المتدلية. كان الزبون يرتدي بذلة ويمرر كفه بين الحين والحين على ربطة العنق السوداء، واضعاً حقيبته على فخذيه.  حين لمح الزبونُ عينيّ السائق وهما تنظران إليه مباشرة، ركزَ فيهما لثوان. وحين أراد سائق سيارة الأجرة الكلام سبقه الراكب قائلاً:

- هل هناك شيء عزيزي؟.

تأوه السائقُ وأجاب: لا لا.. أنا أعتذر.. لقد كنت سارحاً فوق إرادتي.

حوّل الزبون نظره صوب النافذة، منشغلاً بمعالم المدينة التي تمرق صورها وشيكة. في الوقت ذاته تكلم السائق:

- مدينة قاسية.. لا يسلم من حيفها أحد.. لقد مكثت في المستشفى مدة طويلة، لست أنا المريض، بل ولدي البكر والوحيد.. لقد توفي قبل أيام.

ظل الزبون يطالع الجانب الأيمن من وجه السائق وهو يتحدث، ثم تمتم  (رحمه الله) وسكت. شكر السائقُ الزبون ثم أكمل الحديث قائلاً:

 - كان يساعدني.. عيناي جفتا من شدة البكاء عليه.. على أية حال هذا هو حال الدنيا.

الزبون كان غارساً عينيه في هاتفه النقال ويتمتم (ايه ايه .. نعم.. لا بأس انزلني عند نهاية الشارع). توقف سائق الأجرة حين طلب منه الزبون ذلك. ظل يراقب الشارع يبحث عن أجرة أخرى. وفي الأثناء ماجت صورة ابنه البكر في مخيلته واستقرت، فرك وجهه ونفخ في كفيه كي لا تتسلل الكآبة إلى قلبه. لوّح للسائق شابٌ وفتاة، ركبا في المقعد الخلفي وراح الشاب يستشير الفتاة:

- ما رأيك بالأثاث.. سيكون منزلنا جميلاً

تجيب الفتاة: (بلا شك..) ثم يبتسمان، كان سائق التاكسي يسرق النظرات عبر مرآته، ثم لم يصبر كثيراً  ودلق سؤاله عند الزبونين (هل أنتما على وشك الزواج؟). أجاب الشاب مبتسماً (نعم) ثم ضحكا وشاطرهما السائق البهجة ثم قال:

- أنصحكما أن تنجبا الكثير من الأطفال، طفل واحد لا ينفع، خسارته ستكون فادحة، بينما إذا كان لديكما طفلان أو ثلاثة، فإذا خسرتما طفلاً - لا سامح الله- ستريان قرة عين في الآخرين.. أنا مثلا.. ابني البكر والوحيد مات قبل أيام.. وكنتُ...

همست الفتاة في إذن خطيبها بصوت خفيض، انتبه سائق السيارة إليهما وابتسم. انتظر السائق كلا الخطيبين حتى ينهيا حديثهما، لكي يكمل حديثه هو أيضاً حول ابنه، لكنهما اقترحا في ما بينهما النزولَ، وبالفعل طلبا منه ركن السيارة عند ناصية الشارع.. لوّحت سيدةٌ معها جوقة أطفال لسائق التاكسي، فتوقف عندها وركبت.. سارت السيارة وكانت تعجُّ بأصوات الأطفال، والمرأة منشغلة بالحديث عبر هاتفها النقال، استمع السائق إلى حديثها الذي وشى بمشكلة ما بينها وبين الطرف الذي تكلمه، ولما أغلقت هاتفها تأففت وزعقت على الأطفال وأمرتهم بالهدوء. باغتها السائق متسائلاً : هؤلاء أطفالك؟. فأجابت: للأسف نعم. حدق السائق في وجهها التي وجهته شطر النافذة، وسألها مرة أخرى: لماذا للأسف..؟ إن الأطفال نعمة سيدتي. تأففت المرأة مرة أخرى وردت عليه: أنت تعرف شيئاً وأنا أعرف شيئاً..  لقد جزعت .. تربية هؤلاء تحتاج إلى عشيرة من النساء لا امرأة واحدة.. ضحك السائق ورد قائلاً: أنا ابني كان أكثر شيطنة منهم،  فقدته قبل أيام.. لقد تمرض ولم أستطع معالجته لأن علاجه كان يتطلب مالاً كثيراً. وحين انزلته في قبره شعرت أنني أنزلت العالم كله معه. احمدي الله سيدتي على نعمة الصحة، فأطفالك - الله يستر عليهم - حلوين وسليمين. حدجته المرأة بنظرة ثم أدارت وجهها صوب النافذة وظلت تراقب الشارع وواجهات المحلات والأسواق وصمتت، بينما ظل سائق الأجرة يتحدث لوحده.

 لم يتأخر سائق الأجرة كثيراً في العثور على زبون جديد، لقد كان الزبون واقفاً على الرصيف بملابس رثة، ولحية بيضاء وشعر كثيف، حتى ظن السائق للمرة الأولى أنه متسول، لولا مخاطبة الرجل للسائق: سيدي أريد الوصول إلى مكان...، فأومأ له سائق سيارة الأجرة بالصعود، ركب الزبون في المقعد الخلفي وظل صامتاً لمدة ثم قال : ايه هل مات أيضاً؟. نبض قلب السائق وقال: من..؟ من الذي مات؟. صمت الزبون ثوان ورد : ابنك البكر.. داس سائق السيارة على المكابح ثم أدار وجهه صوب الرجل، توقع أنه صديق أو قريب منه يدري بحادثة مرض ابنه ووفاته، ولكنه بعد أن أطال التحديق بالرجل تيقن أنه غريب. واندلقت الكلمات من لسانه قائلاً: كيف عرفت أن ابني مات؟ من انت؟. حاول الزبون تهدئة السائق وأشار إليه بمواصلة القيادة كيلا يتأخر عن موعد تال. فصدع السائق لأمر الراكب وواصل السياقة ولكنه لم يكف عن السؤال: قل لي كيف عرفت بالحادثة ومن أنت؟!!. ابتسم الراكب وتمتم بصوت مبحوح لشيخ طاعن في السن: أنا أيضاً ولدي مات، ولكنه مات قبل أكثر من مئة عام. ضحك السائق ورد عليه: قبل مئة عام توفي ومازلت على قيد الحياة؟!. هذا غير معقول، ثم أنك لم تجبني كيف عرفت بخبر موت ولدي؟.. ضحك الراكب وهتف: أنا " إيونا"... الحوذي..

***

- هل سمعت أو قرأت لـ (تشيخوف) ؟

ضحك صاحب التاكسي ورد قائلاً مع بقايا ضحكة خفيفة عالقة في جملته:

- لا والله مع الأسف.. هل يقرب لك أم ماذا ؟

تنهد إيونا قائلاً:

- تشيخوف هذا من أوجدني، منذ أكثر من مئة عام وأنا عالق في هذا العالم، أندب حظي وحظ ابني الذي مات من المرض من دون أن أستطيع مساعدته.

توقف سائق التاكسي والتفت إلى إيونا وكان صوته حازماً:

- أنا منذ البداية توقعت أنك مجنون.. وإلا لماذا هذه اللحية والسحنة المغبرة والملابس الرثة؟

- كل هذا بسبب فقدي لولدي

- ماذا تقول؟ أنت تتكلم بعبارات لا أفهمها ، ولدك الذي مات وتشيخوف، واسمك إيونا.. بالله عليك هل يوجد شخص في الأنحاء هذه يطلقون عليه اسماً مثل هذا الاسم؟!.

ضحك إيونا ورد على سائق التاكسي بعد أن أسند رأسه على تكية الكرسي:

- أنا لست من هذه الأنحاء، بل من بلد بعيد، كتب عني قصة رجل طبيب ترك مهنة الطب وصار قاصاً يُدعى تشيخوف، ومنذ ذلك الحين وإلى الآن أنا روح هائمة وشبح يزور كل والد منكوب بفقد ولده، أواسيك إن رغبت يا أخي؟. هل لديك زوجة تسكن معها؟.

تنهد سائق التاكسي وقال بحزم :

- لا.. زوجتي توفيت أيضاً وتركت لي ولدي، والآن انا أعيش بمفردي بعد رحيله.. ثم أنني لا أريد مواساتك ولا أريد سماع المزيد عنك.. ترجل عن سياراتي مصحوباً بالسلامة وحتى الأجرة لن أطالبك بها.

- لكنني مخلوق من أجلك.. أنا هنا ملاكك الذي سيستمع إلى شكواك حول فقدك لأبنك

أصر سائق التاكسي على موقفه قائلاً:

- أنت أيها المجنون الهائم في الشوارع تواسيني بفقد ولدي؟.

- نعم .. على الأقل سأستمع لك.. أنا مثلاً حين جبتُ بعربتي وحصاني مع زبائن متخمين بالخشونة والفضاضة ، شكوت حالي لاحقاً للحصان.. وقد سمعني للنهاية، وما لم يقله تشيخوف في قصته سأقوله أنا.. لقد بكى حصاني على حالي.. نعم بكى ورفع حافره ووضعه على كتفي مواسياً. ولكنك إيها المسكين من سيستمع إلى شكواك الآن غيري؟.  ليس لديك حصان وفيّ كحصاني يارجل. لا تملك سوى هذه الماكنة المعدنية ذات العجلات والبراغي والصفيح الصلد؟!.

ضحك سائق التاكسي قائلاً:

- هل كنت حوذياً؟. حصان وعربة وما شابه؟!.

- نعم.. مهنتي قديماً شبيهة بمهنتك

ضحك صاحب التاكسي وإيونا يطالعه وهو يضحك حتى أنتهى ثم هتف السائق قائلاً:

- الآن يجب عليك النزول من سيارتي أيها الحوذي، فقد سمعت من الهراء ما يكفي

تمتم إيونا بضيق :

- إنه أمر محزن ومفجع .. سامحك الله ياتشيخوف

- لماذا (قال صاحب التاكسي ضاحكاً)

- لأنني لم أنجح في الشكوى ولم أنجح أيضاً في الاستماع لمن يشكو .. إنها لعنة .. لعنة كبيرة أن تعيش في مثل هذه العالم.. البقاء على قيد الحياة مع بشر قساة أو يمثلون القسوة فهو محنة..

 في تلك اللحظة ودع إيونا السائقَ، ثم أنزل شباك السيارة وتحول إلى بخار تسرب من فتحة النافذة، أمام استغراب ودهشة السائق الذي ظل يفرك عينيه ويطالع المنظر. توقف طويلاً صاحب السيارة، وقرر العودة إلى المنزل متمتماً (إنه وهم.. العمل والتعب صارا يؤثران على عيني وبدأ يتهيأ لي.. لعل فقدي لولدي هو السبب.. نعم بلا شك.. إنها كما يقال صدمة .. أنا مصدوم وبحاجة إلى راحة). حين عاد السائق إلى منزله، لم يفارق شكل وصوت إيونا ذهنه ثانية واحدة. مباشرة ذهب إلى النت، أخرج هاتفه النقال وكتب في محرك البحث كلمات (تشيخوف - إيونا - الحوذي)، وفوراً ظهرت له قصة قصيرة تحت عنوان " الشقاء". قرأها، ولما أنهى السائق القصة، شعر بنوع من الكآبة وضيق في الصدر. نهض.. فتح باب المنزل الصغير خارجاً نحو الشارع حيث ركن سيارته، وقف عندها ثم وضع يده على مقدمتها(البنيد).. كانت السيارة قابعة وبدنها المعدني جامداً من البرد في تلك الليلة.

 

كريم مرزة الاسديإثر هديّة من أحد الأخوة - يقيمُ في لندن نظمتُ

هذه القصيدة الوجدانية الإنسانية  من (الوافر).

***

آلا في لندن ٍأودعتُ نفسًا***مهذ ّبـة ً  وروحًــا  أريحيّة

تـجودُ عليَّ منْ ودٍّ ولطفٍ  **بنفح ِ الطيبِ مكرمة ً سنيّة

ولكنْ أينَ قربك منّي  لفظًا**وأينَ الوجهُ والخلقُ السجيّة

تعالَ تعالَ مِنْ بُعدٍ  ترانـــي***بطفلين ٍ أحيرُ  وبالصبيّة

نعدُّ  الدّهــرَ  أيّامًا  لوجدٍ ***ونصبو للقا، صـاح ِ:الفريّة

لعلَّ  ترقّـّبَ الآمال ِ يُجدي*** تطلُّ سنىً بطلعتكَ  البهيّة

أو الأحلامَ تفرجها  الليالي**نلوذُ بـ (أحمدٍ) حامي الحميّة

**

وكمْ منْ مرّة ٍ ضيّعت ُ نفسي**فأبحثُ  بالاصول ِ وبالهويّة

ولي منْ دوحةِ الشرفِ المعلـّى**عروقٌ  جذ ْرُها  أسرٌ أبيّة

لينتفضَ اللسانُ  عليَّ  نطقًا***كفــاكَ الفخرُ  رُوحكَ يعربيّة

وإنّكَ  تكتسي  لحمًا  لعظم ٍ ***وكلُّ الناس ِ في الدنيا سويّة

فكنْ كالأرض ِتحملُ كلَّ طود ٍ*وما جزعتْ، وإنْ وطئتْ عليّة

وكنْ  كالماءِ  مبذولًا سخيًّا *** ليروي  حياتَهمْ حتـّى  الخليّة

وكنْ كالنورِ يجلي كلَّ ظـُلم ٍ***وإنْ  يسحــــقْ بأقدام ِ  البريّة

وكنْ  كالغيم  ِذا  وجهٍ  كئيبٍ *** لتبتهجَ الرّبـى  منهُ  مضيّة

وكنْ مثلَ الهوا لصقًا عليهمْ **** وإنًّ غيــابَهُ   ذوقُ   المنيّة

هـي النفحاتُ إنْ حُثـّتْ لشعر ٍ**يوازي الدّهرَ ما أحلى الهديّة !

لقــــدْ  أنزفتـُه  فكرًا  عليمًا *****ليفصحَ عنْ  معانيهِ  الجليّة

***

كريم مرزة الأسدي

دمشق 1995م

 

 

باسم الحسناويبصَراحةٍ كانت بغيْرِ وفاءِ

                       أقبلتُ لكنْ لم تجئْ للقائي

في المرَّةِ الأولى التي قابلْتُها

                          فيها هناكَ بليْلَةٍ ظَلْماءِ

قد كانَ شعَّ الضَّوءُ من ضحكاتِها

                  فرحاً بتقبيلي وصوتِ غنائي

ما كنتُ أشعرُ أنَّني في حاجةٍ

                     للعيشِ معتزلاً عن الأشياءِ

إذ كلُّ شَيءٍ في الحقيقةِ ظلُّها

                    والظلُّ مشتقٌّ من الأضواءِ

فإذا رأيتُ الشيءَ أعرفُ أنَّه

                      داءٌ مميتٌ قلتُ فيهِ دوائي

ومن الغرابةِ أن تصحَّ جوارحي

                    بتناولِ السمِّ الزعافِ إزائي

من بعدِ تلكَ المرَّةِ الأولى بدت

                       وكأنَّها حلْفٌ مع الأعداءِ

بل صرتُ أذكرُهم بخيرٍ كلَّما

                      قارنتُ بينَهما بغيرِ غطاءِ

هم يرحمونَ عزيزَ قومٍ ذلَّ لو

                  ألقى سلاحَ الحَرْبِ والهَيْجاءِ

لكنَّها وأنا الصَّريعُ على الثَّرى

                  تَطَأُ الخيولُ بأمرِها أعضائي

بالرُّغْمِ من هذا أنا مُسْتَبْشِرٌ

                     بكرامةٍ منها وحُسْنِ عَزاءِ

بل كلَّما أبصرتُ حولي لم أجد

                        إلا سماءً تنتخي بسمائي

أنا ظامئاً فعلاً قضيتُ النحبَ لكنْ

                       كلُّ ماءٍ في الحقيقةِ مائي

وقضيتُ أيضاً جائعاً لكنَّما

                   يحيا الوجودُ بحنطةِ الشهداءِ

بل إنَّ ما رئةُ الحياةِ تنفَّست

                     من أوَّلِ الدنيا زفيرُ هوائي

أنا جئتُ للدنيا بعكسِ مسيرِها

                    فجميعُ ما فيها يسيرُ ورائي

وتحمَّلَتْ نفسي البلاءَ مضاعفاً

                         علماً بأنِّي مولعٌ ببلائي

إنِّي نظرتُ ضريحَ قبري في الذُّرى

                      متعجِّباً من قبَّتي الصَّفْراءِ

أنى تكونُ الأرضُ موضعَها الذي

                هوَ ليسَ يهدأ من نزيفِ دمائي

قبري عليهِ يجلسُ اللهُ العظيمُ

                      بوصفِهِ عرشاً من اللألاءِ

لا عارفٌ إلا ذؤابة رأسِهِ

                   موصولةً بكواكبي وضيائي

يوم القيامةِ يقبلُ الجمعُ المضيءُ

                       بكلِّ فخْرٍ كونُهم عُرَفائي

الكلُّ ذابوا في بهائي لا ترى

                        إلا جلالي وحدَهُ وبَهائي

هم وحدَهم عالونَ في عليائِهم

                     واندكَّتِ الأرْجاءُ بالأرْجاءِ

أرضاً ترى الجوزاءَ تمشي فوقَها

                     لتعيشَ ذلَّ كيانِها جوزائي

وتلاشتِ الأسْماءُ فهيَ بخارُ ماءٍ

                       ليس إلا في مدى أسمائي

أنا طيِّبٌ جداً وتعظمُ رأفتي

                  حدَّ البكاءِ على ذوي الشَّحْناءِ

لا سيَّما إن كانَ موضوعُ الأسى

                  عندي البكاءَ لأجلِ ثكْلِ نساءِ

فإذا علمتَ بأنَّ كلَّ مدينةٍ

                هيَ زوجتي قدَّستَ دمعَ بكائي

***

د. باسم الحسناوي

 

فالح الحجيةساعاتُ هذا الكَــون ِ تُـثْـْقِـــلُ مُهْجَتي

وَتَزيـدُ في أ لَــــم ِ الـفُــــؤادِ فَيَـرْضَخٌ

.

وَغَـرَسْتُ في زَهْرِ المَـوَدّةِ عِطرَهـــــا

فإذا الـــــوُرودُ بِعُطـــــرِها تَتَضَمَّــــخُ

.

جَفّـَـتْ عُروقُ الرّوحِ أَعْصِرُهـا دَ مـــاً

شَــــوقاً على الوَطَـنِ الحَبيـبِ وَأُشْمُخُ

.

وَسَعَيتُ في كُـلّ المَحـــافِـلِ مُنْشِــــــدا

أنَّ الأ مــا ني فِيَ النّفـــــوسِ سَتَرْسَخُ

.

ليْتَ الحَيـــــاةَ هَناؤهـــــا في مَــوطِني

حَتّى أقُــــــرَّ بِسَــعادَتـي أو أ فْـــــرُ خ ُ

.

حَتّى إذا قَـرُبِ الرَّجـــــاءُ تَلـهُّـفــــــــاً

ما عُـدْتُ أدْري. فالحَقيقَـــة تَصْـــــرُخُ

.

نَحْنُ الّذينَ نُحِـــبُّ فيـــنــا أ نْفُســـــــاً

سَـــكَنَتْ قُـلوبــــاً بالمَــــــوَدّ ةِ تَـرْزَخُ

.

نَحْيا لِأجـلِكَ مَوطِــــــني حَتّى الثَّــرى

نُفْـــديكَ أ نْفُسَــنــــــا . وذاك البَرْزَخُ

.

مِنْ طيـبِ تُـرْبِـكَ كَالعَبيــرِ أَ ريجُـــــهُ

بَيْنَ الرّوابي وَالضِــفــــافِ لَتشْـــدَ خُ

.

شَـمُخَتْ نُفوسٌ في المَعالي عَيْنُهــــــا

تَرْنو إلى الماضي العَتيــد وَتَشْـــــمَخُ

.

مَهْلاً : إبــاءَ النّفْسِ من حَـــلَكِ الدّجى

فَسَـناءُ شَــمْسِــكَ لِلحَيـــــا ةِ يـُـــؤرِّخُ

.

نَـزَغُ الطُفـــولَـةِ وَالصَبابَــةِ في الأ ُلى

كَالنــــور ما عِنْـدَ الظّـلامَـــةِ يَنْسَـــــخُ

.

وَسَألتُ رَبَّ الخَلْـــقِ يَهْدي أ نْفُســـــــاً

وَإلى السَـــعادَةِ والهَنـــاءَةِ تَشْــــــــرَخُ

.

تَحْيـا حَيــاةَ الخَيْـــــــرِ تزّهْــو بالمُــنى

زَهْوَ النّفـوسِ الشّـــــــامِخاتِ وَتَـبْـذَ خُ

***

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلــــــدروز

 

سعد جاسمأَنا الوحيدُ

الذي رُبَّما لا يموت

هكذا أتوهَّمُ

أو أوهِمُ

لأَنَّ اللهَ صديقي

**

يا أيُّها المُطلقْ

أفتحْ ليَ المُغْلقْ

لأَعرفَ المجهولْ

والقاتلَ المقتولْ

في زمني الأحمقْ

**

يا المُطلقْ

لاتخْذلني

لاتخذلْ طفلَكَ الأرضيَّ :

"جلجامشُ أَوهمَ نفسَهُ

أَوهمَنا

وضاعَ الجوهرُ

في قلب ِ الأَفعى"

**

يا المُطلقْ

هَلْ فكَّرتَ بشعبي وطريقي

حتى تبقى صديقي؟

***

سعد جاسم

 

جمال مصطفى

كَـمُـوصَـدةٍ عـلـى  سـيـنٍ  وراءِ

ولا   تَـنْـفـكُّ   أبـوابُ  الـسـمـاءِ

 

إذنْ  لا بُــدَّ مِـن شَـغَــفٍ ــ بُـراقٍ

يُـتَـرجِـمُهـا كـشـوقٍ  مـا ورائـي

 

بأجـنـحِةٍ تُـصفّـقُ وهْـي  تَـعـلـو

وبـالـتَـحـلـيـقِ  حَــدَّ  الإنـتـشـاءِ

 

بـمعـنىً مُـنْـطَـوٍ في طَـيِّ معـنى

ومَـبـنىً  كـامِـنٍ  فـي اللا بِـنـاءِ

 

مَـن الـشَـبَـحُ الهُـنـاكَ بلا ثـيـابٍ

تَـرَبّـعَ  تـحْـتَ شَـلاّلِ الـضـيـاءِ؟

 

خـيـالٌ  وانـفـعــالٌ   واغـتـسـالٌ

ومِـن ألِــفٍ  بـغـبـطـتِـهِ   لِـيـاءِ

        

ومِـن يـاءٍ  إلـى ألِـفٍ  رُجْـوعـاً

كَـقـوسٍ  فـي  مـقـامِ الإنـطـواءِ

 

سـتَـنْجـمُ عـن مـنـاجِـمِـهِ نجـومٌ

 مُـفَـرْقَـدَةٌ عـلى  فَـلَـكٍ  بَـهـائـي

 

تَـظـنُّ سـفـوحَهـا مَـرقى ذراهـا

 لَـكَـالْـهـيهـات شـرْطُ  الإرتـقـاءِ

        

إذنْ  لا بُـدَّ  مِـن مـيـزابِ غـيْـثٍ

يُـغـيثُ الـمُـستَـغـيثَ بِغـيـرِ مـاءِ

 

بخـمـرةِ حانـةِ الـصاحي نـديـمـاً

مَـعِـيّـةَ  كُـلِّ  إخـوانِ الـصـفــاءِ

 

يُـقَـطّـرُها الـذي كان اصطـفـاهـا

 كـروحٍ  قـد  تَـعـرّتْ  فـي إنــاءِ

 

كـنَـهْـرِ محـبّـةٍ مِـن دونِ شـرطٍ

يَـفـيـضُ عـلى الجـمـيعِ

 بِـلا انـتـقـاءِ

 

كحـقـلِ الـذبـذباتِ وفـيـهِ تَـرْعى

طـوالَ الـوقـتِ قُـطْـعـانُ الـفـنـاءِ

 

سَـبَـحْـتَ وما عـبَـرتَ ولَـنْ ـ ـ

فهـذا

وذلـكَ

   كُـلُّــهُ     داءُ    الـدواءِ

 

كـتَـرويـض الخـيـولِ بلا رِضـاهـا

وحَـبْـسِ الـطـيـرِ مِن أجْـلِ الغـنـاءِ

 

إذنْ  لا بُـدَّ  مِـن  زُهْــدٍ  و وجْــدٍ

وهِـجـرانِ الـصغـائـرِ  واكـتـفـائي

 

بـما يُـبْـقي عـلى الـدرويـشِ حَـيّـاً

ويُـذْكي حَـدْسَ جَـمْـرٍ في الـشـتـاءِ

 

بـقـيـراطـيـنِ مِـن صـبْـرٍ جـمـيـلٍ

ونَـوبـاتِ  اشـتـعــالٍ  وانـطـفــاءِ

 

بِـلا  تَـجـنـيــحِ ثـيــرانِ الـتَـمَـنّـي

ولا تَـسـريـحِ غـيــلانِ  اشـتـهـاءِ

 

لـتَـفـتَـحَـهـا وتَـعـرجَ قـيـلَ شـتّـى

مـفـاتـيــحٌ   لأبــوابِ  الـسـمــاءِ

 

ولـكـنْ لا سـبـيـلَ إلـى  اسـتـراقٍ

ولا  تُـجـدي   أفـانـيـنُ  الـدهــاءِ

 

مـفـاتـيـحٌ   مـعـادنُـهـا  الـنـوايـا

وأنـفَـسُ مَـعْـدنٍ  فـيهـا رِضـائي

عـن الـمـفـتـاح

 

أيْ:

 الـمـفـتـاحُ مِـن تَـنـقـيبِ شـوقـي

وِمـن تَـعـديـنِ بـوتـقـةِ اصـطـفـائي

 

ومِـن صَهْـري ومِـن صَـبّـي

 ونـاري

ومِـن مـيـمي  ومِـن نـونـي

 ويـائي

 

ولَـسـتُ  بـداخـلٍ  لَــوْ أنَّ  بـابـاً

مِـن الأبـواب  يُـفْـتـحُ  بـالـدعـاءِ

 

فـهـذا  تَـدخـلُ  الأفـواجُ    مِـنـهُ

ويـأبـى أنْ  يُــزاحـمَـهـا  إبـائـي

 

ومـا هــذا  بِـبـابٍ   بـل  كَـبـابٍ

وقـلْ إنْ شـئـتَ ذا بـابُ الـعـزاءِ

 

إذنْ  لا بُـدَّ  مِـن  لا بُـدَّ  أخـرى

تُـحِـيـلُ الـلا رجـاءَ  إلـى رجـاءِ

 

فجـدْوى الـطـائـرِ الـنـقّـارِ حَـفْـراً

بِعُـمْـقِ الغـوصِ ما تَحْتَ اللّحـاءِ

 

بـما لا يَـسـتـقـيـمُ بلا اعـوجـاجٍ

ــ كـرمـزِ اللا نِهـايـةِ ــ والْـتِـواءِ

 

بِـرَدٍّ مِـن جـنـاح الـصقْــرِ رَحْـبٍ

عـلى  زنْـزانَـةٍ  مِـن  قُـرْفُـصــاءِ   

 

أتُـوغِـلُ في  كَـذا  وكـذا  لأبـقـى

مُـريـداً يا تَـعَـنُّـتَـهـا الـكَـذائـي ؟

 

إذنْ  لا بـابَ  حـتّى  كُـلُّ (حـتّى)

أمُـرُّ  بِـهــا  ، أُغَـلِّـقُـهـا  ورائـي

 

إذا ازرقَّ الـنـزيـفُ تَـحـارُ عـيـنٌ

بـتـفـريـق الـمـدادِ  مِـن الـدمـاءِ

 

كِـلا الـمائـيـنِ مِـن نَـبْـعٍ طـعـيـنٍ

تَـفَـجّـرَ تحتَ خِـنجـرِهـا الغـنـائي

 

أنـا مـاءُ الـبـنْـفسج  يـا رضـاهـا

وكأسُ مِـزاجِهـا حـتى انـقـضائي

 

كَـمـا نَهـضـتْ كـعـنـقـاءٍ خـمـيـساً

لِـتَــثـأرَ مِـن  رمــادِ  الأربـعــــاءِ

 

رؤايَ الـشـقْـشَـقـيّـةُ مِـن  كَـراهـا

يُـحَـبِّـرُهـا  كـمـا شـاءَ احـتـفـائـي

 

حـروفُ الأبـجـديـة وهْـيَ  تَـتْـرى

مـدائـحُ                   

عـنـدَ                

 سُـلّـمِهـا     

 الـهـجـائي

 

أُسَـرّحُ  ثَـعـلَـبـاً مِن غـيـرِ سـوءٍ

سـوى جَـزّي لَهـا بَـعـضَ الـفـراءِ

 

ومـا  أوزارُهُ   تَــقــبــيــلُ نـهْــدٍ

ومـا  أعْــذارُهُ  مِـن  كَـسْـتَــنـاءِ

 

ومـا  هـذا  و ذاكَ  و تـلـكَ  إلاّ

هـوادِجُ  مِـن غـيـومٍ

 فـي الـفـضـاءِ

 

تُـفـارقُ رُبْـعِـيَ  الـخـالي ورمْـلي

وبـئـري ثُــمَّ  مـا مَـتَـحَـتْ  دِلائـي

 

ويَـنْـفُـقُ ذئـبُـهـا مـوتَ انـقـراضٍ

ولـكـنْ لا يـمـوتُ صـدى الـعُــواءِ

 

إذنْ  حـتّى ( إذنْ ) طَـلِّـقْ  ثَـلاثـاً

فـإنَّ الـبَـرْدَ فـي  كَـشْـفِ الغـطـاءِ

 

وإنَّ  بـكـارةَ الـمَـسْـعـى  لَـعُـرْسٌ

فـلا تَـحـسَـبْـهُ فـي فَـضِّ الـغـشاءِ

 

محـطّـاتٌ هـوَ الـمَـسْعـى وقَـطْــفٌ

وجـمْـعُــكَ  ثَـرَّهـا  قـبْـلَ الـثـراءِ

 

ومـا مِـن  قـفـزةٍ  كُـبـرى ولـكـنْ

فـصـولُ نَـقــاهـةٍ  حـتى الـشـفــاءِ

 

أعَـضّ سَـفَـرْجَـلاً  مـا زالَ  فَـجّـاً

وألـفـظُــهُ  وأخجـلُ مِـن غـبـائـي

 

إذا  حـيّـيْـتُــهُ    رَدَّ   ابـتِـهـاجـاً

ويَـشْـتُـمُـني إذا  لَـمْ ـ ـ  بَـبّـغـائي

 

كما لا يَـعـرفُ الـقـطـبـيـنِ ضَـبٌّ

ولا الـبـطـريـقُ  خـطَّ  الإسـتـواءِ

 

ويَـسـرقُ فَـرْدَةً  يُـسـرى خبـيـثٌ

فـأكْـرِمـهُ بـيُـمْـنى مِـن  حِـذائـي

 

لإنَّ  قـصـيـدتي  مِـن غـيْـر بـابٍ

تُـشَـعْـرِنُ كُـلَّ مَـا تَـحْـتَ الـكِـسـاءِ

 

هـيَ  الـلاشيءُ  لـكـنْ كـلُّ شـيءٍ

هـِيَ  الـعَــدَمُ الـمُـطَـهَّــمُ بامـتِـلاءِ

 

لَـفـيـفـاً  جَـمَّـعـتْ  شـتّـى و حَـتّـى

وآلَـفَـتْ الـفـهـودَ  مَـعَ الـظـبـاءِ :

 

عـلـى لا  بـابِـهـا  شَـحّـاذَ  وحْـيٍ

وقـفـتُ وطـاسـتي فـيهـا خـوائي

 

ولَـم أطـرقْ رجعْـتُ  وكان فـيهـا

كَـفـافـي يـومَ ذاكَ مِـن الـحـسـاءِ

 

هـنـا  فـردوسُ أرضٍ  لا سَـمـاءٍ

هـنـا والآنَ  إذْ  أرضي  سـمـائي

 

أخي ـ الـشامانُ والصوفيُّ ـ فـيهـا

وقَـيّـافـو  حـقـيـقـتِـهـا  اقـربـائي

 

وبـي  لَـعَـمٌ  تَـتـوقُ إلـى فـصـامٍ

  سـأشـطـرهـا إلـى  نَـعَــمٍ  و لاءِ

 

أرى  دعـسوقـةً  بـالـقـرب منّـي

فـأهـمسُ أن تَـعـالـي خـنـفـسائي

 

مَـطـارُكِ إصـبَـعـي   يـا دَعْــسُ

حِـطّي

وطـيـري بَـعـدَ ذلـكَ في الـهـواءِ

 

هـنـا غُـمّـيـضَـةٌ وهـنـاكَ أُخـرى

وبَـيـنـهـمـا  بَـهـاءٌ  مِـن  هَـبـاءِ

 

كَـفَـنُّ الـبَحثِ عـن هَـوَسٍ يُـلَـبّـي

خـيـانـاتٍ  ألَـذَّ    مِـن  الـوفــاءِ

 

كـتـطـعـيمِ الحيـاةِ بِـمـصْـلِ وَهْـمٍ

لِـيُـحْـتَــمَـلَ الـعـنـاءُ  بـلا عـنـاءِ

 

كَـغَــرقـى نـحـنُ في  يَــمٍّ  ولـكـنْ

لَـديـنـا  كُـلُّ   ألــواحِ  الـبـقــاءِ

 

تُـنـاديني الـقـصيـدةُ مثْـلَ أعـمى

فـأتَـبَـعـهـا عـلى  ضـوءِ الـنـداءِ

 

قـرأتُ اللـيـلَ سـبْـعَ مُـعـلّــقــاتٍ

بعـيـنِـكَ  يـا عـمـودَ الـكهْـربـاءِ

 

وكان الـصـيـف ثـالـثـَنـا  وكُـنّـا

حـواريـيـن مِـن بَـعْــدِ الـعـشـاء 

***

جمال مصطـفى

 

 

قصي الشيخ عسكرقصص بسطر واحد

واُخرى بست كلمات

***

- مدينة لا تعرف الا الضحك تفاجأت بصرخة مولود جديد.

A city is known by its laughter, but it was taken aback by screams of a newborn.

- اصبح لا يبالي بالوقت  منذ سُرقت ساعته.

Once his watch has been stolen,  he does not care anymore for timing.

- في مدينة تدعى النعاس تهافت النوم علي عيني ولم تتهافت الأحلام.

In a city called drowsiness,  sleep leaps on my eyes and dreams do not.

- داء غريب فتاك داهم العالم، ستمر سنين والمختصون لن يتفقوا على اسم له.

A weird fatal disease have raided people.  Years will go by and specialists still do not agree on a terminology for it.

- سنين مرت وعائلة المتوفى تنتظر ان تبرد الجثة ليدفنوه.

Years have gone by and the family of the deceased man are waiting for his corpse to cool down in order to bury him.

- قيل للبوم منزلك المقابر فاغمضت عينيها في النهار ونامت، وفتحتهما في الليل ،وطارت تبحث عن معاشها في الحقول.

It is said to an owl that your dwelling is cemeteries; it closed its eyes in the day; slept;

reopened its eyes at night; flew  over looking for livelihoods in the fields.

- اشترى قبرا ثم هاجر لأسباب ما وطال غيابه لعقود والقبر ينتظر.

- للمرة الاولى يسمع أهل قريتنا وهم ينصتون الى BBC ان ساعة بيغبن اصابها عطل، وقتها لم يصدقوا نشرة الأخبار.

- مات جدي بعدما اشترى خروف العيد.

- صفق الصغار طويلا لعراك اندلع بين المعلمين.

- لم يجد المغني جميل الصوت قبيح الشكل من يمول اغنيته.

- أصابت عشماوي منذ تقاعد كابة شديدة.

- يرقب الوزغ من ملجاه الطارئ  اخر رقصة لذيله المقطوع  بانتظار ذيل جديد.

- دق الجرس فألغى المعلم عقابي.

***

قُصي عسكر

 

جابر السودانيإهداء خاص

 للشاعر نادية المحمداوي

***

مطرٌ على الشرفاتِ وجهُكِ

جاءتْ بهِ ريحُ المساءْ.

 من يا ترى يهواكِ مثلي

ويجيءُ يطرقُ بابَكِ الموصودَ

في ليلِ الشتاءْ.

قمرٌ على الشرفاتِ أنتِ

موعودةٌ بهواكِ أعوامي الأخيرةْ.

حلـمٌ يغازلُ صبوتي.

وتصدني عنكِ انثيالاتُ المساءْ.

الدفءُ ملءُ أصابعي

ويداي تسكنُ في يديكِ

فيكِ رائحةُ الجنوبْ.

وشهقةُ القداحِ في ليلِ الحدائقِ

فيكِ حلمٌ مستحيلْ

يا نجمةَ الشرفاتِ ما جدوى

المساءِ بغيرِ حلمٍ مستحيلْ.؟

يا نجمةَ الشرفاتِ

هانَ طموحُنا المزعومُ هوني

في البرقِ يبدو اللونُ

طيفاً قرمزيا يتخطى في العراء

في البرقِ متسعٌ

لنبني حلمنا المزعومَ أنّى ما نشاءْ.

***

جابر السوداني

انعام كمونةالى سبايا القرن الواحد والعشرين في وطني!!

أستَميحُكِ... رانَ وَجهُ

كَفيكِ عصوراً عجافاً..!!

فأستَبَقَكِ شظايا قهرٍ

عيوناً تكَحَلتْ بدمِ

سَفائفِ الشهواتِ

أيـــــــــتها الممهورة

في دهاليزِ المحالِ

سرا وجهرا

اِعتَمرَ أوردة حُلمِكِ

غُبارَ كهُولة

فارتَمَسَ رِداء تُرابِكِ

زيتا وماءً

تثنى ظمأك اليافع

مِجدافَ الدروب

تبوحُهُ رَعشَةُ صَمتِكِ

شفاهاً صاغرةَ الأنين

في غبارِ صيفٍ شاحبٍ

اِستوى على نحرِ مرساكِ

وغيضَ وجه بَحرِكِ

فأغرَقَ حريرُ السندبادِ

رَيعَ ذبول

كلما فارَت روائح الخبز من رمادِ الحقولِ

شدي ظفائر الصبرعلى خصر الوجع..!!

يـااااا ... كرمةَ نسغِ الضياء

أيُدَنِس ضَوعكِ لسعُ ظلالةِ ..!!

أيشربك رَمَق الجفاف

والندا قطاف شفاهك ..!؟

كيف تُطفِئين زجل الأشتياق ؟ُ

وسواحل عشتار

تغــــــــــــرق

بغربانِ القبورِ..!

تَمَزُق سلال عشقك..!!

فَتَنحنّي فساتين الدموووع ..!

خَطوَ آهاتٍ غيومٍ ثقال !!

أستَميحُكِ ...

عروشاً طرَزَت مُقلَتيكِ

تميمةَ ملحٍ..!

اِفتَرَشَتْ كُحلَ السنابل

ريحٌ مدمنةَ الخسران..!!

سَيَمـــــتَدُ نحيبُ النجوم جذورَ موانئ

يروي حليب الظمأ

قوارير حنين

فكُل مساء يتنهدهُ فجرُ شهرزاد !

ينبتُ نبضات فرات !

فلا غمد لسنان طينِكِ

سَيُقَبِلُ صياح الديك خدَّ الصباح

وتَبزُغيــــــــــــــــــــــــــــن

***

إنعام كمونة

 

ابو الخير الناصري

أيُّها الشيخُ الحكيم

 يا مَنْ علَّمْتَنا صَوْلة الغَضَب

أيها الشاكي عَيْشَنا في غُمَّةِ المَتاهَهْ

مَهْلا..

لا تُحاكمْ أحدا

لا تَبْك وَلدا

لا تَحْكِ، بَعْدَ اليَوم، دَمْعَنا مِنْ ظُلْم العِصابَهْ

قد رأيناك:

في عِزّ الشَّيْبِ تُباركُ التَّفاهَهْ!!

***

أبو الخير الناصري

 

عبد الجبار الحمديلا أنخرط ولا أتماشى أبدا بين العامة من الناس.. فالكابوس الذي أعيش اراه اشد قربا من تلك الأفواه التي تمضغ جروح قَرِحة النفاق والدجل والتدين المبرغث، خاصة فيما إذا دلف على مسامعهم أو اعينهم شيئا لم يروه من قبل لذا اراني أقول غير معتقدا:

إذا أردت أن تجاور عليك أن تساير، وإذا أردت أن تساير عليك أن تقامر، فالحياة والناس فيها حظوظ كالنرد لا تحزر أبدا حين تتوافق ظنا معه يأتيك بما تحب من رقم... بت أؤمن أننا قطع من الزهر تمسك بنا العوالم ثم تراهن علينا برهان الموت او الحياة، غالبا ما يكسب الموت، فالحياة أقصر من أن تكون مصير أبدي.. لذا في كثير من الأحيان أجعل من نفسي شجرة طويلة جدا عبثا أحاول تسلقها فهي لا تكاد تتماشى مع رغبتي في أن تكون عارية الوجه.. كون ان حقيقتها مرة أو أنها مظلمة لا تثمر سوى الكوابيس والسوداوية... ذاك ما قالته لي في مرة عندما شرعت أن أقطع بعض أغصان كانت السبب الرئيس في منعي عن التسلق... وجدتها تصرخ أتقطع أوصالي وقد منحتك الخيار في ان تستظل بكل مافي من أغصان و ورق... كيف سمحت ليديك ان تنال مني؟ ألا تخجل وقد طارحتك تحت ظلهما في كثير من المرات!؟ أشعرت بالملل ام أنك تتلذذ بعذابي؟؟ جاريتك في مرات عدة، رغم أني وجدت أنك لست جديرا أن تكون جزء من عالمي المظلم... نعم أنت تبحث عن سوداوية العيش بعد أن تلثمت بعبارات أخرجتك عن الملة كما تقول.. ما عدت تؤمن بوجود خالق مسيطر وقد نمت مخالب المخلوق وصارت كالجذور السامة تنبت فيك دون أن تشعر من خلال اعتقاد، او عرف، او عادة وتقاليد أي بما لا يشعرك بإنسانيتك، فتحب أن تكون مجرد حصاة لرمي شيطان نفسك الذي لا تريد له أن يكون معهم.... الواقع هو من يأخذك بموشحات إسلامية ترهلت، ما عادت تليق بأن تتوائم مع الحداثة... لقد اباح لك الخالق حق الإختيار بأن تكون إنسان أو شيطان وإن كنت في حقيقة الأمر الأثنين معا... فما يحملك ان تكون إنسانا سوى الوصول الى غاية، أما خداع الناس فهو فن لا يتقنه سوى أرباب الشيطان وهم كثر... وبطاقات الدخول الى عالمهم بسيطة جدا كل ما عليك سوى بيع نفسك، تلك التي عادة توحي لك بأن العالم الذي جئت إليه تعيش فيه لمرة واحدة... أما الخراب، الموت، الدمار، الخداع وكل ما تراه هو بفعل نفس الإنسان المتشيطن بعلم وتحت أنظار الخالق او الرب كما يسميه من عبد غيره من البعض... ولعل السؤال الذي نمى وبات مشروعا من وجهة نظرهم لم يسكت الخالق عن تلك المآسي؟ وما الغاية التي يرجوها؟ فإذا كانت العقاب والثواب فتلك مسألة مفروغ منها وقد كانت خُطت جميع الكتب والرسالات المنزلة..  كان بالإمكان أن تكون تداعيات الخطيئة لمرة واحدة فقط... لكن غاية لا يدركها ولا يعلمها سواه جرت أن تكون الى قيام الساعة...  فجعل للنفس أخوة اعداء المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء تماما كما بداية الخلق قابيل وهابيل العداء المتوسم في جينات النفس عندما خلقهما... ولو تعمقت لعلمت أن ليس هناك منا يستطيع أن يحيط علما بأي شيء حتى وإن كان تحت وسادته او في قبضة يده... لذا يلجأ الكثير من تسلق انفسهم كي يروا حقيقتها التي تقبع في القمة، الجميع يبحث نحو السماء وينسى البحث فيما تحت الأرض، فكلنا يرى الاشجار بمحاسنها وسيئاتها ولا يرى انعكاسها في الأرض... البحث يا هذا يجب أن يكون في جذور الأشياء لا في ما تخرجه... كما هي أني أتيح لك ان تتسلقني مع علمي بجهلك وانت تبحث وتساير وتجاور وتتقمص الشخوص وانت لا تؤمن بأنك مجرد نقطة عابرة في قعر سطر خط في اللوح المحفوظ كرقم هامشي.. أعجب لك تناطح السحاب وتأمل أن يغيثك بماء الحياة... تحب السير في طرق وعرة وتأمل ان تصل الى المتعبد منها...

لا أدري كيف أصيغ لك مفهوم الوجود؟ وأنا بداخلك لا أفهم سبب وجودي معك؟ هل هو لك او عليك!!؟ حتى حين تلقى التراب وتدس في حفرة يمخرك الفزع تصبح عاجزا تماما عن الإتيان بمن يقيك حلكة الوحدة التي أنت فيها كما الآن... ترومها سكون وهي كذلك في بعض المرات، لكن إن عزمت أخذها ستكون كأبرة المورفين لا تستطيع سوى الإدمان عليها... تعاشرها خلسة لتنجب لك الهواجس والافكار التي تجعلك تتقمص الشخصيات وتجعل منك مارد او محاربا او طاغوت دكتاتورا او حتى إلها ترفض الواقع التعس، لكنك لا تملك الشجاعة للإعتراف بأنك مخلوق تافه... تمحص بمن حولك كن كمن يدير صالة قمار، هل تراه سوى شخص لا يفرق بين الحق والباطل؟ أي نفس يحمل؟ وأي نفس تسلقها؟ وأي عهد واتفاق كان له مع شيطانها ليصبح عبدا للمال والسلطة والنفوذ؟ كل الذين يديرون دفة زمام الأمور هم شياطن بعلم الخالق وموافقته، لقد عهد إليهم أن يختاروا ليس إلا وهذا بظنهم مع انه العكس لا أختيار لأي مخلوق بما يجري له إنها سيرة حياة خطت عليهم في الغيب وما لهم سوى أن يعيشونها.. لعل من يؤمن بغير ذلك أقصد بأن هناك أرباب متعددة وكل يريد لربه أن يكون حاضرا أمامه يتقرب إليه في كل شيء وإلا هل سألت نفسك.. لم جعل الخالق الواحد تعددية في الأرباب؟ مع علم الجميع في قرارة النفس تلك ان هناك من يحرك ويسير الكون وأنه يمتلك قوة لا لرب دنيوي غيره يمكنه أن يمتلكها.. إننا يا هذا نعيش في انحرافات عقل خبل بعد ان تيقن أنه مجرد نرد على سطع مليء بالأرقام... ولذا قال الخالق إن الحياة لهو ولعب... فمن أراد ان يلعبها فليكن وحتى إن أمتنع فهو لاعب أساس ما أن يقوم بدوره حتى يأتيه من يخلصه من ميثاق الوجود المقترن بتسلق نفس... كفاك هذرا هيا تقمص أي من الشخصيات أدي دورك في مسرح الحياة... بلهو ولعب وتعبد إن شئت ولا اكذبك إن كثرة العبادة توردك عبدا لرب تصنعه بنفسك حين تعتليك موجة الحاجة والفاقة... شئت أم ابيت، لقد بعتم يا بني آدم أنفسكم الى الشيطان برهان في بداية الخلق فلا يحق لكم أن تطالبوا بعكس ذلك... أما السر في ذلك فلا علم لي به وكل الذي اريده منك حين تتسلقني أن لا ترتعد فرائصك هلعا، فالعالم الذي تريد الوصول إليه يقودك الى حيث لا يمكنك الرجوع فخط البداية والنهاية قريبان منك وأنت الذي تتسابق معي من أجل نيل ما لا يمكنك فهمه كما هم تلكم الجماعة الذين يقبعون تحت ظل أشجارهم القابلة للرهان عليها في زمن الرهان الأكبر.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي   

 

ريكان ابراهيمكُنْ... فيكونْ

ماذا يفعلُ بي هذا الرَبُّ العملاقْ

يحفرني حَفْرَ الباذنجانِ بأيدي طبّاخٍ ماهرْ

يصنعُ منّي شاعرْ

حتى إنْ فُهتُ ببعضِ الكلمات

أرسلَ خطّافَ الأرواحِ، وألقاني في سَلّةِ ساحرْ

حتّى ظِلّي صارَ يخافُ من الشمسِ الرعناءْ

فارَقني عند صلاةِ الظُهرِ، وراحَ يفتّشُ عن ظلٍّ في الصحراءْ

كُنْ... فيكونْ

ها إنّي كنتُ على عينِ الله، كما شاءَ القِدّيسْ

لكنَّ جنيناً ممسوخَ الهيئةِ في أحشائي يُدعى إبليسْ

مازالَ يحاولُ أنْ يكسرَ رجْلي أو يشطُبَ فيَّ اسمي

من قائمة الممنوحين السكَنَ الدائمَ في جَنّاتٍ لا يدخُلها المؤمنُ إلّا إنْ ماتَ بداخلهِ شيطانْ

***

لا تسألْ عَنّي

إنّي مثلُ الصفصافِ النابتِ في الصحراءْ

مدَّ النابينِ فلم يَظْفَرْ من جوف الأرض بماءْ

وبكى كي يشربَ من مدمعهِ شيئاً، لكنَّ الدمْعةَ سرقَتْها غيْماتٌ تجتاحُ الأجواءْ

***

يا وطني

لنْ أسقط بعد اليوم شهيداً من أجلِكْ

فلقد صدّقتُكَ مَرّةْ

وكذبتْ عليَّ، وصَدّقتُكَ أُخرى وكذبتَ عليَّ،

فماذا بَعْدُ، رويدَكَ، لن أُلدغَ من جُحْرٍ ثالثةً

لا يا وطني

إبعدْ عنّي

فَتّشْ عن غيري بين قُماماتِ الشرفاءْ

يا وطني، لم تُبقِ مكاناً للطَعنِ القادمِ في بَدني

***

كُنْ ..فيكونْ

- ماذا تقصدُ؟

- أقصدُ: كُنْ بَقَرةْ

وإذا ناداكَ الآمرُ بالحَلْبِ، ضعِ الاعرافَ على الأكتافِ

وهَرْولْ طوعاً أو كرهاً، ممسوخَ الصُورةْ

وتذكّرْ أنّكَ كُرّمتَ بأقدسِ سُورةْ

في آخرِ إصدارٍ من إصداراتِ إله القُدرةْ

كُنْ ... فيكونْ

- ماذا تعني؟

- أعني: كنْ تاريخاً

يقرؤه الأَخرسُ بعيونِ الأعمى

فيهيمُ به مَنْ كان أصمّا

ويموتُ على شرفتهِ مليونُ غبيّ

من هذا الجسَدِ العَربْيّ

***

كُنْ ... فيكونْ

ابجدْ هَوّز

لا تتعبْ من هذا الهزّ

فالدنيا كرةٌ يحملها قرنُ الثَورِ، وتحرسُها أسرابُ الوزّ

كُن ... فيكونْ

أمرٌ لا يعرفُ مصدرَهُ من أصدرَهُ

مَنْ أنتَ لكي تسألَ عن شيءٍ لا يعرفُهُ

مَنْ جاءَ ومَنْ سيجيءْ

بريءٌ أنتَ بريءْ

والمُتّهمُ القانونْ

***

أمسِ استلقيتُ على ظهري، وصعدتُ من الأعماقِ إلى أعلى جبل في ذاكرتي

حَدّقتُ مَليّاً فلمحتُ جموعاً من حُمُر الوحشِ، وقطعاناً من "زِبرا" التاريخِ العربيِّ تلوكُ حَشائشَ أيبسها الفقرُ

الفكريُّ، وأبصرتُ على سفح الوادي صيّاداً يحملُ رشّاش قتالٍ من صُنعِ معاملِ أوربا، يتَحيّنُ أنْ تغفلَ عنه حُمُرُ الوحشِ، وكانت أغبى من أنْ تعرَفهُ.

أقعى ... وعوى..

ورماها رمْيةَ هَدّاف يعرفُ فَنَّ الصيدِ فخرّتْ منها عشراتٌ، فتمدّدَ يضحَكُ منها ويقولُ بأعلى صوتٍ:

كُنْ ... فيكونْ

لم يبقَ أمامي شيءٌ، فالمشهدُ قاسٍ يسقطُ فيهِ تاريخٌ

مثل سقوطِ الأوراقِ زمانَ الثلجِ، فأخرجتُ من الجيب الأيسرِ

(لا الأيمن) دفترْ

وبدأتُ أفكرّ

ماذا اكتبُ.. عن ماذا اكتبُ.. اكتبُ.. اكتبُ..

لا بأسَ سأكتبُ عَنْ زمن الحُبِّ وقلتُ لرأسي:

كُنْ .. فيكونْ

يا زمنَ الحُبِّ اعذرنيْ، ضَيّعتُ القاموسَ وضاعتْ في ذهني الكلماتْ

قلبي حجريٌّ ودموعي جَفّفَها القرنُ العشرونْ

ولهذا القرنِ قرونْ

أانْبتَها في رأس العاشقِ مجهولونْ

يا زمنَ الحُبِّ سألبسُ، كي تعرفَني، كوفيةَ رأسٍ وعقالاً، وأُفتّشُ عنك بيوتَ الغجرِ الغاوينَ، فتلك مدينتنا

وقُراها ضاعتْ وأضاعتْ معناكَ، فيا زمنَ الحُبِّ امنحني قُدرةَ مَنْ يرقصُ بالطْبلِ وبالمزمارِ على أوتار الليل، وسامحْني إنْ زَلّت قدمي

وسألتُ الغجريةَ قُبلةَ محرومٍ لا يعرفُ إلّا قولَ الله المتكبِّر: كُنْ.. فيكونْ

***

يا زمنَ الحُبِ الغابرِ .. رضوانُ الله على قتلاكَ سلامٌ

يومَ وُلدتَ ويومَ يجيءُ بكَ الشُهداءُ على الأكتافِ، ويومَ

يُنادى: مَنْ قتلَ الموؤدَ بلا ذنبٍ؟ فتخرُ لقتلِكَ ناصيةُ

الجيلِ الفجِّ، وتبكيك صبايا حُرمتْ منكَ ومن عينيكَ

النجلاوينِ، فتأخذ ثأرَكَ من وَحْشِ القرن العشرين وما

بعد العشرين، وتضحكُ ساعتَها من فَرحٍ وتغمغم مبتهجاً وتقول لربك: بُورِكْتَ، فيمنحُكَ اللهُ الصيحة: كُنْ .. فيكونْ

كُنْ .. فيكونْ

أأكونُ وخلفي حَفّارونَ أتمّوا قبلَ سُويعاتٍ قبري، وأمامي غولٌ تتلمّضُ شفتاه شوقاً، لا ينقصُهُ إلّا إيذانُ

البدْءِ من الحَفّارِ بذبحي، أأكونُ، وذيلُ قميصي في كفِّ

غبيٍّ يملك من عون الله على قتلي مالا أملكه من دفع الموتِ بأسناني عَنّي، كيف أكونُ؟ وماذا سأكونُ، ومَن كانوا قبلي ما ربحوا شيئاً،

سُقراطُ، أرسطو، أفلاطونُ،

القيصرُ، كانوا لكنْ لمّا أكملَ حفّار القبرِ الحَفْرَ أشارَ

إلى الغولِ بطرْفِ العينِ فأدمعتِ البشرى عينَ التمساحِ، وكيفَ

أكونُ، اخترْلي درباً لا يُغلقُ آخرَهُ بابٌ مكتوبٌ بالحبر عليه: " توقّفْ....

مفرزةُ التفتيش أمامَك يا أرعنُ من أينَ أتيتَ؟" ... وأرجعُ ... أرجعُ ...

لا ينفعُني هذا الحِرْزُ البَرّاق القائلُ: كُنْ .. فيكونْ

***

د. ريكان إبراهيم