قصي الشيخ عسكرالخيط الفاصل بين الحلال والحرام.. قد يكون تعهدا في البلدية أوقع عليه مع "دانا" التي عاشرتها في الحرام، أو عبارات أرددها خلف شيخ ملتح، يمنحني البركة في المسجد إنها وضع آخر..

حياة جديدة...

مشاعر أخرى...

أسرة انتماء، بداية لمرحلة من حياتي . خلتني أملك كل شيء..ولم يعد بي ظمأ قط منذ أن سكنت مع " دانا" التي أطفأت ظمأي، وملأت عليّ حياتي بوهجها وحيويتها..أول امرأة ألتقيها..يسطعني وهجهها بشكل أحلام عذبة لا ألم فيها..كأن لامشاكل في الحياة، ولا صعوبات.رأيت جسدها قبل الزواج.رائعا، ووجدته بعد أن تزوجنا أكثر فتنة كأنما العلاقة بين اثنين تحددها ورقة  من البلدية تضم أسطرا كتبت لي ولغيري  أو كلمات يرددها أيا كان أمام  شيخ ذو عمة .  وقد فعلت الإثنين.. ذهبت إلى البلدية والمسجد...هكذا أردت أو هكذا نصحني  وضاح..  والذين يحيطونني سعداء بي. أسرة جديدة أنستني الماضي. أسرتي في المقام الأول هي الأولى.. بيتي قبل أيّ شيء  وليأت بعدئذ أبي وأمي وبقية الناس.

قل لي ما معنى jeg elesker dig  بالعربي!

أحبك!

ها نسيت سمعتها من أمي !

وماذا عن البولندي؟

كوهام جه

إلى هنا يمكن أن تنتهي الحكاية التي تخصني .

أسرة، وبيت، أولاد.. انتماء أبحث عنه وجدته في أسرة صغيرة، وعمل، وفي المستقبل يمكن أن أخلف كل الحوادث المؤسفة وراء ظهري فقد بدأت أحصل على كل شيء أكثر مما توقعت لو بقيت في الشرق..السيد وضاح نفسه بدأ يثق بي فيكشف لي عن بعض خصوصياته.. كان بحاجة لشخص يثق به.. عرفت إلى حد ما أكثر مما أخبرني به منذ أن زاولت العمل معه.. عمله أوسع من مباشرته في المطعم الساعة الثانية أو الواحدة ظهرا.. وأحيانا قدومه مع عامل من النادي البولندي وربما مع آخر من النادي الجيكي ليتعاونا معه في تحضير شرائح للناديين كل مساء بعيدا عن أنظار زوجته...

لم يقل لي – بعد الزواج من " دانا " صراحة إنه صاحب مشاريع كبيرة تتحرك بالخفاء وبأسماء مستعارة .كان يلمح من باب خفي إلى تلك المشاريع يتحدث عن سلع يمكن استيرادها من ألمانيا  وشاحنات بيرة تعبر بطريقة ما إلى السويد التي بدأت ترفع من نسبة  الضرائب على الكحول..مايفعله حقيقة يعبر عنه بكلمة يمكن في المستقبل،ويذكر عَرَضَاً مشروعا آخر  قيد الإنشاء في بولندا حتى ظننت أن المطعم واجهة لأعمال ومشاريع تتحرك في الخفاء تدر عليه أرباحا لابأس بها لكن كل ذلك لم يمنعه من أن يحتال على الضرائب كل يوم أو يضع مغناطيسا على مقياس الكهرباء حتى خيل إليّ من خلال حديثه  الخفي وربما تحذيره وأحيانا تلميحه عبر النكتة أن الذي يفرط بالأمور التافهة يمكن أن يفرط بالأشياء الكبيرة...

لكن ولادة "علاء الدين" غيرت كل شيء فأدركت لم فعل كل ذلك معي ولم يفضل أن يزج في عالم التجارة والمشاريع بولديه اللذين ارتاح هو وزوجته لاهتمامها بالدراسة والسفر إذ كان يدرك تماما أنه لو انتدبهما للعمل معه لما كان بمقدروه أن يحجب عنهما العالم الخفي من أسراره التي جعلني أطلع على بعض منها..

الحق إن مجيء الملود كشف عن أمر خطير كنت غافلا عنه. في البدء فرحت به..ومن شدة فرحي وتيمنا مني ومن " دانا" بالمحل المكان الذي التقينا فيه وتعارفنا سميت المولود الجديد " علاء الدين" لكن حين بدأت ملامح الصغير تتبلور ، وتتضح أكثر دب الشكّ في نفسي..شك تحول إلى ريبة حادة تشبه السكاكين تغلغلت في صدري ...

حقد هائج رحت أكتمه قسرا..

علاء الدين، ابني من " دانا" لايشبهني..

كان صورة طبق الأصل لوضاح... ذلك الشخص الذي خدعني بطيبته..أعجبتني بطولته وصراعه وجرأته، الفارس الذي ترك الحرب،أدمى الوزير،وفر من السجون، كان يتركني في المطعم ليذهب إلى بيتي حيث يجد زوجتي بانتظاره...ربما هي المرة الأولى التي أجده فيها منقبضا تعلو وجهه قتامة ويدركة حزن مجهول.. ولعله بثرثرته يطرد الشك عني:

أحمد يبدو أن رسالة أخيك تأخرت أو ضاعت!

مجرد ثرثرة يهش بها إحساسا راوده كالذباب، يريد أن يخفيه بأية طريقة:

لم أعد أبال إن تصل أو لا...

لاتشغل بالك.. آمل في يوم ما أن تجد أهلك " ثم يغير الموضوع كأنه يتعمد أن يهرب من وسوسته وصمتي بالكلام"

على فكرة تذكرت ربما لا تدري.. الحاج شعيبي أمس سمعت الخبر توفي!!

الله يرحمه

هذه هي الدنيا..من كان يعقل هذا الرجل جاء إلى الدنمارك عام 1956 قبلي بسبع سنوات وكان يحلم أن يعود العادم القادم إلى المغرب... يصفي حسابه ويبيع المحل وعدته أن أشتريه منه لتتولى أنت مهمته.. لكن هذا حال الدنيا..

الله يرحمه

الشك والخوف راحا يسريان إليه مثلي..ذئب يقول عن نفسه.. السوق يحتاج إلى أن يكون التاجر ذئبا وأنا كوسج.. سمك قرش..في النهاية أكلت منذ اليوم الأول.. كان ذا وجه بشوش يتهلل بالمزاح ويهوى النكتة..اكتشف زيف موسكو وبؤس وارشو، فهجر مبادءه ومارس التجارة.. وهو في كوبنهاغن يقرف من حرب طائفية يدعو لها العرب.. حرب الخليج. الآن يسأل الأوروبيون عن سنة وشيعة.. كانوا يظنون الإسلام واحدا..لا جيء شيعي.سني من جماعة الحكومة..شيطنة الأشياء..رجل متناقض يبدو بسيطا لكنه معقد.. أدرك خداع السياسة مبكرا في مثل سني وحالما تعرف بدنماركية  وثقت به.. ذلك الوقت في الستينيات كان الشرقي عملة نادرة.. وهؤلاء القادمون من باكستان والعراق ولبنان والمغرب قلة تنجذب إليهم الدنماركيات،شعر أسود عمله نادرة،ذوو الشعر الاسود جماعة علاء الدين والمصباح السحري ،السندباد،أما من يعرف من أين تؤكل الكتف فسوف يقترن بشارلوته التي تقف معه..الحياة فرص لايخسرها إلا المغفلون، هذه  العاهر  التي تظنني قوادا بنت قنصل سابق في موزمبيق كم من خصيتين لأسود استافت قبل أن ترافق صاحبهما إلى الحمام ومن بعد تدلك جسده..العالم الناعم أصبح شريرا كله، أملس ناعم مثل أفعى لا تبال .. لقد جاءت محملة بكنز فاغتنم الفرصة..شاركها بمشروع..لم أكن الضحية وحدي هي أيضا..القلق ذاته وجدته ينطبع على وجهها..كم كانت فرحة بزواج " دانة" مني..عاملتني بلطف والتصقت بزوجتي أكثر كأنها ابنتها..ثم وجدتها تنظر إلي بنفور.. أحيانا نظرات ذات دلالة تخفي معنى آخر أدركه ولا أفهمه..لكن معاناتي الحقيقية كانت تتبلور في الشقة...الجمال .. الرقة.. الصوت الهاديء.. النبرة الحنون.. جثة عافها ذئب فحط عندها غراب..جثة تعيش معي ونطفة ليست مني تحمل اسمي:

حبيبي خلال هذا الأسبوع أسجل علاء الدين في حضانة حتى أعود للعمل!

تأتين معي إلى العمل منذ الصباح لتغادري في الواحدة، تكونين وحدك في الشقة فيطل عليك في المساء، وانا لم أحسب حسابي بعد:

إفعلي مايحلو لك!

هل تغار منه؟

معها وغائب عنها.اصبحت أقرف..تنظر إليّ بعينين واسعتين وتسأل:

مابك؟ لقد تغيرت تماما. تفكر في أهلك؟ لعلك تعثر عليهم.. بعد سنتين تصبح مواطنا وتقدر تسافر تبحث عنهم بل نسافر أنا وعلاء معك!

لا أعقل..الهرب بالصمت أحيانا.. مازلت أشك..وهو القلق.. الصوت الدافيء..تتعرى أمامي تستعرض  كتفيها وشفتيها.. تهمس لي : هل أحضر لك كأسا..وتضيف: أتحاشى الشرب من أجل علاء..أنظر إلى بطني لم تترهل.. علاء يشرب حليبي أفضل..ألست معي حليب الأم أفضل..

أرجوك اتركيني.. ألا تفهمين..

أشيح بوجهي عنها لأقابل في اليوم التالي وجهين تغيرا مثل وجهي،ولم يبق إلا وجهك لم يتغير. كأنك تجهلين كل شيء .من الصباح حتى منتصف الليل. سنة اللغة انتهت..وساعات عملي ازدادت ولو رجعت " دانا" إلى الشغل فإن العمل بازدياد.. الفلافل والشاورما والكباب.. أكلات جذبت زبائن كثيرين.. وساعات عملي الإضافية ازدادت .. نقود كثيرة..

كان لابدّ من أن  أنفجر  بوجهها.بدوت  كبالون لمّا يزل يرزح تحت الاحتقان لكن قد يتشظّى في لحظة ما أيّة لحظة.لم استطع أن أفعل شيئا.ثانية واحدة ربما أقلّ تمطّت  ببضعة أشهر سبقتها بأحلام كثيرة ملونة ذات طعم مسحور وفتنة لا تنتهي..لينقلب الكتفان العاجيان إلى مرآة مشوشة،رأيت فيهما سدودا خشنة وتجاعيد وكهوفا وأنهارا ويبسا ومواقع في الصحراء تشبه تماما جدريا ما ترك أثره على وجه وسيم : ولد يا أحمد .. السونار ماذا تسميه،نفكر بأسماء.. تقلب ذاكرتها بالدنماركية والبولندية، وفجأة نتذكر .. كلانا نهتف باسم قديم جديد.. ليكن علاء الدين باسم المحل الذي التقينا فيه،وأصبح مصدر رزقنا، علي أن اشد بطني بعد الولادة لأحتفظ برشاقتي ،أمّا الجسد الأبيض الحيي فقد لاح جذعا منخورا لاحياة فيه،كنت أهرب منها إلى الغرفة المجاورة.. تركت الغرفة المشتركة لها والطفل.انفصلت تماما...وانتقلت إلى الغرفة المجاورة!

7

في يوم العطلة التي سبقت الحادث. استيقظت على بكاء علاء الدين...

لم أعد أطيقة، صراخه يستفزني، أضجر منه، ومن مناجاته،حسبته كالورم الخبيث الذي يريد أن يلتصق بي رغما عني ثمّ غادرت غرفتي وفي أذنيّ رنين..هبطت إلى الشارع الرئيس باتجاه الفوتكس، وابتعت قنية نبيذ..ثم قصدت البحيرة. وجلست على أحد المقاعد الخشبية.. كان الجو هادئا، لفحة برد خفيفة.والشمس في غياب على الرغم من أن السماء صحو..كان هناك بعض المتنزهين.. والمارة.. وعجوز على الساحل عن يميني تقود كلبها الصغير.. كأني أحد المشردين أرتشف من القنينة وأعود أتابع النظر إلى الأفق..بعد ساعة من جلوسي أمام البحيرة صامتا كالتمثال.نهضت أصعد الدرجات ،واتجهت إلى الشارع العام..ثم ملت نحو Estadgade  حيث البغايا اللائي ّ ينتشرن فرادى في الشارع،فيلحن وهن بفساتينهنّ القصيرة أشبه بالتماثيل المزروعة على الأرصفة.رائحة الخمر تشيع من أفواههنّ،ضحكاتهن من دون سبب تستوقني.عليّ أن أبدأ من حيث انتهى الآخرون.كنت أشعر بخدر لذيذ، فقد شربت الزجاجة كلها، وداعبت خيالي فكرة شارع السكس أو الشارع الوسخ تلك التسمية التي سمعتها من وضاح نفسه.. ماذا كنت أفعل منذ أكثر من عامين.. لم أعرف من كوبنهاغن سوى مركز اللغة شارع السكس .. التيفولي التي تتلألأ في الصيف والمطعم.. أوروبا  التي تبهر الأبصار.. كوبنهاغن الفاتنة.حددتني بشارع البغايا ومحطة القطار ثم التفولي والمطعم.مساحة صغيرة وجدت فيها الدنيا كلها من أجل أن يتحقق لي انتماء في المستقبل، المدرسة نفسها القريبة من خطواتي ماعاد لها ذلك الوقع  اللذيذ سوى جمل وكلمات تخطر في ذهني فأتحسسها في الشارع .. تركي .الباني.. أحمد العراقي..جوليت من جزر الفيرو حيث الشمال والمطر.. كانت تنظر من طرف خفيّ تجاهلت نظراتها الخفية.. بعض اهتمام تأملت ردة فعل له.. هنا يمكن أن أتجاهل أية  فتاة النساء يبدلن الرجال والرجال يبدلن النساء، وقد أصبحت واحدا من هذا الخليط .. أيقنت أني يمكن أن أبدل أرضا بأرض كما أبدل حذائي..أرضا عشت فيها منذ طفولتي.. بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان.. هكذا أنشدت مع طلاب الصف الأول في مدرستي الابتدائية ثم خُلِعتُ من ذلك المكان كما لو أني  أخلع سروالي .. من السهل أن أخلع حذاء قديما.. " جوليت" تجاهلتها تماما فسبقتها " دانا" يوما كأنّي على موعد معها.. فكرت أن أدعوها أتقرب منها لكني ترددت.. أحسست أني أحقق ذاتي في المطعم  وغدا أخلع " دانا"  حتى تذكرت الشارع الوسخ في حالة سكر فاقتربت من إحداهنّ..سألتها :

كم؟

مائتا كرونة...

ما الفرق بينك وبيني أنت تعيشين في مبغى.. أحبك jeg elesker dig  ..كوهم جه I love you لم تعد الإنكليزية اللغة الوحيدة في العالم.. أنا وسط شارع تحيطني محلات تطل منها واجهات تحمل الخزي،هؤلاء يمقدور أية منهن أن تتحدث لغات العالم... وأنا أكتشف مؤخرا أني أعيش مع واحدة مثلك..  قهقهت ساخرا، وقلت :

أوكي لكن من الجانب الآخر

وتركتها دون أن أعلق وكانت ترد عليّ بنغمة  أشد سخرية:

أيها الطفل المسكين النقود التي معك لاتكفي! إلجأ إلى يدك أفضل..

إغضبي ، مهما بلغ بك الحنق فلن تتحول كوبنهاغن بنظراتك وسخريتك ، في لحظات،إلى لبوة شرسة،أنت لن تصلي بقدرتك إلى بعض من سطوة " شارلوته"..كان مركز المدينة، والبحيرات،وثمة مدينة الألعاب،والنوروبرو، والقبة السماوية،الصور التي تقع عليها عيناي كلّ يوم،ناعمة جميلة الملمس مثلة أشعة الغروب السادرة بين الدفء وجفلة البرد حتى ثارت بوجهي شارلوته،فاضطرب السكون من حولي ، فتفتحت عيناي على منظر بغيض .. بشع قاتم .. مقزز كريه..

من الجانب الآخر ياابن الكلبة..

وحالما ابتعدت عنها مخلفا محطة القطار وراء ظهري لمحت على الرصيف المقابل  لوحة غريبة.. فأنا منذ أن انتهيت من مركز اللغة الذي يقع في الشارع نفسه لم آت إلى هنا بل لم أمر من الطريق.. الشارع الوسخ ولوحة على واجهةِ محلٍ طورَ الإعداد..حلال لحم حلال.. سكران.. وبغايا ولحم حلال.. الحلال في قلب الحرام، أطلقت ضحكة زلزلت الشارع.. الحاج شعيبي انتقل إلى رحمة الله وقفز محله إلى شارع البغايا هذه هي النهاية.. كان يحلم أن يعود إلى المغرب فمات وانشطر محله مثل البكتريا.. الحلال ينشر نفسه في كل مكان مثل البكتريا.. الطاعون.. السفلس ، وثمة أشياء آخرى تنتشر لانراها إلا متأخرين كخيانة فظيعة  تقتحم عليك بيتك.

ليس هناك من شيء  في كوبنهاغن ليس في قبضتي سوى أني قرفت من نفسي والأشياء، لذت دقائق بحافة البحيرة ، بدأت أغري البجع كأنني أرمي شيئا في الماء أردت أن أسخر من نفسي فوجدتني أسخر من الطيور،تهمّ إلي بجعات من بعيد ويهبط إلى الماء نورس وحيد.. هل حقا رحت أمارس تفاهتي على الأشياء الأخرى ،فأجد أن شيئا ما يفصلني عن الماء والطيور.. ألتفت فيقع بصري على كلب صغير تخطى صاحبه بمسافه وكاد يحف ظهري، فبقيت ساكنا حتى اجتازني الكلب ، فالتفت ثانية إلى البحيرة....

كانت البجعات تراجعت.

والنورس اختفى...

عافت نفسي العودة إلى الشقة، فسرت بخطوات متثاقلة باتجاه مدينة الألعاب، اجتزتها لأدخل مجمع صالات العرض.... لا بد أن أعود فأجدها نائمة، لأصحو مبكرا فأغادر الشقة وهما نائمان.. كي أقابل وجهين آخرين في العمل لا أحبهما.. البحيرة .. السينما.. مدينة الألعاب.. أماكن انطبعت في نفسي.. أصبحت شيئا لا ينفصل عني.. خلال العام الماضي قبل ولادة " علاء الدين" ذهبنا إلى السينما أكثر من مرة.. تقريبا شاهدنا كل الأفلام الدنماركية.. ثالث أو رابع فلم شاهدناه معا " رقصات مع ركزتا"..ركزتا التي قبلها بطل الفلم على بطنها.. كانت حامل وقبل أن تحبل " دانا" قبلتها على بطنها مثلما يفعل بطل الفلم..الشيء الذي لم أنسه أن "ركتزا "ذهبت مع شخص آخر وعادت إلى زوجها..في تلك الليلة لم يكن هناك من فلم دنماركي ... كانت صالات العرض تعج بأفلام أمريكية.. وألمانية.. كنت أبحث عن فلم "ركتزا" الذي ضاع مني.. شيء ما، ولا طاقة لي بالبقاء خارج الشارع.. لاشريط في السينما يستهويني، ولا مكان أرغب في الذهاب إليه. "ركتزا" التي قبل زوجها بطنها المنفوخة كانت ترقص سعيدة في الحفلة رقصت مع شاب آخر خطف قبلة سريعة من شفتيها.. وفي الصباح جاء زوجها يحمل حذاءها الذي نسيته في حفل البارحة.. كنت سكران أترنح وأتمايل...آخذ طريقي إلى البيت.. وعندما وصلت وجدتها صاحية ... استقبلتني بلهفة ، وحاولت أن تطوق ذراعي، فقلت وأنا أترنح :

تأخرت أحمد.. قلقت عليك حبيبي..

أتركيني أريد أن أنام.

أحمد لقد قلقت عليك.. الساعة الآن الثانية عشرة.

إتركيني قلت أريد أن أنام.

وتمتمت مع نفسي:

لاشك غضبي لم يأت بعد"وتمتت مع نفسي"عاقبت قبلك بغية وبجعات.وسيأتي دورك!

دخلت الغرفة وكنت أرتمي بملابسي على السرير.

7

في تلك اليلة – ليلة الحادث – قذفني الشرطيّ داخل زنزانة باردة ذات دكة عالية إسمنتية  لاغطاء عليها، في الأعلى تحت السقف مباشرة فتحة للتهوية يهب منها هواء بارد..كان هناك مرحاض يقابل باب الزنزانة مفتوح من الأعلى يستر الجالس إلى الكتفين.. سألت شرطية فأذنت لي، وأشاحت بوجهها عني حتى قضيت حاجتي وخجل يراودني كاد يمنعني من أن أفرغ مافي مثانتي حيث كل من يعبر الممر من الشرطة يرى وجهي.. ثم عدت إلى الزنزانة فاستلقيت على الدكة والهواء البارد يلفح كتفي ويتغلغل في مفاصلي..كانت بي رغبة للنوم، على الأقل أقتل الوقت نوما، وعلى الرغم من أن الوقت صيف إلا أن تيار الهواء راح يهش النوم عن عينيّ.. أين مني حرارة السيخ وفرقعة الزيت حين تلامسه أقراص الفلافل التي كنت أنفر منها كل مساء... ما كان مضجرا في المطعم يبدو مسليا في هذه الزنزانة الباردة.. الدفء غاب تلاشى.. الحرارة تسربت.. ابتعدت عني..وفي الساعة الحادية عشرة أخرجي شرطي إلى غرفة التحقيق،وجدت رجلا نحيفا ذا وجه طولي بملابس مدنية قدم نفسه بصفته محامي .. بعد دقائق حضر شرطيّ، وضغط على جهاز تسجيل:

أحمد بلوط هذا هو سامك؟

وجه الشرطي شبيه بأحد لاعبي كرة القدم المشهورين ملامحه في ذهني ولا أعرف اسمه..خمسة  شرطة في بقاع متباعدة رسموا وجوههم في ذاكرتي.. منذ أعوام خلت ، دفعني شرطي عراقي إلى الحدود، ووضعني شرطي إيراني في مخيم، إيران قالت عني عراقي، والعراق ادعى أني إيراني، وأول ما أسأل عنه اسمي. خاتمة جيدة لبداية ما :

نعم

أنت متهم بضرب زوجتك وإهانتها

ثاني شرطيّ يحقق معي في الدنمارك..، يوم وصلت،واجهت قائمة من الأسئلة في المطار،طال التحقيق معي ، ثم أرسلت إلى محقق آخر،وقتها لم أكن أتضايق، فما ألاقيه أفضل مما مر، وطعم الأسئلة هذه المرة يختلف:

نعم

هل تعترف

نعم

ما الدافع لما عملت؟

يبدو أن الجلسة تطول والأسئلة تتوالى، المحامي ينصت باهتمام أو غير مبال .. قد أبقى في التوقيف شهرا..ربما أكثر..

اكتشفت أنها تخونني

تشك بأحد يشاركها الخيانة

وضاح الرجل الذي أشتغل عنده.

كيف أدركت الأمر؟

حين أكون في نوبة العمل يتسلل إلى بيتي

أنا غريق في يم لاقرار له.. المسألة معقدة..الإعتداء على امرأة في الدنمارك ضريبة لها ثمن.. أفقد حق المواطنة في المستقبل.. أسجن..لم لا أجعل الآخرين يغرقون معي .. الضرائب اختفت من حسابات وضاح.. الكهرباء والمغناطيس ولو اشترى محل الحاج شعيب لتلاعب بمقاييسه..رجل دنيء النفس يملك ثروة طائلة ولا يمتنع عن التلاعب بمقياس الكهرباء.. إن لم تكن تلك دناءة فكيف تكون إذاً..ساعات العمل الإضافية التي يمنحني إياها بعيدا عن أعين الدولة..رجل لا أخلاق له.. عنيف.. لجأ إلى العنف عام 1962 المعتدى عليه الآن وزير خارجية البلد...صاحب مباديء .. العرب شيطنوا إيران .. تبقى الثورة أقرب إليه من صدام الانقلابي.. إيران ثورة..الخميني  مثل لينين.. ميرابو.. ماذا عن آل سعود.. حكام رجعيون..ارجعوا إلى ملفاته السابقة في الدنمارك والعراق..يستورد بيرة مهربة من ألمانيا..كثيرة هي السوآت ..

إني بحاجة إلى ورقة وقلم:

المحامي يتدخل:

هذا تحقيق أوليّ سيزودونك بكل ماتطلب.

كيف عرفت أنها تخونك؟

السيدة " شارلوته" رأته يدخل عليها في غيابي.

هل هناك من دليل آخر؟

قلت وأنا أزدرد ريقي:

وماذا عن ابني علاء الدين إنه يشبهه تماما ألا..

إن كان الأمر كذلك كان بإمكانك أن تطلق، تترك...

تدخل المحامي ثانية:

إنه لم يستطع أن يكبح هيجانه.

أنا محاصر.. المنافذ سدت بوجهي..الحقائق تتشابك والجلسة تمتد ، المحامي نادرا ماكان يتدخل طول الاستجواب.. بعد ساعة أعادني الشرطي إلى الزنزانة فأضطجعت  على الدكة، ظل الهواء البارد يلاحقني.. ربما غفوت ولعلني واصلت يقظتي من دون أن أشعر بالنوم.. خيالات كثيرة رسمت مع وشوشة الهواء الهابط بعض القتام على أيامي القادمة.

إنه الندم..

تهورت..

لحظة حركت الماضي والشرق في داخلي..تصرفت بحمق .. أجل.. عليّ أن أعترف.. حصلت على عمل.. وجمعت خلال سنتين مالا، فلم سلكت سلوكا عنيفا.. خانتني " دانا" فليكن إلى سقر..  إلى الجحيم.. في الشرق الذي تناسيته تنبت لي قرون أكثر من اثنين أما هنا... الطلاق الانفصال...كل شيء يمكن أن يتحقق بهدوء، ياللسخرية أقصى عقوبة أتلقاها بعد الانفصال نفقة لوضاح الصغير.. أنفق على ابن ليس مني.. نطفة أخرى.. أخف ثمن أدفعه في حياتي بدل من السجن والمحاكم والعقوبة التي تؤخر حيازتي على حق المواطنة..الوطن كاد يكون بين يدي وأجده الآن يهرب مني إلى حيث لا أدري...

وطن جديد ناعم ينتظرني..

دنماركي.. أذهب إلى الشرق بوجه آخر..

لم أنتبه إلى الوقت، فقد جردني الشرطيّ من ساعتي وطلب مني أن أنزع خيط حذائي قبل أن أرمى في الزنزانة،ويبدو أنها كانت الحادية عشرة حين فتح الباب واقتادني شرطي إلى موقف تحت دكة خشبية عالية كان بعض الشرطة يقفون وراءها وكل منهم يتحدث مع  شخص ما،ماعدا شرطيا في الخمسين من عمره وقف ينتظرني. قال لي من دون مقدمات:

زوجتك اتصلت بنا بعد ساعة من توقيفك ومن حسن حظك أنها تنازلت عن الدعوى وإلا كنت تبقى عندنا في الحجز شهرا قبل أن تحال إلى محكمة!

بقيت صامتا، تنفست الصعداء، وصفعني خبر جديد..

تنازلتْ..

لم أكن أتوقع أن يحدث هذا..أظل صامتا فيسترسل الشرطي الذي وجدت نفسي مجبرا على أن أرفع رأسي للأعلى حين يخاطبني، ففي تلك اللحظة ، وددت لو أطأطيء  كطفل أبله :

وضاح الذي تعمل عنده جاء ليصحبك لكن أي عنف .. أي اعتداء يجعلني أرميك في السجن أنت عامل في محله وهناك ارتباطات قانونية بينكما يجب حسمها كذلك مع زوجتك عليك أن تعي ذلك!

كان يكلمني كما لو أني طفل..قشعريرة البرد مازالت تسري في مفاصلي، هل أفقد لفحة النار.. فأين تلاشت لسعة الشاورما الدافئة الساخنة في موسم الصيف..

 

د. قصي الشيخ عسكر

.......................

حلقة من رواية: علاء الدين

 

زياد كامل السامرائيأفكّكُ شفرة البحر

فأنداح،

منذ السفن اليابسة

الموغلة بالثقوب..

أميّز سراب الرمل

فأنجرف،

منذ أوّل جسد ذاهب للمنفى..

أوزّع الأحلام جملة بعد جملة،

فتلتفّ النوافذ

حبائلا شاهقة للنشوة،

وأهذي..

فتشرب الرقصة، سخط النجوم مني

منذ أول سماء محفوفة بالمخاطر..

أتمادى في العصيان

من زعل الياسمين،

منذ أول قُبلة

اغتالها التأويل ببابي..

ومن العطش

أنشرح،

بقطرة ماء على وجه الأزهار المطمئنّة

فوق جلد النهارات،

منذ الأجنحة المشدودة

بأرض، لا تصلح سوى للغياب ..

فلمَ كل هذ الأبواب

أيتها المفاتيح،

جهتك ألاّ تمضي،

جهتك أن تنام قبل النوم

وأن تُصغي لقلبك المتسكّع،

في واحة الجنون.

لماذا كل عاشقة

زرعتْ في شفتيّ مأوى أغنية

وتركتْ سطور الصباح

في ثقوب الناي، سجينة؟

هو خريف مفتوح في دمي

وأيام لائذة بي

تخبأ لياليها،

لتقول ملء الحقائب:

إن الحبّ يخصّب الوقت

بالاعتراف.

سآخذ منها النهر والغيمات

وأزرعها في أقاصي العمر اليابس

وأقبّل النسرينة

التي حفظتْ طويلا

ظلال التين،

وأجمع ما ضاع من قمري الفضيّ

لدعاء الحجر..

ما التقينا في صباح الرمل

ولا انداحتْ مخاوفنا

من شفرة البحر.

***

زياد كامل السامرائي

 

فتحي مهذبالمطر والبنت الخلاسية

يذهبان معا الى الوراء..

كذلك ماعز أيامي السريعة..

ظلي الذي دهستة عربة الصيرورة..

صوتي المقرفص في شقوق الصدى..

الذين احتموا بضبابي المسائي..

أيقظتني يدي بدمعة رسول شاسع..

أخفي براهيني تحت قوادم العميان..

الموت فاكهة اللامعنى في سلة الهامشي..

الحفر في انتظار كبوة المخيلة..

القلب مهدد بسهم هندي أحمر..

المظلي يحمل شاة الجاذبية

على كتفيه..

تتبعه نجوم هشة

ونيازك من الضحك العبثي..

فعلا الجسر تحت سيطرة العميان..

رعاة الهواجس تحت الأنقاض..

تفاحة اللعنة تتدلى من نبرة المومس..

فعلا الشمس متدينة هذا الصباح..

ترتدي حجابا من مطرزات الغيم..

لم تسلم من مقولات النائمين..

ازداد سقوط العابرين في الفخ..

وحدي أنصت الى أوركسترا الحواس ..

بخشوع وجنائزية..

الأرض بارزة العظام..

الهواء  سيئ المزاج..

لم يدحض ظلمة الغراب..

وضحكة الطاووس المريبة..

البيت ذو المائة عام ونيف

المحدودب بسبب الربو..

الذي ينبح في الليل

مثل مخيال متوحش..

الذي تبكي نوافذه..

مثل باخرة في مأزق بحري..

الذي تنادي أبوابه الجريحة

شجرا مهددا بمدية قناص..

الهابط من الجنة..

بسبب تفاحة سقطت من جيب طيار ..

البيت القائم على كتفي زلزال..

منذور للخسران..

هكذا أفكر بشراهة..

بفصاحة رواد الفضاء..

لم أدر من قطع أصابع آدم

ليلة أمس..

ومزق منهدة حواء..

وباع ألبومها العائلي بثمن بخس

أمام مستشفى المجانين..

فعلا الفلاسفة قتلوا الأنبياء

في الصحراء..

قطعوا آذانهم بمقص التنظير

ثم اختفوا تحت الرمل..

مثل سحليات مهجوسة بالظل..

فعلا لم ينجب الشعراء سوى صحون طائرة..

المشاؤون في العتمة..

صانعو قيامتهم بتبر الاستعارة..

الذاهبون الى ذروات الهباء ..

مصارعو نثر  الموتى..

صانعو ايقاع الأبدية.

***

فتحي مهذب

بكر السباتينأخيلةً السرد

تلظم المعنى في سمّ الكلام

وتُخيطُ في حَرْثِهِ

ما في جعبةِ الريح..

أخْيلةُ البوح

ترتشفُ سلافَةَ الرحيق

وتنشر في اليبابِ الربيع

وأخرى تعربد

في حقل السنابل

كالجراد..

أخْيلة تزرعُ الضوْءَ في الظلِ

من مدادِ النوايا

فإما يتجهمُ المعنى

أو يترنحُ أعمى

أو يورقُ جَذْلاناً

في فمِ الورد ..

أخيلةُ الشعرِ

تُلْقم أثداءَها لبراعم النورِ

تحت رمادِ الفجر..

دَيْجورٌ يكتم المعنى

يسطو على صوتِ المغني

يصادر اليرغول

ثم يسود كظل الموت

فوق بيوتٍ كأنها القبور.

وكلُّ دانيةِ في كرمةِ الصبحِ

تتخاطفها العقبانُ والصقور..

حتى استيقظت زهرةُ النور

في عيون الليّاح..

ثم رويداً رويداً

يشتعل النهارٌ..

وفي كبدِ السماءِ

ها هي عشتارُ تتمطى

فينداح الأفُقُ في عينيها..

تحلل لغة الماء

وتستنطق الصخور

في تجاويف القلب واللسان..

تتأملُ السؤالَ

تستمطر السماءً

قمحاً.. وورداً..

ثم تنتشر فراشات الود

ضاحكة كالحكايات..

ويقتات السنونو على دهشة البوح..

***

شعر بكر السباتين

 

سعد برغشقباب

سماء بغداد

القديمة

*

الشهقة

صدى النبضة

البعيدة

*

الموقد

فم الغابة

الكبير

*

‏الأحلام

مسودات على الرفوف*

*

الفقر

دلاء مملوءة

بالمطر

*

العناق

ترميم شرخ

الفراق

*

الصرخة

محاولة فك

الحصار

*

المطر

رجفة سحابة

*

البحر

كبت صراخ

 المنافي

*

المسافة

شريط قياس

عقيم

*

الناي

مشط أرصفة

الإنتظار

*

البراعم

ولادة الغابات

المحترقة

*

السلام

طيف سرب

ضال

*

الحقائب

مخزن الوجع

المحمول

***

سعد برغش/ العراق

سليم الحسنيبلغ القلق بالأمير مبلغه، فالسطور على الجدران تزداد عدداً، وراح الناس يقرأونها على مهل، وتداولوا حال الأمير وما كان يخفيه عنهم، فغطى الهمّ وجهه وملابسه، وهجره النوم أياماً، كان يغمض عينيه ثم يفز كالملدوغ يسال خادمه، عن السطور هل زاد عددها أم تناقص؟

في جوف الليل، وقف في طرف الزقاق صبيّ ينفخ في بوق كبير من النحاس، يردد ترنيمة المجد الكاذب، هدأت نفس الأمير، نادى خادمة:

ـ من هذا المبوّق المحترف؟ لقد هدأتْ روحي بترنيمته، وخفّ عني القلق، لقد سمعتُ ترنيمة المجد الكاذب سنوات عديدة، فما وجدتُ مثل هذا يجيدها، كأنه من جبال قره داغ، بل هو أفضل منهم في عزفها.

استبشر الخادم خيراً بما سمعه، وأجاب:

ـ مولاي، إنه مطرود من رحمتك، لقد مَثُل بين يديك، فأغلظتَ له القول، وطردته عند حلول الفجر الصادق، ومن تطرده في هذا الوقت لا تصفح عنه أبداً.

غاص الأمير في رأسه، فكّر طويلاً، لقد عرف الصبي، وتذّكر قولاً كان يردده حين ينفخ في بوقه:

(بوقي نحاس تبريز وأجرتي من إبريز)

وتذّكر كيف كان يقف أمامه فيجلس عند قدميه يقرأ عليه قصائد الشاعر القديم الذي اشتهر بمدح الملوك والأمراء (قطران التبريزي) يُخرجها معسولة ممزوجة بروح مستعارة، ويزيد عليها نشيج المحزونين، ودمعة المعتاشين، فيجازيه الأمير بقطع من ذهب الإبريز، يلتقطها الصبيّ ويمضي مسروراً، وكان أكثر ما يسرّه رضا الأمير، يقول مع نفسه إن المال يأتي من هذا أو من ذاك، أما رضا الأمير فلا سبيل له إلا منه، وإن نالني رضاه تفتّحتْ الأبواب وتقرّبتُ من الأعيان، وصرتُ وجهاً من وجوه القوم.

أشار الأمير بطرف اصبعه، فهم الخادم أمره، فأسرع الى الصبي يبارك له رضا الأمير، وأن عليه أن يردّ المعروف بألف ألف ضعف.

دار الصبي ببوقه على البيوت، يدخلها واحداً تلو آخر، ينفخ بوقه بأشد ما فيه من قوة، ينشد بأعلى صوته انشودة المجد الكاذب، وراح يضيف عليها من عنده نغمة العاشق.

وكان كلما خرج من بيت وقف عند الباب يلعن كل من لا يحب الأمير، ثم يقول لأهل الدار: (اشهدوا لي عنده، فرضاه بركة في الدنيا، وما نحن من دونه سوى خشبٌ مسنّدة).

عاد الصبي ببوقه النحاسي الى بيت الأمير، طرق الباب ساعة أو ساعتين، توسل بالخادم أن يتشرف بلقاء الأمير، زجره الخادم بصوت سمعه أهل الزقاق:

ـ لقد صفح عنك الأمير، لكنك لم تحفظ عهده، ولم تصن نعمته، لقد قرأتَ الأشعار وحدها، ولم ترفقها بدعاء اللعنة الكبرى، أتخدم الأمير خدمة منقوصة؟ ادخل عليه وقبل الأرض بين يديه حتى يمنحك بركته.

خفض صوته بالجواب أمام الأمير:

ـ لقد نفختُ يا مولاي في البوق حتى انقطعتْ انفاسي، وقرأتُ أشعار الديوان كله، وزدتُ عليها من عندي، لقد حرّفتُ بعضها وأبدلتُ الأسماء بالأسماء، واختلقتُ الوقائع والحوادث، وأوقدتُ نار هذا لأحرق بها ذاك. ولو أردتني أن أدور على المدينة راكضاً حافياً أنفخ بوقي لما ترددت.

صمت الأمير برهة وهو يسمع توسلاته، ثم قال:

ـ سأنعم عليك باسم الشاعر القديم، فانت أفضل منه في مدح الأمراء، أنت قطران التبريزي وليس ذاك.

 

سليم الحسني

 

مصطفى عليصديقنا الذي أصابهُ داءٌ عضال أقعده على كُرسيٍّ مُتحرِّك

قبل ان يغادرَ المشهد. كتبتُها لَهُ قَبْلَ رحيلهِ بعام

(الى د محمد رشيد العبودي)

 

أيُّ سلوى للمُسهّدْ بينما الشاهدُ مُقْعدْ

                 أيُّ جدوى للقوافي إن شكا قلبي وأنشد

أ دَواءٌ أم دُموعٌ تنكأُ الجُرْحَ المُضَمّدْ

                    خَبرٌ أدمى فُؤادي كَظلامِ الليل أسودْ

وَ دموعي في المآقي تُخجِلُ الغيْمَ المُلبّد

                 هزّتْ الريحُ شِتاءاً بابَهُ الشاكي فأوْصدْ

حسْبُهُ العُكّازُ ساعٍ بينَ كُرسيٍّ وموْقدْ

                    بعدما النُدمان غابوا وجنى الدَنِّ تبدّد

أطفأ النادي سِراجاً وبكى الساقي فأرْمدْ

***

بَعُدَ العرّابُ عنّا قابَ بحرينِ وأبعدْ

                 ودنا كالجمرِ شوقي فمتى يا جمرُ تهمدْ

أوعدَ الحزنُ فُؤادي فَوَفى لمّا توعّدْ

                  سلَّ سيفاً من لظاهُ وإعتلى قلبي فأغمدْ

عَوّدوني رشْفَدمعي والفتىما قدتعوّدْ

***

حانةُ السُمّارِ عادت في خيالي تتجددْ

              كانَ أبهى من شَهدْنا سامِراً والجيلُ يشهدْ

ثغرهُ البسّامُ عودٌ طالما غنّى وغرّدْ

                    مِثْلَ عُصفورٍ دعاهُ بيْدرٌ إبّانَ يُحْصدْ

تيّمَ الحُلواتِ حتى من رفاقٍ كادَ يُحْسَدْ

         إن شَفا المحْسودَ عوْذٌ ماالذي يشفي المُحسَّدْ؟

ما عهدناهُ تصابى أو لهى طيشاً وعرْبدْ

                   أفلحتْ نَفسٌ نهاها عن هواها وتَجرَّدْ

في سجاياهُ ترقّى وإرْتقى حتى تفرّدْ

***

يارفاقي هل تهاوى في سماء الحُبِّ فرْقدْ

                     هكذا من دونِ ذنْبٍ طالهُ حكمٌ مُؤبّدْ

أيُّها الكُرسيُّ مهلاً ضيفُكَ الحُرُّ مُقيّدْ

                    ليْسَ عدلاً ان تراهُ يركلُ القيْدَ فيجْهدْ

آيةَ الكُرسيِّ رفْقاً قلبُهُ فيكِ تعمَّدْ

                أطْلِقي جِنْحاً كَسيراً فعسى الطائرُ يسْعدْ

***

كُلُّنا في التيهِ سِرْنا نحتسي كأسَ التَمرُّدْ

                   نعلكُ الأوهامَ ليلاً بينَ حاناتِ التشرُّدْ

سُجِّرتْ فينا بُحارٌ موْجُها أرغى وأزبدْ

                     أبرياءٌ نتبارى نستقي من كُلِّ موْردْ

فإذا ما لاحَ صُبْحٌ ولظى الراحِ تبدّد

                       وحُميّاها تلاشت وصحا حِسٌّ تبلّدْ

أطلقَ الصورُ صداه في أمانينا وردّدْ

                     فإذا الحلمُ سرابٌ وإذا النيرانُ تخمدْ

وحدهُ غنّى بهمسٍ والورى غنّى وأرعدْ

                 أتْهمَ القومُ سُكارى ونأى الحادي فأنْجدْ

صيَّرَ الحِكمةَ داراً وبنى في الدارِ معْبدْ

***

زائرٌ وافاكَ فجراً دونما وعْدٍ بموعدْ

                  حامِلاً أطيافَ ذكرى من سناها يتزوّدْ

جَاءَ يرْوي ذكرياتٍ وأحاديثاً بِمُسْندْ

                  بعدما شاخ المُغنّي والفتىقد صار أدردْ

أٓهِ من طيْفِ خيالٍ أشْعلَ الذكرى وأوْقدْ

               ألْفَ جُرْحٍ بِفؤادي جاوزتْ جُرحَ المُهنّدْ

ما على الصيّادِ لوْمٌ لو رمى السهْمَ وسدّدْ

                      نحو قلبٍ مُستهامٍ جاء فجراً يتصيّدْ

في زوايا ذكرياتٍ تاه فيها وتبغددْ

                 مدَّ جسراً من ضلوعيو علىالجسْرِ تمدّد

بين (معْروفينِ) يسعى خاشعاً والسعْيُ أحمدْ

               من (رصافيٍّ) تغنّى نحْوَ (كرخيٍّ) تهجّدْ

تعِبَ الساعي فدعْهُ فوق ذاك الجسْرِ يرقدْ

                    عانق الأعظمُ فِيهِ كاظِمَ الغيظ المُقلّدْ

غادةٌ صلّتْ بقْربي ودَعَتْ في ظِلِّ أغيدْ

                    إن أتتْ كلُّ الرزايا منك ياربّاهُ تُحْمدْ

رُبَّما نجزعُ حيناً إن طغى الضُرُّ وأفسدْ

                     عفْوَكّ اللّهمَّ فأغفرْ حسْبُنا إيّاكَ نعْبُدْ

***

مصطفى علي

 

نور الدين صمودلأنَّا جميعًا نُحِبُّ الْحياةْ

فإنّا سنبقى لهذي البلادِ الْحُماةْ

نُذلِّلُ بالعزم كلَّ الصِّعابْ

ونرفعُ رايَتَناَ فوقَ أعلى الهِضَابْ

لتبقَى ترفرفُ كالنَّسْرِ فوق السحابْ

ونَسْعَى بدربِ التَّقدُّمِ طولَ الزمنْ

ونُعْلي، بعزمِ ذوي العزمِ، أغْلَى وَطَنْ

ونَرْسُمُ في الأُفْقِ رَمْزَ انتصارْ

ويشدو الكبارُ

ويشدو الصغارْ:

معًا في سبيلِ الحياةْ

فإنّا لهذي البِلادِ الحُماةْ.

* * *

نُغَنِّي ونُنشدُ أحْلَى نَغَمْ

ونَرْفَعُ، للنَّصرِ، أغلى علمْ

يُرفرفُ في الأْفْقِ فوقَ القِمَمْ

ونَرفع سبابةً جعلتْ للتحية في الصلواتْ

وأفصل َوُسطَى أصابعِ كفِّي

لأبْرزَ أجلَى وأجمل حرفِ

يشيرُ إلى الانتصارْ

ويصرخ في لُغَةٍ الغربِ وهو لعمري

يُهشِّمُ إن قالها وزنََ شعري

ويبقى ينادي

بكل اعتدادِ:

لنا (فيكتوار)

لنـا viktwar

ونصرخ في الغاصبين: (digaj)

وراء DIGAJ

ونرسمُ في الجو رمز النتصار

ونَرفَعُ فوق رُبانا العلمْ

ونبقى بحزم ننادي

بكل  اعتدادِ:

أ يا فخرنا في جميع الأُمَمْ

ونُقـسِمُ باسمِكِ أغلى قَسمْ

بِأنكِ في القلب مثلُ الحَرمْ

ونَكْتُب في صفحات الحِمَى

بأغلى الدما

وفي سِفرنا الذهبي لتاريخنا

نخطُّ بِسِـنِّ القلمْ:

بأرواحنا نَفْتَدي خَيْرَ أمّْ

فنحن بَنو أعظمِ الأمهاتْ

نقدسها فهي في الكونِ أغلَى الهِباتْ.

ونُقسِمُ أنّا جميعًا نُحِبُّ الْحياةْ

وبالدمِ نكتب: إنا نحب الحياةْ

ونرفض للسِلمِ أن ينعدمْ

وننشد دوما: نعيش جميعَا

ونجعل حبر النشيد نـَجيعَا

ونبذل أرواحَنا كيْ يعيش الوطنْ

ولسنا نموت ليحيا الوطنْ

ولكنْ ننادي جميعا جميعَا:

نعيش نعيش جميعًا جميعَـا

بـِرغم المِحَنْ

ليحيا الوطنْ

كريما عزيزا برغم الأعادي

لتحقيق أسمَى المبادي.

* * *

نورالدين صمود

 

لمياء عمر عيادوهجٌ  مباغتٌ يخرُج الضّوء منّي

يشقّ فَراغي بصداه.. ينثُره شظايا

أقِفُ والجسدُ مرْتَخِي ،

 ولا من رجاءلجسَدي

المطرُ يُطْرِب تراَبي بإيقاع الخصب

فيفوح الربيع

تجزّأتُ في نخوتي

صعدتُ إلى حَمئي

ولا مداد َلذاكرتي

اليومُ عامي الأخير ...انتهى

أجوب دمي فاغرة

أروم اإكتظاظ الفصول بي

ألتقي بعرائي

فأتزين بالقصاىد

أسترُ عورةَ حرفي

وحرفي يجوب شقوقَ أطلالي

عظامي غصون ..هجرتها طيور اللهفة

سأنتظرني ذات مطر

حين صَمْتُ العواصف في

 

بقلمي" لمياء عمر عياد"

 

سليم الحسنياهتاج الأمير غضباً، لقد قرأ بضعة سطور على جدار، فأرسل الى المدائن أن يأتوه بمن يدفع عنه الغائلة، فهذه السطور ستتبعها سطور، وسينكشف ما حرص على كتمانه طوال سنين.

استعرض المتطوعين واحداً واحداً، لم يجد فيهم ذا كرامة وعزّة، وخزه الغضب بنتوئه الحاد، فصرخ بأعوانه:

ـ أين أصحاب العلم والفضيلة؟ أيكون أفضل خلّاني الذي يذبّ عني، مطعون بسمعته، يجرّ وراءه فضائح النساء؟

سكبوا عليه قربةً من ماء بارد، وشرب قربةً مثلها جرعة واحدة، فما هدأ غضبه، وراح ينشد مفاخراً:

(ولكنما البلوى بأشباه ساسةٍ

صغارٍ وأن البقَّ من بعضهم أقوى).

وراح يصرخ بوجوه أعوانه:

ـ هذا أنا، كلهم أمامي بقّ وبعوض، أنا صاحب البلاد والعباد، أنا الذي ينحني أمامي كبار القوم، أتعجزون عن العثور على رجل من أهل العلم من يدفع عني الضيم؟

هزّتهم صرخاته، تحوّلت سيقانهم الى خيوط واهية، انهاروا أمامه، جلسوا على الأرض، فحين يغضب الأمير، تبلغ القلوب الحناجر، فقد يحرمهم بركته، ويشطبهم من ديوان العبيد، وعند ذاك تسوّد الدنيا ولن يروا النور ثانية.

وفيما كان الأمير يزمجر بغضبه، مرّ من أمام الدار رجل أحنى الدهر ظهره، وجدهم يتلقون غضبه صاغرين، ورآه يسكب عليهم حمم الطغيان، حدّق فيه طويلاً، تفحصّه من عمامته لمداسه، هزّ يده أسفاً، قال بصوت متعب، سمعه كل مَن في المدينة:

ـ ما أعجب الزمان حين ينقلب الحال، كان يخاف ظله قبل أن يسقط التمثال، كان ممشاه عند حواف الطرقات، وكانت دقات قلبه الخائفة مسموعة كلما رأى شرطياً. أيكون هذا هو ذاك؟

مضى الرجل العجوز وقد ازداد تقوس ظهره، وكأنه حمل ضعف ما رآه في حياته حين رأى الأمير بحاله الجديد. توجه صوب بيت قديم مهجور، كان يقيم فيه المعلم الأول، عذّبوه ولم يحنِ رأسه، قتلوه ولم يسقط أرضاً، كان يريد لهم الحياة، لكن الأمير ورهطه كانوا ينتظرون موته ثم صاروا يتمنون موت أبنائه، وموت تراثه واندثار كل ما ترك.

ظلت زمجرات الأمير مسموعة، صراخه لا ينقطع، يكرر الوعيد، ويزيده وعيداً:

ـ أنا الأعلى والأعظم، هذا الزمان زماني، سأصيرهم بقّاً وبعوضاً، وسأبقى أنا فوق الخلق والختم معي.. غطّوا على السطور المكتوبة بالجدران، حرّقوا الكلمات والدفاتر. 

هتف المعتاشون بصوت واحد:

ـ أنت ظل الله في الأرض، لك العتبى حتى ننال منك الرضا.

 

سليم الحسني

 

عبد الستار نورعليبمناسبة عيد المرأة:

إلى التي كلّما تحدّثنا عن الحقوق، تتصرفُ بالواجبات،

إلى التضحيةِ الدائمة، إلى رفيقةِ الدربِ (أم جوان).

*   *   *   *

ومرّتِ الأعوامُ، هذا العيدُ يزهو وردةً، حبيبةً..

أماً، وأختاً، رِفقةَ الدربِ التي ترفلُ بالأنداءْ،

قصيدةً رقيقةَ الأصداءْ.

وكلَّ عامٍ تُطلقُ الشفاهْ،

والأسطرُ الخضراءْ،

تحكي عن النساءْ،

في دورةِ الظلمِ، وجورِ العالمِ المليءِ بالشرورِ..

والحروبِ والأهواءْ.

تحكي عن القهرِ الذي يلاحقُ المرأةَ..

يمحو دورَها، وحقَّها.

تحكي عن العالمِ في الدوامةِ السوداءْ.

*

ومرَتِ الأعوامْ،

أنا وأنتِ والثلاثةُ الأقمارْ،

نرسمُ فوقَ لوحةِ الجدارْ

ما تحملُ الأشجارُ منْ ثمارْ

ريّانةٍ بالحبِّ والأفراحِ والأنوارْ.

يا خيمةً دافئةً، كنزاً منَ الإيثارْ.

*

نحكي عن الحقوقِ، تحكينَ عن الأطفالْ:

طعامِهمْ، رغْباتهم، ثيابِهمْ، ونومهمْ،

خروجِهمْ، دخولِهمْ، شتائهم، وصيفهمْ.

تحترقينَ حينَ لا ترينَ في عيونهمْ

مواسمَ الفرحةِ والصحةِ والضياءْ.

*

نحكي عن الحقوق، تحكينَ عن الأهل،..

عن الأخوةِ والخواتِ،..

عن جيراننا الغارقِ في الهمومْ.

*

نحكي عن الحقوقِ،..

تحكينَ عنِ الجائعِ والعاري،..

ومنْ يسهرُ لا ينامْ

في موجةِ الآلامْ،

*

يا أوضحَ النساءْ،

تحترفين الحبَّ في قلبٍ يرى الحبَّ سماءً

باهراً تعجُّ بالنجومْ.

ما قيمةُ القلبِ إذا لم يعتلي الغيومْ

لتُمطرَ الأرضَ، وكلَّ الناسِ،..

تسقي الزرعَ والضرعَ،

وتحمي الكونَ منْ مرارةِ اليحمومْ؟

*

ما قيمةُ الطقوسْ

في معبدِ العشقِ إذا لم تمتزجْ بالصدقِ..

في حرارةِ الكؤوسْ؟

ما قيمةُ الانسانِ في العالمِ

إنْ لم ينحني ويرفعِ النفوسْ؟

هذا الذي رأيتُهُ، شربتُهُ، فؤادُكِ الهادرُ..

بالحنينِ والناسِ، وألوانِ الكؤوسْ.

يا أطهرَ النفوسْ،

تحترفينَ الحبَّ، وهي حرفةٌ مليئةٌ

بالشوكِ والصخورْ،

والنارِ والبخورْ،

وحكمةِ العصورْ،

وحرقةِ الصدورْ.

*

وأنتِ أنتِ تحملينَ صخرةَ الآلامْ ،

في جبلِ الأيامْ،

يا أصلبَ الأنامْ.

*

ينامُ في القلبِ صدىً عن حالمٍ، عنْ عالَمٍ،

يرفلُ في البياضِ والخضرةِ والحمرةِ والزرقةِ،..

لا يعاقرُ السوادْ.

لو كانتِ القلوبْ

ينبضُ في دمائها حُبٌّ..

منَ العالمِ هذا نرفعُ الراياتْ،

تبرقُ بالشموسْ.

*

نحكي عن الحقوقْ،

وفي رؤاكِ أفقٌ، طفولةٌ بهيجةٌ سعيدةٌ،

عدلٌ، وفاءٌ، تضحياتٌ،

مطرٌ يزخُّ بالخيرِ وبالسلامْ،

قناعةٌ تخجلُ منها الحكمةُ القديمةُ الجذورْ،

حُلْمٌ عنِ الزهورِ والحبورْ،

يا أعطرَ القلوبِ والزهورِ والحبورْ.

*

لا يستطيعُ العالمُ المسحوقُ هذا

أنْ يكونَ كاملاً كما نريدْ.

لا يستطيعُ الناسُ في الأرضِ جميعاً

أنْ يكونوا أنقياءْ

كما نريدْ.

*

لو كانَ كلُّ الناسِ أنقياءْ،

لسادَ في الأرضِ مسراتٌ، وجناتُ النعيمْ،

ونحنُ مُكرَمونَ فاكهونْ،

نقطفُ منْ ثمارِها ما نشتهي،

اشجارُها لآلئٌ دانيةٌ،

أنهارُها منْ عسلٍ،

وأنتِ في ظلالها ترعينَ، تنعمينْ.

*

يا واحةَ النقاءْ!

ليسَ على الأرضِ يوتيوبيا..

غيرَ أحلامِ ذوي الأفئدةِ العاشقةِ..

الفسيحةِ الأرجاءْ،

تحملُ في أكفِّها المصباحْ،

ينزفُ بالآلامِ والجراحْ.

لكنّها تدورُ في الظلامِ كي تحيلَ هذا الليلَ

في لونِ الصباحْ.

*

يا أمَنا العذراءْ،

حينَ رأيتِ الابنَ روحَ القُدُسِ الأقداسْ،

يحملُ فوقَ الكتفِ الصليبْ،

ويرتدي الأشواكْ،

وينزفُ الدماءْ،

أشرقتِ العينانِ لكنْ

في الفؤاد الحزنُ والجرحُ،

وشوقُ الحبِّ، والنورُ ، تراتيلُ السماءْ.

*

يا أكرمَ الأحياءْ،

صُبّي على قلوبنا منْ قلبِكِ النبضَ..

ومن أحلامكِ الضياءْ،

وحُرقةَ الباحثِ عنْ مسلةِ الحبِّ،

وعنْ إشراقةِ الوفاءْ.

*

صُبّي، وإنْ كانَ علينا أنْ نصُبَّ منْ قلوبنا

تمثالَكِ الباسِقَ منْ ذهبْ،

وتحتهُ ننحتُ من أرواحِنا الإسمَ،

ومنْ أضلاعِنا الحقوقْ،

يا أوضحَ النساءْ!

**

عبد الستار نورعلي

آذار 2019

 

 

فلاح الشابندرناس من أسفل

سطرُ واحدُ..... حبلُ ألغسيلْ

أقرأ ورقة التوت.....،

العتمةُ في الفراغ، خميرةُ ذبابْ....،

تستثيرُ كلاباً ..، تنبحُ الذنب والخوف...!

عندما الجوعُ ... امرأة....،

عريها

ولا يجزعُ الظل، إذا ما اجتُرحَ بالفضةِ

تدعوني رغبة بها

تشتهي ان تكونَ وتبكي أن تكون

صبارُ فيكَ   النبلُ أخضَر... والضدُ فيكَ أعزلَ...!

بانكسار قالت:

أنا ... لوحُ زجاجٍ أعزل

أحتسي  القيظ جمراً

وأقرأ الرغيفَ  هوة......!

ما أن يخاف الليل يعوي في الخرائبِ ويتلوى بأحشائي ....،

جوعُّ يتوعد بيعي...

أيها الاجردُ

أما   فيكَ من الحب..؟

الجوع يتوعد بيعي

رغيفُ مرُّ يطفو على ماءِ المرايا....

وجهي من يُصافح وجهي.....!

كسوتُ عُريها رثاءا

قالت:

أنا أجملُ غباواتكَ و اجملُ حظكَ

أيها الراهبُ الرمل...!

من زمنٍ ولم يغسلْ  وجهكَ  المطرُ

وما ينبتُ فوقَ اجتراحكَ

غير أظافر الشوك

وتُمنيكَ ظلا وفياً

شموعُك تهالكت  لليلٍ يهُرب منتصراً من نافذتك  الموحشة...!

والنسغُ القطني يشرئبُ اخرَ الزيت لفانوسكَ العجوز .

تتثاءًبُ عيونُك والنوافذ

وقمصانُكَ  المعلقةُ سماواتُ ارق

قل لي ياشيخ:

اي موعدٍ والحصادُ تاخر.....؟

قلت:

رماد أخضرَ

قالت:

الضبابُ يتثاءَب

نام ا لليل وامرأةُ من دونك

أما فيك من الحبِ......

نعم: مسافة الحطبِ جوف الثلج....!

***

فلاح حسن الشابندر

 

قصي الشيخ عسكرفي مطعم "علاء الدين" بدأت حياة جديدة  إذ بعد يومين من لقائنا زارني السيد وضاح الى البانسيون،ورتب لي وضعي الجديد.. الإقامة.. الشغل، واقترح علي أن أسجل في مركز قريب للغة باشرت الدوام فيه من الثامنة حتى الثانية عشرة...

وأكثر ما ارتحت إليه أنه تعامل معي بطيبة وعفوية..كان يتكلم بصراحة عن نفسه  وفترة شبابه.الطيش الذي عاشه اكتشف زيفه بعد هربه إلى موسكو..وعلى الرغم من أن غيري قد يجد مبالغة فيما يقوله إلا أني صدقت أقواله إذ لم أجد  أي مسوّغ  لأن يكذب حتى أني من كثرة ماحدثني عن مشاداته في العراق ظننت الجرح الغائر على أرنبة أنفه نتيجة لعراك ما لولا أنه ذكر لي أن ما أراه في وجهه هو نقرة من ديك اندفع ليلتقط رطوبة المخاط من على أنفه عندما كان في سنته الثالثة. غير أن أكثر المشاهد التي يفخر بها والتي أعادها على مسامعي أكثر من مرة وربما ذكرها لغيري ذلك الحادث الذي أوسع به وزير الخارجية الحالي لكما في المدرسة المركزية وازداد اندفاعه حين وجد المدير يحاسبه على فعله فرفع رحلة الجلوس ليضربه بهاوكاد يفصل لولا الواسطة التي أنقذته فتم نقله من المركزية إلى المدرسة الجعفرية حيث أكمل البكالوريا..كان هذا أول شجار له مع البعث.. وآخر مرة استخدم عضلاته هنا في كوبنهاغن يوم حاول أحد المهاجرين وآخر دنماركي أن يساوموه على رشوة .. ضريبة .. راقبا المطعم وطلبا مبلغا كل شهر فلقيا منه تأديبا لم يجرؤا بعده على المرور من الشارع..

كان جسمه وطوله يؤكد عنفه..

لكنه لم يعد بحاجة إلى العنف، وقبضة اليد، والعراك بعد أن مرت عليه أشهر هنا..السلام نعمة نفقدها في بلداننا. نكون ،ونحن غاضبون، أشبه بالحيوان الهائج.. ولعلني أتكيف لهذه الحالة الناعمة بمرور الوقت إذ أن رحلتي تشبه رحلته تماما لكن بصيغة أخرى ... أما أنا فعلي أن أحمد أولئك الذين رموني خارج الحدود..في وضح النهار..بدلا من أن أهرب إلى موسكو ثم بولندا فكوبنهاغن..بل  قال لي المفوض مع عدد من الناس هذه الشلامجة .. تلك هي إيران.. إذهبوا.. ذاك بلدكم.. سنين تأكلون من خيرات العراق  وتنكرون الجميل.. أيها الجاحدون..حسنا فعل ..وإلا لكنت الآن أمارس عنفا من نوع آخر..

أعيش جحيما ثانيا لا أعرف منى ينتهي وقد أحترق قبل أن يتوقف!

كوبنهاغن هي التي جمعت الهارب والمطرود، ومما جعله يهتم بي أني فكرت بالعمل أكثر من أي شيء، وضاح قدم عام 1965 من بولندا مع بضعة عراقيين رافقتهم عقدة الدراسة..هناك من أصبح طبيبا، ومن صار مهندسا،وأحدهم عمل في سكة الحديد، وآخر مترجما .. لم نزد عن سبعة أنا الوحيد من بينهم أصبحت مليونيرا.. من يصدق أن أستاذا جامعيا وطبيبا يمكن أن يستلف مني!أنا أيضا أحمد بلوط يمكن أن أتعلم اللغة مدة سنة، وأصادق فتاة.. الصداقة تعلم.. مازلت شابا والطريق أمامي.. في المستقبل أستطيع بعد الخبرة والمال أن أفتح مطعما خاصا بي.. الشغل المناسب لنا نحن الأجانب،وفق رأي وضاح، المطاعم ومحلات الخضرة، نقود كثيرة ومكاسب..المهم أن لا نترك الضرائب تأكلنا وبعد عقد من الآن تزداد خبرتي فأصبح صاحب محل..

هذا في الظاهر ، فكيف أدرك مما في الخفاء.

رجل بدا ألوفا ودودا صريحا.. رسم لي مستقبلا هائلا..تحولت معه من عامل إلى مالك.. صاحب محل.. ولم أكن وقتها أفكر بالزواج لا من دانة أو أية فتاة أخرى..

صحيح أني أشعر معها براحة تامة، وأرى فيها عفوية وبراءة.. خلال الساعات التي نقضيها معا أني لا أحسّ بالتعب... تغمرني راحة لوجودها من الساعة الواحدة وقت مغادرة السيدة شارلوتة إلى السادسة حيث تتركني دانة مع وضاح.. كانت لفحة الحرارة خلف السيخ تكاد تلسع وجهي، فأطل نحوها أو أنسى لهب النار متشاغلا بضجة تأتي إلي من مدينة الألعاب ، ولعل صوت قطار يئز من محطة الأستر بورت.. حرارة نار أتجاهلها بصوت ألعاب وحشرجة قطار قريب أو بلفتة إلى " دانا".. هذا كل ما في الأمر كأن العالم كله لايعنيني إذ ذاك فكرت أن أصرف النظر عنها. مازلت جديدا في شغلي، والسيد وضاح وضع ثقته فيّ.. أحتاج إلى فتاة .. حرية.. جنس.. قبلات في الشارع ، شقراوات يتأبطن سودا.. عشيق يلعب بردفي صديقته..أنا يمكن أن أحصل على شيء لكني لا أرغب في أن أتجاوز على عاملة في المطعم.. فقد تتزعزع ثقة وضاح بي وبذلك يتزعزع مستقبلي كلهّ!

حتى جاءت تلك الليلة فنطقت عما يجول بخاطر السيدوضاح...

مقدمة لمعنى آخر غامض فاتني أن ألتقطه في حينه..

كنت أنهيت ترتيب الكراسي والطاولات، وفرغت من تنظيف الأرضية ثم بدأت أغلق الباب إلى المنتصف، وكان من عادة وضاح أنه بعد أن أجعل الباب المطل على مدينة الألعاب يهبط إلى النصف،وأطفيء معظم الأضواء، ء يبدأ يراجع الحسابات، ويتلاعب بالماكنة، وغالبا ماكان يدندن بأغنية قديمة،أغنية وحيدة  سمعتها أول يوم نزلت فيه القبو وأكاد اسمعها منه كل ليلة لكنه هذه المرة بدأ يغنيها بصوته:

داده جميل اشبدلك

يفتر عكس شغل الفلك

داده جميل شبدلك

الله صوتك جميل ...

تلك الليلة حين انتهى من المقطع،التفت إليّ قائلا:

هذا الشيء الوحيد الذي بقي عالقا في ذاكرتي من العراق!

صوتك جميل

مجاملة ..

أبدا ياسيدي جميل والله جميل.. كان بإمكانك أن تسأل غيري !

كنت أعشق المقام العراقي وأتفنن فيه .. القبانجي ، حسن خيوكه.. الغزالي..

كان بإمكانك أن تصبح مطربا أليس كذلك؟

فاتسعت دهشته عن ابتسامة:

الرفاق أنفسهم  توقعوا أن أكون مطربا فيما لو سارت الأمور على خير مايرام لكن تعرف السياسة وانشغالي بهتافات أيام زمان!

وعاد إلى الغناء ثانية ،ثم توقف فجأة وسألني:

هل أنت مرتاح مع دانا؟

فتاة رائعة تعلمت منها بعض الطبخات الغربية." وزادني سؤاله فضولا، فقلت ": اسمها لطيف يشبه الأسماء العربية.

هذه الفتاة أبوها أصله من تونس قدم إلى بولندا يدرس ، كان شريكي في مطعم أسسته في بولندا

هل هو متوفى؟

لا نذل .. رجع إلى تونس حالما انتهت مدة إيفاده وكانت أمها حاملا بها!

مع من تسكن!

أمها ماتت بسرطان الثدي قبل عامين وهي تسكن وحدها في الشقة نفسها!

وسكت فتطلع إليّ ، ونظر بابتسامة ماكرة، فقلت :

هل نذهب الآن!

لاتكن أبله ، سنذهب ، أحدثك عن فتاة عمرها 18 عاما ليس عندها صديق، وتحدثني عن الذهاب، طول فترة العصر وحدكما ولا تعرف كيف تحصل منها على موعد!

كنت اظن لها صديقا!

لا أبدا . قد تكون صادقت شابا ما شأنها شأن المراهقات قبل بلوغ السن القانونيّ. أسبوع.. فترة ثم انفصلا ليس ببعيد لكن الآن لا..

الحقيقة فكرت في الأمر لكني حسبت حسابك. قلت يمكن تعدني ..

وقبل أن أكمل عض على أسنانه وقال مقاطعا:

لا تكن أبله..  ماعلاقتي أنا..كن شاطرا قبل أن يأتي أشطر منك ويأخذ اللقمة من فمك!

حسنا مادام هذا رأيك سأحاول معها غدا

فهز رأسه، وقال باهتمام بالغ:

إسمع لاتندفع أكثر، أنا لو استشرتني لاقترحت عليك أن تدعوها في يوم عطلتك إلى القبة السماوية،عالم بهر حقا!

حسنا ليكن مثلما تقول!

4

هي كوبنهاغن التي كانت في البدء قبل كل المدن الأخرى كفاتنة تفتح ذراعيها لعاشق ظمآن..كانت نكهة القبة السماوية مازالت تداعب عيني...رأيتها عن بعد وقرب وفكرت أن أدخلها أحد الأيام..طعم آخر من الألوان والصور أبصرته للمرة الأولى في حياتي.. جاءني من خلال فرقعة  أقراص الفلافل في الزيت الحار :

مارأيك أن نذهب في يوم الاستراحة إلى مكان ما؟

ابتسمت، وهي تلوك أحد الأقراص، وانصرفت تحضر قطع الكوتوليت:

هل زرت القبة السماوية من قبل؟

سمعت بها للمرة الأولى في البصرة قيل إن في الجامعة قبة يمكن أن أرى من خلالها النجوم،ولا أظن أن السيد وضاح أقترح أن تكون أول مكان للقائنا مصادفة:

لا سمعت عنها فقط وعن النجوم.

هناك فلم روسي عن الفضاء، وهبوط الإنسان على سطح القمر.

المركبة الروسية نقلتني إلى الفضاء كنت على الأرض دقائق معدودة.. قابلت في الغابة نمورا وفيلا وبعض أفاع عملاقة تلتهم غزلان بريئة ثم سرعان ما انقلبت إلى الفضاء.. وبقي علي أن أنسى الشرق، الفلافل، الشاورما، الكباب.. الدنماركيون أنفسهم يعجبهم المطعم الشرقي.. رائحة الفلافل تحيطني،هربت حقا ولم أنس..هي ذا آسيا .. حرب بين العراق وإيران... سريلانكا.. التاميل.. فلسطين... لبنان.. وجوه شرقية جديدة منها وجهي يظهر في شوارع كوبنهاغن، ووجبات من إيران وتركيا ولبنان تعرّف نفسها، رائحتها أخذت تفوح  في كوبنهاغن..اجتزت أمس شارع النورو برو فرأيت قشعريرة تعتري أرصفته.. ها نحن في عام 1981 ولم يكن من محل شرقي فيه سوى مجزرة الحاج شعيبي.. الدنماركيون يحاولون أن يذكروا الشرق، وأنا أتجاهل.. إذ لم أعد ذلك المطرود من بلد ظنه بلده إلى وطن آخر أنكره..لكن هناك من أفنى عمره  أدى الخدمة العسكرية وغنى بحماس: موطني .. الجمال والجلال ..في رباك.. والحياة والنجاة..أنا نفسي لا أصدق.. كانت هناك مدرسة تعلمت فيها.. أطللت منها على الدنيا.. مدرسة الجمهورية الإبتدائية..معلمون طافوا بذهني مازالت أسماؤهم عالقة في خيالي:أستاذ حميد معلم اللغة الإنكليزية،أستاذ عواد أبو العلوم،علي معلم التاريخ، أغاني الصباح: بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ..لغتنا لغة القرآن لغة الضاد هذا الحرف لا يسكن إلا بلادنا وألسنتنا.. النبي يا أولاد يقول أنا عربي والقرآن ولغة أهل الجنة.. هناك في الجنة نحن الأولاد لانتعلم أية لغة أخرى.. الإنكليزية صعبة..لغة واحدة..أصدقاء طفولة مازلت أذكر اسماء عدد منهم..ومن بعد الإعدادية المركزية..والمقهى الشعبي في محلتنا..مباريات كرة القدم التي نذوب في حماستها.. دائما نشجع الفريق العراقي..نتحمس ليفوز على الكويت..المعلق الكويتي وعقدة الكرة التي تابى أن تهزّ الشباك..أرغب أن يحقق الفريق نصرا على الفريق الإيراني والسوري وفريق كوريا كي يترشح لكأس العالم..كل تلك المشاعر والصور الأحاسيس تلاشت. أخيرا قيل له أنت غير عراقي ..لا علاقة لي بالعراق..  البلد المجاور هو بلدك . عائلتنا توزعت كما يوزع القصاب جثة خروف..أما أنا فلا ضير علي ّسوف أصبح بعد أعوام قليلة مواطنا.. أنتمي لبلد .. آخر مكالمة لي مع أخي في الكويت علمت منه أنّه بدأ يصفي تجارته في الكويت .. اشترى للعجوزين بيتا في كوجة مروي.. قلت له لماذا لاتفعل مثلما فعلت أنا  أو " آمال" فتجاهل سؤالي وطلب مني أن أبعث له رسالة فيها عنوان ثابت حتى يراسلني إذا ما استقر في إيران.. فذهبت إلى البريد اليوم بعد أن انتهيت من ساعات اللغة وكتبت له رسالة دونت فيها عنوان المطعم.. لكن يبدو أن ذلك الجواب الذي أنتظره من أهلي لن يصل إلي قط

"دانا " اليوم بعثت رسالة لعلني أعرف عنوان أهلي في إيران

ففالتفتت إليّ وقالت بأسف:

آمل أن تجدهم في يوم ما !

أتظنين ذلك؟

إنس كل شيء الآن اترك التفكير وهواجسك، نحن في عالم يريح الأعصاب !

ليس ببعيد أن أذهب إلى الشرق بصحبة "دانا" مجرد زيارة..من يدري هل كنت توقع في يوم من الأيام أن أهبط في كوبنهاغن مثل آدم الذي فوجيء بطرده من الجنة ليتعلم لغة أخرى قبل أن يعود مرة أخرى فيجد لغته الأولى بانتظاره وكل ما درسه لم يعد يغنيه ،إذاً عليّ أن أفعل مثل وضاح الذي لخص البلد والوطن بمقطع من أغنية كلاسيكية قديمة راح يدندن به كل ليلة، فماذا أفعل الآن سوى أن أحدق بعتمة النجوم والأفلاك فوق رأسي :

ألبس النظارة أفضل

أرتديتها وكنت أرى كاكارين، والمركبة الفضائية، وعالمة الفضاء تستقر في المركبة وحدها في الفضاء أ ياما وشهورا، اختلست نظرة من دون نظارة إلى الشاشة  والتفت إلى "دانا" وعدت أغطي عيني من جديد،في تلك الليلة لم أتجاوز حدودي إذ لم يفتني أن اللقاء تم بترتيب من قبل السيد وضاح.. كان يريد للموضوع أن يسير بهذا الشكل وعندما انتهى عرض الفلم سرنا باتجاه شقتها .. اجتزنا طرف البحيرة  متجهين نحو شارع المشي حين سألتها:

كم مر عليك من الوقت في المحل؟

عامين!

مرتاحة مع السيد وضاح؟

رجل نبيل أعده مثل أبي فقد ساعدنا كثيرا أنا وأمي!

وزوجته أيضا طيبة!

أنها تعدني مثل ابنتها

كشف خواطر.. جس نبض لأسمه ماشئت.. المهم أن أتحدث معها وإن كنت لم أتمكن بعد من الحوار غير أني سأحاول أن أجمع ما تعلمته في المدرسة.. أخلط الدنماكية بالإنكليزية:

ولدت هنا؟

في وارشو ابي من تونس كان شريك السيد وضاح في مطعم بوارشو ترك أمي وأنا في بطنها حالما أتم دراسته، وبعد عامين من ولادتي صفت أمي المطعم هناك وقدمت إلى كوبنهاغن!

بعد بضعة أيام على اللقاء،وبعد الدندنة المعتادة آخر الليل،وخلال تسوية الكهرباء،بدأت الحديث هذه المرة. قلت كأني أستطلع رأيه في لقائنا:

كان الشريط عن الفضاء رائعا!

أووه رأيت مثله في سينمات موسكو حتى مللت!" غير موضوع الحديث فجأة كأنه كان ينتظر كلامي فهو إلى هذه الحظة لم يسألني عن موعد ثان مع دانه مع أني رأيت انطباعا ما على وجه زوجته حتى بدت " شارلوته" أكثر حنانا في اليوم التالي لذلك اللقاء:

المهم ليس الشريط..الشريط وسيلة ..المهم أنت كيف تفرض شخصيتك عليها كيف تتعامل عليك أن تفكر في الخطوة القادمة!

كانت مرتاحة جدا،وسعيدة..

طيب مادام الأمر كذلك لدي اقتراح أظنها توافق عليه يبقى الأمر لك!

خيرا؟

هل أنت مرتاح بالبانسيون.

ليست هناك من راحة تامة فأنا،على الرغم من الهدوء أشعر أن هناك شخصا أو أشخاصا يعرفون متى أخرج ومتى أعود...

لدي حل إذا كنت جادا في البحث عن سكن صديقتك.. زميلتك في العمل أي صفة يحلو لك أن تطلقها عليها لديها غرفة زائدة عن الحاجة مارأيك أن تسكن معها .. تدفع لها إيجارا.. سألتني منذ مدة عن أنها تفكر بإيجار الغرفة لفتاة..

وهل توافق؟

لا أظنها ترد طلبي." وضحك ضحكة ساخرة" حجر  تحرك.. أنت في النعيم..

توكل على الله لا تكن أثول كلمها أو أكلمها أنا؟

5

لم تكن لي علاقة مع أية فتاة قبل انتقالي للعيش مع " دانا" في شقتها. هكذا وجدتني في كوبنهاغن، وما كنت أراه بعيدا أصبح قريبا..هناك انتماء جديد .. عائلة .. أسرة عوضتني عن أسرة منعتني منها ظروف أقوى من إرادتي..أقول هذا الكلام في هذه اللحظة يوم كنت مثل ماكنة الكهرباء .. أو حاسبة المبيعات .. الدم الآن يغلي في عروقي .. الغضب وحده يتحكّم بي..كانت الأيام تبدو مشرقة ذهبية في يوم يعفره القتام والضباب، وإن طال نهاره في الصيف بالشمس فطوله البارد الضعيف البطيء يشعرك بالكآبة..

إني لست وحدي..

معي شابة لم تصل العقد العشرين من عمرها..فاتنة رائعة أحاسيسها كلها معي ..لم أعد أحترق حين أرى الظهور العارية في الصيف، والصدور،والسيقان وأفكر بالمراقص والملاهي . كل ما أراه في الشارع أو أسمع به أجده عندي في الشقة..فقد منحتني "دانا "الحب والحنان.. عوضتني عن عائلة انتزعت منها حتى لم أعد أفكر بعنوان أهلي الحالي..قلت في نفسي لعل الأمور تهدأ .. بعد سنتين أحصل على المواطنة ، فأذهب في زيارة إلى الشرق أبحث عن أهلي..ولعل " دانا" ترافقني.. إنها فتاة طيبة أشعر أنها تتألم لي.. تخاف عليّ.. كنا نستغل يوم عطلتنا- يوم الأحد- في قضاء الوقت بخاصة فترتي الصباح والعصر قبل الغروب في المشي على ساحل البحيرات، والتجول في المنتزهات،بعض الأحيان نقصد السينما أو نقضي غالب النهار في مدينة الألعاب..

مقابل ذلك كان السيد وضاح يعدني – فيما إذا جرت الأمور على هذا المنوال- بحياة مرفهة.. ماذا غير أن أصبح صاحب محل مثله..أنتمي لبلد مثل الدنمارك.. ضرب مثلا لي بنفسه.. وقد أحسن يوم هجر الشرق والسياسة من دون رجعة ولم يبق في ذاكرته سوى بعض الحنين يجسده مواله المختصر ..كان يقول لي إننا لم نولد على هذه الأرض مهما تعلمنا هنا وعملنا فسيبقى فراغ بييننا والإسكندنافيين لكن أبناءنا الذين يولدون على هذه الأرض سيكونون من أهلها.حسن ويوهان اسكندنافيان..

وأنا سينتسب أبنائي لهذا البلد...

ومع كل رقته تلك فقد شعرت أنه يحاول أن يقرب بيني ودانا...

أو يبدو أنه في غاية السعادة لعلاقتي الخاصة بها..

بعد سنة أنهيت دورة اللغة.. وكان عملنا أنا و"دانا" في المطعم لايوفر لنا الراتب فقط ، وبعض وجبات الطعام، فغالبا ماكنت أتناول وجبيتي الغداء والعشاء أثناء العمل بل إن السيدة " شارلوته" التي أظهرت مودة كبيرة لي ولدانا بخاصة بعد أن اشتركنا في السكن.. راحت تلح علينا أن نأخذ مايكفينا من مما يفيض من طعام معنا إلى المنزل.

حتى جاء يوم ذكرني فيه السيد وضاح ببعض ملامح الشرق.. قلت: سوف أزور الشرق بعد أن أستقر وأصبح مواطنا.. أسأل عن أهلي كي يرتاح ضميري..وقد نسيت أن أذكر أني رأيت بعض الشرق يكتسح كوبنهاغن.. بمرور الوقت وطول الحرب.. وغليان الجبهة بين العراق وإيران ولبنان وإسرائيل بدأت تبرز كل يوم ملامح في كوبنهاغن تثير تساؤل الدنماركيين، شعيبي لم يعد وحده صاحب محل في شارع " نرو برو" فقد برزت هناك واجهة لمحل خضروات، وأخرى للصرافة، وثالثة لمحل صياغة.. صور تعددت لمستقبلي الجديد الذي ذكرني به السيد وضاح. ربما لا نستطيع أن ننسى لكننا نكابر فنتجاهل..هناك شيء ما يريد أن يقوله السيد وضاح.. أصبحت أعرف طريقته من خلال عشرتي له. زوجته كانت لطيفة معي ، وأصبحت أكثر لطفا حين سكنت مع " دانا"، أما هو فإني أستشف من غنائه الموجز المقتضب شيئا خفيا فأدرك أني مهما تجاهلت فلا بد أن تكون هناك حقيقة  تذكرني بالماضي سواء الناس الجدد الذين أراهم في الشارع أو وضاح نفسه.

هذه المرة ، من دونما دندنة، يكفي أنه جاء مبكرا قبل ساعة وطلب من " دانا" أن ترتاح ،ثم حمل معي كتلة الشاورما من القبو إلى الطابق العلوي.قال إنه جاء مبكرا  ليجهز طلبا للنادي الثقافي البولندي الذي يحتفل بذكراه السنوية..وحين فرغنا من رفع السيخ إلى قاعدته في الأعلى جنب النار، ووقفت ألتقط أنفاسي، حدج عن بعد " دانا" التي كانت مشغولة مع زبون بنظرة، وقال:

بان عليك التعب من عمل الليل.

فهززت كتفي كأني لم أكترث لقوله:

البارحة لم نعمل شيئا مما تفكر به.

سواء فعلت أم لم تفعل أظنك شعرت بالفرق بين حياتك السابقة وعيشتك الآن أليس كذلك؟

وقتها غاب عني أن السيد وضاح لابد أن يجد مدخلا مناسبا لأي موضوع جديد قلَّبه على عدة وجوه فضمن نتائجه سلفا:

بلا شك ذلك صحيح!

لكن إحذر ، مسألة الحمل..

دانا ليست قاصرا

لكن يا أخي يا أحمد يا ابني..ياصديقي العزيز  نحن شرقيون.. وإن عشنا هنا ربما من الناحية النفسية يصعب على أحدنا أن يكون له ولد يدعى ابن زنا حتى وإن كان المجتمع يقبل ذلك هو الشخص المعني حين يخلو إلى نفسه يجدها..

نحن نأكل اللحم غير المذبوح ،ونشرب الخمر،للمرة الأولى أكلت طعاما لم أسأل عنه، تجاهلت..وقبل أسبوع ترآى لي أن أجرب الخمر، أردت أن أعرف سره، رأيت الدنماركيين يتناولونها مع الوجبات، وعلى واجهات المحلات إعلانات وصور .. توبورغ.. كارلس بيرغ.. البيرة هنا ثقافة فلم أبتعد عنها.. في بلادنا يطلقون عليها كلها عرقا..لايدخلون في التفصيلات..سكران يتأرجح في الشارع.احتسى عرقا، البيرة عرق والويسكي عرق.النبيذ.. لافرق.. سألت وضاح قال: أنصحك أول مرة لاتشرب كثيرا قنينة بيرة تكفي…كأس نبيذ .. إذا شربت كثيرا تتقيأ.. جرب.. جرب كل شيء لكن لاتدمن.. دخلت يوم عطلةٍ فوتكس. تلفت كأني لص.. ثم ضحكت من نفسي.. لست من عائلة متدينة وأخي " صابر "الذي في الكويت يأتي دائما للبصرة.. ثم يعود ومعه قنينة ويسكي يخفيها في مكان ما بالسيارة.. إشرب قليلا على مهلك.. ولم يؤنبني ضميري للحرام.. مارست الحرام..أكلت لحما. شربت خمرا.. عشت مع صديقة.. ولم أفهم السر بعد:

هناك مسألة نفسية تخص الإنسان نفسه وإن كان لايعتقد بالله .. قضية أن يكون له ابن حرام..تلك مسألة متأصلة فينا وأظنك تتفق معي..

نعم " هززت رأسي وواصلت" أتفق معك لكن أنا متأكد أن " دانا" تتناول حبوب منع الحمل.

إفرض حدث خطأ ما..وهذا محتمل..

انصرفت أعدل مقياس اللهب ، وأمرر السكين على شرائح اللحم التي تساقطت في قعر الوعاء المعدني أسفل السيخ،وخطوت إلى كدس الفلافل..فعلت تلك الحركات كأني أمنح نفسي بعض الوقت للتفكير….أتأمل .. أرفض كلامه أو أقتنع:

كلامك صحيح مائة بالمائة.. العلاقة الرسمية أفضل غير أن معظم الدنماركيين إما  يعيشون علاقات صداقة أو حالات طلاق..

لعلمك المرأة الاسكندنافية لاتخون الرجل ولا تمله إذا لم يخنها أو يفكر بالانفصال، معظم الخيانات تأتي من الرجل،وأمامك مثل حي أنا وشارلوته.. تزوجنا منذ عام 1965

أول سنة وصلت إلى كوبنهاغن؟

قال متحمسا بالضبط بعد أربعة أشهر.

إذاً تقترح علي أن أتزوج " دانا" .

الأولى والأفضل لك لأنك معها تستطيع أن تبني مستقبلك.. إجمعا بعضا من راتبكما كل شهر بعد عقد ستصبحان صاحبي مشروع.. كشك.. محل بيع خضرة..مؤسسة صغيرة.. أو قد يتقدم بي العمر فأترك لكما المطعم وأتقاعد…

ثم سكت كأنه لم يكن بحاجة إلى رد مني..نزل إلى القبو..وتشاغلت عن العارضة الزجاجية بالنظر إلى باب مدينة الألعاب ثم سرعان مارحت ألف كتلة الشاورما على النار ، كانت الشمس تميل إلى الغروب، ومصابيح الشارع بدأت تلقى بلونها الشاحب الخفيف على الشارع، ومع حلول الظلام راح الزبائن يتقاطرون على المحل وقتها كنت أتلهى بالمشاهد المحيطة : باب مدينة الألعاب.. وهج النار والشاورما.. قطع البفتيك في العارضة..كعك الصباح.. قناني البيرة.. والعصير.. أخيرا.. قلت مع نفسي لم لا أجرب .أنتمي لعائلة..ذلك يقربني من أن أصبح مواطنا.. لي مثل بقية خلق الله أسرة..ترددت كلماته في ذهني طول اليوم، حلمت بصداقة فجاءني عرض زواج.. .. بيت..نعم...الزواج .. ليكن ذلك وقبل أن أغلق المحل وأنزل الباب الخارجي إلى المنتصف لأراجع الحسابات معه قلت له مذكرا ...

لقد فكرت بقولك الزواج أفضل!

لا تتعجل.. المهم عرفت أنك لا تمانع.دع الأمر لي..

قال ذلك،ولم أدرك وقتها أنه ينصب نفسه وصيا عليّ ليحدد مستقبلي وفق الصورة التي تدور في ذهنه.

 

د. قصي الشيخ عسكر

..................

حلقة من رواية: علاء الدين

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

لن أقرأَ حرفاً ممَّا يكتبون

لن أطَّلعَ على أيِّ قرارٍ ممّا يقرّرون

لن أتكلَّمَ في السِّياسةِ بعدَ اليوم

ولن أتحدَّثَ عن الاقتصادِ

الذي فقدَ أطرافَهُ منذُ ثلاثينَ عاماً

ولن أتحدَّثَ عن مجلسِ الوزراءِ

أو مجلسِ النّوابِ

أو مجلسِ الأعيان ..

*

ربّما المقهى الذي ينهضُ على حافَّةِ الطَّريق

أكثرُ إنتاجاً من تلكَ المجالسِ كلِّها

لن أستعدَّ للحجِّ هذا العام

فالطّريقُ إلى دمشقَ ما زالَ مُغلَقاً

والأمكنةُ التي أُحبِّها

تتباعدُ عنَّي

كما تتباعدُ الذَّراتُ في تجربةٍ فيزيائيَّةٍ ..

*

كلَّ يومٍ أتأملُ هذهِ السّفينةَ

التي ترسو على اليابسةِ

فأرى ديدانَ الصدأِ تلتهمُها شيئاً فشيئاً

وكلَّما اقتربتْ منها الرِّياحُ يُهاجمُها السُّكون 

وأرى الأشرعةَ كثوبِ متسوِّلٍ عجوز 

لا تستجيبُ لأوامرِ القُبطان ..

*

لا أعرفُ لماذا أشعُرُ أنَّ هذا القُبطانَ

ما زالَ يعيشُ في العصرِ الحجري 

وأحياناً يظهرُ لي على هيئةِ صنمٍ

حافٍ عارٍ

يضعُ يديه أمامهُ

كأنّهُ طفلٌ في صفّهِ الأوَّل

غيرَ أنَّ النَّاسَ تطوفُ حولَهُ

وتُصلِّي ..

*

ما أكثرَ الأصنامَ في بلادِنا

وما أكثرَ الحجارةَ الضَّالة

كلَّها تنهشُ من ظهورِنا العارية

ومن صدورِنا

ومن أثداءِ أُمَّهاتنا

ليتَ هذه الحجارةَ تبتعدُ عن تعبِنا

وعن تعبِ أولادِنا

كلُّ البيوتِ في وطني ذابلةٌ

ومُعتِمةٌ

تسألُ القناديلَ عن آخرِ الليل

وتسألُ السُّقوفَ عن أوَّلِ النَّهار ..

*

أخافُ أن يخرجَ لنا نهارٌ

من فمِ أفعى

فالأفاعي السَّامة

تكاثرت بسرعةٍ في وطنِنا

تجدها في كلِّ مؤسسةٍ أو وزارةٍ

تبحثُ عن فريستِها

بين ركامِ أحلامِ المواطنِ

أو بين أنقاضِ مستقبلِنا

الذي لم يتشكَّل

أو تهدَّم قبلَ التشكيلِ ..

*

ما أثقلَ خطواتي هذه الأيام

وما أثقلَ لساني

كلَّما حاولتُ أن أصرُخَ يخونُني لساني

ويتعثَّرُ بالحروفِ

فكلُّ الحروفِ غيرُ صالحةٍ للاستعمالِ

كأنَّها مُصابةٌ بالفسادِ ..

*

منذُ خمسينَ عاماً

وأنا أتمنى أن نُحاسبَ فاسداً واحداً

منذُ خمسينَ عاماً

وهم ينهشُونَ جسدَ هذا الوطنَ

ولا يشبعُون

منذُ خمسينَ عاماً

ونحنُ نجوعُ

ونعرفُ أنَّنا نجوعُ

ونعرف سببَ الجوعِ

لكنَّنا قبلَ أن نموتَ

نختارُ الوطنَ

ونموت !

***

د.عاطف الدرابسة

 

عطا يوسف منصورخَمـسٌ وسـبعونَ ذاعُـمري الـذي فـاتـا

                الـحـمـــــدُ للهِ في مـــــــــا كانَ أو آتــى

خمـسٌ وسَـبعونَ تَـطوي ظِلَّ قـافلتي

                هيَ الـسَــرابُ ولا أدري بــمــا بــــاتـا

خَـمـسٌ وسَـبعونَ أحلامي بها انصرَمتْ

                 تَـقـولُ حَـسـبُـكَ لا رُجـعـى لِـمـا مـاتـا

خَـمـسٌ وسـبعونَ إنْ عُـدّتْ فأكثَرُها

                 ضاعتْ معَ الـقـدرِ الـمَـقـدور أشــتـاتـا

خَـمـسٌ وسَـبـعُونَ قالتْ وهي هازئةٌ

               هـيهاتَ تَـحـــــلَـمُ بـعـدَ الـيـومِ هـيـهـاتَـا

لا الحـالُ تُـغري ولا تـرجوكَ غانيةٌ

                    فامـشِ الـهـويـنا رعــاكَ اللهُ أو تـاتـا

الـحُـبُّ مِنْ زَمنٍ جــاوزتَ مَـنزِلَهُ

                  حـتّى وإنْ كُنتَ في العُـشاقِ شَـربـاتـا

حتّى وإنْ كُنتَ في آفـاقهِ زَجِـلاً

                   عـدا بـكَ الـعُمْـرُ فاقـنَـعْ بـالذي وآتى

فقُلتُ للزمَنِ المَحْـسوبِ لي عُمُـرًا

                    إنْ لـمْ أكُـنْ عـاشِـقًا حـاكيتُ أمـواتـا

لا خَـيرَ في العيـشِ إنْ فـوّتُ سـانحةً

                    مــا كــانَ طـبعي إذا صممتُ فـوّاتـا

فالحبُّ يبقى وإنْ عانيتُ مُنطلقي

                     عَـبـدتُ فـيـهِ الـهَ الحُـسـنِ لا اللاتـا 

قد أمسكَ الحبُ في تلبابِ قافيتي

                       لله أنـتَ أمــا حـــا ولـتَ  إفـــلاتـا 

إنّي نَحتُ على بابِ الهوى ألـمي

                   فصِـرتُ اُعْــرفُ بينَ الـناسِ نَـحـاتـا

قـلبي يُمزقُهُ سَـهمٌ لـغـالـيتي

                     يا ليـتها شَـعَرتْ بالعطفِ أوقـــا تـا

وقفتُ في بابهـا حـيـنًا اُسائلُها

                     باللـينِ غـالـيـتي مـا جـئتُ شَـحّـاتـا

بـغــدَادَ غـالـيتي إنْ كُنتِ في شُغُلٍ

                      هَـلّا جَـعـلـتِ الى لُـقـياكِ مِـيـقـاتـا 

بـغـدادَ غاليتي ها أنتِ في زمنٍ

                 عـلا بـه الـوغـدُ أو مَنْ كانَ قَـتّـاتـا **

متى أراكِ كما قد كُنتِ شـامخةً

                     أقـولُ سَـعـديـكِ هـاتـا كأسـها هـاتَـا 

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور  - كوبنهاجن

الجمعة في 1 / آذار / 2019         

 ..........................

** الـقـتّـاتْ : معناه الكذاب

 

شلال عنوزيسابقني خطوي ويشربني الوجدُ

                      فأرتدُّ شعراً في تفرُّدِها أشدو

أشمُّ هواها عاشقاً مُتعاشقاً

                   أتيهُ شموخاً حيثُ يلثمُني المَجدُ

هي البصرة الفيحاءُ تسمو أصالةً

            على زهوِ سَعفِ النخلِ ينتفضُ العهدُ

يبادلُها السيّابُ شعراً وقُبلةً

                    ويرقصُ مجنوناً بساحلها المَدُّ

على كلِّ شبرٍ من ثراها حكايةٌ

                     لكلِّ فنونِ العارفين هيَ المهدُ

مُشرّعة الأبوابِ ماطرة الوفا

                    يطلُّ مهاباً من طلائعها السّعدُ

تزقُّ رئاتِ الدهرِ علماً فصاحةً

                 ويغفو سلاماً في نواظرِها الوَردُ

أُسائلُها أين الذين عرفتهم؟

                   فأين سناءٌ ؟أينها ارتحلت هندُ؟

وأين سُلاف العشق مُذ كنتُ يافعاً

                  يداعبني التحنان يمطرني السُّهدُ

وأين ضفاف الفاو أين هزارها

                      يشاطرها الحنّاء بوحاً فيمتدُّ

تطوفُ برأس الشمس شقشقةُ الندى

                     فيخضلُّ حبّاً في مباهجها القدُّ

على عزف ماء الشطّ أودعتُ قُبلتي

                    فياشطُّ دعني في جنائنها أعدو

رأيتُ بُكاها الآن حافية المُنى

                       أعدُّ أساها حيثُ يأكُلُني العَدُّ

ممزّقةُ الأثوابِ مخذولة ُ الخُطى

                          تنوءُ بحَملٍ يستبدُّ به الشدُّ

يعاتبني العشّارُ مُدمىً مُمزّقاً

                    ويوغلُ في نار الدموع له وقدُ

تُسافر بالأحزان آهات قهرها

                   ويُسرقُ قِسراً من جدائلها العقدُ

تعشّقَ فيها الموتُ وهي صبيّةٌ

              فشاخت رقاداً حين ضاجعها الوغدُ

فيا بصرة العشّاق والحبّ والابا

                     ويادرّة الأزمان من أزلٍ تبدو

أُحبّكِ للنهرين عرساً وملتقىً

                   يغرّدُ فيك الشوق مُحتفلاً يشدو

عراقية الاشراق ماطرة الشذا

                        يعانقها التاريخ زهواً فيمتدُّ

***

شعر / شلال عنوز

 

زياد كامل السامرائييالحماقتي واسفافي

ياروعة أحلامي،

تشرق "طوليا"

مثل قصيبات البردي

لتعود.. مسدودة في طرفها العالي..

يخدعني الليل،

مثلما يحاصرني صداها

أقصى ظهيرة حزيران

وترجع هي لتنام بعد الظهر

فيما تنفلق روحي بماس وحدتي

وتعود أقماري الى ربها،

بجواري،

فلا تجدني.

يا لحماقتي واسفافي

ما أكثر الحب بيني وبيني

والنهار المنسيّ في يدي،

زهرة في الخمسين

تنتظر عاصفتي..

ما أكثر الحُبّ الذي يأويني

دون أن أطير اليها..

عشرون حربا

خبأتها الشوارع الفارغة عني

رقصتْ لكل حفل

بثوبها الأسود

ولم يحفل بها الشاعر الممطور بالخيبات

والسواقي المرّة فيه.

قلبها المغسول "بالكاريبي" أو بدجلة،

لافرق،

لو غفتْ بين طيّات الفرات

وقلبي

قلبها المغسول بباقاتِ وردٍ

أصدفتْ عنها الدبابات

وأغمضتْ فوهات أعينها

لتعبر فوق روحي

على حطبِ قصة جوفاء..

تلك السماء كانت انتِ

وما أنا

سوى الرماد المحتمل.

***

زياد كامل

صالح البياتياتصل نوح بأخيه الدكتور ممتاز، على هاتفه المنزلي بلندن ، فعلم منه بوفاة موسى الكيال، تلقى الخبر بشكل عادي، ولكن " توفى والدنا " التي قالها الدكتور اربكته، فأدرك ان الراحل كشف السر لابنه الاكبر، قبيل وفاته. وعلم من اخيه الدكتور ان امرأة اتصلت به من ايران، عرَّفتْ عن نفسها أنها هيلا، قالت ان المرحوم توفي في بيتهم، بعد خروجه  بفترة قصيرة من مخيم اللاجئين، وانها وأمها اعتنتا به حتى وفاته، واعلمته بمكان مدفنه في مقبرة المدينة  بقم، وأنه سيسافر الى ايران، وأقترح على أخيه نوح، السفر أولا الى سوريا، للحصول على تأشيرة  خاصة من السفارة الإيرانية بدمشق، طمأنه، انهم لن يختموها على جوازه، فرد عليه، سنتفق على موعد السفر، ونلتقي هناك..

هنأ الدكتور أخيه على الزواج وقال سأبعث هديتي على عنوان الفندق الذي تقيمان فيه بعمان، وطلب أن تأتي سيناء في المرة القادمة، كي يهنئها هو وزوجته، وعده نوح، وقال سنتصل بك غدا صباحا، فقال الدكتور وداعا، سأنتظركما.

وفي اليوم التالي، كانا في البريد المركزي، وتم الاتصال  بأخيه ممتاز في تمام الساعة السابعة صباحا بتوقيت لندن، دار الحديث بالتناوب بين أربعة اشخاص هم، (نوح، الدكتور ممتاز، سيناء، الدكتورة زينب زوجة اخيه ممتاز)، انتهت المكالمة بعد ثلاثين دقيقة، كانت عقارب الساعة في دائرة البريد تشير الى التاسعة وخمس وثلاثين دقيقة،  عندما خرجا من البناية شبه المعتمة، الى شمس آذار/ مارس، التي سطعت بقوة في الشارع العماني، استقبلا بوجهيهما هواء منعشا، فيه لسعة برد لطيفة، كانت سيناء متأخرة بضعة امتار عن نوح، تسوي اثناء لحاقها به، لفاعها الصوفي حول رقبتها، ورأت نوح يدس يديه في معطفه، سائرا امامها، قاطعا المسافة بين مدخل البريد وحافة الرصيف، وقفت، تأملت قامته المعتدلة الطول والنحيلة، قصاص الشعر في  مؤخرة رأسه، قالت لنفسها عليَّ ان انبههه ليقص شعره الطويل، رأته واقفا يحاذي الرصيف، التفت اليها يحثها على اللحاق به، لكنها لم تتحرك، صاح بها غاضبا، سيناء ماذا دهاك، كانت شاردة الذهن، انتبهت اليه مرتبكة، وتحركت نحوه قاطعة المسافة القليلة بينهما، وقفت بجانبه تنظر اليه بعينين زائغتين، قلقتين، لا تطرفان، التحمت يدها بيده، التي اخرجها للتو دافئة من جيبه. وسألها، لماذا كنت واقفة كالجماد، رأيتك تحملقين بالفراغ باندهاش وخوف، ماذا اصابك؟ هدأ روعها، فقالت، بينما كنت اتأملك، رأيت سيارة أقتربت منك، أُطلق منها النار عليكَ، فرأيتك تخر صريعا للأرض، فتساءل والآن أتشكين بأني حي أرزق، ولم أصب باذى، ها انا ذا أمامك صاغ سليم، ويدي الدافئة تحتضن يدك الباردة، ضغط على اصابعها الرقيقة بقسوة، فسحبت يدها متأوهة:

  "انت تؤلمني، اين سنذهب؟"

 "لوسط البلد، لمطعم شعبي كما وعدتك البارحة."

استقلا سيارة اجرة، وفي الطريق، سألها لنفترض ان ما رأيتِ لا قدر الله كان حقيقيا، وليس وهما كما تصوره عقلك.. شوفيني راح شلون تتصرفين، وسأعرف مستوى كفاءتك في التعامل مع الحادث، لحظة وقوعه، سأكتشف نقاط القوة والضعف في شخصيتك، اتسمحين لي ان اقاطعك أثناء كلامك، هزت رأسها بالإيجاب.

 بدأت بشرح ما ستفعل، إذا ما أُغتيل زوجها امام عينيها، فإنها ستوقف سيارة اجرة؛ تأخذها لفيلا السيدة الأردنية، التي تعرفا عليها وزوجها، في مدينة جرش الأثرية، سألها، وإذا لم تكن في البيت؟ قالت سأتصرف في موقف كهذا، ولكني متأكدة من وجودها في هذا الوقت من الصباح، فرد نوح وماذا بعد!، غشت سحابة حزن وجه سيناء، وقالت انها سترتمي باكية بين ذراعي السيدة، تخبرها انها فقدت منذ قليل اعز انسان في حياتها، نظر اليها نوح متعاطفا وقال، فماذا بوسع إمرأة ان تفعل غير ذلك، في بلد تزوره اول مرة، نظر اليها بحنان، راحت السيدة تهدئك، وتزرع الامل في نفسك، وتتصل بزوجها تخبره بما حدث، وتقول لك اني لم أمت، وتدعو الله ان ينجيني وينقذ حياتي.

ما رأته سيناء كان غريبا، لم يكن يشبه احلام اليقضة، وليس كما حلمت هيلا، انها كانت في المنام  تغسل قميص زوجها الأبيض، فرأت بقعة دم على ياقته، وحدث لزوجها مقبل ما حدث، والعجيب أن سيناء كانت  تحلم وهي واقفة وعيناها مفتوحتان، فرأت ما رأت. فأستغرب نوح من رؤيتها لكل ذلك، في غضون ثوان قليلة. صمتت سيناء، لفت انتباهها صخب الشارع، وحركة  الناس المتسارعة، غير المألوفة في حياتها في مدينة العمارة، الكل يجري بهوس جنوني وراء مصالحه الشخصية، وشؤونه الخاصة، تكلمت.. اتصلت السيدة بزوجها لتخبره بالحادث، ثم استدعت سائقهم الخاص، وذهبت معي الى الفندق الذي نقيم فيه، سألها نوح وبعد..!

إبتسمت سيناء وقالت، أنها اخذت المفتاح من مكتب الأستقبال وصعدت للغرفة، بينما كانت السيدة تجلس في صالة الأستقبال، تخيلها نوح وهي تلم على عجلة، الملابس المبعثرة على السرير، والمعلقة في الخزانة، وتعثر على رزمة الأوراق، الوثائق التي بعثت في نفسها الخوف والقلق.. والتي خاطر بحياتهما من أجلها، ولم يقبل ان يتخلى عنها، تساءل نوح: وماذا فعلت بالأوراق عندما رأيتها، هل فكرت بحرقها، او أنك احترت.. ماذا ستفعلين بها.. أتأخذينها معك ام تتركيها في مكانها...؟ برهة صمت، استنكرت سيناء ان يتصورها متردده وخائرة في هكذا موقف استثنائي يتطلب اتخاذ قرار سريع وحازم، وأنها لو تصرفت كما تصورها، لكانت في منتهى الغباء، فكيف تترك او تحرق اورقا هامة، وفي الحالتين ستثير الشكوك حولها، بل أنها ستتصرف بهدوء وذكاء فتضعها في الحقيبة، وتخرج مسرعة، كي تعيد المفتاح لموظف الإستقبال، وتستلم الجوازين منه، ذكرها نوح بوجود مشكلة تعترضها عند استلام الجوازين، وعندما تساءلت عنها، ذكرها بأنها قبل ان تستعيد الجوازين، عليها ان تدفع فاتورة الفندق، وهي ليس لديها نقود، انسيت ان النقود معي بمحفظتي!  

وبخته.. تلك مشكلتكم أيها الرجال، عدم الإعتماد على المرأة.. بدونكم تضيع عندما تواجه مشكلة كبيرة، لكنها ردت عليه، انها تداركت الموقف، وقالت للموظف: ليس معي نقود الآن، سيأتي زوجي ليدفع فاتورة الحساب، ويسترد منك الجوازين.

" رائع.. فكرة جيدة، وماذا بعد؟"

صحيح انه كان موقفا محرجا، ان تقف امام موظف الإستقبال وهي لا تمتلك النقود، قال نوح ، سأكمل ما تبقى، كما كنت افعل عندما تروي امي قصة من قصصها، اختار نقطة حرجة على مسار القصة وأكمل السرد..

وهكذا اتخليك عاجزة عن الدفع، ولكن السيدة الأردنية، تنقذك وتدفع الحساب، وتسترد الجوازين.. عدتما الى البيت، لم يكن السيد الأردني موجودا عند وصولكما.. وعندما عاد مساءً اختلى بزوجته وأخبرها بوفاتي، إغتيال سياسي، قتل صديقهما العراقي نوح عبد الله الفرحان، الذي تعرفا عليه وزوجته منذ ايام قلائل، وانه أي زوج السيدة، تمكن ان يستعيد محفظة النقود، والصور الفوتوغرافية التي التقطناها  بجرش، فقالت له السيدة زوجته، كيف سنخبرها بموته، فنقتل فيها بصيص الامل الذي تتعلق فيه..وتساءل نوح اثناء سرده، وهل ستنتهي القصة هنا باليأس الذي ملأ روحك بالقنوط؟  كلا.. لم تغمض عيناك تلك الليلة التي بت فيها بفيلا السيد الأردني وزوجته، كنت تتقلبين في فراشك، حتى اشرقت عليك الشمس في اول أيام المحنة، وانت وحيدة ضعيفة.. قالت سيناء بحزن عميق:

 "وحيدة وضعيفة، هذا الحال التي لا تتمناه كل امرأة في العالم."

أكمل نوح..

وعندما استيقظت السيدة، وجلستي معها على مائدة الإفطار، لاحظت عليك آثار التغير المفاجئ، ذبلت عيناك واصفر وجهك الجميل، تضافر السهاد واليأس والحزن على تحطيمك.. مرة أخرى تقاطعة بحزن عميق:

 "ماذا تتوقع إذاً من امرأة شابة، غادرت وطنها مع زوجها، لأول مرة، لقضاء شهر العسل، فوجدت نفسها في مشكلة فوق طاقتها، وامام محنه لا قِبلَ لها بها.. اكمل نوح مداخلته كما كان يفعل مع قصص امه المشوقة..

  اتخيلك  في صباح اليوم التالي، جالسة على مائدة الأفطار، مع السيدة الأردنية، ، لم تمد يدك للطعام، اكتفيت بقدح الماء وفنجان القهوة، وكنتِ شاردة الذهن، تنظرين للسيدة، ولكنك لا ترينها، كان عقلك مشتت مبلبل، تائه في صحراء افكارك المتضاربة.. وقد بدأت السيدة تكلمك بهدوء، تحدثت معك عن شيئين تفردت بهما المرأة دون الرجل، هما قوة الاحتمال والصبر، قالت لك، وبهاتين الميزتين فاقت المرأة الرجل في مواجهة محن الحياة.. وبرغم ما بدا عليك من الضعف والضياع، فقد استرسلت بالحديث،  بفطنة وذكاء المرأة المثقفة، لترفع من معنوياتك، مستعينة برصيدها العلمي كتدريسية لعلم النفس، بالجامعة الأردنية،

ابتسمت سيناء وقالت:

 "وهل نجحت السيدة أخيرا معي؟"

 اكمل نوح سرده الموزاي لما يفترض ان يحدث لسيناء في بيت السيدة الأردنية.

اجل.. وأنك بدأت تستعيدين وعيك شيئا فشيئا، وتستوعبين الصدمة، وتحولت نظراتك الزائغة والتائهة الى حالتها الطبيعية، في تلك اللحظة انفجرتي في عاصفة بكاء صاخب مرير.. ازحت حجرا او بضعة احجار من كتلة جبل القهر، الذي جثم على صدرك وشل عقلك.. عند ذلك عرفت الدكتورة انها علامة إيجابية على خروجك من الصدمة النفسية القوية، التي تعرضت لها امام مبنى البريد المركزي، وأدت بك الى عدم الاستجابة عاطفيا مع الفجيعة، فجمدت مشاعرك طوال الفترة السابقة. قاطعته سيناء، بنبرة حزينة:

 " وأني سأتقبل ان أكون ارملة شابة، أنزع فستان الفرح والبس ثوب الحداد على زوجي.."

اكمل نوح سرده الموازي..

ولكن الخطوة الثانية التي ستقوم بها السيدة كما اتوقع، ستكون ذات طابع عملي، أكثرأهمية وفائدة من لبس ثياب الحداد. اتعرفين ما هي تلك الخطوة؟

اجابت سيناء بتبرم:

 " لا.. ماهي!"

اكمل نوح سرده الموازي..

 وضع قدميك على الطريق الصحيح، الخروج من المشكلة بإقل خسائر، أشارت عليك السيدة بالذهاب للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، لتسجيل قضيتك هناك، استدعت السائق وطلبت منه إيصالك للمكان، هناك قابلتك موظفة تتكلم الأنكليزية، تعاطفت معك، سألتك عما إذا كان لزوجك أعداء، او انه كان معارضا للنظام، او منشقا عليه، نفيت كل تلك التهم، أخرجت الأوراق وقدمتيها للموظفة، وقلت وانت تبكين.. قاطعته:

" لا  لن ابكي ابدا امام إمراة اجنبية، سأقول لها، من اجل هذه الأوراق قتلوه، لا لن أقول ذلك.. مستحيل افعل ذلك.. لن اشتري حمايتي الشخصية وأمني ثمنا لدمك.."

" وانا ايضا لن استخدمها لأشتري بها حريتي، ستقومين بترجمتها يا سيناء، ونحاول نشرها بصحيفة لا تستغل مشاكلنا لمصلحتها."

"سأفعل.."

أكمل نوح سرده الجانبي ..

اتخيلك تبادلين الموظفة نظرة طويلة، ربما كان كل منكما يتساءل مع نفسه، احقا من اجل حفنة أوراق يقتل انسان! وتساءل .. ولكن كيف ستعرف الموظفة بأهمية تلك الاوراق! الأوراق مكتوبة باللغة العربية! اجاب على تساؤله .. من الخبرة التي لديهم.. ستدرك حتما انها تحتوي على معومات خطيرة، هم يعرفون ذلك من خلال الذين يلتجأون إليهم لطلب الحماية.

تحمست سيناء عند تلك النقطة من الحديث..

" سأترجمها، كي تعرف الحقيقة الخفية فيها."

" وستقول لك هذا مخالف للتعليمات المعمول بها عندنا.."

"ماذا سأفعل؟"

نظر اليها مبتسما واكمل مداخلته، يا حبيبتي سيناء الم تعلمي انه حتى تحين لحظة الكشف عما تحتوي، نستطيع الجزم ان الحقيقة منذ القدم وحتى الآن، هي بيت القصيد لمن يبحثون عنها، والمؤمنون بها، وبالمقابل هناك من يريدون  طمسها، وهم الكافرون بها، هذا هو دأب اهل اليقين، وذات يوم اقسمت ان يهبني الله القوة كي أكون واحدا منهم مهما كلفني الامر. ادعو لي ان انجز الوعد الذي قطعته على نفسي.

في تلك الساعة في صباح آذاري مشمس، مشبع بنسائم منعشة، تهب من الجبال السبعة التي تحيط بعمان، تفتحت شهية سيناء للإفطار، في أحد مطاعم وسط البلد، التي تقدم اكلات شعبية، بعد ذلك الخيال الجامح الذي سرح بها بعيدا، فرأت زوجها مقتولا، مكوما على حافة الرصيف، سألها فجأة:

 " هل تصدقين يا سيناء أني سأُقَتَلُ، انا نوح يا حبيبتي ولست سنوح المسكين.." قاطعته ضاحكة على الاسم الغريب الذي سمعته.

 " ومن سنوح هذا؟"

 " كان صبيا قصيرا جدا، ومصابا بتصلب الرقبة، بحيث كان يتعذر عليه الالتفات يمينا او يسارا، إلا إذا أستدار بجذعه الاعلى، كان يتفرج على الأولاد عندما يلعبون، فيدعونه للمشاركة، ولكنه  كان يرفض دائما، امتاز بقدرته الخارقة على ركل كرة الخرق،عندما تنغمس بمياه المطر، داخل حفرة، فتصير ثقيلة، يركها بقوة على الأولاد فتتسخ ملابسهم، ويجري سريعا، فلا يستطيعون اللحاق به، وكان لا يجيد السباحة كمعظم اولاد محلتنا المجاورة لنهر الكحلاء، الذين تعلموا السباحه وهم في بطون امهاتهم، او امتطاء الدراجة الهوائية كأقرانه الشياطين في الزقاق، فراح بعض الأولاد المشاغبين يسخرون منه، ويصيحون حين يرونه:

 "سنوح بالقبة ينوح"*

فيهرع لأمه باكيا..

"وما الذي ذكرك به؟"

 "رأيته عندما كنت في مدينتنا العمارة آخر مرة، فخطر على بالي الآن"

"ولماذا ؟"

" الاسم، نحن نتشابه بالاسم، بزيادة حرف السين، وما إدراكِ ما السين!"

"عجيب.. قصصك غريبة  يا نوح."

" وما ذنبي.. انا  لم اختلقها، هي قصص واقعية، والواقع أحيانا اغرب من الخيال كما يقال."

" مشكلة.."

" لا مشكلة ولا هم  يحزنون، هكذا هي الحياة، السنوح هناك في الوطن معززا مكرما، ونحن مشردان هنا  في عمان."

 انفجرا ضاحكين بصخب، حتى وصلا وسط البلد، ترجلا من التكسي، ونفح نوح السائق الظريف أجرته، كان الرجل قد اشاركهم مرحهم طوال الطريق،  سارا يدا بيد بمنتهى المرح والسعادة، لمطعم قريب في رواق داخل السوق، جلسا متقابلين الى مائدة، كان المطعم هادئا، وليس كالعادة في ساعات الصبح الأولى، حيث يزدحم بالعمال، الذين يتناولون فيه افطارهم، قبل الذهاب للعمل، جاء النادل بطبقي الفول المدمس مع الخبز البلدي والمخلل، و وبقارورة ماء بارد وكأسين، صفهم بعناية على المائدة، تناولا الطعام على مهل وبشهية كبيرة، ثم شربا الشاي الساخن، دفع الحساب، وعادا للفندق يحلمان بيوم جديد وجميل في عمان، لا يعكرصفوه شيء ينغص سعادتهما، او اخبار مفجعة عن الحرب وتداعياتها المفاجئة. واثناء عودتهما، نظر اليها بإشتهاء، ظهر صارخا في عينيه، فهمت اشتياقه العارم لها، قالت ضاحكة بمرح، سألبي رغبتك يا حبيبي أذا عرفت معنى :

" يلله من حِدَّ  و جِدَّ، وهاك هذا التلميح، إعتدنا ان نقولها صغارا، كلما انتهينا من لعبة نحبها "

تمنت في نفسها ان يعرفها، دون حاجة لتلميح آخر..

اجاب نوح بسرعة مبتسما وهو ينظر اليها شاكرا.

" يعني لنبدأ من جديد."

القبة: تعني الغرفة او الحجرة

النهاية

 

 صالح البياتي

25 نيسان / 2014

..........................

الحلقة الأخيرة من رواية: بيت الأم

 

 

 

حيدر جاسم المشكورقالت: أين أنت من المربدِ

قلت: بالطرفِ الآخر

مع الشعراء المهمشين

نبكي الزمن الطيب والاصلاءْ

على جارات الشبابيك

والمشبكين بالأحلام

بقلوبنا البلهاءْ

على (ندى) التي تكتحل بالقمر

بشفتيها المحمرتين بالرمان

وسواك (الديرم)

بغنجٍ صلفٍ تقتل ودهاءْ

على قبلةٍ مسروقةٍ بطعمِ العنب

وراء نخلة سامقة

تحت سقالات الكروم

يعانقُ الاملُ الغباءْ

على جارتنا السمراء (نجوى)

المتبهرجة بكل لونٍ زاهٍ

والضاحكة بكل مناسبة وعزاءْ

وذي المنجل لقاّح النخيل..

حاج (طه) يغني بصفاءٍ:

سمرة قتلتيني....

فرمته بالحصى سمراءْ

و(سعاد) التي تجوب بين شوارعنا القديمة

تبحثُ عن (وصفي) الغريب

وجميلَ الحي (علاءْ)

فيغمزها العتاّق

وفي قلبه اضطرامُ مشاعر وبُكاءْ

وعن (ليلى) التي كانت مغنىً وديواناً

ما كانت لتألف مجلسنا

نحن شرذمة الهوى

الصعاليك الفقراءْ

فكيف بمربدنا المنيع

يستضيفُ من لفظته ازمنةُ الوفاءْ

مباركٌ عليكم مربد العشقِ

سليلُ بصرتي الغناّءْ

وأنا أبنُ معالمها..

تراثها الثر

استجدي المنى استجداءْ

هيهات..

سأُحاربُ بقلبٍ كله رضاً

وتحت بسمتي ترزح الاشياءْ

ما زال قلبي عامراً

ما لي بقلبكم الاشلاءْ

أُبارك السياب جمعتكم

محفل الشعرِ معاشر الادباءْ

ما كنتُ يوماً دعيّ شعرٍ..

وأن زارني وحيهُ

لكني أبقى رسولَ هوى الاتقياءْ.

 ***

 حيدر جاسم المشكور / العراق

 

فتحي مهذبهكذا تقول أمي

أمام واجهة الكنيسة..

أمام تمثال يسوع المحدق في

خبزنا اليومي..

أمي التي عمدها قس بدم الذبيحة ..

وتوجها بحكمة الهدهد..

- سيكون جرحك ميراثا للآتين

من نفق الجسد..

هكذا تمتطي صهوة الريح..

تقول للنائمين في قاع السهو..

الحياة مكلفة جدا..

غامضة وماورائية..

أحيانا تبدو محدودبة

وعلى ظهرها أكياس الحظ العاثر..

في حديقتها كم الهائل من الثعالب السيئة..

نبتة غريبة تنمو في العتمة..

نبتة اللاوعي المتخفية..

غراب يقذف فيلسوفا بالحجارة..

شجر يصطاد غيما ناعسا

بذؤابة ضحكته الطويلة..

وردة البراقماتيزم الملعونة..

ناس يدخلون ويخرجون مصادفة..

غالبا ما يسقطون داخل حفر النسيان..

بعد مغامرة مريرة ..

وفرقعة عظام العقل على أكمة الأسئلة..

وامتلاءثقوب الحواس برمل الخديعة..

فعلا الحياة رغم مسامير هذه الرحلة المختصرة..

رغم صلبانها اليومي الجاثم على أكتافنا..

عواء الأضداد في غابة الجسد..

صفير مفاصل الهزيمة..

أرجوحة الليل والنهار المصنوعة

من العرق والزئبق..

فداحة موت الأشياء الأثيرة..

وغياب عربة الشمس في الأفق البعيد..

هروبها من الأشكال المتصدعة..

استنكافها من زيارة الموتى..

والمعتقلين في بيوت النسيان..

رغم ذلك الحياة غير مملة..

لا تسبح في النهر مرتين..

عميقة مثل دقة قلب الدوري..

جديرة بمديح أوركسترا الروح..

رائعة وحلوة وجديرة بتصفيق جماعي .

***

فتحي مهذب