قصي الشيخ عسكربدءا اتمنى الاطلاع على المقدمة التي كتبتها للرواية والمنشورة في المثقف الآن بعنوان:

النهر يلقي إليك بحجر.. كلمة لابدّ منها

***

جار الله الأعمى

 ذلك ماحدث بعد سنين من جموحِ حوتٍ كبيرٍ في شط العرب وحيازتي خلال بضعة أيامٍ حجرا أخضر مزرقا من صديق الجميع جار الله الأعمى .. لقد أنستني الأحجار الغريبة الجديدة التي عثرت عليها في مساحة ضيقة بين قريتي الدعيجي والبوارين الحجر الأخضر الذي التقطه من النهر الكبير جار الله الاعمى ذات يوم ودسه في يدي.لن أتحدث عن ذلك الرجل الذي فقد بصره منذ الولادة، كان أحد ثلاثة عميان من أهل التنومة إذ سأكون في غنى عن تفاصيل حياته والقصة التي تروي أنه نظر إلى الشمس في حالة كسوف وهو صغير، فأصيب بالعمىمنذ ذلك اليوم منحه الله حاسةَ أن يقرأَ بعض أسرار الماء، فأصبح صديقا للنهر، كذلك سأَعْرِض عن بعض المفاجآت التي واجهته في أثناء ممارسته لعمليات الغطس أو حين يعود منها إلى سطح الماء .. و لا يهمني كيف يغطس في عزِّ الشتاء قبل أن يتآلف الشتاء والصيف في مدينتي بلون واحد فلا تحسّ لهما في بدنك طعما.تلك الأيام تحدَّث أهلنا عن صقيع يغطي السواقي والحشائش ساعاتِ الصباح في شهري كانون وشباط وسبعة أيام لايطيق فيها من البردِ الجاموسُ الماءَ، حينها كان صاحبنا يلتهم حفنة من الفلفل الحاد ثمَّ يغيب في النهر ليخرج مفقودات صغيرة، قلم حبر .. ساعة .. محفظة .. أي شيء، يقول ممازحا لايقرؤ النهر إلا أعمى مثلي أما أنتم فمبصرون عميان القلوب تظنون السطح أكثر أمانا من القعر.كان الأمر يبدو غير ذي عُقَدٍ، لاسيما إني أتحدث عن نفسي .. واحد من عميان التنومة الثلاثة، ليست مصادفة فنحن نراه كل يوم، التقاني بصحبة أبي .. لايهمني الاثنان الآخران فأصغرهم سِنّاً ليس بذي قدرات تلفت النظر .. لا يتحدث كثيرا .. والثاني مختار أو بيغبن هاجر مثل الجميع وانقطعت أخباره .. أطلقنا عليه ساعة بيغبن .. تلك التي لايثقُ بساعةٍ أحدٌ سواها .. ولن تكون قط هناك نغمة مثلها في يوم ما .. هنا لندن الساعة الآن الواحدة مع نشرة أخبار الظهيرة .. أبي نفسه حين يعود من سقي الزرع، وينتهي من طعامه يجد الراحة في أن يسمع دقات لندن، أسأل ببراءة :

- لدينا ساعة سورين في بداية سوق الهنود أليست كساعة لندن!

- الإنكليز وقتهم مضبوط بهذا احتلوا العالم!

 ومختار؟ألايعطينا الوقت بالضبط تماما؟الساعة والدقيقة، لا يضجر من أسئلتنا نحن الأولاد المتربصين به خلال مسيرته اليومية من البرِّ إلى النهر لكنه نسي أن يمنحني أي شيء مع أني سألته عن الوقت أكثر من مرة فأجابني بابتسامته الأليفة المعهودة عنه، وعيناه تهبطان من السماء إلى الأرض كما أجاب غيري، وكان الوقت هو هو لايخونه قطّ.

ولا أظنه أعطى أحدا شيئا ما ..

 ويبدو أن العميان اعتادوا على الأخذ ماعدا صاحب النهر صديقي جار الله!

 لقد عرف، شأنَ بعضٍ من أهل التنومة، أني أحب الآثار وأنوي حين أكبر الدراسة في الجامعة بقسم التاريخ .. ولعل الأستاذ نبيل معلم التاريخ واللغة العربية في مدرسة الزبير التفتَ، من بَعْدُ، إلى شغفي وموهبتي تلك .. كنا هجرنا التنومة بعد سقوط نهرجاسم .. ومن حسن حظ العائلة أننا استأجرنا بيتا في الزبير، هي حكمة أبي ارتأت السلامة في البعد حيث كَّلما بعدنا إلى جهة الغرب عجزت شظايا المدفعية عن الوصول إلينا، معنى هذا إن جانب العشار حيث تمثال السياب أصبح بعيدا عني بالتالي تلاشت التنومة من نظري بضع سنين، وأمي التي كانت تحذرنا من كواسج الشط راحت تمنعنا، هذه المرة خَشيةً من القذائف، أن نذهب إلى العشار مادامت ليست هناك ضرورة ما، كانت مدرسة الزبير تستقبلني والأستاذ نبيل ذو الأربعين عاما القصير البدين يتحدث عن الماضين وقصص منْ سَلَفَ، وفي درس اللغة العربية يسألنا فنجيب عن أسئلته فيختار منا أساتذة وعلماء آثار في المستقبل .. طلب منا أن نكتب عن هواياتنا فكتبت عن التاريخ والآثار التي شاهدتها حقيقةً أو من خلال الصور، ولو أنهيت الثانوية لاخترت قسم الآثار .. حديث عابر يتداوله التلاميذ فيما بينهم .أمنيات يتسابقون في البوح عنها كأنهم يجارون بها الزمن فيرون أنفسهم كما حلموا .. فلان طبيب .. ابن فلان مدرس .. ضابط .. مهندس .. تلاميذ أحبوا سيادة الرئيس فرغبوا أن يصبحوا ضباطا كبارا في الجيش حتى إذا أصبحوا برتبة مهيب ركن مثل السيد القائد بدؤوا قادسيات أخرى وحروبا جديدة، وأنا عالم آثار .. لكن لا أحد يستغرب من هوايتي، لا الضابط الكبير ولا المعلم أو الطبيب.كنت أسير مع والدي باتجاه المرفأ قاصدين العشار حين سلمني جارالله حجرا أخضرَ مزرقا ادعى انه التقطه من قاع النهر .. لا أحد رآى القاع، لا أدري، ويقسم الأعمى أنه مضمَّخٌ بطينٍ حرٍّ وحصى ناعمِ الملمس .. متى التقط الحجر أعند الصباح أم المساء، في الشتاء أو الصيف .. وإذا احتجت إلى حدث مهم يشغل بال الناس لا في التنومة فحسب بل كل البصرة فيمكن أن ادَّعي أن لقاءنا العابر جاء بعد جموح الحوت الكبير من الخليج إلى شط العرب بيومين .. ظل الحوت يتبع باخرة محملة بالخرفان فنسي نفسه دخل السيبة ومخرت الباخرة الماء إلى مرفأ الداكير عندئذ طارَ اخبر .. حَلْقُ شط العرب يغص بحوت .. يا خلق الله حوت كبير أعجوبة الزمان، بعضهم رآى في الحادث شؤما، وآخرون شكّوا في أنه أمر غامض يستعصي تأويله .. وفي دقائق هُرِعت حشود كثيرة إلى المكان .. انزعجت كثيرا لأن أخي "سليم" رفض أن يصحبني معه إذ ذهبَ معَ شلَّةٍ من الأصدقاء وعاد يحكي عن الحوت الضخم الغريب قبل أن يسهب في الحديث عن حجرٍ غريبٍ خبّأَه هديّة لي من النهر :

- حسنا إنك لم تبصر الحوت الضخم فكثير من الأشياء العظيمة والجميلة يسبب النظر إليها ضررا فمن يستطيع أن ينظر إلى الشمس دون أن يصيبه العمى لذلك سأعطيك شيئا آخرصغيرا وأليفا!

وددت لو سألته هل نظرت إلى شيء أعشى عينيك، فخشيت من تأنيب أبي الذي تساءل :

- مارأيك ياجارالله في الحوت أهو فأل كما يقولون!

فقهقه مائلا برأسه نحوي وقال:

- ماذا تتوقع أن يأتينا من الخليج وملوحتهم أيّ خير أنظر إلى أنفاسنا كيف تتقطع وإلى النهر كيف يهيج موجه عندما تهب ريح الشرجي ؟

فقال أبي ممازحا:

- والنهر؟ ألم تجعله يغلب المرحوم صابر فكاد تلك الليلة يغرق فيه من غير رياح؟

الحكاية قديمة، يتذكرها أبي ولا يتبرأ جارالله الأعمى منها غير أنه يقول ليس هدفه السرقة بل ممازحة المرحوم صابر .. كان ابن عم ابي صابر لا يخاف من المشي في الظلام يجوب البرَّ والبساتينَ والاماكنَ المهجورة، لا أحدَ يعلم كيف تحدّاه قال الأعمى:أنت سيِّد البرِّ وأنا سيِّد البحر مثل الإنكليز والفرنسيين أيام زمانٍ، فسخر صابر منه ومن النهر رآى ألا فرق بين مايفعله جار الله وأيُّ سارقٍ يدهن جِلدَه بِزفِْتٍ يدفع بريحِهِ النتنةِ الكواسج ثم يغط إلى البواخر ليسرقَ مايخِفُّ حِمْلُه وقد ترك جار الله صابراً - بعد هذا التحدي بأيّامٍ- نائماً فوق سطح زورقه المحمل بالرَّقِّي 1 فغطّ من مسافة يسيرة إلى أن وصل الزورق فاندفع إلى السطح وطوق بيديه رأس صابر الذي ظنّ الآخرَ كلب ماء وما كان منه وهو في حالة ارتباك إلا أن يقفز إلى النهر!.

رفع جار الله رأسه إلى السماء وغطى جوابه بابتسامةواسعة:

والله لوعرفت انه لا يجيد السباحة لما تحديته قطّ على كل حال لا أحّدَ يصدِّق أني جئت لأسرق الرَّقي ولست كلب ماء وأنا نفسي أنقذته من الغرق "والتفت إلي كأنه يراني "مادام ابنك يحب التاريخ فليأخذ هذا الحجر أظنه فأل خير كلّما وجدت شيئا في النهر وسألت عمن فقده أجد من يدعيه وربما من يدعي المفقود الخارج من الماء أكثر من واحد أمَّا هذا الحجر فإني سألت الكثيرين ولا أجدُ مَن يدعيه ليأخذه وليذكرني حين يتوفق ويدخل الجامعة !

 مايمكن أن يقال إنّه لا حدودَ لنشوةٍ غمرتني حيثُ اعتاد الأعمى الغوّاص أن يمنح لُقَى يعثر عليها في قاع النهر لأشخاص يدَّعونها من دون ان يطالبهم بأيّ ثمن إلا أنّه أعطاني حجراً لم أدَّعِه، أَمّا ماعكَّر مزاجي وأذهل الكثيرين، فهو الخبر الذي سمعناه بعد بضعة ايّام إذ لم يمرّ أسبوع على حادث الحوت ولقائنا إياه أنا وأبي على جسر نهر "أصفر"حتى عُثِرَ على جثّتِه في البر ..

جار الله الأعمى قتيل في البر ..

مات أوقُتل لافرق ..

رجلٌ عرف كيف يتحاشى الكواسج وتيارالماء الهادر، وموجاً صعبا تهيجه ضراوة رياح الشرجيّ، فما الذي دفعه بعد كلّ هذه السنين إلى أن يقصد حِمِى غريمه المرحوم صابر .. لم يره أحد قط يغادر إلى مكان غير النهر والبساتين الحبلى بالانهار الصغيرة والسواقي .. يستظل بالنخيل يأكل التمر والعنب .. يعرف الأرض المزروعة وشارع التنومة أكثر من أيِّ مبصر ذي عينين .. لا أحد يدّعي أنّه أخذ بيده ليدله على الطريق، قيل همسا شاع في عيون الناس وملامحهم أن لسانه قتله يقول عبارات مبهمة تثير الريبة، الخراب لا يأتي من الشمال بلاؤنا من الجنوب والماء المالح، النهر أوحى إليه كما شاع ألا خطر علينا .. الشرق والشمال والغرب .. ولعلها تلك آخر عبارة سمعها الناس منه ممتزجة بابتسامته المألوفة، والعجيب أن الكثيرين اختلفوا في موته مع أنفسهم ولم يجرؤ أحد على ان يتحدَّث في العلن، فليس بمستبعد أن يكون مسؤول خلية، أو غطَّ ذات يومٍ ليزرع متفجرات تحت الجسر العسكري، والأعجب من ذلك أن جميع من أنكروه وتبرؤوا منه من أحزاب ومنظمات وأفراد دفعا للشبهات عنهم وخشية من بطش السلطة عادوا بعد السقوط يتسابقون في نسبته إليهم حتى كاد بعضهم يدخل مع الآخر في دوامة عنف، ومادمت لم اجرؤ بعد مصرعه، قبل السقوط، أن أحكي لأيّ أحد أنه منحني حجراً استله من الماء، فلا مناسبة الآن أن اذكره لا سيما أني لم أعد أتذكر أين أخفيت الحجر حينذاك.

 قلت ذلك لن يهمني لا سيما أن الأهالي القدامى والقادمين إلى شط العرب من محافظات اخرى لا يتذكرونه الآن هو أو غيره من فاقدي البصر، وربما ادعاه من أنكره من أحزاب وأفراد تعرضوا للاضطهاد قبل سقوط بغداد غرض الشهرة والمال أما أنا فقد ذكرتني به حجارة البرِّ والصداع الذي يكاد يحطم رأسي.

مسمار غليظ تدفعه مطرقة إلى هامتي!

لا أنكر أني كنت أغطس في الشط الكبير متجاهلا تحذير أمي أو غضب أبي وحكايات يرويها كبار السنّ عمّن سبّب الكوسج لهم عاهات دائمة، ومن سبحوا في النهر طويلا فغامروا ليسرقوا البواخر والزوارق ولا حيلة لديهم إلا ان يدهنوا اجسادهم بالقطران حتى تبتعد الكواسج عنهم .. وحين كبرت بقيت تتلجلج في نفسي رهبة من الشطِّ لم تردعني عن الغطس، كيف أرى العالم المظلم المليء بالسمك والغِرْيَن كما يراه جارالله الذي لايبصر ماتحت الشمس ويرى ماتحت الماء، مفارقة عجيبة لا أفهمها، وسواء كنت صغيرا أم كَبُرت واشتدت قوة بدني إلا أني عجزت كما عجز غيري عن الوصول إلى القاع إذ بعد متر وأكثر بقليل أُحِسُّ ثقل الماء وتهدج أنفاسي.

لا أبالغ .. وإن بدوت مهزوما باعترافي .. فليس فينا أحد مثل جار الله الاعمى يثقب الماء بيديه ورجليه.يعوم إلى القاع فيلتقط منه حصاة استقرت عشرات السنين أو أداةً ما هوت مصادفة من الهواء إلى الغور!

ومثلما نتذكر الأشياء الأكثر سطوعا:الحلوة والمرّة في حياتنا أذكر أن آخر غطسة لي كانت قبل اليوم المفترض لالتحاقي بالجيش وحكاية حجر قديم استعصى على ذاكرتي حين تجمعت عندي في غرفتي أحجار زاهية الألوان جلبتها من البرّ.

بضعة أيام تفصلني عن حياة جديدة حفظتني منها خلال حربين عنيفتين المدرسة والجامعة.الجميع عاشوا أيّامهم الحاضرة المضمخة بالقلق والخوف .. الحرب المستعرة عند البوابة الشرقيّة، والحصار والموت القادم من الكويت ثم عجزوا ان يجدوا ملجئا مثلي إذ عشت الحاضر، ووجدت في الماضي ملاذا اطمئن إليه وكبرشعوري بالأمان حين قُبِلتُ في قسم التاريخ!تدفعني رغبة جامحة للآثار، كأن نبؤة جار الله الأعمى تحققت فِيَّ ولو رجعت العقود بي صبيا لقلت بكلّ جُرأة لمختار مروض الزمن بعد أن أساله عن الساعة: يا صاحب الوقت ماذا تعطيني فقد أعطاني جار الله حجر الماء!

وهاهو الماضي يكاد ينصرم فأعود إلى حاضر مليء بالمفاجآت!

كنت أشعر بحرارة الجو ذلك اليوم التموزي اللاهب التي لم تخفت على الرغم من ميلان الشمس نحو الأفق البعيد، لا أخطيء إذا قلت إنه حرٌّ تموزي ونحن في شهر ماي، تموز نفسه بدا شبيها بغيره، كان حَرُّه علامة تدل عليه فاصبح يغدقها على أيِّما شهر قبله أو بعده.لافرق قطّ.لم ألتفت إلى بعض الصيادين الذين انتشروا على الجرف يدفعون بشصوصهم عنهم الملل، ولا إلى صاحب الكشك بائع المرطبات القريب مني، رفعت رأسي ألتقط نفسسا عميقا .. نفثته والتقطت ثانيا ثم رحت أهوي نحو القاع .. الحق إن هيبة النهر التي تحدَّثَ عنها أهلنا وعنفه تسربت من قلوبنا، يوم كنا نستقل المعبر وجدناه عنيفا مهيبا جارفَ التيار وتزداد هيبته عندما تتلظى رياح الشرجي الهابة من الجنوب بقسوتها ولهيبها عندئذٍ يدرك أهل التنومة أنهم لن يتمكنوا من العبور بالزوارق البخارية ولا القوارب، وليست هناك من وسيلة إلا المعبر المثقل بالسيارات والعربات وبعض الحيوانات، والذي يأخذ بالترنح قليلا في منتصف النهر حيث سورة التيار فيلوح كمن كرع حتى أثقلَ توازنَه السكر، حقا ذهبت رهبة النهر يوم بنى الجيش جسرا يربط ضفة العشار بالتنومة وظلت هيبته شاخصة في النفوس.كنت لا أخافه بعد قيام الجسر وقد بقي في نفسي أن أصل إلى القاع فكلما هممت أجِدُني في فسيحِ وادٍ مظلم لا نهاية له .. لا يراودني شعور أني أغطس .. رجلاي تندفعان في منحدر لا ينتهي .. لن التمس أرض النهر فيغشى يدي حجر مثل جار الله .. وبين شكٍّ ويقينٍ عرفت أناملي شيئا ما اصطدم بها وأفلت شيء شبيه بالحجر، لم أسلم من مراوغة الماء، فلعل ما يصطدم بكفي بعض الخدر أو الوهم وأظنه إشارة تنذرني بالغلو والتمادي، وحين أحسست بثقلٍ يجثم على رأسي وتصلبٍ في صدري أوحت الرهبة إليّ لا الخوف أن التيار سيجرفني، وربما شككت في كوسجٍ يندفع نحوي فيقطع قدمي قبل أن أصبح جنديا .. عاهة تنقذني من الخدمة الإلزامية .. رحت أعوم نحو الدرجات القديمة ثم اتخذت موقعي على أقرب درجة التمستها يدي ..

2

انتظار

 كنت أظن أني بعد أسبوع من آخر غطسة لي في الشط أنتقل إلى مكان بعيد عن التنومة باتجاه الصحراء، وأساهم في حرب قد تقع بين عشية وضحاها .. تساءلت وأنا عائد إلى البيت يا ترى أين يبعثون بي وبأية صورة أرى التنومة إذا كتب لي عمر جديد فعدت إليها وبأي شكل تبدو وقد عبرت عليها حرب دامت ثماني سنوات وأخرى مرت قريبة منها؟بعد حرب الخليج الأولى كبرت المدينة وجاءها غرباء كُثْرٌ من أيِّما مكان فضاعت شوارعها من أهلها الاصليين حتى بدوا كانهم غرباء فيها وبعد حرب الكويت البعيدة عنها انتفخت و تطاولت أصبحت أشبه بخيط مطاط .. توغلت بيوتها في البر الذي أعلن ذات يوم عن موت جار الله .. ولا يظن أحد أن شيئا يتغير غير أن للحرب طعما آخر إذ سواء اندلعت مع ايران على حافة التنومة أم بعيدا عنها في صفوانَ فإنَّ الناس يزدادون .. بكتريا تنشطر والبيوت تكثر وتقضم البر .. فتزحف باتجاه الفراغ المترامي الخالية بعض أطرافه من الألغام وقد اقتنع الناس تماما أن كل شيء يمكن أن يتغير بالحصار والحرب إلا الشطّ .. لايصدق أحد أن النهر الكبير يمكن أن يلتوي للحصار مثل الآخرين ولا يخطر ببال عاقل أن سدود تركيا تقدر أن تبتلع ماءه وموجه الذي يتطاول على أمواج البحر .. أو أن النهر الثالث الذي اندلع في برِّ الزبير يطغى بمائه المالح إلى وجه شط العرب .. كان هناك حصار، وخيال الآخرين يتوهج بالحرب.الشط عرفوه من قبل .. لن يصيبه الجدب وما الحوت الذي اقتحمه ذات يوم إلا مخلوق ضل الطريق فلقي حتفه .. فإن لم يضلَّ، وفق تخرصات ظهرت أخيراً، فقد امتدت ملوحة الماء إلى النهر وتلك طامةكبرى، أما أنا الذي غَطِستُ فيه هاربا من الحر قبل دقائق فقد شعرت ببعد القاع عن راحتي وكأن يدا قوية تشدّ على رأسي، فشككت أن النهر تَغَّير .. تَيَّارُه مازالَ يجْرِف الأشياء بعيدا عن مكان سقوطها، وثقل تشعر به حين تغطس إلى القاع فكيف قلَّ الماء وضعف التيار ومن قبل أن يمنحني جارالله حجراً انتزعه من قاعه عرفته ذلك الطفل المدلل الصغير الذي ولدته أمه الفرات من أبيه دجلة كما حدَّثَ معلم المعلومات في السنة الثانية الإبتدائية وخَبِرناه يوم حذرنا أهلنا من أن نغط فيه إلى درجة أننا يمكن أن نحلم في أثناء نومنا بوحوشٍ غريبةِ الأشكالِ تخرج من الماء تحت جنح الظلام فتقضم أرجلنا، في حين تختلط كثير من الهواجس بذهني وتصورات الآخرين.هل يصدِّق أحدٌ أنَّ الأمريكان والإنكليز يغامرون بضرب العراق .. يأتون من الكويت ويدخلون المدن، ومن دون وَجَلٍ ينبش الناس الماضي فيقول قائلهم رحم الله عبد الكريم قاسم كان إذا تحدث في بغداد ارتجف الخليج وأنت ياشاه إيران ايها الطاووس المملؤ زهوا وكبرياء حين تسعل يخرأ آل سعود ومن تبعهم في الجلابيات البيضاء .. أما أنا فأتذكر حوتا ضل قبل سنوات من الخليج ودخل شط العرب فتسطع في ذهني عبارة جار الله هؤلاء لا يأتي منهم إلا الشر، صدقت نبؤة رجل يقرؤ الماء مات على البرّ، الرئيس يعانق أخاه سمو أمير الكويت .. يبعث ببرقية تهنئة إلى أخية جلالة خادم الحرمين .. الأخ سمو أمير البحرين .. ثم انقلبوا أيَّما انقلاب .. فكيف سبق الأعمى الزمن وقرأ صفحة أخرى ليست قريبة على الماء مقابل ذلك فقد حياته ثم أسال نفسي:أين أكون ساعتها؟في أيةجبهة؟هناك حوتٌ ضخم يبدو أنّه مات ذات يوم في الماء أو هكذا وجدناه ثمّ ظهر في البرّ، لقد رآى الجميع على طول الطريق بدءا من صفوان هياكل الدبابات والمدرعات المحترقة في حرب الخليج الثانية.وتحسسوا بكل جوارحهم زيوت الجنود الذائبين على قطع الحديد المبعثرة، واحدة من تلك المدرعات التصقت بعظام أخي .. ومن قبل راح شباب يغامرون ويعبرون على جثث القتلى من حرب الخليج الأولى غرض تفكيك هياكل السلاح المهتريء وبيع قطعه لمن يعملونها صحونا وملاعق لكنْ هذا تحالف .. تكنولوجيا .. طيران.جَرَّب العراق عضلاته في أولِّ صِدامٍ بعد حرب الكويت .. صورة شواريسكوف .. مازالت ماثلة للأذهان.في حرب الخليج الأولى ذاقوا الخراب لكنهم لم يشعروا بالرعب .. خوف فقط .. أما مع الامريكان فلابد من أن يتجلى الرعب الهائل في سلوك الناس ونمط تفكيرهم وإن ظنّ الكثيرون أن الحرب لن تقع أبدا.بلا شك أنا أكثرهم قلقا مما يأتي به المستقبل .. جيلان مرّا قبل جيلي: أبناء القادسية ثم جيل أمِّ المعارك، والرئيس يسمي المعركة القادمة المفترضة التي تقع أو لا تقع أمّ الحواسم .. هل أرمي في الهواء قطعة نقود فأخمِّن وجهها الحرب وظهرها اللاحرب .. سأكون واحدا من أبنائها ولا أعرف كيف أحسمها .. لقد حمتني المدرسة ومن ثمة الجامعة من حربين مهولتين .. القادسية وأم المعارك .. خلال تلك المدة أي خطأ يمكن أن يقلب الحياة رأسا على عقب .. الجندية وتلاشي الأمل في أن أدرس الأرض .. أغوص فيها .. أبحث عمّا تنطوي عليه أحشاؤها.ثم هناك شك يساور النفوس ولا أحد يجرؤ على البوح به كنت في الثاني الإبتدائي يوم توجس أهل التلاميذ أن الحكومة تتحكم بنسبة النجاح .. الحرب يبدو لاتنتهي فليكن هناك مقاتلون .. تلاميذا الثانوية توجسوا .. وأبي يحثُّ أخي " سليم" على الاجتهاد أخي "عقيل " في الجبهة، الطريق أمامي طويل، ولوقدرللحرب ألا تجد لها ختاما لتضيع نهايتها كما ضاعت البداية، فسيكون مصيري كالآخرين .. لاجغرافية ولا تاريخ كَأَنْ لمْ أَعْلَق القديم ولاشغفت به .. وما أيسر أن يتحقق كل ذلك حين أخفق سنتين متتاليتين فأخسر الجامعة وربما حياتي فيما بعد!

 لكن ها هي المراحل التعليمية الثلاث تنتهي.ثمانية عشرعاما تمترست خلف رحلة الصف، فهل تقع الحرب حقا مثلما يتوقع الناس ولا يتوقعون أم هو مجرد لغو إعلامي بين أكثر من طرف لاغير؟

3

الحرب

 لكن الحرب المختلف فيها أن تكون أولا تكون وقعت .. وجه العملة المعدنية هو صاحب الحظ.أصبحت حقيقة لمن أنكرها اندلعت قبل أن ألمس بندقية، وأغادر التنومة، منحتني فرصة أخرى للنجاح مثل المدرسة والجامعة، فرأيت بعيني الجيش وتوابعه يتحلل ويذوب أشبه برغوة تطفو على الماء ثم تتلاشى، ولعلها هي تلك بشرى شط العرب لي بالحجر الصغير الأخضر المزرق الذي لا أتذكر أين وضعته قبل أن نغادر التنومة إلى الزبير في حرب الخليج الأولى!

وها أنا ذا أتنفس الصعداء .. أرى وأسمع كلَّ مايجري فقد كان هناك معنى أوسع من الزمن وفوق كل التوقعات .. أسبوع واحد .. سبعة أيام حالت بيني وبين الحرب إذ تغيرّ كل شيء تماما .. فوضى عارمة والناس في البدء شُغِلوا بجزئيات عن وقائع كبيرة .. تابعنا بلاغات الصحّاف عبر شاشة التلفاز وسمعنا بمقاومة أمِّ قصر .. أبو هريرة الصحاف قال كلاما مقتضبا ثم أختفى ولم يعد .. نحاصرهم من جهة الدورة .. ستتصدى لهم قوات الحرس الجمهوري والجيش المليوني .. أمُّ قصر أَمْ الدورة وخروقات القوات الأمريكية المنهارة .. نعيش الأحداث بعيدين عنها في الوقت نفسه نحن فيها .. ثم انقطع البثّ وانتهت الحكاية .. اكتشفنا أن كل شيء كذب ومبالغة .. عشنا انفجارات هائلة قيل إنها قنابل صوتية تبث الرعب، وصحونا على جندي أمريكي يلفّ تمثال الديكتاتور بالعلم ذي النجمات الخمسين .. كيف تبخر جيش كالغبار في ساعات.قوات الحرس الجمهوري .. جيش القادسية .. الجيش الشعبي .. غلبنا أهل الخليج ضحكوا علينا ثماني سنوات ندافع عنهم.نقاوم الفرس المجوس وأخيرا سخروا منا ومن البوابة الشرجية .. القناة الشرجية .. ليسموها ماشاؤوا، بوكيمون، خلنا العشار أصبح أنقاضا من هول الدوي ِّ وإذا به لمّا يزل سليما معافى، ليضحكوا .. اللعبة الألكترونية تقول .. الامور يختلط بعضها ببعض .هؤلاء اللوطيون همهم فقط الدبر .. ضحكوا علينا ثماني سنوات والآن يضحكون على القوى العظمى بنقودهم .. أما جارالله الأعمى الذي عرف هؤلاء بعد أن جمح الحوت في النهر فقد قُتِل ولم يُكْمِل النبؤة .. غواية الصورة جعلتني أحتل مكان أخي في أحد الدروع خلال حرب الكويت .. أتخيّل الموت يحاصرني من كل الجهات .. ألمح وجه شوارسكوف .. فأتعرض لسلاحٍ خارقٍ يذيبُ الحديد .. ألتَحِم بالمعدن .. فأكون سائلا .. القصة تخيلها المعزّون والمواسون ففطرت قلب أمي، وسمعت أبي وهو يقول على الملأ: لن يبقى عندي إيمان سأنتحر إذا قامت الحرب لا قدر الله فحدث مكروه لابني الأصغر .. يا ترى لو لم يسبق التحالف الزمن ويبدأ الحرب قبلما ألتحق بالجيش فأين أصبح الآن .. في معسكر تدريب بالناصرية حيث البر المترامي الأطراف أم ْعلى أطراف مدينة ما أخلع ملابسي العسكرية.أتخفى ثم أبيع رشاشتي مقابل رغيف خبز، أم أضع طيرا في قفص وألملم أحجارا جميلة من البرّ فأحملها معي ماشيا إلى البصرة!

حرب أشبه بلمحة هجينة نصفها حلم ونصفها الآخر حالَ عيانٍ لا شكّ فيها مثل القنابل الصوية التي دمّرت العشار بأذنيك واحتفظت به عيناك سليما!.كلّ شيء جائز .. الزمن الذي غفلنا عنه فوجدناه لعبةً عند مختار الأعمى وحسابات دقيقة تمثلت بساعة لاتنقص أو تزيد نَقَلَ لنا دقاتِها مذياع .. جاء في هذه اللحظة بموجة فوضى .. وسلبٍ ونهبٍ واغتيالات .. العنيف يختلط باللطيف والشجاع يصبح جبانا، والماء الفرات العذب ملحاً أجاجاً، لا مقاييس، لا جيش ولاشرطة .. فمن يقتل من ومنْ يحمي منْ، وفوق هذا وذاك تُدخلنا دول الجوار بنفق يمتد بعيدا من خلفنا لا نهايةله .. أنتم أهل العراق تستحقون مايجري لكم من عذاب .. صدق الحجاج إذ وصفكم بالشقاق والنفاق، قتلتم ابناء الانبياء، حاربتم الأولياء، قاتلتم الطيبين، حاربتم إيران، سرقتم الكويت، رفعتم السلاح بوجه التحالف، فإن لم تجدوا قوما تحاربونهم رحتم تقتلون أنفسكم .. تحاربون بعضكم بعضا .. في هذه الاثناء، وقد اختلطت الأمور بين الحاضر والماضي، والشماتة والبذاءة، والرعب وانصباب الدم، فرّ أخي إلينا غادر العشار وجاء يسكن معنا في كردلان، أما أولاده الثلاثة فقد ابتعدت بهم الأم إلى بيت الجدِّ في الكوت .. ماالذي ينتظره حزبي قديم مدير مطاحن الجنوب في وقت كان الجميع يلهثون وراء الرغيف .. وهو يرى الناس الغاضبة تطارد بعض الحزبيين، تقتلهم أو تقتحم بيوتهم فتطالب أهاليهم فيما بعد بفدية يمكن أن تنقص بضعة آلاف إكراما لبعض الشيوخ.هكذا جرت الأمور خلال أيام قليلة فيخيل إلينا أنها دقائق طويلة.قرون من الجحيم انحشرت في ثوان، أخي معنا في مكان آمن لا أريد أن أفقده لكنّها هواجسي .. لا أحب أحدا أن يشاركني في البستان .. ذلك لا يعني أني أستهين بمصير أخي .. أو لا تعنيني حياته قط .. أبدا لا أفكر بهذا الشكل البشع بل بدوت لطيفا معه .. حاولت أن أواسيه .. أجاريه .. لم أذكِّره بحوارات التقطت بعضها في غرفتنا نحن الثلاثة مع سليم .. رحت أتحدث عن عشيرتنا وسطوتها وقوتها .. وفرعنا القوي نحن آال النبهان.المسلحون لا يصلون إلينا في كردلان وأخي لا يفضل الخروج بعيدا عن البيت، وهناك في التنومة ممن خدموا الحكومة السابقة لزموا بيوتهم وعاشوا بأمان.

أبي يستعرض أمام أخي أسماء حزبيين نسيهم الناس فقبعوا في بيوتهم ..

وأنا أؤكد له أسماء مسؤولين كرههم أهل شط العرب وأخذتهم الرأفة بهم!

ومن حسن الحظ أنْ لم يطرق بابنا أحد يدعي أنَّ عقيلا آذاه يوم كان رفيقا متنفذا في الحزب .. لكن لاوقت للأمان وإن ظننا العنف بعيدا عنا كنا نزداد قلقا كلما سمعنا بمحاولة اغتيال .. فمن نظن أنه نجا اليوم قد ترديه رصاصة غدا أو بعدحين .. طالبو الثأر والمتضررون من العهد البائد يطلعون بمفاجآت جديدة كل يوم .. اغتيال .. دهس .. خطف .. طعن في الشارع .. ظل أخي يلوذ بالصمت في أغلب الأحيان، ولعل آخر خبر انتشر في التنومة جعل أبي يهيج ويفكر بمخرج لورطة أخي هي الأخبار المزعجة وردت عن مصرع محمد الرشيد .. هناك اثنان خرّبا خِلسةً سلك الكهرباء من أمام بيته.يقال إنه ضر بعض الناس فسجن من سجن .وربما قُتِل بريء بسببه .. خرج يستطلع وفي لحظات حدث إطلاق نار وفرت سيارة إلى حيث لا يعرف أحد ..

أول حادث يسقط فيه قتيل من محلتنا ..

البعثيون مطاردون فإما أن يدفعوا دية أو يموتوا ..

محمد الرشيد أصبح عبرة لغيره وحديث العوائل في التنومةوكردلان، وأي حادث نسمع به يجعل أمي تهيج .. فيحمر وجهها .. ويتلون وجه أخي !

سألته، ولم يكن قصدي أن أبعده عن البستان بل عن الموت:

- هل تقدر أن تنقل عملك إلى بلد زوجتك؟

أجاب بلهجة اليائس المتشائم:

وهل تراهم عاجزين عن أن يتبعوا ضحاياهم؟

فردت أمي مثل النمرة الشرسة:

- مادمتَ لم تؤذ أحدا أو ترفع تقريرا بأحد فلا تخف!

- التقارير والتنسيق مع الأمن من اختصاص ضابط أمن المديرية!

قلت كأني فقط أحب أن أتحدث:

- يا أخي لا تنس ربما يستغل خصومك درجتك الحزبية للوقيعة بك وبنا نحن لا لضرر سببته بل لأن بعض الناس مجبولون على حب الضرر!

 قلت ذلك أداري هواجس يمكن أن تجرح أخي لو بحت بها عن قصد إذ منذ عودتي إلى البيت من آخر غطسة لي في الشط .. أختي تسكن مع زوجها بعيدا عنا، وعقيل يملك بيتا ووظيفة .. ماذا لولم أمت في حرب مفترضة وعدت بعد سنوات لأجد اثنين ينازعاني حصتي في البستان والبيت، مع ذلك لم أجرؤ على مخاطبة أبي، ولا شكّ أننا الآن يمكن أن نتعرض لابتزاز فنبيع البستان، فأُصِْبح لاشيء.أضفت اؤكد هواجسي:

- قد نضطر أن نبيع الأرض أو البيت.

ولزمت بعدها الصمت فقال أبي يتدارك الموقف:

_ إذا كان هناك من شيء لا قدر الله فسيبعث لنا أي متضرر وفدا من عشيرته لدفع فدية!

فاندفعت أمي ثانية بحماس مفرط بعث الهواجس في نفسي:

- لا تخف مثلمايقول أخوك إذا اضطررنا فسنبيع كل مانملك لئلا يعترضك أحد!

كان أخي ينام في غرفة أختي، في تلك الليلة طرق الباب ودخل عليّ .. صمته يفصح عن قلقه .. عيناه مشتتان.كأنه يريد ان يقول شيئا.كنا نحن الثلاثة قبل مصرع أخي ننام في الغرفة ذاتها بيننا ومخدع أبويّ غرفة أختي.كان النوم يداعب عينيّ مبكرا في حين يظلان يتحدثان .. بعض الأحيان التقط حديثهما، فأعي شذراتٍ منه ولا أفهم معظمه .. وفي وقت متأخر بعد مصرع أخي " سليم" عرفت أنهما كانا صديقين في أغلب الأحيان ومختلفين في بعض الحالات، وأن السنتين اللتين سبقتا حرب الكويت كانتا أوج تقاربهما على مابينهما من اختلاف .. وإنهما تحاشيا في حديثهما المسائي بعض العبارات ولجآ الى بعض الاشارات خوفا من أن أفهمها فيزل لساني عن غير عمد .. تلك الحقيقة عرفتها فيما بعد حين استجمعت ذهني أستعيد ذكرى أخي الشهيد الذي ترك فراغا في البيت كلِّه والحق إنَّه كان أكثرنا صراحة وقناعة عن نفسه والآخرين وأشكُّ أن أخي الأكبر عقيل تحمس في ان يعمل مع حزب الدولة عن قناعة تامة.دائما يعرف من أين تؤكل الكتف .. كان وفق فهمي للأمور حينذاك يحاول انه يتجنب الضرر ويغنم الكثير.اندفع في حرب الخليج وتطوع مع الجيش الشعبي .. دخل في حوارات عقيمة مع سليم الذي عُرِفَ بِصَراحةٍ زائدة عن الحد المألوف في زمن لابدّ أن يكون للفرد أكثر من وجه، وقد تحقق لعقيل ماأراد ترقّى قبل غيره في زمن قصير، فأصبح مدير المطاحن .. حسابات دقيقة .. قالها أمامي خلال نقاشه مع سليم إحدى الليالي .. لِمَ لا أحتل موقعا مهما مادمت نجوت من حرب اندفعت فيها متحمسا فغيري ليس بأفضل مني .. سليم نفسه لم يُفاجَأْ بتهافت عقيل لكنَّ الصدمة جعلته يغضب على المدرسة وعلى نفسه .. بالكاد أكمل المرحلة المتوسطة انزوى لايكلم أحدا إلا للضرورة حتى التقطه القدر في حرب الخليج عندها ترك مصرَعه أثراً في نفسي أكثر من أيّ أحد .. صرت أكره صحراء الزبير وخيل إلي يوم ورود نعيه أن جبل سنام تنين يفتح شدقيه، وربما تخليت لو لم يبدأ التحالف حربه الأخيرة قبل خدمتي الإلزامية اني سأواجه موتا لا يختلف كثيرا عن مصرع أخي قلت:

- لماذا لا تأتي لتنام هنا مثلما كان الوضع أيام المرحوم؟

قال من دون مقدمات:

- فكرت في كلامك كثيرا فبدا انه العلاج الافضل!

- هل اقتنعت أن تنقل شغلك إلى مدينة زوجتك!

- بل هي المرحلة الأولى، لذلك جئت أقول لك إني سأبريء ذمتي مع أبي.

- عن أي شيء تتحدث!

- إن الوالد رجل يؤمن بالحلال والحرام سأبريء ذمتي أمامه فأنزل عن حصتي في البيت تبقى أختنا يمكن أن تشتري منها أو تتنازل هي أيضا!

 شيء من تأنيب الضمير يجتاحني .. فكرت بصورة مختلفة تماما .. بعض الأحيان ألوم نفسي إذ ساويت بين رغبتي في البستان ونجاة أخي الأكبر.لقد شغلت نفسي بالاستحواذ على الأرض بعد مصرع أخي الأوسط .. يوم عدنا من العشار وكبرت، ثم تزوجت أختي وسكنت محافظة أخرى .. كنت أرى كل شيء يختلف عما كان عليه أخي الذي خدم في قاطع الوسط أصبح ذا وظيفة كبيرة .. التنومة تغيرت .. زحفت عليها البيوت والغرباء ومابقي الا بستاننا وبعض البساتين الممتدة على الساحل باتجاه الكباسي والحوطة فمن يضمن مستقبلا عصفت أوكادت تعصف به حرب الخليج الثانية :

- الآن في هذه الظروف لا يشغلنا شيء إلا الحفاظ عليك أنت وعائلتك!

فقال بنغمة يائسة:

- ربما لاشيء، لكن لا مستقبل لي، هنا لدي مايكفيني من مال .. قد أبقى مدة ثم اغادر البلد إلى سورية .. تركيا .. الاردن أيّ بلد لايهم .. سأجدُ محطَّةً ألْتَقِط بها أنفاسي ثم أطلب اللجوء!

كبرياء أم اعتراف بهزيمة .. زرت أخي في منزله أيام زمان.كانت صورة الرئيس تزين غرفة الصالون.صورة وصور أخرى .. جذبني أثاث البيت وحالة البذخ التي يعيشها .. مدير مطاحن البصرة في وقت بحثت الناس عن الرغيف .. أيّ رغيف سليم أم مطحون بنشارة لخشب .. البصرة كلها تتطلع إلى طعامها منه .. يمكن ان ينسى الآخرون درجته الحزبية .. منزلته في الدولة غير أنهم لاينسون تقريرا كتبه بحق شخص أو وشاية أدَّت بآخرين إلى السجن:

- هل أخبرت ابي بمانويت!

- أبداً لا، ولا تخبره عن نيتي في الرحيل.كلّ ما في الأمر أني سأبّريء ذمتي بخصوص الأرض!

إزاء مايجري من حوادث سيئة تجدّ كل يوم .. كنت أنا أو أبي وحدنا نجرؤ على الذهاب مضطرين للتبضع أو قضاء بعض الأمور فنجيء إلى البيت محملين بأخبار مافعلته المفخخات والانتحاريون وحوادث اغتيال للمترجمين المتعاونين مع جند الاحتلال أو الحزبيين القدامى:بعضها نتحدث به والآخر نخفيه عن أخي .. كان هناك انكسار ما يلوح على هيبتة هل يقول إنه فعل ذلك شأنَ الآخرين الذين اندفعوا مع العهد البائد فغنموا مناصب كبيرة ولا أحدَ يظنُّ حينها أنَّ دولةً بجيشٍ جَرّارٍ ورئيسٍ قويّ تسقط في بضع ساعات .. كان أخي يؤكِّد، والقلق يرتسم على وجهِ، أنَّه لم يعاقب أحدا ولم يقتل أو ينافق ليزيح شخصاً من منصبه مع ذلك خشي أبي من سوء العاقبة فزار شيخ العشيرة ليزداد أَمْنَاً بحمايته من أسراب المليشيات وعصابات القتل، وامتنع أخي من مغادرة البيت، مع ذلك بقينا في حيرةٍ وخوفٍ، فليس المهم أن يقتنع عقيل النبهان نفسه أنه بريء ولا أن نقتنع نحن أهله ببراءته من أي عملٍ تسبب في الضرر بل الآخرون والمليشيات التي تتربص بالمتعاونين مع العهد البائد!

***

د. قصي الشيخ عسكر

.....................................

حلقة من رواية: النهر يلقي إليك بحجر

1- الرّقي بلهجة العراقيين هو البطّيخ في اللغة العربيّة الفصحى.

 

مصطفى عليلُغةُ المصالح والخنادق والمحاور

بضاعةُ التاجر

ولسان الحال والوجدان قَدَرُ الشاعر

(لا أستثني أحَداً منهم)

***

رأى في البيرِ صورَتَهُ (فَ تاها)

                       بِنفْسٍ راوَدتْ عِشقاً (فتاها)

تَراءتْ ذاتُهُ أحلى عَروسٍ

                             أذلّت أينما مَرّت جِباها

يغازِلُ فتْنةِ الحسنى أناهُ

                       بأوصافٍ بِها خصَّ الشِفاها

يخاطِبُ ظِلّهُ بضميرِ أُنْثى

                        وفي مِرْآتِها السكْرى تناها

يَعُبُّ، العُمْرَ، من دَنِّ المَرايا

                     ويرْشِفُ من جنى وهْمٍ طِلاها

إذا خانتْهُ مِرْآةٌ فَغامَتْ

                          وكدَّرَ وجْهَهُ غَبَشٌ طَلاها

تَراكضَ قاصِداً بيْرَ الجواري

                       وزَوّقَ (عِرْسَهُ) حتى يراها

فَضجَّ البيرُ من ظِلٍّ عليلٍ

                        وشبّتْ موْجَةٌ ترْثي المِياها

على نفْسِ الفتى سَحّتْ سُخاماً

                       غُيومُ الوهْمِ فاسْودّتْ سماها

ومن أعماقِ خافِيَةِ المُسَمّى

                     تداعى الوهْمُ لا يدري إتِّجاها

أراهُ الوهْمُ طاووساً بِذيْلٍ

                           مُوشّىً ريشُهُ وبهِ تباهى

فَخضّبَ ذيْلَهُ بِدَمِ الرعايا

                            وَسَوّكَ بالدِما ناباً وفاها

تَوَرّمَ فارِغاً والْنفْسُ حُبْلى

                         بِحَمْلٍ كاذِبٍ تُرْضي مُناها

شَقيٌّ يرْضعُ الاوهامَ خمْراً

                        كأنَّ النفْسَ لم تبرحْ صِباها

فصارتْ ذاتُهُ مِنطادَ ريحٍ

                         غزاها المدُّ فابتلعتْ مداها

صَحتْ فِيهِ البواطنُ والخوافي

                      وفي الصِدّيقِ (يوسُفِهِ) تماها

زليخاتٌ تَبَدّتْ للمُفدّى

                        وهلْ فيهِنَّ مَنْ سَلِمتْ يداها

مِنِ السِكّينِ حَزَّاً في وريدٍ

                       كَمَنْ شاهدْنَ في حَشْرٍ إلاها

وقدْ سالتْ بلا أٓهِ دِماءٌ

                           سَكِرْنَ بِحُسْنِهِ فَنَسينَ آها

أناديهِ ولكنْ مَنْ أُنادي

                        فقد ذابتْ (أناهُ) في (أناها)

توهّمَ أَمْ تَهوّسَ لسْتُ أدري

                       فكم هامتْ نُفوسٌ في هواها

وعُذراً يا نساءَ الحيِّ عُذراً

                           إذا شطّتْ بقافيتي رُؤاها

فَليْسَ المُرتجى تشْويهَ غِرٍّ

                     ولكنَّ الفتى المهووسَ (شاها)

ينادي أنّني قَدَرُ البرايا

                   وشمْسُ الكوْنِ من كفّي ضِياها

شِعاراتي لكم أياتُ رَبٍّ

                           فبشْرى للّذي منكم تلاها

أنا الحقُّ السَماوِيُّ المُعَلّى

                    ولي صوْتُ الحقيقةِ لا صداها

أنا ديكٌ تَخيّرني دجاجٌ

                     على رأسِ المزابِلِ لا يُضاها

دعوا الكُرْسيَّ لي مُلْكاً عَقوراً

                         أنا رَبُّ الأنامِ وربُّ (طهٓ)

ملائكتي ذوي القرْبى عشيري

                           وقدْ أورثْتُهم عِزّاً وجاها

وطائفتي مُقدّسةٌ جلالاً

                         على هاماتِكم رَفَعتْ لِواها

إصطفانا الحظُّ أسياداً لقوْمٍ

                    عبيدٍ في الحِمى ترْعى الشياها

فَخُرّوا سُجّداً لَهُمُ وإلّا

                           فَللْعاصى جَهَنّمُ أو لظاها

وحاشِيَتي رعيلٌ من قرودٍ

                       مَخافةَ نزْوةٍ قُطِعتْ خِصاها

وفيهم شاعِرٌ خَبِرَ القوافي

                              فلمّا خانها قدَّتْ سَناها

مَلكْنا فامْتَلكْنا كُلَّ نَفْسٍ

                         ونَجْزي مَنْ لنا يوْماً فَداها

وفادي الروح للعرْشِ المُفدّى

                         شَهيدٌ روحُهُ سَكَنتْ عُلاها

أنا النهّامُ مُلْتَهِمُ الخَطايا

                       أيَرْدَعُني خَؤونٌ عن حِماها

يُخاصِمُني أبيٌّ ذو ضميرٍ

                  شكى زيْغَ الضمائرِ عن خُطاها

وينْسى أنّ أرواحَ الرعايا

                        تُسامُ الذُلَّ لو غيري حَداها

فَشعْبي مِثْلَ راحِلةِ البوادي

                        وهوْدَجُ أُسْرتي أدمى قَفاها

ومَنْ يَجرُؤْ على الشكوى أنيناً

                            فَمُشْتَبهٌ بِهِ ماتَ إشتِباها

ويشْقى في مُعارضتي حَسودٌ

                        عَزيزُ النفسِ عن ذُلٍّ نهاها

فباطِنتي لها سَبْرُ النوايا

                        وَتُولي كُلَّ من عَفَّ إنْتِباها

تُحاصِرُني كرامتُكم كَداءٍ

                         فأُلقي من (براميلٍ) دَواها

ومن خَلَعَ الكرامَةَ مِثْلَ نَعْلٍ

                           بِوادينا المُقَدَّسِ أو رَماها

على أهْلِ المُروءةِ في بلادي

                       سَلكْناهُ الحضيرةَ فارْتَضاها

مَعاذَ الله من عَبّادِ ذاتٍ

                            ومن لم يعتقد رَبّاً عَداها

تَمهّلْ أيُّها المنفوخ نفْساً

                         تعالتْ لا ترى أحداً سِواها

فلن ينسى الأُباةُ لَكَ الخطايا

                        وقد وَلَغتْ ذِئابُكَ في دِماها

وسلْ ملآى السنابُلِ في حُقولٍ

                          لِماذا تنحَني فَنَصيحَ واها

***

مصطفى علي

 

سردار محمد سعيدهذه الليلة موعدنا يا "رشيدة "*

أليس الليل بطويل

ليطل وجهك المشبع أنوثة

إنتظرتك وأنا أخترع كلمات الغزل

خصفت الشغاف عبارات

فاكشفي عن ساقيك

وخوضي الصرح الممرد

سأذبح الهدد إن استرق النظر

*

يوم اللقاءالأول  

كسرنا نوافذ الحب المغلقة 

مسحنا الندى عن الزجاج

شربنا القهوة المرّة في مقهى اللوتس *ً

كأن مذاقها العسل

يضحكنا انتقال فراشة بين فم وفم

في غمرة الغزل

*

رأيت أرصفة  "ديدوش مراد" حزينة

يا لموج المتوسط كم داعب الهُدب

والسفن القادمة من غرناطة تمخر الزبد

وفم الماء يقضم قرص الشمس الفاقع

ولاّدة تنثر القبلات

تحملها الريح للحيتان المتقافزة

سلاماً ملايين الشهداء

حقاً رشيدتي سئمتُ البقاء

*

حامل الراية استشهد سريعاً

كوفىء بقراءة سورة الفاتحة

يبس الأقاح

غابة الزيتون احتضرت

والطير كسير الجناح

وقناديل تمر "الدجلة" انطفأت *

فبماذا تقّرعين رشيدة

 

سردارمحمد سعيد

....................

* رشيدة الجزائرية ، كنّا على وشك الزواج ،وتوفت عام 1976 رحمها الله وما زالت عالقة في ذهني .

* مقهى اللوتس : قرب نفق الجامعة في الجزائركان يرتاده الفنانون والأدباء والعرب المقيمين في العاصمة الجزائرية .

* "دجلة نور" من تمور الجزائرالشهيرة

 

نقيب العشاق بين بيخال ونياغارا .

 

عاطف الدرابسةخبِّريني

كيف نسيتُ آخرَ ليلةٍ في عينيكِ ؟

*

وخبِّريني

كيف ابتسمَ الأصيلُ بين شفتيكِ؟

*

خبِّريني

كيف تشتعلُ القناديلُ على صدركِ

وترسمُ شعاعاً

يتكسَّرُ على تفاصيلِ الجسدِ

مثلَ أمواجِ النَّهرِ

حينَ تنتشرُ على الماءِ الرِّياح؟

*

خبِّريني

كيف اقتحمتِ أعماقي

كالسُّيولِ

في يومِ شتاءٍ مُفاجِئ

وصرتِ جزءاً من حياتي

فتجذَّرتِ فيَّ

كالشَّجرِ العتيقِ

وتعاظمتِ كأنَّكِ النَّخيل؟

*

وهبتِني قلباً بريئاً

كالطُّهرِ

ووهبتُكِ قلباً مُكتظَّاً بالآثامِ

والخطايا ..

*

ذاكرتي يا حبيبةُ

كالمُدنِ العشوائيةِ

مزدحمةٌ بالضَّحايا

حاولتُ أن أستعيدَ من أنيابِ الدَّهرِ

وجهيَ القديم

عقليَ القديم

عمريَ القديم

فتهتُ كالأطفالِ بين الزِّحام ..

*

لا تعاتبيني

إن شعرتِ يوماً أني تغيَّرتُ

أو تحوَّلتُ

فما أنا إلَّا وجهٌ آخرُ للفصول !

 *

طويتُ صفحاتٍ من الأحلامِ

ومزَّقتُ صفحاتٍ من الخياناتِ

وأحرقتُ صفحاتٍ من الهزائم

وحملتُ في صدري

ومضةً من ضوءٍ

قبستُها ذاتَ لقاءٍ من عينيكِ !

*

كلُّ العطورِ عابرةٌ إلا عطرُكِ

ما زالَ عابقاً في أفكاري ..

حينَ يؤرِّقني الوجعُ .. آتيكِ

فأنسى الوجعَ على صدركِ

وأمضي ..

*

حينَ تجورُ عليَّ الأيامُ .. آتيكِ

فأرى الأيامَ ترقصُ

كما الأنوارُ في عينيكِ ..

*

حين تموتُ الأماني

ويساورني الشَّقاءُ .. آتيكِ

ثم أعوووودُ

أحملُ الآمالَ

وأنظرُ نحوكِ بابتسامٍ

وأمضي ..

*

أنا يا حبيبةُ كالأمواجِ

أتقلَّب من حالٍ إلى حالٍ

وحينَ تجمعُني بكِ الأيامُ

ويُعانقُ نبضيَ نبضَكِ

يعلو صهيلُ الموجِ

وتتفتَّحُ البراعمُ في الرِّمال !

***

د.عاطف الدرابسة

 

لالة مالكة العلويقدامي أجيء رمادا

أذكر  كم يراني أثري

وأراه ..

وكم تخفي القصيدة نثار الظل

بين الحرف والحرق ..

لا ألتفت

لا أغمض ..

عيناي في الخوف تتبعني

وتبلغ رقوة الشاي الحار

كمن يشرب ضنك الحياة وينشد السلام!

وورائي عنقاء تعذر الصمت

لم لا يكون رمادي أسرا

وأغنية

وشاحا بكسر الفناء البعيد؟

لم لا يشهدني رفيق الدرب

عند اشتداد القيد؟

لم لا أكون شجرة الأفيون

وساعة القيامة

عند اقتراف الحب؟!

ذلك أني ..

 أبيح لي الانكشاف كقطعة حلوى

مرممة بأثير أغنية عفراء ..

وأقبض الريح العارفة بمستقبل غامض

وأوغر الصدر الذي يتحسس الصدى

ويوهم الوجع بالتآمر

والغواية بالغرق في جب الهباء ..

***

شعر: لالة مالكة العلوي

رابح حيدوسيالموت مؤجل

والميلاد سلالم .

لموتك اينعت في اديم الروح

ازهار ترش الألواح  بعطرها ..

الريح تذروه

شاهدة  و عوالم .

*

ليس في حياتك  أرض

وليس لديك غنائم .

محارب انت ام مسافر ؟

تطارد دخانا ودوائرا

وصوتك في  الرياح

شظايا ..

ام انك  للرياح سلالم .

*

قبل الميلاد ،

اثلجت  سكرة الموت

والموت راقص حالم.

انت كما انت..

كما الموت ..

صرت تدنو من خطاياك

تؤثث صدر  الحياة

تؤجر  للفصول النسائم .

*

في الشرق شمس هاربة

من الشرق ..

من الأساور والخواتم .

الى سرير صخرة

حطت على وسائدها الرمال

نثرت خرائطها

واحرقت في صوتها

اوتادا  رست عليها وتمائم.

***

شعر :حيدوسي رابح

بسكرة /الجزائر

سعد جاسمالحبُّ بحرٌ

وأنتَ مازلتَ على شاطئهِ

فإِبحرْ بكلِّ مافيكَ

من رغبةٍ وبسالةٍ وجنون

ولاتخشَ هديرَ الموجِ

وصراخَ العواصفِ الشرسة

ومثلثاتِ الموتِ

التي تحاولُ الوحوشُ

استدراجَكَ إليها

أَنتَ وحوريتكَ الأَرضية

التي تحلمُ برؤياكَ

وأَنتَ تحلمُ بالتوحّدِ معها

حدَّ التماهي والاشراق

*

الحبُّ كوكبُكَ اللؤلؤي

الذي سيُضيئُ قلبَكَ

ويُضيئُ لكَ الغامضَ

والمستحيلَ

في رحلتكَ نحوَ ممالكِ الحلمِ

والكينونةِ والبياض

فإِبحرْ إِذنْ ...

إِبحرْ عميقاً ...عميقاً

إِبحرْ بعيداً ... بعيداً

في ممالكِ الحبِّ

وحكاياتِ نسائهِ الساحرات

حتى تُدركَ مُبتغاكْ

وحتى تكونَ

أَنتَ تماماً

أَيُّها المسكونُ

بالعشقِ والرحيلِ

ويوتوبيا الخلاص

***

سعد جاسم

 

مادونا عسكرالهياكل تشكو تطفّل المعرفة

الأعمدة

تتهاوى في أروقة الفناء

من يدري؟

لعلّ الكون نائم في صحوة السّرّ

المعرفة والجهل

سيّان

ألستَ أنت

أن نخرج إلى النّور

إلى النّهار...

ألستُ أنا

أن أذوب في الأرض

لأستعيد اللّحظة الفكرة...

المعرفة قول

لم تدنُ منه الهياكل

ولم تحاكيه الأعمدة.

سنغدو

ريشةً

هائمة

في سحر الهواء

مفتونة بخفق اللّاشيء

نعانق النّور

ونلتقي

-2-

خفيةً

تسلّل فجرٌ واللّيل موصدٌ

وخفيةً

التحف البحر وشاح الإله

الماء،

قطرة تمدّدت

ثمّ انقبضت

في رحم الكون

لمّا رفرف الرّوح

هجعت الأحلام

هجد الحلم

-3-

نلتقي الآن

في زمن رضا عند الرّب

نموت قبل الموت

يُرجع الصّدى صوت السّنين المبدّدة

وكلّ الإشارات الغابرة

مجذوبة إلى فوق

أرواحٌ

أنهكها التّيّار الّرحيم

من أتلفه الشّوق

يُجيد الانتظار

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

لمياء عمر عيادرياح بين شفتي تبعثر كلماتي

فتسقط مطرا من عيني

جليد يتمطّط في القلب يتشقّق

لن أسبح على شواطئ الأحلام

سأستلقي لأرصف عقْد الحياة عقدة عقدة

كم مرة وخزتني ثواني القدر في صدري الغاطس في الماء

ووجهي الملتهب بالفجيعة

ظلال ودعتني وأخرى أحرقتني وزادت لهيبي

وذاك البيت من قصيدتي العرجاء  أغلق دوني القوافي فهوى السّطر ..

انتظرتُ النقاط والربيع ..

وعلى  نوافذ الذّكرى فاجأني خريف وأوراق

وذاتي البعيدة مسافات ..

كلمات  لا تكتمل

حاضرة تكرّر الموت علّني دونها أحيا

***

الشاعرة التونسية لمياء عمرعياد

 

ابراهيم مشارةجريمة سياسية: 1/

كانت تتأبط ذراعه وهما يدخلان إلى حديقة الحيوان في يوم مشمس حين اقتطع تذكرة الدخول أحس ببعض الراحة ، مشيا طويلا غير آبهين بشيء كان الممر آهلا بالزوار وفي الزاوية لمح سيارة الشرطة اضطرب قلبه تساءل هل يمكن أن يخرج خالي الوفاض؟ أصر على موقفه ، حين اختفيا في وسط الأشجار بادرها فجأة لمح بوليس الآداب قبالته:

- مكانك، إخلال بالآداب، جنحة

لمح له أن يدفع مقابل إخلاء سبيلهما

لكنه صاح:

كل الناس تفعل هذا لماذا لا تذهبون إلى الفنادق الفخمة والشقق الجاهزة والفيلات الكبيرة ؟

لكن الشرطي ردد في صوت زاجر: قذف، جريمة سياسية

ساومه على الدفع ضعف المبلغ الأول لإخلاء سبيلهما

لما تعذر الدفع ساقهما الشرطي إلى السيارة لكن الشاب ترجاه:

خذونا بالجريمة الأولى فقط.

طابع البريد: 2/

استقر خارج البلد كاتبا منشقا تعددت رواياته وترجمت إلى لغات شتى نبه ذكره نال جائزة كبرى وصار كاتبا عالميا ذات يوم استيقظ على صوت الجرس كان ساعي البريد كالعادة يحمل إليه بريده استلم الرسالة الأولى وكانت من معحب بأدبه صعق فقد كان على الظرف طابع بريد يحمل صورته ممسكا بالقلم استمر يكتب وسط إعجاب عالمي

الغريب أن كتبه ممنوعة كما أنه ظل ممنوعا من دخول بلده إلى أن مات فسمح له بالعودة في أجواء رسمية مهيبة.

موت من الدرجة الأولى: 3/

يقوم الولد من فراشه كل صباح ويتوجه إلى مدرسته يمر بمدرسة خاصة أولا على اليمين ثم بمستشفى خاص ثانيا على اليسار ثم بجامع فخم في ناصية الشارع مدرسته العمومية وراء المقبرة حيث المستشفى العمومي الذي لفظ فيه والده أنفاسه العام الماضي حين دهسته سيارة سوداء فخمة لحسن حظه لم يمت على سرير والده بل في مستشفى خاص ظلت أمه لسنوات تتحدث عن جنازة ولدها المهيبة تلك التي حضرها كل المسؤولين وكان ذلك عزاؤها الوحيد في رحيل فلذة كبدها.

عالم جديد: 4/

تمدد إلى جانب زوجته على السرير أدار لها ظهره بقي على ذلك مدة طويلة، تظاهر بالشخير ،تظاهرت بالنوم ، خرج من الغرفة متلصصا انزوى في غرفة أخرى أخرج هاتفه وشرع في حديثه مع عشيقته الافتراضية. حين تأكدت من خروجه أخرجت الهاتف من صدرها فتحت حسابها واستسلمت لصديقها الافتراضي.

أنشأت الحكومات مستشفيات أمومة افتراضية، وسلمت بطاقات هوية افتراضية، وتضاعف عدد سكان العالم إلى أكثر من عشر مليارات نسمة بين حقيقية وافتراضية !

حميمية افتراضية، حلم افتراضي ، كذبة افتراضية ، هوية افتراضية صديق افتراضي، جائزة افتراضية...........

ميلاد إنسان 5/

نظرت في المرآة أرعبتها التجاعيد ، شعيرات بيضاء بدت في البروز أحست بالأسى منذ شهرين انقطعت عادتها أدركها سن اليأس سقطت دمعة حارة على خدها قالت في نفسها ربما الآن صرت إنسانا كامل الإنسانية خرجت عن غير قصد تهيم على وجهها لا تدري أتحزن أم تفرح

 

ابراهيم مشارة

 

مامون احمد مصطفىوحيدا تجلس كعادتك، ترنو للسماء المتناثرة بها النجوم لآلئا في ظلام الوجود والعدم. وتارة ترنو للأفق البعيد بعينيك الذابلتين المرهقتين. فأحس وأنا أنظر إليك من شرفتي المقابلة أنك تلقي حبالك على المدى الذي تحيطه عيناك لتدنيه إليك أكثر، لترى ما هو بوضوح أكثر، لكن حبالك كانت تنزلق في كل مرة جارحة بكلاباتها نسيم الصيف الناعم الطري. فيداهمك إحساس بالفشل والإحباط، ودون شعور يتقدم رأسك للأمام، مع اتساع ملحوظ بالعينين، ليستشرف أبعد من المدى المحاط بإشعاعات عينيك، ولكن حين يرتد رأسك، وتستوي عيناك، كنت أعلم أن الفشل واليأس كانا جزءا مما علق بأهدابك وشعرك في رحلة العودة.

وفي الوقت الذي كنت أثبت بصري عليك، صباح، مساء، لا اعلم لماذا كنت أحس أنك من جنس غريب؟ فجلدك المتجعد المترهل الساقط على بعضه طبقات فوق طبقات، ورأسك المغزو ليله بشهب بيضاء دونما تناسق، وكذلك حاجباك الكثيفان الملتقطان ببعضهما ألبعض. والأهم من هذا كله، هو نظرتك الغريبة التي تسبح كثيرا في بحر من الدموع الهائج بعينيك الغائرتين، الذابلتين، لتخرج على شاطئ الجفون مبللة باللون الأزرق وطعم الملح. المنبعث منها رائحة السمك والصدف، وكذلك رائحة الطحالب المميزة. كل هذه الأمور كانت تشدني نحوك بعنف غريب. وكثيرا ما خطر ببالي أن أقفز من شرفتي إليك، حتى لا أضيع الحماس، أو أترك له مجالا للفتور أثناء النزول من بيتي والدوران إلى بيتك. ولكني حين كنت أسدد نظرتي للأسفل، كنت أشعر وأحس بالهوة السحيقة التي ستلفني في رداء العدم لو قفزت إليك.

كنت أرثي لك ولحالك، حين أحدق بجلستك على كرسي الخيزران الذي اهترأ وجهه من ملازمتك له، وأنت محني الظهر انحناءة ليست كاملة، وملق ذقنك على ساعديك المعقودين فوق جسر الشرفة الحديدي، لتوجه عينيك للشارع الزاخر بالأضواء الصفراء المنبعثة من أعمدة النور.

ترى ما الذي كان يوحي لك به هذا اللون الشاحب؟ وما هو شعورك أمام امتزاج الأضواء مع بعضها لتكون بحرا من الأمواج الخيالية الساحرة والخلابة؟ أم أنك لم تحس بمثل هذه الأمور؟ أعذرني يا سيدي لتطفلي عليك، فأنا لا أعلم تماما كيف دخلت حياتي، هكذا، دون استئذان أو سابق إنذار. دخلتها بنفس الغرابة التي تتمحور في عينيك العميقتين، وكثيرا ما كنت أسرح بفكري داخل ذاتي، منقبا عنك فيها. وحين أكاد أمسك بك، كنت تفلت مني وكأنك مدهون بالزيت، الأمر الذي دفعني للاعتقاد بأنك جزء مني أو أنني جزء منك.

من أجل هذا فقط، لم أستطع مقاومة نفسي، كان لا بد أن أصل إليك. ولكن، المهم، هل تصدق أنه خطر ببالي كثيرا أن أقفز إليك من شرفتي المقابلة؟ لا، لا تنظر باستغراب، هذا ما حدث. ولكن دعني أسألك شيئا ما: لماذا تبدو هكذا؟ محدقا بالفراغ؟ باللاشيء؟ بالمطلق؟ وما هذا الترهل والتمطط البادي على جسدك؟ يا سيدي أنا لا أفهم لغة العيون، وكل ما يمكن أن يسعفني فيه عقلي المتواضع أن تحدث بشفتيك وتشير بعينيك، عندها فقط يمكن أن أفهم شيئا مما تود أن تقول. أما أن تحدثني بعينيك وتشير بشفتيك، فهذا ما لا أستطيع فهمه.

أنت لا تجيد لغة الشفاه، ليس لعجز في لسانك، بل لأن ما ستقوله يفوق حدود الكلمة البسيطة. ولنفرض جدلا أنك تحدثت بشفتيك، معنى ذلك أن القيمة الإحساسيه لما تعاني نفسيا وفكريا ستهبط إلى أسفل. وكل معاناتك ستتحول إلى كلمات، إطارات، محارات لؤلؤ مفتوحة. هل تعلم أنني أدرك مثلك تماما قيمة اللؤلؤ وهو لا يزال في جوف محاره. إن قيمته فقط، هي تلك اللحظة التي تكون معبأة بالانتظار والترقب. فحياة الغواص الآتية تكون مرهونة كلها في تلك اللحظة ألحرجه، لحظة الأمل أو الخيبة، فقبل أن يفتح المحارة، يظل مشدودا بأحاسيس تتنازعه وتتحداه، لتكون عنده شعورا لا يرسم أبدا، ولكن، هل رأيت مشهدا مثل هذا؟ إذن دعني أريك إياه وصفا.

أنظر إلى يديه، هل ترى كيف ترتجف السكين بها؟ وهل ترى عينيه؟ حدق بهما، حدق جيدا، وإلا فإن نظرة الاستجداء سوف تقفز من مكانها بعيدا، وسيفوتك عندئذ أن ترى معنى اللغة التي تجيدها تماما. لغة العيون. أنظر إلى عينيه باهتمام بالغ، إن فيها بريقا يكاد يقفز ليستقر داخل المحارة، لكنه يعود مرتعدا ليستقر مكانه. انها اللحظة الحرجة، أنظر معي من جديد، ولكن دع عينيك تخرقان الجلد الملوح بالشمس، والمطلي بزرقة البحر وأعماقه المجهولة. هل ترى؟ إنني الآن، أستطيع، ودون أدنى جهد، ان أقرأ كل خلجه من خلجات نفسه، وأن أسمع كل خفقه من خفقات روحه، وكل نبضه من نبضات قلبه. إن مشاعره تلتف فوق بعضها إلتفافا متموجا، وتتشابك أحاسيسه بصورة معقده، وتتمازج جميعها فتحدث في النفس فوضى عارمة، هائلة، تدق بمطارق من فولاذ على العقد المتكونة من الالتفاف والتشابك، وإذا بأطراف المشاعر تحبس في صدى المطرقة الهائل. وفجأة تنتفض مشاعره وأحاسيسه إنتفاضة عنيفه، فيصعد صدره ويهبط، ويأخذ الغواص نفسا عميقا، كالنفس الذي يأخذه حين يمزق رأسه سطح الماء بعد عودته من رحلة الغوص في عالم السر والمجهول.

ثم يعود ليحدق بالمحارة من جديد، وتتحرك يده اليسرى حركة خاصة لتمسك المحارة بشكل يجعل فاصلها خارجا من قبضة اليد، والبقية غائبة تحت الضغط الفولاذي المركز حولها. أنظر، ها هو يبدأ بتحريك يده اليمنى الممسكة بالمدية باتجاه المحارة. وأخيرا، استقر طرف النصل على فاصل المحارة، ضغط المدية قليلا باتجاه العمق، ثم حرك المدية حركه دائرية محاولا فصل شقي المحاره.

وغاص نصل السكين بعمق، فتأرجحت القبضة وسال الدم غزيرا، تعالى صوت شهقة. وطارت المحارة بعيدا نحو الشاطىء، احتضنتها موجه قادمة، وعادت لتسكن من جديد بأعماق المجهول، تنتظر غواصا جديدا، من يعلم؟ قد تبقى هناك للأبد، مغلفة بالتساؤل والاستغراب؟

هل ترى يا سيدي ذلك الكف كيف ترنحت قوته؟ ولكن، قل لي ما هو شعور الغواص لو دار النصل دورة صحيحة في فاصل المحارة؟ ماذا كان سيحدث؟ ما الذي كان ينتظره؟ هو سؤال بسيط، مضحك، أعلم هذا جيدا من عينيك، ولكن، مع بساطته وعبثيته، هل تستطيع أن تعطيني إجابه واحده صادقه عليه؟ لا، لن تستطيع. ولن يستطيع أهل الأرض كلهم أن يعطوا إجابة على هذا السؤال، البسيط، العبثيً، هل تعرف لماذا؟ لأنه الان أصبح نوعا من المستحيل، هل ترى يا سيدي بأن ما بيدك اليوم كحقيقة، قد يتحول بلحظة عين إلى مستحيل، فيكون غريبا عنك، وتكون غريبا عنه. وكأن ما كان بينك وبينه ليس سوى وهم، وهم يغيب ويتلاشى، كما يغيب الحلم ويتلاشى.

مالي أرهقك بمثل هذا الكلام، هذا المحار المفتوح، ولكن أنظر، هل هذا الشخص الذي يحاول أن يقطع الشارع؟ هل تعرفه؟ لا. حسنا، أنا أيضا لا أعرفه، وأعرفه، اسمه ماجد، وليس هذا الاسم أسمه الوحيد. أنا أعرفه أسماء وأشخاص، ولا أعرفه إسما أو شخصا، ومن أسمائه التي أعرفها، كذاب، محابي، متملق، مداهن، مرائي. لا يا سيدي، لا تستغرب، أنا لا أعرف فعلا معنى النظرة الصاعدة من عينيك إلى جبهتي، ولكني أعلم يقينا، بأنك مشدوه من هذا الشخص الذي حدثتك عنه. المهم أن هناك فرقا واضحا بينك وبينه، هو لا يكف عن الكلام أبدا، حتى سمعته يشكو إرهاق لسانه يوما، وأنت لا تكف عن الصمت مطلقا، حتى خيل لي أحيانا أن لسانك سوف يشكوك إلى نفسك.

لا يا سيدي، لا تنظر إلى بتقزز واشمئزاز، فليس ماجد وحده التافه، لا، ليس وحده، كلنا تافهون، نعم، أنني أعترف أمامك الآن بأننا جميعا تافهون. مع يقيني بأن هذا الاعتراف لن يغير من الأمر شيئا. أنت لا تصدق؟ إذن دعني أسألك شيئا ما. ماذا تسمي الحروب؟ ماذا تسمي الأشباح القابعة في الدول الكبرى -العظيمة -والتي تنتظر لحظة إطلاقها لتنتشل أرواح ملايين الملايين؟ ماذا تسمي الدمية التي سقطت على اليابان؟ ماذا تسمي الذي يشفق على ضحيته من صوت الرصاص فيذبحها بسكين غير حاد، ثم يبدأ بالرقص على أنغام حشرجتها؟ ماذا تسمي الذي يذبح الأطفال أمام عيني أمهم، ثم يترك الأم حية دونما ذبح؟ ماذا تسمي الذي بكى حزنا حين استقر رصاصه في جسد الجواد وأخطأ العائلة المتمترسه خلفه، ثم ذبح تلك العائلة بالسكين انتقاما للظلم الذي حاق بالجواد؟ قل لي ماذا تسمي هذا؟

أما أنا فلا أسميه شيئا، لأني لا أبحث عن أسماء لأشياء لا مسميات لها. لا، لا تسألني. فأنا لا أجيد الأجابه مطلقا. ولكني أجيد وضع الأسئلة بشغف كبير لا يضاهيه إلا شغفي بالسباحه. دعني أسألك شيئا أخر: تقول إنك إنسان، حسنا، ولكن كي أصدق هذا الكلام، أخبرني ما هي قيمتك؟ صعودك إلى القمر لا يمنحك أي قيمة على الإطلاق، لأنك ما زلت أجبن من أن تقف أمام شعاع من أشعة الشمس، وستبقى جبانا أمام هذا الشعاع ما حييت. ولأنك، وهذا الأهم – حين تموت لن تدفن في نسيج من ضوء القمر الذي صعدت إليه. بل في حفرة صغيره، وسيهال عليك التراب الذي طالما داسته الأقدام. ثم تترك وحيدا، وحيدا، أتدري ما معنى وحيدا؟ لا أظن ذلك، لأنه معنى لا يدرك. إن معناه أن تدرك عالما قائما بذاته، فهل تستطيع أن تدرك عالما قائما بذاته؟ لا، لن تستطيع، صدقني لن تستطيع. ثم، هل صعودك إلى القمر، يساوي رغيف خبز لطفل يتضور جوعا؟ الجوع يقتات روحه، أعصابه، روحه؟ كل ما صنعت، ما ستصنع، لا قيمة له على الإطلاق، لأنه خال من الحياة، من الروح. رغيف الخبز يا سيدي، أغلي وأثمن ملايين ملايين المرات من غرورك العفن، الضاج بالعفانه والزيف والكذب. رغيف الخبز هذا، حياه، حياة كامله. فهل تدرك حقا ما معنى – حياه-.

هل ترى يا سيدي؟ أن قيمتك مرهونة بموتك، فإذا إستطعت أن تبقى حيا، لا بأس، تعال إلي عندئذ. وحتى تصل إلى تلك اللحظة دعني أكمل معك. قلت لك: إنك ستموت، وسيفرح كثير من الناس لموتك، وسيبكي كثير عليك، هل ترى؟ إنك ما زلت مجموعه من المتناقضات حتى بعد موتك؟ ثم سينساك الجميع، ينسوك كأن لم تكن، أما أنا فسأظل ذاكرا لك، أراك طريح الأرض هامدا، والدود يزحف منك إليك، غازيا جسدك، ممزقا أمعاءك، داخلا عينيك دونما خشية أو وجل، ناهبا بؤبؤك، مسيلا ماء عينيك على خديك، مقتحما قلبك، ناهبا كل ما فيك من لحم طري، ثم يتركك ويذهب. وتبدأ مرحلة جديده، سوف تتحلل عظامك وتتحول إلى تراب. إلى الأصل الذي تكونت منه. وعندئذ لن يجدك أحد، ستصبح مستحيلا على البشر، كما أصبحت تلك المحاره مستحيلا عليهم. وسيدوسك الناس، دون أن يسمعوا تأوهاتك، حتى أهلك وأبناؤك قد يدوسوك وأنت تصرخ، ولكن لن يصل صراخك إلا صحن أذنك فقط.

قلت أنى سأظل ذاكرا لك، نعم، وسأذكر وجهك بالذات كلما دخلت سوق الخضار، سأذكرك وأنت تبحث هناك عن شيء تأكله، ولن أنساك مطلقا. هل تدري أنني سأفكر فيك عندئذ؟ ربما زرعت فوقك شجرة، وغاصت جذورها ممزقة أحشائك، ساحبة كل ما فيك غذاء لها، وتمر الأيام، ويأتي الربيع، ويقطف صاحب الأرض ثماره، دون أن يدور بخلده أنه يقطفك أنت. وستباع في الأسواق، ولسوف يتلذذ الناس بالسكر الموجود في التفاح أو الموز، دون أن يعلموا إنما يأكلوك أنت، أو، ربما تكون نبتة حنظل، من يدري؟

كان ينظر إلي بفتور قاتل، أحسست أنه يسحب أعصابي من جسدي، بدأت أرتجف كأنما غزتني صاعقة عاتية، وشعرت بشيء غريب من الخارج يسقط في داخلي، حدقت في عينيه، هناك شيء ما بهما، بريق يغوص بأعماق العينين. بدأت أخرج قليلا قليلا عن طوري، صرخت به كالمحموم، لا، لا تحدق فيً هكذا، شيء ما بعينيك يقتلني، شيء لا أعلمه، ولكني أحسه، أتحاشاه، لكنه سمر نظراته بأعماقي. أمتدت يدي دونما شعور إلى مدية على المنضدة، وبدأت أحز رقبته بها. تصاعدت لأنفي رائحة الدم، وغطى ناظري البخار المتصاعد من سخونتها، أحسست سخونتها تلدغ أعصابي، وأخذت لزوجته تستفز جلدي.

شعرت بلذة عميقة تجتاحني، تهز كياني، تعصف بي، حملت نفسي نحو الحمام وأنا ممزوج بأحاسيس مبهمه. كان شيئا ما يحركني نحو الماء، إنتفض جلدي من جديد، أحسست دماءه تدخل بأوردتي، فتحت صنبور الماء على أعلاه. هزتني عصبية مفاجئه، ولكن الدم ظل يتجدد، إشتد إنتفاض جلدي من اللزوجة. داهمني الخوف من كل ناحية، شعرت البخار يتصاعد من وجنتيً. رفعت رأسي للمرآة، فإذا به يستقر داخلها، يضحك ملء شدقيه، نظرت ليدي فإذا بمعصمي ينزف.

هو يضحك ومعصمي ينزف.

هو يضحك ومعصمي ينزف.

***

 

مأمون احمد مصطفى

فلسطين – مخيم طول كرم

 

 نور الدين صمود(1) ثلاثيات

الغنيُّ الفقير

 

الشعر مصدر إشهارٍ لصاحبه

                   لكنـه في ذويـه غيرُ مشْتَـهِرِ

هو الغنيُّ بما قد صاغ من دررٍ

                   لكنه ليس ذا تـبـرٍ  ولا دُرَرِ:

هو الغنيُّ عن التعريف، مفتقـرٌ

                   لبعض مالٍ ليحيا غيرَ مفتقِـرِ

*

النعيب والنحيب

"قَضَى" صاحبي، في عالَمِ الشعر، عُمْـرَهُ

فصــــاغَ عُقودًا مثلَ دُرٍّ مُنظَّــــــــــــــــمِ

 

ولمــــــا "قَضَى"، ناحتْ عليــهِ جمــاعَةٌ

فلاحــــــــوا كبومٍ فوق قصرٍ مُهَــــــــدَّمِ

 

وأسكتَني الحُــــــــزنُ العمـيقُ فلـمْ أقُــلْ

فقلبي عليه مثـلُ كُـــــــــــــــوبٍ مُهَشَّمِ

*

النهر والشاعر

إذا لم يصبَّ النهر في البحر دائمًا

                       فليْس جديرا أنْ يُـلَـقّـَبَ بالـنَّـهْرِ

كذا الشاعرُ الخلاق، إنْ لم يكنْ له

           دَوِيٌّ، بأقصى الشرق والغربِ، ذو سحْر..

فَـما شِعْرهُ إلا وُعودٌ كَواذبٌ

                    وإيماضُ بـرْقٍ لَـيس يُختَمُ بالقَطْـرِ

*

عبء الشهرة

إنّ اِسْـمي قد صار أكبرَ مني

                     فهْـو عِـبءٌ يَهُـدُّ مني القَـوامَا

أسكرتني أمجادهُ، وهيَ وهـمٌ

                     ومتى كانتِ الظُّــنونُ دِعـامَا

إنّ قلبي تجِـيشُ فيـه المعانـي

                 غيـر أنِّ اخـتصرتُ فيه الكلامَا

                                                

 *                          

قال فقلت

تطاولَ البعضُ حتى قال قائلهـــــم  

قولاً تعاظَمَ فيـه سيـدُ الشُّعَــــــــرا:

 

- "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي"   

- (فلم يجد فيه شيئا يلفتُ النّظـَرَا)

 

- "وأسمعتْ كلماتي من به صمـمٌ "      

- (فسدَّ أُذْنَـيْــــه عما قلتَه وجرَى)

 *

 (2)  رباعيات

قال فقلت

شَطَّرْتُ بيتَ إمامِ الشِّعْرِ، في فئةٍ

                وهْوَ المُقَــدَّمُ فيـه، المُفْرَد العَلَمُ:

"أ غايةُ الدينِ أنْ تُحْفُوا شوارِبكُــمْ"؟

                وتُطلِقوها لِحًى يَعْـيا بها الجَـلَمُ؟

فصرتمو كقُــرودٍ أضحكتْ أُمَمًـا

          "يا أُمَّـةً ضحكتْ، من جهلِها، الأُمَمُ"

أبا المُحَسَّدِ عفوًا إنَّ شعركَ فـي

          شعرِي، يلوحُ كلمعِ البرقِ في الظُّلَمِ

*

كلمةُ حقّ...

أكملتُ قولَ دَعِيٍّ راحَ مفتـخِرَا   

                     بشِعْره، منْشِدًا شعرٌا قـدِ اشتُهِـرَ:

- (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي)

                     - فلم يَجِدْ فيه شيئا يلـْفتُ النَّظـَرَا

- (وأسمعَتْ كلماتي مَنْ بهِ صمَمٌ)

                       - فَسَـدَّ أُذْنَيْهِ عَمَّا قُلْتـَهُ وجـَرى

إني لأرجو من "الكوفي" معذرةً

                في عالَمِ الشِّعرِ، إنْ شوّهتُ ما ذَكَرَا

*

سرب الحمام

 قل لسـرب الحمام في الجــوِّ حلـِّقْ

                          أنتَ في عالـَم المشاعِـر مطـلـَقْ

ولـْتطرْ في رفارف الشعر واحملْ

                        شوق قلبي لمَـن أُحِــبُّ وأَعــشَـقْ

وأْتِـني مـن خيالها بقصيــدٍ

                        واسكبِ الشعر في دمائي ورقرقْ                   

وتأمَّـل في صمتِـها، فهْو شعـرٌ

                        إنّ صمتَ الحِسانِ بالشعر ينطِـقْ                              

 ***

نورالدين صمود

 

فاتن عبد السلام بلانمدخل

{نذرتُ  دمايا

قابَ قوسين أو أدني

من نخبكَ يا وطن ..

فوصايا الضحايا

فوقَ رُقعةِ الحُريَّة

بـ كشّ حرب ..}

***

أيُّها المُستنسخُ عن روحي

حينَ تَزفرُ الأوطانُ

 الخلاصَ من المنافي

و .. الاغترابِ

وتتبنّصرُ الشَّموسُ

بخواتيمِ .. الضوء

وتنهرُ الأشجارُ

وساوسَ الخريف

سنرمّمُ والأهالي

 إرثنا المُحتَضر

ونرشُّ ضَيْعَاتِ مآتمنا

 بالأعيادِ والبيلسان

سأندهُكَ: أيُّها (المُنتَظر)

 هاتني من أضلاعكَ

عاصمةَ فُرسانٍ وتعال

لنغسلَ الطِّينَ

بمزرابِ الغيمْ

ونُدرِّبَ العراءَ

على الصَّهيلْ

ونُعمّدَ قوسَ قُزحٍ

 بفُتاتِ الخُبزِ ونثِّ النبيذْ

وننحرَ قُطعانَ نذورنا 

قرابينَ زعتر

 وأزيارَ زيت ..

غدًا يا حبيبي

سأغمزُ لك بصوتي

وأحكُّ بأظافرِ قهقهاتنا

آذانَ الصمت

ونتمايلُ بعطرٍ فلكلوري

نُزيّنُ الشبابيكْ

بحفنةِ بخورٍ

وكمشةِ قناديلْ ..

نحوّلُ العتمةَ

إلى كرنفالِ ألوانْ

واوركسترا ربيعْ

غدًا سنزرعُ القُرى

حلقاتِ ذكْرٍ

 وأدعيةَ أجدادْ

وبركاتِ بهاليل

ونرجمُ بفزاعاتِنا

وجوهَ الأشباحِ

والكوابيسِ والشياطينْ

غدًا ستصّطفُ

قبلاتي دَبْكاتٍ

على مسارحِ شَعركَ

ومراميشِ عينك

أدعوكَ باِسم المدى

لنُحيلَ ملْحَ الأتراحِ

إلى قصبِ سُكَّرٍ

وكعكِ .. أفراحْ

ونُفرّخَ حُبًّا في الأعشاشْ

ونقولَ للصباحِ ::

 اِفتحْ يا سمسم رئتيكَ

لنتقهوى الحريَّةَ

لنتشايا السَّلامَ

من سُرّةِ نوّار

أعدُكَ في الأوَّلِ من أبريل

 ضحكاتُنا ستُرفرفُ

أرواحُنا ستحلّقُ

 وخطواتنا ستركضُ كالأيائلِ

في أحراشِ السحابْ

أعدُكَ في الأوَّلِ من أبريل

ستحبلُ بيادرُنا العذراءْ

فالطُهرُ إلهُ الخصوبة

والأملُ نبيُّ الفحولة

وصغارُنا في أسرَّةِ الفُصولِ

 جيوشٌ مُسَنْبَلة

تُعاركُ لعنةَ المناجلْ

وتُراوغُ طقوسَ الحصادْ !!

غدًا حينَ تُزهرُ عروقُ الأمواجِ

بغرغرةِ السَّماء

سأندهُكَ :: يا (شبيهي)

 هاتني من أضلاعكَ

 عاصمةَ فُرسانٍ وتعال

لنغزلَ من أشرعةِ النجومِ رايةْ

ونُعلّقَ في تاجِ الثُّرَيَّا خارطةْ

ونهزمَ خوفنا

في مرمى الوحوشْ

غدًا ستكون النوارسُ أطفالْ

أقدامهم السواحل

أياديهم المراكب

قلوبهم المجاذيفْ

يقطفونَ زَبَدَ الشواطي

وحفيفَ المواني

للقصائد الثكالى

والحروف اليتامى

أعدُكَ في الأوَّلِ من أبريل

سأندهُكَ: يا (صـاد)

 هاتني من أضلاعِكَ

عاصمةَ فُرسانٍ وتعال

فحينَ تتكوَّعُ عناقيدكَ

تحتَ دالياتِ كرومي

سنعصرُ الأعنابَ نصرًا

ونكرعُ أنخابَ النخلِ والياسمين

هاكَ جرحي الدِّمشقيّ مَجْدًا

وهاتَ دمكَ السّومريّ مَهْرًا

 فأنا عروسُ النّورِ والحنَّاءِ والغارْ

أزفُّ أشلاءَ أرصفتي

إلى بقايا شوارعِكْ

وأنجبُ من أمنياتنا المؤودة

البنادقَ .. الرصاص

 وواحةَ تاريخٍ ودوحَ أسرارْ

 حدودنا ستُليِّنُ

 الصَّخرَ بالماءِ

وتوقدُ في اللاشيء نارْ

أعدُكَ وفي الأوَّلِ من أبريل

ستنفخُ عشتارُ

 في مزاميرِ تموز

وتفتحُ بألحانها

مغاليقَ الأبواب

سيصدحُ الضميرُ بموّاله ::

 (ما لنا بكذْبةٍ

 على شِفاهِ نيسانْ.. !!)

غدًا ستُعلنُ السَّماءُ

قيامةَ الأجنحة

وصحوةَ .. البلادْ

سيُبعثُ ألفُ فينيقٍ

من عُقمِ التُّرابْ

نعمْ يا حبيبي

سينتفضُ الوطنُ 

سيعرّش ربيعًا  

من .. كومةِ رَمادْ  ..

مخرج

{ كُلّ خزائنِ الحرية

في عُهدةِ اللصوص

إلا واحدة

في عُهدة الموت

لمن يرغب بالإحتجاج .. !!}

***

فاتن عبدالسلام بلان

 

 

صالح البياتيفي تلك الليلة، لم تغمض عينا هيلا وأمها حليمة، وعيون النسوة المحتجزات للإبعاد، وهن يحتضن أطفالهن النائمين، وفي قاعة الرجال، كان الأباء والأبناء والأخوة الشبان،  يمضون ليلتهم الأخيرة بتساؤلات لا جواب لها، عما ينتظرهم من مصير مجهول في إيران..

قلت لنفسي، أنا خجل، من عودي للبيت بدون المرأتين، كيف ستقضيان ليلتهما الأولى، وتساءلت كيف سيبدأ هؤلاء المسفرون حياة جديدة من الصفر، وهم لا يتكلمون اللغة الفارسية، ومن سيراعي الشيوخ والعجزة ذوي الأمراض المزمنة او المستعصية، وهم والأطفال الحلقة الأضعف، عند اجتياز نقاط العبور، مشيا على الأقدام، سيعطبهم المطر والبرد قبل ان يصلوا للحدود.

عندما وقفت انظر من خلال النافذة الصغيرة في اعلى باب قاعة الرجال، سمعت جدلا إحتدم بين الشباب داخل القاعة ..

وعندما رجعت للبيت نادما على مجيئي،  تذكرت موضوع جدالهم، كان الشبان المراهقين متحمسين كعادتهم، اعلنوا أنهم حالما يصلوا الى إيران سيشكلون تنظيما مسلحا، على غرار حركة الأنصار الشيوعية في شمال العراق، حرب عصابات، قلت بنفسي أنهم يرسمون خططا خيالية، لعودة بطولية للوطن، سوف لن تنفذ على ارض الواقع، كنت واقفا انتظر ماذا سيكون مصير مقبل، فسمعت إثنين من الشبان المحتجزين، تعالت أصواتهما، أحدهما كان يقول سأقاتل بجانب الإيرانيين إذا حدثت الحرب، فرد عليه الآخر غاضباً، ويبدو أنه كان شيوعياً: أتخون وطنك! أجابه: والأنصار الذين يقاتلون الحكومة في شمال العراق، اليسوا خونة !، قال: كلا، هم يحاربون النظام على أرض الوطن، وقضيتهم تختلف، يريدون إسقاط النظام من الداخل، وليس بأيدي قوات أجنبية، هذا هو الفرق بين الأثنين، من يصطف مع الأجنبي في الحرب، ضد وطنه فهو خائن، ولما تعالت أصوتهما وأصوات الآخرين، تدخل شرطي وشتمهم وهددهم بالضرب، بينما خيم اليأس والقنوط على الأثرياء الذين فقدوا كل شيء، ومن العجيب أن المحنة جمعت قلوب الأغنياء والفقراء، واختفىت مشاعرالحسد والاحتقار، الذي كان فيما بينهم من قبل، كأن الإبعاد غسل تلك المشاعر السلبية من النفوس، ولما أخرجوا مقبل من مخفر خيالة الدبيسات وزجوه في سيارة الشرطة، التي انطلقت به لجهة مجهولة، عدت الى البيت، ألعن في نفسي الرئيس وعيد ميلاده الثالث والأربعين، لم أنم تلك الليلة، ولم تنم أمي أيضا.

تخيلت  تلك اللحظة التي هوت كف سليم الخماش مدوية على وجه الأستاذ مقبل، أن الرئيس كان لحظتها يقطع الكعكة الأسطورية، محتفلاً بعيد ميلاده.

تساءلت مع نفسي.. هل كان ما حدث الليلة حقيقة لم يصدقها عقلي، هل قال مقبل ما سمعته بأذناي، ام انه محض أوهام تخيلها عقلي المشوش، وإذا لم يقل، فما الذي دفع المدير واشعل غضبه فصفع مقبل، بدأت اشك بقواي العقلية

 أخيرا توصلت الى استنتاج مفاده:

 أن إصرار مقبل على عدم الامتثال لأمر المدير، ربما كان السبب في تأزم الموقف، بينما أنتج عقلي تفاصيل كل ذاك المشهد العنيف، خفت على نفسي، وارتبت من أني قد امر بحالة نفسية سيئة، وفكرت باستشارة طبيب نفساني.. ولكن كنت لا انفك اتساءل: لماذا إذن، استشاط المدير غضبا؟

 قلت مع نفسي، سأراه غدا، سيتضح كل شئ، اتوسط لإطلاق سراح مقبل، فالخماش مدين لي بالكثير، وعليه ان يرد جزء بسيط  مما عليه، فهو منذ أن حلّ في مدينتا مبعدا، وكان آنذاك مجرد موظف بسيط في دائرة النفوس، لكن سرعان ما تغيرت الأمور، بعد مجيء الرئيس الجديد، فبين ليلة وضحاها صار سليم الخماش مديرا للأمن، يتباهى بالقرابة التي بينه وبين الرئيس.

 قمت بزيارته، وسألته إن كان مقبل قال أو فعل شيئاً يستحق عليه العقاب، نفى ذلك، وقال وهل يجرأ! فترجيته ان يطلق سراحه، فقال سنبقيه عندنا بضعة ايام ليتأدب، ويتعلم درسا، ان يطيع الأوامر، ثم نعيده لبيته وعمله.

بعد ظننت نجاح وساطتي، ذهبت مع أمي الى الدهلة لأُبشرها، وبنفس الوقت أخذتها بسيارتي لزيارة هيلا وأمها، وأحضرت لهما بعض الطعام، وما تحتاجه المرأتين خلال مدة إحتجازهما غير المعروفة، على أن نأتي كل يوم  زيارة بالطعام لهما، لكننا فوجئنا عند وصولنا، بوجود حافلتين تقفان أمام المخفر، تستعدان للمغادرة، كان شرطياً يقف عند باب الصعود، يقرأ في ورقة بيده، اسماء المسفرين لذلك اليوم، وكانت، هيلا تنظر من نافذة الحافلة الى الشارع، الذي بدا خاليا، ثمة رجل عجوز يبيع الشاي وطعام الإفطار أمام بوابة المخفر، وكلب يقعي غير بعيد، ينتظر من يرمي له شيئا يأكله، وعلى مسافة قريبة، كانت محطة الدبيسات، حيث توقفت سيارة تتزود بالوقود، لرحلتها الى بغداد.

رأينا الأم تصعد الحافلة وبيدها صينية فيها بيض مسلوق وصمونتان وإستكانان من الشاي يتصاعد منهما البخار، وعندما رأتنا هيلا أشارت لأمها، فتركت الأم الطعام على المقعد، وهمتا بالنزول لاستقبالنا، حاول الشرطي منعهما، فتدخلت، فسمح لهما، جلسنا على الرصيف، وأحضر الشرطي الصينية. قالت السيدة حليمة أم هيلا:

"لم تأكل ابنتي شيئا منذ ليلة البارحة، وبعد قليل سيرموننا وراء الحدود، والله أعلم متى ستأكل...!"

وقالت أمي:

" كلي ابنتي، على الأقل من أجل الطفل الذي في بطنك "

راحت تأكل ونظراتها شاردة، تشيح بوجهها للجهة الأخرى من الطريق، كلما أقترب أحد من المكان، كان الأحراج باديا على وجهها..

عبرت عن قلقها.. قالت:

"ماذا لو رأتني إحدى تلميذاتي، وبعضهن من هذه المنطقة...!"

لذنا بصمتنا القاهر.

ارتشفت هيلا رشفة صغيرة من قدح الشاي، وقضمت قطعة صغيرة من الصمونة المحشوة بالبيض، ونظرت بعيدا لمحطة الوقود، سألتها أمها

" كيف سنتفاهم معهم؟!"

"مع من ماما؟"

"العجم، الإيرانيين، هل هم يتكلمون لغتنا؟"

"لا ماما.. هم يتكلمون اللغة الفارسية.."

"وكيف سنتفاهم معهم؟"

" ماما.. ليس مهما أن نتفاهم بلغتهم، اللغة ليست وحدها الوسيلة الوحيدة للتفاهم، والكلمات بدون حب نابع من القلب تتحول الى سياط تلسع دون رحمة.."

أرتفع عويل النسوة المبعدات، مختلطاً بصراخ الأطفال، عندما بدأت الحافلتان تستعدان للحركة، ناحت الدهلة، كأنها حمامة جريحة، وبكت أمي، كما لم تبك من قبل، كان حزنها على ما اصاب صديقتها الدهلة من قهر وحيف، قد أثر على صحتها بشكل خطير.

ساءت صحة أمي بسرعة، وظهرت حبيبات صغيرة حول الثدي، الذي اُزيل منه الورم، فاتصلت هاتفياً بالطبيب الجراح، نصحني ألا أتأخر، وإنه يريد أن يراها في أقرب وقت، فمددت إجازتي قبل أن تنتهي، وتهيأت للسفر، وقد أبدى الكيال رغبته بالسفر معنا لحضور اجتماع تجار المحافظات، الذي سيعقد بعد يومين، في غرفة تجارة بغداد.

في الليلة التي سبقت سفرنا ثانية الى بغداد، حكيت لأمي عن سيناء، وكانت أمي تعرف المرحومة امها، لم أذكر لها رفضي للعرض الذي تقدم به الكيال لزواجي منها، أمرتني أمي أن أتصل به حالا، واطلب منه أن يتصل بالحاج سبتي الزبون، ويخبره أننا نسافر غدا، ويقنعه أن يأتي معنا ومعه ابنته الست سيناء، ويبقوا معنا، حتى تنجلي الأزمة، كي لا يحدث لإبنته الوحيدة ما حدث للست هيلا.

 لم أعص أمرها، عندما ذكرتني بوعد قطعته على نفسي، بعد أن غيرت اسمي من إجباري الى نوح، أن أكون جديرا بالاسم الجديد الذي أحمله، اتصلت بالكيال،  ولحسن الحظ كان صاحيا، لم يأو لفراشه بعد، وقد تم كل شيء على ما يرام، وفي تلك الليلة نمت مرتاحاً مطمئناً، لأن الأب وابنته سوف لن يعودا لمدينة العمارة، ويتعرضا للتهجير القسري الذي بدأت حملته في الربيع.

لم أفكر بما سيحصل جراء موافقتي، قلت لنفسي، طالما أن حياتنا سارت بهذه الدرجة من الفوضى، فلنترك الحبل على الغارب ،وللغد رب يتولى تصريف شؤونه. ولحسن الحظ لم ترفض أمي سفر الكيال معنا، من أجل سيناء، وحلمها القديم بزوجة تنجب لها الأحفاد والحفيدات، ليكونوا قرة عينها.

يتبع

شكرا لمتابعتكم

صالح البياتي

........................

حلقة من رواية: بيت الأم

 

 

طارق الحلفي

الى سُعادتي التي ذكرتني بالحضور

سَأظلُ ابحثُ عنكِ في الصورِ القديمةِ والنساء

وعَرائِشِ الضوءِ المُضمَّخِ باليقين على دروب الاولياء

سأظلُ ابحثُ في ضَبابِ فِراقِنا

وعُيونِ من كانوا الينا ذاتَ يومٍ أصدقاء

فَعَلى جَدائِلِ لَيلِنا الممتدِ خَيطاً للنهار

فاضَت حُقولُ الذكرَياتِ

وخمرُ ما ترَكَت يَداكِ

وبُرعمُ العَتبِ الضرير

مُؤَمِّلاً انْ تَفتَحي

كُلّ استِحالاتِ الظنونِ وما جَهَلْتُ

ان تَحضري في يَقظَتي

وبِطَيلسانَ غِوايتي

كَي يَهدأَ السهرُ الذي غَطّى على كَبَدِ السؤال

كَجَناحِ ماءٍ مَسَّهُ ضَوءُ الخَمائِلِ من شِغافِ تَودّدي

كِي اغزِلَ الليلَ العميقِ بِغبطَتي

عُشاً إليكِ ـ حَمامَتي ـ ومُرصّعاً

بِغِوايَة البَوحِ البَتولِ لِتَرقِدي

بَينَ اضطِرامِ حَديقَتي

ومَواسِمِ القَمحِ المُحاكِ بِلَهفتي

أ حمامتي

*

سأظلُّ ابحثُ عَنكِ في حُلُمي الذي اجَّلتُه عاماً فعام

كوَريثِ عَصفٍ من حِرابِ فِخاخِنا

تِلكَ التي وَصَفَت بَقايا نارِنا

حتى اصيدَ الجمرَ في الصّخبِ الذي

سوَّرتِ فيهِ هيامَنا

وزرعت فيه خصامَنا

واتَحتِ لِلطَيشِ البَليدِ فَضاءَنا

وسَمعتِ قولَ العائِداتِ مِنَ الاَباطيلِ اللّواتي كُلّما

يَتَوَهَمَنّي بَهجَةً ويَصفنَني بِالمُشتَهى

وبِغَبطةِ الشُّهُبِ التي خَرَقَت غَمامَ المنتهى

وانّني الحَجَرُ الصَّقيلُ امامَ مُنعَطَفِ النساءِ وأنني

تُفاحُ رائِحَةُ الشهيقِ على ثُغورِ العاشقينَ وانني..

ميزانُ سِردابُ الكلامِ وانني

بِضَلالِهُنَّ ظَلَمنَني

وظَلَلنَّ ـ مِنكِ ـ غِوايَةً او ريبةً يَنحَلَنَني

بِالوَصلِ بِالشبُهاتِ كنَّ يَرُزَّنَني

وبنَوْلِهُنَّ ضَلالةً كنَّ ابتَدَعنَ

وفتنةً، بَينَ الوَريدِ وبَينَ تَوأمِ دَهشَتي

كنَّ اغتزلنَّ حِكايَتي

*

سأظلُّ ابحَثُ عَنكِ في كلِّ اهتِزازاتِ الغُصون

وغَياهِبِ الغاباتِ واليومِ المُعَفَّرِ بِالرجاء

ومَخابِئ الضَجَرِ الذي غَطى اعتِرافاتِ الصَّدى

وعَواِصفَ العُشقِ المَؤَثثِ بينَ اروِقَةِ الهُيامِ

عَلّي اليَكِ يَقودَني

تَرَفُ الزَّنابِقِ او ضَراعَةُ دَمعَتي

كي لا أرى كَيدَ الفِراقِ يَلُمَّني

كَالماءِ مِن مُدنِ السَّرابِ فَانطَفِئ

*

سَأظلُّ ابحثُ عَنكِ في زَبَدِ اللُهاث

وما استَظَلَّ بِهُدبِهِ غَيماً على تُوتِ القَبَل

يا كائِناً اَنّى أكونُ وانتَ مِنّي سَفينتي

ورِياحُ اشرِعَةِ الصَّواري وابتِهالاتِ البَقاء

يا صِدفَتي وضَرورَتي

ونَسيجُ مَملَكَتي التي فاءَت اليها مُهجَتي

وحُضورُ وَهمي وانشِداهُ سَريرَتي

وهَداهِدُ الوَهَجِ الذي غَطّى اضطِراماتِ الندى بمواقدي

فَدَعي فَراشاتِ المَعاني ان تَقودَ دَليلَنا

كي نَكشُفَ الأمَلَ البَهّي على حِمامِ عِنادِنا

ونُضيءَ عَفوَ عماءنا بِسراجِ اجنِحَةِ الصَّفاءِ مَسالِكاً

لِكَواكِبٍ عَجلى لِأَوكارِ العِناق

*

سأظل ابحث عنك في شُطآنِ روحي وانحِناءِ الإنتِظار

حتّى اُعيدَ اليكِ مِن خَجَلي وِلاداتِ النهار

وغُرورَ ما فَعَلَت يَداي

وحُمًى تَبَعثُرَ مُهجَتي

ومَتاهَتي مِنّي اليكِ فأقبَلي

يا قلبُ قَلبَ ظَلامَتي

وتَفقَدي حَجَلَ التَّرَقُبِ

في بَرازِخِ وَهدَتي

ومن اكتِفاءِ البِحثِ عَنّي في رِمالِ تَلَعثُمي

فَلَكِ العُبورُ بِصمتِ مِلحي وارتِعاشِ رُخامَتي

ولكِ المكانُ مُدَثّراً بِرَشيقِ شِعرِ مَودَتي

ولك الزمانُ مُظللاً بِزُحامِ بَيدَرِ دَهشتي

ولك التّرافةُ كُلّها مَطحونَةٌ بِخِضابِ غايَةِ لهفتي

ولك الجُفونُ وهَجسُها بِكنوزِ دراقِ الذهولِ لِنَبضَتي

اسْرَفتُ يا وعدي الأخيرِ ويا سُلافَةُ قُبلَتي

سأظلُّ انتَظِرُ اشتِياقَك في مُفاضَةِ حَضرَتي

بين المَسافَةِ والندى ومُؤَمِلا بِبَراءَتي 

وبِأنَني رَقَّت وقائِعُ شِكوَتي

مُتِباهِياً وَصلي اليكِ

وفي عُيونِك جَنَةً مَملوءَةً

ضِحكاً نَقياً مِثل ضِحكِ الأنبِياء

**

طارق الحلفي

بكر السباتينفي أغانيهم

- ومراكبُهم تجوبُ البحرَ-

تحتفي زهرةُ النور..

تتنفسُ فيهم أحلامُ العذارى

وزوجاتٌ يرتضعْنَ الوعودَ

ويتلحفنَ الانتظار..

تلك الوعود

كأنها تخرج من صدورِهمْ

وهم يصارعون الموجَ

في غياهب المعنى،

كالزئيرِ

فلا تُوْضَمُ على غدرٍ

ولا يستبيح حياضَها النسيانُ..

وعلى أجْبُنِ الصيادينَ الموشحة بالسواد

تورق حبيباتُ الفرح

وما بين أنين وصراخ يستيقظ الغناء..

فأيُّ محارةٍ تلك التي في يدِ عرافةٍ

تغني على أوتارِ الوهمِ

وتطعمُ ما بجوفِها لخيبةِ الرجاء..

ثم تستنطقُ بقاياها

كيْ تعلقَ في جُيودِ الصبايا

وعودَ السندباد!

ما دامت لؤلؤةُ الحظِّ

تختبئ جَذْلى في قلبِ أغنيةٍ

ترفرفُ في عيونِ بحارةٍ

يزفّهُم موجُ البحرِ

يَغْسِقُ الليلُ على دبيبِ أقدامِهم..

يحررونَ جدائلَ زوجاتٍ أتْعَبَهُنَّ الانتظارُ..

فتشرقُ في أعناقِهِنَّ اللآلئُ

ويَغْتَسِلْنَ بالطيبِ المتفصدِ على أجْبُنِ العائدين

ثم يأخذهم الحنينُ إلى التماهي والغناءِ

حتى يستيقظَ النهار

***

شعر منثور.. بكر السباتين

 

فتحي مهذبمع ترجمه أسبانية:

للشاعر حسين نهابة..

 

نادتني صخرة

فابتسم حصاني..

واقتفت أثري شجرة

تحاول الانتحار

في مكان هادئ داخل صدري..

أسفا لم تتمكن من ذلك..

كان حصاني سريعا جدا..

يطارد حطابين كثرا

في غابة هامشية ..

نظرت ورائي..

هاهي تلاحقني على دراجة

من قش .

 

El Poeta Argelino: Fathi Mhadab

 

Una roca me llama,

mi caballo sonrió

y arbol acechó mis huellas

tratando suicidarse

en un lugar tranquilo dentro de mi pecho.

Lo siento, no pudo,

mi caballo era muy rápido

persigue a muchos leñadores

en un bosque marginal.

Miré atrás

me está persiguiendo en una bicicleta

de paja.

 

....................

يسعدني جدا ادراج نصي ضمن أنطولوحيا شعرية تضم شعراء عراقيين وعرب والتي ستوزع أكبر الظن في نيسان على المكتبات الوطنية في اسبانيا وأمريكا الجنوبية. كل المحبة والتقدير والشكر للشاعر العراقي الكبير حسين نهابة .

 

عبد الجبار الجبوري1- لا شريك لها في قَلْبي:

يَشِيبُ حَرفي مِن البُكا، كُلمّا جُنَّ لّيلي، وتَذكرّتُ أَنّيّ تذكرّتْ طيفَها، الذي طوّقَ رُوحي بهالةِ من الحزن الشفيف، وشاعَ حُبُّها في قُرى الشِّعرِ، وتناثرَعِقْدُهُ في دروبِ الليّل، حكاياتِ السَّمر، ولا سامرٌ في الحَيِّ يَدريْ، أنَّ حُبَّها يَسْرِي بروحي، كما تسري الدماءُ في عروقِ الشجر، أيقنّتُ حينَها، أَننّي لا أشبعُ من طولِها وطلّتِها حينَ تَجيءُ، وحينَ نَلتقي، وحينَ نفْترِقُ، فحينَ تَشخصُ أمامي يَنسدِلُ ليلُ مواجِعِي، وينْخسِفُ قمرُ الزمان، وتنوشُ نظراتُها رُوحي بسِهامِ القُبَلِ، أحلمُ أنْ أُمشِّطَ شعرَ طفولتِها، وشعر طلتِها، وأُلوِّنُ شالَها بأحمرِ الشِّفاهْ، وأدعو لقصائدِها الظّمآى، أنْ تكتبني وتطيلُ النَظر، لأتمّلى ضحكتَها الذَهبيّةَ، وهيَ تُسرِجُ أحرُفي فوق هوادجَ الشوّق، كقمرٍ يُضيء، وقمرٍ لايُضيء، ذلك هو نشيدُ البَّحرِ، أعترفُ أنَّ كلَّ قصائدي، تخرجُ مِنْ تنّور شفتّيها، وضحكةِ خَديّها، وتسريحةِ عينيّها الفاتنتيّن، الواسعتّين كبحرٍ بِلا سماء، ونجمةٍ بلا ضِياء، وفمٍ بلا قُبَلٍ، أعترفُ أننّي مُتيّم بِها، بقامتِها التي تُشبهُ لَمعةَ البَرق، وبُحّةُ صَوتِها التي تخترقُ ستائر الليّل، وحُمْرةُ خديها اللتان تُشبِهانِ قلبي، قلبي الذي يَقفُ كالطفلِ بحضرتِها، ويرتجفُ كما ترتَجِفُ السّعفةُ تحت بَلَلِ المَطر، هكذا أُحبُّها لأن فِتنتَها، تَعجِنُ الحُزنَ بالبُّكا، والليّلَ بالنّهار، والشوقَ بألأسى، كي يكونَ لونُ البحرِ أزرقاً، ولونُ الثلجِ أحمراً، كشفاهٍ تنتظرُماءَ الكَلام، أعترفُ يَتّلبسُنِي ليلُها، ويأسرُني حزنُها، حزنُها الذي يَملأُ رُوحي بالبَّهاء، أعترفُ إنِّي أُحبُّها كُلمّا يَجنُّ لَيلُها في دَمي، ويَطلُعُ مِنْ بَينِ نِهدّيها القَمر....

الموصل

20/12/2018

2- حينَ يَملؤُني حبُّها زَهواً ودهْشَةً

ثملت رُوحي بدهشتُها، وهي تُحدّقُ في الحَرّف، وتسكبُ من عسلِ شفتيّها على شفةِ القصيدة، فترقصُ عصافيرُ الضوّءِ على راحتيّها، وتنمو أعشابُ الفراغ على ناظريها، كمْ أحْلمَ أنْ أعضّ ضحكتها، وأقضمُ تفاحتَها، وهَي ترقصُ في سماءِ قَلبي، كمْ أحلمَ أنْ أُمسِكَ بُحّةَ صوتِها، وأخبؤها في أعماقِ غيمتي، غيمتي التي تهطلُ على نهديّها شفيفَ القُبَلْ، أعرفُ أننّي أركضُ خلفَ سرابٍ، ويتبعُني ظِلُّها، ظِلُّها الذي يغمُرُني بالأُلفةِ والحَنينْ، ويمسحُ دمعةَ شوقي، ووجعَ أغنيَتي، ومللَ قصائدي، وشبقَ جنوني، وأيام غُربتي، غُربتي التي يلفُّها النسّيان، حينَ تكونُ معي، وتَمشيَ معي ، وحين أنامُ تنامُ تحت رمشي، وتحايثُ خَطوتُها خَطوي، ويسْبقُ ظِلُّها ظِلِّيْ، وتُغنيَّ مَعي أُغنيتي المُفضّلة، (وآشرح لها عن حلاتي روحي عليلة لأجلها)، أحبها، في الحَلال والحَرام، في الضوءِ والظّلام، في الحزنِ والفَرح، في الحياةِ والموت ْ، في الحضورِ والغيّابْ، في ركعةِ عشقٍ – سَمعَ اللهُ لِمنْ حَمدا- رّبنّا لكَ الحَمْدُ- ياااااااه أدهشَني وجهُها خلفَ الزُجاجِ، وهي تُلوّحُ ليْ بشالِها الأحمر، وتقولُ صباح الخيرأيها المطر، يا أعز من قصائدك عندي، فهي لاتَجْرؤ أن تقولَ لي أُحُّبكَ، هي تُخفيّها تحتَ لسانِها، تَخافُ أنْ يخطفَ الكلمةَ، الهواءُ، هي تَغارُ عليَّ حتّى من الهواءْ، هكذا يملأُ رِئتَي صوتُها البَعيدُ بالشجنِ، ويَحمّرُ خَديَّها منْ خجلِ الكلّمات، وتشعلّ فِيَّ الدهشةَ والجُنونْ ...

الموصل ..

27/12/2018

3 - شكراً لشالِها الأحمر

على مرمى قُبْلتين إفترّقنا، قالتْ: ياليتَ عشيّاتِ الغَرام رواجعُ، قلتُ ليسَ راجعُ، وإفترّقنا، كانتّ تلبسُ ثوبَ قصائدي، وتقتّفي مواسمَ البكاء، في مراعيَ الحرُوف، ، بلى إفترقّنا نجمةً تَسبقُ نجمةْ، وقمراً يأفلُ إثرهُ القَمرُ، وماعاد المساءُ يشربُ نَخبَ الأصيل، ماتَ العاشقُ مِنْ ظمإٍ، هي الآنَ ترسمُ على رملِ البَحر، وجهَ القَمرَ القتيلْ، وتُلوّنُ وجهَ الليّل، بزُرْقةِ الفَجرالحَزين، أيتُّها السّماءُ البعيدةُ مهلاً، لا تَرْحَلي، خُذي وجعَ البَحر كُلُّهُ، وإتركيْ لي ظِلَّ المَطر، بلى إفترّقّنا كي يأفلَ القمرَ، وترحلُ النجمةُ الهاربةُ الى سماءٍ أخرى لا تُضيءُ، وزمنٍ لايُضيءُ، تقولُ لي إبتعدْ، وقلبي يقول إتئّدْ، بلى إفترقّنا فإشتبكَ الليّلُ بالمَطر، والضوءُ بالظّلام، وفَمي بفمِها، تناءتِ القُبَلُ، وإسوّد وجهُ الليّلِ، كانَ الخميسُ خميساً إلاّ أنتِ، وكنتِ ياقوتةَ سَمائي، فإنطفّأتِ على شِفاهي، وكُنتِ أنتِ، ولمْ تكوني بِعيَني إلاّ أنتِ، فَرحي وهُيامي، سَعادتي وغرامي، غيابي وحضوري، موتي وحياتي، وشمعةَ أيّامي، شِعرِي كُلّهُ أنتِ، فَمَنْ إذن أنتِ، أنتِ قُبْلةٌ يِبُسَتْ على شِفاهي، ودمعةً بلّلتْ ثوبَ قصائدي، ألبسّتُها عباءةَ أحلامي، أنتِ معنى الأسى، والأسى بعضُ كلامي، ورمادُ أغنيتي، وصوتُ الشوقِ، حين يدلّهمُ ظَلامي، أنت وجعُ رُوحي، ودمُ مواسمي، وعقدةُ لساني، حين تلتقي الأكفُّ والشِفاهُ معاً، وتشتِّبكُ على مرمى القٌبَلِ، جيوشُ مواجِعي، وتهطُلُ على جَسدِ الكلامِ، غيمةَ هُيامي، إفترقّنا بلى، وصارَ في متسِّعِ البَحرِ، أنْ يرحلَ بلا شِراع، وتُلوّحُ أنجُمي لشالها الأحمر، بلا سلام، شكراً لشالها الأحمر، وهو يُلوّح بأعلى الربّوتينِ، ويضيءُ للقُرى، بمصابيحَ الضُّحى، ويحلو عند نافذةِ الشوّق الكلامُ، شكراً لشالكِ الأحمرِ سيّدتي، ففي الغناءِ، بعضُ الأسى ومرُّ الكّلام.....

 

عبد الجبار الجبوري

 

حميد الحريزيكان غافل يجيبب على اسئلة القاضي بدون مبالاة، مصيره معروف ولا داعي للانكار او المراوغة، كان يحدق كثيرا ب(والده) (عبود) الذي يجلس وسط القاعة بملابسه الرثة، وجه مجعد وشوارب كثه، ذراع مكشوف موشوم ب(الحياة عذاب) ...

تمر في مخيلة غافل، جوعه المزمن، اغتصابه من قبل ما وصف ب(والده عبود)، نزوله الى الشارع للعمل، معاون سائق لسائق سكير شاذ، يتناول الحشيش، يتغزل بالغلمان يعلن امام مماثليه ان غافل احد غلمانه، شجعه على سرقة بعض الركاب المغفلين في اوقات الزحام، يغرر باطفال الشوارع والاسواق لسلوك طريق الشذوذ مقابل استلام عمولة من اللواطين، السطو على الدور، ضرب السكين، التسليب والاغتصاب تحت تهديد السلاح بالاشتراك مع آخرين، مرات ومرات حاول قتل والده(عبود) ولكن عبود كان حذرا يقضا لمحاولته، كان يطرده ناعتا اياه بابن الحرام، ابن الزنا ...حينما القي عليه القبض بسبب جريمة سطو وقتل بشعة، كان يعمل لحسابه الخاص خارج نفوذ (عبود).

من داخل قفص الاتهام يلاحظ (غافل) وجود العجوز المتشردة التي كانت الوحيدة التي تعتني به، وتتألم لألمه وتفرح لفرحه، والوحيدة التي كان يعطف عليها كثيراً ويفيض عليها من سرقاته وغزواته من المال والغذاء، على الرغم من انها لا تطلب منه، يحميها ممن يحاول ان يغتصبها أو يعتدي عليها من الشقاوات او من المتسولين، وقد كانت هي شاهد نفي الجريمة الوحيد عنه...

لفت نظر أحدهم وجود المرأة التي تبدو جميلة على الرغم من تشردها، في وسط القاعة، تبكي بكاءً حاراً وان كان مكتوما وهي تصوب نظرها الى قفص الاتهام مرددة بصوت خافت ان المجرم واحد من علية القوم الحاضرين في قاعة المحكمة .

نودي عليها، القت شهادتها بكاءً وصراخاً بأن غافل بريء ...بريء ...بريء وأن المجرم واحداً من الحضور،دون ان يكون لديها دليلا على البراءة أو الأتهام .

سجلت شهادتها،وأمرها كبير القضاة بالجلوس .

- بعد المداولة وسماع شهادة شهود الأثبات، والاطلاع على الادلة الجنائية المستخدمة في الجريمة من قبل المتهم وبعد المداولة . أعلن كبير القضاة حكم المحكمة بالاعدام شنقا حتى الموت على المجرم (غافل عبود) وفق المادة رقم () ودلالة المادة رقم ()، قرار اتخذ بالاجماع وافهم علنا . ثم رفع الجلسة

ارتفع صوت المشردة من وسط القاعة باكيا صارخا

ما اقساك ياولدي فقد حكمت على شقيقك بالاعدام !!!

 تنبه جمهور القاعة وهيئة القضاة، تشاركه حيرته وسؤاله الذي يدور في رأسه حول الشبه الشديد بين (غافل) وبين كبير القضاة (سرمد فاضل) كما مكتوب على دالة برونزية موضوعة امامه باعتباره رئيس الجلسة !!!.

استدعى كبير القضاة المشردة اختلى بها لسماعها، فقصت له حكايتها قائلةً:-

سرحت في مخيلتها بعيدا لتستعيد مرارة الذكرى، حيث اغراها ابن سيدها الذي تعمل شغالة في داره، وكان ما كان، تنكر لها واتهمها بالسرقة بعد ان علم بحملها، فكنتم ياولدي توأماً، القيتكما خلف سياج المسجد، تبنى غافل (عبود)، وتبناك أنت الدكتور الثري (سرمد)، وقد كنت اتابع مصيركما عن بعد،فصار هو(غافل عبود)، وصرت انت (سرمد فاضل)...

عمت قاعة المحكمة ضجة كبيرة وتكاثر اللغط، وقع (سرمد فاضل) قرار الحكم وقرار استقالته من القضاء، بعد أن أستمع لحكاية المتشردة وشاهد سقوط الميزان.

 

قصة قصيرة

حميد الحريزي

 

محمد جواد سنبهحَدَّثَنِي (مَسّْلوبُ بنَ مَنّْهوبٍ العِراقِيّ) قَالّ:

أَ تَعّْلَمُ يا ابنَ (سُنّْبَةَ)، أَنَّ أُمورَ العِراقِ غيرُ مُسّْتَقِّرَّة.

قُلّْتُ:

يا ابنَ (مَنّْهُوبٍ): وهَلّْ سَقَطَتّْ البَصّْرَة ؟.

قَالَ (مِسّْلُوبُ):

كَلّا جاءَنا أَمّْرٌ بِهِ مَعَرّْة.

قُلّْتُ:

مَعَاذَ اللهِ فَسُمّْعَتُنا فَوّْقَ المَجَرَّة.

قال:

لا .. فَقَدّْ تَبَاغَتّْنَا عَلى حِيْنِ غِرَّة، وصِرّْنَا بيّْنَ الشُعُوْبِ إِضّْحُوكَةً وسُخّْرَة.

قُلّْتُ: يا ابنَ (مَنّْهُوبٍ):

لَمّْ أَسّْمَعّْ مِنّْكَ ذَا الكَلامِ بالمَرَّة!! ... أَخبِرنِي مَا الأَمّْرِ حُلّْوَهُ ومٌرَّه؟.

(2)

قَالَ (مَسّْلُوبٌ):

لَقَدّْ ضَاعَتّْ سِيَادَةُ العِراقِ، وغَزانَا (تّْرَّامّْبُ)، غَزّْوَاً لا يُطَاقّْ.

قُلّْتُ:

وَيّْ يَا (مَسّْلُوبَ) هذا لا يُطَاقّ، لقَدّْ التَفَّتّْ السَّاقُ بالسَّاقّ، فَمَا لَنَا مِنّْ هذا الأَمّْرِ فَوَاقّ، فَقَدّْ ضِعّْنَا وخَسِرّْنَا السِّبَاقّ.

قَالَ (مَسّْلُوبُ):

نَعَمّْ ... يَا ابنَ (سُنّْبَةَ) المِحْذَاقّ، فَلَمّْ يَبّْقَ مِنّْ سِيَادَتِنَا بَاقّ.

قُلّْتُ:

لا حَوّْلَ ولا قُوَّةَ إِلاّ لِلبَاقِّ.

(3)

قَالَ ابنُ (مَنّْهُوبٍ) :

وَصَلَ (تّْرَّامّْبُ) للعِرَاقِ بِلا إِشّْعَار، وزَارَ قَاعِدَةَ (الأسَدِ) بالأَنّْبَار، والتَقَى بِالضُّبَاطِ الكِبَار، والجُنُودِ مِنّْ كُلِّ الأَعّْمَار.

تُرَافِقُهُ زَوّْجَتُهُ فِي الإِقّْبَالِ والإِدّْبَار، إِنَّها جَميّْلَةٌ رَشِيّْقَةٌ تُسّْحِرُ الأَبّْصَار، مَشّْيَتُها كَفَرَاشَةٍ تَدُوْرُ على الأَنّْوَار، بَسّْمَتُها كَجَمَالِ الوَرّْدِ والثِّمَار، قَامَتُها مَمّْشُوقَةٌ كَغِصّْنِ أَزْهَار، دَمُها وَهَجٌ يَشِّعُ مِنّْ نَار، نَظَرَاتُها تُذّْهِلُ العُقُولِ والأَبّْصَار، قَامَتُها تُفّْتِنُ الأَخّيَارَ والفُجّْار.

قُلّتُ:

يَا (ابنَ مَنّْهُوبٍ) دَعّْكَ مِنَ السِّحّْرِ والسُّحَار، واتّْرُكّْ الجَمَالَ والانّْبِهَار، واخّْبِرّْني عَمَّا صَارَ ودَار.

(4)

قَالَ يا ابنَ (سُنّْبَةَ) المِغّْوَار، اعتَلَى (تّْرَامّْبُ) المِنَصَّةَ بافّْتِخَار، وقَالَ بِحَزّْمٍ واسّْتِعَار:

إِنَّنَا باقُوّْنَ بِالعِرَاقِ باسّْتِمّْرَار، فَلَمّْ نَرحَلّْ ولَنّْ نَرحَلّْ فالرَحِيّْلُ عَار، أَلَمّْ نَحّْتَلُ العِراقَ بِجَيّْشِنَا الجَرار، فَخَيّْراتُهُ لَنَا ومَا لأَحَدٍ سِوَانَا خَيَار، فَنَحّْنُ أَسّْيَادُ هَذا المَدَار، ونَحّْنُ اصّْحَابُ القَرَار، فَصَفَّقَ الجُنّْدُ لَهُ بإِكّْبَار.

أَمّْا أَنَا فَلَطَمّْتُ وَجّْهِي لِذَا العَار، وبَكَيّْتُ مُرَّ البُكَاءِ لضِيَاعِ الدّْار.

(5)

قُلّْتُ:

وَ اللّهِ يَا مَسّْلُوبّْ، ذَّا خَطّْبٌ مِنَ الخُطُوبّ، والحُزّْنُ عَلَيّْهِ أَمّْرٌ مَطّْلُوبّ، وحَقِّكَ هَذا مَا لا تُطِيّْقُهُ القُلُوبّ، ويَسّْتَحِقُّ مِنّا شَقَّ الجُيُوْبّ.

قَالَ (مَسّْلُوبٌ):

يا ابنَ (سُنّْبَةَ)، لَقَدّْ قَالُوا لَنَا انْتَهَى الاحّْتِلال، ونَالَ العِرَاقُ كُلَّ الاسْتِقّْلال، وغَادَرَ الأَمريكانُ مِنَ الجَنُوبِ إِلى الشَّمَال.

قُلّْتُ: يا ابنَ (مَنّْهُوبٍ):

إِنَّها كِذّْبَةُ عُمَلاءُ السِّيَاسَة، فَهُمّْ لَيّْسُوا بِسَاسَة، وإِنَّمّأ سَمَاسِرَةٌ للخَسَاسَة، ضَحِكُوا عَلَيّْنَا طُلّابُ الرِّيَاسَة، ومِنّْ غَبَائِنَا صَدَّقّْنَاهُمّ بِحَمَاسَة، فَهُمّْ خَدَّرُونَا بكِيَاسَة، وتِلّْكُمُ هيَ صَنّْعَةُ النَّخَاسَة، فَمَرَروا عَلَيّْنَا مَشَارِيّْعَ التَّعَاسَة، وعِشّْنَا عَيّْشَ ذُلٍ وانتِكاسَة، لأَنَنَا صَدَّقّْنَا أَدّْعياءُ السَّاسَة.

و القَوّلُ قَوّْلُ (عَلِيَّاً) فَصَلّْوا، فَكُلُ قَوّْمٍ تَرَكُوا قَوّْلَهُ ضَّلّْوا، لَقَدّْ قَالَ الوَصِيُّ قَوّْلاً فَلَبّْوا:

(فَوَ اللهِ ما غُزِيَ قَوّْمٌ قَطٌّ في عُقّْرِ دَارِهِمّْ إِلّا ذَلُّوا).   

 

 مُحَمّد جَواد سُنّْبَه