صحيفة المثقفسقط عمره سهوا.. ولما أراد التقاطه، احدودب ظهره، آثر الجلوس على ضفافه، انتظر السبات.. فبرد فراق الأحبة لا يُسخنه جمر المواقد ...

قد يكون الغد أهنأ ...فحنين التراب إلى التراب يزيد، وشوقه إلى العيش بين الموت و العيش، حديث آخر، من زمن آخر يستوي فيه الماضي والمستقبل، ليصبح الحاضر مجرد سراب أو خيال يقتبس من الماضي ومضات فرح يختزنها لما بعد السفر.

قد سبق أن نعم بين الأحياء ولكنه يطمع أن يحظى به بين الأموات، فربما قد يليق به الموت، فيكون لقاء آخر مع حبيب من زمن ليس كهذا الزمن... برزخ ليس كبرزخ العمر، يلتقي فيه بأحبة سافروا من سنين دون عودة.

 

الاطرش بن قابل

 

سليم الحسنيرأى المنازلة الكبرى في البلاد، أيام مشتعلة بالنار، لا يخوضها إلا من أعار روحه لله، فأدرك الأمير أنه ليس من طراز هؤلاء الرجال، ولن يكون مثلهم. كان مجرد تفكيره بأن يكون قريباً منهم، يصيبه بنوبة رعب، يسقط في بئر عميقة من الخوف، يُغمض عينيه ويغطيهما بيديه، ليبعد بالظلام ما يجري خارج بيته. وحين يفتحهما، يفتحمها بحذر الجالس على حافة منحدر سحيق.

كان يسأل نفسه في خلواته، من أين جاء هؤلاء بكل هذه الشجاعة؟ لكنه سرعان ما يوصد باب الجواب بقوة، يُقفل تفكيره بسرعة خاطفة، خشية أن يعرف الجواب. لقد عشق الخوف وتمسك به، فهو منجاته من الخطر، سفينته التي لا تُبحر، حصنه الآمن الذي يلوذ به، إنه طريق السلامة التي ينشدها.

كان يسرد على نفسه، روايات العجائز مما كان ومما لم يكن، يقرأها على نفسه، يُركبّها على وتر السلامة، فيشعر بنغمة النعاس الناعمة.

في زمن المنازلة ينجو الخائفون، كلمة يرددها مع نفسه، يتمنى لو يكتبها على جبينه، ليقرأها رجل الأمن وشرطي المرور، والجيران والمارة وصاحب الفرن وبائع الخضار، والطلبة والأميون والمكفوفون والموتى.

كان يقصد الدرس ويعود، وقد أحاط نفسه بغلاف سميك من العزلة، فلا تخطئ عيون الناظرين بأنه لا يسمع ما يدور حوله، ولا يرى ما يجري أمامه، ولسانه مشلول إلا من شؤونه الخاصة.

لكن المدينة لا تهدأ فيها النار، لهيب يمد ألسنته المجنونة، يتخطف الشباب بالموت، ووحوش تطارد آخرين، ففاضت السجون بأجسادهم. وكان يسمع بعض الأحاديث عنهم، فيضع أصبعيه في أذنيه، لا يريد أن يسمع بطولات الصامدين، ولا يريد أن يعرف معنى لسعة الجلاد، فيلتمس مع نفسه العذر، بأنهم ألقوا أنفسهم الى التهلكة.

طوى سنوات الشباب على هذا الحال، آمناً يمسك السلامة من طرفيها، هي رداؤه وعِمته وجلده ودمه. وحين سقط التمثال، بقي أربعين يوماً على خوفه السابق، يتقصى الأخبار بحذر شديد، يرى الناس يهتفون ويفرحون، لكنه لا يُصدّق، فقد تكون نزوة حرب، ثم يعود الحال لسابقه.

وما اطمأنت نفسه إلا بعد أن رأى الساسة يزورون أباه الرجل الكبير، يسترشدون برأيه، فبرقت في رأسه فكرة ذات رنين، سمعها مدوية صاخبة، فعصر رأسه بيديه، يريد أن يكتم صوتها، فهي السرّ الأعظم الذي يجب أن يبقيه مدفوناً في جمجمته. همس مع نفسه:

ـ جاء الزمان بفرصة العمر، سأنهي عزلة السنين الطويلة، وأكون صاحب الرأي والقرار. سأخرج من بئر الخوف الى قمة الهرم، سأستخف بهم فيطعونني، هذا هو الطريق. فعلها من سبقني، وسأجرّبها بنفسي.

جلس ليله ساهراً، يَقلِبُ الفكرة على الفكرة، ويفرك الرأي بالرأي، حتى استقر رأسه على أمر عظيم، لقد قرر أن يَستلّ من أبيه القداسة فيطلي بها وجهه، ويكون حاجبه والباب اليه. أغلق نوافذ الغرفة بصفائح من حديد، وزاد عليها بناءً من فخار سميك، فلن يصل اليه صوت بعد الآن، ولن تخرج منه كلمة إلا على لساني، أنا الحاكم بأمره دون علمه. وسأجعل المعتاشين يهتفون بما أقول، يخدعون الناس بما أريد، إنهم أبواق ومزامير لا أكثر، سيأتوني صاغرين يطلبون بركتي، لكم ذلك يا صغار.

 

سليم الحسني

 

زاحم جهاد مطرإلى روح الصديق رائد المقامة الحديثة

 زاحم جهاد مطر، الذي وافته المنيّة

بعد صراع طويل مع المرض

***

يا زاحــــــــمَ بن جهـــادٍ كــلُّ مـنْ فيــــــها

                                يومـــــا ً يودّعـــــها قسرا ً ومـــا فيـهـــــــا

هــــذا بأحضـــانِ أهليــــــهِ يودّعـــــــــــها

                                وذاكَ يمضي غـــــــــريبا ً في منافيــــــــها

دنيـــا ً حلمـــــتَ بهـــا خضـــــــراءَ زاهية ً

                            جفّتْ فمـــــــا مطـــرٌ يروي فيـــــــــــافيها(1)

خد ّاعــــــــة كســـرابٍ في مظاهـــــــــرها

                                فاحذرْ ــــ فديتُـــكَ ـــــ وابحثْ عنْ خوافيها

فيـــــها الذينَ بزيفِ القـولِ قد ولعـــــــــــوا

                                 أفعالهــــــــمْ عكْـسَ ما قالوا , تُنافيـــــــــها

لا تعجبـــــنَّ إذا ما الحــــزْنُ داهمـــــــــني

                                 والنفسُ أفراحــــــها راحـتْ تُجــافيــــــــها

هـــذي المقــــــامةُ أذْكــــــتْ لوعتــــي فإذا

                                 قصــائدي من أســى ً تبكــــــي قوافيهــــــا

كانـــتْ حيــاتي كمــــا الينبوع صــــــــافيةً

                                فكـــــــدّرَ الزمــــــنُ المنحوسُ صافيــــــها

بثينـــــــة ٌ فارقتنـــــــي لسـتُ أعــرفُ هلْ

                              أذنبــتُ فـــي حقّــــــها كيمــــــا أصافيــــها

غاض َ الســــرورُ بقلبــــي عندما ارتحلـتْ

                           ما عُــــــدتُ أسمــعُ لحــنَ الحبِّ من فِيهـــا (2)

الحـــالُ ســـاءتْ فقـــال الصحْـــبُ  بلدتُنــا

                          فيهـــــــــا علاجُــــكَ فارقدْ فــــــي مشافيها (3)

مــــــا مِنْ طبيـــبٍ لداءِ الحبِّ قلتُ لهــــــمْ

                              فعلّتي يـــــــــا صحــــــابي عـزَّ شافيــــــــها

جُبتُ الصحــــــــــارى وآمــــــالي تحدّثني

                                 لعلّـــــــــها اختبأتْ فـــــــي خيمـــةٍ فيهــــا

قاسيــــــتُ فيــــــها لهيــبَ القيظِ  مُحتمـــلا ً

                                وحُــــرْقـــةُ القلــــب أعيــــــــاني تلافيـــها

سألتــــــــها يا تُرى هل عندهـــا خبــــــرٌ ؟

                                 عــــنْ التـــي تعرفُ الصحــراءُ خافيهــــا

أمنيّـــةُ النفْـــــسِ أن تحظــــــــى برؤيتها

                                  مِنْ قبلمـــــــا الأجــــــلُ الدانـــي يوافيــها

كـــــانَ الجـــــوابُ صفير الريحِ في أُذُني

                           والرمل تذروهُ في عينــــــــي سوافيـــــها (4)

 

جميل حسين الساعدي

................

هذه القصيدة  أهديتها للفقيد حين كان بيننا حيّا يرزق واليوم أعيد نشرها  وأ قدمها هدية

لروحه النقية وهي ترفرف في الأعالي في ملكوت الله

هوامش

 (1) فيافي: جمع فيفاء, وهي الصحراء الواسعة

(2) مِن فيها: مِن فمِهـــــا

(3) مشافي: جمع مشفى أي عيادة , دار لعلاج المرضى

(4) السوافي: الرياح المثيرة للغبار والرمال

 

زاحم جهاد مطروداعًا زاحم جهاد مطر، أستاذي الفاضل ومعلمي الروحي النبيل،

ستبقى وشمًا محفورًا في لبّ الذاكرة، العزاء للإنسانية، لعائلتك، ولنا أجمعين،

إنّا لله وإنّا إليه راجعون .

***

سبعونَ شمعةً

والوقتُ يغرّبلُ

 العمرَ فيخون

طيفكَ وإنْ رحلَ

شذاكَ باقٍ لن يزول

قلْ للمودعين

ما بالُ الرحيل ؟

أوقدَ النارَ فرمّدَ

أجنحةَ الفينيق

أطفأ المصباحَ

والليلُ ثرثارٌ كفيف

قلْ .. للهِّ

أمنتُكَ بالدارِ يا الله

بمن سكنوا

 ريفَ العينِ والضلوع

بأهلي ورجالي

آهٍ من دمعةٍ

يكوي ملحها الروح

أمنتكَ بشِّعري ونثري

ووجهٍ تمنيتُ يومًا لقياه

*

قلْ لأولادي

مابالُ النصيب

لا يخيب .. ؟

رُفعتْ الأقلامُ

وجفّتْ الصُحف

فكيفَ لنا

من سهمهِ الهروب ؟

رايتي البيضاءُ

تمسحُ عليكم

" لا تحزنوا "

فهذا حُكمُ الغياب

روحي طائرٌ

ينقرُ الشبابيكَ

فافتحوا له الباب

 في رحى الأيامِ

قمحي طحين

هاكم أرغفتي

فالعدُّ اكتملَ

واكتملَ النِصَاب

جذرٌ اشرأبَّ حُبًّا

أورقتْ بأغصانهِ الثمار

 *

قلْ للقصائدِ

مابالُ الحروف ؟

تُطأطئُ بهمسها

والحزنُ يغبّشُ العيون

نقطةٌ نهايةُ السّطرِ

رحيلُ فينيقٍ غاب

يغدو النهارُ عتمًا

 رثائية

 تعزفها الشّجون

*

سبعونَ شمسًا

والعطرُ حديثُ الزهور

قلبكَ وفكركَ

شتوةُ عطرٍ

 وعمركَ يُقاضيه الغروب

*

قلْ للشوارعِ

مابالُ الحدائقِ والديار؟

وداعًا بغدادي

وداعًا أهواري

وداعًا للمشاحيفِ

 للنخيل

 خُبزُ ذكرياتي

إرثٌ للفقراء

وكتفٌ للعاشقين

*

قلْ للريحِ

رفقًا بالرمادِ

أيّتُها الريح

أجسادُنا خُتمت

 بشمعِ الفُراق

وأضواؤنا

 لو أُطفئت

سنلتقي لو 

 باعدتنا مسافات

رفقًا  بالبلادِ

أيُّها الإنسان

عروشكِ دماءٌ

والحريةُ

 مزادها الأرواح

بغدادي

 ياضحكةَ سما

يا ثكلى

 أدمتها الجراح

أنتِ ظلُّ اللهِ

 نبيّةُ السلْمِ

في وجهِ الطوفان

ياحبيبةً ياعتيقةً

ياعنقاءَ النورِ

يازينةَ الأعياد

*

قلْ للحبِّ

مابالُ الغدرِ يفضُّ

براءةَ القلوب .. ؟

مابالُ النقاء

يُشرى ويُباع

 بأبخسِ أسعار ؟

رسمتُكِ غيمةَ دفءٍ

تُمطرُ وطنًا

في بردِ الاغتراب

رسمتُكِ شعاعَ ألقٍ

شرْبةَ ماءٍ

نورسًا يحملُ دجلاهُ

وفي رفرفتهِ

لوعةُ الفُرات

فلماذا ابتسامتكِ

شاحبة .. ؟

هي الدنيا موجُ لقاءٍ

وشراعُ وداع

قلْ  للأشواقِ

مابالُ المكان

يرثي صاحبهُ بسكوت ؟

هذا سريري هذي أدويتي

هذي أقلامي

ومقاماتي

عناقيدُ الهايكو

 رسمي وتوقيعُ اسمي

ينادوني

يا زااااحم

 بأعلى صوتْ

*

قلْ للحياةِ

مابالُ سهامكِ

تصطادُ فينا الأعمار ؟

تهيمُ روحي زائرةً

ومسامي

حلالٌ للتُراب

 نحنُ عابرو سبيلٍ

نأتي ونرحلُ

وتبقى ذكرياتنا

زبدَ البحار

وداعًا وداعًا

يامنْ كُنتُ بينكم

فغنّى عمري وطاب

سلامًا سلامًا

للأحبةِ للفقرِ للشعرِ

 لأرواحكم

ولروحي السلام ...

*

روح الله تحنو عليك يا أستاذي

يرحمك ويسكنك الفردوس الأعلى .

***

فاتن عبدالسلام بلان

 

سوف عبيدعندما كُنَّا صِغارًا

كمْ لعبنا في المَزابلِ

نلاحقُ القطط والدّجاجَ

أو باحثينَ عنْ عُلبِ السَّردينِ والطّماطِمِ

نَجعلُهَا خُيولاً وسيّاراتٍ

نُصادفُ إرَبَ الرّسائِلِ

والصُّوَر

نَتهجّاهَا ونَتَملّاهَا سَاخرينَ

إذا كان اليومُ باردًا

نَجتمعُ حَلْقةً نتدفّأ عليهَا

مَكتُوبٌ عليها النّارُ

قلوبُ العاشقين

*

ليلةَ العيدِ

أيدينا تنامُ ماسكةً بالأحذيةِ الجديدةِ

تحتَ رؤوسِنا

أرجلُنا لا يَحقُّ لها أن تَكبُرَ

كيْ تُناسبَ دائمًا حذاءَ العيدِ المُقبل

لذلك كثيرا مَا نُصابُ بحُمَّى

كرةِ القَدمِ

تَرانا نتسلّلُ زاحفينَ

في القَيلُولةِ

تحتَ نافذةِ سيّدِي المُؤدِّبِ

نَستلّ منها خيطَ النّعناع الدّقيق المتينِ

ثمّ نمضي تحتَ الشّمس

ننبُشُ القُمامةَ

حتّى نظفَرَ بالخِرق

نَلُفّها في جَوِربٍ مُهتَرئ

بِحَبل المَسَدِ

ولا يأتي المساءُ حتّى تطيرَ الأظافرُ والأصابعُ

والكرةُ

ريشًا في السّماءِ

*

اِشتعلتْ عينُ سيّدِنَا مرّةً

وَيْحَنا

زَجَرَنا بالعصَا

ـ يا أولادَ الكلابْ

دُسُّوها في التّرابْ

حَفَرنَا في الأرضِ إلى الرُّكبتيْنِ

ووقفنا في الجنازةِ واجمينَ

نَدْفُنُ حيًّا يُرزَقُ

ذلكَ الشّيطانَ الجميلَ

عُدنا

غَسَلنا سَبْعا كلَّ الأصَابع

مِنْ تلكَ المَزابلِ

*

أنهَضُونَا باكِرًا مِنْ غَدٍ

إلى المدرسةِ

فَرَشَّنَا الحِبْرُ حتّى أمسيْنا نَرى الدّنيا

سَرابًا أسودَ

بعدمَا كنا نَرْتَشِفُهَا بالألوانِ

تحتَ الشّمس

*

سنواتٌ في سنواتٍ…

صارتِ المزابلُ عماراتٍ وساحاتٍ

ذاتَ مَزابلَ أكبرَ

تَمرَحُ فيها مَلائكةٌ أخرَى

…وإلى الأبدْ

***

سُوف عبيد

https://www.soufabid.com/

 

فتحي مهذبمحاولة قتل الفراغ بفأس الهندي الأحمر..

حصان مخادع يقف على كتفي تفاحة..

صوت جاف يحلق تحت ذقن العجوز..

يقتل دراجين برصاص مفاجئ فوق جسر مخيلة خشبية..

يجر باخرة بأسنانه نحو الهاوية

الأمواج نواقيس خطر..

لا تذهب روح الشاعر الى السماء

بل الى البحر لاسعاد قناديله المسحورة..

يفرغ دمه في كلمة تشبه جرنا في بستان متصوفة..

يمكن أن نكتشف صوت الله

في موسيقى البحر..

خبز المتسول له طعم الميتافيزيقا

يدور حول ذاته وله منزلة في الشك..

العين برهان ..

أتلو ميثاق معاهدة أبدية بين

جارين في جزيرة عابرة.

أصغي الى سارد ليلي..

يتدلى فوق رأسي المهوشة..

تسعدني فتوحات العنكبوت..

بيتك معتم دون مصابيح روحي..

****

شعر : فتحي مهذّب

...........................

 

Texte original en Arabe

Ecrit par : fathi M’HADHEB

Traduit par : Mohamed Salah GHERISSI

Conquêtes

Essayer d’achever le vide avec le Tomahawk d’un ‘’ peau-rouge ‘’

C’est tel un cheval sournois qui cabre sur les épaules d’une pomme..

Une voix farouche qui rase sous le menton du vieil homme..

Qui, de coups de feu inattendus exécute des cyclistes,

sur le pont d’une imagination en bois..

Tirant vers un gouffre très profond, un bateau avec ses dents,

Les vagues sonnent leurs glas...

L’âme d’un poète n’ira point au paradis,

Mais, vers la mer pour offrir le bonheur, aux méduses enchantées..

Il se vide le sang en un mot, tel un sarcophage au jardin d’un groupe de mystiques..  

Il est probable qu’on découvre la voix de dieu

Dans la musique de la mer..

Mais, le pain d’un mendiant, au goût de la métaphysique,

 Tournant en rond, tien  sa place dans le doute..

L’œil d’ailleurs, en fait preuve.

Je vais vous lire la charte d’un traité éternel

 Entre deux voisins sur une île passagère.

 Ecoutant un narrateur nocturne ;

Suspendu au dessus  de ma tète déjà confuse..

Ravi, des conquêtes que faisait l’araignée..

Votre foyer sera certainement sombre,

 sans les lanternes de mon âme..

 

كريم مرزة الاسديإيهٍ (جزائرُ) والسرائرُ قُلّبٌ عند الغضوبِ

(مجزوء الكامل المرفل)*

***

شمسَ الجزائر ِ لا تغيبي ** وأناتكِ فتق الحروبِ

فتجمّــلي بالصالحـــا** تِ ولمــلمي وهــجَ اللهيبِ

وتوحّــدي للعــزّةِ الْـ ** قعســـاءِ كالفــــذِّ الأريــبِ

وتباسقي كالنخلةِ الْـ**شـّماءِ في المرعى الخصيبِ

يا قلعة َالشـّهداءِ : شمُّـــــــــكِ منبعُ الثـــأر ِالرهيب

فعهدتُكِ إشـــراقــــةً** للشّمس ِ فــــي دنيــا المغيبِ

وما وجدتُ على مدى الْـ ** أيّـامِ ٍصنوكِ من ضريبِ

من أمّةِ الأســـــلامِ أو *** من يعربٍ خضر ِالسّهوبِ

لا لا تبضّي الدمـعَ فو**** قَ أديمكِ الحــــرَّ النّجيـبِ

تتمرّدينَ على النســـــا**** ءِ الثاكلاتِ مــــن النحيبِ

وعلى الطفولةِ بســـــمة ٌ****تزهو بملهــاةِ اللـــــعوبِ

والشيخُ تحتَ مساقطِ الْـ*** أنظار ِيطعـــنُ بالمشـــيبِ

أو وحشة الصحراءِ تذ*****بحُ بالأنام علـــى الكثيبِ

لا تزرعوا الموت الزؤا****م علىِ ثرى خصبٍ رطيبِ

هذي الدماءُ النازفا*****تُ تــــــدرُّ بالقاني الســــكوبِِ

هذا الدمُ المطلولُ إر****ثُ الثائرينَ علـــــــى الكروبِ

تتوسّدينَ النـــــائبا****تِ وخلف ظهركِ الــــــفُ ذيــبِ

لهفي على تلك الأرا*****مل ِواليتـــــامى و الوصــيبِ

كيف التقى ليلُ الظلا***م ِبنور ِشمسكِ في الخطوبِ؟

أرضُ الشهادةِ بالدم ِ الْـ***غالي نشدتكِ أن تـــــثوبي

ناشدتكِ أن تجنحي****** للســـــلم ِ ماســحةَ الذنوبِ

باسم الدماءِ الزاكيــا***تِ، وعقدِ (صمصام)الغضوبِ

أتضيعُ رائحة ُالضفا****فِ من الشمالِ إلــــى الجنوبِ

جهدُ (الأمير ِ) لـ (ابن با*****ديسٍ) مواصلة ُ الوثــوبِ

***

إيهٍ (جزائرُ) والســـــرا*****ئرُ قُلّبٌ عنــــــد الغضوبِ

أبكيكِ أم أبكي العــــر******اقَ، وشعر قلبي للوجــيب

أرض ُالعراقُ كأرضكِ الْـ****حمراءِ من نزفِ القـــلوبِ

كلُّ الطيور ِ تحط ُ فــــــي*** أوكــــــارها وقت الغروبِ

وأنــــا أطيرُ بلا هجو*****ع ٍ يا لدهــري من قلـــــوبِ

فخرجتُ من أرض ِ الجدو******دِ مشرّداً وبلا نصيبِ

وزّعتٌ نفسي للبـــرا****يا زاهياً وَقـْــــــدَ الشـــــبوب

ومعي قناديلي التــــي***** أوقـــــــــــدتـُها لغدٍ قريبِ

وجريرتي للناس ِ ما****** كانتْ سوى حبّي وطيبي

تبّــــــــاً لكِ يا لعبة َ الْـ****أقدار ِ إنْ ترمـــــي تصيبي

***

أ (جزائرٌ) أشكو همــــــو*****مَ الصدر ِمن ألم ٍكئيبِ

فمتاعُ خيركِ قد ورد******ناهُ من من الثدي الحلوبِ

كنتِ لأيّ ِّظلامـــــــةٍ *****تدعوكِ أنتِ فتستجيبي

فلقد نفحتُ أريجيــكِ الْـ***فوّاحَ كالوطن ِ المثيبِ

قدْ عشتكِ الريّان ُبيـ***ن َ جوانحي نبضُ الحبيبِ

فوقِ الجبال ِ الشامخا***تِ وبينَ همهمةِ الدروبِ

من(غيلزانِ)إلى(قسنـ****طينٍ) نهلتُ من الطيوبِ

قصَرَ الوفـــا أنْ يستطيـ***لَ إلى عُلاكِ من التريبِ

دمعي على جنباتكِ الْـ***خضراء من لفح ِ الهبوبِ

أو نفحِ(جرجرةٍ)على(الـ***أوراسِ)يشمخُ كالمهيبِ

لا أستكينُ وليــــلكِ الْـ*****غافي على رهـج ٍ مريبِ

فكأنّما قرضي منــــــا****جاة ُ الجديبِ إلـــى الجديبِ

ما حيلتي والشعرُ يجـ*****ري في دمي نهجَ الأديبِ؟

أنـّى الصّفا والحادثا****تُ من الطوارق من نصيبي؟

من ( جلـّق ٍ) ناجيتكِ *****من جبلةِ العربِ العريبِ

أينَ المآذنُ قد دعــــــتْ***** للناس ِ علاًمَ الغيوبِ؟

حيّوا على خـــــير الفلا****ح ِ بلا ذنوبٍ أو عيوبِ

فاسترجعوا لونَ النضا**ل ِإلى النقاءِ من الشحوبِ

بالحقّ ِّ لا بالعنفِ قد**** بزغتْ خياراتُ الشعوبِ

تتجانسُ الآفاق ِ لو *****عدلَ المذابُ مع المذيبِ

وربَّ لفظٍ مـــــن سجا***يا العارفينَ يـــدٌ الحسيبِ

فالعاشقينَ من المشا***رق ِضجّوا من نهج ٍغريبِ

ألضورها الأجداثُ تُقـ***نصُ بالحسيبِ أو النسيبِ؟

ماذا ستسوحي من الْـ******تاريخ ِ شاردة ُ اللبيبِ؟

من (عقبةٍ) أرسى (لابـ****ن نصيره)مجدَ الحقوبِ

أو (طارق ٍ) جعلَ المحا*****لَ ببحرهِ نِعمَ المجيبِ

ضاعتْ تطاردنا النوا******ئب بين أنياب الطلوبْ

تبّاً لك يا لعبـــة الْـ*****أقــــدار ِ إنْ ترمي تصيبي

***

كريم مرزة الأسدي

....................

* إحدى قصائدي التي نظمتها عن الجزائر الحبيبة إبان أحداث التسعينات، أعيدها للذكرى، والدنيا غير الدنيا، وتحيا الجزائر البطلة حرّة أبيّة، وجزماً نحن مع إرادة الشعب الجزائري البطل.

 

صحيفة المثقفاقتل فردا

أو اقتل أُمّة

لا فرق

اقتل شعبا

أو اقتل واحدا

قال الواحد

" فكأنما قتل الناس جميعا "

احرص أن تلبس قفازا

فجميع الخلق

الاك صراصر

أنت العارف والباصر

وسواك بعض عناصر

تبتزك إذ تحيا

فالعالم لك

وسواك لصوص

لأنت

من يعلو في المرتفعات

وعداك الكل يغوص

في الطين الآسن

أنت الخالق

وكل الكوكب مخلوقاتك

وانت الفكر

وكل الناس أداتك

فافعل ما شئت

اقبض

ابسط

فالبحر بل حتى الارض

فتاتك

وتجود على الناس ببضعة انفاس

إن شئت

وإن لم ترغب

فالناس عبيدك

أمواتك

*****

سمية العبيدي/ بغداد

في 17/3/2019

 

قصي الشيخ عسكرأخيرا التقيت السيد وضاح المهداوي.

 كأنني ألتقيه للمرة الأولى.

 لا أدري قط هل كان يجب أن يحدث كل هذا فأدركه وقد بدا أكبر من سنه بعقد من الزمان.. قضيت ليلة في السجن فبان الكِبَر عليه.. الشيب أنهك حيويته فكاد يصبح عاجزا أم رجع شابا أصغر من عمره بعشر سنوات.. كنت أشيح بوجهي عنه.. نظراتي تتحاشاه كأن عيني تنفران من مشهد كريه.. بعد كل ما حصل جاء يصحبني خارج التوقيف، لا أعرف أين أذهب، كيف أقضي الليلة، مادام الحادث مرَّ بسلام فما عليّ إلا أن ألتزم الصمت والهدوء.

في ذهني الطلاق وتصفية حساب الشغل

لا أكثر.

ارتحت؟ انتقمت؟ أليس كذلك؟

 حسبته يمضي بنا إلى المطعم ليصفي بعض القضايا معي، لكنه غير طريقه ومال عن محطة القطار، ومدينة الألعاب أوقف السيارة عند المكتبة الموسيقية، ودخلنا كافتريا الفوركس:

تأكل شيئا؟ أظنك جائعا فلا عشاء ولا فطور.

 بقيت معرضا بنظراتي عنه.

لا وسيلة إلا الهدوء.

مازالت لفحة السجن الباردة تسري في كتفي!

الإقرار بالهزيمة.. ربما تدل نظراتي إذا طالت إلى الأرض على احتقاري لشخص آخر لا أرغب في النظر إليه، غاب، وعاد بعد دقائق، وضع على المنضدة وعاء شاي وقطعا من " سنايل" و " فرانس بغذ".. قال بين الحزم والسخرية:

انظر لي حين أكلمك لاتهرب!

التفت أجيل البصر إلى الزبائن، وتحاشيت نظراته:

واجه المشاكل بشجاعة ولا تكن جبانا.

 ماذا يريد مني وقد عرفته كذابا من أول يوم التقيته؟! ذلك اليوم لم أكن في موقف يستدعي الكذب.. ربما أكون الوحيد من بين اللاجئين الذي نطق الحقيقة.. لست بحاجة أن أقول فجرت عمارة في بيروت وأدعي أن الحرب الأهلية هناك أنهكتني.. أعدائي حاصروني فإما أهدم بنايات وأطلق الرصاص أو أموت.. ولا أقول أجبرت على الذهاب إلى الجيش ففرت كي لا أقتل إيرانيين.. ملفي يكاد يخلو من الكذب.. أما من أسمى نفسه وضاحا فقد جاء في غير زمن اللجوء والكذب.. فتلاعب بالحاسبات وقوائم الكهربالء والضرائب ومحصول المطعم.. ليكن .. مادام الكذب مرتبا فلا غنى لنا عنه، اكذب.. اكذب وليكن كذبك لا ثغرة فيه.. الدنماركيون يدركون ذلك.. يعرفون أننا نكذب ويصدقوننا، فلم نكون ملكيين أكثر من الملك.. وقد رأيت الاستهجان على وجوه رجال الشرطة والمحقق .. القرف من رجل هاجم زوجته لأنها تمنح جسدها لشخص آخر كذبة أخرى.. تزوير جديد.. قلت متحمسا، وقد لمحت عينيه باحتقار:

طبعا لا أجرؤ على رؤية وجه رجل هتك عرضي!

فنفث الهواء، وارتشف من كوبه:

سأخبرك منذ البداية، لاتقلق، أعرف أنك سترتاح لحديثي، اعذرك لتصرفك الانفعالي.. ردة فعل.. لك العذر.. ولشارلوته العذر.. فهي تجهل كل شيء مثلك، فأنتما لاتعرفان أن " دانا " ابنتي!

 ماذا أسمع، صحو أم منام، يا إلهي، تجسدت تلك اللحظة أمام عينيّ قبل حواسي الأخرى رعونتي وقسوتي المفرطة. وترآى لي وجه "دانا" المليء بالكدمات والزرقة.. قسوت إلى حد بعيد فكدت لا أبصر خيط دم نزل من أنفها حتى سبقتني دقائق المواجهة.. لم يبق إلا أن أكره نفسي، رحت أجهش بصوت خافت.. سرعان ما تحولت شهقاتي إلى حشرجة شبيهة بالصراخ، فقال لي مندهشا:

أنت رجل .. عيب.. في مثل سنك أنا كنت مطاردا من رجال الأمن .. تذكر أنك في كافتريا.. فلا تلفت نظر الزبائن بسلوكك الطفولي..

 كرعت قدح الماء، ورشفت بعض الشاي، وقد أضمرت ألا أتناول أي شيء جلبه إلى الطاولة.. في ذهني أن أنصرف حالما أسوي الأمور بيننا وإن كنت لا أدري أين أذهب فيما بعد:

ابنتك؟

نعم قالها وهو يبتسم بمرارة.

هل تعلم "دانا "ذلك؟

لا أبدا، لاتعرف عن علاقتي بأمها تدرك أنها بنت شخص تونسي مجهول وأمّ بولندية وكاد الأمر يظل سرا لولا ولادة علاء الدين التي فضحت الماضي وكشفت المستور ذلك المعنى الخفي الذي لم أضعه في بالي أبدا.

قلت كأنني مازلت غير مصدق:

يعني علاء الدين حفيدك؟

و"دانا" ابنتي، وأنت زوجها، وشارلوتة زوجتي، مابك هل فقدت ذاكرتك بعد ليلة قضيتها في التوقيف!

 قلت وأنا أشيح بوجهي عن رجل ترآى لي يغرق بالماضي، لا احتقارا كما فعلت قبل قليل بل خجلا منه ومن نفسي لسوء ظن فرضه علي واقع أقوى دهاء مني:

كثيرا من الأحداث نكاد لانصدقها مع أنها تعيش فينا أو معنا.

كي أزيل عنك اللبس لا بد أن اقول لك إني هربت من بغداد إلى كردستان بعد انقلاب شباط بأيام ومن هناك إلى الأتحاد لبسوفيتي وبعد شهرين من إقامتي في موسكو وجدت النظرية في واد والناس في واد، البيروقراطية، والأزمات، العراقيون الهاربون معي تستشري فيهم الواسطة والمحسوبية فعرفت أني كنت مخدوعا أحببت كارل ماركس ولينين، وتحمست.. انفعلت ولجأت إلى العنف في بغداد، في نهاية الأمر يمكن أن يفضل علي أي انتهازي لواسطة ما أو لمصلحة ما.

لا شيء عندي أعقب عليه أمام ماض كشفه مولود صغير لاحول له.. كنت أتطلع في عينيه وأستغرف في بسمته ثم أرى أظافره الصغيرة الناعمة البيضاء مثل اللؤلؤ فلا أظن أنه يقدر على أن يخدش بها كلّ مابناه جدّه فليس هناك من شيء أقف عنده سوى التساؤل:

وهل كانت بولندا أفضل؟

ربما.. على الأقل في وارشو عشت حياة رومانسية. نشأت بيني وبين " مارتا" أم " دانا" علاقة حب كانت أقوى من أية لحظة خداع قد لا أكون مخطئا حين أقول إنها الحقيقة الأنقى في حياتي ماعدا ذلك البعد الرومانسي ففي وارشو فكرت في الدنمارك؟

لم الدنمارك بالذات؟

هي الأقرب إلى بولندا ففي ذلك الوقت لم تكن هناك مثل الآن إجراءات صارمة .. بإمكان أي شخص أن يُمَنَحَ تأشيرة الدخول حالما يصل الحدود، لا أحد قط يفكر في دول الشمال.. منفى.. دول مغلقة نصفها ظلام ونصفها نور في الوقت نفسه احتاج البلد عام 1966إلى بعض العمال من باكستان للعمل في الأرض ..

وازدرد ريقه " وواصل":

أصلا أنا لم أطلب اللجوء.. .

 هززت رأسي كأني أطرد كابوسا وقلت:

الحقيقة الأمور التبست في ذهني إلى حد كبير واختلطت علي معانٍ كثيرة فقد نعيش حياة نجدها سهلة ذات يوم غير معقدة غير أنها تبدو الآن.. .

 تابعني باهتمام وقرأت في عينيه توسلا .. براءة كانت مخفية .. نسيت كلّ مافعله بالمكائن وعداد الكهرباء .. وقوائم الضرائب ومافعله من غش في مدخول المطعم.. تساءلت قبل أن يقاطعني ياترى لو كنت مكانه لفعلت مثلما فعل حتى لو لم أفعل فأنا الآن أشعر برابطة تشدني إليه أكثر من السابق .. لم يعد ابن بلد طردت منه ذات يوم.. دول كثيرة ضنت عليّ أن تؤويني لكن هذا الرجل الذي تعرض من حفيده ابني لهزة عنيفة كشفته كان يراني أقرب شخص له في أوروبا لعله فكّر وقلب رأيه مرات ومرات.. وهو يدرك أن "دانا" ستنجذب لفتيان وشباب تتخذ -شأنها شأن البولنديات والإسكندنافيات -عشيقا ثم آخر وآخر حتى جئت فوجد فيّ فرصة يغامر بها.. أنا فرصته الأخيرة.. وتحقق له ما أراد .. الآن أظافر " علاء الدين" الناعمة خدشت جرحا قديما مستورا، هذا الملاك الصغير جزء منه ومني .. نشترك فيه نحن الإثنين. كان ينطق بمرارة:

لكن الصورة ستزداد وضوحا في ذهنك حين تدرك أني عرفت زوجتي وأم ولديَّ"شارلوته" هنا.. كان أبوها قنصل الدنمارك في موزمبيق.. رجل ذو ثروة.. صاحب مشاريع. والأهم أني استلطفتها واستلطفتني.. .

فابتسمت وقاطعته لأوفر عليه أن يلتقط أنفاسه ويستريح قليلا من حديث مضنٍ:

حالة تناقض .. إرباك.. تشتت ..

كنت أحب " مارتا" التي أخرجتني نعومتها ورقتها من طبعي العنيف، كانت رقيقة أشبه برق ملاك.. وكان مستقبلي "شارلوته" التي تزوجتها ثم بعد ستة أشهر قلت لها إن علي أن أسافر بضعة ايام إلى بولندا لمتابعة مشروع لي أسسته هناك قبل قدومي إلى كوبنهاغن.

أقرب إلى التعجب من الاحتجاج:

صدقتك من دون تأمل.

المشكلة إن المجتمع الدنماركي كان في الستينات أشبه بالمغلق يقبل الأجنبي بحدود، ويصدق أي قول. لقد ظل الأمر سرا بيني وبين "مارتا" حتى توفيت قبل عامين فأخبرت شارلوته أن لي صديقا تونسيا متوفى من أيام أقامتي في بولندا زوجته توفيت أيضا .. المهم لفقت حكاية حتى جلبت معي "دانا" في المطعم لتكون تحت رقابتي والحق يقال إن شارلوته تبنتها مثل ابنة لها.

الشيء الذي لم أفهمه كيف كنت تتواصل معها من دون أن تعرف الصغيرة بعلاقتكما أو تجهل كل شيء؟

أولا "مارتا" أصيبت بمرض القلب بعد وصولها إلى كوبنهاغن بثلاث سنوات مما جعلنا نمتنع عن ممارسة الجنس، أما قبل المرض فقد كنت أزور مارتا في منزلها خلال ذهاب "دانا" ألى الروضة والمدرسة. مرة واحدة اغتنمتها فرصة عندما ذهبت "دانا "في معسكر مدرسي إلى شمال الدنمارك فسافرنا معا الى يوغسلافيا حيث أجريت عقد زواج عند مفتي براغ الذي طلبت منه أن يجعل تاريخ العقد في زمن حددته له فقبل مقابل هدية ما ثم ختمت العقد من سفارة العراق هناك.. ورقة احتفظ بها في صندوق الودائع بالبريد.

 هكذا قبل أن يأتي علاء الدين بسنوات وقع وضاح صك إدانته.. ربما نستطيع أن نخفي كلّ شيء .. نخفي أموالنا في صناديق نؤجرها في البنوك.. وهناك في ألمانيا أو سويسرا ودائع وأموال لا تطالها الضريبة نتلاعب مع إدارة الكهرباء ومفتشي الضرائب لعبة القط والفأر.. . توم وجيري.. حتى يحين يوم ندين فيه أنفسنا.. .هل كان وضاح يلوي الزمن وحده فدفعته من دون أن أدرك ؟ كنت أسأل نفسي حين رأيت ولادة طفلته أعني زوجتي "دانا" التي لم يرد لها أن تكون ابنة سفاح.. يشرب الخمر .. يأكل اللحم غير المذبوح.. يغني وهو صاح أو يسكر بمواويل عراقية قديمة أكل الدهر عليها وشرب ولا يراني فاقدا للهوية.. من دون وطن.. لكن حاول أن يلوي الزمن فلويته معه وقد نجح لكن الأيام صرعته، والعلامة الفارقة بيننا أنه طلب أن أترك كل شيء ورائي. أنسى لكنه تمسك ببعض ظل للماضي ولم يدرك بعد أننا نهزم الزمن إذا جاءنا مُجْتَمِعا ويهزمنا إذا واجهنا مُتَفَرِّقا، وقد فاجأني سؤال مر بخاطري تلك اللحظة:

لكن ما الذي دفعك لكلّ ذلك!

فقال بابتسامة واسعة:

أنا لم أنبت هنا في الدنمارك، ولا في بولندا، صحيح أتجاهل الدين غير أن مشاعري دفعتني إلى أن ألتمس هذا الطريق إذ مهما يكن فلدي إحساس أن " دانة" جزء مني !

بقيت صامتا أتأمل في علاء الدين الصغير والخدوش التي طبعتها أظافره الناعمة على وجه " شارلوته" التي انقلبت إلى نمرة جريحة :

هذا يعني أنك لست نادما؟!

لا قط.. بل كنت أفكر بأسوأ من هذا من قبل.. حتى أني لم أرتح أن أدعو دانه إلى منزلي.. كانت شارلوته تسألني لم لا أدعوها مادامت ابنة صديق عزيز عليّ من زمن بولندا.. فتخيلت ماذا يحدث لو جاءت إلى البيت والتقت أحد أخويها.. قد تحدث بينهما علاقة.. فكنت اتفقت مع شارلوته إلا تأتي إلى المنزل ولاتبيت عندنا قط.

- بودي أن أسألك ماذا كانت ستكون ردة فعلك لو جاء " علاء الدين" شبيها بي؟

 قلت ذلك وللمرة الأولى يخطر ببالي أنه كبر، ولن يخمش وجهي بأظافره فقد أصبح يتكلم لغة غير لغة أمه ولغة أبيه، سيكون مثل هؤلاء الاسكندنافيين العمالقة يتحدث لغتهم مثلهم من دون لكنة، لن يقولوا له إرحل لن يصرخ فيه أحد من العنصريين هذا ليس مكانك.. وقتها ننزوي أنا وأمه بعيدا عنه:

- عندذاك ربما كانت الأمور تجري بهدوء ومن غير ما أنا فيه الآن!

 غير أني أتساءل مرة أخرى:

"دانا"لم تخبرني قط بزيارتك لها فكيف لم تعترف لها إلا أمس أنك أبوها ألم تشك في مجيئك للبيت بحجة جلب هدايا إلى علاء الدين..

"دانا" طيبة القلب سرعان ماصدقت أنّ أمها استثمرت معي مالا في المحل هنا وفي بولندا، وطلبت منها أن تحتفظ بالسر عنك حتى تختمر القضية وتتحقق لتستثمرا المال في مشروع.. .صدقت ولكونها أمينة تعدني مثل والدها أو لنقل والدها بالتبني وثقت بي وصدقت لذلك لم تخبرك حتى تتحقق من إتمام كل شيء.

وماذا عليك أن تفعل الآن؟

يبدو الأمر سهلا من الناحية البايولوجية فقد عرفت أن الدنمارك تلجأ إلى طريقة الحمض النووي لمعرفة علاقة اللاجئين القادمين إلى الدنمارك ضمن عمليات جمع الشمل بمن يدعون أنهم آباءهم وأمهاتهم، أما من الناحية القانونية فأنا أب لولدين، وثروتي مشتركة مع زوجتي ستكون هناك تبعات حول الميراث..

 أعتقد أن "دانا "ستكون سعيدة بوجودك وليست بثروتك.

مع ذلك فلدي بعض المال الذي أخفيه في صندوق الأمانات سأقدمه لها.. . ثم لا تنس أن شغل المساء الذي أخفيته عن " شارلوته" أوفره لزوجتك!

قد أكون نسيت نفسي فتساءلت:

ماذا تقترح علي أن أفعل؟

هل تذكر يوم أبلغتك بوفاة الحاج شعيبي؟

رحمه الله

اشتريا محله، ستعملان معا .

فكرة تغريني..

 أراه يهرب مني إلى "دانه" وأنا أهرب إليها.. إنه هربي الأخير.. لم أكن أتصوّر يوما أني أغادر العراق.. أو أتوقع أن أطرد.. لا أعرف لهجة أخرى ولا لغة غير الدنماركية التي تعلمتها الآن.. لأبدأ مشوارا جديدا مع " دانا"أؤدي الدور نفسه الذي بدأه من قبل عمي أبو زوجتي.. ألمح الحاسبة فأغير فيها.. أتلاعب في المبيعات.. أتفق مع محصل الضرائب.. سوف يصدقني الدنماركيون.. تصدقني مديرية الضرائب.. كنت تقول لي إن لم نفعل ذلك لانقدر أن نجمع مالا يضمن لنا المستقبل.. نكذب بترتيب.. لكنني لن أبقى إلى الأبد أعتمد على سائق بالأجرة ينقل إلى محلي جثث الخراف .. سأدخل دورة وأحوز إجازة سوق .. حتى أخالني أخرج من الجحيم إلى الفردوس.. نعم كانت غرفة التوقيف باردة كالجحيم ولا أرغب في أن أعود.. هناك أشياء كثيرة أقوم بها قبل اللعب بالحاسبة والضرائب وها أنا أكتشف غلطي. يراودني خجل الآن :

ربما باع ورثته المحل؟!

إطمئن أنا تحدثت معهم، ولابدّ أن تغتنم الفرصة!

 أفضل.. يخيّل إليّ أني أبدأ عملا جديدا.. محل الحاج شعيبي لا يبيع إلا الحلال ولا أغيّر سنته.. حرفة جديدة تدفعني للدم قبل طلوع الفجر أقصد الحقل والمسلخ.. .. أحز رقاب خرفان وثيران ودجاج.. فهل ذبحت من قبل.. لاشك أني في مطعم علاء الدين فرمت لحما أو قطعته شرائح لأعلقه فوق السيخ.. أما أن أباشر الذبح والسلخ.. و.. تلك حرفة جديدة كنت في غفلة عنها .. أقسم أني لم أذبح حيوانا بل كنت أتلذذ بحلول العيد حين أجد خروفا موثوق اليدين والرجلين والجزار يهوي على رقبته بالسكين، وكان شواء الكباب يثير شهيتي حتى كدت أفضله على أي طعام آخر:

واستند بيديه إلى المنضدة لينهض، فظننته ينوي الذهاب إلى دورة المياه، لكنه قال :

لكن.. كيف أقابل "دانا "بعد العنف الذي وجهته إليها؟!

لا بأس عليك كنت أحدثها عنك قبل اعترافي لها. قلت لها إنها غيرتك التي دفعتك إلى استخدام العنف معها.. أيّ زوج مكانك يمكن أن يقدم على فعلك.

إني أتركك الآن.

فسبقني خاطر سريع:

هل تدع لي ورقة زواجك من " مارتا"؟

قد أحتاجها في المحكمة.

قلت معترضا، فقد خالطني شيء من الندم كوني كتبت عنه في قسم التحقيق ورقة تخص الضرائب وخداعه حتى إني وددت أنهم لم يطلعوه عليها:

ماكان عليك أن تذكرها القوانين هنا لاتعاقبك عن خيانة امرأتك لكنها تعاقب على الزواج من ثانية.

فقال وهو يطلق ضحكة قصيرة:

إما أن يكون الاعتراف كاملا أو لا، ليس هناك مايدينني عدا هذا الأمر حتى لو كتبت عني بعض الخصوصيات .. ادعاء لاسند قانونيّ له.. " فتحولت نظراتي خجلا منه إلى الطاولة وشعرت بحمرة الندم تسري في خدي وبعض القشعريرة" فعقب وهو يراني سارحا في كلامه: "دانا"بنت طيبة مثل أمها هل تعقل أن أمها كانت تكره الشيوعية لقد احبتني أنا الشيوعي وكنت أزين جدار الصالة بغرفة الاستقبال عندنا في وارشو بصورة كبيرة للينين فتنظر إليها وتبتسم على الرغم من أنها لا تحبه.. مالي أراك مازلت جالسا.. . هيا دانة تنتظرك.. تذكر إنها طيبة القلب.. هيا انهض.. . لا تكن غبيا لن أذهب معك إنها بانتظارك.. .

كان يحمل على كاهله كل هموم الدنيا.. .

وقد خيل إلي أنه يدندن وهو يغادر الكافتريا بمقامه المعهود الذي تركه في القبو على المنضدة جنب آلة التسجيل، بدا أشبه بشخص لا يدري أن يذهب بحمل ثقيل بدأه يوم كان جزارا في نقرة السلمان.. سجين جزار يضحك ويتسلى بالمقامات العراقية وأغاني الريف فيغني للجمال والفلك الذي انقلب فجأة به والآخرين وهو مشغول عنه بالغناء ويده تحزّ خرفانا يجلبها القادمون من المدينة لأبنائهم، في تلك النقطة الغارقة في رمال الصحراء، ومن غريب الأمور أني أدركت أنه ورَّثني هذه المهنة التي سأتعلمها بعد أيام قبل أن أفتحح محلي الجديد، وستشاركني " دانا" في كل شيء.. ليست دانا وحدها .. علاء الذين الذي كشف المستور معها سأراه قبل أن يكبر ويرحل بعيدا عني .. فلماذا أمارس المهنة التي تعلمها جدّ ابني في سجن نقرة السلمان ذات يوم.. فقد تغير كل شيء .. كوبنهاغن تغيرت أيضا.. لاحت لي في تلك اللحظة أنها تخرج من عزلتها.. يبدو أنها بدأت تعرف الفلافل والساموسة وتستسيغ الطعام الحلال..

تنتفخ مثل البالون ولا تنفجر

 وتركني قبل أن يسمع ردّي..

 ولم أكن مخطئا حين قلت إنه أصبح شابا ورجع كهلا في وقت واحد.. كأنه يحمل على كتفه جبلا يشده إلى الأرض لم يكن هو وضاح الذي حاول أن ينسى كل شيء تماما.. ماعدا موالا أو بعض موال ظل يدندن به منتصف الليل حتى توارى عن عيني خلال النهار، فهل أرثيه أم آسف لشيء لم أختلقه كاد يودي بي.. ينهي جهدا عارما بذلته كي أحقق ذاتي في بلد جديد عليّ .. لقد أرادني – حين أنتهي من الإقامة والتجنس- أن أكون ذراعه التي تمتد بعيدا .. مشاريع في باله انهارت.. مؤسسات يفكر بها في ألمانيا والسويد أصبح أنا اللولب الدائر بينها، مع ذلك، على الرغم من خسارته فقد لمحت بعض الهدوء يطفو على قسماته الحزينة كأنه يقول لي مادمت تبقى مع دانا" فليذهب كل شيء إلى الجحيم..

لكن قدوم " علاء الذين" الذي لم يكن مفاجئا قط قلب الموازين كلها رأسا على عقب.. .. لا أشكّ أني حققت ذاتي من خلاله .. أشياء فقدتها فعادت إليّ وبسببه أيضا فقد جَدُّه كلّ شيء.. , أما أنا فلن أفقد رائحة وضاح فقد ورثته في كلّ الأمور.. وقد ورثته " دانا" و "علاء الدين" حفيده أكثر مما ورثه أبناه الآخران.. .فوق كل ذلك .. .لا أبالغ حين أقول إن هواجسي ذابت في حقيقة واحدة هي أني أظنني أصبحت أقرب إنسان إليه من دانة نفسها وابنيه الآخرين .. .

 وربما أقرب إليه من حفيده ابني.. .

كنت بعد دقائق أقف أمام باب الشقة كأنني عائد من سفر بعيد أنهكني سنوات طويلة.. رحت أبكي وأنا أهم بالدخول .. .

أجل..

كان هناك نشيج يترجرج في صدري قبل أن أجرؤ على الدخول.. ..

انتهت

 كلمة المؤلف

لابدّ أن أشير وأنا أختم نهاية تلك الرواية بهذه الصيغة إلى تأثير الأدب الروسي في منذ الصغر بالضبط في السادس الابتدائي وأوّل رواية قرأتها وهي الأم ثم توالت القصص والروايات الأخرى لكن طعم الرواية الروسية يظل مميزا بخاصة في مسألتي الأخلاق والتطهير. في هذه الرواية التي كتبتها نهاية ثمانينيات القرن الماضي وجدتني أنساق مع الذكريات القديمة فأجد أنَّ من الصعوبة أن أجعل اللاجيء يكذب ويزوّر ويختلس ويتلاعب في الضرائب. هناك جانب إيجابي في اللاجئين القادمين من الشرق إنها روح علاء الدين النقية التي تتعلق بالمصباح والنور. لقد انسقت مع هذا الاتجاه عن غير وعي مني حتى جاءت مقالة الناقد د صالح الرزوق عن مفهوم الاخلاق عند دستويوفسكي (المقالة منشورة في صحيفة القدس العربي)، فاتبهت إلى أن هناك شيئا ما في هذه الرواية كمن في نفسي بتأثير من لأدب الروسي عن غير وعي مني هو أني جعلت وضاحا مدانا ونقيا في الوقت نفسه بل أنه عاش في خاتمة الرواية أجمل لحظات النقاء.

تحيتي للأخوة النقادوالأدباء والقراء لتفاعلهم مع هذه الرواية.

 

قصي عسكر

 

سردار محمد سعيدكأن صمت "رشيدة "

وجع المسافات البعيدة 

من هنا مرّت الخفافيش 

تحملها سود الرياح  

بأكفّ مجذومة تحمل السلاح 

وتبذرالخرافة

تنبثق أغصاناً من مسامير

تطال النحور

رشيدة ساهمة فيما يدور

***

يوم أجهضت رشيدة

قبرت طفلنا في عتبة الدار

سرعان ما نمت نخلة

طرحت رطباً وطولها لم يزد عن أشبار

ليلتها حلمت بنبي ينسج لها إكليلا من الغار

قلتَ: لا تقصصي رؤياك على أحد

اليوم ثانية أحلم بك

رأيتك رميتني أسيافا 

بلغن الشغافا

وضحكتنا على أكاذيبنا المنتقاة

من زعم المتيمين بالصبابة

 وقبلتنا الأولى

تغشي العيون

رجفتنا الأولى

وقولك مالذة الدنيا إذا لم ترجف الراجفة ونحس بطعم المنون

قصّي عليّ :

أرأيتني أرتجف لوحدي

أوأعصرخمراً

أم أقتات رغيفاً

أكنت عفيفاً

أم عنيفاً

قالت : أحتاجك اليوم

بكل ما فيك قويّاً ضعيفا ، صلداً رقيقا

***

نسيت حلاوة ما كنت ترنم

كنت إذا افتقدت السكّر

أمزج عباراتك بالقهوة 

ماذا أقول أكثر

هل قدّمت النساء على مذبح النحر أندر

يسألنني

ما سرّ توّرد الوجنات

قلت :هل أكلتن يوماً الكلمات

ورشفتن من ثغرالحبيب شعرا 

واتخذتن الأصابع العابثات بالخصلات لمّا ونثرا

سلّماً وجسرا

ذبتن في إحساسه المميت

جعلتن سواد عيونه يغيب

ويداه حول الخصرمغلولة

وجعلتن من فحل الفحول طفلا

يأمن من خوف

يُطعم من جوع

هل تمتعتن بعذوبة الغموض

بكاساته المترعة

إذن ما أبعد الأضلاع عن الأضلاع

والقطارات عن السكك

اليمامات عن منائر المآذن

لا وشم لسنابك خيول العشق

في مرابع الصدور

***

عندما تتهادى رشيدة بـ  "ديدوش مراد"

يفقد الناس الإتجاهات

والرصيف الثبات

شيخ يصيح سبحان الخالق

ترد امرأته العجوزحسبنا الله أزفت الآزفة

كأنها أجزاء ثلاثة تسير معاً

جنوباً محيط مائج

شمالاً بحر هائج

والخصر بينهما كالمضيق الوديع

تخشاه الكواسج

رشيدة في مهب العاصفة

مثل عصا موسى

مرة تهتز كجان

وأخرى كثعبان

أسجدوا فراعنة الورود

يا شقائق النعمان

رشيدة لن تعود

***

رشيدة كانت عطر "عنبر"

يخترق الإحساس

يهب على الناس

بأجنحة  هلامية

يطيرمن الفرات  يحط في حي" لافيجري "

ينبجس من أنفاسها

ما زلت أشمه على الوسادة

وعلى القلادة التي تركتها

على أعقاب السجائر

وبقايا أحمر الشفاه على الأكواب

لم أغادرالشواطىء  

أنتظريني في المرفأ القادم...

أحمل قبضة رمل فضي

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين بيخال والبنج آب

.............................

رشيدة = رفيقة جزائرية رحلت قبل قرابة نصف قرن

ديدوش مراد = شارع كبير في العاصمة الجزائرية

لافيجري = حي من أحياء العاصمة مكان سكناي .

 

نور الدين صمودالإهداء إلى روح الشاعر الهندي

 طاغور

****

جولة ٌفي النهر قد ضمَّتْ مُحِبْ*مِنْ (بني الهند) إلى جنبِ مُحِبّْ

هام وجدًا في التي كانتْ على*زورق ٍفي ماءِ نَهـْـر ٍمُضْـطــربْ

تــارة يـبدو غـضوبًـا مَــوْجُهُ*مثــلَ ليثٍ خلفَ صَيْدٍ قــد وثــِـبْ

وهْـو طــوْرًا سـاكـنٌ ذو هــَدْأةٍ*مِـثـْل طِــفــلٍ ذي هُــدوءٍ وأدبْ

إنـّهُ (الكــنجُ) الــذي يعــبـــدهٌ*كـُلُّ مَـنْ كان لِـذا النهْــر مٌـحِـبّْ

ســبَحوا فــيـه لِـيَـمحـوا حُــوبَـهَـم*وهو للغفران ما كان سببْ

غـفــر اللهُ لمـن ضـلـوا ومَــنْ*جعــلـوا غيــرَ إلـَهِ الكــون ربّْ

وجـرى الزورق في النهر الذي*لم يَـصـفْ أمْثالـَهُ أهــلُ الأدبْ

ضَـمَّ  قـلــبيــنِ مُحِبَّيـْـــن ِمَعًـا*وكِلا القـلبيـن بالحُـبِّ الـْـتـَهَــِبْ

وبَـدا لي هائمًا إذ قـال لي:*ليس في الكون ِسِـواها مَــنْ أُحٍـبْ

ورأتـْهُ شاخصـًا في حِـجْـلـها*وهـو خـَلخالٌ ثـمــيـن ٌمِـنْ ذهَـبْ

نـَـزَعَـتـْهُ وَرَمَـتـْـهُ نـَحْــوَهُ،*فلـقـد خالــَتـْهُ في الحِـجْــل رَغِــبْ

لم يُـعِــرْهُ نـظــرة بل مَــسَّـُـه* ثـُــمَّ ألـــْقــاهُ بـمَـوج ٍذي صخَـبْ    

وبـِلا أي اكـْـتِـراثٍ قـــد مَــضى*مُـمْــعـنا في ذاتِ حســن وأدبْ

سـألـَتْ عاشقـَها عـنْ حِــجْــلِـها:*ذلك الحِجْـلُ تـُرَى أين ذهـبْ؟

فـَـرَمَـى الثانـي ســـريـعًـا قائلا:*(ها هـنا ألـْـقيْـتـُهُ، حيث رسبْ)

وتـَمَـلـَّـى قـَـدمَــيْــهــا مــثـلــما*(يَعْـبُــدَ الهنـْدِي مَهـاة ًويُحِــبْ)

لـم يَجـِدْ في الكـون أغـْـلى منهـما*فـهُــما قَـدْ زيَّـنا ذاكَ الـذهَــبْ

أوشـَكـَتْ عــيْــناه أن تـحْــسُوهُما*فـَهُما أعـذبُ من ماء العـنـبْ

مـا رأيــنـا مثــل هـذا الحُـب فـي*كلِّ مَنْ في الكون قد هبَّ ودبّْ

وارتمتْ إثـرَهـما في النهر كي*تنقذ الحِجْليـن، والأمــرُ وجَــبْ

ومـضتْ بـاحـثةً ًفي الماء عـنْ*قـِطـْعَــتيْ تِـبْـرٍ يَزينانِ العَـقِــبْ

وبدا، مــن شـدة الوجد بهـا،*قلـبَه كالموج في النهـر اضْطرَبْ

فـمَـضـى يُـنـقــذ ُمَـنْ هـام بهـا*لا يـــبـالي  بالـذي مـنها سُــلِبْ

فـهــي في عــينــيهِ كـنــزٌ فائـقٌ*كـُلَّ  كَـنـْـز ٍمـن لـُجَيْن ٍوذهـبْ

ومَـضَـى النـهـرُ ولكـنْ دون أنْ*يـُنقِـذ َالـحِجْلَ الذي فيه ذهــبْ

ساقـهـا، من حِجْـلها، أغلى وما**فـي الذي قد قالهُ عِندي كـذِبِ

و مضى النهر بكنزين مَـعًا*ومــضَـى العاشـق وجْــدا يــنتحٍـبْ

ضَيَّعَ الحِجْلَ ومَنْ يهوى معا*وقـضى في فـَيْـضِ دَمْعٍ مُنْسَكِـبْ

***

2017 نورالدين صمود            

ــــــــــــــــــــــــــ

هامش:

رابندرانات طاغور أشهر شعراء الهند في العصر الحديث، ولد سنة 1861 وتوفي سنة 1941 م وفاز بجائزة نوبل عام 1913.

عاطف الدرابسةهذا الصَّخرُ

كيف يُسافرُ فيه الماءُ

ليُعيدَني حيَّاً ؟

(2)

بعدَ غيبةٍ

أسألُ عنِّي

كأنِّي لستُ منكِ

أو كأنَّكِ لستِ منِّي !

(3)

بُعثتُ فيكُم

وما أنا منكُم

لأُعلِّمَكم

كيفَ تُباعُ الأوطان

وكيفَ تبكي السُّهولُ

وكيف تموتُ عطشاً

الشُّطآن !

ثمَّ أُعلَّمكُم

ثقافةَ النِّسيان !

(4)

بُعثتُ إليكُم

لأُحييَ الموتى

وما أنتُم بموتى !

(5)

بُعثتُ فيكُم

لأُوحيَ لكم بالسِّرِّ

وكيف خرجَ الضَّميرُ

من الضَّميرِ

كما تخرجُ الرُّوحُ من الجسدِ

لتَحِلَّ في الحجر !

فيصرخُ من شدَّةِ الظُّلمِ

الحجرْ !

كم تمنيَّتُ أن آتيَ إلى هذه الحياةِ

على هيئةِ حجرْ !

وهل يخلدُ في هذا الزَّمنِ الفاسدِ

إلا الحجرْ ؟

(6)

أُحاولُ أن أمضي

باتجاهِ دولةِ البرقِ والرَّعدِ

أتبَعُ خُطى المطر

وأنظرُ كيف يتغيَّرُ

وجهُ الأرضِ

وكيف تحبلُ بالأسرار !

وأتأمَّلُ كيف يموتُ

على حواشي الرِّمالِ

الموجُ !

ويصمتُ عن البوحِ

آخرُ بحر !

(7)

أُحاولُ أن أشُقَّ الطُّرق

كي يعبرَ الهواءُ النَّقيُّ

إلى رئاتِ العصافيرِ

ورئاتِ الحَمَام !

أُحاولُ أن أُشعِلَ النِّيرانَ

في المياهِ المالحةِ

لأحفرَ الأنفاقَ

في صدرِ الظَّلامِ !

وأكتبُ على وجهِ القمرِ

آخرَ الوصايا :

لا تضعوا العسلَ في السُّمِّ

فيفسدَ السُّمُّ

في خلايا الدَّمِ

ويحلو المَرارُ في الفمِ

فأعودُ إلى الجاهليَّةِ الأولى

أتبعُ شيخاً وقبيلةً

وأُصلِّي خاشعاً

للصَّنمِ !

***

د. عاطف درابسة

 

امين دمقالبَحْرُ مُرْتَبِكٌ بِمَوْجٍ لاَ يَشُدُّ عَلَى يَدِ الغَرْقَى

لِيسْكِنَهُمْ مَدَاهْ

قَلِقًا تَمَامًا كَابْنِ مَتَّى لَمْ ُيَصِّدقْ .. أَنَّ حُوتًا عَادِلًا

قَدْ يَبْصُقُ الفُقَرَاءَ نَحْوَ شَوَاطِئٍ ... بَرِمَتْ بِزُرْقَتِهَا فَعَانَقَهَا الشَّمَالْ

لَمْ يَتَّكِلْ قَلْبِي عَلَى نَعْيِ الجَرِيَدةِ وَاِرْتِحَالِ البَدْوِ عَنْ لَغْوِ التِّلَالْ

المَوْتُ كَاَن مُتَلْفَزًا بَثَّتْ لَطَائِفَهُ الجَزِيَرةُ فِي المُبَاشِرِ

[كَانَ مِنْ دَوْرِ الصِّحَافَةِ أَنْ تُوَاكِبَ عُرْيَنَا وَسِفَاحَ لَوْعَتِنَا]

قَالَ المُصَوِّرُ لِلْمُقَدِّمِ :

(أَنْ أَجِزْ..)

وَلْتَبْتَكِرْ دَمْعًا يُلَائِمُ رِقَّةَ التِّمْسَاحِ فِي قَضْمِ المِلَاحْ

لَمْ تَسْتَوِي أَبَدًا سَفَائِنَهُمْ عَلَى الجُودِيّْ ..

مِهْنِيَّةُ الخَبَرِ اقْتَضَتْ أَنْ نَسْأَلَ الأَشْلَاءَ عَنْ أَحْلَامِهِمْ ...

عَنْ مُمْكِنَاتِ القَوْلِ فِي الغَرَقِ السَّخِيّْ

[ وَرَدَتْ عَلَيْنَا الآَنَ بَارِقُةُ انْتِشَالِ أَوَاخِرِ البَطْرِيقِ مِنْ بَحْرِ الشَّمَالْ.. ]

قَدْ ضَلَّتِ الدَّرْبَ المُهَيَّأَ مُنْذُ أَلْفِ سُلَالَةٍ ،

فَلَرُبَّمَا سَلَكَتْ مَضِيقًا لاَ يُعِيرُ فِرَائَهَا زَغَبَ المَجَالْ

قلْتُ الشَّمَالُ هُوَ الشَّمَالْ

الغُنْمُ سِلْعَتُهُ **** وَالثَّلْجُ جَوْرَبُهُ

تَبَّتْ يَدَا حُلُمِي * *** إِنْ ظَلَّ يَطْلُبُهُ

لاَ لَنْ يَضِيعَ دَمِي **** مَا دَامَ يَشْرَبُهُ

هُوَ كَوْكَبٌ لَا يَنْتَمِي لِضِفَافِنَا..

هُوَ مِحْنَةُ الغُرَبَاءِ فِي لَيْلِ الشَّقَاءِ ..

خُرَافَةُ الشَرْقِيِ ّ فِي كَيِ ّ الجِبَاهِ المُتْعَبَاتِ مِنَ الصَّهِيلْ

وَضَغِينَةٌ نَامَتْ عَلَى خَبَبِ الحَدَاثَةِ وَاجْتِرَارِ الِاحْتِلاَلْ

(عَفْوًا نَعُودُ إِلَى السَّفِينَةِ...)

حَيْثُ لَمْ يَغْرَقْ سِوَى مِائَةٌ مِنَ الشُطَّارِ لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ نَسَبًا وَلاَ حَسَبًا..

لِكَيْ يَسْتَأْثِرُوا بِالذِّكْرِ وَالأَضْوَاءْ.

وَهُنَاكَ بِالمِينَاءِ: طَيْفُ حَبِيَبةٍ ..

غَنَّتْ عَلَى وَئْدِ المُلوحَةِ عُرْسَهَا،

جَاءَتْ بِزِينَتِهَا وَفُسْتَانِ الزِّفَافِ لِكَيْ تُوَدِّعَ مَنْ تَفَانَى فِي حَرِيقِ شِفَاهِهَا

ذَابَ الرَّصِيفُ بِلَوْعَةِ اِمْرَأَةٍ سَتُبْعَثُ مِنْ بُكَاءِ وَحِيدِهَا

صَفَعَتْ مُؤَخِّرَةَ الفَرَاغِ بِقَلْبِهَا حَتَّى تَفِرَّ مِنَ الغِيَابْ ..

قَدْ صَاغَ مِعْمَارَ الهَوَاجِسِ فِي تَجَرُّدِهَا مِنَ الأَلْوَانْ.

" نَادَتْهُ فَاِعْتَمَرَ الشُّحُوبَ : فَضِيلَةً لِلْاِنْسِحَابِ مِنَ العُبَابْ "

وَبَقِيتُ وَحْدِي أَرْمُقُ المُتَطَفِّلِينَ يُزَخْرِفُونَ بَلَاهَةَ " السِّلْفِي" بِضِحْكَتِهِمْ مَعَ المَوْتَى

وَسِرْبٌ مِنْ جَوَى البُولِيسِ يَحْرُسُ:

مَا تَبَقَّى مِنْ رُفَاتِ العَاطِلِينَ عَنِ الحَيَاةْ

فَكَّرْتُ فِي خُطَبٍ مِنَ العُهْرِ المُعَلَّبِ سَوْفَ يُنْشِدُهَا الطُّغَاةْ

فَكَّرْتُ فِي حِقْدِ المَسِيحِ عَلَى الصَّلِيبِ وَمَنْ يُصَفِّقُ لِلْجُبَاةْ

وَهُنَاكَ قُرْبَ سَوَاحِلِ المُتَوَسِّطِ القَانِي

وَجَدْتُكَ نَائِمًا .. قَمَرًا مُسَجًّى ...

لاَ يُؤَدْلِجُ مِلْحَ مِيتَتِهِ بِمَوْجٍ لاَ يُعِيرُ الِانْتِبَاهَ لِسِحْرِهِ وَجَمَالِهِ

هُوَ غَايَةُ الشَّرْقِ المُحَاصَرِ بِالشِّقَاقْ.

هُوَ لَثْغَةُ الهَمَسَاتِ ..،

فِتْنَتُهَا تُسَافِرُ مِنْ رُبَى الكُرْدِيِّ فِي هَمْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْضَّحِيَّةِ

هَارِبًا مِنْ يَنْبَغِيَّاتِ الفِرَاقِ ..

إِذَا دِمَشْقُ تَنَهَّدَتْ كَمَدًا عَلَى عُشَّاقِهَا وَعِنَاقِهَا لِلْعَابِرِينَ إِلَى الجَحِيمْ.

اِيلَانُ قَافِيَةَ القَصِيدِ وَخَاتَمٌ لِلْأَصْفِيَاءِ المُرْسَلِينَ مِنَ الشَّهَادَةِ..

لَمْ يَكُنْ عِجْلًا مِنَ الذَّهَبِ النَّقِيِّ مِنَ المَجَازِ

وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّامِرِيِّ عَلَاقَةٌ بِبَهَائِهِ،

حَتَّى يُحَرَّقَ ثُمَّ يُرْمَى خِرْقَةً فِي اليَمّْ

" مَا كُنْتُ أَنْوِي أَنْ أُثِيرَ الغَمّْ "

كُلُّ الحِكَاَيةِ أَنَّنِي كَلِفٌ بِمَوْهِبَتِي .. عَصَى سِحْرِي

لَكِنَّ اِيلَانَ اِسْتَثَارَ بَدَاوَتِي.. كَقَصِيدَةٍ يَسْتَوْحِشُ الإِيقَاعُ مِنْ نَزَوَاتِهَا

أَوْ عَاشِقَيْنِ يُغَمِّسَانِ اللَّيْلَ بِالقُبُلاَتْ

قَدْ كَانَ يَنْوِي أَنْ يَصِيرَ مُهَنْدِسًا أَوْ شَاعِرًا أَوْ سَاِرقًا لِلنَّارِ وَالأَقْمَارْ

اِبْنُ الثَّلاَثِ مُهَيَّأٌ لِيَصِيرَ مِفْتَاحَ القِيَامَةِ.. جَنَّةً لاَ يُسْتَظَلُّ بِكَرْمِهَا

حَتَّامَ نَقْتُلُهُ وَنَبْكِي مَوْتَهُ العَبَثِيَّ مِنْ عُهْرِ السِّيَاسَةِ وَالقَرَارْ

تُوبُوا لِبَارِئكُمْ وَلاَ تَتَفَيَّئُوا قَمَرًا سَيَحْلُمُ بِالحُلُولِ بِضِفَّتَيْهْ

اِيلَانُ: يَا شَجَرَ المَشِيئَةِ ثِقْ قَلِيلًا فِي الدُّمُوعِ وَفِي الدِّمَاءْ

قَدْ كُنْتَ صَفْعَةَ ثَائِرٍ لِمُؤَرِّخٍ أَلِفَتْ مَنَاهِجَهُ الرِّثَاءْ

وَالآَنَ بَعْدَ فِرَارَكَ القَاسِي تَأَكَّدْ أَنَّنَا..

شَعِبٌ مِنَ اليَقْطِينِ يَنْبُتُ فِي أَقَاصِي الوَجْدِ ..

يَجْتَرُّ النُّبُوءَةَ وَالمُوَطَّأَ وَالسِّيَرْ

لاَ لَمْ تَكُنْ فَضًّا غَلِيظَ القَلْبِ حَتَّى تَسْتَحِيلَ لِمُضْغَةٍ بِفَمِ المَنِيَّةِ وَالقَدَرْ

قَلِقًا تَمَامًا كَابْنِ مَتَّى لَمْ أُصَدِّقْ أَنَّ حُوتًا عَادِلاً

قَدْ يَصْطَفِيكَ لِبَطْنِهِ سَكَنًا...، سَيُنْبَذُ بِالعَرَاءِ وَلاَ يَفِرّْ

 

أمين دمق

 

سليم الحسنييقول الذين عرفوه، إنه لم يكن بهذا التكبر والطغيان، كان بسيطاً متواضعاً، يعرف طوله وعرضه، فلا يجلس إلا في مكانه، ولا يتكلم إلا بما يعنيه، يجيب على السؤال بجواب محدود الكلمات، ينتقيها بحذر شديد، فقد كان يرى ما حوله عالماً يضجّ بالمخاطر، فوراء الباب عيون تترصد، وللجدران آذان، وفي الطرقات شرطة سرية. كان يعتقد أن خروجه من بيته الى الدرس مغامرة كبيرة، فحين يعود يشكر الله ويحمده على نعمة السلامة.

لم يستخدم حقيبة كتب، إنما يحملها تحت أبطه، يكشف عناوينها، فلا مجال لاتهامه بأنه يحمل كتاباً ممنوعاً.

يستخدم أكياس النايلون الشفافة حين يتسوق، فكل شيء ظاهر لمن يراه، ولو لا الحياء لكشف عن جلبابه وهو يمشي حتى لا يظن الشرطي السرّي أنه يحمل سلاحاً أو سكيناً أو عصا.

كان هاجس الشرطي السرّي يرافقه ليل نهار، وهذا ما دعاه أن يجهر في قنوته قدر الإمكان، فهو لا يدعو إلا بالعافية، وكان يرهقه الدعاء، فهو يتخير أكثرها وضوحاً وبساطة في الكلمات.

وقد فكّر مرة أن يدعو في سرّه، لكنه طرد الفكرة، فربما يظنّ الشرطي السري أنه يدعو ضد الرئيس. ثم ندم على هذه الفكرة ندماً شديداً، فقد تكون للفكرة علامة على الوجه، وسيقرأها هذا الشرطي. قرر أن يجلس في بيته أربعين يوماً حتى تزول آثار الفكرة تماماً، لكنه ندم مرة ثانية بعد مضي أسبوع، فقد وجد أن انقطاعه عن الدرس قد يفهمه الرقيب احتجاجاً على السلطة، فلبس جلبابه وانطلق الى المسجد مسرعاً.

في الطريق تعمد أن يسعل سعالاً متواصلاً، ليوهم المارة بأنه كان مريضاً. غير أنه توقف عن السعال حين اجتاز بضعة أمتار، فقد هتف صوت بدخله:

ـ ما الذي تفعله؟ سيقولون إنها إشارات خفية لعمل مقصود. تصرّف كما أنت، لا تأت بجديد، إن الجديد يوقعك في ورطة.

واصل طريقه من غير سعال، لكنه ظل قلقاً على الأمتار الأولى، ماذا لو سأله الشرطي عن سبب توقف سعاله فجأة؟

تدارك الخطأ بنوبة من السعال المتواصل، هكذا يكون الأمر أفضل. ثم ضربته صفعة ندم غاضبة:

ـ ما الذي فعلته؟ إنك تعيد الخطأ مرة بعد أخرى.

سقط كتاب من يده، هذه فرصة نادرة، انظر من حولك لتستجلي الزقاق، فتعرف من سمع سعالك ومن لم يسمع.

كان الزقاق خالياً، يغطيه الصمت والهدوء، ازدادت مخاوفه، فهذا الرقيب يترصده بذكاء، يختفي بسرعة شبح ماهر، إنه ينظر الي الآن، أنا مكشوف أمامه، وكذلك افكاري وهواجسي، لقد أوقعت نفسي في فخه، أحاطني بشركه، سيضع القيد في يديّ، لقد مكّنته من نفسي باخطائي المتلاحقة. سأقسم له بأني مريض، أو أقسم له بأني لا أعرف سبب السعال، لقد دهمني فجأة، أو أقسم له بأني أخطأت عندما سعلت.

لفّته الحيرة من كل جانب، شعر بأنه من غير ساقين، سيسقط على الأرض، لابد أن يسقط، ما الذي يجعله واقفاً؟ أيكون الشرطي قد أمسكه؟ أتكون نظراته لها قوة خارقة تتحكم بطريدته؟ إنهم يملكون من الأسباب ما لا يحيط به عقل، نعم، فهذا الشرطي يمسكني، إنه يقف خلفي، هذه أصابعه الصلبة، أحسها تضعط عظامي، صرت في قبضته، لا مجال للهرب. سأعترف له بأني لم أكن مريضاً وأن سعالي كان خوفاً، ولن أعود لمثلها ثانية.

أحس بقبضة الشرطي صلبة على مؤخرة رأسه، ضربة موجعة، استدار ليتوسل اليه، كان جداراً قديماً يلتصق به، والزقاق خال من المارة، إنه يوم الجمعة، والوقت مبكر، لا زال الناس في بيوتهم، عبّ نفساً عميقاً وعاد الى بيته، يشعر بتعب اللحظات الصعبة، سجد شكراً لله على نعمة السلامة.

 

سليم الحسني

 

حسن حاتم المذكورهربت مني

... ابحث عني

في وطن خسر الرهان

 ........  فباعني

امتعتي

- اسم: نطقته امي

- سمرة: شمس الجنوب اورثتني

- لهجـة: في حبر عذوبتها كتبتني

اربعون عاماً

اسير على مسافة مترين

بين ان اعود ... او لا اعود

*

صوت سيدة

في الجانب الآخر من المنفى

- ابق كما انت هناك

لا احد هنا يهواك

لا عنوان بأنتظارك 

والدار يسكنها سواك

لا تشعل الأشواق فيك

واشرب دموع هواك

وانتظرني هناك

*

- من انت سيدتي ...؟

- ........... انـا ..؟

تلك التي كانت انـا

بغداد الدنيا يا ولدي

خذلوا الزمان

واغتصبوا المكان

وانتصروا فينا جاهلية

......... فأصبحنا

ارملة التاريخ انا

وانتم الأيتام .. يا ولدي

***

حسن حاتم المذكور - برلين

حسام عبد الحسينعادت سيجارتي من جديد، وعادت معها ذكريات الهوى، ومرديات الصبا، عادت بعد سنوات لتخبرني بعشقي العتيق، بتلك التي قبلتها في الخفاء والخوف، عادت لتذكرني بأجساد الصبايا ورفاق الطفولة، عادت لتراقصني ان حزنت، وتواسيني ان جزعت، وتلاعبني ان نفيت، وتصور لي من دخانها حنين الماضي، وترسم في الهواء مستقبل العناء.

اليوم وجدت فيها ذات الوطن وذات الانفس، وجدت فيها اثار الفراق ومعالي الاخلاص، رأيتها تحاكي ذاتي وتردد اشعاري ثم تشرح ما فيها من الم، عادت لتصرخ وتقول: قد عانقتك من جديد، قد هيمنت على قواك، قد نمت في سرك وجوفك، حتى بدأت لذاتنا تتفجر، وصراخنا يردد: يا بلدي المضرج دعنا ننتفض.

اخذ الصمت لوهلة ثم نطق ورق سجارتي قائلاً: اعرف وعيك وحلمك في ثورة، اعرف دموعك الضائعة في بحر الطغاة، اعرف فقدك للحياة في عالم المال، اعرف ما سرقه الاثرياء من احضانك، اعرف ما سببه الظلم من وجعك، اعرف ما تركه الجوع من عظيم فكرك، اعرف كيف دار الزمان ما بين طاغ وطغات في عمرك، اعرف الثروات كيف وزعت في بياض رأسك، اعرف النساء كيف اضطهدت في تجاعيد وجهك، اعرف السراق كيف قدست في ذبول عينيك، اعرف العشق كيف سحقته الطبقية في وحدة دربك، اعرف الخرافة كيف تسلطت في سمار جسدك، اعرف الفقراء كيف ذلت في انحناءة رأسك، اعرف الموت كيف تربع في التفاتة بصرك، اعرف الموؤدة كيف قتلت في صراخ صمتك.

لذا يا رفيقي اصمت فالحمقى لا يكفون عن الكلام.

 

حسام عبد الحسين

محمد صالح الغريسيأطلقي مراكب حبّك سيّدتي

دعيها تبحر في دمي..

في شراييني .. في أوردتي،

دعيها تلقي مراسيها في الشّغاف..

دعيها تمخر عباب الرّوح..

تسافر نحو البرزخ

تسبّح للملكوت الأعلى

*

يا حارس الأشعار

هلّا أهديت حبيبتي رجفة المعنى

في قدّاس القصيد،

هي لا تعرف كم شمعة أشعلت ..

و كم نذرا نذرت ..

و كم صلّيت من أجل اللّقاء ...

تعالي نسر معا على ضفاف الحلم

تضلّلنا غمامة بيضاء

تمطر علينا بتلات من الورد

ترقصها نسائم النّشوة ...

يا نوارس الحلم

خبّريني عن وطني الجريح

عن اتّجاه الرّيح

عن أقرب مرفإ

للنّجاة...

لقد ضاعت البوصلة

و الكلّ أرهقه الدّوار

ربّاه قد تاه القرار

ما بين الربّان و البحّار ..

ما بين المطرقة و المسمار...

هل ضلّت السّفينة الطّريق؟

ها هي جنّيات البحر تراودنا..

تجرّنا إلى الأعماق

صاح أحد الركّاب

تبعه آخرون..

ثمّ آخرون:

نريد .. دفّة القيادة..

نريد .. دفّة القيادة..

و لبّدت في الأفق السّماء

غيومها السّوداء

و فتّحت أفواهها ..

الرّيح .. و الماء .. و لعنة السّماء

و اختلط العباب بالغثاء

و طني..

إلى أين تمضي يا وطني

ها ملأت ضفافَك الأشلاء

و هاجر الخلاّن و الإخوان و الأبناء

غدا يا وطني

سنشتري بالمال جلد ثور

لوطن جديد

و ربّما نقتّل كما قد قتّل " الهنود"

و ربّما نشرّد كما تشرّد "اليهود"

و ربّما نساق كالعبيد

في دولة القرود

*

حبيبتي

لم يبق لي إلاّك يا حبيبتي

فلتبحري سيّدتي

في شراييني .. في أوردتي

و اجعلي من شغاف القلب مرفأ لك

 للنّجاة.

فأنا أخشى عليك من جنون العاصفة.

***

شعر: محمد الصالح الغريسي

 

رند الربيعيعذبًا كانَ المجيءُ...

من اقصى المنافي،

رغم وحشةٍ طافيةٍ في المساراتِ

تبدأُ ...

تنتهي نازفةً

داخلَ جسدٍ؛

تلك القصائدُ...

تحترقُ بدخانِ صوتٍ رخيمِ،

وَلعناتِ قُرّاءٍ

بِحنجرةٍ مُستعارة!ٍ

ناقصةُ الملامحِ تلكَ النهاياتُ

تلتهمُ روحًا قِشّيَّةً

ما علّمتني،

ما حمّلتني،

ما مَنحتني المنافي إلّا عوزاً بارداً! !

ليالٍ نافقةٌ،

ألوانُ نورسٍ يُحلّقُ بجناحٍ مَكسورٍ

رغمَ عشقِ النهرِ...

أرقامُها أزرارُ محطاتٍ

يالَبكاءِ النوايا!

أنينُ الزّهرِ خلفَ الذكرياتِ

هنالكَ...

في أقصى زاويةِ الفَقدِ

تطاولَتْ أمنياتٌ

تاهتْ يدي

تكورَتْ أرواحٌ بظلِّ المرايا،

تنزوي حُلمًا،

تفتحُ آفاقَ عبورٍ مهذبٍ...

أنا... لستُ أنا!

هنالِكَ منافي نبوءةِ نازحٍ ،

رسالةُ ثكلى،

غابَ الطريقُ الطويلُ،

تعالوا...

نعلنُ سفرَنا الكاذبَ لها...

حقائبَ وَ مسافاتٍ،

غرباءٌ برؤوسٍ مثقوبةٍ،

النوافذُ مشرعةٌ لرذاذٍ مطري،

زاغَ مِنْ غيومٍ تشرينيةِ

***

رند الربيعي

 

مريم لحلوخريف -

ببقايا ثوبها القديم تطيل

خالتي العجوز ضفائرها

٢

كانون -

أطول من النهار

ذيل فستان العروس

٣

الشمس خلال الغيوم -

يا أسفي على الوَضَح

في جسد الحسناء !

٤

سكة القطار المهجورة -

عزف منفرد تحت

قدمي الصَّبية

٥

قطرات الندى !

ما إن تسقط واحدة

حتى تستعد أخرى

٦

كما زمان

أطول من ظلي

ظل شاهدة قبرك

٧

شحاذ تحت المطر

حتى تمثال الإمبراطور

مدرارة دموعه

٨

لا معنى للريح

لولا شعرك

 الطويل

٩

غروب دموي

الأسلاك الشائكة

تقطع أوصال الشمس

١٠

حفل تكريم -

بغضبه القديم ينصرف

خصيم الطفولة

١١

موسم جني الزيتون -

دافئة حلمة الأم

 في فم الرضيع

***

مريم لحلو - المغرب

فاتن عبد السلام بلانإلى أستاذي الإنسان ومعلمي الروحي الجليل

 زاحم جهاد مطر،

 أكثّفُ دعائي لك بالشفاء.

***

في رجيفِ اللاشيء

روحي غريبةٌ

 ففي زحامِ الوحدة

تغدو السماءُ فلاشًا

وشاشاتِ تلفزة

ويتحوّلُ الأثيرُ

إلى هواتفٍ لاسلكية

أراكَ تشقُّ غُبارَ الشّمس

هُناكَ كُنّا أصيصَ زهْرٍ

هُنا بتنا بخّةَ عطرٍ

 تُوسّمُ بالألقِ

تاريخَ الوردة

ها أنتَ تسري بي

إلى عمودِ الألوهةِ الفقري

حينَ كُنّا في

نخاعِ الزمانِ فكرة

حينَ صرنا في

جذرِ المكانِ نبضة

تكةٌ تكة تعرجُ بي

تمسكُ بيدِ خوفي

قابَ قوسينِ

من حُنوٍّ وكلمة

*

تعالَ .. تعالَ

بالشّعورِ واللاشعور

تعالَ أيُّها التائهُ

 إلى غُدراني

تعالَ أيُّها الهائمُ

فوقَ شطآني

إنَّ صراطَ المسامِ هزيلٌ

وأنتَ.. مُهرٌ أثيرٌ

 تُسابقُ بالضوءِ

 مروجَ ذاكرتي

 لتلقاني

*

تعالَ .. تعالَ

 نايًا بريئًا

واتركْ جرحًا عتيقًا

إنَّ الرُعاةَ

 كبوشُ الزهدِ

و أضاحٍ تُيّممُ التُراب

 ترتكبُنا الحياةُ

 بشهقةٍ

ولسانُ الداءِ

سليطُ النشاز

فيا .. مرآتي

 دجّنْ الظِّلالَ أرجَ نورٍ

وكنْ الخلودَ

 في ألحاني

*

تعالَ .. تعالَ

بينَ شوارعِ الآهِ غيمة

تنثُّ شظايا الغيابِ

قطرةً قطرة

تموءُ ببسمةٍ

وتنسى بغمضة

 كُنتني ذاتَ رئةٍ

 على قيدِ التنفّس

وكُنتكَ

 على ذمّةِ العُمرِ

 ومضة

فيا مرآتي

 لُمّ الدمعَ وزُمّه

فالمحيطُ سِلْمٌ

 والأمواجُ حربٌ

ومزاميرُ الرعدِ

تشدو بأشجاني

*

تعالَ .. تعالَ

 فالوقتُ عقاقير

وخديعةُ مسافات

أيامي سنابل

ولياليّ فزّاعات

وناطورُ الريحِ

يزفرُ التعبَ

 في مفاصلِ الساعات

فيا مرآتي

 كنْ .. نسمةً

كنْ .. همسةً

شموعَ معبدٍ

 في تراتيلها تتوهّجُ الحياة

فنذوري بخورٌ

مناديل

أنتَ وأنا طقسٌ غائمٌ

ما استفزكَ ياروح

قدْ … أبكاني ..!

*

تعالَ .. تعالَ

نمدُّ الشّموسَ جسورًا

لنندمجَ شعاعًا

ونحترقَ شُعلة

 هسيسُ الآلهةِ قياثير

ونقراتُ أرواحنا غُنوة

 فُكّ أزرازَ المستحيلِ

واشربْ ريقَ الفجرِ

شربةً شربة

فيا مرآتي

أجسادنا ألغازٌ

وأعمارُنا أسرار

إنَّ الصُدفَ طائيةٌ

لنحُلَّ طلسمةَ الحظوظ

 فإنْ أدماكَ خنجرُ القدرِ

أُبشّرُكَ ..

قد وخزَ حُنجرةَ صمتي

 وأدماني .. !!  ..

***

فاتن عبدالسلام بلان

سلام لك وألف سلامة