باسم الحسناويإنْ شاعرٌ قالَ إنِّي الصَّبُّ لا تَثِقي

                لكنْ على الوَهْمِ دونَ الواقعِ اتَّفِقي

الصِّدقُ ما قالَ في لَوْحِ الخَيالِ ولا

                يعني الخَيالُ سوى سَيْرٍ بلا طُرُقِ

إن أنتِ أشْعَلْتِ ناراً في ذؤابتِهِ

                   فأنتِ أولى بتلكَ النّارِ فاحترِقي

كانت لهُ القبلةُ الحمراءُ منطلقاً

                         فقبِّليهِ وكوني خَيْرَ منطلَقِ

وأرِّقيهِ كثيراً في المنامِ إلى

                    أن تملأ الليلَ أرتالٌ من الأرَقِ

ومزِّقيهِ كقرطاسٍ مبعثرةً

                      بينَ الأزقَّةِ إنساناً من الورقِ

إنْ قالَ أسْمَعُ شيئاً أو أرى أحداً

                      كوني بأذنيهِ سفّوداً وبالحَدَقِ

وجرِّديهِ من الأخلاقِ أجمعِها

                       لأنَّهُ هوَ قَطْعاً مَصْدرُ الخُلُقِ

ولا تخافي علَيْهِ من صوارمِهم

                    فليسَ ثمَّةَ إلا الضَّوْء من عُنُقِ

إذا البحارُ لهُ انشقَّت فمعجزةٌ

                   أوْ لا فلم يخْشَ لجِّيٌّ من الغَرَقِ

كأساً من الخمرِ إذ يُسقى سنبصرُهُ

                 ساقَ الكواكبَ كالأغنامِ في نَسَقِ

وقامَ مؤتَزراً بالليلِ يحلبُها

                      أكرِمْ بضَرْعٍ لها نامٍ ومُندَفِقِ

وبعدَ أن يَحْلبَ الأقمارَ يطلقُها

           كي تأكلَ العُشْبَ في مرعىً منَ القَلَقِ

إذْ شاءَ أن يهبطَ الجوُّ البعيدُ بهِ

                       ما كادَ يهبطُ إلا فوقَ منزَلَقِ

لقد تمادى بهِ النسيانُ حينَ شَدا

                    فظنَّ أن لم يكن خَلْقاً من العَلَقِ

ما الغَيْرُ مهجتَهُ ضحّى بها ومضى

                إليكِ قد جاءَ موضوعاً على طبَقِ

مهما علا فهو إن لم تصبحي فلكاً

                      يدور مثلَ مياهِ البئرِ في نفَقِ

إنْ أنتِ عانقتِهِ فاللَّحْمُ من ألَقٍ

                  والعظمُ من ألَقٍ والروحُ من ألَقِ

هذا الصِّراعُ صراعٌ من ذوي هممٍ

                      فلا يُجنَّدُ فيهِ شَخْصُ مرتزِقِ

قد سابقَتْكِ منايانا التي اقتربَت

                     إلى قيامةِ هذا العِشْقِ فاستبِقِي

تلكَ السَّماءُ سماواتٌ لها ارتفَعَت

                  فكلَّما أنتِ شِمْتِ النورَ فاخترِقِي

إنّا نحبُّ وإنّا عندَنا نزقٌ

                         فقابلينا متى أحببتِ بالنَّزَقِ

إن أعوزَتْكِ اتِّهاماتٌ فلا تهِني

                     فعندكِ العذْرُ موجودٌ لتختَلِقِي

لا تتَّقي اللهَ والتاريخَ في دمِنا

                       فليسَ يُحمَدُ فينا موقفٌ لتَقِي

وعانِدينا كثيراً في مآربِنا

               لا خيرَ في مأرَبٍ يُعْطى معَ المَلَقِ

لا تقطفي الحبَّ ورداً من حدائقِنا

                  إذ حسبُكِ الجوُّ نشواناً من العَبَقِ

إنّا - ذوي الولَهِ الصوفيِّ- تَسْحَرُنا

                   الدُّنيا بجوهرِ ما فيها من الشَّبَقِ

تأنَّقَ الكونُ حتى في تأنُّقِنا

              ذرعاً نضيقُ اكتفاءَ الصبِّ بالخِرَقِ

                    ***

باسم الحسناوي

 

 

عبد الستار نورعليإنّا شعوبيونَ،*

إنْ كانَ الذي نريدُهُ العدلَ،

وإنْ كانَ الذي نقولهُ الحقَّ،

وما يجري على الأرضِ

هو الباطلُ والفسقُ،

وريحُ الجاهليّةْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

إنْ قلْنا بأنَّ الفقراءَ الضعفاءَ

والمساكينَ اليتامى

يرثونَ الأرضَ والجنةَ،

حكمَ الأغلبيّهْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

إنْ قلنا بأنَّ الزنجَ قد ثاروا على الإقطاعِ،

أنَّ القرمطيْ كانَ اشتراكياً

يقودُ الناسَ ضد السادة الباغينَ

ماكانوا رعاعاً

بل رعاةً لقضيّهْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

إذ ننظرُ في التاريخ،

نجلو الزيفَ عن خلافةٍ

مسروقةٍ

مطعونةٍ

طاغيةٍ..

فيها الجواري حكماءُ القوم،

والخليفةُ المنصورُ في حضن بَغيّهْ.

 

إنا شعوبيون، ياعليُّ،

إذ نراك صوتَ العدلِ،

والمظلومِ

والمقهورِ

والجائعِ،

سيفَ الحقِّ ضد البغيِّ،

والرشوةِ، والزيفِ،

ورمزاً للمروءاتِ النقيّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ نرفضُ حكمَ الأجنبيِّ الغاصبِ المحتلِّ،

صوتَ الداعرِ المُختلِّ،

والمرتدِّ عن غضبِ الهويّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ نعقدُ فوق الصدرِ حبَّـاً

وردةً حمراءَ،

أو خضراءَ،

أو بيضاءَ،

شوقَ العنفواناتِ الأبيّهْ.

 

إنّا شعوبيونَ،

هلّلنا لتموزَ،

وقاومْنا مغولَ القرنِ

في رمضانَ،

في آذارَ،

دافعْنا دفاعَ الموتِ

في وجهِ خيول الهمجيّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ ثرْنا،

وقاومْنا على قممِ الجبالِ

نطالبُ السلطانَ حقّاً ضاعَ منّا

في ملفّاتِ المصالح،

في دهاليز العواصمِ

خلفَ أمواج البحارِ الأجنبيّهْ.

 

إنّا شعوبيون،

إذ قلْنا بأنَّ ساطعَ الحُصريَّ تركيٌّ

تزيّى بالبداوةِ والعروبةِ

بين خيماتٍ سخيّهْ.

 

إنا شعوبيون،

إذ نعشقُ شعرَ جواهريِّ العصرِ،

صوتاً هادراً فوقَ المنابرِ،

وهو يُنشدُ،

وهو يغضبُ،

وهو بينَ مرابع الغرباءِ

محفوفاً بأزهارٍ وانوارٍ،

ومحزوناً يناجي دجلة الشرفاءِ،

لا اللقطاءِ،

وهو يموتُ منزوعَ الهويَّهْ!

 

إنَا شعوبيونَ،

إذْ نقرأُ رأسَ المالِ،

إنجلزَ، ولينينَ،

جلالَ العظمِ،

أو نصرَ بنَ حامدَ،

أو نناقشُ خلفَ أبوابٍ خفيّهْ!

 

إنّا شعوبيون،

وهو الجمعُ من شعبٍ،

فمَنْ يعشقُ كلَّ الناسِ في الأرضِ،

يلاقي خنجرَ الشبهةِ والتهمةِ،

لا يحوي الخصالَ العربيّهْ!

 

إنّا شعوبيون،

إذ نزرعُ  زهرَ الغدِّ،

لا نزرعُ رملَ الجاهليّهْ!

***

عبد الستار نورعلي

الأربعاء 17 تموز 2019

...................

* كُتبّتْ القصيدة بتاريخ 6 كانون الثاني 1998، ونُشرتُ في حينها بصحيفة (ريگاي كوردستان) في أربيل، وعدد من مجلات وصحف المهجر. وأعيد اليوم نشرها ليطلع عليها جمهور القرّاء الأعزاء:

 

 

نور الدين صمودإلى من يهمه الأمر

أخذتُ أحاول، منذ الصباحِ، الدخولْ

لقلب القصيدة لكنْ

عليَّ استحالَ الدخولْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فرط ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمت بالأغاريد شـُحرورتي

فكنت أرى كل حين بها صورتي

بمِرآة وجنتها الناصعهْ

وقي ضوء أعيُنِها اللامعهْ

ولا ألـْتقي بسواها

ومنذ ابتداء انطلاق الفراشة في الأفـْق صعَّدْتُ طرفي

وأطلقت نحو السماواتِ كفـِّي

ورحت أحاول، منذ الصباحِ، العُروجْ

لأُفـْق القصيدة/ كالصقر/ خلف الطريدة/ لكنْ لعَمري

عليَّ استحالَ العُروجْ

وحاولت، من سجن كل القوافي، الخروجْ

كما قد تأبـَّى على القلب في البدء باب الوُلوجْ

ورمت تسلق شرفة (بُرْعَاجِها) منذ بدْءِ القصيدهْ

قـُبيل النزول على الرمل حافية القدمين

تكاد تطيرُ على الضفتين

 بخفين أنعم من خفيْ حُنيْن

وألـْيَن من ريش بيض النــّعامْ

وأشبه بالورد في اللون من حمرة لمعت في صدور النـُّحامْ

ولكنْ علي استحال الخروجْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فرط ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمت بالأغاريد شـُحرورتي

فصرت أرى كل حين بها صورتي

ولا ألـْتقي بسواها

ومنذ شروع الغزالة في الركض نحو الأُفـُق

أخذتُ أُصعَّـدُ طرفي

ولكنْ أضعتُ هنالك قلبي المُذابْ

وقلت لمن سلبتنيه/ من بعدما منحتنيه/ منذ الشبابْ:

أ يا منبع السحر في الكأس صبي عصير السرابْ

 وهاتي معاني الحنانْ

وبنتَ الدنانْ

ليخفق في قفص الصدر قلبي إليها

ويسعى إليها

بشوق يكاد يطير

ويركض ركض الجواد الأصيلْ

إذا ما مضَى سابقـًا ظله في الرّبَى والسهولْ،

فهل من سبيلْ

إلى مقلتيك

وهل من دليل

إذا ضاع في بحر عينيْكِ مَنْ يهتدي بالـ(بُوصولْ؟)

***

أ . د : نورالدين صمود

 

سعد جاسمقوسُ قزح

يرفرفُ في حقل

فراشة

***

غزالتان

برقبة واحدة

عناق

***

هاربة

بانيابها الثمينة

الفِيَلَة

***

زرقتان تتحاوران

زقرقة البحر

زرقةُ السماء

***

فخاخ

تمشي في غابة

كمائنُ الصيادين

***

بفرائِها الثمين

تقايضُ الصيادين

الثعالب

***

ضوء

في الظلام

عيون بومة

***

كلبٌ

ينبحُ نفسَهُ

في مرآة

***

انهارٌ

تجري في صحراء

سراب

***

بيوتٌ

فوق الاشجار

اعشاشُ الطيور

***

جدائلٌ مضفورة

صبايا البستان

فسائل

***

ثعالب

تحاصرُ البساتين

موسم الكروم

***

الذئاب

تُعلنُ براءتَها

من دجاجِ القرية

***

يُنقذُ طفلاً

دُفنَ حياً

كلبٌ ذكي

***

منغلقٌ على نفسه

يحتمي باشواكِ جلده

قنفذ

***

ضفدعة تضحك

تحيةً لباشو

ماركةٌ مسجّلة

 ***

سعد جاسم

............................

* باشو: هو واحد من أَهم وأَشهر شعراء الهايكو اليابانيين

 

 

قصي الشيخ عسكرقصص بست كلمات وقصة قصيرة جدا

١

خطب فخامته طويلا والجو يمطر.

٢

سبني الببغاء بكلمات لم اعلمه إياها.

٣

أصابتني ضربة شمس في يوم غائم.

٤

يدخل الحلزون في قوقعته يظن لا أراه .

٥

كان ينتظر ثانية تفصل عنه راْسه .

٦

لا أرى قالها الفيلسوف فظنه الأعمى مثله.

 

قصة قصيرة جدا

هذه المرة كنت اسخر من نفسي تماما.

سبعة عشر ميلا قدت سيارتي لأحضر مزاد ملتون  كي ابتاع بعض الدجاج والطبور، قيل لي من قبل ان المزاد يبيع بسعر  رخيص وحين يرى المزايدون رغبتك بشيء واهتمامك فيه ينسحبون فلا يضايقك احد لكني الأسبوع الماضي لم انتظر طويلا حضرت مبكرا في الساعة السابعة هي المرة الاولى لي وعرفت فيما بعد ان المزاد يبدأ الساعة العاشرة وقبل ان ارجع وجدت محلا يبيع بعض الخضار وعلف الحيوانات وشدني قفصان كبيران لدجاج بني ذي ريش براق والأكثر ان ثمن الدجاجة لم يكن مرتفعا..

  شيء مذهل اقرب الى سعر المزاد

ابتعت بعض دجاجات وعدت ولم انتظر افتتاح المزاد ذلك اليوم وعدت هذا الأسبوع وفي نيتي ان ابتاع طيور الحب والكوكتايل وتوجهت قبل الافتتاح الى المحل القريب ...

لقد كان مقفلا وهناك عند العتبة حارس من هيئة البلدية يحدث زبائن يبدو انهم اشتروا الأسبوع الماضي دجاجات من  المحل ذاته كان يقول لأي  قادم المحل أغلق يبدو ان صاحبه كان يسرق الفراريج من المزارع ويبيعها للزبائن

 

انعام كمونةلن أمضي حقبا ..

ودوامة الرحيل توقظ جروحي

تمزق نهارات غربتي

بزحام تشتتي

تسقي سَّنامُ تصحري ..شغب نشوتها

تقدُ هامة ظلي باقدام اوجاعي

فوق بنات عروشي

تصهر صوت انفاس

هالات ذبول

بمقتبل الغواية

ومنتصف السديم

أبيت شطيرة ملح لمغتسل الذنوب

بسواحل كفني !!

أيبتلع جموح الفراق

جينات طيني ؟

ولوعتي بوصلة مسافر ؟

ترنو لشفاه غروب فتستبيحُ ملامحي

والسراب يستسقي حلم امنياتي ؟

سيتوالد طيني

يتواااالد بشاسع خطاه

غيثٌ معشوشب الغناء

متشذر الحقول

صداهُ …

وأقحوانة اللمعان

تعبرمناكب اليباب

يافعة الاتقاد

لتسمو ترنيمة الصلصال

مبلولة المدى

تكتسح سلافة الضياء

حُقُباً ...

مرتديا بشاشة الأمنيات

صوت صباحي

وهديـــــر صواري الوطن

مجداف زرقة

باعشاش زقزقة

لا تبرح أبدا

***

 نص / إنعام كمونة

 

محمد المهديانتصب وافر الظل

كما السنديان قالت

وهي تتأمل جواز السفر .

قالت الى اين؟

قلت الى حيث المفر ..

الى حيث ينبت العشب بين مفاصل الحيطان وتحت الشجر.

الى حيث تلهو الفراشات زاهية

و حيث تسافر الريح بشذى الزهر .

الى حيث تربو الارض ولا يشح المطر،

و ينقشع ضوء الشمس غداة السحر .

الى حيث الانسان يعيش انسانا

بلا خوف او ضجر ..

الى حيث الانسان يمضي

الى حال سبيله دون سؤال يلاحقه..

حيث لا غريم يرقبه ولا عيون مخبر .

الى حيث لا قبعة ولا حذاء عسكر.

قالت لقد اوجعتني ايها

الهارب من سقر..

كم تحمل من أوجاع مضنية

ينوء بحملها الحجر .

فاعذرني ان حركت فيك وجعا ساكنا

او اثرت فيك ماضيا قد استتر ..!

قلت لا عليك

فانا المسافر دوما بلا سفر،

وانا الهارب من مصيري منذ الصغر.

قد عودتني المرافئ ان انام تحت المطر،

وان اكل أديم الأرض واسكن الحفر .

انا الانسان عندما ينزع سر الحياة

وعندما يستبد بالأرض الطغاة،

والميادين يحتلها الغجر..!!

***

محمد المهدي

تاوريرت - المغرب

 1\07\2019

 

يحيى السماويســألـونـي  عـنـكِ:

هـل يـمـكـنُ أن تـرســمَ إيـنـانـا؟

فـقـلـتُ :


 

(1)

واقِــفــاً أمـســكُ فـرشـاةً وزيـتـاً  وأمـامـي حـامـلُ الـلـوحـةِ  ..

فـي الــمــرســـمِ  كـنـتُ  ..

*

ســألـونـي  عـنـكِ:

هـل يـمـكـنُ أن تـرســمَ إيـنـانـا؟

فـقـلـتُ :

*

كـيـف لـيْ أن أرسـمَ الـنـبـضَ ؟

ولـونَ الــريـحِ ؟

هـل يُـمـكـنُ أنْ يُـرسَـمَ شـكـلُ الـعـطـرِ ؟

أو يُــنـحَــتَ  صَـوتُ؟

***

(2)

إفـتـحـي لـيْ بـابَ فـردوسِـكِ إيـنـانـا

وصُـبِّـيـنـي بـكـأسِــكْ

*

خـمـرةً عَـتَّـقـهـا قـلـبٌ هـو الانَ

عـن الآثـامِ مُـمـسِــكْ

*

تـائِـبـاً جـئـتُـكِ  أسـتـجـديـكِ غـفـرانــاً

فـدُكّـي  وَثَـنَ الـطـيـشِ وأصـنـامَ  خـطـيـئـاتـي

بـفـأسِــكْ

*

واقـبـلـيـنـي ســادنـاً  فـي لـيـلِ مـحـرابِـكِ ..

فـلاّحـاً بـبـسـتـانِـكِ ..

نـاطـوراً لِــغــرسِــكْ

*

إنـنـي الـهـاربُ مـن يــومـي

الـى جـنَّـةِ أمــسِـــكْ

***

(3)

يــفــضـحُ الـحِــبْــرُ خَـفـايـا

الـوَرَقـةْ

*

والــشــذا يــفــضـحُ سِـــرَّ

الـزنـبـقـةْ

*

وأنـا

قــد كَـتَـمَ الـقـلـبُ تـبـاريـحـي

ولـكـنْ

فــضَـحَــتْــنـي الـحَـدَقـةْ

***

(4)

أوَداعٌ

قـبـلَ أنْ يـجـمـعَـنـا وَصْـلٌ؟

وصَـمـتٌ

قـبـلَ أنْ يُـسـمَـعَ صـوتُ؟

*

أنـا لـمْ أُولَــدْ الـى الانَ ..

فـكـيـفَ اخـتـارنـي مـن قـبـلِ أنْ أُولَـدَ

مـوتُ ؟

***

(5)

إنْ قـد غَـضَـضْـتَ الــســمـعَ عـنـي

واخـتـفـيـتَ وراءَ جـدرانِ الـسـكـوتِ  فـإنـنـي

ســأغـضُّ قـبـلَ الـطـرفِ قـلـبـي  ..

والـخـطـى قـبـلَ الـطـريـقْ

*

مـا حـاجـةُ الأعـمـى لــقــنــديــلٍ؟

ومـا نــفــعُ الــغــريــقْ

*

بـالـلـوحِ أو طـوقِ الـنـجـاةِ إذا انــتـهـى

جَــسَــداً بــلا نــبــضٍ

يُـكـفِّـنـهُ ظـلامُ الـقـاعِ فـي الــبـحــرِ الـعـمـيـقْ؟

*

أكـمِــلْ حـريــقَــكَ

إنـنـي الـحـطَـبُ الــذي لــولاهُ

مـا كـان الـحـريــقْ

**

(6)

حـامـلاً دفـتـرَ أحـلامـي وأقـلامـي ومـمـحـاتـيَ

جـئـتُ الانَ

كـي أنـهـلَ مـن كـوثـرِ درسِــكْ

*

أبـيـضَ الـقـلـبِ كـمـا

بـدلـةُ عـرسِــكْ

*

أنـتِ مـن نـفـسـي كـمـا الـجـنـةُ

مـن

مـطـمـحِ نــفــسِــكْ

*

جَـرِّبـيـنـي مـرّةً ســهــمـاً

لـقـوسِــكْ

*

ونـديـمـاً نـاسِــكَ الـطـيـشِ

لـكـأسِــكْ

*

وحِـصـانـاً جـامـحَ  الـعـزمِ

لـبـأسِــكِ

*

 

فـأْجُـري حِـبـري لـقـرطـاسِ أمـانـيـكِ  (*)

ومـحـراثـي لِــغــرسِــكْ

*

تـبـتُ مـن أمـسـي

فـدُكِّـي

صَـنَـمَ الأمـس بــفـأسِــكْ

**

(*) إشارة الى القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين)

**

(7)

ربَّ خُـسـرٍ

هـو عـنـد الـلـهِ :

فـتـحُ

*

وجـمـالٍ

فـي عـيـونِ الـحـقِّ :

قُــبـحُ

*

لـيـس لـيْ إلآيَ مـن بـعـدِكِ خِـلٌّ ..

وسـوى ضِـلـعـيَ فـي حـربـي عـلـى حـربـيَ

رمـحُ

*

رُبَّ لــيــلٍ آثِـمِ الـظـلـمـةِ

يُـجْـلـيـهِ إذا أشـمـسَ بـالـغـفـرانِ

صُـبـحُ

 

***

يحيى السماوي

السماوة 17/7/2019

 

ريكان ابراهيمكفى اغتراباً عراقيونَ أم غَجرُ؟

                 بين المنافي كدود الأرض ننتشِرُ

الجوع بوابة المنفى وصاحبه

                    أعمى يطارد رزقاً خطّه القَدرُ

لا يا بلاد الهنا، لا يا مرابعنا

                      بأي عُذرٍ على جنبيكِ نعتذرُ

فما كفرنا لكي نُجزى بسيئة

                  يا ليت مَنْ آمنوا منا كمن كفروا

بغداد مرت فقف يا كونُ محتشماً

                       فإنّها الكبرياء البِكرُ والظفرُ

مدينةٌ كلما شاخَ الزمان بها

                   تزهو شباباً على الدنيا وتزدهرُ

وضوؤها لصلاة الفجر أدمعنا

                  حرّى على بابها المأمون تنهمِرُ

ومتكاها طوال العُمر أضلعنا

                    لا يُشتكى برمٌ منها ولا ضجر

اليوم دهرٌ بعيداً عن مرابعها

             والدهر فيها كومض البرق يختصر

احجارها كعبةٌ أخرى لعاشِقها

              تُنخى على صمتها القاسي وتنتصرُ

لو غيرُ ربّ الورى صَحّت عبادته

                    لصحّ في مثلها أن يُعبَد الحَجرُ

                    (٢)

ما في يديَّ يدٌ، فليعْفُ مَن عتبا

                ضاقَت فلجلجَ صدرٌ حُمّل الغضبا

إن كان لا بُدّ مما بتُّ أجرعه

                     فخلّ ما ظلَّ يأتي مثلما انكتبا

كأنني، ويدي في الموت عابثةٌ

                      طفل تناستهُ أمٌ أو أضاع أبا

جميلة غربة الأجساد عن وطنٍ

                      فقد تعلمت منها كلّ ما وجبا

ما كنتُ أحسب أرضاً حاربت قدمي

                  يوماً ومدّت إلى كرهي لها سببا

تصير أمنيتي الكبرى فمذ بعدُت

                لم أعرف الفرح الخلاق والطربا

صرختُ في ليلة ظلماء حالكة

              فأسمعت صرختي الوديان والسُحُبا

وأُزلزل الأفق الأعلى فخاطبني

                     من جِنّهِ نفرٌ إذ ماد مُضطربا

وأطلعت من خوابيها ملائكة

                      أعناقها تتملّى المشهد العجبا

وحدّق الله في قلبي فأضحكه

                       قلبٌ يخطّ على جدرانه أدبا

لما رآني حنا من عرشه كرماً

                     يحيطني رحمةً منهُ بما وهبا

وقال لي: دونك المنفى سأجعله

                     خلداً واكسوك ابراداً به قُشُبا

على يمينكُ خمرٌ من مُعتقها

                 وعن شمالِكَ حورٌ تعصرُ العنبا

يدور حولك ولدانٌ بما حملوا

                  وتحتك الماءُ يكفي عذبُه السغبا

أجبته ودمي دمعي وأوردتي

                      كأنها النار لو ألقمتها الحطبا

لو الدنى اجتمعتْ في كفّ واهِبها

                       وكنتُ مالكها ما أبلغت أربا

لو حفنةٌ من ثرى بغداد ألثِمُها

                       ولا جميعُ جنان الله مُغتربا

بين الفراتين لو يومٌ واختُمهُ

                     بميتتي، لا أرى لي بعدهُ طلبا

سبحان ذاك الثرى لا أرضَ تُشبهُه

                        كأنه جاء مقطوعاً بها نسبا

على هواهُ استوت روحي مُيمّمةٌ

                وجهاً يلامس منه الجانب الرَطِبا

وداعبتُهُ وفيها من تلذّذه

                    بجرحها ما يثير الشكَّ والريبا

فيا زماناً لنا شابت ذوائبه

               أعد علينا الهوى والضحك واللعبا

وعُدْ بنا خطوات نحو نشوتنا

                      عِدنا بشيءٍ يواسينا ولو كذبا

صرنا كمحتطبٍ في حالكٍ دمسٍ

                    أو ممتطٍ زلقاً أو مرتقٍ صَعِبا

يا أهلِنا لم نزد إلّا بكم شرفاً

                     وليس إلّا لكم ما ندّعي حسَبا

بحثتُ عن لقب يرقى لمدحِكمُ

                   فخانني أن أرى في مدحِكمُ لقبا

جوزيت بالخير يا شعبي العظيم فقد

                    حملتَ ما ناءت الدنيا به حقِبا

يا حامل الهمِّ مزهوّاً بمحملِهِ

                     كأنما الهم مخلوقٌ لمن رغبا

على قفاك الندوب السود شاهدة

                     بأنَّ خلفك أفعى تنفث العطبا

سموتَ بالجوع إذْ حوّلتَ محنَتهُ

                       تصوّفاً وجعلتَ الزُهد منقلبا

                         *** 

د. ريكان إبراهيم

 

علي القاسميالغرابة مجسَّدةٌ في رجل.

التقيتُ به بعد أن التحقتُ أستاذًا بكلِّيَّة الآداب. كانت عيناه تشعّان ذكاءً لا يُفصِح عنه فمُه، فقد كان قليل الكلام، كثير الصمت.

لم أحتَجْ إلى طويلِ وقتٍ، لتلتقط أُذناي ما كان يتهامس به زملاؤه عنه. كانوا يقولون إنّه غريب الأطوار، غريب الأفكار، غريب الذوق والسلوك والهوايات، يصعب على طلابه أن يفهموه بسهولة. كلماته رموزٌ، وعباراته ألغازٌ بعيدةُ المرامي. يجمع المتناقضات في عقله، وتلتقي الأضداد في شخصه. يدرِّس الأدب الإنكليزيّ، ولكنّه خبير في التراث العربيّ القديم. كان مثل طيرٍ متميِّزِ اللون، يحلِّق بعيدًا عن السرب في أعالي السماء.

وصل أحد الطلاب الجُدد إلى قاعة الدرس متأخِّرًا عشر دقائق. ولمّا لم يكُن يعرف الأستاذ ولا الطلاب، فقد طَرقَ الباب وسألَ الأستاذَ:

ـ هل هذا هو قسم الأستاذ سيدي محمد؟

ـ "لا، فدرسه بدأَ الساعة الثامنة."هكذا أجاب الأستاذ بشكل طبيعي.

انصرف الطالب الجديد خائبًا، ولم يُدرك معنى ضحك الطلاب الذي لاحقه، ولكنَّه علم، بعد ذلك، أنَّ الأستاذ سيدي محمد قد لقَّنه درسه الأوَّل بصورةٍ لا ينساها، وفحواه: احترمْ المواعيد، تقيَّد بالوقت، فالوقتُ من ذهب.

فالوقت، بالنسبة للأستاذ سيدي محمد، مقدّس ذو قيمةٍ ساميةٍ، تكاد تعادل قيمة الدرس أو تسمو إلى مرتبة الأستاذ نفسه، وكأنّه يِؤمن بمقولة: " لولا الوقتُ، لما صار الإنسان إنسانًا ". ولهذا لم استغرب حمله ثلاث ساعات في آنٍ واحد: ساعتان يدويَّتان: واحدة على كلِّ معصم من معصمَيه، وثالثةٌ ساعةٌ جيبيّةٌ في جيب قميصه القريب من قلبه. وأحيانًا، يحمل بضع ساعات أُخرى في بقيَّة جيوب بذْلته. ولعلَّ سلوكه هذا هو الذي دعا زملاءَه إلى وصمه بتهمة الغرابة.

توثقتْ علاقتي بالأستاذ سيدي محمد بعد أن تأكَّد له أنّني أحترم الوقت وأنّني أفهم أو أتفهّم النزر اليسير من أفكاره التي باح بها إليّ. وهكذا اطمأنَّ إليَّ وزادت ثقته بي، فدعاني ذات يومٍ إلى منزله لتناول الشاي معه.

داهمتني الدهشة والعجب عندما دخلتُ منزله، وبذلتُ جهدًا كبيرًا لإخفاء مشاعري، فقد خشيتُ أن أُسيء إلى مضيّفي إنْ ظهر الاستغراب على وجهي. كانت باحة المنزل غاصَّةً بحشدٍ غريبٍ عجيبٍ من الساعات القديمة والحديثة التي ينبعث منها خليطٌ من الأصوات والدقّات والأنغام. ففي وسط المنزل كانت ساعةٌ مائيّةٌ تحتلّ مكان النافورة. عرفتُها من أسطوانتها المملوءة بالماء، والآلة المجوفة الطافية على الماء، والكرات الصغيرة التي تسقط واحدةٌ منها كلَّ ساعةٍ في طاس، فتُحدث طنينًا يُعلِن عن انقضاء ساعة.

وفي أعلى الحائط المقابل نُصِبتْ ساعةٌ شمسيّةٌ كبيرةٌ. وهذه الساعة مؤلَّفةٌ من عودٍ خشبيٍّ مغروزٍ في الحائط، تسقط عليه أشعة الشمس، فينتقل ظلُّه على لوحةٍ من الأرقام المخطوطة على الحائط لتحديد الوقت. وعلى جانبَي تلك المزولة، عُلّق على الجدار إسْطُرْلابان كبيران، أحدهما نحاسيّ والآخر فضيّ، لا أدري كيف حصل عليهما، لأنّني لم أَرَ إسْطُرْلاباً قطّ في أسواق هذه المدينة التي أعرفها منذ سنوات عديدة. وبينما كنتُ أفكِّر أنَّ الساعة الشمسيّة والإسْطُرْلاب لا يساعدان على معرفة الوقت إلا في النهار المشمس، لمحتُ على منضدةٍ في زاويةِ باحةِ الدار ساعةً رمليّةً مؤلَّفةً من قارورتَيْن زجاجيتَيْن كبيرتَيْن مُتَّصلتَيْن بعنقٍ صغيرٍ، وقد مُلِئت القارورة العُليا بالرمل، في حين خُطَّتْ على القارورة السفلى خطوطٌ وأرقام، وأخذتْ ذرّات الرمل تتسرَّب من القارورة العليا إلى القارورة السفلى من خلال العنق، ليشير الحدُّ الذي يبلغه الرمل المتجمِّع إلى الوقت.

وكانت بقيّة الجدران مكتظَّةً بالساعاتِ الحائطيّةِ من مختلف الأنواع والأحجام والأشكال: ساعة حائطيّة ببندولٍ طويلٍ يتدلّى منها ويتراقص يمينًا وشمالًا، وساعة حائطيّة رقّاصها على شكل طير يزقزق الدقائق ويُطلق صيحات بعدد الساعة، وساعة حائطيّة تنفتح من وسطها بين ساعة وأُخرى فيخرج منها تمثالُ رجلٍ صغيرِ الحجم ليعلن الوقت بصوتٍ أجشَّ ثُمَّ تنغلق عليه.

شعرتُ أنّني ينبغي أن أقول شيئًا، لأُخفي أمارات الاندهاش التي سيطرت على وجهي، فرسمتُ ابتسامةً على شفتَيَّ وقلت:

ـ هوايةُ جمع الساعات رائعة.

بدتْ لي عبارتي سخيفةً ولا معنى لها في ذلك المقام، فأردفتُ قائلاً:

ـ منزلك أشبه ما يكون بمتحفٍ متخصِّص .

قال دون أن ينظر إليّ:

ـ الساعة أروع ما اخترعه العقل البشريّ. ويعود الفضل لأجدادنا العرب القدماء.

وهنا حاولت أن أقول شيئًا ذكيًّا ينمُّ عن إلمامي بتاريخ الساعات، فلم يحضرني إلا العبارة التالية:

ـ أتقصد بذلك الساعة الدقّاقة التي أهداها الخليفة العباسي هارون الرشيد إلى شارلمان، ملك الإفرنج، فأفزعتْ حاشيته؟

قال:

ـ لا أقصد بالساعة الآلة أو الأداة، وإنّما الوحدة الزمنيّة. فالعرب البائدة من السومريِّين والبابليِّين والفراعنة هم الذين توصَّلوا إلى تقسيم الزمن إلى سنواتٍ وفصولٍ وشهورٍ وأسابيعَ وأيامٍ وساعات، عن طريق مراقبة الكواكب والنجوم، وتقسيم الزمن الذي تستغرقه في كلِّ دورةٍ من دوراتها.

دخلنا صالة الجلوس فوقع نظري على لوحةٍ خشبيّةٍ كبيرةٍ معلّقةٍ على الجدار، وهي تحمل اثنتي عشرة ساعةً جيبيّة. وكانت بقية الجدران مكسوَّةً بالساعات الحائطيّة المختلفة؛ والطاولات في الغرفة مليئةً بالساعاتِ المنضديّة المتنوِّعة. وكانت دقّاتها تختلط في سمفونيَّةٍ غريبةٍ من الأصوات، والأنغام، والإيقاعات.

لم يكُن خادمه العجوز موجودًا ذلك اليوم، فذهب بنفسه إلى المطبخ لإعداد فنجانَين من القهوة. واغتنمت الفرصة لإلقاء نظرةٍ على لوحةِ الساعات الجيبيّة المعلَّقة على الحائط. كانت تشتمل على اثنتي عشرة ساعة جيبيّة، كما قلت. وكلُّ ساعة كُتب تحتها اسم مدينة من مدن العالم ابتداء من الشرق إلى الغرب، بحيث يكون الفرق ساعةً واحدةً بين كلِّ مدينة وأخرى: طوكيو ، كوالالمبور، بانكوك، إسلام آباد، دلهي، مكة، القاهرة، تونس، الجزائر، الدار البيضاء، إلخ.

عاد الأستاذ يحمل صينيّةً وفيها إبريق القهوة وفنجانان كبيران. ولمّا وضعها على الطاولة، لاحظتُ أنّ أحد الفنجانين يحمل رسمًا لساعةٍ فيها ثلاثة عقارب ملوَّنة.

لم أشأْ أن أسأله عن سرِّ الساعات الاثنتي عشرة وعن فائدتها له وهو مختصٌّ بالأدب الإنكليزيّ وليس بالجغرافية. وحاولتُ أن أصرف المحادثة عن موضوع الساعات التي لا أعرف عنها كثيرًا، إلى موضوعٍ آخر كالقهوة التي أعدُّ نفسي خبيرًا في شربها، فلم أوفّق إلا إلى قولٍ سخيفٍ آخر:

ـ  هذا فنجان لطيف على شكل ساعة.

وإذا به يقول:

ـ إن كلمة "فنجان" كانت تُلفظ " بنكان". واستُعلمت كلمة "بنكان"، في التراث العربيّ، لتدلَّ على نوعٍ من الساعات ذات الآلات الميكانيكيّة. والفنجان الذي ترتشف القهوة منه الآن يقوم بالوظيفتَيْن. فعندما تنتهي من شرب قهوتك تستطيع أن تقرأ فيه الوقت الذي استغرقتَه في الشرب.

لم أدرِ ما أقوله له، ووجدتني أشيح بوجهي عنه، وإذا بعينَيّ تسقطان على طاولةٍ قريبةٍ منا، وعليها سبع ساعات يدويَّة لها الحجم نفسه والشكل نفسه، أو هكذا تبدَّتْ لي تقريبًا. وألفيتني أسأله بشيءٍ من نفادِ صبرٍ:

ـ وما فائدة اقتناء سبع ساعات يدويّة من نوعٍ واحدٍ، كتلك الساعات المرتَّبَة على الطاولة؟

أجاب بهدوء أقرب إلى الرتابة، كأنَّه يلقي درسًا كرَّره مرارًا:

ـ إنّها ليست من نوعٍ واحد. فالأولى تعمل باللولب، والثانية تعمل بالبطارية، والثالثة بحركة اليد، والرابعة بنبض المعصم، والسادسة بالطاقة الشمسية، والسابعة بحركة الهواء. أضف إلى ذلك، أنَّ كلَّ واحدةٍ منها تقوم بتنبيهي إلى أمرٍ مختلفٍ، بنغمةٍ مختلفة.

قلتُ له، كأنني أنتقد بصورةٍ غير مباشرة هوسَه بالوقت:

ـ ظننتُ أنّ أجدادنا العرب القدامى لم يحفلوا بالوقت كما نحفل به اليوم، فبعيرهم في الصحراء لا يعبأ بالوقت، كما تتقيّد به طائراتنا اليوم.

قال مستغرباً قولي:

ـ على العكس تمامًا، كانت معرفتهم الدقيقة بالوقت تعوّض عن ضعف وسائل الاتصال والمواصلات عندهم. وكان من حرصهم على الوقت أنَّهم خصّصوا اسمًا لكلِّ ساعةٍ من ساعات الليل والنهار. فأسماء ساعات النهار الاثنتي عشرة، مثلاً، هي: الذرور، البزوغ، الضحى، الغزالة، الهاجرة، الزوال، الدُّلوك، العصر، الأصيل، الصبوب، الحُدُور، الغروب.

سردَ تلك الأسماء بطلاقةٍ متناهيةٍ، حسدتُه على خفَّةِ لسانه فيها.

كانت الساعات المختلفة الجداريّة والمنضديّة والجيبيّة واليدويّة تقرع، بين آونة وأُخرى، أجراسًا وجلاجل متباينة الأنغام، متنوِّعة الإيقاعات. وبمرور الزمن، اكتشفتُ أنّ حياة الأستاذ سيدي محمد تتحكَّم فيها أجراسُ ساعاته. فجرسٌ يوقظه من نومه في الفجر لأداء صلاة الصبح، وجرسٌ آخر يقرع ليدخلَ المغطس في الحمام ويستلقي في مائه الدافئ المريح، وجرسٌ آخر يُخرجه من الحمام، وخامسٌ يُجلسه على مائدة الفطور، وسابعٌ ينبّهه إلى الخروج في اتّجاه الكُليّة. وجلجلةٌ خفيفةٌ من إحدى ساعتيْه اليدويَّتَين تسترعي انتباهه إلى التوجُّه إلى قاعة الدرس، وجلجلةٌ من الساعة اليدوية الأُخرى تذكّره بانتهاء الحصّة، وهكذا دواليك.

توثَّقتْ صداقتنا حتّى أخذتُ أقترب من تفكيره، وأمسيتُ أقربَ الناس إليه. ولم يُثِرْ استغرابي كونُه يعيش وحيدًا، فليس هنالك امرأةٌ تستطيع أن تعيش مع جميع تلك الساعات الدقّاقة. أمّا خادمه العجوز، فقد اكتشفتُ أنَّه مصاب بالصمم، وأنَّه اعتاد على مُجرياتِ حياةِ الأستاذ المنظَّمة بحيث إنّه لم يَعُدْ في حاجةٍ إلى قراءة شفاهه لمعرفة تعليماته.

وعندما مرض الأستاذ كنتُ كثيرًا ما أعوده، فأُعجبُ لصمت تلك الساعات. لقد توقّفتْ عن قرع أجراسها، كأنّها تحرص على عدم إزعاجه. طال مرضه، ودام صمتُ ساعاته شهورًا.

وذات يومٍ، هاتفني خادمه العجوز يستدعيني إلى منزله على عجل.

أسرعتُ إلى المنزل. ودخلتُ غرفة نومه. كان مسجّى على فراشه، وقد فارق الحياة. وكانت جميع الساعات تقرع أجراسها بشكلٍ متواصلٍ.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

 

 

صحيفة المثقفليت ......... نافذة

ليت لي نافذةً فوق طريقْ

يُزهر الأحداث فعل السنبلةْ

ليت لي عيناً

            مثل زرقاء اليمامةْ

ليت لي قلباً

                 كليلى الأخيليةْ

   أو وشاحاً ليلكيا

أو لساناً فذلكيا

أو قميصاً من حرير

   يرتدى دهرا ولا تبلى خيوطُهْ

                     ***

 ليت لي بحراً تراه النافذةْ

ومروجاً عسجديةْ

ورياحاً 

تشهد الأشجار على فتنتها

وعلى ضوع شذاها

وأراجيح سمر

ليت لي ألف قمرْ

ونجيماتٍ

وشمسْ

تحتويني

ثَمَّ باتت قيد داري

منذ أمس

               ***

ليت لي مروحة

بنثارات جليدْ

ليت يغشاني أنا

عيد سعيد إثر عيد

وبعينيَّ ينام

               نبضُ أحلام وليدْ

ليت لي دنيا

              ككل الناس

                         لا أرجو المزيدْ 

                              ***

سمية العبيدي / بغداد

17/7/ 2019

 

حسن العاصيتتلوى البيوت

حين يراودها قنديل الريح

من يمحو حكايا الوجوه

عن الجدار

يسائلنا الرثاء

من خيبة

هل عبرتم مرة

حزن المدينة؟

هل أوجعكم الموت سهواً؟

أي جنون حمل السفينة

تطفو فوق العصافير

2

يسيل غيم الوضوء

من صدر السماء

يتأهب الموتى للصلاة

كان التراب فاتحة الجثامين

الركعة الأولى

نامت الجدران قرب لوحة الأنبياء

مدّوا في السجود

مزيداً من الإيمان

نفثوا حزنهم

فوق الشموع الأخيرة

وعادوا إلى السر المعلّق

ينتظرون قيام الليل

3

تأخرت الأبواب المغلقة

وذهبت حقائب الرحيل

يخلع الانتظار من الضجر

لون العصافير

ويرسم القلق زورق السفر

على وسائد الغموض

كان اللقاء على الأبواب

تفتقد الشمس ضباب الشروق

ومفتاح الأسفار يحتضر

نتأمل مطلع القادم

الأحلام أجمل ما في العشاق

4

تلفحنا الملامح الرمادية

فنشتهي المساحات البيضاء

يختطف لون الألواح

وجع اللحظة

كأننا نولد من يقين مُحرّمْ

كم يتشابه قمح الأحلام

لكن خبز المسافات

مرايا أخرى

فكم عمر العثرات ؟

لا أحد في أعباء الغفلة

يفصل بين ضفتي الجنون

5

أبحث في رثاء الصمت

عن صدفة تنتظر

أرمّم أجنحة الجسور

وأغسل زمني ومواسمي

بالمرآة الغائبة

أكتب آخر الأسماء

بماء العيون المنكسرة

سألتها كيف نشفي الذاكرة

وتصحو الدهشة ؟

قالت

إني أشد حقلي

كي أسمعك

لملمْ فتات الوهم

واقطف من قلبك

المواعيد الفائتة

قلت لها

كم يحتاج الفراش إلى زهر

لتغفر الفصول ذنب المطر

قالت

قبل أن يغلق المصير الدائرة

هذا أعمق سر لا يعرفه أحد

6

نخلع من مواسمنا وجه الفراغ

لا جنون آخر

لتأخذنا الطفولة أحجية

هائمة في مساحة العري

مازلنا صغاراً

نشبه الوقت الراكد

على بساط الإيمان

إن أردنا لا نكبر

لدينا ما يكفي من ساقية الصباح

ذات صحراء وأدت ضلال الغيوم

نقشنا أسماء المدينة

في رسائل الغائبين

ورمينا من وجع الجدران

نافذة الرحيل

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

جميل حسين الساعديآهِ يا شعبــــي الـذي يحكمــــــــــهُ

دائما إمّـــــا طغـاةٌ أو لصـــــوصْ

 

بلغــــتْ أعلــــى الأعالـــــي أمُـمٌ

فلماذا أنتَ فـــي الوحـلِ تغـــوصْ

***

أمسِ قدْ عُــــدتُ لألقى وطنـــــي

عُدتُ كيْ أقضيَ أعوامي الأخيرة

 

حينمـــا لــمْ يجدوا مالاًمعـــــــــي

أنكرونــي كلّهمْ حتّى العشيــــــرة

***

وطنــي أصبحَ منفــــــىً  وأنـــــا

ضقتُ ذرعاً منْ زمانٍ بالمنافـــي

 

مثلما قـــــــــد جئتـــهُ فارقتـــــــهُ

مثلً نهْــرٍ سـائبٍ دونَ ضفـــــافِ

***

لا تسلنــي عن حياتي الآتيـــــــة

فهْــيَ صنْــوٌ للحيــــــاةِ الماضية

 

عوّضونـــا بلصــوصٍ بعدمـــا

حكّموا فينـــــا زمـــــاناً طاغية

***

أيّـــها الشـــاعرُ هــذا قـــــــدرٌ

ليسَ منهُ مِنْ مفــرٍّ أو محيصْ

 

عُدْ إلــى نفســكَ واتركْ عالماً

ليسَ فيـهِ لضيــاءٍ مِنْ بصيصْ

***

جميل حسين الســــاعدي

برلين السابع عشر من تموز للعام 2019

 

فالح الحجيةبَغْدادُ في وَسْـطِ القلوبِ تُصَـوّرُ

وَبِذِكْـرِها كُـلُ المَحافِـــلِ تَزْخَـرُ

.

مازلتِ يانِعةً ً وَعِطـرُكِ يَزدَهي

وَشَــــذاك ِعَبْرَ أريجِـهِ يَتَمَحو رُ

.

 والشَمْسُ يَشْرُقُ نورُهُا بِسَمائِها

فَـبَهاؤُهـــا بِـصَفـا ئِـــهِ يَـتَـنـَـوّ رُ

.

 وَكَأنَّ نـوراً يَسْـتَفيـضُ رِحابـَهـــا

ما في القلوبِ، وَحَسْبُها لا تُقـْهَـرُ

.

بَغْدادُ يا أّنَـقَ الوُرودِ وَعِطْرُهــــا

تَسْعى وَفي عِظَم ِالمَـفاخِـرِ تَفْخَـرُ

 

.

 يا بَلسَــماً كـُلّ الجُـروحِ تَـلاءَمَـتْ

إلاّ جِـراحَـــكِ بالفُــــــؤادِ لَتَـفْـغَــرُ

.

 هذي النُّفوسُ سَعَتْ لِتَنشـدَ قَصْدَها

تَمْحو الخَطيئـَةَ وَالعَدالـةَ تُصْـــدِ رُ

.

إ نَّ العَـقيــدَةَ مَصْـدَ رٌ لِـنِضالِنـــــا

فيها الرُجولَـةُ - بالإ بـــاءِ وَتَفْـخَرُ

.

نَصِبَتْ مَرابِـعُ للعَــلاءِ شُـموخَهــا

ريحُ الصَّبا تَغـزو النُفوسَ وتَسْحَرُ

.

 تَسْمو النُفوسُ وَسَمْتُها مُتَواصِلٌ

عِنْـدَ الحَقيقَــةِ وَالتَّزَيّفُ يَخْسَــــرُ

.

 

كُلُّ الشُّعوبِ تَضامَنَتْ في عَزْمِها

وَالخَيْـرُ كُـلُّ الخَيْـرِ فيمــا تُـظْهِــرُ

.

فَإغاثَةُ مَلهـوفٍ وَدمْعَـةُ جائِـــــعٍ

وَدَواءُ مَوْجوعٍ ضُحىً يَتَضَـــوَّرُ

 .

 إ نَّ الحَيــاةَ عَزيزَةٌ في سَمْتِهـــا

وَأعَـزُّ مِنْهـا ما العُـقـولُ تُـفَـكِّـــرُ

 .

وَجَمالُ حُسْنِكِ جارِحاً لجَوارِحي

أشْـعَلـْتِ نـاراً بِالـفُـؤادِ سَـتَسْعَـرُ

 .

وَتَعانَقَتْ بِضِفافِ دِجْلَـةَ أنْفُـسٌ

وَبِها القُلوبُ عَلى المَكارِهِ تُجْبَرُ

 .

بَغدادُ تَسْبَحُ بالفُراتِ فَتَرْتَـــوي

وَضِفافُ دِجْلَـةَ دَمْعُـها يَتَحَــدَّ رُ

.

 وَإذا تَنـاهى لِلرُّصافَـةِ شَــوْقُـها

فالكَرْخُ يَسْعَدُ وَالسَّماحَةُ تَكْبــَرُ

.

 بَغْدادُ سيري في الحَياةِ بِرِفْعَةٍ

ما تَحْلَمينَ مِنَ الأمورِ سَـيُعْمَر

.

 إنَّ النُفـوسَ عَزيزَةٌ بِنِضالِنــــا

وَبِها السَماحَة ُبالأخُوّةِ تُصْهَــر

 .

 إنَّ العَــدالَةَ للحَيــــاةِ صَنيعُها

جَبْرُ النُفــوسِ مَفادُها لا تُكْسَرُ

.

 وَتَفَتّحَتْ كُلُ القلـوبِ بِـفَرْحَــةٍ

مُزِجَتْ أناقَـتُها وَفـاحَ المَصْدَرُ

.

 إنَّ النُفوسَ الشّامِخاتِ رَواؤُها

فِـكْـرٌ يُفَلسِفُ للحَيـــاةِ وَيَـثْمُــرُ

.

 وَشَّواطِيءٍ مَسْحورَةٍ بِجَمالِهــا

فالأعْـظمِيَـةُ بالــــوِرودِ تُـأطَّـــرُ

.

 بِنْتُ الرَّشيدِ وَفي خِصالِكِ هَيْبَـةٌ

وَأبو حَنيفَـةِ وَالجُنيــدُ وَجَعْـفَـــرُ

 .

وَالبازُ يَشْخَصُ وَالجَوادُ يُزينُها

وَالكاظِمَيـــــنِ بِـفَـيْـئِـهِم نَتَـنَـوَّرُ

 .

 وَأبو نُؤاسٍ والرُّصا في شِعْرهُمْ

رَمْزُ الشُّموخِ .أبو فُراتٍ يَشْـعُـرُ

.

فيكِ الحَيا ةُ كَفَجْرِ صُبْحٍ مُشْرِقٍ

يَغْـشاكِ نـورٌ والحَوادِثُ تُنْـــذِ رُ

 .

ودَجَى عَليكِ الليلُ يُظْلِمُ وَجْهُهُ

بِشُموخِ وَجْهِكِ لَيلُنا لا يَـدْ جُـرُ

 .

وَبِسِحْرِ عَيْنَيكِ الجَميلَةِ نَحْتَفي

وَلِغُصْنِك ِ مـاءُ دِجْلَــةَ يُخْضِـرُ

.

مـا جَـدّ أمـرٌ أو تَـقـادَمَ وَقْــتُـهُ

إلّا وَفي عِلْـمِ الحَقيقَـةِ يَصْغُـــرُ

.

 وَرِحابُ أصْداءٍ سَمَتْ بِتَواضِعٍ

بِكَـرامَـةِ الأ خْيارِ حَتْماً نَـفْـخَـرُ

***

الشاعر

د . فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلــــــــدروز

 

فتحي مهذبأنا باتجاه المقبرة

لزيارة ساقي المقطوعة ..

ساقي التي غنت طويلا في الأماكن المعتمة..

ساقي التي تخطفها رخ الغنغرينا..

ساقي التي ركلت كرة حظي العاثر..

مؤخرة دب قطبي في  النوم..

سأطلق عقيرتي بالغناء..

لاسعاد جميع الموتى المنكسرين..

لتهدئة خاطر أمي المقتولة

بسم شوكران الهامش..

سأعزي صديقا عذبا مات يوم الأحد الفائت..

في عرض البحر ..

هربا من جند هولاكو

***

فتحي مهذب

 

خيرة مباركيإيهٍ زُليْخَة ..

لوْ تَدْرِينَ ما وجَعُ البِعَادِ

فِي كُلّ قافِيةٍ ،

تنُوخُ عصفُورةٌ حَالمَةٌ

مزَنّرَةٌ كاشْتِعالِ البيْلَسَان

إيهٍ .. لَوْ تدْرِينَ زليخَة

حِين تطيرُ الأحْلامُ كالمَنايَا

وتُغادِر في وَغَى جَداوِلِ الخِذْلانِ

لِي فِي هَذا السِّياجِ حَرَائقٌ

مِنْ عَويلِ المَطرْ..

تَشُقُّ دُخَانَ الأمْنِيَاتِ العَلِيلَةِ !!؟

أعْرِفُ صَمْتَ اللُّغَةِ

حِينَ يَتَخَطَّفُها الغُربَاءْ ..

يَتَقَاذَفُونَهَا إشَارَاتٍ .. إشارتٍ  بِخَرَسِ  الإيمَاءْ

هَذِه الزّحَافَاتُ نحْنُ خَلقْنَاهَا

وَرَفَعْنا عِمَادَهَا

بِمَرَارَة قَهْوتِنا

ولُهَاثِ الفَجْرِ فِي دِمَائِنَا ..

هَمستكِ ذَاتَ مسَاءٍ قَابَ فِعْليْنِ !!

ولَكِنّ النَّهْرَ لاَ يُجِيبْ

يَنْهَرُ دَمْعَتَهُ منْ ثِقَلِ مَوَازِينِي

تَشْطُرُنِي مَسَافَاتٍ وشَهِيقْ ..

فَمَنْ فتَحَ مَجْرَى النَّهْرِ فِي غَرَقِي

وعَصَفَ فِي مَصَبِّ نبْعي ؟!!

وَأنا التِي مَلأت صَمْت اللَّيْل بِطَرْقِ

أبْوابِ العاصِفَة

أنا أتَضَرّعُ للصّمْتِ أنْ ينْطِقَ..

فخُذِينِي إليْكِ.

خيرة مباركي -  تونس

من ديوان "مخاض الأشرعة"

 

محمد علي السنمارنامتْ عنِ العُرْبِ عينُ اللهِ مِن زمنِ

                القدسُ في غَيهَبٍ والداءُ في اليَمنِ

والنّاسُ في حَلبٍ يشكونَ مِن صَممٍ

                   عمَّ الورى فقُلوبُ الخلْقِ لم تَلِنِ

إنّي رأيتُ عراقَ الأمسِ قد نُسِفتْ

                   حتّى كأنّ عراقَ الأمسِ لم تَكُنِ

لا ترجُ مِن ربّنا ردّا إلى وسنٍ

                      فما لنا أملٌ في مَطلبِ الوسنِ

يا وَيْلتاهُ لِعُربٍ أم لسادَتِها

                     باعوا لأعدائِهمْ مجداً بِلا ثمنِ

لا كدّ عندَهُمُ إلّا كما خَطَبوا

                    كلامُهمْ أجوَفٌ قد ضرّ بالأُذنِ

هل تنهضُ العُربُ إن مُسّتْ كرامتُها

                   أم رقّ للحالِ قلبُ السادةِ الجُبُنِ

لم يُرزقوا القلبَ والعقلُ الذي لَهُمُ

                    مُخرّبٌ كَخرابِ البيتِ والمُدنِ

ما مُسّتِ العُربُ يوما في كرامتِها

             بل أنشبتْ في الحشا الأقوامُ والسُّننِ

حتى جرتْ خارجَ القتلى دماؤُهمُ

               مِثل العقولِ الجواري خارجَ البدنِ

وما على نشرةِ الأخبارِ أرّقَني

                    والحالُ في بلدِ الأعرابِ آلمَني

حتى إذا خضتُ شعراً في هِجائهمِ

                  أُلقيهِ هبّتْ ملوكُ العُربِ تمنَعُني

يا عُربُ قومي ففيكِ العارُ متّقِدٌ

                    مِن دونِنا أُممٌ لم ترضَ أن يَبنِ

والدّهرُ طالَ متى تصحو لهُ عَرَبٌ

                    وشَيبُهُ ناصِعٌ أصفى من الكفَنِ

الفخرُ عاشَرنا، والمجدُ كانَ لنا

                      أيّامَ كانا يُزاحمانِ في السّكنِ

واليومَ أضحى يسيرُ الدّهرُ مُرتجِياً

                        في كَفّهِ شَرفٌ يقولُ ذا لِمَنِ

هَيهاتِ تلقاهُ في أرضٍ مُفـرقَـةٍ

                    أنّـى لنا شرفٌ في عيشةِ الفِتنِ

قد كانَ للعُربِ عزٌّ لستُ أبصِرُهُ

                  ونحنُ عُربٌ بِعزّ الدّينِ والوَطنِ

***

السنمار محمد علي     

 

انعام كمونةأبي

منذ غروبك المتلاشي في غبش السلام

سكنتني اسراب اللهفة الغائرة

في فساتين جذوري ...

قوافل وجع

ينساب عمري ... ينابيع اغتراب

فيترمل الفرح ... بعشقك الغائب الحاضر

تتوسد أنات شغفي مفاصل التراب

بسلسبيل الرمال المتوارية مدى العصور

على صهوة المسافات العقيمة

تنثال لحن وفاء.. وذكرى

تعزفك أنامل بوحي شهقة ألم

يهز الكونَ صداها

ببرزخ طاعن المكوث

شاهدة فقد تختزل كل عناوينك..!!

وترياق اشتياقي مدائن رؤى

معطرة بندى.. شمع.. ورد.. وعود..

   سائغة المدى

     تهاتفني روحك

       أكاد أتنفس رؤياك

          أشعر بدفء حنانك

تحلق ومضة ملاك..!!

كيف السبيل لأبوابك الموصدة.. ؟؟

هل تشفع أنات الفراق ؟؟

أأغمضت عيونك عن اقترابي.. ؟؟

أكابدك الانتظار.. ؟؟

اقترب … فالظمأ بلوى المحبين

لأقبل جبين فجرك وافر الثلج

أسدل جديلتي على أغصان أكتافك

أغفو بين ملامح يديك مهد الأمان

خائف عليَّ..؟

خائف عليَّ من اقترابك.. ؟؟

حذر من إتلاف جسدي الزائل

في بئر الذنوب.. ؟؟

تعاويذ آياتك تُحيينـــــــي

تدثرني بشغاف قلبك الملهوف

لأسمع حنين نبضك منــــــي

تزرع قدري زنبقة براحتيك

أتذوق شهد الحنين ..نسغك الدافئ

شدنـــــــــــي ...

شدني لكافور أنفاسك وحمة غفران

 ليكتفى صهيل الوقت من وجعـــــــي

فخطواتي الرملية قطرات غروب

  ستشهد لحظات نزوحي

      سجدتك النائية

       نبوءة اليقين

***

….إنعام كمونة

 

باسم الحسناويقالتِ النارُ إنَّ جسمَكَ نارُ

              قالَ جسمي فالنارُ ربٌّ شَرارُ

ليس للنارِ طعمُ نارٍ ولكن

                  طعمُها يا أخي هوَ الجلَّنارُ

كانتِ النارُ أمَّةً من سُكارى

                ثمَّ هاموا ثمَّ استقلّوا فطاروا

ثمَّ صاروا مع الرياحِ بروقاً

                    ورعوداً ولم تزل أمطارُ

شربتهم أرضُ البلادِ فقامت

                   تنطحُ الجوَّ تلكمُ الأشجارُ

وذوت بعدها فكانت هشيماً

                 أجَّجتهُ الشموسُ والأحجارُ

هذه النارُ أمَّةٌ من سُكارى

             طأطئِ الرأسَ حينَ تنشُبُ نارُ

***

قالَ بدرٌ في الليلِ بدرٌ نَهارُ

                   قلبُكَ الشَّهمُ عاشِقٌ مُنهارُ

قالَ قلبي فأنتَ يا بَدرُ صَبٌّ

                  وكذا تَشكو عشقَها الأقمارُ

بيدَ أنَّ الأقمارَ شَمطاءُ جِدّاً

             بل هيَ الآنَ في الخَيالِ حِجارُ

لم يَكُ الناسُ يركبونَ عَليها

            مثلَ ظَهرِ الحمارِ أهيَ حمارُ؟!

قالَ قلبي أنا مكانَكَ بدرٌ

                   فاختفِ الآنَ أيُّهذا الإطارُ

فأنا صورةُ الحبيبِ تَماماً

                 بينما أنتَ موقِفٌ أو مطارُ!

***

قالَ ليلٌ صلّى بهِ الأبرارُ

                فهو دمعٌ من حزنِهم مدرارُ

تلكَ عيناكَ إنَّ عينيكَ أفقٌ

                    واسعٌ جدّاً فهو أفقٌ مَنارُ

قالتِ العينانِ اللَّتانِ هما أفقٌ

                      رحيبٌ فأنتَ ليلٌ شِعارُ

يرتدي الأنبياءُ روحَكَ حتّى

                      أنتَ للأنبياءِ طرّاً إزارُ

يَصهرُ الأنبياءُ ليلاً بليلٍ

                 فيذيبُ الليلَ الجليدَ انصهارُ

كلَّما ذابَ ثلجُ ليلٍ طويلٍ

                   يفجأُ العالمينَ وحيٌ نهارُ

***

قالتِ النخلةُ التي أرتقيها

                أنتَ يا أيُّها الفتى صرصارُ

ترتقيني وأنتَ تضمِرُ قتلي

               إنَّ قتلي على يديكَ اصطبارُ

تأكلُ التمرَ من عذوقي هنيئاً

                       أكلُكَ التمرَ كلَّما تمتارُ

فإذا ما هوى إلى الأرضِ جذعي

                     بعدما هبَّ ليلةً إعصارُ

قطَّعَ السعفَ منجلُ الحقدِ مني

                       فكأني بالقاطعِ الجزّارُ

هوَ يبغي جمّارةً في فؤادي

                       وفؤادي فؤادُهُ الجمّارُ

ثمَّ شقَّ الجذعَ الذي يرتقيهِ

              بطنَ نصفينِ الفأسُ والمنشارُ

ثمَّ جاؤوا بي تحتَ قدرٍ كبيرٍ

                   فيهِ ماءٌ يغلي فتضرمُ نارُ

قلتُ يا نخلةُ الحياةُ عطاءٌ

                  ثمَّ أخذٌ فالربحُ هذا الخسارُ

أنتِ أيضاً كم قد شربتِ رفاتي

                ومعي الأقربونَ والأصهارُ

سعفُكِ الأخضرُ الذي امتدَّ فخراً

                     أذرعُ الميِّتينَ والأظفارُ

جذعُكِ الممتدُّ الطويلُ عمودٌ

                        فقريٌّ وفارسٌ مِغوارُ

ثمَّ إنَّ الجُمّارَ قلبُ حبيبٍ

                    ماتَ يوماً وجرحُهُ نغّارُ

أيُّها النخلُ إنَّ ثأرَكَ ثأرٌ

                     لبني آدمٍ فكــــــوفِئَ ثارُ

***

قال نهرٌ على يديهِ رضيعٌ

                    ظامئٌ حزَّ رأسَهُ الجزّارُ

من يديكَ الأنهارُ تنبعُ قهراً

                 ليسَ للعارفِ الكبيرِ اختيارُ

هاتِ بعضَ المياهِ كي يشربَ

            الطفلُ فقد ماتَ مائيَ المستعارُ

كانَ ماءً من مائِكَ العذبِ قطعاً

                 ثمَّ لمّا على الحسينِ أغاروا

نظرَ الماءُ صوبَهُ فإذا الرأسُ

                        الإلهيُّ في القناة يُدارُ

رمقَ الماءَ رأسُهُ بعتابٍ

              كيفَ صدَّ المياهَ عنهُ الحصارُ

فبكت أعينُ المياهِ طويلاً

                 فهي الآن في الفضاءِ بُخارُ

قلتُ يا أيُّها الذي كانَ نهراً

                وهوَ الآنَ صرحُ سبطٍ يُزارُ

لم تخنهُ فقد رأيتُكَ شهماً

               يحملُ السيفَ ماؤُكَ المغوارُ

كانَ جيشُ الطغاةِ أبشعَ جيشٍ

                  وهو بالطبعِ عسكرٌ جرّارُ

نصفُهم كان يرصدُ السبطَ نصفٌ

          منهمو حولَ ظلِّ ظهرِكَ صاروا

طعنوا ظهرَكَ الشُّجاعَ اغتيالاً

              وهمُ الخائفونَ حتى استداروا

كلُّ هذا وأنتَ لم تشعرِ الطعنَ

               وهل يشعرُ الطعانَ المُثارُ؟!

أيُّها النهرُ لم تمت أنتَ حقّاً

               أنتَ في قبَّةِ الحسينِ النُّضارُ

***

قالت الأرضُ إنَّ آدمَ إبني

                        وأنا أمُّهُ وإني الذِّمارُ

عاشَ في ذروةِ النعيمِ، مياهٌ

                هيَ شهدٌ تجري بها الأنهارُ

وصنوفٌ من اللذائذِ لم يسمع

                    بها إنسٌ إذ هيَ الأسرارُ

لو رآها بنوهُ في الأرض عادت

               تزدري كلَّ بهجتي الأبصارُ

لم يُطِق آدمٌ هناكَ حياةً

                     فثمارُ الجنّاتِ حقّاً ثمارُ

بيد أنَّ الوليدَ شاءَ ارتضاعي

                  وحناني وطالَ منهُ انتظارُ

فعصى كي يعودَ للأمِّ أخرى

                    راضعاً ثديَها الفمُ القيثارُ

قلتُ مهلاً فآدمٌ ليسَ طفلاً

              عاشَ في المهدِ جسمُهُ الفخّارُ

آدمٌ لم يكن كذلكَ شيخاً

                   هَرِماً، ليسَ تهرمُ الأنوارُ

آدمُ النورُ والترابُ فضاءُ

            النورِ طبعاً ثمَّ الفضاءُ احتضارُ

عادَ للأرضِ ليسَ من أجلِ ثديٍ

                ربَّما جفَّ فازدراهُ الصِّغارُ

هو قد عادَ حاملاً حكمةَ الشيخِ

                     بسنِّ الشبابِ إذ يُستَشارُ

فاستشيريهِ في كلِّ أمرٍ تكوني

                 حرَّةً أو لا فالمصيرُ الدَّمارُ

***

قالتِ الخمرُ هؤلاءِ الندامى

                       عرفاءٌ أشاوسٌ أحرارُ

شربوا الخمرَ ثمَّ إذ فرِغت

                   منها دنانٌ وغادرَ الخمّارُ

غرزوا السيفَ في الوريدِ فسالت

               خمرةٌ منها السكرُ والإسكارُ

ثمَّ كانت أكفُّهم يا صديقي

                  كالأكاليلِ تُنتَقى وهيَ غارُ

ورؤوسُ القومِ الندامى جبالٌ

               أحرقَ الوحيُ مخَّها فهيَ نارُ

ثمَّ أقدامُهم فأقدامُهم نارٌ

                  تلظّى من أينَ جئتَ أناروا

قلتُ نعمَ الخمرُ التي تُنتَقى، نعمَ

                 النَّدامى أيضاً، ونعم الأوارُ

بيد أني عتبتُ جدّاً عليهم

                    فلماذا لم ترقصِ الأوتارُ

نشوةُ الخمرِ في الرؤوسِ غناءٌ

                      عبقريٌّ وهمسُها جيتارُ

ومتى صارتِ السُّلافُ ملاذَ

                 المرءِ فالمرءُ كوكَبٌ سيّارُ

الندامى لا يسكنونَ بيوتاً

                 فالندامى رؤوسُهم هيَ دارُ

والندامى لا يعشقونَ العَذارى

               ما لعشقٍ لدى النّدامى غِرارُ

غايةُ العشقِ عندَهم أن يغيبَ

              الوعيُ حتّى يندكَّ هذا الجِدارُ

فيرونَ الحقيقةَ النورَ أنثى

                  تستحقُّ السّجودَ حينَ تَغارُ

***

حكمةُ الفيلسوفِ قالت أنا

                أحتقرُ العقلَ رغمَ أني وقارُ

سفسطائيَّتي هيَ المكرُ حقّاً

                       إنَّما العقلُ ذلكَ المكّارُ

قد أرى الحقَّ واضحاً بيدَ أني

               أغمطُ الحقَّ والسبيلُ الشِّجارُ

قلتُ أنتِ التي نبذتُ هَواها

                     فهو لا شكَّ عاهرٌ فجّارُ

عهرُكِ الماكرُ الخبيثُ خفيٌّ

                  ذقتُهُ دهراً فهو عهرٌ دُوارُ

ليسَ رأسي عندَ الجماعِ برأسي

               فكأنْ حزَّت أمَّ رأسي الشِّفارُ

يا فؤادي كن أنت رأسي بديلاً

                     عنهُ إمّا تماوجت أفكارُ

فإذا ما البياضُ يبدو سواداً

               قل سوادٌ هذا البياضُ المُعارُ

حكمٌ أنتَ في الخصامِ وخصمٌ

             أنتَ أيضاً والعدلُ منكَ القَرارُ

***

قالَ شعري لا يكذبُ الشعرُ أصلاً

                   بل تقولُ الحقيقةَ الأشعارُ

المجازُ الخلاقُ أصدقُ قيلاً

                 حيثما توجدُ العقولُ الشَّرارُ

سعةُ المعنى في المجازِ فضاءٌ

                       لا مكانٌ تحدُّهُ الأشبارُ

والمجازُ الجميلُ إن شئتَ أنثى

            سفرت أو إن شئتَ كانَ الخِمارُ

والمجازُ الجميلُ لا وزرَ فيهِ

         شرطَ أن تمحضَ الهوى الأوزارُ

رَجَزُ الشعرِ في الحروبِ انتصارُ

               أنجزت وعدَهُ النفوسُ الكبارُ

هوَ والنقعُ مثلُ رمحٍ وسيفٍ

                    ذاكَ طعنٌ والآخرُ البتّارُ

أنتَ في الغرفةِ الكئيبةِ موجودٌ

                    فمن أينَ جاءتِ الأقطارُ

أنتَ ها أنتَ في الحضيضِ فقل كيفَ

                 سَما الذِّهنُ فهوَ ذاكَ المَدارُ

أنتَ عبدٌ للهِ عبدٌ حقيرٌ

                  كيفَ باراكَ الخالقُ الجبّارُ

أنتَ لا شيءَ في القياسِ ببحرٍ

           كيفَ غارت في بؤبؤيكَ البحارُ

أنتَ يا صاحبي كثيفٌ كثيفٌ

                 كيفَ شفَّت عظامُكَ الفخّارُ

كيف صارت عيناكَ شمساً وشمساً

                    وهما كهفٌ مظلمٌ وغبارُ

كيفَ حتى وأنتَ تُقتَلُ صبراً

                     كلَّ حينٍ تقولُ إني فَقارُ

قلتُ يا شعرُ فاتَكَ الآنَ شيءٌ

                  وهو أني تهابُني الأخطارُ

فأنا لا أعيشُ إلا لِماماً

                   أغلبُ الوقتِ ميِّتٌ مُختارُ

وأنا ليسَ لي الخيالُ متاعاً

                     فخيالي مسدَّسٌ وانتحارُ

وخيالي يجيئُني كلَّ حينٍ

                      كلَّ حينٍ وثمَّةَ الأسفارُ

لا أعاني في رحلتي لسماءِ

                  السدرةِ المنتهى فَثَمَّ اقتدارُ

ثمَّ إني يا أيُّها الشعرُ قلبٌ

                 ليسَ إلا قلبٌ هوَ الإعصارُ

فإذا ما شعرتُ حيناً بشيءٍ

                 هوَ طينٌ أقولُ أنتَ النضارُ

فإذا لم يكن نضاراً فقلبي

               هوَ هذا النضارُ والمَينُ عارُ

قطُّ لم تخطئِ القلوبُ إلى الآن

                    وكم أخطأت عقولٌ كثارُ

أكبرَ الناسُ ما يرى  العقلُ لكن

                  هوَ ذا العقلُ تاجرٌ سمسارُ

يقتلُ المعتدي الأثيمُ الضَّحايا

                ولهُ العقلُ شأنَ ضَبٍّ وجارُ

يسرقُ اللصُّ كلَّ قوتِ اليتامى

                     والأيامى وتلكمُ الأعذارُ

إن يكُ القلبُ معصماً فجميلٌ

            حولَهُ العقلُ حين يسمو السّوارُ

***

نطقَ العارفُ الكبيرُ بقولٍ

                     هوَ وحيٌ ورُتِّلت أذكارُ

قالَ إني أموتُ عمّا قريبٍ

                    فإذا متُّ غودرَ المزمارُ

غيرَ أنَّ السُّلاف تعكسُ روحي

              فاكرعوها تُستَوضَحِ الأسرارُ

سترونَ الترابَ يصبحُ عدناً

               سبحت في أحواضِهِ الأبكارُ

الألى يعشقونَ هم أنبياءٌ

                       وسواهم معاشرٌ أبقارُ

***

باسم الحسناوي

 

 

يحيى السماوي(1)  أنـا لا أشـكـو .. ولكـنـي أشـكُّ

***

 


 أنــا

لا أشــكــو

ولــكــنـي أشـــكُّ

*

أنْ يـعـودَ الـفـحـمُ غـصــنـاً

ورمـادُ الــوردِ فـي الــمـوقِــدِ

يـذكـو

*

نـحـنُ فـي عـرف الـهـوى

طـيــشٌ ونُــسْــكُ

*

وجـحـيـمٌ وجـنـانٌ

وبــســاتـيـن وصـحـراءٌ

وإيـمـانٌ وشِــركُ

*

ربــمــا

يـغــفــو مـعـاً

فـوق ســريـرٍ واحـدٍ

وردٌ وشــوكُ

*

ومــرايــا مــثــلُ مـصـبـاحٍ بـمِـشـكـاةٍ

ومِــسْــكُ

*

غـيـرَ أنَّ الـصـبـحَ لا يـأنـسُ لـلـيـلِ

ولا لـلـكـذبِ صِـدقٌ

ويـقـيـنٍ أبـيـضِ الـبـردةِ شَــكُّ

*

أنــا لا أشــكــو

ولــكــنــي أشـــكُّ

*

أنْ يُــؤاخـي

بـيـنَ مـحـراثـي  وتـنُّـورِكِ خـبـزٌ

وعـلـى وقـعِ صَـهـيـلـي يـتـسـلّـى  بـهـديـلٍ مـنـكِ

يــنــبــوعٌ وأيْــكُ

*

قـبـلَ أنْ يُـسـرَى بـجـثـمـانـي

الـى الـثـامـن مـن أنـهـارِكِ الـضـوئـيـةِ الأمـواجِ

فُــلْــكُ  (*)

*

فـأعـودُ الــســومـريَّ الـمـالِـكَ الـمـمـلـوكَ  ..

هـارونـاً جـديـداً :

أيــنـمـا يـمـطـرُ غـيـمُ الـفـرحِ الــنـائـي 

فـفـي مـمـلـكـتـي

حـيـثُ زهـورُ الـلـوزِ والأطـيـارُ والأشـجـارُ شـعــبـي

وســريــري  الـخـوصُ والـمـشـحـوفُ مُـلـكُ

***

........................

(*) : الفلك بضم الفاء وسكون اللام : السفينة .

(**) إشارة الى قول هرون الرشيد مخاطبا السحابة : امطري حيث تشائين فسوف يأتيني خراجك .

***

(2) أنـتِ نـهـرٌ

 

أنـتِ نـهــرٌ تـضـيـعُ فــيــهِ الـبـحـور

وقــلــيــلٌ يَـحــارُ فــيــهِ الــكــثــيــرُ

 

وضــيـاءٌ أضــاءَ قــلــبــي فــدربـي

حيثُ أمـشي يُـضاحِـكُ الخـطـوَ نـورُ

 

ومِــدادٌ .. إذا كـــتـــبــتُ فــحــرفـي

نـبـعُ شِـعـرٍ تـفـيـضُ مـنـهُ الـسـطـورُ

 

كـلَّ يـومٍ أمـوتُ فــيــكِ اشـــتــيـاقــاً

فـاخـبـريـنـي مـتـى يـكـونُ الـنـشـورُ ؟

**

بُـعــدَ  نـجـمـيـنِ : آسِـــرٌ والأســيــرُ

قُـربَ هُــدبَـيـنِ : سِــرُّنــا والـسـرورُ

 

مَحـضُ أنــثـى كـمـا الــبــقــايـا ولـكـنْ

فـي صـحـارايَ عُـشـبُـهــا والـغـديــرُ

 

فـاخـبـزي ليْ من الأغـاني رغــيـفــاً

لـيــس أشـهـى إذا يـجـوعُ الـسَّــريــرُ

 

واسْــقِــنـي مـنـكِ شِــربـةً مـن زفــيـرٍ

ســوف أرضـى إذا يـعــزُّ الــنــمــيــرُ

 

الهـجـيـرُ اسْــتـبـى حـقـولـي ونـهـري

فــغــصـونـي ظــمــيــئــةٌ والـجــذورُ

 

قـد ألِــفــتُ الـعـذابَ طــفــلاً وكـهــلاً

مــثــلــمـا آلَــفَ الـظـلامَ الـضَّــريــرُ

 

مـا مُـجـيـري سـوايَ من شـرِّ نــفـسـي

ويـحَ نـفـسـي إذا تـغـاضـى الــمُـجـيــرُ

 

أنـتِ نـهــرٌ مـن الــتـسـابـيـحِ تُــتــلـى

حـيـن تـدعـو الـى الـصـلاةِ الـزهـورُ

 

مــنــذ ســبـعٍ ولمْ أجـزْ مــنــهُ جُـرفــاً

فــكـأنـي الـى الــوراءِ الـــمــســـيـــرُ

 

أدهـشـتـنـي مـن الـفـراديـس شــتـى

واحـتـوانـي الــذهــولُ أنّـى أســيــرُ

 

الـحـمـامُ الـوديـعُ فـي الـصدر يـغــفـو

مُـطـمـئــنَّـاً وفـي الـعـيـونِ الـصـقـورُ

 

كـلــمـا أُكـمِــلُ الــمـسـافـاتِ لــثــمــاً

وارتــشــافــاً ونــشـــوةً أســــتــديــرُ

 

لا أنـيـسٌ إذا اصـطـبـحــتُ بـشـمــسٍ

أصـطــفـــيــهِ وإنْ دَجـا لا ســـمــيــرُ

 

مَـنْ نـصـيـري إذا الـفـؤادُ خـصـيـمـي ؟

إنّ قــلــبـي ولــيـس عــقـلـي الأمــيــرُ

***

يحيى السماوي

السماوة 14/7/2019