سليم الحسنيلم يكن مزاجه حسناً طوال أسبوعين متتالين، لقد أنكر والده عودة الروم، فاشتعلت بداخل الأمير شعلة القلق. أصدر أوامره بأن لا يدخل الدار أحد، وجلس بنفسه يحرس غرفة السيد الكبير، يتكئ بظهره على الباب ساعة، ويستدير فيستقبلها ساعة أخرى، يفعل ذلك بانتظام رتيب. يضع أذنه اليسرى على الباب، يتسمع ما وراءه. كان يقول إن اليسرى أكثر رهافة لقربها من القلب.

هناك همس وراء الباب.. اختفى، عاد ثانية. من هذا المتسلل؟

كيف اجتاز الحرس؟

كيف فتح الباب وهو رابض عليه كدجاجة بيض؟

عصر أذنه ثانية بالباب، هناك همس.. اختفى.

استبدلها باليمنى، قد تكون الأخرى أصابها عطب، تكرر الهمس ، همس متواصل، رجل يتحدث.

فتح الباب بسرعة، وجد أباه يقرأ القرآن بهدوء وسكينة:

(غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ).

هزّته رعدة مجهولة، هي مزيج من الاطمئنان والقلق، من الخوف والأمن، من الفرح والحزن. خرج مسرعاً أغلق الباب بإحكام، جلس يلصق ظهره به. عبّ نفساً عميقاً، كأنه يريد أن يُدخل هواء الأرض بصدره، احتبسه طويلاً، يخشى أن يطلقه فتخرج روحه.

ما الذي سمعه؟

أيكون والده تعمّد اختيار هذه الآيات؟

ماذا يريد هذا الرجل المسنّ أن يقول؟ ألا يكفيه أنه أنكر عودة الروم؟

هي جولة ثانية بين كسرى وهِرَقْل؟

ما أتعس هذا التاريخ، ما أكره هذه العادة فيه، إنه يعيد نفسه، يدور ثم يدور. وما أزعج هذه الأسئلة في رأسي إنها تدور ثم تدور.

هل سينتصر كسرى ويدحر الروم؟ إذن ستمر عليّ السنوات مظلمة حتى يستعيد الروم قوتهم. والانتظار صعب شاق، فيه تضيع الأحلام وتمرّ الفرص، وتتغير الأحوال.

لقد جاءت إليه تطرق الباب، أمسكها كما لم يمسك مخلوق صيده، وخبّأها تحت قميصه تلاصق جلده في الليل والنهار، وها هم الروم يريدون العودة، فتصبح طوع إشارته، وسيبسط عليها جناحه، وسيصبح صاحب القوتين والسلطتين والنورين، فيعيش حياته ضعفين وأكثر، لا يخشى منافسة أحد، ولا يحسب حساب أحد، وسيبني الروم جداراً على طول الشرق فينام بهدوء، أو يسلطون يأجوج ومأجوج فيتوغلون حتى يطيحوا بكسرى، وعند ذلك يأتي الفرح الكبير.

ارتاح لهذه الفكرة، هدأت نفسه، سرت فيه موجة باردة، نسمة رطبة أشعرته بالنعاس، لكن انتفض كقط متوثب. إياك والغفلة، فقد يخترق الباب أحدهم، ويصل الى السيد الكبير، سأطلب من الخطيبين أن يسكتا حتى ينسى الناس كلام أبي، سأمنع الكتّاب والرواة، فلا بد أن يعود الروم الى البلاد.

***

سليم الحسني

 

حسين يوسف الزويدبيــومِ رحيلِكَ انتشرَ العويـــلُ

                         فهذا الكلُّ أنتَ لَــهُ خليلُ

أبــا فَهْدٍ ســقى مـثواكَ غيـــثٌ

                      وأكـرمَ داركَ الربُ الجليلُ

أبــا فَهْدٍ عليـــكَ العيـــن تبكـــي

                وفاضَ الدمـع مدراراً يسيلُ(١)

رحلتَ عــــن الديار بفعل غــــدرٍ

                    وأنت الشامخُ الشهمُ الأصيلُ

حُمِلتَ عن على المناكبِ يا شهيداً

                  وأِنَّ الحزنَ والمـرأى مهـــولُ

وقـــد حلَّ النحيب بـــكلَّ صـــدرٍ

                     نيـــاحٌ أو شــهيقٌ أو عويـلُ

مساؤك في (الحويشِ) مساءُ عرسٍ (٢)

                       أتاهُـــمْ باســلٌ حُلْـوٌ جميلُ

ودَعْوَتُنا إلــــى البـــاري المرجّـــى:

                    لك الفردوسُ و الظلُّ الظليلُ

وألبســــكَ الحريـــرَ بــــدار خَلْــدٍ

                      وبين يديــك غلمـانٌ تـجولُ

وأخلفَ مـــن عيـــالِكَ خيـــرَ راعٍ

                   بــهِ تُجْنــى المودةُ و الأصولُ

 

د.حسين يوسف الزويد

......................

(١) ابو فهد هو الشهيد رائد الشرطة موفق علي مخلف ابن عمتي وخال ابنائي و الذي اغتالته أيادٍ آثمة اثناء تأديته للواجب في مدينة الموصل، و لما يتمتع به من طيبة ودماثة خلق فقد أصر شباب المنطقة في حينها على أن يحمل جثمانه على الأكتاف بدلاً من السيارات وصولاً للمقبرة.

(٢) الحويش: هو اسم المقبرة التي دفن فيها الفقيد.

 

سردار محمد سعيدقبّل

ثانية ...

ثالثة ....

ألفاً

وانس العد ْ

واعصف بي عصفاً

 لا يمنعه سدْ

اغرز في قلبي سيفاً

من وجد ْ

مَن يحصي نبضات الرعد ْ

زفرات غمام 

نقرات حمام

من أدنى القدمين إلى أعلى الخدْ  

كن إعصاراً، كن زوبعة، كن همجيّاً، كن صلفاً

وتسلق أعلى عال أوابعدْ

كن لهباً فيكون أصدق وصفاً 

ولن يخمدْ 

قرأتك عيون اللغة حرفاً حرفاً   

ونساء في المدينة قالت سوف تبردْ

فتعال إلى جناني

أخصف أغصاني لك مهدْ

أعطيك مالم يعط لثان

فادخل واقطف ما شئت قطفاً

رطبي وتيني وزيتوني ورماني

(مبسماً وجيداً وطرفا ً)

أستحيل حوريّة

عندها جنتان

ذواتا أفنان

وأخرى جنيّة

على صدرها رقدت يمامتانْ

أوشيطانة

من الياقوت والمرجانْ

أو إنسيّة ثغرها ورد، شعرها أقحوان ْ

وجنى الجنتين دان

فكُل رغدا

واشرب الأمدا

تسقيك من خمرة صرفاً

ولن تجد كرقّتها أبدا

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين بيخال والبنج آب

 

مصطفى غلمانلا أنثر ظلي إلا كما يفعل الطنان بجناحيه

محلقا إلى اللانهائي

تدثرني ريح الخريف

وأهفو لطريق عارية

إلا من ارتفاع غارب للوثب

أشحذ ظلي تارة أخرى

وأولي كمن أسقمه سحاب غضوب

ما أدركه ليس حلما

وليس عذرا للموت المؤجل

كل ما أكونه يستحيل عيانا

وعندما أنكشف على الخطايا

أتردم ...

وتغشاني حمى الشعر

وأغرب ...

من نافرة الروح

وأبلغ الصدى

من حشرجة

ومن علو قاصم

ومن حجاب لحجاب ...

أهبط من ظلي بعد دورة زمنية

وأقترب من أرض تجترأ على التناغم

وتداري حدائقها مخافة الظما

أنذر من نحْبٍ وهوى

وأصلي بين نجم وضوء

ونقاء مهذب

ووسامة عفراء

ونور من يقين القلب ...

***

د. مصطفى غَلْمَان

 

زيد الشهيد(1) بهاءٌ أثيري

مثلَ خَدرٍ لذيذٍ شَعرَ الصَّبي بالطمأنينةِ تدبُّ في أوصالِه بينما شيءٌ كالخوفِ أو القلقِ شرعَ ينسل منها . أحسَّ بالظُّلمَةِ تَسقيهِ أَكسيرَ هدوءٍ عَذبٍ وأنَّ جلوسَه مُتَّكِئاً على جذعِ شَجَرةٍ كَبيرةٍ تَتوسَّطُ حديقةِ البيتِ المُعشِبة يَمدُّهُ بِسلامٍ دافِقٍ .. رفعَ رأسَه يتأمل نجوماً مُتلألئة؛ هناك في ديباجةِ العُتمَةِ فوجدَ نَفسه مُنجذِباً بسحرِ نَجمةٍ لا يدري لماذا خالَها تتوهَّج ببهاءٍ يَتباين عَن نثارِ نجومٍ أُخر؛ طافيةً في ذلك البحرِ الموغِل في اللاإنتهاء .. تجسَّدت له بقوامٍ نوراني فارع، لامرأةٍ لها ملامحٌ طابت له وأمدّته برغبةِ مواصلةِ التطلّع إليها .. حاولَ القفزَ سعيّاً لإدراكِها فوجدَ نفسَه يَطير .. حملته سحابةُ حلمٍ ربيعيةٍ مؤطَّرةٍ بمحاقٍ فضّي بهي؛ إلى هناك / إليها .. رمى وجهَه في خضيبِ شعرِها الضوئي .. تشمّمَ أنفاسَها الأثيريّة، فتسللّت إلى روحِه نشوةٌ مائيّة غامرة؛ وانسابت إلى أذنيه هَمساتٌ مُنغَّمةٌ تُطلِقُها شفتاها المؤتلقتان… لا يدري لماذا هَتفَ بصوتِ النَّشَوةِ الجارفة: " أُمّي.. أُمّي.".. انبثقَ في روحِه رَجاءٌ ودودٌ: " لماذا أنتِ نائيةً في هذا البعدِ المُريع ؟.. حَبّذا لو تَهبطين مَعي ..".. لم يسمع لها جواباً؛ بلْ اكتشفَها غارقةً في صَمتٍ مَهيب . بوغتَ بعدها مأخوذاً بَغَمامةِ حزنٍ توشِّح وجهَها الذي تَكدّرَ بشَكلٍ عَجيب .. سمِعها تطلقُ آهةً بحجمِ الاحتراقِ النَيزكي . آهةٌ استحالت نَشيجاً مَكتومَاً جعلته يَسقطُ في براثنِ شَقاءٍ دفين … أسِفَ لأنّه سببَّ لها كلَّ هذا الألم؛ وأحزنهُ ذلكَ البُكاء الذي فوجىءَ به ينفجرُ كالبُركان … ماجَت على مشارفِ حدقتيها المتأسيتين دموعٌ بلّوريةٌ. ما لبِثَت أنْ أخذت مَسارَها على الخدّين المتوهجّين . لحظتها رَفعَ يَداً كي توقِفَ نزيفِ الشَقاء المُنسَفِح عليهما فألفى-بانكسارٍ- أنامِلَهُ تمسحَ دُموعاً كانت تتدفَّقُ على خدَّيه الرَّقيقَين؛ وصَوتاً غَليظاً آتٍ من شَبحِ امرأةٍ مُتَعجرِفةٍ تقفُ عَن بُعدٍ:

- لماذا تجلس هُنـا، يا ولد .. هل مَسَّتك الجنون ؟!

***

(2) اكتشاف

ما كانَ على الولدِ الصَّغيرِ التفكيرَ في الولوجِ إلى الغرفةِ المُغلقةِ، المَعزولةِ في سطحِ الدَّارِ لولا الحاجة التي تلحُّ عليه للاختلاءِ بنفسه والبكاء دونَ أنْ يَسمعَه أحدٌ؛ فالسطحُ ما عادَ مَكاناً يَكسبُ فيه حريتَه في تفجيرِ دموعِه وإطلاقِ حسراتِه الخبيئةِ في صدرِه .. لقد عانى الكثيرَ مِن أُمٍّ يَجهل لماذا أدمَنت الصُّراخَ بهِ ونهرهِ أو صفعِه لأشياءٍ لم يفعلها ( للأمومةِ طعمُ الحنانِ العَسَلي / لونُ الوردِ الليلكي/ همسُ الشِّفاهِ الوَدود؛ تُرى لماذا هو في منأى عَن كلِّ هذا !!.. لماذا ؟ …!) .. وما أنْ جَنَّ الليلُ وشرعَ الظلامُ والصَمتُ يُطبِقان حتّى تَركَ فراشَه وانسلَّ بخطواتٍ ساقته إلى السِّلَّم الذي وَطىء درجاته مُعتمِداً على ذاكرةٍ حَذِرة أوصلَته إلى حيثُ تترامى نجومٌ لاهثةٌ .. مَسَّت وجهَه أنسامٌ بليلةٌ، باردةٌ استنشقَها بارتياحٍ، طارداً أنفاساً حَبيسةٌ كانت تُضيّقُ عليه .. قطعَ مَساحةَ السطحِ نحو كوَّةٍ بطرفِ جدارِ الغرفةِ البعيد .. تحسّسَ صُندوقاً كان قد ثبّته تحتَها؛ حتى إذا اعتلاه، وجعلَ وَجهَه قبُالةَ استدارةِ الكوّة سحبَ شيئاً رَخواً يغلقها .. وبحذرٍ شديدٍ دفعَ جسَدَه مُتشبِّثاً بحافّات الجِدار، هابِطاً إلى الداخلِ وسطَ حشدٍ من هواجسٍ فجّرت فيه رُعبين: رعبُ الظُّلمةِ المهيمنةِ حَوله؛ ورُعبُ الذين صاروا تحتَه .. وطبقاً لِما حسِبَ أخرجَ شَمعةً من جيبِه فأطعمَ خيطَها ببصيصِ عودِ ثقاب أشعلَه مُرتجِفاً؛ فأنارَ على نَحوٍ مُباغتٍ عالماً صغيراً احتواه سريعاً … تملّى أشياءَ تراكمَ فوقَها غُبارٌ عتيق: سريرٌ خشبي / مرآةٌ واسعة / خزانةُ مَلابسَ كبيرةٌ مُغلقةٌ / بدلةٌ نسائيةٌ بيضاء سَقطَت مِن مِسمارِ تَعليقها … وحين رفعَ الشمعةَ وصعدَ الضَّوءُ معها هجمت جيوشُ النّورِ على صورةٍ مُعلّقةٍ لامرأةٍ جَفلَ لمشاهدتِها وارتعدت أوصالُه .. رأى ملامحَه وتقاسيمَ وجهِه في قسماتِها؛؛ غيرَ أنَّ شحوباً كان بعضٌ منه يلتصقُ برموشها النافرة؛ وبعضٌ آخر يتخفّى في الحدقتين فيما توترٌ جَلي يُبعد شفتيها المتيبستين … ذاهلاً سمّرَ نظراته / شغوفاً صار قلبُه يَخفِق .. اختلَجت شفتاه ومررّتا صوتاً مُرتَعِشاً . وبدون وعيٍ منه طفقَ يُتمتم: " أُمّي.. أُمّي … " .. تَناثرَ الغبارُ مِن على الزجاجةِ، وتفككَّ الإطارُ الخَشبيُّ الذي يحيُطُها .. وعلى غيرِ ما يَتوقّع ترجّلَت من الصورةِ امرأةٌ، تمثّلت أمامَه بابتسامةٍ تَخفي شغفَ سنينَ ثقيلة .. أفرَدت ذراعيها؛ وبلهفةٍ ضَمّته إلى صدرِها .. هكذا وللمرّة الأولى أحسَّ بذراعين رَؤمين يطوّقانه؛ وأنفاسٍ حانيةٍ تُضمّخ وجهه وتبث شيئاً ما كالرذاذِ في عينيه فترتخي أجفانُه، ويروحُ غارقاً بإغفاءةٍ تأخذُه إلى عالمٍ بعيد … بعيـــد .

في الصباحِ / على صراخٍ مُنبعِثٍ من جوفِ الدَّار لامرأةٍ كانَ يُناديها أمّي استيقظّ فزِعاً، فرأى نَفسَه يحتضنُ صورةَ امرأةٍ دامعةِ العينين؛ فاغرةِ الفَمِ، خُيّلَ إليه أنّها كانت ومنذُ زمنٍ سَحيقٍ تَصرخُ بألمٍ فاجعٍ آآآآآآآآآآآآآه، فلم يسمعها – كما يبدو – أحَد .

***

(3) امرأةٌ باكية

لم يكُنْ ذلكَ النهار الربيعي للمرأةِ التي كانت تتركَ الزُّقاقَ وبيدِها صغيرتُها المُهندمةُ عاديّاً . والصَّبيُّ النَّحيفُ الذي أدهشته رؤيةَ المرأةِ تَخطو باكيةً، مُنتحِبةً سيكتشفُ بعد قليلٍ أنَّها أُمّه، وأنَّها لم تكُن قد شاهدته تلكَ اللحظة . فلو حدثَ ذلك لاندفعت إليه تَحتضنهُ، وتَشمّه، وتُقبّله . تَبكي طولَ الفراقِ، نادبةً حظّاً نأى بها عن فلذَّةٍ غالية … الطفلةُ الصغيرةُ تبيّنت الصَّبيَّ يطالعُها فلم تكترث له . لا تدري أنَّه أخوها . اكتفت بأنْ أدارت وجهَها مُستمرةً في سَعيها الحثيثِ مَع أمّها … فكَّرَ الصَّبيُّ أنْ يَلحَقهما دونَ إدراكٍ لِسببٍ ( لَعلَّ هاجساً خفيّاً انبثقَ فُجأةً في رأسِه، وما أنفكّ يلحُّ عليه .)، بَيدّ أنَّه تذكّر عُنفّ أبيهِ وغضبِه .. ارتسمت أمامَ عينيه العصا التي ستنهالُ على ظَهرِه لَسعاً وحِرقةً لتأخره … سارَ باتجاهَ البيت، وكانت المرأةُ تسيرُ باتِّجاهٍ مُعاكِس .. تَسيرُ دامعةَ العينين … الصبَّي الذي سيكتشفُ أنَّها أمّه تساءلَ

بألمٍ عَن سرِّ بكائِها في هذا اليوم الربيعي .

بِدخولهِ الزُّقاق واقترابِه من بيته شهدَ ضَجّةً غريبةً .. نُسوةٌ مُجتمعات؛ وكلُّ واحدةٍ تُجاهرُ بعُنفِ القلبِ المُتحجّر والعاطفةِ الميتة … لم يَعرفْ الصبيُّ لِحدِّ هذهِ اللحظة أنَّهُنَّ كُنَّ يَشُرنَ إلى أبيه .. أبصرَ صِبيةً تمورُ عيونُهم بالقلق والتأسّي عليه . وحينما صارَ على بعدِ خطواتٍ سِمعَ هَمساً يترددّ من عِدّة جهاتٍ:" ها هوَ قَد جاءَ؛ لقد كانت تأمَل مُشاهدتهُ !!"..

دخلَ البيتَ ففوجئ بأبيه غاضباً / مُمتقعاً . ترتعشُ السيجارةُ بين شفتيه: تتناثرُ أمامَه صورةٌ مُمزّقةٌ .. بأناملِه الصغيرةِ جمعَ الصَبيُّ أشلاءَها .. قرّبَها بَعضاً من بَعض ليكتشفَ شَخصَ أبيه مُنتصباً؛ تَقفُ إلى جانبِه امرأةٌ بثوبٍ حريريٍّ أصفر .. المرأةُ تَحملُ طِفلاً رَضيعاً بين يَديها . رأى في الطِفلِ الرَّضيعِ شَيئاً من مَلامِحه . قال مُتَمِتماً:" هذا أنا، وهذا أنت َ– مُشيراً لأبيه –؛ وهذه "… . وقبلَ أنْ يُكمِل هَبَّ خارِجاً كالمجنون .. سَلكَ الدَّربَ الذي خَلّفته المرأةُ وراءَها واستقلّت سَيارةَ أُجرةٍ وهيَ لا تَزال باكيةً، تتساءلُ بألَمٍ: " لماذا تَحرمُني مِن وَلدي؛ لماذا أيُّها الظالمُ المُتَجبِّر ؟!!"

***

قصص قصيرة جداً

زيد الشهيد

 

 

سعد جاسم(قصيدة للاطفال)

رأَيتُ في الحديقةْ

حمامةً صديقةْ

سَمَعْتُها تقولْ:

منْ اجملِ الفصولْ

صديقُنا الربيعْ

قَدْ جاءَنا ...

ليُبهجَ الجميعْ

يُخِيطُ للأَشجارْ

ثيابَها المُلوّنهْ

تُفاحةٌ هُناكْ

وها هُنا مشمشةٌ وسوسنهْ

ويجعلُ الطيورْ

تَسرَحُ في حدائقٍ

مِنْ نورْ

فَتُصبحُ الطبيعةْ

وأَرضُنا الوسيعةْ

جنَّتَنا البديعةْ

***

سعد جاسم

 

صبحة بغورةعندما يطغى الشر نشعر بالحاجة للخير أكثر

كانت تمشي بين أحلامها وتبدو كأنها قادمة من المستقبل، نضج نظرات عينيها الزرقاوتين يسبق عمرها بكثير "ماريا " ثمرة زواج مختلط، ولدت ونشأت في موطن أبيها، كانت تسبق الحياة إلى جمالها فبدا جمالها نوع من الإحسان لناظريها، كان جمالا ربانيا، كبرت وأصبحت أنثى كما تشتهيها العيون، شعرها الذهبي المنسدل دوما خلفها تهفو إليه القلوب كلما عبث الهواء بخصلاته،عاشت تضفي بروحها على كل مكان سعة الفردوس وتمثل بهدوء عمق مفهوم المقاومة الفكرية لإعادة الاستقرار والتوازن إلى واقع أسري مفكك يفتقد منذ البداية مقومات البقاء والدوام وقد أصبح على وشك الانفجار بعدما تنسلت أواصر العلاقات وتناسلت الأخطاء، أمها لا ترى في واقع حياتها الزوجية ونمط معيشتها  ما تطمئن لها نفسها من أمن وسكينة، تجمدت مقاومة الفتاة وهي تحضر تفاصيل النهاية الحتمية بين والديها  ثم تعيش وضعا مضطربا لم تكن لها فيه إرادة أو اختيار، مزقتها الهواجس حول مستقبلها، وانهارت حياتها بعدما لجأ كلا منهما إلى رسم خارطة طريق لحياة أخرى لم يكن لها فيها أي مكان، تخلصت منها أمها رضوخا لرغبة من اختارته رفيقا لها وكان من أبناء بلدتها جاء مهاجرا  لم يشأ وجود ماريا معهما، ولكنها دفعت حياتها ثمنا لنزوة لم تقدر عواقبها فقد  غدرها بها وسلبها كل ما تملك.. واختفى، وسرعان ما عثرت بفضل جاذبيتها وأنوثتها الطاغية على رفيق آخر لحياتها، فاحتضنتها جدتها بعدما ساءت حالتها مع الوافد الغريب، وكفلتها في موطن أمها وكانت من الأسر الغنية بالمدينة، حاولت ماريا التكيف مع الواقع الجديد بعيدة عن والديها،والذي لم يكن أحسن حالا، إذ قرأت ماريا في العيون عدم ارتياح وبدا لها من أخوالها كثير من النفور والجفاء لم تدر سببه، وعاشت أجواء يصعب فيها التمني وبرغم ذلك تلمست السبل لكي تشعر بما هو أفضل في الحياة ليكون عيشها أسعد، ولكن ما خبأه لها القدر كان أفدح، توفيت جدتها بعد شهور قليلة ففقدت الحضن الدافئ والصدر الحنون والقلب المفتوح الذي احتضن آلامها واحتوى أحزانها، وجدت نفسها أمام مستقبل غامض ومجهول بعدما طغت أحزانه على أفراحه، لقد كان لها من الميراث نصيبا كبيرا استكثره عليها أخوالها فكادوا لها الكيد الأسود، فهي من صلب ذلك الأجنبي الذي أذل أختهم في بلده، لم تجد أي وثيقة تثبت بها حقها ولا حتى نسبها وهويتها كل شيء تمزق واختفى والأفواه صمتت عن الحق ثم كان الطرد من المنزل الحلقة الأخيرة من مؤامرة الخلاص منها، أصبحت الأزقة الضيقة مأواها تفترش الأرض ليلا وتهيم في الشوارع نهارا تبحث عن من يعينها للحصول على أوراق هويتها، وتبحث عن ما تأكله، اتسخت ملابسها وتورمت قدماها وعلت وجهها الجميل مسحة داكنة ، ذبلت عيناها وتكور شعرها الذي يأبى لونه لذهبي أن يزول، وأخيرا خذلت كبرياءها بعدما لجأت بصعوبة وبعد تردد طويل وعلى استحياء كبير إلى طلب الصدقة، تحجرت الكلمات في حلقها وخانتها العبارات فحفظت بعضها من المتسولين أمثالها وكانت ترددها طوال الليل كي لا تنساها، سارت كثيرا في الطرقات وعانت من الجوع ومصائب التشرد، استجمعت شجاعة لم تكن تظن أنها تملكها، أطلقت لحبال صوتها العنان تطالب بأوراقها التي تعيد لها كرامتها وحقها الضائع، توسلت إلى كل من صادفتهم أن يعينها على ذلك، ولكن منهم من اعتبرها تهذي، ومنهم من رآها تشرق أكثر مع الفقر فتعرضت على ضعفها إلى أقسى المواقف وأعنفها وصارت حكاياتها على لسان الناس مثالا للشرف المفقود والكرامة المهدرة في طرقات مدينتهم .

توالت عليها الأيام تسقيها العذاب ألوانا، بدأت نذر الشتاء تقسو عليها سريعا قبل أن تفرض نفسها على الطبيعة،بلغ بها وضعها المزري حد النواح، الجوع يفتك بها قبل القر الشديد، ذاقت شعور التجمد من البرد، تحجرت مفاصلها من شدة انكماشها، انقلب هذيانها بالأوراق إلى بكاء مستمر يمزق سكون الليل وينتشر صداه ليبلغ مسامع الراقدين في غرفهم الدافئة، ظنوها مجنونة وهي موؤدة في حياتها، انكماشها طوال الليل فرض عليها الإقامة الجبرية في ذات المكان، لم تعد تقوى على الوقوف ولا على الحركة من يراها يظن أنها امرأة مسنة طاعنة في العمر، وهي لا تزال في ربيع العشرينات من عمرها، ازدادت بشرتها سوادا واتسعت رقعته وتعفن جلدها، لم يعد لها حذاء يقي قدميها أو لباس يدفئ جسدها الهزيل، تذكرت كيف كانت نهاية أمها على يد أحد أبناء هذه المدينة التي تشهد أزقتها على موتها البطيء، ضمت ركبتيها إلى صدرها وانكمشت أكثر من شدة البرد وكادت أن تدخل في غيبوبة قبل أن يقترب منها أحدهم ويناديها باسمها ثم يرمى إليها قطعة نقدية، لقد عرفته أنه هو من غدر بأمها، رأت في القطعة النقدية صورة أمها، تملكته رهبة من نظرات عينيها وهي في أضعف حالاتها فانصرف بسرعة، رفعت رأسها نحو السماء وتمتمت بعدة كلمات بصعوبة وقد آلمها تقشف شفتيها وتحجر صدغيها ثم زاغت عيناها في الفضاء الداكن الذي شقه بصرها فعاشت وسط النجوم .

مر بها فجرا من خرجوا مبكرين للعمل وارتأى أحدهم أن يلتقط  لها صورة بهاتفه النقال وهي على نفس الوضع الذي باتت عليه، أراد نشرها عسى أن يتعرف عليها أحد، أضاء الضوء الفضي الباهر للكاميرا وجهها، كانت فاغرة الفم وعيناها ممتلئتان بكل معاني المناجاة، مضى الرجل في طريقه ولم يلحظ أنها كانت رافعة سبابة الشهادتين، رحلت ضحية للشر في صمت بعدما عاشت زمنا يشبهها، رحلت ببراءتها غريبة في بلدتها، فقيرة رغم ثرائها، ولكن ظلت صورتها المنشورة شهادة حية على عار من اغتالها .

***

قصة قصيرة

صبحه بغوره                  

 

سليم الحسنييتشابهون.. ملامحهم، ملابسهم، أصواتهم، حركاتهم، كلها واحدة، لا يتميزون عن بعضهم البعض. وصاروا يعرفون بين الناس بأقفيتهم التي وشمها الأمير.

لم يكونوا كذلك من قبل، لكن للوشم فعله، يحرق في داخلهم شيئاً عزيزاً، فيصابون بالحمّى ثلاثة أيام، حمّىً غريبة يسمونها ذات السلسلة، كان يُصاب بها العبيد عنوةً، لكنّ وعاظاً استطابوها فطلبوها من الملك (ابن حرب)، فثقلتْ جيوبهم، وتضخّمتْ بطونهم، وانحنتْ رقابهم، وانقلبت الكلمات على ألسنتهم، فأظهروا الحق باطلاً والباطل حقاً.

وقد اكتشف الأمير السرّ في ذلك، حين جاءه المعتاشون يتسابقون على طاعته، فوشمهم بالختم، وحين برئوا من الحمّى عادوا اليه وقد تلاشى من داخلهم الشيء العزيز. وآية ذلك تقوّس ظهورهم أمامه واستقامتها أمام الناس، وكذلك لعثمة في اللسان أمامه، وسلاطة على الناس.

كان إذا أغلظ الأمير لأحدهم القول، يعظم شأنه عند اخوانه المعتاشين، فيولم لهم وليمة عظيمة، ويقف متفاخراً يُلقي قصيدة مما قاله (قطران التبريزي) ليصل الخبر الى الأمير، فيدخل أسمه في ديوان العبيد.

على هذا جرت الأيام، فالأمير يوشم، والمعتاشون يتزايدون.

وكان له في السنة يوم يسمونه الوشم الأعظم. يجلس على حصيرته البسيطة، فيدخلون عليه واحداً تلو آخر، يكشفون أقفيتهم، فاذا انتهى من آخرهم، دخل غرفته وبعث خادمه يشير اليهم بعلامة الرضا.

يقضون النهار كله فرحين مستبشرين، يأخذهم في الليل نوم عميق، فقد هدأت نفوسهم برضا الأمير، ولا يستيقظون إلا ساعة الزوال من اليوم التالي، يغتسلون غسل النعمة، ثم ينصرفون الى أعمالهم، يجوبون المدينة ينشرون الخرافة، يخوّفون الناس من سوء العاقبة إذا لم يطيعوا الأمير، يقولون ان الاعتراض عليه ولو في المنام، يورث العمى والبرص والخرس.

وكانوا كلما أكثروا الكلام في مناقبه، يحل الظلام قبل وقته على المدينة، وقد حدث مرة أن هبط الليل عند الظهيرة. فأمر المتعاشون الناس أن يتجهوا صوب الآلات والأدوات العتيقة يلفونها بخرق خضر، ويقدّمون لها النذور، وقالوا لهم ستنكشف الهموم إن فعلتم ذلك. لكن الناس عاشوا الأسوأ وطحنت الهموم صدورهم.

 

سليم الحسني

 

جمال مصطفىبَـدأ الأبـيـضُ بـالـحـرب الــعَــوانْ

                    فـانـبــرى الأسـودُ بـالــردِّ وكـانْ

أنَّ جـيـشـيـن ِ عـلى الـرقـعــةِ مِـن

                    طــرَفــيـهــا زحَــفــا يَـقــتَــتِـلانْ

كــومُ أحـجـار ٍ ولـكـن ْ عـنـدمــا

                     بـدأ الـزحْـف وجــاشَ الجَـيَـشانْ

فـجـأة ً صـارتْ كـأشخـاصٍ ذَوي

                    حَــيَــوات ٍ مــاثـلات ٍ لـلـعــيــانْ

بـسجـالِ الـحـرب ِ قـد مُـسَّـتْ كـمـا

                   كهـربـاءٌ قـد سَـرتْ في كـهْـرَمـانْ

حَـجَـرٌ الـلـعـبة ِ عـاجٌ، يَـشَـبٌ

                  مـالـكُ الأحـجـارِ خـانٌ وابـنُ خـانْ

حَـجَــرُ الـلـعــبـة ِ طـيـن ٌ، خَـشَـبٌ

                 أنـتَ تـدري مَـن يَـكـونُ الـلاعـبـانْ

هـذه ِ الـقــلـعــة ُ قـد يَـهــزمُـهــا

                   بَـيْـدَقٌ ــ صـاغـرة ً ــ أو بَـيْـدَقـانْ

ثـغــرة ٌ يـنـفــذ ُ مـنـهـا الـرخّ ُ أو

                   بَـغــتَـة ً فـي قـفـزة ٍ مـا لِـحـصـانْ

قـد يـصيـرُ الـمـوتُ محـتـومـاً هـنا

                    وهْــوَ مـخـرومٌ أتـى قَـبْـلَ الأوانْ

كُـلُّ (كـشِّ) لِـمـلـيـكٍ، ربّـمـا

                  قـاصِـمٌ أذْ غـفـلَ الـبعـضُ كَـ خـانْ

الـعُــقــابــان ِ إذا مــا اعــتَــرَكــا

                خـضَّبَ الـريـشَ نَـدىً مِـن اُرجـوانْ

وصَحـا الـمـوتُ نـشيـطـاً صائِحـا ً:

                 أيـنَ إفـطـاري ؟ ـ ـ تَهـاوى حَجَرانْ

هـؤلاء ِ الـجُـنْـدُ مـا مِـن مَـهـرب ٍ

                  حَـطـباً سِـيـقَـوا لـنارِ الـمـعْــمَـعـانْ

كَـمْ يُـضَحّى بهـمـو مِـن أجـلِ أنْ

                    يَـسْـلَـمَ الأقــوى ذلـيـلاً و مُـهــانْ

هـذه مَـيْـمَـنَـتـي لَــمّــا تَـزلْ

                    مـثـلُـهـا مـيسرتي في الـعـنـفـوانْ

وأنـا قـلـبُ عُـقـابِ الجـيـشِ مِـن

                     هـيـبـتي جـاءَ سُـمُـوّ الـطـَـيَـرانْ

أوحَــدٌ، إمّــا أنـا سـيِّــدُهــا

                   أو ـ ـ حَـدٌ لا لا يُـثَـنّى الـصولَجانْ

سـيّـدُ الــرقـعــةِ، لا شـيءَ معـي

                 غـيْـرُ ظـلّي فـارعـاً غـطـّى الـمكانْ

قـلعـتي الـيُـسـرى الـتي سردابُهـا

                     عَـتَّـقَـتْ عـتْـمَـتُـهُ خـمْـرَ الـدنـانْ

يـا دنـانـاً دمُـهــا سـالَ سُـدى

                     وغـدا سـردابُهـا للـخـصـمِ حـانْ

قـلعـتي الـيُمنى عـلى أسـوارهـا

                       زَمَـنَ الـسـلْـمِ يـنـامُ الحـارسانْ

جـرّحَـتْهـا الـمـنجـنـيـقـاتُ إلى

                     أنْ تَـداعـتْ آهِ ضاعـتْ قـلْعَـتـانْ

آهِ كـان الـفـيـلُ، أطـفـالي عـلى

                      ظـهْــرِه ِ الأبـطْـح ِ مِـن آنٍ لآنْ

والأمـيـــراتُ تَـهَــوْدَجْــنَ وكـمْ

                      عـبَـرَ الـغـابـةَ فـيـلٌ بالـحِـسـانْ

خـشَـبُ الجَـوْسَـق ِ، فـيـلايَ هـمـا

                      سَـحَــلَا صـنـدَلَــهُ و الـسنـديـانْ

وجـنـودي سـقـطـوا تَـتــْرى لـكـيْ

                 يَدفـعـوا عـن شاهِـهـمْ كاسَ الهـوانْ

ووزيــري كـيـفَ أسْـلــوهُ أَمـا

                   بَـذلَ الـروحَ لأجـلي في الـطِـعـانْ

 لـم يـكـنْ خـصـمـي جـبـانـاً إنّـمـا

                هـكـذا الحـربُ انـتـصـارٌ وامـتَـحـانْ

خَـضَّـبَ الـرقـعَــةَ لا لـونـي ولا

                       لـونُـهُ، بـل دمُهُـمْ أحـمـرَ قــانْ

يا تُـرى أجّـلَ حـتـفـي شَـغـفـي

               شـغَـفي العـارمُ في كَـسْـبِ الـرهـانْ؟

لـوْ تَـعـادلـتُ وخـصـمـي بَـعْــدَمـا

                   يَهـلـكُ الـجـمْـعُ ويَـبـقى الـمَـلِـكـانْ

أيّ ُ صـمـتٍ بَـيْـنَـنـا مُـصطـخِـب ٍ

                      بـمــعــان ٍ ومَــعــان ٍ و مَـعــانْ

إنّـهـا الـحـربُ شـجـونٌ جَــمّــةٌ

                          وريــاح ٌ وجــراحٌ ودخـــانْ

واجـتـراحـاتٌ فـكَـمْ مِـن بَـيْـدَق ٍ

                       باسِـلٍ صـارَ وزيـراً قـهْـرَمـانْ

بـطـلُ الـرقـعـــة والـحـرب أنـا

                  لا الذي يـقـبعُ في الـخـلْـف مُـصانْ

أنـا مَـن صـالَ ومَـن جــالَ أنـا

                            مَـن فـلانٌ وفـلان ٌ وفـلانْ

أإذا مـا وضعــتْ أوزارَهـا

                     رحــمَ الله ُ الـوزيـرَ الـمُـتَـفــانْ !

أحـضـروا أبـرَعَ مَـن يَـلـعــبُـهــا

                    بـلّـغــوا الـجـيشَ بهـذا الـفَـرَمـانْ

لـيـس فـيهـم بـارعٌ يـا سـيّـدي

                         إنّـكَ الأبـرعُ في كـلِّ زمــانْ

لـو يُـبـارونـكَ جـمْـعــاً خـسـروا

                     انـتَ بـالـلـعــبـةِ أدهـى ألْـعُــبـانْ

فـ عَــلا صـوتُ أسـيـر ٍ : إنـنـي

                     إنني الأبـرعُ فـامـنـحـني الأمـانْ

لَـعـبَ الآسِـرُ والـمـأسـورُ فـي

                 خـيـمـةِ الآسِـر ِ.. مَـرّتْ سـاعَــتـانْ

بَـعْــدَهــا وَدّعَــه ُ حُــرّاً إلى

                    مـا تَـمـنّى رافـلا ً بـالـطـيْــلَـسان ْ

وجـواد ٍ ــ هـكـذا قـيــلَ فـهــل ْ

                   بـالَـغَ الـراوي ــ وسيـفٍ هِـنـدَوانْ

ألِأنَّ الـحـربَ جِــدّ ٌ خـالـصٌ

                    قـد خـلَـتْ لُـعـبتُـها مِـن بهـلـوانْ؟

لـيـس مِـن نـافـخ ِ بــوق ٍ لا ولا

                   ساعـة َ اشتـدّتْ وطـيسا ً تُرجمـانْ

دورة ُ الـقـتـل هـنـا أبـلَـغُ مِـن

                        كـلّ تـشـبـيـهٍ ومِـن كـلِّ بـيـانْ

لا قــرابــيــنَ لِــمَـجْــدٍ، إنّـمـا

                    كـلّ ُ مـجـدٍ بـالــقــرابـيـن ِ يُـهـانْ

لُـعْـبـة ٌ لا تـنـتـهـي إذ كُـلَّـمـا

                    مـاتَ شاهٌ، عـاشَ شاهٌ هُـرْمُـزان ْ

يا مـلـوكـا ً، لا مُـلـوكـا ً: حَـجَـراً

                   تـلـعــبُ الأيْـدي بـهـا إلّا اللـذانْ :

مُـبـدع ُ الـشطْـرَنـج شـاهٌ وحْـدَهُ

                   تـاجُـه ُ بـاق ٍ عـلى مَــرّ الـزمـان ْ

وامرؤُ الـقـيس ِ الـذي لـمْ تَـكْـفِـه ِ

                       كُـلَّ دَسْـت ٍ قُـبْـلـة ٌ أو قـبـلـتانْ

ذلـكَ الـضِـلّـيــلُ مـا مِـن مَـلِـكٍ

                     غـيْـره ِ، تـيجـانُـهُ صَـنْـعَـة ُجـانْ

لُـعْـبـة ٌ تـاجـاً و تـاج ٌ لُـعْـبـةً

                   (بَـرزخٌ بـيـنـهــمـا لا يـبْـغِــيــانْ)

ولـو أنَّ الـحـربَ شـطْـرنـجٌ خَـلَـتْ

                  كُـتُبُ الـتاريخ ِ مِـن طـعْـن الـسِنانْ

كـمْ مـلـيـك ٍ قَــلَـبَ الـرقـعــة َإذ

                  ليس غـيرُ العـقـل ِ فيهـا الـمُستعـانْ

يـا جـمـالا ً فـلـسـفــيّـا ً بـاذخــا ً

                    يَـتـجـلّـى فـي كـيـان ِ الـلّا كـيـانْ

كـلّ ُ مـهــراجــا إذا مـا خـلَـعَــتْ

                    تـاجَهُ الحـكـمـة ُ، بـوذا الآنَ ثـانْ

***

جـمـال مصطـفى

 

 

 

 

قصي الشيخ عسكرهكذا كان شأن السيد وضاح المهداوي كلّ مساء..

مبكرا قبل ساعة يغادر في جولته المعتادة فيتركني وحدي أدير شؤون المطعم..حيث يقضي في الخارج بضع ساعات متجوّلا يوزع لبعض النوادي ما نعده من وجبات سريعة حرص على ألا يخبر عنها زوجته الأمر الذي عرفته منه أول يوم اشتغلت فيه عنده، جولة لا أشغل ذهني بتفاصيلها ولا أعيرها أيّ اهتمام ..

وقتها لم أكن أعد نفسي شريكا معه فيما يرتكبه من حماقات أو بعبارة أدق مايقترفه من غش، في البدء، ربما اندفعت، بوازع لا أعرف كنهه، وغاب عن ذهني تماما أني، ذات يوم، سأدوّن كل تفصيلات الغش تلك بدافع الثأر والانتقام. كنت جريحا.. مطعونا فأردت أن أحرق كلّ من حولي فأقلب الدنيا مثل فلك دوار محشور في شريط ضيق....كنت أرى تلك الأعمال تافهة أقرب إلى العبث حين يفعلها أي منا، في الوقت نفسه لم أقاوم رغبة عارمة تدفعني للعمل حتى خيّل إليّ أن هناك أمورا لا أشغل نفسي بها مادامت لا تشكّل عبئا عليّ.. فصدقته في كل ماقال ولم أشك به قط.. لا بطيبة قلبه أو نظرته الوادعة ولا بابتسامته التي تشع من عينيه وتتسع مع خديه اللذين أكلت بعضا من أحدهما حبّة بغداد فزادته هيبة ووقارا !

حقّا كان عليّ، في تلك اللحظة، وأنا أراه يستقبلني بكل حماس، ألا أشكّ فيه قط!

قال لي إنّه اتفق مع النادي البولندي، والجمعية الجيكية، وتجمع ثقافي يوغسلافي على تزويدهم بأكلات سريعة، هذا الموضوع يجب أن يظل بعيدا عن " شارلوتة" ما كل مانفعله يمكن أن لاتعرفه النساء، مثلما لانرغب نحن في أن نعرف كل خصوصياتهن، فهن أكثر فضولا منا تتساوى في هذه الخصلة الأمية والمتعلمة البدوية والإسكندنافية..الفضول ليس عيبا من قبل النساء ولا تخلفا .. إنهن يرغبن في أن يحشرن أنوفهن بكلّ شيء.. ولوضاح طريقته الخاصة!

أما أنا فغاية ما أفكر به أن أحتفظ بعملي ومنزلتي عند السيد وضاح..لا يهمني إن كان يخفي عن زوجته بعض وارد المحل أم لا. لكن تلك المسألة التي لم تعد تهمني تبدو، لحظة دخول السيدة شارلوته أكبر من أي قبيح، فها أنا أمتليء حنقا..أكاد أنفجر من الغيظ.. كنت مغفلا ..لأسمِّ نفسي ماشئت.. أطلق عليّ ألقابا وضيعة..أشوه وجهي..أصبح مدمن مخرات..فهذا لايشفي غليلي.. لايداوي قط جرحا بليغا لطعنة استقرت في ظهري...كم كنت فرحا عندما رأيت من بعيد يا علاء الدين مرتسما على لوحة شفافة تتراقص بالأضواء، أبصرتك بسروالك العريض من اسفل الحزام وحذائك ذي البوز المدبب المعقوق.. وثمة على رأسك تلك العمة التي تزيدك نقاء وبهاء.. كان وجهك يسفر عن قسمات طفل متورد الخدين، وساعتها لم تكن تحمل مصباحا كدت أخالك تنظر إليّ.. لا لوم علي لو كنت في بلد شرقي حين أتمادى في انتقامي .. هناك جريمة أكبر من السرقة وأشنع..أقترف جريمة قتل إذ ليس مافعله وضاح يمكن أن أتجاهله ..هناك في بلد ظننته لي وطنا لايفكر الآخرون إلا بالشرف.... ثم فتحت عينيّ على حلم بعيد المنال فقيل لي أنّه ليس بلدي كما هي اللحظة العابرة الآن التي تهزني بعنف فأفيق من حلم مقزز كريه..كنت أتمنى لو خدعني في الأجر أو بعض الساعات الإضافية..بمثلما يفعل مع مقياس الكهرباء وقائمة المبيعات.. الأدهى إنه يعطيني حقي وزيادة.. غير أني لم أتوقع قط منه طعنة من الظهر.. أنا الذي كنت أظنه يعدني أخاه الأصغر، هل يكفي أن أكون ابن بلده لكي يختارني أعمل عنده أو يخصني ببعض أسراره؟

هذا ماكنت أراه فيه..

كأني بعد صدمة طردي من العراق وجدته يوفّر لي المآوى فيسبق الدنماركيين!

أدركت تماما أني متأرجح بالهواء، ورجلاي تبحثان عن مكان ما في هذا العالم..قبلها بسعات كنت في مكان وقبل ذلك بأسابيع في مكان آخر .. آكل وأشرب لا وفق هواي بل ضمن جدول محدد، إنسان آليّ تحيطه وجوه غريبة كل منها يظن أنّه وجد وطنا حين هبط على هذه الأرض، وفي الطريق قرب محطة القطار، في فسحة بحجم العالم تعانق مدينة الألعاب وجدت علاء الدين يصحبني إلى حورية البحر، ويدفعني إلى شوارع تسيل من قدميّ، وميناء وقبة سماوية..ويملأ رئتيّ بعبق البحيرات، فأسافر معه من عند الحورية عبر ميناء كوبنهاغن إلى مدن قديمة أنكرتني، وأخيرا أجده في القبو تحت الأرض يخبيء لي صندوقا صغيرا.. مسجلا قديما وأشرطة اصفرت وعلتها غبرة تشبه الزيت الكثيف وكانت بطونها تضم أغاني قديمة لم أسمع بها.. لقد وجدتني في هذه اللحظة مع علاء الدين استسيغ الشحاذة، أنا شحاذ من نوع آخر، قد يشحذ شخص كسرة خبز .. قطعة ملابس يستر بها نفسه، نقودا أما أن يشحذ بلدا يمنحه هويته فذلك ما راودني فتمنيته وأنا أطالع صورة علاء الدين ذي الوجه الطفولي البريءوالعينين اللتين تشعان ذكاء من دون خبث، فأمني نفسي بأكثر من شيء فوجدت بعدذئذٍ معه كل شيء...

مع ذلك..

مع كل ما الفيته من محالٍ يشبه حلما تحقق ...

فقد كاد الغيظ يفتك بي، لو هشمت الزجاج، أوقلبت الكراسي، من حقي أن أصرخ في الزبائن اخرجوا.. أنتم مغفلون.. أحدكم يخون الآخر في زوجته .. الجميع يدري.. يتلذذون بالخيانة.. إلا أنا وحدي تواجهني " شارلوته " متأخرة بالحقائق المنفرة النتنة!...اللعنة عليكم، وعلى كوبنهاغن، و"دانا" .. ليس ما أسمعه الآن يوازي أيّ عمل آخر أجده تافها.. كما يفعل مع مقياس كهرباء قديم حين يحل الليل ويزداد الصرف فيضع أو أضع فوق صندوقه الزجاجي مغناطيسا حتى تبطيء حركته، وليست تلك جريمة مضحكة مثل ورق الحاسبة الذي علمني كيف أستله فأبدله بورق آخر أسجل فيه مبيعات أقل حتى إذا زارنا محاسب الضرائب كل ستة أشهر دفعنا وفق ما مدون على الورق البديل ضرائب أقل..

كان يقول هذه فائدة المكائن القديمة.. يمكن أن نتلاعب بها، لكن الأمر تجاوز تلك الآلات إليّ أنا.. كل تلك الطيبة، وهذه الألفة .. النعومة معي ماهي إلا سلوك يخفي سوء نية، ولو، وجدته أمامي، هذه اللحظة، لرفعت سيخ الكباب وغرزته في عينه ..كأن لم تمر على دخولي الدنمارك ثلاث سنوات كانت تبدو كافية لأن تجعلني أنسى بعض عادات الشرق الذي لفظني فتوهمت أني نسيته تماما. هناك حين خرجت ولم ألتفت خلفت قصصا لاتنعيني أصبحت واحدا من أصحابها الآن.. هناك من قتلت لأن أخاها وجدها تمشي مع صديق له.. بل قتل الإثنين.. وزوجة نخل زوجها جسدها بالسكين .. أوه أصبحت أبحث في ذاكرتي عن تلك القصص الهشة التي رأيتها وسمعتها في الشرق منذ استفزتني " شارلوته"فقد شعرت حقا أن الذي مد لي يد المساعدة بدافع الطيبة، وحسن النية اغتصب شيئا عزيزا عليّ، ها أنا أفقد زوجتي مثلما فقدت بلدا ولدت فيه ومن بعد، ذات يوم، قيل لي إنه ليس بلدك!

لكنّ "دانا" زوجتي وأم ابني!

إني أدرك أني أصبحت بنظر وضاح إحدى المكائن التي يمرر بها حيله الكثيرة التي أسرني بعضها..دون أن أعي أن الذي يخون الزمن كل ليلة تسهل عليه خيانة عامل عنده في المحل.

كنت مشغولا بتعديل سيخ الشاورما حين دخلت فجأة السيدة " شارلوته". كانت محمرة العينين محتقنة الوجه.. برميل يكاد ينفجر.. كأن الغضب على وجهها والاحتقار المرتسم بين شفتيها دفعاها إلى أن تهشم وجهي بقبضتها وتمزق جسدي بمخالبها..

صورة أراها عليها للمرة الأولى..

لا أخفي أني رأيتها تغيرت منذ فترة..نظراتها تحولت إلى لغة لا أعرفها..هل تشك في أني أسرق بعضا من وارد المحل؟بدت بعض الأحيان عصبية بشكل خفي شأن الدنماركيين الذين يظهرون أنهم لايبالون في البداية وبمرور الأيام قرأت معنى آخر في نظراتها.في الوقت نفسه ساورني بعض الشك في البيت وازداد شكي كلما وقع بصري على " علاء الدين" الذي يزداد حيوية ونشاطا فتوحي إليّ ملامحه أن هناك شيئا ما يدفعني إلى أن أبتعد عنه...

دخلت مهتاجة ثم تماسكت إذ التفت إلى حشد الزبائن، وقالت بلغة احتقار:

أين ذهب وضاح؟

لحظتها استفزتني لهجتها القاسية:

إنه الآن في الخارج يؤدي طلبا لأحد البيوت.ضحكت بسخرية وتهكم:

هل أنت أبله؟

للمرة الأولى تتحدث معي بمثل تلك اللهجة القاسية أترى فقدت الثقة بي إذ اكتشفت أن زوجها يزود بعض النوادي الاجتماعية بالطعام خفية خلال غيابها في المساء، فعدتني شريكا في السرقة، أم تستدرجني وهي تعي تماما أني مجرد عامل ولست شريكا مثلها في المحل؟

ما الذي تقصدينه؟

أقول لك بصراحة إما أنك لا تدري في هذه الحالة أنت أبله أو تدري عندئذ أنت قواد .. قواد كبير..تف..

صدمة..

كلام جارح..

مع عبارتها، في هذا الوقت تجلت بعض شكوكي، النار التي لسعتني بعد أن توضحت ملامح " علاء الدين" أحرقتني الآن.. كنت إحدى الماكنات. حيلة انطلت علي عشرات المرات مذ عملت في هذا المكان.. بقيت متماسكا إلى آخر لحظة.. التفت أرى وقع كلامها على الزبائن القريبين الذين كانوا منهمكين في الأكل:

هلا هدأت.. أنت في حال لا يمكن أن أفهمها..

قالت لكن بكل هدوء هذه المرة.. هدوء لا يخلو من السخرية:

الأفضل أن تسأل زوجتك ماذا كان وضاح يعمل في شقتها قبل ساعة، وأظنهالن تنكر ذلك فأنا رأيته يدخل عندها، وربما ستجده لم يغادر بعد فيغنيك وجوده عن السؤال" وراحت تضيف بنبرة أكثر هدوءا" ابن بلدي.. أخي الأصغر... إنه مثل ابني!!

الدنيا مقلوبة في عينيّ، فماذا أسمع؟ هذه أوروبا ..لا أعجب أن يضاجع ابن ابنته أو تلد أخت من أخيها، العدوى سرت لي من دون أن أعي...

مغفل حقا.

تركت المحل مهرولا نحو المرآب حيث دراجتي..رحت أقودها، والغضب يغلي بعروقي، ياصديقي وضاح، إنك تبدو حريصا على فعل الخير، فهل أنا أبله كما تزعم زوجتك "شارلوته" .. أحمق .. مغفل..تزوجت وفق نصيحتك من أجل أن تتركني في المحل فتقضي ساعة مع زوجتي بحجة خدمة النادي البولندي والنوادي الاجتماعية.. لا ألوم نفسي.. هل هناك عطاء من دون مقابل ؟يا للسخرية..كان علي أن أثق بالطيبة المطلقة والحنو المفاجيء، وليس بيدي حيلة الآن سوى أن أبصق في وجهك!

اجتزت الطريق .. راوغت السيارت.. لم ألتفت لإشارات المرور..

كيف وصلت ؟

حقا لا أدري إن كنت توقفت عند إشارات المرور أو قدت دراجتي في حقل السيارات.. الأمور كلها بعيني سواء..استقبلتني القبة السماوية وجانب البحيرة، انطوى الطريق تحت عجلات دراجتي..لاحت لي من الطرف المقابل شقتي .. وصلت إذاً من دون أن أعي، أسخر من نفسي حين أفكر بالقتل.. أقتلها.. أقتله.. وسر غفلتي يقول " علاء الدين" لايشبهك.. إنه إنسان آخر غيرك.. وضاح الذي تلاعب بـ "أحمد بلوط" بكل سهولة ويسر...

تركت الدراجة أسفل البناية، وهرعت أصعد الدرج.. العاهر.. قابلتها وجها لوجه، مازال علاء الدين يقظا في فراشه.. ابني الذي يشبه شخصا غيري.. سألتني بنبرة تعجب:

ماذا هناك ؟ أراك تركت المحل؟قلت بنبرة حادة:

هل غادر؟

من تقصد؟

تصنعي البلاهة أيتها العاهر إعملي نفسك أنك لاتعلمين..

تراجعت الى الوراء، وصدر صوت عن علاء الدين، فحاولت المروق من أمامي إلى غرفة الصغير لكني حجزتها، .ردت صارخة:

دعني مابك لم كل هذا؟ هل جننت؟

فعلا جننت.. كيف لا أجن ووضاح كان هنا!

هزت رأسها ثم لاذت بالصمت.. علا عينيها ذهول مريب، أما وجهها فقد اصطبغ بصفرة وشحوب، تحدثت وهي تلهث:

كان في توصيلة قريبة من منطقتنا، طرق الباب قائلا إنه اشتاق إلى علاء الدين!

بين السخرية والمرارة:

طبعا أب يشتاق لابنه!

توقفتُ عن الكلام كأنني عاجز حيال المشهد..وضعت ساعدي تحت ذقنها ورحت ألوي رقبتها، وأنا أصرخ.. التقطت شعرها بقبضتي اليسرى وجذبت عنقها نحو الحائط إلى الأسفل عند ركبتي ووجهت صفعات متتالية إلى وجهها..وعلت همهمة من غرفة الصغير فتراخت يدي قليلا مما جعلها تفلت إلى نهاية الممر نحو الباب الخارجي صارخة بأعلى صوتها وبنغمة محموة متحشرجة: وحش مجرم.. وحش.. لاتقتلني.. النجدة.. كانت تلهث.. تصرخ.. وتنشج نشيجا ثقيلا خلته يزلزل البناية.. وقبل أن ألحقها ترآى لي وجهها مغطى بدوائر زرقاء وخيط دم يقطر من أسفل أنفها.. لكن صورتها المرعوبة بوجهها الشاحب المزرق وخيط الدم والشعر المنفوش غابت عني تماما حين أغلقت الباب فتوارت خلفه عن بصري..

وقفت ألهث .. خلال دقائق كانت هناك في الخارج أمام الباب ضجة ما..

لقد انتهى كل شيء.. الجلبة والضوضاء التي ضاع فيها نشيج علاء الدين الخافت أفزعت العمارة كلها..ما ذا فعلت؟ لم كل هذا.. ؟ لو حكمت العقل حقا لانفصلت عنها..دنماركيون يخونون.. ودنماركيات.. أنا لم أنس الشرق الذي طردت منه بل تجاهلته في داخلي.. حاولت إسكاته فقط.. فلم أكد أستفيق إلى نفسي حتى سمعت خطى تتابع وأصواتا متداخلة، أعقب وقع الأقدام طرقات حادة على الباب واندفاع شرطيين نحوي.لم يتركا لي المجال في أن أعترض أو أتكلم..أشار أحدهما لي أن أستدير، في حين وقف الآخر مستعدا لمواجهة أية حركة نشاز تصدر عني:

إكتشفت إنها تخونني.

قال الشرطي البعيد:

هناك في التحقيق قل ماشئت.

وقال الشرطي الذي أمرني أن استدير أمامه:

أنت موقوف بدعوى الاعتداء على زوجتك!

وإذ هبطت معهما السلم لم أجد " دانا" ولا أيا من الجيران الذين استفزتهم الضوضاء فاتصلوا بالشرطة ..فخلال لحظات قليلة.. ران صمت مطبق على البناية شأنها كما كانت قبل ثورتي الصاخبة ثم تبينت قبل مغادرتي الباب الرئيس أن هناك شرطية كانت تقف عند المصعد وبيدها جهاز إرسال، لكنها لم تغادر مكانها لترافقنا، دفعني الشرطي داخل السيارة ثم دلف جنبي، وكان زميله الآخر يجلس خلف الموقد ليأخذاني إلى حيث لاأدري!

2

مهما يكن فعليّ ألا أستبق الأحداث.. قبل سنتين بعد شهر من دخولي الدنمارك التقيت السيد وضاح..ليست المصادفة بل هكذا كان يجب أن تجري الأمور..ذلك اليوم سيظل مطبوعا بذاكرتي.. كوبنهاغن التي استقبلتني بوجوه مختلفة أشاعت في نفسي الأمان بعد رحلة طويلة.. الوجه الأول يوم استقبلني ضابط في المطار...بوصف آخر أنا قصدته.. لم أذهب مباشرة إلى شباك القادمين فقد هرعت إلى ضابط شرطي.. رجل ما يرتدي اللباس الرسمي.. قلت مباشرة من دون مقدمات.. أيها السيد.. لا تأشيرة دخول في جواز سفري..

ماذا؟

أريد حق اللجوء رفجيوز ..جئت طالبا اللجوء.. want refugees right لا أحد يستقبلني في العراق أو إيران.. كلاهما أنكرني

وكان السيد وضاح وجها من تلك الوجوه التي قبلتني. لم أكن أعرفه من قبل..بعد أن أنكرني الجميع .. العراق.. إيران.. أي بلد في الشرق .. مستقبلك هنا.. كثيرا ما أسأل نفسي هل حقا قطعت تلك المسافة الطويلة إلى مركز المدينة، لألتقي ذلك الشخص الذي يملك مطعما في كوبنهاغن لعله كان مثلي هاربا في يوم من الأيام.

مطعم علاء الدين

ألوان وبهرجة.. لافتات، قلب المدينة حيث الحمام يتهادى في الساحة العامة عند مجلس البلدية، والموسيقى التي تعبر من مكان ما في نهاية شارع المشي، ومحطة القطار.. المكان نفسه لاح لي عن بعد فارتسمت على محياي علامة انشراح.كنت قبل ساعة أقف أمام المرآة المستطيلة في ممر البانسيون.. تطلعت في شكلي وخصلة شعري المنسابة على صفحة جبيني اليمنى. الجل على شعري اشتريته من مبلغ المساعدة الذي حصلت عليه يوم أمس.لابد أن أهتم بمنظري قليلا، ليس من أجل أن اصطاد فتاة ما.. وبدلا من أن أجلس في صالة البانسيون ألعب الشطرنج مع صيني لا أعرف بأية لغة أحدثه أو يدفعني الضجر والسأم إلى متابعة التلفاز وربما دخلت من حيث لا أدري في شجار محموم مع آخر اعتاد أن يطوف بالمحلات فيعود خلسه بغنيمة ما...

إني أسعى لأجد أي عمل كان..

لكن ماذا يمكنني أن أفعل هنا في هذا البلد غير غسل الصحون والتنظيف أو عاملا في مطعم..وقفت أمام منضدة عريضة، وألقيت التحية على الموظفة الرشيقة الشقراء التي فتحت خريطة استنسختها من دليل أمامها وأشارت: أنظر نحن هنا هذا الشارع "ييه بورج كذه ".. إما أن تستقل الحافلة.. أو تمشي.. ستوفر على نفسك بطاقة الحافلة المسافة ليست بذلك البعد.. أنت شاب..، انظر ستقطع الطريق إلى "ياكت فاي" على الطرف الثاني من المقبرة شارع "نورو برو".. هناك تستطيع أن تسأل في الشارع عن عمل ما.. ثم تنحدر نحو البحيرات إلى مركز المدينة! وعندما سألتني عن سر تلك الخطوط الغريبة التي لفتت نظرها أجبت إني كتبت اسماء الشوارع وشارع المركز الذي يؤوينا بالحروف العربية، ابتسمت وتمنت لي حظا سعيدا.

هذا هو اليوم الثالث وأنا أتجول في كوبنهاغن... من قبل لم أكن لأبتعد كثيرا..ويوم أمس رحت باتجاه نحو الشمال في مناطق أبعد.. لم أر مقبرة كبيرة.. على الرصيف الآخر..اليوم قطعت الطريق باتجاه المقبرة مثلما أشارت مديرة البانسيون فانحدرت نحو شارع "النورو برو".وقبل أن أصل محل "فوتكس "لفتت نظري واجهة لمحل يبيع اللحم.. كلمة بالعربية واللاتينية " حلال".. HALAL كان هناك طيران من الحجل معلقان في المدخل يمين الباب، ونسمة باردة رطبة خفيفة تهز ريشهما الأخضر المحاذي على للوح الزجاجي، وبانت خلف الزجاج قطع من لحم البقر والدجاج، وثمة في الداخل حيث البراد الذي لاح بابه مفتوحا جثث خرفان تتدلى من السقف. استقبلني عامل نحيف ذو ملامح شرقية يقف بين الواجهة وباب الثلاجة الكبيرة بعبارة لم أفهمها. قلت:

تتكلم العربية؟

رد بلهجة غريبة خمنت أنها لهجة شمال أفريقيا!

نعم أترغب في شيء ما ؟

هل أنتم بحاجة إلى عامل!

أنا لست صاحب المحل.. لحظة من فضلك..

التفت العامل نحو البراد حيث بدت لي من الباب خلال ضوء خافت حركة ما تصدر من بين الجثث المعلقة:

حاج حاج كلم السيد من فضلك" وبسط يده حالما خرج الرجل لذي كان يتعامل مع إحدى الجثث إذ حملها على كتفه ثم ألقاها على مسطبة جنب ميزان كبير:

الحاج شعيبي صاحب المحل!

كان رجلا نحيفا في الستين من عمره أو أكبر ببضع سنين، رغم التعب على ملامحه:

نعم سي محمد

قال العامل يسبقني:

الأخ " سي محمد" يبحث عن شغل.

من أين أنت؟

لهجتي أم شيء آخر يحدد هويتي، العراق ليكن العراق:

من العراق !

ياسيدي أنتم أبطال بارك الله فيكم أسرتم وزير النفط الإيراني ونأمل أن تأسروا رئيس الدولة والحكومة كلها!

أنا هجرت من العراق قبل الحرب.. وهذه الحرب التي هربت منها مازلت تلاحقني .لم يعرفني أحد في إيران.. أنا في معسكر للمطرودين بالأهواز.أختي مع زوجها رحلا إلى أستراليا هجرا عن طريق زرباطية قبلي بأيام، أما أبي وأمي فكانا ضمن مجموعة أخرى أرسلت إلى الحدود.. لم تكن الحرب وقعت بعد، والحاج المغربي ينسب كل نصر فيها لي..ربما يفكر أي من ذوي السحنة الغريبة مثلي بالذهاب إلى بلده .. يعود سائحا.. مقيما .. بأيّ شكل كان.. أما أنا ... مابال المغربي في دول الشمال يتحمس لغول الحرب في الشرق.. كان العامل يقف خلف المنصة ووجهه يتابع تعقيب الحاج بانشراح، ويقول بابتسامة واسعة: رجال .. والله.. غير أن دخول سيدة المحل جعله ينصرف لتلبية طلبها أما الحاج فقد سألني:

صار لك فترة في الدنمارك!

شهر في معسكر " توسترب"بضواحي كوبهاغن وأسبوعين في كوبنهاغن هنا أسكن في بانسيون قريبا من في محلك !

ماهي شغلتك؟

أية شغلة.. تنظيف.. أو أيا كان..

كأنه يفكر قليلا ثم قال:

ياسيدي نحن الآن لسنا بحاجة إلى عامل من الممكن حين نوسع المحل أو نضيف إليه ملحقا.. الدنماركيون بدؤوا يستسيغون عملنا لكن في الوقت الحالي هناك مطعم يملكه عراقي في مركز المدينة خطوات عن محطة القطار . مطعم علاء الدين.. مقابل المدخل الرئيس لمدينة الألعاب . مجرد أن تصل "التيفولي" صاحب المطعم بحاجة إلى عامل يعمل الشاورما؟

قد لا أجيد مثل هذا العمل.

السيد العراقي هناك طيب القلب سيعلمك وأنت ابن بلده.. ستتعلم معه الشاورما.البفتيك.. الكوتليت! أي شيء طبخ شرقي وغربي!

أنا مستعد أن أتعلم أي شيء.

عال هناك إسال عن "وضاح المهداوي "! لاتنس الشارع المقابل مباشرة لمدينة الألعاب "التيفولي".. مطعم علاء الدين..

وأكد مازحا" علاء الدين ليس علي بابا!

غادرت اللحام الذي كانت الحرب في محله تطاردني .. يريدني أنا الذي أفكر بغسل الصحون أو عمل الكباب أن أأسر له رئيس دولة .. أو حكومة بكاملها..واصلت السير ..باتجاه البحيرة، ثم انحدرت نحو مركز المدينة ..كنت أقف لحظات أستريح على وقع الخضرة والماء وتجمع النوارس والحمام والبجع. في كثير من الأحيان كان جمال كوبنهاغن يستفزني، فأنسى تعب المشي.. الجمال يسيل من حولي فأحسه بعيني ولا أجد له مذاقا بفمي.أتوقف عن السير لحظات وأتساءل: هل أجد هنا عملا كأن ما أبحث عنه بديل عن وطن كامل.. سد فراغ.. ماقيمة الحياة حين ينتشلك أمر من مسؤول ما يقتلعك من مكانك .. بيتك... المقهى الذي تجلس فيه يوميا.. حارتك رحلة الدراسة وأنت طالب في الصف الثانوي المنتهي ليبعدك عن مسقط رأسك.. في التحقيق لم يسجل الضابط إني بلا وطن.. stateløs عراقي .. هكذا كتب.. عراقي دله مغربي على عراقي آخر شرط أن أقبض على رئيس جمهورية إيران.وآتيه بالخميني قابضا على لحيته بيدي..فوجدت في العمل وطنا مؤقتا حتى تتحقق مواطنتي في الدنمارك.. الهواجس تلاحقني إلى أن لاحت لي - بعد ان اجتزت شارع المشي وقطعت ساحة البلدية - لوحة تحمل اسم علاء الدين. تطلعت في المحل عبر الواجهة الزجاجية، فوقعت عيناي على امرأة بدينة شقراء، يكاد يسيح الدهن من صدغيها، لم تخف السمنة ولا هيئة الجلوس خلف صندوق الحاسبة ضخامتها غير أن وجهها لما يزل يحتفظ ببعض من مسحة جمال تشبثت بعينيها وخديها وعلى بعد منها عند عرض المحل خلف فاترينا للطعام والسندويجات وقفت فتاة حنطية اللون ذات شعر فاحم منهمكة عمل شطائر لمجموعة زبائن مشغولين في ثرثرة خافتة ..الفتاة ليست اسكندنافية خالصة، قد يكون أبوها أو أمها. هناك ملامح شرقية لكن عليّ أن أبدو أنيقا مادمت أبحث عن عمل في مطعم.استقبلتني الفتاة بابتسامة واسعة الأمر الذي شجعني أن أتوجه إليها بالسؤال:

تتكلمين العربية.

ماذا؟

فاستدركت :

آسف إني أسأل عن السيد وضاح

رفعت إلي السيدة البدينة عينيها حالما فرغت من محسابة زبون، وقالت الفتاة قبل أن تتجه الى الزبون ذاته الذي قدم نحوها يحمل ورقة تخص طلبه:

بعد نصف ساعة على الأكثر.

والتفتت السيدة البدينة إلى الآنسة:

الآن هو في الطريق.

شعرت ببعض الضيق شأني كلما يجيبني شخص لاينظر إلى مباشرة بل إلى شخص ثالث، وانتابني هاجس أن نظرات السيدة التي يتوقد قيها الذكاء كانت مزيجا من الشك والحذر غير أنها لاتخلو من الرقة والأدب...

هل يمكنني أن أنتظره.

أجل ..

قالت الفتاة بابتسامة وانصرفت إلى عملها..

تخذت مكاني على أحد الكراسي القريبة من عارضة الطعام، وانتقلت عيناي بين الواجهة المطلة على الشارع والباب الخلفي الذي يشرف على ساحة هادئة تفضي إلى شارع فرعي ضيق في الوقت نفسه دخل من الباب الخلفي رجل ضخم مهيب الطلعة تآكل- كما خيل إلي - طرف أنفه من حبة بغداد أو بفعل الجدري، مع ذلك يظن الذي يلتقيه أنه دائم الابتسام، اتجه نحوي كأنه يعرفني من زمن، ونهضت أعرفه بنفسي:

أحمد البلوط

ابتسم كأنه متردد، وتساءل:

اسمك الحقيقي.

ياسيدي من حقك أن تسأل لأنك لاتعرفني، وهناك من يتعامل باسم آخر غير اسمه الحقيقي..

يعني هذا اسمك الحقيقي

وأوؤكد لك خلال أوراقي الثبوتية.

لست أقصد الإساءة لك سوى أن العراقيين يتعاملون إما باللقب أو باسم مستعار لكن اسمك لفت نظري لأنه أقرب إلى الأسماء اللبنانية!

ياسيد وضاح الحقيقة رواها أبي اسمه بلّاط نعم بلاط فغلط مأمور النفوس حين دونه فسجل بلوط بدلا من بلّاط.

وعقّب ممازحا:

ربما كان ذلك المأمور ثقيل السمع !" وأضاف بخفة" تخيّل الآن لو أن مأمور نفوس ثقيل السمع غلط في اسم مولود فسجله صرّام بالراء بدل الدال ستكون إذن كارثة!

ياسيدي جد أبي كما سمعت من أمي كان يتاجر بالبلوط من أين يأتي به لا أدري المهم أنه سمى أبي باسم ما يتاجر به.

لايهم بلوط بلاط المهم هذا هو اسمك الحقيقي.

وهذا ما سوف أثبته في سجلات الدنمارك الرسميّة.

بعد صمت لحظات:

هل أجلب لك طعاما!

لك جزيل االشكرلست بجائع

الا تشرب شيئا؟

صدقني لا أشعر بعطش ولاجوع رغم أني جئت ماشيا من منتصف شارع "نورو برو"إلى هنا!

حسنا

دخل وراء العارضة وقدم يحمل وعاء فيه ماء ساخن، وبعض أكياس الشاي والقهوة :وجلس وهو يتساءل: قلت جئت ماشيا من نورو برو إلى هنا."هز كتفيه وواصل":ماذا في الأمر أنت شاب والمشي صحة..

الحقيقة لا أقصد أن أوفر بطاقة الحافلة بل لأسال اصحاب المطاعم عن عمل" فهز رأسه وأردفت جادا" اللف من أجل العمل!

فتأمل بعض الوقت وقال:

هل هناك سبب لاختيارك الدنمارك ام جاء الأمر مصادفة..

لا أخفيك أني هجرت أنا وأختي وزوجها وأبي وأمي قبل الحرب أنا إلى منطقة شلامجة في البصرة .. أختي وزوجها مع مجموعة أخرى في حين الوالد والوالدة تم ترحيلهما فيما بعد، ومن حسن حظي أن لي أخا من والدي .. تاجر ذهب في سوق واقف، اتصلت به حال تسفيرنا فتابع قضيتنا، دعمنا بالمال، فدبرنا أمرنا، أختي وزوجها فضلا استراليا كون أهل صهري هناك وبقيت أنا مدة في الأهواز حتى وجدت حلا في اللجوء ويبدو أن الإشاعة راحت تنتشر حول اللجوء والدول الإسكندنافية..

فابتسم وقال:

يعني أنكم قدمت إلى هنا عبر المطار .

أنا نفسي لم أصدق كيف تم الأمر من دون تعقيد.

أنا حين قدمت عام 1965 دخلت إلى هذه البلاد بصورة طبيعية وحصلت على الإقامة من دون تعقيد." وارتشف من فنجانه " ثم التفت يسألني:

كم مر عليك هنا في الدنمارك.

شهر في معسكر بأطراف كوبنهاغن وأسبوعان هنا بانسيون " بيت القهوة " في "بورغ كذه" حتى التقيت بالحاج المغربي صاحب المحل...

فلزم الصمت فترة ثم تأمل، خيل إلي أنه يفكر، أو يتطلع في زوجته تارة ثم العاملة:

قل لي تنوي الرجوع ثانية للعراق؟

خيل إليّ أنه سؤال ساذج.. طيب .. مباشر.. الرجل صريح.. ربما عجزت عن أفهم قوله:

صحيح أنا بالإسم عراقي نعم.. مشاعري..كلها .. من يقابلني من العرب يمدح العراق.. وبعضهم يريدوني أن أقبض على رئيس دولة نحاربها ولا أحد يعلم أني سفرت من العراق قبل الحرب وإني أصبحت مثل الفلسطيني من دون بلد فكيف أرجع، وليست هناك من بوادر تلوح على أن النظام يتغير.

فأطلق ضحكة وقال:

الآن، على الأقل على المدى البعيد لن يتغير النظام ولنفرض تغير ماذا يمكن أن يتحقق لك حين تعود بالعكس النظام يثبت نفسه أنه يحمي العرب من الفرس يتم شيطنة الثورة الإيرانية، في زماننا كانت الحرب بين العالم الغربي والشيوعية شيطنة الاتحاد السوفيتي، الكفر والإيمان، الإلحاد والدين، أنا رجل من المهدية منطقة سنية في بغداد لكني أقول الحقيقة.. البوصلة اليوم تتجه نحو الطائفية ولا أظن النظام يتغير بل كل يوم يقوى ويزداد عنفه ويبدو للجميع أنه حامي العرب!

غاية ما أسعى إليه هو أن أبني نفسي هنا في الدنمارك مادام هذا البلد آواني..لعلني أحصل ذات يوم على حق المواطنة.

إذاً انس جماعتنا العرب.. لا تختلط بهم..إنس هذه الأمور تجاهل الخميني وصدام والحرب مادمت تعيش هنا!

غادر مقعده إلى حيث السيدة البدينة، تحدث معها قليلا، وبقي لحظات جنب العارضة حتى إذا انتهت الفتاة من طلب زبون توجه إليها، وتطلع في ثم عاد وهو يقول:

قلت لي شهر مر عليك هنا، واظن أن تقديم الطلبات يحتاج إلى عامل ملم باللغة

فاندفعت مقاطعا:

لعلني أمارس الشغل في غسل الصحون والتنظيف وبعض الطبخ فتلك أمور لاتحتاج إلى لغة أو مهارات تخصص.

لا بأس، لاتقلق، سوف أعرض الأمر بالتفصيل على زوجتي، أم حسن، هكذا أسميها " شارلوتة" السيدة التي تجلس على الحصالة شريكتي أسميها باسم ابننا الكبير، هو الآن في الصف الأخير يدرس ليكون طبيبا حين أريد أن أزعجها أناديها أم حسن، لكني لا أزعجها الآن!

يعني سأقول لك أبا حسن.

لا أرجوك هنا كل يتحمل وزر اسمه أنا هربت من العراق عام 1963 باسم وضاح المهداوي وسوف يظل وضاح يرافقني إلى القبر على الرغم من أن "شارلوته "تقول إن اسمي صعب وإن حسن وعلاء الدين يبدوان سهلين لها.

" ودفعني الفضول" لديك حسن وحده!

لا يوهان لما يزل على تخرجه سنتان هي سمته يوهان، قالت مادمت اخترت اسم المولود الاول فانا أختار أسم الثاني!

حسنا لا أروم أن أشغلك عن عملك.. متى أمر عليك ؟

يوم.. يومين

ونهضت لانصرف لكنه استبقاني لحظة، ليسأل:

يبدو أنك على عجالة من أمرك..

لا ابدا فليس هناك من أي شغل عندي وسوف أقضي الوقت في الشارع أو في غرفتي.

ألا تحب أن ترى القبو؟

نهضت معه حيث هبطنا درجات إلى القبو، ومع آخر درجة تلاشى عندها ضوء الخارج، ضغط من جهة يمين السلم على زر لمصباح توهج بنور أبيض ساطع .كان كل شيء يوحي بالترتيب والنظافة، سيخ الشاورما الجديد، وبعض أدوات الشغل، البراد الكبير في نهاية القبو حيث بعض قطع اللحم والخضار:

سنبدأ بتقديم الشاورما والفلافل .. قبل أيام جربت الحمص طحينية فاستساغها الدنماركيون.. " وأضاف وهو يتفحص الكهرباء وقنينة غاز " الدنماركيون، والإسكندنافيون، بدؤوا ينفتحون على الشرق.. يسافرون إلى لبنان وسورية .. وتركيا..أصبحت كلمة شاورما وكباب .. حمص معروفة لديهم.. العمل سيتوسع.. شد حيلك.. يمكن أن أعلمك أي شيء.

أنا على استعداد أي وقت تطلبني..

هنا سوف تعمل تصف سيخ الشاورما ثم تحمله إلى إلى الأعلى ستساعدك " دانا" أما إذا ضجرت فيمكنك أن تدير المسجل .. أي شريط يعجبك لكن ليكن الصوت منخفضا حتى لايتخلل إلى الأعلى.

وخطا نحو المنضدة حيث المسجل، فضغط على أحد الأزرار فانساب صوت ما لم أسمع به من قبل :

داده جميل اشبدلك... يفتر عكس شغل الفلك

دادا جميل..

والتفت إليّ متسائلا:

ها أعجبك!

فقلت من دون تردد:

جميل لكني لم أسمع به من قبل!

أعرف أنا أحب المقام العراقي وهذه أشرطة قديمة القبنجي حسن خيوكه الغندرجي ناظم الغزالي زهور حسين أنتم الجيل الجديد لال تستسيغونها لكني حين أكون وحدي منتصف الليل وأهئ الشاورما لليوم التالي أتلهى مع المقام وأدندن وأنا أنصت إلى الغناء!

كأن الصراحة دفعتني إلى أن أجاريه:

أنا الآن كل همي اللغة الدنماركية والعمل!

رائع سيكون خيرا مادمت متحمسا " بإمكانك أن تجلب أي شريط فقط اخفض صوت المسجل إلى أدنى حدّ "خطا ثاانية نحو المنضدة وأوقف الأغنية" لكن تذكّر أسرار المهنة.. كل شيء .. يبقى سرا.. من أين يأتي اللحم كيف تصنعون الطعام هذا أبدا يبقى سرا ..الخصوصيات هذه تتعلق بالرزق...

أي شيء تراه يمكن أن تذكره لألتزم به.

هناك جانب آخر يجب أن تعرفه نحن نقدم لحم الخنزير والصوصج والبيرة في المطعم "أردف أشبه بالمزاح"!لا تقل لي حرام وإسلام الذي يبحث عن إسلام وحرام تلك السعودية أو إيران!

ياسيدي ذلك لايهم.

ممكن إذا الحاج "شعيبي" باعني لحم العجل للشاورما بسعر رخيص مثل الملاحم الدنماركية ابتاع منه اللحم الحلال.

وصعدنا مرة أخرى الى المطعم وما كدت أخطو خارج الباب حتى سمعته يتكلم مع زوجته بحديث ما، ثم يستوقفني قائلا:

إنتظر سأوصلك بالسيارة!

 

قصي الشيخ عسكر

....................

حلقة من رواية: علاء الدين

 

صحيفة المثقففلذات كبدي خير ما ملكت يدي

                             من مغنم كنزا ثمينا غاليا

فاحوطهم حوط القلادة جيدها

                          واصونهم مما اخاف حياتيا

وبذلت حرصي في الحفاظ

                   عليهم واذود جهدي عاديا ومغاليا

قد كنت احلم ان تدوم سعادتي

                             ما بين اوراد شغلن حياتيا

نمسي ونصبح في النعيم محبة

                          وقلوبنا تجفي الهموم خواليا

نتقاسم البسمات في جذل الهوى

                        ونرى الوداد مع السعادة باديا

ماكنت احسب ان وحشا عاتيا

                         رصد على عين القلادة ناويا

فانحط يختطف اليمامة مخلب

                           دام ولم يرحم صغار عياليا

فجع الفؤاد بفقدها حتى

                     غدا حطبا هشيما بالشقاوة ذاويا

والحزن ينصب بالقلوب سرادقا

                       والدمع في العينين يندب شاكيا

ماذا اقول وقد تشتت باليا

                         عدن الليالي الزاهرات بواليا

وانداح عن وجه الصباح صباحه

                     ورايت عين الشمس ترثي حاليا

وخدعت في صفو ترقرق سلسلا

                       وغفلت عما في الزمان دواهيا

قد كنت احسب انني في نجوة

             من كيده لما رايت السرب حولي ساليا

ورجعت للقلب الملوع بالاسى

                             متسائلا عما يكون دوائيا

قال اانظر الماضين  قبلا  هل

                      ترى احدا والا في المقابر ثاويا

فلئن طواك الموت عنا فاعلمي

                      ذكراك تبقى في القلوب كما هيا

***

احمد زكي الانباري

 

 

حيدر جاسم المشكورعثر على نفسهِ بين الحجر والمدر..

لقيطُ أماني

قدرُ شعبٍ..

يحمل فوق أكتافه عبء الحكومات

ارزاقنا مشدودة في اعناقنا

بسببٍ واحد

ولأسبابٍ شتى

هناك مشانق

عسى ألا تحول بيني وبينكِ العشوائيات

أنتِ بنت مدينةِ الزهو..

بنت الفخار بلا منازع

إن لم يكن أبوك سارقاً

كان أباه

ككلاب المدينة الاليفة تنبح بطراً

وفي الريف الاليف تسرق القن

وأنا العاملُ ابنُ المعاملِ

اسكنُ بيتَ الصفيح

ولي في الاطارات التالفة

مخابئٌ ومداخن

وما زال البعوض حيّاً..

فوق أرادتنا الوديعة المسالمة

رسمتُ على باب الخَرِبة زهرةً..

تفوحُ بالصدأ

ذبل الصفيحُ من السقيِّ وما نضجت

أنفاسنا سوداء..

من غبن الهوى

تلهثُ من فراغ

ونضحك نغالط تاريخ اقدارنا

قد أبذخُ بالحبِّ

وأنثر ركام اشواقي

رسالة حيٍّ

خرج للحياة مُحزّماً بالكدِّ

وقد يُدفن باللباس العزِّ

 بالصفيح مسقط رأسه

بلا كفنٍ وجوشن

أشاطرك الحب

لأجلِ العيون السكرى بالخجل

لرؤيا الخدود المعتقات بالورود

لتلك النهود الريّة في صفحتي الظمأ

لأجل قلبي المسكين المؤمن بالوطن

المخضب بالطين

والمزروع بالعُلبِ المُعادةِ والسبَّخ

لا تحملي كلامي على محملِ جدٍّ

بيني وبينك ألف شارعٍ وسد

وفي رأسه أنفٌ كبيرٌ

يشمُّ عن بُعدٍ حراكَ الصفيح

وعيونٌ كالباشقِ المنقّضِ على جذوةِ أملٍ

في عريش الثائر السكيرْ حياء.

***

حيدر جاسم المشكور / العراق

 

فتحي مهذببما أن الأموات أكثر سعادة في الليل..

أكثر فطنة وذكاء وفراسة..

ينزعون أكفانهم العطنة بأسنانهم ..

يرصعون أصابعهم بخواتيم من الماس..

يرتدون جلودا بدائية..

كما لو أنهم هنود حمر..

يتسلحون بالعصي والهراوات..

وشواهد القبور..

ثم يقتحمون مناماتنا

مثل زعماء جدد..

يهشمون مصابيح أرواحنا..

يدقون مسامير صدئة في ركب الشعراء..

يفرغون أحزانهم في المزهريات

لذلك تصاب الأزهار بالذبول..

تتثاءب الجدران مثل أرملة مسنة..

يعدون بعضنا بقضاء عطلة آمنة

في غواصة الماوراء..

بفواكه لا عين رأت

وموسيقى لا أذن سمعت..

وأوراق نقدية لا تحصى..

وخمور نادرة جدا..

سهرات ليليلة صاخبة تحت التراب

بما أن الأموات..

ينتظرون غراب هواجسي

لاغتياله بدم بارد..

قررت غلق باب جمجمتي

بعناية فائقة..

والنوم بعين واحدة..

حججي هشة

وفراغي طويل القامة..

مخيلتي قصب يتطاير في الهلام .

***

فتحي مهذب

 

مصطفى الخليلكعرافة غجرية ماكرة

تُريد ابتزازك من أول فنجان

قالت...

يوشوشني ليغريك بلذة الحقيقة

التهمت قُضمةً من ظلام غرسة اللعنة

فكنت أول مسطر للكذبة - اللعنة

توالى بعدها سُفر الآثام...بلا هوادة

كيف يغدو مزيج الأوحال متشيطناً بألسنة اللهب؟!

أستتر برداء العفة..!!

التفاصيل- بلا استئذان- هجرها بريق العفوية

ذات مغزى معقد

بعضها؛ يودي إلى دروب الرذيلة

والوقتُ آثم؛ يرتكب حماقاته الكبيرة

قد تعفن الكلام لم يَعد يصلح للبوح

أُعيد تشكيلي من نسغ شرايين أربعة

تنطمس بعضُ تلك بحبر الزور

أذاك قدرٌ..

أن يجتمع أول ثلاثة متمردين

مصادفة..؟!!

نُطرد جميعنا إلى جحيم العذابات...

دويٌ هائل من ارتطام الأشياء مع بعضها

قبلها كسرت حديد الزنزانة البارد

المطبوعة على الأحداق..

***

الرقة- مصطفى الخليل

 

مصطفى عليمَرّتْ سنينٌ ولَمْ تبرحْ مُخيّلتي

                 وشْماً حفرْتُكَ من قلبي الى شفتي

أودعْتني جمراتِ الفقْدِ في كَبِدي

                  سِيّانِ إن وَمَضتْ فِيهِ وإن خَبَتِ

ما بينَ فقْدٍ وفقْدانٍ تُقلِّبُني

                    ذكْراكُمُ كُلَّما دارتْ رَحى سَنَةِ

فالذكْرياتُ نَمَتْ في خافقي نَغَماً

                       مِنَ القوافي كما تغريدُ قُبَّرةِ

فرَّ الفُؤادُ الى ذكراكَ يلثُمُها

                  كَظبْي سَهْلٍ من الأشراكِ مُنْفَلِتِ

ذكراكَ يا أبَتِ سلوى تُردِّدُها

                    يمامةٌ هَدَلتْ في عُشِّ موْجِدَتي

غيابُ رَسْمِكَ ناداني الى عَدَمٍ

               فإنبثَّ طيْفُكَ في وجدي وفي لُغَتي

شُكراً لِطيْفِكَ إِذْ أنجى مُتيَّمَهُ

                     من جُرْفِ هاوِيَةٍ هارٍ ومَهْلَكَةِ

 شكراً لِطيْفٍ طَوالَ العُمْرِ رافقني

                       مُغادِراً جَسَداً في ليْلِ مَقْبَرةِ

لِراحِلٍ خَطَفتْ قلبي جَنازَتُهُ

                    الى السماء كَحادٍ شِبْهَ مُنْصَلِتِ

يرْوي القوافي لِسانُ الغيْبِ عن وَجَعٍ

                  أمسى بِهِ الشُعَرا من دونِ ألْسِنَةِ

أذْوى الغيابُ فُؤادَ الصبِّ من حُرَقٍ

               كَعَرْفِ عُودٍ ذوى في قلبِ مجْمَرَةِ

بيْنَ الغيابِ وسِرِّ الغيْبِ آصِرةٌ

                     وَرُبَّما غائبٍ دامت بهِ صِلَتي

طاغٍ حضورُكَ في روحي كما نَفَسٌ

              مِنَ النسيمِ سرى وإنسابَ في رِئتي

     ***

ما إنفكَّ طيفُ أبي ربّاهُ يُلْهِمُني

               أشجى المواويلِ في ميلادِ مُلْهِمتي

صارا كَجِنْحَيَّ والخفّاقُ بينهما

                       ما بينَ ميْسرةٍ يحدو وميْمَنةِ

في يوْمِ ذكرى أبي جاءت تُعلِّلُني

                      وهل يزيحُ الأسى إلّا مُعلِّلتي

قدّتْ سما وحْشتي (الجيداءُ) هامِسةً

                    أَرِحْ فُؤادَكَ من هَمٍّ ومن عَنَتِ

لا تبْتئسْ أبَتِ وأكْتُبْ لنا قِصَصاً

                 عن كُلِّ شارِدةٍ في الروحِ أو هَنَةِ

وأنثرْ على مُهجتي أوجاعَ سيرَتِهِ

                       عَلّي أراهُ قُبيْلَ النومِ والسِنَةِ

كأنّما جلستْ روحٌ له معنا

                  هذا المساءُ كَضيفٍ حوْلَ مأدُبَةِ

    ***

هل ماتَ حقّاً أبي ما زلْتُ أسْئلُها

                أختاهُ لا تغضبي من هوُلِ أسئلتي

لا لم يَمُتْ قالها شيْخٌ بقرْيَتِنا

                     بل أيْنعتْ روحُهُ قمحاً بِسُمبُلةِ

مازالَ في مسجِدي من دمعِهِ أثَرٌ

                   وطيبِ تقوى لَهُ في رأسِ مِأذنةِ

أُمّاهُ يسري شذىً من طيبِهِ بِدَمي

               فكيفَ تنسى عبييرَ الطيبِ أوردتي

جاورْتِ قبراً لَهُ تبكينهُ وأنا

                   حُمّلْتُ تابوتهُ في الروحِ سيِّدتي

رغْمَ الشواهِدِ فالأجداثُ دارِسةٌ

                  ورُبَّ ثاوٍ بها في الروحِ لم يَمُتِ

    ***

في الرُكْنِ من بيتِنا الريفِيِّ مُصْحَفُهُ

                         يهفو لَهُ خافقي أيّانَ يلْتَفِتِ

كم لاذَ في ظِلِّهِ من جوْرِ ظالِمِهِ

                     إو إستعاذَ بهِ من شَرِّ مُعْضلةِ

لم يتْلْهُ باكِراً إلّا جرى مدمعي

                    في عُسْرَةٍ تارةً أو حينَ ميْسَرَةِ

يُمناهُ كم صافحتْ قُرآنَهُ وزهتْ

            يُسْراهُ إذ صافحتْ قِرْطاسَ مدرستي

يا كادِحاً لِرغيفِ الخُبْزِ مُذْ صِغَرٍ

                ونحْوَ ربِّ السما الهادي بِموْعظةِ

سَمّاكَ جَدّي (عَليّاً) راجياً أمَلاً

                        عَلَّ المُسمّى لَهُ حظٌّ بِتسْمِيَةِ

ليْتَ التلاقي بمن لبّيتَ مُحْتَسِباً

               مِثْلَ التلاقي على رَحْبٍ وفي سِعَةِ

كيما تُثابُ وتُجْزى بعدما فَرِغتْ

                     دُنْياك من مُكْرِمٍ فيها ومكرُمةِ

يا غافِرَ الذنبِ لا ذنبٌ بِذمّتهِ

                 وإن دعا طامِعاً في بعضِ مغفِرةِ

طَهورَ ثوْبٍ مضى والناسُ تعرِفُهُ

                   في نفسِهِ عِزّةٌ والروحُ في دِعَةِ

    ***

ألهمتني خِصْلةَ الإيثارِ يا أبَتِ

                 حتى كَبِرْتُ فصارتْ كلَّ مأثرتي

أيقنتُ مُذْ أبحرتْ في لُجّةٍ سُفُني

                     لولا دُعاءٌ لَهُ لم تنْجُ بوْصلتي

كأنّما روحُهُ والموْجُ يقْذفني

                    حِرْزٌ لِصارِيَةٍ ناءتْ بأشرعتي

 لمّا نعاهُ غُرابُ البيْنِ في غَبَشٍ

                  ألْغى كياني فأقعى فَوْقَ مِنْسَأتي

لي عِنْدَ مَنْ أرْهقَ الآباءَ في وطني

                    ثأرٌ بقلبي وسيْفٌ من لظى تِرَةِ

***

مصطفى علي

 

 

رند الربيعيامرأة ...

لا تحدني حدود

خريطتي بسمة طفل

فلسفة هيلينية

ملابسي القصيرة والمحتشمة

حلم فاشينستي

حرب قادمة..

سمفونية

باقات زهور ضالعة في النسيان

منذ طفولتي

معركتي مع الوقت

عقاربه سامة تلدغني

مراهقتي نضوج استباقي للعمر

لم تصدأ ساعاتي

رسائل الحب الأولى

كانت لأمي

وجهي لم يكبر

حين أغدق الله علي بمحن كسنابل القمح

كنت أحدثني في المرآة فلا أجدني

ينتهي حديثي

كصوت فاختة

***

رند الربيعي

 

 

صحيفة المثقفمرّ يومان ِ ..

وضاع العمر قهرا

كلّ يوم

مرّ في البعد

حسبتُ اليومَ دهرا

*

يا حنيني لك ..

يرميني بعيدا ً .

ثم أبقى

أنسج الدمعات والآلام شعرا

*

أندبُ الحسرات  آه ٍ .

بعد آه ٍ ..

والأسى في صدري

الذائب بالأشواق نهرا

*

مرّ يومان .

و في الأشجان قلبي

فانطفى الإشراق في روحي

و صار اليسر عسرا

*

مرّ يومان ِ

وفي الأحزان وحدي

ذا فؤادي حاضنٌ ً...

عطركَ يا جرحيَ .. ذكرى

*

هذه الساعات لا تمشي

سراعا

باتت الأضلاع من لهفتها

ناراً و جمرا

*

ما بهذا الكون

لا يضفي حبورا ؟

بعدك...

الحزن بعينيَّ استقرا

*

بعدكَ العمر ضياعٌ

و احتضارٌ

بل وصار الكونُ قبرا

*

مرّ يومان...

تمادى اليأسُ في عينيّّ

بات العيشُ من بعدكَ مرّا

*

أقبل الليل كئيباً

وأفاق الشوق في صدري

ونار الشوق حرى

*

عد إلى روضيّ

يا أجمل ما في الكون

واملأهُ من الأزهار عطرا

*

قد غدا ظلي هزيلا ً ..

و النوى أسهدَ جفني

أصبحت روحيّ سكرى

*

عد لقلبي

واسقِ أحداقيّ من نوركَ فجرا

***

صباح الحكيم / عراقية

 

انمار رحمة اللهمرت ثلاثةُ شهور وأنا أسكنُ في هذه المحلّة، ذات الأزقة الضيقة المشحونة بدبيب الحياة نهاراً، والأنوار الخفيضة والجو الهادئ ليلاً. سكّانها بسطاء كحالتي أو أشد بساطة على مستوى العيش. أعيش في شقتي عازباً ولم أعبأ كثيراً بما يدور حولي، سوى صراخ الباعة المتجولين المزعج صباحاً، وهتاف الأولاد وشتائمهم حين يلعبون كرة القدم، أو عراك النسوة وأصواتهن التي يطلقنها كعيارات مدفعية من الأبواب والشبابيك. وما يشفع لي أنني أغنم بقسط كبير من الهدوء والراحة ليلاً، أستمع للموسيقى أو أقرأ كتاباً، لأن المحلة تغط في نومها وصمتها باكراً، فيمسي شارعنا كدرب في مقبرة.. أعملُ موظفاً نسّاخاً في دائرة التربية، وهذه الوظيفة منحتني راتباً بالكاد يكفيني. وهذا ما جعلني حذراً في موارد الصرف المادي. أكتفي بوجبة طعام من إحدى المحلات، ثم أجلس العصر حتى غروب الشمس في مقهى متواضع عند طرف المحلة. أستمع في جلستي إلى أحاديث روادها، أو أنشغل بقراءة صحيفة أو مشاركة أحدهم بلعب الطاولة. لم  يثر انتباهي سوى الرجل الستيني ذا الشعر الأشيب، يجلس في المقهى من دون أن يكلمه أحد أو يتكلم مع أحد. يحملُ كتباً في أغلب الاحيان، ثم ينصرف بصمت. لم أحتمل سعيرَ فضولي وقررتُ عند محاسبتي لصاحب المقهى سؤاله عن هذا الرجل الذي بلا شك يسكن في الحارة نفسها. اجابني صاحب المقهى واضعاً أصبعه على طرف فمه متذكراً:

- لعلك تقصد (الفهيمة)؟

ابتسمتُ وأزداد فضولي قائلاً:

- لا أدري بالضبط.. هو ذاك الرجل الذي غادر حاملاً كتبه...!

ضحك صاحب المقهى واجابني بسرعة مقاطعاً بعد أن أشار بكفه نحوي:

- نعم عرفته.. إنه الفهيمة.. هذا لقبه الذي أُطلق عليه في المحلة منذ سنوات. هو بالطبع مثقف وفاهم ومتزن، ولا يتكلمُ كثيراً من قبل ومن بعد فقدانه لنعمة السمع.

- (هل هو أصم ؟) سألته، فأجاب:

- نعم هو أصم، وحادثة صممه كانت قصة غريبة عجيبة ادهشت جميع سكّان المحلة في وقتها.

سحبت كرسياً واعتذرت من صاحب المقهى لأنه كان على وشك التعزيل، وطلبت منه أن يحكي لي تفاصيل القصة، فأجاب موافقاً :

- لا بأس.. سأحكي لك .. يا سيدي هذا الرجل يُدعى (حسيب). كان يعمل أميناً في المكتبة العامة وسط المدينة. بالرغم من سكنه في المحلة منذ مدة طويلة، فلم نر له أقرباء أو أصدقاء يزورونه. يعيش وحيداً في شقته الصغيرة، ويرتاد المقهى هنا في الوقت ذاته. مواعيد دخوله إلى الحارة وخروجه كانت ومازالت دقيقة. كنّا نستمع إلى احاديثه قديماً، بعد أن نستفزّه لكي يتكلم.. لقد تعلمنا منه الكثير، حتى أصيب بالصمم والسبب أولئك الملاعين (العفطية) الذين كانوا يمارسون هواية العفاط كل ليلة تحت شقته.

- يمارسون العفاط؟! (قلتها ضاحكاً).

- نعم.. كان في المحلة قديماً طقس عجيب. يجلس العفاطون عند ناصية الشارع ليلاً ويتبارون ، من الذي يكون صوت عفاطه أعلى من الآخر، ضاحكين، مستمتعين بهذه اللعبة المثيرة للغثيان. وهم من أطلقوا على حسيب لقب (الفهيمة).

- كيف حدث هذا ؟ (قلتُ وفي قلبي جوع لمعرفة باقي الحكاية).

اتكأ صاحب المقهى على كرسيه الوثير، وتلمظ بلسانه طرفَ شفته السفلى، واستمر قائلاً:

- الحكاية رواها لنا حسيب ذاته، فذات ليلة حين كان غارقاً في القراءة، نزل إليهم بعد سماعه لأصوات عفاطهم الذي ملأ الزقاق. ثم وبخهم بقوة على فعلتهم تلك، وأنهم أفسدوا عليه وقته الجميل. ضحكوا وأزداد عفاطهم هذه المرة، توجهوا كلهم نحوه وصاروا يطلقون الأصوات باتجاهه كما تنفجر الألعاب النارية. وحين عاد إلى شقته مستاء من ردة فعلهم، توقع حسيب أنهم سيكفّون عن أفعالهم تلك. لكنهم زادوا عفاطاً، وازداد عددهم أيضاً، وصار الأمر كأنه تحد ما بين حسيب وشلّة (العفطية).

- نعم.. وماذا حدث لاحقاً؟

- في الليالي التالية، وحين تفاقم أمرهم وصاروا يتفاخرون بكثرة عددهم وشدة أزرهم وزخات عفاطهم، هددهم  أستاذ حسيب مرة أخرى بالقانون. وأنه سيشكو أمرهم إلى مركز الشرطة. وما إن انتهى حسيب من جملته تلك، انطلقت نحوه عشرات (العفطات)، التي بلَّل بعضُها وجهَه برذاذ سبالهم.. كنتُ جالساً في المقهى حين مرّ حسيب عليّ وأعلن أنه ذاهب لمركز الشرطة وتقديم شكوى عند الضحى. ولكنني حين رأيته عائداً في المساء متعباً يجرّ بدنه صوب شقته، وقفت في الدرب وسألته( ها أستاذنا.. ماذا فعلت؟؟). فأجاب ووجهه كان مغبراً بالحزن ( لقد عفط الضابط في وجهي).

- أهه!!!

تنهد صاحب المقهى وقال:

-  أي والله.. حتى حدث الشيء الذي صار سبباً لحديثنا الآن.. عصر أحد الأيام مرّ حسيب علينا ولكنه ليس كعادته، لقد كان يحمل كيساً في يده، وكان خفيفاً في مشيته. هتفتُ وراءه، ولكنه لم ينتبه لي. وفي اليوم التالي أختفى حسيب، ثم عاد إلينا بعد مكوثه في المستشفى.

- المستشفى ...؟! لماذا؟!

- لقد وضع في أذنيه قطرات من (التيزاب)، فأتلفهما نهائياً.

هطل عليّ الصمت وأنا انظر إلى وجه صاحب المقهى، الذي هزّ رأسه مؤكداً الحادثة ثم أضاف:

- نعم.. أتلف أذنيه لكي لا يسمع عفاطهم. ومنذ ذلك الوقت وهو أصم لا يسمع شيئاً

هززت رأسي واضعاً شفتي السفلى على العليا مستغرباً، وحين طال سكوتي، خاطبني صاحب المقهى:

- هذه هي قصة أستاذ حسيب.. ها..؟ هل انتهينا

 ابتسم ونهض من مكانه، طالباً مني التعجيل لكي يغلق المكان. ثم سألته للمرة الأخيرة قبل خروجي من المقهى:

- والآن .. تلك الشلة من العفاطين هل هم موجودون إلى هذه الساعة؟.

ضحك صاحب المقهى وقال لي وهو يرتب الكراسي من دون أن ينظر إليّ:

- لا بالطبع.. لقد تفرقوا بعد أن يأسوا من استفزاز حسيب مرة أخرى.. لم نعد نراهم، بعضهم كبر وصار ذا عائلة ، وبعضهم غادر المحلة، وآخرون صار لهم شأن ومناصب هامة.. كلنا نكبر يا بني ونتخلى عن تفاهاتنا الصبيانية. هم استمتعوا بوقتهم، ولكن للأسف حرموا حسيباً من الاستماع والإنصات إلى أي شيء في هذا العالم.. لقد صار يسمع بعينيه اللتين تعيناه على القراءة فقط..

ثم ودّعني وغادر صاحب المقهى بعد أن أقفل الباب، فوجدتُني وحيداً في الزقاق. سرتُ بخطى وئيدة صوب شقتي..

 كانت المحلّة خرساء في تلك الليلة كعادتها..

 

أنمار رحمة الله

 

صحيفة المثقفبدأت السفر اليوم وأنهيته البارحة، بنفس التاريخ، بنفس اليوم، بنفس الساعة، السفر عبر الزمن متعب كما السفر عبر البر، أنا من يعش الحاضر بكل ألامه وضبابيته، لم أغير شيئا في حاضري استمتعت بتكراره على مضض، وتمنيت لنفسي أن يعجبها ما كاد يخنقني البارحة، زالت الحيرة فقط عندما حطّ طائر اللقلق بعشه فوق هوائي الهاتف، المنصوب فوق أعلى مبنى بالقرية الخرفة، رتب الشبكة وأعاد موجات الزمن المتأخرة، كرر التجربة واحد، اثنين... كأنه سيبدأ الغناء، ربط الأسلاك، أعاد الإشارة، دقت كل الهواتف مرة واحدة، ثم  دقت ساعة اللقلق وقت الرحيل، أما وقت ساعتي فتمام الانسحاب.

 

الاطرش بن قابل

علي القاسميأَحْسَستُ بقلبي يضطرب ويخفق بشدّة، مثل جناحَي عصفورٍ مذعورٍ، وأنا أَمدُّ يداً مرتعشةً إلى مطرقة الباب، فيشلُّها الخوف فلا تكاد تلمسها. لم يكُن أَحدٌ يدري ما وراء ذلك الباب الموصد دومًا، ولم يفضّ امرؤٌ سرَّ المرأة الوحيدة التي تقطن تلك الدار العالية الأسوار. فهي لا تزور جيرانها ولا يزورونها، ولم يشاهدها أيٌّ منّا في أَزِقّة البلدة الصغيرة، بل لا نعرف حتّى اسمها. فلم تكُن من أهالي البلدة التي تربط معظمَهم أواصرُ القربى، وإنّما وفدتْ عليها من مدينةٍ من المدن قبل بضع سنوات.

وكنّا ـ نحن الأطفال ـ نتحاشى السير على الرصيف المحاذي لحائط دارها، ونتَّجه تلقائيًّا إلى الرصيف الآخر، عندما نقترب منها. وكان بعضنا يتهامس عن جِنِّيَّةٍ أو مجنونةٍ، حين يمرُّ بالقرب من جُنينة المنزل القابعة وراء أشجار الصفصاف السامقة التي تنسدلُ أَغصانُها مثل ذؤاباتِ شَعرٍ طويلٍ يغطّي وجه صاحبته.

ولكنّي لا بُدَّ أن أستعيد كُرتي الجديدة التي قذف بها سوءُ حظّي عبر الجدار إلى داخل تلك الدار، حينما كنتُ ألعب بها وحدي عصر ذلك اليوم القائظ. وأخيرًا جمّعتُ كلَّ شجاعتي ورغبتي في أطراف أناملي، وقبضتُ على المطرقة، وطرقتُ طرقةً واحدةً مبتسرة، وانتظرتُ بتوجُّس. ومرَّت لحظاتٌ حسبتُها ساعاتٍ، دون أن يُفتَح الباب، فأَعدتُ الطَّرق ثانيةً وانتظرت، وثالثةً وانتظرت. وبينما كنتُ أهمُّ برفع المطرقة من جديد، فُتِحت الباب فجأةً، فجفلتُ إلى الوراء متعثِّرًا. وحدَّقْتُ أمامي، فاصطدم بصري بجسمٍ متلفِّعٍ بالسواد. وأخذتُ أرفع رأسي رويدًا رويدًا، حتى التقت نظرتانا. إنَّني الآن أمامها وجهًا لوجه. ولشدَّ ما كانت دهشتي حينما رأيتُ أنَّ لتلك المرأة وجهًا حنونًا وابتسامةً ودودًا.

وتلعثمتُ وأنا ألقي التحية عليها وأُردِفُ قائلاً:

ـ آسف، يا سيدتي، لقد سقطتْ كرتي في جُنينتكم.

ـ لا بدّ أنَّك الصغير علي ابن جارِنا الحاج محمَّد. أهلاً بك. ادخل واستعِد كُرتَكَ.

كنتُ آمُل أَنْ تأتيني بها هي، وأَنْ أبقى أنا خارج الباب في الزقاق، متأهبا لإطلاق ساقيّ مع الريح إنْ حصل ما يُريب. ولكنَّها أصرَّت بلطفٍ على أن أدخلَ وألتقطَ كرتي بنفسي، مشجعة إياي بابتسامةٍ عذبةٍ ونظرةٍ رؤوم.

تردَّدتُ وهلةً قبل أَنْ أجتاز عَتبةَ الدار بِوَجَلٍ، لأُلفي نفسي في جُنينةٍ واسعة لم تُشذّب نباتاتُها منذ مدَّةٍ طويلة، فَنَمَتْ أعشابُها وتشابكتْ شجيراتُها مكوِّنةً عدَّة أجمات، فاستحال العثور على كُرتي. وأخذتُ أفتِّش عنها بين الأعشاب وخلف جذوع الأشجار بإحدى عينَيَّ، في حين ظلَّتْ عيني الأخرى ملتصقةً بالمرأة تراقبها وتُحصي حركاتها.

وفي طرفِ الجُنينة القريب من باب الدار الداخلي أُقيمتْ طاولةٌ مغطّاةٌ بغطاءٍ حريريٍّ مزخرفٍ تحيط بها أربعة كراسٍ، وعليها إبريق شاي وعددٌ من الفناجين وقالب حلوى كبير. وجلستِ السيدة إلى المائدة، وقد صبّتْ لنفسها فنجانَ شاي، ولكنَّها لا ترتشفه، وأمامها قطعة حلوى في صحن صغير، ولكنَّها لم تأكل منها.

بدا لي وجهُها طبيعيًّا مثل وجوه أمَّهاتنا في البلدة. وإذا كان ثمّة ما يميزه عن غيره من الوجوه، فغلالة الحزن التي لا تُخطئها العين، والتجاعيدُ الكثيرة التي رسمتْها السنون حول عينيْها وعلى سحنة وجهها. غير أنَّ ابتسامتها الحنون لم تفارق شفتيْها.

ـ ربَّما اختفت كرتك وراء تلك الورود.

واتجهتُ إلى حيث أشارتْ بيدها. ولَشَدَّ ما كانت فرحتي حين عثرتُ على كرتي. التقطتُها ودلفتُ مسرعًا نحو الباب. وفي طريقي سمعتُها تقول:

ـ ألا تريد أن تتناول قطعةَ حلوى قبل أن تذهب؟

وتريّثتُ قليلا، وتنازعتِ الإجاباتُ المتناقضة لساني برهةً قبل أن أقول:

ـ شكرًا.. لا.. شكرًا.

ـ إنَّها حلوى طازجة صنعتُها بنفسي هذا اليوم. تعالَ، خُذْ شيئًا منها، قبل أن تعود إلى والديْكَ وتبلغهما سلامي.

وطمأنتني نبرات صوتها الهادئة وجِلستها المسترخية على كرسيِّها، ولم أستطِعْ مقاومة منظر تلك الحلوى الشهيَّة. فاقتربتُ منها بِوَجَل، آملا أن تناولني قطعةً منها لأخرج بها مسرعًا. قالت:

ـ تفضّلْ، اجلسْ إلى الطاولة، فقد ترغب في تناول كأسٍ من الحليب مع الحلوى.

وألفيتني أجلس على الكرسيِّ الأبعد عنها. وقطعَتْ لي قطعةً كبيرةً من الحلوى، شرعتُ في التهامها في الحال، وسمعتُها تقول:

ـ أنت تُذكِّرني بفريد.. ولدي فريد. رحلَ عنّا وهو في سِنِّك. كم عمرُك، يا علي؟ عشر سنوات؟

ـ نعم.

ـ لقد غادرنا فريد وعمره عشرة أعوام بالضبط.

ووجدتُني أسألها، وفمي ممتلئ بالحلوى:

ـ إلى أين ذهب؟

ـ إلى رحمةِ الله.. اختطفه منّي الموتُ الذي لا يرحم.

وبعد هنيهةِ صَمْتٍ، نهضتْ وهي تقول:

ـ دعني أُريك شيئًا.

وما إن نهضتْ حتى هببتُ واقفاً مستديرًا نحو الباب، وعيناي ترمقان بقية قطعة الحلوى التي لم آتِ عليها بعد.

ـ لا، لا تذهبْ.. اجلسْ وأَكملْ قطعتكَ من الحلوى.. سأعود بعد قليل.. سأُريكَ صورته.

وولجتْ البيتَ ورجعتْ بعد لحظاتٍ، وهي تحمل مُجلَّدَ صور (ألبوم) ضخمًا. وجلستْ بالقرب مني وفتحتْ المُجلَّد في وسطه، باحثةً فيه عن صورة ما، ثم قالت:

ـ لا، الأفضل أن نبدأ من البداية.

وعادت تفتح المُجلَّد من أوَّله.

ـ انظر، يا علي! هذا هو والدي. كان رجلاً وسيمًا فارع الطول. كان يحبُّني حبًّا جمًّا، ويُدلِّلني ويغمرني بالهدايا والحلوى والقُبل كلَّ يوم. ولكنَّه مات وهو في عنفوان شبابه،وأنا صغيرة. لم يكُن شابًا، ولكنَّه لم يكُن كهلاً ولا شيخًا عندما أصابته سكتةٌ قلبيةٌ قاتلة.. آه لو تدري، يا علي، كم حزنتُ عليه وافتقدتُه.. وما أزال أفتقده.

وقلبتْ الصفحة وأَرتني صورةً لامرأةٍ جالسة، وهي تحتضن طفلةً صغيرة، وقالت:

ـ وهذه هي أُمّي، وهي تضمُّني إلى صدرها. كانت امرأةً جميلةً، ولها عينان دعجاوان، ويتوِّج وجهَها المستديرَ الناصعَ البياض،شعرٌ طويلٌ فاحمُ السواد، فتبدو كالقمر. ولكنَّها ماتتْ بعد بضعة أشهر من وفاة والدي، كأنّما لم تحتمل فراقه، أو كانت تتعجَّل اللحاق به. ولكنّها تركتْني يتيمةَ الأب والأم. أنا لا أقول ذلك على سبيل اللوم، فقد تحابّا بإخلاص، وكان والدي  يُخاطبها دائمًا بكلماتٍ رقيقةٍ، لم أسمع مثلها حتى اليوم.

وتصلّبتْ أصابعُها على الورقة التالية، كأنّها لا تريد أن تقلبها. ثمَّ نظرتْ إليّ وقالت:

ـ دعني أعطيك قطعةً أخرى. أَرى أنّها أعجبتكَ، أليس كذلك؟

وهززتُ رأسي موافقًا ولم أفُه بشيء.

ـ وهذا هو أَخي الكبير. كان يكبرُني بعامَيْن فقط. وكنّا نلعب سويةً، ونمرح كثيرًا. وكان يرافقني إلى المدرسة كلَّ صباح ونعود إلى البيت معًا بعد انتهاء الدروس. وكان يصطحبني في الأعياد إلى ساحة المدينة، حيث نركب دواليب الهواء ونلهو بالمراجيح. ولكنَّه مات وهو على وشكِ التخرّج في كلِّيَّة الطبّ. كان يأمُل أنْ يكون طبيبًا يداوي المرضى ويخلِّصهم من مخالب الموت، بَيدَ أنَّ الموت كان الأسبق إليه.

ولمحتُها ترفع منديلَها إلى وجهها وتمسح عينيْها، ثمَّ تقلب الصفحة مسرعة.

ـ وهذا هو زوجي وهو على صهوة جواده. لقد كان فارسًا مولعًا بركوب الخيل. كلَّما عاد من عمله امتطى جواده الأدهم، وذهب إلى المزارع المتاخمة لشاطئ النهر. لم يدرِ أنَّ الموت كان يترصَّده هو الآخر. سقط من جواده على رأسه على إثر قفزةٍ غير موفقة، ولم يكُن يرتدي خوذتَه. كان واثقًا بنفسه جدًّا. مات ولم يمضِ على زواجنا أكثر من عامٍ واحد.. وكنتُ حاملاً بفريد.

وأشاحتْ بوجهها عنّي، وهي ترفع منديلَها مرّةً أُخرى إلى عينيْها. ثمَّ قلبتِ الورقة فلاحتْ صورةٌ كبيرة تملأ الصفحة بأكملها.

ـ أرأيتَ؟  ألمْ أقُلْ لك إنَّكَ تشبه فريدًا كثيرًا؟ هذه آخر صورة له وعمره عشر سنواتٍ تمامًا. كان هو كلَّ ما تبقّى لي من أهلي. وكان في غاية الوداعة، ومجتهداً كذلك. كان الأوَّلَ في مدرسته. لو عاش لأصبح اليوم طبيبًا أو مهندسًا. مَن يدري!؟

وخنقتْها العَبرات، فرفعتْ منديلها إلى وجهها مرَّةً أُخرى، وغطَّتْ وجهها بيديْها. وكنتُ قد أتممتُ قطعتي الثانية من الحلوى فنهضتُ، ولكنَّها قالت لي:

ـ تريّث قليلا.. سأقطع لك قطعة أخرى من الحلوى تحملها معك إلى منزلك. يمكنك أن تأخذها معك غدًا إلى المدرسة. سألفُّها لكَ بعناية. هكذا كان يفعل فريد. لا تنسَ أن تبلّغ سلامي إلى والديك.

وشيَّعتني إلى الباب وهي تقول:

ـ يمكنكَ أن تأتي هنا متى ما شئت.

ووضعتْ يدَها على رأسي برفق، وقبّلتْ وجنتي بحنان، وأَوصدتْ الباب خلفي في تُؤدة.

وفي الزقاق، شاهدني أَحدُ الرفاق من الأطفال، وأنا أخرج من دارها، فقال لي بدهشة:

ـ هل رأيت الجِنِّيّة؟!

أجبتهُ باقتضاب:

ـ إنَّها على غير ما كنّا نظنّ.

ومضيتُ إلى منزلي بصمت.

***

بقلم: علي القاسمي - الرباط

أديب وباحث أكاديمي عراقي يقيم في المغرب