تواتيت نصر الدينالإهداء: إلى كل متعطش للحرية والكرامة الإنسانية 

تريدونني أن أكون أسيرا

فإني أسير لحب بلادي

وشمس بلادي

وعبق النسيم بيافا وحيفا

وعبق النسيم بأوراسنا

وماء الجداول في كل فج

وفي كل نهر

وفي كل واد

**

تريدونني أن أكون طريدا

فلن يطرد حقدكم ما نما يانعا

في فؤادي

فإيمان قلبي يداوي جراحي

ويمسح لون الأسى والحداد

ويزرع في القلب حبّا جديدا

لكلّ الثكالى

لكل الغلابى

وكل العباد

من الطيبين

من الثائرين بأرض الجهاد

من الحالمين بنور الصباح

من الحالمين بقطعة خبز

وحبّة تمر

وجرعة ماء

من الحالمين بضوء القمر

من الناقمين على كل عاد

**

كفاكم ...كفاكم

أيا من تريدون إذلال شعب

فلن تبلغوا طول هذي الجبال

ولن تخرقوا الأرض ضربا ورفسا

بتلك النعال

ولن تنقصوا ساعة من ليالي الخريف

ولن تنقصوا ساعة من ليالي الشتاء

ولن تلبسوا الليل ضوء النهار

فنحن على الدرب سرنا وسرنا

وأنّا سنبلغ رغم المحال

إلى غاية الكادحين

إلى غاية الحالمين

ومن عالم النور نستل نورا

يشق ظلام الدجى في بلادي

ويسفر -يا أمة- صبحنا

وتشرق شمس المنى في بلادي

***

 تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

ميمون حرشالحقيبة الأولى

في ميناء "بني أنصار" ركن سيارته في ذيل طابور مع سيارات أخرى محملة يقودها مهاجرون عائدون مثله من ديار الغربة، بينهم نساء قليلات وراء المقود، وكل سيارة تتبدى من الخارج كما لو فرّت من مصير مجهول إلى مصير آمن، لذلك، فضلا عن بني آدم، هناك أحمال كثيرة داخل وخارج السيارة، بل وهناك سيارات لا تكتفي بمن يقودها، بل تجر وراءها ربيباً وقد تكتفي بحمله فوق سطحها، هو حابل أيضاً بما لذ وطاب ربما، وبما تعافه النفس ربما ثانية، لذلك لا حرج من أن يتجشم هؤلاء تعب قطع كل هذه المسافة محملين به، هو شعار العودة غالباً.

أخذ "ع" مكانه في الصف، وهو لا يفتأ يتمتم بعبارات مبعثرة بالألمانية، لم يكن أحد يسمعه، بدا كأنه يحتج لغياب التواصل معه، أمامه أشكال من سيارات شتى تنتظر دورها في المرور، بعض الراكبين خرجوا من سياراتهم، وانتشروا حولها كما يفعل الهنود حول نيرانهم.. كان الليل قد أرخى ظلاله، ومنح الميناء لون شفق دائم، الأضواء زادته رونقاً في صيف هادئ يغري بالسهر، وبالسكر، والأكل وبأشياء أخرى.

السيارة التي يُكتب لها المرور تُودع كعروس من طرف المستقبلين الذين يوزعون الابتسامات مجاناً، معها بعض الأدعية أحياناً، تكون حارة لمن لا يبخل عليهم ببعض الهدايا.

"ع" حين جاء دوره صافحته المستقبلات بحرارة، رد عليهن بأن وزع على كل واحدة منهن علبة من علب المناديل، جميلة الشكل، وبعد أن توارى كقذيفة نظر في مرآة سيارته وقال: "اللعنة".

كان يلعن حظه لأنه عاد.

 

الحقيبة الثانية

امرأة تجاوزت الأربعين، أمسكت بالمقود بثقة، أدلقت رأسها من سيارتها، وقد ارتسمت على محياها ابتسامة بريئة، لتجيب عن أسئلة بعض المستقبلين في المطار، تمتمت بعبارات ليست منسجمة، لكنها تعبر عن رغبة ملحة لمعانقة الأحباب، وتشنيف الأسماع بالريفية المخملية الرومانسية، وكذا تقبيل تربة أديم الأمكنة حيث عاشت، نظرت إلى أطفالها الصغار، كانوا يرمقونها ورؤوسهم متدلية تكاد تلامس ميكروفون صحفي منسجم في حوار معها، شرحت له مجيبة عن سؤال تقليدي:

- "إنها نعمة أن يكون المهاجر فوق أرض مدينته، ويحس بأنه آمن وسط أهله".

الإنسان قد يطير، و قد يبحر، لكنه في الحالين لا يحس نفسه مولوداً إلا فوق أرضه حيث يصبح، بالنسبة إليه، كل شيء مباركاً، ولذيذاً، حتى الشتيمة حين تمتزج بهوى الريف، وتُقال بلغة الأم يصبح لها شكل آخر، فبدل أن توغر القلوب، تغسلها من الداخل لأن الرسميات أحياناً تجشم على القلوب، وتخنق الصدور، فلا بأس أحياناً من إزالة الكلفة بين المهاجر وبين أقرانه، وأترابه.

وحين ابتعد الصحفي، تنفست الصعداء كأن كل ما قالت مجرد إملاء ثقيل، نظرت من زجاج نافذة سيارتها، أخذت نفساً عميقاً، ثم فتحت الباب، مدت يدها، أخذت حفنة من تراب الأرض من شرخ اسمنتي، تحسستها في كفها، شمتها، ثم نثرتها بطريقة منسابة، الأطفال تتبعوا المشهد باندهاش، قال أكبرهم:

- waw..

علقت الأم على صرخته شارحة:

- "إنها رائحة الأرض تغزو القلب وتغسله من الداخل، فتجعله يرق، فتسطع داخله شمس صغيرة بحجم قلب طفل صغير يحب أمه بعمق".

- Aussi que moi mam (رد ابنها الأصغر)

الرائحة هي آخر ما يخلفه المهاجر حين يغادر وطنه، ويترك أهله، وبها يتعرف الوطن أولاده حين يعودون، ومن غيّر جلده منهم، أو عمل على تغيير رائحته يلفظه الوطن، والرفاق يمدون لهم لسانهم ساخرين، ويعتبرونهم غرباء لا مكان لهم وسط الأهل والأحباب، فليس هناك ما يثير تربة الأرض أكثر من وطء أقدام فوقها تغيرت خطواتها، وأصبحت بمقاس آخر، لأن للأرض حدسها، ورائحتها نفاذة تغزو قلوب المخلصين، بيد أنها تخز المتحولين، ومن لم يخطب ودها تدير له ظهرها، وتتقيؤه، وحين تفعل الأرض ذلك يصبح المرء بلا هوية، فمن لا أرض له لا اسم له.

تأكدت السيدة من كل هذه الهواجس الدفينة أكثر إثر وصولها حين عانقت أمها التي انتظرتها طويلا، لم تقبلها فقط بل كانت تشمها في مناطق من جسدها أحست معها بدفء الأمومة التي تزيدها القبل طعم ماء بارد زلال في صيف ربيعي تحت الظل.

مضت أيام الأسبوع الأول من عطلتها بسرعة، فكرت:

- "أيام العطل قليلة دائماً مهما كانت كثيرة، إنها كما الماء تتنخل من بين الأصابع دون أن نرتوي"..

الأسبوع الثاني من عطلتها خصته لطقس تسميه " نميمة بيضاء من أجل بلدتي" تعني به التجوال في شوارع مدينتها والسير في أزقتها على غير هدى، كالمجنونة، لا تفتأ تسأل عن أحوال كل الناس، من تعرف، ومن لا تعرف، وسؤالها المشترك الأول لازمة هو: "هل تحس بالفرق بين اليوم، والأمس؟.. هل مدينتنا تتغير إلى الأحسن؟..

مدينتها- الناظور- تغيرت كثيراً، بدا العمران يغزوها، والكورنيش الجديد جملها كما العروس، في الليل لم تعد تشكو المدينة جحود أهلها، لم تعد تُترك كما في الخوالي مدينة مهجورة في الليل، والنساء بتن يؤثثن شوارعها في جولات مع الأزواج، وصحبة الأولاد ذهاباً وإياباً في الكورنيش، خُطاب المدينة أصبحوا كثراً و مهرها في الصيف يزداد غلاء، تطالب العائدين إليها بثمن غالٍ، هم يدركون تباهيها بهم، تنتعش بعودتهم، وبحضورهم يركب الرواج أجنحة، وتندلق التجارة، وتنتعش في أمكنة شتى بسوق المركب، وسوق أولاد ميمون، وفي القيسارية، فلا تكاد تجد كوة للتحرك بسبب الاكتظاظ؛الباعة والمشترون يصبحون جزءً من الديكور في هذه الأسواق، والأمكنة، في بعض زواياها، تتلصص منها عيون جاحظة ترقب الفتيات اللواتي يتوزعن بين من ترتدي أزياء تكاد تخفي كل شيء، وبين من تلبس من أجل إحصاء "الممتلكات" حتى تُعرض في المزاد العلني مما يغري بالمعاكسة التي تغدو في الصيف حارة، وحارقة.

ومع كل هذه الحركة، تجد من أهل التجارة من يشتكي، ويعزو بوار تجارته ليس للأزمة الاقتصادية العالمية، بل لبخل المهاجرين، وهم يرون أن العائدين لم يعودوا كما كانوا، برأيهم هناك حلقة مفقودة فيهم، تغير شيء ما فيهم، لم يعودوا أجوادًا كما في الخوالي، إذ لا يقبل أحدهم على الشراء إلا بعد أن يساوم البضاعة بشكل مستفز، وقد لا يقبل عليها إلا بعد أن يكون سبباً في ارتفاع ضغط البائعين، أياديهم لم تعد تُبسط بسهولة، صارت مغلولة أكثر من اللازم، حرثتها لعنة البخل، وخضبتها أخاديدُ الإمساك لذلك لم تعد تتحسس الجيوب إلا لماماً، كما لو أن عقارب تربض هناك بسلام؛ بهذا يتحدث بعض الباعة هنا في المدينة، وهو حديث من قيل له - خطأ- من لم يستنفذ جيوب المهاجرين المغتربين لم يذق طعم حلاوة هذا الصيف.

علقت المرأة على هذا المنكر قائلة:

- "هؤلاء الباعة مساكين، هم يظنون أننا، هناك وراء البحار، نغرف البحر مالا، وننحت الصخور ذهباً، فلو يدركون مبلغ ألمنا في كسب بعض "الأورو".

 

الحقيبة الثالثة

تشي سحنة صاحبها، وطريقة ملبسه أنه ليس من هنا، كل مرة يعود فيها يجتهد، في أن يجعل نفسه غريباً عن أترابه غربة كاملة..

بعد مدة من مكوثه في البلدة، قر قراره بعد تردد لأن يحضر عرساً أحياه شاب من شباب الحي، كان يوماً، قبل أن يسافر، صديق طفولته، ولولا نداء هذه الصداقة ما كان ليحضر أبداً؛ إنه، منذ سفره، بات يعتبر طقوس الأعراس في بلدته ضرباً من ضروب التخلف حين يقارنها بما يحصل هنالك حيث يعيش وراء البحر..

وصل مكان العرس متأخراً، وبدون هدية، نظر إلى أترابه، وسلم عليهم دون أن يصافحهم، كانوا كثراً، لم يكن يرى منهم أحداً، كان مثل هرٍ يحاكي صولة الأسد، مترفعاً كأعجاز نخل.

أومأ إليه العريس أنْ تعال فسار إليه وهو يهز عِطفيه، أحس نفسه فوق أرض لا تسعه بسبب صلف مجاني.

أخذ مكانه بين أترابه بعد أن هنأ العريس، ثم أثار أعصاب حتى الذباب حين بادر أترابه بالقول دون مقدمات:

- "نحن عندنا هناك في الضفة الأخرى، الأمر مختلف عما لديكم هنا".

التقط أحد الحاضرين كلامه، ثم همس لجليسه قائلاً:

- " (عندهم وعندنا)، إنها قسمة ضيزى والله، هم عندهم، ونحن عندنا، ألسنا من طينة واحدة؟!.

يرد الآخر:

- بعضهم يقول ذلك عرضاً دون قصد، لكن غيرهم- وهذا واحد منهم- يعنون ما يقولون، ويحرصون على أن نسمع منهم ذلك متخيلين أنهم أفاضل ماداموا يعيشون وراء البحار..

أضاف متنهداً:

- أجلاف، ومساكين لأنهم ينسون الطينة التي جُبِلوا عليها.

- أليس من حقهم أن يتبجحوا؟ (تساءل أحدهم ).

أجابه رفيقه:

- من حقهم ذلك، لكن عليهم فقط أن يعلموا، أن أكاذيبهم أصبحت بائخة مثل نكتة، ومن كثرة شيوعها، لم تعد تثير ضحك أحد، ببساطة لأن العالم قرية صغيرة الآن، ونحن نعرف جيداً- وهم أيضا يعرفون- ما يحدث هنا عندنا، وما يحدث هناك حسب تقسيمهم، فعلى من يضحكون، فليوقفوا ترديد أغانيهم السخيفة".

شاب أنيق في زاوية أخرى علق بغضب وهو يحدق في عائدهم:

- ما أغرب حال بعض العائدين إلينا!

التقط شاب آخر يجلس قربه الكلام وعلق قائلاً:

- والله صحيح، البعض منهم مخمورون بنشوة العودة إلى مدنهم بنوع من التباهي، يلبسون سراويل قصيرة تثير الضحك، ويضعون الساق على الساق، ليسردوا لنا نحن - المغضوب عليهم- حكاياهم عن مغامراتهم، وهي بالمناسبة كلها بطولية...

ضحكوا بهستيرية، وقال أحدهم:

- أضف أن منهم من لا يتكلم، لكن الصمت، والحركات، والإيماءات، ونظرات العيون تفضح المستور.

قال أكبرهم سناً في المجلس:

- إيه، يا أولاد، حين تقتنعون وتفهمون لماذا يفعل أحدهم ذلك ستدركون أنه معذور، فلا تدعوا صدوركم بالعتاب يمور، وليكن كل واحد منكم الناصر والمنصور.

 

الحقيبة الرابعة

فتح حقيبته للمرة الرابعة بعد أن أحكم إغلاقها، وربما أكثر، لم يعد يعرف، ومها تكن فهي المرة الأخيرة التي يفتحها.. نظر في ثيابه، وبعض الهدايا ثم بعثر كل شيء كالمجنون، ألقى بعضها عرض الحائط، مد عنقه من نافذة شقته، وصرخ كممثل:

" لن أسافر..

إنه قدري

لست عائداً

احذفوا، إن شئتم، اسمي من اللائحة،

فَمُذْ كنتُ أفلحتم في تجريدي منِ اسمي

وحتى من الرائحة.."

وطني مجرد حقيبة، علمني أن أتأبطها،

وأهيم كالمجنون في أرض غيري"...

 

الحقيبة الخامسة

نظر إلى حقيبته فحار بين عقلين، الأول يقترح عليه العودة، والثاني يجمل له تأجيلها إلى أجل غير مسمى...

نظر في المرآة، ألفى نفسه يحمل رأساً واحداً، لكن بعقلين، حمد الله لأن غيره يعدمهما معاً، ومع ذلك استسلم لعقل ثالث تبدى في المرآة، لم يكن له، ولكنه استساغه، وقرر نزولاً عنده أن يسافر في الغد،

وحين كان ذاك الغد غير رأيه لأن في حلمه انصاع لعقله الرابع.

 

الحقيبة السادسة

(ق) لا اسم له في البلد المهاجر إليه، لا يملك حقيبة، ولا بيتاً، ولا عملاً لذلك آخر ما يشغله هو السفر، ولكنه مع ذلك يفكر أحياناً في العودة، يعتبرها، كما الموت، حقاً مؤجلاً.. هو الآن مهيض الجناح، وحين يفرع ريشه سيعود..، مؤكد سيعود لكن ليس خاوي الوفاض...

 

الحقيبة السابعة

مشرعة، لكن فارغة من الداخل، تنتظر يوماً مكتوباً، يوقع ديباجتَه فارسٌ يعشق السفر، وفي انتظار هذا الآتي لا تزال تحتفظ بالأرقام السرية لقفلها، لن تهبها سوى لمن يستحق، مهرها الورقة الخضراء، ولا بأس أن يتغير لونها بشرط أن تكون كثيرة..

***

ميمون حرش

 

صحيفة المثقفخريطة

الضَّبابُ يخنقُ الأفقَ، قفزتْ عيناها على الشَّاطئ، أنعشَ مزاجها رؤية تجمُّعات الدِّراق، فضَّلتْ الاستلقاء بين السَّلاحف، أنبأ قُربها من الموجِ عن الخوذِ التي احتضنتْ رسائلهم المُذابة وبقايا صور.

 

جذور

أضناه التسوّل في الطرقات، بين ليلةٍ وضحاها اعتنقَ التغيير، قلَّمَ مخالبه، صامَ تضامناً مع الجياع، شرَّعَ قانون حماية المتحوّلين، ببذلتهِ الجديدة أزعجهُ نباح الأصدقاء في الصفوف الخلفية.

 

امتداد

داهمهُ الهلال، بحثَ خائباً بين الرُّكام عن ثوبهِ النَّاصع، بثَّ شكواهُ للنجوم التي أعلنتْ الحداد، احتضنَ دميتهُ الملطَّخة بذكرى الفرحِ، نادتهُ الورقة المخبَّأة في جوفها: تركتُ لكَ ثيابي التي عانقتُ بها السَّماء.

 

انصهار

بغضبٍ أسود يراقبها، يلعنُ غوايةَ خصرها المنحوت، يقبضُ يدهُ حسرةً وندماً، يناجي عبثها بالزَّمكان، يحاولُ الإمساك بأجزائها الهاربة، يلملمُ هذياناتها المندثرة،على ناصية الاستسلام حكمتْ عليه ساعة الرَّمل بالوأدِ مدى الخنوع.

 

حِرْفة

حافيةُ الوصالِ تندبُ شوقها، تجمعُ ذرَّاتَ عطره المنتشرة، فقدتْ بوصلتها، استغاثتْ بخريطتها العمياء، خيارها الوحيدة نبوءة النَّملِ، آوتْ إلى جذعهِ المتصدّع، تساقطتْ عليها أماليدهُ المغدورة. 

*** 

دعــاء عادل

 

عبد الجبار الحمديتغتسل أقدامه بحرارة الرمال السائبة التي يمشي عليها... لم يعد يبالي بأنه بات وديعة لسياسات عاهرة، أخفت حقيقتها وراء علامات توقف قطعية بعد أن هللت أن الدين هو الدستور الحق وإن كان قد فبرك في بطون دول تعلم أن العرب مجرد فزاعات وَهم، تخيفها نفخة من فم نتن وعفطة عنز مقرن... بعدها أعلنت أن العبودية قانونها الجديد الذي يجب ان يعيشه إبن البادية وإبن الصحراء وإبن الحضارة، لقد اكتنفته البلايا طويلا، شحذ سكينه الثلم لينتقم ممن كان السبب وعندما رؤوا أنه لا فكاك لهم من جهله ارسلوه حيث يرغب، بيئته المقفرة هي السبب في جعله تيسا لا يجيد سوى النكاح رغبة في إكثار نسله الجاهل، فأخاطوا عليه بيوت شعر كثيرة حتى تشابكت وأنسته أنه إنسان بُسِطَ على سلقية الجاهلية.. مسح جبهته التي احترقت من لظى حرارة الشمس.. حاول ان يغطيها بنعله المستورد الذي اسدله على جبهته يقيها ما لا يمكنه أن يفعله.. عض عليه بأسنانه مؤنبا إياه... ألم أقل لك إني لا استطيع ان أقرض بيوت الشعر التي يحبها من أراد مني الرقص في ظلمة قبو؟ لم آليت أن أكون راقصا وطبالا في وقت واحد؟ عرقلت كل المزامير، حاولت ان أترجم معاجم التراث من بين خبايا التأريخ فلم أجد غير تراث مهلهل مفعم بالدم، يحمله كهل أمرد غزته الديدان نخرتعظمهه قبل جلده حتى بات مقززا لمن يريد ان يجالسه... حاولت سؤاله لكني عزفت ان اسمع الإجابة، فبمجرد ان فتح فاه وأشار بيده حتى تساقطت الديدان مسرعة إتجاهي كي تتقولب على جسدي... فزعت!!! هربت بعيدا منسخلا حتى عن ظلي الذي أبتعد هو الآخر كوني تسببت في قمعه عندما كنت أراه يعكف مصليا طالبا الغفران من الرب الذي يعبد بنفاق... ركبت صهوة فرسي الشمطاء وقد كانت ماجنة لا تؤمن إلا بهتك الستور وفض بكارة العذارى ودبر الرجال... مزقت كل قوانين الناموس بردائي الاسود حيث التجارة في الإرث والعادات والتقاليد وحب الأصنام، صرت الدجال الأكبر... لا بل الشيطان جلف الصحراء... حيث كان يطلقون علي..

يا إلهي!!! لقد جف حلقي ها أنا أشعر بلسان الموت وهو يسقط بعد ان مزق رقبته حبل العطش... دفعت بلساني بشدة كي أزيل حدة الجفاف.. اجعله يروم الحركة كي استطيع ان اصرخ.. غير أن لساني الآخر عزف عن الحركة أعتصاما مع لسان الموت... فَصَمَتُ طويلا أجِدُ بالسير، عيناي تنشد تلك الواحة التي أراها ممتدة تقترب وتبتعد .. اقدامي وفطورها العميقة أكلتها أملاح الرمال فما عدت أهتم لما يقع منها من دم او لحم... لقد رغبت أن أباع في رحلة حيث المجهول بعد ان أدركت أن المعلوم ليس لي، بعد أن طالتني يد الغزاة بقوانينهم التي تُشَرِع لك ان تبتاع كل ما تشتهي ثم توقع على ورقة بيضاء لهم بأنك عبد اسود حيث يعيدونك الى مصانع العبودية التي أخرجوا أبناء آدم منها، شَرَعوا قوانين الإنسان الحجري ورجل الغاب الأول... أتاحوا للغريزة أن تحكم العقل، تتسيد عبارات الفحولة العربية ميزان الرجولة، فجاؤا بمحظيات جديدات فَتَقنَ أجساد شرعت أن تكون عالم من الدعارة والمجون... وكأي من رجالات طفحت الفحولة ولائم باطل الى أن باتت وصمة وعلامة تجارية، ولغت مستنقع الرذيلة، أحطت نفسي بعالم أسود ورايات دين جديد يتيح لي ولقناعات العرب ان نكون للدين والاسلام الجديد دولة الفساد العادل.. مُنحنا وسام العطاء، فقد تبرثن فينا أن الحق هو ان تقتل كي تصبح سلطانا وتبيد كي تنشئ جيلا معاقا لا أب شرعي له حيث أن الحياة القادمة لا يحكم زمامها إلا أبناء اللقطاء كما حكمها ابناء الطلقاء... فعالم الزنقدة أزلي، عاد وثمود لوطا وهود كسرى وهرقل أنبياء ورسل اباطرة واقاصرة كلهم عاشوا منازعة روح الشيطان كل بوسيلته وطريقته... غير ان النتيجة واحدة السواد هو من يبقى رغم تعددية الألوان والاطياف..

توقف ليستعيد أنفاسه... غير أن نفسه همست بعد أن اخرجته من عالمه الوضيع مشيرة ...

أنظر هاهو ذاك الماء لقد اقتربت منه... هلم نجري علنا نحظى ولو برشفة، ما أن جرى حتى استوقفته وهي تقول له إنه سراب يا أحمق سراب... ألا تعي ما ترى!؟

ماذا تقولين سراب؟!! إذن كيف لتلك الغمامة البيضاء تغطيه!؟ إنظري لظلها الذي نشرته... أتراني خبلت!!! أو أصبت بلطمة شمس فما عدت أميز الواقع من الخيال، أيعقل أني لا زلت لا أخبر الصحراء وأنا من طلبت العيش فيها..

فردت عليه... إنك لمجنون وخبل يا هذا.. أكنت تتوقع لإمرأة صلعاء ان تحظى بمشط كي تجدل شعرها.. لا أدري بم كنت تفكر!؟ وانت تزيح اللثام عن وجهك بعد ان أتممت البيع لمن كان يستظل بوارف شجرتك الطيبة... أحالوك كي تقارع ما لا يمكنك ان تقف أمامه لحظات... جعلوا من وشيعتك ان تلتف حتى يخفى أو تدس رأسها بعدها تقضي عمرك تبحث عن حقيقتها... أطاحوا بعرابك بعد ان بعت لهم اباك رغبة في ملك.. قبلت أن تسمع اجراس الكنائس تلبي معهم وتصرخ هالولويا فقط لتثبت أنك متحضر... حاورتهم حوار الاديان فبصقوا في فمك بكسرة خبر ما ان أستطمعتها حتى ابحت لنفسك أكل لحم الخنزير وسمحت لعرضك ان يتباهى بالبكيني ذو الخيوط... دين متلون كما سمحت الفتوى بذلك، عبارات تحب ان تسمعها بينما نال اللواط منهم حتى شرعنوه بالزواج وسادية منحوها الإجازة، اما أنت لا زلت في صحراءك تبحث عن نبتة الحق والباطل العدالة والظلم... الدين والاسلام.. اشتريت لهم ما لا يمكنهم أن يبتاعوه لولا حماقتك.. فالقموك السراب بحثا عن حقيقتك، أتاحوا لك الإباحية في التمثيل لتشعر أنك شهريار عصرك  بل شهريار كل العصور... أخاطوا لك ثياب من سندس واستبرق فظننت بدينك والفتاوى أنك قاب قوسين أو ادنى... طفت حول بيتك الوهمي وجالوا هم بين الصفا والمروه، حفروا زمزمهم ذو الماء الاسود ثم احاطوه بأيديهم ذات الصليب... جاؤوك يحملون حداثة حَجِهم الى بيتك، ففتقت لهم ابوابك الموصودة عن الآخرين بحجة الدين والإسلام يحملان صفة التسامح... وبينك وبين الآخرين من بني جلدك يحملون صفة التناكح.. بعدها أطلقت عبارات السلام طريق الحق والانتصار على الباطل... لكنك نسيت او تناسيت أن الباطل يقطن تحت عباءتك بعد ان رُشَت مبيدا حشريا يقضي على البراغيث التي تسكن جلدك لكنه امات رجولتك بإخصاءك...

يا لك من إبن جاهلية.. هكذا انتم بنوا العرب تقتلون بعضكم من أجل فرس أو حصان او من أجل فرج... أما أعراضكم فتبيعونه نخاسة بدينكم الذي استنبط العهر والدعارة جهادا... عليك اللعنة اراني يا هذا قد أنهيت صفتي كنفس امارة بسوء فقد تركت لك السوء كله.. فما عاد لك بي حاجة.. فَسِر حيث صفحات كتاب وسعي واذهب حيث وقف آدم بعرفات علك تجد من يدلك على طريق يسمونه الهداية لكن دون اشارات دينية قطعية او ظلال إحرام ابيض.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي  

 

سعد جاسمحلمتُ انكِ حمامةٌ تبكي

تبكي على طائرِها الوحيدِ الذي تحاول أن تنهشَهُ افعى

تجيدُ التسلّقَ الى اعالي الشجر

 وتعرفُ كيفَ تتسللُ الى الاعشاش

وتنفثُ سمومَها في القلوب

وقبلَ أَن يستحيلَ الحلمُ الى كابوس

أَيقظتُكِ ومسحتُ دمعَكِ الحار كرغيف

وهمستُ لكِ: لاتخافي ارجوكِ

أَنا كنتُ احلمُ: أَنتِ حمامة

وعندكِ طيرٌ وحيد

فضحكتِ أَنتِ بصوتٍ يُشبهُ الفرح

وقلتِ لي : انا الاخرى كنتُ احلمُ

انكَ كنتَ طائراً تستوطنُ عشّاً على شجرة

وكانتْ ثمَّةُ افعى جاءتْ تسعى كي تنهشَ

قلبَكَ الذي كانتْ لهُ هيئةُ صقر

وكانَ قلبُك الصقر قد استنهضَ كلَّ بسالتهِ

وقامَ من عشِّ الخوفِ

وألقى بالافعى أَرضاً بصيحةٍ مكتومة :

-الى الجحيمِ يامسمومة

*

ها انتِ تتكئينَ على صدري الذي تعتبرينهُ ملاذَك

أَو وطنَكِ الآمن

تنتظرينَ حلماً مكتنزاً بالمباهج والقُبلات

*

ها نحنُ نحلمُ فرِحينِ تحتَ مطرِ الخلاص

ونمشي بعيداً بعييييييييييييداً

ونُحلّقُ عالياً عااااااااااااااالياً

حتى اعالي الحقولِ والينابيعِ وبعدَها بكثييييييييير

***

سعد جاسم

 

صحيفة المثقفيا عصا الترحال طيقي * قربـت شوطا ً طريقي

يا عصا الترحال صبراً ** قربت شوطا ريقي

واستبان الصبح فيـها ** ها هو الظـــلّ ُرفيـقي

بين صحو بين نـوم **** يا نـــوايانا أفيـــــقي

فاذا في الأُفق نـــار ٌ *** - ليس نوراً- لحريق ِ

فغدا الكون ثبــــوراً **** جلداً كن يا خفوقـي

يا خليــــلي َّ بــدربٍ *** مسـه المولى بضيـق ِ

يا..أحلاني فوعدي *** لكـما رأس المضيق ِ

ان يظلَّ الجو صحوا ً ** لم يكن وعدَ صدوق ِ

غيمة ٌ حبلى كذوب ٌ ** ذات عـــزف وبـروق ِ

بددت وعدي هباء ً *** فاذا ليـــــل ٌ شروقـي

وأنا الرائد لم يكــــــــــــــــــذبْ ولم يرم بموق ِ

فهوى عنّي اتزاني **** و نبا عنّي بريـــقــي

قيــد تحقيق ٍجناني **** نُقضت كُلاً حقــوقي

ورماني الدرب شلوا ً ** نحـــو قطّاع الطريق ِ

سامني الدهر غباء **** بعـد ود ٍّ ووثــــــوق ِ

أينما قلـّبــــــت عيني **عتــــب ٌوجه الصديق ِ

يا عصا الترحال مهلا ً ** نحن صنوان فسوقي

حيثما تمضين أمضي ** أينـــما شئـت مروقي

فاذا ما شط ّ عقلـي *** أنــت لي خيـــر رفيق ِ

اجتباك الدهر صنوا ً ** لي مع الشيــب فروقي

***

سمية العبيدي 

 

 

هناء القاضيكان أحد الصباحات الجميلة في نيسان

قلعة قاتيباي، البحر، رائحة القهوة

أنا وصديقي الكهل يعتمرُ قبعتهُ الأنيقة

يُحادثني تارة.. وأخرى

يسرحُ بعيدا صوب البحر

يعاتبُ رفيقة عمرهِ ماري

**

الكهل إعتاد الجلوس كل يوم في ذات المكان

يقرأ ُ مع البحر تقلّب الفصول

يوشوش للريح الخمسينية.. فتخبرهُ

أن مراكب العمر توشك على الوصول

**

اليوم وبعد اكثر من عقد

أعود لماضٍ أسرني من بُعد

القلعة، البحر، أنا وفنجان قهوتي

أسرحُ بعيدا فألمحُ

صديقي الكهل مبتسما تتأبطُ ذراعهُ ماري

**

من دونهما الأسكندرية لم تعد تُشبهه التي أعرفها

حتى أنا ..

لم أعد أشُبهني

***

د هناء القاضي

23-4-2019

 

جابر السودانيغدا، عندما يمرُّ الغزاةُ

من هنا

لن يجدوا ما يستوقفهم

سوى أطلالِ هذه البلادِ

المحترقةْ.

لن يجدوا غيرَ أسمالِنا

التي ستبقى بعدنا

عالقةً على أشواكِ البراري

يضمدونَ بها

جراحَ خيولِهم ويرحلونَ 

دونَ مجدٍ أو غنيمةٍ خائبين.

**

جابر السوداني

 

زياد كامل السامرائيإلَى أَقْصَى أَشُور . . 

إلَى مُنتهَى الوجعِ

بِمَا يحملُ الزَّعْفَرَان . 

حِرابٌ فِي سَهْلِهَا 

وعندَ طَرْفها الدَلالْ . 

*

نَصِيبِي مِن المدينةِ غُصْنًا

وجرح

 أعبرُ بهِ خارطةً لمساميرِ الطفولةِ

بلهاثِ زورقٍ مَثقوب . 

ألعقُ الريحَ بمصراعِ الفؤادِ

يُنبتُ لَحْنًا سَخِيًّا

مِلءَ السِّلالْ . 

*

نهاركَ . . 

يفرشُ حاجِبيه

يقيمُ الحدّ عليكَ

وانتَ لمْ تُقدِم عَلَى خطيئةٍ

أَو تتوسلُ كَلْب حزين 

الاّ بِمَا اشْتَهَى الضوءُ

عَنَاقِيد التِّلالْ ! 

*

تصومُ . . 

لعلّ الهلاكَ يَجمعُ موتكَ الرحيمَ فِي آنيةٍ

وانتَ تحدّقُ فِي رسغهِ المُتورِّمِ

حَتَّى ينْقطِع عنكَ الفجرُ

بَيْن أشناتِ مقبرةٍ مُسيّجةٍ بالقضبانِ 

لِكَيْ لاَ يَعبرُ حُلمكَ أبعدُ مِمَّا تُريد . 

فمنْ يَدلّه بَعْدَهَا 

عَلَى بابِ الجديِ الجديدِ 

أَو رقصاتُ الدبِّ الأكبرِ؟ 

منْ سيزرعُ خريفَ عُمرِه بالأصفر ؟ 

منْ يَجْرُؤ 

ومَهدُكَ ذُو الجلالْ !

 ***

زياد كامل السامرائي

 

سميرة بنصرحينما أسدل جفني بيني وبين العالم

أسكن الصدى

أتملّك عرش عزلتي .. المفقود

حيث لا ظلّ يربك خطاي

لا ظلّ يرجّف النورعلى بصيرتي

أو يجرّها لعتمة ظلاله وأقداره

حين أسدل جفني

أطوي البحار

أطوي الجبال

اأطوي المدائن

أطوي المدى

زرقاء اليمامة أنا

أفتّق الحجب

وأنفذ من مسامات جلودكم

إلى نفايات الانسان

***

أنا

... طرحٌ يوافق وحدتي

حين أراني او لا أراني

اقول أنا

حين أجدني أو لا أجدني

أقول أنا

حين أراك أقول أنت

حين لا أراك .. أقول أنا

لأنك في الحقيقة حين سكنت “هو”

كنت تلاشيت في مركّبات أنا

أنا حلم أفسره كيفما أشاء..

أنت صدى حلمي تستوقفني

بانعكاسات أبعاد المرايا

انا أتستّر عن جميع تفاح الغواية

بين اللحم والعظم

أنت تعريها الى نخاع اللّب

ستحتاج وقتا طويلا

وانت تنقّب عن مكبّ فداحتها

وحين يشاء بك

ستصعق من هول هو

المتربع بانتظارك

المتربص بك

حيث أكوام الخطايا

ينوء من حملها هو

هو الذي هو أنت

هو انت الذي هو أنا

تتقلّص الرؤيا

يتقلّص العالم

تزدحم الأنا

وتلتقط جزيئاتها

أنفاسٌ..ذرّاتٌ..هباءاتٌ

لتصير أنا النّافرة

المتنافرة

لا غيرها في الوجود

الالتحام الومدي

يذيب المعاني

يذيب التنافر

يذيب التضاد

فأعود أنا لا شيء سواي

هل كنّا صفوة ً

أم كنا طفرةَ ً

أم كنا هفوة ً

من جنى الطفح الأجاج

ما كنت أساير العالم أنا

ما كنت أراكض النهر

كنت أبدد حيرتي

على أحزمة المرافئ

ما كان ليعنيني الى أين يهرع السيل

فقط أردت نهاية الطريق

أين تلقى الودائع

أين تمضي الاسراب

!!!لا جواب ؟.. لاجواب

صخور المرافئ صمّاء

التيار يستحم بكل الاشياء

ويمضي وتمضي معه

ذاتي مضغة من ماء

وحدها الافكار تتشكّلُ

حين كان الصبح ممزوجا بالماء

حينما المساء ممزوجا بالماء

حينما الانا تغفو على سرير الماء

كانت سميرة تتقن غفوة الغيب

حينما لا اسم ولا مسمى

لا ضمائر تستحضرأو تغيب

حينما الضمير هو

لا اله الا هو....

***

سميرة بنصر

 

ريكان ابراهيملا تأمني جانبي يا بنتُ، إنَّ يدي

                         فوضى، وإنَّ غرامي دائِمُ الفِتَنِ

إن كنتِ واحدةً عن جنسها اختلفتْ

                       أنا جميعُ رجالِ الارضِ في بدني

فلا ملاحُ أمراضٍ تُعطّلني

                              ولا مشارفُ تسعينٍ تُؤدّبُني

بياضُ نحركِ إغراءٌ كأسودهِ 

                   ما بين نحرين أقضي العُمرَ في محَنِ

حتّى وإنْ مَيّتٌ حَوّاءُ في رئتي 

                             فلا يَغرُّكِ إنْ لُفلِفْتُ في كفني

على دماثةِ أخلاقي سرى خبري 

                     وصرتُ أُضحوكةٌ في السِرِّ والعلَنِ

شَوّهتُ سمعة أبنائي بأنَّ أباً 

                             لصبيةٍ لم يُوقِّرْ حُرمةَ الزمنِ

ووالدي، وهو في مثواهُ مُمتعِضٌ

                         وصارَ ندمانَ أن قد كان أنجبني

أنا ابنُ ذاك الذي أغرتهُ من يدِها

                               تفاحةٌ فتناسى حكمةَ السُنَنِ

أمام سحركِ أهوى العُهرَ أجمعُه

                           ولا أُحاذرُ من مُخضَرّةِ الدَمِنِ

فالجوعُ في آدمٍ طبعٌ، وسيّدُهُ 

                          جوعٌ إلى الجسَدِ المملوءِ بالفِتَنِ

على فراشِك أنسى كُلَّ فاضلةٍ 

                          من الخِصال التي كانت تُهذِّبني

تُسامِحُ الشهوةُ الحمراءُ ما سَمِعتْ

                         عن كلِّ ماضيكِ في زَلّاتِهِ أُذُني

وإنْ أسأتُ إلى قانونِ تربيتي 

                            فإنَّ مَنْ خلقَ الإنسانَ يعرفُني

فيكِ الذي يَتحدّى كُلَّ ذي أنَفٍ

                              فينحني الرَجلُ الجبّارُ للوثَنِ

أنا الذي لم يكنْ يقوى عليَّ فتىً 

                          لكنَّ حوّاءَ مَنْ قد كان أضعَفني

بلمسةٍ من يديها يرتخي جسَدِي 

                      وتنتهي في حصاني سطوةُ الرَسنِ

ولَثْغَةٍ دون معنى من مراشِفها 

                           تصيرُ كالمتنبي حين يسحَرني

وكنتُ في قيَمي السمحاءِ مُؤتمناً

                           وحينَ أَحببتُها ضَيّعتُ مُؤتمني

والناسُ تعرفُ أنّي لم أهُنْ شرفاً

                                ولم أبعْ ذِمّةً يوماً ولم أخُنِ

وكانَ لي وطنٌ، لكنَّ فاتنتي

                        بسحرها وهواها أصبَحتْ وطني

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

وليد جاسم الزبيديإش.. إش

لا إش بعدَ اليوم

فالأخرسُ نطقْ

والخوفُ مزّقَ أغلاله

والصّوتُ فِرَق

إيـــهٍ.. زهرونْ

تتعمّدُ، والدمعُ عيونْ

والناسُ نيام

من تعبٍ تحرسُها الأحلام

يعتصرُها عطرُ الأفيون

إيهٍ.. زهرونْ..!

تتفيأ بُستانَ السلطان

والبستانُ ظلالُ الـ (إش)

و( إشْ) سوطُ السجّان

لو.. (ماركس) يأتينا اليوم

لأخفى " رأسَ المالِ"

بجوراب " أنجلز"

لأستحيا خجلاً من هذا العصر

من التنظيرْ

فلا تنظيرَ، ولا تطهيرَ، ولا تحريرْ

فالسوقُ اختلفتْ

والسّوقةُ والأرباب

إيهٍ.. زهرون..!

اختلفتْ فيكَ نظرياتُ:

الموتِ، الحرب الأهليةِ، والجوع

ورصيفٍ كانَ لك المسكن

تلغيهِ البلديةُ من خارطةِ التصميم

فأنتَ المتجاوزُ على حقوقِ

الأمم المتحدة

وحقوقِ الحيوان

أيهٍ.. زهرونْ..!

لو.. تعرفُ ما الإنسانْ..؟؟

في زمنِ البؤسِ وخارطةِ الحرمانْ

لو.. يأتي.." ماركس"

في أجواءِ فراغ خزائنِ مصارفنا

وهروبِ الخيطِ والعصفور

والأرضُ تدورْ

لو.. يأتي..؟؟

ماذا سيكتبُ عن نفاياتٍ بشريةْ..؟

ماذا يقترحُ لحلّ الأزمات القهريةْ..؟؟

ماذا سيطرحُ من مشروعٍ

للتأميمِ..؟ ببلدِ الفقر

ولمنْ.. سيعطي حقّ لجوء..؟

ماذا سيكتبُ في فلكلور

التشريع.. التصريع..التمييعْ

لو.. يأتينا..؟؟ لتمرّدَ

يساريو الشرقِ

وغنّتْ جوقةُ " ماو"

الحانَ كفاحٍ لا مصرّح

على شواطئ الكافايين

وتجاهلَ يساريو الغربِ

ستايلَ (لينين)

في تقليعةِ لحيتهِ

واستغراقٍ في التلوين

وشوارعَ يخنقُها الطينْ

إيهٍ.. زهرونْ..!

أينَ تكونُ..؟ وكيفَ تكونْ..؟

في عولمةٍ صارتْ هجرة

يلفظُنا الوطنُ فننزحُ

خلفَ بحارٍ، خلفَ سهول

نؤسسُ أوطاناً لليُتمِ

لأراملَ تلتحفُ الطُرُقاتْ

تتسوّلُ.. تجترّ نفاياتْ

إيهٍ... زهرونْ,,!

كنتُ أظنّكَ تبقى أبيضَ

لا تتقلّبْ

تكدحُ.. تتعبْ

لكنّي... قرأتُكَ في صحفٍ

"بوتينياً" قُح

أكثرَ من " بوتين"

تحتسي " الفودكا" مع صورةِ " ستالين"

وتدخّنُ سيكارَ "كاسترو"

وتأخذُ " سيلفي"

مع " انجيليا جولي"

وتُضاهي خسّةَ " راسبوتين"

في فصلٍ آخرَ

تتبدّلُ أوراقَكَ، تصوّتُ، وتُهلّلُ

تصد؛ُ بلونِ "ترامب"

" ترامبيٌ" أنتَ ومسكين

مسحورٌ ببهرجةِ التكوين

إيهٍ.. زهرونْ..!

فدنيانا أفعى

وغرورُ شياطين

إشْ.. إشْ

إشْ زهرونْ..!!؟

***

شعر/ وليد جاسم الزبيدي/ العراق

 

حسين حسن التلسينيالبرقية الأولى

نهض الشعر الفياض الأخضر من تحت الأنقاضِ

مامرَّ بمحكمةٍ يسأل عن قاضِ

أو هبَّ ليلتمس العون من بلسمٍ

زكاهُ الجرح وعنهُ الطبيب الماهر راضِ

طار صوب جروح ضحايا فك الوباءِ

ظل يمطرها بغمائم دقات خافقه الحبلى بسما أقراص الدواءِ

بصباحات يحملن أزاهير البشرى من روض الشفاءِ

 

البرقية الثانية

شربَ الشعرُ من منهل البِرِّ

صارت عيناهُ لأكواخ الجوعى كوكبين من البحر والبَرِّ

وغدا قلبهُ مسرحاً فاضحاً للجلاد وسوطهِ القاتل المُرِّ

 

البرقية الثالثة

الشعرُ سفيرُ الحُبِّ

لاطبلَ الحربِ

ومصابيح تلوي أعناق ظلام الدربِ

الشعرُ نسيم يهب لأطراف الأرض الأربعْ

نحْلٌ من ضوء لم يصنعْ شهداً لظلامٍ أوفي مقلتهِ يقبعْ

***

شعر / حسين حسن التلسيني

العراق / الموصل

 

 

فتحي مهذبفعلا أنا مجنون

شلخت جبهة قديس بمطرقة

اختلست خبزه ونبيذه..

جرنه المليء بماء المتناقضات..

مزقت روحه القرمة بمخالبي..

بلت أمام كنيسة مثل أرنب مسن..

أمام قساوسة يبيعون تذاكر مزيفة

قذفت قائد الأوركسترا بالحجارة

باركت غريبا يستمني

يبدو مثل ثور مكسور الخاطر..

رغم ذلك لم يطردني ابن الانسان

***

فعلا أنا مجنون

أشك في معجزات رأسي..

مغاوره المليئة بفهود اللاوعي..

برجه المائل الى جهة الضباب..

قطانه الكثر من سنخ الزئبق..

فعلا أنا مجنون

أفتح النار على متصوفة..

يطيرون في الهواء..

على ضرير يقود دراجة من قش..

على خفاش عالق بابط عجوز..

على زيزان ٱذار الفارط..

على قتلة يختفون في بنك معتم..

(على ماضي الأيام القادمة)..

***

أهديت كتب ماركس لهيكل عظمي..

مركبا لالاه مريض..

سريرا لميت يشك كثيرا..

مسدسا لنبي معزول..

ألبوم أغان  لأصم..

تنورة عانس لجورج باتاي..

قميصا فضفاضا للسهروردي..

صك غفران لرهين المحبسين..

نظارات شمسية لهوميروس..

***

فعلا أنا مجنون

كل ليلة أنام فوق ضريح..

أسرد عذاباتي على أشباح خجولة

أغني مثل طاووس في ملهى ليلي

لطرد اوزة النسيان..

وتشتيت غيوم الندم..

في الصباح يذهب الميتون الى

حقول الأرز..

بينما وحدي أعوي مثل ذئب الفلاة.

***

فتحي مهذب

 

تواتيت نصر الدينوطني ياقبلة للثائرين

وطني يا أيها الغالي الثمين

أيها المرسوم في لوح جبيني

أيها الممتد في أغوار ذاتي

أيها الشوق الكبير

*****

ياهوى يكبر دوما في قلوب العاشقين

ها أنا دوما أراك

شامخا كالقبلتين

شامخا كالصرح مرفوع الجبين

منذ أن كان جدودي

منذ آلاف السنين

*****

أنت للحر مثال

أنت للأسد عرين

أنت يا هذا الّذي لا يستكين

في وجوه الكائدين

في وجوه الغاصبين

وستبقى واقفا طول السنين

عاتيا رغم الأعادي

ونشيدا من تسابيح الجهاد

وطني يا قبلة للثائرين

جنة أنت اصطفاها

مبدع الكون..اله العالمين

***

 تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

جمال مصطفىمِـن سُـرّة ِ الـعَـدَم -الـوجـود ِالى أقـاصي الأنـفـجــارْ

حيثُ اسـتَـوتْ (حيثُ) الـتي انـداحَـتْ فبـانَ الجـلّـنـار ْ

إذ  سَـبَّـحَ  الـعَــدَدُ الـصـحـيحُ  وكَـسْـرُهُ بـالأنـكـسـارْ

بـتَــفَــتُّـق ِ الـمبنى عـن الـمعـنى ، بـواعِــيـة ٍ تَـحـارْ

بـالـمـوجَـبِ الـمـسـلــوب سـالِــبُـهُ بــه ِ نــوراً ونــار

بالـقـافِ بالـقـافـيْـن ِ في ذات الحـقـيـقـةِ ، بـانـشطـارْ

سِـرٍ الى سـرّيْــن ِ ، والـسرّيْـن ِـ ـ  أسرارٍ ـــ  بِـحـارْ

بـجُـسَـيْــمَـةٍ للـربِّ أصـغــرَ مِـن وأكـبــرَ، بـالأطــارْ

بـالـذبــذبــاتِ  الـساهــراتِ عـلى  نـظــام  الـلاقــرارْ

بـبـواطـنٍ فـرّتْ  فـلـمْ يَـلـحــقْ بـهـــا  حـتـى  الـفـرارْ

بالـساتِــر الـمـستــور بالـكـشْـف الـمُـؤجَّـل للـسـتــارْ

بالـفـرْسخ الـفَـلَـكيِّ تـمْـخـرهُ الـطـلـيــقـةُ بـاجـتــرارْ

جـمـرِ الأبالـسـة الـمُـؤنـسَنِ  بـاستـعـادتهـا الـشـرارْ

بالـثـقـب أسـودَ هـل سَـيَـسْـري في غـياهـبهِ استـبارْ

هـو شـامـةٌ - سـبّـابـَـةٌ ، قـالـوا  تُـلَــوّحُ : أنْ حَـذارْ

حـتـى الـجـوابُ  بـدايــة ٌ حُـبْـلـى بـأسـئِـلَــةٍ غِـــزارْ

وتَـعَـرّجَ الـمَـسْعى ابـتـغـاءَ اللاوصـولِ كـمَـن يَـغـارْ

خوفـاً على حُلُمِ الوصول مِن الوصولِ مِن اصفـرارْ

أوراقِ سـدْرة ِ مُـنـتهـى  أشـواقـهِ  ومِـن احتـضـارْ

ذئـبِ الـبـراري حـيـن يـنأى ثـمّ  يـنـسى ما الـبَـرارْ

ضـيـقَ العـبارةِ تـشتـكي الـرؤيا  فهـل ذاك الجـدارْ

يـنـزاح ُ ؟ قـد  لكنَّ (قــدْ) وقـفـتْ كجُـرفٍ جـِدَّ هـارْ

وتَـقـوّسَ الـزمـنُ ـ الـمكانُ  إزاءَهـا  حـتى اسـتـدارْ

بـحـراً مِـن الـظـلُـمـاتِ  يُـبْـحـرُ في تَـلاطـمِـهِ  فـنـارْ

بـيـن الـريـاحِ  وأعـيُـن ِالـغـرقى  وسـابـعـةِ الـدوارْ

وعَـلا عـلى  قُـطـبَـيْ  مَـحـاورِهِ  الـمُعـفَّـرةِ انـتـظـارْ

أنْ يَغـطـسَ الـطـافي وتَـنـفـصلَ اللآلىءُ عـن مُحـارْ

ما كان إلّا أوّلَ  الـمـسرى  سـتـصعــدُ في الـمـسـارْ

وتُـغــيِّــرُ الـعــنْــقــاءُ  أجـنـحـةً  وأجـنـحـةً  كِـثــارْ

في بعـضِهـا طُـوبى البناء وبعـضِهـا حُـوبا الـدمـارْ

حـتى  يـقـولَ  اللّازَوَرْدُ :  اللازوردة ُ،  تـلـكَ  دارْ

كانتْ  هـنـاك ،  كَـحـبّـةً  مِن رمْـلِ  ذيـّـاكَ الـمـدارْ

كـمْ  جـارةٍ  بـمَجَـرّةٍ  يـا  لا زوردُ   لـهــا  وجــارْ

كمْ نـسـخـةٍ مـنّـا هـنالِك  في الـمـنـام لَـهـا ازديـارْ

ولَـنـا  طـيـوفٌ عـنـدهـا  ولَـربّـمـا  نُـسِخَ الـنهــارْ

أأنا  أنا  الـثـاني  يُـبـادلـني  - ولا نـدري - الحـوارْ

أمْ أنّ  نحنُ الـفـردَ  أجـمعَ  وحـدَهُ  جـمْـعُ  انـتـثـارْ

أمـلٌ  كَـواحـاتٍ  تَـ  نـا ثـ ــرَ في مَجَـرّات ــ قِــفــارْ

وصدى ارتهـاصاتٍ مِن الـسُـدُمِ الـقَـصِيـّةِ بـافـتـرارْ

شـفـةِ الـبـروقِ  اللـؤلـؤيّـةِ عـن زغـاريـدِ انـحـسارْ

ماءِ  الـدَيـامـيـس الـبـهــيـمِ الـمُـدْلَـهِــمِّ  كأنّ  قــارْ

يَـنْـجـابُ عـن  دربٍ  حـلـيـبـيٍّ  تَـألّــقَ  كـالـسـوارْ

بـيـدِ الـمشـيـئـةِ هـا هـنا  تَـبـدو وحـيـداً  لا غِـرارْ

يا لا غِــرارَ عـلى  غِـرارِكَ  بـذرةٌ  ثُــمَّ  ازهِــرارْ

كالمُبـدعِ المخلـوقِ مِن نُـطَـفٍ تَـخَـيّـرَهـا اخـتـيـارْ

حـتّى  تَـسـامى  إذ  تَـعـالى  كي  تُـقـلّـدَهُ  الـذَرارْ

ما مِـن رجـوعٍ عـن سـبـيـلٍ لاحَ  أوحَـدَ  لا خـيـارْ

كـتـقـابـلِ الأزلـيـنِ  فـي  لَـعِـبٍ  بـأقــدارٍ  قـِـمــارْ

الـنـردُ مـفـتـاحُ الغـيـوبِ  إذا  تَـقَـلّـبَ  واسـتـعـارْ

لـغــةً  مُـشَـفَّــرَةً  مُـعــبَّــأةً  مُـلــثــَّـمَـةَ  الـجـِـرارْ

أيّـانَ  كـيـفَ  بـأيّ أرضٍ  لا مُجـيـبَ  وأيِّ غــارْ

إنَّ الخـريـطـةَ  لا  تُـشيـرُ سـوى إلى أنَّ  الغـبـارْ

في جوفِ أصغـرَ جَرّةٍ  وحَذارِ مِن كَسْـرِ الـفـخارْ

منذُ الشروعِ إلى القـلوعِ ومِن إلى خوضِ الغـمارْ

الـسنـدبـادُ هـوَ الـمسافـةُ  والـنِداءُ  إلى الـسِـفـارْ

والسُلَّـمُ الحَلَـزونُ يَـصعـدُ (لا نُـزولَ) هـوَ الشعـارْ

زمَكانُـهُ أنْ تـستـديـرَ الـقـوسُ حـتى  سوف صارْ

مِن شهـرزادَ  شـقـائـقٌ  حُسْـنى وشُمِّعَ  شهْـرَيـارْ

في مُـتْحـفٍ بـبَـناتِ نَعْـشٍ وهْـوَ مُـصْغٍ  في  وقـارْ

مَـولايَ قـالتْ شهـرزادُ : الـسنـدبادُ هُـوَ اخـتـصارْ

أبَـدٍ  مِـن  الأكـوانِ  ،  أبـعــادٍ  مُـرَكّـبَـةٍ  ،   أوارْ

شـمْـسٍ وراءَ  الأرخبـيلِ ، الـسنـدبـادُ هُـوَ انجـرارْ

الـتـرجـمـانِ  وراءَ  أشـواقِ الـسريـرةِ ،  واخـتـبـارْ

مـلـيـارِ سـلـسـلـةٍ  وسلـسـلـةٍ لِـيـكـتـشـفَ الـنـضــارْ

بَعْـدَ اسـتباقِ الـوقـتِ نـزهـتُـهُ عـلى (كُـنْ يـا اقـتـدارْ)

فـيكونُ :  قـد زارَ الـتي  لـيـسَـتْ هـنالك كي  تُـزارْ

نَصبـوا وما زالـوا الأراجـيحَ  الـعـمـالـِقـةُ الـصغــارْ

مِن فـوقِ هُـوَّتـِهـا هـنـاكَ ـ ـ  يُـلاعـبـون  الأنـتحـارْ

لـن يَـكـبـروا  إلّا إذا  صدَعَـتْ  بأنْ : كـونـوا كـبـارْ

في وردةِ  الـمَـلَـكـوتِ أنتَ هـنـا  سـريـرُكَ والـدثـارْ

مِـن غـيـمـةِ الـرؤيا ،  يُـكَوثـرُك  ادّثـارُكَ  بالـبُخـارْ

سـيّـانِ  تَـغـرقُ أو نَـجَـوْتَ  الآنَ  حُـرّاً  فـي إسـارْ

ريـشِ انـطـلاقـكَ منكَ فـيكَ إليْـكَ  يا سَحَـرَ الهَـزارْ

سَحَـرٌ إلى  فـجْـرٍ إلى  صـبْـحٍ  إلى مـا شـاءَ  طـارْ

كَـمْ  خُـنَّـسٍ  يا مـا  لَـعِــبْـنَ  وكُـنّـسٍ مَعَـهُ  جَـوارْ

خـلْـفَ  الـدَراري وهْـوَ يَـركـضُ  يا دَراري  يا  دَرارْ

مِن وحـشةٍ أمْ  فـاض فـيـضاً لا احـتـياجَ ولا اقـتـِسارْ ؟

خـلْـقُ الـمـصادفـةِ الـسعـيـدةِ  بـيـن عـابـرةٍ    ومــارْ

هِـيَ  قـصّـة ٌ أنـتَ اخـتَـلَـقْـتَ وأنتَ  بـائـعُـهـا  وشـارْ

جـنّـيـتـي عُـريـانـةٌ عـنّـي  ، أنـا  الـشـبَـح  ــ  الأزارْ

هـاكِ  الْـبَـسي وتَـلَـبَّـسي يا جَـنُّ بـي  نحـن افـتـقــارْ

هـذا الجـنـاحِ  لِـذا الجـنـاحِ : الـطـائـرُ الآتي  انـصهـارْ

وَعْـيَـيْـنِ في وعْـي ٍ بـبـوتــقــةِ الـمـصـائــرِ  يـا ثـمـارْ

كـوني أجَـلَّ  غــداً  وأجـمـلَ  مِـن  مُـخـيّــلَــةِ  الـبَـذارْ

أنـأى وأقـربَ مِـن  خـفــاءٍ  فـي الـمـآلِ  ومِـن  جهـارْ

في آيـةِ  الـتـلـويـنِ غـيـمـةَ لا انـقـشـاعَ  ولا انهـمـارْ

فـتـألّـهـي كي  تَـنْـتـهـي  فـي  صـرّةِ  الـعَــدَمِ  ادّخـارْ

يـا مـاءَ  يـاقـوتِ  الـسـمـاءِ ، ومـا وراءَ  الأحـمـرارْ

نـامي  هـنـاك  ،  تَـريْ رؤى الله ِ الـتي  قَـيْـدَ ابـتـكـارْ

مـثـلاً  زمـرّدُةَ الـحـقـيـقـةِ لـمْ  يُـخـالـطـْـهـا اخـضــرارْ

مَـثـلاً حـنـيـنَـك - غـيـرَ مُـضـطــر ٍ- إلى أيِّ اضـطـرارْ

فـتَـشـاجـري  مِـن أجـل أنْ تَـتَـشـاجـري ـ واللاشِـجـارْ

يـا  كـلَّ  ذبـذبــةٍ ،  و حـقْــلٍ ، وابـتـنــاءٍ ،  وانـهـيـارْ

في  كـلِّ  وعْـيٍ ،  كُـلِّ عـقــلٍ  مِـن  حـيــاةٍ  وانـدثــارْ

إنّ الـخـيـالَ  لَـدَهْـرُكِ الأبْهـى  فَـسـيـحي  في إنـدهـارْ

غـيْب ِالغـيـوبِ وأنتِ في غـيْبِ الغـيـوبِ شذى انتـشارْ

ضوءِ الـتَـجـلّي مـنـكِ فـيـكِ فـحـيـثُـمـا  تَـسْريـنَ  سـارْ

شـتّـى عـقـاقـيـرُ الـسـمـاءِ  ولـيـسَ فـيـهـا مِن عُــقــارْ

يـجـلـوكِ في رَأدِ الـضحى  وجهـاً  ويـكـفــرُ بـالـخِـمـارْ

أنتِ الـتـبـاسُ  الألـتـبـاسِ  وقـد  تّـلَــبَّــسَّ  كـلَّ   كــارْ

يا مَـنْ مـقـامُـكِ فـي الـمُحاقِ وحالُ شَهْــرِك في اقـتـمارْ

***

جمال مصطفى

 

 

طارق الحلفيولأنني مستسلمٌ لِهواكِ

انحازُ فجراً للندى

عشبٌ يطرزُ مقلتي

لأراكِ

*

ولأنني وحدي وفيكِ هواجسي

منفايَ صَدُّكِ

والدنوّ رضاكِ

*

ولأنني احتاجُ ذكركِ دائماً

فليَ القصائدُ حارساً

ورَواؤها لِصَداكِ

*

ولأنني اَصغي لِنبضِ حبورنا

سَرجُ الليالي

والصهيلُ نِداكِ

*

ولأنني كنتُ انتظرتُكِ طائعاً

طردَ النعاسُ دروبَهُ

فلعلَهُ القاكِ

*

ولأنني كنتُ انتظرتكِ واهِماً

صفوُ الصدى

لم يَرتجعْ الاكِ

*

ولانني احتاجُ اركضُ في المدى

خضراءَ تنمو بِالخضابِ

خُطاكِ

*

ولأنني احتاجُ بوحُ غياهبي

فليَّ الاصائل نَرجِساً

وقصائدي بِرعاكِ

 *

ولأنني فيضُ سأبذرُ غيمتي

متزنّراً زلزالَ قلبي

والحصادُ رؤاكِ

*

ولأنني شفقٌ وانتِ وميضهُ

هتفَ الوجودُ لِوَجدِنا

متلألئاً بِسَماكِ

**

ولأنني اُطريكِ قوساً سِحرهُ

قزحٌ يُلونُ شهقتي

بهواك

*

ولأنني اُهريقُ قلبي خمرةً

اسعى لِأسهرَ في فضاءِ

مداكِ

*

ولأنني تاجٌ وانتِ جواهري

بَذخاً اُرمِّمُ مهجتي

لِرضاكِ

*

ولأنني احرقتُ كلَّ سفائني

قدري اليكِ ولائِذاً

بِحماكِ

*

ولأنني ذَكرُ الحَمامِ وانتِ لي

اُنثاهُ جمراً والهديلُ

 سناكِ

*

ولأنني اَتأملُ الصبحَ الجميلَ جميلتي

اتذكرُ القبلَ التي

بَهرتْ مساءَ وسادتي بِشذاكِ

*

ولأنني الزهرُ الذي باركتِهِ

يأتي رَخيماً مِثلُ نَفحَةِ عاشقٍ

حتّى يضمخَ بالأريجِ مَساكِ

*

طارق الحلفي

....................

النص الفائز بالمركز الثالث من جائزة النور السابعة للإبداع / محور شعر التفعيلة

 

يحيى السماوي"مقاطع من قصيدة طويلة"

يـومـي وأمـسـي فـي الـهـوى خـصـمـانِ

أأنـا الـقــتـيــلُ؟ أم الـظــلــومُ الـجــانـي؟

 

يــتــقـاتـلُ الــضِّـدّانِ تــحـتَ أضــالـعـي:

نــورُ الإلـــهِ وظُــلـــمـــةُ  الإنـــســــانِ 

 

وكـلاهـمـا رغـم انــتـصــارهــمـا عـلـى

بُـقــيــا غـدي الـمـأســورِ  مُــنـهَــزمـانِ

 

فـأنــا عـدوّي فـي الـطِّـعـانِ ونـاصـري

وأنــا وقــودي والــلـــظــى ودُخــانــي

 

عـجـبـاً عـلى غـصـني يُـحـاربُ جـذرَهُ

وتــخـافُ مــن أهــدابـهـــا أجــفــانــي

 

زادي قــلـيــلٌ والـطــريـقُ طــويــلــةٌ

ويــدايَ راسِـــفـــتـانِ .. والــســاقــانِ

 

أســمـاحـةَ الـشــيـطـانِ لـو عـلَّـمـتـنـي

مـكْـرَ الـخـؤونِ  ســمـاحـةَ الـشـيـطانِ

 

حـاولــتُ أكـفــرُ بـالـعــراقِ وأهــلِـــهِ

فـاعـتـابـنـي شــرفـي وشُــلَّ لِــسـانـي

 

وأرَدتُ تــجــربـةَ الـخــيــانــةِ  مـــرَّةً

فــتـحَـجَّـرَتْ مُــقــلـي وهُـــزِّ كــيـانـي

 

وارْتَـبْـتُ مـن نـفـسـي وكـاد يــفــرُّ مـن

صـدري فــؤادي واســتـحـى قــرآنـي

 

غـنَّـيـتُ والـنـيـرانُ تـشـربُ مـن دمـي

وأنـــا أســـيـــرُ الــرعــبِ والأحــزانِ

 

لـيْ طـبـعُ بـاديـةِ الـســمـاوةِ رمــلُـهــا

لـمْ يــشــكُ جـمـرَ الـقـيـظِ لـلــغــدرانِ

 

 أمـســكـتُ عـن زادِ الــمَـراءةِ نـابــذاً (1)

إلآ الــمَــروءةَ فـي صـحـونِ خِـوانـي

 

كفـرتْ بـغـيـرِ ندى الـفـراتِ فـراشـتي

وأبـى ســـوى أمــواجــهِ بــســـتــانـي

***

يـــومــي بــهِ لـــيـــلانِ مُـــتَّــصِــلانِ

أمّــا صــبــاحــاتـي فــبـعــضُ ثـــوانِ

 

يـشـكـو زمـانـي لـلـمـكـان ويــشـتـكـي

زمـنـي الـمـؤرَّقُ مـن  جـفـاءِ مـكـانـي

 

قِـدِّيــســةَ الـشَّـهَـواتِ آيـةُ عِــشــقِـنـا

أنّـا بـِـعَــرفِ الـعـشــقِ مـجـنـونــانِ

 

ما أنـتِ يـا أنـثى الـخـيالِ؟ ومـا أنـا؟

جـنٌّ وأنـسٌ .. كــيــفَ يــجــتـمـعــانِ؟

 

نـلـهـو كـمـا زُغــبُ الـقــطـا لـكــنـنـا

حـيـن اقــتـحـامِ ريـاضـنــا صــقــرانِ

 

إنـي عـثـرتُ عـلـيَّ فــيــكِ فـحـاذري

أنْ تـخـبـري الـعـذّالَ عـن عــنـوانـي

 

مـنـذ الـتـقـيـنـا والـسـحـابـةُ مـنـزلـي

والـمُـقـمـراتُ جـمـيـعـهـا جـيـرانـي

 

والـعـاشـقـون جـمـيـعـهـم أهـلي بهم

عَـضُـدي يُـشَـدُّ ويـزدهـي بـنـيـانـي

 

ما الـضـرُّ من قول السـفـيـهِ وزعـمِـهِ

أنّ الــفــراشـــةَ والــنـدى خـصــمـانِ؟

 

كـم ســبَّـنـي مَـنْ لا يُـسـاوي رأسُـــهُ

نـعـلـي وأشـذى من شـذاهُ "سِــيـاني" (2)

 

فـعـفـوتُ لا عـفـوَ الـحـلـيـمِ وإنــمــا

شَـرَفـاً لِـنـعـلـي مـن جـبـيـنِ جَـبـانِ

 

ولـربَّـمـا سـامـحـتُ  فــاقِـئَ مُــقــلـتـي

إنْ كــان ذا أصـلٍ  رفــيــعِ الـــشــانِ

 

حـسـبـي ربـيـبُ الـطـيـبـيـنَ تـوارثـوا

مَــجــداً فـكـانـوا الــتـاجَ لـلــتـيــجــانِ

 

ولــربــمـا سَــبَّ الـصـقـورَ أُرَيْــنـِـبٌ

واعــتـابَ قـردُ الـغـابِ عـزفَ كـمـانِ

 

قـفــزَ الـســفــيــهُ فـلـم يُـجـاوزْ رأسُـــهُ

شِـسـعـي فكـيـف إذا ركـبـتُ حِـصانـي؟

 

مُــتــشــابـهــانِ إذا تَــبَــسَّــمَ وجــهُـــهُ

وقِـــفــاهُ فـهــو بــشــخــصِــهِ إثـــنــانِ

 

لـو كـان قـد خَـبَـرَ الــنــزالَ عَــذرتُــهُ

عُــذرَ الـخـلــيــلِ يُــســاءُ مـن خِــلاَنِ

 

يـا صــاحِــبَـيَّ وهــل يُــلامُ مُــخــنَّــثٌ

فـي غـمـزهِ مـن نـخـوةِ الــشــجــعــانِ؟

 

لا تـســألِ الـمــنــبــوذَ خُــبــزَ مــروءةٍ

ومـن الـجـبـانِ شــمــائِـلَ الــفــرســانِ

 

إنْ كـان يــنــقــصـنـي الـكـمـالُ فــإنـهُ

فـرطَ  الــخــطــايـا كـامـلُ الـنـقـصــانِ 

 

قـطـعـاً لِـكـفّـي لـو تُــصـافــحُ فـاسِــقــاً

وعِــمـىً إذا تــاقــتْ لــهُ الــعـــيــنــانِ

***

أسـمـاحـةَ الـشـيـطانِ شـكوى حـنـظـلٍ

يــشــكــو إلـــيــكَ مَـــرارةَ الإيــمــانِ

 

أسـمـاحةَ الـشـيـطانِ واخـتـلـطَ الـصـدى

مـــا بـــيـــنَ  صــوتِ ربــابــةٍ وأذانِ

 

الـقـائــمـون الـى الـصـلاةِ جـبـاهُـهُــمْ

كـالــقــائــمـيــن الى  كـهـوفِ غــوانِ

 

أســمـاحـةَ الـشــيــطـانِ تـدري أنــنـي

ضِــــدٌّ .. .. وأدري أنِــــنـــا  نِــــدّانِ

 

مـا لــ" ابـن آدمَ  " يــتَّــقــيـكَ لــسـانُــهُ

أمّــا  الــفِــعــالُ فــأنــتـمــا  صــنــوانِ

***

جُـرحـا  قـرنـفُـلــتــيــنِ؟ أمْ شَـــفـــتــانِ؟

أمْ لــلــهـــديــلِ ولــلـــشــــذا نـــهـــرانِ؟

 

صـلّـى صـلاةَ  الـلــثــمِ  بـيـنـهـمـا فـمـي

فـهــمــا بِـديــنِ الــعــشــقِ مــحــرابــانِ

 

ألـفــيــتُــنـي ســبــعـاً أفــيــضُ تــبَــتُّــلاً

مُــسْــتـغــفِـراً مـا مَـرَّ مـن عـصــيــانـي

 

أخـطـأتُ يـومــاً فـاقــتــرفـتُ وزلَّ بــيْ

شَــبَــقٌ فــأخـزى نـشــوتـي ســلــوانــي

 

هـيَ جَـنَّـةٌ أرضــيَّــةٌ ... قـد أعــجَــزَتْ

فـي وصـفِـهــا شــفــتـي وبَـوحَ بَــيــانـي

 

فـيـهـا الـجـواري مُـقــلــتـانِ ومِــبــسَــمٌ

والـنـاهـدانِ وخـصــرُهــا غــلــمــانــي

 

نَـفَـخَـتْ رمــادَ الأمـسِ مـنـي فـانـبــرى

شَــجَــراً وريــقــاً مُــثــقَــلَ الأغـصــانِ

 

ســبـعـونَ لــكــنْ : لا أزالُ طــفــولـــةً

وصِــبــاً ونــهــراً مـن نــمــيـــرِ حَـنـانِ

 

أنـثـى كـمـا يـرجـو الـخـيـالُ وتـشــتـهـي

عَــيــنٌ وتــحـلــمُ بــالــربـــيــعِ مَــغــانِ

 

لـيـكـادُ يـتـبـعـهـا الـرصـيـفُ إذا مَـشــتْ

تـــنـســـابُ فــوقَ الــدربِ نــهــرَ أغــانِ

 

جـازتْ بـيَ الـسـبـعَ الـطِّـبـاقَ ولم أكــنْ

جـاوزتُ قــبـلَ  " بُــراقِـهــا " وديـانـي 

 

فـإنِ اصـطـبــحـتُ فـإنـهـا الـشــمـســانِ

وإنِ اغــتــبَــقـــتُ فــإنـهــا الــقَــمَـــرانِ

 

عــذراءُ مـا افــتــضَّ الـغــرامُ فــؤادَهــا

قــبــلـي ولا غُــوِيَــتْ بـِـعِــقــدِ جُــمــانِ

 

ورِثَــتْ عـن الأمِّ الــعـــفــافَ وعـن أبٍ

تــقــوىً .. وخُــبــزَ الــكـدحِ عـن أخـوانِ

 

تـأبـى ســواهــا لــو شــدوتُ ربــابــتــي

عـزفــاً  وغــيــرَ حـقـولــهــا  غــزلانــي 

 

جـابـتْ بـيَ الــســبــعَ الطـبـاقَ من الـمـنـى

فــإذا الـقــصــيُّ مـن الــقــطــوفِ الــدانـي

 

تـرفــو بـحـكـمــتِـهــا فــتــوقَ حــمـاقــتــي

وتـــصــوغُ عِـــقـــدَ بَـــلاغــةٍ هَـــذيــانــي

 

هـيَ أوَّلٌ فـي الــعــاشــــقــيــنَ وفــاؤهـــا

وأنـــا  ـ إذا ذُكِـــرَ الـــوفـــاءُ ـ الـــثــانــي

 

يحيى السماوي

...................

(1) المراءة : المخادعة ... المروءة : منتهى مكارم الأخلاق ... والخِوان : هو المائدة إذا كان عليها طعام .

(2) السيان : في اللهجة الشعبية العراقية الجنوبية : الماء الآسن . 

 

مصطفى الخليلالضلالة؛

أن تبتلع شفرة الفتور لتمزيقك

وصولاً إلى القلب

ولن تجازف برشفة ماء ...

أنت الخاسر ؛

منذ أن دسوا حروبهم في سندويشة طفولتك

منذ أن لبست خوذة التراب مرغماً...

وأعلنت للشمس عن فائض حاجتها

والجراد يقرض حرثك

ماذا تنتظر ؟!

اتل، خطاب الوداع لديدان نحولك

وتبختر لقادم موتك..

ثم اصعد سنامه دون خطيئه

أكبر خطاياك ستكون امرأة تحتضنها

وجسداً اكثر نضارة

و أشد شبقاً... سترفل به

القديسون لا يبرحون السماء

إن نزلوا...سيطردون

على هذه البقعه من الارض

أحببتك مرة..؟

وقتها- لمست قلبك كان يرتجف مثل سنجاب هارب

على هذه البقعه من الارض

أحببتك للمرة الأخيرة،

وهي غارقة بالدماء

ولذتُ بك الى آخر المطاف

التيه، زمن ماقبل الفرعون

وحتى مابعده

لا أنبياء هنا...

***

مصطفى الخليل

منير لطفيحدّثنا أبقراط بن قحطان، قال:

ذات سوادِ ليلٍ غابر، وفي أكناف الخليج العامر؛ رقد ابنُ البنجال (سليم)، وغطّ في سُباتٍ عميق، فرأى فيما يرى الوسْنان، بأنه غدا (شهريار)، يعْتمّ بالشماغ والعقال، ويتزيّا بالطيلسان والصولجان، بل ويطوف بالمرسيدس باريس، ويلتهم الكافيار في أمستردام؛ بعدما غرقَت بنجالُه في النفط والغاز، وفاض فيها الجُمان والماس، ونعمَ الناس بالعيش الرغْد، ورفلَوا في ثوب السعْد!

ولمّا أقبل الفجر ولاح، وكزه رفيقُه فاستفاق. ليهوي من علِ السكْرة، إلى أدنى قاعِ الفكْرة. وبقلبٍ كَسير وجناحٍ مَهيض؛ هجَر الوِساد وبَرِح المهاد، وأَوْدع حلمَه النسيان، بعدما طواه طيّ السجل للكِتاب. ثمّ ازدرد فطوره الفخْم، جرعة ماء وحفنة تمْر! وعصَب رأسَه واحْتزَم، وبأسماله ائْتزَر، وفي أرجاء المزرعة انطلق. يهرَع كفأر مذعور، يلاحقه قطٌّ موتور. فيجزّ الحشيش ويروي النخيل، ويحلب البقَر ويسوم الغنَم. وخلفه يعدو جرْو صغير، في اللون أسود غربيب، وفي الحركة أهْيج من عفريت. يَنبح كحاطب ليْل، ويسيل لعابُه كالسيْل.

يقول الرواي: وفي غفلةٍ نهشه الكلبُ وأَبق، وأَدمى له الأَدَم والعضَل؛ فرفع صوتَه بالعويل، حتى تفصّد بالعرق الجبين، وانقطع منه حبلُ الوتين، ومال الجِيدُ إلى اليمين. وعلى عجَل تداعى القوْم، ليتداولوا بينهم الأمْر؛ فحضر القَضُّ من البنجال والباكستان، والقَضيضُ من الهنود والنيبال؛ حتى تَعاظم الجمْع من الشّغِّيلة، وودُّوا لو حضرَت (البي بي سي) و(الجزيرة). فحكى سليمُ ما تمّ، بعقيرةٍ مغموسة في الغمّ، وعيونٍ غارقة في الدمْع، وعقَّب بأنّه كالطريد، وفي المزرعة كالسجين؛ فشمّر كلٌّ عن ذيله، وأدْلى بخيْر دلوه؛ بين قائلٍ: لا ضيْر، فالجرْو فتى غَرير، وقائلٍ: لا خوْف، فالجرْح قريب الغوْر، وقائلٍ: البدار البدار، فالسمّ يسري في النخاع، وقائلٍ: خذوا حذركم وانفروا في ثُبات، فتدقيق الهويّات على قدمٍ وساق. وبعد أن لجب الجمْع، وحانَت ساعة الحزْم، أزمعوا بالمريض السيْر، مستترين بغبشة الليْل، ولْيفعل الله ما يشاء، بعبده اللائذ المُلتاع.

وبعد أن قادوه كالضّرير، أوقفوه بحضرة الطبيب؛ الذي تلقَّاه بالارتياح، ومحا من قلبه الارتياع، ومازحه كابن العمّ والخال، إذْ تبيّن أنه (إقبال)، من الجارة باكستان، والذي أمر من فوره بتطهير الجراح، وحقْنه في غمضة عيْنٍ باللقاح، وواعدَه مثلها ثلاثا مفترِقات، لا مجتمِعات، ثمّ منحَه مِن النقديْن، ما لا ذهَب فيه ولا لُجيْن، بعدما رآه أنْحل مِن قلَم وأفْقر من عوَز. فانصرف القومُ فرِحِين، وآبوا غانمِين سالمِين؛ بل زاد الفرحُ أضعافا مضاعفة، حين لمحوا الجرْو صريعا قبالة المزرعة، فحمدوا الله ثلاثا وثلاثين، ومِثلها في التكبير والتهليل، إذ نجّى الله الشِّبل (سليم)، مِن مخلب داءٍ مُميت!

يقول أبقراط: وداء الكَلَب داءٌ وبيل، يَفنَى فيه البدنُ ويَبيد، بعدما ينتقل مِن حيوانٍ إلى إنسان، إثر عضّة كلْبٍ أو هرٍّ أو حتى خفّاش. وفيه يلتهب الدماغ، ويحلّ بداره السّعار، بعدما يمسّه الفيروس، بمسٍّ من جنون. كما يُرهَب الماءُ كالموْت، ويَعسُر النفَسُ والبلْع. أمّا الدواء والعلاج ، فليس سوى الوقاية والاجتناب، على نهْج بناء السدود تحسُّبا للطوفان، وملْء الكنائن قبل الرِّماء. وصدقَت العرَب إذْ أخبرَت: " درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج".

 

بقلم: د. منير لطفي - طبيب وكاتب