داود السلماناحتشام الكلام

فائضٌ عن عطر انوثتكِ،

لماذا تبخلين عليّ

بشم نسيمكِ العبق؟

ولا تتركيني

أن امارس طقوسي

كدرويشٍ شبق؟

يجيد لغة السجود والقيام،

يلملمُ اشواقه المتبقية

ويعزف عن الثرثرة،

فبعدَ اليوم الكلامُ مباح،

والعشقُ مباح،

فلا أبُالي إن متُ بين يديكِ

كي اطهّر جسدي بعبقكِ

الاخاذ.

أيها الملاك الذي يمطر رذاذا

في كل المواسم،

ويفيضُ حنانًا

في دروب العاشقين.

**

لماذا تشحين عليّ بقليلٍ من الوصال؟

أرُيد أن اطعن ثغركِ

بالقُبلات،

واخرُ ساجدًا

في محراب وجنتيكِ

كوثنيٍ أرتدَ عن دينه.

**

لا ارتويّ بماءٍ غير رضابكِ

انهاري تشكو الظمأ،

يعشعش فيها الجفاف،

لا تُزقزق في بساتيني العصافير،

حتى الندى.. أخذ يلوّح بالغياب

لمْ يزرني القمر،

الغيوم ترضع اثداؤها

والمطر ممتنعًا عن الكلام،

عودي ليصدح بالهطول،

عودي لنستمع فيروز

وهي تغني:

(يمي مبعرف كيف حبيتو).

***

داود السلمان

 

 

مصطفى عليوعلى ضِفافِ (السينِ) قد هَرِمتْ

رُؤى شيخِ الحداثةِ والنبوءةِ

بعدما  شاختْ خُطاهْ

 

مُتَرنِّحاً  إِذْ لا نبيذَ بِدَنِّهِ

لكنّهُ يهذي كما السكرانُ

من خَرَفِ الثمالةِ

عِنْدَ طاغيةٍ

تأبّطهُ بلا خجلٍ  إلٰهْ

 

أَوَ تعْجبينَ صديقتي

من نرْجِسِيٍّ واهمٍ

سَمّى غُروراً

نفسه ُ السكرى إلٰهْ

 

فَكَأنّما وَرَمٌ سرى في ذاتِهِ

وَأَناهُ كالأُنثى الجريحةِ

لَمْ تزلْ حُبلى

بما أنْساهُ أنّاتِ الجياعِ بِشامِهِ

دهرًا فلمْ تَنبُسْ لَهُ شَفَةٌ بِآهْ

 

فَمَتى إِذَنْ يبكي و لو كَذِباً

على سِرْبِ العصافيرِ

الذبيحةِ في (حَماهْ)

 

أُمِّ النواعيرِ التي قد قُتِّلتْ

بِفُؤوسِ مَنْ لا رِفْعَةٌ  في روحِهِ

أو قَسْوَرةْ

لكنّما ضَبْعٌ يسابقُ في الخنا

هَوَساً أخاهْ

 

ياشاعري ياساحِرَ الفِرْعونِ حتى

حينما أفنى حِماهْ

 

ألْقيْتَها فَإِذا بها تسْعى

وَتَرْقُصُ حَيَّةً

وَتَلقّفتْ ما حوْلها في لَحظَةٍ

فَتَعجّبَ المَلَأُ الذين تَوافدوا

من ساحرِ الفرعونِ

إِذْ ألْقى عَصاهْ

 

مُتَلوِّناً  مَنَحتْهُ حِرْباءِ (الجُبيْلةِ). سِرّها

فَتَشابَهَ الإِثْنانِ في طولِ اللسانِ

فَزالَ لَبْسٌ وإشتِباهْ

 

مُتَسوِّلاً سالتْ مَدامعُ ريقِهِ

شَبَقاً على دَبَقِ الجَوائزِ والشِفاهْ

 

ضيْفٌ  و شاشاتِ الفضاءِ مِنَصَّةٌ

فَبَدى كما الطاووسُ مَزْهوَّاً وَتاهْ

 

رَقَصَ المُخَضْرمُ وإنتشى مُتَصابِياً

بِمُدامَةِ التوْريثِ سُكْراً فعسى

هذا الوريثُ  المُرْتَجى

يُحْيي أَباهْ

 

لِيَذوبَ  لُؤمُ الثلجِ من حَدَقاتِهِ

فيصيرُ بحراً من دمٍ لا من مِياهْ

 

أَيُطرِّزُ الشعرُ المُعاصِرُ بُرْدةً

وَقِلادةً لبِطانَةِ السوءِ اللعينةِ

حيْثُ سَلْطَنةٌ و سُلْطانٌ وَجاه ؟

 

أَتُشيرُ بوْصلةُ القَدامَةِ والْأصالةِ

والغِنى نحْوَ الحداثةِ  مِشْعَلاً

أم ضيّعَ الرُبّانُ معنى الإتّجاهْ

 

ماذا أرى؟

شيخَ الحداثةِ قادمًا في جُبّةٍ

وَبِطيْلَسانِ المجلسِ المِلّيَّ؟

واخَجَلَ الجِباهْ !

 

قَسَماً بِدمْعي يا سُليْمى لا سِواهْ

بِكرامةِ الانسانِ في وطنِ العروبةِ

إِذْ تَعَرَّى :

لا كرامةَ لا عُروبةَ لا رَفاهْ

 

أسَفاً سُليْمى قد خُدِعْنا

مَرّةً بل مَرّتين

قومي إذن

رُدّي على جيلِ الخديعةِ

قَبْلَ أن يفنى صِباهْ

 

فَلَقد  قرأْناهُ صِغاراً  وإنْبهرْنا

بالفتى مهيارَ يهذي سادِراً  بِنَهارِهِ

وَهداهِدٌ من قرْيةٍ

في الساحلِ السوريِّ جاءت

بالبشائرِ والنُبوءاتِ التي قد صاغها

بالرملِ أو بالطينِ

معجوناً بأسرارِ قُراهْ

 

مُتَحوِّلاً ، قَالَ الزمانُ،

فلا ثوابتَ في النُهى

وَكَذا العوائدُ

عالقاتٌ في عُرى صيْرورةٍ

وَرُحى  مَداهْ

 

إِذْ لا سلاسِلَ في معاصِمِهِ

إذا إنطلقتْ يداهْ

 

سَكِرَ الرفاقُ بخمْرةِ العرّافِ يلسعُهمْ

نَزَقُ الغوايةِ والمُغامرةُ الفتيّةْ

 

مُتَوَهّمينَ وحالمينَ تعمَّدوا

في برْزخِ الرُؤيا

وَ غُدْرانِ الفُتوحاتِ الشهيّةْ

 

رَقصوا وداروا كالدراويشِ هُياماً

بالكُشوفاتِ البَهيّة

 

مُتأهِّبينَ لِفَكِّ أسرارِ الطلاسمِ بغْتةً

وَرِتاجِ بابٍ مِثْلَ أبوابِ الفراديسِ

التي قد سوَّرتْ مُدُناً قصيّة

 

مُتَأبّطينَ الليلَ أرصفةَ المدينةِ

والمصاطبَ بينَ أشجارِ العواصمِ

بعد ما يذوي سراجُ الحانةُ الكسلى

وَتشتعلُ الثُريّا دمْعةً

(والزُهْرةُ) الخضراء َ في كَبِدِ

السماواتِ العليّة

 

يَتَلقّفُ الغاوونَ أرغفةَ الحداثةِ

من تنانيرِ  الحقيقةِ والمجازْ

وَعَنادلاً حَمَلتْ ندى بيروتَ قادمةً

على ريشٍ بأجنحةِ الخيالْ

مَعَها صدى فيروزَ يعلو

في الصباحاتِ النديّة

 

جَلَبتْ لنا مَنّاً وَ سلوى

من سماء الأرْزِ  والجُمّيزِ

إِذْ يبتلُّ فجراً في دروبِ الأشرفيّة

 

فَلَطالما عَزَفَ المغنّي للورى

نَغَماً شَجيّاً عن  معاني الإنتماءْ

وَشَكى بِهمْهمةٍ عُيوباً

في تفاصيلِ الهُويّة

 

حتى إذا أزِفتْ و ضجَّ جياعُها

سَخرَ  الفتى  مهيارُ من

صوتِ الجياعِ لِأنّهم

طَلَبوا رغيفَ الخبزِ

قَبْلَ فهْمِ (البِنْيويّة)

 

فَإذا برائينا يعودُ القهْقرى

خَلَعَ الحداثةَ كلّها

نِعْلاً لأقزامِ القبيلةِ والنَسَبْ

 

سَفَهاً لذا الرائي المُجَنّحِ لا يرى

معنىً لِمعْمعةِ الخوارجِ أو  سَببْ

 

خَرجوا على صَنَمِ القبيلةِ مثلما

شُعراؤها خرجوا على التقليدِ

في دُنيا الأدبْ

 

مَنْ منهما خانَ العروبةَ والعربْ ؟

عَجَباً لِمَنْ حجبت بصيرتَهُ

العقائدُ فإحتجبْ

 

في بُرجهِ العاجيِّ  لا يدري

يأوجاع الأزقّةِ. والهوامشِ

حيثُ ملحمةُ التظاهرِ والشغبْ

 

فَلَرُبّما لم  ينْتسبْ للشامِ يوما

او حلبْ

 

مُتقوِقعاً ما بينَ

(مصياف) الهوى واللاذقيّة

 

الثلجُ في وجدانهِ وضميرهِ

لم يشتعلْ بالنارِ أو

دمعِ الضحيّة

 

فَحَذارِ من داءٍ تفشّى

في ذواتٍ نَرْجسيّة

 

نفضتْ غبارَ التيهِ عن أعماقها

وَتَوشّحتْ سِرَّ البواطِنِ

في الدهاليزِ الخفيّة

 

حيثُ الهوى نَزَعَ القِناعَ مُعانقاً

صُوَراً. وَ سِكّيناً  لِحشّاشٍ قديم

قطعتْ خناجرهِ

حُقولَ الياسمينْ

وَحَناجِرَ (الفرْزات) و(الساروتَ)

أغنية الجياع السرمديّة

***

مصطفى علي

 

 

صحيفة المثقفربما يكون قد قيلَ ما سأقول ..

وقد يكونُ "تناصاً" مع ما لا أعرفه !

 

رأيتُ في منامي أنّي أحلمُ ...

يافطاتٌ تزحمُ بعضَها،

تَخنقُ الشوارعَ والساحات ..

بَشرٌ يقفُ تحتها أو أمامها يرفعون شارات نصرٍ ...

لا أدري على مَنْ ؟

علَيَّ ؟!

أنا ما إستسلمتُ قَطْ ...!!

قد يكون المقصود غيري !

يافطاتٌ تعاكس الزمن السريع .. تستحثُّ موتى الماضي العتيق،

يافطاتٌ باردة "الدمِ"، لا تأبه بالمستقبل،

بنَولِ الجهالةِ الصَدِىء تَنسجُ خرافاتٍ لتسويقِ "حكاية " اليوم الملفَّقة ..

...................

يَلتمُّ حولي قومٌ يصرخون : لماذا تَرمُقُ اليافطاتِ بطرفٍ ساخر ...؟!!

أخافُ أنْ يَستفرِدوا بي ..أهربُ، فأصحو من الحلمِ لاهثاً، مفزوعاً ..

أُسائلُ نفسي، ما هذا الزائرُ الثقيل، الذي لا يُجَسُّ ولا يُمَسُّ ..

هذا الذي نزَعَ قِشرَته فتَجلَى ؟!

لماذا لا يتركني الحلم، ويحلمُ لحاله ؟!

ما أَسأتُ لمَنامي، لماذا يُناكدني في رَقدَتي ؟!

أي إيقاعٍ نَشازٍ ينشأُ عن لقاءِ الواقعِ مع وَهمٍ أَخرقٍ، عَنيد ؟!

تُرى أَنكونُ وضعنا مِلحاً زائداً أو ناقصاً في الشعارِ، فأختَلَّتْ معادلةُ كيمياء الواقعْ ؟!!

سننظرُ صوبَ ما فعَلَ الزمانُ بنا، وما فَعلنا به ..

أتُرانا نَتَذرَّعُ بنسيانٍ ضروريٍّ لحماية بقايا ذاكرة يُسوِّسُها الزمان ؟!

سأرجِعُ إلى منامي .. فلا شيءَ ضامن للمستقبل !!

وأَترُكُ حِمارَ الحكمةِ مَنسيّاً فوق التَلَّةِ،

يسخرُ من تَناسُلِ خُرافةِ الثنائيات ...

لأنَّ ساعةُ " الحصاد " لم تَحُنْ بَعْدُ !!

* * *

كُنّا ألِفْنا الطريقَ الدائريَّ .. لا أمامَ فيه ولا خلف،

لا شمالَ ولا جنوب،

حتى طَوَّحتْ بنا قُوَّتُه الطاردةٌ ...

دونَ أن نتركَ وصيَّةً للأهل أو للدارِ، نُهاجر كالسنونو،

نحمِلُ نُعوشَنا .. ما خفَّ من أحمال، أشياءَ الغيابِ ..

بعضُ صورٍ ستشحَبُ، وخواطِرَ،

سَتَصفَرُّ رسائلَ، لَم تُرسلْ لحبيبةٍ .

لكنْ لا مَهرَبَ من لَعنَةِ الذكرى !

نَلوذُ بمَلاكِ النومِ من أَرَقٍ .. يُعاكسُ النسيان !

حياتُنا هي أنْ نكونَ كما نُريدُ،

نَحيا قليلاً،

لا نخافُ الموتَ ..

لا نِسيانَ يَجمعُنا ولا ذِكرى تُفَرِّقُنا ..

قَتلى أو مجهولونَ،

نكونُ فلا يكون ..

وإنْ كانَ فلا نكون !

لكننا سننامُ أو نموتُ واقفينَ، أَليفَاً !!

نَطيرُ مع فَراشاتِ أحلامٍ لصُبحِ رضيعِ، فوقَ سياجِ خُرافةِ هَشَّةٍ ..

لا تُظلِّلُ عاشقَيْنِ، أو مؤمِنَيْنِ شكَّاكَيْنْ .. !

إلاّ إذا إنكسَرَتْ "سِدرَةُ المُنتَهى"!!

.......................

بوضوحٍ أو غُموضٍ .. ستنكسِرُ " السِدرَة " !

فماذا عَسانا فاعلين، حينَ ننتَبِهُ إلى الغيابِ فجأةً ؟!

ونجدُ أنفُسنَا حاضرينَ مِلْءَ الغياب ..؟

كيفَ سنُكمِلُ الحياةَ في المنامِ ..؟!

وهل نتذكَّرْ حينها إنْ كُنّا أسأنا الحُلمَ !

.........................

على مَهلٍ سنَصحو ..

وَنطردُ كابوسَ السباخ،

فكُلُّ نهرٍ سيشربُه بحرٌ يجدِلُ موجَه لاهياً عَنّا ..!

سنزرعُ الريحانَ والنعناعَ وشقائقَ النُعمان !!

لا نُغيّر إلاّ إيقاعَنا، كي نسمعَ صوتَ القلب جهورياً !

............................

وإنْ مُتْنَا، سنَبكي الأحياءَ،

حينها سيكونُ لدينا كفاية من الماضي،

لا يَنقُصُنا سوى غَدٍ ..!

نتصالحُ فيه مع مَنْ إنتظرَ عودتنا طويلاً، حَدَّ اليأس !

وَقتها سنُحرِّرُ أنفُسَنا من سجنِ الحنين !!

* * *

سُقوفٌ، سُقوفٌ .. سُقوفْ ..

سقفُ الأرضِ سماءْ ..

أتكونُ الأرضُ سقفَاً مقلوباً للسماء ؟!

وماذا يُنجَبُ إنْ تَزوَّجتِ الأرضُ السماء ؟!

......................

للدارِ سقفٌ، إنْ أُهمِلَتْ صيانَتُه، سَقَطَ على رؤوسِ أَهله .

وللحبِّ سقفٌ يَقوى باللطافة والرقّة،

ويَنخَره النَقُّ والتَطَلُّبُ الزائد والغيرةُ !

.....................

للإصطبار سقفٌ، تُحدِّدُه قُدُراتكَ على التَحَمُّل .

للأحزانِ والرغباتِ سقوفٌ مُتفاوتةُ الإرتفاع !

للأسعارِ سقفٌ، يُحدّده ما في الجيب !

للزمان سقفٌ، يتحدَّدُ بإرادة الحريةِ والإنعتاق ..

.....................

للزنزانةِ سقفٌ، تَثقبُه أحلامُ السجين .

للحريةِ سقفٌ مرهونٌ بعقدٍ إجتماعيٍّ مُصاغٍ بقوانينَ نافذة !!

وللغَضَبِ سقفٌ تُحدِّده جيوشُ النَملِ تَضِجُّ في عروقِك إزاءَ فَظاعَةِ القَهْر،

فقد ساوى الرصاصُ ما بينَ الجبانِ والشُجاع !!

***

 برلين - يحيى علوان

 

 

ياسين الرزوقمدائنُ العشق المعلَّقة بضفائر مايا 

أيا مايا ذئاب العمر تختالُ !

أنا المضنى على أهوال مَنْ جاعوا وَ أَحتالُ !

حبيبةُ عمريَ المقطوف في وطني

أَمَا باعوا هنا الأعذار في كفني؟!

أيا مايا غيابك أغلق الشريان في وثني ....

فَهَلْ أبقى أنادي في عيونك كي تبادلك الهوى مُدُني ؟!

أَمُوسى يمُّ شعرك يخطف الأشعار يغرقني....

و مايا تُنْزلُ المجداف تبعدني عَنِ المِحَنِ.....

أنا المبعوثُ في أممٍ  لِأُقْرِئَها صدى الوجدان في سُفُنِي!

ضفائرُ شعرها مِنْ مسقط العميان تنشلُني

وأصرخ يا سيوف الله لا تستحضري الموت الذي أمسى يقاتلني !

سَنَقْهَرُ بالمحبَّة موتنا مهما أتى بالغدر يصلب روحنا في غفوة الزمنِ

فعيشي ثمَّ عيشي أنتِ روحي مُذْ بدا لِيَسُوعيَ المصلوب فوق كنيستي وَتَدٌ على قُنني        

ستبقى تكتبُ التاريخ أمثالُ

وأبقى بالفؤاد محارباً  كي يهرب التمثالُ !...

حَيَاتُكِ أوقَفَتْ موتي فَهَلْ تَستنسخُ المفتاحَ أقفالُ ؟!

لِحُبِّكِ في مسامي كلُّ دارٍ لن تَغِيبَ بشمسها مهما غدا في الحيِّ عُذَّالُ !...

*** 

الشاعر:

ياسين الرزوق زيوس

سورية حماة

 

 

محمد ايت علونص ومسافة جديدة

مهداة إلى: لوركا الأندلسية الغجرية.


وأنطلقُ إلى الشوارع...صوت حبيبتي الصغيرة يملأ كياني، والرذاذ يغسلُ هموم القلب. وما تزال الأرضُ الطيبةُ تحتضنُ مطر القلب ومطر السماء، مزيجاً واحداً يجسدُ حقولً اللهفة، ويرسمُ تفاصيلنا الصغيرة، ويعلنُ إصراره على أن نفتح في جدران الحزن كوةً للفرح والغبطة.

تعبثُ الريحُ بخصلات شعرك قبل أن يداهمك الصلعُ، وتلهو بمزق ثوبك ولا تعيرُ لشيء اهتماما.

-2-

تستلهمُ من الضمير صلابتهُ، ومن الحفيف موسيقاه...وتسرحُ في الحقول كنسمة صيف رطب طبيعة داخل طبيعة. ثم تحاولُ كما الغجرية أن تسابق الريح، وهي تقترب من الشاطئ ذي الرمال الذهبية، كانت أمواج البحر حين ذاك ترتطم فترسل رذاذها المتناثر على وجهها، مدت ببصرها إلى زرقة البحر وصفاء السماء وهمت وحاولت أن تنسج منها شيئاً للذكرى، ثم تنهدت وأخرجت زفرة طويلة من صدرها المتعب، وانسكبت دمعة من مقلتها وهي تنظر إلى المدى البعيد. أسرعت اللحظات وأخذت الشمس تودع المكان وتعانق موج البحر المتلاطم وقرصها يختفي شيئا فشيئا. لم تكن تعلم إلى أين ستقودها قدماها، نظرت لمغيب الشمس الذي عكس لوناً قرمزياً على صفحات موج البحر الثائر، لكن الأحلام  صارت ممزقة.

تجلسُ على رابية بكر...تسرح في الأفق البعيد الممتد أمامك كلوحة عشق خرافية، تتذكر وجه حبيبتك الغجرية الذي يتورَّدُ توقا لقبلة بريئة تطبعها على الخد، ولكلمة ريفية بكر طافحة تصبُّ بجديلتها المجنونة وعند الغروب وبعد أن يرتفع دخان المواقد في قريتك...تعودُ إلى حضن أمك الدافء...وتنام.

-3-

تحلمُ بأنك طائرٌ من البرق يبلل الندى جناحيه، ويوجه وجهه إلى حبات المطر متى يشاء، الحقولُ بحارٌ من سنابل ذهبية تتمايلُ كقامات الصبايا، وأغنيات الأطفال الذاهبين إلى مدارسهم تنسجُ للصبح سمفونية تتأَرْجَحُ على أهداب الأفق. وأنت وأترابكَ تملأون الكون ضجيجاً، فترقصُ أغصانُ الأشجار فرحاً واحتفاءً بالطفولة والنقاء، وتنبه للعراجين الحالمة في أحضان النخيل، بالخطوات المفعمة بالحياة والأمل...والنسيم قد طوى فراشه بعد أن صحا، والحب يكحل عيوننا، ويمطرنا ويغطي الأفق سعادة غبطة وهناء، والليلُ يعطرُ بقصائده أحلامنا الغر، لكن، أكانَ الحلم علامة لواقع مزعج مرير؟ تفيقُ من نومك، تتململُ تفتحُ عينيك تتأملُ حولك، كلُّ شيء عادَ قاتماً كما كان. فديدنُ التعلق بالآخرينَ الفراق، ولكل شيء نهاية.

كمن هوى من السماء السابعة، أحلامُكَ الورديةَ تحطمت نُتَفاً على صخرة اللحظة المثقلة بالفواجع والأحزان والمواجع...ثم عليك أن تنتعلَ حذاءَك وتبدأ يوماً ثقيلاً غامضاً.

الهواءُ فاسدٌ..وداخلُك يهرب منكَ إلى حيث لا تعلم ولا تريد،. وحبيبتك مثقلة بالمواجع تحمل في قلبها جُرْحاً وفي نَبْضها زُجاجاً مَكْسُوراً مُهشَّماً....وأنت لاتملكُ إلاَّ كَلمَةً رقيقةً حانية، تُقدّمُها جُرعَةً مؤقَّتَةً تُجفّفُ دَمْعَهَا وتُسَاعدُهَا على الوُقُوف ولَوْ إلى حين.

-4-

يَنقُرُ المطرُ زُجاجَ النَّافذَة....كعصفورة بريَة...يرقُصُ قلبكَ للمفاجأة المفرحة...تركضُ إلى النافذة..تشرعُها للمطر..تطلُّ بوجهكَ وتُفردهُ شراعاً ضاحكاً للريح...يُهاجمُكَ البردُ ثم الطين يحط على وجهك ويديك، تدركُ أن المطرَ سُلبَ نَقاؤه..تقفلُ نافذتك وتعود..صوت حبيبتك يأتي رقيقاً وراقصاً هذه المرة فرحاً بالمطر الذي رأت فيه ما لم تراه..وما لم يره الآخرون، تقول كم أتمنى أن أسير معك في الشوارع نفرد وجهينا للرذاذ، ونشرع قلبينا للحب، ونفتح في جدار الحزن كوة للفرح، ونطهر بالحب ساعة الوداع، فغداً كل منا سيذهبُ عنوةً مع الريح، غداً كلٌّ منا سيذهبُ إلى حال سبيله، فلنطهر بالحب ساعة الوداع.

***

محمد آيت علو

 

 

فخري مشكورالفاشلون يا سيدتي معروفون بسيماهم

يقفون على أطراف اصابعهم

غزلانٌ في الهرب

هم أول من يحزن

وأول من يشمت

وآخر من ينتفض

**

الفاشلون دائماً ما يتواجدون في آخر السرادق

يحتسون الشاي البارد

وهم يسلقون الميت بألسنةٍ مشحوذةٍ للتقطيع

ان كان ناجحاً لعنوه

وإن كان منهم اكلوا برأسه السابعةَ

**

الفاشلون يا سيدتي أكثر الناس كبتاً وكتابة

فثمة فاشلٌ بالهدف

وثمة فاشلٌ بالخطاب

والأكثر فاشلٌ بالتبعية

**

وثمة فاشلٌ يشبهني بالفطرة

ويشبهك بالغُدَرَة

ساذجٌ مثلي يلوّحُ بقلبهِ للهوى

وراياتُ القلوبِ منكسةٌ

والأمانيُّ اوبئةٌ تُمزقُ الرئة

**

الفاشلون في عرينِ الأمل

اسودٌ في الاحلامِ

ابطالُ "أفلام الأكشن" والخلاعة

**

الفاشلون يجمعون المطرَ في رَّاوُوق

ويغتسلون في ثمالةِ البصاق

محمومون بالنظرةِ الصفراء

بعيونٍ عمياء

**

الفاشلون يكثرون من صلاةِ الوحشة

على جثامين أماني مدنسة

لا تقبل التعفير والتطهير

عقولهم خائفة

واحلامهم ذئاب

**

(حيدر جاسم المشكور)

العراق / البصرة

 

تواتيت نصر الدينكلّ أطفال المدرسة يحبون رباب خاصة البنات اللواتي يدرسن معها في نفس الصف .لأنها كانت بشوشة ومنشرحة الأساريرتكنّ محبّة خالصة لمعلميها والأطفال الذين يتعلمون معها ذكورا وإناثا ولكل عمال المدرسة ومديرها منذ أن كانت في السنة الأولى من بداية تعليمها الإبتدائي .

بدأت رباب تكبر شيئا فشيئا وترتقي من سنة إلى أخرى بامتياز إلى أن وصلت إلى مرحلة نهاية التعليم الإبتدائيّ هذه المرحلة التي تعتبر جسر عبور لمرحلة أخرى من مشوارها التعليميّ. حيث بدأت تظهر على سلوكها بعض التصرفات لم تكن مألوفة من قبل في شخصيتها انعكست على تربيتها وتحصيلها العلميّ . مما جعلها محل اهتمام معلمها الّذي انتابته الحيرة والدهشة في التغير المفاجيء في سلوكها وطباعها ودراستها التي بدأت تضمحل وتتقهقر من حين لآخر. ونظرا لخبرة معلمها في التعامل مع الأطفال .طرح الكثير من الأسئلة لمعالجة مشكلتها .لكنّه لم يكن يعرف أنّ رباب قد أصبحت تحت وصاية أمها بعد أن تم طلاقها من أبيها .

لقد كانت رباب متعلقة أشدّ التعلق بأبيها الّذي يحنو عليها ويغدق عليها بالعطايا والهدايا ويصحبها إلى المدرسة صباحا وكثيراما كان يدخل إلى بهو المدرسة ليستفسر عن مردودها الدراسي سواء مع المعلم أو المدير .

لقد فقد والدها هذه المهمة والصلاحية بعدما أقرت المحكمة الوصاية والحضانة للأم التي كانت ترفض بعد هذا القرارمنازعته في تربيتها وكان للأم الأثر الكبير في تحول شخصية ابنتها الوحيدة بعدما لاحظت عليها حبّها الأبوي . فأرادت حسب تصوراتها أن تصنع منها مثلا أعلى في تربيتها .ومنذ أن تولت الأم الوصاية على رباب كانت تصحبها معها في سيارتها الخاصة أثناء ذهابها إلى العمل ومنها تواصل الطريق إلى عملها الذي لم يكن بعيدا عن تمدرس رباب . ثم تواصل طريقها وهي ترسم في ذهنها استراتيجيات ومذاهب وطرق لتربيتها .

وقبل نهاية الفصل الأول من السنة الدراسية .شرعت جلّ المدارس كعادتها في تنفيذ رزنامة الامتحانات الفصلية  لم تتمكن رباب من تحقيق مبتغاها ومبتغى أمها في الحصول على معدل مشرف لغياب الحيوية والجدية التي كانت عليها في الفصول و السنوات الماضية . وفي الأسبوع الموالي بعد انتهاء العطلة التي تفرغ فيها التلاميذ للعب والراحة و بعد جهد فصل كامل من الدراسة دخلت رباب المدرسة والقلق والخوف ينتبانها وأن ما كان يدور في ذهن معلمها قبل أمها وأبيها هو الكثير من الأسئلة لتحسين وضعها وترقية مستواها بالتقرب منها والتحدث إليها وتشجيعها أكثرلتحقيق نتائج أفضل وأحسن خاصة بعدما عرف من مديرالمدرسة وضعية حالتها الإجتماعية .وفي مساء هذا اليوم بالذات دخلت أم رباب المدرسة كسائر الأولياء وهي تحمل معها استبيانا قدمته للمدير الذي أحاله للمعلم للإجابة عليه . وعندما تفحص المعلم نص الاستبيان عرف أنه مرسل من طبيب نفسانيّ قد عرضت عليه رباب لمعالجة مشكلتها .لم تكتفي الأم بعيادة الطبيب النفساني في معالجة ابنتها نتيجة هذا التدهور المفاجيء على شخصية البنت . بل راحت تحفزابنتها على الكثير من السلوكات التي كانت أكبر من حجم نموها النفسي والعقلي والإجتماعي . فالأم كانت تسعى جاهدة في فرض سلوكات على رباب انعكست سلبا على شخصيتها ظنا منها أنّها توصلها لبناء شخصية سوية وأن لا يلقى عليها اللوم بعد طلاقها ووصايتها عليها واتهامها بالإهمال الأسري .

لقد أدرك المعلم أنّ ما تبنيه المدرسة من تربية الأجيال في سنوات قد تهدمه الأسرة بالتربية الخاطئة ما لم تكن هناك جسور للعبور والتقارب بين المدرسة والأسرة . مما جعله يتفهم وضع رباب والاهتمام بها أكثر من أي وقت مضى ليعيدها بحنكته وتجربته لسابق عهدها وتجتاز مرحلة التعليم الإبتدائيّ بجدارة واستحقاق بعد تكسير كلّ المفاهيم والحواجز المعرفيّة والوجدانية التي كانت تعيق رباب وينتشلها من عالم الظلمات إلى النور.

***

قصة قصيرة

بقلم / تواتيت نصرالدين

 

 

حاتم السرويأعرفكم بنفسي؛ أنا مثقفة، أو هكذا يراني الأصدقاء، ولكني لا أعض؛ فملامح وجهي والطرحة التي ألفها وثيابي التي لا أغيرها، كل هذا يعرفكم من أنا.. أنا زينب..مصرية وإنسانة.. تمامًا مثل أمهاتكم و أخواتكم..

قبل بلوغي سن المعاش كنت أعمل موظفة في هيئة حكومية يعتقد الكثيرون أنها تمثل عبئًا على الدولة، والحق أنها لم تكن إلا فكرة طرأت في ذهن أحد كبار المسئولين، والذي كان من الضباط الأحرار قبل أن يصبح وزيرًا في عهدٍ عجيب لا يزال محل أخذٍ ورد ومجادلاتٍ بلا مراسي ولا ضفاف.

كنت طفلة عادية في حي شعبي قديم، والدي كانت له ورشة للنجارة استطاع أن يفتحها بعد كفاحٍ طويل وعاونه فيها اثنان هما فتحي وبيومي، وأمي ربة منزل لا تعرف من الدنيا غير حلة الفاصوليا البيضاء وتنظيف البيت، وكانت الحياة وقتها هادئة وبسيطة، لم نكن نفكر كثيرًا، وإذا ضحكنا فمن القلب، وإذا لعبنا فجريٌ وانطلاق، كانت نفوسنا مرتاحة وأجسامنا عفية، وعندما يحين وقت النوم نذهب سريعًا إلى دنيا الأحلام ولا يأتينا الأرق.

حنان والدي وطيبة قلبه ذكرى لا يخفيها الزمان ولا تحجبها التفاصيل وهي في قلبي محفورة كنقشٍ على حجر، لم يكن يتحمل بكائي، وأذكر أنه كان يتولى أمري عند انشغال أمي في ترتيب الحجرات ومسح الأرضية، يحتويني بين أحضانه، ثم يسقيني من كوبٍ صغير لازلت أحتفظ به، يمشط شعري ويقلم أظافري، ، ويطعمني بيديه التي لم أرَ مثلهما حتى الآن، كانتا معروقتين وفيهما طولٌ وغلظة، وعندما يربت على ظهري تراه يترفق حتى لا يؤذيني، كان رجلًا كما عرفوا لنا الرجولة، وكان يخاف علينا من نسمة الهواء، وكان وكان وكان.... لا أدري لماذا لا أجد الآن في الرجال من هو مثل أبي، أتراه كان آخر المحترمين؟؟.

حصلت على الدكتوراه بأطروحة بحثية كلفتني الكثير من المراجع والقراءة والتحليل والدرس والمقارنة، وأعرف أن البعض يتفاجئون من حرف الدال الذي يسبق اسمي أحيانًا، لكنها الحقيقة، نعم أنا دكتورة في تاريخ القرون الوسطى، وتحديدًا في العصر العثماني، وأصدقائي هم الجبرتي وابن إياس وعلي مبارك، ولا أحب أن تسألوني لماذا لم أعمل بالجامعة؛ فقد حصلت على درجتي العلمية بعد أن دخلت سلك الوظيفة بسنوات، وكل ما أستطعت أن أصل إليه هو منصب مدير عام، ثم باغتني المعاش وأصبحت مثل أمي، يهمني في المقام الأول أن يثني أبنائي وزوجاتهم على طعامي، وأن يبقى البيت نظيفًا مرتبًا، وأن أتملى من رؤية أحفادي كل جمعة وأستمتع بلعبهم حواليْ.

لم يبق لي غير أحمد الذي أنجبته وأنا على مشارف اليأس، وهو الآن في كلية العلوم، ولدخوله فيها قصة لابد أن أحكيها لكم.

أحمد شابٌ رائع، مطيع وحنون ومتعاون، وفيه شبهٌ كبير من المرحوم والده حتى أنني تصورت ذات ليلة أن أبوه يدخل علىَّ غرفتي فانخلع قلبي وظننت أنه عاد إلى الحياة، وصحت من الخوف، ولما رآني فَزِعة قال: أنا أحمد يا ماما، أنا أحمد!.

 إنه يدي ورجلي، وهو الذي يقوم على أموري كلها، فيحضر لي ما أحتاجه ويساعدني في البيت، ويسقيني إذا عطشت بالليل، وكان يحب التاريخ ولكني غيرت مسار أفكاره.

والدي كان يهمه جدًا أن أتعلم وأن أواصل حتى أصبح جامعية، ولأنني كنت أمل من الكيمياء، وأكره الرياضيات، وأحب الشعر والتاريخ، دخلت القسم الأدبي، ومنه إلى كلية الآداب، وبعد التخرج بسنة واحدة عينت في الهيئة الحكومية التي يراها الكثيرون عالة.. انظر إلى أعينهم تجدها لغوًا بلا معنى، وعبثًا بلا جدوى، وهم يتسائلون دومًا: في بلدٍ فقير كالذي نحن فيه ماذا تعني تلك المؤسسة العريضة وموظفوها الذين قاربوا عشرين ألفا، وفروعها في أنحاء الجمهورية؟ ألا يعد ذلك هدرًا؟.

عرفت هذا فحاولت أن أصنع من الفسيخ شربات، عملت بجدية وأمضيت عمري وأنا أحاول، مجرد محاولة، والجميع من حولي يتنافسون في التخريب، في رص وترتيب أوراق من المكاتبات الفارغة، في دعم أنشطة وهمية لا تنفذ على أرض الواقع، أنشطة صورية تمتص أموال الدولة، وربما أخفق أحدهم في محو ملامح الفشل ثم بقي في منصبه رغم ذلك، والشعارات أسمعها في أذني لها طنين، والخطط المعلنة في الصحف ومحطات الإذاعة وقنوات التلفزيون توحي أن الهيئة سوف تحيل ركام الجهل إلى أنهار من الثقافة.

آه، نسيت أن أخبركم عن هيئتي؛ إنها الهيئة العامة للتوعية الثقافية، وكثيرًا ما كنت أتندر على هذا الاسم في خاطري وحيث لا يسمعني أحد، لأن أحدًا لن يسمع نفسًا تخاطب نفسها دون صوتٍ ولا حروف، كنت أقول الهيئة العامة للملوخية، وأنا أعتذر للملوخية بشدة، فهي مفيدة ولا شك.

كنت أدخل إدارتي التي لم أغيرها طيلة سبعة وثلاثين عامًا هي سنوات عملي منذ بدء تعييني في آواخر سبعينيات القرن الماضي، فأجد الزملاء قد أعدوا وليمةً كبرى من الفول والفلافل والباذنجان والمِش والبصل والمخلل....إلخ.. الرائحة فواحة تدخل من أنفي فتنتشر في رأسي كله وتصيبني بالوخم، والمنظر العام وهم يأكلون يوحي بأنهم خرجوا توَّاً من الشدة المستنصرية، والحمد لله أنهم وجدوا الفول حتى لا يأكلوا بعضهم أو يأكلوني.

ولأنهم يعرفون أنني أتناول إفطاري في البيت، كانوا يديرون لي ظهورهم بعد عبارة شاردة يقولها أحدهم آليًا دون تفكير: " اتفضلي معانا يا دكتره " فأقول شكرًا فينهمك في طعامه وينسى العالم ومن فيه.

ويمضي اليوم بطيئًا مملًا، فيه الكثير من الكلام أقوله أوأسمعه، أضحك عليه أو أغضب منه، وفيه القليل من العمل، ثم أعود إلى بيتي فأعمل فعلاً، تنظيف وغسيل ومذاكرة مع أطفالي، وعندما أنجز كل مهماتي، أكوي قمصان زوجي، وبعدها أفتح كتابًا، كنت لا أتخلف عن القراءة إلا نادرا.

وعندما رحل زوجي عن الحياة بقي لي أحمد، عهدته متفوقًا ولديه شغف بمادة الأحياء، وعادةً يحصل فيها على الدرجة النهائية، ولأنني أكتب الشعر وأشارك في الأمسيات ويراني أحمد وأنا أتألق بين وهج قصائدي، ثم يسمع تصفيق الحاضرين، رغب الفتى أن يصبح مثلي.

أخبرني برغبته في الحصول على لقب (شاعر) وأن يعمل مثلي في التوعية الثقافية، ضحكت حتى بدت نواجذي وسال دمعي وأصابني السعال، والمسكين أحمد أصابه الخجل فقد خالني أستهزئ به.

قلت له يا حبيبي أنت لا تعرف شيئًا، دعني أخبرك في هدوء أن التوعية الثقافية ليست إلا مبنى دون معنى، واسمٌ بلا رسم، ورواتب يتقاضاها موظفون سقطوا في اختبار الحياة، لا يتكلمون لغة، ولا يعرفون الكومبيوتر، ولا يحسنون حرفةً يتعيشون منها، ولا يجيدون غير التوقيع في دفتر الحضور ثم النوم في مكاتبهم والأكل والثرثرة.

أنا أمك وأنت ولدي، ودخولك في هذا العالم ضياعٌ محقق، كارثةٌ أرجو ألا تداهم بيتنا، يا أحمد أنت تحب العلوم فلماذا لا تدخل الطب حتى أفتخر بك؟؟. استمع لي الولد ولحسن الحظ لم أبذل جهدًا يذكر في إقناعه، فقط حدثته عن مهازل حياتي الوظيفية، عن عمرٍ ضيعته في محاولة يائسة لأن أصنع شيئًا ولم أصنع هذا الشيء، عن قطاعٍ من البشر يعملون في الثقافة ولا يحب أحدهم أن يفتح كتابًا أو أن يحترم المثقفين على الأقل!.

وعندما حان وقت اختبارات الثانوية العامة حولنا البيت إلى معسكر، وذاكر أحمد حتى أدركه التعب،وبدا عليه الإرهاق والنحافة، وفرحنا كثيرًا لنجاحه، ولم يدخل الطب لصعوبة الامتحانات، ولكن مجموعه خَوَّله أن يدخل كلية العلوم.

وفي أول يومٍ للدراسة قلت له يا أحمد أنا أعرف مقدار حبك للتاريخ، ولكن المثقف هو من يتسع أفقه ليعرف أن في الحياة أيضًا علمٌ طبيعي، وأن هذا العلم هو قوام الحضارة، وأنه يجب أن نمد بساط الفكر إلى ما في هذا الكون غير الإنسان، فالإنسان لا يعيش وحده، يا ولدي العلم قيمة في ذاته، وحسبك أن تعرف تكوين حشرة وكيف تنفع الناس أو تضرهم لتعرف أنك مَلِك، يا ولدي اعرف الدنيا تعرف نفسك أيضًا، واعلم أن العلم كله منظومة واحدة.

سألني وقد بد عليه القلق: طيب ولو مالاقيتش شغل بعد التخرج؟؟

-   يعني العلوم مش هتلاقيلها شغل وهتلاقيه في التاريخ؟!

-   ما انا عارف إن التاريخ والأدب والفلسفة ماعادوش بيأكلوا عيش.

-   يا حبيبي اللي بيفكر بدماغه ويسعى بعزيمته وينسى النوم ويقول يارب هيلاقي شغل، كل الشغل ينفع، وكل الشغل له قيمة، إلا انك تخيب زي امك وتبقى حتة موظف في مكان زي قِلِّته، اتوكل على الله وشد حيلك وزي ما ذاكرت في الثانوي ذاكر في الجامعة، ولما تتخرج هتلاقي، طول ما ربك بيدبرها اوعى تخاف...

ومضت سنواتٌ ثلاث، وبات على وشك التخرج، وهو الآن أمامي يقرأ لابن إياس، وأنا أقرأ في تركيب البعوضة، ما هذا؟ تركيبها بالغ الإبداع.. ما أجملها!.

***

قصة/ حاتم السروي.

 

 

 

ناجي ظاهرفي يفاعته الاولى رآها بعين خياله فاختزنها في اعماق ذاكرته. في شبابه الاول رآها بأم فنه فرسمها في الف لوحة ولوحة... بسببها ومن اجلها اصبح رساما تحدو الركبان باسمها اولا واسمه ثانيا. امس خرجت له من اعماق كهولته، واقبلت عليه من متاهات بلدتها القديمة لتعلن له حضورها بعينيها العميقتين ونظرتها الحالمة الخلّابة..، وهذا منتهى ما يمكنه ان يصفها به، كانت نظرتها ذات عمق وتاريخ، ربما يساوى عمره منذ وعى هذه  الدنيا.. وابعد، ومع انها حاولت ان تخفي نظرتها تلك بإخفائها وجهها بطرف شالها، فقد تمكن من تصور المتبقي من ملامحها، وهل كان بإمكانه الا يفعل.. لقد الحت على ذاكرته منذ ظهرت شعاعا من نور في آخر نفق الديجور.. المعتم؟ حتى امس وبعده اليوم؟.

ما ان رآها، هو الكهل الرسام، ابن البلد، ترسل نظرتها اليه، حتى اختفت من امامه، لحق بها. ركض وركض وركض. محاولا ادراكها، الا انه لم يتمكن. كان ذلك في ساعات الفجر الاولى. عندما تعالى النهار وارتفعت شمسه، كان قد استلقى في مكانه لينام، مدّت يدها اليه.. بخفة فراشة قادمة من غابة حطّاب اسطوري، وهزت يده. فتح عينه مغمضًا الاخرى، الا انها اختفت بطعم المفاجأة ذاتها.

عندما اتى المساء تلفّت حوله. ليرى الشارع خاليًا الا من مار او مارين.. او اقل. افترش درجات الزقاق القديم، متنعّمًا بملامسة بلاطها، ومنتظرًا ان تأتي..، لقد احس ان مباغتتها له ومحاولتها ايقاظه، انما كانت محاولة او طلائع محاولة لبعث الحياة في جسده الكهل. " ما فعلته.. ما هو الا ايذان بتحقق حلم"، قال لنفسه وذكّرها بما كانت تقوله له امه المرحومة بلهجتها الفلسطينية الاصيلة: " لكل حدوث علامات وبشائر.. اذا بدها تشتي بتغيّم". محاولتها ايقاظه تلك كانت بمثابة غيّمة مبشّرة.. بعدها كان لا بد من ان يهمي مطرُ حضورِها مدرارًا ليروي روحًا طال انتظارُها لها..

ينتابه شعور بالرّاحة والاسترخاء.. انه يشمُّ رائحتَها تعبق في انفه، وتفوح متصاعدةً من اعماق الزقاق البعيد القريب.. هزّتُها لإيقاظه كانت بمثابة بشير وفأل حسن يحتّم عليه ان ينتظر.. وها هو يفعل.. الوقت يمضي مخفيًا سحرَ عينيه.. والمساء يرخى جدائله فيشعر بنعومتها.. المطمئنة.. يغمض عينيه ويفتحهما ليراها مُقبلة من هناك.. من اعماق البلدة القديمة كأنما هي نور حديث الولادة يطلّ عليه اولًا بأول.. هو لا يجري باتجاهها، حتى لا ينفّرها، اذا كنا صادقين بانتظارنا، فان ما ننتظره سيبحث عنا وسوف يجدنا.. لا تجرِ وراء ما تريد.. كن مخلصًا صادقًا فقط.. وسوف يبحث عنك ليجدك مهما كنت بعيدًا.. وانىّ كنت.

الضوء يقترب اكثر فأكثر.. يفتح عينيه.. تلتقي عيناه بعينيها، نورها ينتشر .. يملأ البلدة القديمة، يمكّنه من ان يراها ابهى واجمل، كل شيء يبتسم.. الحبق في تنكاته وردة الفيّ في اصيصها، من هناك من نافذتها العالية، تطلُّ امرأة ساحرة العينين.. بضة الساعدين. من يعلم ربما كانت مثله على موعد.

تعود ساحرته لتطلّ من بعيد.. تدنو.. انها تدنو.. منه تدنو..

-تعالي.. اقتربي. اقتربي. يقول لها وهو مغمض العينين. تقترب منه بخفتها الفراشيّة، يواصل اغماضه عينيه. يشعر بها تدنو منه اكثر فاكثر، انه يراها الآن بعينيّ قلبه، تمدّ يدها البضة الطرية.. تمدها لتداعب شاربيه.. شعور بالرجولة ينتابه. ها هي تأتي اليه اخيرًا. لقد وعدت واوفت. تنسل من المكان منسحبة الى الوراء.. يراها بأم بصيرته تنسحب وتبتعد.. انها تعود من حيث اتت.. تعود الى هناك.. إلى اعماق البلدة القديمة.. انها تعود لتتسربل في عتمتها، العتمة تلفها بدثارها. تهمي دمعةٌ حرّى من عينه ويواصل الانتظار.. لقد وعدته بكل ظهوراتها الماضية بان تحضر وحددت بوعدها له موعده وانتظاره.

هل هي ساعةُ اللقاء تحين؟.. وهل يمكن الا تكون هي..؟، ماذا عليك ان تفعل ايها الفنان الحالم؟ عليك ان تنتظر. لا مفرّ لك من الانتظار، وينتظر ويطول انتظاره.. لتأتي اليه ايفاءً بعهد، ولتنصرف عنه عملًا بجد، وبين هذا وذاك، يتساءل اناء ليله واطراف نهاره عما يمكنه ان يفعله انهاءً لانتظاره الحارق.. الفن. الفن كان دائما نقطة خلاصك الاولى وهو ما سيكون نقطته الاخيرة، وماذا تريديني ايها الكهل العاشق ان افعل؟ افعل ما تراه مناسبًا لك.. وماذا بإمكاني ان افعل؟ بإمكانك ان تفعل الكثير، الست فنانًا؟ الم ترسمها في شبابك الاول؟ ارتباكه ذاك يتحوّل إلى نقطةٍ من نور.. الان بعد هذا كله بإمكانه ان يرسمها.. بالضبط كما فعل في شبابه الاول.

يتناول الرسّام الكهل الحامل الخشبي القديم للوحته.. ويشرع في وضع مخطط لوجهها الناطق البسام واطلالتها من دنيا الاحلام. يلفت منظر الفنان الكهل، ابن البلد، انظار بنات البلد وابنائها.. يلتمون حوله ويصرخون جميعهم بصوت يشق عنان المكان.. ويكاد يكون واحدا: اين انت؟ فتردد الشوارع البعيدة.. اين انت.. ويخيم الانتظار على الاجواء.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

ريكان ابراهيمأوَدُّ أنْ أُخبرَكمْ عن مهنتي الجديدةْ

وقد تكونُ مهنتي الأخيرةْ

ليسَ لأنّي رَجلٌ تاريخهُ

يَهمُّكمْ

أو عبقريٌّ انجبتْهُ امُّكمْ

لكنما لأنّني مررتُ قبلَ أنْ أكونَ

هاهنا بكلِّ ما علَّمني

سُوءَ السلوكِ وأضطرابَ صَفحةَ

الضميرْ

فذاتَ يومٍ كنتُ شاعراً

وكنتُ أمدحُ السلطانَ والرئيسَ

والأميرْ

اشتغلتُ عندَهم مجموعةً من السنينْ

أقصُّ شَعْرَ ظُلمِهمْ بما استطعتُ من

نفاقْ

أُجمِّلُ القبيحَ من فِعالِهمْ

ليُغْدِقوا عليَّ من أموالهمْ

فعشتُ في بلاطهم حتى نسيتُ انَّني

مُرتزقٌ أجيرْ

لكنّني في لحظةٍ صحوتُ من

إغفاءة الوقارِ والكرامهْ

وثارَ شيءٌ فيًَّ من مشاعرِ

الندمْ

**

نظرتُ يُمنةً ويُسْرةً

قعدتُ فوق تَلّةٍ من أسفي

ومن غدير غيمتي زمزمتُ ذيل

معطفي...

سألتُ نفسي مَنْ أكونُ؟

هل أنا الذي أراه في مرآةِ

أحرُفي؟

قّشّرتُ عقلي كي أُزيلَ دُرّتي

عن صدَفي

رسمتُ فوق جبهتي سيماء

قلبٍ خاشعٍ مُرتجفِِ

كيفَ الخلاصُ من عذاب توبتي؟

يا رحمة اللهِ التي وسَعِْتِ كل رَحْمةِ

تصالحي معي على أختيار مهنةٍ

تَسودُّ منها شيبتي

وجاءَ صوتٌ هادرْ  من أينَ؟ لا أدري

يُجيبُ صيحتي:

مِهنتُك الجديدةُ الأخيرة

ياشاعِرَ الأميرِ والأميرةْ

أنْ تستقِلَّ مَقْعداً في شرفةِ

الغيابْ

وتستعيرَ من حياتِكَ العَزْباءِ

بابْ

تَسدُّهُ في وجهِ كُلِّ رغْبةٍ

في الأكلِ والشرابْ

وتكتفي كما أكتفي بمغزلٍ وضَرْع معزى

سَيّدُ اللاعُنْفِ في البنجابْ

****

إذنْ هو الفراغْ

وإنّهُ اللاشيءُ والبياضْ

ومهنتي التي وقفتُ عندها

تُخبرُكم..... أنيّ بدأتُ حالماً

ثم آنتهيتُ نادماً

ففي بروج عزلتي القاحلةِ الشمطاءْ

أعدو بكلِّ قوتي

لكنْ.... الى الوراءْ

؟

***

د. ريكان ابراهيم

 

وليد العرفي حُضورُكِ عنقودُ شوقٍ مُعطَّرْ   

               ولهفةُ غيمٍ على الكونِ أمطَرْ

ليشرقَ وجهُكِ لونَ ضياءٍ  

                    ونجماً يشعُّ بشمسٍ تزنَّرْ  

وأنتِ القصيدةُ جُسّدْتِ أنثى  

                   فجلّ المُصوّرُ لمّا تصوَّرْ

فضاءُ العيونِ حكاياتُ فتحٍ   

                  فسبحانَ مَنْ قادَ فيها وكبَّرْ

مرايا عيونِكِ برقُ انعكاسٍ    

                بموشورها  ألفُ رعدٍ تكسَّرْ

برفَّةِ رمشٍ تراءتْ بومضٍ  

                لتظهرَ ما القلبُ أخفى وستَّرْ

وقالتْ معانٍ بغيرِ كلامٍ   

              وخيرُ الكلام ِإذا الصّمتُ عَبَّرْ

 لتعلن  بالحبِّ أنّي الوليدُ  

                  وتقرىء قلبيَ سورةَ كوثرْ

بعينيكِ أفقٌ لتحليقِ فكري

                  وكمْ رفَّ قلبي بأفقٍ وطيَّرْ

وكمْ حيّرتْني الأنوثةُ شكلاً 

              بمرسمِ حرفٍ لو الحسُّ يظهَرْ

 ليرسمَ حرفيَ شكلاً فريداً   

            ومعنى به الصمتُ سرّ وأجهَرْ

فجلَّتْ قوافٍ بعينيكِ مرَّتْ    

                    مراودَ كحلٍ تخطّ وتحبَرْ

فعيناكِ حلمٌ تراءى بصحوٍ      

                 وأخفقَ مَنْ سرّ عينيكِ فسَّرْ

فسبحانَ عينيكِ تمسحُ إرثي   

              وتمحوَ تاريخَ عمري المزوَّرْ

وسبحانَ عينيكِ تبرقُ فصلاً      

            وترعدُ فصلاً به الصّحوُ أمطَرْ

فأنتِ الجمالُ خيالاً وأنتِ     

                حضارةُ عصرٍ لمَنْ يتحضَّرْ

وتاريخُ ماءٍ بجدولِ روحي   

            فأخصبَ جذري وغصني أثمَرْ

 فسبحانَ أنثاكِ تبدعُ حالاً  

                   وتغسلُ  قلبي بماءٍ مُطهَّرْ

 تجدَّدْتِ كلَّ نهارٍ فأنتِ  

                بعكسِ الوقائعِ تمسينَ أنضَرْ

وكلُّ الوجودِ سوى أنتِ والحز

               نِ يأتي كبيراً ومنْ ثمَّ يصغَرْ

فسبحانَ أنثى تولِّدُ أنثى

                   وتُشْكِل دنيا بخصرٍ مزنَّرْ

بأنثاكِ ألفُ مدارٍ يدورُ 

                  فتُخفى نجومٌ وأقمارُ تظهَرْ

خليَةُ نحلٍ شفاهُكِ أنثى     

                    فعُليا بشهدٍ وسُفلى بعنبَرْ

فخلّي شفاهَكِ دنَّ امتلاءٍ  

                وصّبي نبيذَ اشتياقي لأسكَرْ

فلفظُكِ إيقاعُ بحرٍ سريعٍ      

                 وكمْ بمعانيهِ فكريَ أبحَرْ؟!

وأنفُكِ منقارُ طيرِ الحبارى  

                إذا خشيَ القنصَ لمَّ وأضمَرْ

وفي الخصلات مشاتلُ وردٍ 

                       وبيدرُ قمحٍ تلوَّنَ أشقَرْ

وخداّكِ درّاقتانِ امتزاجاً 

                   فأصفرُ لونٍ يخالطُ أحمَرْ

وعنقٌ تمدَّدَ بالشَّوقِ لحناً   

                 فموسقَ بالقبلةِ البكرِ منحَرْ

وشفَّ شعاعاً ورقَّ مياهاً    

              وأبدى الأنوثةَ في خيرِ مَظْهَرْ

ونهدانِ في الصَّدرِ كنزا شموخٍ   

              ومن خلفِ ثوبٍ تخفّى وأسفَرْ

وبطنكِ ألفُ مدارِ استواءٍ   

             وما كنْتُ بالسَّهلِ أمشي وأعثَرْ

تضاريسُ أنثاكِ تُغري براقي

             وموجُكِ أغرى شراعي فأبحَرْ

وما كنْتُ أعرفٌ غوصاً ولكنْ 

                   أيمِّمُ شطَّكِ رملي المُبعثَرْ

ولسْتُ بحبّكِ أملكُ أمري    

                  فأنتِ قرارُ القضاءِ المُقدَّرْ

وما المرءُ إلاّ رهينَ قضاءٍ 

                       تقرَّرَ فيهِ وليسَ مُخيَّرْ

وأحلى قضاءٍ عرفتُكِ أنثى    

                   ومنْ كلِّ أنثى لقيتُكِ أخيَرْ

فأنتِ الأنوثةُ سرّاً تبدَّى  

                وإنّي المحبُّ لكشفِ المُستَّرْ

لأوغلَ أقبسُ منكِ اشتهائي

                  لأُحرقَ فيك حنيناً وأُصْهَرْ

فخلّي المشاعرَ نشوى بقربٍ 

                 فما يبعدُ الشوقُ إلّا ليحضَرْ

وأنتِ حضورُ الحياةِ بنبضي

                وأنتِ دمائي التي ليسَ تخثَرْ

وأنتِ الأنوثةُ معنى وشكلاً

               فجلَّ الذي أبدعَ الحبَّ منظَرْ!

فإذْ ياسميني تُعيدُ شبابي

              بخمسينَ عاماً بها العمرُ غيَّرْ 

فقلبي يصومُ بحبّي الّليالي

            وما غيرُ حبّكِ في الصبحِ أفطَرْ

ووحدَكِ أنثى القوافي بشعري

                وكلُّ السَّوابقِ بالحرفِ تُنْثَرْ

ووحدَكِ أنثى عناقيد حبلى  

            وهلْ ينضجُ الكرمُ إلّا ليُعصَرْ؟!

ووحديَ أعصرُ فيكِ المخبَّى 

                     لأملأ دنّي بطيبٍ مكوثَرْ

وأنْهِلُ قلبي الجرارَ ارتشافاً

                وقلبي اليتيمُ فكيف سيقهَرْ؟!

وإني سألقاكِ أنثايَ فرْحي

              وكنتُ المريدُ الذي ليس يُنهَرْ

أعدْتِ إلى غربةِ الروحِ مأوى

              ولي موطنٌ صرْتُ فيهِ مُهجَّرْ

لأعلنَ فيكِ انتمائي فأنتِ

                 هويّةُ نفسي وعيشي المقدَّرْ

فحبُّكِ مدُّ الفضاءِ وحرفي 

                     أمامَ جمالِكِ لا بدَّ يحسَرْ

لأنّكِ أنثى تجيءُ القوافي 

                  جوارٍ تحاولُ وصفاً لتفخَرْ

فأنتِ الجمالُ الذي ليسَ يُدرى

              وسرُّ الشّعورِ الذي لا يُصوَّرْ!

               ***

شعر د. وليد العرفي

 

 

امان السيد إلى مفيد، فيدو حفيديَ الجميل


ذاك اليوم سيأتي

يا أميري الوسيم.

نجالس فيه البحر،

وجدّتنا اللاذقية.

من زرقة عينيك

أرى التساؤلات تهطل

نَدفَ غيمات  في البحر

الذي سيكشف لك كل الأسرار.

أعرف،

 ستسبقني إلى الصلاة

يا صغيري

للذين عبروا خِفافًا

لتستمر لك الحياة.

**

 

ماذا تخزّن يا طفل  في الذاكرة

عندما ينفسح البياض؟

سينفسح البياض يوما.

ثقْ أني هناك سأتحول تلميذا

يتهجّى الحروف في راحتيك.

 

في مكان ما

قفز أطفال فوق الطفولة،

في سورية.

 

أيها الوطن:

كيف يداك تستطيعان

أن تغسلا وجهك كل صباح

وأبناؤك صاروا أوراق حَور في المسافات؟

ما عدتُ أعشق

اُعذروني إن

خلتْ وسائدُكم من حريري.

*

بالأزرق يبدأ الموتُ

في قهوة الضياء،

ومن الأبيض تندلعُ الحياة،

من بين أنامل الأطفال

في درعا.

طعمُ الشرفات مختلفٌ

في عبق المارين بحذر إلى الشّغب اليومي

. يرتدي الحبّ غلالاتٍ، عِناقا، قُبلا

 

الموتُ الاعتيادي

يبدأ أزرقَ

يطوفُ رماديا،

ورويدا رويدا يتحوّلُ

إلى شجر بنفسج.

هناك من قال:

إنّ الكبرياءَ تتّشحُ بالبنفسج.

*

أسمعُ حطام الزجاج حولي

سلخوا وجهكَ المستعارَ

وأنت لا تدري.

أَعِرْ جسدَك جلدَ الثعبانِ القاتلِ

أريدُ أن أستلذَّ

بطعم حقيقتك.

الوحشُ المتجمّلُ

بسَحنة إنسان

يلدُ ثعابينَ

تغرِزُ أنيابَها

في خاصرةِ الوطن

حبًّا، وخيانات.

***

أمان السيد

 

 

رند الربيعيالأنهارُ إناثٌ

عشقَها الربُّ

فصيرها أثداءً تدرُّ الحبَّ

أبناءَ

حين تتعالى أصواتُ

حرائقِ روحٍ تذوي كهمهمات

غيمٌ متسللٌ

في سماءِ الرغبةِ

تتماثلُ أناشيدُ أيماءاتِ الدهشة ِ

مسافةُ نصٍّ هرم ٍ

لتنكسر أضلاعُه مخمورةً

في جسدِ فضاءُ الضبابِ

وسخونة الأبوابِ المنصهرة

تحت أقدامِهنَّ

وهنَّ يتمرنَّ على رقصةٍ

تشتعلُ الأرضُ

بتراتيلِ صوتك المقدس

على سواحلِ عتمةُ الافقِ

وطيشُ الجنائزِ

موسيقى لا تكفي

لغلقِ الأزرارَ...

في حادثِ ولادتهنّ.

ألأنهارُ

شاهدةٌ تجيدُ

إلتقاطُ أحلام الملائكة.

***

رند الربيعي

 

 

سمرقند الجابريمن عُروقِ الخوفِ

وكلِّ رئةٍ مدهوسةٍ

وكلِّ صمتٍ أغارَ علينا ليلا

واستحلَّ مساحةَ الصّراخ.

قلتُ للأخوةِ في غرفةِ الأرشيفِ:

 ستموتون انتظارا

والسأمُ اشترى كلَّ فكرةٍ للتّمردِ مُقابلَ راتبٍ شهريٍّ  يقتطعونَ منه القَرْضَ ومخصصاتٍ ضريبيةً ،

لحياةٍ لن تعيشوها جيدا ..

وحسْبَ التوقيتِ الصيفيّ

الكلُّ سيسهرُ مع الشتيمةِ

ويصحو متورمَ العينينِ

اعترفُ بأني لم أنجُ جيدا

ولكني.. .......حاولتُ.

***

سمرقند الجابري_بغداد

 

ابراهيم الخزعليالليلُ يَمْحُوهُ دَمُكْ

قَلّبْتَ وجْهَكَ في

 مرايا الروح

وجَمَعتَ كل ملامحك

لكي تراك مُخَضّباً

وحروف نبضك

تَرسُمك

فتناثرت..

صوب المنايا

كواكب

 والحروف النازفات

في الوغى

ويوم الطف يومك

 إذ إشرأب من

 عمق الرّزايا عالياً

صدى توهج أنجمك

يا جرحك النازف

كم..

أنت توضأت به

في زمن

خافت عروش البغي

آيات الهدى

والنازلات الماحقات

  وصارمك؟

لكنّكَ

قد كنت تعلم

  لا يفر

مَنْ معك

وذا الدعي ابن الدعي

يخاصمك

فمشيت في الدرب الطويل

 ثائراً

ومعلناً ملء فمك:

" لا والله لا أعْطِيكم بِيَدِي إعْطاءِ الذَّليلِ؛ وَلاَ أُقِرُّ لَكُمْ إقْرارَ العَبيدِ "

كنت حقّاً سيدي ..  

لا ترهب الموت الذي

يفضي الى نور العدالة مُبْتغاكَ

 ومغنمك

فمن ذا الذي

غير الأله

 معلمك

وصدقت أنّك لا تحيد

لأنَّ صدقك يعصمك

فحملت أقدس ما ملكت

وآيات ربك

فَسَّرَها دَمُكْ

فَتَلَقَّفَتْ

  سدم الضلالة

أنجمك

تبّا لِجَيشٍ مُبْتغاهُ دراهم

 لِيُشتّتَك

ويكسرك

 ويَد السماءِ تُلَمْلِمُكْ

فترى وجوه الراحلين

الى الخلود

مضيئة  أنوارها

 تشعشع في خيالك

فتمازجت

حرّى الدموع

في الخيام

وسموّ نَفْسِكَ يَكْتمك

نزفت جراحك كربلاء

وأنت الجريح

إذ..

 بكت السماء

 وقلب أمك

فلها مددت

شغاف قلب مترع

ففاض طوفان الشجون 

ليهدمك

وعرفت من طعم المنايا

أنّ حرفك صِنْوكَ

فمحال صنوك يلجمك

وأيقنت أن  جرحك

خطوتك

فَقَبّل خطوتك

 دمك

ومسحت أدران النفوس

فَلَرُبّما

 تَصْحو ضمائر

 تظلمك

لم يبق حولك

من أحد

إلّاك

والله معك

وكنت كالليث الرهيص

وكان صبرك قوتك

وآيات نبضك

يتلوها فمك

فخبطتَّ

 أعناق الرجال

لاشئ يضعف خطوتك

أو يوهمك

رغم السهام من البغاة

فنور وجهك

عانقه دمك

وما شككت

وما يئست

لأن دربك

توأمك

ولطالما..

أمعنت في

غدر الزمان

وأشباه الرجال

فدم الضحايا

 يؤلمك

فألقت نوائبها الدهور

فعسى تنال

 مبتغاها

وترغمك

وليس ثمة من وجوه

في الحشود

 لك تنتمي

او تواسي ألمك

فبقيت..

 وحدك لا سواك

 وظلّ أمسك

 مثل يومك هارباً

 منك إليك

فكأنّه بك يحتمي

ولربما..

خوفاً من الآتي عليك

ومن الذي

لا يفهمك

لكنه..

لما رآك شاهقا

مثل الجبال

وحروفك

 تقرأ أنجمك

حينها

بانت على وجه السماء

علائم

الليل يمحوه دمك

فجمعت كل حروفك

وجعلت جرحك

حكمتك

ليكون في الصبح القريب

قاب قوسين مشرقا

حلم اليتامى

حلمك

***

الدكتور ابراهيم الخزعلي

30/8/2020

 

 

عبد الله الفيفيأبو الطَّـيِّب في لياليه!

.. (محاكمةٌ أُولَى)


- «أَعِيْدُوا صَباحِيْ فَهْوَ عِندَ الكَواعِبِ

             ورُدُّوا رُقـادِيْ فَهْوَ لـَحْـظُ الحَبائِبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- إِذا لَـمْ تُعِدْ أَنْتَ الصَّباحَ، فلا تَسَلْ

            صَباحًا، ولا لَيْلًا، وما عُدْتَ صاحِبِي 

أَ فِـيْ كُلِّ هَمٍّ تَبْـتَغِـيْ النَّاسَ أَعْبُدًا؟

               فلا رَقَدَتْ عَيْنٌ عَلَتْ قَوْسَ حاجِبِ!

ومِنْ  سَـفَـهِ  الأَيـَّامِ  رُؤْيَــةُ  شـاعِــرٍ

         يُـرَجِّـيْ رُقـادًا مِنْ لِـحـاظِ «الحُباحِبِ»!

              *  *  *

- «فَـإِنَّ  نَهــارِيْ  لَـيْلَـةٌ  مُدْلـَهِـمَّـةٌ    

             على مُقْلَـةٍ  مِنْ بَعْدِكُمْ في غَـياهِـبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- وأَيَّ نَهارٍ يَشْتَهِيْ الفَجْرُ؟ والضُّحَى

               رَهِـيْنُ غَـرامٍ  كـاذِبٍ وابْنِ كاذِبِ!

فلا الحُـبُّ حُـبٌّ حِيْنَ يَمْـتاحُ بِـئْـرَهُ

           ولا الشِّعْـرُ شِعْـرٌ في سَماءِ المـَـواهِبِ

سَقَـامٌ، أَدارَ المـَـوْتَ بِالرَّاحِ أَمْـسُـهُ،

             يَصُـوْمُ  اجْـتِرارًا بـارِدًا  للتَّـجارِبِ!

              *  *  *

- «بَعِـيْـدَةِ  ما  بَـيْنَ الجُـفُـوْنِ  كَأَنـَّما     

                 عَقَدْتُمْ أَعالِـيْ كُلِّ هُدْبٍ بِحاجِبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- لَعَلَّكَ  شاغَبْتَ الثَّـرِيْـدَ  بِجَـفْـنَـةٍ

              فأَمْسَتْ جُفُـوْنًا  في جُفُوْنِ الغَياهِبِ!

ولَـوْ أَنَّ  مـا بَـيْنَ  الجُـفُـوْنِ  لِـهِـمَّـةٍ

            لَـما ضـاعَ رَبْعٌ في ضِيـاعِ الأَعـارِبِ

ولكِنْ سَهِـرْنـا مُـنْـذُ أَنْ نـامَ جَـدُّنـا

          لِلا شَيْءَ، في لا شَيْءَ، مِنْ جِدِّ لاعِبِ!

               *  *  *

- «وأَحْـسَبُ أَنِّيْ لَوْ هَوِيْتُ فِـراقَكُمْ

               لَفارَقْـتُـهُ والدَّهْـرُ أَخْـبَثُ صاحِبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- وما الدَّهْرُ إِلَّا شَمْعَةٌ ، ثُمَّ تَـنْـطَفِـي،

              إِذا ما انْطَـفَتْ، لا دَمْعَ فِـيْـها لِعاتِبِ

فأَخْـيِبْ بِمَنْ لامَ الزَّمانَ، ولَـمْ يَقُـمْ

             لَهُ الدَّهْرُ خِلًّا في اجْـتِراحِ السَّحائِبِ!

               *  *  *

- «فَيا لَـيْتَ ما بَيْنِـيْ وبَيْنَ أَحِـبَّـتِـيْ      

             مِنَ البُعْدِ ما بَيْنِـيْ وبَيْنَ الـمَصائِبِ»!

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- ويا لَـيْتَ ما بَيْنِـيْ وبَـيْنَ مَصائِـبِيْ

             مِنَ الحُـبِّ ما بَيْنِـيْ وبَـيْنَ الحَـبائِبِ!

مُصابُ الفَتَى ما صابَ مِنْ ثَـدْيِ أُمِّهِ

             مِنَ الظُّلْمِ والإِظْلامِ لا في الـمَصاعِبِ

ومَنْ لَـمْ يَكُنْ في قَـلْبِـهِ  غَـيْـرُ قَـلْبِـهِ

                 فلَيْسَ خَلِـيْـقًا بِافْـتِـراعِ الـمَـناقِبِ!

             *  *  *

- «أَراكِ ظَنَنْتِ السِّلْكَ جِسْمِيْ فَعُقْتِـهِ

               عَلَـيْكِ بِـدُرٍّ عَنْ  لِـقـاءِ  الـتَّرائِـبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

فيا لَلْخَيالِ «السِّلْكِ» ، عُقْتَ بَـيانَـهُ،

             ولا دُرَّ  فـي  دُرٍّ  بِـعِـقْـدِ  التَّـلاعُبِ!

إِذا شِئْتَ أَنْ تَرْقَـى  لِـتَـفْتَحَ كَوْكَـبًا،

            فعِشْ نـارَ عِشْقٍ في عُيُوْنِ الكَواكِبِ!

           *  *  *

- «ولَوْ قَـلَـمٌ  أُلْـقِـيْتُ في شَقِّ رَأْسِهِ

             مِنَ السُّقْمِ ما غَـيَّرتُ مِنْ خَطِّ كاتِبِ» 

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- أَلا إِنَّ سُقْمَ الشِّعْـرِ  أَنْـبَى بِشاعِـرٍ

               مِنَ السُّقْمِ في جِسْمٍ جَسِيْمِ الخـَرائِبِ

ومـاذا تَـبَـقَّـى مِنْـكَ  لِلظَّـبْـيَـةِ الَّتي

          تُنَاصِيْ الفَتَى الضِّرْغامَ طِبَّ النَّوائبِ؟!

             *  *  *

- «تُخَـوِّفُـنِـيْ  دُوْنَ الَّذِي أَمَـرَتْ بِـهِ     

              ولَـمْ  تَـدْرِ أَنَّ العارَ شَـرُّ العَواقِـبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- بَلَى.. بَلْ دَرَتْ «أَنَّ الثَّواءَ هُوَ التَّوَى»؛

            أَما كُنْتَ في شَقٍّ.. حُضُوْرًا كَغائِبِ؟!

فـلا  لَـوْمَ  إِلَّا  فـي اصْطِغـارِكَ  أَوَّلًا

               ولا كَأْسَ إِلَّا ما سَكَـبْتَ لِـشارِبِ!

               *  *  *

- «ولا بُـدَّ مِنْ يَـوْمٍ أَغَـرَّ مُـحَـجَّـلٍ    

               يَطُوْلُ اسْتِـماعِـيْ  بَعْدَهُ  لِلـنَّوادِبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- أَجَلْ، ذاكَ يَوْمٌ في انْتِظارِكَ، حافِيًا؛

             ولا كَرْمَ يُجْـنَـى مِنْ عُـيُوْنِ الثَّعالِبِ!

          *  *  *

- «يَهُـوْنُ على مِـثْلِـيْ إِذا رامَ حاجَـةً

             وُقُـوْعُ العَوالِـيْ دُوْنَها والقـَواضِبِ»

... ... ... ... ... ... ... ... ...

                      ... ... ... ... ... ... ... ... ...

- كَذا أَنـْتَ، فاخْلَعْ ذا القِناعَ مِنَ الغَبَا،

               لَكَمْ تَـغْـدِرُ الحَـيَّاتُ  لَيْـلًا بحاطِبِ!

وكُنْ أَنـْتَ، لا ما صاغَتِ البِيْدُ والقُرَى،

                تَعُدْ مَعْـدِنَ الإِبْداعِ عِدَّ الـمَذاهِـبِ!

إِذا الشِّعْـرُ لم يَسْقِيْكَ وَجْهَكَ دِيْمَـةً،

              فلا كانَ ، أو دَرَّتْ نُـهُوْدُ السَّواكِبِ!

              ***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

 

قصي الشيخ عسكرقصص قصيرة جدا

فرعون

أبو العبد لايجيد أي شغل، ولايفهم أية صنعه حتى أنه رفض عرض  أهل في أن ينضم إلى إحدى المنظمات في بيروت حارسا أو فراشا ليوفر على الأقل قوت يومه فرفض،وحين تم حصار المقامة وأرسلت بعدئذٍ الدول العظمى بوارجها وأساطيلها لإجلاء المقاتلين عن لبنان إلى بلدان أخرى وجد أبو العبد نفسه يقف نهاية أحد الطوابير التي كان أفرادها يصعدون إحدى البوارج وإذ جاء دوره وقبل أن يباشر بالصعود التفت فجأة نحو حاملة طائرات ولم يكن يعلم أهي أمريكية أم روسية ..رسم علامة النصر وتمتم : سوف يأتي يوم أعاملكم فيه عمل فرعون!

**

العنيد

آخر ما يروى من حكايات عن عناده الذي جبل عليه والذي لم تشذبه الأيام أنه اشترى كلبة ظنها كلبا فسكت الآخرون عنه  إلى اليوم المعهود حتى إذا حل وقت السفاد وتبعتها كلاب المحلة فرآى بأم عينيه ما تفعله بها استل مسدسه من جيبه غاضبا وصرخ وهو يصوب المسدس نحو رأس الكلب المزعوم: مت أيها الكلب العار!

**

لقاء عابر

تدفعني رغبة أليفة للابتسام بوجه أيِّ شرقي أقابله.

 ذات يوم في محطة " سفينة مولن " رد عامل التنظيف على ابتسامتي بوجه بشوش ثم توجه  إلي وقال:

قبل نصف ساعة كنت أنظف مكتب المحطة فجاءت سيدة وسلمت الإدارة مائة كرونة وجدتها على الرصيف بإمكانك أن تذهب الآن إلى المدير وتدعيها فنتقاسمها نحن الإثنين.

**

أسلحة

كان يكره جميع الاسلحة والآلات الجارحه ..بغضه  الشديد لها جعله يعرض عن لمسها فضلا عن هجره لسكين المطبخ التي تعد من ضروريات الحياة، وبعد أن مات صدمت الآخرين وصيته التي  خصص فيها جزء ا من ماله  يُصرَفُ على نحت مجسمات صغيرة  لطائرات ومدافع وبوارج وصواريخ ومسدسات  وقنابل وسكاكين ورماح وخناجر  تحيط بقبره!

**

فرهود

لم يفوِّت أيّة فرصة لنهب وسلب اليهود خلال نهاية الأربعينيات من القرن الماضي فيما عُرف بعام فرهود اليهود!

وخلال الحرب العراقية الإيرانية دخل الأهواز والمحمرة فكان يسرق قطعان غنم فرّ  أهلها ثم يأتي يبيعها في مدينة البصرة!

 وعندما احتل العراق الكويت رأيناه يعود ومعه بضاعة مختلفة من أجهزة تلفاز وساعات وأقلام وبعض السراويل والخواتم وأحمر الشفاة...

  في إحدى المؤتمرات الأدبية مطلع القرن الحالي رأيت الثلاثة مدعوين مع كبار المثقفين والأدباء: الجد والابن والحفيد. كنت على المنصة ألقي قصيدتي وأنا مشغول بالتأمل في تلك الوجوه الثلاثة!

**

آخر قبر

امتلأت مقبرة المدينة الوحيدة عدا قبرا واحدا ظلّ ينتظر من يموت في الأيام القادمة ،أمّا الموتى فيما بعد فسوف يُدفنون خارج المدينة عند تخوم الصحراء،كان كلّ واحد منّا في الوقت نفسه يودّ أن يكون وألا يكون أوّل من يموت في الأيام القادمة.

**

الفرّاش والمدير

توقّف فرّاش المدرسة عن تنظيف المكتب لحظات.كان يشير  إلى سروال المدير الذي انتهك عرضه قبل دقائق في البستان القريب وينبهه إلى بقايا تمر عالق في سرواله عند الركبة..

**

الأبله

كان يسرح ببقرة عمي كل يوم.يأتي فجرا فيقودها إلى المرعى ثم يعود بها وقت المغرب،وعندما ماتت البقرة بقيت زوجة عمّي تمنحه وجبات الطعام الثلاث كما لو أنه يعمل،وقد ظلّ على عادته يأتي عند الفجر يشدّ الحبل وراءه ويعود مع الغروب وإذ يذكّره أحدهم بموت البقرة يردّ مستهجنا أنّه  لا يأخذ طعاما دون مقابل.

***

قصي الشيخ عسكر

 

غانم العنازما لـهـذا الـنـوم لا يـرثي لـحـا لـي

              طـالَ لـيـلـي دونـما عــذرٌ بــدا لـي

أمْ تُــراهُ سـاهــيـاً غـيـرَ مـُـبـا لـي؟

             هل تُـرانـي قــد أسـأ تُ الـظـنَ فـيـهِ

مــؤلــمٍ يــمـنـعُــهُ مـِـن اتــصـا لِ

               أو يـكـون قــد أصـيــبَ بالـصـداعِ

بعضُ ما يُـنـسي من الـداءِ العـضالِ

                أم هـوَ قـد شاخ مـثـلـي فـاعــتـراهُ

لا يُــبـالـي بــمـواعــيـدٍ حِــيـا لـي

               فـهـو قـد أصـبـحَ يأ تــيـني نـهـاراً

قـاطعـاً ما كان من احـلـى الـسجـالِ

              وهْــو قـد يـهـربُ مـني في الـليـالي

لا ولا يـأبـى نــداءَ الإمــتــثــالِ

                كان لا يـنـسى مـواعـيـدي بـتـاتــاً

لـيُـريـني بـعـضَ أحــلا م الــدلالِ

            لـو سعـد تُ ضـمّـني تحت الجـناحِ

لأ فــيـقَ نـاسـيـاً مـا قـد جـرى لـي

              أو تـعـبـتُ جـاءَ يـغـشـاني حــنـانـاً

لـيـزيـلَ بـعـضَ نــوبـاتِ السُـعـالِ

               أم مـرضـتُ قـام يـرعـانـي بـرفـقٍ

بـيـنـهــم أهــلٌ يـرومـون الوصـالِ

             فـهْــوَ قــد يـأتـي إلــيّــا بالـضـيـوفِ

رعـبَ فـيّــا فـي كـوابـيـسٍ ثــقـالِ

           وهْـوَ قـد ينسى فـيـدعـو من يـثـيـر ال

زائـري مـا دمـتُ حـيّـاً في الـليـالـي

             هــوَ خِـلّـي مُــذ خـلـقــتُ وسـيـبـقـى

لا أبـالـي إن أصــيــبَ بِالـخَــبــالِ

               وسـأبـقـى شـاكـراً هـذا الـصـديــقَ

               ***

واطـفـورد - ضـواحـي لـنـدن

 

 

احمد الحليتهاجِرُ إليكِ الأشياءُ:

باقات الورد، الزقزقات

كركرات الأطفال

دمعات الفرح

أمكنة اللقاء

حنوّ الأمهات

معزوفة مونامور

لتقدّمَ فروضَ الطاعة

 

محاصَراً بالظلامِ

لا أجِدُ لي منهُ مَهرَباً أو سبيلا

وعدٌ منكِ يلوحُ في أفقي

يشِعُّ كما لو يكونُ قنديلا

 

تتسِعُ المَساحةُ

التي أقِفُ عليها

أو تضيقُ

بحسَبِ ما ينتابُكِ

من أنواء

 

اقترحَ الذئبُ على الثعلبِ

أن يتبادلا رأسَيهما

لبعضِ الوقتِ

فكّر الثعلبُ ثم قال:

لن أفرّطَ برأسمالي الوحيد

لنزوةٍ عابرة

 

في حقيبةِ التلميذِ

قلمُ رصاصٍ

وفي الكاتِمِ رَصاص

الأولُ يحتاجُ

إلى ورقةٍ وأناملْ

والثاني إلى جسَدِ ضحيةٍ

وسَحنةِ قاتلْ

***

أحمد الحلي

 

 

سعد جاسمخائفٌ أَنتَ

ونازفاً كُنْتَ

يا أَيُّها الفراتْ

وشاهداً صرتَ

وحائراً وواقفاً

في الطفِّ والمأساةْ

 كُنْتَ تُمَنّي النَفْسْ

 أَنْ تَمْنَحَ الحُسينْ

حتى ولو قَطْراتْ

من مائِكَ الحزينْ

كي يبقى في الوجودْ

ويعلو بالحقِّ

ويسمو بالخَلْقِ

فيرتقي الانسانْ

والأَرضُ والزمانْ

ونحيا في الحياةْ

بلا يزيداتْ

ولا معاوياتْ

بلا معاركٍ

ولا خياناتْ

بلا مذابحٍ

 بلا بلا طُغاةْ

ولا

لا...لا

لا... لا... لا...ءاتْ

و...لالالالالالالاءاتْ

وكلُّ هذهِ اللاءاتْ

وكلُّ هذهِ الصَيْحاتْ

نُطْلُقُها غاضبةً

نُعْلُنها صاخبةً

عساهُ أَنْ يَسْمَعَنا

ربُّ السماواتْ

***

سعد جاسم

2020-8-26