بن يونس ماجنهل ما زلتم تنتظرون

ما ثمن الفشل والخسارة عندكم

وكم واحد منكم فقد عقله

أنا لا اتكلم عن الوطن

فالوطن فقدناه وفقدنا منذ زمان بعيد

ايها الواقفون على جسر الاحلام   

هل فكرتم يوما ان تعبروه

وانتم واقفون على رؤوسكم

تزحفون فوق بساطه المتأكل

بلا أطواق النجاة

ماذا سيحصل اذا كسرتم معاويلكم

وشحذتم سكاكينكم

واشهرتم مناشر العظام

اين كنتم حين سرقت ممتلكاتكم

هل ما زلتم تغوصون في سبات عميق

هل شاخت ادمغتكم ومسكم الاحباط

وصرتم من ذوي الاحتياجات الخاصة

مقابل تغاضيكم عن مؤامرة القرن

انهككم الادمان على الانبطاح والخنوع

وانتم متمسكون بصمتكم في دوامة التيه

ستسفرالايام انكم كنتم  امة مخذولة مخدوعة

وكنتم قوما بورا

هل ما زلتم في اجازة

تتطأبطون أسفار الرجوع

اما أن لكلمة الحق ان تكسر الوتر المشدود

على وقع نقر بعيد

تخونون قضيتكم

وتتغامزون كالتماسيح المكشرة الانياب

غيومكم متوترة ودروبكم موصدة

هل سمعتم عن سبع موجات لبحر واحد

فمن يأتيكم بماء معين

لا بد ان هناك فيكم من يعصر الخمر لربه

ما أنتم الا سكارى في مصانع النبيذ

فجوركم السياسي

ودسائسكم الماكرة

وخيباتكم  المتكررة

كواليس واشباح

فوق تضاريس مثخنة بالجراح

ايها الانقلابيون الحائرون بين السفور والشادور

ألهذا الحد، أنتم خائفون وكيف تحزنون

وانتم يا ائمة الجوامع

ويا مشايخ العمائم

وجنرالات الغدر

نفاقكم تحالف مع خائنة الاعين

وتحولتم الى أبواق في بلاط السلاطين

اما زلتم تاكلون الطعام

وتمشون الهوينا في الاسواق

وانتم مقمحون تجرون ورائكم

 اغلال واصفاد المستبدين

نزلتم الى الحضيض

لم يبق منكم غيردمى متحركة

روبوتات بلا بطاريات

يمكن ترويض البعوضة

على ازعاجكم اثناء النوم

تتركونهم يحرفون التاريخ

ولا  أرض ولا تاريخ لهم اصلا

تتركونهم يصممون الخرائط

وهم لقطاء من سوق الحريم

***

بن يونس ماجن

 

نجيب الخالديتغمر المكان أمواج يتعاظم عبابها لحظة بلحظة، تتدفق في جنون على الكراسي والطاولات وكل الفراغات المجاورة. لم يعد بالإمكان السير على الرصيف، ولا السيارات والدراجات قادرة على استعمال الطريق. ينحصر المكان، وتنغلق فيه كل الممرات والمنافذ والفجوات.

الأعين الآن معلّقة جاحظة، الأكف ملتهبة والأوداج منتفخة نافرة... وفي قبضة هذا الزمن، تداهم الجموعَ لحظة يسود فيها صمت صاخب يقطع الأنفاس حدّ الموت، لكن يفجرّه صراخ مدوّ كالرعد، تعقبه أصوات هتاف محموم، تندفع إثره الأيادي وهي تلوّح بما تلقفته من علب السجائر والكؤوس والقنينات الفارغة وأشياء أخرى.

في هذه اللحظة يقلب أحدهم بشدّةِ يدِه الطاولة، وينسلّ آخر من مجموعته ليطوّح بكرسيّه بعيدا في غير اتجاه... تستقر على وجه هذا الأخير صفعة منفلتة، وعلى رأس آخر ضربة قاضية. تتشابك الأذرع والأرجل والأبدان المتموجة، بينما تنبعث الأفواه من الجهة المجانبة بالقذف والإذلال وكل أصناف التحقير.

تتأجج النار التي بدأ لسانها صغيرا، تستحيل ألسنةً مستعرة زاحفة تلتهم المكان برمتّه، وتطال المدرسة المجاورة والمشفى المحاذي لها ومرافق عمومية أخرى.

***

قصة قصيرة

نجيب الخالدي

ريكان ابراهيملو لم يمُتْ مُحمّدٌ من قبلهِ

لقلتُ: لن يموتَ مَنْ له كَمالُ قَدْرهِ

وفضْلهِ

لو لم يكن محمدٌ قد ختَمَ النُبوّة

لظلَّ منها بعضُها في حاجةٍ

لمثْلهِ

***

بحثتُ في دواخلي عن قائدٍ إمامْ

عن واحد إمامْ

يقودُ هذي الأُمّةْ

واخترتُهُ لكنّه خيّبني

لأنّه ما كانَ بالإمامْ

بل كان وَحْدَهُ أئمةْ

***

أحببْتهُ

ولم يكنْ يُحبّني لأنّه كان يُحِبُّ ربّهُ

يملأُ منه قلبَهُ

فلم تَعدْ لي حِصّةٌ في ما أردتُ كسْبَهُ

***

قد ولدتْهُ أمّهُ في باحة الحرَمْ

وكرّم الله القديرُ وجْهَهُ فلمْ

يسجدْ ولم يَحْنِ الجبينَ للصنمْ

***

أُسائِلُ الرِّجالْ

أسألُ كلّ واحدٍ صار اسمُهُ عليّ

كيف يخونُ المرءُ ما وعَدْ

وكيف يحملُ الحسَدْ

وكيف يعتدي على أحَدْ

وكيف لا يخافُ رَبَّهُ الصمَدْ

وكيفَ؟ كيف؟ واسْمُهُ عليّ

***

مسكينةٌ فاطمةُ الزهراءْ

لم تَتّشحْ يوماً بما تلبسهُ النساءْ

ولم تعشْ في اليُمْن والرخاءْ

وكان هذا حظُّها لأنّها:

والدُها إسلامْ

وزوجها إمامْ

***

بلاغة الإمامْ

أسكتتِ الحمامَ عن هديلهِ

والفَرسَ الجموحَ عن صهيلهِ

و "أكثمُ الصيفيُّ" كفَّ عن خطابهِ

لمّا رأى الإمامَ في محرابهِ

يُترجم القرآنَ في أُصولهِ

***

إذا مشى ...

تَوضّأَ النهارُ من زمزمهِ

ليرفع الصلاةَ عالياً

لربِّه الكريمْ

***

... وقالَ قائِلُ الكُفّارِ من قُريْشْ:

هيّا نُعِدُّ جيشْ

يُحارب الإسلامَ في جذوره ويقطعُ الوشيجةْ

ولْتعلموا يا سادتي قريشْ

بأنّكم لن تربحوا النتيجةْ

ما دامَ ذو الفقار في يمينهِ

والمالُ من خديجةْ

***

أهل العراقِ يكرهونَ مَنْ يَسبّهُمْ

مكابرون في العنادِ والغضَبْ

ولا ينالُ وُدَّهمْ إلّا الذي يمدحُهمْ

وإنْ كذبْ

لكنَّهمْ لم يكرهوا الكرّارْ

وحينما خاطَبهمْ في وَضَح النهارْ

بأنّهم فصيلةُ الشقاقْ

تقبّلوها عن رضا، وأعلنوا

الوفاقْ

لأنَّ مَن قد قالها لا يعرفُ

النفاقْ

***

تدحرجَ الرأسُ الذي تملؤهُ الكرامةْ

وحينما أدرك أنَّ موتَهُ أمامهْ

صلّى وخرَّ ساجداً

ليكتبَ التاريخُ أنَّ واحداً

يُدعى عليّاً ماتَ كي يُقرِّبَ القيامة

***

براءتي مِنْ ذنوبِ الطيشِ والزَّلَلِ

أنِّي وقفتُ على باب الإمامِ عليْ

ولي الحصانةُ يوم الحَشْرِ من خطئي

إنْ قلتُ يا ربِّ إنّي من جنود عليْ

ما فاقَ شيءٌ قناعاتي بحكمتهِ

إلّا قناعاتُ إيماني بربِّ علي

قد كرّم اللهُ وجهاً منه عن صنمٍ

هل كرّم اللهُ وجهاً غيرَ وجهِ علي

سلْ ابنَ يكرُبَ عن ساقٍ له قُطِعتْ

إذ ذابَ قلبُ امرئٍ لو كان غيرَ عليْ

قد صارَ رابعَها لا طامعاً أبداً

وكيف يطمعُ مَنْ يرقى رُقيَّ علي

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

تواتيت نصر الدينحين يؤرقني الهوى

أستلقي على سرير متاعبي

وأتوسد باقة أشعاري

وأرحل بذاكرتي إلى عالم حبّك

الذي يزملني .

حينها يراودني الكرى

فأغوص في بحرحبّك المزين

بزرقة السماء فأراك هناك...

هناك داخل مملكتي

كملاك يتهادى قادما من ملكوت

العشق يناديني بصوت ملائكيّ

فاردد في نفسي بأنك فاتنتي

وبسمة النورالصاعدة من قناديل

المحبة المتوهجة بأشعة الهوى

تلك المحبّة الّتي تنشر

نورها المقدس على سويداء

القلب النابض بالحبّ والحنين

وحين تقتربين مني تزهر مدني

ويزهر المكان

فأمدّ لك يدي وأضمك إلى صدري

حينها نسافر بأحلامنا إلى أبعد

نقطة من مدارات الخيال

***

تواتيت نصرالدين / الجزائر

 

سجال الركابيلا تنادِني بحرفٍ أبكم

متربّصة تلك الجدران

ما بين  خذلانٍ ورياء واعتقال أفكار

كيف أسمعكَ...؟

الضوضاء عقيمة الإنصات

أيطير الفراش والشذا عسير...؟

الفضاءات  جدران

عقولهم جدران

لا تنادني بحرف أبكم

بصخبِ عِشقٍ نادني

دعنا نفرّ بما تبقّى مِن فتات روح

ما اغتصبتها جدران

متعبين نَحْنُ

تسحقنا الجدران

دعنا  نحلّق  في عذريّة أوزون

لم تطلهُ مخالب الذئاب

دعنا نحلّق وننِثُّ أنغاماً بيضاء بنكهة حُبّ

يرتشفها الصغار

لعلّ في غدٍ تُزهرُ الأرض عناقيد فرح

***

سجال الركابي

Baghdad

 

حيدر جاسم المشكورصدقني لا أبكي هوىً..

لكنَّ في العينِ قذىً

من واعدٍ كذابْ

**

صدقني لا ابكي أسىً..

لكن في النفسِ أذىً

من طبعك القلاّبْ

**

صدقني لا أبكي الجفا..

لكن في القلبِ منىً

أن ترتقي الاسبابْ

**

صدقني لا أبكي العَنَّى..

لكنَ في الروح لظى

من عاشقٍ تلعابْ

**

صدقني لا أبكي الجوى..

لكنما الدمع همى

من صاحب مرتابْ

**

صدقني لا أبكي الونا..

لكنما العزمُ وهى

في الهجرِ والغيابْ

***

حيدر جاسم المشكور / العراق

عباس علي مرادبصورة رتيبة

تسير عقارب الساعة

تردد صوتاً أليفاً

يذكرنا أننا ما زلنا على قيد حياة

أفرغت من عناوينها

تبدأ من عشق

بين رجل وإمرأة

وتنتهي في حفرة

تتخللها اوقات

من الفرح والحزن

من السعادة والألم

من الحب والكراهية

تتجدد من دون عِبر

كأن شيئاً لم يحدث

كأن علينا أن نملأ الفراغ

بعبث مناسب

يخطف الضوء

يعلن رحيل الحلم

ينعي أبجدية الحب

ويبذر الخوف

في حقول الدهر

ويطبق الصمت

على موائل العاشقين المتصحرة

بعدما جافاه المطر

والغيم حجب الضوء

وأضحى العاشقون

يتيهون في زواريب الضياع

والزمن لا رحمة عنده

يقسوا

ويقسوا

ويقسوا…

***

عباس علي مراد - سدني

 

صحيفة المثقفعجزتْ الثّمارُ عن اقناعه، ابتلعَ قشورهم، طفحَ دينه، جمعَ الأصنامَ في صندوق البريد، تعجَّبَ السَّاعي من حرصه الشديد على عقولِ صغاره، بعد خريفين أطلقتْ المتاحف نداء استغاثة؛ تحذيراً من التَّخمة.

**

ديستوبيا

بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله، كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة، هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي   المكسَّرة، مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب.

**

تتويج

تأبطتُ نصراً، توظأتُ بدموعِ أمّي، أعلنتُ الحدادَ على القنوطِ، رتَّلتُ على رأسِ الظَّلام طلاسمَ قوس قزح، أهديتُ جديلتي قرباناً للفرح، على شفا حفرةٍ ألبسني الظفر وشاحه.

**

تهميش

ازدحمتْ الكلماتُ على الجدار، تفاخرَ بانحسار البياض في أركان المنزل، قتلَ بازدراء الحشرة التي دنستْ قدسية معلقاته، حانَ وقت العشاء، تلاطمتْ الأحجارُ في صحنه مع صرخة آخر صفحة في كتابهِ المشنوق.

**

تهجين

حفرَ الظلَ بفأسه، أخذَ يراقب الطائرَ المارق، لم يفهم إشاراته المتكررة، حاولَ التشبث بالريش المُرسل، مع أولى محاولات التحليق أسقطهُ سوط  النخاس الذي شاهدَ الكفر بأم عينه.

***

دعــاء عــادل

 

نور الدين صمودمنارةَ المَجْدِ، يا فخري لدى نـَسَـبي!

             نَـوَّرْتِ خَضْرَاءَنَا مِنْ سَالِفِ الحِقـَبِ

وَكُـنْتِ دَرْبَ الهُدَى للمُسْتـَنـِيـرِ بـِمَا

          في سرِّ زَيْتِـكِ مِنْ نُـورٍ ومِـنْ لـــهــبِ

بِهِ اسْتضَاءَ الأُولَى لمْ تـَعْشُ أَعـْيُنُهمْ

           عَن نُورِ عِلمٍ، بِـلـَيـْلِ الجَهْـلِ والرِّيـَب

وكنْـتِ، في كـُلِ عَصْرٍ، قِبلةً جَمَعَتْ

            مـَنْ أَمَّ دَرْبَ العُلـَـى والعـلـمِ والأَدبِ

فَتَّحْتِ أعيُنَ مَنْ ضَلـُّوا السَبيلَ، عـَلَى

             نُورٍ يُبـَـدِّدُ ما قـَدْ رَانَ مـن سُــحُــبِ

وباسْمِـهـِمْ تـَـفـْخَـرُ الدنْيا إذا ذُكِروا

          حتَّى تَـمِـيلَ رُؤُوسُ النـّاسِ من طـَرَبِ

رفَعْـتِ أَعلامَ عِلـْـمٍ فَـوقَ صَرْحِكِ، يا 

            زيتـونـةَ المـجـدِ للإسـْــلامِ والعـَـرَبِ

في كل نــادٍ تَـــراهـــمْ بـحــرَ مـعرفةٍ 

              لله درّهُـــــمُ مـــن ســـــادةٍ نُـجُـــبِ

 حيّـاهــُـمُ اللهُ مـن أشـــيـــاخِ معـــرفةٍ 

           كـَانوا هُـداةً بـِأُفـْــقِ العِــلْمِ كالشُّـهُــبِ

هُمُ المنـاراتُ، قـــدْ شعَّــتْ معارفُهـمْ

            وسُجِّلتْ في مطَاوي الذِّهْـنِ والكُـتـُبِ

 كَانُوا دُرُوعًا بِعَـهْـدِ الظـلمِ، لـم يَهنُوا

            فَـبَاءَ غَـازِي الحِمَـى بالويْلِ والحَرَبِ

وخلـَّـفَ الـرأسُ أذْنـابًــا تُـحـــاولُ أنْ

           تُطفي السِّراجَ، وليسَ الرأسُ كالذَّنَبِ!

سِوى العَقاربِ من بعض الأقارب مَن

           كـانــت زبـــاناهــمُ للَّسْـــعِ والعطَــبِ

هـَـمّـُـوا بِإطـْـفـاءِ نُـورِ اللهِ، فانْطفـؤوا

           وجَرَّرُوا خِزْيـَـهمْ، يـا سُـوءَ منقَـلَـبِ!

يا جَامِعَ العلْمِ في عهدِ الجهـَالَـةِ، بَـلْ

            يا شمْسَ معـرفـةٍ شعّـَـتْ ولــم تـَـغِبِ

 قدْ كنتَ صـَـرْحًا لِـعِــزٍ لا انكِسارَ لَهُ

            إذا رآهُ جَـــبـانٌ، فـَـــــرَّ مِــنْ رَهَــبِ

كـانتْ بِـهِ حَلَقـاتُ الـدرْسِ أَنْــدِيَــــةً

          تـُعِيــدُ رُشْـــدَ الـــذي للرشْــدِ لـم يَؤُبِ

يا حُلْمَـنا الغضَّ في ماضِي شَـبِـيـبَـتِـنَا

            شَابَ الزمانُ ومِنْـــكَ الرأسُ لم يَشِبِ

وأشْرَقَتْ شـمــسُ نـورِ العِلْمِ سـاطِـعَةً

           إذْ عَـادَ مَجْدُك، يا زَيْتُونَـــةَ العـَـربِ!

يا جــامـــعًــــا قـــد غَـدَا للعلمِ جامعةً

            تُحْيي الرّجَاءَ، وهــذا خَيْـرُ مكتـَـسَبِ

بهــــا تـحقّـقَ للمـَــاضـيـنَ مَأْمَلُــهمْ

            أيّامَ سَـطْــوِ ذَوِي البِيـعَــاتِ والصُّلُبِ

وأيْقَظـَـتْنَــا أغَاني المهرجــانِ علـى

            تحقِيقِ حُلْمٍ بَــديــعٍ رائـــعٍ عَــجَـــبِ

ثلاثةٌ مِـنْ قُـرونِ العـــلـــمِ حـــافـلـةٌ

             مِــنْ قـَــبْـلِـهَـا ألْفُ عَامٍ، دُونَمَا تَعَبِ

فيهَا لِزيْتِـــكِ إشعـــاعٌ يُـضـِـيءُ لـنـا

            دَرْبَ الصَّوابِ، وَيَمْحُو اللَّيْلَ باللَّهَـبِ

زيتـــونـَـــة َ العِزِّ يَـا جِذعًا بِهِ نَبَتَـتْ

             فـُرُوعُ عِلمٍ مَدَى الأيـــامِ والحِــقَــبِ

 إذا افتَخَرْتُ بشـــيءٍ كُنْــتُ مُفتخِرًا

             بأنِّـنـي لاسْمِـــهَــا شُرِّفـْتُ بالنَّسـَـبِ

لمِثْلِ مَجْدِكِ فلـْتـَـسْــعَ النــفــوسُ إذا

             كانتْ كبارًا، لِتَرْقى عَـــالــيَ الرُّتبِ

وسِفـْرُ مجـدِكِ مثـْــلُ النُّورِ أحــرُفـُهُ

             قد خَط َّ عنــوانَــهُ التــاريخُ بالـذهبِ

يظــل يعجَبُ ممــن قـــال قـــائِـلـُهم :

             "السيْفُ أصـــدقُ أنباءً من الكـُتـُبِ"

***

أ‌. د. نورالدين صمود

........................

إنارة لطريق القصيدة

أقدم جامعة في العالم العربي والإسلامي هي جامعة الزيتونة بقلب عاصمة تونس الخضراء العتيقة تخرج فيها كثير من الأعلام المشاهير نكتفي منهم بذكر العالم الموسوعي مؤسس علم الاجتماع المؤرخ عبد الرحمن بن خَلدون (1332-1406م) ومن أشهر مَن تخرج فيها في العصر الحديث: الشاعر التونسي الأشهر أبو القاسم الشابي (1909-1934 م)وغيرهما كثير عبر التاريخ، وقد ألقيت هذه القصيدة في الاحتفال الثاني الذي أقامته جامعة الزيتونة بمناسبة مرور 1300 سنة ميلادية بالضبط على تأسيسها

ملاحظة نادرة خاصة جدًّا: دَرَسَ صاحب هذه القصيدة في الزيتونية ودرَّس في جامعتها، والطريف أن بين تاريخ ميلاده وتاريخ ميلاد ابن خلدون خمسة قرون بالضبط، فهو [أسنُّ] من صاحب المقمة بما يناهز عِقدا من الزمان، و[أسَـن] من الثاني بما يجاوز ستين سنة، ويرى أنهما [أكبر] منه وكل منهما جدر بالتقديم. وقول لكل منهما ما قال ابن مالك صاحب الألفية لابن مُعْطي صاحب الألفية السابقة لألفيته:

وهْو بسَبْقٍ حائزٌ تفضيلاَ**مُسْتوجبٌ ثنائيَ الجميلا

 

باسم الحسناويلعلمكَ إنِّي أستفزُّ خيالَكا

                      إذا قلتُ إني لا أريدُ وصالَكا

وإلا فإنَّ اللهَ يعلمُ أنَّني

                 أصلِّي صلاةَ الحبِّ أبغي جمالَكا

أفتِّشُ عن قلبي فما هوَ كائنٌ

               بأضلاعِ صدري بعدما قد سَما لَكا

علا القلبُ في تلك السماواتِ لاهثاً

                      ويخسأُ قلبي حينَ يزعمُ نالَكا

مجالُ فؤادي نقطةٌ ثمَّ دونَها

                        فضاءٌ بلا حدٍّ يكونُ مجالَكا

فيا ويلَ من قد حدَّثَتْهُ ظنونُهُ

                  بأن سوفَ يقوى أن يردَّ نصالَكا

لك الحقُّ حتى حينَ تقتلُ غيلةً

                      إذن عبثاً يبغي القتيلُ جدالَكا

لها قيمةُ الصفرِ التفاصيلُ كلُّها

                     وقد وقفت عندَ الحسابِ قبالَكا

لقد تيَّمَ الطيفُ الذي جاء طارقاً

                  فؤادي إلى أن قلتُ مالي ومالَكا

**

الكأس

أفتِّشُ.. لا ألقى خيالَكَ في الرأسِ

                    وما ذاكَ إلا أنَّه حلَّ في كأسي

إذن ليسَ رأسي فوقَ جسمي مثبَّتاً

            فرأسي هو الكأسُ المضيئةُ كالشَّمسِ

أذمُّ حياةً تخدَعُ الناسَ دائماً

               إلى أن يزوروا فجأةً حفرةَ الرَّمْسِ

لها الفضلُ طبعاً أنَّنا في رحابِها

            عرَجْنا إلى أقصى السَّماءِ من القُدْسِ

وما القُدْسُ؟ إنَّ القدْسَ محضُ إشارةٍ

                      إلى أنَّكَ النورُ الإلهيُّ للإنْسِ

وإنَّ سماءَ اللهِ أقصى تخومِها

                 فؤادُكَ لما كانَ خلواً من الرِّجْسِ

سأرجمُ نفسي مثلَ زانٍ لأنَّني

                دنت منكَ كفِّي فابتغتكَ مع اللَّمْسِ

إذا كانَ قلبٌ لستَ أنتَ حياتَهُ

                   فذا وثنٌ يحتاجُ للضَّرْبِ بالفأسِ

**

شفيعٌ أنا للمذنبين

أفَضْتُ إلَيْها من ذُرى عَرَفاتِ

                    وكانَ لها حجِّي على الحدَقاتِ

أطوفُ عليها والجميعُ يَرومُني

                             بِرَجْمٍ لأنِّي طائفٌ بفتاةِ

وأثناءَ تَطْوافي أقبِّلُ ثغرَها

                        وطَبْعاً قصدْتُ اللهَ بالقُبُلاتِ

ولم ينْتهِ التطْوافُ حتى توجَّهت

                   إليها على رغْمِ الزَّحامِ صَلاتي

غسلْتُ ذنوبي كلَّها بل تبدَّلت

                      كما أخْبَرَ الرَّحْمنُ بالحَسَناتِ

دخلْتُ جنانَ الحبِّ في نظراتِها

                       ولم أنتظرْ حتى تحلَّ وفاتي

رأيتُ هناكَ الخمْرَ تَجْري جداولاً

                      ويَنْبَعُ في الجنّاتِ ألفُ فراتِ

شفيعٌ أنا للمُذْنبينَ جميعِهم

                        لديها فإيّاكم ولعْنَ عُصاتي

***

د. باسم الحسناوي

 

 

قصي الشيخ عسكرمأواك قلبي وذاك البحر والأرق

                           يانفحة من بقايا الأمس تحترق

يالمحة من بقايا الأمس ساطعة

                       كم شدني نحوها الحرمان والنزق

كوني حياة وموتي عند رفتها

                        ما أجمل الموت في طياته الشبق

وحاذري هدأة في الدرب عارضة

                             فربما طال من رفاتك الرمق

وحلقي حلما يرقى لمغتربي

                        إن أجدبت صحوة أو غالها القلق

وطالعي نشوة في الأفق هائمة

                           إذ حال مابينها والنظرة الشفق

من أيما ضفة أبصرت فاتنتي

                           النور ينثرها والصمت والألق

ومض المسافة ألقاها على كتفي

                      حتى ارتعدت كأني الهمس ينطبق

هذا دمي ياعق السكين من كبر

                               كأنه الشك بالنيران يلتصق

فالشك قاتلتي والخوف فاتنتي

                                 أكبرت قاتلة بالعهد لاتثق

فهمت تحفرني الأيام في تعبي

                             أين المسير إذا ماعز منطلق

إذا سقطت وجدت الدرب يلفظني

                           وإن مشيت يشد الخطو منزلق

أبحرت في نشوتي من أجل لاهدف

                           الليل أشرعتي والساحل الأفق

فلست آخر من ضلوا بغربتهم

                      أنى اتجهت فقد ضاقت بي الطرق

وليس ليلي بقيد الصبح مرتهنا

                        حتى احتواني كأني المقعد الطلق

عودي فهذا امتداد الدرب يحصرنا

                                إن الطريق بنا لابد تفترق

***

قصي الشيخ عسكر

.....................

قصيدة قديمة، من مجموعة "رؤية المنشورة عام 1985"

 

ابويوسف المنشدأنا الممجّد عارياً

ما عرفت السفر

إلى نهد امرأة

وعرفت السفر إلى ... ذراعيّ المسيح !!

**

للداخلين في العري المطلق ..

أنتم الأطفال في مملكة الإنسان !!

تحت أقدامكم ... طائر (جيفارا) .. !!

**

لم يكن عبثيّاً ... طائر جيفارا

كان طائراً ... لايفهم من القانون شيئاً

ومداه اللّامكان !!

أيّها العبثيّون  ..،

سترون الزهرة التي ... تتضخّم

وترون الموت في ابتسامتي ... يتعرّى !!

**

أي طائر جيفارا

محرّرٌ صليب الأرض فيك ..

متضاحكٌ إليك !!

أيّها الوافد للحياة ، لن تخرج منها !!

**

لأغنيةٍ

في العدم الحي ..

تشير السماء

ولطفلٍ يلعب خلف العصور !!

**

هذا الرغيف المعطّر ..

أحمله.. للموبوء بالإنسان

للهارب للإنسان ..

للذاهبين في صليب المسافات !!

أحمله.. بعيداً عن المدن، واعتكاف الريح

أحمله.. خارج الحلم، وداخله

خارج القيامات ، وداخلها

أحمله ... للمدجّجين بالتيه،

والمحاصرين باللّامكان !!

**

أيّها العالم ، لمَ الخوف؟

إفتح الباب ..

أنا ضميرك !!

**

في الغد الأكثر عرياً

ستكون الأبديّة.. تحت ركابي !!

**

(هل أتاكِ حديث) الأطفال ، جياع العالم

كوني فصيحةً أكثر.. أيّتها الأرض !!

**

أنا العالق في.. (غرفةٍ بملايين الجدران)

سأرسم زهرة ً

ليشمّها سجّاني ، ويبكي !!

لي غيبوبة الحلم

لي حزن جميع البشريّة !!

**

(آدم) مازال يبكي

ونجم الكون منكوسٌ

فتعال َ.. ياطائر جيفارا !!

**

العراق – الشاعر أبو يوسف المنشد

 

يحيى السماويلكنها هَبَطتْ إليَّ  ..

تعهَّدَتْ عطشي بكوثرِ جدوَلِ


 

أزِفَ الـوداعُ

ورحـلـتـي لـم تـكـمـلِ

*

لابُـدَّ مـن تـذكـيـرِ نـفـسـي

قـبـلَ يـومِ تـرجُّـلـي

*

عـن صـهـوةِ الـفـرَحِ الـمُـؤَجَّـلِ مـنـذُ أوَّلِ  ضـحـكـةٍ

شُــنِــقَــتْ بـحَـبـلِ الـخـائـفـيـنَ

مـن اخـضـرارِ الـعـشـبِ آذَنَ

بـاصـفـرار الـسُّـنـبـلِ

*

كَـذِبَ الـهـوى  ..

مـا الـحـبُّ إلآ لـلـحـبـيـبِ الأمـثَـلِ (*)

*

الـمـهـدُ أوَّلُ مـنـزلٍ لـيْ  لا كـمـا حُـفِّـظْـتُـهُ ..

والـقـبـرُ آخـرُ مـنـزلِ

*

فـأنـا حـيـاتـي رحـلـةٌ  عـذراءُ

ثـانــيـهـا غـصـونٌ مـن جـذورِ الأوّلِ

*

وحـكـايـةٌ شــرقـيـةٌ

خُـطَّـتْ عـلـى رمْـلٍ تــسِــفُّ بـهِ ريـاحُ الـعـشـقِ

قـبـلَ هــبـوطِ إيـنـانـا الـى كـهـفِ اغـتـرابـي

مِـنْ عَـلِ  (**)

*

لا الـلـيـلُ يُـدبِـرُ عـن نـوافـذنـا

ولا ألَـقُ الـصـبـاحِ بـمُـقـبِـلِ

*

بـيـنـي و"إيـنـانـا" الـذي بـيـن الـسـفـيـنـةِ والـشـراعِ ..

وبـيـن "يـوسـفَ" والـقـمـيـصِ ..

وكـان يُـمـكِـنُ أنْ تـظـلَّ بـعـرشِـهــا خـلـفَ الـمـدى

فـأظـلُّ مـنـغـرسـاً بـكـهـفِ تـأمُّـلـي

*

لـكـنـهـا هَـبَـطـتْ إلـيَّ  ..

تـعـهَّـدَتْ عـطـشـي بـكـوثـرِ جـدوَلِ

*

وأنـا عـهـدتُ لـهـا بـأنْ تُـبـقـي كـتـابَ الـعـشـقِ مـفـتـوحـاً

تُـدَوِّنُ فـيـهِ مـا سَــيـجـيءُ  فـي ألـواحِ سـومـرَ

مـن بـشـائـرِ " عـروةَ بـن الـوردِ "

عـن لـيـلٍ تـأبَّـدَهُ الـظـلامُ ســيـنـجَـلـي

*

قـرَّرتُ أنْ أُهـدي ـ لِـدَكِّ مـعـابـدِ الأصـنـامِ ـ مـطـرقـتـي ..

ولــلـمـتـأهـبـيـنَ لِـحَـزِّ شـوكِ الـطـائـفـيـةِ مِـنـجَـلـي

*

لا شـيءَ لـيْ مـنـي سـوى مـا لـلـضـريـرِ مـن الـضـيـاءِ

ولـلـمـسـافـرِ فـي الـخـيـالِ مـن الـحـقـيـقـةِ

لـيـس لـيْ مـنـي سـوى حَـطَـبـي ونـيـرانـي ومـاءِ تـبـتُّـلـي

*

أفـعـايَ مـن صـنـعـي وذئـبـي والـغـزالُ

وبُـلـبـلـي

*

قـرَّرتُ أن أهـدي بـقـايـا الـعـمـرِ لـلـتـنُّـورِ ..

والـتـنـورَ لـلأنـهـارِ  ..

والأنـهـارَ لـلـواحـاتِ ..

والـواحـاتِ  لـلـصـحـراءِ والــمـاشـيـنَ

نـحـو غـدِ  الـفـرات الأفـضـلِ

*

وأنـا ســأهـديـنـي الـى قـبـري ..

وقـبـري لـلـذي ســيـشــقُّـهُ لـيـقـومَ

بـيـدَرُ سـنـبـلِ

***

يحيى السماوي

................................

(*) إشارة الى قول أبي تمام :

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلآ للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبدا لأول منزلِ 

(**) إينانا: إلهة الحب والجنس والجمال والتضحية في الأساطير السومرية .

 

صحيفة المثقفسألتني،

إن كنت أجيد هوايتها

في العزف على الأوتارْ..

إن كنت أراقب قامتها

عند الجري

وعند طقوس الشعر

الحالم بالأفكارْ..

**

وحين تفحصت ملامحها

غرقت عيني

في لجة عينين

تهادت بين ضفاف الكون

ملامح صفرتها

قمراً صحراويا يهميً

عند طلوع الليل على الأمصارْ.

**

لا ادري كيف يكون العوم

في بركة عينيها

حتى كدتُ أغامر

بينَ ضفافٍ

كادت تغرقني شغفاً

تسحبني نحو القاع

إلى حيث اتون

العالم بين حوافيها..

بحيرة عينيها كادت

تشبعني غرقاً

كادتْ  تمحقني

لكني ، عدت

أداعب وجهاً قمرياً

يشعلني ناراً وبخوراً

ورياح الكون تجاريها..!!

**

سألتني ،

إن كنت أغازل مقلتها

أو أسبح

بين ضفاف بحيرتها

أو أحلم عند تخوم ثناياها..

أنسلُ على مهلٍ

كي أكسر مشكاتي وقوافيها..

لأنام بين جبال الثلج

لعل شفاهي

عند مغيب الشمس

وعند الفجر

تقبل ما فيها ..!!

* * *

د. جودت صالح

 

فاطمة الزبيديقد أُحَملُكَ خَيباتي فلا تبتأس  ...

أكتبُ في سيرتِكَ تهمَّ التصحر وأنتَ بريءٌ منها 

على عاتقِكَ أنحت أبجديةَ أنوثتي  .. .

وأعودُ لأسّرِ محبتِكَ طائعةً 

لأنكَ في قاموسي كلَّ الرجال 

**

قد أكونُ ملهمتُكَ أنا ....

وأعترفُ أنكَ مَنْ صَبَّ على رأسِ قلبي دَلوَّ الإلهام 

كيفَ لي أن أستنسخَ ذاتَكَ؟

استحضرُ هالاتك من بحارِ أفكاري؟

لأكررَ وجودكَ كوكباً في سمائي  ...

تهدهدكَ فرّاشات قصائدي  ..

وأنا أصارعُ عقاربَ الشعرِ

كي لاأُلدَغَ مرتين

***

فاطمة الزبيدي

 

 

مامون احمد مصطفىشدي يديك

على شفاه الأرض

افتحي ذاكرة الارض للريح

خبئيها بين أقراص زعتر بري

يسيل زيتا وشهدا

ينثر الشغف خيوطا من شمس

لا تغيب

التقطي الندى

على جناح فراشة

تهاجر نحو نهايتها

هنيهتين

تساويان شهيق وزفير

**

افترشي الوطن

من قمته

المصطدمة بالغيم

بالسحاب

بالضباب

كونيه تكوينا

كي يكونك

تكوين جنين

في عمق جنين

 قلب محارة مجهولة

شاردة

من حكم المعلوم

**

انت يا اماه

هو

 الوطن

الوطن

هو أنت

بلونه وشمسه وكرومه

هو انت

بلونك ورائحتك

روائح اثوابك المعتقة

رائحة عرقك المسنونة

من رغيف يشوى على حطب

برتقالة مهاجرة

ليمونة شاردة

توت مصفى من الشمس والندى

زنزلخت يرسم الظلال

آمادا، شموسا، كائنات 

تتشكل وتتحول، تشع وتظلم

مثل جمرة لفحها الوهج

فأعلنت غضبها

**

دعينا ها هنا

نحاول

أن نكتب اسماء من سبقوا

من ذهبوا

عبر الريح والاعصار ودرب تقود

كما الموت

نحو الابد

ننبش طواحين الليل والهواء عن انفاس

من وجدوا

من رحم الليل

من خرجوا

من مشيمات الزيتون واللوز والذهب

ترى

من مر قبل اليوم فوق الطريق؟

ومن خطا قبل الليل في وهج الحريق؟

ومن كان قبل النوم يغسل الافاق بالرحيق؟

أكنت انت 

قبل ميلاد الغريق؟

تحملين زرقة الفضا وتلوحين للعابرين؟

ام كان نور اهات ولوعات وانتظار وشهيق؟

الزيتون يا أمي

سيد الاشجار والتكوين

زَحْف نحو انبثاقات التجلي

منه تتدفق الحور

بلهفة الانتظار

انتظار الرحيل قبل الانتظار

ومنه 

يخرج شهد الصحارى

ندى اللفح والشمس

ومنه

– ان لم تعلمي –

نقرأ روعة الاسحار

فيه من غامض المرئي

شيء خفي

يدفع نحو التين قليلا

وقليلا نحو السدر

وقليلا نحو الأقمار

فيه نقطة التكوين

ميلاد النخيل

حبل الغامض السري

جذر عرف الديك والْهالوك والقُبار(1)

عطر اللوز والرمان

فوح الأرض حين يبللها الندى

لون التراب

رائحة الظل والطل والصبار

**

للزيتون علاقة

الهمس مع الكواكب

اتصال بين الاكوان

بين البحار وقوارب غاصت

أنكرها الوقت وعراها النسيان

بين المفردات والاستعارات

كم احببنا، كم عشقنا

الزمن المخبأ في جذوعها

كخلايا نحل لا تمل البقاء

وكم وقفنا

نقرأ التاريخ من غصن تدلى

من نقطة زيت

أضاءت العتمة

كم كنا

نحب لون الغبار

حين يغسله الرذاذ

عن أوراق زيتونة حبلى

نشوى، ثملى

برقة نسيمات

بلوط وحور وسنديان

**

نحن كنا

ننحني

ندقق في وجه رفيق وصديق

لم نجزم ابدا

 بالتقاء الموت والحياة على حد شعره

ولا أقمنا للأمواج اعراس وفرحه

كم دخلنا الموج من بين اسراب وهم وضياع

كزاجل يشق رغم البعد طريقه

أنشودة ثكلى

واغنية يتيمة

وقصيدة عرجاء تحمل انفاس من ذهبوا

عذرا

تظن انها تحمل انفاس من ذهبوا

**

لماذا تنكرنا الذاكرة

وينكرنا النسيان؟

كأننا مجهول الصدى

ومعلوم السراب

نتفيأ في ظل وابل من مطر يابس محروق

ننشر احلامنا على صبار حزين

ننمو

نكبر

ننضج

في صوت الرعد المزدحم بالضجيج

في خيط برق مخنوق ومشلول

لماذا تكبر الأرض فينا؟

حتى تصبح برتقالة

او ليمونة

أو زهرة نرجس

حبة خردل او عدس

في جبل

يخبئ حيفا

على قرن غزالة

لوحها الانتظار

**

تعالي الان

نصهل مع الريح

نصلصل مثل رماح وسيوف

نحمل التراب بأفواهنا

بأنوفنا

ونركض نحو الوادي

نبلل النور والضياء

نغسله بعرقنا

بتأوهاتنا المكلومة

ونحدد مسار الليل

تماما

كبلبل يحن للتوق والوجع

ككنار يرتل انشودة الرثاء

وسلحفاة تمسك اذيال الكون

وناصية الوجود

**

هنا أقف الان

بين زقاق يفضي الى زقاق

وياسمين يركض نحو ياسمين

اراني

وانا افتح عيون السماء

نحو طفولة مشردة

وأمومة مبحوحة، مخنوقة

كم أحببت لون عينيك

وانت تبحثين عن شيء

ولا شيء

كم أحببت لون بشرتك

حين تلتف فوق جدائلك

مثل هجرة الموت نحو الحياة

ومثل ميلاد البقاء من الخلود

كم أحببت المطر

الريح والبرق

والسفر

روائح الجوري

زهر الليمون

كم احببتك وأحببتك

حتى اختنق الحب بالحب

وانتشى الحب بالحب

كم كنت سيدة

الأوقات والساعات

وكم كنت

أنت أنت

حين كانت تفر الذكريات

من سِفر يمامة

او هزيع مركب من التناقضات

**

احببتك انت

لأنك انت

انت فقط

فقط انت

سقف الحياة

سقف الفلسفة

سقف الفكر

سقف الحق

أسقف الأوطان

بداية الحرية

كينونتها

استمراريتها

التي تخرج للشمس

من رموشك

من سطح جفنيك

وحبة عرق تتلألأ

فيتلألأ الوجود

***

مأمون احمد مصطفى

........................

(1) الهالوك والقبار وعرف الديك، ازهار برية تنبت في فلسطين.

 

 

سعد الساعديفي زمنٍ لا يعرفُ المأوى كتاباً ،

أو حتى زنبقةَ صيفٍ

هناكَ ارتحالٌ لم نرَ مثله؛

في غربةٍ اسمها انتظار

جلسَ الشيخُ ترنو اليه صبْيةُ الحيِّ

مضت ساعةٌ

لم يفقه حتى الكبار

ما قيل من كلام ..

في يومٍ آخر

صبيٌ أرادَ الكلام

منعوه .. هرب الى تلةٍ في قريةٍ مجاورة

ألقى بيانه الأول ، وانفلت

تجمعت بعد حينٍ

صبياتُ حسانٌ

اخطنَ ثيابَهنُ بالمقلوب

بلا ضفائر هربنَ الى الوادي البعيد

لم يكن غير قبرٍ صغيرٍ

كُتبَ عليه :

صبيٌ ألقى خطابه وهرب ..!

***

سعد الساعدي

 

 

صحيفة المثقفكان إحساسها بالهجر يتفاقم كل يوم . لم يترك لها متسعا أو وقتا للتفكير ولا للتنفس . بدأت تحس انها ملغاة وان لا أحد تنتمي اليه أو ينتمي اليها , مع انها خلعت لبدة الاسد التي رافقت فترة مراهقتها وشبابها مذ زمن بعيد وارتدت بدلا عنها وشاح الرقة والعذوبة . غير إن الأمر لا يعدو مظهرا من مظاهر التواضع والانجرار وراء هيبة الكهولة ومناهج الرحمة المقتدرة . رويدا رويدا وجدت نفسها كلــــــما التفتت يمينا ويسارا وجدت نفسها وحيدة ليس بالمعنى الحقيقي بل بالمعنى النفسي . كانت تقوم بواجبات زيارة الآخرين وعيادة المرضى غير أن أحدا ما لم يقم بزيارتها إذا مرضت أو سقطت أرضا كما يحدث لها كثيرا . كان الجميع يرحب بها اذا ما زارتهم غير انهم لم يحركوا قدما لزيارتها بالمقابل . كلهم يسأل عنها و يرسل لها التحايا والامنيات بالخير والعافية بأيدي الآخرين وعلى ألسنتهم ولم يفكر أحدهم بمد يده الى الهاتف ليوصل لها امنياته ويسمعها صوته . شعرت انها تدخل قبوا موحشا ما خطوة بعد خطوة ويوما بعد يوم .

كانت تعرف ان كلا منهم منشغل بمسؤولياته واسرته التي تشعبت الى عدة اسر صغيرة غير ان ذلك لا يغفر إهمالها وإسقاطها من حساباتهم كما يحدث الآن  .

كان الصدع متسعا بينها وبين الآخرين ولا تعرف وسيلة لرأبه ولكنها أمست في حاجة ماسة لرأب هذا الصدع المتنامي وقد أمست حافتاه متخاصمتين تنأى إحداهما عن الاخرى أكثر فأكثر كل يوم . أخذت تغلي غضبا من نهج الإلغاء الذي سُورت به من قبل الآخرين ولم تعرف كيف تكسر طوق اللا مبالاة الذي كبلت به وظلت تفكر وتفكر حتى توصلت الى ما يكسر هذا الطوق ويحطم جبروته عنها ويبعده لوهلة غير انه سيعاود الالتفاف على رقبتها . كان حلا وقتيا وإن أرادت كسر الطوق عليها بتكرار الحل برتابة معينة موقوتة لفترة الله يعلم امتدادها الزمني , ورأت انها عاجزة عن ذلك أولا لضعفها ثانيا لعدم قدرتها على إبتداع الأسباب لتكرار حدث ما مرة بعد اخرى . لذا كان عليها صرف النظر عن كل هذا والرضا بالهجر الذي ابتدعه الآخرون تجاهها والتقوقع في صدفة ما من صنع رؤاها وأخيلتها والبدء بقص أحلامها المجهضة على نفسها كل ليلة وتلوين بقعتها النفسية بألوان تقل قتامة عن الواقع المرئي لعلها تصل لنوع من التوازن تخلد اليه في جبّها الذي يؤرقه خلو ممراته ودهاليزه من وقع الخطوات والكركرات التي اعتادت تواجدها في تلافيفه إبان توغلها في مسيرة العمر .

**

سمية العبيدي

 

صحيفة المثقفطوبى لذاكرةٍ ما شاختْ بَعدُ !

في شِعابِ ما كان أندلُساً، وعلى مرمىً من أضواءِ قُرطُبة، سَهرنا عندَ أطلال " الزهراء " (1)

حملنا خبزاً وملحاً ورقائقَ من اللحم المُقدَّدِ وجبنةِ الجَبَلِ ..

دونَ أنْ ننسى " قِرَبَ " إبنةَ العِنَبِ !

.............................

سَاعَتَها لم يكن خوفنا من الماء، فالبحر بعيدٌ، لكن أرَقَ الموجِ حاضرٌ ..

ولا الظلام، رُغمَ أنه كثيفاً كان .. خارجَ نِطاق الشموع، حملناها معنا،

قناديل السماء تَلصفُ، مُرتَعِشَةً ..

أوقدنا ناراً زاهيةً في عَتمةِ الفضاء ..

تَتراقَصُ أشباحها على ما تبقّى من قصورِ الناصرِ، عبد الرحمن،

شرِبنا نخبَ غارسيا لوركا، طِفلَ أندَلُسٍ عَشِقَها حدَّ الموت ..

نَخبَ روفائيل ألبرتي وبالثازار ونيرودا وماركيز وبورخيس ... وما لا أذكر ..!

مُتَوحّدينَ مع الطَلَلِ والليلِ ..

غفلاً عمّن يُمكِنُ أنْ يأتي ..

كنّا مُسَوَّرينَ بالعَتمَةِ وعَبَقِ التأريخ !

نَهَرنا الفِكرَةَ، المُمكنةَ إلى رَفِّ السَهَرِ ..

كان الليلُ يُوَصوِصُ ناعماً،

لوسيا (2) شَرَعَتْ تتَرَنَّمُ بـ"غجرية " لوركا،

........................

من حيث لا ندري، خَضَّنا حَضورُ غَجَرٍ باقينَ على قيدِ الحُلُمِ،

لا نَدري من أينَ جاءوا ..

أَمنَ اليابسةِ ؟ أم من البحرِ ؟ أم هبطوا من الغيم ؟!

إلَتقَطوا الشِعرَ، دونَ إِذنٍ !!

فيما كان الظلامُ سميكاً من حولنا ..

إشتَعَلَ الليلُ رقصاً وغناءً !!

راحوا، بنَقْرِ كُعوبهم يستنطقونَ صخرَ المَدْرَجِ،

رَقْصٌ أهوج العَفَويِّةِ والغِبطة،

ولَمّا أضناهُمُ الرَقصُ ونَزيفُ العَرَقِ،

راحوا يتسابقونَ حولَ إمرأةٍ بقُبَّعةٍ من الخوصِ ..

لکنْ حینَ آًعلَنَ کبیرهُم نهايةَ السَبقِ، دونَ فَوزِ أحَدٍ،

وضعَ البعضُ شِفاهه على ثقوبِ الهارمونيكا،

قَوَّسَ آخرونَ رَشيقَ الأصابِعِ، بأَظافِرَ مُتَّسخة على أوتارِ الگيتار ..

الأكفُّ تضبط الإيقاعَ والغناء ..

...................

...................

صَحَونا إذْ قَرَصتنا شَمسُ الأندَلُسِ،

مُبَعثَرينَ، مثل حاجيّاتٍ نَثَرَتها ريحٌ شَرقيَّةٌ،

ما كانَ أحدٌ غيرنا ..

من دونِ دعوَةٍ، حضَرَ الخَيّامُ :

[أَنا سَكِرتُ، وتُبدي أنتَ عربَدَةً،

ليتَ الثُرَيَّا بِفَمِي، هَلْ كُنتَ نَشوانا ؟!]

.................

عُدنا إلى قُرطُبَة،

قَصَدنا حانةَ " وَلاّدة "، وسط المدينة القديمة ..

" سالوت " مَدام خوانيتا !

ــ " سالوت " !

نُريدُ فُطورَ "وَلاّدَة " ..

تعانقت مع لوسيا، وصاحت :

*

ــ يا عَبدو، إسقِهم " دَمَ المسيح " ما إستطاعوا!

نَوّعْ لهم الجبنة وما يشتهون !

لا تبخلْ مع صحبنا، ولا تُخجِلنا أمامَ ضيوفهم !

* سَمعاً وطاعَةً، مدام !

...................

تَحَلَّقنا حَولَ طاولةٍ عند برميلٍ هائلٍ من النبيذ،

قَرَّبنا رؤوسنا من وَسطِ الطاولةِ، نَهمِسُ، مثل مُتآمرينَ،

" أينَ ذَهَبَ الغَجَرُ ؟!!"

***

يحيى علوان

.................

(1) مدينة بناها الخليفة عبد الرحمن الناصر 936م – 940م لتكون مستقراً له بعيداً عن ضجّة العاصمة قُرطبة، التي تبعد قرابة 12كم جهة الغرب من. دمّرها الكاثوليك والأمازيغ، كما فعل الرومان مع قرطاج، خلال حروب الطوائف، التي أنهت الخلافة العربية في الأندلس . وبقيت آثارها مطمورة حتى أُعيد إكتشافها مطلع القرن الفائت...

(2) لوسيا شاعرة من قرطبة ولدت هناك عام 1952، إنضمَّت إلى مجموعة من الشاعرات يُعنين بالأرث الثقافي – ولا سيما الشعري – الأندلسي، وبشكل أخصّ شاعرات الأندلس. من بين هذه المجموعة شاعرات لولا ساليناس، كونتشا لاغوس وخوانا كاسترو ...

 

احمد الحليأجدى لي أن أبحثَ

عن إبرَةٍ في كومةِ قَش

ولا أبقى أُطاردُ

خيطَ دُخان

*

تعبثُ غِربانٌ بأعشاشِ

عصافيري

حينَ يتوارى عنّي

عطرُكِ

*

حينَ يتراجعُ

إهتمامُكِ بي

أغدو كأعمى

سَلَبَ صِبيانٌ

عَصاه

*

مُفتقِداً لكِ ألبثُ واقفاً

مثلَ فَزّاعةٍ مُهترِئةٍ

تنتظرُ أن يحطَّ عليها

طائرُ سعد

*

ليسَ ثمَّةَ ما أتمنّاهُ

بعد ذلكَ؛

أن تحوطَكِ ذراعايَ

ويذوبَ كلانا ببعضٍ

حدَّ التلاشي

*

ما يَشُدّني إليكِ

ليسَ ظاهرَ ما تراهُ عيني

ولكنْ ما تراهُ بصيرتي

*

حَسَراتي إليكِ

تنتشِرُ من حولي

يتلقّفُها الجوريُّ نَسَغاً

يُديمُ بهاءَهُ

*

تغيبُ عنّي إبتسامتُكِ

فيتقهقرُ جَسَدي

أغدو صِلصالاً ينتظِرُ

أن يُلامِسَهُ إصبَعُكِ

*

مثلَ نبتةٍ برّيةٍ

توشِكُ أن تذبُلَ

ترقبُ السماءَ لعلَّها تجودُ

بقطرات ماء 

كذلك أنا أنتظرُ بشَغَفٍ

وِصالَكِ

***

أحمد الحلي