نور الدين صمود

شهرُ الصيام يَــزيدُ القلبَ إيمانـَا*ويغمر الروحً إشفاقــًا وإحسانـَا

ويزرع الخير في كل القلوب، ومَنْ*يحصدْهُ يزددْ من الرحمن قربانا

والصــومُ في كل ديـــن كان تـَنـْـقِـية ً*لـكل قــلب حبــاه الله إيـــمانـَا

وكـُنـْـهـُـهُ تــَرْكُ ما تهْوى النفوسُ، ومَنْ*يَصُمْـه فرضًا يزدْه اللهُ إحسانـَا

والصومُ تركٌ كما (العذراءُ) قد نذرتْ* لله صومًا وزادت فيه كتمانـَا1)

يا رَبِّ وَجِّــهْ قلوب الناس قاطبة ً*إلى المَــحَـبَّـةِ، كي تزداد تـحْـنـانا

واسْـلـُكْ ذوي الخير في درب الهُدَى، فلقدْ*ساروا عليه، زرافاتٍ ووحْدانا

يجوع فيه غنيُّ القوم محتسبا**لكيْ يُحِسَّ بمــنْ قد بات غـَـرثانا2)

ويصْرف الشهْـرَ يتلو الآيَ مُتـَّبـِعًا*لِلـُبِّ ما أنـــزل الرحمــن تِـبْـيانـَا3)

فيه التـَّطـَهُّرُ من كـُلِّ الذنوب، ومَنْ*يَـفـُـزْ بذا، نال يوم الحشر غـُـفـْرانا

وكلُّ مَنْ رَضِيَ الرحمنُ سِيرتَهُ*يلقى على الحوض في الفردوس رضوانا

يسقيه من مائه كأسا مشعشــعـــة ً*بهــا يظــــل، بدار الخلد، رَيـّانا

يا مُنـْشِئَ الـخـَوْخِ والتفاح من زهَـرٍ ٍ*وكــاسِيًا ببديع الــزهْــر ِأغصـانا

ومبدعًــا لعناقيدِ الكرومِ بـَدَتْ*مــثـل الثـــريات أشـــكــالا وألــوانــــا

في  شكل (قارتنا السمراء) ناضجة ً*تـَظـَلُّ تلـمَـع بـِيــضانا وســودانا4)

فبعضُه عِـقـْدُ فـَيْروز ٍ لـزُرْقــَـته*والبعض شابه في الألوان مَــرْجانا

الرازقيُّ به الرزاق يرزقـــنا*والأصفــرُ الذهبـِيُّ اللــون قـــد بــانــا

كأنه عِقـْدُ تِـــبْــر ٍلاح منتظِمًا*مثل الهـِلال لذات النحــرِ قــد زانـــا

أوْ ذوْبُ وردٍ له في الأفـق شعشعة ٌ*أظلُّ منه، مدى الأيامِ، نشوانـَا

كـُلُّ الثـمار تنــادينا وتغمِــزنا*لكنْ نـَغـُضُّ، عن الــلذات، أعـــيانَـا5)

ونرتجي لِـذوي الإحسان مغفرة*جزاءَ صــوم ٍ عن اللـــذات ألوانا

فارْزُقْ إلهي الذي قد صام محتسبًا*في جنة الخلد، تفاحا ورمّانا

وامْـنَحْهُ ما لم تكن عينُ الورى بَصُرَتْ*أمثالـَه طول عيش ٍ كان ما كانا

شـَـهْــرٌ  بـِهِ ليلةُ القـَدْر التي فـَضُلـُت*في ظلها أنزل الرحمنُ فـُرقانـا6)

بين الظلام وبين النور يكشفه*ويجعل العقل في الضدَّيْــنِ سلطانـَا

يا ليلة القـَدْر ِ في شهر الصيام لقــد*جـــاوزتِ ألفـًا بها نزداد إيمانا

ومَنْ يقمْ ناسكا فيها ســيمـنحهُ*رَبُّ السماء وربُّ الأرض غفــرانـَا

(صوموا تصِحُّوا) كما قال النبي لمن*أتوه يبغون في الإيمان إيقانـَا

(وسافروا تغـْـنموا) فالأرض واسعة ٌ*والله يكلِــؤكمْ سَيْرًا ورُكبانـَا7)

فالصوم ليس بجوع، بل عبادةُ مَنْ*قد أشبع القلبَ والوجدانَ إيمانـَا

 

أ‌. د: نورالدين صمود

...............................

هوامش وتعليقات:

1) العذراء: مريم أم يسوع .

2) غرثان: جوعان.

4) شكل القارة الإفريقية يشبه شكل عنقود العنب، ومنه الأصفر كثريات الذهب، والرازقي الأسود.

5) العيْن: جمعها أعيُن وعُيون وعِيون وأعيان. وغـَضُّ العيون عن الثمار وعدم تناولها للصوم عبادة.

6) أشار تعالى إلى بداية نزول القرآن في أول سورة القدْر: (إنا أنزلناه في ليلة  القدْر ليلة القدر خير من ألـْفِ شهر  ...)

7) (سافروا تغنموا وصوموا تصحوا) حيث نبوي

 

 

شوقي مسلمانيتسلك طريقاً وعرة

تهتف ضدّ تحالف اللصوص 

لا يليق أن يُهان الإنسان، الحياةُ قطعٌ ووصل

هل تعلم أنّ الأشكال الهندسيّة هي بالأصل أرقام؟

هل تعلم أنّ أم كلثوم كانت في حياتها السابقة ملاكاً حارساً؟.

**

الآخر، رأيُ الآخر

ولا أقصد الذي باع بثلاثين فضّة.

**

الحقيقة هي الكون كلّه  

وأن نفهم الحقيقة بإطلاق

يجب أن نفهم الكون بإطلاق

وإلى أن نفهم الكون بإطلاق

يجب الإقرار أنّ كلّ حقيقة هي نسبيّة.

**

الحريّة لوحة

الديمقراطيّة إطار.

**

من إنجازاتِ العِلم

أنَّ الإنسان لم يعد يؤمن

أنّ الأعاصير، الفيضانات

الزلازل، البراكين

وغيرها من العوامل الطبيعيّة

هي من عمل ذات متعالية، غاضبة.

**

المسألة مسألة تكنولوجيا

أم يجب أن تقول القصّةَ على نحوٍ أفضل؟.

**

تحدّثوا عن الصدقِ ونبالةِ الصدق

كلُّ الكتابات التي عثرنا عليها

من تلك المرحلة أو الحقبة

هي على هذا المنوال

عن الصدق وفي عظمةِ الصدق

وفي مرحلة لاحقة ترد ذات العبارات

مع إضافة وهي إعطاء أمثال بقوالب قصصيّة

رامزة عن فوائد الصدق

كلّ كتابات الحقبة التالية فيها هذه الإضافة

وفي مرحلةٍ ثالثة نرى تجميعاً للمرحلتين السابقتين

وشروحات فيها فكر

وعلى أساس من هذه الفروقات

يتمّ تعيين المراحل أو الأحقاب.

**

الثرثرة

عندما أحد

بعدُ لا يسمع أحداً.

***

شوقي مسلماني

 

صحيفة المثقفحكاية اسطورية من شبه جزيرة القرم

نقلها من اللغة الروسية: أ. د. حسن البياتي

***

اوكسانا، أوكسانُچكا، هيه – هيه، بُنية حُليوة... وهل كثير قولُك: جميلة؟!.. إن الجمال هذا لايتطلب كلمات كثيرة. الجمال لا تتحدث عنه باللسان، بل أنظر اليه بعينيك. والعيون ستوحي أبداً. لكنْ ماذا عليها أن توحي به هنا؟ إن الأمر واضح بغير ذلك...

هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا، ممشوقة، قوية. لا أحد في وسعه القول أنه شاهد، وإنْ مرةً، الدموع في مقلتي أوكسانا. الدموع من سمات الواهنات.

إن القوزاق ذوي الشوارب السود لم يكونوا يبدأون الحديث معها فجأة. لا لأنهم كانوا يخافون بعض الخوف، بل لأنهم كانوا حذرين.  ماذا حلَ بذلك الرنين المعدني في صوت القوزاق؟ لقد رقَ حدّ الاستعطاف.

كانت أوكسانا تعيش وحدها، مثل سحابة صغيرة بيضاء. الشبابيك الصغيرة في مسكنها مطهرة بالماء، السطح المطعم بالقش مشذّب، ومثل فارس عند جواده كانت جرارها المعدنية تتألق تحت اشعة الشمس. كان كل شيء واضحاً: لم تكن يدا أوكسانا تلامسان الأوساخ، إن الأوساخ نفسها كانت تنصرف من تحت أناملها البتولية الحاذقة. سواء على السطح أو عند السياج ذي الاغصان المجدولة، كانت أوكسانا تدير الأمور كما ينبغي.

في اليوم القائظ، يلف الهدوء القريةَ. كل يبحث عن البرودة، يهرب من القيظ. أما أوكسانا، فلا. تحمل فوق كتفيها النبّوت مع الأقمشة الكتانية الى النهر، لكي تقصرها. الأقمشة الكتانية رقيقة، طويلة وبيضاء اللون، لماذا اذن يصار الى تقصيرها؟ تريد أن تصيّرها بيضاء كبياض الثلج. لكن العذراء واضحة مهما حاولتَ أن تخفيها.  يبدو، انه يؤرقكِ، يا أوكسانا، التفكيرُ في كيف تبدأين بخياطة وتطريز القمصان، لك ولفتاك الحبيب.

هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا، لو كنت تدرين، لو كنت ترين، لما ذهبتِ، في ذلك الوقت، الى النهر لتقصري القماش الكتاني. لَما ذهبتِ، لو كنت تدرين أن البلية تزحف من السهب البعيد.

كما لو ان رعداً قد بدأ يقصف. تلفتت أوكسانا فرأت أن السماء صافية. من أين اذن يأتي الرعد؟! لكن البلية كانت تتحرك زاحفة أقربَ فأقرب. من السهوب البعيدة انقض قطيع من قبائل القرم الرحل على القرية الآمنة الراقدة في اغماءة هادئة. ارتفع الأنين والعويل، وبعدئذ ظهرت آثار حرائق.

لا تفكري في الجري الى الوراء، نحو القرية، يا أوكسانا!.. لن تقع أقمشتك الكتانية في الأيدي المتوخاة، لن ترتدي، ولن يرتدي حبيبك القمصان البيض. وهل الأقمشة وحدها، ياترى؟ أنت نفسكِ ستطالك الأيدي القذرة، عنوة. وهذا ما حدث. منحنية قليلاً، مطلة بحذر من وراء الشجيرات، انقضت على الفتاة فجأة زمرة بكاملها. آه، كيف أخذت تدافع عن نفسها أوكسانا، كيف راحت تعض الأصابع القذرة!.. لم تصرخ باكية، كلا! سوى أنها شرعت تزحر من بغضٍ عاجز. وبعد ذلك مضت، مربوطة اليدين بشريط جلدي غير مدبوغ، مشدودة الى رقبتها، مضت الى حيث سحبت. كانت صامتة. آه، ما كان يحق لأمثالهم أن ينظروا الى وجهك، في عينيك، يا أوكسانا !

ابتهجت زمرة النهابين، لقد وقعوا على غنيمة ثمينة، سيدفع لهم التجار لقاءها كثيراً من النقود. رفعت أوكسانا بصرها فإذا بها ترى أفراد الأسرة المجاورة لمسكنها في وضع مأساوي: الأبناء مضرجون بالدماء وقد ضُربوا ضرباً مبرحاً. لقد التفت الأنشوطة حولها بمهارة من الخلف، ليس من السهل عليها الآن أن تفلت. العجوز اوستاپ القوي كشجرة البلوط. اقتربوا منه، خبطوا على صدره الضخم، وراحوا يتمطقون وهم يرون كيف أخذت خُراجات العجوز اوستاپ تطفر متحركة، إثْرَ هذا الخبط، نحو الخدين. مربوط بالوثاق، لكنه غير مذعن. والخالة؟ ماذا ستقول، وقد رعرعت أمثال هؤلاء الأولاد؟ ضمت اليها آخر العنقود، طفلة، تسير الهوينى في آخر الركب، حافية القدمين، دون أن تمسح دموعاً...

في المقدمة، مسالك الطرق رهيبة، قرى قد تحولت الى رماد، مسارب ملطخة بالدماء. تلتفتُ خلفك، تبصر أكواخاً تحترق. تحترق السعادة البشرية، يحترق شرف الفتيات العذراوات – كل شيء يحترق. الطاحونات وحدها، ليس إلا، ترف بأجنحتها، كما لو انها تتوادع. عجلات العربات تبعث صريرها، تنقل السبي، تنقل القمح، والمحاصيل الاخرى. يالها من ثروة !

راح اوستاپ يخطو، أخذ يرنو أمامه دون أن يطرف له جفن، كأنما كان يريد أن يرى هناك، في البعيد، مصيرّه، أن يقول له كلمته.

ها هي ذي كافا، المدينة اللعينة. الباحة الواسعة، المحاطة بجدار شاهق، البوابة الكبيرة، الموثقة بالحديد. آه، كم من الناس قد مروا عبر هذه البوابة، كم من الناس تلفتوا حولهم بهمّ وحسرة عندما كانت توصد، باعثة صريرها! ها ستمضي الآن المساومة. ويكفي أن تباع أسرة واحدة ليس إلا. فليس الهمّ هماً، هاهنا. هنا سيتمكن اوستاپ من أن ينقل قوته كلها، أن يدخلها أجزاءً في كل قلب من قلوب البنين والبنات. نظر الى المرأة العجوز نظرة وعيد، لكي لا تخور عزيمتها، سيؤازر الجميع، سيغطيهم، كشجرة البلوط بأوراقها، سيلّم الجميع تحت ظله، سيأخذ كل شيء على عاتقه. ملاحة أوكسانا – اليتيمة الغريبة – واحلامها وتأملاتها البتولية – سيحمي كل شيء، فقط أن تكون مجتمعة.

هاهو ذا المالك، والى جانبه الطواشي ذو الوجه الممتقع قد وصلا معاً الى سوق النخاسة. انتزعوا من الأسرة أكثر الصبايا رهافة، أكثرهن روعة، وبلا حياء، مزقوا قميص الصبية، متفحصين بهاءها البتولي، دونما أي خجل، تباً لمعدومي الضمير!.. اندفع الأشقاء المحكمو الوثاق ليدافعوا عن شقيقتهم. إيه، ولكن كيف؟ سقطوا، مضرجين بدمائهم، عند قدمي شقيقتهم. القوة وفيرة لدى العجوز اوستاپ، تحطم الأصفاد. فليكن الموت! .. انه خير من الاهانة ومن هتك الجسد.

مغطيةً بالتنورة صغرى بناتها، لم يكن أمام الأم العجوز سوى البكاء. كانت عبراتها ناعمة. لكنَّ ينبوع الشجن الأمومي لم يكن يكفي الجميع.

المزايدة في سوق تجارة الرقيق جارية. وها هي ذي فتاة ثانية عارية حتى صدرها. أما اوكسانا فلم تظهر على وجهها وإنْ تصعيرة خدٍ. بقيت واقفة، كجلمود صخر، رائعة في غضبها الحزين. كانت على مستوى من الروعة جعلت حتى اولئك المتاجرين بالأجساد البشرية تلتصق ألسنتهم بحلوقهم. لا ينبغي الثناء على هذه البضاعة، لا ضرورة الى ذلك، فهي نفسها تعلن عن نفسها. مثل هذا الجمال لم يكن له وجود من قبل. مثل هذه القوة، هذه القيافة لم يسبق لأحدٍ أنْ وقع بصره عليها.

بحذر شديد راح الطواشية يتنقلون هنا وهناك. جريئة – أخذوا يعبرون عن احساسهم – لن تستطيع أن تخلع، عن مثل هذه، قميصاً. وظلت واقفة، ساحرة الجمال بغضبها الذي جعل الناس كما لو ان في نفوسهم رغبة تحدوهم الى أن ينقشوا مظهرها في أذهانهم الى الأبد. وبدأوا يغمضون عيونهم.

ودون أن تنكس رأسها، دون أن تنظر الى أحد ما، بل مصوبة بصرها الى مكان ما، بعيد – بعيد، هكذا كانت واقفة أوكسانا. الى أي شيء كانت تنظر. لم يكن الأمر مرئياً لأحدٍ. وكان ثمة شيء ترنو اليه أوكسانا، بعيد عبر البرية كلها. لقد شاهدت ذاك الذي كانت تتوخى أن تراه.

لم يتفق وجود (پاڤلو) في القرية أثناء تلك اللحظة المشؤومة. أين أنتَ يا قرنفلة حبي، أين أنت يا حبيبي القوزاقي؟! حتى وإن لم يستطع الناس أن يقولوا أين انا، من قُتل، من وقع في السبي. لكنْ هل القلب القوزاقي صامت، ياترى؟ ألا يقول لك شيئاً، ياترى؟ (پاڤلو) سيسمع، (پاڤلو) سيعرف... إنه سيأتي، في كل الأحوال. فقط أن لا يمسني أحد، فقط أن لا يلوثوا الشرف البتولي. إن (پاڤلو) سيتلقى أبراحنا. أٌّيٌّ هو؟ تعرف أوكسانا. تعرف روح حبيبها القوزاقي. غضبه عظيم، مقلتاه ناريتان، عريض المنكبين، قوي الساعدين !.. تعرف أوكسانا: ان هذا الغضب سيقوده عبر السبل المحروقة. ما عليها إلا أن تنتظر قدومه.

لم تكن أوكسانا تلاحظ كيف كانت المتاجرة تحتدم أكثر فأكثر، كيف كانت مقلتا المالك تلتهبان نهماً فوق نهم، كيف كان يفرك يديه ويطويهما معاً، تقريباً. كان يتنقل حواليها ويشير من بعيد فقط باصبعه، دون أن يلمس الفتاة. لم يجرؤ...

ها قد بيعت أوكسانا. غاب عنها أثر العجوز اوستاپ ومعارفها جميعاً. حشروا الرقيق داخل عربات نقل مسقوفة. أخذوا يدفعونها هي الاخرى الى هناك أيضاً. حاولت أن تقاوم، فضربوها. لو رأيتم كيف أخذت تحرك كتفها أوكسانا حين ضربت أول مرة في حياتها. لن تضرب ثانية!.. هذا ما قالته أوكسانا بكل كيانها. فتوقفوا عن ضربها.

أوصلوهم الى مدينة غريبة، غامضة. موحلة، مغبرة – كما لو انهم قد كسحوا النفايات من جميع الجبال الى هذه الحفرة. سوى أنه كان يلوح للأنظار في مكان واحد مبنى حسن المنظر لم تكن أوكسانا قد شاهدت مثله من قبل. لكنها لم تكن تبدي أي اهتمام بأيما شيء، لم تظهر أي فضول. بقيت هكذا جميلة جامدة، كجمال صخرة جامدة، لم ترفع نظرها. أوصلها الخدم الى مسكن مكتظ بالنساء. لم  تكن أوكسانا تفهم لماذا جمعوا في مكان واحد مثل هذا العدد الكبير من النساء، دون الرجال.

فجأة راحت ترنو اليها من وراء باب كبير عينان  بتوليتان: زرقاوان، صافيتان وبالغتا الحزن الى حد جعل فؤاد أوكسانا كما لو ان أحداً ما قد دفعه بيده. آه، أيتها المحرومة، آه يا ابنة أرضنا الاوكراينية!.. وظلت العينان الزرقاوان تتعقبانها بإلحاح. وهكذا راح الحديث يجري بينهما طويلاً بالمقل وحدها. واحدة تسأل، وأخرى ترد. كان الحديث طويلاً وثقيلاً. لم تقل العيون أي شيء حسن. وبأية حال، لم تستطع العينان السوداوان أن تحركا أي أمل. تكلمتا، تكلمتا ثم انكمشتا.

لقد تصادقت الفتاتان. روت ذات العينين الزرقاوين كثيراً من الأمور العصيبة حول الحريم، حول الرق.

- لماذا أنتِ بيضاء هكذا؟ - راحت أوكسانا تسأل صاحبتها – لماذا لا تلاطف الشمس وجهها أبداً؟ لماذا هي تتوارى عنها؟

- أنظري أين أجلس، أخيط، - أجابت ذات العينين الزرقاوين – هو ذا المنول، هي ذي الأرضية الترابية، هي ذي النافذة الصغيرة خلف الشبكة، هو ذا الطواشي، هو ذا منول آخر. من المرجح أنهم سيجلسونك، أنت الأخرى، خلفه، ستكونين مثلي أيضاً، تطرزين صور السناجيب، تتذكرين أوكرايينا الحبيبة. وها أنت ذا، مثلما أنا، سوف تحلمين: ستمخر قادمة السفينة – النورسة، فتبحرين معها بعيداً، عبر الدنيپر، الى موطنك، ربما الوالدة مازالت على قيد الحياة، ربما سيقول الوالد شيئاً.

لم تقل أوكسانا أي شيء. لكن كان يبدو أنها لن تخيط، لن تجلس في هذه الحفرة، خير لها أن تقطع حلقومها، خير لها أن تهشم رأسها على هذه الجدران، إنها لا تعرف بعد ماذا ستفعل... إنها ستخنق كل من يحاول لمسها.

لم يلمس الطواشية أوكسانا ولم يذهبوا بها الى الخان. كانوا ينتظرون أن تضعف عزيمتها، أما الجسد فلم يحاولوا الإساءة اليه. (سوف نطعمها طعاماً لذيذاً، نلبسها ملابس جميلة، باطلٌ تحطيمها، لم يكن من ديدن مأوى الحريم تدمير مثل هذه.) – هكذا كانوا يفكرون.

غير أن أوكسانا، المرتدية ملابس فاخرة، كانت تجلس صامتة. كان الطواشية يتنقلون على مقربة منها وهم في حالة هلع. كان يسألها العونَ كل الضعفاء، كل المنهوكين، كل المحطمين. كما القلعة كانت أوكسانا داخل بيت الحريم. الى مثلها لن تصل يدٌ، على مثلها لن تطلق صرخة.

مرت الأيام – كئيبة، مملة، الواحد يشبه الآخر. بم ستنشغل أوكسانُچكا، التي ألفت الرحاب السهوبية الواسعة، الشمس الساطعة؟ كم من الهدايا كانت الطبيعة والحياة قد وهبتاها لها!.. الآن فقط قد قدرتها حق قدرها: القرية الحبيبة القريبة الى قلبها، وأشجار الصفصاف الهادئات، المياه النقية والنجوم الساطعة، الضحك البتولي والأغاني الايقاعية الرخيمة...

وماذا عن (پاڤلو)؟!.. خير لها أن لا تفكر فيه. هذا يجب أن يخبأ عميقاً جداً، هذا يمكن أن يقصم. أوكرايينا، هيه، هيه، أيتها الأرض الحبيبة!

لكنّ أوكسانا لم يكن أحد قد رآها باكية، قط. ثمة قوة داخلية هائلة كانت تسند الفتاة، فظلت هكذا، حازمة مثلما كانت. ومثل أم عظيمة كانت تجول بين السبيات الصغيرات، كانت لهن السلوى والسند.

كل شيء يمكن أن يحدث على وجه الأرض. فجأة يحب المرء، فجأة يكره، فجأة يولد، فجأة يموت. كل شيء ممكن.

جلب الطواشية، ذات مرة، الى بيت الحريم امرأة مسنة، ساخطة، طويلة القامة، تحمل بضاعة أجنبية مجلوبة من وراء البحار. كان ثمة غزل رفيع معمول بمهارة فائقة، قطع من الخز ناعمة جداً. وثمة مخرمات لم ترَ العيون مثلها من قبل، وثمة أيضاً ديباج قميصولي(2) ناعم مثل نفحة هواء، وثمة حجاب أسود اللون، أصفر وأزرق. آه، أية مهجة نسوية تستطيع أن تحتمل!.. البضاعة راحت تلامسها العيون والأنامل معاً. باحتراس، أخذت النسوة تنحي، كل واحدة وما يروقها. أما أوكسانا، فلم تضع جانباً أي شيء من البضاعة. سوى أنها قد دُهشت فجأة، شيء ما قد إختلج في داخلها. ضخمةً كانت العجوز، شاملٌ حجابها، وجهها لا يرى، لكنّ عينيها ليستا بعينَي إمرأة عجوز، سريعتان. نظرت أوكسانا الى هاتين العينين بإمعان، وإذا بها تحس فجأة بأن شيئاً ما بدأ يتحرك بصعوبة في صدرها. پاڤلو! ها هنا الآن. أما الموت لكليهما أو الحرية.

بسطت التاجرة كل ما لديها من بضاعة، قدمتها جميعاً. عندما فرغت السلة الكبيرة حتى قعرها، أعطت الإشارة الى أوكسانا بعينيها ليس إلا: سيري، أيتها الفتاة، ورائي، سأعطيك أعزَّ ما لديّ. قرر الطواشية: فلتذهب هذه الحجرية، ربما ستغري العجوز قلبها البتولي بشيء ما، ربما سنبتاعها، في نهاية المطاف.

سارت أوكسانا تابعةً الحورة الشاهقة. سمع الطواشية، أولَّ مرة، كيف أنها بدأت تضحك، تنفسوا الصعداء: (إيه، سيهون الآن علينا الأمر، - فكروا،- لن تغضب بعد الآن)...

بالآه والأنين وضعت العجوز السلة على كتفها، متحجبة بمنديل عتيق، انسلت، رويداً رويداً، الى الشارع. لم يعترضها أحد ولم يرفع حجابها أي شخص – إنه لإثمٌ عظيم!

من يدري كم من الجهود بذلها پاڤلو، وكم هي المساعي التي بذلها اصدقاؤه في سبيل الحصول على البضايع المختلفة، قبل أن يتمكنوا من التغلغل في عاصمة الخان والوصول الى قصره. كان قلب پاڤلو يقوده عبر طرق مجهولة، لقد أوصله الحب الى وكر الزنابير ذاته. هنا كان يمكن أن يلقى عليه القبض ويُجلس على الخازوق. ولكنّ هذا لم يحدث.

متجمعةً، جلست أوكسانا في السلة، وقد كتمت أنفاسها. آه، كم بدت أوكسانا ساخطة على نفسها، على جسمها الضخم، على طاقتها القوزاقية. تمنت أنْ لو كانت جد نحيفة، فلربما ما التوى، عندئذ، كتف الفتى القوزاقي مثل هذا الالتواء.

أخيراً، وصل بالسلة الى زقاق بعيد، وضعها مسندة الى الحائط. شيء واحد فقط همس به لأوكسانا: تسيط، تسيط. وماذا كان يمكن أن يقال لها، إنها لم تكن قادرة حتى على أن تتنفس.

بالصريخ والضجيج مرقت، عبر الزقاق الخالي، مجموعة من الفرسان. ثلاثة فرسان انفصلوا. تتر... غير أن اللغة ليست تترية، اللغة حبيبة، أنيسة، سلسة.

هيه – هيه، أوكسانا، أوكسانُچكا. ها هي ذي على صهوة جواد، السلة مرمية، ماذا حل بقطعة القماش؟ معتدلاً في قامته الجبارة، وثب پاڤلو الى صهوة جواده، فانطلق به الجواد. اوكسانا في الوسط، الفرسان يحيطون بها مثل حلقة متراصة، يجرون بسرعة، بسرعة. كان يبدو ان كل واحد منهم قد نقل  قوته الى جواده. هيا، أَسرع، أَسرع، أَبعد، أَبعد!.. هيا، الى هناك، خلف الجبل الشاهق، خلف الغابة الخضراء. أسرع، ثم أسرع ! .. راحت أوكسانا وهي ملتصقة برقبة الحصان تدعوه بأعظم الكلمات حلاوة وحناناً: حبيبي، عزيزي، أيها الحبيب الغالي، هيا بسرعة أبعد !..

خرجت حاملةً الجميع قوةٌ مقحامة، جرأة بطولية. حملت الجميع جياد قوزاقية وفية. ها هي ذي السهوب الحبيبة اللامتناهية، ها هي ذي المياه النقية والصباحات البهية...

بعيداً الى الوراء بقيت الأسوار العالية لقصر الخان، الحراس القساة لعنابر الخان، غضب الخان الذي لا يرحم وجبروته الهائل. كل هذا، بل حتى الموت نفسه، قد غلبه الحب القوي، الحب النقي والصداقة القوزاقية.

  

...................

 

1- أوكسانا: تعكس هذه الأسطورة الكفاح التاريخي للشعب الاوكراييني ضد تتار القرم، الذين كانوا يشنون الغارات الجائحة على الاراضي الاوكرايينية – الطبعة الروسية ص242-

وهي واحدة من مجموع اربع وثلاثين اسطورة مترجمة عن اللغة الروسية، آمل أن تجد سبيلها الى النشر

- المترجم -

2- القميصول (Camisol) : سترة نسوية قصيرة. أو لباس نسوي تحتاني قصير من غير كمين. المصدر قاموس المورد الانكليزي - العربي. – المترجم -

 

جميل حسين الساعديالقصيدة من ديواني الشعري (اللواهب) الصادر في بغداد، والذي يشتمل على قصائد تعود إلى فترة بداياتي الشعرية

 ***

 يؤرّقنـــــي إلـــى دُنيــــاك ِ عشقُ

                                   فهـــلْ للمتعبِ ألمأســــــــورُ عتـقُ

     سئمــتُ مــن الظـلام ِ يلفُّ نفسـي

                                   ولمْ يبرقْ من الآمــــــــال ِ بَــــرقُ

     تحمّلنـــي المدينةُ ألفَ قيــــــــــــدٍ

                                   وطبعـــــي ما عرفتُ العيش َ طلْقُ

     تكلفنــــي مطالبـها كثيـــــــــــــرا ً

                                   فكمْ فيــــها لنفسِ الحرّ خنْــــــــــقُ

      تريدُ مـــن الفتى الحّر انقيـــــــادا ً

                                   لأشيــــاء ٍ يصـــحُّ لهُــنّ خــــــرْقُ

     وتخلــقُ فـي دخيلتـــــه ِ صــراعاٌ

                                   يبيــنُ لـــهُ بصرْح ِ النفسِ فتْـــــــقُ

     فكمْ أودتْ بذي حـسٍّ رهيـــــــــف ٍ

                                   ولــمْ يبدرْ لهـــــــا فــي ذاك َ رِفْـقُ

     لقـــدْ ضجّــتْ شــــوارعها بخلــقٍ

                                   لهُمْ في الخزْيِ والإفســـــــادِ سبـْقُ

     يحسُّ بقــدرةٍ إنْ شلَّ خيــــــــــرا ً

                                   وفخــــرٍ أنْ يُــرى يومــــا ً يعــــقُّ

     يفيـضُ رطـــانة ً فــي كلّ أمـــــر ٍ

                                   ولمّــــا يدْرِ مــا غــرْبٌ وشـــــرْقُ

       قلوبهـــمُ مَـــنَ الإخلاصِ صفْـرٌ

                                   ســـــوى مـــا جاءَ بالإقـــرارِ نُطْقُ

     تبيــــــنُ لهُمْ وجـــــــوهٌ شاحبـاتٌ

                                   تخلّلهــــا مـــن التزييــــــف ِ عرْقُ

     ولـــو قارنتهـــم يومـــا ً ببهْــــــم ٍ

                                   وجــــدْت َ الحــال َ أنْ لمْ يبْـدُ فَرْقُ

     فظيـع ٌ إنْ فقــــدتَ مقـــالَ صدْقٍ

                                   وأفْظـــعُ منــهُ أنْ لمْ يبــق َ صِــدْقُ

                                         ***

     معــــاذا ً قريتـــي أنســـاك ِيوما ً

                                   وهـــلْ يُنسى علـى الأيّــامِ عِلْقُ(1)

     إذا يومــا ً ذُكـــرت ِ علــى لسانٍ

                                   أهــــــابَ بمسمعي للقلــب ِ خفْـــقُ

     وإنْ يوما ً تحدّث َ عنــك ِ قـــومٌ

                                   تطـــاولَ بــــي إلــى الأفواهِ عُنْــقُ

     لأسمـــــع َ ما يســرّ لـــهُ فؤادي

                                   ويُذْهـبُ لوعتـــــي فيــــزولُ حَرْقُ

     عشقتُـك ِ عشْق َ مَنْ يعلـوهُ وجْدٌ

                                   إذا غنّـتْ علــى الأفنــانِ وُرْقُ (2)

     ومن يعيا لُـــــهُ في بثّ شـــــوقٍ

                                  لســــــــانٌ حـــاذقُ  فيبــــوحُ عُمْـقُ

 

جميل حسين الساعدي

......................

(1)  العِلْق: النفيس من كلّ شئ لتعلّق القلب به

(2) الأفنان: الأغصان

وُرْق :  جمع ورقاء وهي الحمامة

   

 

مصطفى غلمان1 - الأشياء ..

كلها أوتار محلقة بين الكمان ويد الموسيقي  ..

تتزاحم قطع كونشرتو البيانو

وتغدو فنارا لفوضى اللحن وإيقاع المعنى ..

2- الأشياء مدى لأرض واثقة بخطو الفراشات  ..

تهز أنغام الطبيعة  .. ألهوينا

وتكابد انتظارات مهادنة

كالنفس التي تقايض مهجة الاختيال  ..

3 - الأشياء لا تعود كما الماضي السحيق  ..

كلما أوردت غمامها الموسيقي ماء الوصال  ..

 تسربلت ،

وسرت بين حقول الشك سرابا  ..

5 - الأشياء الخفية القنوع

تحتذي بالبطء لباسا وشرابا ذلولا  ..

كسر  غارق  في أحلام اليقظة

كلما نثرت ورودها تحلحل الماء من ينبوعه

حتى ارتوى الكمال في روح القدوس  ..

6 - الأشياء المكسوة بنياط البوح

تستعير قناعها ليكون سماء لظلال قديمة  ..

تدور كما البراءة أينما قامت هل قيامها  ..

لا ترى غير ما تجهره البصيرة  ..

7 - الأشياء الغافية اللاطمة

 طباق شعري يكسي أسرار البلاغة من جغرافيا الكينونة  ..

تتقمص دور المنقذ من ظلالات الفرح  ..

8 - الأشياء القريبة البعيدة السعيدة الشقية البيضاء السمراء الكظيمة الثخينة العقيم الولود السابحة في ذرى الصمت؛  ..

تهاب الموت وتشقى  ..

9 - الأشياء الطاغية الظالمة العابسة مجرد طوبيا لسراب مخل  ..

يطأ حمأة السأم كي لا تصاب الكمائن بعتمة التاريخ  ..

10 - الأشياء قربان الصداقة،  نقع التراب، همس القوافي  ..

شحذ المحبة لمقامة سعيدة في مقام سعيد .

***

مصطفى غلمان

 

عبد الجبار الحمديلا تكن مثلي.. تضيء للنّاس ومن ثم تدفع الثمن، أستعجب حالك!! فبعد ان ناولك الدهر صفعات أطالت عمرك المستشري عذابا دون ان يهيد أو يستكين... لم أشهده لحظة قد أخذ هدنه أو أراح أكف، فدوما يغزل لك المكائد كي يلهيك مثلي.. لم احسب كم هو طول الفتيل الذي ألبستني؟ فغالبا ما تلبسنيه في عتمة خلسة، حتى لا تدعني اشهد جريمتك وأنت تجبرني على شرب ما يذهب بعقلي بعدها ترسلني حيث جهنم... الى أن ألزمت نفسي ان لا أطالب بأن اكون ذي مشاعر او أحساس، فقد ماتت براعم الاحاسيس التي احرقها اللهب.. صرت مجرد ذبالة همها ان تسف رائحة مستنقع فتيل أجرب كالمسطول.. الشيء الوحيد الذي يجعلني ابتلع جريمتك هو أنك تحاول الخروج مما أحطت به من عالم مظلم، رغم علمي وعلمك قبلي أنهم لن يدعوك تخرج، حتى لا تسهم في انعاش ذاكرة من كانوا حولك بأن الدنيا عالم لا يصحبها إلا من ضرب الدفوف وأرتدى بدلة سوداء وغطى رأسه بكيس، همه أن يقف عند الحافة الآمنة يمسك بقلادة الموت التي يلبسها لأصحاب البدل الحمراء، هكذا كان في السابق أما الآن فترى مختلف الألوان تصطف طوابير تنتظر ان تنال تذكرة انبعاث آخر.. صاحب القلادة لم يتغير هكذا اعتقد وانت وانا أيضا والسراج لم يطالنا التغيير.. لقد عكفنا وقَبِعنا في وادي الموت هذا.. الا ترى أنك تبالغ في رزم اسماء ممن هتكت حياتكم لا لشيء إلا لأنهم قرؤا على ذبالات خافتة بحرية؟.. الحرية تلك المفردة التي أقلقت وضج سامعها ممن تعرف؟ أنظر الى نفسك كأنك لا تجيد سوى مهمة إتخامي وحشو مؤخرتي بهذا الفتيل الذي أراه فَرِحا بمهمته التي سرعان ما يصرخ بعد ان تشعل رأسه وتلهبه... فمن تَخَلُفهِ عندما يرى ظلي يحسبني أرقص.. اظن اعتقاده صحيح غير أني ارقص من وجعي على وجعي... أما الفتيل فصراخه يعلو خاصة عندما تهب ريح انفاسك التي لا ملاذ من شم فسادها... انظر لقد اصبت بالعمش كون ما تسقينيه من مستنقع جاوز الصلاحية كأعمار من تخطب مناديا بإصطحابهم حيث ذاك مكيس الرأس.. يا لجنونك وسذاجتي!؟ نعم سذاجتي لولاها ما استطعت ان تغرر بي، لكنك داهية على الضعفاء ممن تطالهم يديك، تعمد على انتهاك حرمتهم بأصابع فتقت أزرار العفة فخانت عهد الله في كل شيء، خلقت لنفسك ربا تعبده.. تمجده تصلي له.. حتى ظفر بك كما ظفرت أنت بنا.. فألقاك حيث مقبرة الموت الأبدي.. لا مناص لك سوى ان تعيش ميتا أو تموت حيا... معادلة صعبة أعيشها أخوض في طيات تبيانها كل يوم... بل كل لحظة مذ إيقادِ حتى تطفئني بنفخة رجل موسوم بالموت لا محالة لكن دون قلادة، فما تبلعه من بقايا أنفاس ورائحة الموت كفيلة بالفتك..ههههههه جنوني يصور لي أنك خاويت الموت فطال في عمرك وصاحب القلادة...

سيأتي يوم ما، سيغير ربك طريقته في محاكمة الابرياء، سيجلب وسائل حديثة لنيل ممن لا يرومهم حوله كالذباب الطنان... تخيل الإنسان بالنسبة للحاكم ذباب طنان، احكَمَ عليهم بعمر كما عمر الذباب إن طال او قصر، يفسح لهم المجال مدة اربعة عشر يوما بعدها يسوق لهم الحديد والوعيد.. فينساقون بناي الراعي حيث جب يوسف الذي كان وعدا... لكن هل من نبي جديد يبعث؟ هل سيكون لنا يوسف جديد وفي كل يوم يولد الف عصبة واخوة أعداء؟؟ اما الجلادين فلا عد لهم ولا حصر.. غبي من يظن أن الضياء يمكن ان يكون طريق حياة او فنار لسفينة غارقة لا محالة... حتى بوصلة الاتجاهات تأخذك حيث الضياع.. طرق مختلفة لم يحتاج فيها الحاكم الى ضياء ذبالة ضعيفة لا تغطي مساحات الكم الذي يرغب ان يحيطه، فجل همه أن يأخذ الخراج من كل غيمة تسير في السماء بحريتها.. سيرسل طيور أبابيل بالسجيل يأمرها ان تحيد عن مسارها وإلا سيقحمها يُجبرها ان تجهض نفسها في واد أرض شيطان متأكل لا فائدة منه دون أن يرجو عطاء..

هل سمعت يا حاصي الأسماء؟ ام أنك تَلَيَفت فكثرت قذارتك، نَتِنَت رائحتك فما عدت تميز بين من؟ وأين؟ فزلفت بعيدا حيث رقيمك القديم في كهفك تحاول ان تقرأ ما نسيته بصوت عال بعد أن اخرستك الوحدة إلا مني وسراجك.. قلت لي مرة أنك لا تعول على صاحب القلادة فقد قُطِعَ لسانه عندما اراد فسحة في حوار ديموقراطي هههههههه يالها من ديموقراطية شمطاء عجوز تنال من على مكنستها الطائرة أيا كان فتسخطة قردا او سخلة أو غراب.. فلا يعول عليهم بعدها أبدا..

رد بعد ان شعر بغصة مما سمع كأنها أيقظت من كان نائما في ذلك الكهف.. فقال:

لا ادري يا ذبالة الغثة متى يمكنني التخلص منك الى الابد؟ فبرغم الحداثة والنور ذو الأزرار.. لا يرغب من اعبد ان أحظى بغيرك، فطالما قال: لقد ورثنا ذلك ممن تسلطوا، طال حكمهم حتى وصل الخلود.. إرث جاهلي أزلي لا يمكن التفريط به.. فلا تشغلن بالك ايها السجان بالحداثة فما هي إلا وجع للرؤوس... اعلِمت من هي الرؤوس؟ إنها التي أينعت وتعمد أنت الى إلباسها وصاحب القلادة... فالنور يجلب لك الأحلام بعدها يزيد فسحة الأمل، فالحياة عامة ترقى بالضياء.. اعني هنا ضياء النفس والروح والعقل، ومن ثم تزيد في قدرة الفرد على قراءة الاسفار والغور في المفهوم الإنساني والحقوق والواجبات، تكشف المستور.. عندها تبدأ محنتي، تزداد نفسي سوءا يزداد هلعي على ملكي.. عرشي، فأفزع وهذا ما لا أريده ابدا ان يحدث..

هذا ما يردده ربي.. لكني مللت حياتي يا ذبالة النحس... كرهتها جزعا فطالبت بالخروج من هذا الجب لكن خوف ربي مما اعلم ومما شاهدت ومما فعلت بأمره يخيفه أكثر فسلط علي الويلات، نال مني واهلي جميع ممن احب، فَخِفت رغم أني لا أعرفهم.. لكن هم لي بقية من عشير، قاومت بداية فأخصيت، وقبل أن يخصوني فعلوا فعلتهم بي فأصبحت ملاطا بحيوانات غير آدمية.. مللت حاولت قتل نفسي لكنه منعني و وضعني في عالم يخلو من كل شيء إلا منك انتِ والسراج.. لعلك تذكر يا سراج الهم كل ما اعنيه؟ مَد لي التعاطي بما ينسيني فأدمنته... وهكذا فررت الى داخل جحور الأرض حتى لا أُشعر من يعرفني بالعار والخزي.. أما انتِ يا ذبالة أقسم لولاك لسارعت بشنق نفسي، لكن مشاهدتك حية هي من ترفدني البقاء.. برغم الموت، ضياءك المشوش ولسانك المضجر، إلا أني استشعر أني ما خلقت أو مد الخالق في عمري إلا لسبب، أظنه لم يأتي بعد... في تلك اللحظة فقط وعندما أحس أن السبب قد بانت مفاصله سأخرج راميا بفتيلك، اضمن لك أني لن أستغلك أو اعمد على إيقادك في ظلمة.. سيكفيك ان تكوني شاهدا عيان بعد ان يسملوا لك عينيك التي ترى عيوب الآخرين... ثم يصعدون بي حيث صاحب القلادة... فيا خليلي.. كلنا أموات لا محالة ولا يبقى سوى الحاكم والجلاد.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي     

 

ريكان ابراهيمقرية الشاعر

 في العراق

***

‏‫قريتُنا قُبعةٌ أرضيّةْ

تجثمُ فوق الضفَةِ اليُمنى

من نَهْرٍ يتلوّى مثلَ الحيّةْ

قريتُنا مَفْقَسُ أفراخٍ بشريّةْ

بعْضٌ قد أصبحَ شيخَ عشيرتهِ

من دونِ ذكاءْ

والآخَرُ طار بعيدًا في دُنيا الغُرباء

أحلى ما في قريتنا مقبرةُ القَريةْ

فيها الأمواتُ هُم الاحياءْ

***

في قريتنا زرتُ المقبرةَ الأهليّةْ

فحصلتُ على قبْرٍ من دائرة البلديّةْ

يستقبلُني في أوّلِ صُبْحِ الأبديّةْ

ملكًا لا إيجارْ

ففرحتُ بأنّي إنْ مِتُّ ستُصبحُ

عندي دارْ

وحُسِدتُ على قبري...

وحُسِدتُ بأنّي مَسرورْ

وتضايقَ منّي مَن لم يجدوا

بعد الموتِ قبورْ

***

قد يعجَبُ من قولي مَنْ لم يفهمْني

في ما أعنيْ...

حتّى أهلي وأعزُّ الناسِ إليَّ، أبني

لكنّي...

لا تثريبَ علىَّ

سأكتبُ ما عنَّ على ذهنيْ

***

في قريتنا... في تلكَ الشمْطاءِ الحسناءْ

سقطتْ من أُمّي كُومةُ لحمٍ

سمّوها "ريكان"

سقطَتْ، لا تدري كيفَ، ولكن هذا

ما كانْ

ونَمُوتُ كما تنمو الديدانْ

إفطاري اللبَنُ الرائبُ من بقَرةْ

وعشائي مثلُ غدائي...

خبزُ شعيرٍ ممتازْ

مع صَحْنٍ من خُبّازْ

وإذا أبقيتُ من المقسومِ

قليلاً... تأكلهُ البقَرةْ

فتعلّمتُ العِبْرةْ

من عيشٍ طَرفاهُ اثنانْ

الأوَّلُ تُمسِكُهُ الأبقارُ

وثانيهِ "ريكانْ"

***

قريتُنا بَيْضٌ ودَجاجْ

تبتاعُ به الفلّاحاتُ من السُوقِ "الدشداشةْ"

مع قطعةِ حلوى لكبيرِ الأبناءِ

وللأصغرِ "خرخاشةْ"

ولمنْ يهوى منهم أنْ يُصبحَ جُنديّاً "رشّاشةْ"

وبهذا أصبحتِ الفلّاحةُ في قريتنا

تَتحدّى السُوقَ وأفكارَ السوقْ

بالبيضِ المسلوقْ

وتُقايِضُ أرقى ما عند التاجرِ من إنتاجْ

بقطيعِ دجاجْ

***

عن قريتنا...

يتَحدّثُ عُشاّقُ النَظرياتِ البَدويةْ

ويكيلونَ المَدْحَ لأخلاقِ ذوي القُربى

يُدهِشُهمْ أنَّ القرويَّ

هو الأصفى قلْبا

والأنقى من كلِّ رجالِ البشريّةْ

لكنْ لو سمعوا قولي...

لأعادوا فحْصَ النظريّةْ

أنا أعلمُ منكم يا عُشّاقَ النظرياتِ

بأهل القريةْ

أنا لا تعدوني فِرْيةْ

***

في مدرسةِ القريةْ...

كنَّا نصطفُّ صباحًا...

ونُردِّدُ أجملَ مَوّال

نرفعُ علَمَ الوطنِ الغالي

ونغنيّ للشعبِ العربي

ولأيامِ العصر الذهبي

***

في الدَرْسِ الأوّلِ يدخلُ "داودْ"

أُستاذُ اللغةِ العربيّةْ

ليقولَ لنا:

-"قَدْري جنديٌّ في اربيلْ"

-"نحيا والموتُ لإسرائيلْ"

-"وطني وطني ... من طنْجةَيمتدُّ إلى اليَمني"

وفَهِمنا الدَرْسَ الأوّلْ

علّقنا جَنْبَ السُبّورةْ

أجملَ صُورةْ

لبلادٍ تثلِمُ شأفتَها

قَدمٌ لدخيلْ

***

في قريتنا...

أقوى المخلوقاتِ الشيطانْ

والناسُ تخافُ من الجانْ

وتلوذُ بقارئةِ الفنجانْ

مَنْ لم تُنجِبْ ولَدًا فعليها أنْ

تطفُرَ قَبرا

مَنْ لم تتزوّجْ فعليها أنْ تُحرِقَ، سِرّا

بعضَ القمصانْ

مَنْ ماتَ لَها أكثرُ من مولودٍ

فوراءَ الأمرِ اثنانْ:

إمّا جِنيٌّ يغتالُ الأطفالَ سريعًا

أو نُذْرٌ لضريحٍ وأدتْهُ كفُّ النِسيانْ

***

في قريتنا...

أجملُ أُمنيةٍ عند التلميذِ بأنْ

يُصبحَ شُرطيْ

فيعاقبُ مَنْ يلقاهُ لأبسطِ غلَطِ

هذا ما كانَ وكنّا

فلقد عُلِّمنا...

أنَّ الإنسانَ إذا صارَ قويّا

صارَ ذكيّا

وفهِمْنا في الدرسِ الأوّلِ أنَّ الدكتاتورْْ

أقوى من عَقْلِ الجمهورْ

***

د. ريكانْ إبراهيم

 

سعد جاسم كمَنْ يتخففُ من تَركاتٍ

 وأسرارٍ ثقيلةٍ

 ويتخلصُ من حماقاتهِ وأخطائهِ

وكمَنْ يسعى الى خلاصهِ المُضيء

ويمضي ناصعاً الى فردوسهِ الأخير

 سأتركُ ذاتَ فجرٍ باسقٍ

أو ذاتَ حلمٍ عابرٍ :

السريرَ بارداً وبلا احلام

الغرفةَ موحشةً كصحراء

البيتَ مظلماً وحزيناً كقلبٍ مريضٍ

والمدينةُ أتركُها

كمقبرةٍ مخيفةٍ

والبلاد اتركُها بلا ندمٍ وبلا ذكريات

والمال سأتركهُ لأنهُ زينةٌ خادعة

وسأتركُ الأبناءَ لأنهم لم يعودوا لي

وإنما هم ابناءُ الحياة

وأتركُ العالمَ

يتمرّغُ في خرابهِ الاسودِ الرهيب

 لأنني أنا الزاهدُ السماويُّ

لمْ أعدْ بحاجةٍ

 لكلِّ هذهِ الاعباء

بعدَ أن عثرتُ

على طريقِ الأبدية

***

سعد جاسم

 

صالح موسى الطائيما ذا أكتبُ أمامَ هذي الطبْخة التتريّة ؟...

فلا نبضَ في العيون ِ ولا في البيوت

لا نَسغَ في الشجَر

 لا زمن َ في الساعات

ماذا أكتبُ...؟

ماذا أكتبُ عن غابة ٍ مظلمة ٍ جدا ومخيفة

لا ضوءَ فيها ولا ماء

موحشة ٍ... حدّ التصاق الأرامل ِ

والأمّهات ِ بالقبور

هذي الغابة ُ...

مُنتخبٌ لوحوش الأرض والسموات

لا عقلَ فيها ولا جنون

 فيها الثعابينُ والحشرات

والأحزابُ الدمويّة ُ...والعصابات

والبرلماناتُ الوهميّة ُ

يتكاثرُ فيها عزرائيلُ وإسرائيلُ   

بأسلوب ٍ عنقودي ٍ حديث 

غادَرتْها الحمائمُ والعصافير... 

هَرَبَتْ من دُخان الضمائر ِ...

والثعالب ِ واللصوص ِ المَحَليّة ِ والمُسْتوردة

حيثُ أعشاشُها التي مزقتها الغربانُ والأوبئة

وسياساتُ القرودِ المقرونة ِ بالعُربان

بالخيانات ِ وبالقنابل ِ المتحدة

باللطم ِ وبالنزف ِ الأزلي

فيها تنتشرُ الطواحينُ البشرية ُ

والأمراضُ القبليّة ُ المخلوطة ُ

بالفايروس ِ الماسوني

وبالطاعون ِ الدولي

ماذا أكتبُ....؟

قلمي مسكينٌ...  وحيدٌ وفقيرٌ جداً

أمامَ هذي الحرباء الكروية

والخنازير ِ النوويّة

أوراقي  مزقتها العواصفُ والذكريات

بغدادُ عارية ٌ في غُرف ِ الإنعاش

مِسقط ُ رأسي قد أصبحَ عاصمة ً للموت  

ومزارا ً للكمائن ِ والفتن ِ المُعَلـّقة

ماذا أكتبُ عن لقيط ٍ

يَغسلُ نطفتهُ بالدماء

يَحلق ُ شاربيْه ِ بأمر ٍ من فتاوى النكاح

و تجار ِالأوطان والأديان

ماذا أكتبُ....؟ 

بَلْ ماذا أقرأ الآن َ...؟

أمامَ هذا الجمهور الغارق ِ

في الحَيْرة بين القيامة ِ والتهجير

ماذا أقرأ غيرَ الفاتحة ...؟

على مَنْ ماتَ في القلب ِ

وفي السموات...

..................

..................

شعر  صالح الطائي

 

فاتن عبد السلام بلانتوهّجْ .. توهّجْ

الأدراجُ مجرّاتٌ والآهاتُ أرواح

 اِتقدْ لا تنطفئ

المداراتُ أضواءٌ واللاءاتُ جراح

ازأرْ اجأرْ خلفَ المُحال

الحياةُ عاقرٌ دونَ خيال

اِنطلقْ .. تحرّرْ

 الممراتُ كلماتٌ والمعابرُ نايات

تعربشْ تعرّشْ

فالأغصانُ غيومٌ والعصافيرُ نجمات

اِسعلْ .. اِعطسْ

إنّ الكارما* جنايةٌ

 تُفّاحُ وسوستها يتبلّعمُ بغصّات

*

قيّثرْ أصابعكَ وترَ الموسيقى

صدركَ راعٍ وأضلاعكَ نغمات

دندنْ قابَ النقاءِ أو أعلى

فروحكَ أوركسترا

وحواسكَ نوتات

هذا أنا أنتِ أنا نطفةُ غيبٍ

في رحمٍ مضى

طفلٌ مفطومٌ على ثدي الصبا

*

انسى لثغةَ الحزنِ

فـ لمعةُ الأرقِ وجعٌ

وثرثرةُ المناديلِ دموع

والذئابُ الثكالى

تعوي في وحشةِ الشموع

قلْ كلَّ شيءٍ قبلَ صمتِ الطين

فكلُّ مزاميرِ الضجيجِ

 كرنفالاتُ قيامة

كلّ أياسرِ الصورِ أيامنُ وجوه

كلّ الأشجارِ شغفُ فساتين

يتساقطن بأنوثةٍ

 على محكِّ الخريف

هذا أنا نورسُ وميض

وهذي أنتِ يمامةُ برقٍ بلبلةُ سنا

جناحايَّ أرضٌ وسما

وقلبكِ أرجوحةُ خمرٍ

علتْ موجَ العشقِ بين درفاتِ المدى

*

أتخجلُ الورودُ من فحولةِ النور ؟!

أيستدمي الأرجُ

فوقَ عرشٍ آيلٍ لـ الأفول ؟!

حُجبٌ في حُمرِ الفكر

يانعةُ الغوايةِ لا تزول

اِسبحٔ داخلَ أضواء القناديل

حيثُ الخارج صنّارةٌ

والأسماكُ تنوّسُ هوسَ المصابيح

حين تكرُّ الشواطي شخوصًا

 وتفرُّ الرمالُ خارجَ الكواليس

ويعرسُ العنّبُ تحتَ أقراطِ تموز

وتُفضُّ الكستناءُ بألسنةِ كوانين

لا تهسهس في آذانِ المغيب

هذا أنا أنتِ أنا شامةُ حُسنٍ

فوقَ خدِّ الصباح

شبقُ عطرٍ على عنقِ الربيع

 قتيلٌ .. عليلٌ

أضناهُ العشقُ وضيّعَ المفتاح

*

حلّقْ إلى الأعماقِ واستيقظْ

 إنّ الفضا أجنحةٌ

وحكايا الزمنِ قيود

شهرزادُ الوحدةِ عنقاءٌ

وزغاليلُ شهريار أعشاشُ وكروم

أتحبلُ الغاباتُ بالحفيف

وتلمعُ الفؤوسُ بالحطّابين ؟!

هذا أنا .. أنتِ أنا

شطحةُ نارٍ واِنهزامُ جليد

تأشيرةُ عبورٍ قبلَ الرحيل

عجوزانِ متصابيان

تشاقتْ قُبلتهما في جيوبِ العيد

ملحُ الطفولةِ مرٌّ يحلو بعناقٍ جديد

يمشي/يركضُ عصبُ الأملِ

يثبُ فوقَ شيبِ العمر

هنا كنّا .. هنا بتنا

نتعاطى الجنونَ باللا شعور ..

أنتبرشمُ .. أنتسقرطُ

أنتهتلرُ .. أنتهستر

 بين شرارِ العيون ومرايا الأثير .. ؟!

*

أتخشى أوراقَ التوتِ

وعوراتُ الظلالِ تسيلُ شهوة ؟!

تعالَ كأولِ شتوةٍ

غارقًا بغرامياتِ قُزح

مائجًا بأصيصِ الرغبة

فكلّ الأفكارِ طريدةٌ لنْ تستوعبها أسرّة

ولنْ تشهقها وسائدُ في حُلمٍ مطير

هيّا لنفلّترَ غبشَ الرؤية

شتّانَ بينَ المكانين

فوقَ الترابِ تتأنسنُ فكرة

وتحتهُ تموتُ فكرة

سيشحُّ كازُ الوقتِ فالساعاتُ كاذبة

أيتفيّأُ سجينٌ في بؤرةِ أسير ؟!

تعالَ نُهشتغُ * جنوننا

بـ (#نزوةٍ_عقلية)

ونذوب بلا عددٍ بلا حدٍّ

"الـلـه مددْ مددْ مددْ"

في سمادهي * الأصيل ..

***

فاتن عبدالسلام بلان

تمت كتابة النص في شام الياسمين

.......................

*كارما: مصطلح بوذي وهندوسي يعني السبب والنتيجة، أفعال يقوم بها الكائن الحي، و يترتب عليها حصد النتائج، إن كانت خيرا فخير والعكس صحيح ..

* نهشتغ: اشتقاق فعل مضارع من كلمة هاشتاغ، والأخيرة تعني وسم أو علامة توضع قبل الكلمة أو الموضوع المطروح ليسهل الانتشار في مواقع التواصل، وتداول الموضوع والنقاش به ..

سمادهي: عند الهندوسيين سمادهي وعند البوذيين نارڤانا، وهي حالة متقدمة في التأمل، وتعد أسمى حالات اليوغا، بحيث يكون المُريد واعيًا متيقظًا خارج عن الأنا المادية، سابحًا في الأنا المُطلقة، في حين الحواس والأفكار نائمة، وهي حالة اتحاد الوعي والإدراك بالذات الحقيقية، حينها يدرك الشعور بالغبطة الأبدية .

 

صادق السامرائيدمٌ يقطرُ مِنْ عَيْنَيها

في أوْعيةِ الروحِ العربية

يَصيرُ خمرا

أوْ سلاّف وَجيع!!

2

كأنّ الدينَ نارٌ

في أروقةِ البهتان

وعندَ حاشية السلطان

والناسُ تبحثُ عن أمان!!

3

يَتَعتّقون في قارورة المُشكلة

يتطيّبون بعَصيرها المَيمون

ويشربون أنخابَ الصبرِ

والفرجِ المَضمون!!

4

يَحْلمون باللذائذِ المُطمئِنة

في جوفِ الموتِ

فالحياة نقمة

والموت نعمة

ومتعةٌ في جناتِ الرغباتِ السُفلية!!

5

الكرسيُ هدفنا الأعظم

فبَعدهُ

تبدأ الحِكاية

وتنتهي الوصاية!!

6

تعمّمْ لترْتزق

وأنتَ عاطلٌ ومُعَطّلٌ

فالتضليل مِنْ خير العَمَل!!

7

إمرؤ القيس قدوتُنا الأصيل

فالشعر في أيامه كان شعرا

ومِنْ ثمَّ

داسته أقدامُ الإعْتقادِ

وأفناهُ الدين!!

8

نترادف لنتعارف

تعتقلنا جبّة قال

وتعطل عقولنا الأقوال

وقائدُنا دجّال!!

9

لا تسألْ

لا تبحثْ

واتبعْ واخنعْ

واقبع في جهلٍ

فالنار سؤال!!

10

طاقة الغيبِ انطلاق

تأخذنا إلى ما وراء الآفاق

فلماذا يكون الغيبُ شِقاقا؟!!

11

رأى ويرى وأرى

ولكلٍّ منا ما يرى

ولكن...

هو الذي رأى!!

12

الأبوابُ مغلقة

والمفاتيحُ مَقْدِرَة

فاكْشفْ بعقلكَ غطاءَ المُعضلة!!

13

يا سيّدَ الأخلاق

يا سامي الأذواق

هلْ رحلَ العشاق

فسامَنا الفراق؟

14

أطيافُ ذكراكِ

تتوافدُ نحوَ أنهارِ السراب

والملهوفُ

يتغرغرُ بخيطِ دخان!!

15

مَن أشعَرَنا بأنَّ الضوءَ ظلام

مَنْ علّمَنا أنَّ الفِكرَ حَرام

مَنْ أوْقَدَنا دونَ ضِرام؟!!

***

 د. صادق السامرائي

فتحي مهذبلست أدرى متى سأسقط

مثل ثمرة متعفنة..

أو ذئب بين نهدين نائمين..

أو زجاح قوس قزح

على قرميد الأفق؟..

لست أدري هل سيطردنى قناص

من الدنيا برصاصة في قوادم رأسي؟..

ويمزق أجنحتي بجزمته المخيفة..

هل سأسقط من فم طائرة

مليئة بالرهائن وقش الايديولوجيا؟..

وأظل أتخبط في الهواء مثل مركب صاعد من رأس أرملة..

لا أدري قد تسحبني يد هتلر

الى الهاوية..

ويهشم جسور مخيلتي بقذيفة..

أو بشرارة كثيفة تزرب من فوهة

نظرته الشوفينية..

لا أدري قد تتقمص جسدي الهش

روح موسوليني..

يقتل الحلفاء كل شياهي

التي افرنقعت في غابة رأسي..

ويحتفي بي حبل المشنقة..

لا أدري..

هل سينتف مطر ريشه الذهبي..

ويطلق طائر الغاق رصاصة في السماء..

هل سيوقظني صهيل الموت من نومي الهلامي؟..

وتتفتح شقائق النعمان في نبرة

المعزين..

هل ستمشي تلك الشجرة الضحوكة في جنازتي؟..

وتتبعني عصافير الدوري

الى ضريحي..

لاقامة جناز باذخ..

والسخرية من نهايتي العبثية..

لا أدري قد أسكن جسدا آخر

أشد عذوبة من تابوت !!

لا أدري قد تسحبني موجة

بمخالبها الى قاع الأبدية..

وأختفي بين سيقان الغرقى..

وثرثرة سمك الماهي ماهي..

قد أطير فجأة الى لا مكان..

لا أدري الفخاخ كثيرة..

والمفاتيح مخبأة في جيب زلزال..

والسماء هاوية عميقة..

قد تزورني أمي الميتة..

التي انكسرت مثل جناح طائرة

في الملكوت..

التي اختلسوا كروانها في غزوة

مريعة..

قد أستوي على سوقي في النسيان

قريبا..

وأفتتح دورة طارفة

***

فتحي مهذب

 

محمود سعيدحينما رأيت شجرة توت في شيكاغو، لم أفرح حسب بل كما يقال عندنا في العراق “كدت أطير فرحاً”، بالرّغم من علمي ألّا أحد طار سواء أكان فرِحاً أم مغموماً. المهمّ أنّني أسرعت نحوها. وقفت تحتها، رفعت يدي باتجاه أغصانها المتدليّة التي أثقلها حملها بثمراتها الشّهيّة. كان التوّت السّاقط منها كمّاً كبيراً، لوّث بقعة دائرية كبيرة من الأرض تحتها بكثافة، صبغها صبغة عميقة بين الأسود والأزرق الأدكن، مع حمرة خفيفة. كم مضى عليّ وأنا لم اذق التوّت! ربما ربع قرن كامل، المرّة الأخيرة كانت في تركياً. توت أبيض يلمع تحت أشعة الشّمس. حجم التوّتة الواحدة يقارب الإبهام، لكنّها أغلظ منه، أوّل مرّة في حياتي أراه بهذا الحجم. كان الطّعم لذيذاً هائلاً، تكاد التوّتة تذوب تحت الأسنان، تملأ الفم بعصيرها المتفرّد، الذي ينزل إلى المعدة بلسماً يكاد يشفي من الأمراض كلّها.

في أمريكا بضعة أنواع من التوّت، ليس فيها واحد ذو نكهة مميّزة تقارب طعم التوّت الذي ينمو عندنا، فهو إمّا حامض - حلو، أو ذو حلاوة باهتة، يمجّها الذّوق، أو نصف حلو، فيه خيط مرارة، لم أذق نوعاً يعجبني، أو يدفعني للإقبال عليه مطلقاً. عندما رأيت شجرة التوّت الأسود قرّرت أن أتذوّقه، أن أضع بضع حبّات منه في فمي.

الأغصان مغرية، محمّلة بثمر كثيف، ذي حجم وسط، أصغر من التوّت التّرّكي، لكنّه كما قدّرت غنيّاً بعصيره اللذيذ. قدت سّيارتي وأنا في غاية الفرح، وأطياف أغنية قديمة طفرت إلى ذهني، رغماً مني: "آكلك منين يا توتة، آكلك منين؟" مستبدلاً، بطّة بتوتة. في اعتداء متعمّد على الأغنية. الذّكريات تتداعى، اتخيّل نفسي آكل التّوت اللذيذ، وأغنية فريد الآطرش تملأ الكون: "ياللا سوى، ياللا سوى، توتة معانا .." لكن قف. كفى أحلاماً. هناك مشكلة عويصة، الأغصان عالية، حتى إذا وقفت فوق سيّارتي لا أصل إليها. ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ شغّل مخّك. الشّجرة في باحة "سوبر ماركت.أتسوّق منه دائمأً، لأنّه على بعد ميل تقريباً من سكني. في طريق عودتي إلى البيت لاحت لي فكرة جيّدة. أن أركن سيارتي تحت الشّجرة. أضع كرسيّاً فوقها. نعم. هذه فكرة ممتازة. شجّعت نفسي. لم يبق سوى التّنفيذ. في البيت كرسي ملائم لهذه المهمّة، يُطوى فيسهل حمله. حملت الكرسيّ بالسّيّارة في عصريّة اليوم التّالي. وضعته فوق سطح السّيّارة. صعدت على الكرسيّ. أصبحتِ الأغصان المثقلة بالثّمر اللذيذ في متناول يدي. يا لسعادتي! ضحكتُ: "آكلك منين يا توتة، آكلك منين؟" امتلأ دماغي بالأغنية وأنا أحوي التّوت الليّن بعناية كي لا "ينفعس"، ويصبح شكله قبيحاً. أضعه في كيس نايلون جلبته معي. سمعت صراخ طفل خلفي. لم أهتم، ليبكِ. لا استطيع الإلتفات. اشتدّ الصّراخ. انبثق في الجوّ صوت ضحكات أنثويّة، مع كلمات إسبانيّة، مرفقة بهزات خفيفة للكرسيّ الذي أقف عليه. ارتعبت. إن ظلت الهزات سأسقط. التفتُ بحذر. رأيت الطّفل الصّغير واقفاً، قرب الكرسي وهو يهزّها، ويضحك وأمه تضحك مشجّعة. الكرسيّ يهتزّ وأنا بدوري أهتز فوقها، والطّفل غير أبه بالأخطار التي ستحيق بي إن أنا سقطت على الأرض، وتهشم رأسي، أو إن سقطت ناحيته ووقعت فوقه، فلا شكّ أننا سنّقع كلانا على الأرض. طلبت من أمّه ان تبتعد به، لكنّها لم تجب. بدا لي أنّها لا تعرف الإنجليزية. كانت مستغرقة بضحكها، في منتهى الفرح والغبطة. جذلة لاستمتاعه بهذه اللعبة الغريبة، أو ربّما أثار تصرفه عندها إعجاباً بعبقريته الرّائعة قبل نضجه، وقدرته على اكتشاف الأمور المثيرة، وهو في هذا العمر المبكر. غير آبهة بي، وبما ينتظرني من أخطار. تملّكني خوف شديد، من السّقوط. هتفت بها غاضباً: أوقفيه. سأسقط وأتحطّم. لكنّها لم تلتفت نحوي. قلت لها رجاء ابتعدي به. سأنزل، واعطيه كلّ ما حويته من التوّت. اعدت الجملة بصوت أعلى من دون فائدة. كلّ هذا والطفل يهزّ الكرسي، فما كان مني إلا أن رميت كيس النّايلون على صندوق السّيارة، ثم انحنيتُ وأنا أفكر بالقفز على مكان واطئ كي لا اسقط كيفما كان، بالرغم مني، وينكسر أحد أضلعي، أو أطرافي.

آنذاك رأيت شاباً ذا جسد رياضيّ، يخرج من "السّوبر مارك". وجهت وجهي نحوه، هتفتُ به راجياً أن ينقذني. ظهرت علامات الاهتمام على ملامحه. ركض نحو السّيارة بكلّ قوته، لكنّ الطّفل أدرك أنّها نهاية اللعبة، فباغتني، ودفع الكرسي بقوّة، جعلتني أستجمع قواي وأقفز، حين ذلك تأكّدت من سقوطي المفجع على ساقي، وتحطيمه. لكن الشّاب الرّاكض نحونا تلقاني بيديه، حائلاً دون وقوعي الكارثي. شكرته جزيل الشّكر، حمدت الله في داخلي. تمنيت، لو صفعت هذه المرأة المستهرة، أو لبصقت في الأقل في وجهها، بيد أنّ ذلك مستحيل. يؤدي إلى جنحة يعاقب عليها القانون بشدّة، لكنّي صرخت بقوّة في وجهها: “يا لك من غبيّة!”. عندئذ تجهّمت، كادت تبكي. وطويت الكرسي لأضعه بالسّيّارة، لكنّ كهلاً اقترب مني، لا أدري من أين خرج، ولا أين كان موجوداً. رجل ممتلئ القامة، ذو شعر، مسرّح بعناية، يلمع بالفازلين، بدا، وكأنّه مصبوغ بأسود فحميّ لتوه. أخذ يصرخ بوجهي، يهزّ قبضته مهدّداً، بالإسبانيّة. متحفّزاً للعراك. صمتتُ، لا جدوى من الرّد. لا يفهم أحدنا الآخر. لكنّي لحظت الشّاب الرّياضي الذي أنقذني، يرجع، وكان بدأ بالمغادرة, اقترب من الكهل، تكلّم معه بنفس لغته، وبحدّة شديدة أيضاً، وهو يشير إلى رأسه مزمجراً، ويبسط راحته وينفخ، وهي علامة على اتّهام الآخر بخلو رأسه من المخ. فأدركت أنّه يتّهم المرأة بالغباء. ثم ضحك بسخرية. وأخذ يشير إلى المرأة والطّفل. فسكت الرّجل مرغماً.

طرأت لي فكرة أن أكافئ الشّاب بنصف ما جمعته من التوّت، لكنّه اختفى، بالرّغم من أني لم استطع جمع عشرين حبّة في الأكثر.

حدث ذلك في تموز، و بعد سنتين وفي تموز أيضاً، استجبت لعرض سخيّ. اقترح صديق عليّ ان التحق به في مدينة صغيرة في الأندلس، لتغيير الجوّ، ولإنهاء عمل لي. قبل إقلاع الطّائرة، بساعة، وأنا في مطار أوهير، جاء اعتذاره في البريد الإلكترونّي مفاجئاً لي، ومخيباً لأمالي بقضاء وقت ممتع. ففي الوقت الذي سأتوجه إلى إسبانيا سيلتقيني فوق الأطلسي قادماً إلى شيكاغو، تاركاً مفتاح الشقة عند وكيل البناية. إذن سأبقى وحدي هناك. تقبّلت الأمر على مضض. المدينة هي "بنلمدينة" ويلفظونها هكذا: "binlmadina"، وهي مليئة بتماثيل العالم الطّبيب ابن البيطار بعمامته، عباءته، سحنته العربيّة. مشيدة بفخر بإنجازاته، وأعماله، واضعة اسمه عناوين لمدارس، وحدائق، ومتنزهات شتى، إذ كانت مسقط رأسه، في الوقت الذي تخلو دمشق التي حوت جثمانه لقرون عديدة من أيّ شاهد عليه.

بعد يومين من وصولي إلى "binlmadina" طُرق باب الشّقة، وإذ فتحته، رأيت ثلاث حسناواتٍ اسبانيّات رشيقات، دخلن الشقة بتلقائيّة، قبل أن آذن لهنّ بذلك. جلسن وهن يزغردن بالإسبانيّة، ويملأن الشقة غنجاً وموسيقى وسعادة. فجأة ارتفعت روحي المعنويّة. طغى الأنس على الوجود. أحسست أنّهن أليفات مع المكان، عبر إلفة حميمة مع صاحبه. سألن عن صديقي، فنقلت لهن أسفه لمغادرته السّريعة. أسنهن في نحو الأربعين، تتكلّم الإنكليزية بطلاقة، والأخريان أصغر منها، قالت لي، إن "بلال" المدني ترك لنا أربع بطاقات مدفوعة الثّمن، لرحلة إلى جبل طارق، وأرتني أين وضعها. ثم أخذت ثلاثاً منها، وأرجعت الرّابعة لي.

سألتني بتلقائية لماذا لا تجيء معنا أنت ايضاً، بطاقتك موجودة، لماذا تهدرها؟

غمرني ذوقها الرّفيع بالحياء والاضطراب، فوجئت بالفكرة، كانت كلطمة ورد من حبيب مشتهىً يجيد المداعبة. ثم لممت نفسي المتناثرة، رحّبت بالدّعوة، اتفقنا على مكان، وزمان اللقاء، بعد بضعة أيام في السّابعة صباحاً.

لم أفطر ذلك الصّباح، حتى أني لم آرشف الشّاي، ولا سيكارته الضّرورية. بدّلت ملابسي، التي أعددتها قبل يوم، وحرصت على تناسقها، لكنّي أبقيت ذوق السّتينات العراقي. قميص أبيض ناصع البياض، سروال أسود مكويّ بعناية، كأنّ طيتّه حدّ سيف مسلول ماضٍ، عطر نفاذ، مع نظارات شمس رماديّة، ثم لمّعت أسناني بالملح، إضافة إلى معجون أسنان "كولينوس" المشهور.

خرجت حاسباً الوقت بحيث أصل إلى مكان الحسنوات قبل خمس دقائق فقط. لكنّي وقبل أن أصل إلى مكانهن، بشارع واحد، التفت مصادفة فالتقت نظراتي صفّ أشجار توت أسود زاهٍ، يلمع بضوء الشّمس. الأشجار مثاليّة، وعلى ارتفاع قليل، بحيث أستطيع أن التقط ما أريد بدون حاجة إلى سيارة أو كرسي. فجأة أحسست بالجوع، بالرّغبة بتناول بضع حبّات توت قبل أن التقي فاتنات بنلمدينة. وقفت تحت الشجرة، قطعت توتة واحدة فقط فجأة اهتزّ الغصن برمته. تناثر التوّت عليّ كالمطر، تبقّع قميصي الأبيض النّاصع الزّاهي، بعشرات البقع، من عصير التّوت بألوان تتراوح بين الأزرق والأحمر الأدكن، وفي غير مكان. كدت ألطم وجهي. يا غبيّ ماذا فعلتَ؟ ماذا فعلت؟

محمود سعيد

..........................................

للاطلاع على القصة بالانكليزية

https://www.asymptotejournal.com/blog/2019/04/09/19974/

 

 

نور الدين صمودذات الرَّوِيَّيْن

أ) على روي الجيم

إذا لم تَضَعْ في شِعرك النارَ فلْتَضَعْ*

                  قصائدَكَ الغرثى بنار  لتـَنْضِجَا

وإلا فروِّجْها إذا الصيف جاءنا*

                  عَسَى أنْ تُطَـرِّي جَـوَّهُ فتـُروَّجَا

فما هي إلا كـوَمُ ثـَلجٍ مجمّـد*

                    بشـدة بـردٍ في الشـمال تَـثَلَّـجَا

وما الشعر إلا ما يَـهُزُّ قلوبنا*

           كبرق يشق السُّحْبَ في غيهب الـدجى

بُرودِةُ شِعْرِ المرْءِ تقتلُ روحَهُ*

                   ويُـبْعَـثُ حيًّـا إنْ يَـكُنْ متوهِّـجا

فلا تُـلْقِ في الأشعار أرنبَ ساذَجًا*

               يَروقُ عُقولا، في دُنا الشعر سُذّجا

وألْقِ بها ليثـًا يَهُـزُّ قلوبَ مَنْ*

                     أتـاهمْ قـوِيًّا بالسِّـلاح مُـدَجَّجَا

نُـيوبٌ وأضفـارٌ لها إذ تَخُطُّـها*

                  وليستْ حـريرا عبقريا وبَهْرجَا

فدعـنيَ من مدحٍ بنظمٍ مهلهلٍ*

                  ولكنْ بشعرٍ جيِّـدٍ أعـشَـقُ الهجا

***

ب) على روي القاف

إذا لم تضع في شعرك النارَ فلتضَعْ*

                    قصائدَكَ الغَرْثـَى بنار لتُـحرقَا

وإلا فروِّجْها إذا الصيف جاءنا*

                  عسى أنْ تـُطري جـوَّهُ وتـُروِّقـا

فـما هـي إلا ثَـلْـجُ قطبٍ مجمّدٌ*

                     بشـدة بردٍ حيثما البـرد أطبـقا

وما الشعـرُ إلا ما يـهُـزُّ قلوبـنا*

                     كبـرق يشق السُّحْب لَمّأ تألَّقـَا

بُـرودةُ شِـعْرِ المرْءِ تَـقتُلُ روحَـهُ*

                   ويُبْعَثُ حيًّا حين يُصبحُ مُحْرِقـَا

فلا تُلقِ في الأشعار أرنبَ ساذَجًا*

               يروق قلوبًا، في دُنا الشعر، ريِّـقَـا

وألْـقِ بها ليثـًا يهـزُّ قلوبَ مَنْ*

                     رأوه مخيفـًا بالسـلاح مُـنـطقا

نُـيوبٌ وأضْـفارٌ لها إذ تَخُطـها*

                  وليستْ حـريـرا عبقريا ونُمْرُقـَا

فدعـنيَ من مدحٍ بنظـمٍ مهلهَـلٍ*

                 وقُـلْ فيَّ هجوًا جيِّدًا يَضْمَنُ البَـقا

***

نورالدين صمود

 

صحيفة المثقفإِنْ لَـمْ تَجِدْ ما يُنجِدُكَ مـنْ جــوعٍ،

لا جُناحَ عليكَ إنْ أَكلتَ الدجاجةَ، التي تَبيضُ ذهبَاً !

فما أنتَ إلاّ سَليلَ قـومٍ عَبَدوا آلهةً صنعوها من تَمرٍ،

ولَمّـا ضَـرَّهمُ الجـوعُ ..... !!

* * *

لَمْ يتعلَمْ الربُّ من الحساب إلاَّ الرقم 1، وهكذا صارَ"واحداً أحدا"!

مُذاكَ أُلغِيَتْ "التعددية"!!

* * *

نرضى بالقليلِ، ليس قنوطاً،

بلْ لأنَّ فائضَ الشِبعِ من فائضِ الجوع ..

وفي كلا الفَيضينِ مِحنَة !!

***

يحيى علوان

 

قاسم المعموريصباح التوجع من مغرم

                     يئن على موطن منعم

لأنى يدير العيون يراها

                 على لون نار ولون دمي

مساء الفضاء بلا رشفة

                  تبل الصدى وعنه عمي

فؤاد تحطم بالتائهات

              فوارى الشعور على الانجم

ذبحت التفاصيل عن لحظة

                عبرت إليها ومنها احتمي

فنوري نار وكم تتقيك

                  فراش على مقلة يرتمي

سئمت الهوى بغير امتزاج

            بطعم انسحاق الندى والطمي

كأن الشفاه شراب الصلاة

                تمن وطعم الرضاب فمي

وأن المسافة صنو افتقار

                   تشير إلى موضع مبهم

وتكتم في الروح عمق النداء

                فما ضج منها احتقان الدم

انفجار يتابع تلو انفجار

                    فلا تدري بعده ما يكتم

فسيل الدماء شبيه المياه

                  كلاهما يروي من السقم

وعجز الكلام شبيه الكساح

               ولولا الضياء تمت انجمي

فياذاك في البعد قرب بغيض

              وفي القرب بعد كما الموهم

مررت على الملح جرحا يغني

               فهاج احتجاج على الميسم

ولو اطبق القلب عينا وفاها

                  توقف عن نبضه المؤلم

واضحى كأنعام هذا الزمان

                عصي على الفهم لن يفهم

يجوب المساء بلون الصباح

                ويصحو على ناعس ملهم

فيعلم ان اكتمال الحروف

                   يكون اذا يسطع المعتم

***

قاسم المعموري

نيسان ٢٠١٩

 

صحيفة المثقفالى الذين قرأوا حصادي لخمسة عقود ونصف

الاساتذة: علي حسن، شكيب كاظم، سعد الدين خضر

***

ها أنا أضع قبعة حصادي

فوق البركان

ها أنا أضع قبعة الحصاد

وأمضي مع ظلي

نحو حقل الوطن

أحصد قمحه ذهباً

ويحصدني رمادْ

منجلي السحري

من إرث بابلْ

ووسم ذي القرنين

ها أنا محض قبعةٍ

تصلح للحصاد فحسب

يؤلمني الصمتُ

ويرتديني الخواءُ

لا سجل لفتوحاتي

ولا ذكرى لغيثي

لا ستائر في قصري المهجور

ولا نمارق منقوشة

ولا جوار تخدم عرشي

تمهد مواضع أقدامي

وتزيل عثرات الروح

عن مدارج العمر

وليس من يعطر لوائح الرغبات

ودفء المنى

بريا الشمالْ

ها أنا أمض نحو حقلي

أسابق الريح والمطر

وأقرأ السحب البيضً

بفناجين أحلامي

حيث أوقد حروفي شموعاً

تضيء دهاليز الهوامش

عن كتف المتعبين

وأرهن عمري فداء بيدر قمحٍ

لأفواه الجياع

وهم كُثر ُ

يجثمون غرثى

حول بيادر الفاقةْ

بانتظار الربيعْ

***

سمية العبيدي - بغداد

 

عدنان الظاهر1ـ هبَّ اللاعي قولاً فِعلا

هبَّ سوادُ الجارِ صياحا

ناحَ وأرخى هُدْبا

يتأبّطُ حُزنَ الجُدرانِ حياءَ

 

2ـ شَرِبَ القِدّاحُ وفاحا

كأساً مخموراً راحا

كنتُ الراسبَ في جُبِّ الحُبِّ

ما صنعتْ أحزانُ كنارِكِ بي

يتغنّى مجروحاً صدّاحا

عدّلتُ مِزاجي مرّاتٍ ضِعْفا

إعتلَّ ومالَ فطاحا

 

3ـ البؤرةُ في البؤبؤِ تثريبُ

لا تقفلْ بابا

الرحمةُ في البابِ شِراعٌ مفتوحٌ بحرا

مشروعُكَ عقدٌ مُنحّلُ

مركبةٌ تتقدّمُ لا تخطو

أَلجِمْها قبلَ سقوطِكَ في غيبِ الجُبِّ

 

4ـ نبأٌ يتطاولُ كاللولبِ حبلاً مجدولا

يسقيني ما لا في كأسٍ يُسقى

لا نجوى بعدَ حسابِ التسديدِ

أنزِلْ أستارَ حِجابِ التأويلِ

اللونُ المُعتِمُ لا يمزجُ في ظلٍّ ظِلاّ

قفصٌ كالقِشّةِ في نعشِ الأُمِّ

فقدتْ قنديلَ النورِ بعينِ الشمسِ

 

5ـ ليلى ...

تنداحُ وتبتسمُ

سيّانِ إذا أفضتْ أو أغضتْ

تتأبّطُ تحتَ المِئزرِ خيرا

تشدو بمزاجِ العنبرِ والسُكّرِ والدِفلى

تمسَخُني نسيّاً منسيّا

فيها أفعى تسعى

في الصخرةِ خلفي

أكبو أتردّى

أتحدّى أعوانَ المولى قِرْناً قِرْنا

أحرقتُ سفائنَ صبري فُلْكاً فُلكا

وجلستُ ألوكُ الخيبةَ قاراً سُمّاً ملتوتا

 

6ـ النارُ تُحاصرُ أركاني

أخشى حَجَرَ النُدرةِ في الجمرِ

ضرباتِ الرنّةِ في المزمارِ

أتلفّتُ كالمرمرِ مخنوقَ الصوتِ

أُخفي رأسي في رمسي

تتنفسُ أحداقي دمعا

تتقيأُ ليلى سرَّ الترياقِ

سُمّاً مدقوقا.

***

عدنان الظاهر

نيسان 2019

نجاة الزبايرـ "لاشيء بيننا" قال

جمعتُ في حقيبةِ الليل مُزْقِي

وبعضا من شغَفِي

                   شَغَبِي.

تركتُ فوق المرآة المَرْمَرِيَّةِ

رَذَاذًا

عَلِّي أعيدُ صيَاغَةَ اسْتِعَارَاتِي العابِرة

قلتُ: ـ سأنْسَى كَيْفَ كَانَ وكُنَّا...

يا للسذاجة تتوضأُ من نهر الغياب!

سافرتُ في المتاهاتِ

شربتُ قهوة انشطارِي

وغردتُ على تويتر

"لاشيء يستحقُّ انتماءنا

غير وطن حزين."

قرأتُ رسائلَ دوستويفسكي

وغِبْتُ فِي قَصيدتي الذابلة

تأسرني

وتَرْمِينِي بِلاَ أجْنِحَةٍ

بَيْنَ عباراتِ رسول حمزاتوف.

ولما عدتُ إِلَيْ

وَجَدْتُ الفراغَ يَمُدُّ رِجْلَيْه

يُغْلِقُ نَوَافِذَ الهواءْ.

لماذا أصبحتُ والوهمَ توأمينِ؟

نَنَامُ فوقَ لَوْحِ الهَواجسِ

تَصْفَعُنُا الليَّالِي

فنمشِي بلاَ رئَتَيْن

نحْوَ نَصٍّ

يَشْنُقُهُ ظِلُّ عاشقةٍ

تَمُرُّ بينَ غَمَامَتَيْن

قَد تكونُ أنَا...

تلكَ المُتَدَحْرِجَةُ مِنَ اللاَّمَكَان

ترسمُهَا اللغةُ عاريةً

إلا منْ مِعْطَفِ الخَبَال

تَسْكبُ ألوانَ حَيْرَتِها في عيونِ الظَّلاَم.

2

إِنِّي لاَ أَرَى

غيْرَ خَيْبَاتٍ

تمُرُّ مُتَهَدِّجَةَ الأنْفَاسِ

يُعانِقُ صَوْتُ كمنجَاتِهَا

آهَاتِ سيدةٍ

يَفِيض نَهرُهَا ضَوْءًا.

تُرَدِّدُ:

ـ لاشيءَ بيْنَنَا...

غير صفصافٍ يصبُّ نبيذَ صمتهِ.

يا لَإبَرِ الصَّنَوْبَرِ

 تتَهادَى بين تجاعيدِ الهذَيَان

تتَثَاءَبُ بين شرايينِ حُلْمٍ بلا شُطْآن !.

3

شَقَّ النَّهَارُ رِدَاءَهُ

نباحُ الريَاحِ

يملأ فِنْجَاني المَقْلُوب

تأملتُ خطوطَه  السَوْدَاء

مثلَ شبحٍ عَابرٍ

وأنا أسمعُ صوتَ العندليبِ القَادمِ من هناكَ

(لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ.. وطريقكَ مسدودٌ.. )*

تسلَّلَتِ الأوراقُ بِلِحَائِهَا الخَريفِي

تساقطتْ بينَ يَدَي الانكسَارِ

كان اليُتْمُ يَقُودُ خَطاي

فَعَلَى مَنْ أقْصُصُ رؤياي

وَ قَصَائِدي عَنِ الْهَوَى

خيط كُحْلٍ موجع يُخاصِرُ معنايْ

تجملتْ به زرقاءُ اليمَامَةِ ذاتَ نَحِيب.

4

تَسَكعتُ بين قَوَافِي الأمس

وأنا أخْفِي تَنْهِيدَةَ فان جوخ

بين أصَابعِي النَّحِيلَة

ورسمتُ بحبرِ الصبابةِ

فراشة تحترق. 

ثُمَّ حملتُ مَجَازِي فوقَ كَفِّي

مثل كَفَنٍ إِغْرِيقِي

وهَرَبْتُ مِنْ إِبْطِ هذهِ القَصِيدهْ.

 ***

نجاة الزباير

25ـ7ـ2018

.........................

* من قصيدة (قارئة الفنجان) للشاعر نزار قباني، غناء عبد الحليم حافظ.

 

بن يونس ماجنانهم  يروضون الجرذان العفنة

على اختلاس الحفر

ويرغمون الرهبان

على المشي فوق الجمر

ويصطادون الزوابع

ويقصفون بها  الحقول والمراعي

يجتثون ويحرفون منابع الانهار

*

انهم يحرضون النسور الطاغية

على اغتصاب أعشاش العصافير المستضعفة

ويسرقون النخلة اليتيمة

ويضمونها الى ممتلكاتهم غير الشرعية

ويذبحون الوردة الناعمة

ويفقؤون اعين الابرياء بأشواكها الدامية

*

انهم حقا لصوص الارض

انهم الحشائش الضارة التي ماتزال

تقضم براعم الحرية

 في الارض الطاهرة

*

انهم يتحالفون مع السماسرة والخونة

وقراصنة صفقة القرن

يلوثون و يغتالون الامواج

فيبكي البحرمدا وجزرا

*

انهم يقلمون اشجار الحديقة

وخلف الجدارالظالم

يسقونها بالمياه الآسنة

*

المصابون بحمى المستنقعات الصهيونية

متظلعون و متواطئون

في اللعبة المتسخة

وكلابهم لا تكف عن النباح المزيفة

وتراهم ينوحون

في المنابر الدولية الفاسدة

*

في مغتسل الجثث

يشبعون الميت ضربا

ويفصلونه وينهشونه في مستنقاعاتهم

اعني في مستوطناتهم النتنة

***

بن يونس ماجن