صحيفة المثقفمنذ الخليقةِ

ها هما متعانقان

مازالا شقيقين

يسيران معاً

كتفاً إلى كتفٍ ،

يخيفهما غيمٌ وضيمٌ

عبرَ أقنية

الهواجس والغرقْ..!!

**

يتناغمان حيناً

وآخر، يفتك بالحصادِ وبالبشرْ..

وجَرادُه الشرقيُ لا يبقي إخضراراً

في العراءِ ولا يذرْ..

تستصرخ الأرض السحاب

وتبكهِ عندَ الظهيرةِ

والصباحُ

يرددُ المتعانقان

في أعلى صراخهما المديد

" قل أعوذ برب الفلقْ " ..!!

**

ونراهما يتأبطان الغيم ، سيان

مع الغم المشرب بالرعود

وبالمذلة والجحود..

**

كانا يفوران

على كل السنين ويطفحان

على القلوب الواجمات

بلا سدود..

والغيم يمرح في السماء بلا حدود..

وإليكمو تلك المواويل الحزينة

مسكونة اللحن الحزين..

والعمر، يقتات من وجع السنين..

تلكَ المزاميرُ تعزف لحنها الطامي

وترفل شمسها سحراً

تُطلُ ، سبيكته شفقْ..!!

ونراهما اليوم في وضح النهار

بلا سند هناك ولا مدد

كهلان في الرمق الأخير نراهما

جف الهواء ومات العشب

حتى لم يعد سرب الحمام

يشرب الماء الزلال

ما عاد في الجرفِ صلاة وابتهال

من يشتكي حزن النواعير الهزال؟

من يشتكي الهم المشبع بالنحيب؟

من في الحياة نراه مكموماً، يجيب ؟

الخوف في كل المسالك والمعابر

يزني ، ويرقص في أرقْ ..!!

وتظل، تلمع في الصباح

وفي المغيب سحابة سوداء

تعبث في نزقْ..

ومخاضها غضبٌ

يخامره الحنين إلى الغسقْ..!!

***

جودت صالح العاني

فتحي مهذبطردته (أ) مثل ذبابة قميئة تثير القرف والغثيان وتستفز الأصابع المتشنجة لسحلها واستئصال شأفتها ..

لم تعد ترغب في النظر الى وجهه الشبيه بكهف مليئ بالسحالي والعظايا..

لم يعد ذا جدوى .. ذا معنى .ذا نكهة آدمية..فقد ما تبقى من رصاصات الفحولة في جعبة ذكورته..اغتالته عنقاء الحاجة  ودهسه دب المرض الوبيل..

تصيح (أ) بلهجة مغلفة بغلالة البراقماتيزم : أنت كابوس ليلي فظيع سقط من مخيلة  هلامية على فروة رأسي..لعنة تلاحقني الى الأبد..

ثم دفعته بكل ما أوتيت من جنون  وحيوانية صفيقة خارج البيت..

لقد عاشت في ظل سلطته أميرة

ترفل في الحرير والذهب..

تسكن فيلا فاخرة اقتاتت من لحمه ودمه وأعصابه حتى استوت على سوقها..

لم يأل جهدا في اسعادها ومقاسمتها أحلى لحظات الحياة..

وهاهي بعد مرضه لفظته مثل قطعة أثاث غير مرغوب فيها ثم فتحت هذا البيت الفاخر ماخورا تختلف اليه فئة من صائدي  اللذة ومستهلكي الحشيش..

البائس(ب) قطعت رجله اليمنى

اثر حادث مرور رهيب..

وانكفأت عينه اليسرى على ذاتها

غار ألقها وامحت معالم بهجتها

وجمالها صارت عبئا لا يطاق..

عضو ميت تسكنه ظلمة أبدية..

لم يعد بمقدوره مزاولة أي عمل لتأصيل ذاته وفرض صوته في عالم لا يعترف بالضعفاء..

غزته عشيرة وثنية متوحشة من

الأمراض المزمنة والتي تهدده باقامة مطولة في عالم البرزخ..

استنكف منه ذوو القربى  وتحاشاه القريب والبعيد..

اغتدى يتسول في الشوارع المترامة المزدحمة بالأناسي..

الساق اليتيمة التي يجرها مثل قطعة من الخشب اليابس مهددة بالبتر..

ومن خلال عدسة واحدة ينظر الى العالم ويمتص ما بقي من ضوء المسافات..وعلى صدره تخيم بناية هرمة من الهواجس السوداوية.. صار يتنفس ببطء شديد كما لو أن وحشا  عصابيا غرز فكيه في عنقه الهش..

كم تمنى لو كانت له غلاصم سمكة ليتنفس ويتلاشى ضغط هذه الحجارة الكبيرة الملقاة على صدره من أعلى جبل العذاب اليومي..

نواقيس كاتدرائية تقصف شحمة أذنيه المتهدلتين..

أحيانا يشعر بانعدام نصفه الأسفل..باختفاء جذعه الهزيل..

حالة عصبية غامضة تنتابه من حين الى آخر..

كان أمام محطة الحافلات يستجدي المارة مستندا الى عصا

تعج بالنتواءت..

فجأة استحال وجهه المائل الى صفرة فاقعة الى قرية صغيرة ملآى بالأشباح.

عيناه تجمدتا مثل عيني منحوتة اغريقية ضاربة في القدامة..ارتمى على الأرض كتلة من الخشب المتداعي مبتوت الصلة بجوهر هذا العالم الحي..

انهال مطر غزير من الناس حواليه.

سحبت بنت خلاسية  قارورة عطر ..رشت دارة وجهه المبعثر مثل قطع من زجاج الغياب المهشم

أراقت إمرأة في العقد الخامس من عمرها تقريبا ماء باردا غلى جبينه

قال أحدهم: أطلبوا الاسعاف..

قال ثان: أوقفوا سيارة أجرة حالا..

قال شيخ طاعن في العتمة : ذروه

انه قاب زفرتين من الله..

انه يحتضر.. انه يحتضر..

طوقت هذه الجثة الساكنة غابة كثيفة من الوجوه الحائرة..

طفق طائر الوعي يحلق ببطء فوق عش رأسه..

وبحركة بطيئة للغاية شرع شباك عينيه المفتوحتين على عوالم لا مرئية..

أخذ لون وجهه يحمر تدريجيا..

لقد فر لص الموت الى جهة غامضة..

ونجت الجثة من مخالب القبار..

طفق يتحرك بهوادة راشقا تلك الغيمة البشرية التي تحلق بجواره

بنظرة مكتظة بالشكر والمديح..

انها نوبة عصبية حادة..

استوى على سوق وعيه كلية..

تحامل على نفسه..

عاد نصفه الأسفل الى جسده آليا مثل شاة جامحة..

واختفى فجأة في مطاوي هذه السحابة البشرية التي تنتظر الحافلة منذ قرون .

 

فتحي مهذب

 

بن يونس ماجنأنا لست ناطقا باسم الشعر

ولا اتسكع على المنابر

ولا اتهافت على الامسيات

**

انا ناطق باسمي فقط

فقصائدي ليست بناتي   

لقد طلقت الام

حين وجدتها تخونني مع قلمي

**

منذ نعومة اظافري

كتبت خربشات

بعضهم يقول انها مجرد هلوسات

لم تبلغ سن الرشد بعد

اوشعر تنقصه خميرة  الانضاج

او مجرد مراهق يعبث بدفاتره المدرسية

انه يسليني سماع كل الاحكام والانتقادات

بيد اني لست مولعا برفع القباعات

 **

من حسابي الخاص

أفلسني ناشري

دواويني مكدسة فوق الرفوف

احيانا اعيد كتابة عناوينها

بسبابة الغبار

  **

بعض من هلوساتي

قد ماتت قبل الولادة

في مخاض عسير

**

لم احترف قول الشعر

وعليه فانا اقدم اعتذاري

لكل من حمل تابوت الشعر على كتفيه

  **

عندما دخلت بحور الشعر

لم يكن عندي سوى مجذاف واحد

فغرقت في لجة التيار

 **

هوايتي المفضلة

دق الاجراس المسموعة

في دير مهجور

تسكنه عوانس غجرية

**

في ذروة الانتشاء

ابحث عن الشعر

المكتوب على شاهدات القبور

 **

قلمي انتهى حبره

غير ان الحبر

يريد الاحتفاظ بلونه

 **

تجاهلت النصيحة الربانية

فدخلت الشعر من باب واحد

لعلي أصير يوما شاعرا

يتبعه الغاوون

 ***

بن يونس ماجن

لندن

 

 

عبد اللطيف الصافيأمشي

مدفوعا برعشة

دافئة خفية

خلف نعش الذكريات البعيدة

قابضا على رمشي

لا أثر لخطاي

كي لا تتعقبني شوارد هواي

وعيون الحرس القديم

بين تجاويف ذاكرتي

مخفية

وأمشي

**

أمشي

مرفوعا على سرير

العدم

أرتب دقات المواعيد المجيدة

أغني لثورة الحقول

ألوذ بالصرخة  الواعدة

و نجمة تخطط لولادة جديدة

والفراشات

حبلى بالأسئلة الشاردة

تمنحني جناحين لكل الفصول

و نشيدا و علم

وأمشي

**

أمشي

متبوعا بهديل الحمام

وحب لاعج

تحت ظل غيمات نحيلات

اثقلتها سواقي الحنين

وصراخ الأمنيات

وريح الجنوب تهب لافحة

تتربص بي

تلقي علي ما تيسر من لهب

في ليل واهج

وأمشي

***

عبد اللطيف الصافي

 

عبد الستار نورعليمقطوعتان بينهما أكثر من خمسين عاماً، لم تكتملا:

الأولى كتبْتُها في أواخر ستينات القرن العشرين،

والثانية في أوائل هذا العام 2019 .

***

(1) رقصَ الحبُّ

رقـصَ الـحـبُّ بـأبـهـى حُـلَـلِ

                       واحتسى العاشقُ أحلى مُقَلِ

وارتدى القلبُ جناحاً منْ رؤىً

                      غافيـاتٍ فـي انـطلاق الأمـلِ

أيُّها المعشوقُ مهلاً إنّهُ

                             أولُ الليلِ فساعاتٌ تلي

قـلبُـكَ الخـافـقُ قلبـي مثـلُـهُ

                      شوقَكَ الجارفَ شوقي يعتلي

خلقَ اللهُ الدُنا في سـتةٍ

                           فاصبرِ القادمُ سيلُ القُبَلِ

                       **

(2) شرخٌ على القلب

شَرْخٌ على القلبِ بينَ الدهرِ والحُلُمِ

               "أحلَّ سـفكَ دمي" بالحرفِ والقلمِ

ما سطّرَتْ ريشتي ما كانَ شاطرَها

              مِـنْ مبتغىً يُرتَجَى أو نـازفُ النَغَـمِ

هذي مشيئةُ دنيـاً كـلُّها عـدَدٌ

                     حسابُهُ بين أيدي البنكِ والقِمَمِ

أفـقْـتُ مـنْ عَـدِّهِ عـدّاً بـقـافـيتـي

              كما استفاقَتْ عيونُ القَهْرِ في الظُلَمِ

وسيرةُ النارِ مِنْ أيامِ مُوقدِها

                       بين الأخاديدِ عدٌّ فائقُ الرَقَمِ

                    ***

عبد الستار نورعلي

 

هشام مصطفىهُزِّي الحُروفَ يُساقِطِ المعنى الأسيرْ

وَ كُلي وَقَرِّي عَيْنِكِ الحيْرى

فَكُلُّ عُقولِنا سَكْرى بِأسْئلَةِ المساءِ

على شواطئِ تيْهنا الأبَدِيِّ ثاوٍ

فوْقَ أَجْنِحَةِ النَّوارِسِ لِلْغَدِ الأعمى الكسيرْ

ــ جَلَسَتْ تُراوِدُ عَنْ فتاها سِرَّهُ المَسْكونَ

خَلْفَ مِدادِ الحرْفِ والسَّطْرِ الأخيرْ  ــ

لا تحْزني ...

فَجَنينُكِ المَصْلوبُ يَحْمِلُ فَوْقَ ظَهْرِ الحَرْفِ

أَجْوِبَةَ المَتاهةِ إذْ يسيرُ على طريقِ الشعْرِ

مَوْثوقَ اليَدَيْنِ مُشَوَّهَ القدمينِ مشوق الّلمى

مازالَ يَذْكُرُ ...

كَيْفَ خانَتْهُ السّطورُ على موائدِ عُرْيها

تَغْتالُ مِنْ طُهْرِ القصيدةِ كيْ

تُلَمْلِمَ ما تَبَقَّى مِنْ شِتاتِ مِدادِها

لِتُعيدَ رَسْمَ ملامحِ الوَجْهِ الغريبِ

على قميصِ الشِّعْرِ كي

يرْتَدَّ إبْصارُ المعاني من متاهات المشاعرِ

في مساءاتِ الضريرْ

حَيْثُ الفراغُ يُنازعُ الحَرْفَ الكسيحَ لكيْ

يُزيحَ عَنِ المُخَبَّأِ خَلْفَ أبوابِ السؤالِ جوابَهُ

ماذا سَيَحْمِلُ في جِرابِ الشعْرِ للسَفَرِ البعيدِ بلا خُطى ؟

أتُرى ... سَيُجْدينا نهارٌ لمْ يَجِدْ عينا ترى ؟

هي في النّهاية مِنْحَةً ... (لا تُشْترى )

كالّليل إذْ يَنْسَلُّ مِنْ بَيْنِ أَجْنِحَةِ الضِّياءِ ظلامُهُ

كيْ يَمْنَحَ الحُزْنَ الجمالَ بأعْيُنِ الآتي مِنَ الصَّمْتِ العسيرْ

فاللاوجودُ هناكَ يَخُطُّ في لَوْحِ الحياةِ قصيدةً

كُتِبَتْ على صَدْرِ المساءِ و فَوْقَ أنْجُمِهِ الّتي

أهْدَتْ ترانيمَ الغيابِ إلى خُطى صَوْتِ الضَّميرْ

جاءَتْ وأنْتَ تسير فوقَ موْجٍ مِنْ دماء الوَقْتِ

تسْألُهُ الخلاصَ لِتَشْرَبَ المَطَرَ المُعَتَّقَ مِنْ

نَبيذِ الدَّمْعِ في عينِ الضريرْ

لا السّطْرُ ... لا الكلماتُ ...  تطْفئُ مِنْ لَهيبِ الحرْفِ

حيثُ مَخاضُ آلامِ الحقيقيةِ لانعتاقِ الفكْرِ مِنْ

قيدِ البلاغةِ عِنْدَ مُفْتَرَقِ المعاني في نهاياتِ المسيرْ

فالعابرونَ إلى جزائرِ حُلْمِهمْ

حيثُ المسافاتُ البعيدةُ والمتاهاتُ التي

لا المَنُّ والسَّلوى سَتُطْعِمُهمْ

ولا الغيماتُ تَحْميهمْ فكلُّ دُروبِهم حُبْلى

بأشواكِ المُخَبَّأِ في طريقِ الأنبياء إلى دجى المعنى المنيرْ

صَمْتُ الحقيقة حينَ يعلوها ضبابُ الأغنياتِ غدتْ سنا

كالموتِ كالميلادِ كالفرح المُغَبَّرِ بالدموعِ إذا

تعانقَ شوقُهُ بِخُطى الغيابِ وأحْرُفِ العَتَبِ المريرْ

فدعي الحروفَ ....

فلم تَعُدْ تُجْدي المعاني أو مسيحُ الشعرِ

في زمنِ العبيدِ  مدادُهُا

  فالأمنيات ضلالةُ الصوتِ الحسيرْ

***

شعر / هشام مصطفى

 

آلاء محمودكيف لي

أن أتأمل وجهي

في مرايا قلبُكِ

أنا المنفي في وطني

مجهولة قافيتي

مترعةٌ بالحزن كؤوسي

وفي الكف جمر

يحرق أوراقي

سطراً

سطراً

لأعود بصمت موجع

نحو اشتياقي المُكابر

أتجرع وحدي

مرارة لوعتي

كيف لي

أن أرسمك قدراً

في خطوط يدي

أن أدعوكِ قمراً

وظلال الماضي تسكنني

يمتدالوجع الآثم

في صدري

يتكاثر

بين ضلوعي

يعتصر أحلامي

فتنزف قهراً لغتي

ليتك

يا جنتي الخضراء

تعرفين

أنني عمداً مزّقتُ أشرعتي

وقلبي غارق في قاع أزمنتي

ما كنتُ أُدركُ أن حبها

تسرب في الأعماق

 حتى بات صومعتي

عليل هذا الهوى

معذبتي

شوقٌ وآهاتٌ

 والدمعات

ما بارحت مقلتي

سافرتُ بعيداً

أبحثُ عن وهمٍ معتق

عن خيال

من طيوفِ هواكِ

يشاطرني وحدتي

أدمنت السير فوق جراحي

حتى ماتت الخطوات

في قدمي

أكاد أحس وجيب القلب

يناديك سوسنتي

وتهفو اليك في شغف

أجنحتي

أرى ربيع عينيك

فيه الزهر يبتسمُ

وأسوار الصمت

تطّوق مدن لهفتي

غريب أنا

بعد هذا الهوى

لا قلب يُؤويني

ولا استراحت

من لَظى الحنين ذاكرتي...

***

الشاعرة العراقية آلاء

من ديوان  تقاسيم الذاكرة الأخرى محمود

الهام زكي خابطيـا طيـورَ اشتيـاقـي

والحـانَ لهـفتـي

طيـري

و أنثـري صرخاتـي

وأوجاعَ صـدري

فـوقَ الديـارْ

فـوقَ هامـاتِ المـدافعِ

والأمطـارْ

فـوقَ عذابـاتِ الأرامـلِ

و الصغــارْ

كأني أرى مـدامـعَ الأطفـالِ

فـي إسفـار

شلالاتَ دموعٍ كالأنهـارْ

اشتاقُهم

والـوسنُ الجميـلُ

مـلأ  جفونـي

وأطيافُهم على الوسـادةِ

تتربـع ُ

مالي بذاكَ الـوسـن

وذكراهـمُ مـا  أنشـدُ

عِـراقٌ ..عِـراقٌ. عـِراق

مـع نبضِ الفـؤادِ

اسمهُ يتـرددُ

وفـي كلِّ لحظـةٍ حبُـهُ

يتجـددُ

ما ظنناكَ يومـاً يا عــراقُ

عرضُـكَ يُنتهــكُ

على يـدِ طغـاةٍ

جميعهـم للشيطـان

قـد ركعــوا

وأحقـادٌ مـن كل صـوبٍ

تتصـارعُ

على قتـل شعـبٍ ذلهُ القـدرُ

إمعاتٌ هـمُ مـن حكمـوا

فيـا ويلهـم

مـن غـدٍ قـادمٍ

وأسيادُهم عليهـم ينقلبـون

وكـؤوس الـذلِّ

يتجرعـون

فصبـراً عـراقـَـنا صبـرا

فأنتَ العراقُ

و راياتـُكَ للعلا

مرفوعـة ٌ

لا لـن  تــُكسرَ

فيـا طيـورَ  اشتيـاقـي

قُبلـة ٌمـن الضيـاءِ

على جبينِ الريـاضِ

انثـري

وقُبلـةٌ  مـن السـلام ِ

على أرضِ السـلام

انشـري

وللحي الأزلـــــي

ابتهلـي

كفـانا عذابٍ ... كفـانا ظُلـمٍ

كفـانـا

أحقـادٍ فـي كلِّ شبـرٍ

مـن أرضِ بـلادي

تستعــرُ

***

إلهام زكي خابط

 

يوسف جزراويفي التاسعِ من نيسان

تصعلكَ الأمريكان ببلدي

فغتصبوا شوارع مدينتي.

الجثثُ في الدروب

والموتى بِلا قبور

الناسُ فوق الجسور

يهتفون بغير شعور

مَرْحَى....مَرْحَى

لقد أسَّقطُوا الديكتاتور.

**

في التاسعِ من نيسان

غمسَ الأمريكان رماحهم

في خاصرةِ حضارتي

فرثت المتاحفُ آثارها

والشناشيلُ بكت سكانها.

في التاسعِ من نيسان

نهب الحاقدون بلدي

فأنتحبت عروس الشرق

.وغدت أرملة الفرح

تماثيل المتنبي والمنصور

تنوح والدموعُ تهطل

من عيونها الحجريّة

بقلبٍ مفجوعٍ ومكسور.

**

في التاسعِ من نيسان

نفضتْ الأشجار أوراقها

.وبدأت مواسم الحداد

بغداد حاضرة الدنيا

حزينة، منكوبة تحتضر

في فصلِ الإحتلال.

مهجورة كمدينةِ الأشباح

 أو كشجرةٍ صلعاء

بِلا ثمرٍ وأوراق.

لقد عبثوا بملامحها

 ولوثوا عطر ورودها

برائحةِ القنابل والبارود.

**

في التاسعِ من نيسان

عدتُ من حي الكرادة

مع أمّي وأختي

بسيارةِ أجرةٍ خصوصي

فوجدتُ مدرعةً أمريكيّة

تجمهر بقربهِا شعبُ فخور

يركلُ تمثالاً أسقطُوه

لحاكمٍ قاسٍ وديكتاتور

يعرفهم مليًا ويعرفوه

يضربونه بقسوةٍ ويلعنونه

كأنهم يُصفّون معه

حساب السنين الضمور

بساديةٍ وفرحةٍ هستيريّة.

فجأة توقفت السيارة

ونطق السائق:

 ترجل معي من السيارة.

قلتُ: إلى أين؟!

أجاب:

لنبصق على تمثالِ الديكتاتور.

.فحشرة مع الناسِ عيد

 أومأتُ برأسي وقلتُ

 ببحةِ صوتٍ خنقتُه العَبرَة

لن أكون واحدًا من هؤلاء،

وتأسفتُ على وطني المغدور.

**

في التاسعِ من نيسان

عُدنا لمنزلنا المهجور

فوجدتُ في الحي

صليبًا يعانقُ الهلال

وكنيسةً ومسجدًا يبكيان

مع النخيلِ المقهور.

حدقتُ في البيوت

وتطلعتُ يمينًا ويسارًا

فوقع على مسامعي

بكاء أمّي ونساء الجيران

على عاصمةٍ ليست كغيرها

سرق الأمريكان بمعية إيران

ثوب عرسها.

بكيتُ ولم يسمع بكائي

إلاّ أنا وأخي والزهور

فبغداد غدت مُستعمرة

وأسقَط من عقدها جوهرة.

**

في ليلةِ التاسع من نيسان

توقفت صافرة الغارة

وشكر الأمريكان الحلفاء

وعلى رأسهم إيران

.فنعى الناعون عاصمتي

أغلقتُ عيني بحزن

عن ذرفِ الدموع

وطلبتُ من روح أبي المعذرة

فليالي بغدادنا لم تعد مُقمرة.

غزا النعاس عيني

لكنني لم أنم

فقد افزعني نباح مُدرعاتهم

في شوارع بغداد المُقفرة.

**

منذُ ليلةِ التاسع من نيسان

وبغداد لم تعد

 تصحو على أمَان.

***

الأب يوسف جزراوي/ هولندا

 من ديوان جثة تثأر من قاتلها

 

محمد المهديايها اليم العظيم تريث قليلا

واصرف عن الموجات ريح الشمال ..

فان الصخور لا تخفي عريها

ولا الشواطئ  تكتم أسرار اللقاء ..!!

تسبح الغيمات كليلة

تملا الافق رياء ..

تحاكي نزول المطر ايام الصيف.

وترتد الى حيث مخبأ الشمس .

 تلك الشفاه تقطر لذة،

كعنقود تدلى على جوانب الحديقة .

والقى شراك العشق في ممر المشاة..

وانا والبحر والليل

سهرنا سويا على بساط بوح سرمدي

لا يكاد يرى من خلال الظلمة .

تظللنا النجوم ،

وتسمعنا عيون الكلام ..!

كم ارتحلنا من خريف؟

وكم من قافلة سافرت بنا؟

كالأحلام صرنا ..

تتقاذفنا المراقد

وتضاجعنا المخدات المبطنة

بمواعيد الغرام ،

ووعود الساسة الكذوب .

وعندما يحين اللقاء

تهجرنا الكلمات

وتغور في عيوننا العبرات ..

فيصير تحاورنا

معسول الكلام وزيف الشعارات .

هؤلاء نحن ..

نباع ونشترى بالأوهام ،

ونساق بالأوهام ..

ونعرض في سوق السياسة كالأنعام.

ليس بيدي ان اظلم الليل

وارتمى في اتون الموج

القادم من الشمال ..

ليس بيدي ان اسلم الليل

نجومه الى حاد ضل سبيله ،

واسقط مفردات الحياء ..

فما عاد يكتب الا الفناء ،

وما عاد يأتينا الا بالفناء..

وطن فيه صرنا عبيدا

لا حظ لنا الا الشقاء ..!!

***

شعر: محمد المهدي

تاوريرت

 

الحبيب دربال... أَعْتَزُّ بَغَبْنِكِ

يَقْفُو آخِرَ مُعْتَقَلٍ

يَهَبُ الأَكْوَانَ سُلاَلَتَهُ الْمَنْشُودَهْ،

يَوْمَئِذٍ قَدْ أَرْسُمُ غَبْنَكِ

غَيْنًا تَتَفَصَّدُ أَلْفَافًا وَعُيُونْ،

بَاءً تَنْشَدُّ إِلَيْهَا كَوْكَبَةُ اُلغُرَبَاءْ،

نُونًا تُوشِكُ أَنْ تَنْهَارَ فَلاَتَنْهَارْ،

...غَبْنُكِ- سَيِّدَتِي – عَيْنُ الوَلْهَانِ مَتَى تَرْمَدّْ،

قَدَرُ السَائِلِ / سِدْرَتُهُ لَوْ يَخْبُو

غَدُهُ الـمَهْزُوزْ...

**

تَسْـآل

وَبَعْدُ،

فَهَلْ يَسْتَجِيبُ لُهَاتُكِ يَوْمًا ؟

وَهَلْ يَسْتَوِي اُلشَّوقُ تِيجَانَ حُلْمٍ ؟

وَهَلْ أَدَّعِي أَنْ أَظَلَّ السَمَوْأَلَ

لَمَّا أُصِبْتُ بِخَيْبَاتِ هَذِي الـمَدِينَةِ ؟

أَمْ قَدْ تَهُلُّ عَلَيْنَا دَوَاهٍ،

تُضَاهِي أَلاَعِيبَكِ اُلْـمَهْزَلَهْ !!!

**

إِسْـــرَاء

...وَإِذْ تَسْتَكِينُ رِيَاحٌ

وَتَعْتُو أُخَرْ،

أَرَى عَاشِرًا يَسْتَحِثُّ خُطَاهُ،

يُشَهِّرُ سَيْفًا وَيَغْمِدُ آخَرْ،

(وَلَيْسَ غَرِيبًا إِذَا كَانَ) مِثْلَ ابْنِ آوَى

يَلُوثُ الـمَكَانَ وَيَحْنُو عَلَيْهِ،

وَقَدْ يَمْتَطِي صَهْوَةَ البَرْقِ،

يَدْنُو مِنَ اللهِ، يَدْنُو،

وَلَكِنْ تَجَنَّى عَلَيْهِ رُؤَاهُ،

فَلَمْ يَكُ هَدْيًا كَمَا يَدَّعُونَ... ؛

وَيَبْقَى أَسِيرُ القَفَا قَانِعًا بِقَفَاهُ،

أَمِيرًا يُوَدِّعُ مَجْدًا

هَوَى وَانْدَثَرْ...

***

شعر: الحبيب دربال

 

 

عبد الزهرة شباريلم أشأ أتوقع ...

فرز الأشباح والخطوط ...

من خلال الضباب الذي ...

أطر لوحتي المعلقة ...

فوق الجدار،

إنها تنذرُ بالمطرْ ،

وسيان بينهما ...

في واحة القدرْ،

لمْ أتوقعْ ...

أن أبحرَ بلا مجاذيفَ ...

ولا شراعْ،

والموجُ يتخطفني بعيداً ...

ثم لا أجد ملجأ ً سوى ...

هيكلُ حوتِ كانَ هناكْ،

ففضلتُ الدخولَ فيه،

وعشتُ في ظلماتِ ثلاثْ،

لا أدري كيف  !!

فغالبني الدعاءُ والتبتلُ ...

فعدتُ سقيماً بين ...

أحراشِ ونباتْ،

ولم أتوقعْ  ...

أن القبور َ تتحرك ...

وتنتقل حيثما تشاءْ،

لكنني تذكرتُ ...

بل سمعتُ وقرأتُ ...

أن قبراً ما ..

صار بيت نبيْ،

وبما أنه ...

لم يستطع التبتل والتسبيح ...

قذفه بعيداً على الساحلِ ...

بلا عكازِ ولا كتابْ !

منذُ أنْ علمتَ ...

أن القبورَ ذليلةٌ ومهجورةٌ ...

لم أشأ ..

أن أوقظَ النيامُ فيها،

لئلا تتفتقُ الدموع ...

كما الغيومْ ،

وتغيبُ في سماءِ الكونِ ...

النجومْ،

هكذا وثقتُ بأني ...

سأهذي طويلاً ...

وأكتبُ كثيراً،

وأكتفي بتكفين الدموع ...

في وسادة الهمومْ،

وأنأى بعيداً فوق بساطِ ...

الصمت بلا نجوى ...

ولا حميمْ،

وأهمس للعيون التي أغرقتها ...

الهزائمْ،

في بلدِ الانكساراتِ والظلالِ ...

والغنائمْ !

أن تخلدَ للصمتْ،

 هكذا أرى ذاكرتي وهي تعومُ ...

في بؤرِ سوداءْ،

وطنِ تحتَ الوصايةِ ...

قبورِ من هوامشِ السلالاتِ ...

وبؤرِ الغوايهْ،

بلا سدودِ ولا غطاءِ ...

ولا حمايهْ،

أواهُ ....

ما أقساك يا زمني ..

وأنت تضع أثقالكَ فوق ...

كاهلي ...

وتثير مواجعي،

كلُ شيءِ عاجزِ هنا،

حتى الرياح التي تهذي مثلي،

عاجزةٌ ولمْ تألف السحابِ ...

ولا المطرْ،

غير صحرائكَ ...

التي أدمنتِ التعري ...

والزوابعْ،

وأسملت كذلك العيونْ،

بكثبانِ الرملِ وبقايا ...

الطيورِ الميتةْ،    

سأكتفي بالبكاءِ وحدي ...

على وطنِ سلبته الدموع،

وأنقاد بعكازِ واحدِ ...

نحو هزائمِ الوافدينْ،

يومَ أسملوا العيونْ،

وانقادوا وحدهم نحو ...

ذاكرةِ خرساء .

لا تعرف الأشياء ْ،

سأقفُ واتملى ذاكرتي ...

المثقوبةِ التي مزقتها ...

السنينْ،

وانقادت تهمسُ لطعنِ ...

الغدر في الزمنِ الحزينْ،

سأحمل جنازتي ...

وخشبتي التي أصلب عليها ...

وبقايا من شعري ...

 الدفينْ،

وأخلدُ للصمتِ ...

وبؤرِ الحاقدينْ  !!!

***

عبد الزهرة الشباري

في البصـــ1/3/2019ــرة

عادل الحنظلأتذَكّرُ داليةَ العِنب

لم أُدرك أن العنقود

تَوسّلَ الّا أذهب

2

في أقصى بلادِ الارض

قي وطنِ الثلج

تسكنني البصرة

3

من شرفةِ داري في المنفى

تطارحني الاشجار

غرامَ أبي الخصيب

4

في البرحي

ذكرى الاهل

لا طعم التمر

5

منذ عقودٍ جدي قال

ان ماتَ النخل

يغزونا الجهل

6

أفتاني رجلٌ بعمامة

أنْ أمقتَ ما في الدنيا

كي أنعمَ في المجهول

7

يأخذُني شوقي نحوَ الخلف

أنبأني يأسي

لا حاضرَ في الامام

8

في وطني يمسكُ طفلٌ جائع

بضعةَ أسمال …

نفطٌ ضائع

9

من داخلِ مسجدٍ في السويد

قالَ لنا الخطيب

كلّ ما في الخارجِ كُفر

10

حين تركتُ بلادَ الدين

وعبادةَ اصنام الجامع

أحببتُ الله

11

قرأتُ حضاراتِ العالمِ

كي أتثقف

فتعلمتُ فنونَ الزيف

12

أسيرُ في عتمةِ دربٍ كفّنَهُ الثلج

أبصرُ عاريةً من نافذة

فأحسدُ الضوء

***

عادل الحنظل

صحيفة المثقفاصبع صغير يضغطُ بقوة على جرس البابِ.. ويسْتَمرُّ الرَّنينُ بشكلٍ مُتَقطِّعٍ يحبِسُ الأنفاسَ...كأن الطفل يَقْفِزُ قفزاتٍ ليصلَ إلى جرسِ هاتفِ المنزلِ أعلى البابِ ثُمَّ يتَخَلَّى قليلا ...

تَفاجأَ، اعتلاهُ الذُّهولُ، تجمعت في عينيه آثارُ الاندهاشِ الجامحةِ وتكوَّرَتْ على جبهتهِ حبَّاتُ العرقِ والمرايا تشَقَّقَتْ على وجهه، صوت الجرسِ يهُزُّ أحشاءَه، يمزِّقُ صدره، فهو لاينتظرُ أحداً، وليس ثمَّةَ وقتٌ...ومرَّةً أخرى الجرسُ يرِنُّ ويرن ..بتقطُّعٍ كاد أن يصيح لستُ هُنا..ثم قال بهمس: من سيأتي في هذه الساعة...كتَم غيظَهُ وقال لا أعرف من سيأتي...؟ نَطَّ سريعاً من على السريرِ، وصاغَ تقاسيم وَجْهٍ وأبدع لهُ ملامِحَ ليصلَ إلى قناعٍ آخرَ، وسار متسلِّلاً على أطرافِ أصابعِهِ نحو الباب..دقاتُ القلبِ تتلاحقُ، الباب يغدو الآن وحشاً يلتهِمُ..تلصَّصَ من خصاصِ البابِ، لَا أَحَد...!!

سبع دقائق..عشر دقائق..انتهى القلق..! ثم عاد أدراجَهُ، قادَتْهُ خُطاهُ المتثاقلةُ إلى غرفتهِ من جديدٍ، ماذا يربطه بهذه الغرفة سوى النوم العميق والوحدة القاتلة والوحشة التي لا تطاق...؟! تهاوى على جانب السرير المهْمَلِ والمحاطِ بفوضى عارمة..الملابس والأغطية والجرائد المتناثرة هنا وهناك، والتي لا يقرأها إلا من بابِ الفُضُولِ والتَّسليَةِ ..! يسترد بعض أنفاسه المتقطعة، تبعْثَرَ ليدفن ألمه، ثم غاب قليلا، تقلَّبَ في فراشه، ثم متمدِّداً بينما كان تفكيره يتسلل إلى نفسه ويغشاه من الداخل، وكأنه يريد من نفسه أن يشفى منه...كمن عاش وحيداً وسيموتُ وحيداً!! لا أَحَدَ من أولادهِ الثلاثة...تفاجؤه صورة أولاده حين كانوا صغاراً على الجدار المقابل للدولاب ذو المرايا قبالة السرير، عيناهُ تحدقان فيها، طفت فوق ركام أفكاره صورٌ عديدةٌ، زوجته المتوفاة ووجوه أطفاله وابنساماتهِم ووَداعَتهِم..وقد كانُوا طيِّبِين، تنهَّدَ عميقاً ثم أخذَ يحملِقُ في سَقْفِ الحُجْرَةِ، ينظرُ للاشيء، الصمتُ ولا شيء غير الصمت، تراه من سيكون..؟؟

ثم يصيرُ السَّقفُ شريطاً عميقاً سحيقاً لبحرٍ متلاطمِ الأمواجِ بين مد وجزر...لم يعهد نفسه من الَّذينَ ينتظرونَ، فهو على الدَّوامِ لم ينتظرْ أحداً، ولا من الَّذينَ يُرتِّبونَ لقاءً، ولا من الَّذينَ يقولون وداعا، فهو دوما رافعا شراعَهُ متأهِّباً ودوْماً على سفر، وهو دوما يطهر بالحبِّ ساعة اللقاءِ وساعةَ الوداعِ...يدرك بأنه مجرد عابر سبيل..كل شيء يعجبه، ولا شيء يعجِبُه، وهو إذا ما ولَّى أَدْبَرَ ولم ولن يعقِّب، مثل نفحة نسيم عليل، أو ومضة بَرْقٍ خاطفٍ في غُدُوِّهِ ورواحِه، يطيرُ ويذهبُ مع الريح...!!

وحين كان يغيب ككل مرة، لايترك غير كلماتٍ متعثِّرَةٍ مُبعثرةٍ ضائعةٍ وهاربةٍ من الوقتِ مثلَه تماما، لا أفهمُ منها غير آهاتٍ متناثرةٍ مُنكَسرةٍ...عن احتياج القلب إلى طفل صغيرٍ كي ينسى أنه يَعيش، وعن العقُوق ونُكْرانِ الجَميلِ في هذا الزَّمان المتعهر، حتى أولاده انسلُّوا من تحتِه في رمشةِ عين، الواحدُ تِلوَ الآخرِ، وهو الَّذي منَحَهُم كلَّ شيء جميلٍ بعد وفاةِ أمهم، ولم يكن أنانيا، كمن زرع الريحَ، وهاهو يحصد العاصفة، لقد ضحى وأخلص في تربيتهم ولم يتزوج، ثم هم يرحلون عنه الآن  اتباعا، ذهب الولد البكر إلى كندا وتزوج هناك، ثم لحقه الآخران إلى بلاد الغربة، رحلُوا منذ سنوات خلت، واتَّسَعَ الشَّرخُ، تزوجا ومكثا هناك أيضا، وتركوه وحيداً يشيخ بهذا البيت على شفا جرف هار، يسافر داخله مرات عديدة، ويتأمَّلُ أصابعَ رِجليهِ الَّتي لم تبرحْ مَكانها منذُ نُعومةِ أظافرها، وكأنَّ الطريقَ لم تكنْ إلاَّ العناء والهباء والعبث طول هذه الرحلة، صوت الساعة على الحائطِ يؤرِّقُهُ، ويبعثُ في نفسه الضَّجَرَ والكآبة، جُدران بيتهِ باردة كالصَّقيع، أركانه تنهشُ  صدرَهُ كمخالبِ العُقابِ، يحملقُ في سَقْفِ الحُجرةِ بكثيرٍ من العنادِ والمكابرَةِ، مُنتهى الخذلانِ أن يكسركَ مَنْ قَضَيْتَ عُمْركَ كلَّه في تفانيهِم ومن أجلهِم، محاولاً ترميمَهُم....

فجأة، يلتصقُ أصبع على الجرسِ، لكن الرَّنينَ هذه المرة يستمر دُون هَوادَة، تهلَّلَتْ أساريرُ وجهِهِ، خفَقَ قلْبُهُ، ينظرٌ ويبتَسِم....

 

محمد ايت علو

 

مصطفى عليرِفْقةَ الأطيارِ في حديقةِ منزلي الخلفيّة

قصيدةٌ ترفيهيّة لترطيبِ الأجواء والنُفوس

***

أجِزْ ياصاحِ زهْوي وإزدهائي

                     بأطيارِ الحديقةِ أقْرِبائي

وقفْتُ بِبابِها وبَذرْتُ قلبي

                     بِمُنْتَزَهٍ بهِ طابَ إرْتِقائي

أجِزْني وأجْزِني أجْرَ القوافي

                   بِبُرْدَةِ هُدْهُدٍ زاهي الرداءِ

أزِحْ غَبَشاً تزاحَمَ في زوايا

                     فتىً مُتَفَرِّدٍ دُونَ إنزِواءِ

غريبٌ هاهُنا لكنّ قُرْبي

                    طُيورَ أللهِ أوفى الأنْسباءِ

أبيحوا لي هُيامي في صداها

                فقدْ أنسى، إذا غَنّتْ، عَنائي

أُرَدّدُ لحْنَ أطياري السُكارى

                   بِنشْوةِ عاشِقٍ بعد إحتساءِ

كما النشوانُ في أبهى دلالٍ

                   تَرَنّحَ راقصاً فَرْطَ إنْتِشاءِ

متى ماتَنْجلِ العَتَماتُ عنهُ

                   يُحلّقْ خافقي فجْرَ الجلاءِ

أسيراً فرَّ من شُبّاكِ صدري

                  وشَقْشَقَ في كُبيْداءِ السماءِ

فَيَتْلو للهوى صَلَواتِ حُبٍّ

                 تُساقي الروحَ حَدَّ الإرْتِواءِ

فهاكمْ يا أحِبّائي دموعي

                       شراباً زانَ نافِلةَ اللِقاءِ

سُوَيْدائي لكم حبّاتُ قَمْحٍ

                   بماعونِ الندى والإحْتِفاءِ

بَرِئْتمْ من خَنا سوءِ النَوايا

                  فلن تُجْزوْنَ مني بإزْدراءِ

عَفوْتمْ عن مَساءةِ مَنْ أباحوا

                مَساوئَ صيْدِكم دُونَ إستِياءِ

أنا السلطانُ في جنّاتِ عَدْنٍ

                  وأطيارُ الحديقةِ من إمائي

سُليْمانٌ : ملائكتي طُيوري

                    أُساقيها دُموعي في إناءِ

تجلّى خافقي ثُمّ إصطفاها

                   ملائكةً لوحْي الإصطفاءِ

مُسَخّرةً طيوري رَهْنَ دمعي

                     ولم أحْسدْ سليلَ الأنبياءِ

أفيْروزَ المَهيبةَ سامحيني

             فصوْتُكِ والهزازُ على السَواءِ

وطَعْمُ القهْوةِ الدُفلى بِريقي

                      شَهيٌّ لا كما مُرُّ الدواءِ

هُنا كَرَوانُ أشجاري تمادى

                    يُلقِّنُ مُهْجتي لَحْنَ الدُعاءِ

كَناريٌّ بنى عُشّاً رؤوماً

               على سِدْرٍ بنى عرشَ السماءِ

وعُصُفورٌ تَوَضّأَ ذاتَ فجْرٍ

                  بأشذاءِ الفَساقي من دِمائي

فَحلّقَ مِثْلَ أجنحةِ القوافي

             ومِنْ بُرْجِ الضياءِ الى الضياءِ

فصارتْ هالةُ الأفلاكِ حولي

                      بهاءاً في بَهاءٍ في بَهاءِ

عصافيرٌ وسَقْسقةٌ صباحاً

                تُداوي زيْفَ أسقامي ودائي

أغاريدٌ تَسرْبَلها خيالٌ

                      مَراذيذٌ لِأنْداءٍ ومـــــاءِ

و شلّالٌ من الأنغامِ يهمي

                  على روحي لِتَنْعَمَ بالرُواءِ

سُنونُوَةٌ ودورِيٌّ رفاقي

                أنا المحسودُ من أهْلِ الثراءِ

أرى تُرْغِلَّةً سَكِرتْ وغنّت

                   بِهمْسٍ تحت ظِلِّ الهِنْدِباءِ

وخلْفَ السورِ قُبّرةٌ شجاها

              نشيدُ الصُبْحِ لا صوْتُ الحُداءِ

وبينَ الشوكِ حَسّونٌ بِصبرٍ

               يُناغي الشوْكَ (إكْليلَ الفِداءِ)

وتلكَ يمامةٌ صلّتْ بقربي

                   كأنّي واليمامةُ في (قُباءِ)

مُطوّقةً لها نزفتْ عُيوني

                       مَدامِعَها كأفواهِ السِقاءِ

أجارَتَنا إذا ما القلبُ غنّى

                   فحسبي أنّ ساجعةً إزائي

ولي ديكٌ يُصبّحُني أذاناً

                       يناديني فأسكرُ بالنِداءِ

كطاووسٍ ولم يغترَّ فيها

                 يُخيطُ بمهجتي معنى الإباءِ

هُنالكَ في الأعالي لاحَ تاجٌ

                   على مَلِكِ الطيورِ الببّغاءِ

بلوْنٍ قُرْمِزيٍّ شعَّ ناراً

                  كما الرُمّانُ مُحْمرُّ الطِلاءِ

يُردّدُ بعضَ أشعاري بلحْنٍ

              هُوَ الموْصوفُ صِدقاً بالدهاءِ

وأُنْثاهُ بياقوتٍ تباهت ْ

                   كساها اللّهُ في أبهى كِساءِ

غُرابٌ يرتدي ليلا بهيماً

              جَثى في ظِلِّ غُصْنِ الكِسْتناءِ

وفي نظراتِهِ الحيْرى عِتابٌ

                     كمغدورٍ بأحكامِ القضاءِ

أنا الموسومُ في ( فَأْلٍ ) يُنادي

                      ومُحْتَرقٌ بنارِ الإفتراءِ

ولوني صاحبي أوفى دليلٍ

             على ناري وجَمري وإكتِوائي

فَصَيّرَني بنو الإنسانِ رمزاً

                         وناقوساً نذيراً للبَلاءِ

ولم أكُ ناعِياً لهمُ النعايا

                 ولكن أدمنوا جوراً هجائي

سعى قابيلُ في أمِّ الخطايا

                   وأعْداكمْ بِعدْوى من وباءِ

أرَيْناهُ الطريقةَ كي يُواري

                      أخاهُ بينَ مَرْئيٍّ ورائي

مُروءةُ قومِكَ إختلّتْ صديقي

                      وجانَبَهم قليلٌ من حياءِ

رُويْدكَ صاحبي لا تأْلُ جهداً

                  وتِهْ زهْواً بِلوْنٍ ذي زهاءِ

ألا صفّقْ بأجنحةٍ وأفردْ

                        ذوائبَها نَكالاً بالهُراءِ

حنانيْكَ الهوى أبلى فؤاداً

                    تغزّلَ بالطيورِ وبالنساءِ

وودّعَ ذِكْرَ تمثالٍ ورَسْمٍ

                  ولم يحفلْ بسحْرِ المومياءِ

وداعاً يا أحبّائي سأمضي

              فنَصْلُ الوقْتِ يقْطَعُ كالمضاءِ

نَطاسيٌّ ولي في الحيِّ مَرضى

                 عسى يُشْفوْنَ من داءٍ عياءِ

              ***

مصطفى علي

 

فالح الحجيةيا نَرْجِساً شَـــغـُفَ الفُؤادُ بِحُبِّـــهِ

وَتَكامَلَـــــتْ ألــــوانُهُ تَتَــــوَزَّعُ

.

انّ النُفـــوسَ تَألّفَــتْ أنْفــــــاسُـــــها

ما لا حَ وَمْـضٌ للحَيــاةِ فَيَلْمَــــــــعُ

.

وَعُطورُها أ خّـــــا ذ ةٌ لِقُـلوبِنـــــا

فكأنَّهـــا مِنْ غُصْنِهـــــــا تَتَطَلَّــــعُ

.

وَجَنائِنٍ في الارْضِ تَرْفُدُ عِطْرَها

فَشَــــــذا ؤها بِضِياعِــهِ يَتَضَـوّعُ

.

مَلِكُ الوُرودِ سَعادَةٌ لا تَنْتَــهي

وَالنّفسُ في أنَقِ الرّجا تَتَصَنَّعُ

.

حَتّى كَأنّ اللهَ صــاغَ جُمانَهــــا

في مَهْدِها مِن عِطْرِها يَتَنَـــوَّعُ

.

فَاذا النَّهــــــارُ تَبَلّجَتْ أضْواؤهُ

فَشُـــموسُـهُ بِسَنائِها تُسْتَرْجَـــعُ

***

شعر:  د.  فالح الكيلاني

 

عبد الله هاشيبقلم: عبد الرحمان الغرفطي - المغرب

ترجمة: عبد الله هاشي

***

يقولون في سن الخمسين من حياة الانسان يعود الشباب ويتجدد العنفوان والنشاط. الأمر ليس كذلك بالنسبة إلي. عمري خمسون سنة ونيفاً، ولديٌ الانطباع بأنني في السبعين. أشعر بأني متعب. فأنا متزوج ولي ثلاثة أطفال أكبرهم في السادسة عشرة، والأصغر له أحد عشر عاماً. طفلان ذكران وبنت. تبلغ البنت أربعة عشر عاماً. ولقد كنت دائما أحب أبنائي ولا أزال كذلك الى اليوم، أو بالأحرى، لم يحصل لي أبداً أن طرحت على نفسي هذه المسألة. إنها أسرتي، هذا كل ما في الأمر. إذا ما كانوا يحبونني؟ لست أدري ! أفترض بأنهم لا يكرهونني. فأنا أبوهم على كل حال !

زوجتي امرأة ذات حسن وجمال. وهذا من الحظ الحسن ! تزوجتها بيقين واعتقاد راسخ في الزواج. وهي كذلك على ما أظن. التقليد عندنا أن المرء عندما يبلغ من العمر سناً معينة، يلزمه أن يتزوج ويكون لديه أبناء. ولقد فعلت مثلما يفعل الناس جمعياً، مع فارق بسيط للغاية، هو أني تزوجت في الخامسة والثلاثين، بقليل من التأخر! عموماً، الرجال عندنا، يتزوجون ما بين العشرين والثالثة والعشرين. أما الفتيات فيتزوجن ما بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة. ثمة على الدوام فارق في السن ما بين الزوج وزوجته. بالنسبة للنساء، فإن زوجا على درجة من الاكتمال والنضج أفضل كثيرا من زوج تظهر عليه علامات الرعونة وقلة المهارة. زوجتي تصغرني بثماني سنوات. وهي نفسها تشكل استثناء في موضوع الزواج. ذلك لأنها لم تتمكن من الزواج سوى في السابعة والعشرين، وهو ما يعتبر عنوسة في هذه السن، لأن أختها الكبرى لم تفلح أن تتزوج في سنوات شبابها الأول بسبب عرج خفيف. والتقليد يفترض أن تقوم الأسرة بتزويج البنت الكبرى أولاً. ولقد زوجوها في أخر الأمر بشيخ طاعن في السن، واسع الثراء، كزوجة ثانية. ما يهم أولاً، هو العثور على زوج. وتعدد الزوجات شائع في أوساطنا، وهو من تقاليدنا.

في الخامسة من عمري، فقدت أمي. أما أبي، فلم يسبق لي أن عرفته أبدا ً. يبدو أنه مات في حادثة سير. في بلدنا، السير على الطريق آفة تحصد كل يوم أرواح الكثير من الناس. السلطات لا تتمكن من وضع حد للمجزرة على الطرقات، أو على الأقل، التقليل من آثارها. أمي ماتت بسبب التهاب رئوي حاد. لم ينفع الطب التقليدي في أمرها شيئاً. ولقد تكفلت خالتي بتربيتي، على إيقاع الصرخات المدوية والصفعات والضربات على الرأس، دون ذكر أشكال عرضية أخرى من العنف وسوء  المعاملة  التي لم تكن  تنقصها  المناسبات المواتية  لممارستها  في  حقي. فهي التي احتضنتني وآوتني بعد وفاة أمي. عندما بلغت الخامسة عشرة، أخذت زمام حريتي في يدي. خرجت من البيت ولن أعود اليه أبداً. وما أحسب أن خالتي قد بحثت أو سألت عني. وما أظن أن تكون قد انشغلت او قلقت لغيبتي. ولعلها بلاشك قالت في نفسها إنه الانعتاق الجميل، لاسيما وأني غادرت بعد أن اختلست كل ما كانت قد جمعته على مر السنين من ادخارات ووفورات. أوه ! لم يكن بالمبلغ الكبير. بعض مئات من الدراهم. وكان زوجها الطاعن في السن بخيلا شحيحا. لم يظهر لي على امتداد إقامتي عندهم ذرة صغيرة واحدة من الحنان أو الحب.

ولعشرين سنة كاملة، ظللت أشد عصا الترحال مسافرا من مكان الى آخر، متحولا من هذه الحرفة الى تلك، ومتنقلا من هذه المدينة الى غيرها. قد تعودت مع مرور الأيام على العيش في الفاقة والعوز والحرمان وشظف العيش، وبعض المباهج العابرة، ولحظات سرور سريعة الزوال. لم ترحمني يد القدر، ولا حنت علي عيون الزمن. وهكذا، ولفترة طويلة، عشت بلا سكن أقطن فيه أو مقر آوي  إليه.  بل حصل أن  دخلت  السجن.  وبعد ذلك،  قر عزمي على أن  أتوقف  عن الترحال والسفر. لقد قررت أن أستقر في مدينة سلا، المدينة الشاطئية، حيث يوجد ورش كبير في البناء. عثرت على عمل قار كعامل يدوي. فانهمكت أشتغل بكل ما أوتيت من المثابرة والجد، لحد ما أصبحت في ظرف خمسة أعوام عاملا متخصصا. ازداد كسبي من العمل، وترقيت مسئولا على عمال الحديد. ومنذ أن تزوجت، لم أفارق ليوم واحد مدينة سلا وضواحيها وما يجاورها.

كنت في الخامسة من عمري عندما شرعت أكتسب بعض الوعي بأني موجود، وبأني مختلف عن الاخرين. في البداية، تحققت من أني الطفل غير المحبوب في بيت خالتي، والذي كان نصيبي فيه جميع الأشغال الشاقة والمتعبة المرفوقة بكل ألوان التنكيد وأصناف لا تحصى من المضايقة. فيما بعد، خلال فترة ترحلي وتسكعي وتيهاني، لم يكن لي أن أصبح الطفل المدلل. فحيثما ذهبت، لم أكن سوى الشخص الغريب الذي يتم استبعاده في الحال ومن أول مرة، والذي يجب الحذر منه. وحتى في أوساط المشردين، والذين انتميت اليهم ردحاً طويلاً من الزمن، كنت حينما يحصل القبول بي بينهم في مكان من الأمكنة، أتبين أن ذلك لأجل غرض محدد : الإفادة من خدماتي. ولقد كنت عند خالتي ذلك الصبي القائم بكل المهمات والأشغال، أما لدى المشردين والبائتين في العراء، فكانت تنتزع مني نقودي ويؤخذ ما بيدي عنوة. وفي السجن، مورست علي ضروب شتى من العنف الجسدي وألوان من السلوكات المنحرفة. وحتى في العمل، عندما يتاح لي الحصول على شغل، فلم يكن أحد ليتورع عن استغلال حداثة الطفل الغر القليل الخبرة.

غير أني في كل تلك الأحوال، دأبت دائماً على إظهار مقاومة لا ينضب له معين. وهكذا، في أي مكان أكون، وحيثما حللت، لم يسبق لي أبداً أن نعمت بالأمان والاطمئنان. وحتى في بيتي، لبثت أسرتي تستبعدني على طريقتها الخاصة. استبعاد يتعذر إدراكه ويستحيل اختراق مغاليقه.  ومع ذلك، وللحقيقة، فليست لدي منفرات ما من شأنها أن تبعث على الاشمئزاز. بشرة بيضاء، وقامة معتدلة، وشعر ذو لون كستنائي خفيف ملفوح بالشمس، وعينان صغيرتان كستنائيتان متقاربتان في وجه ممدد ذي ملامح هامدة ومتصلبة لا تعبر عن أي شيء. نادرا ما أبتسم.

وكانت حالة الاستبعاد الوحيدة التي تمت بصورة غير مباشرة، لكن على نحو تدريجي، هي حالة أبنائي. وإنه لمن الصعب جدا على المرء أن يشعر بأن أبناءه يبتعدون عنه شيئاً فشيئاً، وينبذونه في كل يوم أكثر فأكثر. اعتمدوا موقف أمهم تجاهي. موقف ينبني على لا مبالاة جهنمية لا سبيل لاحتمالها على الاطلاق. زوجتي، إذا كانت قد قبلت بي في البداية، فلأنها عثرت على زوج. لم تكن ترى فيٌ غير وسيلة لإنهاء زمن الوحشة الذي عاشته كفتاة عانس فات عليها قطار الزواج. ويبعث الخوف من انقضاء العمر في الوحدة بغير رجل كثيراً من الهمٌ والغمٌ في قلب أي فتاة. والمجتمع عديم الشفقة تجاه الفتيات اللائي يتخلفن عن الزواج.  فتلصق بهن كل  الأخطاء والآثام والأعمال  السيئة، وتنسب إليهن كل الرذائل والعيوب والمنكرات، ويبقين في كل وقت وحين عرضة للترصد       والمراقبة المشددة من الأهل ومن الجيران ومن الحي برمته......فهن الفريسة السهلة في مخالب الفسق والتهتك والفجور، ويمكن من جراء ذلك أن يتحولن الى مصدر من مصادر الخزي والعار بالنسبة لأسرهن ولأهلهن ولكل الجوار المحيط بهن.

ولقد تحققت حالما انصرمت أيام الأفراح الأولى للزواج من المسافة التي كانت قد شرعت في الاتساع ما بيني وبين زوجتي. طرقت في البدء فكرة الطلاق خاطري، لكنني سرعان ما استبعدتها عني. الرجل المطلق لا يسهل عليه العثور على زوجة. فقررت أن أتكيف مع الوضع مثلما كان دأبي دائماً. واتخذ كل منا، زوجتي وأنا، غرفة خاصة به. كانت هي التي ابتدأت باستبعادي بذريعة انها تعودت على النوم منفردة، وبأن الكرى لا يطرق جفونها عندما تحس شخصا ما يرقد بجنبها. أوه ! لقد كان كل واحد منا ضمنياً يوفي بما عليه من الواجبات الزوجية. وهو على الأقل ما كنا نحن الاثنين ملتزمين بالقيام به في البداية. ثم شرعت بعد ذلك في اتخاد القرار بشان متى ينبغي ومتى لا ينبغي المرور إلى الفعل الزوجي المتعهد به. وأضحى لزاما علي أن أحرص لكي أكون جاهزاً وفقاً لرغباتها ومتطلباتها المختلفة. قد وضٌبتني على النحو الذي أضحيت ألتزم فيه بالحضور استجابة لحاجات لديها مقررة سلفا إلي. وانتقلت كل أعمال السخرة خارج البيت وداخله إلي أقوم بها في كل وقت وحين. وزوجتي لا عمل لها. فهي امرأة في البيت. وتمكث طوال النهار تمارس جميع أشكال التبديل والتغيير والتنقيل في محتويات البيت، ناقلة ومحولة ومحركة، كانسة ومنظٌفة، ماسحة ومنشفة... حتى في أيام العطلة الأسبوعية. وعندما أكون متواجداً، يصبح من أوجب الواجبات علي الانهماك لإنجاز الشغل كله متحملا ومكابداً أصنافا شتى مما تختزنه تجاهي من التبرم والحقد. فمخزونها من البشاشة          ومدخراتها من عبارات الفرح مرصود لأبنائها وحدهم. أما أنا، فلست في عينيها سوى زوجاً عاجزاً عديم الكفاءة لا يستطيع حيلةً لكسب ما يكفي من المال لاستجلاب  خادمة  تعينها في مشاق أعمال المنزل، التي تظل المرهقة والمتعبة منها محتفظاً بها حتى نهاية الأسبوع لكي أقوم بإنجازها. وزوجتي هي الماسكة بزمام كل النفقات. لا تثق فيٌ أدنى ثقة. قد دأبت على تفتيش جيوبي ومصادرة كل ما فيها، بحيث لم يعد من الممكن أن أملك سنتيما واحدا دون موافقتها.

وبات الموقف الذي اعتمدته كرد فعل على سلوكات زوجتي وتصرفاتها تجاهي متسماً بالاستسلام والسلبية وانعدم الفعالية. إنني في كل الأحوال زوجها وأب أبنائها. ومن حقي أن يكون لي بيت آوي إليه وأنعم فيه بالسكينة. ومن حقي كذلك، إذا حصل أن وافتني المنية قبلها، وهو ما يبدو قريب الاحتمال، أن يكون  ثمة  شخص ما يواريني التراب. والأسرة في مجتمعنا تبقى على الدوام متضامنة مع جميع المنتسبين إليها مهما كانت الخلافات التي تتنازعهم. هذا ما كنت أظنه. إن ما يستبقيني أكثر، وبالخصوص، ما يلطف ما أعانيه على مر الأيام من الانزعاج والنكد، هو وجود الأبناء. إنني أحب أبنائي. وقد تدلهت بهم أكثر خلال الفترات القصيرة لبراءتهم وهم بعد في أول الشباب، وذلك قبل أن يدب اليهم التحول الذي فتك بهم. غير أني منذ أن شرعوا في محاكاة مسلكيات أمهم تجاهي، أجدهم قد تغيروا تماماً. وأظل أتساءل هل أحبوني حقاً في يوم من الأيام. ذلك لأني لم أعد بالنسبة اليهم بابا. أنا ببساطة مسعود.لا يتوجهون إليٌ بالكلام. ليس أكثر مما هو ضروري. فالبوح بما في أفئدتهم من الأسرار والمكنونات يبقى من نصيب أمهم. أما أنا، فلا يتكلمون معي الا إذا كان لديهم طلب من الطلبات أو رغبة ما من الرغبات. دأب أمهم. مسعود فعل هذا. مسعود لم يفعل ذلك. وفي أغلب الأوقات، أنا غير موجود بالنسبة اليهم. حتى ونحن جالسون الى مائدة الطعام، أكون في عيونهم كما لو أني مادة شفافة. يتبادلون أطراف الحديث بينهم في حضوري دون أن يخاطبني منهم أحد.

ويتحدثون عنٌي بصيغة الغائب. وعندما أفتح فمي لأقول شيئا، لا أجد لي منصتاً، أو يهبٌ منهم من يقاطع كلامي. لم يعد وجودي يثير أي استجابة بناءة من طرفهم. ينظرون  إليٌ خلسة  من أطراف خفية، أو يعمدون الى مواجهتي بالتجاهل المطبق. وصرت ذلك الشخص الغريب الذي كنته في أزمان ماضية.

لم يعد بمقدوري احتمال هذا الجحيم المتأجج. أشعر بأني منهوك القوى، عديم النفع، في بدني وفي معنوياتي. ولست أعرف ما يكون السبيل الى تدارك هذا الأمر. تعبت من سلبيتي وخضوعي وقلة مناورتي. وقد حان الوقت لكي أفعل شيئا. لكن ما يكون هذا الشيء يا ترى؟ الرحيل.... أجل.... لكن إلى أين؟ قد فقدت الصبر، وفرغت يدي من كل حيلة... فالوداع !

غداً تنتهي هذه المحنة !

***

قصة قصيرة (01)

....................

-  Coté Maroc (nouvelles)  I / VII (2004) . Collection  de  nouvelles .  Editions  MARSAM . Rabat . (MAROC ) .

 

عبد الجبار الحمديصرخ كأنه ينادي ليوم المبعث... محكمة

الجميع انصاعوا وقوفا إلا واحدة كانت تجلس في الصف الاخير.. دخل القاضي وقد بصر بالحضور كانه في طابور عرضات جيش... ارخى بردائه وشمر بيديه ثم جلس..

فصاح الحاجب.. قضية رقم 666

نهض المحامي قائلا: حاضر عن المتهم

الإدعاء مستعرضا نفسه بإبتسامة إستهزاء ..سيدي القاضي حضرات المستشارين السادة المحلفين لا اجد داعي للاستاذ المحامي بالمرافعة فالقضية قد وضحت معالمها منذ البداية المتهم قد اعترف بالجريمة وهذا طبقا لأقواله في المحضر الثابت واعترافه امام النيابة العامة.. وأجدني أطالب من عدالتكم انزال أقصى العقوبة بالمتهم ليكون عبرة لأمثاله ممن يعبثون بأمن المجتمع والنظام الامني للدولة... ثم جلس

أشار القاضي من وراء زجاج نظارته للمحامي..

وقف قائلا: سيادة القاضي حضرات المستشارين السادة المحلفين ... إن القضية... لم يكمل جملته بعد حتى صاح المتهم سيادة القاضي هلا سمحت لي بالحديث عن نفسي فأنا أدرى من المحامي وأولى بالدفاع خاصة أني لم أعينه للدفاع غير ان المحكمة أناطت به تلك المهمة.. ولا اعني أني استخف به او قرار المحكمة لكني أجدى بالدفاع عن نفسي إن سمحت واعتقد أن هذا حق لي يحفظه الدستور....

تطلع القاضي إليه فوجده ممسكا بقضبان القفص وقد بدت عليه الرصانة والثقة فيما قاله...فعلق..لابأس يمكنك ذلك على ان تلتزم ويكون كلامك في صلب القضية وبشكل مباشر دون التفرع او الدخول الى تفاصيل تضيع وقت المحكمة فلا زال هناك الكثير من القضايا التي يجب ان تحسم اليوم ..

شكرا سيادة القاضي...

بدأت القضية عندما كنت أدير مكتب الاستاذ عبد الكريم محمد بصفة سكرتير المكتب وهو مكتب خاص للاستشارات الهندسة والقانونية ايضا.. في صبيحة يوم الحادثة كنت قد تأخرت في الوصول بسبب عطل اصاب عجلة سيارتي الى جانب الزحام أضطرني ذلك الى تركها أمام أحد المحال بعد أن استأذنت صاحبها بذلك تاركا رقم هاتفي عنده والذي زودته بكارت الخاص في حال حدوث شيء ما..وصلت الى المكتب بسيارة أجرة كان سائقها قد ادار المذياع على نشره الاخبار الصباحية بعد ان أشرت عليه بذلك رغبة بمعرفة ما يدور في عالمنا الغريب الذي نعيش وبعيدا عن الاستماع لأغان الهابطة... لحظات كان قد ضجر وادار موجته الى أغاني الرتم السريع التي لا احب..فعرضت عليه تغيره لكنه رفض مع شدة.. الزحام وصخب السيارات واطلاقها لصوات المنبهات بشكل مؤذي زاد من توتري...لذا قررت النزول عن السيارة بشكل مفاجئ دافعا الحساب... غير أن السائق رفض واحتج على نزولي واعتبره إهانة فشتمني ..كان ذلك سبب بدء الشجار بيني وبينه فآليت بعد ان امسك وهم بضربي بأن أصفعه بشد كاد الشجار يشتد ويتطور لولا تدخل البعض الطيب من المارة.. لمت نفسي فأعتذرت منه كنت قد سارعت بالمشي متخذا اقدامي وسيلة التنقل لغرض الوصول قبل الاجتماع الهام للشركة وصلت الى مكان عملي متأخر وقد اعتذرت للاستاذ عبد الكريم وقدمت التبرير ..وقصصت له ما حدث... لكنه لم يصدق فعنفني وأهانني بشدة فصار جدال بيننا غير أنه علق ليس الآن سأرى بعد الانتهاء من اللقاء مع العملاء أقرر شأنك هيا اخرح من مكتبي...فقلت سأرد على إهانتك هذه بشكل آخر لن أنساها لك أبدا... فصرخ أخرج وإلا ملوحا بيده إلي... طلب مني بعض الموظفين الخروج وأن أهدأ وأعمل ترتيب عقلي كون لدينا اجتماع هام جدا مع بعض العملاء الجدد للشركة التي بدورها كانت مهددة باﻻفلاس...انشغلت لساعات بالامر وكدت أنسى ما حدث لولا وعلى حين غرة وجدت ذلك السائق قد دخل ومعه عدد من الاشخاص يتهجمون علي وامام كل من كان حاضرا في مكتبي.. وقد كالو لي الضرب المبرح ..نعم دافعت عن نفسي لكن المفاجأة والكثرة غلبتني..فتملصت بصعوبة هربت من بين أيديهم حيث مكتب السيد عبد الكريم الذي تفاجأ من منظر ثيابي الممزقة والدم الذي غطى وجهي..فصرخ ما الذي حصل أين رجال الأمن ..كان كل شيء يجري بشكل سريع خاصة بعد ان دخلوا ورائي وامسكوا بي مرة ثانية وصار العراك أكثر حدة لحظتها بلغت ذروة بين الموت او الحياة مددت يدي الى فتاحة ظروف الرسائل والتي كانت على مكتب الاستاذ عبد الكريم عزمت الدفاع بها عن نفسي أو على الأقل لإخافتهم.. كان الاستاذ عبد الكريم قد نال قسطا من الضرب .. فما أن تلقيت ضربة قوية على رأسي جرى بعدها الدم بشدة على وجهي فأضعت النظر تماما فحركت يدي كي ادافع عن نفسي من الذي ضربني فجاءت في عنق الاستاذ عبد الكريم الذي وقع ميتا بسببها... جاء رجال الأمن وامسكوا بي والسائق مع الجماعة التي كانت معه.. إقتادونا الى مركز الشرطة وكان التحقيق طويلا مرهقا لم أعي نفسي أو ما أقول بعدها حولنا الى النيابة العامة والذي سألني الوكيل قائلا: إنك متهم بقتل السيد عبد الكريم محمد مع سبق الاصرار والترصد خاصة أن هناك من سمعك تهدده بالانتقام منه... الصدمة عنيفة أي طالع خرجت به صبيحة ذلك اليوم ..شرحت له بالتفصيل الممل ما حدث وأن هناك من حاول قتلي وهم في الخارج ولديك يا سيادة الوكيل التقرير الطبي عن حالتي والاصابات وشج رأسي وعدد الغرز نتيجة تلقي ضربة مميتة من أحدهم فأنا لم أميز أي منهم.. كانت ردة فعلي طبيعية وغير معني بها أي شخص كانت للتهويش ليس إلا لكنها جاءت دون إرادة مني وأصابت الاستاذ عبد الكريم..أما ما قلته عن سبق الإصرار فليس هناك عداوة بيني وبينه وغالبا ما كان يحث سوء الفهم وفي آخر النهار او بعد يوم يأتي استاذ عبد الكريم ويعتذر عن سوء تصرفه وعصبيته وهذا معروف عنه عند اغلب موظفي الشركة وبإمكانك سؤالهم للتأكد...لكن وكيل النيابة لم يصدق ولم يبحث وبسرعة أحالني الى المحاكمة ناسيا حقي بالإعتداء علي متجاهلا المتسببين في تلك الحادثة.. هذا بالضبط ما جرى سيدي القاضي وأقسم أني كنت ادافع عن نفسي ليس إلا فالجميع يعلم أني إنسان مسالم وليس لي أي أعداء أبدا.. وبإمكان المحكمة التأكد من ذلك فلست من أرباب السوابق او أصحاب السيرة السيئه أبدا... هذا ما كان وأقسم بالله العظيم أن هذا ما حصل..

كان جميع من في قاعة المحكمة ينصت بصمت حتى المحلفين كانوا منشدين لما يقول وقد تعاطف البعض معه خاصة قد بدى عليه الألم والصدق عندما يذكر الاحداث..

صمت القاضي لوهلة بعد ان تشاور مع من الى جانبه ثم قال؛ إن القضية المطروحة امامنا تكاد تكون كفيلم او مسلسل تلفازي غير ان الواقع والقانون لا يمكنه ان يفند ما جاء به الادعاء العام الذي لابد يكون قد درس ملابسات الحادث وتوصل الى ما أوصى به ومن ثم حوله الى المحكمة.. لذا يا سيادة المحلفين كنتم على بينة من وقائع الجريمة ومداخلاتها من خلال ما استعرضه الادعاء وما استعرضه المتهم بدفاعه عن نفسه دون المحامي الذي عينته انتدبته المحكمة للدفاع عنه.. فلكم التداول الآن والمشورة في رؤية المتهم بالمذنب او غير المذنب..

كاد القاضي أن يرفع الجلسة حينما سمع صوت السيدة التي جالسة في آخر الصف وقد ارتدت السواد فقالت سيادة القاضي إن سمحت لي بمداخلة... أشار إليها وقد إلتفت الجميع نحوها وهي تتقدم الى منصة الشهود فعرفت نفسها بعد ان طلب القاضي منها ذلك..وقالت: إني أرملة القتيل عبد الكريم وأود أن أعلن أمام عدالتكم بأني اتنازل عن حقي العام ضد المتهم ولا اطالب بمحاكمته واعتبر ما حدث قضاء وقدر فمما سمعت منه ومن الذي شهدوا الحادثة لم يكن ابدا عنده نية القتل او الشروع بها واتمنى ان ينال حقة في عدالتكم.... مع شكري لكم

ضجت المحكمة وصفق البعض لشجاعة هذه السيدة مما أدى القاضي للطرق عدة مرات طلبا للسكوت

فعلق قائلا: حقيقة الامر كان ردة فعلها مفاجأة للمحكمة غير أني ألزم السادة المحلفين بالوقائع والاحداث.

دام التداول فترة من الزمن ..صرخ الحاجب محكمة خرح المحلفين بقرار..سألهم القاضي هل توصلتم الى قرار

وقف احدهم قائلا: نعم

القاضي: هلا قرأتموه

احد المحلفين: بعد التداول والاطلاع على حيثيات الجريمة نرى أن المتهم برئ من تهمة القتل العمد وأن الحادث كان عرضيا قضاء وقدر..

صفق من في المحكمة وتهللت الوجوه

القاضي: هدوء.. هدوء

بعد قرار هيئة المحلفين ببراءة المتهم من تهمة القتل العمد بإعتبارها قضاء وقدر حكمت المحكمة على المتهم أحمد عبد الرحيم بالسجن لمدة سنة مع وقف التنفيذ.. رفعت الجلسة

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

سعد جاسم– الى عباس بيضون

- كولاج لحياة فرانكنشتاين

***

لأنَّ مراياهُ عاريةٌ

وتُغري بالفُرْجةِ والإكتشاف

ها أنا اتفرسُ فيها عميقاً

لأقرأَ ماتيسَّرَ من أسرارهِ

وسيرتهِ الغامضةِ كجريمةٍ

والداميةِ كأرضٍ ملعونة:

كانَ برياً في لياقاتهِ

ولكنّهُ مفرطٌ في استقامتهِ

وكانَ مُسرفاً في تفاصيلهِ

ولكنّهُ محظوظٌ في نجاتهِ

من  الفجائعِ والفضائحِ والندم

**

إنّهُ غالباً مايجرحُ واقعَهُ

ويبدو نافراً

وأحياناً ناشزاً

لأنّهُ يخرجُ عن الإيقاعِ

بخطايا ميتافيزيقية

**

هو لايعرفُ أن يمشي مع الآخرين

لأنَّهُ يعرفُ كيفَ يمشي وحدهُ

**

كانَ دائماً يتأخرُ في الحلمِ

ويتأخرُ في الحبِّ

والكتابةِ والحياة

ولكنَّهُ وبقليلٍ من الصبرِ والعناد

يعبرُ بحرَ فوضاهُ

ويصلُ الى فردوسهِ الصغير

**

إنّهُ جاهزٌ بإستمرار

للوقوعِ في الغرامِ

حتى لو كان ذلكَ

في زنزانةٍ

أو في مستشفى

أو في حربٍ أهلية

**

هوَ يفكّرُ دائماً

- ولم يكنْ تفكيرهُ أسئلةً فقط ؛

بَلْ كانَ قصصاً وسيناريوهات -

يُفكّرُ في الموتِ والحبِّ والتدخينِ والحنينِ واللغاتِ

والطيرانِ والأرقِ والخوفِ

والاصدقاءِ القتلى

ويُفكّرُ بالجنونِ أيضاً

**

كانَ يعيشُ كمَنْ يلعبُ

ومثل كلِّ القلقينَ يسرقُ متعتهُ

يسرقُها من ضوءِ الفكرةِ

ومن غابةِ الانثى

وأنهارِ الكروم

ومن الفيروزياتِ واللوحاتِ والرحلاتِ

ودعابات الجنون واللاجدوى

يسرقُها في كلِّ الاوقاتِ والاحوالِ

لأنها سببُ بقائهِ

وخلاصهِ المُمكن

**

إنَّهُ دائماً

هائجُ الجسدِ

وهائجُ الخيالِ

في مراياه

وفي جنونهِ المُحْتَمَل

***

سعد جاسم

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها :

ليتَ ما كان لي أُذنانِ

لأنِّي أُريدُ أن أسمعكِ

بروحي

وليتَ لي يا حبيبةُ

قميصَ يوسفَ

فيقعُ ما بيننا

الوِصالُ

فأزرعُ النَّارَ في عينيكِ

لهباً

فيذوبُ الدُّخانُ

لِتَرِي معي يا حبيبةُ

ما لا يُرى !

***

د.عاطف الدرابسة