فتحي مهذبكان حفّارا مهووسا واستثنائيّا وكلفا بانجاز الحفر في كينونة الأشياء .. في جوهر الأشياء الصلبة  وغيرها ما فتىء يحفرحفرا ضيّقة ذات أشكال هندسيّة متمايزة ..اختلس مطرقة أبيه البنّاء وابتاع عددا من المسامير الحادة وطفق يحفر خلسة حفرا في مقاعد الدراسة ويخبّىء في أغوارها كلمات تأخذ بمجامع قلبه وتروقه جدّا جدّا  العدالة الديمقراطية الكرامة برغم صغر سنّه كان يفقه مداليل وأبعاد هذه الكلمات الجميلة التي تستنكف من زيارة حيّ الصفيح الذي تربى بين ظهرانيه.

اتجه الى أشجار الصنوبر التي تطوّق المدرسة حفر حفرا عميقة في جذوع هذه الأشجار الهرمة المحدّقة في أجنحة العصافير التي

تلاحقها الشياطين والعواصف ..

عثر على صرصار بروليتاري لفظ أنفاسه اثر معركة دامية من أجل فتات الخبز.

حفر له حفرة مستطيلة وموسومة بشيء من الأمت والعوج سجّاه

بأضغاث القشّ وصاح الى الجنّة ايها الصديق الموسيقيّ المفلوك الهامشيّ.

لم ييأس  هذا الفنّان العدميّ الصغير من حفر جدران المدرسة بمنأى عن أعين الوشاة مستخرجا بيوض الذكريات التي نضجت أثناء سقوط قنابل الفقر والحرمان على رؤوس التلاميذ الشبيهين بأشباح المقابر.

كان تلميذا حفّارا بامتياز ذات يوم كان مستلقيا على سريره الخشبيّ المليء بالحفر فجأة قفز مثل ثعبان سقط من كتفي رجل الدولة المليء بالزرنيخ ودم الضحايا وطعم المؤامرات السليخ المليخ.

حفر في مساحة لا وعيه قبورا متساوية طولا وعرضا ثمّ أقام جنّازا لأصدقائه الملائك الذين قصفتهم طائرات الدولة بعد هطول قنابل الوعود الفوسفورية. كان يضع كلّ جثّة على حدة..

امتلأت تلك الحفر التي تؤثث

مرتفعات مخيّلته المسيّجة بأزهار القدّيسين.

كان حفّارا موهوبا بالفطرة والسليقة.

في ليلة قاسية جدا ومريرة حيث عضّه الجوع كأفعى مجلجلة..

ليس ثمّة أمّ ولا أب حملهما الغياب الى جزيرة النسيان المظلمة.

لم يجد بدّا من حفر مقبرة جماعية لأعداء الوطن.

أخذ صور هؤلاء العملاء فاتحا عليهم النار ثمّ جثّة جثّة أودعهم تلك الحفر الزنخة مزمجرا أمام هذه الجثث الكرطونيًة القبيحة فلتذهبي الى الجحيم أيتها الثعالب الماكرة المخادعة.

وبمضيّ الوقت أصبح حفّار قبور ممتاز دائم البول على قبور العملاء

واللصوص والخفافيش والحكّام المهجوسين بمتاحف المومياوات

***

فتحي مهذب

 

عبد الجبار الجبوريالسّلامُ عليكِ، السّلامُ على شَفتيكِ، على قامةٍ فارعةٍ، السلامُ على عينينِ واسعتينِ وسْعَ البَحر، السلامُ على شعرأسودٍ، منسدلٍ كموجِ السماء، السلامُ على شفتينٍ من تينٍ وتَمرٍوعنُّاب، السلامُ على ضحكةٍ تُشبهُ قهوة الصباح، السلامُ على نهديّن هاربين من فمِ الصيّاد، السلامُ على حُلمتين بأعلى الرُّقمتّين، حُقّانِ من فرح البُكا، كأنهما كوكبانِ في ليلٍ بَهيمٍ، يعصرُ الليّلُ منهما حليبَ الكلام، يسكبُه في كأس الفراغ، ها أنا أحتسي من فمها نبيذ الظلام، فتفيض رغبة البحر، آهٍ من الخميس، يؤلمني الخميس، يذبحُني من الوريد للوريد، يخذلُني صوتُهُ، وتخذلُني أيامُه، يَجرحُني، كُلمّا مرّ طيفُ الذي أحبُّها، وصوتُها المبحُوحُ يَرمقُني، وهو يَهمُسُ في أُذن قصائدي – أسطورةٌ أنتَ- مّرة قالتْ لي ألريّحُ، يقرأؤني البحرُ منكَ السّلام، فرفعتُ لها قُبعّتي، وناديتُ بأعلى صوتي الريّح تعاليّ، فهُنا، ليلٌ يطولُ، وأوهامٌ لاتزولُ، ووجعٌ نَما العشبُ فوقَهُ، وظَلَّ يحرسُ الكلماتْ، أيقظنَي صوتُها من نَومي، وكُدْتُ أرمي قصائدي في ناربراثنِها، لأنَّ حَرفاً حَزيناً، ظلَّ يُبهرُني، ويبعثرُأوقّاتي، ويرسمُني على شفتيّها قمراً، وأغنيةً، ورغيفَ خبزْ، وأرسمُها على شُغافِ قلبي غيمةً ومطراً، وأبوسُ وجهَ ذلك القَمرالذي يتبعُني أنّىّ كنتُ، فمَنْ يَسلُبنُي فرحةً، لم تزلْ ترقصُ على شبّاكِ لياليها، وتلبسُ أقمصةَ الشوق، فوق سريرأهلّتها، ويَمضي الليلُ كُلّهُ، يُمشِّطُ شَعرَ مراثيها، ياله قلبي من خجول، كانت تجلس قرب شفتيه، وتُملي عليه قصائدها، كانت تنظرُ إليه، وهو يكتبُ قصائدَ البوّح، وهي تُلقمهُ العَذابَ الجَميل، وهو مستسلمٌ لهذا العذاب، وما أحلى هذا العذاب.

***

عبد الجبار الجبوري - الموصل

طارق الحلفيالمسافاتُ الى يديكِ تسبِقني

وتعرفُ اني القريبُ البعيدْ

لا الوصلُ منكِ بلا مُنتهى فأسبقهُ

ولا حضورُ الحنينْ

تركنا سَرابَ الطريقِ

يُساقطُ نَبضَهُ على سِدرةٍ

من غيابِ اللقاء

وبينَ هديلِ الفؤاد

وشهقةِ رُشدٍ يغيبُ الزحامُ

فلا شاهِدٌ إلا سِوانا

بِنا ماءُ وجدٍ يمرُّ

فيطفئُ فينا لهيبُ اللهيبْ

انا العاشقُ الفردُ

بِلا فرسٍ استحثُ الأماني

واسبقُ ضوءَ الرجاءِ وحيداً

وعتمةَ هذا الشهيقُ الوحيدْ

ولهفةَ هذا الهروبُ اليكِ

هذا الهروبُ المؤجَّلُ بالهذيانِ الأخيرْ

بينَ الصفا والصفاءِ

يظلُ المساءُ الرطيب ندياً

على جمرةٍ

من لقاءٍ

خَصيبْ

***

طارق الحلفي

 

كريم الاسديالراجعونَ على رجعِ الصدى رجعوا  

والسامعونَ على وسعِ المدى سمعوا

 

ستون عاماً مضتْ، والاسمُ صاعقةٌ

حيناً ، وحيناً ندىً في الغصنِ يلتمعُ

 

عبد الكريم وما أسماكَ مرتبةً

بينَ النجومِ بليلِ الصحوِ تستطعُ

 

عادوا اليكَ ، الى نبعٍ وساقيةٍ

من الشمائلِ تزهو حينَ تجتمعُ

 

فالجودُ والنبلُ والأِشفاقُ أكرمهُ

والطيبُ والحبُّ والأِقدامُ مندلعُ

 

مثل الحريقِ سرى يزري بمظلمةٍ

حتى أصابَ عِداكَ الخوفُ والهلعُ

 

ففي كفاحكَ جيفارا ورفقتُــــــــــهُ

وأنتَ فردٌ ، وهمْ بِضعٌ اذا جُمعوا

 

ما أنتَ منفردٌ بالحكمِ يا أبتي

بل أنتَ منفردٌ بالنبلِ يرتفعُ

 

أرجعتَ للبائسِ المغدورِ ثروتَهُ

مِن الوقارِ ومِن مالٍ بِهِ طمعوا

 

هــرعتَ صوبَ عراقِ اللهِ تسندُهُ

فحرَّكَ الشرَ خبثُ القصدِ والفزعُ

 

يامَن مشيتَ دروبَ الليلِ منفرداً

حتى تعودَ مريضاً مسَّهُ الوجـــعُ

 

يا قاسمَ الراتبِ الشخصيِّ تحملُهُ

في جيبِ بَدلةِ جنديٍ به ولَــــــعُ

 

انْ يطعمَ الناسَ من كفّيهِ اِنْ سغبوا

ويكتموا ذِكرَ هذا الفضلِ اِنْ شبعوا

 

اِنّا نحبــــــكَ أسمى الحبِّ تسندُنا

بواسقُ النهرِ وِتْراً سوفَ  ينشفعُ

***

كريم الأسدي ـ برلين

......................

ملاحظات:

1 ـ عبد الكريم قاسم هو مؤسس الجمهورية العراقية بعد التغيير الذي حدث في 14 تموز 1958 . كان رئيس وزراء العراق منذ هذا التاريخ وحتى انقلاب الثامن من شباط  1963 .  أستشهد مع بضعة رفاق له في وزارة الدفاع في بغداد وهو يحاول صدَّ الانقلاب الذي استعان بالطائرات ..ما معروف عنه انه انسان بسيط من الشعب، كان يوزع راتبه الشخصي على الفقراء والمرضى والمحتاجين، ويجالس العامّة، ويتمشى ويتفقد أحوال الناس بدون حماية . الى هذا فهو متواضع جداً في ملبسه وطعامه وسكنه . حينما مات لم يكن يمتلك قصراً أو عقاراً أو مزرعة أو رصيداً في مصرف عراقي أو عربي أو أجنبي ، كان يقيم مع أهله في بيتهم البسيط مثل عوائل كادحي العراق ، وكل ثروته بعد مماته كانت أقل من عشرين ديناراً عراقياً أي ما يعادل ستين دولار .. هذا ما يرويه عنه أعداؤه ويعرفه أصدقاؤه ..

 2 ـ  زمان ومكان كتابة هذه القصيدة : اليوم العاشر من تموز 2018 ، في برلين .

 

 

عبد الامير العباديالاحمرارُ رفيقُ عيني

رفيفها  يُلازمني

قالوا انهُ نحسٌ

اطبقتُ كلَ شيءٍ 

اطبقتهُ على كلِ اشيائِي

 

سقطَ عشُ الحمامةِ

سقطَ على الارضِ

ظلَّ يبكي خشيةً من

قدمِ الانسانِ والريحِ

حينَ انسابَ دمعهُ

حملَهُ الهُ الحبِ الى غصنهِ

راكعاً لهذا النبلِ

 

تمردتْ ايقونةُ العطرِ

ابتْ انْ تعطرني

اخبرتُها قسماً

سوفَ اعطرُ الاخرين معي

فتحتْ اجنحتها تشاركني

كرمُ نشرُ عطرها

 

لن اختلسَ من جبروتي

نزوةَ حبٍ ترهقك صاحبةُ الجلالةِ

اسقطُ تاجك

يتصاعدُ رويداً رويداً

اراهُ مملكةُ حبٍ تؤسر

خيالٌ ، خيالاً اراه اجندةَ

عشقٍ اعبده

 

انا لي خمرةٍ اعشقها

كلما جاعتْ عادتْ اليَّ تلمني

تضمني اليها اراها خمرةً

سقياهاجمرٌ وتيهٌ

 

سألت اليومَ

سألته من الزلفةِ الى الزلةِ

اجابني انهُ تائهٌ بينَ انْ

يكونَ اولايكونَ

احبطوه البشرَ تداعى

نسراً يفترسُ ادغالَ الصمتِ

***

عبدالامير العبادي

 

ناجي ظاهركان الجو هادئا هدوءًا تاما.. او شبه تام في اروقة المؤسسة وردهاتها، غير انه سرعان ما تبين انه اشبه ما يكون بهدوء العاصفة. خلال لحظات قلائل، خلال رمشة عين او.. اقل، اندفع مدير المؤسسة نحو ردهتها الفارهة، وراح يصرخ: لقد سُرقت. سُرقت المؤسسة. مَن السارق. الآن عليكم ان تعترفوا والا قلبت عاليها سافلها. ما ان انطلق صوت المدير يلعلع في اجواء المؤسسة شاقا سدف صمتها، حتى شرع الموظفون في التوافد واحدا وراء الآخر، وقد بدوا كأنما هم يخرجون من الجدران والسقوف.

كل هذا حصل وانا ارقب ما يحدث واحاول ان افهمه. عندما اتضحت لي الصورة دعوت صديقي مدير المؤسسة للهدوء، كي نعرف ماذا بإمكاننا ان نفعل، فارسل نظرة عميقة نحوي، تأملت شعراته القليلة المتوقفة المتمايلة مع رأسه، وارسلت نظرة مستفسرة إلى عينيه.. عميقتي الغور، وكان لا بد من ان اضع يدي على ظهره وان اطلب منه ان نعود إلى غرفته لنتمكن من معالجة ذلك الوضع الجلل الطارئ. عندها سار المدير وهو يدردب: انا بفرجيكوا. اليوم انا لازم القي القبض على اللص. اذا كنتوا بتفكروا انها الوكالة بلا بواب.. بتكونوا واهمين. واقسم ان يلقي القبض على اللص قبل انتهاء دوام العمل اليومي.

في غرفته اتخذ المدير مجلسه محاولا الهدوء. بعد لحظة غرس عينيه في عيني:

- من السارق حسب رأيك؟

- ما الذي حدث.. حدثني بهدوء لنعرف من السارق.. التوتر لا يعود بأية فائدة.

حاول المدير ان يهدأ، وسط شعوري ان براكين الغضب تغلي في عروقه، وروى حكاية طويلة مفادها انه توجه قبل قليل إلى خزينته المغروسة في جدار الغرفة وراء صورته الشخصية في المكتب، فتح الخزينة، ليجد ان ما فيها من اموال قد اختفى. وراح يندب سوء طالعه لأنه لا يعرف ماذا بإمكانه ان يفعل:

- حضّرت كل اشي عشان اتوجه للبنك، ولما فتحت الخزينة لاقيت ايدي والفراغ. قال.

- ماذا علينا ان نفعل الآن؟ سألته.

- الراي رايك. انا مش بوضع يسمحلي بمعرفة شو اعمل. رد بحيرة. وتابع: مش راح اسمح ولا لواحد منهم بالمغادرة قبل ما اعرف السارق.. واستعيد اموالي منه.

وعدتُ المديرَ خيرًا.. وخرجت من غرفته، رحت اتجول بين غرف المؤسسة، مارا من باب إلى آخر، وكنت استمع إلى اصوات جميع الموظفين وكأنها تحوّلت إلى صوت واحد وسؤال واحد.. لا غير هو: مَن السارق. وكنت كلما انتقلت من باب إلى آخر علا السؤال وازداد الحاحًا. حدث هذا في البداية الا ان السؤال ما لبث ان تحول إلى نوع من الاتهام.. هذا الموظف الجديد.. قلنالكوا يا عمي بلاش ندخل موظفين جدد للمؤسسة.. بدكوش الا تدخلوه.. وهذه هي النتيجة.. يللا تحملوها.

بعد جولتي هذه.. عدتُ إلى غرفة المدير لأجده وقد ازداد توترا. فتحت الباب ودخلت. لاحظ المدير على وجهي ظل ابتسامة فسألني:

- خير.. صار اشي جديد؟

- الموظفون يوجهون أصابع الاتهام إلى الموظف الجديد. اجبت. بدا ان المدير عثر على خشبة النجاة فطلب مني ان ادعوه إلى مكتبه على جناح السرعة.. وقبل ان يهرب. توجهت الى غرفة الموظف الجديد وطلبت منه ان يحضر إلى غرفة السيد المدير، فنهض من مجلسه وتبعني من فوره. دخلنا غرفة المدير. وقف المدير على قدميه. وتوقفنا انا ومرافقي قبالته. قدحت عينا المدير شررا وسأل الموظف الجديد:

- مين اللي سرق الخزينة في رايك؟

ابتسم الموظف الجديد:

- ومن اين اعرف.. هذا هو اليوم الاول لي في المؤسسة.. انت ادرى مني..

تزايد تطاير الشرر من عيني المدير، ومن اطراف بدلته الباذخة:

- فعلا انا ادرى.. ولأني الأدري قررت اني افتشك..

ما ان نطق المدير بهذه الكلمات حتى رأيت الموظف الجديد يتراجع إلى الوراء:

- لن اسمح لاحد بتفتيشي.

- ليش يا حبيب امك؟ سأل المدير وكأنما هو عثر على السارق.

- لأني مسرقتش الخزينة.. قال الموظف. وتابع: اذا كان لا بد من تفتيشي.. خليه يكون لجميع الموظفين.. من اقصاهم الى ادناهم.

راقت الفكرة للمدير وشعرت ان شيئا من هدوئه المفتقد عاد اليه:

- موافق. قال واضاف، اكيد رايحين نفتش الجميع. وتناول المدير معطفه من على المشجب القريب منه. ارتداه وخرجنا إلى ردهة المكتب. وقف المدير في فتحة الباب وشرع بتفتيش الموظفين واحدا تلو الآخر. عندما وصل اخيرًا الى الموظف الجديد لمعت عيناه كمن تأكد ان هذا الموظف هو السارق، والا لماذا هو احتال ليكون الأخير؟، اقترب المدير من الموظف الجديد وهو يغرس عينيه فيه من اسفله الى اعلاه ويتمتم:

- اسه اجى حبك للطاحونة.

- انا مش راح اسمحلك تفتشني إلا اذا وافقت انت على اني افتشك. قال الموظف.

افترشت وجه المدير ابتسامة عريضة كأنما هي من عالم آخر:

- موافق.. بس تعال قرّب.. يا لص.

اقترب الموظف الجديد من المدير، قام هذا بتفتيشه تفتيشا مدققا. لم يجد شيئًا. ابتسم الموظف الجديد وتوجّه إلى المدير طالبا منه ان يسمح له بتفتيشه. استسلم المدير للتفتيش، وما ان وضع الموظف يده على جيب معطفه الاكبر حتى سأله ما هذا؟ .. عندها لطم المدير جبينه بيده. وسقط ارضا. حملنا المدير إلى غرفته وهو غائب عن الوعي. هناك رششنا وجهه بالماء والكولونيا.. ففتح عينيه.. وطلب مني ان أخرج الجميع من غرفته.. طلبت من الموظفين مغادرة الغرفة.. بعدها اتضح كل شيء.. المدير وضع النقود في جيب معطفه.. في الصباح ونسيها بعدها.. وها هو يقف موقفًا حرجًا لا يحسد عليه احد.. فكيف اذا كان مديرا بمقامه العالي..

 

قصة: ناجي ظاهر

 

حسين فاعور الساعدي"أبو الجِمَال".

هذا هو اسم الجبل الذي تدور فيه أحداث هذه الرواية. وهو واحد من جبال فلسطين الغنية بالكنوز. لا احد يعرف من أين جاء هذا الاسم. ولا أحد يعرف مصير زهرة حبيبة بطل الرواية التي يقال أنها صعدت إلى هذا الجبل فاختفت آثارها. لكن جميع القاطنين في القرية\القبيلة المحاذية له، وفي المنطقة من حوله، يعرفون أنه ملك خاص لأحد أبنائهم الذي نسوا أسمه وعرفوه جميعاً باسم "صاحب الجبل". لأنه أفنى حياته في الحفاظ عليه وحمايته.

الإقطاعيون ملكوا السهول الخصبة الواسعة الممتدة لكنهم تركوها وهربوا جميعاً عام النكبة. أما هو فقد مَلَكَ جبلاً مليئاً بالكثير من الصخور والقليل من التراب، فلم يتركه ولم يهرب. بل تحصن فيه وكان الوحيد من بين أفراد القبيلة الذي واظب على الارتباط معه والاعتكاف فيه. تماماً كما فعل والده وجد جده من قبل. لم يتركه وقرر الحفاظ عليه حتى لو اضطر للموت دفاعاً عنه.

عرف كل تفاصيله وأسراره. عرف صخوره صخرة صخرة. عرف أشجاره وشجيراته. عرف طيوره وحيواناته ونباتاته. عرف مغاراته وكهوفه ومن حفرها من أجداده. وعرف أوكاره وأوجرته المنتشرة في سفوحه الشرقية والجنوبية تحت الصخور الضخمة. تلك الصخور وفرت حصناً منيعاً للثعالب والذئاب. أكثرها تحصيناً ومنعة ذلك الوكر القريب من القمة. فهو بين صخرتين كبيرتين متلاصقتين ومغمورتين بالتراب. له عدد من المداخل التي اكتسبت لوناً رمادياً كلون الثعالب الداخلة إليه والخارجة منه. حول هذا الوكر انتشر ريش كثير معظمه من ريش دجاجات صاحب الجبل. وقرب هذا الوكر ستدور معظم أحداث هذه الرواية. أحداث عادية جداً لا تستحق أدنى اهتمام لو لم تكن قصة عشق بين رجل وجبل. ملاحم العشق التي عرفها الإنسان في مختلف العصور كانت بين رجل وامرأة، بين ذكر وأنثى ولم يعرف التاريخ ملحمة عشق بين رجل وجبل قبل هذه الملحمة التي سأحاول استعراض بعض محطاتها التي علقت في الذاكرة.

في وسط سفوحه الشمالية فوهة لا أحد يعرف ما إذا كانت فوهة بركان خامد أم هي شق حدث بعد زلزال ضرب المنطقة. يقال أنها توصل مباشرة إلى باطن الأرض الملتهب. فتْحَتُها واسعة عند السطح ثم تضيق نحو الأسفل كالمحقان. لم يجرؤ على النزول إلى قاعها أحد غير صاحب الجبل. أكثر من مرة رأوه في قاعها منبطحاً على بطنه وملصقاً أذنه ليستمع إلى هدير الأعماق. منهم من قال أنه منها يستمد قوته. ومنهم من قال أنه من خلالها يستمع للجن ويتواصل معهم. من خلالها يتلقى توجيهاتهم وتعاليمهم. راقبه الكثيرون من أهل القرية وضبطوه وهو يصغي للأعماق. يقال أن الغولة التي طاردت أحد أجداده دخلت في هذه الفوهة وغاصت إلى في باطن الجبل بعد أن لم تتمكن من اللحاق به. هذا الجد، ويدعى يوسف، ذهب إلى عكا ليحضر الجهاز لعروس ابنه. اشترى الملابس وكل ما يلزم العروس ووضعها خلفه على سرج فرسه الأصيلة الكحيلة وعاد إلى القرية. وصل وادي الحلزون قبل المغيب بقليل وفي تلك الفترة كانت الأشجار تتشابك وتغطي هذا الوادي بحيث لا تترك مجالاً للحركة إلا في مسرب ضيق شقه الخارجون والداخلون إلى القرية. على جانب هذا المسرب الضيق ووسط الأشجار العالية المتشابكة رأى امرأة عجوزاً تجلس ويبدو عليها التعب والإعياء. خاف الرجل وتساءل ماذا تفعل عجوز في هذا المكان البعيد وفي هذه الساعة المتأخرة من النهار. ما كاد يتفحصها قليلاً حتى صاحت به: "يوسف! جارنا العزيز! الحمد لله الذي جاء بك". فصاح بها: "أم احمد! جارتنا! ماذا تفعلين هنا؟". "أضعت الناقة وبحثت عنها في كل مكان فلم أجدها" أجابته. "تعالي اركبي خلفي لنعود إلى القرية قبل حلول الظلام. هنا الضباع والأسود كثيرة وستفترسك إذا حل الظلام. لا تخافي على الناقة ستعود". ركبت أم أحمد خلفه على ظهر فرسه. شكرته وأكدت له أن الله هو الذي بعثه فالمسافة إلى القرية بعيدة وقد أعياها التعب ولولا مجيئه لباتت ليلتها في هذا المكان المقطوع. لامها يوسف على مجازفتها ومجيئها إلى هذا المكان في ساعة متأخرة فردت عليه أنها تحب ناقتها وتخاف عليها. كانا قد اقتربا من القرية عندما بدأت الكحيلة تتنفس بصعوبة بالغة تدل على بذل الجهد الزائد. وكادت تتوقف عن السير فالتفت يوسف إلى الخلف ليرى أن ساقي العجوز قد طالتا كثيراً حتى لامس قدماها الأرض فبدأت تغرسهما بجانبي الطريق لمنع الفرس من الحركة. أما أسنانها فقد طالت لتبدو خارج فمها كالخناجر. كان شعرها أشعثاً ووجهها مخيفاً. ارتعدت مفاصله لكنه أخفى خوفه. استل خنجره بهدوء شديد وقطع حزام السرج. تقدم قليلاً نحو عرف الفرس وبقوة قذف بالسرج وما عليه إلى الخلف فوقع السرج وجهاز العروس والعجوز على الأرض. ضرب فرسه لتنطلق كالعاصفة. نظر إلى الخلف وإذا بالعجوز تنطلق خلفه كالسهم وتكاد تدركه. ظلت تلاحقه وتلاحقه حتى مشارف القرية. وعندما لم تفلح في إدراكه رأى العجوز ترمي بنفسها في تلك الحفرة في السفوح الشمالية للجبل وتختفي. كان العرق يغمر جسده المرتعد. ولسانه قد ارتبط. فلولا سرعة الكحيلة لأدركته ومزقته. بصعوبة بالغة أخبر الأهل بما حدث معه فلم يصدقه أحد لولا أنهم في اليوم التالي عندما ذهبوا ليبحثوا عن جهاز العروس وجدوه قد مزق قطعاً صغيرة ونثر على رؤوس الأشجار. أما السرج فقد قُطّع هو الآخر قطعاً صغيرة بما في ذلك ركاباه المصنوعان من النحاس. بعد هذا الحدث ظل يوسف طريح الفراش مدة طويلة حتى توفاه الله. أما أهل القرية فقد أصابهم الخوف الشديد من هذه الغولة التي طاردته واختفت في الحفرة الموصلة إلى باطن الأرض. كل من في القرية يعتقد أنها ستعود في يوم ما وستمزق كل من تصادفه. ومنهم من أكد أن لها قبيلة كبيرة تحت الأرض وهذه الحفرة هي منفذهم الوحيد إلى سطحها.  لذلك ابتعدوا عن الجبل لاعتقادهم انه مسكون بهذه الغولة الشمطاء وأقاربها.

سفوحه الجنوبية والشرقية لا تصلح للزراعة لأنها مليئة بالصخور المتلاصقة والمتراصة بشكل لم يترك بينها مساحات يمكن فلاحتها. فاستغلها صاحب الجبل مراعي لمواشيه. أما سفوحه الشمالية والغربية فكانت صخورها زرقاء، ضخمة ومتباعدة. بين هذه الصخور توفرت مساحات من التراب الأحمر تتسع في بعض الأماكن وتضيق في بعضها. "صاحب الجبل" عرف كيف يحرث هذه المساحات بواسطة فدانه المكون من بقرتين سمينتين اختارهما من قطيعه، ودربهما على هذا العمل الشاق، لأن المكنات الزراعية لم تكن معروفة له في تلك الفترة. وقد تمكن مع الزمن من توسيع هذه المساحات بعد أن اقتلع منها الصخور الصغيرة ورتبها في سلاسل مستقيمة شكلت حواجز منعت مياه الأمطار الغزيرة من جرف التراب وسحبه إلى الوديان المجاورة. في موسم الشتاء زرع هذه المساحات بمختلف أنواع الحبوب كالقمح والشعير والعدس والفول والحمص والكرسنة، وفي موسم الصيف زرعها بالتبغ وبين أتلام التبغ زرع الخضروات كالبندورة والبامية والقرع.

كان كالنملة يعمل ببطء شديد وببرودة أعصاب لا يقدر عليها إلا من عايش منحدرات هذا الجبل المسكون بالجن والذي يختلف عن كل الجبال من حوله. فهو لا حدود له  ومن يقف على قمته يشعر أنه يقف على أعلى قمة في العالم. فمنها يمكن الإطلال على كوكب أبو الهيجاء وسخنين وعرابة ودير حنا ومن ورائها شرق الأردن بجباله الزرقاء جنوباً. ويرى بحيرة طبريا وهضبة الجولان وخلفهما سوريا شرقاً. وجبل الكرمل ووراءه البحر من خليج حيفا حتى عكا  غرباً. أما شمالاً فإن جبال الكمانة تحجب الأفق وتمنع الواقف في قمته من رؤية جبل الجرمق. وهذا دليل على أن "أبو الجمال" في الواقع ليس أعلى الجبال في العالم. لكنه شعور كل من يقف فوق قمته. يقال أن سبب هذا الشعور يعود لقبائل الجن التي تسكن أعماقه. لذلك أصرُّ صاحب الجبل على العيش على هذه القمة في خيمته المصنوعة من شعر الماعز. وكما يبدو فإن اختياره لها لم يكن مجرد صدفة أو مجازفة وإنما نتيجة معاهدة وتفاهمات بينه وبين تلك الغولة الشمطاء التي حاولت افتراس يوسف جد جده. تفاهمات ومعاهدة توصل إليها بعد معارك طاحنة بينه وبين أقاربها استعمل خلالها بندقيته الألمانية التي أرعبت الجن وجعلتهم يوافقون على عقدها. المعاهدة بينه وبينهم فقط ولا تشمل بقية أبناء القرية. لذلك كل من بقى من أبناء القرية في الجبل حتى حلول الظلام أصيب بالحمى أو بمرض شديد أودي بحياته.

صاحب الجبل لم يتربع على أعلى القمم في العالم فقط، بل على قمة يستطيع منها أن يتمتع كل صباح بمنظر الشمس وهي تشق ظهر هضبة الجولان في طريقها إلى كبد السماء. فتعيده إلى أيام عزه زمن الانتداب البريطاني يوم كان يجتاز نهر الأردن، مرة أو مرتين في الشهر، ليصعد في الشعاب كالذئب في طريقه إلى دمشق لجلب البضائع المهربة. مع كل شروق كان يرتشف فنجان قهوته السادة ويطلق تنهيدة من أعماق أعماقه شوقاً لتلك الأيام وحسرة عليها. بعد زوال الانتداب البريطاني خسر عمله في التهريب وهو كل شيء بالنسبة له. وسلم بندقيته واضطر للاعتماد على ما يملك من مواشي لتدبير أمور حياته وحياة عائلته. فقد العمل الذي كون شخصيته وصاغ تصرفاته وأرسى نمط حياته. حياة الكبرياء والمغامرة والتي لا تتوفر إلا في الجبال الشاهقة العصية. لذلك قرر ألا يعمل عند اليهود مهما قست عليه الظروف.

بعد النكبة لم تستطع زوجته إقناعه بالانضمام إلى رجال القرية الذين غيروا زيهم العربي إذ خلعوا القمباز والسروال والكوفية والعقال واستبدلوها بالبنطلون والقميص والطاقية وسافروا للعمل في تل أبيب. زعم انه لا يستطيع تغيير زيه فهو يختلف عن أولئك الرجال لكونه أبن عائلة عريقة ومحترمة لا يمكنها التنكر لجذورها. والاهم من ذلك لكونه يعيش في الجبل الذي لم يصله اليهود. الزوجة لم تقتنع بهذا الكلام ولكنها سكتت. سكتت لأنها تعرف زوجها جيداً. كان بينه وبين نفسه يحسد من ذهبوا للعمل في تل أبيب ولكنه أخفى ذلك. يكفي أنهم يتمتعون بركوب الحافلات التي تقلهم من الشارع الرئيسي عكا صفد إلى مدينة حيفا ومن هناك إلى تل أبيب. كم تمنى في داخله أن يجرب هذه الرحلة الطويلة الممتعة. لكنه نهى نفسه عن هذا الحلم خوفاً من أن يضعف وينضم إلى قافلة العاملين في تل أبيب فيفقد حريته وكرامته التي يحرص عليهما كثيراً. حرية المُهّرب الذي يملك القرار متى يضرب ضربته. وكرامة الراعي الذي يملك القدرة لتوجيه قطيعه. لذلك قرر ألا يستمع لأحاديث مشجعي العمل في تل أبيب. خصوصاً بعد ما سمع الكثيرين يقسمون أن من يجرب العمل في هذه المدينة الصاخبة لا يندم أبداً فالأجور مرتفعة وفرص العمل ساعات إضافية متوفرة، تمكن النشيطين من جمع مبالغ طائلة من المال في فترة قصيرة لكنهم يتحولون إي مدمنين لهذا العمل ولا يستطيعون التحرر منه.  لذلك حرص على حريته ولم يقتنع بالتخلي عنها.  رأى نفسه غزالاً شارداً في غابات الجبل، أو عصفوراً محلقاً في فضائه. لم يستطيع أن يرى نفسه فرداً في قطيع. أو عبداً عند اليهود الذين اغتصبوا البلاد وشردوا أهلها. اعتبر العمل عندهم خيانة عظمى لا تغتفر. لذلك قرر أن يزيد من عدد المواشي التي يربيها ليتمكن من مجارات التطورات السريعة من حوله.

قبل خمسة أعوام خسر قطيع أبقاره مرة واحده. في اقل من عشر دقائق خسر ما يزيد عن المائة رأس من البقر بينها خمسة ثيران رفض مبادلة الواحد منها بمارس من الأرض السهلية عَرَضه عليه احد الفلاحين من قرية سخنين المجاورة. أورد القطيع إلى بئر الخشب ولسوء حظه وجد دورية من الجنود اليهود بانتظاره. رفعوا عليه السلاح واضعين أصابعهم على الزناد، فرفع يديه علامة الاستسلام فساقوا القطيع. تسمر في مكانه وهو يرى قطيعه يبتعد دون أن يستطيع فتح فمه أو فعل أي شيء. تذكر بندقيته الألمانية لكنه ظل متسمراً في مكانه ممسكاً بمقود حصانه الأسود الذي لا يدري كيف لم يأخذوه. حمد الله أنهم تركوا له الحصان ولم ينهبوه مع القطيع. لكن أحد أفراد الدورية عاد إليه بعد أن ابتعد زملاؤه بالقطيع فعرف أنه سيأخذ الحصان. أمسك الجندي بمقود الحصان وحاول انتزاعه من يده لكنه ظل ممسكاً بالمقود ولم يتركه. التقت عينا الجندي بعيني صاحب الجبل فتعارفا. الجندي من أبناء إحدى القرى العربية المجاورة وكانا يلتقيان في المرعى قبل النكبة. كاد يقول له: "يا فلان حرام عليك ألا تعرفني؟ أترك لي الحصان" لكن الله ستر فسكت وتظاهر أنه لم يعرفه. فلو أبدى له انه عرفه لأطلق عليه النار وقتله. قال له: "يا خواجة أترك لي الحصان لأتمكن من الوصول إلى البيت". فنجا بجلده وفاز بحصانه. عاد إلى خيمته على قمة الجبل ليجد أنه فقد كل شيء إلا حصانه الأسود. شعر أن النكبة وصلت إليه أو على الأصح ذهب إليها بنفسه.

لامته زوجته ولامه أخاه الأصغر منه سناً إذ قال له: "ألم أقل لك لا تأخذ القطيع إلى بئر الخشب؟. ألم أقل لك دعه يموت من العطش؟ لكنك عنيد لا تسمع". لم ينم ليلته بسبب صفير الندم الحاد في أذنيه. كيف فعل ذلك؟ فالأخبار عن تواجد اليهود عند هذا النبع ونهبهم للقطعان الواردة إليه كانت تنتشر بين الناس في جميع أنحاء المنطقة.

عند الفجر نظر إلى المراح فكان خاوياً خالياً من أية حركة. لم يستطع تحمل المنظر الرهيب. شعر بالخراب والخواء يخيم على المكان. شم رائحة الموت. المُرْح الخالية تشبه المقابر. لم ينتظر الشمس لتشق هضبة الجولان فيرتشف قهوته السادة، ويتناول فطوره. امتطى حصانه وطار إلى إحدى القرى المجاورة إلى أحد أصدقائه تاجر المواشي المعروف. قص عليه ما حدث، وطلب منه الوقوف إلى جانبه في مصابه الأليم. اقترح على التاجر أن يربي له الماشية ويرعاها له عنده في الجبل، على أن يكون أجره الشهري رأس واحد منها كل شهر. فالمراعي حوله واسعة وخصبة ولن يطلب من التاجر جلب العلف للماشية. التاجر أخبره أن لديه قطيع من الأغنام كسد ولم ينجح في بيعه وهو يكلفه الكثير من العلف كل يوم لأن المراعي حول القرية قاحلة بسبب كثرة المواشي. التاجر اقترح عليه أن يربي له هذا القطيع ويرعاه مقابل أن يكون له نصفه بعد خمس سنوات. فرح صاحب الجبل لهذا الاقتراح بعد أن حسبها جيداً في ذهنه: القطيع عبارة عن خمسين رأساً. لو أنجب منها في السنة الأولى أربعون رأساً وعاش منها ثلاثون فسيصبح القطيع ثمانين رأساً في السنة الثانية، ومائة وثلاثين رأساً في السنة الثالثة ومائتين وثلاثين في السنة الرابعة على أقل تقدير. وسيتعدى الخمس مائة رأس في السنة الخامسة، سيكون له منها مائتين وخمسين رأساً. حتى لو كان له مائة رأس بعد خمس سنوات فهو الرابح. "أنت الرابح...صدقني" قال له التاجر بعد أن شعر أنه صمت ولم يقل شيئاً. "على الله الاتكال، قبلت. أين القطيع؟". "غداً سأسوقه إليك" قال التاجر بفرح.

اليوم صاحب الجبل يملك ليس الأغنام فقط. فقد اشترى ست عنزات أصبحت بعد الخمس سنوات الماضية ثلاثين عنزة حلابة. وفرت لعائلته الحليب واللبن واللبنة. واشترى ثلاث بقرات أصبحت عشراً. حاول أن ينوع مصادر رزقه. حتى في الزراعة أضاف إلى زراعة التبغ زراعة الخضراوات الصيفية كالبندورة والبامية والقرع. وكان الوحيد في المنطقة الذي زرع البطاطا والكمون في فصل الربيع في أحواض عملها خصيصاً وخلط تربتها بكميات كبيرة من زبل البقر الناعم. حتى الزبل عرف كيف يستعمله على أصوله: فزبل البقر المطحون جيداً داخل الحظيرة جيد للخضراوات. أما بعر الماعز والغنم فجيد للتبغ. هذا السر لم يكشفه لأحد بل حفظه لنفسه مما جعل تبغه من أجود أنواع التبغ. صار المدخنون يقصدون الجبل من كافة القرى المجاورة لشراء مئونتهم السنوية. لم يستطع مزارعو التبغ في المنطقة منافسة صاحب الجبل لأنه لم يكشف لهم السر فأصبح هو العنوان للحصول على التبغ الجيد. في البداية كان يبيع التبغ غير مفروم لكنه بعد أن ذاع صيته في المنطقة اتفق مع أحد الفرّامين المشهورين أن يأتي إليه في نهاية الصيف ليفرم له كمية التبغ الجيد التي خبأها ولم يبعها لشركة دوبك التي استغلت المزارعين أبشع استغلال. اختار أفضل الفرّامين المهنيين الذين يفرمون التبغ بدقة متناهية ويجعلونه كشعر البنات كما يقول المدخنون.

وصلت أخبار صاحب الجبل إلى الشرطة التي كانت تمنع بيع التبغ وتطارد من يبيعه ومن يشتريه. لكن صاحب الجبل بفضل خبرته في التهريب، ويقال بفضل مساعدة الغولة له، عرف كيف يتهرب من مداهمات الشرطة لبيته. فقد كان يخبئ التبغ ويفرمه في مكان سري بين أشجار الغابة بعيداً عن البيت. مكان تحرسه الغولة وأقاربها.

صاحب الجبل واثق أن حكم اليهود لن يدوم طويلاً فقد شاهد انهيار الدولة العثمانية وواكب زوال الانتداب البريطاني وسيأتي اليوم الذي يشاهد فيه زوال الدولة اليهودية. تأكد من ذلك بعد الانتصار الذي حققه جمال عبد الناصر في حرب السويس. ويقال انه سمعه وهو يصغي لهدير الأعماق في قاع تلك الفوهة في السفوح الشمالية.  لذلك كانت معنوياته عالية وأصر على مواصلة التجارة بالتبغ المهرب بل وسع تجارته لتشمل ورق السجائر الشامي المشهور انتاج شركة شربجي أخوان. كان يحصل على كميات كبيرة من هذا الورق الدقيق ذي الجودة العالية ويبيعها مع ما يبيعه من التبغ المفروم. تحسن وضعه الاقتصادي حتى استطاع مجاراة التطور الاقتصادي للعاملين في تل أبيب. الكثيرون بدءوا يتساءلون عن سر مجاراة صاحب الجبل ومنافسته للتطورات السريعة من حوله. بدأت الكثير من الإشاعات تدور حوله. قيل أنه ورث كمية كبيرة من الذهب عن والده. وقيل أنه عثر على كنز في أحد مغر الجبل. وقيل أنه تلقى الأموال من الخارج أو توفرها له عصابة الجن التي يرتبط معها. هذه الإشاعات صورت صاحب الجبل أنه ثري يعيش في النعيم بينما في الحقيقة لم يكن إلا كادحاً يعمل ليل نهار في أرضه ومع ماشيته ليوفر قوته وقوت عياله. فلم يتعد فطوره يوماً رغيف الخبز وصحن الزيت.

***

حسين فاعور الساعدي

 

سمرقند الجابريلا استطيع ان احبك كل يوم

هذا يسبب لي وجعا ذهنيا،

وصداعا نصفيا.

ولنفرض انك لن تفهم امرأة كثيرة التفاصيل

وان هناك الف جيل يفصلنا

واني هذا العام لا اريد التنازل عن مزاجي الحاد.

سأحب نفسي كثيرا، لاشفى بسرعة.

ان تكون حواسي الست التي قسمتها على حروفك

قد عادت الي بعد ان وجدتني في الغوغول تحت اسم :

شاعرة عراقية.

 ***

 سمرقند الجابري - بغداد

 

ناصر الثعالبيكيف لي أن أعيشَ فيك ؟

يا أنتَ أيها السرابَ الذي يلمُ أرقي

ويوسدُ رأسي منافذَ الرياح

حينَ تَطيرُ مني قصاصاتِ الذكرى

تصرخ غاضباً

إحْبِسْها في قفصِ النسيان

هربَت مذعورةً إلى مداخلِ ألأنا

**

كيفَ لي أن افكَ خِصامَ ماضيكَ وحاضرك؟

هذا أنت تطيرُ قاطعاً مساراتِ عودةَ الصحو

تتغنى بأنك خدعتَ الملموس

وصيّرتَ الوهمَ بديلاً يعتاده الناس

وعبدتَ طرقَ العقلِ بدخانِ الأحلام

ناسياً بين طوفانِك ومضةَ ضوءٍ

بددتْ الدخانَ وشتتتْ الوهمَ

فدفعتْ أمنياتَك لقاعِ النسيان

وبقيتَ حالماً تستجدي الوهمَ أن يعود    !

تتناسل دواخلك مستجدات

تعيش تحت خط الصحو

تفرز ثوابتُها المتحركةُ  قبعاتٍ زرقاء

وتعادلُ توازنَها خطوط ٌحمراء

أغرت السرابَ أن يشكلَ منها

طيفاً لشمسٍ غاربةٍ

ابتلعته شواطئُ الأنفاسِ اللاهثة

فتقيأته بحراً من الدماء

غرقت فيه سفنٌ مزقها ألذنبُ

فتابت مستخدمةً  سراباً  آخر

وقبعاتٍ أخرى

تخترقُ صمتَ السلامِ بيافطاتِ الموت       

***

ناصر الثعالبي

 

اسيا رحاحليةدائما على عجلة من أمرك كأنّك في سباق مع الزمن ..

هكذا عرفتُك وعرفَتْكَ بناتك مذ وعين.

تقصدُ باب الخروج مهرولا بخطواتك السريعة القصيرة، يشيّعك كلبك حتى الباب محرّكا ذيله بحركة متناغمة وبنسق واحد . يخلو الجو للبنات . ترفع الصغرى صوت الراديو، ترقص الكبرى على وقع الأغنية ... تحاول تقليد فنانة اشتهرت في تلك الأيام، يصير العالم داخل البيت لوحة بألوان زاهية متداخلة ...تشارك نورا، ابنتنا الوسطى، أختيها للحظات في مهرجان الفرح، ثم تهرع إلى قلعتك لتسرق نصيبيها من المتعة والدهشة.

 (8)

أفتح الباب بحذر ، أدخل غرفتك ... تِكْ ...تَكْ ...تِكْ... تَكْ، التكتكات تدغدغ رأسي كأنها تضرّعات هاربة اليّ من ملكوت النسيان ... تحدث فيه فوضى لذيذة، ساعات كثيرة ... بعضها منجز ومثبّتٌ على الحائط بفترة نقاهة ... حركة الرقّاص فيها ذهاباً وإيابا  تبدو كنسغ الحياة ... بعضها الآخر فوق الطاولة شبه ميت أو على الأرض و قد أخرجتَ قلبها فوق خرقة قماش، و انتزعتَ أحشاءها ... مسنّنات بأحجام مختلفة، نوابض، أجراس، مطارق دقيقة للتنبيه. ساعاتٌ نسائية ورجالية،صغيرة و كبيرة، خشبية وأخرى حديدية . أتصوّر بأنّي دخلتُ الكهف حيث يسكن الزمن . بيت الزمن . غرفة نوم الزمن / أو غرفة يقظته / ! 

أفكّر الآن في أمر  يا أبي ... كبسولة الزمن، فكرة مدهشة  لو أنها تتجسد فعلاً ... لو يمكنني أن أستقلّها وأسافر في الزمن، لكني لن أسافر إلى المستقبل ... ليس يعنيني أن أكشف الحجب عن الآتي لأنه انتهى.

أتمنى لو أستطيع أن أعود إلى الماضي!

 (7)

الماضي، الحاضر، والآتي، ألا تبدو  كمعادلة رياضية ؟ كنت أكره الرياضيات...  وما زلت ...لا، ليس الأمر هكذا تماماً .. الآن لا أحمل سوى شعور محايد تجاه الأشياء ... نورا ورثت ذلك عني، هي أيضاً تكرهها، أنت تعرف بأننا نكره الرياضيات، أو لعلّك لا تعرف . معادلة من ثلاثة مجاهيل ! تحاول حلّها . تحاول أن تتقدّم غير أنك تظل في نقطة البدء رغم أنك تتقدم ... ربما في أحسن الأحوال / أو أسوأها ؟ / تتقدّم في حل المعادلة بطريقة خاطئة، فتصل إلى نهاية خاطئة تماماً،  كما وصلنا، وتغيب عن مسرح الوجود قبل أن تولد فيه، ولكنك لا تكتشف ذلك الاّ بعد فوات الأوان.

قل لي كيف سنفهم الحاضر؛ إذا كان يعوزنا فهم الماضي؟

 (6)

تصوّر معي يا أبي لو أن حياتي الماضية وأحداثها كتاب أحمله الآن بين يدي، وأعيد قراءته بعيني هذه وفي زمني هذا... لن أصدر حكما، ولن أكتب أي تعليق على هامش الصفحات، وبالطبع لن أستطيع تغيير حرفٍ في الكتاب، ولا استبدال فقرةٍ بأخرى، ولا تغييرَ المقاطع أو تبديل أماكنها، ولكني ربما سأفهم لماذا حصل الذي حصل؟ سأحمل قلم الرصاص وأطلق نار السطور على كل حدث لا أدري كيف حدث وقتها، في محاولة منّي ولو متأخّرة لإدراك الذي جرى... وكيف جرى ولماذا..

ما الجدوى من كل ذلك؟ قد تسألني... ما نفعُ أن أفهم الآن الذي حدث وقتها؟

 بصراحة لا أدري يا أبي... أخبرني أنت... لماذا يتعب المؤرّخون ويرهقون أنفسهم بتدوين التاريخ؟ لكي يتركوه للأجيال القادمة ستقول لي ..عبرة وتذكرة ودرسا .... جميل ... إذا كانت الأجيال ستهتم بتاريخ لم تكن فيه... ولا يعنيها؛ فأنا أولى بأن أراجع تاريخا كان لي وكنتُ فيه... بل كنتُ بطلته.

يبدو هذا منطقيا جدا .. سببا مقنعا لكي أحلم بالعودة إلى هناك.

 (5)

أتمنى لو أعود أيضا ... أحمل لك القهوة في المساء، وأنت تجلس في  حوش  البيت غير بعيد عن شجرة التين الضخمة... أضع الفنجان بكل هدوء على المائدة ... أقف لبرهة أراقبك وأنت - كما دائما - في حالات ثلاث لا رابع لها : إمّا تلمّع بندقية الصيد أو تبحث عن محطتك المفضلة لتستمع للأخبار من الراديو الأسود الصغير أو تصلّح ساعة من الساعات، وقد ثبّتت المكبّر - ناظورك الصغير-   بطريقة محترفة على إحدى عينيك، و أحنيت رأسك .

لن أعود أدراجي مسرعة كما كنت أفعل . سوف أجثو على ركبتي أمامك وأسألك : هل نذرت  للرحمن صمتا يا رجل ؟ أيّ شيء أغناك عن الحديث إلينا، والتقرّب منا؟ بل أي سرّ في الصمت أغراك بتغييبي؟ وأين ترصّني و بناتك في هرم عالمك، ما هو ترتيبنا في سلّم اهتماماتك وأولوياتك وفي دائرة هواياتك:  بندقية الصيد، الكلب، أشجار الحديقة، المصحف، الكتب القديمة المصفرّة، الراديو، نشرات الأخبار، الصمت، التأمّل ؟

أم ترانا خارج الدائرة تماماً ؟

 (4)

بارعا كنت في تصليح الساعات يا أبي ... يقصدك أناس كثيرون لتصلح  ساعاتهم .

في ذلك الزمن كان  للزمن قيمة، و كنت أعتقد أنّه يمكنك أن تصلح الزمن... أيضا .

لكنك رحلت قبل أن تساعدني في رأب صدع زمني .

الزمن خديعة كبرى يا أبي... مجرم يحثّك على بدء السباق معه... يوهمك بأنّك الرابح الأكبر، ثم في منعطف خطير يزحلقك فتقع. يتركك شظايا ... ويمضي ضاحكا من غبائك .

زمني تكسّر يا أبي ... خدعني الماضي، والآتي مضى قبل أن يأتي.

و ها أنا ألملم أطراف الثواني وأعبر نهر الحروف بزورق من ورق ...

 إنّني اليوم صامدة وصبورة وهادئة، أغري عقرب الوقت بخبز الكتابة، وأتحايل على الزمن المارثوني باحتساء نبيذ الحرف.

أقتربُ بحذر وشوق من ركن في غرفتك، أقرفصُ في مواجهة كتبك ... أتحسّسُها بقلبي ...

أمسحُ عليها بأناملي بمنتهى الحب، أفتحُ كتابا وأقرأ .

أظلُ هناك أقرأ وأقرأ وأقرأ.

أنسلخُ عن العالم.

 (3)

فجأة يركض الكلب باتجاه الباب الخارجي للحديقة.

 يرتفع نباحه، أعرف وتعرف البنات بأنك ستدخل بعد ثوانٍ .

تخفض الصغرى صوت الراديو .

تجلس الكبرى بكل وقار وهدوء في ركن من  الصالة.

تعيد نورا الكتاب إلى مكانه . تقبّله بنظرتها .تخرج.

أعودُ أنا إلى سديمي ..

 (2)

تك ...ت... ك ... ك...  أغلق القلعة على الساعات  .

أبتسم .أتصوّر حوارا سيكون بينها بعد أن أخرج ..

بين ساعة معطّلة مثلا و ساعة تمّ إصلاحها.

ترى ماذا يفعل الوقت حين يضيع وقته؟

وكيف يستدرك الزمن ما يفوته من زمن؟

يدخل أبي . تتبدّلُ سحنة الزمن . تسيحُ الألوان .

يصيرُ العالم داخل البيت لوحةً بلونٍ واحد.

 (1)

رأتك نورا في منامها  البارحة.

كان وجهك دائرياً ... وعيناك ساعتين .

ساعتين بلا عقارب .

(0)

 و كنتَ...  بلا فم .

 ***

آسيا رحاحلية

 من مجموعة " تدق الساعة تمام الغياب"

2016

 

صحيفة المثقفرأيتك في المنام على سرير         من الديباج والكلل الغوالي

فقلت : مليكةُ زارت  مقامي     رأها القلب شمسا في العلالي

اما تنظر الى الانوار شعت            على الدنيا بألوان الخيال

وعيناها كعين الظبي حسنا             تساقيك المودة  كالزلال 

واملود تجلت في المرايا              فكنت لحسنها عبد الجمال

كأن  تستاف عطرا من ورود     يساكر عطرها حتى الظلال

وكم تسبيك من غنج خطاها            تسير بمهلها سير الدلال

فان مرت فقل بنسيم صيف       يمرعلى الصبايا في الحجال

فان ضحكت فعن شنب برود        كلون الثلج في قمم الجبال

فان جادت عليك ببعض قول           تطير به الى افق الهلال

وقفت بدربها ارجو وصالا            فجادت بالتحية والتسالي

فكاد القلب يقفز من ضلوعي        وعقلي تاه في فلك المحال

وكانت والحقيقة عقد تبر                 تكلل بالحلاوة والكمال

فسبحان الذي قد قدّ منها                   مثالا لايقارن  بالمثال

***

احمد زكي الانباري

 

بكر السباتينأربع قصص قصيرة

(1) موظف عند عزرائيل

تقدم شاب ثلاثيني ملتحٍي من سائق الحافلة وسأله بلطف شديد لو يستبدل فيروزيات الصباح بمحتوى الشريط الذي معه.. انتبه الركاب للأمر متذمرين، بعدما استجاب السائق إليه على مضض..وقد تلاقت عيونهم خلال المرآة الأمامية.. أخرج السائق القرص المدمج من المكان المخصص له ثم ألقمه بالذي يخص الشاب.. إلى هنا والوضع طبيعي وخاصة أن المقدمة كانت توحي بموعظة دينية هجعت لها بعض الأنفس في الحافلة وهي تهبط الطريق الملتوي إلى عمق الوادي، ومررتها الأخرى دون احتجاج ومال البعض إلى التغافي كأنها رحلة لا تنتهي إلى المجهول. ولكن ما أن بدأ الشيخ مسترسلاً في وعظه المعزز بالشواهد عن عذاب القبر.. يتلوا قصة تلو الأخرى.. تململ الركاب مستعيذين بالله من الموت!! لكنه ما أن راح يجهش بالبكاء والعويل وكانه فقد عزيزاً عليه.. انتفض كل من في الحافلة.. وتعالت الأصوات.. فهذا يقول:

" يا فتاح يا عليم..هل هذا وقته!".

وآخر:

" أعد على مسامعنا الفيروزيات! هذا الشاب أقحم علينا مادة لا يشتهيها الناس وقت الصباح!".

وردد آخر:

" والله توقعت مٍنْ هذا الشيخ ذلك!!".

إلى أن صاح السائق في الجميع:

" طنيب على ولاياكم تسكتوا".

فابتسم الشاب الملتحي بأدب جم قائلاً:

" أثلجت صدري يا طيب".

إلا أن السائق سحب الشريط المدمج الذي يخص الشاب وطوح به عبر النافذة صارخا:

" حل عنا خنقتني.. اجلس مكانك".

جلس الشاب وراح يستغفر الله ويلعن الشيطان طوال الرحلة والسائق يهز رأسه كاتماً غضبه.. وخاصة أن الرحلة إلى إربد في بدايتها.. فما أن انتهت حتى تراضى الشيخ مع الركاب وغادروا الباص متسامحين.. إلا السائق الذي بقي على حاله متمتماً:

" الموت يا شيخ!! هي ناقصة"!

وفجأة انزلقت الحافلة باتجاه عمود الهاتف الخشبي.. لكن السائق تفادى الحادث ببراعة.. فغمر هدير محرك الحافلة الأجواء التي انتشر فيها دخان العادم الأسود.. فهب بعض الركاب بدافع الشهامة إلى الباص الذي ركنه السائق جانباً؛ كي يطمئنوا عليه. فحمد الله. ولكن الشاب عاد يذكر السائق بالموت منبها:

" ألم اقل لك بأن الموت يباغتنا في كل حين ما يستوجب الاستغفار لا التلهي بأغاني الساقطات".

فاستشاط السائق غاضباُ والحروف تمر في حلقه كالجمر فتخرج من فمه وعيونه كالبركان:

"عكرت مزاجي خيبك الله"

ثم حمل السائق المفتاح وتأهب لإلقائه على الشاب:

"أغرب عن وجهي يا خفاش.. اصبحنا واصبح الملك لله.. شو حضرتك موظف عند عزرائيل"!!

**

(2) السلحفاة واليرغول

وقف الراعي ذات صباح على صخرة أعلى الجرف، وراح يتمطى متأملاً الشمس وهي تعلو فوق الأفق!! وأخرج اليرغول من جعبته واستلقى عل العشب.. ثم جعلت أصابعه تتبادل سد ثقوبه بتناغم مع بوحه الشادي.. فتطرب الخراف وتلهوا سعيدة بالغناء.. ويسير الراعي بالقطيع على محاذاة الطريق المتعرج الطويل.. فيبدو لعين الصقر كأنه سلحفاة تزحف كالزمن البليد..

وفي نفس اللحظة!

كان عزمي بكل عنفوان الشباب، يركض إلى سيارته الفارهة كأنه أرنب في مضمار السباق.. شغلها وضغط على دواسة البنزين، مطلقاً لها العنان كأنها شيطان غير آبه بمهالك الطريق.. تعمد قطع إشارات المرور، فعقرب الدقائق في ساعة يده كاد يفجر الرقم ثمانية وهو يثبته ببلادة!! سيصل متأخراً لو حصل ذلك!! داس في طريقه على قطة كانت تسعى لرزقها! فتمتم الشيطان في أعماقه:

" لا بأس.. هذه أرزق عزرائيل"!

استدار بسيارته نحو مدخل المرآب!! سارع لركنها في المكان المخصص لها! أغلقها ثم توجه إلى المصعد وجبينه يتصبب عرقاً.. ضغط على الرقم عشرة!! فما أن أضاء الرقم المنشود حتى تأفف من ضيق الوقت فاستلحق ما تبقى منه راكضاً! وزملاؤه يصفعونه بملاحظاتهم المؤنبة:

" تأخرت كثيراً"..

" المدير وبخ الجميع لأجلك"..

" الأفضل أن تأخذ إجازة فالمدير يتوعدك شراً"..

ماذا يفعل عزمي في هذه اللحظات العصيبة!؟ قلبه يتهالك نابضاً.. أعصابه مشدودة!! ضغطه يعلو حتى أوشكت شرايينه على الانفجار.. الأرض تميد به!! الجدران تدور.. السقف يكاد يتهاوى.. الأصوات تختلط عليه.. كل شيء ينكتم فجأة! كأنه صمت القبور؛ ليجد نفسه مستلقٍ على سرير الشفاء في عيادة الشركة.. ومن حوله الموظفون يطمئنون عليه.. ويضغط البعض على يده تباعاً .. وتمتم أحدهم في أذن المريض معاتباً:

" الدنيا مش طايرة بدها صبر"..

ثم ردد الجميع في تتابع غير منتظم:

" الحمد لله على سلامتك"..

في هذه الأثناء غشاه صوت اليرغول عبر النافذة وسط ضجيج أحدثه قطيع الأغنام حول حاوية النفايات.. تذكر الراعي قصة السلحفاة والأرنب المجنون الذي قادته رعونته إلى الموت.. أعجبه صوت اليرغول فتغافى كسلحفاة ما لبثت تمضي في طريقها إلى الشفاء.

***

(3) (عذرك مقبول)

المتعوسُ بعد أن أغلق علي نفسه بابَ سيارته الفارهة وهمَّ على الإنطلاق بها عبر الطرقات غير المعبدة جيداً؛ فتح النافذة، وبصق على الرصيف باستهتار. وكأنه يمتلك الأرض وما عليها.. لم تعجبه نظراتي التي أرسلتها إليه شزراً، فرد عليها بنظرات متوقدة بالتحدي والإدانة، ثم رماني بسؤاله متحديا:

" ألم أعجبك حتى ترمقني بنظراتك المريبة هذه!".

طويت الشر مشيحاً بوجهي عنه ؛ فكلانا يتقصد باب رزقه ولا نريد تعكراً ليومنا هذا. وتساءلت مندهشاً:

"ربما شتمني هذا المعوق بلسانه المزفر حينما هز رأسه متمتماً بصوت مكتوم..! الجبان الرعديد".

وكأنني أحارب طواحين الهواء إذْ تظاهرت لنفسي بأنني سألحق بالسيارة كيفما اتفق!! كي ألقن ذلك الأرعن درساً لا ينساه في الأخلاق؛ سوى أنها انطلقت كالصاروخ ليبتلعها شارع فرعي يؤدي إلى مبنى وزارة الداخلية.

" إذاً!! ليس باليد حيلة؛ فقد اختفى الجبان".

فبصقت على أثره عفوياً بملئ فمي حتى تطاير الرذاذ على شجرة كنت أستند بظهري عليها فيما أصاب شيء منها جانب الرصيف؛ لأفاجأ أيضاً بمن كان يرمقني بنظرات استهجان ذكرتني بموقفي مع السائق قبل قليل .. فابتسمت في وجهه معتذراً وقد داهمني شعورٌ بالخجل.. فتجاوب الرجل مع موقفي بابتسامة عريضة. كأنه يهمس لي :

" أمضِ في طريقك فلا عليك.. عذرك مقبول".

**

(4) "في وجه الريح"

تعصفُ برأسِك المحمولُ على جسدِك المتعبُ أسئلةٌ تبدأ بمن أنت !! يدور الرأسُ حولَ علامةِ التعجبِ المغروسةِ في نخاعِكَ الشوكيّ؛ تتوترُ رسائلُ الحواسِّ وهي في طريقها إلى رأسِك المعصوفُ بزوابعٍ من الأجوبةِ المبهمة.. ستقف أمامَ نفسِك يا هذا!! كأنك لا شئ.. تعتصرُ الحيرةُ ملامحَ وجهِك المدفونُ بين تجاعيدِ الهرم وخطوطِ الزمن البليد..كأنها شبكةُ صيدٍ تموجُ مع الرياحِ في يدِ المجهول.. تبحثُ عنكَ في زحامِ الأسئلة .. تنعقد بين عينيك المنغلقتين في تقطيبةٍ لا ينبعث منها جواب.. أحلامُك نضبتْ في وجهِ الريح.. سماؤك تستبيحُها الغربانُ..صوتك يُرعِدُ في سماءٍ دون غمام.. تختبئ وراءَ تقطيبةٍ لا ينبعث منها جواب.. تنعصر بين عينيك وقد أثقلتَ بجسدك المأسور شبكةَ الصياد.. وروحك يطاردها الخوف في غياهب الفناء.. فهل تلتقيها فتخرج حياً كالعاصفة من فم الجواب!؟تترنح الخيبة بين عينيك كأنها طفل غرير يبحث عن أمه في مجاهيل الخوف.. وقد أثقلتَ بجسدك المأسور شبكةَ الصياد.. وروحك يطاردها الخوف في غياهب الفناء.. فهل تلتقيها فتخرج حياً كالعاصفة من فم الجواب!؟ تبتسم في وجه زهرة النور فيشتعل النهار.

***

بقلم بكر السباتين

2 فبراير 2020

 

 

عادل الحنظلفي صدرهِ غارتْ رصاصة

يجهلُ من أطلقها

قيلَ لهُ انتَ شهيد

**

حين جئتُ الى الحياة

أحببتُ الضوء

لذا اختبئُ منهُ في كلّ خطيئة

**

أتعبني الوقوفُ على رُكَبةٍ مرهَقة

كمصراعٍ تَصِرُّ

وليس الذي فوقها بأفضلَ مما تحت

**

لستُ كهلا

انما شابت الأيامُ حولي

فرأتني لا أُطاق

**

لن يمنحكَ القبرُ عفوا سرمديا

ان كنتَ قبلَ المجيء

لم تعرف الطريق

**

أنا قنطرةٌ

ما بين أمسي وغدي

لكن أمسي يعبرُ من جسرٍ آخر

**

تزعجني قرقراتُ الضفادع

لعلّ عشّاقَها يغنّون

لكني أشْتُمها

**

أُمعِنُ في المرآة النظر

لا حُبّا بي

بل اقتفي شِعابَ خرير الأيام

**

لستُ نوُحا

قضى طائري لما رأى

ألّا يابسةَ في أرض الاجداد

**

أحببتُ إمراةً... وتعلّقتُ بأخرى

وتضرّعتُ... إلهي

أنّى تأتي الثالثة

**

كيفَ للعاشقِ أن يعرف

أنّ صريرَ الشوق

يهتكُ صمتَ الاختلاء

**

حين تكسرُ الريحُ غصنا فوقَ عش

لا يشتمُها الطير

بل يندبُ الشجرة

**

يعشقُ النهرَ

ذلك القاربُ المتأرجح

أما أنا فألعنُ الموج

**

كيف تعرفُ الأسماكُ أين الشباك

ان كانَ الماءُ الذي هيَ فيه

يخدعُها

**

عادل الحنظل

 

 

احمد بلحاج اية وارهامفِي خَافِقِ الْوَقتِ

انْزَلَقْتُ،حَامِلاً

خَرَائِطَ الْوَجْدِ،

تَضُوعُ مِنْ كِيَانِي الْكَائِنَاتُ.

لَا مَدَائِنَ اسْتَطَابَتْ خَمْرَ شَهْوَتِي

وَلَا أَسْمَاءَ دَلَّتْ وَجْهَهَا

عَنْ صَحْوَتِي.

كَأَنْ رِيَاحُ الْغَيْبِ سَدَّتْ سُبُلاً

أَوْقَدَهَا الْعِشْقُ بِشَمْسِ خُطْوَتِي.

**

كَيْفَ إِلَيكَ يَا حَبِيبِي أَمْتَطِينِي؛

إِنَّنِي...

مُنْسَحِقٌ،بَيْنَ لُغَاتِ الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ

كَعِطْرٍ مَا لَهُ جُذُورْ.

أَنْتَ إِذَا الْبَهَاءُ عَلَّقَ دَمِي

عَلَى سُتُورِ بَيْتِكَ ارْتَمَضْتُ

لَكِنْ فِي يَدَيْكَ شِمْتُنِي

مُرَفْرِفاً

أَجْنِحَةُ التَّسْبِيحِ خُضْرَتِي وَمَائِي،

فَابْذُرِ الْمَعْنَى الَّذِي تَرَاهُ فِيَّ

كَيْ أُرَانِي عَارِياً مِنْ ذَاتِي

وَمِنْ جَوَاذِبِ السِّوَى

قَبْلَ انْتِشَاءِ الطِّينِ بِالْأَنْفَاسِ

قَبْلَ سَجْدَةِ الذَّرِّ عَلَى

طُنْفُسَةِ التَّكْوِينِ،

إِنِّي لُغَةٌ

مَنْسُوجَةٌ بِحَيْرَةٍ خَضْرَاءَ

مُدَّهَا بِقَطْرَةِ الضِّيَاءْ

كَيْمَا تُبَادِهَ  الْأَسَامِي

بِالْخَفِيِّ فِي تُرَابِ حَدْسِهَا

فَتَخْصِفَ السَّوْءَاتِ عَنْ أَنْفَاسِهَا.

**

بِقَطْرَةٍ مِنَ الضِّيَاءِ

مُدَّنِي حَبِيبِي

بِلَمْسَةٍ دَثِّرْ جَنَانِي

فَالْوُجُودُ دُجْنَةٌ

تَصْعَدُ فِي نَحِيبِي.

***

أحمد بلحاج آية وارهام

 

السعيد مرابطيالكلبُ رهنَ كثِيف ضبَاب

يُحملقُ ..ثم يمتَعِض.

الظَّهيرَة مُبللةً

تُـشنِّجُ المارّة.

الفرَاشاتُ احتَرقت..لمْ تنجُ من شَرر

أَواخرِ نَهارَاتِ صَيفٍ أحْمر..

! يـَا  لِتـوَهان حَديقـتِي

شَمسٌ جَـذلَى وسمَاءٌ رهينةٌ

تُهددُ بالاختِناقْ.

خـُذلان بادٍ في أفقٍ باردٍ تحْت عضّات ضَبَاب.

على أرضِ الحَديد والبأسِ الشّديد،

ينهالُ جُمود حيثُ الظّهيرة في ارتيَاب.

الآن..كـخَرْدلٍ مُصفرّ

تتناسَل الأوْراقُ إلِى أسفَـل، فـَأمّا

الضّبابُ في هجْمتِه فلاَ يـُهزم.

السـدّ علَى مَرمَى مَحطِّ طيْر، يَعِدُ بمَواسمَ

تُلوِّح  بهواجِس رطُوبة .

جديدُ عهْـدٍ سرّب الذُّعـرَ إلَى نفُوس

الـمُسِنّين.

صوتُ بوقٍ يائسٍ يُطلق صرخة بـَائِسَة

بـها عـَدميّة،

أَسندَت رأسَ رافِعة لأديمٍ مائِــل..

ها شعَـار قدِيم مُبعثر،

واجِهة تَحوِي بياناتٍ عـتِيقة..

كُدّاس خامِ المنجَمِ* منْظور لِبأْس..

حَد َّغـُروبِ المنجَم الأكْـبر ، استسلَمتْ

!مَدينتي

وسَط الضّباب احتَواهاَ الضَّياع.

حيَال عُزلتهَا ، أزفَرتْ بِشكْواها.

خَريف بِلا وَهَج، حطَّ هُنا البَارحَة.

 

اندسَّت  قشَعْريرَة بِريح شَمال..

كمَا انتِكَاسة ، احتلَّ حُدودي وهنْ.

تقلَّصت سُويعَاتي...

بهَذا اليوْم الرَّمادي، طفقَت ذاكِرتي

تشدّ ُعلىَ جَمرتِها..

أنتَ يا رذاذَ الحُزن السّـكُوب

يغـزُوني الآن مَطرك.

يا بهْجةَ أيّامي المشهُورة

عـِطركِ استرَاحَ

ولم يَـعُد يفُـوح ..لاَ

جُلوس هناكَ حَول طاوِلة،

لا ثرثَرات ، أو غمَزات ،لا أحَاديث جمّة..لا قهقهَات

لا صرِيرَ كراسِي..لاَ شيءَ هناك..

الآن.. كُل شَيء في عـِداد صَيف انطفَـأ ْ

! فأمّا ما تبقَّى ، فـلقدْ تصَحّـر.

 

يا مطرَ الطِّين،

ذا قـَلبِي غَارِق في البَـلل.

هُو ذَا يدقّ ُ مِسمارَ حُزنه في جبْهةِ

وقْتٍ  أصْـلَع...

ذَا رَسْم مَخطُوط ،

وذِي غُرفة بأبَاجُورة مسَّها حنِين مَحزُون.

لا..لاَ..لا..

! أنا لَستُ علَى مَا يُرام

كلَّما تَدافعَت الأضْواء مُنطفِئة تَـغفُـو ..وتـَئن،

لمَ أنتَ يـَا قلبي تُصابُ بالشّجوِ

وبـِأثـقالِ الشَّجن ؟

***

شـعر /السعيد مرابطي

.....................

* منـجم : إشارة إلى منجم الحديد لمدينة الـونزة بشرق الجزائر

 

عبد اللطيف الصافيدعيني أموت من وطأة الحنين

القاسية..

ومن شغف يكبر في الحشا،

يسقى من عين

جارية.

لا يزيدني إلا جوعا وعطشا.

أفرشي كفيك لقلبي

نعشا..

وشيعيني إلى ما وراء احلامي،

ثم عودي إلى سرير الغياب،

ونامي..

وانتظريني..

إلى أن أبعث اليك ،

مع نسمات الصباح الممتد في أحزاني،

غير تائب من حبك..

ومن أسقامي.

**

 دعيني أنام طويلا، على كتفيك.

لأتعافى من زكام الحياة،

و ركام الذكريات،

وأستريح قليلا..

من منعرجات وصل مقيم

في ذاتي..

و ازدحام الامنيات.

واحرسيني من سباتي،

ومن أضغاث أقلامي،

إلى أن أعود إليك..

مع ابتسامة الفجر المطوق بالندى،

وصهيل النايات.

مدثرا بلون عينيك،

وشذى فرح..

يولد من زهرة الليلك.

***

عبد اللطيف الصافي-كلميم/المغرب

 

 

عدي المختار- مختصر الوجع العربي -

فصل ومشهد واحد

شخوص العمل:

1- امرأة

2- رجل 1

3- رجل2

4- رجل3

5- بطل من التاريخ

6- تونسي

7- مصري

8- ليبي

10- بحريني

11- سوري

سنكرافيا العرض:

المسرح مظلم دخول مجاميع على شكل تعاقبات بعضها يهتف ومن يقابلها يلطم واخرى تهلهل واخرى تلعن بحجارة.. ومن ثم ظلام إلا من بقعة ضوء وسطه مسلطة على الرجل الأول والثاني والثالث مع مجاميع من الأشخاص الذين يكونون بحركاتهم خارطة الوطن وأسلاك شائكة ومن ثم تعلو أصوات انفجارات وعويل وانين يتحركون خلالها مع المجاميع بحركات مختلفة تعبر عن سقوط المجاميع ونهوضها لتشكل سفينة كبيرة).

الرجل الاول: لماذا نحن من ندفع الثمن؟

الرجل الثاني: لا بل قل.. لماذا يدفعون لنا الثمن .

الرجل الثالث: لأنك.. لأنكما بعتما وهم اشتروا .

الرجل الاول: لا لم أبع .

الرجل الثاني: لا لم ابع .

الرجل الثالث: بعتما.. بل باعوكما .

الاثنين: نعم باعونا .

البطل: باعونا.. ورحلوا.

الرجل الثالث: رحلوا.. وباعوكما بكفن .

الرجل الاول: لا.. لا.. راحلي رحل بلا كفن .

الرجل الثاني: وراحلي استدان كفنه .

البطل: الكل رحلوا.. ودفعوا ثمن الكفن .

الرجل الثالث: (يضحك) باعوا.. ورحلوا.. من غير كفن نبيل يغطي عري خيانتهم.

الرجل الاول: خيانتهم؟؟

الرجل الثاني: خيانة؟ نعم.. نعم خيانة.

الرجل الثالث : وسرقا

البطل: سرقا؟؟

الرجل الثالث: نعم سرقا.. سرقا الارض التي لاذوا فيها بعريهما .

الرجل الاول: سرقوا الارض؟

الرجل الثاني: عراة؟

الرجل الثالث: سرقوا.. وهم عراة

البطل: الأرض ما عادت لنا

الرجل الأول: الأرض كلها لم تعد لنا .

الرجل الثاني: لم تعد لنا هي منذ زمن طويل .

البطل: بل قولوا الخيانة اقدم من الارض .

الرجل الثالث: اي خيانة ولأبواب موصده من كل الجهات .

الرجل الاول: اي خيانة والغد يصلب على مقصلة الوعود .

الرجل الثاني: خيانتهم للوعد ام للغد؟

البطل: خيانة.. حينما وقفنا نهتف بهتاف التأليه.. بالروح بالدم يا.. ولما لرحل كررناها بحثا" عن هبل اخر.. ومن ثم حملنا النار والرصاص على ظهورنا لنطلقها.. هنا.. او هناك.. وحملنا الكسل.. نعم الكسل حملناه على افئدتنا نشيد عجز.. حملناه على السنتنا تراتيل خواء.. لا حول ولا قوة لأرادتنا لا نفع من اذاننا التي تسمع وعيوننا التي ترى والسنتنا التي اصابتها شيزوفرينيا الصمت..

الرجل الاول: صمت.. الصمت طريق لا عودة منه.. والشعارات.. الشعارات تطير.. تطير دون خرس .

الرجل الثاني: الصمت.. الصمت .نشوة تمتد من النوم حتى ساق العدم.. والنواح يتسلل خلسة من نوافذ لم يوصدها جيدا الاجداد

الرجل الثالث : الصمت.. الصمت.. خيانة عظمى لا يعرف معناها الا الصوت.. الصوت (يبحث) الصوت.. الصوت محض اصوات تعالت هناك.. لا هناك.. لا هناك.. تحاصر الجدران دون ان نسمع .

البطل: الصمت؟.. هههههههههه حينما نصمت نكون اصدق.. فالأصوات خانتها الاصوات.. وعلى مقربة من جدران القلب تشابكت الاصوات وضاع الصوت مابين الصوت والصوت فولدة خيانة..

صوت امراة تنعى من خارج المسرح: دللول.. دللول عدوك عليل.. وساكن الجول.. دللول..

البطل: (يجوب المسرح صارخا) خيانة.. خيانة.. خيانة .

الجميع: (بأستغراب) خيانة؟

المرأة: خانوا حتى البطن التي وجدوا فيها.. والصدر الذي ارضعهم.. والايدي التي حملتهم.. خانوا لا لشيء الا لأجل الخيانة..

الرجل الاول: مابين.. تيه.. وتيه.. كانت احضانك عنوان ومحطة..

الرجل الثاني: لم المبالغة ولازال هناك متسع من الحب..

الرجل الثالث: كفى عويل ونياح.. سيمفونية الحياة ليست نشاز لهذه الدرجة..

المرأة: حينما تكون كما البئر تزف لشفاه الظمأ ما فيك.. فانك عند اذ تعرف ما معنى ان تعطي وجودك لصحراء العدم دون جدوى..

البطل: لا عليك.. لا عليك.. لازال متسع للحياة..

المرأة: لا عليك !.. لازال متسع للخسارات.. لازال متسع للحزن..

الرجل الاول: ولم الحزن؟

الرجل الثاني: واصلي المسير.. لازال الوقت مبكرا على العزلة..

الرجل الثالث: قبل ان يداهم روحك ومحياك لهاث الشيخوخة..

المرأة: وهل بقي افق ممتد؟ وهم اخذوا كل شيء ورحلوا

البطل: كل شيء قابل للتعويض الا العمر..

المرأة: (مقاطعة) الا العمر.. نعم.. الا العمر.. والعمر سار مسبيا الى حيث الخريف مبكرا..

الرجل الاول: (يحمل مرآة) لا.. لا زال متسعا للربيع..

الرجل الثاني: (يحمل مشطا) لا.. لازال متسعا للربيع..

الرجل الثالث: (يحمل عطرا ينثره في فضاء المسرح) لا.. لازال هناك متسعا للبدء من جديد..

البطل: (يحمل عباءة ويضعها على رأسها) لازال هناك متسعا للتعري مجددا..

المرأة: (تصرخ بهم) لازال هناك متسعا للتوهان.. لازال هناك متسعا للتيه.. الف عام ورحى الحروب تدور في قلبي وجنودها دمي وانتصاراتها نصال الشيب في راسي.. الف عام وانا في وداع مستمر.. فأي ربيع آكل اخضر عمري ويابس ما فيه؟..

الرجل الاول: كل شيء قابل للتعويض..

الرجل الثاني: هي مسألة علمية..

الرجل الثالث.. الخسارة فعل.. والتعويض ردة فعل.. كل شيء قابل للتعويض..

المرأة: (بحزن) ومن قال ان ما فيه قابل للتعويض..؟

الجميع: ستعوضينه..

المرأة: حب بدايته (تغني اغنية موصلية) يردلي.. يردلي سمره قتلتيني.. (صمت) فقتله التيه على حدود الجنوب..

الجميع: ستعوضينه.. بحب اخر..

المرأة: اب ودعته بأناشيد الحرب (تغني اغنية حربيه قديمة) كلنه مشينه.. مشينه للحرب.. واحد يدافع عن محبوبته محبوبته كلنه مشينه للحرب (صمت) فغاب بلا كفن او علم يعلن شهادته من غيابه..

الجميع: ستعوضينه.. تكفيك ابوة الوطن..

المرأة: ام.. اخ.. غيب دون سابق انذار.. تهمته نثر الاوراق الملونة بعد منتصف الليل..

الجميع: ستعوضينه.. تكفيك اخوة الزمن..

المرأة : (تضحك بتهكم) ابوة الوطن.. واخوة الزمن.. شعارات.. شعارات.. ليس سوى شعارات.. تشبه تماما تلك الشعارات التي كان ينثرها اخي ليلا ولم تنقذه او تجدي مع الوطن نفعا..

البطل: (ينثر بطاقات ملونه في المسرح وعلى الجمهور) لابد من ثمة تعويض فالساحات غشيها الهتاف وبحاجة لما فيك.. وبحاجة لما فيك..

المرأة: (تصرخ) بحاجة.. بحاجة.. كفى.. كفى لا اريد ان اسمع هذه العبارة الا يوجد غيرنا من يسد احتياج الوطن ساعة الاحتياج.. فبطوننا غدت بور مما قدمنا وحصدتهم السيوف تارة والرصاص تارة اخرى والغياب غالبا ومن دون هوية دائما.. كفى.. كفى.. لا اريد ان اسمع.. لا اريد ان اسمع..

الرجل الاول: كلنا هكذا نساق الى حيث التيه دون ارادتنا..

الرجل الثاني: نحصد التيه ويصادروه منا بمزايداتهم..

الرجل الثالث: بشعاراتهم نؤبن من تاهوا في غياهب التيه دون جدوى.. (في اشارة الى سبايكر)

المرأة: وطن عاق.. يريد.. يريد ولا يعرف مالذي تخلفه كلمة (هل من مزيد) في مواسم عمرنا..

البطل: (بهمس) اش.. اش.. لا تكسري خواطرهم وتقللي من عزائمهم.. فهم ماضون رغم كل الندم والاسف الذي تظهريه..

المرأة: انا لا انشد ندما عن حق مستباح بل اطلق فراشات حزني تؤبن ولادتي المستمرة لشهداء التيه..

الرجل الاول: هل من مزيد؟

المرأة: لا.. لا

الرجل الثاني: هل من مزيد؟

المرأة: لا جديد الا الغياب..

الرجل الثالث: انه يريد مالا تريدين !

المرأة: لا شيء في الرأس الا نصال الشيب فليأخذه..

البطل: يريد مالا تريدين !

المرأة: لا غير ربيع الشيب عندي..

البطل: كفى.. نجترح الوجع ذكريات.. اننا بأمس الحاجة لمحو الخيانات..

الجميع: خيانات؟!!!

البطل: نعم خيانات.. فكل ما في الامس خيانة.. هاك إقراء وسمع جرح صوت واحد والبقية تأتي.. والبقية تأتي.. والبقية تأتي (يوزع الصحف عليهم ويتحول المسرح ملحمي الزمكاني لانتقاله من بلد لاخر ويظهر في زوايا المسرح شخصيات تمثل بلدان الربيع العربي والامر هنا متروك للمخرج في جعلهم اما يعتلون منصة مرتفعة وهم يحملون صحف يقرؤونها ومع كل قراءه لصحيفة تظهر صور وسط المسرح تمثل هذه الاحداث وبعد كل حدث يضيق عليهم المسرح بحواجز) .او يحولها لفوضى عارمة يخرج كل دقيقة شخص من الفوضى يقول مالدية ويعود لها.. الامر متروك لرؤية المخرج .

الرجل1: (يظهر في مكان ما من المسرح يقرأ بصحيفة ): صحيفة الجمهورية.. القوات العراقية تجتاح محمرة إيران للتنزه.. (يرمي الصحيفة)هههههههههههه

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وسط هتاف الملايين من الشعب العربي.. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.. هههههههههههههه

الرجل2: صحيفة الثورة.. العراق يجتاح الكويت.. لان التاريخ تذكر الآن انها عراقية .. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وسط هتاف الشعب.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة..

الرجل3: صحيفة بابل .. الحصار الظالم يقتل اطفال العراق.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وسط برقيات العهد الموقعة بالدم من رؤساء العشائر وهم يهتفون.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.. ههههههههههه

الرجل1: صحيفة الاهرام.. عراقيو المنفى سيدخلون بغداد ليلا وهم يحملون رصاص المارينز.. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: (يصيح بها لاسكاتها) بدلا من الورد.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.. ههههههههههه

الرجل2: صحيفة الصباح.. الشرطة العراقية تلقي القبض على مجموعة مسلحة كانت تنوي تهريب النفط لدول الجوار .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: بدلا من تصديره.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.. ههههههههههههههه

الرجل3: صحيفة بغداد.. الشرطة العراقية تلقي القبض على مسؤول رفيع المستوى كان ينوي تهريب اموال وزارته .. .(يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: بدلا من اعمار العراق.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.. ههههههههههههه

الرجل1: صحيفة العراقي.. قيادات برلمانية تجتمع مع قيادات الامس الدامي.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: بدلا من القصاص منهم لمكافئة ذوي الحشر الجماعية.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.ههههههههههههه

الرجل2:.. صحيفة الحقيقة.. بعثيون صغار غرر بهم يموتون جوعا .. .(يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: والكبار مدللون.. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.. ههههههههههههههه

الرجل3: صحيفة العراق.. العراق يغتال خلسة بلا أنين.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: إلا من وقع الزنازين.. وفحولة رجل قتل وشرد وسبى وأمعن وتجبر.. والكل يهتف كان (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ).. خيانة.. هههههههههههههههه

الرجل1: صحيفة البعث .. العراق يداعب بشبابه ايران.. العراق يجتاح الكويت.. امريكا تجتاح.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وسط هتاف الملايين من الشعب العربي.. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ) خيانة.. هههههههههههههه

الرجل2: صحيفة اليوم.. احزاب تولد.. واخرى تموت.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: والملثمون سيدخلون المدينة ليلا فاتحين (يصرخ ويرمي الصحيفة) خيانة.هههههههههههههههه

الرجل3:.. صحيفة العرب.. العرب يجتمعون والشعوب تموت.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وداعشهم توزع الدم بدلا من الورد (يصرخ ويرمي الصحيفة) خيانة.. هههههههههههههه

الرجل1: صحيفة أبناء العم.. القوات الامريكية تجتاح العراق .. .(يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: عن طريق الخطأ.. (يصرخ ويرمي الصحيفة) خيانة.. هههههههههههه

الرجل2: صحيفة الأخر.. الحكومات العربية توزع فيس بوك .. .(يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: بدلا من الرز (يصرخ ويرمي الصحف) خيانة.. ههههههههههههه خيانة.. الكل اخطأ بحق الكل.. قتل.. ثكلى.. دموع لا تهدأ او تكف وايتام بعدد شعر الراس.. وشهداء بلا اكفان.. مناورات دموية.. وربيع اختلفت عليه المواسم واختلف فيه الريح..

 

الجميع: وهل بعد هذا الجرح ثمة ربيع عربي؟!!

البطل: ربيع بلون الدم.. واخر بلون الندم.. واخر مرارة بالفم.. (يعاود حزنه) والبقية تأتي.. والبقية تأتي

تونسي: (يظهر في مكان ما من المسرح يقرأ بصحيفة ): صحيفة الخضراء.. جياع.. عربة من نار.. ,السماء تمطر أوراق ملونة مطرزة باللعنة تطارد الليل بلهاث الاقتفاء.. و.. البقية تأتي تباعا.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وهم ما بين.. بين.. يهتفون.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ)..

ليبي: صحيفة طرابلس.. الشعارات جوع اخضر.. والجنون فنون في زمن ارعن.. ورايات الزعيم أشباح تتراقص ألما على أرصفة الرحيل.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وهم ما بين.. بين.. يهتفون.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ)..

مصري: صحيفة التحرير.. ساحات للهتاف.. , يكرم المرء فيها أو يهان،،،، عيون تنصت.. آذان ترى.. عيون الرئيس من زجاج،،، نظرات الفقراء من حجر.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وهم ما بين.. بين.. يهتفون.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ)..

بحريني: صحيفة دوار اللؤلؤة.. دم البحرين قان.. ونسيم الربيع محرم علينا وبعيد.. بعيد.. رغم الدم وخيانة ابن العم.. فأشباح الهارب.. والمخلوع.. والمهزوم.. والمكابر.. تطاردهم واحدا تلو الاخر.. و.. البقية تأتي تباعا.. .. (يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وهم ما بين.. بين.. يهتفون.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده ويصرخ)..

سوري: صحيفة اللاذقية.. امريكا تجتاح العالم عن طريق الخطأ.. بربيع موهوم.. وضبط اسلحة .. مختوم عليها صنع في مشتل الورد التغيير عنوانه وهدفة التطرف .. .(يرمي الصحيفة)

المرأة: (تهلل) كلللللللللوش

البطل: وهم ما بين.. بين.. يهتفون.. .. (تردد المجموعات).. بروح بالدم نفديك يا.. (فيقاطعها هو بيده وبصوت عال تختفي خلاله الشخوص لعربية او تبقى رهن رؤية المخرج او يستعملهم لخنق المسرح وابطال العمل في المشهد الاخير).. خيانة.. خيانة.. الكل اخطأ بحق الكل.. قتل.. ثكلى.. دموع لا تهدأ او تكف وايتام بعدد شعر الراس.. وشهداء بلا اكفان.. مناورات دموية.. وربيع مابين.. بين.. مابين.. بين

الرجل الاول: وما عاد المحرم محرم ..

الرجل الثاني: اغتالوا من كل مقدس قدسيته..

الرجل الثالث: أعوام مضت.. وبيتنا يسرقه تجار الحروب.. سماسرة الأمس.. تجار اليوم .

الرجل الاول: شارعي لازلت لا استطيع ان اداعبه بكرة قدم لأسباب شتى

الرجل الثاني:واذ ما حل الشتاء احتضنتنا بحب مياه غسلتنا.. فاغتسلت بنا .

الرجل الثالث: يوم.. بعد يوم.. عد تنازلي لانعدام الضوء.. واجتياح تصاعدي للظلمة .

الرجل الاول: يا لنا من مساكين.. نضحي.. ونضحي حتى بالغد..

البطل: ألكل هذه التضحيات الارض بيعت؟!!.. ولم يبقى منها سوى قليل من الضمير. والكثير من انعدام الولاء.

الرجل الاول: ولكل هذا نحن مرتحلون منفيون؟

الرجل الثاني: مقيدين.. معصوبين.. مغدورين .

الرجل الثالث: ورؤوسكم بثمن..

البطل: اكثر الرؤوس حسنات أغلاها ثمنا عند السياف.

المرأة: لا.. لا..

الرجل الاول: من باع من؟

الرجل الثاني: أبائنا باعونا.. أم..؟

البطل: باعونا خارج أسوار التاريخ .

المرأة: نعم.. نعم..

الرجل الاول: ام نحن من بعنا كل شيء لأننا آثرنا الصمت ونحن نواظب على الفرجة في أعراس الدم؟.

الرجل الثالث: كلاكما باع الآخر .

المرأة: نعم.. نعم..

الرجل الثاني: كلانا باع الآخر؟

البطل: الراحلون باعوا الأرض.. أم نحن من بعنا الوطن؟

الرجل الثالث: من اجل البقاء والسلطة.. الكل يبيع الكل .

المرأة: نعم.. نعم..

الرجل الاول: أتباع الأوطان؟

الرجل الثاني: فمن لنا غيره؟

الرجل الثالث: من باع من؟

البطل: باعوا أنفسهم.. فباعوا الولاء لكل شيء .

المرأة: نعم.. نعم..

الرجل الاول: وما تبقى..؟

الرجل الثاني: أيبقى أم يباع..؟

البطل: أنبيع..؟

المرأة: لا.. لا..

الرجل الثالث: بع.. بيعوا.. ففي هذا العالم كل الطرقات تفضي للخيانة.

المرأة: لا.. لا.. تسيروا على خطاهم..

الرجل الاول: وخطانا أشباح تتلصص في طرقات الردة وعلى عتبات الخيبة والخذلان .. لذا حين يثور الإنسان تتلقفه ألاف الجدران.. وما هذه الجدران الا ثمنا لكل هذه الخيانات .

الرجل الثاني: اشعر إن علي أن أموت كي يصبح لي وطن .

البطل: الوطن.. أصبح زنزانة.. فكل الاتجاهات فيه تفضي للخديعة

الرجل الثالث: الحل هو إما أن نبيع ما تبقى او ما تبقى يهزم مارد الخيانة .

الرجل الاول: لن نبيع

الرجل الثاني: لن نبيع

البطل: لن ينهض بعد اليوم مارد الخيانة .

المرأة: نعم.. نعم..

الرجل الثالث: والجدران؟

الرجل الاول: (يختنق من الجدران) أني اختنق.. اختنق.

الرجل الثاني: إني اختنق.. اختنق .

الرجل الثالث: أننا.. نختنق.. الجدران تخنقنا .

البطل: حطموها.. واصلوا المسير..

الجميع: نحطمها (يحاولون تحطيم الحواجز التي تحيط بهم دون فائدة).. لا فائدة.. اننا نختنق.. نختنق..

يعلو صوت من خارج المسرح ويبقى يتردد صداه: بالروح بالدم نفديك ياهو الجان.. بالروح بالدم نفديك ياهو الجان.. بالروح بالدم نفديك ياهو الجان..

الجميع: (يجوبون المسرح وانفاسهم تتقطع لتشابك ايديهم على نحور بعضهم اي واحد يخنق بالاخر او بسبب خنق العرب لهم) .اننا نختنق.. نختنق..

البطل: (ينثر في فضاء المسرح اوراق وصحف) واصلوا مسير الهتاف.. واصلوا مسير الهتاف.. بالروح بالدم نفديك ياهو الجان.. بالروح بالدم نفديك ياهو الجان.. بالروح بالدم نفديك ياهو الجان..

الجميع: اننا نختنق.. نختنق..

البطل: (يضحك بتشفي) هههههههههههه هذا مايجب ان يكون يموت جيل ليولد جيل اخر بلا خيانات ههههههههههه

المرأة: (تحاول ايقافهم الواحد تلو الاخر) لا تسقطوا.. خذوا نفسا عميقا.. خذوا نفسا عميقا.. (يأخذون نفسا عميقا جميعهم) ستتساقط الجدران.. لكن غنوا.. غنوا معي.. على شواطئ دجلة اموت.. (ترددها وهم بأصوات مخنوقة يرددون معها حتى يتلاشى صوت البطل ويعلو صوت الاغنية في المسرح ويتمايلون معها بالرقص وتتساقط حولهم الجدران فيخرج من تحت الجدران طفلين يحلقان وهم يغنون) .

الاطفال: هيلا يارمانه.. من هي الزعلانه (ويخرجون)

انتهى

***

المؤلف: عدي المختار

(كاتب ومخرج مسرحي عراقي)

..

ملاحظة أولى:

النص فائز بجائزة المركز الثالث في مسابقة النور الدولية السابعة للابداع لعام 2019

ملاحظة ثانية:

لا يجوز إخراج هذا النص او الاقتباس منه او توليفه او اعداده من قبل أي مخرج دون موافقة المؤلف

**

 

حسن السالميسوف وأخواتها

ذات قمر: "سوف ننهض بهذه البلاد.. سوف نضرب على يد الفاسدين.. سوف نشقّ طرقا وأنهارا.. سوف نشغّل الشّباب... سوف ننزل الجنّة من عليائها".. سوف...سوف.. سوف.."

فيسري الأمل في العروق ويلتهب الجوّ هتافا...

ويمرّ قمر ويولد آخر، ودار لقمان في أسوء حالها.

"سوف... سوف... سوف..."

يكوّر الشّعب بزقة في فمه ويسدّد...

**

خبزة مُرّة

ما رأيته قطّ، إلّا وشعرت بنفسي تتمزّق.. أراه بجسده النّحيف الفاني ورجله المقطوعة، فيتدفّق عليّ من الذّاكرة مشاهد من يوم غابر: شابّ عاري الجسم، معلّق في مخاطيف ويدي الآثمة تنزل عليه بقضيب حديديّ، فتصيب منه ما لا تقوى عليه الجبال.. تأكله الحمّى أيّاما، ويزداد جرحه تعفّنا. يتملّكني عذاب الضّمير فأراني وحشا آدميّا، إلّا أن ّكسرة الخبز كانت أقوى من تلك المشاعر...

استوقفته يوما. صافحته. لم يمدّ يده. نظر إليّ مليّا.. فاضت عيناه في صمت وغادرني...

**

الحِساب

- ما ظنّكَ بي اليوم؟

- أخت كريمة!

- هههههههههههه!

- الرّحمة!

- لم تكن هكذا؟

- الرّحمة، الرّحمة...!

- أذريتني عارية وفعلتها.

- (...)

- سأقطعه. فقط هو!

- لا لا لا لا...

ونفر الدّم...

**

في الظّلمات

"أخرجنا من هنا"...

وتتعالى همهمات وصرخات.. ألتفت حولي، لا شيء إلّا أثاث غرفتي.

"نحن صنيعتك فلِمَ تتركنا للظّلام؟"

وتندلع أصوات من كلّ صوب: أحاديث، ثورة ريح، حفيف نخل، زواء يمامة، نباح كلب، فحيح ثعبان.. إنّها أصوات الحياة في تدفّقها.

"نحن غصّة في صدرك حتى يمسّنا النّور..."

أدقّق السّمع، أتتبّع الأصوات.. جميعها تخرج من مخطوط: الدّماء لا تنبت القمح!

***

بقلم: حسن سالمي

 

 

ريكان ابراهيمسقطت كما فارسٌ عن فرس

ودون اتفاقٍ مع الموتِ صرتُ

أُمارسُ قطعَ النَفس

أهذا أنا أم "أنا" آخرٌ

تُرى أينَنِي؟

تلمّستُ كُلّي ببعضي، وبعضي

بكُلّي...

وفتشتُ كلَّ المواضعِ حولي

ولكنّني لم أجدني

أهذا هو الموتُ جاءَ ولم يخترمني؟

أيمكن هذا لأنّي

عصيٌّ عليه فبينَ يديهِ، نعم في

يديهِ ويُحجِمُ عنّي؟

إذن يستطيعُ ولكنَّهُ ربَّما شغَلَتْهُ

تفاصيلُ دَفني

وفرَّ إلى آخرٍ جاهزٍ للرحيلِ

فمَدَّدَ فترةَ سَجْني ...

نعم إنه الموتُ يحبو على

مرفقيهِ ويبدو نشيطاً

وأسرعَ مِنّي

نعم، إنه لا يخاف ولكنه

يستحي من عبادٍ تهبُّ سراعاً

إلى ربِّها ...

تُكفّرُ عن ذنبها...

**

(2)

كبرتُ فصرتُ صغيرا

وطلتُ فصرتُ قصيرا

تضاءَلَ حجمي، تناقص وَزني

نعم قد صغرتُ فهاجَمني هادِمُ

الأُمنياتِ،

صديقي على الرُغمِ مِنّي،

يُدقّقُ فيَّ...

يُنادي عليَّ...

يقولُ لمن مَعه (أنا لا أراهم) يقولُ:

اتركوهُ سنأتيهِ في جوْلةٍ

قادمة

فقد صار يشقى...

إذنْ سوف نُحصي الذي قد تبقّى

**

(3)

هنا... ها هنا... بماذا أُفكّرُ؟

كيفَ أُفكّرُ، ليسَ لديَّ

سواي أنا

أواجِهُ في هذه اللحظةِ الحاسمةْ

- جداراً أمامي

- وآخرَ خلفي

-أأقرأُ شيئاً؟

أأكتبُ؟ ماذا؟

أنا الآنَ ماذا؟

أنا الآن أمّيةٌ كاملةْ

أنا الآنَ (سندانةٌ) فوقَها

مِطرقةْ

أنا الآن دودةُ قَزٍّ تمرُّ

بمرحلةِ الشرنقةْ

إذن...إنّهُ الموت... تجربة رائعة

وتصويبةٌ رادعة

لقد كنتُ أسمعُ عنها الكثيرَ...

رأيتُ الكثيرَ...

ولكنَّني لم أكُنها، كما لم

تكنّي،

فقد غاب عنّي

بأنّي المُرشّحُ للجولةِ الضائعة

وأنّي المفضَّلُ بينَ الجميعِ

طعاماً لتمساحِ جوعٍ

سيذرفُ حولي دموعَ الفرحْ

ويشدو كثيراً من الأُغنياتِ

على عُودهِ

**

(4)

أنا الآنَ في المقبرةْ

هُنا قَبرُ أُمِّي

هنا والدي...

هناكَ أخي...

وهذا أنا بعد حينٍ إذا

مرّتِ التجربةْ

نعم إنني الآنَ في المقبرة

تماماً على بابها

وليس بجسمي... ولكن بروحي...

بذهني... بصورة عيني...

بضحكة طفل البراءةِ عندي

نعم صرتُ وحْدي

أتدري كم أستغرقَ الأمرُ

مِنِّي؟

أجبني فقد كانت الساعةَ

الصِفْرَ في المعركةْ

ومِنْ قبلُ لم أعرفِ الموتَ فِعلاً

ولم أخترق تهْلُكةْ

ولكنّني قد ملأتُ الفراغ بـ (لا شيءَ)

حُزْني

وهندستُ لحني كأنّي

أُغنّي...

كأنّي أُؤذنُ وقتَ صلاةٍ

بدون مصلّى

أقولُ: أتدري كم أستغرقَ

الأمرُ عندي؛ أبتداءً من

السَقّطةِ البكرِ في الفخِّ

حتّى تلاوةِ لحني، مروراً

بِرحلةِ ذهني إلى المَقبرةْ

لقد أخذَ الأمر ثانيةٌ واحدةْ

ولكنْ رأيتُ بها كُلّ عمريْ

أجبني وإنْ لم تُجبني أُجبكَ

لكي تتعلَّم كيف تعدُّ مسافة موتك

حين تموتُ

فأنتَ صعيفٌ أمام الفناءِ

وبيتًكَ أوهنُ كُلِّ البيوت

**

كريحٍ تجوبُ الفيافي

كذِئبٍ بدا قادماً من فراغِ

المجاعة

كمُهرٍ مُكِرٍّ مُدْبرٍ معاً

أتى كي يراني

وصرتُ أراهُ

وأوّلُ صدرٍ سقطتُ على

قوسِهِ كان صدري

وأوّل صوتٍ تنامى إلى مسمعي

كانَ صوتَ شهيقي

**

(5)

تَعلَّمتُ من محنتي ما جَهِلتُ

ففي الموتِ فِقْةٌ وفلسَفة

لا تراها الحياةْ

بثانيةٍ واحدةٍ

تجمّع عندي على مائدةْ

فحولُ القصيدةْ

وكُلُّ مجانينِ عبقَر

أيحلمُ غيري بمثلِ الذي قد رأيتْ؟

أأثثَ غيري على شاطئِ الموتِ

بيتْ؟

تعلّمتُ من محنتِي أنَّ "كيفَ" و"أينَ"

يهونانِ مبنىً ومعنىً أمامَ "متى"

لأنَّ "متى الانتظارَ" و"أنَّ متى الاندحارَ"

أساسٌ لسرِّ العلاقةِ بيني وبينَ الحياةْ

وأنّي أمام السؤالِ الكبيرِ خروفٌ يُقَادُ

إلى مَقصلةْ

وتبقى "متى" موعداً للِّقاء بذئبٍ

تمنّيتُ أن أجهلَهْ

؟

***

د.ريكان إبراهيم

 

 

صالح الرزوقجيمس كيلمان*

ترجمة: صالح الرزوق

الشخوص: مدير مكتب الهجرة (م. هـ).

امرأة.

طفل في عربة

طاولة

ملاحظات للمخرج: يشار للزوج ولا يظهر بشخصه. وحين يشار له، أحيانا، ينظر م.م. والمرأة إلى المكان المفترض أنه موجود فيه.

توضيحات: مدير الهجرة وراء طاولة. المرأة أمامها. رجل خلف حاجز.

***

م.هـ (يحملق بالمرأة قبل أن يتكلم): لكن هذا ما كنت أسأل عنه طوال الوقت، هل يمكنك أن تثبتي أنك متزوجة؟.

الامرأة: نعم.

م.هـ. يحدق بها.

الامرأة: نعم سيدي.

م.هـ: وأنت تقولين أن هذه هي وثيقة زواجك؟.

الامرأة: نعم يا سيدي. وهذه وثيقة ولادة ابننا.

م.هـ: يمد يده. الامرأة تقدم له الوثيقة. ينظر لوثيقة الطفل ثم يتقدم نحو العربة ليتأكد.

يوجد طفل في العربة. يضع ‘شارة على شيء في دفتر ملاحظات. ثم يعود إلى طاولته يلقي عليها الوثيقة، ثم يتأمل وثيقة الزواج. "ما هذا؟". يقلبها لقراءة المكتوب على قفاها، ويهز رأسه.

الامرأة: وثيقة زواجنا.

م.هـ: (يحملق بها فقط).

الامرأة: (بعد دقيقة)  وثيقة زواجنا يا سيدي.

م.هـ: أخشى أنني لا أستطيع قراءتها.

الامرأة: إنها غير مكتوبة بالإنكليزية.

م.هـ: (يبتسم) كلا. إنها ليست مكتوبة بالإنكليزية. (يفحص الوثيقة، لكن عن مبعدة. يبتسم مجددا). هل هذه لهجة أجنبية.

الامرأة: لغة بلد زوجي يا سيدي.

م.هـ: لغة تقولين؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: إممم. (ينظر للوثيقة. يضحك). لغة.. حسنا (يحملق بها ثم مجددا بالوثيقة) أنت تعتقدين أن هذه لغة؟. هل يمكنك أن تثبتي أنها لغة؟.

الامرأة: عفوا يا سيدي؟.

م.هـ: أنت تفهين الإنكليزية.

الامرأ: عفوك يا سيدي؟.

م.هـ: أنت تفهمين الإنكلزية.

الامرأة: أفهمها يا سيدي.

م.هـ (يشير لوثيقة الزواج). باعتقادك هذه لغة؟.

الامرأة: سيدي؟.

م.هـ: باعتقادك هذه لغة.

الامرأة: سيدي هي لغة.

م.هـ: هذا رأيك. (يفحص الوثيقة. يعبس. يحتار). هل بمقدورك أن تثبتي أنها لغة؟. (يصمت). أثبتي لي إنها لغة؟. (يتأمل الامرأة. يضيف ملاحظة لدفتر ملاحظاته. وأخيرا يتنهد). وماذا عنه؟. هل يمكنه أن يثبت أنها لغة. (لرجل) أنت هناك!. أثبت لي أنها لغة؟.

الامرأة: هو لا يفهمك (صمت). سيدي هو لا يفهمك.

م.هـ: (بفتور) لا تتكلمي قبل أن يوجه أحد الكلام لك.

الامرأة: هو لا يفهمك يا سيدي.

م.هـ: من الأفضل أن يحترم الآخرون عادات هذا البلد الذي أتوا إليه. وإلا لن يتمكنوا من البحث عن ملاذ. ناهيك عن اكتساب ملجأ. في هذا البلد تقتضي الثقافة أنه في أحوال معينة لا يمكن للإنسان أن يتكلم إلا إذا وجه أحد له الكلام. ومن المفروض على المواطن أن يعرف موقفه وظرفه، وأن يتعامل بضوء ذلك. وهذ المفروض يتضمن أن يعرف كل شخص بمفرده عادات بلدنا. كم مر على إقامتك هنا؟.

الامرأة: سيدي أنا مولودة هنا يا سيدي.

م.هـ: أنت مولودة هنا....

الامرأة: التاريخ مسجل عندك .. يا سيدي.

م.هـ: ثلاثون عاما وأربعة شهور. هل هذا صحيح؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: أنت مقيمة هنا منذ ثلاثين عاما وأربعة شهور.

الامرأة: هذا عمري يا سيدي.

م.هـ: عليك أن تردي بشكل مناسب. هل تصرفك مناسب؟.

الامرأة: نعم يا سيدي. إقامتي تساوي عمري.

م.هـ: (يبتسم. يهز رأسه. ويشير لرجل). هو.... (يصمت. يرمق دفتر الملاحظات).

الامرأة: هو زوجي يا سيدي.

م.هـ: (كما لو أنها لم تتكلم. يتابع من حيث انتهى...) ليس من سكان هذا البلد. هل بوسعي أن أسأل لماذا؟.

الامرأة: أبواه لم يكونا هنا.

م.هـ: (يبتسم). أين كان أبواه؟.

الامرأة: في بلدهما يا سيدي.

م.هـ: البلد الذي ينتميان له؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: يسكنان في بلدهما. (يصفر بشكل غير منتظم وبهدوء ويكتب في دفتر الملاحظات). لم يكونا أبدا من رعايا بريطانيا؟.

الامرأة: كلا يا سيدي.

م.هـ: فعلا. والآن ابن هذين الشخصين، اللذين لم يكونا بريطانيين أبدا، يود أن يعبر الحدود الدولية ليدخل إلى بلد من أعضاء المجموعة الأوروبية.

الامرأة: سيدي؟.

م.هـ: تحت الـ... (ينظر حائرا للوثيقة على الطاولة)  ميثاق الحرية؟.

الامرأة: ميثاق الحرية يا سيدي.

م.هـ: ربما هو يعرف ما، هذا ... (يغمز لها) ميثاق الحرية. ولكن أخبريني، كيف يمكنه أن يعرف إن لم يكن يفهم الإنكليزية؟. أنت تقولين إنه يعرف مضمونه.

الامرأة: سيدي، الميثاق مكتوب بلغات أخرى أيضا.

م.هـ: آه (يبتسم). أفهمك. ولكن يجب أن ألفت نظرك إلى أن لهجة صوتك تدل على شيء غير صحيح. على الناس الراغبين أن يكونوا ضيوفا على هذا البلد أن يكونوا جاهزين للتعامل مع موظفيه. ولكن أشتبه أنك لست متعاونة. هل أنت غير متعاونة؟.

الامرأة: بالعكس يا سيدي.

م.هـ: (يشير للرجل) هل هو كذلك؟.

الامرأة: أبدا يا سيدي.

م.هـ: فعلا. أنت بحاجة لقليل من الخيال لتفسري لماذا عليه أن يغادر بلده بهذه السرعة الفائقة.

الامرأة: كانوا سيعذبونه يا سيدي.

م.هـ: كانوا! (يضحك). سيعذبونه. (صمت). هذا إحساسه.

الامرأة: إحساس يا سيدي.

م.هـ: أنهم سيعذبونه.

الامرأة: سيدي؟.

م.هـ: وما دليله لإثبات ادعائه؟ (صمت). أنت تفهمين الإنكليزية...

الامرأة: عفوا يا سيدي؟.

م.هـ: أنت تفهمين الإنكليزية.

الامرأة: أفهمها يا سيدي.

م.هـ: ما هو دليله لإثبات هذا الادعاء؟.

الامرأة: بعض الأصدقاء أخبروه يا سيدي، وتدبر أمر هروبه من البيت قبل وصولهم بدقائق.

م.هـ: دقائق قبل وصول من؟.

الامرأة: قوات الأمن يا سيدي.

م.هـ: قوات أمن حكومته.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: بأمر من القانون؟ (صمت) بأمر قانوني؟. (يكتب في دفتر الملاحظات). القوات الأمنية الحكومية كانت بأمر من القانون قادمة فغادر البيت قبل ان يصلوا. هل هذا صحيح؟(صمت). صحيح؟.

الامرأة: تمكن من الهرب يا سيدي.

م.هـ: وهؤلاء الأصدقاء الذين أخبروه، هل لديك أسماؤهم وعنوانينهم؟. (القلم جاهز لتسجيل ملاحظات).

الامرأة: لا يا سيدي.

م.هـ: هؤلاء الأصدقاء الذين سربوا له الخبر، هل تعرفين أسماءهم وعناوينهم؟.

الامرأة: يا سيدي، ليس عندي أسماء ولا عناوين.

م.هـ: صور، تسجيلات فيديو، معلومات من الانترنت، معلومات تواصل وسائط اجتماعية (يضحك) دي إن إي. بصمات أصابع، ندوب مميزة، علامات، علاقات أو أخبار أمنية، أرقام هواتف؟.

الامرأة: لا يا سيدي.

م.هـ: (يشير للرجل) وماذا عنه؟.

الامرأة: ليس لديه شيء.

م.هـ: أنت متأكدة من كلامك. أليس كذلك؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: وهؤلاء الأصدقاء، هل يؤكدون مزاعمه؟.

الامرأة: نعم يا سيدي. بالتأكيد.

م.هـ: بهذه الحالة عليهم أن يحضروا شخصيا إذا في التاسعة صباحا (صمت طويل).

الامرأة: هذا غير ممكن يا سيدي.

م.هـ: لماذا لا يمكن؟.

الامرأة: سيدي، هم في بلدهم هناك.

م.هـ: البلد الذي ينتمون له؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: (يشير للرجل). للبلد الذي ينتمي هو له أيضا؟.

الامرأة: سيدي. الأصدقاء اختفوا سريعا بعد أن تمكن من الهرب بخير.

م.هـ: (حركة بالرأس). هذا مؤسف. ربما لم يشملهم الفصل 134 - فقرة 347 - مادة ب x ر x ك من قرار اللاجئين الدولي، وما يشمله من أطراف. فالجزء الأول والثاني والثالث يؤكد بالضرورة على ضرورة حضورهم فيزيائيا دون شك. (صمت). أنت تفهمين أن قرار اللاجئين الدولي موقع ومصادق عليه ومنشور في بروكسل. (يضحك). بروكسل، بلجيكا. وبمقتضاه إن لم تثبتي أنك لا تكذبين على المسؤولين من أعضاء الاتحاد الأوروبي هذا أو ذاك عليك إذا، بطريقة من الطرق، أن تقنعي هؤلاء المسؤولين، كلا منهم على حدة وشخصيا، وعليك أن تفعلي ذلك أيضا في نقطة الدخول، لتؤكدي أنك مستحقة وفي حالة حرجة،  حرجة جدا. (صمت). هل تعلمين ما هي نقطة الدخول؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ:هذه نقطة دخول رسمية. ولذلك يجب أن تقنعيني. (يهز رأسه. يحدق بوثيقة الزواج).

الامرأة: تلك هي وثيقة زواجنا يا سيدي، ومعها وثيقة الولادة.

م.هـ: لللأسف لا يمكنني قراءتهما. يبدو أنهما مكتوبتان بلهجة من اللهجات. وعلى ما أعتقد هما تزوير فاضح من البداية للنهاية. هل يمكن أن تثبتي أنهما ليستا مزورتين تماما من البداية للنهاية؟.

الامرأة: يا سيدي هما مكتوبتان بلغة زوجي.

م.هـ: ولكن لا يمكنني قراءتهما. هل يمكنه قراءتهما؟.

الامرأة: نعم (صمت). نعم يا سيدي. ويمكنني أن أفعل أنا يا سيدي. يمكننا أن نتكلم معا أنا وهو.

م.هـ: طبعا بمقدورك ذلك. ولكن لن أفهم ما تقولين. ربما هي سخرية.

الامرأة: سيدي؟.

م.هـ: أنت تعلمين أن البلد الذي نفترض أن ذلك الرجل هرب منه هو أحد أقدم مستعمرات جلالة الملكة ،وحاليا يقف مع أهم أصدقائها في تلك المنطقة. وهو ضروري ضرورة قصوى للاستقرار الاقتصادي والأمان والتطور الذي تحقق. وزاره أمير ويلز منذ أقل من سنتين وتلقى 300 طلقة للتحية. والأسلحة التي حيته هي تقدمة من أفضل شركاتنا وأرقاها. وتابع الصحافيون من كل الأطراف الغربية الأساسية في العالم جلالته  بكل حركة تحركها دون أي تردد وتباطؤ!. أنت تعلمين كل ذلك.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: الناس لا يعرفون شيئا عن الشكليات لكن - كيف أعبر عن ذلك - لديهم الفضول؟. الأعصاب؟ الجرأة، كما أعتقد، ربما هي الكلمة الأفضل إذا كنت تتابعين كلامي... (صمت). أنت تتابعين كلامي.

الامرأة: سيدي....

م.هـ: هل تسألينني...

الامرأة: كلا. يا سيدي.

م.هـ: (يحدق بها).

الامرأة (لا تطرف بعينها).

م.هـ: ربما أنت تعلمين أن هناك من جاء إلى بلدنا دون أن يقدم أي دليل ولو طفيف ليدعم زعمه أنه مستحق وجدير.

الامرأة: سيدي.

م.هـ: هل سألت سؤالا...

الامرأة: لا يا سيدي.

م.هـ: أفهمك.

(يتبادلان النظرات العميقة).

الامرأة: سيدي، هو زوجي.

م.هـ: ولماذا هو زوجك؟.

الامرأة: عفوا يا سيدي.

م.هـ: لماذا هو زوجك؟.

الامرأة: سيدي أنا متزوجة منه.

م.هـ: هذا ليس جوابا، أنت متزوجة منه. لماذا أنت متزوجة منه؟. ما هو المبرر الذي سمح له بالتورط بعلاقة من هذا النوع؟.

الامرأة: أي مبرر يا سيدي؟.

م.هـ: (بصبر). المبرر. نعم. العامل المحفز. هناك هدف. ما هو الهدف؟. هدفي أن أقوم بواجبي. أنا أخدم مملكتي وبلدي. هذا هدف، ولديك هدف. ما هو هدفك؟. كل شيء له غاية. لوالديك هدف. وولادة ابنك له هدف، زواجك وراءه هدف. ما هو الهدف من زواجك؟. لا بد من غاية. لا بد أن هناك سببا وراء هذا الزواج. ماذا كنت تعتقدين أنك ستحققينه من الزواج؟. ما هي الأفكار التي كانت في رأسك؟. لديك أفكار تدور في رأسك!.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: (يتفحصها). هل يمكنك أن تثبتي لي، في هذه اللحظة، أنك أم هذا الولد؟. ويجب أن أقول لك يا مدام أنني أشك أنك أم أساسا؟. هل أنت أم فعلا أم لا؟.

الامرأة: أنا أم يا سيدي.

م.هـ: لدينا اختبارات للتأكد كما تعلمين، اختبارات فعالة، وليست منحازة وموضوعية. اختبارات تحمل الدليل معها. اختبارات مصممة من أجل عضو الأنثى غير البيضاء مثلك، يا مدام، وهي واضحة ولا يمكن نفيها (يشير للجانب). زملائي الذين لا فكرة لديهم عن الموضوع تمرنوا عليها للتعرف على النتيجة . علاوة على ذلك، عملوا بجد وشرف. هل وضعت هذا باعتبارك؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: أنت تقولين عن هذا الرجل إنه زوجك. دعيني أوضح لك أننا نحن موظفي جلالتها في مكتب الهجرة، سواء كنا نرتدي البذة أو لا، لا نعاني من الكلل والتقاعس.

الامرأة: أنا مولودة هنا يا سيدي.

م.هـ: هكذا تقولين.

الامرأة: وهو مكتوب في شهادة الولادة يا سيدي.

م.هـ: وأين شهادة الولادة المزعومة؟.

الامرأة: (تشير لها) تلك هي شهادة ميلادي يا سيدي.

م.هـ: أثبتي لي أن شهادة الميلاد هي شهادة ميلادك؟(صمت).

الامرأة: عفوا سيدي؟.

م.هـ: أنا إنسان مطبوع على الحذر. ويجب أن أنبهك أنني موظف رسمي وفي بوابة دخول لمملكة جلالتها ،وإن لم أقتنع بالحكاية التي تروينها لي لن يتوفر لي السبب كي أمتنع عن الأمر الفوري بترحيلك إلى الأرض التي لا تعترفين أنك قادمة منها!.

الامرأة: سيدي أنا مولودة هنا.

م.هـ: أين بالضبط؟.

الامرأة: غلاسغو، اسكوتلاندا يا سيدي.

م.هـ: قلت أين بالضبط.

الامرأة: مكتوب على شهادة الميلاد يا سيدي.

م.هـ: شهادة ميلاد من؟.

الامرأة: (تشير للوثيقة). شهادتي.

م.هـ: أرى ذلك. والتي قد تكون أو لا تكون مزورة. هل أنت لديك علاقة بمزور أم ليس لديك؟.

الامرأة: لا يا سيدي. ليس لي علاقة.

م.هـ: هل أنت الآن أو كنت في أي وقت مضى تحملين أفكارا تحرمك من حق الانضمام لرعايا جلالة الملكة المبجلة، أو أنك معرضة لمثل هذه الأفكار، أو لديك أصدقاء و/أو أقارب ومعارف و/أو أصحاب من درجة بعيدة يتسببون بحمل هذه الأفكار، لا يهم إن كانت مفهومة أو غير مفهومة - أفكار لها علاقة بأي طريقة من الطرق كي لا تكوني من رعايا جلالة الملكة المبجلة.(صمت). يبدو أنك غير قادرة على الإجابة.هل تفهمين الإنكليزية؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: لماذا إذا تهدرين وقتي؟. ولماذا أنا أتكلم معك؟.

الامرأة: أنا أتكلم من أجل حق زوجي باللجوء يا سيدي.

م.هـ: حق أي شخص في اللجوء؟.

الامرأة: زوجي يا سيدي.

م.هـ: ومن هو زوجك؟.

الامرأة: (تشير للرجل).

م.هـ: هذا زوجك؟(محتارا).

الامرأة: سيدي نحن متزوجان.

م.هـ: (يحدق بالامرأة قبل أن يتكلم). ولكن  أنا أسألك  طوال الوقت إذا كان بمقدورك أن تثبتي أنك متزوجة؟.

الامرأة: نعم.

م.هـ: نعم ماذا؟.

الامرأة: نعم يا سيدي (تشير) تلك وثيقة زواجي.

م.هـ: (يشير بأصبعه.& المرأة تقدم له وثيقة. ويفحصها ثم يفلتها من يده على الطاولة). ولكنها غير نافعة على الإطلاق،لا يمكنني قراءة هذا الكلام السخيف. إنها ليست لغتي.

الامرأة: لا.

م.هـ: لا ماذا؟.

الامرأة: لا يا سيدي. هي لغة بلد زوجي يا سيدي، حيث تزوجنا.

م.هـ: تقولين هي لغة؟.

الامرأة: نعم يا سيدي.

م.هـ: لا تبدو لي مثل لغة. هل يمكن أن تثبتي أنها لغة؟.

الامرأة: عفوا يا سيدي.

م.هـ: ألا يمكنك أن تفهمي اللغة الإنكليزية؟.(صمت). أنتظر جوابك!.

ستار

 

.......................

* مسرحي وروائي من اسكوتلاندا. من أهم أعماله (كم تأخرت طويلا) و(طريق القاذورات) و(الحريق) وغيرها....