حسن السالميثورة الماعز

فتحت الباب. سواد من الماعز يصرخ معا:

"أخرج لنا كتبك نأكلها."

أمس، أكلني اليأس فرميت بكتبي إلى القطيع، ولا تسل عن سعادتي وهي تحدث فيهم ذلك النّطاح والصّخب!

"أيّها العظيم، لقد غيّرت ما بأنفسنا. بك عرفنا معنى الحرّية. وبك نثور على ذابحينا..."

بكيت... قلت في نفسي: ليت قومي يعلمون.

الحقيقة

ابنتي في الخامسة من عمرها، تحبّ الفضاء. كلّما جنّ اللّيل وازيّنت السّماء بقناديلها، دخلت بين ذراعيّ، قالت:

"أبي، سافِر بي في السّماء."

"تشبّثي بي، اغلقي عينيكِ... ها أننّا نرتفع، فماذا ترين؟"

"بيتنا يبتعد، إنّه نقطة. صار لا شيء. قريتنا، وطننا، قارّتنا، الأرض، النّجوم، الكواكب، المجرّات... مجرّد نقاط لا تكاد تُرى..."

تفتح عينيها، تتشبّث بي أكثر، تسألني:

"أبي، هل نحن لا شيء؟"

الدّور لي

العدوّ على الأبواب، وأنا وإيّاه في جبهة واحدة..

كلّما تسابقنا إلى العطاء، استأثر به دوني. يخرج من جيبه درهما ويرمي به في الفضاء، حتّى إذا سقط على أحد وجهيه قال ضاحكا: "الدّور لي". أقول غاضبا: "ثمّة حيلة مّا."

قلوبنا في حناجرنا والموت يأتينا من كلّ مكان. ثّمة ثغرة لا يفتحها إلاّ بطل واحد. انطلقنا معا. أوقفني، وكالعادة رمى بدرهمه...

ولوعة الفراق تأكل من كبدي، تأمّلت درهمه في كفّي، قلّبته، كان يحمل الوجه عينه على الجانبين.

"الدّور لي". رنّت في أذني، فانفجرتُ باكيا..

غيمة

نظر إلى غيمة في سماء خياله، فقال هذه قصّة..

جهّز ورقه وقهوته، ولبث ينتظر في صبر الصيّادين..

تجهّم وجه السّماء ثمّ ابتسم، ثمّ تجهّم ثمّ ابتسم، لكنّ الغيمة مرّت على أكفّ ريح مجنونة...

مزّق ورقه وقال في نزق: تلك غيمة كاذبة! 

حصاد

إنّي أكرهكم فانصرفوا. أمّي، أبي، أخواتي، إخوتي، كلّ النّاس، أكرهكم وأكره نفسي. بكم احترفت التّفل على وجهي كلّما نظرت في المرآة. لا شيء يدلّ على أنّي أنثى، هكذا أوحت لي كلماتكم المنتنة، وهكذا أنبتت في داخلي الشّوك...

***

عندما دخلت في روبها الأسود، خفت اللّغط في قاعة المحكمة إلى أن سكت تماما. تهامس بعضهم: "يا ساتر يا ربّ!". "إنّها وحش في ثوب قاضية"...

***

شيخ طاعن في السّنّ يرفع يده بالدّعاء: علِمت يا ربّ أنّها لا تبرّ بي وأنا والدها. اللّهمّ...

***

بقلم: حسن سالمي

 

ريكان ابراهيمخذوني على قَدْرِ عقلي

خذوني كما يأخذُ العقلاءُ المجانينَ، إنّي أُصلّي

صلاةَ التخلص من قدرة الأدعياء على الصدقِ في موقف الجوع، لا

تبخسوني اقتداري على أنْ أسيرَ كما سارَ ظِلّي، أنا مثلكم، بل وأقدرُ

منكم على الرقصِ، هل تعرفونَ

لماذا رقصتُ؟

لماذا غصصتُ؟

لماذا نقصتُ؟ فأصبح وزني خفيفًا كوزن كرامتكم في هجير السؤالْ

وحقِّ الذي يستريحُ على سدرةِ المنتهى من زمانٍ ويتركني مثلما تتركُ

الطابخاتُ قدور العشاءِ على نارها الهادئةْ

وحقِّ الذي كلما جِئتُهُ بالدعاءِ، أقامَ على ثورتي الحدَّ جمعٌ من الأغبياء، وأدبني بالعصا واللسانِ المُملَّحِ بعضُ الذينَ

إذا حاوروا

حَوّروا

أو إذا وعظوا

عضعضوا

وحقِّ الذي عَرْشُهُ أبيضُ

لئنْ خالطَ الشيبُ رأسي ولم تُنصفوني، ولم تأخذوني على قَدْرِ عقلي،

لأُعلِمنَّ الشعر كيف يبيعكم

بيع الجواري في يد النَخّاسِ

ولأثقبنّ بكم سفينَ نجاتكمْ

حتى تكونوا عبرة للناسِ

ولأفعلنَّ...

وأفعلنَّ...

وأفعلنَّ...

إذنْ تعرفونني جيدًا فخذوني على قَدْرِ عقلي

ما لكم تضحكون؟ أبعد الذي دارَ أوصار تستهزئونَ؟

فيا جملةً لا محلَّ لها في كتاب القواعدْ

ويا فاعلًا كلما رفعوهُ احترامًا لقاعدةِ النحوِ، أقعى على صفحاتِ الموائدْ

أيُعقَلُ أنّي أُمزّق ثوبي حِدادًا عليكَ، وأستعملُ الهمزَ واللْمزَ،

بل أستعيرُ من العربيةِ كلِّ حروف النداءِ

وأنتَ كما أنتَ،

أتعبتني يا قليل الذكاءِ، ويا مفرطًا في التَجنّي

أعوذُ بربِّ الفلقْ

من الوطنِ المستريحِ على شُرُفاتِ القلقْ

- وأسألُهُ أنْ يُسمّيَ الجناةَ بأسمائهمْ

- ويدعو الملوكَ بأشكالهم                                      

فإنَّ المماليكَ تغزو الممالكْ

فيا سيدي يا مُحِبَّ الأُلى سألوكَ فأعطيتَهم

وحين تَصدّى لهم ناصروكَ على الظلمِ حاصرتَهمْ

تباركتَ تأخذُ مِمّن تشاءُ وتُعطي إلى مَنْ تشاءْ

***

مالَهُ صاحبُ الأمر هذا، إذا قلتُ بيتًا من الشِعْر، أخرجَ من جيبهِ للمعريِّ مخطوطةً يستعينُ عليَّ بها مثلمَا يستعينُ على صاحبِ الطُورِ فرعونُ، إنّي سئمتُ المناجاةَ في فاقدِ الوعي، صرت أستاءُ، كلّما قلتُ شيئًا أشارَ على صَحْبِهِ:

أخرجُوه... بهِ لوْثةٌ في المِزاجِ، وأخرُجُ...

أخرجُ من جمعهِ خائبًا، أستديرُ إلى الخَلْفِ، افقأُ عينَ

القصيدةِ أبكي، وأدعو عليه الإلهَ الذي مدَّ في

عُمْرِهِ كلَّ هذي السنين، وقصّرَ في الصالحينَ البقاءْ.

***

إلى أين أمضي؟ المقابرُ تُغلِقُ باب الدخولِ،

الملاهي مُخصّصةٌ للأُلى يدفعونَ لها ثمنَ الموبقاتِ،

العصافيرُ أُلعوبةٌ في يد الموسرينَ،

الجماهيرُ تكرهُ قولَ الحقائِق، أينَ إذنْ، أستريحُ

وأسندُ رأسي، ومَنْ يستطيعُ احتمالي، وكُلّي، بما أنا فيهِ، شقاءٌ وبؤسٌ ولوحٌ

من الغيبِ مكتوبةٌ فيه أقدارُهُ،

مَنْ بهم صالحٌ للوضوءِ قُبيل احتمالي، إذا قلتُ بيتًا من الشعرِ خَرّتْ

عليهم رجومُ الشياطينِ في ليلةٍ حالكةْ

***

خذوني على قَدْر عقلي

ثقوا أنني لستُ أهذي، وما قلتُهُ ليس سِحْرًا

لكم أنْ تروا ما أراهُ، وأنْ تسمعوا ما سمعتُ، فإنّي

تَنصّتُ ليلًا إلى مَلأ في السماءِ يقولُ: (...)،

اعذروا خجلي أنْ أقولَ الذي قالَهُ، إنكم صرتم الآنَ

بين فكوكِ الرحى، فخذوني على قَدْرِ عقلي، وشدّوا

إلى شاطئ البحر تلكَ السفائنَ، أخشَى، إذا أمطرتْ،

- لن يكونَ لكم آخرٌ وتموتونَ في ليلةٍ حالكةْ

***

د. ريكان إبراهيم

 

صحيفة المثقف"آذارُ" يَصْحُو كلَّ عامٍ مَرّةً

                          وفُؤادُ أمّي كالْفَراشِ يَحُوْمُ

يَقْتاتُ دَفْقًا مِنْ مَكارِمِ نَبْضِها

                        تَطْوِي جَناحَ اللَّيْلِ وهُوَ بَهِيْمُ

فَأبي تَرَجّلَ عَنْ هَواهُ مُبَكِّرًا

                         وأنا الّذي ما كُنْتُ بَعْدُ أعُوْمُ

مَسَكَتْ عِنانَ الرّيحِ وَلّتْ وَجْهَها

                        شَطْرَ الْحَياةِ، ولَلْعَزِيْمُ حَزِيْمُ

أُمّي الْهَوَى والأرضُ والْمَجْدُ الّذي

                          وَهَبَ الأنامَ بِراحتَيْهِ كَريْمُ

أمّي ابْتِسامُ الصُّبْحِ في ثَغْرِ الدُّجى

                       مِنْ ثَوبِها عِطرُ الْجِنانِ شَمِيْمُ

أُمّي غِراسُ النّخْلِ في أرْضِ الْعِراقِ

                         (م) وياسَمِينُ الشّامِ فِيَّ يُقيْمُ

أُمّي "الفُراتُ"، وحُبُّ أمّي "دِجْلةٌ"

                  و"النّيلُ" يا "بَرَدَى"، وفيك أَهِيْمُ

أُمّي شُمُوخُ "الدّيْدَباءِ" وما انْحَنى

                    أتُراهُ مِنْ وَجْهِ الرّياحِ يَرِيْمُ...؟!

عَلَمٌ عَلا عَلَمًا يُرَفَرِفُ عالِيًا

                          رَفَعَتْهُ فَوقَ الذّارِياتِ حُلُوْمُ

أُمّي صَهِيلُ الْخَيلِ في ساحِ الْوَغى

                         سَيْفٌ على الأعْداءِ جِدُّ لَئِيْمُ

أُمّي أبي وأُخَيَّتي وأخي الّذي

                    لَو جاعَ طِفْلٌ في الْجِوار يَصُوْمُ

رسمَتْ مَسارَ الشّمْسِ، قالَتْ "مِنْ هُنا

                    مُرُّوا"، تَراكُم في السّماءِ نُجُوْمُ

وَطَنٌ مِنَ الفِرْدَوْس أُمّي، لَوْنُهُ

                          طُهْرٌ وقُدْسٌ، عِفّةٌ وَحُشُوْمُ

"بَلْقِيْسُ" أسْألُها الْمَشُورَةَ والنُّهَى

                      سِفْرُ الخُلُودِ إذا حفِظْتَ عظِيْمُ

أُمّي صَلاةُ الْفَجْرِ أُدْركُ فَضْلَها

                         إنّ الْيَسارَ مَعَ الصّلاة يَدُوْمُ

وهي التّلالُ السَّبْعُ يا عَمّان، بلْ

                    كَهْفُ الشّبابِ الْمُؤمِنِيْنَ "رَقيْمُ"

هِيَ سَرْمَدُ الْحُبِّ الْمُوَشّى نَسْجُهُ

                        هِيَ دَمْعَةُ القَطْرِ النَّدِيِّ، نَعِيْمُ

هيَ طاعةُ الرَّبِّ الّتي أَوْصى بها

                            وَعُقوقُ بِرّ الْوالِدِينَ ذَمِيْمُ

أُمّي "حديثٌ" في "رياضِ الصّالِحِيْنَ"

                       وهجْرُها نارُ اللَّظَى وَضَرِيْمُ

أُمّي، وأنْتِ سِراجُ رُوْحيَ في الدُّجى

                  وإذا سَهِدْتُ فمَنْ سِواكِ نَدِيْمُ...؟!

علّمْتِني حُبَّ الوَفا فعَلِمْتُهُ

                          وأحاطَني قلْبٌ لدَيْكِ رَحِيْمُ

تبّتْ يَدا من أنْكَرَ اليَدّ الّتي

                     كَدَّتْ فبانَتْ في الْغُضُونِ كُلُوْمُ

قَلْبٌ خَلا مِنْ أُمّهِ ثَمَرٌ بِلا

                          طَعْمٍ، وغُصْنٌ يا بُنَيَّ سَقِيْمُ

أمّي الْخُزامَى وانْتِشارُ الطِّيْبِ في

                       مَرْجِ ابْنِ عامِرِ والْمُقامُ حَمِيْم

أُمّي الْقَصِيْدَةُ لَمْ يَقُلْها شاعِرٌ

                        وَأنا المُعَنّى في الْقَصِيْدِ عَلِيْمُ

مَنْ عَقّ أمًّا أو تَنَكّرَ فَضْلَها

                       ضَلَّ السِّراطَ ولَلضَّلِيلُ غَرِيْمُ

مَنْ قالَ "أُمِي" هَزّهُ شَوقُ الوَفا

                    فَالْعُمْرُ ماضٍ، والْجُسُومُ رُسُوْمُ

إنْ رُمْتَ فِردَوْسًا فَدُونَكَ مِثْلُهُ

                          وَطَنٌ وَأُمٌّ في الْبَنِيْنَ رَؤُوْمُ

فَاحْفَظْ كِلا الْوَطَنَيْنِ يَحْفْظُك الّذي

                             في كَفَّتَيْهِ حَدائِقٌ وَجَحِيْمُ

***

شعر: د. عامر جنداوي

 

نوري الوائليفي الروح ِحزناً جذورُ الهمّ تفترعُ

                        وفي الفؤادِ حبالُ النبضِ تنصدعُ

حين الوداعُ لمن للروح ِسلوتها

                           يدنو ويسعى على أقدامهِ الهلعُ

يجثو على الصدرِ حتّى ضاقَ مدخله

                           مثلُ الغريقِ بجوفِ الماءِ يُبتلعُ

كالسيفِ في الغمدِ لكن من قساوتهِ 

                         خافَ الفؤادُ وحزّ المنحرَ الفزعُ

وجْسُ الفراقِ أراني كلّ مؤلمةٍ

                        كالظفرِ والضرسِ بالخرّاج تُقتلعُ

اليومُ عامٌ إذا الميعادُ مُرتقبٌ 

                         وفي التلاقي خيوطُ البين تجتمعُ

يومُ الرحيلِ عيوني لن تسلّمه

                              كأنّ منّي بقايا الروح تُنتزعُ

كيف الوداع لشهرٍ كنت أرقُبهُ

                             وقد تملّكني في شوقهِ الطمعُ

مثلُ السراج دليلٌ من تنوّره

                            ومن سناه ظلامُ الجهل ينقشعُ

الشمسُ تبزغُ في ليل بلا شفقٍ

                        والروحُ يغسلهُا من جودهِ الورعُ

أحيي الصلاةَ خشوعاً من مهابته

                         وفي الرجاء إلى الرحمن أنقطعُ

يسمو الفؤادُ فلا يدنو لناقصة ٍ

                          ولا للهوٍ من الشيطانِ مصطنعُ

النفسُ تطهرُ لا غشٌّ ولا كذبٌ

                          والجسمُ بالجوع شبعانٌ ومُنتفعُ

الرزقُ فيه بلا عدّ ولا أمدٍ

                       حتّى الجهامُ  به  فوق  الفلا  ترعُ

النفسُ يحكُمها نورُ التقى ورعاً

                            حتّى من الّلمم المكتوم ترْتدعُ

به الصلاة تضاهي كلّ مثوبة

                          وبالدعاءِ صروفُ الدهر تنفدعُ

أحتاجُ صبراً إلى صبري لفرقته

                          وما بروحي لذاك الصبر متّسعُ

أبكي على النفسِ هل أحيت مناهجه

                            وقد تمادت به الأهواءُ والبِدعُ

أن مرّ يومٌ برغم السعد يُفزعني

                               كأنّ منّي نياطُ القلبِ تُقتطعُ

 من يأملُ العيد بعد الصوم مُفطره

                           كظامئٍ بسرابِ القيضِ ينخدعُ

أبكي شجوناً فلا أدري سيجمعنا

                                عامٌ جديدٌ به الآلاءُ ترتجعُ

عشتُ الوداع بدمعٍ لست ساكبه

                                لكنّ قلبي إذا العينان تمتنعُ

طلتُ الوداع بحزنٍ كدت أبطنه

                         ففرحةُ العيد رغم الحزنِ تنطبعُ

***

 الدكتور نوي الوائلي

نيويورك

 

فتحي مهذبخذ قوسك وسهمك

يا جوكي..

خذ حصانك ..

كيس الميتافزيق..

طوق جبهتك بريشة الهدهد..

قاتل مثل هندي أحمر

لا تصغ الى أوركسترا الوراء..

لا تصغ الى طواطم القبيلة..

لا تنظر الى أسفل الهاوية..

عربة الوقت المعطوبة في المنحدرات..

دببة متهورة في غابة الحواس..

أساقفة ميتون على حافة الروح..

حجر المعابد القديمة..

سيلاحقك غراب ضرير..

طاووس صاعد  من شقوق الأظافر..

ذكريات جريحة لها زئير الأسد..

سيحاورك خفاش فر من ابط عجوز..

سحرة ورعاة وجباة ضرائب..

ضواري اللاوعي المفترسة..

نيزك كونفوشيوس الهلامي..

صوب سهامك نحو سرب متناقضاتك..

مزق خرائط بطليسموس..

كن قويا يا جوكي

النهار في انتظارك مدججا بالقتلة

***

فتحي مهذب

 

جميلة بلطي عطريكلّما اشتدَّ الألمُ

أتسّلّقُ الذّاكرةَ فِرارا مِنْ هَمَج الكَلام

أفتِّشُ رفُوفَها رفًّا.. رفًّا

أنتقِي ما يُنْعشُ الروحَ

مَا يمْلأُ الرّئتين سلامة ..

مِنْ كلّ رفٍّ أغْرفُ كمْشة بعثٍ

أُلقِمُ الهَولَ تِرياق الوِئام..

أشدُّ خُطايَ لهفة

أتَقصّى أثَر أُلفةٍ تاهتْ في الزِّحام

أستمطرُ الوصْل النّافرَ

أهمسُ للأمن ّ هَلُمَّ

فقد كلّ الطينُ مِنَ الأسَى

أهلكهُ صِراعُ البرايا

يزَرعون الإفكَ

يُذكون الخِصام

حولهم ضاقتِ الأرجاء

والفكرُ كبّلَه الظّلام

أحثّ المطايا ..أركضُ

أركضُ..

في كلّ زاويةٍ تُقابلنِي الأيّام

تلوّحُ الأعوامُ ..

تسائلني الرِّحلةُ عن الوقتِ

عنْ حَال الأنام

يرتجُّ صوتي ..

ترْتجفُ شفتاي ..

بماذا تُراني أجيب ؟

أنا الهاربة مِنَ الواقع المُرهقِ

أرتمي وزماني النّازف قي ذكرى السّلام.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي - تونس

 

جابر السودانيهي ذي أنا

منذ اشتهيتـُكَ

لذةً مجنونةً وأنا هنا

في الليلِ يقتلني انتظاري

هل تجيء؟

فأصطفيكَ كما اشتهيتكَ

سكرةً أبديةً وأذوبُ فيكْ. 

الليلُ يشكو

جوعَهُ الأبديَّ مثلي

لا يكلُّ ولا أمِـلْ.

ظمآنُ يقطفُ من ثمارِ أنوثتي

عسلاً فاهتفُ أيُّها المسفارُ

أمهلني لأسألَ وجنتيكْ. 

حينَ تضطرمُ المجامرُ لذةً في الليلِ

من سكبَ الحريقَ على الحريقْ.     

هي ذي أنا

منذُ اشتهيتـُكَ لذةً مكبوتةً 

وأنا هنا ،، مجنونةٌ بهواكَ

يغمرني اشتعالي بالحنينْ. 

ماذا لو احتدمَ المتيمُ بالمتيمِ لحظةً

فأصيرُ من ولهي ومن نارِ اشتعالي 

جسداً تنوءُ ثمارُهُ عسلاً وطيبْ. 

وغوايـةً قدْ أينعتْ شجراً طريّ

وعللتني بالمنى الأبديِّ يبتهلُ ابتهالا

والكحلُ نهرٌ من سوادٍ

جفَّ واحترقتْ محاجرُ لوعتي

أضرمْ بهذا الليلِ نارَكَ في دمي

ولنتحدْ قمرينِ من نورٍ ونارْ. 

ونطيرُ محمولينِ فوقَ بساطنا السحري

بغداد استفاقتْ كلها

ومشتْ إليَّ مواكبَاً هيمانةً

هي ذي أنا

منذُ اشتهيتـُكُ سكرةً لا تنتهي

وأنا هنا 

أسعى إليكَ ، أرومُ جنتَكَ القصيةَ 

في المساءِ أكادُ اشتعلُ اشتعالا.

أيها المسفارُ

احملني على جنحيـكَ

طائرةً إلى وطنٍ من البلورِ

احملني إلى جناتِ خلـدٍ في الأقاصي

ارتادُها فتذوبُ فـيَّ صبابةً

وأذوبُ فيكْ.   

زهراً من الشهواتِ

أينعَ مرةً أخرى وعـرشَ

فوقَ نافذتي وأورقَ مشتهى

من أينَ لي أن أتقيكَ

وأنت َ نهرٌ من مباهجَ 

كلُ نبضٍ في حيائي

طارَ من وَلَهٍ إليكَ  

وعانقتكَ خلاخلي كرفيفِ

أنثى وانتشيت

***

جابر السوداني

 

صالح الرزوقاشتكت لي السيدة ليدكا من جارها الدكتور نديم، وهو طبيب عيون مشهور، لكنه عازب. كنت أسكن في بناية السيدة ليدكا نفسها، وأعلم أنها بولونية، متزوجة من مدرب ملاكمة، وللأسف توفي من شهور خلال التدريب. ولا أحد يعلم هل حصل ذلك عمدا، أم نتيجة خطأ ؟. فالملاكمة مهنة عنيفة، وبصراحة هي بنظري مهنة تؤمن بفلسفة الضرب. وأيا كان الأمر، أودت بحياة المسكين لكمة على رأسه، وبقيت الأرملة هنا من أجل أبنائها. حاولت أن أفهم منها ما هي المشكلة. ولكن كانت لغتها ركيكة.

قلت لها مع ابتسامة: من فضلك سيدة ليدكا؟. كلمة، كلمة.

قالت: يبدو أنك لم تفهم.

- للأسف اللكنة ثقيلة.

ردت بتمهل: كنت أشكو لك الدكتور نديم.

وأردفت: ضبطته عدة مرات يضع مفتاحه في باب بيتي.

قاطعتها باستنكار: الدكتور نديم؟؟.

كانت سمعته عطرة، ثم هو طبيب، وأدى قسم أبقراط حتما، والرجل يحترم نفسه. ثم لديه مريضات بأعمار الورود. فلماذا يعاكس أرملة؟..

رغم ذلك اتفقنا أن أتحرى عن الأمر.

٭٭٭

كانت هذه أول مرة أقبل فيها قضية سخيفة، وكانت غايتي أن لا أكسر قلب السيدة ليدكا.. فهي شفافة ورقيقة وبلا ظهر تحتمي به. وللعلم بالشيء، كنت أعمل بالمحاماة، ولديّ مكتب في عبارة التوليدو في التلل، ومعي شهادة بالقانون الدولي من نوتنغهام. لكن ماذا ينفع التفكير بالعالم ونحن في هذه الحفرة؟. نحارب أنفسنا من أجل امتلاك حارة، أو من أجل الاستيلاء على ثكنة. لقد كنت أراقب بلدي وهو يسقط في غبار المعارك، ضحية مسكينة مكتفة اليدين، الدبابات تدخل وتخرج من الحدود وكأنها أسراب من البجع أو عصافير الحب.

٭٭٭

أول الأمر فكرت أن أزور الدكتور نديم، وأسأله بدبلوماسية عن وجهة نظره، هل تحرش فعلا بالسيدة ليدكا؟. إنما خجلت، فهو فوق الأربعين، وله مكانته، وقررت أن أتابع تحركاته ليوم أو يومين. ولكن لم أجد أي شيء معيب، ببساطة كان متعففا. ويقسّم يومه بين البيت والعيادة، وفي أوقات الراحة بين واحد من اثنين.. السياحي في ساحة سعد الله، قرب تمثال الأول من أيار، يجلس هناك وحده ويفرش أمامه صحيفة اليوم، وينقّب فيها، ثم يقلّب الصفحات وهو يشرب فنجان إكسبريسو، وخيوط الدخان تتصاعد منه مثل أنفاس أرواح معذبة. كان وجه الدكتور نديم يحمل آثار صراع نفسي، ولم أستبعد أنه يعاني من غرام فاشل. كلنا في هذا البلد نحمل آثار العذاب النفسي، إن لم يكن لأسباب شخصية فبسبب الأوضاع العامة. أليس الأمبير لونا من ألوان التعذيب؟. وقل الشيء نفسه عن آبار المياه، والمضخات التي تحفر في الرأس ثقبا يعادل بتأثيره المزعج إكليل الشوك الذي أحاطوا به رأس السيد المسيح. لقد وضعونا على الصليب منذ أول شرارة سبقت هذه الحرب. أصبح كل إنسان منا في خندق معركته الخاصة. إن لم تحمل السلاح وتحارب فأنت مزروع في ميدان معركة بالإكراه.

كانت استراحته الثانية في نادي القصر، وهناك يخالط بعض الشعراء الشباب، وأحيانا يتكلم معهم كأنه يلقي قصيدة، يحرك يديه ويعبّر بقسمات وجهه. وقررت بعد أن أنتهي من هذه التحريات أن أبحث عن اسمه في الإنترنت، ربما أجد له قصيدة منشورة، فالأطباء يحبون الأدب، مثل المحامين والمهندسين. كانت الحدود بين الفن ومتطلبات الحياة تذوب. وعززت الظروف من هذا الاتجاه، فمآسي حياتنا تجبر حتى الحجر على أن ينطق.

٭٭٭

لم يخرج الدكتور عن هذا الروتين ولو لمرة خلال أسبوع. وكنت أستحي منه حين نلتقي على سلالم البناية وألقي عليه التحية. كيف يواتيني وجداني أن أتلصص عليه وأمثّل أمامه دور الجار المحب؟. لم نخرب بلدنا بأيدينا فقط، إنما لوثنا أنفسنا بهذه الروح المهنية. تكنوقراط.. كذبة جديدة، ولا داعي لتهذيب الألفاظ، لقد أتقنا دورنا على مسرح الحياة، وتحولنا جميعا إلى ممثلين.

٭٭٭

غاب الدكتور نديم عن مرمى عيني في مشوار واحد. وكان هذا هو الأخير في سلسلة تحرياتي الخائبة. كنت أتابعه من بعد عدة ياردات. وكالعادة مرّ من أمام بريد الجميلية في طريقه إلى السياحي، ثم انعطف بلا سابق إنذار نحو عبارة التموين (بجانب شعبة العمال). انتظرت دقيقة كي لا ألفت انتباهه ثم تبعته. كان الظلام يرتع في العبّارة مع ضباب المساء. وللأسف ساعده ذلك على الذوبان من أمام نظري. لقد اختفى كأنه شبح ميت. أسرعت نحو المنفذ الآخر. وأيضا لم أجده. كانت حركة المرور خفيفة. ولا يوجد على الرصيف غير خمسة أو سبعة أشخاص. أوسعت خطواتي إلى السياحي، وبالصدفة مررت بمحاذاة مكتبة الأصمعي، ورأيت خيالي المشوه مطبوعا على الواجهة، وخلفه لمحت مجموعة مؤلفات جديدة، منها رواية «كتيبة سوداء» للدكتور محمد المنسي قنديل. صدفة تركت أثرها في قلبي. فهذا الكاتب طبيب أيضا مثل الدكتور نديم. أليس كذلك؟. وهو من السلالة الموهوبة نفسها التي ينتمي لها الدكتور العجيلي مؤلف «قناديل إشبيلية». من منا لا يعرفه؟ وسومرست موم مؤلف «الحجاب الملون»، أجمل رواية عن علاج أدران الحياة بالانغماس في الأوبئة. ولا أنسى هنا فيل ويتاكير مؤلف "خسوف الشمس في الهند"، فقد كان يدرس الطب في جامعة نوتنغهام، وكنا نسكن في بناء واحد.

٭٭٭

بعد حوالي شهر كلمتني ليدكا بالهاتف. كان صوتها يرتعش وهي تحتج، فالدكتور لم يحسن سلوكه، ولا يزال يعاملها مثل…. وذكرت كلمة باللغة البولونية. طبعا لم أفهم، لكن أخذتها بأسوأ الاحتمالات، ربما قالت: عاهرة. هذا غير ممكن. حزمت الأمر في نفسي، فقد رأيته بأم عيني يعيش بطهارة قديس، وقلت لها: والله يا مدام الدكتور مثل ليرة الذهب.

قالت بامتعاض: هل تعتقد أنني أكذب؟

– عفوا. لم أقصد.

– لكنه اليوم فقط وضع زبالته أمام بيتي.

وشعرت بالدهشة. ما علاقة الغزل غير العذري بالزبالة. لا بد أن السيدة ليدكا تتوهم، ولعلها بحاجة لاستشارة طبيب نفسي وليس رجل قانون. إنما لم أفتح لها قلبي. كيف يمكن أن أضرب سيدة شفافة ومخلصة بحجر من هذا النوع؟. يكفي أنها صامدة معنا في وجه الزوبعة. حتى بنات وأبناء عمي ركبوا قوارب الموت ولجأوا إلى كريت ومالطا وألمانيا، ودخلوا في دورة شتات غريبة وعجيبة. لقد انهاروا أمام المحنة وبقي رأس ليدكا مرفوعا. ولذلك وعدتها أن أهتم بالموضوع. كنت مشغولا بملف بنت جامعة رماها متعصب بماء النار وشوه وجهها. وكانت الأوراق والصور المرعبة أمامي في ملف بلاستيك أصفر. أغلقته وارتديت معطفي، فقد كنا في نهايات الشتاء، والسنونو يدور في سماء حلب بأعداد قليلة، وبحذر لأن الغربان تقف لها بالمرصاد. وتوجهت فورا لاستشارة عدنان، وهو زميل لي في الجنائية، وكنا ندرس معا في نوتنغهام. غير أنه سبقني بالعودة، وحصل على وظيفة في الشرطة. وهو الآن ضابط تحقيقات. أمام باب الفرع عرفني الحارس، وابتسم لي، ورأيت سنه الذهبية تلمع في فمه.

سألته: هل ممكن أقابل عدنان؟.

وسع ضحكته وقال: تقصد سيادة الرائد؟.

ولم أحب هذه المماحكة، فقلت بنرفزة: نعم. سيادة الرائد.

رد بصوت أوتوماتيكي: ليس الآن. فهو مشغول باجتماع.

وشعرت بغصة. كل الناس تتطور إلا أنا. ويتاكير ينشر رواياته في دور نشر مرموقة، وعدنان يصل لرتبة رائد، ويقف على بابه حارس. وأنا ما أزال كما أنا. أتسكع على عتبات فروع الأمن وفي ممرات المحاكم. وضعت يدي في جيبي. كانت النسمات لطيفة في هذه الأمسية، وبدأت أسير الهوينى، وبمزاج متألم. الجرح الذي لا يقتل أصعب من الجرح المميت. تخطيت كنيسة جورج سالم في شارع فيصل. ثم قاربت الباب الجنوبي للحديقة العامة. وجذبتني الأشجار القليلة الخضراء. كان نهر المدينة يسيل من بينها بشكل خيط رفيع رمادي أو أبيض، حتى المياه شحب لونها. وكان تمثال المربي خليل هنداوي يواجهني بنظراته الهادئة كأنه يعاتب أبناء هذا الجيل المارق. وهناك كانت المفاجأة، لمحت الدكتور نديم على كرسي تحت ظل شجرة، وبين يديه جريدة يقلب فيها.

٭٭٭

استغربت هذا الموقف. وناديت عليه: ماذا تفعل هنا دكتور؟.

نظر لي بوجوم كأنه لا يعرفني وقال: نعم؟.

قلت له: هل تركت جلستك في السياحي؟.

بقي على جموده وقال: دكتور وسياحي. ماذا تقصد؟..

وهنا انتبهت أنه لا يمثل. كان وجهه مثل حجرة أو قالب من الشمع.

قلت له: غير معقول. هل أنت مريض دكتور؟.

هز رأسه. واكتفى بذلك.

سألته: من ماذا تشكو؟.

قال وهو يعصر رأسه: لا أعلم بالضبط. يبدو أن رأسي صفحة بيضاء.

ثم أطلق ضحكة رنانة وأضاف: هل بوسعك أن تساعدني؟.

وهكذا فهمت مشكلته. وأسباب احتكاكه بليدكا. كان الرجل يعاني من فقدان ذاكرة مؤقت على ما يبدو. والله غريبة. كما يقول المثل: بيت النجار بلا باب.

***

ركبنا أول سيارة أجرة وأنا أحاول أن أشرح له حالته. تخيلوا أين وصلنا.. المحامي يعالج الطبيب!. وفي السيارة وضع الدكتور نديم رأسه على ظهر المقعد، وأغمض عينيه من الارتباك والخجل، وكان الراديو يعزف لحنا وطنيا، ولم أعرف المناسبة. هل بسبب دورة العنف التي لا تبدو لها نهاية، أم أنه عيد نسيت موعده؟. كانت ذاكرتي أنا أيضا تتراجع، أنسى المواعيد المهمة وأرقام الأضابير وتواريخ جلسات الاستئناف، جزء منا جميعا يموت، حتى المدينة تمسح ماضيها، ولا تعرف كيف تشتري شيئا من المستقبل. ثم سمعت صوت تنفس الدكتور. لعله شعر بالأمان وأخلد للنوم. وأخذت منه نظرة، ورأيت أن التعب لا يزال يغطي وجهه مثل هذه الشوارع التي يدب عليها الناس بلا أي أمل.

يا لها من حياة. سيعذبه النسيان مثلما تعذبنا الذكريات المؤلمة. وبدأت أفكر كيف يجب أن أزف هذا الخبر للسيدة ليدكا..

***

صالح الرزوق

 

آمال عواد رضوانمَا أُحَيْلَاهُ مُرّكِ .. يَا ابْنَةَ النَّسَمَاتِ

كَأَنَّ رَحِيقَكِ .. تَخَلَّقَ مِنْ نَسِيمِ حَيْفَا

يَسُوقُ النَّسَائِمَ أَيْنَمَا شَاءَ

لِطِينِ الْبِشَارَةِ نَاصِرَتِي

لِتَجْبِلَكِ عُيُونُ الْجَلِيلِ فِي الْجَنَّةِ!

أَيَا صَانِعَةَ شِعْرِي

يَا أَرَقَّ مِنْ نَرْجَسَةٍ اشْتَمَّهَا شَاعِرٌ

فَغَدَا مَلَاكًا

وَيَا أَشْهَى.. مِنْ إِطْلَالَةِ صُبْحٍ

تَلْفَحِينَ بِعَبَقِكِ .. مَنْ يَمُرُّ بِوَهْجِكِ!

لِإِشْعَاعِكِ .. سِمَةُ النَّفَاذِ مِنْ تَحْتِ الْمِكْيَالِ

كَدَفْقَةِ ضَوْءٍ .. تَسْتَرْسِلِينَ مِنْ خَلْفِ أَسْوَارِي!

هَـتَـفْـتُـكِ ذَاتَ لَهْفَةٍ .. أَيَا جَنَّةَ فُؤَادِي

اُبْذُرِي حُرُوفَ سَمَائِكِ .. فِي مَسَاكِبِ نُورِي

وَعَلَى ضِفَّتِي الْأُخْرَى

اغْرِسِي سِحْرَكِ.. فِي وَاحَاتِ نَقَائِي!

أَيَا زَهْرَةً عَصِيًّةً عَلَى أَنْفَاسِ الْبَشَرِ إِلَّايَ

وَلَا تَطَالُكِ .. إِلَّا عَيْنُ اللهِ!

أَنَا مَا اسْتَهْوَانِي.. إِلَّا أَرِيجُكِ

كَمْ مِنَ الزَّنَابِقِ تَتَعَشَّقِينَ .. لِتَخْتَصِرِينِي مَجْنُونُكِ؟

يَا مَنْ لِحُضُورِكِ الْبَذْخُ

كَحُضُورِ مَلِيكَةٍ كِنْعَانِيَّةٍ

كَأُسْطُورَةٍ تَتَبَخْتَرُ فِي خَيَالِي

مِنْ حَوْلِكِ مَلَائِكَةٌ تَتَمَخْتَرُ.. فِي سُبْحَةِ تَرَاتِيلِكِ

وَرُوحُكِ تَتَجَلَّى.. فَوْقَ يَاقَةِ حُلُمِي!

أَحُرَّاسُكِ شُدُدُ؟

أَتَحْرُسِينَكِ مِنِّي.. أَمْ تَحْرُسِينَنِي مِنْكِ؟

مُطْفَأٌ.. سِرَاجُ قَلْبِي .. فمَنْ يُنْفِقُ وَقْتَهُ

يُوقِدُ فَانُوسًا فَقَدَ فَتِيلَهُ .. أَو أَتَى الْهَجِيرُ عَلَى وُقُودِهِ؟

أَيَا غَابَةَ ضَوْئِي

مَنَافِذُكِ كُلُّهَا مُغْلَقَةٌ .. وَلَنْ يَكُونَ لِي أَوَانٌ آخَرُ

مُعْتِمًا يَصْحُو وَقْتِي .. يَشِيبُ بِعِنَادِكِ

لَيْلِي يَتَقَصَّفُ .. مُتَبَرْعِمًا بِيَأْسِي الْأَزَلِيِّ!

غَدي دُونَكِ.. بِتُّ أَسْتَقْبِلُهُ بِحُطَامِي

ومَجَّانِيًّا .. غَدَا تَفَاؤُلِي لَا يَنْبِضُ بِأَنْفَاسِ غَدِكِ

وَمُذْ مَضَيْتِ .. فَقَأَتْنِي عُيُونُ أَكْوَانِي

وَفَوَانِيسِي.. الْــ عَهِدْتُها تَلْتَقِطُ مِنْ مَحْجَرَيْكِ.. وَهْجَكِ

تَعَرَّتْ.. مِنْ أَهْدَابِ خُضْرَتِكِ

وَبَاتَتْ خَرَائِطي فَوْضَوِيَّةً

لَا تَعْرِفُ التَّمَرُّدَ إِلَّا.. عَلَى يَبَاسِ خَيْبَاتِي!

بِضِحْكَاتٍ قُرْمُزِيَّةٍ .. أَجْهَشَتْ رَقْصَةُ زُورْبَا

تُحَاكِي أَطْلَالِي .. تُجَبِّرُ مَا بَطُنَ مِنْ كُسُوري

فِي هَوَامِشِ خَطوي!

ضِحْكَاتُكِ الْـــ .. تُقَدِّسُنِي .. بِعَبَثٍ تئِنُّ!

أَنَامِلُكِ..  تَرْعَى كُؤُوسِيَ الْمَخْمُورَةَ

فَيَغْفُو لُهَاثُ لَيْلِي .. عَلَى أَهْدِابِ غِيَابِكِ!

هَا زِئبَقِي راكِدٌ.. فِي قوارير عُزْلَتِي

يُومِضُكِ حَكَايَا جَامِحَةً .. في فَجْوَاتِ زَمَانِي!

وَهَا أَنَا

لَا أَخْنَعُ لتَمَوُّجِ جِرَاحِي .. ولَا أَصْدَأُ بِمُرِّ صَمْتِكِ!

أَمَا مِنْ سُلْطَانٍ لَكِ .. يُفْضِي إِلَى خَرَائِبِ سَقْطَاتِي؟

لِلْمَقَامَاتِ.. سُبُلٌ مُقَدَّسَةٌ

تَتَرَجْرَجُ.. تُلَامِسُ أَشِعَّتي .. وَتَتَوَغّلُ فِي فُيُوضِ تَقَرُّبِكِ

لكنَّ تهَرُّبَكِ

يَفْتِكُ بِحَمَائِمِ أَعْشَاشِي .. يَقْضِمُ صَوْتِي الْمُتَعَسِّرَ فِي خَرَائِبِهِ

مُذْ فَطَمَتْنِي عَنَاقِيدُ نَارِكِ!

هَا نِصْفِي السَّمَاوِيُّ غَطَّ .. فِي تَفَحُّمِ ذَاكِرَتِي النَّيِّئَةِ

يَحْرِقُ هَوَائِيَ الْمُمَغْنَطَ .. بِقَبْضَةِ صَمْتِكِ الصَّاهِرِ

قَلْبِي بَاتَ يَرْتَعِشُ.. يَفُكُّ أَزْرَارَ بَحْرِكِ

يُلَوِّحَ لِي بِأَكْمَامِهِ الْمَبْتُورَةِ .. يَهْدُرُ:

أَتُنْبِتُ مَوَانِئُ الْعَتْمَةِ آمَالًا.. فِي حَقَائِبِ الْهَجِيرِ؟

***

آمال عوّاد رضوان

 

صادق السامرائيأرانا إبنُ رشْدٍ مُنتَهاها

                    وأدْرانا بخافيةٍ وَعاها

فقالَ العقلُ آلتُنا لِعلمٍ

                وإنّ القومَ ما فعلتْ نُهاها

بتأويلٍ إذا نَظرتْ لآيٍّ

              ستلهمها المَداركُ مُحْتواها

عقولُ الناسِ مُخْتلفٌ رؤاها

             فلا تَجْمعْ على رأيٍّ سِواها

فكنْ حُرا ومُبتَدِعا فريدا

             ودَعْ جَمْعا بمَجموعٍ تماهى

هيَ الأفكارُ أطيارُ انْتِباهٍ

                  تغرّدُ لحْنَها حتّى نَراها

ونُبْصِرُها إذا حَطّتْ بقرْبٍ

                ونَجْهَلها إذا بَلغتْ عُلاها

تراودُنا ونجفوها لجَهْلٍ

                 بحاديةٍ أضاعَتْ مُبتغاها

عَجائِبُ فِكرةٍ وُهِبَتْ لخَلقٍ

              فأوْجَعَها الضَلالُ وافْتَداها

إذا الأفكارُ في جُحرٍ أقامتْ

                   سيدْفعها لعاثِرةٍ هَواها

وإنْ دارتْ تمادَتْ في مَدارٍ

                     يؤهّلها لراقيةٍ عَداها

ويُعْلِمُها بأنَّ الكونَ فِكرٌ

               يساقط فكرةً نَهَرتْ دُجاها

و"كُنْ" أمْرٌ لباعِثةِ ابْتداءٍ

                 وواعدةٍ أفاقتْ مِنْ ثَراها

فلا تَعْجَبْ إذا اخْتلفتْ عقولٌ

                فكلُّ نقيضةٍ وَلدَتْ أخاها

تُداولُ كنْهَها بقِوى ارْتقاءٍ

              ومِنْ ضُدٍ إلى ضُدٍ خُطاها

وقد دامتْ وما انْفرَطتْ للَحْظٍ

          وكمْ ورَدَتْ وما شَرَبَتْ مُناها

عليها كلّ مَخلوقٍ تردّى

          فهلْ تعِبَتْ وهلْ نكرتْ أباها؟

يعيشُ الفكرُ في أممٍ أرادَتْ

                 مُجابَهةً أزاحَتْ مُبْتلاها

ومَنْ نكرَ المَسيرَ إلى أمامٍ

            تدَحْرجَ حاسِرا عَنْ مُرْتقاها

لنا رُشُدٌ وراشدةٌ تواصَتْ

             بمُبْصِرَةٍ أجابتْ مَنْ وَعاها

أ أظلمْنا وكانَ النورُ فينا

                   فغادَرَنا إلى أمَمٍ هَداها

قتلنا رُشدَنا فخَبَتْ نُهانا

          وعاشتْ أمُّنا بضَرى غضاها

***

د. صادق السامرائي

 

سلوى فرحقُبَيْلَ الوَمَضِ لِي مَوْعِدٌ

مَعَ مَلَائِكَةِ اليَاسَمِينِ

وَلِي مَوْعدٌ مَعَكَ يَا وَطَنٌ

***

نَحْوَ السَّهْمِ الأَعْلَى

أَرْقُصُ عَلَى أُفُقِكَ

نَجْمَـةً ...نَجْمَةْ

لَا تَتْرُكْ قَبْضَتِي

بَيْنَ عُرُوقِي

أَسَاطِيرَ العِشْقِ

نَبْضِي

سَيَلدُ مِنْ زُرْقَةِ عَيْنَيْكَ فَيْضاً

نبضي

سيلدُ ... قمراً ... سَرْمَدِيًا

***

تَتَدَلَّى بِشَارَاتُ البَرْقِ

أَنْحتُ  ضِبَابَكَ هَرَماً فِرْعَوْنِيًا

قَلْبُكَ الأَخْضَرُ

بُوصَلَةُ أَجْنِحَتِي

***

لاَ أَكْتَفِي بِشِتَاءٍ غَائِمٍ

وَهْجٍ وَعَاصِفَةٍ خَرْسَاءَ

اِنْهَمِرْ يَا مَطَرُ

انْهَمِرْ يَااااااااااااااااا مَطَرُ

***

بقلم : سلوى فرح - كندا

 

صالح موسى الطائييــاغـابـَـة َ الـمــوت ِ والأوهــام ِ والألـَــم ِ

يـاخـيـبــة َ الصـبــر ِ والأنـســان ِ والقـلـم ِ

 

الـحُـزنُ يَـمْـتــَصُّ أنــفــاسـي وَيـأكُـلـُـنـي

حَــيــث الــبـــلادُ بـِـلا رأس ٍ ولا قــَـــدَم ِ

 

يَـمشي بـها عَـنْـكبوت ُ العُـهر ِ مُـحـتـكما ً

وَسْـط َ الخـراب ِ يَـحـوكُ الـلـيـلَ بالسَـقـم ِ

 

والـسـاكـنــون َ قــبــوراً قــبْل َ مَــوتِــهِـُم ُ

هُـمْ مِـن ضَحايا لصوص ِ النفـط والعَـلَـم ِ

 

الـروحُ تـبْـكي دَمـاً فـي قـبْـضَـة ِ الـعَــدَم ِ

والـحــاكـمــون خـُـرافــات ٌ مِـن الـتـُخــَم ِ

 

إن َّ الـعـــراق َ بــلا عَــقـــل ٍ ولا وطـــن ٍ

يمضـي كـسيـحاً معَ الأشـباح وهو ظـمـي

 

فـالجـوع ُ والـقتـلُ والـحـرمـان ُ يـَخـنـقـُهُ

والـبــرلـمـان ُ يــداوي الـجـرح َ بـالـوَرَم ِ

 

صـهْـيـونُ يـرقـصُ مـفـتـونا ً بما فـعـَلتْ

هــذي الــشـــراذمُ بـالإنــســان والـذمــم

 

بـالــوا على الـخُلـق والـتــاريـخ والـقِـيَـم ِ

ثــُمَّ استعانــوا لِـدفــع ِ الـــذلِّ بــالـعَـجَــم ِ

 

وَراحَ يـَـفـْـتـَــرسُ الأرواحَ مُــنــحــرف ٌ

يُــفـَـجّـــرُ الـمـوتَ بـالأطـفـالِ والـرحِــم ِ

 

كأنّ كـلَّ مَـخـــاض ِ الـحـقــد ِ في دَمِـــه ِ

سَــفـّـاحُ دِيــن ٍ بـه الـشـيـطـانُ لـمْ يَـنـَــم ِ

 

بــاعَ الـتــرابَ الى الـغربـــان والـرّمَـــم ِ

ثـمَّ اسْـتـباحَ مـلــوك َ الأرض ِ بـالـخـَـدَم ِ

 

مِن أيّ بـَطـن ٍ ومِن أيّ الـكــهوف ِ أتـَتْ

هذي الوحوشُ؟ وحوشُ الظـُلـْم ِ والظـُلـَم ِ

 

لمْ تـُبْـق ِ في الـرأس ِ أحلامـاً ولا أُفـُـقــاً

فـَأنـْجـَـبَ الـيــأسُ أجْـيــالا ً مِـن الـسَــأمِ

 

هـذي الـعَمـائـمُ والأحــزابُ قـد نـَهَـبـَـتْ

كـُلَّ الـوجـود ِ لِـمــاء ِ الـوجْـهِ والـهـِمَــم ِ

 

حـتى تـَكـاثـرَ كـُفــرُ الـروح مُنـتـشـــراً

بيـن َ الـشــوارع والـوديــان ِ والـقِــمَــم ِ

 

مـاذا فـعَـلتـُمْ..؟ لـقد ماتـتْ بـِكُـمْ مُـدُنـي

يـا نـُخـبَـة َ الـشــرِّ والأوْبــاش ِ والإزم ِ

 

إنـّي لأبْـكـي بـلا عَـيـنـيـن ِ مُـحْـتـَـرقـا ً

وفـي حَـشـايَ شـرايـيــن ٌ مـن الحُـمَــم ِ

 

تـلـْــكَ الـحِـبـالُ حَــرامٌ أنْ نـُـلـَـوّثـَـهــا

هـذي رقــاب ٌ بهـا الأوداجُ مـن وَصَـم ِ

 

إنّ الـقـَصـاصَ بـلا إحْــراقِــكـُمْ عَـلـَنـا ً

لا يـَسْـتـَقـيـمُ ولا يـشـفـي غـلـيـلَ دَمـي

***

شعر  صالح الطائي

 

 

بكر السباتينبعد أن تناولنا وجبة الإفطار بناءً على دعوة عائلية من قبل صديقي الدكتور عزام، اقترح علينا الذهاب إلى أحد المقاهي القريبة لإكمال سهرتنا ومن ثم تناول طعام السحور في هذه الليلة الرمضانية التي اختلط فيها هديل الحمائم وتسابيح المتعبدين في المساجد واحتفالات رواد المقاهيي بالليالي الرمضانية التي تحولت إلى فلكلور يذكرنا بليالي القاهرة وموالدها التي تدور في الروح المصرية كعقارب الساعة.. والجميل في الأمر أن اعتدال درجة الحرارة كان يشجعنا على الذهاب إلى المقهى.. فلم أتردد رغم ارتباطي بمناسبة عائلية أخرى وأخبرت الدكتور عزام بأنني لن أطيل المكوث.. وعلى ذلك اتفقنا.

كانت السيارة تنهب بنا الأرض وسط البلد حتى نتجاوز الإشارة الخضراء ثم تتهادى يميناً عند المفترق، لتصعد بنا إلى إحدى مقاهي جبل اللويبده المشهورة، هرباً من الزحام الذي يشهده شارع السلط وسط العاصمة عمان والمظلل بعرائش من مئات اللمبات المضاءة بمختلف الألوان وقد تدلى من بينها عشرات الأهاليل الرمضانية المضيئة.

وبعد دقائق وقع اختيارنا على مكان هو الأقل ازدحاماً في هذه الليلة الساهرة.. واتخذنا أماكننا في المقهى المنشود، فنمتع الأنظار بجَمَلُوناته الخشبية المدهشة، وأثاثه التراثي القديم، ناهيك عن بيئته المكانية المتنوعة الغناءة، وقد كانت مغمورة بحفيف أوراق الأشجار السميقة الظليلة، ويحفها خرير ماء شلال اصطناعي مجاور تغذيه نافورة محجوبة عن الأنظار.. كانت أجواء تبعث فينا سكينة الروح.. في حين أخذت فقاعات الماء المتوالدة في زجاجات الأراجيل المنتشرة حولنا تبعث في رؤوسنا ما هبّ ودبّ من أحاديث تجاذبنا أطرافها بحرية وبراءة، أثناء ذلك باغتنا صوت نحنحة لمطرب يتهيأ للغناء، خرج من السماعات المنتشرة في أرجاء السقف، فما يلبث أن يغطي عليها صفير حاد أو خشخشة مزعجة سرعان ما انجلت ليستقر الصوت سريعاً على أغنية هزيلة مجهولة الأصل.. ربما يختبر المطرب عليها صوته المتقطع.

وفجأة مال الدكتور عزام برأسه إليّ وأخذ يومئ برأسه إلى سيدة كبيرة في السن كانت ترتدي طقماً شبابياً بألوانه الزاهية، وقد اتخذت زينتها بما يتناسب والاكسسوارات الملونة التي طوقت جيدها وساعديها.. وكانت ترفع شعرها الناعم المصبوغ كأنها فتاة عشرينية، فبدت متصابية وهي تجلس مع ثلة من الكتاب والشعراء المغمورين المراهقين من الباحثين عن كلمات الإطراء في سوق الثقافة، فبدت كأنها مطربة فاشلة تتصنع الدلال بما لا يليق بها.

دافعت عنها أمام الدكتور عزام وقلت بأن السيدة ذات قدر في المجتمع إذا كانت هي من حضرت لتوها إلى ذاكرتي..خلاصة الأمر أنني أكنّ لها التقدير رغم عدم معرفتي الشخصية بها، وهي ناشطة اجتماعية منفتحة على الجميع! ولكن بات يخالجني شك في أن لا تكون هي.. لأن التي أمامنا تتصرف بدون وعي!.

لكن صديقي، وهو محاضر في مجال الأدب المقارن بإحدى الجامعات الخليجية، أسعف فمي وأراحني من التوغل في المديح ليقدم لي بيانات معرفته بها:

مجرد فاكهة على أطباق الصالونات السياسية.. فارغة.. فقط المطلوب منها التأنق لإضفاء طابع عصريّ على الجلسة.. لكونها بدوية تعيش حياة أبناء المدن كفنانة تبحث عن الشهرة دون اعتبار للمكانة!

استفزني رأيه وقلت له بحزم:

لنتركها بحالها فهذه حرية شخصية..

وفجأة أخذ أحدهم يدقها على كتفها ممازحا بما لا يليق بعمرها في غمرة من الضحك المجلجل الذي ساد أجواءهم.. وهمست في أذن الدكتور عزام قائلاً:

لنتركها في حالها يا صديقي.. فكلًّ يعمل بأصله! على الأقل حتى تستعيد جلستنا تألقها وخاصة أن زوجتينا انتبهتا لما يضج في رأسينا من أسئلة مبهمة.

فربت صديقي على كتفي راضياً.. ومن هنا بادرنا إلى إشراك الزوجتين بالحديث في ضوء المصابيح دون حجب وأسرار.. حتى لا تموت متعة اللقاء.

لكن زوجة الدكتور عزام انتابتها نوبة خفيفة من الضحك بينما أضمرت في رأسها مفاجأة.. قلبت عينيها فينا وعقصت شعرها إلى الخلف بهدوء حتى بدا وجهها المستدير كأنه علامة سؤال كبيرة.. ثم تساءلت وهي تومئ بطرف عينها إلى السيدة التي كانت مدار حديثنا قبل قليل:

ألم يخبرك صاحبك الدكتور عزام بأن تلك السيدة من عشيرتنا!

ثم ضحكت بهدوء مكملة الحديث.. وكانت عيناها تسترقان النظر إلى سيدة المجتمع المتصابية، وقد تحلق حولها المنافقون وهم يقرأون الشعر التافه على بعضهم ثم يتبادلون النكات السمجة.. وتهيأت زوجة الدكتور عزام لتقول شيئاً.. وخاصة أنها ناقدة أدبية لها صولات وجولات في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي.. وقالت بعد أن ارتشفت القهوة من فنجانها الذي بقي معلقاً بين السبابة والإبهام كأنها تشتم عبقه:

يا أستاذ كلنا نفعل ذلك! وما ترونه ربما هو المشهد السائد في المشهد الثقافي العربي.. لكن المؤلم في الأمر هو حينما أخبرتها في إحدى المناسبات الخاصة التي جمعتنا بأن سيرتها صارت على كل لسان كونها تتصرف كمطربة محفوفة بالمعجبين الذين يتندرون بأخبارها دون أن تراعي بداوتها.. فاستشاطت حينذاك غضباً، وبلكنة بدوية مخلوطة ببعض الكلمات "المدنية" كأنها تحمل بين أصابعها جيفة كريهة الرائحة:

أنت تتجاوزين حدودك.. كيف تتهمينني بالبداوة وأنا سيدة مجتمع مرموقة! هذه غيرة نسوية، فأنا لست بدوية كحضرتك! بل مدنية متحضرة وتربت على أصول (الإتكيت) .. فكيف تسمحين لنفسك بتجاوز حدودك معي!! ما هذا التخلف!.

إلى أن قالت ساخرة:

البداوة دفنّاها في ذاكرة الجدات يا محترمة.

من هنا آثرت كظم غيظي إزاء هذه الموقف المفاجئ والمليء بالردح من قبل امرأة تهين نفسها دون أن تدرك؛ ثم تصرفت بحذر شديد وأنا أطوي تفاصيل اللقاء درءًا من حصول ارتدادات للموقف قد لا تحمد عقباها.. وأثناء انفعالها، لاحظت ذوبان مستحضرات التجميل من تحت غرة هذه السيدة البلهاء وقد ظهر الشيب يغطي جذور شعرها المصبوغ باللون الكستنائي الفاتح.. وبدا على عينيها الإجهاد بسبب العدسات اللاصقة التي اشتد لمعانها تحت ضوء الثريا في صالة الاحتفالات.

أذكر حينها كيف أن زوجي انفجر غاضباً ونحن في السيارة أثناء العودة إلى البيت، وبدأ يتحدث عن مغامرات تلك البدوية التافهة المتنكرة لأصلها، بين المثقفين.. وكيف أن البعض أخذ ينعتها بالبقرة الأنيقة.. ثم تنفس زوجي الصعداء وهو يركن السيارة في المرآب قائلاً:

لا أريد أيّ حيث عن هذه السيدة المخبولة فقد اختارت الرقص مع الخفافيش تحت الأضواء الخافتة.. ربما كانت بدوية أصيلة؛ لكنها الأن غدت ابنة المقاهي رغم أننا من رواد ذات المقاهي الثقافية والنقابية والسياسية المنتشرة في أرجاء العاصمة ولكن دون ابتذال وإن خرجنا أحياناً عن نطاق الرتابة وخاصة حينما نكون جميعنا رجالاً أو يكنَّ نساء.

وتنهي زوجة الدكتور عزام حديثها ونحن نصغي إليها باهتمام والدهشة تأكل رؤوسنا قائلة:

ولكن لكلٍّ طريقته في الحياة.

وفجأة، أخذ الموقف يتقلب في رأسي رغم أن الموضوع تم طيّه حيث انشغلنا بالحديث في كل شيء سوى بلاهة هذه المثقفة، والتي أخذت ترقص على أنغام العود الذي أحنى ظهر صاحبه المغني المتعب وهو يغمر الأجواء بالقدود الحلبية الدافئة بصوته الشجي. حينها خرجت الصبايا أمام أسرهنَّ وهنَّ يتمايلن راقصات بين الطاولات برقة ودلال.. فإذْ بالبدوية تتصرف كغجرية مرتبكة، فتميط اللثام عن أصلها لتقتحم المشهد كبقرة ضلت طريقها، وترقص رقصاً شرقياً، كأنها فيفي عبده حتى أزعج الموقف صديقي؛ إلا أن زوجته قالت معقبة:

على العكس يا عزام.. صفق مثلي رغم بلاهتها على الأقل تشجيعاً للمغني الذي أنهكه الغناء.

وقد أيدتها زوجتي وهي تصفق انسجاماً مع أجواء السهرة البريئة.. منوهة إلى ضرورة ترك الناس بحالهم..

ثم ضحكت زوجة عزام وهي تقول آسفة:

لم تعد هذه السيد بدوية من خلال هذا السلوك الأرعن"يا حيف" يبدر هذا منك في الشهر الفضيل!..

أما أنا وزوجتي فقد تعاملنا مع الموقف من باب الحرية الشخصية رغم أنني على يقين من أن هذه الثلة التي تحيط بالمثقفة المغبونة، التي تعاني كما يبدو من مرتب النقص، حيث يتحكم بسلوكها المبالغ فيه، سَتَتَنَكَّه هذه الثلة بمغامراتها الشقية في السهرة المقبلة أو خلال الهواتف النقالة حال عودتهم إلى بيوتهم، بدون مراعاة لعمرها الذي أحرجته بتصرفاتها غير المتوازنة.. وقلت في أعماقي:

" بوسع هذه السيدة أن تتمايل بجسمها غير المتناسق على أنغام القدود الحلبية كما تفعل بعض الفتيات في هذه السهرة، على الأقل بما ينسجم مع أغنية " قدك المياس"! أما أن تخرج عن الإيقاع وتهز وسطها كفيفي عبده! فهذا مضحك ولا يليق بها.. رغم ذلك فهي حرة وبوسعي أن أصفق كالآخرين.

أثناء ذلك أخذتني الخواطر المدججة بالأسئلة إلى الموقف؛ لتعصفَ به من كل جانب.. كأنني تواريت بالسيدة المتصابية خلف الأشجار المحيطة بالمكان وقد غمرنا صوت الشلال بخريره المتغير.. فأخاطبها بهدوء قائلاً:

أنت تشبهين هذا الشلال المتحرر من قيود النوافير الصارمة يا سيدتي.

وتخيلت أنها لم تكترث.. ربما انتَظَرَتْ أن أسرف في مدحها كأنني مراهق كالذين يحيطون بها.. ثم تخيلت وأنا أكمل الحديث قائلاً:

البداوة يا سيدتي ليست عيباً حينما تُنعتينَ بها يا صاحبة السعادة.. صحيح أنك تعتاشين كأرملة على مديح المنافقين وإطراء من يأخذون بيدك كي تبرزين بشكل لافت؛ لكنك في دوائرهم المغلقة يتفكهون بأخبارك ويتناولونها كشرائح المربى.. نعم فما زلت تحملين الصفات البدوية والفطرية التي تجعلك تصدقين المواقف دون البحث في أبعادها.. حينما قالت لك زوجة الدكتور عزام بأنك بدوية! فما الضير في ذلك! والرسول كان بدوياً.

واسترسلت في تخيل الموقف بعد أن جلست البقرة الراقصة منهكة وسط حفاوة أصدقائها الذين بالغوا في تشجيعها على العودة إلى حلبة الرقص، وأنا أتخيل نفسي أحدثها بعينين ساهمتين في العمق:

فقط لا تبالغي سيدتي في التنطع البريء كنجمات السينما اللائي يهمهن الظهور ولو كان أجوفاً بعض الشيء! كوني على الأقل مثل الفراشات.. نعم مثلها.. فهي حينما تتقافز جذلى على الزهيرات في المقاهي؛ لا ترى إلا بتلاتِ الودّ ، ولا تشتم إلا عبق الشعر الأصيل الذي يذوب في كأس الذاكرة كالنبيذ المعتق، دون حاجة لاصطياد ابتسامات بعض البلهاء من محبي الشعر وقارضيه الذين يقتفون أثر النعامة حتى تغمر رأسها في الثرى ثم يزفونها متندّرين بخيبتها.. والسخرية التي تجمعهم حولك ما هي إلا خمرة تدور برؤوسهم وتغيِّب إحساسهم بالآخرين.. ما زالت مقاهينا تحت التجريب يا سيدتي فلا تبحثي فيها عن جان بول سارتر، لأنك لن تثيري غيرة سيمون دي بوفوار التي نضج حبها الراقي في عمق اللقاء بفيلسوف الوجودية في مقاهي باريس، وليس على طاولة مكشوفة الباطن، ويتجمع على سطحها الذباب الأزرق، حيث الآذان مشنفة لرصد هفوات المحبين وتأويلها وهم في غيبوبة التماهي ولحظاتها الآسرة.

فمقاهينا يا سيدتي ليست تلك الآفاق التي يعربد في سمائها الشعر والصهيل.. وإنما أقفاص، ومصائد للبلهاء.. أحياناً.

استفقت بغتة من غيبوبة الخيال ووجدت نفسي أصفق مع الجمهور، ثم نمضي جميعاً في سهرتنا التي كانت الأجمل خلال موسم رمضان الجاري بعد أن هجعت الموسيقى.. وانبعثت التسابيح الجميلة من مكبرات الصوت استعداداً للسحور الذي تهيأ له الجميع.. وقد اكتشفت بأن الطاولة اتي كانت شغلنا الشاغل قبل دقائق قد فرغت من أصحابها، فاقترحت على الفور أن ننتقل إليها نظراً لموقعها الجميل.. وكونها الأقرب إلى البيئة المكانية المحفوفة بالأشجار السميقة والمغمورة بصوت الشلال الآسر.. فابتهج الجميع لذلك. "حدث ذات يوم"

 

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

منذر الغزاليدخل المستخدم، وزّع فناجين القهوة، ثمّ خرج، فتابع الرجل حديثه:

- فكما تعلمون، نحن دولة متخلّفة، أقصد: دولة نامية.

توقف عن الكلام، أشعل سيجارةً، وأخذ رشفةً من قهوته، واعتدل في جلسته، وهو يلقي نحو ضيوفه نظرةً متمهّلة، وتابع من جديد:

- إذن، بعد أن انتصرت الثورة، وقتل من قتل، واعتقل من اعتقل… توقّف عن الكلام من جديد، امتصّ نفساً آخر من سيجارته، فكّر، وهو يجيل نظره على ضيوفه الجالسين على مقاعد توزّعت على أطراف غرفة المكتب الواسعة: "ملعون أبو المشروب، ثلاثة فناجين قهوة حتى الآن، ودماغي لا يزال مشتتاً!" نبّه نفسه للتركيز على كلماته القادمة، وتابع بهدوء:

- كنت أقول: بعد أن انتصرت ثورة حزبنا المجيدة، وتمّت محاكمة رموز السلطة البائدة محاكمات عادلة، فأعدم المجرمون مصّاصو دماء الشعب، وسجن من يستحقّ السجن، وهرب من تمكّن من الهرب، كان أمام قيادة الحزب مهمّة إعادة بناء الدولة، وتصحيح ما خرّبته الطغمة الفاسدة، كان قرار القيادة الحكيمة أن يتمّ اختيار رجال الدولة الجديدة بناءً على مرتكزين: أولاً، ألّا يتقلّد المناصب، أقصد المسؤوليّة، إلا مناضلو الثورة الحقيقيّون، وثانياً، ضمان ولاء المسؤولين للزعيم الجديد… أقصد: الولاء للحزب والدولة.

صارت كلماته منسابة، منضبطة، وصار راضياً عن نفسه، غطس في كرسيّه، وهو يرى أثر كلماته مرتسماً في ابتسامات ضيوفه، رمق بطرف عينه الصحفيّ الشابّ الذي يجلس على كرسيٍّ جانبيّ، ثمّ أشاح بوجهه سريعاً عنه. كان الوحيد بين ضيوفه من الصحفيين الذي لم يبتسم، يجلس على كرسيٍّ جانبيٍّ، ببنطلون جينز وقميصٍ أبيض، تجاهله، وأكمل وهو ينظر نحو الآخرين: شُكِّلت لجنة ثورية لإدارة شؤون البلد، واقتراح أسماء المسؤولين ، اختلف أعضاء اللجنة، فكما تعلمون، لا يوجد ميزانٌ نستطيع، من خلاله، أن نحكم على ولاء الأشخاص للزعيم الجديد. توقّف لحظة؛ لكنّه تابع دون ارتباك، مصحّحاً: وبالتالي الولاء للحزب، والقائد المناضل هو رمز الحزب والدولة. القائد المناضل، بحكمته وحنكته السياسيّة، وجد الحل.

اشرأبّت نحوه أعناق ضيوفه، ورغم أنه لم يقل شيئاً يزيد عن المفردات المكرّرة في كلّ وقت، وعلى لسان كلّ مسؤول، إلا أنّ أسلوبه في الحديث هو الذي لفت انتباههم. استرق نظرةً نحو الصحفيّ الشابّ: ما يزال جامداً على كرسّيه، وملامحه ما تزال جامدة، يلقي إليه نظراتٍ مباشرةً أغاظته، أشعل سيجارةً جديدةً بهدوء، وتململ في كرسيّه، واسترخى قليلاً، ووجّه حديثه نحو الصحفيّ الشابّ، وهو يكتم غيظه:

- أعتذر منك، فقد تأخّرت في الردّ على سؤالك؛ لكن كان لا بدّ من توضيح هذه النبذة من تاريخ ثورتنا المجيدة، التي لا يعرفها الكثيرون.

ابتسم الصحفيّ الشاب، ابتسامةً لا تكاد تُلحظ، فهذه "النبذة التي لا يعرفها الكثيرون" كرّرها المسؤول نفسه، في كلّ لقاءاته الصحفيّة منذ أن استلم المنصب، غير أنّه تابع الاستماع إليه بنفس الهدوء، والملامح الجامدة.

- لكنّي سأجيب عن سؤالك حالاً -تابع الرجل كلامه وعيناه مصوّبتان نحو الشابّ- من حقّ الصحافة أن تسأل كما تشاء، ومن حقنا، كمسؤولين، أن نجيب كما نشاء أيضاً، تلعثم قليلاً؛ لكنّه تدارك دون توقّف: بعيداً عن الشعارات والخطابات الرنّانة.

ـ سيدي، قاطعه الصحفيّ الذي بدأ الملل يتسرّب إلى نفسه، أنا سؤالي كان…

ـ نعم، سؤالك هو: كيف وصلتُ إلى هذا المنصب؟… أنا لا أعتبره منصباً، هذه مسؤوليّةٌ ، ألقتها القيادة على كاهلي لخدمة الشعب، وأنا سعيدٌ بأن أكون خادماً للشعب… إذن، القائد التاريخي وجد أنّ ولاء أعضاء الحكومة الجديدة يكون بإثبات معارضتهم للنظام البائد، والمعارضة تكون بالنضال، والنضال يكون بالاعتقال، ومدّة الاعتقال تحدّد درجة النضال، وبالتالي: مستوى المعارضة… لا معارضة بدون نضال، ولا نضال بدون اعتقال، ومن لم يعش تجربة الملاحقة والاعتقال ليس مناضلاً، هذه حقيقة تاريخية؛ وقائدنا الملهم التقط هذه الحقيقة بفكره الثوريّ؛ لأنّه القائد التاريخي الذي يعلم معنى النضال، وثمن النضال.

توقّف فجأةً عن الكلام وذبلت ملامحه، فقد أوقعه حماسه بسقطةٍ لم تكن محسوبة، تلجلج قليلاً، وحاول تدارك "هذه الغلطة الفظيعة" بنبرةٍ حرص أن تكون متوازنةً، رغم الثقة التي اهتزّت في داخله: هو قائدٌ رمز، وعدم دخوله المعتقل لا ينفي عنه صفة النضال. النظام البائد كان يعلم جيّداً أنّ اعتقال رجلٍ بوزن قائدنا العظيم سيكلّفه كثيراً، وقد…

تململ في كرسيّه، وارتجفت شفته السفلى، وجفّ ريقه، وهو يحاول أن يغلق هذا الموضوع الذي جرّ نفسه إليه دون مبرّر… ليس لأنّ إحدى السفارات حذّرت النظام من اعتقاله، كما أشاع أعداء الثورة من الطابور الخامس -أكمل بنبرةٍ واهنة- لكن لأنّ ضمان سلامته، هو ضمانٌ لبقاء النظام… ولو مؤقتاً، قال الكلمة الأخيرة بصوتٍ راجف، وبدأ يتملكه شعورٌ بالخوف، وهو يحاول إصلاح خطأ بخطأ آخر.

نظر نحو ضيوفه: كانت العيون مشدوهةً، والوجوه محمرّةً ومصفرّة، إلا ذلك الصحفيّ الشاب، لمح ما يشبه الابتسامة على وجهه، ملأته غيظاً، وأعادته إلى السؤال الذي كان السبب في هذا الخطأ الكبير الذي ورّط نفسه به.

- أعود إلى سؤالك، قال وهو يشيح بوجهه عن الصحفيّ، لأنني كنت معتقلاً في سجون النظام، فقد رأت القيادة تكليفي بهذه المسؤولية.

ـ ولكن -يا سيدي- أنا سؤالي كان كالتالي: قبل الانقلاب كان اسمك حمدان الدايخ، ما سبب تسميتك بهذا الاسم؟ أعاد الصحفي السؤال، وهو يخرج من حقيبته عدداً قديماً لمجلةٍ فنّيّة، ما إن رآه الرجل، حتى احتقن وجهه، وتضخّمت رقبته، وفقد ما تبقّى من تماسكه، راح يغطّي انفعاله بحركاتٍ خرقاء: أشعل سيجارةً جديدة، دون أن ينتبه للسيجارة المشتعلة على منفضة السجائر، امتصّ منها أنفاساً متلاحقة، ورفع فنجان القهوة يرتشف منه، فلم يجد سوى حثالةٍ ابتلعها مرغماً، وهو يفكر بالنتائج الوخيمة التي سيتركها هذا اللقاء، وما تورّط في قوله، وهو يعلم أنه موضوعٌ خطير، لا أحد يجرؤ على الخوض فيه، تمنّى لو كان بمقدوره أن يطرد الصحفيّ، أن يطلب له الأمن… لكن، في المقابل، كان التفكير في ما قاله عن تاريخ الزعيم هو الذي يشغله، وهذا لم يعد بالإمكان إصلاحه، نظر نحو ضيوفه يستمدّ منهم شيئاً من القوّة: كان بعضهم ينظرون إلى أقدامهم نظرة جمودٍ، مشنّفين آذانهم، وآخر ينظر نحوه نظرة خوفٍ أو اعتذار، وآخر ينظر نحو الصحفيّ بعيونٍ واسعةٍ رأى فيها مكراً… "كلّكم منافقون يا أولاد ال…"، شعر بأنّه محاصر، حاول رسم الابتسامة؛ لكنها كانت مجرّد اعوجاجٍ متوتّرٍ في حنكه السفليّ.

ـ حمدان الدايخ!! استأنف كلامه بصوتٍ خفيض يرتفع تدريجيّاً، وبنبرةٍ أرادها حميمية، لكنّها صارت كأنها ردّ اتهامٍ في محكمة، حمدان الدايخ لقبٌ أعتزّ به، وأعتبره وساماً، لأنه كان يمثّل موقفي المبدئي المعارض. لعلّك تسأل كيف؟ وأنا سأجيب، حتى دون أن تسأل "يا بن ال… همس في داخله". لهذا اللقب قصّةٌ لا يعرفها الكثيرون، وأنا لا أحبّ أن أرويها، لأنّي لا أحب الحديث عن نفسي… لنعد للموضوع، ما علاقة اللقب بالمعارضة؟ أنا، كما يعلم الجميع، ابن أسرةٍ مكافحة، جئت من القرية قبل الثورة بستّ سنوات، دخلت الجامعة، وهناك لمست الفوارق الطبقيّة بين أبناء الفقراء، وأبناء الأغنياء، أثرياء الفساد، عشت صراعاً فكريّاً حادّاً، رسبت في السنة الأولى مرّتين متتاليتين، ليس لأني كنت أتردّد على الملاهي الليليّة، كما كان يحلو للصحافة الصفراء أن تنشر، وللصحفيّين المرتزقة أن يكتبوا -قال ذلك بحنقٍ، وهو يشير الى المجلة القديمة التي وضعها الصحفيّ الشاب فوق المنضدة الصغيرة- بل لأنّ عقلي لم يحتمل التناقض بين موقفي، وبين بطش النظام المتربّص لكلّ معارضٍ، فكنت أسكته بالخمر. توجّهت بعد ذلك إلى المرابع الليليّة، حيث وجدت ذاتي، التقيت بالفئات الاجتماعية المهمّشة، الذين لا يجرؤون على الجهر بمعارضتهم، رفاقي الحقيقيين!… وطبيعيّ، بعد ذلك، أن تصبح الجامعة ترفاً.

تعرّفت على الفنانة، الراقصة الاستعراضيّة دلال، وتبعتها… لا أقصد تبعتها بالمعنى الحرفيّ؛ لكنّي اندمجت مع حياتها، جمعتنا المعاناة المشتركة… بطبيعة الحال، السيرة النضاليّة للفنانة دلال معروفة، نشرتها الصحف الوطنيّة. قبل نجاح الانقلاب... قصدي: بعد انتصار الثورة، كانت تربطها علاقات… علاقاتٌ رفاقيّة طبعاً! مع كثيرٍ من المناضلين من قيادات الثورة؛ الرفيقة دلال امرأةٌ مكافحة، وقفت إلى جانبي كثيراً، وأنا كذلك وقفت إلى جانبها، كنت أحميها من الذئاب التي تحيط بها… من هنا جاء لقب الدايخ، من الحارة الفقيرة التي كنت أعيش فيها، أطلقه أهل الحارة…"التافهون! تمتم وهو يأخذ نفساً عميقاً"… معذورون، فهم لم يعرفوا أن الشرب كان ملجئي، وخياري الوحيد للتعبير عن رفضي واقعاً مرّاً يغرقون هم فيه، دون أن تهتزّ لهم شعرة... هذه كانت طريقتي الوحيدة الممكنة للتعبير عن معارضتي… أضعف الإيمان!

التقط حركةً من أحد ضيوفه، تنمّ عن تململٍ، أو ضيقٍ، وسرت قشعريرةٌ باردةٌ من رقبته حتى أسفل ظهره، تناول منديلاً ومسح العرق الذي نزّ من جبهته، وأسرع في إنهاء حديثه الطويل، الذي لم يعد يعرف كيف يلملمه: الرفيقة دلال هي التي رشّحتني وأخبرت اللجنة عن اعتقالي تسعة أشهر في سجون النظام، بعد أن ضربت أحد الأوغاد، حاول الاعتداء عليها في الملهى مستخدماً نفوذه لدى النظام البائد.

أنهى الرجل حديثه، وغادر ضيوفه؛ لكنّ خوفاً شديداً انتابه، فالتقرير الذي سيرفع إلى القيادة سيذكر، بالتأكيد، الخطأ الذي ارتكبه، وما استتبعه من أخطاء أخرى للتغطية عليه.

لم تنشَر المقابلة في الصحف، والصحفيّ الشابّ غادر البلد قبل أن تتمكّن منه أجهزة الأمن، غير أنّ وسائل الإعلام كلها، بعد ثلاثة أشهرٍ من هذا الحديث، تحدّثت عن فضيحة الدعارة في الشقّة التي تملكها الفنانة المعتزلة دلال، والتي تورّط فيها مسؤولٌ كبير، ثمّ بدأت تنشر، بعناوين بارزة، ملفّات فسادٍ كبيرة ورد اسمه فيها.

طُرد من الحزب، ونُزعت عنه صفاته الرسميّة في الدولة، وانتهت بعنوانٍ صغير في زاوية إحدى الصحف الوطنية عن انتحار الخائن حمدان هلال، الشهير بحمدان الدايخ.

 

قصة قصيرة

منذر فالح الغزالي - بون

 

 

حسين حسن التلسينيلا تــرحلـي يـازهــــــرةَ القَـرَنْـفُــلِ

               فأنتِ مصبــاحُ الجَمـالِ الـمُرْسَـــلِ

لا تــرحلـي فـأنتِ عَيْـــــنٌ جَـعَـلَـتْ

               مِــنَ الهــوى نـافــورةً للـمَشْـــــتَلِ

لا تـرحلـي فَمِـــنْ ســــوادِ مُقلتيـــ

              كِ أشـرقتْ كواكـبُ الـمُســــتـقـبـَلِ

لا تــــرحلـي تَـمَـهَّــلي لاتـــرحـلـي

               فـأنتِ جَنَّــاتُ القصــيـدِ البُـلبُـــــلِ

لا تـــرحلي فَـمَوْصِــلـي سـفـينــــةٌ

              ومقلتــاكِ شـــاطئـــان لِـمَوْصِــلـي

لا تــرحلـي وتـجعلـي دمــعَ الأســى

               مُســتعمِـــراً لخــافقـي ومَنْـــــزلي

لاتـرحلي كـي لايظــلَّ هــاتـفـــــي

               سجيــنَ راحـــةِ العـذاب الـمُقـبِــلِ

لا تــرحلـي لاتـجعــــــلي مَحَبَّـــتي

                باكيــةً خلفَ الســتارِ الـمُسْـــــدَلِ

لا تـرحلــي فبـالرَّحيـــلِ يَعْـتَـــلي

                 شـوكُ النـوى مُعـربِـــداً مُكبِّـــلي

لا ترحلي كي لانرى شهـدَ الهـــوى

                  وليـمـــــةً ذليــــــلـةً للحَـنْـظَـــلِ

لا تــرحلـي إنَّ الـرحيـــلَ ظُلمـــةٌ

                بظلمــةِ الفـــــراق لا لا تـنـجلــي

لا ترحلي بـل ازرعـي في دربِـنـــــا

                  لامَ اللقــاء فَـهْـي خـيـــرُ مَنْـهَـلِ

لا تـرحلي عـودي لـموكــبِ الهـوى

                  وقبِّــــلي جبـيـنَـــــهُ وَهَلْهِـــــلي

لا ترحلي دعي الهـوى مُحاصَــــــراً

             بأحـرفِ اللقــــــــاء كي لا تَـذْبُـلــي

لا تـرحـلـي تَغَــــزَّلـي تَجَـمَّــــلـي

              بصـبـرِ أيـــــوب الأسـى تَــزَمَّـلـي

لا ترحلي عيناكِ عيدا الفطْرِ والـــ

                 أضحـى لآهـاتِ الفــؤادِ الـمُقْفَــلِ

لا تـرحلي فبـالرَّحيـلِ يَـصْــطَـلـي

                  عيـدُ الهوى بـلحـنـهِ الـمُجَـلْـجِـلِ

وإنْ تَعَمَّـدتِ الرحـيـلَ فـارحلـي

                بلاجوازٍ صَـوْبَ قلبِ الـمَوْصِـلي

***

شعــر: حسين حسـن التلسيني - الموصل

 

قصي الشيخ عسكرمن حسن حظك أن الممرض الذي لم تدرك اسمه خلال سنوات طويلة كان تلك الليلة هو الخفير في غرفة الطواريء.لاينكر أنه أنقذك لأنك من بلده أو لأنه لم يكن مقتنعا بأحكام الإعدام التي تنفذ بمن يدانون كونهم جواسيس، ولعله كان يبحث عن عذر ليهرب ويغادر المكان.مجرد عذر..أمور كثيرة غابت عنك، ولم يخطر في بالك أنه تحين الهرب واقتنص الفرصة عبر مأساتك. الباب مغلق عليك.. وأنت تنتظر موتك ولا تقدر على أن توقف شفتيك عن التمتمة..الساعة غائبة عنك الآن منذ أن دخلت الممر الطويل في قسم الطواريء واستلقيت مادا ذراعك التي تحسستها أنامل الممرض..

مد يدك حيوان " وأردف الحارس" لو رجع الأمر إليّ لسحبت دم أي خائن ورميته إنه نتن قد يلوث دم الأبطال الجرحى الذين يضطرون إليه!

وصاحبك الممرض يضغط بإبهامه على وريدك الأزرق يطلق همهمة ويقول:

تمام.

خفاش بوجه آخر..

الممرض مثلهم.. في عينيه شفقة.ذو ابتسامة خجولة يسحب دما من أي ذراع تمتدّ إليه.. دموع تماسيح.. كيف تصورته تلك اللحظة خفاشا؟لعله جناح الموت الذي أفقدك صوابك..في بعض الحالات تشعر بالنعاس..بالغثيان تهرب من حقيقة الموت الموعود بها وإهانة الحارس تعيدك إلى رشدك.. كل مرة تبرعت بالدم يقدم لك بواب المكتب قدح شاي كبيرا يعيد إليك نشاطك المهدور فهل تكفي هذه الليلة قنينة واحدة؟ ثم يهز رأسه وتلتقي عيناك بعينيه، فيدير وجهه نحو الساعة وكان الدم ينز في الوعاء مثل شلال مكتوم لقيه منحدر ذو قعر سحيق فلاذت عينك بساعة الحائط كأنك تهرب من دمك وغلظة الخفير.. كانت تشير إلى التاسعة، الساعة الرابعة قبل طلوع الفجر يوضع كيس حول رأسك.. وتوجه رصاصات إليك.. كنت تترنح في مشيتك إلى غرفة حبسك بوجه شاحب.. وكان الدوار يغلف كل شيء حولك بالصفرة.. الممر الطويل المعتم والغرفة والباب..الدنيا صفراء بعينيك..وصاحبك الممرض في ذهنه شيء ما ذهب إلى غرفة الحارس الذي بادر بالكلام:

رفيق بعد ساعة على موعد الشاي

فقال بابتسامته العريضة:

تعرف أن الشاي هو العلاج السحري الذي نتغلب به على الليل!

شو اليوم رفيق صاير شاعر

ثم غير الموضوع فجأة:

ماقصة هذا الرجل؟

هذا واحد ابن كلب جاسوس للعدو وجدوا عنده عملة ومراسلات أخي مستمسكات تعرف مخابرات المنظمة واعية ومايفوتها أي شيء!

راحت أذناك تتابع حديثهما وخانتك الجرأة في أن ترفع صوتا تعلن براءتك.. من دون أن تهان..ستثير غضب الحارس فيلعن أمك وأباك وساعةً ولدتك أمك فيها..أنت بين حالتين.. معصوب العينين فتدان بالموت..ومبصر تسمع سبابا..ومابين التاسعة والفجر شوط يبدو قصيرا في مكان وأكثر طولا في زاوية أخرى من هذه الدنيا الملية بالغرائب.

معقول!

بس ولايهمك أقول لك أنتم العراقيين شجاعكم شجاع يرعب الأسود وجبانكم جبان يخاف من خياله..من الهواء.

وانا رفيق أبو العبد ماهو رأيك في؟

أنت من الناس الأكابر!

وهاهو بين مصدق ومكذب فيك، زاده شكا في كونك جاسوسا، أنه سمع تهويمة من شفتيك اختلطت عليه على الرغم من أنه يشك في أن العظام تجتمع مرة أخرى.. في التراب بعد سنة أو أكثر يتساوى الجميع.. يصبحون طحينا: الجاسوس والشريف الغني والفقير.. الملك.. العبد..فهل تكفي بضعة نقود ومستمسكات لتصفعك بالعار، وحيره أيضا صمتك إلى درجة الشفقة عندئذ قال كأنه التقط الفرصة المناسبة:

مادام موعد الشاي بعد ساعة مارأيك تشرب العصير معي؟

وغادر غرفة الحارس إلى غرفة الفحص، فاجتاز السرير والممر الضيق إلى نهاية المستودع حيث الثلاجة. أحضر سائلا أخضر ذا نكهة حلوة معطر بالنعناع، وارتقى ببصره نحو الرف المقابل لموضع الثلاجة حيث كيس بودر.. ملعقة واحدة منه خالطت العصير... هذا كل مافي الأمر مغامرة تكاد لو انكشفت تطيح برأسه..وأنت موقن بموتك قبل الفجر..كان الحارس يتلذذ بالكأس ويقول:

لذيذ هو هذا الشراب!

فيرد عليه صاحبك ببعض من الشفقة :

ألف ألف صحة!

كأني لم أشرب مثله من قبل.

ثم بعد لحظات بدا عليه التعب والإرهاق.. قال وهو يتثاءب:

رفيق سوف آخذ غفوة ثم أصحو وأعمل الشاي

مابك يارجل مازال الوقت مبكرا

يبدو أني متعب.

ربما أثقلت على أم الأولاد خلال النهار قبل مجيئك!

أووه أين ذهب فكرك

قل ماذا تفعل طول النهار

الأولاد في البيت

أليسوا في المدرسة

فرد وهويتثاءب ويلوي الكلمات ليّا:

من سوء حظي أكثر من معلم مصاب بالإنفلونزا قالوا للأولاد لاتأتوا من يوم أمس واليوم وغد...

كان يحسب حساب الوقت.. كل دقيقة يمكن أن تكون برصاصة.. الدقائق ممكن أن تتحول إلى قرون والسنوات الطويلة إلى دقائق.. وهاهي صورة الجبل ترتسم في ذهنه خلال الظلام.. في أول يوم رآه من نافذة المختبر وسراب الضوء يغطيه فظنه بحرا وديعا مسالما ثم طرد الفكرة من رأسه..وقتها لم يفكر قط أن يشجع أحدا على الهرب عبر ذلك المكان.. عملية أقرب إلى العبث..كان في ذهنه الهرب وهو قادر على ذلك يمكن أن يذهب إلى غرفته ويغادر إلى البلد المجاور من دون أن يشعر به أحد.. لكنه بهدوء أعصابه ، أحب أن يكون ذلك مثيرا..نعم أراد أن يفعلها بصورة تثير الجدل.. كثير غيره دخلوا منظمات وتركوها.. لو غادر المكان من دونك لما سمى نفسه هاربا.. بل هذه المرة أصر مع نفسه على أن تسبقه كأنه كان ينتظرك وينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.. يتلذذ بالهرب..يجد نفسه شخصا آخر ينطلق في أكثر من وقت وفي أكثر من مكان.. نصف ساعة.. مفتاحان مع الحارس مفتاح غرفته والأخرى للغرفة المجاورة غرفتك أنت.. كان يضعهما حين يغفو تحت الوسادة.. همس باسمه مرة.. وأعاد نداءه إليه.. ثم تسللت يده تحت الوسادة وخطا خارج الغرفة.. كنت تسمع هسهسة خطوات تحف باب غرفتك.مازال موعد الموت بعيدا.. وتظنه شخصا ما جاء ليسألك عن طلبك الأخير..

أترغب في شيء ؟

شيء ما يتوغل في البدن ويظل فيه إلى أن يهمد!

وهاهو الموت يرف من حولك لا أول له ولا آخر يتسلل إليك من حفيف الباب الذي راح مفتاحه يهمس ويذوب في الصمت..آخر رغبة يمكن أن تتلخّص في قدح شاي أو كأس عصير، وقد رأيت نفسك جثة في أرض غريبة ولا أحد من أهلك يعرف عنك..للمرة الأولى ترى المكان غريبا عنك مجهولا لك..حفرة مهملة لخائن يتلاشى من الذاكرة بعد مدة ثم يصبح هيكلا ينحته التراب.. ياترى أين تكون غدا في أي مكان ومن يوصل خبرك لأصدقائك..وأهلك.. لن تقع عين أحد على صورتك بين صور كثيرة في الشوارع لشهداء قضوا في الحرب فمن يقرأ موتك غيرك؟ من يسمع خبرك؟كأن هواء الغرفة يثقل على أنفاسك ولعلك تهرب من النوم، وكيف تنام ؟.بعض الثرثرة يصل إليك من هذر الحارس والممرض.. أذنك اليسرى توشوش وفتات الكلام بعد ساعة يصل مشوشا مبعثرا لاتميزه..رفيق هذا جاسوس.. والله حرام دماء مثل هؤلاء تجري بعد حين في أجساد الأبطال...كم ساعة بقيت على حياتك وماذا تطلب قبل الفجر لو سألوك عن رغبتك الأخيرة يمكن أن تلخصها بقدح عصير.أطلب أي سائل يدخل بدنك حيّا ولن يفارقك ميتا؟منذ الآن أنت ميت..ميت فهل تصرخ!

هل حلت ساعات الفجر قبل أوانها لتموت مبكرا؟

هكذا شاء حظك التعس...

حتى انفرج المصراع عن وجه صاحبك الذي سحب بعضا من دمك قبل قليل... أردت الكلام فهمس زاجرا وقال بملامح جادة صارمة:

اسمع الآن هدوء فلا تعكره تستطيع الخروج من الباب الخلفي لمبنى الطواريء وأشار بيده نحو نهاية الممر مجرد أن تعبر الساحة الواسعة المظلمة باتجاه الطريق العام سترى شارعا فرعيا هذا الدرب يخلو من الحواجز وهو طريق آمن يُسْلِمُكَ إلى منعطفات الجبل هناك سوف تجد العشرات من المهربين الذين ينقلون البضائع بين البلدين أناس طيبون سيساعدونك حتى تصل البلد المجاور.

لم تصدق أذنيك... تأكدت الآن من لهجته أنه من بلدك..مع ذلك ظننتها لعبة قذرة.. تمثيلية من الممرض الخفير والحارس.. لعبة القط والفأر.. لابد أن يكون هناك خطأ ما..وغاب عنك أن الممرض نفسه يجد هربك في هربه..حتى زجرك قائلا:

هيا لاتضيع الوقت.

فقلت شاكا:

لا أتركني هنا.

وكاد يركلك برجله:

غبي غبي هيا.

ها أنت تسمع وترى وفي آخر محاولة منك قلت:

وأنت؟

لاعليك مني.

وهم أن يأخذ بتلابيبك:

لاتكن أحمق حين تجتاز نهاية الطريق الفرعي المعتم تكون قد نجوت كون المنطقة المقابلة لذلك الطريق مهملة ولاحاجز للمنظمة فيها هيا تعجل!

لولا خوفك وشكك لقبلت يده أو جلست تطوق ساقيه بذراعيك.. لا وقت للتضرع والرجاء... لا تدع الزمن يأكلك، الآن لا يشغلك لِمَ ينقذك شخص ما لاتعرفه من قبل وربما إذا نجوت لا تلتقيه، حياتك أجمل من الفضول، حلم جميل..هكذا هي الحياة حلم تقتنصه الحقيقة، وواقع لابد منه يتحول إلى حلم جميل..فاصرخ حتى تستيقظ أو لاتصرخ حتى تبقى في حلمك الذيذ فماهي إلا ساعات على موتك المزعوم، كنت تقف مثل الإنسان الآلي فتتحرك بإشارته ولسانك مشلول.. الدهشة.. أم الذهول.. أم الصدمة ، وحين هممت بالمغادرة تأمل لحظة و هرع يحث الخطى نحو الغرفة ثم عاد وهو يحمل زجاجة و قال:

لاأظن معك نقودا فتناولت من يده ورقة ذات قيمة وأردف : هذه زجاجة عصير تنفعك في الطريق فقد فقدت بعض دمك ثم وهو يهمس زاجرا كأنه ينفض ترابا عن مريلته البيضاء:

هيا أغرب عن وجهي..أخرج لاتنس الطريق الفرعي.أغرب قبل أن يدركك الوقت.

قالها وهو لايعنيك وحدك...

وخرجت من الغرفة حاثا الخطى إلى نهاية الممر المعتم كما لو أنه هو الذي خرج.. وأسوأ ماكنت تتوقعة أن حارسا يترصدك ليطلق عليك النار توقعت أي شيء غير أن شرا لن يحدث، عبرت الساحة المظلمة من خلف مبنى الطواريء ووجدت بعدئذ شارعا ضيقا مظلما إلا من بعض فتات النور.. بدا لعينيك السكون وتجلت العتمة والستر.. ارتفعت دقات قلبك ونسيت أنك ميت لامحالة فلتجرب الهرب إن نجوت فبها والا عليك أن تنتظر بضع ساعات..كنت تسمع عن بعد أصوات نباح، ولم تدر أن نجاحك في الهرب حقق هرب صاحبك أيضا. كان يعود إلى غرفة الحراسة فيضع المفتاح تحت الوسادة حيث الخفير الذي تهجدت أنفاسه بنوم عميق لذيذ ثم بعد دقائق يغادر من باب الطواريء الرئيس إلى منزله الذي يبعد عن مكان عمله مسافة غير بعيدة وإذ دخل وجدها نائمة غير أن حركته جعلتها تستيقظ فوقف عند رأسها وقال:

هذا أنا. لاتقلقي لم تنته خفارتي بعد فما زال الليل في أوله.

فتساءلت وهي تتثاءب عن كسل:

ماذا هناك؟

لقد جئت لآخذ بعض أوراق تخص الشغل كنت نسيتها في الخزانة.

فقالت وهي ترجع إلى إغفاءتها:

لاتنس أن تغلق الباب وراءك فالدنيا ليست بخير

آمل أن تكوني بخير !

وطبع على جبينها قبلة، وانصرف إلى الغرفة المجاورة ، فلملم في حقيبة صغيرة بعض ملابسه وانتشل من فتحة مخفية وراء خزانة الملابس أوراقا نقدية وجواز سفره.. ثم تمعن لحظات في مستمسكاته التي لايشك بها أحد...استقل سيارته القديمة التي أدرك الآن فقط أنه كم كان مخطئا حين فكر أن يتخلى عنها قبل هذه الليلة.كان يضحك في سره عندما خطر بذهنه أن يبيعها..هنا السيارات في هذا البلد برخص التراب حتى حمير المهربين التي تعرف الطريق الجبلي بين البلدين يمكن أن يكون سعرها أغلى من سيارة صاحبك.كل شيء يشير إلى أن هناك بعض المحال يمكن أن يكون واقعا..أنت تحاول أن تعبر الحدود وهو يتجول نحوها بطريقة ما..وحين وصل الحدود تنفس الصعداء كان يتحسس جيبه ومستمسكاته الرسمية...ركن السيارة في شارع فرعي وسار نحو الضوء الساطع المنبثق من غرفة المراقبة بين البلدين وربما لعلك في هذه الساعة أو بعد ساعات كنت تسير في المرتفعات. كنتما تسيران باتجاه واحد هو عبر الطريق الشرعي وكانت خطواتك تتبع المهرب صاحب الحمير التي حملها بأجهزة الترانستور الصغيرة من مسجلات ومذياع وساعات غير أنكما لن تلتقيا على المدى القريب فلابد أن تمر سنوات وسنوات حتى تراه !

فهل صدقت الآن أنه كان يجد في هربك بعضا من مغامرته؟

3

حين جلست خلف المقود توقفت عن الإطراء والانفعال.. طبيعتك التي عدت إليها حين التقيت صاحبك في الضريح..صاحبك الذي كاد يشك فيك بعد أن غيرتك وغيرته السنوات والذي عرفته رغم تغير بعض ملامحه.. شعر رأسه خف قليلا ونقص بعض وزنه.. لم يبق سوى ابتسامته التي لم تراها خلال الدقائق التي التقيته فيها قبل الهرب وبعده... تلك الابتسامة التي رسمتها له في مخيلتك عبر السنوات.

الآن تكتشف أنها ليست دمع تماسيح!

كان متجهم الوجه وهو يسحب دمك، تلك طبيعته حين يباشر مع أي من المحكومين بالإعدام.. ربما هو ملله الذي يرسم الجدية على وجهه فيظنه الحارس ناقما مثله حاقدا على الخونة..أو يعد نفسه إذ يسحب دما أنه هو الذي ينفذ قتل الآخرين الذي لايمه إن كانوا خونة أم أبرياء..قلت وقد أحسست أنك خرجت من ذهولك لتجده متأملا في شيء ما ومازالت ابتسامته التي انطبعت على وجهه منذ لقاء الضريح:

هل يعقل هذا التقينا منذ سنين ومازال أحدنا يجهل اسم الآخر؟

ياصديقي العزيز هنا تجد العراقيين يتعاملون باسماء غيرأسمائهم!

أنا منذ خرجت من البلد لم أتقمص اسما آخر بل أعرف باسمي الحقيقي ، ثم من معك أنت غيري أنا الميت الي بفضلك عدت للحياة؟!

يارجل لاتقل هذا نحن من بلد واحد وكل منا يعرف حقيقة الآخر!

ياسيدي اسمي هو هو شاكر رؤوف هذا مادونته شهادة الميلاد من أول يوم خلقت فيه ولم يعجبني اسم غيره سوى أنهم في المنظمة قالوا لي رفيق يجب أن يكون لديك اسم آخر فتركت لهم حرية الإختيار عندئذ خاطبوني بالرفيق غسان، وثاني مرة يوم خرجت من هنا كان جواز سفري يحمل اسم جورج!

وانفجرت ضاحكا وعقبت :دفعة رأسا على عقب.

مسيحي يزور السيدة!

تشرفنا أنا بدران نادر

وربما لاتدري أو دريت الآن أنه مثلك لم يحمل اسما مستعارا."وقال وهو يؤكد انتماءه لاسمه: للعلم سيد رؤوف ان مهنتي الحقيقية هي التمريض لقد دخلت كلية التمريض أربع سنوات وعملت مع جراحين معروفين في العراق وبلاد الغربة.

من حسن حظي أني قابلت ممرضا مثلك " كادت يدك تفلت المقود بارتعاشة خفيفة ، وعادت ثانية" الحقيقة مشهد يبعث القشعريرة لذلك لايمكنني إلا أن أعرفك مهما تنآى الزمان ولو لقيتك بعد خمسين سنة لعرفتك وإن قست السنوات على ملامحنا.

فقال بدران يداري غشاوة عينيه أول اللقاء:

الحق كنت شاكا فيك وزاد شكي أن بصري كان يتابع الصبي المصروع قبل أن يصرخ

ياسيدي تلك بركة الضريح أنت دائم الحضور هنا؟

لاأخفيك أني لاأعتقد بكثير من الغيبيات.. ولا معجزات الأولياء لكني أجد معظم العراقيين يأتون إلى هنا مساء كل خميس فآتي وإن لم أتكلم مع أحد منهم، المهم أشعر أني أعيش بأجواء عهدتها من قبل ولايهمني إن كنت مقتنعا بها أم لا.

يُلّوِّحُ لك بأسلوب صريح أنه لايؤمن مثلك بالغيب أو هكذا يبدو من كلامه، مع ذلك فأنت متمسك به فمازلت مدينا له:

لقد جربت ضريح السيدة فنجوت من خطر أنت شاهد عليه، وقبل أن أهرب إلى المانيا بجواز سفر مزور وقفت أتضرع إليها ، فتمت الرحلة من دون منغصات، صحيح أني لا أصلي إلا في المناسبات وعندما أزور الضريح وربما في رمضان..كل ذلك تكاسل مني لكن الله يعطي الفرد منا على قدر نيته فقد اشتغلت هناك وجربت التجارة والعمل الحر وكان ربحي يزداد..

وتوقفت السيارة عند باب أحد المتنزهات. وسألك وأنتما تخطوان نحو مائدة العشاء:

متى سافرت إلى المانيا؟

بعد ستة أشهر من الحادثة المشؤومة.

من دونما أية صعوبة أو عراقيل؟

كان المحاولات سهلة حينذاك لم ينتبه إليها أحد بخاصة ألمانيا لكنها بدأت تتعقد يوما بعد يوم.تصور خلال مدة الستة أشهر اشتغلت هنا في مصنع للأحذية وبعض الأحيان بائعا متجولا في السيدة والتقيت بمعارف من الكويت وهبوني بعض المال وهكذا..

كنت تطلب كل شيء وأي شيء للعشاء كما لو وجدك تحتفي بأكثر من رجل.. لاكلفة بيننا هو في نظرك أكثر من صديق.. ربما بالغت كثيرا.فجزاء الحياة من الموت لايقدر بثمن.. وحين اتخذ مجلسه قبالك، سألك وهو يعود لابتسامته التي رسمتها على وجهه من قبل ووجدتها كما هي:

قل لي ماقصة الخيانة والجاسوسية؟

أمازلت تشكّ وبفضلك؟ من أنا لأكون جاسوسا.. لست أنت من أهل الجنوب..أنت مقاتل وهذا الذي طردته أو طردَ جدَّه جدُّك لقيك على حاجز.. قوة هائلة اجتاحت البلد، هو واحد من كثيرين، بيده رشاش وفي وسطه مسدس.. قبعة فولاذية.. وعينان ثاقبتان أسمر البشرة بين الأبيض والحنطي..أخفيت بل مزقت هوية المقاتلين وأبرزت هوية عراقية قديمة أكدتها صفرة ارتسمت عليها ذات يوم..تحدّث أحدهم فنهره، ووجه نظرة ثاقبة إلى الركاب:

أنت عراقي؟

كنت ترتجف ومازلت وفي عينيك توسّل:

نعم..؟

خفت أن تنطق أكثر.. روحك بين يديه، تضحك من نفسك.. طرده جدك فجئت إليه.. تلاحقة ليست مصادفة..وليست مفارقة هكذا هي الحياة قابلني عراقي مطرود فدفعني لقاؤه المحتوم إلى أبواب الموت..وكان لابد عليك من أن أمر بالحاجز راكبا أو ماشيا فتجده أمامك ويوم لا تجده تخامرك نشوة غامرة، عاملك بلطف فنظر إليك الآخرون بارتياب:

سبب تافه أتعتقد أن العدو بحاجة لخدماتي؟

لكن كيف وصل الأمر إلى حد الإعدام؟"وتوقف لينصرف عنكما نادل صف بعض المقبلات على المنضدة"أنا شخصيا قبل أن أسمع مقتنع ببراءتك وبراءة الآخرين ربما معظمهم لكني لاأريد أن أبعث في نفسك شجنا قديما.

تعرف حين اجتاح العدو جنوب البلد..كنت هناك.. في أثناء خروجي من المنزل وكنت أستقل حافلة مع آخرين تمعن جندي الحاجز في هوياتنا كان يسب بعض الراكبين في الحافلة وحين تمعن في هويتي وكنت أحمل واحدة تخص المقاتلين مزقتها.. سألني من أي بلد أنت فقلت عراقي وما إن نطقت حتى نادى على الجندي الآخر معه في الحاجز وتحدث معه بلغة أخرى..

قصة صدقتها أنت ولم يصدقها أحد الرفاق شككوا فيها..كان الجندي الآخر عدوي السابق صديقي الجديد الذي فرض نفسه عليّ يتكلم بلهجة عراقية سليمة. قابلني بلطف. حيث شعرت أنه عراقي أكثر مما هو عدو.. والمشكلة أنه كان يرحب بي كلما عبرت الحاجز.. ربما في داخله أنه عراقي..وفي داخله أيضا يهودية قديمة لولا جدي الذي طرد أهله لوجدتك الآن معه في بغداد أو الموصل.. أي مكان.. سامح الله جدك انت عشت هناك وتعرف أن كل فرد لابد أن يخرج من بيته مرة أو مرتين في الأسبوع ولابد أن يمر بحواجز وفي إحدى المرات كان الجندي نفسه على الحاجز.. لعن الجميع وألح علي أن اشرب قدح شاي معه قال لي قدح شاي عراقي.جاي حقيقي وليس شايا..كان يضحك فاضطررت إلى القبول.. والغريب أنه سألك ماذا تعمل؟أجبته من دون تردد: تاجر.. تاجر صرافة عملة..صراف في بغداد من بغداد أيضا قائدهم.. الرائد عباس كمحي من العمارة.. وأنت هاو للنقود..هواية جمع النقود جميلة..جمعتَ وأنت طفل عملات وأوراقا سورية وأردنية ولبنانية كنت تسأل أي سائح وزائر أي شخص تعرفه ولا تعرفه عن عملة ما حتى انقلبت هواية الطفولة إلى حرفة..

تجارة..

صرافة أناملك تلعب بالنقود:

جمع العملة.. خذ هذا شيكل احتفظ به ذكرى لديك.

أنا معك هذا الجندي في داخله صراع ربما لم ينسجم أبواه اللذين أجبرا من قبلنا نحن على الرحيل مع مجتمعهما الجديد فورث عنهما ذلك التناقض.

فهززت رأسك وقلت:

كان يهين ويشتم الآخرين في الوقت نفسه يحترمني وخلال تناولي قدح الشاي معه قال لي أتعرف أن جميع القادة عندنا لم يستطيعوا اجتياح البلد حتى تسلم القيادة عباس كمحي !

فقهقه صاحبك و قهقهت معه وتذكرت أنه أخبرك عن اسمه وعليك أن تنسى أي لقب وضعته له قبل ذاك، وقال وهو غارق في نشوته:

ملعون!

فرددت على الفور:

من غريب المصادفات أني التقي في عمق الأزمات بعراقيين طيبين!

ومازح قليلا:

لاتقل لي الضريح وبركته بل قل لي عن النقود قيل إنه أعطاك قطعة أو قطعتين تافهتين لا تعدان دليل إدانة أما في المنظمة فيدعون أنهم وجدوا معك شيكلات كثيرة!

هذه حدثت فيما بعد، فقد انسحب العدو من مدينة يقال إنها كانت موالية له فاغتنمناها فرصة ودخلنا بعض البيوت الخاوية فتشناها كلها ووجدنا في بعضها أشياء ثمينة فعثرت في بيت على أوراق نقدية عملة صعبة وفي بيت آخر على عملة ورقية.. عملة العدو..كل ذلك كان من حقي كل ما وجدته دسسته في جيبي. أخفيت الأمر.. من حقك.. أنت لست ملزما بتصديقي وحين عدنا إلى مقر المنظمة التقيت بمقاتلين كانوا قد رأوني مع جندي الحاجز وبعضهم تذكر أن الجندي أهان الجميع وعاملني بلطف.. كل ذلك أثار الشكوك حولي وأيدتها النقود التي عثروا عليها عندي.

ماكان يجب أن تستبقي عملة العدو.

اعترف هذا خطأ مني

سألك بفضول:

هل كانت بقية النقود والأشياء ذات قيمة؟

ليرات ودولارات وست ملاعق من الفضة وصليب كلها صادروها!!

أنا شخصيا هم طلبوني.. كانوا بحاجة إلى خدمات تمريض وكان راتبي جيد ولم أتطوع مقاتلا لأنني بالأساس رفضت حربا يخوضها بلدي وتطوعت معهم في التمريض لأنني كنت أراهم على حق!

أنا مثلك حينما رفضت الحرب قلت هناك قضية أهم:قضية الجميع العراقيين وغيرهم بل قضية العالم أردت أن أحقق ذاتي وأثبت أني لم أهرب فكان ماحدث!

وعاد رؤوف من حيث لايدري لذكرى تلك الليلة:

كنت قلقا من أن تترك الطريق الفرعي المؤدي إلى الجبل والخالي من كل سيطرة. أنا أعرف المنطقة جيدا أكثر من معرفتي بطرق العراق فلو أخذت طريقا أخر لكنت وقعت في حاجز للمنظمة نفسها!

كنت تدرك تماما أن البلد مليء بالحواجز وأنك قد تمر بحاجز لمنظمة أخرى فلا يلتفت إليك ولايدقق في هويتك بل لايهم حراسه أن تكون محكوما من قبل منظمة أخرى.فقلت تستطلع خبره:

وكيف غادرت؟

بعد هربك ببضع دقائق.. ذهبت للمنزل جلبت نقودي وجمعت بعض ملابسي في حقيبة صغيرة ثم قدت سيارتي القديمة التي كدت أتخلى عنها قبل يومين من مجيئك قدتها عبر الطريق الرسمي ولم يعترضني أحد حتى وصلت الحدود. وقلت كأنك تفاجؤه بأمر لم يخطر على باله قط:

والحارس المسكين ماذا تعتقد أنهم فعلوا له؟

أووه سيعرفون أنه كان مخدرا من قبلي وأني ساعدتك على الهرب فأقصى حد يمكن أن يكون السجن سنة أو سنتين لكن هذه العقوبة أفضل من قضية إعدام.

صدقني أنا لست حاقدا عليه. حينها فقط كنت في غيظ من سبابه لي.

هذا رجل مسكين يسمع لكن من دون أذنين!

رحت تتطلع فيه، وتنسل من جبينه كخاطر خفي.وضعت الحياة بين يديه أعدتها إلى جسده ووضعت حياة أخرى في رحم نجاة ثم سلبتها منها قد تكون نجاة والحمل والإجهاض، نجاة التي روض نفسه على ان ينساها استفاقت فلم تجده فخانتها قواها ولم تجهض.لابدّ ان يكونوا اقتحموا البيت بعدسنوات فعرفوا قصتها وحملها..

هل أجهضت حقا؟

ومرت لحظات صمت تخللها صوت مضغ ، ودوران حسون رف من شجرة وطار ليحط على شجرة صفصاف قريبة، فسألته بفضول:

هل تزوجت؟

ماذا يقول غير تلك التجربة اليتيمة التي لم تتكرر نجاة والحمل وإجهاض مزعوم والدواء الذي أحضره من المشفى لها قبل يوم.:

أنا غير مطمئن على مستقبلي فكيف بالزواج والأولاد!

وسألته باهتمام:

وهل تمارس هنا عملك نفسه!

أحيانا في المشفى العراقي ولدي محل للتسجيلات وإيجار أفلام الفيديو في السيدة.

أيدر شغلك عليك ربحا؟

لاأخفيك سرا الشغل لولا دفع الرشاوي وإسكات أصحاب الشأن لكان ذا ربح كثير هذا من الجهاز الفلاني يستعير شريط فيديو ويصادره آخر يؤجر منك جهازا ثم لا يعيده آخر يعمل في دائرة ما يطلب منك نقودا وهم يستغلون وجودنا وحاجتنا للإقامة والعمل بشكل لايصدّق.. المهم لاأحد يموت جوعا!

لكن المستقبل هنا غامض والبلاد العربية ليس فيها أمان وربما تحدث حرب أخرى قد يكون جاهلا من يظن أن نهاية حرب الخليج هي خاتمة المطاف ربما أكون متشائما!

لا هذا هو الواقع " وبعد صمت قصير"لدي صديق يعمل في ليبيا يسعى الآن ليحصل لي عقد عمل لكن المشكلة تبدو في تجديد جواز السفر إذا انتهى جواز سفري وأنا في ليبيا!

فجحظت عيناك منهشا :

والعياذ بالله ليبيا! " قبل أن يعترض" أتهرب من سجن إلى سجن آخر..هناك سجن كبير..على الأقل هنا يمكن أن تتنفس بعض الهواء النقي.

بصراحة ليبيا كانت آخر ورقة لدي قلت أعمل فيها ثم أحاول الهجرة

فنفثت الهواء وقلت وقسمات وجهك توحي بأمل جديد:

لاتفكر بذلك من حسن حظي وحظك أني التقيتك إذ أني سأسافر بعد غد أنت ستكون معي لاعليك سأدبر أمرك ولدي احتمالات عديدة.

جاءك بالجنّة فهل ترفض؟ أرض الحليب والعسل والسعادة ذلك الفردوس الذي يحلم به أهل الشرق.. لا خوف ولا مرض.. إذا لمست كفك التراب أصبح ذهبا فهل تركل النعمة من لايسيل لعابه للجنة.. ألمانيا.. إسكندنافيا..شمال أوروبا.. الناس يعيشون في عالم مخملي.. كأنهم في عرس دائم فلتترك كل شيء وراءك مثلما تركت المنظمة ذات يوم:

أرجو ألا تعدها واحدة بواحدة!

مهما أفعله فهو قليل..إسمع أنا حين وصلت أوروبا تعلمت اللغة وحصلت بعد ست سنوات على الجنسية جربت حظي في التجارة فبدأت صرافا اشتغلت في محل صرافة ثم فتحت محلا خاصا بي وتوسع عملي أصبح عندي شركة تنظيف وسوبرماركت لبيع المواد الأولية وعملت في الاستيراد والتصدير انا الآن أصدر الجرارات الزراعية إلى هنا ولكوني أعمل فبإمكاني أن أجرب احتمالين لمجيئك!

فقال لك بكل تواضع:

يمكن أن تعد كل ماتنفقه دينا أرده لك متى ماأستقر وأعمل!

فقلت مستنكرا بلطف:

اسمح لي أن اقول لك أسكت إخرس ياصديقي العزيز..وقرأت ابتسامته ثم واصلت" ياصديقي الطريق الأول أن تشتري من هنا جواز سفر وتذكرة سفر وتأتي إلى المانيا بصفة لاجيء وهم بلا شك يقبلون لجوء من يصل عندئذ حالما ترتب الدولة أوراقك أضمك لإحدى شركاتي!

هل هناك طريق بديل؟

إذا فشلت المحاولة لدي سكرتيرة شركة التنظيف وهي مغربية غير متزوجة سوف أقنعها بالمجيء إلى هنا لتعقد قرانها عليك وتنظم أوراقك بصفة رسمية كونها تعمل فهي قادرة على إعالتك مع ذلك سأوفر لك حالما تصل وظيقة عندي!

فأطلق نادر الذي كان صاحبك قهقهة انزاح معها ستار الشكليات بينكما وقال :

بس لاتكون عملت معها شيئا....

هاهو لا يتحرج.. مثلما لم يتحرج مع زوجتك.. فهل أنقذته ليقتلك فيها تردد غير أنه يقول نكتة ولا يتهمك..وإن كان بعد أكثر من لقاء راودته رغبة جامحة في زوجتك.. رغبة كبتها رغما عنه وانحدر معها في حلم لذيذ راح يقبلها بنهم.. يضع رأسه بين فخذيها العاجيين الصقيلين ويدخل في نشيج واه:

لاتسيء الظن بي ايها المجنون والله إنك مجنون لاتعرفني لكنك كدت تروح في ستين داهية من أجلي اطمئن إذا أردته أن يكون زواجا شكليا على ورق فليكن وإن اردته حقيقة فليكن أيضا أما أنا ياسيدي العزيز فرجل متزوج منذ ثلاث سنوات ولدي طفلة جميلة سمّيتها ياسمين عمرها سنتان!

ففغر نادر فاه وقال :

مبروك هل زوجتك عراقية!

لا.من البلد الذي حكم علي ذات يوم بالإعدام اشتريت لها بيتا هنا وقد اعتدت أن أصحبها معي فأبقى معها أسبوعين لأنني لاأستطيع أن أغيب طويلا دائما أقول لها ابقي شهر شهرين مثلما يعجبك!

وقال لك وقد بدا من بريق عينيه أن هناك بارقة أمل في حياة جديدة بعثتها في نفسه مثلما بعث فيك حياة جديدة بهربه الذي ارتبط بهربك:

انا الآن في وضع أقبل معه أي حل يجعلني أخرج من هنا إلى أي بلد أوروبي !

وأنا أضمن لك ذلك ثم تأملت وقلت:

أنا مسافر بعد غد سآتيك غدا الساعة الثانية عشرة إلى منزلك دعني أتحرك في الصباح وأوصي بك مجموعة من المعارف بعضهم لهم نفوذ وبعضهم لهم باع في التهريب وسوف أصحبك معي إلى منزلي لتتعرف بعائلتي اعتبره بيتك وإذا ما احتجت أمرا اتصل بالبيت ، معك رقم هاتفي في أوروبا ، اعتبر كل شيء تحت تصرفك اتفقنا وقلت ملاطفا" والله العظيم سكرتيرة المكتب لم أقبلها اعتبرها مثل أختي هل اقتنعت"

فقهقه من أعماقه وكنتما على موعد

 

قصي عسكر

 

سوف عبيدكُنّا صِغَارًا

نَتباهَى فِي عِيدِ الفِطْر

بِجَدِيدِ ثِيابِنا

وَألعَابِنا

وَنَنْتَظِرُ عِيدَ الأَضْحَى

لِنُفاخِرَ بِالقُرونِ الكبيرةِ لأكْبَاشِنَا

وَبشَدِيدِ نَطْحِهَا

*

كبُرْنا قَليلًا

صِرْنَا نَتَفَاخَرُ بِشُوَيْعِرَاتٍ

فَوْق الشّوَارب

ثُمّ مَرَقَتِ بِنَا السّنواتُ

فِي السّنواتْ

لَمْ نَدْرِ كَيْفَ مَضَتْ بِنَا الدّنيا

حتّى رَأيْنَا مَا رَأيْنَا

وغَزانَا الشّيب

فأمْسَيْنا نَفْخَرُ بِأَبْنائِنَا

وعُدْنَا نَتَنَافَسُ فِي السّباق

وَلكنْ

معَ الأحْفادِ

*

عِندمَا نَتْعَبُ

نَجلِسُ بينهُم نُثَرْثِرُ...ونُثَرثرُ

نُفاخِرُ بآبائنا والأجدادِ

كانُوا وكانُوا

وَكُنّا فِي هَذا اَلْبَلَدْ

رُبّما يَأتِي زمَانٌ

وَلَا يَذْكُرُنَا أحَدْ...!

***

سُوف عبيد

 

سجال الركابيدوماً سأتربّع

في حدقاتك

أسطع في أحلامكْ

عطر رازقيّ

ينتابكَ ضباب خَدِر

أغدقكَ عطشْ البعاد

على ُرقادك أنقش

لوعةَالأرق

موسومةٌ أجنحتي

بألوانٍ سبعة

لا يلسعني  بُعدٌ ولايُبهتني... ملل

أنا التي تفيض وداعة بَرَدٍ

وأنا التي تلسعُ  النار

فلا تطرق أبواباً أغلقها الغضب

خلفها  امرأة بألف مزاج

دوامةصاخبة يفزعها القرار

خذ مفاتيحك الألف وانصرِف

...................

أكادُ ... أسمعُ ...

خفق قلبكَ خلفَ الباب

يشفُّ الباب

مَن  ذَا الذي قَالَ

بيني وبينك باب ...؟

***

سجال الركابي

جابر السودانيمقتطف من روايتنا المقبلة

ارتشف بيتر برايم رشفة أولى من كأسه الأول وشعر بالنشوة فأثنى على اختيار توماس لهذه الحانة الجميلة مكانا للقاء وأكد على أنه سيظل يتردد عليها دائما :

- أحسنت الاختيار يا سيد توماس هذه الحانة تستحق أن يأتيها المرء للسهر أو لقضاء وقتا من النهار. إنها حانة مميزة بكل شيء والنادلة جميلة وأنيقة جدا.

- وماذا لو كان عطا الله الآن هنا يا دكتور بيتر. الذي يحرم على الأطفال الصغار سماع الموسيقى ويعزلهم عن مخالطة نظرائهم في المدرسة ويفرض على المرأة ارتداء خيمة فضفاضة من القماش السميك إذا أرادت الخروج للتجول في المتنزه أو الشارع. إنه حتما سيقضي بتجريم المجتمع بأكمله لو دخل هذه الحانة الجميلة ورأى أجواءها ونساءها وسينفذ قراره بلا أدنى تردد متى ما توفرت له القدرة على التنفيذ.

- الحق أقول لك يا سيد توماس إني لا أرضى أن يتحول أمر عطا الله وتطرفه إلى ظاهر ملفتة للانتباه في مجتمعنا لكنني على العكس منك غير متخوف منه ومتى ما وجدته تحول إلى ظاهرة سوف أعلن وقوفي ضده وأتصدى له بكل صرامة ولا اخجل من ذلك التصدي رغم إني الآن غير متحمس لمجابهته وأود أن اعرف ما الذي استجد الآن وتريد أن تخبرني به.؟

- أرجوك افهمني يا دكتور، هناك مستجدات رأيتها بنفسي هذا المساء وفهمت من خلالها إن عطا الله بدء يغادر ما كان يعتريه من حذر وتردد ويحذو حذو المهاجم الواثق من سلوكه وتصرفه وقد جمع حوله عددا آخر من المهاجرين المسلمين رجالا ونساء وكانوا يؤدون معه طقسا دينيا في المتنزه العام.

60

- كم كان عددهم حين رايتهم يؤدون طقسهم الديني في المتنزه العام.؟ وهل تعتقد إنهم كانوا في مناسبة تقتضي شروطها الصلاة في مكان عام لمرة واحدة أم إنك تظنهم سيعاودون الصلاة في الأماكن العامة دائما.

- بالحقيقة لم أتيقن من شيء ولا ادري إن كانت لديهم مناسبة وسيكتفون بصلاة واحد فقط أم إنهم سيعاودون ذلك التحدي دائما لأني لم اسألهم ولم اقترب منهم لكني أحصيت عددهم وقد بلغ خمسة وعشرين نساء ورجالا وأطفالا صغارا وانتظموا في أربعة صفوف يتقدمهم عطا الله واكتفيت بمتابعة ذلك الطقس الديني خلسة ومن بعيد.

- حسنا يا سيد توماس أولبرايت دعني اعترف أنك بذلت جهدا كبيرا على هذا السبيل لكن هل يمكنك أن تخبرني إلى أين تريد أن تصل من وراء جهدك وكيف يمكنني أن أساعدك في مسعاك.؟

- هذا هو جوهر لقائنا يا دكتور بيتر. وحسب اعتقادي إنهم الآن يؤسسون نواة أولى لخلق تشكيل اجتماعي شاذ وغريب عن طبيعة مجتمعنا البريطاني وسينشط أكثر كلما وجد الفرصة متاحة للقيام بممارسات احتيالية ضد القانون والحياة هنا العامة، وعلى الأرجح أنهم يسعون أولا إلى استهداف الحريات الاجتماعية العامة في لندن ومن ثم الامتداد إلى عموم بريطانيا. إن من الحكمة يا دكتور بيتر أن نسبقهم نحن ونشكل كيانا مناهضا لما سيقومون به من أفعال ضارة بمجتمعنا وادعوك إلى دعم هذا الكيان من خلال انضمامك أنت شخصيا إليه ودعوة من تستطيع أن تدعوهم لمساعدتنا فماذا تقول.؟

61

- لو كنت أرى الخطر حقيقيا كما تراه انتَ يا سيد توماس لما توانيت عن تلبية طلبك فورا لكني ما زلت اعتقد أن الأمر ليس أكثر من شكوك ترسخت في ذهنك ولم يعززها الواقع بدليل يثبت صحة خطورتها وإلا هل يمكنك الآن أن تخبرني أين أصبحت شكوكك الأولى بشأن عزم عطا الله على الزواج من إحدى الأرملتين اللتين معه في البيت. لقد تناسينا هذا الأمر كليا ولم نتذكره طيلة الشهرين الماضيين لأنه مجرد شك غير واقعي لكن مع ذلك لا يسعني إلا أن أشجعك على المضي في التقصي شرط أن لا توغل في مضايقة الناس وأن يكون هذا التقصي شفافا إلى أبعد حد ممكن.

- يا دكتور بيتر لماذا تتهاونون في الأمر رغم أن خطورته واضحة. أنا لم اخترع شيئا من عندي وعطا الله هو الذي اتصل بديفيد أكوب وطلب نصيحته بشأن الزواج من امرأة أخرى ولأني عاقل واحترم عقلي فأني لم اصدق إنه ينوي الزواج من امرأة أوربية، وستثبت لك الأيام صحة ما أقول.

- لا بأس يا حضرة المشرف التربوي سننتظر ونرى. نحن نترقب أيضا ولكننا لا نتوجس خيفة مثلك وهذا هو الفارق بيننا وبينك. ولنا زيارات مقررة مطلع العام الدراسي المقبل إلى بيت عطا الله ستساهم في زيادة فهمنا لطبيعة أفراد هذه العائلة وتحل بعضا من إشكالية الغموض التي تحيطهم.

- نعم زياراتنا المقبلة ستحل بعضا من إشكالية الغموض لكن هناك غموض آخر يحيرني وأريد أن توضح لي الدافع الذي يجمع هؤلاء ويوحدهم رغم أنهم فرقاء ومن أمم مختلفة ولهم لغات مختلفة وعادات مختلفة.

62

- يا سيد توماس رغم إني لست معنيا بدارسة خصوصية المجتمعات الشرقية ولم ادرسها لأي سبب من الأسباب. لكن باعتباري طبيب نفساني يمكنني أن أقول لك : أن هذه الأثنيات لها دوافع دينية توحد أبناءها ظاهريا ويتخذون من توصياتها ومحرماتها قوانينا شمولية بديلة عن قوانين البلدان التي يعيشون فيها وينحازون لقوانين ديانتهم إذا تعارضت مع القانون المدني السائد. لكنهم يبقون في جوهرهم فرقاء يتحاسدون ويتصارعون وربما يكيد بعضهم لبعض كيدا، هذا على حد علمي وأنت يا صاح ما زلت شابا وينتظرك عمر طويل ويمكنك دراسة المجتمعات الشرقية والتوصل إلى خلاصات هامة ومفيدة بشأنها مادمت ترى ذلك ضروريا.

- نعم هذا ضروري جدا، لكن كما أخبرتك أنا أريد أن أدخر جهدي ووقتي لتشكيل كيان سياسي يحثهم على الاندماج بمجتمعنا أولا. وإن أبوا ذلك يكافح تمددهم ويسن القوانين الكفيلة بعدم تدفق الكثير من نظرائهم إلينا في المستقبل ويعمل على حماية مجتمعنا من خطورة توجهاتهم الراديكالية وأنا جاد في مسعاي رغم صعوبته البالغة.

- أنا ظن إن كيانك السياسي المقبل سيتهم بالعنصرية التطرف وأنت تعرف إن اليمين والتطرف ليس لهما أصدقاء هنا في مجتمعنا ولا يمكنهما أن ينتشرا.

- نعم أعرف ذلك يا دكتور وأظن أن غياب الضرورة هو الذي أدى إلى تلاشي اليمين نهائيا. لكن متى ما استدعت الضرورة وجود اليمين سينجح ويحتل المقدمة السياسية وأنا لا أسعى إلى خلق الضرورة لكني أتحسب لها فقط ...

63

  جابر السوداني

 

صحيفة المثقفالحزن يأسر صوته مثل زجاجة حبلى بعصفور غريق يأبى السكوت على انغلاقه وينشد أن يستريح على غصن بهي ببستان العذوبة مطلق الجناحين كفراشة غادرت الشرانق الى غير رجعة، صوته مثل وردة متعبة تنتظر من يشم عطورها في قمة شاهقة عنيدة، لسان حال صخورها يجرح وجه النهار ويفترس ظلال الليال، غير إن انتظارها يشوبه قلق الرعونة من أن تموت ولن يراها معجب مفتون بالعطر الذي تسكب وبالألوان مفعمة فريدة تغادرها تبهت تبهت تبهت بتأن لحظة بعد اخرى، والملمس المخملي الذي ترتديه وشاح هيبتها يصرخ بالعابرين : أما التفاتة ... لذا هي تشكو بصوت فاتح كسماء في فصل الخريف . هكذا هو صوت نعمان البائع المتجول الذي ارتداه الظل واتخذه قريناً منذ سبعة أعوام وأسكنه دروب الضيم يبحث عن لقمة عيشه التي تهرب بعيداً كلما أوغل مسترسلاً في دروب الحياة . صوته معجزة لا تدانيها معجزة اخرى في زمن الصحو حيث بلابل الأحلام موثقة العيون الى نماذج الشك في الشيء قبل تمامه، تحبو الطفولة على سحنته لينتزعها بشراسة من كرسيها المعنى سراب . لا الحلم يرحل عن مقلتيه ولا اليقين من إن صوته معجزة معروضة على رفوف الاكتشاف، والشراة المترفون يغضون أطرافهم بلؤم عنها الى الأسمال اللواتي ترتديها قامة البائع المنسي طيفه، المأسور صوته قيد الحنين، والذي غادرته الفتوة لاغية العقد الذي يكبل هامته الى قائمة الأمل . فلا مد يرويها وليس سحابة ولا غيمة تؤشر بقعة وجوده في قوائم البشر الرافعين رؤوسهم في انتظار الفرج، الباسمين على الظمأ والراسمين الحلم بعد الحلم على جدر الحياة متنازلين شيئاً فشيئاً عن طموحاتهم وعن رائع الأغنيات، مفرغين رؤاهم من جموحها العابر ومن سفن تجوب بحر المنى مثقلة بالصور الملاح شفافة الأُمنيات، رافعين رايات استسلامهم لقراصنة المواهب بوشكون العزوف عن الرجا والركون بصمت الى ضفاف الضياع، فهل يصل الغيث في غيمة من سرور وغلالة بهجة لينتشلهم في اللحظات الأخيرة أم سيعتقهم الموت الرؤوم من سراب الانتظار . فيُسفح الحلم المأسور في قعر نفوسهم التي ثراؤها الوهم الى الثرى كقامة أرهقها النهار سعياً أو مثل شمس غلبها على أمرها الصدأ .

 

سمية العبيدي