كريم مرزة الاسديمن (الوافر) بمناسبة استشهادا

لإمام علي (ع)

***

علــيُّ الدّرُّ يبقــى  والإمـــــامُ***وكيــفَ الشمسُ يحجبُها الظّلامُ

وما شمسٌ! سوى جرم ٍصغير *** وفيه  الكونُ  ينطقُ  والأنامُ

أرومُ المدحَ يعجزُني بيانـــي  *** وكيف المدحُ يرهبُني المقـامُ!

وقدْ عجزَ الأوائلُ من قديـــم ٍ***   وما نحنُ سوى بشـــــرٍ تلامُ

ولا أنسى؛ إذا أنسى عليـــــــاً***  ألا أقرأ على الدنيا ( السّـلامُ)

ألا للّهِ من نفس ٍ تســــــامتْ*** عـن الدنيـا وذي الدنيـا حطــامُ

فأنتَ النّـــورُترشدنــــــا سـبيلاً*** وبعدكَ لجَّ عالمَنــــــــا القتامُ

وأنتَ شــعاعُ كلِّ عظيم ِ نفسٍ ***ومنكَ ســما عباقرة ٌ عظـــــامُ

وسعتَ العلمَ بحراً فـــي حدودٍ *** وماذا لــو أميط َ لك اللثــــــامُ

مجالاتُ اتســــاعِكَ كلُّ أفــــقٍ *** بليغ ٌ أو تقــيٌّ أو همـــــــــــامُ

فلو كانــــتْ سجيّة ُأيِّ فــــردٍ *** بواحـــدةٍ لحلَّ له القيــــــــــــامُ

بهرتَ الناسَ ما عرفواعظيماً ***بندِّكَ حاروا في الدنيا وهامــــوا

فقالوا : ربُّنا مــــلكَ المنــــــايا *** وقالوا: بأمــرهِ سارَ الغمـــــامُ

وحاشـــــاكَ الذي يرضى بإثــــم ٍ *** فحولُ الفذِّ يشتدُّ الزحــــــــامُ

يلوذُ بـــكَ الدعــــاة ُ لكلِّ حــقٍّ ***  وملجأ ُ كـــــلِّ مظلوم ٍ يضـــــامُ

ومــــنْ ينهضْ لإصلاحِ البرايـــا ***ولا تهديــــهِ ينقصهُ التمــــــــامُ

فقامـــتْ باسمكَ الدولُ إتســـــاعاً *** وخرَّ لكَ الجبــــابرة ُ الضخــامُ

وكانَ النّـــــاسُ فــــي جهلٍ شتاتاً ***  فوحّـــدَ صفـَّهم ربٌّ فقامـــــوا

ولولا احمــــدُ المبعوثُ فيهمْ  ***وأنــــتَ الفذ ُّ مـــا صلـّوا وصامـــوا

فنــاداكَ  النبــــيُّ  لابن ِ  ودٍّ ****  فحـــدُّ الحـــقِّ يحســـمُهُ الحســــامُ

وكــــمْ في عصرنا مــــن ْابن ودٍّ *** ولكنْ أيـــنَ حيــــدرة ٌ فسـاموا!

ولـــمْ تشرعْ قتـــالاً  دونَ داعٍ ٍ ***  ولمّا بادروا صُــرعَ الطغـــــامُ

ولمّا قــــدْ ظفـــرتَ بابنِ عـــاص ٍ ***  أنفتَ لسوأةٍ وهــو اللطــــامُ

فكـــــمْ أصفحتَ عـــن خصم ٍ عنيدٍ *** ولا يسمو مروءتكَ الخصــامُ

ولولا أنْ كرهــــتَ الغــــدرَ ظلمــــاً ***   لكنتَ من الدهـاةِ ولا تـــرامُ

فكانـــــتْ منـــــكَ ترتجــــفُ المنايا ***  فبئسَ الدهرُ يلهمُكَ الحمـامُ

أبا الحســـــنين عفـــــواً فالرزايا ***   لقــــدْ حلـّتْ وعاثَ بنا اللئــامُ

ولـــــم نألـــــفْ لغيرك فــــي دمانا *** فذابَ الوجدُ -عشقاً - والغرامُ

أنــــا ابن الكوفــــةِ الحمراء ِنبعــــاً ***ومـــنْ ذراتِ تـُـربتكَ الهيـــــامُ

سقمــــــتُ وما الزمانُ سوى سقام ٍ***وأنـــــتَ اللوذ ُ إنْ حلَّ السقـــامُ

أبا الحـــــوراءِ يشـــــفعُ لي قصيدي***  بـــــيومِ الحشر ِ إنْ نفعَ الكلامُ

إذا كبــــــتِ الليــــــالي مدبـــــــراتٍ  *** فمنـــــكِ الحــــقُّ يعلو يا شآمُ (1)

إلى النّجــــف ِ الشـــــريفِ ومنهُ بدأي***وأرجو أنْ يكــــونَ بـــه الختامُ

 

 

كريم مرزة الأسدي

........................

(1) نظمت القصيدة في دمشق الشام 1996

 

نور الدين صمودمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

يا رُمــوزَ العِـــزِّ بـين الأمَـم ِ*وحُـــمـاة ًللعـُـــلا والـشـَّــمَـــم ِ

ِورُعاةَ َالإرْثِ من أمــجــادنـا*في بَـنـي العُــرْبِ كِــرام ِالهـِمَم ِ

مِنْ حِمَى (البيت العتيق) المُجْتبَى*للرسول المصطفى للأمَـم ِ

قد أتـَى المبعوثُ من رب السما*للورَى من عَــرَبٍ أو عَجَــم ِ

بَـشّـرََ الناسَ بـديــن ٍخــاتـِم ٍ *** لِـنـُبــوءاتٍ أتــتْ مِــن قِـدَم ِ

مـن أتاه الوحْيُ مِـنْ رَبِّ الـورَى*وابتدا الوحيَُ بأجْدَى الكَلِم ِ

قال (جـبريلُ) له: (اقـرأ) فلمْ*يَـقـْـرإ الأمِّـيُّ، إذ لـم يَفـْهَـم ِ...

لـُغـة َ الــوحْيِ الــتي جـاء بهـا*لـم يـقـُـلــْها قـــبلـَهُ أيُّ فــَـم ِ

وسـبـيلُ العِـلـْم أن (نــقـــرأَ) ما*خـطـَّهُ أهـــلُ الحِــجَى بالقلم ِ

ذاكَ مفتاحُ الحضارات التي،*قـبْــلَ أن يأتي بها، لم تـُعْـلـَم ِ .

ومضى ينـشُرُ نــورًا ساطعا* في الورَى من عـَرَب أو عَـجم ِ

منذ أنْ أسْـرَى بهِ اللهُ إلى الـْ*ــ(مَسْجِدِ الأقصَى) بليـل ٍمُـظـْـلِم ِ

حيثُ (بَيْتُ المقدِسِ) السامي الذُّرى*في (فلسطينَ) بدَا كالعَلَم ِ

أنبـياءُ الله فــيــها بُـعِــثـوا***وبـهـمْ ولـَّـــتْ جُــيوش الظـُّـلـَـم ِ

في حماها جاء عيسى قومَـهُ*مُــعْـجـــزا دون أبٍ مـن مـريـم ِ

(بنت عمرانَ) التي قد أنجبتْ*خــيْـرَ َمَـنْ يســعى لسلم الأمَــمِ

أرض ِأديان ِالســما مِـنْ آدَم ٍ**وخِتـَـامًـا بالـرسـول الأكْـــــرم ِ

(ليلة َالإسراءِ)  صلى (المصطفـَى)*بجميع الأنبيا في الحَـــرَم ِ

فاصـطــفــاهُ (قِـبْـلـَة ًَأ ُولـَى) لِمن***آمَــنـوا بالله باري النـَّسَم ِ

وتلا (الإسراءَ مِعْــراجٌ) عــلى*راكــض فــوق جـبـاهِ الأنجُــم

(البُراقُ) انـْســابَ في الجوِّ  به*مثل بـــرق شــق ثـوب الظـُّـلَم ِ

دَرْبُـهُ نــورٌ عــلى نــور عـــلى* نـُـور مِـشــكاةٍ بــرأس العَـلـَم ِ

نحــوَ (عــرشِ اللهِ في سِدْرَتِهِ)*حيـثُ ناجـاهُ بقلـــبٍ مُفـْعَــمِ...

ِبـشــذا الإيمــان والنــور وما*فـيهما من زادِ قلبِ المسلـم ِ

كم تـَغَـنـَّى  الشعـرُ في أمجــاده*وســبـانا بشَجـِـيِّ النـغـَـم ِ

وتــناءَيْـنــا عن  الـمجــد الـذي*كان فــيـنا رافـعًــا للهـمَـم ِ

واكتـفـينا بالذي حـقـَّـقـَـهُ*في الـعُــلا، أسلافـُـنا، مـن قِــدَم ِ

فـدَهَى العُـَرْبَ بـِلــيــلٍ ألـْــيَــل ٍ*وابتـلـَى الشرقَ بيومٍ أيْـوَم  ِ

ذاك يومُ (النكبة الكبرى) التي*جَمّدَتْ ضَحْكـَتَـَنا في المَبْسِم  ِ

يومَ جاؤونا (بصُـهيونَ) الـذي*أوجـدوهُ بــينــنا من عَــــدم ِ

وهمُ ليسوا (بني إسرائيلَ) مَنْ*مِنْ بنيه (يُوسُفٌ) ذو الكرم ِ

بَــلْ هُــمُ مَــنْ زعـمـوا أنـَّهُــمُ*دينَ (موسى) اتبعوا مِنْ قِدَم ِ

وهُــمُ مِـثـلُ جـــراد ٍهـجـمـوا*يأكـلون الــزرع أكـل الـنـَّـهـِم ِ

ومــضَــوْا يُـحْـيـُــونَ (كنعانية ً)*لـَفـَّـقــوهـا بـلـُغـات الأمــم ِ

وبهــا قــد حاولــوا أنْ يُخـْرسوا*لـغـة الــقــرآن أمَّ الكَــلِـم ِ

وسَــعَـوْا أنْ يُــبْدِلــوا (الضاد) بهِا*وأتـوْها بــلِسانٍ أعجمي

باسْم (موسى) مَلؤوا (القدسَ) بمَنْ*لم يكونوا أهْـلَ ذاك الحَرَم ِ

قــَزّمــوا أتـْــبــاعَهَ ثمَّ رَمَـوْا*بـمَسـيحـيِّ الـْحِمَــى والمُـسلـم ِ

وأتـَوْهُ بـِلـَفــيـفٍ ما لــهـــمْ*حُـــرمــة ٌ للـحَـــرَمِ المحْـــتـَرَم ِ

من بني اليابان أو من فارس ٍ*ومن الصين  وأرض الدَّيْــلم ِ

وبني حام ٍ أخـي سام ٍ ومِنْ*كل جنس من عبــيد الصنــم ِ

فـَغدَوْا أمشــاجَ أجناس ٍأتـَوْا*بـلغــاتٍ بينهــمْ لــم تـُفـْهَــم  ِ

بُلـْبـِلـَتْ ألـْسُنـُهُمْ حتى غدا*مَنْ بها يحسِد أهل الصممِ ِ

ليس يَبقـَِى في ثراها غاصبٌ*جاء من شـُذاذ شـَتـَّى الأ ُمَم ِ

حُبُّها ينمو بأحشاء الذي،*لِحِماهُ، من قديم، ينتمي

يا بني القدس ويا مَن أرضُهم*رفضتْ مَـنْ طـأطـؤوا للدرهم ِ

سوفَ يُجْلـَى عن  حِماها كلُ مَنْ*وَطِــئوا عِزّتـََها بالقـَدم ِ

إنهم كالنبتِ لا ينمو إذا*لم يُـجََذ َّرْ في الثـَّرى مــن قِــدَم ِ

فهي أرضٌ للنئَيين الأولَى*أطردوا بالنور طيفَ الظـُّلـَم ِ

وسيبــقـَى في حِـماها أهلـُها*فـَهُمُ أهــلُ العــلا والشـَّمم ِ

وسَيُعْـلـُون، على رغم العدى،*علـَمًا يَخفق فـوق العَلـَم ِ

أيها القـدسُ الـذي أسْـرى لهُ*خاتــمُ الرسْـلِ لكـل الأمـم ِ

وسما نحو السما مثلَ السنا*إذ على البدر ِعلا والأنجــم ِ

وَحِّدِ العُرْبَ لِكَيْ يسترجِعوا الـْ*(مَسجدَ الأقصَى) بعزم ٍ مُحْكـَمِ

ونرى القدسَ غدا عاصمة ً*(لفلسطينَ) التي لم  تـَـنـَــَم ِ...

عن حقوق وُرِثـَتْ عن جدهمْ*كابرًا عن كابـِر منْ قِـدَم ِ

أيقِظِ النـَّوَّام من غفلتهمْ*كي يعودوا خير  كل الأمـــمِ

 

أ . د : نور الدين  صمود

 

عبد الله سرمد الجميلنحنُ سائقي الشاحناتْ،

نسيرُ على أيمَنِ الطُّرُقاتْ،

وحينَ نحاولُ أخذَ اليَسارِ نُسَبُّ وتُومِضُ أضواؤهم في المرايا،

وتزعَقُ أبواقُهم خلفَنا كالذئابْ،

نحنُ سائقي الشاحناتْ،

سيبتزُّنا حرسُ المفرزاتْ،

يشمُّ بضاعتَنا كلبُهم،

ولكنْ لدينا هنا المعجزاتْ،

نُهرِّبُ تَبْغاً وحُلْماً ورُبَّتَما وطناً كاملاً نُهرِّبُهُ من جحيمْ الطغاةْ،

نحنُ سائقي الشاحناتْ،

بها قد وُلِدْنا وفوقَ مقاوِدِها سنموتْ،

ونحنُ ملوكُ الليالي دَحَوْنا البلادَ،

نُراهنُ أنّا نرى في الشروقِ شموساً تَبينُ لنا وحدَنا،

نحنُ سائقي الشاحناتْ،

إِسْتهوَتْنا الأفلامُ الأمريكيّةُ حيثُ الجنتلمانْ،

يملِكُ شاحنةً فاخرةً ويسوقُ على طُرُقٍ من عشبٍ ساعاتٍ،

حتّى يصلَ الحانة،

تستقبلُهُ امرأةٌ بقميصٍ مفتوحٍ تُنسيهِ الرحلةَ أجمعَها.

فحَسِبْنا أنْ سُنكافَأُ بالحانةِ مثلَهُمُ لكنْ طالَ طريقُ الرحلةِ طالْ،

فتعِبْنا ووقفْنا مثلَ الأطلالْ،

نحنُ سائقي الشاحناتْ،

بنَتْ عُشَّها فوقَنا القُبّراتْ.

 ***

عبد الله سرمد الجميل شاعر من العراق

 

ماجد مطرودمنذ مدة وانت واقفٌ

وسط ساحةٍ لإعدام الموتى.

 وأنا اركضُ باتجاهٍ أجهلهُ

منذ ذلك الوقت

ونحن نتمنى

ألّا يلتبس الامر علينا

ماذا يعني أن تكون رمزًا

لسببٍ تجهلهُ؟

هذا السّؤال

لا يعني السخريةَ

ابداً

على العكسِ تمامًا.

أنا

 ذبيح

اشكو اليك ..

مرّةً

رفعتُ نظري

لأستعين بكَ ..

وكدتُ أفعلها لأتنفس

لكنّ أنيابكَ الزجاجية

لم تسمح لي بالفرح

وقلبك الحجري

لم يفتح لي ابواب الكلام ..

تركتَني أغادرُ

وحدي

مثقلًا بالخيبةِ

والخسران

هل نسيتَ تلك الحادثة؟

كنتَ وحدك

وكنت فخورًا بوقفتكَ  

فخورًا جدا

بواجباتك الرمزية

بينما أنا

كنتُ ناقمًا عليكَ

مع ذلك ..

تناسيتُ رأسك الذبيح

تناسيتهُ تمامًا

على الرغم من إنّه كان واضحا

ومتدليًا على صدركَ

مثل ميداليا

منظرُكَ هذا ..

يوجعني

يثيرُ عاطفتي

دعني ..

استعيرُ من الحقيقةِ برهانها

ودعني ..

من الواقعِ استعير قاعي

اسمعني جيدا

بالأمسِ,

طلّقَ رمضان زوجتَهُ,

تركَ اولادَهُ وحيدين

يلعبونَ في الشّوارع!

أنت تعرفُ ذلك جيدا

وتعلم بكل التفاصيل

الاطفال  يحبونك

يؤمنونَ بكَ

وحدك

بقدرتك

وطغيانك

لماذا ..

لم تحمهم؟

لماذا ..

تجاهلتَ انفاسَهم القصيرة؟

ولماذا ..

خيّبت آمالهم أيّها الواقف؟ 

حتّى  الملابس الجديدة ..

تلك التي تراكمت 

على واجهاتِ المحلات

خيّبتْ ظنونهم

حينما تحولت الى رماد

منذ سنين

والصورة نفسها

منذ سنين

والتكرار هو التكرار! 

سألتكَ مرة

هل  رأيتَ هذه الصورة؟ 

قلتَ لا اعرف!

وسألتكَ ايضًا

هل الصورةُ ترابية كانت 

أم رمادية؟ 

وكنت لا تعرف أيضا

 لكنك استدركتَ بألمٍ:

اسمع يا فتى,

كلّ ما اعرفهُ ..

إنّ الحريقَ كان في كلّ مكان

وكنت أنا في بطنِ الحوت

وكان الله بانتظاري

أن أبرر له حقيقةً

تحولت في الروح 

الى تمثال 

***

ماجد مطرود/ بلجيكا  .

 

حنان عباسيتوقّفتْ للحظات ..

حاولت أن ترسو بقدميها

في مكان ناىء

عن صرير الخُطى ..

تجوّلت نظراتها المضطربة

بعيدا

عن العيون المُصطفّة

تواجه انفعالها بالتحديقِ ..

أنزلها الحياءُ قاع التوتر،

فآعتزلت همهمات فضولهم

وفرّت إلى ذكراه ..

عاتبت غيابه،

حدّثته في صمت

عن صبابة روحها،

جادلته في انفعال كاذب

لتسحب منه

آعترافات حب وهمية،

تركته يسكب قبلاتها

في جوف قلبه،

و عادت إليهم ..

لازالوا هنا ..

مهما مرّ الزمن

طويلا، مملا، ثرثارا ..

يظلون هنا ..

لا يتغيرون ..

عادت كما كانت ..

تُسافر عنهم إليها

في أكذوبة صمّاء،

تنتظر أن يلتهمها الآتي

وجبة مهترأة لا تسدُّ جوعا ..

تنتظر موتا

يُعيد لها الحياة..

***

حنان عباسي

 

ريكان ابراهيممَنِ الصحيحُ

أنا أمْ أنتَ يا وجَعُ

المُشتكى منهُ...

أم شاكي الذي صنعوا؟

الموتُ أمْ مَيّتٌ من قبْلِ ميتتهِ؟

الحُزْنُ أم حاملٌ

للحُزْنِ لا يَزعُ؟

ومَنْ بنا صادقٌ؟

عينايَ أم رمَدي...

أم كاذبانِ...

وما سطّرتُهُ بِدَعُ

هلْ في القصيدةِ ما يكفي

لَمخمَصتي؟

أيّامَ لا يسَعُ الآلامَ مُتّسَعُ

سَهّلتُ قافيتي

كي أمتطي جسدًا

منها...

فألفيتُ أنَّ السَهْلَ مُمتنِعُ

كمْ مُدّعٍ عِفّةً

مَنْ ليسَ نائلَها

ومَنْ على قلبهِ

حِرمانُهُ ورَعُ

أمشي الهُوينى ووادي الجِنِّ يُصدِرُ لي

فتوى تصيّدَني من هوْلِها الفَزعُ

قالَ الذي عندَهُ علمُ الكتابِ:

أنا

آتيكَ ما تحمِلُ الآمالُ أو تَضعُ

فصفّقَتْ كدَماتُ اليأسِ

في رئتي

وكاد كلُّ سحابِ الشكِّ ينقشِعُ

لو انه البحرُ...

لنْ يكفي لغائلتي

فكيفَ...

والمُستقى من مائهِ جُرَعُ؟

فوّضْتُ أمرَ عيوني مَنْ لهمْ

ولَعٌ

بأدمعي، فاستباحوها وما شَبِعوا

أجراسُ آحادِهمْ

صارتْ تُعلِّمُني

فَنَّ الخطابِ الذي

تأتي بهِ الجُمَعُ

يا شاحبَ الوجهِ، يا حَظًّا

أُغازِلُهُ

فلا يُجيبُ... فأدعوه... فيمتقعُ

جِدْ لي على الهَمِّ

مَنْ يأسى لكارثتي

زرعتُ يومًا فلم أحصُدْ كمنْ زرَعوا

أنا العِراقيُّ،

صادقتُ الضَنى زمنًا

حتّى تملّكَهُ من صُحْبتي ولَعُ

أنّى تمشيّتُ يمشي...

وهو مُزدهِرٌ

وكيفما اضطجعَتْ يُمنايَ يضطجعُ

ولا أُلَامُ على حُبّي لِعشْرتِهِ

إنَّ الطيورَ على أشكالِها

تقَعُ

***

د. ريكان إبراهيم

 

صحيفة المثقفعجباً لم أنسها على صغر سني وقلة تجربتي انها معلمتي الاولى أثابها الله ، كما اني لن أنسى مدرستي الاولى فقد حفرتا على صفحة ذاكرتي كما يحفر الفنان الحجر ليخلد أحد العمالقة العظام أو أحد الأباطرة فالعظيم – في نظري – ليس من يقود البلدان الى أمجادها فحسب ، بل العظيم من يملأُ مكانه فعلا وحقاً ويحفر بصماته فوق صفحة عمره بعمق وتفرد. لم أنسها لا اسماً ولا شكلاً على إني أكملت سنتي الدراسية الاولى في ثلاث مدارس لا أذكر من الأخيرتين حتى اسميهما. كان ذلك العام عام ارتباك في عمل والدي رحمه الله مما جعلنا نتنقل من بيت لآخر فآخر.

كانت للست نبيهة وهذا اسم معلمتي الاولى في الصف الأول في مدرستي الابتدائية "الخنساء الثانية" فضل كبير على َّ وعلى غيري من طالباتها حتماً. لم نكن الا مجموعة من العصافير المبللة صدقاً أو تشبيهاً غير انها كانت أُماً قبل أن تكون معلمة فكان جناحها الدافىء يضمنا جميعا ً ليحمينا من برد الصباح. فهي حين تدخل غرفة الصف الأول وترى بعيون قلبها ارتعاشات البرد والفقر الذي يحرمنا في الأغلب من ارتداء ما يكفي من ملابس ، ما كانت تبدأ الدرس الا بعد ممارسة تمارين الإحماء التي تبعث في أبداننا الضئيلة دفئاُ وطاقة. علماً إن مدرستنا الابتدائية (الخنساء الثانية) تقع في احدى زوايا الأعظمية من بغداد لا يفصلها عن نهرها الخالد دجلة الا أمتار قليلة.

كانت البناية قديمة تأكل الرطوبة بعض خواصرها ووجهها غير إننا لم نر جدار صفنا أبداً لا رطبه ولا يابسه لأن معلمتنا ذات النشاط الإنساني قبل النشاط المدرسي غطت تطوعاً كل أضلاع الغرفة البائسة بعشرات من وسائل الإيضاح الجميلة التي كانت تشد عيوننا اليها بملائكتها المجنحة وورودها الملونة ووجوه بنات صغيرات موردات الوجنات متلألئات العيون كل ذلك مصفوفاً بكثافة على شكل أرقام يقطعها رمز إشارة الناقص أو الزائد أو الضرب والتقسيم. كنا جميعا نحب معلمتنا كما نحب أُمنا لا لجمالها ولا لألوانها التي طلت بها وجهها بل لروحها الشفافة ويدها الحنون التي تقدم العلم مشفوعا باللطف والعطف لا بالعنف والضرب والعصا والعقاب.

كانت معلمتنا الودود تشملنا بعنايتها جميعاً طفلة طفلة وتؤكد على أن نتعلم لفظ وحفظ الكلمات فعلاً لا أن نحفظ الدرس عن ظهر غيب دون أن نعرف أن نفرق بين كلمة واخرى لذا كانت في جعبتها طريقة سحرية لذلك وهو أن تقطع من غلاف علبة السكائر السميكة قطعة على شكل مربع تتوسطه عين مفرغة تتسع فقط لإبراز كلمة واحدة فقط ، فكانت تتجول بين مقاعدنا وفي يدها العين المفرغة تنحني بهدوء نحونا لتضعها حيثما شاءت وتسألنا ان نقرأ.. لترى إن تعلمنا فعلاً قراءة الكلمات أم لا. ومن هنا تعلمنا كل كلمة من فحوى الدرس، رأيت كل ذلك في درس الست نبيهة فقط وفي مدرسة الخنساء الثانية سنة 1952 ولم أره في المدرستين الاخريين اللتين لا أذكر منهما حتى اسميهما ولا اسمي المعلمتين اللتين درستاني ثلثي العام الأخيرين. وليس في ذاكرتي عنهما الا صورة شبحية يلفها الغموض حتى يخفيها كما تخفي الغيوم المتراكمة شمس الله في وضح النهار.

وأذكر إن طالبات الصف لم يكنَّ يصدرن من الضوضاء الكثير لانشغالهن فعلاً في تعلم القراءة والكتابة والحساب. ربما يقول قائل إن التعليم كان آنذاك غير ما هو عليه الآن. نعم هذا صحيح. غير إني قارنت بما في زماني ورأيت الفرق واضحاً للعيان بين من يخلص في عمله حباً به وتحقيقاً لأمر الله ورسوله وبين يقوم به ليسقط عنه تهمة الإهمال. بين من يهتم للطالب مهما كان شكله ولونه ومنحدره وبين من يريد ملائكة أُولي أجنحة وملكات جمال وأناقة على مقاعد الدراسة مقرنين في الأصفاد يسميهم طلابه وينسى إن الطفل طاقة وإنه لابدَّ أن يتحرك ويلعب. عرفت لاحقاً طفلاً كان يجلب لأُمه ما انتزعته معلمته من شعره ملفوفاً في ورقة من أوراق دفتره لمجرد إنه يتحرك كثيراً. شتان بين اليوم والأمس ولكن من يحسن عمله كما أمر الله ورسوله إن لم يذكره التأريخ فستذكره القلوب فيكون لها نبراساً وقبساً هادياً يهتدي بهديه بعد الله ورسوله.

 

سمية العبيدي

 

"الكتابة بذهن مشتت، تشبه النوم أثناء السباحة، كلاهما يؤدي إلى الغرق"... محمد حسن علوان

في إحدى صباحات شهر مارس، حيث السحاب يغزو السماء ليعترض لهيب الشمس، كنت جالسا في مقهاي المعتاد، أتفرس في بعض المارة القلائل الذين يذهبون ويؤوبون، منهمكا في ارتشاف قهوتي السوداء كعادتي كل صباح.

فقدت قدرتي على الكتابة. خلاياي ناعسة منذ أيام، ودماغي صار منحوتة تجسد صحراء سيناء التي اجتاحتها الحرارة فجفت المياه في أنهارها، فلا هي تنبت أزهارا، ولا أنا أنبت أفكارا.

عيناي تراقبان الشارع دون أن تلحظا أي شيء ملفت للانتباه. نظرت إلى الأوراق التي وضعتها أمامي لعل فكرة تأتي. إنها تتحرش بي، أما أنا، فسلاح الغواية نال منه الصدأ.

سيجارتي المشتعلة تلعب بها شفتاي في نفاد صبر. رجلاي تضربان في الأرضية ضربات خفيفة تفضح ارتباكي. ساعتي تشير إلى السابعة والنصف. وقت وجيز وتأتي أفواج المارة التي تخطو بعجل؛ الكل سيهرول لبلوغ اللاشيء؛ روبوتات تجري وراء الكسب نهارا لتشبع غرائزها ليلا.

ساعتي هذه هي جزء من ذاكرتي. تعود بي عقدا كاملا لتحيي ذكريات دفنتها بنفسي في مقابر الزمن حين تسلمتها هدية في عيد ميلادي. لكن ذاكرتي، هذه الملعونة، لم تعد تطاوعني. ذكرياتي لم تمت، بل كانت خاضعة لسباتها الشتوي الذي دام طويلا. خلعتها من ساعدي، ودسستها في جيبي مع دراهمي القليلة.

رأسي ثقيلة مثل صخرة سيزيف. لم أذق طعم النوم بعد. الناس يتزاحمون ويتدافعون في الشارع على مقربة مني. رجل عجوز هرم يخترق هرولة الناس بخطواته الثقيلة الميتة. ظهره محدودب، وعلى عكازه أوساخ قديمة. يبدو تائها مثل بدوي في شوارع نيويورك.

كنت قد التفتت إلى أوراقي من جديد، حين سمعت صوت ارتطام. كان هو.. اصطدم به أحد المارة، وانهار فوق الرصيف في استسلام. مرت لحظات خرساء؛ لم يلتفت إليه أحد، وكأن الناس أصيبوا بالعمى على حين غرة. للحظات، ظل ينظر إلى كل من يمر بالقرب منه طالبا منه المساعدة بصوت غير مسموع.

كانت ملامحه تحمل أحاسيس القهر والألم الشديدين. ففي كل طية من طيات وجهه ألمح صراعا مع الزمن، وملامحه ترفع الستار عن معارك ضارية خاضها ضد الظروف في سبيل العيش. لكنني مع ذلك أرى وراء صدره جبلا شامخا من الكبرياء يرفض الانحناء.

توجهت إليه. ساعدته على القيام. نبسَت شفتاه بكلمات شكر غير واضحة. قلت له كلمات لعلها تخفف من حاله. بدأت فكرة تشع في ذهني مستقبِلا إياها بشوق عارم.. إنه رسول من القدر منحني المفتاح الذي سألج به عالمي الخاص من جديد.

كل ما فعلته أنني أجعلت سيجارة جديدة، وانهمكت في الكتابة عن المسحوقين.. مثلي.

 

مبارك ابا عزيزي

 

عطا يوسف منصورازف الرحيلُ وليسَ منه مَناصُ

                       ولهُ لِمَنْ خَبِرَ الحياةَ خلاصُ

لا شيءَ في الدُنيا سوى أوهامِها

                       نحيا لها ومَعَ المُنى تَعتاصُ

دُنيا ولا أدنى رأيتُ فِعالَها

                       هيَ في خِداعِ فتونِها قَنّاصُ

هيَ مِلثلَما قالوا: مُقامُ غُوايةٍ

                مَنْ لَمْ يكُنْ في مُحرزٍ يَلتاصُ **

يا أنتِ يا دُنيا مُحِبُكِ جاهلٌ

                   ما نالَ مِنكِ مِنَ الندى إرهاصُ

لِيَظِلَّ في عسلِ المُنى مُتشبثًا

                      ويَظُنَّ أنَّ شِعاركِ الاخلاصُ

يا أنتِ يا دُنيا طريقُكِ مُلتوٍ

                    أمّا زمانُكِ مُذْ بدا لَصّاصُ **

إنّي لَفَضتُكِ مُذْ عَلِمتُكِ فاركًا

                   يا أُمَّ ذِفرٍ للمُحيفِ قَصاصُ **

تا اللهِ يا دُنيا فِتُونُكِ باهتٌ

                        وهواكِ حينَ هبوبهِ قَرّاصُ

لا تسأليني قدْ مَقتُّكِ جُملةً

                 فالطبعُ فيكِ لِمَنْ هوى بَعّاصُ**

تُعطينَ في اليُمنى وفي اليُسرى شبا ال

                سِكينِ بينَ ضلوعنا حَصّاصُ **

ما أنتِ إلّا فِتنةٌ نمضي بها

             ولِمَنْ هواكِ وقدْ هوى إرخاصُ **

رمَصٌ يَرينُ على العيونِ يَطِسّها

               كمْ طَسَّ ناسا والمُنى أرماصُ **

ظُلَلٌ مِن الامالِ تَفرُشُ دربَنا

              هيَ والعناءُ بما وقَرنَ رَصاصُ**

لا شيءَ في الدُنيا سوى أوهامِها

                تَغشى وتُغري جاهلاً فَيُلاصُ **

ونَظلُّ نسعى لاهثينَ وراءها

                       والموتُ بينَ عيوننا رقّاصُ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

ألدنمارك / كوبنهاجن

** المُحرِز : المكان الحصين ** اللصّاص: الكثير السرقة ** الفارك : الكارهة لزوجها

** أم ذِفر: كناية عن الدُنيا ** المُحيف: الظالم ** المقت: البُغض ** البعّاص: الكثير التقلب

والاضطراب ** الشبا: حدُّ الالة الجارحة ** الحصّاص: الحالق للشيء القاطع ** الارخاص: الاذلال

** الرمص: وسخ العين يكثر عند التهابها ** يَرينُ: يحجبُ ** الطسّ: الصِدام أو الابعاد

** الظُلل: جمع ظُلة وهي الظل .

 

قصي الشيخ عسكرقبلما تكون هناك زعقة عالية تردد صداها في الضريح التفتَ فوقعت عليكَ عيناه وكأنه، في تلك اللحظة، رآك ولم يرك فقد شك في نفسه وأنت تمر على بعد منه..

وكأنك تعرفه في أي مكان وزمان!

لكنك لاتلاحقه قط.

أهذا هو أنت؟

قبل ساعة أغلق محل التسجيلات القريب هذا المكان . كان ينساب مع أمواج البشر التي تتدلى مائلة عن الشارع الرئيس نحو باب الساحة التي تؤدي إلى الضريح.. .ربما لم يسأل نفسه قط لِمَ يأتي إلى هذا المكان.. .قد تكون العادة هي التي تقوده أو لعلهما قدماه اللتان يطلق لهما العنان من دون أن يدري إلى أين تسيران.. لا بدَّ أن الآخرين إما يأتون مبهورين بالمكان أو يزورون متضرعين بل هناك من يأتي ليستريح من عناء يومه المهم أنه يأتي كل خميس فيظل ساعة أو أكثر ثم يغادر،ربما يلتقي شخصا يعرفه فيثرثر معه دقائق،أما أنت فمنذ التقيتما على غير موعد وافترقتما في المُحَال وأنت تفكر به من يكون حتى كانت خَطْرَة سبقت كل صوت وارتقت على الخيال كأنك في تلك اللحظة المشحونة بالعواطف – على الأقل من قبلك- عبرت إليه من عالم المُحَال!

صرخة حادة قوية تشبه الأنين الخافت.

حادة كأنين النحل!

بينما كنت حقّا تتصوّره حلما.

كان يشك في عينيه لحظات فالذكرى تكاد تكون بعيدة.. عشر سنوات وبضع لكنك عرفتَه لم تشك فيه قط على الرغم من أن الزمن رسم ملامح جديدة على وجهه مثلما فعلت السنوات بك أيضا .. كان كل منكما في العشرين من عمره والآن أنتما في بداية القرن الرابع.. وهي السنين التي تغيِّرُنا ولاتتغير.. في تلك اللحظة بدا ساهما يتطلع في زخرفة المكان عندما مررتَ فاستدار يتمعن فيك .. شكَّ في عينيه لولا أنك قطعت عليه الهاجس باليقين فصرخت هاتفا أهذا أنت وارتميت عليه باكيا ورحت تنشج بلهاث متقطع.. .

بكلِّ حرقة رحت تنشج.. .

دموع تجمعت سنين وانبجست في لحظة لتختصر الزمن من بعيد..

أكل هذا لأنه منحك الحياة وبعدها تمنيت أن تلقاه وها أنت تلقاه..

تتمنى.. تحلم

وتعود ذاكرتك لتلك الليلة التي أحاطك الرعب فيها خلال الساعات الأولى.. قد يخيم الخوف في جميع الأوقات مع ذلك تكون هناك ساعات خارجة عن المألوف نحسّه يتجلى فيها أكثر من أيّ وقت آخر.. هواجس تغزونا.. حاسة سادسة تقول ..

تتنبّأ..

ظنون تنتاب الخيال فنعرف أن شيئا ما غير عادي سيقع ساعة ما.. ترك صاحبك الذي تراه يتكرّر بصورته الأولى أمامك نجاة نائمة.. قبل أيام تقيّأت،واكتشف وهو يتولى التحليل أنّها حامل حقا.. صدمة له لكن تعود أن يتلقى أسوأ الاحتمالات برباطة جأش حتى قدمت أنت موثوقا بانتظار الموت..

يوم تلاقى فيه الموت والحياة..

عيناك..

هيأتك..

شكلك..

كلّ تلك المظاهر تشير إلى أنك بريء وصاحبك الذي يعدّ إحساسه لا يخيب وهواجسه لا تكذب،لا يشك فيك على الرغم من أنه لم يلتقك من قبل.حامل.. ذهنه مشغول.. صديقته حامل وأنت محكوم بالإعدام فما أثقل الدقائق على صدرك وما أشدّ انكسارك وذلك وهاهو الذي يشك في كل شيء ويحتار في الجنة والنار والحياة الأخرى يخور لدعاء من شفتيك فيلين حتى يؤمن ببراءتك فيتراقص بينه وبينك أمام عينيه حبل قد ينجيك..

مغامرة مكتوب لها النجاح

ومكتوب لها أن تصبح مصيبة عليه وعليك!!

كنت تفكر طول تلك المدة لِمَ فعل ذلك .. الشفقة .. الجنون.. أم حظك الذي ألقاه في طريقك.. ظننته معجزة سطعت أمامكمن حيث لا تحتسب مع ذلك فإنك أصبحت مقتنعا به قناعتك ببراءتك..

لم يكن لديك الوقت الكافي لتسأله إن كان يهرب مثلك حتى لو كان لديك افائض من الزمن فسيبدو السؤال ساذجا لكنه كان يقنعها.. قال لها يابنت الحلال. أنا في ضياع وأنت لاوطن لك.. كيف يكون مولودونا المرتقب. وقبل أن يستهلكه التفكير وتأنيب الضمير ألح على نجاة فلانت واقتنعت، وحين أدرك أنها قبلت - وإن على مضض- أحضر دواء يعرفه بحكم خبرته في مهنة التمريض،كان يسحب دمك ويفكر في يوم غد سيكون معها وهي تجرع الدواء .. . الجنين مازال نطفة .. يقولون لم تدب به الروح بعد وهو لايفكر بالحرام والحلال.. قال عن نفسه لا يدري.. غير متأكد.. الجنة والنار لا يشغلانه.. لايهمه أن يكون ابنه ابن زنا من دون زواج .وهذا مالاتعرفه عنه يقول عن نفسه شخص مادي يكره القتل.. .. شغله نفسه يفصح عنه.. ممرض.. يعني أنه يحاول أن يهب الحياة للآخرين أو ليقل بصيغة أخرى يطيل أمد الحياة.. نجاة وعدته أن تشرب الدواء غدا مثلما اتفقا . قالت له إنها أخطات بحبوب منع الحمل .مازال – أغلب الأحيان- يظن بحسن سريرتها وربما تخطر في باله لحظات يشك في ادعائها .. لكنها صباح الغد أي بعد موتك بساعات تكون انتهت من جنينها..

كيف ترد له الدين؟

هل من المعقول أن يلتفت نحو زعقة المعتوه المربوط في الضريح وفي اللحظة نفسها يجدك أمامه؟

تلك الليلة كما يتذكر جاؤوا بك موثوقا .إلى غرفته.. لجنة ما اجتمعت في الصباح وأدانوك.. قاض وادعاء عام ومحام .. باب مغلق.. خلفك حارس مدجج بالسلاح.. في حالة يرفرف الموت على رأسك لا تعير اهتماما للعدد أو تعبأ بأشكال الوجوه.. .وقفت في مكان ما معصوب العينين .. قال لك أحدهم إنك تحدثت مرارا مع جندي للعدو خلال الغزو.. لم ينفعك قط دفاعك عن نفسك.. في جعبتك أخبار تقيأتها أمامهم سخروا منها.. كلّ ماسمعته من جدك وأهل حارتك صحيح.. قيل إنه فرهود.. الهائجون في بلدك فجروا وقتلوا.. نهبوا البيوت والحارات.. كلكم اشتركتم في الجريمة.. شيعة.. سنة صابئة.. مسيحيون . أثوريون.. عرب أكراد .. كلكم.. اليهود اغتصبوا فلسطين فاغتصبوا بيوتهم.. فخامة رئيس الوزراء يراهن على ربع مليون يهودي لو أرغموا على الذهاب إلى فلسطين لضاق بهم اقتصاد إسرائيل وسوف تنهار الدولة في بضعة أيام.. في ثاني يوم الغزو التقيت الجندي الإسرائيلي. بالضبط وَعُثِرَ معك على بعض نقود من عملة الأعداء وعملة صعبة.. هذه عمالة وخيانة.منحوك دقائق للحديث.. قلت لهم يا رفاق.. ياسيدي.. أنا لم التقه.. عندما أوقف السيارة وعرفني وهو يطالع هويتي ومن حديثي أني ابن بلده تذكر أنه ابن عائلة عراقية فرت من الفرهود والقتل عام 1948 إلى إسرائيل.. تحدث معي اللهجة العراقية البحتة.. لهجة الجنوب وبدا يعاملني بلطف عندئذ طلب المتحدث من الجالسين أن يرفعوا أيديهم إن كانوا يقرون حكم الإعدام.. فوقفت مصعوقا.. أيقنت أنه الموت.. ثم دفعك الحارس إلى آخر فزال القناع عن وجهك لترى أن رجلا قاسي الملامح مُكفَهِرَّ الوجه يقودك إلى مكان قريب من حتفك.. كانت غرفة السجان بين غرفة الطواريء حيث يقيم وغرفة منعزلة جعلوها سجنا لمن يحكم عليهم بالإعدام.. قال له السجان رفيق هذا غدا يموت.. كنت تسمع كل كلمة ولاتنطق.. شفتاك تتمتمان ولابد أن يكون قد سمع تعويذتك.. رفيق يمكنك أن تسحب بعضا من دمه.. لعله القدر أو حبل النجاة جاءا بك إليه شأن الذين يساقون إلى الموت.. كان صاحبك يتلمس شرايين من جاؤوا قبلك ويصد عن النظر إلى وجوههم.. . نحن في حالة حرب يمكنك رفيق أن تسحب من دمه ليستفيد منه الجرحى . ولولا ذلك - يقول السجان ويؤكد- لسحبت أكبر قدر من الدم وأبقيت على جزء قليل يكفي هذا الخائن حتى تحين ساعة الموت ثم دلقت الدم في المزابل لتلحسه القطط والفئران.دم هؤلاء حرام.. .حرام أن يختلط دم الخائن بدم بطل.. وحين أنهى جملته فكَّ وثاقك،ولكزك بظهرك فعدت تتمتم وقد مددت ذراعك وحسرت عن عن ساعدك فراح يجس عرقك،وفي ذهنه تقفز فكرة ما .هل سمعك حقا.. نجاة والإجهاض.. وهربك .. كأن قدومك شجعه إذ وجد فيك مغامرة جديرة بالاهتمام.. كان ذهنه منشغلا بالتعامل مع الحارس الذي لم يغفل عن رشاشته الكلاشنكوف تحسبا لأي أمر.. يضيف ساخرا لو كان عنده دم لما خان فالتقت عيناك بعينيه وكانت شفتاك تتحركان وحين فرغ من سحب زجاجة قلت هذا يكفي .. وكان يود أن يعطيك كأس شاي كما يفعل مع كل متطوع متبرع بالدم غير أنك تختلف عن الآخرين والحارس الذي ترك يديك حرتين وظهرك مستندا للرشاشة أمرك أن تسير إلى الغرفة المجاورة لغرفته فدفعك إليها وأغلق الباب.عاد ليقول هذا،رفيق،جاسوس اكتشفته مخابرات المنظمة يعمل لمصلحة العدو ..

هل وجدوا معه مستمسكات.

نعم رفيق بعض الوثائق ونقود كثيرة!

وماذا غير ذلك ؟

اتصال مع جند العدو!

قد يكون صمتك الغريب هو الذي أثار شفقته.لم تنبس بحرف سوى أن شفتيك كانتا تلهجان بكلمات مبهمة إليه قريبة منه.أنت الوحيد من المحكومين بالموت لم تتكلم.قبلك بعدة أشهر حكمت محكمة المنظمة بالموت على رجل في الأربعين من العمر. الحارس يقول عنه إنه خاض معارك كثيرة مع العدو لتُِكتَشَفَ بعدئذ خيانته.. لم يكن يصدق ذلك الرجل أنه يموت قبيل الفجر.كان يظنها لعبة.. التهمة بحقه .. المحكمة.. نَقْلُه إلى غرفتة الطواريء.كلها لعبة أو مجرد اشتباه سيزول بعد ساعات.بدا ساخرا من كل شيء.شجاعة أقرب إلى الرعونة.. هذا مايذكره صاحبك وهو يتحسس ذراعك.. .. كان يقول للحارس شامتا:

سترى بعد ساعة كيف تسير الأمور!

فنفث الآخر الهواء وقال:

مسكين لم يتحمل الصدمة.

أية صدمة رفيق هؤلاء جواسيس ممثلون بارعون!

بل أنت المعتوه.. إنه اختبار لقد اعتاد الرفاق أن يختبروا قوة أعصاب المقاتلين .أحيانا يجد أَيّ منا لذة في اللعب مع الموت لتأجيله حتى حينٍ على الأقلّ لكن أحياناً أخرى وهي الطريقة الشائعة نتجاهله،وبعد ساعة أو ساعتين ترى بأم عينيك. كان يكابر الموت فهل توقعت أن تكون قبيل الفجر بمنجاة عن الهلاك؟أو هل فكرت قليلا بالمحال؟..

ولعل الممرض لم يصدق ماقيل عنك وعن معظم الذين أخذ منهم دما ليموتوا فيما بعد ومن حسن حظك أنه كذب أذنيه .. وسمع ثمّة دعاءك.. ربَّما شك في الآخرين الذين اتهموك.. .في حين كان الحارس يبدي أسفه كونك من العراق ويسترسل: أنتم العراقيين أبطال لاتخونون لكن هذا حالة شاذة .

كم قنينة دم سحب قبلك من أذرع مدت إليه لمتبرعين وآخرين محكومين بالإعدام.. ربما لم تدرك والموت يحوم حولك أن الحارس والممرض الخفير كانا يقضيان الليل كله بالثرثرة.. غاية مافعلته أنك قبل أن تأتي إلى هذا البلد مندفعا بحماستك المعهودة زرت المكان هذا شأنك كلما وقعت بضيق كل مرة وتضرعت لصاحبته ثم خرجت متفائلا إلى البلد المجاور. شعرت بحرية حينذاك ولم تلتق بصاحبك بعد ولاتعرفه حق المعرفة كان يرى الحياة سفرة قصيرة مهما طالت لاتتكرر.. ويقول مع نفسه متهكما هذه العظام القذرة المتحللة لمن ماتوا ويموتون في يوم ما كيف تجتمع ثانية .. خرافة نكتة ابتكرها المتفائلون وقبلها المتشائمون سوى أنه لايستطيع أن يمنع نفسه من زيارة أماكن ترتادها أنت بحكم العادة أو يراها فرصة يوم الخميس للقاء بعض العراقيين الذين هجرتهم حرب الخليج الأولى من بلدهم فجعلوا ضريح السيدة مكانا يلتقون عنده نهاية الاسبوع..

مع ذلك فقد أخذته الشفقة عليك وربما زاد من إحساسه أنك كنت تتمتم بدعاء قد يكون سمعه من شفتي والدته أو أبيه ذات يوم فغامر معك. أول الأمر كان رأسك مغطى بكيس أسود كنت مع سجان أكثر قسوة من سجانك الثاني فعرف بغريزته أن شخصا قدم تفوح منه رائحة القتل .حارس ما.. ليس هو الحارس الذي قدم مع أول محكوم بالإعدام قام صاحبك بسحب دمه. أو الحارس الذي أتى بمحكوم آخر. كانوا كل مرة – على ندرة حدوث ذلك- يغيرون الرفيق الحارس المرافق الذي يصحب الأحياء الموتى إلى الوحدة الطبية. كان حارس الاستقبال وحده لايتغير. استلم أمر وفاتك على عجل .رائحة الموت في أنفك وطعمه يبلل شفتيك.. من يقدر على حكم الفناء.. هربت من حرب بين بلدك والجيران تراها عبثا لئلا تموت عبثا وقبل أن يطل صباح الغد تصبح عبثا.مصادفة غريبة .. لاتتكرر أبدا.. لابد أن تموت بعد عملية سحب الدم بساعات.. كل ذلك كان غائبا عنك.. جندي العدو تطلع في هويتك وابتسم.. سألك عراقي؟ أجبت بهزة من رأسك .ساورك خوف في البداية.. أول لحظة تسرب الدم إلى رجليك.. قال لك جدك هاجمناهم وطردناهم من بيوتهم.. قنبلة انفجرت في حيهم فهرعوا مذعورين كالكلاب.. يسألك جندي العدو بابتسامة واسعة وصاحبك الذي لاتعرف اسمه سجل رقمك في ذهنه. كدت تكون الحالة العاشرة على حد علمه إذ غالبا مايجلبون المحكومين بالإعدام في الليل ومن حسن الحظ طلقة ثم ينتهي كل شيء.. ماذا نفعل قالوا نحن في حالة حرب .معنا متطوعون من بلدنا و جميع العالم .من العرب والأجانب.. لابدَّ أن تحدث خيانات ولو كنا في ظروف أخرى لألغينا عقوبة الإعدام. لانقدر الآن أن نتساهل في الأمر.. الظروف إنها ظروف الحرب وإلا سوف نكون في حال أسوأ مما عليه الآن.

كان الناس يتمسكون بالشباك وأنت مُلْقٍ برأسك على كتفي صاحبك وتنشج .. رَبَتَ على كتفك ودفعك برفق عنه وأنت مازلت تهتف:

هذا أنت!

المنظمة.. الدم .. الُلقَى الورقة النقدية.. كل الذين كانوا من حولك استرسلوا يثرثرون ماعدا ذلك الشخص الذي أخذ يسحب دمك.. فيؤكد لك بابتسامته أنه هو.ابتسامته المعهوده التي شابها شيء من الضيق يوم مددت ذراعك له.. دم وإن كان لجاسوس فإنه كالميتة ولحم الخنزير ينفع عند الضيق.. وددت لو طال الوقت غير أن صيحة من جانب الضريح لفتت نظرك. كان هناك صبي مصروعا ألقته أمه على الشباك وفي عيني الأم التي اتشحت بالسواد رجاء ما.أمل ما مثل رجاء دافيء لم تشعر به داهمك بعد أن تسرب دمك تلك الليلة كأن تلك القنينة التي لا تدري لمن ذهبت وهبت لك الحياة، وفي خضم الأحداث تلاشت الصرخة وراح الزائرون يلمسون بأكفهم الشباك ويقبلون زواياه ..

مالك ياصديقي أنا هو بالتأكيد!

حقا ذلك أكاد لا أصدق عيني!

لقاؤنا ة ليس أكثر محالا من نجاتي على يديك!

هذه المرة لم ينظر إليك بعطف.. كنت شخصا آخر شك فيك ثم صدق عينيه.. ترتدي بدلة ورباطا.. وشعرك رغم بعض الشيب مصفف بشكل ينم علن الغنى والوقار:

أتشك في ذلك أنا حي بفضلك

فقال بابتسامته الواسعة النبيلة:

يارجل كان ذلك منذ زمن

وأنا أقول لك حاولت أن أعثر عليك بل تمنيت ذلك!

هاهي الأمنية تتحق!

أتعرف قلت لنفسي أن هذا المكان كان وسيظل ملتقى العراقيين لأذهب لعلني أجد صديقا قديما أو من معارفي القدامي ثم كانت المفاجأة

ماذا هل نظل هكذا واقفين؟

حسنا لنذهب إلى ربوة الجبل .. معي سيارة أجرتها وسوف أشرح لك كل شيء آمل أن تقبل!

لك ماتشاء

فوضعت يدك بيده وخرجتما وكان المكان يغص بالزائرين الذين أخذ عددهم يزداد وقد حانت منه التفاتة ربما لم تلحظها إلى الجانب الآخر قبل أن يغادر الباب فظن أن الصبي المصروع يغمض عينيه ويستغرق في نوم عميق أو هكذا خيل إليه وكانت أمه ماتزال ترفع ذراعيها وبصرها نحو السماء وصوت مخفي أشبه بالهمس يتمتم من شخص ما قرب الباب:

بركاتك ياسيدة!

 

رواية قصي عسكر

 

فتحي مهذبأقيس قطر مخيلتي بقفزة كنغر ..

حديقة رأسي بدموع المتصوفة..

غواصة روحي بريش طائر الهدهد..

تلة الماوراء بتنظيرات العميان..

سماء كلماتي بضحكة مسدس..

عمق ذكرياتي بعكازة طاووس..

أسرار الموت بقبعة الكاهنة..

*

بأظافري المتوحشة

أحصي نجوم النوم..

عدد الرهائن في معتقلات اللاجدوى..

أحصنة الهنود الحمر

الرابضة وراء جنازتي..

أصابع مقطوعة على المائدة..

دموع غزالة في صلاة عابرة..

بنادق الفهود في الأرياف..

جرار القمح في الكلمات الصيفية..

ملابس الأشباح في الخزانة..

نقود اللامعقول في جيب البوهيمي..

*

أكسر دمعتي بفأس..

أغسل براهيني بفضة المطر..

مثل سيارة اسعاف متوترة

أنادي نجمة لترويض هواجسي..

أعطي الجسر اسمي

ليفكك سيمياء المصادفة..

أنا مثل الله

داخل بيتي..

عاليا وعميقا ومكتظا بالأسرار..

لضفائر صوتي أبهة فارس حبشي..

لي شمس من الكريستال

تطلع من عمودي الفقري..

عرباتي مليئة بفواكه الأسلاف..

كل عابر يصب في مجراي..

كل فراشة طفلة هاربة من المدرسة..

كل زفرة رصاصة طائشة..

كل غراب مسدس حزين..

في كل بيت وليمة..

الشجرة وحدها تعي صفير مفاصلي..

كل ذئب مصباح شهواني..

هات مزمارك لأطارد اعصارا

يحفر كتفي بأسنانه..

لم تسقط تفاحة واحدة من عنق الحصان..

لم أدن بعد من شرفة يانيس ريتسوس..

لم أزل أقاتل حجر الآلهة..

قوسي ورماحي ..

وامرأة مترامية الأغصان..

هذه أسلحتي في الغربة..

***

فتحي مهذب

جابر السودانيبمناسبة جرح الامام علي

حشدٌ من الملائكةِ

يرمُّـمونَ برفقٍ

جراحَــكَ الغائرةْ.

ويغسلونَ بآنيةٍ

من الماسِ الصقيلْ.

جسدَكَ المسجى

على كفِّ هالةٍ

من الضوءِ تسافرُ

سراً لوجهِ السماءْ.

عريساً تحيطُكَ الحورُ

صبايا سافراتْ.

أرحْ جناحيكَ مليـَّاً

هذه سدرةُ اللهِ

وحرمةُ العرشِ

والروحُ فيها

والصفوةُ والمنتهى

وأذنْ بأهلِ السماءِ

أفيقوا

عرسُ الشهادةِ أولى

أفيقوا

عليٌ أميرُ المؤمنينَ هنا

وقبلوا موضعَ الخطوِ

مزاراً ولا تلمسوهْ.

عليٌ أجلُ حتى

من ملامسةِ أكفِّ

الملائكةِ الصالحين

***

جابر السوداني

 

زياد كامل السامرائيأكتبُ بلا سببٍ واضحٍ

مثل فكرة في رأس أخطبوط

تاه

بأي ذراع يقتفي

اثر فريسة عرفتْ حبال المصيدة ؟

أحاولُ أن أجدَ ورقة،

أضاعتْ يد الريح ترابها

فتزهق روح القلم  برصاص التوبة

تمشي بلا إيقاع

علّها  غير صالحة للانتقام !

السادرون في غيّهم

نثار حرب

موائد حب تتشكل على هيئة رماد.

كتبٌ ومواويل

أقرأ .. لأرسطو "فن الشعر"

كي يَمحو أثمي المؤبد

على رصيف النجاة الفصيح.

أو سيرة "هولاكو" وهو يهذب أوراقه بالسيوف

ويرصعها بالتوابيت .

*

أتكىءُ على ريحٍ و نذور.

أقتسمُ الضحكة مع طفلي المصاب بالتوحد

كل ليلة

حتى يتغير وجه الظمأ.

أيتها الصفحة

الساكنة في تلال العمر البعيدة

هناك ..

ستقرؤكِ خيول لا تتعب

ومراع جفّ عنها حليب الذكريات.

 ***

 الشاعر زياد كامل السامرائي

نادية المحمداويفي هذه المتاهة

مثلي تتشرد عصافير دياري

فيفيض حنيني

لنخلة في بيتنا المنكوب

لتنور أمي

أوّاه يا أمي

أشم رغيفك النائي كالقمر

وبراثن الغربة تزدريني

يا أمي

طيف رغيف وجهك ينتشلني 

مادامت عيناك الدامعتان تدعوان

"الله وياك" يا فلذة كبدي

ولا كف "أليدك بابي"

أين من يقتسم معي الصليب؟

***

نادية المحمداوي

 

صالح موسى الطائيلـَك َ في القلب ِ مِن الحُبِّ

وَمِن هـَيـَف ِ النخل ِ آلهة ٌ وسبايا...

وبقايا صليب

لك َغابات ٌ من خجل ِ الدموع

لك َ في الشفتينِ دعاء ُ صحارى

وعويلُ صعاليك

لك َ في العينين

جُمهورية ُ أحلام ٍ

وبُكاءُ زمان ٍ شريد

لك في الصبّار والصبر ِ

خيانة ُ ماء ٍ

ونباحُ كلاب

*

أيّها الراحلُ في تفجير الوردة ِ

وهي تتشظى عَرَبا ً

فوق صدر بغداد العروس

تـَنفـّسْ روحَك َ...

وامنحْ هذي القوافل صمتك

والتابوتَ الأخير...

كفاك بأن تقرضَ قلبك

بالشعروبالذكريات

*

تأبّط ْ هذا العمرَ الوهمَ يمينا ً

وتأبط في اليسار الشوق والضياع

واركض...وتقدّمْ...

أركض بالحقائب والدنيا

وبالجرح النازف بين ركام المدينة

حتى ارتطام النفس بوجه الله

أو بالجنون

لأن وقوفك بين المنازل والعواصف

والقنابل والأسئلة

ما هو إلا انتظارُ ديناصور ٍ  جديد

أو احتمالُ (دَبـَش ٍ) آخر ...

***

شعر  صالح الطائي

صحيفة المثقفحطّتْ كأنها تَزَحلَقَتْ من غيمة، تربّعتْ على سريري باسمةً، تراوغ بنظرةٍ ماكرة .

قلتُ مُستغرباً من المفاجأة : ما الذي جاء بكِ إلى هنا يا شمهودة؟!

" ويش درّاني !! موش إنتو قارين عِلِمْ وتعَرفون كِلْ شَيْ؟! حِنّه – نحن – ناس بدو، وإنتم حَضَرْ الله عاطيكم ...!! "

أجابتْ، تغالبُ ضحكة فيها قدرٌ من الخُبث والشَغَب .

منْ أينَ أتيتِ؟ ما نَصَبتُ خيمةً للحُلم، ولا أشعلتُ ناراً،

وما أرسلتُ موجةً تَغسِلُ شواطيءَ النسيان،

أتمادى في صمتِي كي أنحتَ صرخَةً ملساءَ ..

على أيَّة حال أهلاً بِكِ، شمهودة، تُبعثرينَ سكينةَ النسيان !

ما هَمَّ، تأتينَ في قطارٍ أو مَنام ..

أم على ظهرِ ريحٍ  تأنُّ من آلامِ الظهر !

بسسست !! خَفّضي صوتك..! فالأفكارُ مثل القِطَطِ تقفزُ من كرسيٍ إلى آخر ..

ماذا تفعلين؟ أينَ حَجراتكِ؟ ليس لديَّ فنجان قهوة !!

أعترفُ لكِ الآن . قد كذبتُ عليكِ حينها! كانَ لي عمٌ وله ثمانِ بنات ..

إبتسَمَتْ بغنجٍ معجونٍ بنشوةِ نصرٍ، وغَطَّتْ وجهَهَا بكفٍ تُداري ضحكةً كَتَمَتْها في الحال ..

***

شمهودة، هي، هي ... لا تزال حلوة بَضَّةً، نَسَتْ أن تَكبُرَ عمّا رأيتها ذاتَ ضحىً باهرٍ مطلعَ الستينات .

كنتُ في زيارة لقريب لي، يعمل تاجرَ جملة  للعطور الأجنبية في أحد الخانات بسوق الشورجة ...

كانت شمهودة تفترشُ الأرضَ أمامَ جامع مرجان عند مدخل الشورجة، جهة شارع الرشيد. ألقيتُ عليها نظرةً خاطفة

وتابعتُ طريقي . سمعتُها تُصفِرُ، ولمّا إستدرتُ ناحيتها، رأيتُها تؤشّر لي بيدِها، أَنْ تعالَ !

إقتربتُ منها .. كانت تتربَّعُ على الأرض بحشمةٍ وإمتلاءٍ حلو . لم تكن سمينةً ولا نحيفةً .. تَتَخوصَرُ بعباءتها .

أثوابها تظاهرةٌ من الألوان الفاقعة . تشدُّ رأسها بچرغَدٍ – عُصابة للرأس تستخدمها النساء -  تتدلّى منه على

جبهتها كراكيشَ ملونةً بالأحمر والأصفر والأخضر، عينان واسعتان تَشِعّان مُكراً، حوّطتهما، ليتها ما فعلتْ !،

بكُحلٍ غليظ يُذكّرُ بصور الساحرات في أفلام الأطفال، وفمٍ مُلطَّخٍ بطبقةٍ لمّاعة من الديرَمْ*، يتدلّى من شَفَتها السُفلى

خَطُّ وشمٍ مستقيمٍ أخضر، يتعامَدُ مع الحنْك .. ما أَنْ  تفتح فمها حتى يلصِفُ ناباها الذهب .

قالت إجلسْ، أريدُ أَنْ أقرأ لكَ طالعك، حتى الآن لم أَستَفْتحْ ! عسى أنْ يكون فألكَ فاتحة خير هذا اليوم ..

قلتُ كم تريدين؟ هزَّت بقفا يدها " ببلاش إلَكْ اليوم !"

قلتُ غير ممكن !

" هاتْ قْران جمهوري ! ما هو غَلِبْ - قَلِبْ بمعنى غير أصلي أي مغشوش وكانت تقصد القْران الملكي ** - حتى لا تگول

ببلاش، تَبي تغشني !!"

لمْ أكنْ أؤمن بقراءة الكفِّ أو الفنجان والبخت، لكن ما شدّني إليها، يومها كنتُ في عنفوان الفتوةِ والمراهقة ..غرائبية شكلها الذي يفوحُ غَنَجَاً وشهوةً .

قرفَصتُ أمامَها، وهي تحدِّقُ فيَّ بنظراتٍ فاحصةٍ، كأنها تُريدُ أنْ تَسبِرُ أَغواري، وترسم على وجهها ظلال بسمةٍ، فيما إمتدَّتْ يدها إلى خُرْجٍ بجانبها، أخرجَت منه قطعة قماشٍ رماديةً، أفرَدَتها أمامها بعنايةٍ .

سألتها عن إسمها . رَفَعَتْ حاجبيها وقالت بدهشة " شَمهودَة !؟" قُلتُ عاشت الأسامي، رغم أنني لم أسمع بهذا الأسم من قبل

ولا أعرف معناه !

ومن أينَ؟

قالت " منْ گوم الطِلْگانْ !"

- وأين تسكنون؟

" الحَمادَه - تريدُ بذلك الصحراء بلغة البدو- حِنَّه أصلنا من الحَسَه – منطقة الأحساء القريبة من صحراء الربع الخالي جنوب السعودية -، طول عمرنا نركض ورا النُوگ، بحَمَاد الله .. نچودر وين ما نَبي – بمعنى نقيمُ مضاربنا أو ننصبُ خيامنا أَنّى شئنا- ! الولايات – المُدن -، خلّيناها إلكُمْ الحَضَرْ..! وين ما تسيرون، جيفَتكم وياكُمْ ــ تقصد التواليت في بيوت المدن! ــ حِنّه نطلِگها

برمل الخلا، ما نخمّر جيفتنه مِثلْكُمْ !!"

قالتْ ذلك بشيء من الفَخَار والإعتداد بالنفس .

***

تناولَتْ من الخُرج قبضتين من الأحجار وأصداف المحّار، نثَرتْها فوق قطعة القماش وراحت تُمسِّدُها براحتيها ..

أَغمضتْ عينيها وبدأَتْ تُبَربِرُ هَامسةً بأشياءٍ غير مفهومة،

كنتُ أُتابعُ حركاتها بدهشةِ طفلٍ، تقرصُهُ لهفةٌ لمفاجأةٍ تحملُ إليه فَرَحاً تمَنَّعَ لوقتٍ طويل ...

بحنان مرَّت بيديها فوق الحجَرات والصَدَف، مرّتين أو ثلاثاً . فجأةً جَحَظَتْ عيناها،" ما يَبْغَنْ، الحينْ، خِيرٍ لَكْ، هاتْ فنجان

گهَوَه مِنْ ذاك الزِلْمَه " وأشارت بيدها إلى رجلٍ يقفُ في الطرف الآخر يحملُ دلّةً يبيع القهوة، فيما إنشغلَت هي تُلَملِمُ حاجياتها .

إشتريتُ فنجان قهوة، مُحلّىً، لأنني لا أستسيغُ القهوةَ المُرّة. شربتُ الفنجانَ على عجلٍ وعدتُ إليها. قَلَبَتْ الفنجانَ على راحة يدها ..

بعدَ فترةٍ قصيرة حَرَّكت الفنجان ورفَعَتْ طارفه.. قَرَّبَته من وجهها ونَظرت .. ثمَ قالتْ، معاتبةً تلومني لأنني  وضعتُ شيئاً من السكّر في القهوة، لأنه يُعرقِلُ ظهور الأرواح التي تحملُ الطالع، كما تقول !!

بعد ذلك قَلَبَت الفنجانَ وراحت تُدَوِّره بين أصابعها تتأمله صامتةً، ثم تنظر إليَّ .. وأنا أنظرُ إليها مُحاولاً إستنطاقَ صمتها .

عادت تتأمَّلُ في الفنجان، وتُحدِّقُ فِيَّ :

" يا وَلَدْ ! عندك بنت عمْ، عينها عليك، وعينكْ على غيرها !"

ضحِكتُ مخابثاً ومعاكِساً، قلت لها " ما عندي عم أصلاً، حتى تكون له أبنة عينها عليَّ "!

غضبت شمهودة، وقالت بحدّة " يا ولدْ، عيب تكذب !!" رَمَتْ الفنجان ناحيتي مع القْران ..

إنتهت " الجلسة " ! كانت تفورُ غيظاً منّي، وأنا أُكركِرُ هازئاً من الأمر كله ....!!

رنَّ المُنبّهُ يعلن موعدَ تناول حبَّةَ المُضاد الحيوي ... تبخّرَت شمهودة، فيما كانَ الفجرُ ينولد على مهلٍ فيغدو الظلام هشَّاً ..            والضبابُ المُعلَّقُ في الهواء واطيءٌ وثقيلٌ، كالهَمِّ المُكَدَّسِ ..!

***

يحيى علوان

...........................

* الديرم نوع من الماكياج الشعبي، قوامه القشور اليابسة، التي تُغلٍّف ثمرة الجوز، تستخدمه النسوة لطلاء الشفاه بعد ترطيبه بالماء .

** في العهد الملكي كانت العملة العراقية المعدنية تبدأ بفلسٍ واحد، فلسان، عانه (أربعة فلوس)، عشرة فلوس، قران (عشرون فلسا أي خمسُ عانات)، يلي ذلك درهم (خمسون فلساً) فمئة فلسٍ، ثم يأتي بعدها الريال (مئتا فلسٍ أي أربعة دراهم ). بعد ثورة 14 تموز 1958، صدر قرارٌ بزيادة العانه فلساً واحداً لتصبح خمسة

فلوس، وألغي الريال فحلَّ محله ربع دينار ورقي .. سرت في الشارعِ آنذاك مقولةٌ متهكمة وساخرة من قبل القوى المعادية للثورة، "عاش الزعيم اللزوَّد العانه فِلِس !!"

 

صادق السامرائيطاقة القدوم

كأنّها الغيوم

ستُرعِد السحابَ

وتصنع الغديرَ

وغيرها يدوم!!

32

أغاضَ الصبُّ أحلامَهُ

وتلمّسَ أصابعَ المصير

فأرادَ أن يطير!!

33

البدنُ المنهوك

تصرعه الشكوك

فيسألَ التراب

ما منتهى الغياب؟!!

34

أباريقُ فحوى

تسكب نورا

على أمواج الفناء

ونبضاتِ النجوى!!

35

مَن يدرك الضياء

سيعرف العناء

ويبتغي الرجاء

من وجع الصخور!!

36

أجفاننا غَمضى

عيوننا عمياء

أبصارنا تاهت

فانفضحَ الجلاء!!

37

الجهلُ أمامكم

النارُ ورائكم

الخوفُ داركم

والغيبُ أبادكم!!

38

على أعتاب المُنى

العزمُ هلْ بنى

مَعالِمَ البعيد

فاسْتعرَ الحديد!!

39

الأشجارُ تطعمنا

تُظلنا وتَضِلُنا

تمنحنا

لحافَ الأبد الوثير!!

40

العقلُ عامل

والكونُ فاعل

وعقلنا عاطل

فجدّنا باقل!!

41

يا بلبل الألحان

الفاكر الفتان

هل جفت الأغصان

واشتاقت النيران؟!!

42

يا أمة العلاء

تبعثر الرجاء

وفاضت الدماء

وسادت الرمضاء

فعمّنا الخواء

بعصرنا المعطاء!!

43

البحر لا يعود

لزمنٍ ولود

بعهدة الوجود

النار كالأخدود!!

44

تواري وتباري

فحالما تدور

يستيقظ المحذور

وتنبت الجذور!!

45

 تسكن أحضاني إمرأة

حُبلى بالوعود

ترنّم أشعارا

وتلحّنُ الرعود!!

***

د. صادق السامرائي

عبد الجبار الحمديما أن إلتفت حتى تيبست قسمات وجهه عن الحركة.. لم يشعر بمن حوله إلتصقت علامات إستغراب على كل من راودته نفسه بالإستمناء في خلوة بعيدا عن عيون ترقبه دون أن يشعر بها... يا إلهي!!! هل يمكن ان يكون هو؟ أم أني اتوهم صورته!؟ كيف يكون وقد ألبسته الموت كفنا أبديا!!؟

سار مع نفسه حتي دلف الى البعيد عمن يصحبه مرحبين بالشخص القادم فهذا العرض الأول لمسرحية أقامتها ثلة من الطلبة في الجامعة كان هو صاحب الدور الرئيس فيها لقد كتب فصلها مع صديق له بعنوان مهرج الموت، تسارعت أوجاع ومعانات أيام مضغها كبده وزفرها قلبه صراخ عاجز فقد النطق وخنق عن التنفس... يا ربي إنه هو!! تلك هي يده التي قطعت له أصبعين منها لا يمكن ان اكون متوهما.. تلك اليد التي كسرت عنفوان رجولتي عندما دوهم بيتنا وسيق والدي جررت معه الى حيث المجهول.. رأيت والدي وهو يتوسل يقبل أحذية قذرة مثل وجوه ولحى من يرتديها كي يخلصني فلا ذنب لي بما حصل.. لكني لم أفهم ما الذي يحدث؟ كنت السوط الذي استخدموه كي ينزعوا جلد والدي عن جسده بل كنت الطلقة التي بسببها توقف قلب والدي عن الحياة ما ان شاهدهم يتناوبون على إغتصابي، كنت لا حول لي ولا قوة، لم ابلغ الحادية عشر بعد... كان هذا الخنزير أحدهم، منظر الدماء التي اختلطت مع دماء والدي وهو يزفرها من فمه محاولا ابعادهم عني جعلتني اقرم أصابع هذا الحيوان.. كيف له أن يعيش وقد قتلته؟ لقد أطلقت النار عليه في مرة بعد ان خرجت بسنين... ذلك بعد ان صدر العفو عن جميع المساجين وكنت أحدهم رغم أني لم ابلغ الرجولة بعد... لم أقص على أحد ماذا جرى لي او ما تعرضت له من أعتداء جنسي؟ فذلك لا يجلب لي ولا لعائلتي سوى الخراب... سنين اعد ثوانيها كمن يمسك بجمرة من جهنم... شاءت الاقدار ان أنهي دراسي بعد ان تخلصت من الحيوان بقتله.. هكذا ظننت حتى اللحظة.. لكن يبدو ان للخنازير اعمار تفوق أعمار البشر والعدالة.. فطالما تسوقت العدالة بضاعتها من المومسات والقوادين حيث تميل بميزانها وتكيل الباطل بمكاييل من الرذيلة والحق مكاييله بقايا اوراق شرف محترقة.. 

هاني ما الذي جرى لك؟ لقد جاء احد المسئولين لحضور العرض المسرحي... هيا جهز نفسك، لقد أكتمل تقريبا عدد من لبوا الدعوات الى الحضور...

حسنا.. حسنا رامي سأكون جاهزا..

رامي: لكن ما الذي جرى؟ اراك بسحنة غير التي كنت، انت تتعرق واشعر أنك تغليّ يا إلهي إنك ساخن جدا ارجوك لا تمرض الآن فهذه فرصتنا معا كما تعلم.. أصمد وابتلع وجعك حتى ننتهي إنها ساعة من زمن ارجوك هاني..

هاني: قلت لك حسنا.. لا عليك مجرد هيبة من المسرح والجمهور سأكون على ما يرام هيا لنتخذ والاخوة أدوارنا لكني سأضيف في الحوار وعليك أن تجاريني يا رامي وإلا لن اقوم بالعرض.. لا تخف سيكون ضمن السياق العام للنص... أسمعت؟

رامي: حسنا.. حسنا ليكن هاني.. ليكن فقد أعطني الإشارة وسأهم أنا بالباقي

بدء العرض الجميع ينصت الى الحوار.. بعد ان دخل المهرج على من تربع على العرش وحوله حاشية تبيع وتشتري بحلاوة المدح هز رأس الوالي مبهورا بما يطلقوه عليه من أوصاف... في تلك اللحظة تداخل المهرج بدورة فقال:

منافقون تبصرون الحقيقة وتخافون مولاي.. إنهم لكاذبون يبيعونك معسول الكلام كي تعطيهم ما يأملون.. ثم قفز في الهواء وهي يقول:

إني أنا البهلوان يا مولاي لا يمكن ان تغيرني بهم فأكثرهم بهلوانات الزمن الجديد كل ما تغير هو الثياب وقتل ضمير، فلا يغرنك قولهم بأنك الأعلى والامثل والحاكم العادل الذي لا يجار ويجير... يا مولاي فما انت وانا إلا نتاج عالم شره مستطير.. حتى جهورنا به من به فهناك الخائن وهناك القاتل وهناك البريء وهناك من عاش على جثث الموتي فلا يعجبك حديث المادحين، فنحن يا مولاي عبيد الدنانير، إني قد خبرت في ذات يوم في أحد مواخير السلطة.. عذرا ليس سلطتكم يا مولاي إنما سلطة كان زبانيتها يلحسون مؤخرة من يطعمهم برازه ويعمدون الى لعق اصابعهم بعد ذلك بغية نيل رضاه .. وفي ذات ليلة دخلت جوقة من الجبناء على دار جار لي سرق من بين أهل البيت الاب وإبنه.. ساعات كانوا فريسة حيونتهم، ساعات نزع الله إنسانيتهم حولهم الى قردة وخنازير شرعوا بقتل وإغتصاب الأب وأبنه هتكوا قانون الله الذي حرم... اشتروا الزنا والكفر بطاقة دخول الى عالمهم الحديث... يمهرون بأصابعهم شهادات وفاة من دماء الابرياء.. يا مولاي إنا نعيش في عالم الغاب والنفاق، عالم بع حياة غيرك حتى تشتري حياتك..

رد عليه الوالي.. مابك يا مهرج الشؤم اراك تعيب بي وبالسلطة وهي التي أوتك وسيست حياتك وحياة هذا الشعب...

المهرج: لا أقصد يا مولاي التجريح غير أن وجودك مجرد إنعكاس لهيبة دولة او وطن، والوطن منخور وقد بيع واغتصب من قِبل من نصبوك حاكما.. اما حاشيتك فجميعهم من مخلفات العهر والمطبلين السابقين ولائهم ليس لك ولا للوطن بل لمن مكنهم أن ينالوا من مناصبهم أليس كذلك يا هذا؟؟  مشيرا بيده الى ذلك المسئول الذي كان يغير من جلسته كل لحظة متسائلا أين الضحك والتهريج في هذا العرض!؟؟ إن ما يقوله هو شكوى حال وضرب للسلطة إن النقد لاذع.. أخرج منديله ليمسح العرق فأنتهز المهرج ذلك فقال:

لنسأل صاحب السلطة هذا وقد أشار إليه ثم دار بأصبعه الى احد رجالات الحاشية.. هلا اأخبرتني ما سبب قطع اصابع يدك؟؟

استغرب رامي وهو من الحاشية بعد أن أشار له سؤاله!! فاستطرد.. إنها كانت بسبب حادثة كنت اساعد أحد الفقراء في معضلة له مع آلة حرث لكنها أكلت أصابعي.. الاهم أنا قدمنا المساعدة

المهرج أي مساعدة؟ سأطلعك على سبب قطعها وهو ينظر الى المسئول المتصدر في اول صف.. كان قد خبيء يده وضمها تحت الأخرى..

تلك كانت بسبب خنزير بعنوان رجل رايته يهتك عرض طفل لا يتجاوز الحادية عشرر من عمره في سجن بعد ان أقتيد و والده بتهمة ملفقة.. أغتصب و والده عدة مرات كي يجبروه على الاعتراف بفعلة خنازيز مثلهم.. ما كان من الطفل بعد أن رأى والده يُعدم على أيديهم إلا ان يقرم ويقطع أصابع ذاك الحيوان البشري إنتقاما لنفسه و لوالده.. كانت اعوام السجن التي قضاها عاهرة زانية بعيدة عن يد الله ان ينال منهم... لكن الطفل ما ان خرج بعدها بسنين عجاف خطط وقام بإغتيال من هتك بكارته.. لكن يبدو ان الموت عزف عن أخذ روحه لنتانتها وقذارتها كونه من الخنازير.. فتركه يلوط بعالم لوط الذي غادره النبي منتظرا ان يخسف الله بهم تلك القرية الفاسدة ومن فيها... أليس كذلك يا أنت مشيرا الى المسئول وقد بدأ الغضب عليه فقام مكفهرا صارخا عليك اللعنة أيها المهرج إنه أنت... أنت من اطلقت النار علي سأنتقم منك الآن يا كلب..

كلب...!! إن الكلب أوفى أن تقول أسمه على لسانك القذرأيها الحقير.. هجم الجميع على المهرج من الحاشية ورامي يصيح اخرس يا هاني أنه مسئول في الدولة... لكنه دفع بهم وهو يصرخ..

إني أنا ذلك الطفل وانا من قتل هذا المتحيون والده واغتصبه واغتصبني.. ستموت الأن أيها الحقير بسرعة هجم على المسئول وقد غزر نصلا كان يخبأه كي يراه يموت بين يديه ويسلمه لعزرائيل يدا بيد رغم نتانته.

***

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي    

 

جميل حسين الساعديشــرُّ المصائــبِ ممّــا ليسَ يُحْتمـَـلُ

                                 مــنْ يستلــذُّ بقربــي وهْوَ مُنْفصــــــلُ  

  عنّـي ويأكلُ مِنْ صحْني ويغــدرُ بي                                

                                 ولا يلامسُ يومــــــا ً  وجهـــهُ الخجلُ

  مَنْ يستعيـــنُ علـى صمْتٍ بثرثـــرةٍ 

                                 ويدّعـــي الصدْقَ حيثُ القولُ مُفْتَعَـــلُ

  غِـرٌّ تقمّصَ ثوبــا ً لا يُناسبـــــــــــهُ 

                                 كمــــا توهّمَ وادٍ أنّــهُ جبــــــــــــــــــلُ 

  فأرٌ إذا كــــانَ فـي صحوٍ بلا سبـبٍ

                                 وحيــــــــنَ يسكــرُ فهْوَ الفارسُ البطَلُ

  وحــالةٍ لا يواسينــي بها أحـــــــــدٌ

                                 ألأصــــدقاءُ همُ كُثْــــــرٌ ولا رجـــــلُ  

  مــا كنتُ أحسبُ أنَّ المالَ آلهــــــةٌ

                                  خرّتْ سجـودا ً لهــا الأحزابُ والمللُ

  قدْ أفســَدَتْ كــلَّ ذوقٍ خالصٍ شللٌ 

                                 تبارزتْ بينها فاستفحــلَ الجَــــــــــدلُ

  مهما بدتْ في اختلافٍ فهي واحدةٌ  

                                 فالكلُّ بالكلِّ موصــولٌ ومُتّصــــــــــلُ 

                                  ***

   قومي هــمُ شرّدونــي دونما سبب ٍ                                                     

                               حكّمــتُ عقلـي وخصْمُ القومِ مَــنْ عَقَلوا

   لذا سلكتُ طريقــا ً غير َ مـا سلكوا

                               ففرّقـــــــتْ منْ زمـــــــان ٍ بيننا السُبُــلُ

   أحسُّ أنّـــي غريبٌ بينهــمْ أبـــــــدا ً

                               كأنّنــــي لستُ منهم ، موطنــــــي زُحَلُ

   ما عُدْتُ أفخــــــرُ أنّي من سلالتهـمْ

                               وبانتســـــابي إليهم إنّنـــــــــي خَجِـــــلُ

   مثلُ (ألأميبـا) همُ  لا شكل يحصرهـم

                               ولا يُمـــازُ لهمْ جـــــدٌّ ولا هـــــــــــزَلُ(1)

   قدْ أرخصونـــي وباعوني بلا ثمـــنٍ

                               مِنْ قبلُ يوسف باعوهُ ومـــــــا خَجلـــوا

 تبّا ً لهــــــا أمّة ً في الجهْل ِ غارقـــة ً  

                               وتّدعـــــــي أنَّ منهــا جاءتِ الرُسُـــــلُ

 ما حرّم َ اللهُ والوجـــــدانُ تفعلـــــــهُ  

                               عمْدا ً ولله ِ فـــــي الأسحـــارِ تبتهــــــلُ

 تبّــا ً لها عصبيــاتٍ  مُضلّلـــــــــــة ً

                               شكــــــــا وولول َ منها السهْلُ والجبـــلُ

 تبنـــي الشعوبُ لكي تحيا مُرفّهـــــة ً

                               ونحـــــــــنُ نهدمُ مــا يُبنى ونقتتــــــــلُ

 هذي العروبـــــــة ُ أشلاءٌ مُمزّقـــة ٌ

                               قبائــــــــلٌ بدمــــــاءِ الأهـلِ تغتســــــلُ

 طوائفٌ تدّعــي الإسلامَ هاتفـــــــة ً

                               (اللهُ أكبرُ) لكنْ ربّهمْ هُبَــــــــــــــــــلُ(2)

 ماذا سأكتبُ عنـها ضاقَ بي قلمـي 

                               ذرْ عا ً ومِنْ حولـــيَ النيــرانُ تشتعـــلُ

  القتلُ والنهْب والتكفيــــرُ منهجها 

                               بهـــا وليسَ بوحش ٍ يضربُ المثـــــــلُ

 كم من مدينةِ عشق ٍ دُمّرتْ فبــدتْ

                               كأنّهـــــــا خِرْبــــــــــة ٌ أو أنّهـــا طلــلُ

 دوّامــــــة ٌ هيَ مـــا إن تنتهي علل ٌ

                               إلا استجدّتْ سراعــــــــا ً بعدهـــا عِـللُ

 لذا سأوجزُ قولي بل سأختمــــــــــهُ

                               إنَّ العبارات ِ تؤذي حيـــن َ تكتمــــــــلُ

  

    جميل حسين الســــــاعدي

....................

* هذه القصيدة تتحدث عما آلت إليه الأوضاع في عموم بلاد العرب بسبب الصراعات القبلية والطائفية. إنها حرب داحس والغبراء في زمن غزو الفضــاء

 (1) الأميبا: حيوان يتكون من خليّة واحدة، يغيّر شكله باستمرار

 (2) هبل: صنم كان يعبده العرب القدماء قبل الإسلام   

 

.

 

حسين يوسف الزويدهذه الكلمات عندما كنت في الصف الرابع الإعدادي وهي أول محاولة لي إذا جاز القول.

 

بــاللهِ أيتـها الحبيبــةُ أشـفقي

                                 وترحَّمي في خاطري وترفَّقي

ولتعلمــي أنــي بحبــكِ مجبــرٌ

                                    أنا لسـتُ فيكِ مُخَيَّـراً بِتَعَلُّقي

و اللهِ لــو أنّ العبــادةَ لــم تكــنْ

                                للبــارئِ العالـي الكريمِ المغـدقِ

لأطلْتُ في تسبيحِ اسمِكِ خاشعاً

                                    وأقمْتُ فيكِ صلاةَ عبدٍ متقي

مالي على حَمْلِ الهوى في خاطري

                                   صبرٌ وقد زادَ الجمالُ تَشَوُّقي

و تَّأكـدي أنَّ الــهــوى يـا مهجتــي

                                  كالسيلِ يجتاحُ السدودَ ويرتقي

وَلكمْ وَدَدْتُ لــو الذيــنَ بوصــلِكُمْ 

                                يحظَوْنَ أن يَصفوا إليكِ تَحرُّقي

كـي ترحمي هذا الفؤادَ وتُكرمــي

                                قلبي المعذَّبَ في هواكِ وتُشفقي

***

د. حسين يوسف الزويد