بن يونس ماجنوداعا ايها الشعر

يا صديقي البوهيمي

فلطالما تسكعت

وحملت أثقالهم

يا سيزيفي البطل

لقد خدعوك بتفاهاتهم

وخانوا الامانة المنوطة بهم

هل تعلم أن البحر لا يهدر

الا اذا غدرت به الامواج

ولا يغضب الا اذا خانته

الحيتان مع حورياته

والافاعي لا تعض

الا اذا وخزت جحورها

واذا عطش السراب

فانه يتودد الى رذاذ المطر

واذا لهب العشق الوردة

فانها تلجأ الى الفراشة

رغم حماقاتها مع نور الشمعة

*

يا صاحبي لقد رأيت النور

في الدهاليز المظلمة

وترعرعت بين الاشواك الدامية

قاومت كل الحداثات

لقد اغتالوك على منابرهم

وخنقوك بامسياتهم

دخلو اجواءك

دون استئذان

فوضعوا أقدامهم

على حقل من الالغام

ووضعوا الشوك المدمي في بحورك

وفي دواوينهم

قطعوك اربا اربا

*

وداعا أيها الغجري

الحائر بين ملائكة النعيم

وشياطين الجحيم

هل تعلم انهم يرقصون

على مزامير الملحدين

ويشيعون جثمانك

في محافل المخمورين

ورغم ذلك كله

فمن غرف من بحورك فهو ثمل

ومن دخل ابياتك فهو أمن

فلا تضجر من المجانين

لقد كذبوا ولو صدقوا

ودع الالهام وحده  سينصفك

**

بن يونس ماجن

اديب من المغرب مقيم في لندن

 

محمد ابوبطهجاءت حزينة علي خديها آثار الدموع ونظرت في انكسار قائلة:

- اشعر بالذنب تجاه أحد الأصدقاء

قال: هل يمكنك التوضيح أكثر؟

جلست وهي تنظر إلي الأرض ثم رفعت رأسها ببطء شديد وقالت بصوت خافت:

- سأحكي لك كل شيء

اومأ لها برأسه كي تزيح عن كاهلها هذا الهم الثقيل وبدأت تروي قصتها:

- أنا مثل آلاف النساء علي الشبكة العنكبوتية يثير هؤلاء الأشخاص الذين يتسمون بالوسامة والثقافة شهيتنا في التعرف عليهم والإيقاع بهم في شباكنا ! وكلما زاد عدد من نوقعهم نزداد فرحا وطربا!

تعجب من بدايتها وهز رأسه فقد اتفقت معه ألا يقاطعها حتي تروي القصة كاملة وله حق إصدار حكمه عليها كما يشاء في النهاية!

واصلت سردها قائلة:

- فأرسلت إلي أحد هؤلاء طلب صداقة فقبلني كما تعودت من الآخرين، كنت اضع منشورات عاطفية جدا ومعها صور أكثر رومانسية! كان يسجل إعجابه بحروف راقية أثارت فضولي أكثر! فقررت أن أبدأ خطة الإيقاع به! فنشرت منشوراً حزينا فحدث ما توقعته واتصل بي علي الخاص وقد بدأ كلامه بالاعتذار عن اتصاله علي الخاص ولكنه يريد الاطمئنان علي حالتي! شكرته علي مشاعره الانسانية العالية وأخبرته أن الأمر مجرد منشور وأنني سعيدة وأضحك! شعرت بخجله وشكرته ثانية فودعني بأسلوب راق.

واصل تعليقاته علي منشوراتي ولكنه لم يتصل بي علي الخاص ثانية فاتصلت به أنا! وكانت المرة الأولي التي ابدأ في الاتصال بصديق علي الخاص!

رد بأناقة وأدب وبدأ حوارنا وسألته عن مهنته وعمره وحالته الاجتماعية اجابني علي جميع الأسئلة وعندما سألني عن عمري كذبت عليه وأخبرته عن عدد سنوات أقل من عمري الحقيقي !فسألني عن حالتي الاجتماعية فكذبت عليه للمرة الثانية وأخبرته أنني فتاة ولست متزوجة!

لم يندفع في كلامه ولكني كنت بدأت خطتي في الإيقاع به! فلم تمر أسابيع قليلة حتي أخبرني أنه معجب بي وبشخصيتي وثقافتي فبادلته الكلمات وطلبت منه أن اسمع صوته فأرسل لي رسالة مسجلة فأسرني صوته! صوته يحمل الكثير من الانسانية والشاعرية والجمال، فقلت ربما يمثل في التسجيل فطلبت منه تسجيلا آخر بدعوي أن الأول لم يكن واضحاً!

سجل لي مرة وثلاثة حتي وجدتني أسيرة صوته فطلبت منه أن يطلبني مباشرة ويتحدث معي فتحدثنا طويلاً وانا استمتع بصوته !

ازداد إعجابي به فبدأت تعليقاتنا المتبادلة علي منشوراتنا تثير فضول الأصدقاء والصديقات! حتي اتصلت بي صديقة وسألتني هل بينك وبين صديقك هذا شيء؟ نفيت أي شيء وقلت مجرد صداقة! ولكنها لم تقتنع ولم استطع أن أخبرها عن شيء ليس له وجود!

بادرني أنه أحبني فلم استطع الرد عليه وهربت منه مرة ومرات حتي أخبرني أنه سينسي أي شيء وسأظل له صديقة غالية وانقطع عني فجننت ! لم أكن أحبه هذا الحب الذي يقصده ولكني كنت لا اتحمل بعاده!

وفي يوم قلت له أن لي ظروف خاصة و أنني أخفي عنه أشياء !

وكأنه كان يقرأ أفكاري فأخبرني أنه واثق أنني متزوجة وأنني أكبر من عمري الذي أخبرته به! ثم فاجأني أنه يعلم أنني لا أحبه ولكني معجبة به وبأسلوبه وكلماته ومعجبة أكثر بصوته! وأنه انتزع مني كلمة الحب تحت ضغطه وإلحاحه أن يسمعها مني ! ثم سألني عن إجابتي الواضحة فلم أرد عليه ففهم هو بذكائه بصحة استنتاجاته فقرر الرحيل!

نعم رحل في صمت ولم يقل أي شيء وهو الوحيد الذي رآني ورأي صوري ولكنه لم ينطق بحرف !

انقطعت تعليقاته علي منشوراتي فشعرت أن صفحتي لم تعد تتلألأ ! كان اذا علق علي أحد منشوراتي يشعر اصدقائي بالغيرة منه فتزيد تعليقاتهم حرارة وكأنهم في سباق معه ولم يكن يهتم بهم فقد كانت ثقته بنفسه تعجبني!

توقفت لحظة ثم قالت:

- شعرت بالحنين إليه فاتصلت به وما أن سمعت صوته حتي شعرت بقلبي يدق ولكني أخبرته أنه مشغول بحبيبة وذكرت لها اسمها!

ضحك واقسم أنه لا يعرف أي صديقة بهذا الاسم واكتشفت أنه لا يعرف حتي أسماء صديقاته! قلت له إنني احبه ! شكرني علي المجاملة وأخبرني أنه لا يكرهني وأنني صديقته المفضلة !

شعرت أنني أصبته في صميم مشاعره وأخبرني انه سيسجل لي صوته لأسمعه!

وفي بوعده وكلما اتصلت به ترك لي رسالة مسجلة لأستمتع بصوته!

ابتسم وهو يسألها:

- هل وقعت في حبه أخيراً؟

سارعت بالنفي ولكنها قالت :

- اريده أن يبقي معي وحدي ولا يعرف أي إمرأة اخري!

ابتسم وهو يقول:

- إنك تطلبين المستحيل! فهذا الشخص لا يمكن أن يقبل بذلك ! فإما الملك بدون منازع أو يغادر مملكتك رافعاً رأسه في شموخ.

***

(قصة قصيرة)

بقلم:محمد أبو بطه

 

نور الدين صمودإلى: روح الشاعر:

 غازي القصيبي (*)

خَلـَّى دُنا الشعر ِ في السبعينَ، وارتحلا َ

              وكان بالشعر طول العمْرِ محتـفِـلا َ

في عالـَم الشعر قَضَّى العمْرَ منـتشيًا

              مثلَ الفَراش على الأزهار منتـقِـلا َ

 وكان دنيا منَ الأشعار ما فـتِـئـتْ    

                في قلبِ كلِّ حـزين تبعـثُ الأملا َ

تـَـراه مـبـتـكِرا حـينا، وآونـة ً

                   تراه مـحـتـذيًا أشـعـارنا الأوَلا َ

 وظـَلَّ يَـسبح في البحرين دونَ وَنـًى

              كالسّـندباد طـوالَ العـمْـرِ مرتحـلا َ

 يخوض أبحُرَ شعْـرٍ والنجوم بها

          كلؤلؤ البحْــرِ في الأصداف مشتعــلا َ        

ومَنْ يكنْ شعرُهُ كالدرِّ في نسَـق ٍ

            جـازتْ قصائـدُهُ الأقطـارَ والـــدوَلا َ

 سَـلِ "الجزيرةَ َ" عنه فهْـو شاعرُها

              يُطارد الحـزنَ، والآلامَ، والوَجَـلا َ

 وتـعـتـلي باسْمِـهِ آدابُ أمـتـنا

               ولـم نـَجـِدْ للـذي قـــد قـالـــه بـدَلا َ

 ولـم تـَـزِنـْـهُ وزاراتٌ وأوسِـمَـة ٌ

                بل زانها بالذي أنـشا وما عـمِـلا َ

* * *

في "تونسَ الأنسِ" ظلَّ الشعرُ يَجمعنا   

            إلى الصباح وظل القلب مُنْـشغلا َ ...

بِــصَــيْد قافيةٍ مثل الغزالة ِإنْ

              فَــرَّتْ أمامَ غــزالٍ يتــُـقِــنُ الغزلا َ

فـَكِـدْتُ أغـْرَقُ في شعرٍ له مُقَـــلٌ

           مثـلَ الأزاهـرِ إذ تستأْسِــرُ المُـقَــــلا َ

وراحَ يُـسْمِعُني شعـرًا وأُسْمِـعُـهُ

               وكان قلبي بأحلَى الشعر محتـفِـلا َ 

واهتـزَّ مَجلسُـنا مِن روعةٍ تَــركتْ

              في كل قلـْبٍ رنينـًا يَـبْعثُ الجَـــذَلا َ

 وظـلّ سمْـعِيَ منه ساهرًا طـَربًا

                وراح منـه فـؤادي ساهِـمًا ثـَـمِلا َ

ولم تـزل منـه تأتـيـني روائعُـهُ     

             مثلَ العرائِسِ جاءت تكتسي حُــللا َ

وبعـد عمْـرٍ طويـل كان يرسل لي

        فـيه "دواويـنـَـهُ" ممــلـوءة ً غــــزلا َ...

في حب كلِّ جمال في الوُجودِ بدا

            كروض وردٍ  بماء المُـزْنـَة اغتسلا َ

(طـوَى الجزيرة حتى جاءني خـبرٌ)

              قد رَجَّـني حينَ قـالوا: إنه ارتـحلا َ

وَمُذْ نآى عن رياض الشعر رُحْتُ على

            دنيا القريض أُديمُ الحُـزْنَ والوَجَــلا َ

وليس لي من عزاء في الفراق سـوَى   

              شعرٍ ٍبَدَا لي بدنيا الخـُلـْدِ مُــتـَّصِلا َ

لَدَيَّ منها نصوصُ كدت أجعلها

           فصوصَ خاتم ِ مًنْ بالشعر قد شــُغِلا َ

بخطه كُــتِـبَـتْ فافتــرَّ مَـبْـسمُها

          لكنها، في الهوى، لم تتركِ الخــجــلا َ   

وهو الذي، بالذي قد صاغ من دُرَرٍ،

            أثـْـرَى دُنا الشعر بالأشعارِ وارتحلا َ

كمُخـْـرجِ اللؤلؤ اللماع من صَــدَفٍ       

            قد كان بالشعر طولَ العمْرِ محتـفِـلا َ

 ولام كالمتنبي ســيـفَ دولتـِهِ

               ولم يكُـن في الذي قد قالهُ وَجـِــلا َ

فلـْيَـسْـعَــدِ اليوم في دار الخلود فقد

         خَلـَّى دُنا الناس، في السبعينَ، وارتحلاَ

وكان دنيا منَ الأشعار ما فـتِـئـتْ    

                   في قلبِ كلٍّ تـراهُ يبعـثُ الأملاَ

  ***

تونس/   د. ص : نورالدين صمود

 .........................

تنويه:

*) الشاعر الصديق غازي عبد الرحمن القصيبي، عرفته أولا من بعيد ثم جمعتني به سهرة أدبية في تونس قرأنا فيها الشعر إلى ساعة متأخرة من الليل مع نخبة من المثقفين، ولم ينفك بعد ذلك يهديني دواوينه منجّمة ومجموعة، وقد استعان بي في اختيار "أشعار المغرب العربي الكبير" ليترجمه مع نماذج "لشعراء من المشرق العربي" إلى الإنكليزية، وقد قامت بصياغة تلك الأشعار صياغة شعرية الشاعرة الأسترالية "آن فربرن" "ANNE FAIRBAIRN " إلى الإنكليزية وقد نشر سنة 1989 في أستراليا بعنوان "الريش والأفق" "  Feathers and the horizon".

 

صحيفة المثقفتلتف البوابة حول نفسها كالحلزون

يدخل كرشٌ

وعند الباب

تقف لحمايته بندقيتان محشوتان..

معدتان للأطلاق..

تعتليهما جمجمتان فارغتان..

لا أحد يحتج على الإطلاق..

الكرش يخرج مثقلاً

وبحقيبته خمسة مليارات

كي يتبضع عبر الحدود

لا قيود ولا جنود

يطير الكرش ويعقد صفقات

منها بمستندات

ومنها بحقائب محمولة

تتسرب إلى جهة مجهولة

يعود الكرش

بعد إنجاز مهمته

وتعود بضاعته

ولكن أين هو باقي التحويل؟

الكرش، يعلن لا يدري

وهو يدري، موكول بتحويل الباقي

لجهات مجهولة

لكنها معلومة

هذا كرش واحد، دخل بابًا حلزونيًا

وخرج، ثم طار وعاد

فكم كرش ذهب ومكث وحول وعاد ؟

يا أأأأللــــــــــــه ..!!

***

د. جودت صالح

6/01/2019

 

فتحي مهذبلأن ليلي يد مقطوعة في فم ثعلب نافق..

لأن أصابعي مغرورقة بالدموع..

تحاور (جدولا يعاني من الجنون)..

لأن دمي يتدفق في شرايين

الكلمات..

والريح مثل قلب يدق أمام مومياء

تسحب باخرة بأسنانها الصدئة..

لأن في مرآتي الحائطية

ضجيج أسرى من العصر الوسيط..

زعيق طاووس ..

يدعو مخيلتي الى جناز كوني..

قرقعة عربة تحمل كهنة

مدججين ببنادق صيد..

صخب موسيقيين

هاربين من زلزال يتظاهر

أمام دار الأوبرا..

لأن العالم فخ أبدي

والبشر عصافير طائشة..

لأن الليل والنهار مهرجان خطيران..

لأن السماء شقيقة الأرض

لذلك حين تنتشر المجاعة والحروب..

تبكي في الشتاء مثل أرملة..

لأن أيامك الهاربة

تقفز مثل كنغر

في غابة موحلة..

مدججة بالكبريت والهواجس..

يطاردها هنود حمر

بمناطيد غزاة..

سيتكسر زجاج ذكرياتك

على حجر الزقورات

ويندلق دم المعنى .

***

لأنك تحب زئير الشرفات..

وتشذيب نتوءات النساء

بمنجل..

وتبديد عطور الروح

في حفل وثني..

واعتقال متصوف

يطير بدراجة هوائية

فوق رؤوس الأشجار..

ستداهمك عاصفة كلمات

وتدمر كل رعاياك السريين.

***

لأن عينيك مهددتان

بغيمة خفاش..

وصوتك منذور للنسيان..

وحمامتك تتخبط

أسفل شجرات النص..

ملطخة بتبر الندم..

ومرآتك تختزن حطابا متواطئا

ضد غصون كتفيك المتلعثمتين..

سينطفئ عباد الشمس

في نبرتك الحزينة..

ويسامرك نيزك

مقطوع الذيل .

***

لأنك جثة قادمة على مهل

تتحسس قاع الهاوية..

حيث يتغنى أهل الكهف..

وتدور عليهم ثعابين مهذبة

بكؤوس من فخار الموتى..

سيرشقك جباة ضرائب

بفواكه متعطنة..

تنساب دموع الكلب الرابض

بالوصيد..

لتضيئ مخيلة الراعي..

ويكون لشقشقة مفاتيح الروح

ايقاع كروان في الأسر .

***

لأنك رخ  في الليل..

ومجرد دخان عابر

في النهار..

لأنك رسول أنيق

يهيب بخفافيش محنطة

الى شن مظاهرة

في برج النار..

ستبايعك تماثيل معارضة

اختلسوا رواتبها

في حرب قذرة .

***

لأنك مهجوس بعطارد..

عيناك لا تنطفئان في غلواء

العتمة..

روحك الشاهقة جدا..

تهاتف فلكيين..

يبكون جوار كوكب رأسك..

لذلك ستحط بلابل ملونةعلى كتفيك..

وتنكسر جرار الأسرار .

***

لأن الموت قناص ماهر..

لأن الديانات مثل فواكه جافة..

لأن الله يسكن في رأسي..

لأن الجسد لص متحيل..

تلاحقه ديدان الأرض..

والشيطان يتمدد في الكلمات..

لأن العالم انجاز سيئ..

ومنحدر صخري

مكتظ بالأضداد..

لأن العدد وحشة..

والغابة أنس ..

سأفر الى شجرة ..

مثلي تعاني  من

وطء السهو وكوابيس النوم..

ولاجدوى الأشياء

وتموت ببطء .

***

فتحي مهذب

 

صبيحة شبرلم أفهم يوما كيف تفكر النساء؟؟ تجد الواحدة منهن هادئة، لطيفة،، حيية،، وإذا بها تنقلب فجأة لأمر يبدو تافها، وتصبح نمرة شرسة، ولبؤة لا تستطيع أن تمسك لها اللجام، لم يمنحني الله شكلا لطيفا، استميل به قلوب الجنس اللطيف،، ولم امتلك قدرة على قول الكلام المنمق اللذيذ،، التي يقولون أنها تستهوي النساء، وتجعل أعناقهن تميل، كما إنني ومنذ ولادتي كنت فقيرا معدما، خائبا، غالبا لااستطيع معرفة كيف يكون التصرف الصحيح، ولا أتمكن من التمييز بين الجد والهزل، وقد منحني الله شكلا يعبر دائما عن شعور باللامبالاة، جعلني اظهر أمام من يعرفني،، ويجهلني أنني لا اهتم بشيء من الأشياء،،التي تحدث من حولي،،

 أحببت نساء عديدات،، لا اعرف كيف أجد نفسي واقعا في الحب، ما إن تبدي إحداهن عطفا نحوي، حتى أجد نفسي متيما بحبها،، أذوب عشقا وهياما، وكل النساء اللواتي أحببتهن، لم تلتفت إحداهن لشخصي، كنت أقوم مسرورا بما يكلفن به من واجبات،، البحوث الأدبية كنت أقوم بكتابتها سعيدا، لان واحدة من ذلك الجنس الساحر،، طلبت مني ان اكتب لها، تأخذ هي النجاح الباهر لجمال كتابتها، دون ان أتمكن انا من الكتابة لي،، بالشكل الجميل الذي اكتب به للنساء، تأتيني الحسناء، او من كنت أطلق عليها هذا اللقب، لجمال أراه فيها،، ولا يشاركني احد في هذه الرؤية،،تأتيني الواحدة منهن مرحبة، وتحدثني بقصة تسبب لها لوعة، إنها تعجب بأحد أصدقائي وتهيم به حبا، دون ان يبالي بها، يجدن عندي الثقة والاطمئنان،،فلم افش لواحدة منهن سرا، وهي تسمعني حكايتها، أحيانا تسرق الواحدة منهن المتعة بين أحضان رجل مرتبط، وأنا أقوم بالمحافظة على سرها،وكنت اجد الواحدة جريئة،، لا تتورع عن إعطاء الحبيب أي شيء يريد دون تفكير بالعواقب، لم أحدث إحداهن برأيي وان كنت احرص على المحافظة على ثقتها بي، لماذا استنكر تصرفا جريئا من إحدى النساء؟ والرجال عادة يقدمون على تصرفات أكثر جرأة،، واشد مدعاة على الاستنكار؟ وكيف نطالب بالمساواة بين الجنسين ونحن نستكثر على المراة ان تقوم بالحب عمليا، وليس نظريا كما هو المألوف

حدثت النساء عن حبي لهن، واهتمامي بهن، وكنت أتمنى ان تبادلني إحداهن شعوري وتعاملني بالمثل، كن يضحكن حين يستمعن الى اعترافي لهن بالحب، نتعالى القهقهات من أفواههن بصوت عال ويقلن لي :

- نحن أصدقاء، دعنا نبقى أصدقاء

كنت أتساءل عن السر الذي يجعل الواحدة منهن تقدم على الحديث،، بكل ما تقوم به من أعمال وهي حريصة على الا يعرف احد بالأمر، خبأت في نفسي ما أراه منهن من جبن،، وعدم قدرة على مواجهة الأمور، انا مثلا ان قمت بمثل هذه الأعمال سوف افتخر بشجاعتي،، وأنني مرغوب فيه من الجنس اللطيف، ولكن كيف يمكنني التحدث وكل واحدة اعبر لها عن حبي،،تقول لي بعد ضحكتها المتواصلة

- نحن أصدقاء

صديقي حسام مثلي تماما، وان كان أكثر مني وسامة وغنى،، واقرب الى قلوب النساء، فهو خبير في قول الكلمات الجميلة،،التي يستطيع بواسطتها،،ان ستميل قلوب الحسناوات،، ويتصرف بمهارة تعجب المرآة عادة، كان يدعها تسير أمامه مثلا،وان يسرع بفتح السيارة لها، ثم يدور تلك الدورة الطويلة ليركب هو من بعدها، او يحمل هو الاغراض التي تقوم المراة بشرائها حين تذهب الى التسوق، انا لااجد هذه الأمور مجدية، لماذا اخبيء رغبتي الحقيقية داخل نفسي، لماذا ادع المراة تسير أمامي وهي التي تطالب بالمساواة، لأدعها تسير خلفي مرة،،وعلى يميني مرة وثالثة على شمالي، هذه الأمور لا تستدعي الاهتمام،،ان كانت المراة صادقة في دعوى المساواة،،سوف لن ترضيها هذه التصرفات،،التي يقوم بها بعض الرجال عادة،وأنا حريص على تبيان الجانب الجاد من شخصيتي، الم يقولوا إن المراة تحب الرجل القوي الذي يريها العين الحمراء

ورغم صداقتي للعديد من النساء فانا لا افهم المراة وأستطيع ان أبين هذا العجز عن الفهم لم لا ؟؟ رجال شجعان أفذاذ عبروا عن رأيهم،، بان المراة مخلوق غامض، مع ان الله قد وهبهم الصفات الجميلة التي تعشقها النساء، ولم يجعل حياتهم تخلو من الحب الجميل مثلي، أنا من يتظاهر بالمرح والرضا من حالته وقد منحني الله،،شكل محلوق غير آبه لشيء، أتظاهر بالفرح والسرور،، وكأنني مهرج يقوم برسم ابتسامة السعادة على وجوه المتفرجين، أثير الضحك بقصصي التي لا تنتهي والنساء يثقن بي، لكن ما ان اعبر للواحدة منهن عن ولعي بها، حتى تنطلق تلك الضحكة المجلجلة، ثم تقول

- نحن أصدقاء، دعنا نظل أصدقاء

استمرت حياتي هكذا، أتبادل الضحك والابتسام، احكي النكات التي تثير الضحك المقطع للأنفاس، حتى تعرفت عليها، أحببتها كعادتي مع كل امراة تقع عليها عيناي، كانت على النقيض مني تماما، جميلة وأنيقة وتحسن الحديث، ظننت انه يمكنني ان أحدثها بحبي وهيامي، وأنها المراة الوحيدة في حياتي، لتنطلق تلك الضحكة التي ما وجدت لها تفسيرا

- نحن أصدقاء،، لنبق أصدقاء

وتظل تحدثني كما الأخريات عن مغامراتها مع الرجال، ولكن الذي أثار حيرتي، وخلق لي المزيد من القلق،، أن تلك المخلوقة قد استمعت الى اعترافي بلهفة، وكأنها متعطشة الى سماع مثل هذه الأحاديث، وانها قد صدقت كما يبدو انها المرآة الوحيدة التي أحبها، وكيف يمكن ان تدرك إنني لا اعرف كيف احب ؟ وان من يحب الآخرين،،عليه ان يحب نفسه أولا

اكرر القول ان المرأة مخلوق غريب من العسير جدا ان نفهمه، ومن المتعذر الإلمام بكل الجوانب التي تكون تلك الشخصية،،اللطيفة والعنيفة والجريئة معا، وأنني من المحال ان أغير عادتي في عشق جميع النساء، فانا عاجز عن إرضاء أي امراة

***

صبيحة شبر

 

صالح البياتيبعد إفطار سريع، حزمنا حقيبة ملابس واحدة، وضعناها في صندوق السيارة، وإنطلقنا حتى توقفنا أمام  منزل موسى الكيال، خرج خادمه العجوز يحمل حقيبة جلدية صفراء صغيرة، يسير خلفه، ربطنا حقيبته على سطح السيارة، تبادلنا تحية الصباح، سألني عن أمي، قلت:الحمد لله، نائمة، لم نستطع النوم ليلة البارحة، نفحت خادمه شيئا من النقود، ودعنا، وكانت عيناه مغرورتين بالدموع، ثم توجهنا لبيت الحاج سبتي، وجدناه ينتظرنا امام منزله عندما توقفت السيارة ، صبَّحنا بالخير، كانت أبنته سيناء أثناء ترجلي من السيارة، قد خرجت تلك اللحظة، وقفلت باب المنزل بالمفتاح، وحيت أمي،  ففتحت عينيها التي غشاهما النعاس وردت تحيتها، وبعد أن تم وضع حقيبتيهما في صندوق السيارة، جلس الأب في الوسط، وكان بالباس التقليدي ويعتمرالعقال واليشماع المرقط باللونين الأبيض والأسود، وعلى يمينه جلس الكيال، في بدلة سوداء، وقميص ابيض بدون ربطة عنق، وفي حضنه كيس ورقي يحتوي ادويته، كان شعره ناصع البياض، ينحسر قليلا عند الجبهة، ولكنه لم يكن اصلعا، وقد تجاوز السبعين بخمس سنوات، وبدا لي عجوزا أكبر من عمره بعشر سنوات، وعند النافذة اليسرى جلست سيناء متلفعة بعباءة سوداء.

كنت في ذلك الصباح الرائق، أنطلق الى بغداد، للمرة الثانية  في غضون أربعة أسابيع، وبرفقة مسافرين ما كانوا معي في المرة السابقة، شعرت بأن السفر قبل طلوع الشمس، أشبه بمواصلة حلم لم تكتمل تفاصيله بعد، فغشاوة النعاس لا تزال تكحل العيون، المثقلة بوسن وخدر لذيذين، وعندما مرت سيارتنا أمام غرفة تجارة العمارة، كانت هنالك حافلة تنتظر التجار الميسانيين، كانوا يصلون تباعاً، كان البعض منهم يحمل حقائب سفر صغيرة، وهم لا يعرفون أنهم سيغادرون مدينتهم الى الأبد، كنت أقود السيارة، وبجانبي أمي شبه نائمة، وتاجر الأقمشة سبتي الزبون، يغالب النعاس في المقعد الخلفي، وسيناء تنظر من النافذة الجانبية، وشمس ربيعية دافئة، توشك على الشروق، وحينما اجتمعنا نحن الخمسة ذلك اليوم، كان ثمة عقدين بقين على أفول القرن العشرين، الشديد الاكتظاظ بالأحداث الهامة في تاريخ البشرية..

رأينا تجارا نعرفهم، يتوافدون على المكان، وفي تلك اللحظة، سمعت صوت الحاج سبتي، يأتي ناعسا ممطوطا، متسائلا:

- أستاذ نوح القضية فيها إنَّ!*

  تظاهرت أني لم أسمعه، منشغلا بالتطلع للبيوت وأعمدة شارع بغداد، تتراجع وراءنا على الجانبين، حتى عبرنا الجسرين، واستقبلنا الشمال قبلة المندائيين، التي يحرسها الملاك الأثيري أباثر*، بعد أن قطعنا شوطا من مسافة الطريق، أرسلت نظري الى أبعد مدى، تستطيع عيناي أن تراه، فتراءت لي جبال زاغروس في امتدادها البعيد، تبدت لي في تلك الساعة الصباحية، دخانا أزرقا متحركا كالغيوم، وفي الأفق البعيد المتواري خلفها، هناك أيران، الجارة الملتصقة بالعراق من الراس الى القدمين التصاقا أبدياً، وهي الآن عقدة نبوءة المندائي، والمكان الذي يريد سليم الخماش ابعاد أولئك التجار الميسانيين اليه، بعد أن يصادر ممتلكاتهم وكل ما يحملون من وثائق رسمية، ويحتجز أولادهم الذين يؤدون خدمتهم العسكرية، أوالذين تخرجوا هذه السنة من الجامعات، سألت نفسي، لا بد أن الكيال قد أخبر تاجر الأقمشة بفخ الاجتماع، الذي خُطط  له بدهاء، لجمع أكبر عدد من تجار المحافظات، لطردهم دفعة واحدة الى إيران، فكان ينظر لتلك الجبال أيضا، وربما يفكر في نفسه انه غدا أو بعد غد، سيكون هناك وراء تلك الجبال البعيدة، التي يتهمه سليم الخماش أن أجداده تسللوا منها كالأفاعي، التي كانت السيول تجرفها، في طريقها للسهول المنخفضة، حتى تنتهي بالقناطر السبع القديمة، التي لم يبق لها أثر. ومرة آخرى فرقع التاجر الصمت، بتساؤل آخر، ولكنه هذه المرة، كان صاحيا، وفي نبرة صوته أصرار عنيد على إيجاد جواب لتساؤله:

" هل أسأنا لأحد يا أستاذ نوح...؟!"

" لا أبدا.."

" لماذا إذاً يحقدون علينا؟!"

" لا أحد يحقد عليكم...  القضية كما تعلم، صراع سياسي، والناس لا ذنب لهم..  هم مجرد أكباش فداء، وقد تنجلي الأزمة، كما حدثت في عهد الشاه، وتتوقف سريعاً هذه الإجراءات التعسفية."

تدخل الكيال بعد أن سمع شخير أمي الضعيف وتأكد أنها نائمة.

" سليم الخماش، أوغر صدور الفقراء.. وأوحى لهم أن التجار العجم كما يسميهم، يمتصون دماءهم، وأنهم سبب فقرهم، والبعض صدقوا كلامه، سمعتهم يشمتون بالمسفرين ويقولون حيل بيهم* " 

" الفقر قضية اجتماعية، لا دخل للعجم او غيرهم  فيها."

" ظهر حقد الحكومة عندما  استبدلوا أسم سوق العجم القديم جدا، واختاروا له أسم جديد سوق العرب."

صمتُ، وتشابكت في راسي افكار شتى، تتدافع بالمناكب، تريد أن تسبق غيرها..

فمنذ ان أستبدل محافظ  المدينة ، أسم السوق  القديم، وغير ايضا اسم أقدم  محلة  تمتد على ضفة الكحلاء الشرقية (استبدل اسمها الماجدية  بالعروبة) أدركت الهدف: دغدغة مشاعرالبسطاء العرقية.. إذ ليست المشكلة بتغيير الأسماء واستبدالها بأسماء آخرى، لأن السوق تبقى سوقا، سواء كان اسمها سوق العجم أو سوق العرب، أو أيا كان اسمها، وكذلك حي الماجدية، حي كبير للكادحين، ولن تتحسن ظروفهم المعيشية بمجرد تغيير أسمه..

 أجبته:

" نحن كلنا ياحاج.. حكاما ورعية، مهوسون بالأسماء والألقاب الفخمة، والإضافات الجوفاء، التي تسبق أسماء الشخصيات، ذوي الشأن في الدولة أو المجتمع، وبهذه الطريقة نشبع غرورنا،  ونكذب على بعضنا.

" لم أفكر يوما اني إيراني وجاري عربي، جميعنا مسلمون ومحبون لأهل البيت، ونقوم بزيارة أضرحتهم كما يفعلون. فلماذا يريدون ان يفرقوننا!" اكتفيت  بكلمة " صحيح"

التفت الى امي، كانت نائمة أرخت شيلتها على عينيها الكليلتين، لكي تتقي ضوء الشمس، وعندما التفتُ للحاج سبتي لأرجوه أن يخفض صوته، كي لا يوقضها، كانت سيناء تنظر الى بساتين النخيل على إمتداد  نهر الدجلة، حولت تلك اللحظة نظرها، فالتقت نظراتنا لأول مرة، أنبهرت بجمالها الهادئ والبريء، ولكي أشغل نفسي عن التفكير بها، رحت أفكر بالخالة الدهلة التي تركناها وحيدة في البيت، وهي في أسوأ حال، قلت مع نفسي، إذا لم تنجح محاولتي في قضية مقبل، فسأجد وسيلة آخرى لإنقاذه، سأشرح قضيته لصديقي المحامي حنا حمد، وهو صديق قديم، هاتفته قبل بضعة أيام، لأخبره عن قدومي الى بغداد مع امي، رحب بي وعرض عليَّ شقته بالأعظمية، التي كان يتخذها مكتباً للمحاماة، وأخلاها بعد أن تفرغ  كلياً للمرافعة أمام محكمة أمن الدولة، ورفض أن يتقاضى مني أيجاراً، ولكني أقنعته بأن يقبل مبلغا معينا من المال، لقاء استخدامنا للماء والكهرباء والتلفون، وبعد أن تأكدت ليلة البارحة من سفر سيناء وابيها معنا، كلمته في نفس الليلة عن قضيتهما، أبدى استعداده للمساعدة، وطمأنني أن السكن في شقته سيوفر لهما آمانا تاما، فالمنظمة الحزبية في المنطقة، تعرف أنني اتخذتها نزلاً لأقاربي القادمين من تكريت، لتصريف أعمالهم في بغداد..

 هذا الترتيب الجديد لأوضاعنا أراحني كثيرا..

اما الآن فأنا أسافر مرة أخرى، على نفس الطريق، الوحيد، الذي يربط مدينتي الجنوبية، بوسط البلاد وقلبها النابض، بغداد، فقد قطعته في كلا الاتجاهين، مرات عديدة لا تحصى، وظل دائما يذكرني بدرب آلام المسيح، يؤرقني كلما سلكته ذاهبا أو آيبا..

وها أنا اليوم، أسافر عليه ومعي أمي التي انتكست صحتها، لتأثرها جدا بما حدث لصديقتها الدهلة، التفت مرة أخرى للحاج سبتي، وقلت:

" أمي  نائمة، ولكني أعدك يا حاج ، أني سأبحث لك عن أجوبة لكل أسئلتك، سأزور الكنز برا زهرون، الشيخ المندائي بعد عودتنا، وأسأله لماذا الخماش يكرة الناس، وأسأله أيضا لماذا يريدنا ان نصدق نبوءة الحرب، بينما هو في قرارة نفسه يكذبها..

 ضحك الحاج وقال:

" ربما نجد عنده اجوبة شافية عن كل اسئلتنا."

وقبيل منتصف النهار كنا عند جسر ديالى، توقفنا عند آخر نقطة سيطرة، فأشار لنا العسكري بيده بالتحرك، بعد أن ألقى نظرة سريعة على أمي النائمة، وبقية المسافرين، ها نحن على مشارف العاصمة.

" أستاذ نوح، نحن سنقيم في فندق ابن خلدون، هل تأخذنا اليه من فضلك؟"

قال الكيال ذلك بصوت مجهد، وقد أعياه وأمضه الجلوس الطويل أثناء الرحلة، حيث لم نتوقف إلا مرة واحدة في الطريق للراحة لوقت قصير.

" سنأخذكم اليه، أنا أعرف المكان، وسبق أن نزلت فيه مرارا، فندق مريح وقريب من غرفة تجارة بغداد"

وقبل أن يجيب الكيال، رفعت أمي رأسها وقالت:

" نوح يمزح معكم، ستقيمون معنا، المكان موجود ويسعنا جميعا، فلا تحملوا هماً، سنعيش كعائلة واحدة."

لم يمض وقت طويل حتى وصلنا، ركنت السيارة تحت العمارة، التي فيها الشقة، مكان هادئ، وقريب من كورنيش الأعظمية،  وذهبت لإستلام المفتاح حسب الاتفاق، من محل لبيع المرطبات في نفس العمارة، صعدنا للطابق الثاني، وفتحت الباب ودخلنا، كانت فعلاً، كما وصفها صديقي المحامي، مؤثثه، نظيفة جداً وحديثة، تحتوي على غرف نوم  ثلاثة وشرفتين، ومطبخ وحمام، وغرفة صغيرة مقفلة تخص المحامي، وبعد فترة استراحة قصيرة، ذهبنا لمطعم قريب، أكلنا وعدنا للشقة، تركت رفاق السفر فيها، وأخذت أمي لعيادة الطبيب، وبعد الفحص الدقيق للثدي، لم يقل شيء، وكان يرد على كل سؤال واستفسار أوجهه، بهزة من رأسه وبكلمتين يكررهما:

"بسيطة، ماكو شي.."

 عدنا للشقة، كنا صامتين طوال الوقت، لم تسألني عن شيء، استقبلتنا سيناء عند الباب، وقبلت أمي، وبعد قليل من وصولنا ذهبت أمي لتنام.

لا يزال أمامنا يوم آخر، حتى موعد إجتماع غرفة التجارة، غدا السبت، ولم يكن الوقت مناسباً لمفاتحة الحاج سبتي حول الآنسة سيناء، استطعت إقناعه التخلي عن الذهاب، أما الكيال فأصر، ولم يبدِ اي سبب مقنع على إصراره. كانت غرفة تجارة بغداد، خطة مدبرة، فخا، اغروا التجار بمنحهم إجازات استيراد، فكانوا صيدا سهلا..

قلت لأمي الكيال يريد أن يودعك، لم تبد اي اهتمام، فقلت له أنها متعبة جدا ولا تستطيع الخروج من غرفتها، لم يقل شيئا، مسك يدي ودس مظروفا في كفي، وطلب مني عدم فتحه، حتى يمضي الأسبوع ويصبح هو بعيدا عن الوطن، ثم عانقني وبكى، وأنسحب عائدا لغرفته لينام، كيف علم الكيال بالمكيدة، من اخبره، ولماذا يريد ان  يذهب برجله ليقع في الفخ، مع انه أخبرني قبل سفرنا.. كل هذه الأسئلة لم اجد لها جوابا..

بقيت مسهدا، أحاول فك الغاز الرجل العجوز، ربما كان ينتظر تلك اللحظة  منذ زمن طويل ليقول شيئا لأمي، ربما فكر بالرسالة كحل ثان اذا رفضت ان تكلمه،  فوضع سره في رسالة، ما السر الذي تعرفه امي، وما العلاقة التي تربطها بهذا الرجل الذي لا تطيق رؤيته، ولم تكلمه طوال رحلتنا الى بغداد، التي استغرقت أكثر من أربع ساعات، على امتداد مسافة ثلاثمائة وستون كيلومترا.

طافت في مخيلتي كثير من أحداث الماضي، قلبتها محبطا رأسا على عقب، عليَّ أعثر على خيط يدلني على شيء، وكلما أوغلت الغوص في أعماقه، كلما أمسى شديد الظلمة، ليس فيه بصيص ضئيل من الضوء، كنت كمن يتخبط داخل بئر ملساء عميقة الغور، كلما صعدت مترا أنزلقُ للقعر عشرة أمتار..

قلت في نفسي.. لربما سره يكمن في هذه الرسالة، كنت انوي فتحها ولكني تراجعت، عندما تذكرت انه أوصاني بالتريث حتى انقطاع أخباره، وفي صباح يوم السبت، أخذته الى غرفة تجارة بغداد الواقعة عند نهاية شارع النهر، بناية عالية ذات طابقين بطراز جميل، حيث مكان الاجتماع لتجار المحافظات، وقفنا أمام الباب الكبير المشرع تلك الساعة لاستقبال الضيوف، وكانت نسائم عليلة تتسلل من نهر الدجلة، تهب هادئة، تلطف من حدة التوتر والحزن الذي خيم علينا، قال الكيال وهو يحتضنني بقوة ودموعه تخضل لحيته البيضاء، قال:

"سامحني يا بني."

" أنت يا حاج إنسان محترم، وبمنزلة أبي الذي لم أره، كنت دوما معي طيباً، وستبقى في قلبي ذكرى طيبة عنك، كما أني أحب ان أخبرك بأني عزمت على مفاتحة الحاج سبتي لإعلان خطوبتي على الآنسة سيناء، لأني أعلم أن هذا الخبر يسرك، كما يسر أمي."

احتضنني مرة آخرى بقوة، وقد تهلل وجهه بالفرح، لم أره مسرورا هكذا،  كطفل يفرح بهدية جميلة كان يحلم بها..

كان يريد ان افتح الرسالة بعد ابعاده، والآن يرجوني ان افتحها عند عقد قراني على سيناء، وتمنى وهو يعانقني ان يكون معنا يشاركنا فرحنا، حلفني ان اتذكره اثناء الحفلة، وان أحجز كرسيا بإسمه، وكرر.. اتعدني ثلاث مرات، ثم اخرج ورقة من جيبه وقال هذا رقم ممتاز ابني في لندن، احتفظ بالرقم قد تحتاجه يوما..

"أعدك يا حاج أعدك."

قلتها بنبرة حزينة، والألم يعتصر قلبي كأني أودعه لمثواه الأخير، وقد دمعت عيناي، حينما ودعني، ودلف داخلاً، لم يلتفت أليَّ، بقيت متسمراً في مكاني، أنظر للباب، وعيناي معلقتان به، حتى جاء آخرون ودخلوا واختفوا كما اختفى الكيال قبل دقائق قليلة.

لم أفهم ما كان يقصد بكلمة سامحني بني، ولكني فسرتها بما ترسب في ذهني، عن معتقدات الناس قديما، حينما يطلب المسافر من الآخرين إبراء ذمته، لأنه لا يعلم هل سيعود من سفره أم لا، فاجتماع غرف التجارة المنعقد اليوم، هو ذاك السفر البعيد الذي لا أوبة منه، هو طريق الصد ما رد كما نقول في أمثالنا العمارية، وعندما عدت للشقة تذكرت في الطريق، أن الكيال تهلل وجهه بالفرح، عندما قلت له: أنت بمنزلة أبي الذي لم أره، هل يفتقد الكيال ابنه الدكتور ممتاز الى هذا الحد بحيث تذكره هذه الكلمة به دوما.

انتظرت حتى ينقضي إسبوع أو أكثر على إبعاد الكيال المحتمل الى إيران، لكي أفض المظروف وأقرأ ما في الرسالة. ولكني تذكرت رجاءه بفتحها عند عقد قراني على الأنسة سيناء فالتزمت بوعدي الثاني.

 

صالح البياتي

حلقة من رواية: بيت الأم

................................

- فيها إنَّ : تعني شئ مريب .

- الملاك اباثر: ملاك اثيري في الميثولوجيا المندائية.

..........................

رسالة للصديقات العزيزات والأصدقاء الاعزاء

بهذه الحلقة اكتفي، اتوقف عن النشر، استجابة لأقتراح رئيس تحرير صحيفة المثقف الاستاذ ماجد الغرباوي، الذي اتاح لي مشكورا،  فرصة نادرة، لنشر جزء لا بأس به من الرواية (ما يقارب نصفها)، ولمن ترغب او / يرغب من الصديقات والأصدقاء مواصلة القراءة، الرجاء ارسال بريدهن / بريدهم الإلكتروني لي ليتسنى لي المواصلة معهم، جزيل الشكر والإمتنان للأخوات العزيزات والأخوة الأعزاء، اتمنى للجميع دوام الصحة والعافية.

وهذا هو بريدي الأيلكتروني

alb_Sal@yahoo.com

 

قصي الشيخ عسكربدءا اتمنى الاطلاع على المقدمة التي كتبتها للرواية والمنشورة في المثقف الآن بعنوان:

النهر يلقي إليك بحجر.. كلمة لابدّ منها

***

جار الله الأعمى

 ذلك ماحدث بعد سنين من جموحِ حوتٍ كبيرٍ في شط العرب وحيازتي خلال بضعة أيامٍ حجرا أخضر مزرقا من صديق الجميع جار الله الأعمى .. لقد أنستني الأحجار الغريبة الجديدة التي عثرت عليها في مساحة ضيقة بين قريتي الدعيجي والبوارين الحجر الأخضر الذي التقطه من النهر الكبير جار الله الاعمى ذات يوم ودسه في يدي.لن أتحدث عن ذلك الرجل الذي فقد بصره منذ الولادة، كان أحد ثلاثة عميان من أهل التنومة إذ سأكون في غنى عن تفاصيل حياته والقصة التي تروي أنه نظر إلى الشمس في حالة كسوف وهو صغير، فأصيب بالعمىمنذ ذلك اليوم منحه الله حاسةَ أن يقرأَ بعض أسرار الماء، فأصبح صديقا للنهر، كذلك سأَعْرِض عن بعض المفاجآت التي واجهته في أثناء ممارسته لعمليات الغطس أو حين يعود منها إلى سطح الماء .. و لا يهمني كيف يغطس في عزِّ الشتاء قبل أن يتآلف الشتاء والصيف في مدينتي بلون واحد فلا تحسّ لهما في بدنك طعما.تلك الأيام تحدَّث أهلنا عن صقيع يغطي السواقي والحشائش ساعاتِ الصباح في شهري كانون وشباط وسبعة أيام لايطيق فيها من البردِ الجاموسُ الماءَ، حينها كان صاحبنا يلتهم حفنة من الفلفل الحاد ثمَّ يغيب في النهر ليخرج مفقودات صغيرة، قلم حبر .. ساعة .. محفظة .. أي شيء، يقول ممازحا لايقرؤ النهر إلا أعمى مثلي أما أنتم فمبصرون عميان القلوب تظنون السطح أكثر أمانا من القعر.كان الأمر يبدو غير ذي عُقَدٍ، لاسيما إني أتحدث عن نفسي .. واحد من عميان التنومة الثلاثة، ليست مصادفة فنحن نراه كل يوم، التقاني بصحبة أبي .. لايهمني الاثنان الآخران فأصغرهم سِنّاً ليس بذي قدرات تلفت النظر .. لا يتحدث كثيرا .. والثاني مختار أو بيغبن هاجر مثل الجميع وانقطعت أخباره .. أطلقنا عليه ساعة بيغبن .. تلك التي لايثقُ بساعةٍ أحدٌ سواها .. ولن تكون قط هناك نغمة مثلها في يوم ما .. هنا لندن الساعة الآن الواحدة مع نشرة أخبار الظهيرة .. أبي نفسه حين يعود من سقي الزرع، وينتهي من طعامه يجد الراحة في أن يسمع دقات لندن، أسأل ببراءة :

- لدينا ساعة سورين في بداية سوق الهنود أليست كساعة لندن!

- الإنكليز وقتهم مضبوط بهذا احتلوا العالم!

 ومختار؟ألايعطينا الوقت بالضبط تماما؟الساعة والدقيقة، لا يضجر من أسئلتنا نحن الأولاد المتربصين به خلال مسيرته اليومية من البرِّ إلى النهر لكنه نسي أن يمنحني أي شيء مع أني سألته عن الوقت أكثر من مرة فأجابني بابتسامته الأليفة المعهودة عنه، وعيناه تهبطان من السماء إلى الأرض كما أجاب غيري، وكان الوقت هو هو لايخونه قطّ.

ولا أظنه أعطى أحدا شيئا ما ..

 ويبدو أن العميان اعتادوا على الأخذ ماعدا صاحب النهر صديقي جار الله!

 لقد عرف، شأنَ بعضٍ من أهل التنومة، أني أحب الآثار وأنوي حين أكبر الدراسة في الجامعة بقسم التاريخ .. ولعل الأستاذ نبيل معلم التاريخ واللغة العربية في مدرسة الزبير التفتَ، من بَعْدُ، إلى شغفي وموهبتي تلك .. كنا هجرنا التنومة بعد سقوط نهرجاسم .. ومن حسن حظ العائلة أننا استأجرنا بيتا في الزبير، هي حكمة أبي ارتأت السلامة في البعد حيث كَّلما بعدنا إلى جهة الغرب عجزت شظايا المدفعية عن الوصول إلينا، معنى هذا إن جانب العشار حيث تمثال السياب أصبح بعيدا عني بالتالي تلاشت التنومة من نظري بضع سنين، وأمي التي كانت تحذرنا من كواسج الشط راحت تمنعنا، هذه المرة خَشيةً من القذائف، أن نذهب إلى العشار مادامت ليست هناك ضرورة ما، كانت مدرسة الزبير تستقبلني والأستاذ نبيل ذو الأربعين عاما القصير البدين يتحدث عن الماضين وقصص منْ سَلَفَ، وفي درس اللغة العربية يسألنا فنجيب عن أسئلته فيختار منا أساتذة وعلماء آثار في المستقبل .. طلب منا أن نكتب عن هواياتنا فكتبت عن التاريخ والآثار التي شاهدتها حقيقةً أو من خلال الصور، ولو أنهيت الثانوية لاخترت قسم الآثار .. حديث عابر يتداوله التلاميذ فيما بينهم .أمنيات يتسابقون في البوح عنها كأنهم يجارون بها الزمن فيرون أنفسهم كما حلموا .. فلان طبيب .. ابن فلان مدرس .. ضابط .. مهندس .. تلاميذ أحبوا سيادة الرئيس فرغبوا أن يصبحوا ضباطا كبارا في الجيش حتى إذا أصبحوا برتبة مهيب ركن مثل السيد القائد بدؤوا قادسيات أخرى وحروبا جديدة، وأنا عالم آثار .. لكن لا أحد يستغرب من هوايتي، لا الضابط الكبير ولا المعلم أو الطبيب.كنت أسير مع والدي باتجاه المرفأ قاصدين العشار حين سلمني جارالله حجرا أخضرَ مزرقا ادعى انه التقطه من قاع النهر .. لا أحد رآى القاع، لا أدري، ويقسم الأعمى أنه مضمَّخٌ بطينٍ حرٍّ وحصى ناعمِ الملمس .. متى التقط الحجر أعند الصباح أم المساء، في الشتاء أو الصيف .. وإذا احتجت إلى حدث مهم يشغل بال الناس لا في التنومة فحسب بل كل البصرة فيمكن أن ادَّعي أن لقاءنا العابر جاء بعد جموح الحوت الكبير من الخليج إلى شط العرب بيومين .. ظل الحوت يتبع باخرة محملة بالخرفان فنسي نفسه دخل السيبة ومخرت الباخرة الماء إلى مرفأ الداكير عندئذ طارَ اخبر .. حَلْقُ شط العرب يغص بحوت .. يا خلق الله حوت كبير أعجوبة الزمان، بعضهم رآى في الحادث شؤما، وآخرون شكّوا في أنه أمر غامض يستعصي تأويله .. وفي دقائق هُرِعت حشود كثيرة إلى المكان .. انزعجت كثيرا لأن أخي "سليم" رفض أن يصحبني معه إذ ذهبَ معَ شلَّةٍ من الأصدقاء وعاد يحكي عن الحوت الضخم الغريب قبل أن يسهب في الحديث عن حجرٍ غريبٍ خبّأَه هديّة لي من النهر :

- حسنا إنك لم تبصر الحوت الضخم فكثير من الأشياء العظيمة والجميلة يسبب النظر إليها ضررا فمن يستطيع أن ينظر إلى الشمس دون أن يصيبه العمى لذلك سأعطيك شيئا آخرصغيرا وأليفا!

وددت لو سألته هل نظرت إلى شيء أعشى عينيك، فخشيت من تأنيب أبي الذي تساءل :

- مارأيك ياجارالله في الحوت أهو فأل كما يقولون!

فقهقه مائلا برأسه نحوي وقال:

- ماذا تتوقع أن يأتينا من الخليج وملوحتهم أيّ خير أنظر إلى أنفاسنا كيف تتقطع وإلى النهر كيف يهيج موجه عندما تهب ريح الشرجي ؟

فقال أبي ممازحا:

- والنهر؟ ألم تجعله يغلب المرحوم صابر فكاد تلك الليلة يغرق فيه من غير رياح؟

الحكاية قديمة، يتذكرها أبي ولا يتبرأ جارالله الأعمى منها غير أنه يقول ليس هدفه السرقة بل ممازحة المرحوم صابر .. كان ابن عم ابي صابر لا يخاف من المشي في الظلام يجوب البرَّ والبساتينَ والاماكنَ المهجورة، لا أحدَ يعلم كيف تحدّاه قال الأعمى:أنت سيِّد البرِّ وأنا سيِّد البحر مثل الإنكليز والفرنسيين أيام زمانٍ، فسخر صابر منه ومن النهر رآى ألا فرق بين مايفعله جار الله وأيُّ سارقٍ يدهن جِلدَه بِزفِْتٍ يدفع بريحِهِ النتنةِ الكواسج ثم يغط إلى البواخر ليسرقَ مايخِفُّ حِمْلُه وقد ترك جار الله صابراً - بعد هذا التحدي بأيّامٍ- نائماً فوق سطح زورقه المحمل بالرَّقِّي 1 فغطّ من مسافة يسيرة إلى أن وصل الزورق فاندفع إلى السطح وطوق بيديه رأس صابر الذي ظنّ الآخرَ كلب ماء وما كان منه وهو في حالة ارتباك إلا أن يقفز إلى النهر!.

رفع جار الله رأسه إلى السماء وغطى جوابه بابتسامةواسعة:

والله لوعرفت انه لا يجيد السباحة لما تحديته قطّ على كل حال لا أحّدَ يصدِّق أني جئت لأسرق الرَّقي ولست كلب ماء وأنا نفسي أنقذته من الغرق "والتفت إلي كأنه يراني "مادام ابنك يحب التاريخ فليأخذ هذا الحجر أظنه فأل خير كلّما وجدت شيئا في النهر وسألت عمن فقده أجد من يدعيه وربما من يدعي المفقود الخارج من الماء أكثر من واحد أمَّا هذا الحجر فإني سألت الكثيرين ولا أجدُ مَن يدعيه ليأخذه وليذكرني حين يتوفق ويدخل الجامعة !

 مايمكن أن يقال إنّه لا حدودَ لنشوةٍ غمرتني حيثُ اعتاد الأعمى الغوّاص أن يمنح لُقَى يعثر عليها في قاع النهر لأشخاص يدَّعونها من دون ان يطالبهم بأيّ ثمن إلا أنّه أعطاني حجراً لم أدَّعِه، أَمّا ماعكَّر مزاجي وأذهل الكثيرين، فهو الخبر الذي سمعناه بعد بضعة ايّام إذ لم يمرّ أسبوع على حادث الحوت ولقائنا إياه أنا وأبي على جسر نهر "أصفر"حتى عُثِرَ على جثّتِه في البر ..

جار الله الأعمى قتيل في البر ..

مات أوقُتل لافرق ..

رجلٌ عرف كيف يتحاشى الكواسج وتيارالماء الهادر، وموجاً صعبا تهيجه ضراوة رياح الشرجيّ، فما الذي دفعه بعد كلّ هذه السنين إلى أن يقصد حِمِى غريمه المرحوم صابر .. لم يره أحد قط يغادر إلى مكان غير النهر والبساتين الحبلى بالانهار الصغيرة والسواقي .. يستظل بالنخيل يأكل التمر والعنب .. يعرف الأرض المزروعة وشارع التنومة أكثر من أيِّ مبصر ذي عينين .. لا أحد يدّعي أنّه أخذ بيده ليدله على الطريق، قيل همسا شاع في عيون الناس وملامحهم أن لسانه قتله يقول عبارات مبهمة تثير الريبة، الخراب لا يأتي من الشمال بلاؤنا من الجنوب والماء المالح، النهر أوحى إليه كما شاع ألا خطر علينا .. الشرق والشمال والغرب .. ولعلها تلك آخر عبارة سمعها الناس منه ممتزجة بابتسامته المألوفة، والعجيب أن الكثيرين اختلفوا في موته مع أنفسهم ولم يجرؤ أحد على ان يتحدَّث في العلن، فليس بمستبعد أن يكون مسؤول خلية، أو غطَّ ذات يومٍ ليزرع متفجرات تحت الجسر العسكري، والأعجب من ذلك أن جميع من أنكروه وتبرؤوا منه من أحزاب ومنظمات وأفراد دفعا للشبهات عنهم وخشية من بطش السلطة عادوا بعد السقوط يتسابقون في نسبته إليهم حتى كاد بعضهم يدخل مع الآخر في دوامة عنف، ومادمت لم اجرؤ بعد مصرعه، قبل السقوط، أن أحكي لأيّ أحد أنه منحني حجراً استله من الماء، فلا مناسبة الآن أن اذكره لا سيما أني لم أعد أتذكر أين أخفيت الحجر حينذاك.

 قلت ذلك لن يهمني لا سيما أن الأهالي القدامى والقادمين إلى شط العرب من محافظات اخرى لا يتذكرونه الآن هو أو غيره من فاقدي البصر، وربما ادعاه من أنكره من أحزاب وأفراد تعرضوا للاضطهاد قبل سقوط بغداد غرض الشهرة والمال أما أنا فقد ذكرتني به حجارة البرِّ والصداع الذي يكاد يحطم رأسي.

مسمار غليظ تدفعه مطرقة إلى هامتي!

لا أنكر أني كنت أغطس في الشط الكبير متجاهلا تحذير أمي أو غضب أبي وحكايات يرويها كبار السنّ عمّن سبّب الكوسج لهم عاهات دائمة، ومن سبحوا في النهر طويلا فغامروا ليسرقوا البواخر والزوارق ولا حيلة لديهم إلا ان يدهنوا اجسادهم بالقطران حتى تبتعد الكواسج عنهم .. وحين كبرت بقيت تتلجلج في نفسي رهبة من الشطِّ لم تردعني عن الغطس، كيف أرى العالم المظلم المليء بالسمك والغِرْيَن كما يراه جارالله الذي لايبصر ماتحت الشمس ويرى ماتحت الماء، مفارقة عجيبة لا أفهمها، وسواء كنت صغيرا أم كَبُرت واشتدت قوة بدني إلا أني عجزت كما عجز غيري عن الوصول إلى القاع إذ بعد متر وأكثر بقليل أُحِسُّ ثقل الماء وتهدج أنفاسي.

لا أبالغ .. وإن بدوت مهزوما باعترافي .. فليس فينا أحد مثل جار الله الاعمى يثقب الماء بيديه ورجليه.يعوم إلى القاع فيلتقط منه حصاة استقرت عشرات السنين أو أداةً ما هوت مصادفة من الهواء إلى الغور!

ومثلما نتذكر الأشياء الأكثر سطوعا:الحلوة والمرّة في حياتنا أذكر أن آخر غطسة لي كانت قبل اليوم المفترض لالتحاقي بالجيش وحكاية حجر قديم استعصى على ذاكرتي حين تجمعت عندي في غرفتي أحجار زاهية الألوان جلبتها من البرّ.

بضعة أيام تفصلني عن حياة جديدة حفظتني منها خلال حربين عنيفتين المدرسة والجامعة.الجميع عاشوا أيّامهم الحاضرة المضمخة بالقلق والخوف .. الحرب المستعرة عند البوابة الشرقيّة، والحصار والموت القادم من الكويت ثم عجزوا ان يجدوا ملجئا مثلي إذ عشت الحاضر، ووجدت في الماضي ملاذا اطمئن إليه وكبرشعوري بالأمان حين قُبِلتُ في قسم التاريخ!تدفعني رغبة جامحة للآثار، كأن نبؤة جار الله الأعمى تحققت فِيَّ ولو رجعت العقود بي صبيا لقلت بكلّ جُرأة لمختار مروض الزمن بعد أن أساله عن الساعة: يا صاحب الوقت ماذا تعطيني فقد أعطاني جار الله حجر الماء!

وهاهو الماضي يكاد ينصرم فأعود إلى حاضر مليء بالمفاجآت!

كنت أشعر بحرارة الجو ذلك اليوم التموزي اللاهب التي لم تخفت على الرغم من ميلان الشمس نحو الأفق البعيد، لا أخطيء إذا قلت إنه حرٌّ تموزي ونحن في شهر ماي، تموز نفسه بدا شبيها بغيره، كان حَرُّه علامة تدل عليه فاصبح يغدقها على أيِّما شهر قبله أو بعده.لافرق قطّ.لم ألتفت إلى بعض الصيادين الذين انتشروا على الجرف يدفعون بشصوصهم عنهم الملل، ولا إلى صاحب الكشك بائع المرطبات القريب مني، رفعت رأسي ألتقط نفسسا عميقا .. نفثته والتقطت ثانيا ثم رحت أهوي نحو القاع .. الحق إن هيبة النهر التي تحدَّثَ عنها أهلنا وعنفه تسربت من قلوبنا، يوم كنا نستقل المعبر وجدناه عنيفا مهيبا جارفَ التيار وتزداد هيبته عندما تتلظى رياح الشرجي الهابة من الجنوب بقسوتها ولهيبها عندئذٍ يدرك أهل التنومة أنهم لن يتمكنوا من العبور بالزوارق البخارية ولا القوارب، وليست هناك من وسيلة إلا المعبر المثقل بالسيارات والعربات وبعض الحيوانات، والذي يأخذ بالترنح قليلا في منتصف النهر حيث سورة التيار فيلوح كمن كرع حتى أثقلَ توازنَه السكر، حقا ذهبت رهبة النهر يوم بنى الجيش جسرا يربط ضفة العشار بالتنومة وظلت هيبته شاخصة في النفوس.كنت لا أخافه بعد قيام الجسر وقد بقي في نفسي أن أصل إلى القاع فكلما هممت أجِدُني في فسيحِ وادٍ مظلم لا نهاية له .. لا يراودني شعور أني أغطس .. رجلاي تندفعان في منحدر لا ينتهي .. لن التمس أرض النهر فيغشى يدي حجر مثل جار الله .. وبين شكٍّ ويقينٍ عرفت أناملي شيئا ما اصطدم بها وأفلت شيء شبيه بالحجر، لم أسلم من مراوغة الماء، فلعل ما يصطدم بكفي بعض الخدر أو الوهم وأظنه إشارة تنذرني بالغلو والتمادي، وحين أحسست بثقلٍ يجثم على رأسي وتصلبٍ في صدري أوحت الرهبة إليّ لا الخوف أن التيار سيجرفني، وربما شككت في كوسجٍ يندفع نحوي فيقطع قدمي قبل أن أصبح جنديا .. عاهة تنقذني من الخدمة الإلزامية .. رحت أعوم نحو الدرجات القديمة ثم اتخذت موقعي على أقرب درجة التمستها يدي ..

2

انتظار

 كنت أظن أني بعد أسبوع من آخر غطسة لي في الشط أنتقل إلى مكان بعيد عن التنومة باتجاه الصحراء، وأساهم في حرب قد تقع بين عشية وضحاها .. تساءلت وأنا عائد إلى البيت يا ترى أين يبعثون بي وبأية صورة أرى التنومة إذا كتب لي عمر جديد فعدت إليها وبأي شكل تبدو وقد عبرت عليها حرب دامت ثماني سنوات وأخرى مرت قريبة منها؟بعد حرب الخليج الأولى كبرت المدينة وجاءها غرباء كُثْرٌ من أيِّما مكان فضاعت شوارعها من أهلها الاصليين حتى بدوا كانهم غرباء فيها وبعد حرب الكويت البعيدة عنها انتفخت و تطاولت أصبحت أشبه بخيط مطاط .. توغلت بيوتها في البر الذي أعلن ذات يوم عن موت جار الله .. ولا يظن أحد أن شيئا يتغير غير أن للحرب طعما آخر إذ سواء اندلعت مع ايران على حافة التنومة أم بعيدا عنها في صفوانَ فإنَّ الناس يزدادون .. بكتريا تنشطر والبيوت تكثر وتقضم البر .. فتزحف باتجاه الفراغ المترامي الخالية بعض أطرافه من الألغام وقد اقتنع الناس تماما أن كل شيء يمكن أن يتغير بالحصار والحرب إلا الشطّ .. لايصدق أحد أن النهر الكبير يمكن أن يلتوي للحصار مثل الآخرين ولا يخطر ببال عاقل أن سدود تركيا تقدر أن تبتلع ماءه وموجه الذي يتطاول على أمواج البحر .. أو أن النهر الثالث الذي اندلع في برِّ الزبير يطغى بمائه المالح إلى وجه شط العرب .. كان هناك حصار، وخيال الآخرين يتوهج بالحرب.الشط عرفوه من قبل .. لن يصيبه الجدب وما الحوت الذي اقتحمه ذات يوم إلا مخلوق ضل الطريق فلقي حتفه .. فإن لم يضلَّ، وفق تخرصات ظهرت أخيراً، فقد امتدت ملوحة الماء إلى النهر وتلك طامةكبرى، أما أنا الذي غَطِستُ فيه هاربا من الحر قبل دقائق فقد شعرت ببعد القاع عن راحتي وكأن يدا قوية تشدّ على رأسي، فشككت أن النهر تَغَّير .. تَيَّارُه مازالَ يجْرِف الأشياء بعيدا عن مكان سقوطها، وثقل تشعر به حين تغطس إلى القاع فكيف قلَّ الماء وضعف التيار ومن قبل أن يمنحني جارالله حجراً انتزعه من قاعه عرفته ذلك الطفل المدلل الصغير الذي ولدته أمه الفرات من أبيه دجلة كما حدَّثَ معلم المعلومات في السنة الثانية الإبتدائية وخَبِرناه يوم حذرنا أهلنا من أن نغط فيه إلى درجة أننا يمكن أن نحلم في أثناء نومنا بوحوشٍ غريبةِ الأشكالِ تخرج من الماء تحت جنح الظلام فتقضم أرجلنا، في حين تختلط كثير من الهواجس بذهني وتصورات الآخرين.هل يصدِّق أحدٌ أنَّ الأمريكان والإنكليز يغامرون بضرب العراق .. يأتون من الكويت ويدخلون المدن، ومن دون وَجَلٍ ينبش الناس الماضي فيقول قائلهم رحم الله عبد الكريم قاسم كان إذا تحدث في بغداد ارتجف الخليج وأنت ياشاه إيران ايها الطاووس المملؤ زهوا وكبرياء حين تسعل يخرأ آل سعود ومن تبعهم في الجلابيات البيضاء .. أما أنا فأتذكر حوتا ضل قبل سنوات من الخليج ودخل شط العرب فتسطع في ذهني عبارة جار الله هؤلاء لا يأتي منهم إلا الشر، صدقت نبؤة رجل يقرؤ الماء مات على البرّ، الرئيس يعانق أخاه سمو أمير الكويت .. يبعث ببرقية تهنئة إلى أخية جلالة خادم الحرمين .. الأخ سمو أمير البحرين .. ثم انقلبوا أيَّما انقلاب .. فكيف سبق الأعمى الزمن وقرأ صفحة أخرى ليست قريبة على الماء مقابل ذلك فقد حياته ثم أسال نفسي:أين أكون ساعتها؟في أيةجبهة؟هناك حوتٌ ضخم يبدو أنّه مات ذات يوم في الماء أو هكذا وجدناه ثمّ ظهر في البرّ، لقد رآى الجميع على طول الطريق بدءا من صفوان هياكل الدبابات والمدرعات المحترقة في حرب الخليج الثانية.وتحسسوا بكل جوارحهم زيوت الجنود الذائبين على قطع الحديد المبعثرة، واحدة من تلك المدرعات التصقت بعظام أخي .. ومن قبل راح شباب يغامرون ويعبرون على جثث القتلى من حرب الخليج الأولى غرض تفكيك هياكل السلاح المهتريء وبيع قطعه لمن يعملونها صحونا وملاعق لكنْ هذا تحالف .. تكنولوجيا .. طيران.جَرَّب العراق عضلاته في أولِّ صِدامٍ بعد حرب الكويت .. صورة شواريسكوف .. مازالت ماثلة للأذهان.في حرب الخليج الأولى ذاقوا الخراب لكنهم لم يشعروا بالرعب .. خوف فقط .. أما مع الامريكان فلابد من أن يتجلى الرعب الهائل في سلوك الناس ونمط تفكيرهم وإن ظنّ الكثيرون أن الحرب لن تقع أبدا.بلا شك أنا أكثرهم قلقا مما يأتي به المستقبل .. جيلان مرّا قبل جيلي: أبناء القادسية ثم جيل أمِّ المعارك، والرئيس يسمي المعركة القادمة المفترضة التي تقع أو لا تقع أمّ الحواسم .. هل أرمي في الهواء قطعة نقود فأخمِّن وجهها الحرب وظهرها اللاحرب .. سأكون واحدا من أبنائها ولا أعرف كيف أحسمها .. لقد حمتني المدرسة ومن ثمة الجامعة من حربين مهولتين .. القادسية وأم المعارك .. خلال تلك المدة أي خطأ يمكن أن يقلب الحياة رأسا على عقب .. الجندية وتلاشي الأمل في أن أدرس الأرض .. أغوص فيها .. أبحث عمّا تنطوي عليه أحشاؤها.ثم هناك شك يساور النفوس ولا أحد يجرؤ على البوح به كنت في الثاني الإبتدائي يوم توجس أهل التلاميذ أن الحكومة تتحكم بنسبة النجاح .. الحرب يبدو لاتنتهي فليكن هناك مقاتلون .. تلاميذا الثانوية توجسوا .. وأبي يحثُّ أخي " سليم" على الاجتهاد أخي "عقيل " في الجبهة، الطريق أمامي طويل، ولوقدرللحرب ألا تجد لها ختاما لتضيع نهايتها كما ضاعت البداية، فسيكون مصيري كالآخرين .. لاجغرافية ولا تاريخ كَأَنْ لمْ أَعْلَق القديم ولاشغفت به .. وما أيسر أن يتحقق كل ذلك حين أخفق سنتين متتاليتين فأخسر الجامعة وربما حياتي فيما بعد!

 لكن ها هي المراحل التعليمية الثلاث تنتهي.ثمانية عشرعاما تمترست خلف رحلة الصف، فهل تقع الحرب حقا مثلما يتوقع الناس ولا يتوقعون أم هو مجرد لغو إعلامي بين أكثر من طرف لاغير؟

3

الحرب

 لكن الحرب المختلف فيها أن تكون أولا تكون وقعت .. وجه العملة المعدنية هو صاحب الحظ.أصبحت حقيقة لمن أنكرها اندلعت قبل أن ألمس بندقية، وأغادر التنومة، منحتني فرصة أخرى للنجاح مثل المدرسة والجامعة، فرأيت بعيني الجيش وتوابعه يتحلل ويذوب أشبه برغوة تطفو على الماء ثم تتلاشى، ولعلها هي تلك بشرى شط العرب لي بالحجر الصغير الأخضر المزرق الذي لا أتذكر أين وضعته قبل أن نغادر التنومة إلى الزبير في حرب الخليج الأولى!

وها أنا ذا أتنفس الصعداء .. أرى وأسمع كلَّ مايجري فقد كان هناك معنى أوسع من الزمن وفوق كل التوقعات .. أسبوع واحد .. سبعة أيام حالت بيني وبين الحرب إذ تغيرّ كل شيء تماما .. فوضى عارمة والناس في البدء شُغِلوا بجزئيات عن وقائع كبيرة .. تابعنا بلاغات الصحّاف عبر شاشة التلفاز وسمعنا بمقاومة أمِّ قصر .. أبو هريرة الصحاف قال كلاما مقتضبا ثم أختفى ولم يعد .. نحاصرهم من جهة الدورة .. ستتصدى لهم قوات الحرس الجمهوري والجيش المليوني .. أمُّ قصر أَمْ الدورة وخروقات القوات الأمريكية المنهارة .. نعيش الأحداث بعيدين عنها في الوقت نفسه نحن فيها .. ثم انقطع البثّ وانتهت الحكاية .. اكتشفنا أن كل شيء كذب ومبالغة .. عشنا انفجارات هائلة قيل إنها قنابل صوتية تبث الرعب، وصحونا على جندي أمريكي يلفّ تمثال الديكتاتور بالعلم ذي النجمات الخمسين .. كيف تبخر جيش كالغبار في ساعات.قوات الحرس الجمهوري .. جيش القادسية .. الجيش الشعبي .. غلبنا أهل الخليج ضحكوا علينا ثماني سنوات ندافع عنهم.نقاوم الفرس المجوس وأخيرا سخروا منا ومن البوابة الشرجية .. القناة الشرجية .. ليسموها ماشاؤوا، بوكيمون، خلنا العشار أصبح أنقاضا من هول الدوي ِّ وإذا به لمّا يزل سليما معافى، ليضحكوا .. اللعبة الألكترونية تقول .. الامور يختلط بعضها ببعض .هؤلاء اللوطيون همهم فقط الدبر .. ضحكوا علينا ثماني سنوات والآن يضحكون على القوى العظمى بنقودهم .. أما جارالله الأعمى الذي عرف هؤلاء بعد أن جمح الحوت في النهر فقد قُتِل ولم يُكْمِل النبؤة .. غواية الصورة جعلتني أحتل مكان أخي في أحد الدروع خلال حرب الكويت .. أتخيّل الموت يحاصرني من كل الجهات .. ألمح وجه شوارسكوف .. فأتعرض لسلاحٍ خارقٍ يذيبُ الحديد .. ألتَحِم بالمعدن .. فأكون سائلا .. القصة تخيلها المعزّون والمواسون ففطرت قلب أمي، وسمعت أبي وهو يقول على الملأ: لن يبقى عندي إيمان سأنتحر إذا قامت الحرب لا قدر الله فحدث مكروه لابني الأصغر .. يا ترى لو لم يسبق التحالف الزمن ويبدأ الحرب قبلما ألتحق بالجيش فأين أصبح الآن .. في معسكر تدريب بالناصرية حيث البر المترامي الأطراف أم ْعلى أطراف مدينة ما أخلع ملابسي العسكرية.أتخفى ثم أبيع رشاشتي مقابل رغيف خبز، أم أضع طيرا في قفص وألملم أحجارا جميلة من البرّ فأحملها معي ماشيا إلى البصرة!

حرب أشبه بلمحة هجينة نصفها حلم ونصفها الآخر حالَ عيانٍ لا شكّ فيها مثل القنابل الصوية التي دمّرت العشار بأذنيك واحتفظت به عيناك سليما!.كلّ شيء جائز .. الزمن الذي غفلنا عنه فوجدناه لعبةً عند مختار الأعمى وحسابات دقيقة تمثلت بساعة لاتنقص أو تزيد نَقَلَ لنا دقاتِها مذياع .. جاء في هذه اللحظة بموجة فوضى .. وسلبٍ ونهبٍ واغتيالات .. العنيف يختلط باللطيف والشجاع يصبح جبانا، والماء الفرات العذب ملحاً أجاجاً، لا مقاييس، لا جيش ولاشرطة .. فمن يقتل من ومنْ يحمي منْ، وفوق هذا وذاك تُدخلنا دول الجوار بنفق يمتد بعيدا من خلفنا لا نهايةله .. أنتم أهل العراق تستحقون مايجري لكم من عذاب .. صدق الحجاج إذ وصفكم بالشقاق والنفاق، قتلتم ابناء الانبياء، حاربتم الأولياء، قاتلتم الطيبين، حاربتم إيران، سرقتم الكويت، رفعتم السلاح بوجه التحالف، فإن لم تجدوا قوما تحاربونهم رحتم تقتلون أنفسكم .. تحاربون بعضكم بعضا .. في هذه الاثناء، وقد اختلطت الأمور بين الحاضر والماضي، والشماتة والبذاءة، والرعب وانصباب الدم، فرّ أخي إلينا غادر العشار وجاء يسكن معنا في كردلان، أما أولاده الثلاثة فقد ابتعدت بهم الأم إلى بيت الجدِّ في الكوت .. ماالذي ينتظره حزبي قديم مدير مطاحن الجنوب في وقت كان الجميع يلهثون وراء الرغيف .. وهو يرى الناس الغاضبة تطارد بعض الحزبيين، تقتلهم أو تقتحم بيوتهم فتطالب أهاليهم فيما بعد بفدية يمكن أن تنقص بضعة آلاف إكراما لبعض الشيوخ.هكذا جرت الأمور خلال أيام قليلة فيخيل إلينا أنها دقائق طويلة.قرون من الجحيم انحشرت في ثوان، أخي معنا في مكان آمن لا أريد أن أفقده لكنّها هواجسي .. لا أحب أحدا أن يشاركني في البستان .. ذلك لا يعني أني أستهين بمصير أخي .. أو لا تعنيني حياته قط .. أبدا لا أفكر بهذا الشكل البشع بل بدوت لطيفا معه .. حاولت أن أواسيه .. أجاريه .. لم أذكِّره بحوارات التقطت بعضها في غرفتنا نحن الثلاثة مع سليم .. رحت أتحدث عن عشيرتنا وسطوتها وقوتها .. وفرعنا القوي نحن آال النبهان.المسلحون لا يصلون إلينا في كردلان وأخي لا يفضل الخروج بعيدا عن البيت، وهناك في التنومة ممن خدموا الحكومة السابقة لزموا بيوتهم وعاشوا بأمان.

أبي يستعرض أمام أخي أسماء حزبيين نسيهم الناس فقبعوا في بيوتهم ..

وأنا أؤكد له أسماء مسؤولين كرههم أهل شط العرب وأخذتهم الرأفة بهم!

ومن حسن الحظ أنْ لم يطرق بابنا أحد يدعي أنَّ عقيلا آذاه يوم كان رفيقا متنفذا في الحزب .. لكن لاوقت للأمان وإن ظننا العنف بعيدا عنا كنا نزداد قلقا كلما سمعنا بمحاولة اغتيال .. فمن نظن أنه نجا اليوم قد ترديه رصاصة غدا أو بعدحين .. طالبو الثأر والمتضررون من العهد البائد يطلعون بمفاجآت جديدة كل يوم .. اغتيال .. دهس .. خطف .. طعن في الشارع .. ظل أخي يلوذ بالصمت في أغلب الأحيان، ولعل آخر خبر انتشر في التنومة جعل أبي يهيج ويفكر بمخرج لورطة أخي هي الأخبار المزعجة وردت عن مصرع محمد الرشيد .. هناك اثنان خرّبا خِلسةً سلك الكهرباء من أمام بيته.يقال إنه ضر بعض الناس فسجن من سجن .وربما قُتِل بريء بسببه .. خرج يستطلع وفي لحظات حدث إطلاق نار وفرت سيارة إلى حيث لا يعرف أحد ..

أول حادث يسقط فيه قتيل من محلتنا ..

البعثيون مطاردون فإما أن يدفعوا دية أو يموتوا ..

محمد الرشيد أصبح عبرة لغيره وحديث العوائل في التنومةوكردلان، وأي حادث نسمع به يجعل أمي تهيج .. فيحمر وجهها .. ويتلون وجه أخي !

سألته، ولم يكن قصدي أن أبعده عن البستان بل عن الموت:

- هل تقدر أن تنقل عملك إلى بلد زوجتك؟

أجاب بلهجة اليائس المتشائم:

وهل تراهم عاجزين عن أن يتبعوا ضحاياهم؟

فردت أمي مثل النمرة الشرسة:

- مادمتَ لم تؤذ أحدا أو ترفع تقريرا بأحد فلا تخف!

- التقارير والتنسيق مع الأمن من اختصاص ضابط أمن المديرية!

قلت كأني فقط أحب أن أتحدث:

- يا أخي لا تنس ربما يستغل خصومك درجتك الحزبية للوقيعة بك وبنا نحن لا لضرر سببته بل لأن بعض الناس مجبولون على حب الضرر!

 قلت ذلك أداري هواجس يمكن أن تجرح أخي لو بحت بها عن قصد إذ منذ عودتي إلى البيت من آخر غطسة لي في الشط .. أختي تسكن مع زوجها بعيدا عنا، وعقيل يملك بيتا ووظيفة .. ماذا لولم أمت في حرب مفترضة وعدت بعد سنوات لأجد اثنين ينازعاني حصتي في البستان والبيت، مع ذلك لم أجرؤ على مخاطبة أبي، ولا شكّ أننا الآن يمكن أن نتعرض لابتزاز فنبيع البستان، فأُصِْبح لاشيء.أضفت اؤكد هواجسي:

- قد نضطر أن نبيع الأرض أو البيت.

ولزمت بعدها الصمت فقال أبي يتدارك الموقف:

_ إذا كان هناك من شيء لا قدر الله فسيبعث لنا أي متضرر وفدا من عشيرته لدفع فدية!

فاندفعت أمي ثانية بحماس مفرط بعث الهواجس في نفسي:

- لا تخف مثلمايقول أخوك إذا اضطررنا فسنبيع كل مانملك لئلا يعترضك أحد!

كان أخي ينام في غرفة أختي، في تلك الليلة طرق الباب ودخل عليّ .. صمته يفصح عن قلقه .. عيناه مشتتان.كأنه يريد ان يقول شيئا.كنا نحن الثلاثة قبل مصرع أخي ننام في الغرفة ذاتها بيننا ومخدع أبويّ غرفة أختي.كان النوم يداعب عينيّ مبكرا في حين يظلان يتحدثان .. بعض الأحيان التقط حديثهما، فأعي شذراتٍ منه ولا أفهم معظمه .. وفي وقت متأخر بعد مصرع أخي " سليم" عرفت أنهما كانا صديقين في أغلب الأحيان ومختلفين في بعض الحالات، وأن السنتين اللتين سبقتا حرب الكويت كانتا أوج تقاربهما على مابينهما من اختلاف .. وإنهما تحاشيا في حديثهما المسائي بعض العبارات ولجآ الى بعض الاشارات خوفا من أن أفهمها فيزل لساني عن غير عمد .. تلك الحقيقة عرفتها فيما بعد حين استجمعت ذهني أستعيد ذكرى أخي الشهيد الذي ترك فراغا في البيت كلِّه والحق إنَّه كان أكثرنا صراحة وقناعة عن نفسه والآخرين وأشكُّ أن أخي الأكبر عقيل تحمس في ان يعمل مع حزب الدولة عن قناعة تامة.دائما يعرف من أين تؤكل الكتف .. كان وفق فهمي للأمور حينذاك يحاول انه يتجنب الضرر ويغنم الكثير.اندفع في حرب الخليج وتطوع مع الجيش الشعبي .. دخل في حوارات عقيمة مع سليم الذي عُرِفَ بِصَراحةٍ زائدة عن الحد المألوف في زمن لابدّ أن يكون للفرد أكثر من وجه، وقد تحقق لعقيل ماأراد ترقّى قبل غيره في زمن قصير، فأصبح مدير المطاحن .. حسابات دقيقة .. قالها أمامي خلال نقاشه مع سليم إحدى الليالي .. لِمَ لا أحتل موقعا مهما مادمت نجوت من حرب اندفعت فيها متحمسا فغيري ليس بأفضل مني .. سليم نفسه لم يُفاجَأْ بتهافت عقيل لكنَّ الصدمة جعلته يغضب على المدرسة وعلى نفسه .. بالكاد أكمل المرحلة المتوسطة انزوى لايكلم أحدا إلا للضرورة حتى التقطه القدر في حرب الخليج عندها ترك مصرَعه أثراً في نفسي أكثر من أيّ أحد .. صرت أكره صحراء الزبير وخيل إلي يوم ورود نعيه أن جبل سنام تنين يفتح شدقيه، وربما تخليت لو لم يبدأ التحالف حربه الأخيرة قبل خدمتي الإلزامية اني سأواجه موتا لا يختلف كثيرا عن مصرع أخي قلت:

- لماذا لا تأتي لتنام هنا مثلما كان الوضع أيام المرحوم؟

قال من دون مقدمات:

- فكرت في كلامك كثيرا فبدا انه العلاج الافضل!

- هل اقتنعت أن تنقل شغلك إلى مدينة زوجتك!

- بل هي المرحلة الأولى، لذلك جئت أقول لك إني سأبريء ذمتي مع أبي.

- عن أي شيء تتحدث!

- إن الوالد رجل يؤمن بالحلال والحرام سأبريء ذمتي أمامه فأنزل عن حصتي في البيت تبقى أختنا يمكن أن تشتري منها أو تتنازل هي أيضا!

 شيء من تأنيب الضمير يجتاحني .. فكرت بصورة مختلفة تماما .. بعض الأحيان ألوم نفسي إذ ساويت بين رغبتي في البستان ونجاة أخي الأكبر.لقد شغلت نفسي بالاستحواذ على الأرض بعد مصرع أخي الأوسط .. يوم عدنا من العشار وكبرت، ثم تزوجت أختي وسكنت محافظة أخرى .. كنت أرى كل شيء يختلف عما كان عليه أخي الذي خدم في قاطع الوسط أصبح ذا وظيفة كبيرة .. التنومة تغيرت .. زحفت عليها البيوت والغرباء ومابقي الا بستاننا وبعض البساتين الممتدة على الساحل باتجاه الكباسي والحوطة فمن يضمن مستقبلا عصفت أوكادت تعصف به حرب الخليج الثانية :

- الآن في هذه الظروف لا يشغلنا شيء إلا الحفاظ عليك أنت وعائلتك!

فقال بنغمة يائسة:

- ربما لاشيء، لكن لا مستقبل لي، هنا لدي مايكفيني من مال .. قد أبقى مدة ثم اغادر البلد إلى سورية .. تركيا .. الاردن أيّ بلد لايهم .. سأجدُ محطَّةً ألْتَقِط بها أنفاسي ثم أطلب اللجوء!

كبرياء أم اعتراف بهزيمة .. زرت أخي في منزله أيام زمان.كانت صورة الرئيس تزين غرفة الصالون.صورة وصور أخرى .. جذبني أثاث البيت وحالة البذخ التي يعيشها .. مدير مطاحن البصرة في وقت بحثت الناس عن الرغيف .. أيّ رغيف سليم أم مطحون بنشارة لخشب .. البصرة كلها تتطلع إلى طعامها منه .. يمكن ان ينسى الآخرون درجته الحزبية .. منزلته في الدولة غير أنهم لاينسون تقريرا كتبه بحق شخص أو وشاية أدَّت بآخرين إلى السجن:

- هل أخبرت ابي بمانويت!

- أبداً لا، ولا تخبره عن نيتي في الرحيل.كلّ ما في الأمر أني سأبّريء ذمتي بخصوص الأرض!

إزاء مايجري من حوادث سيئة تجدّ كل يوم .. كنت أنا أو أبي وحدنا نجرؤ على الذهاب مضطرين للتبضع أو قضاء بعض الأمور فنجيء إلى البيت محملين بأخبار مافعلته المفخخات والانتحاريون وحوادث اغتيال للمترجمين المتعاونين مع جند الاحتلال أو الحزبيين القدامى:بعضها نتحدث به والآخر نخفيه عن أخي .. كان هناك انكسار ما يلوح على هيبتة هل يقول إنه فعل ذلك شأنَ الآخرين الذين اندفعوا مع العهد البائد فغنموا مناصب كبيرة ولا أحدَ يظنُّ حينها أنَّ دولةً بجيشٍ جَرّارٍ ورئيسٍ قويّ تسقط في بضع ساعات .. كان أخي يؤكِّد، والقلق يرتسم على وجهِ، أنَّه لم يعاقب أحدا ولم يقتل أو ينافق ليزيح شخصاً من منصبه مع ذلك خشي أبي من سوء العاقبة فزار شيخ العشيرة ليزداد أَمْنَاً بحمايته من أسراب المليشيات وعصابات القتل، وامتنع أخي من مغادرة البيت، مع ذلك بقينا في حيرةٍ وخوفٍ، فليس المهم أن يقتنع عقيل النبهان نفسه أنه بريء ولا أن نقتنع نحن أهله ببراءته من أي عملٍ تسبب في الضرر بل الآخرون والمليشيات التي تتربص بالمتعاونين مع العهد البائد!

***

د. قصي الشيخ عسكر

.....................................

حلقة من رواية: النهر يلقي إليك بحجر

1- الرّقي بلهجة العراقيين هو البطّيخ في اللغة العربيّة الفصحى.

 

مصطفى عليلُغةُ المصالح والخنادق والمحاور

بضاعةُ التاجر

ولسان الحال والوجدان قَدَرُ الشاعر

(لا أستثني أحَداً منهم)

***

رأى في البيرِ صورَتَهُ (فَ تاها)

                       بِنفْسٍ راوَدتْ عِشقاً (فتاها)

تَراءتْ ذاتُهُ أحلى عَروسٍ

                             أذلّت أينما مَرّت جِباها

يغازِلُ فتْنةِ الحسنى أناهُ

                       بأوصافٍ بِها خصَّ الشِفاها

يخاطِبُ ظِلّهُ بضميرِ أُنْثى

                        وفي مِرْآتِها السكْرى تناها

يَعُبُّ، العُمْرَ، من دَنِّ المَرايا

                     ويرْشِفُ من جنى وهْمٍ طِلاها

إذا خانتْهُ مِرْآةٌ فَغامَتْ

                          وكدَّرَ وجْهَهُ غَبَشٌ طَلاها

تَراكضَ قاصِداً بيْرَ الجواري

                       وزَوّقَ (عِرْسَهُ) حتى يراها

فَضجَّ البيرُ من ظِلٍّ عليلٍ

                        وشبّتْ موْجَةٌ ترْثي المِياها

على نفْسِ الفتى سَحّتْ سُخاماً

                       غُيومُ الوهْمِ فاسْودّتْ سماها

ومن أعماقِ خافِيَةِ المُسَمّى

                     تداعى الوهْمُ لا يدري إتِّجاها

أراهُ الوهْمُ طاووساً بِذيْلٍ

                           مُوشّىً ريشُهُ وبهِ تباهى

فَخضّبَ ذيْلَهُ بِدَمِ الرعايا

                            وَسَوّكَ بالدِما ناباً وفاها

تَوَرّمَ فارِغاً والْنفْسُ حُبْلى

                         بِحَمْلٍ كاذِبٍ تُرْضي مُناها

شَقيٌّ يرْضعُ الاوهامَ خمْراً

                        كأنَّ النفْسَ لم تبرحْ صِباها

فصارتْ ذاتُهُ مِنطادَ ريحٍ

                         غزاها المدُّ فابتلعتْ مداها

صَحتْ فِيهِ البواطنُ والخوافي

                      وفي الصِدّيقِ (يوسُفِهِ) تماها

زليخاتٌ تَبَدّتْ للمُفدّى

                        وهلْ فيهِنَّ مَنْ سَلِمتْ يداها

مِنِ السِكّينِ حَزَّاً في وريدٍ

                       كَمَنْ شاهدْنَ في حَشْرٍ إلاها

وقدْ سالتْ بلا أٓهِ دِماءٌ

                           سَكِرْنَ بِحُسْنِهِ فَنَسينَ آها

أناديهِ ولكنْ مَنْ أُنادي

                        فقد ذابتْ (أناهُ) في (أناها)

توهّمَ أَمْ تَهوّسَ لسْتُ أدري

                       فكم هامتْ نُفوسٌ في هواها

وعُذراً يا نساءَ الحيِّ عُذراً

                           إذا شطّتْ بقافيتي رُؤاها

فَليْسَ المُرتجى تشْويهَ غِرٍّ

                     ولكنَّ الفتى المهووسَ (شاها)

ينادي أنّني قَدَرُ البرايا

                   وشمْسُ الكوْنِ من كفّي ضِياها

شِعاراتي لكم أياتُ رَبٍّ

                           فبشْرى للّذي منكم تلاها

أنا الحقُّ السَماوِيُّ المُعَلّى

                    ولي صوْتُ الحقيقةِ لا صداها

أنا ديكٌ تَخيّرني دجاجٌ

                     على رأسِ المزابِلِ لا يُضاها

دعوا الكُرْسيَّ لي مُلْكاً عَقوراً

                         أنا رَبُّ الأنامِ وربُّ (طهٓ)

ملائكتي ذوي القرْبى عشيري

                           وقدْ أورثْتُهم عِزّاً وجاها

وطائفتي مُقدّسةٌ جلالاً

                         على هاماتِكم رَفَعتْ لِواها

إصطفانا الحظُّ أسياداً لقوْمٍ

                    عبيدٍ في الحِمى ترْعى الشياها

فَخُرّوا سُجّداً لَهُمُ وإلّا

                           فَللْعاصى جَهَنّمُ أو لظاها

وحاشِيَتي رعيلٌ من قرودٍ

                       مَخافةَ نزْوةٍ قُطِعتْ خِصاها

وفيهم شاعِرٌ خَبِرَ القوافي

                              فلمّا خانها قدَّتْ سَناها

مَلكْنا فامْتَلكْنا كُلَّ نَفْسٍ

                         ونَجْزي مَنْ لنا يوْماً فَداها

وفادي الروح للعرْشِ المُفدّى

                         شَهيدٌ روحُهُ سَكَنتْ عُلاها

أنا النهّامُ مُلْتَهِمُ الخَطايا

                       أيَرْدَعُني خَؤونٌ عن حِماها

يُخاصِمُني أبيٌّ ذو ضميرٍ

                  شكى زيْغَ الضمائرِ عن خُطاها

وينْسى أنّ أرواحَ الرعايا

                        تُسامُ الذُلَّ لو غيري حَداها

فَشعْبي مِثْلَ راحِلةِ البوادي

                        وهوْدَجُ أُسْرتي أدمى قَفاها

ومَنْ يَجرُؤْ على الشكوى أنيناً

                            فَمُشْتَبهٌ بِهِ ماتَ إشتِباها

ويشْقى في مُعارضتي حَسودٌ

                        عَزيزُ النفسِ عن ذُلٍّ نهاها

فباطِنتي لها سَبْرُ النوايا

                        وَتُولي كُلَّ من عَفَّ إنْتِباها

تُحاصِرُني كرامتُكم كَداءٍ

                         فأُلقي من (براميلٍ) دَواها

ومن خَلَعَ الكرامَةَ مِثْلَ نَعْلٍ

                           بِوادينا المُقَدَّسِ أو رَماها

على أهْلِ المُروءةِ في بلادي

                       سَلكْناهُ الحضيرةَ فارْتَضاها

مَعاذَ الله من عَبّادِ ذاتٍ

                            ومن لم يعتقد رَبّاً عَداها

تَمهّلْ أيُّها المنفوخ نفْساً

                         تعالتْ لا ترى أحداً سِواها

فلن ينسى الأُباةُ لَكَ الخطايا

                        وقد وَلَغتْ ذِئابُكَ في دِماها

وسلْ ملآى السنابُلِ في حُقولٍ

                          لِماذا تنحَني فَنَصيحَ واها

***

مصطفى علي

 

سردار محمد سعيدهذه الليلة موعدنا يا "رشيدة "*

أليس الليل بطويل

ليطل وجهك المشبع أنوثة

إنتظرتك وأنا أخترع كلمات الغزل

خصفت الشغاف عبارات

فاكشفي عن ساقيك

وخوضي الصرح الممرد

سأذبح الهدد إن استرق النظر

*

يوم اللقاءالأول  

كسرنا نوافذ الحب المغلقة 

مسحنا الندى عن الزجاج

شربنا القهوة المرّة في مقهى اللوتس *ً

كأن مذاقها العسل

يضحكنا انتقال فراشة بين فم وفم

في غمرة الغزل

*

رأيت أرصفة  "ديدوش مراد" حزينة

يا لموج المتوسط كم داعب الهُدب

والسفن القادمة من غرناطة تمخر الزبد

وفم الماء يقضم قرص الشمس الفاقع

ولاّدة تنثر القبلات

تحملها الريح للحيتان المتقافزة

سلاماً ملايين الشهداء

حقاً رشيدتي سئمتُ البقاء

*

حامل الراية استشهد سريعاً

كوفىء بقراءة سورة الفاتحة

يبس الأقاح

غابة الزيتون احتضرت

والطير كسير الجناح

وقناديل تمر "الدجلة" انطفأت *

فبماذا تقّرعين رشيدة

 

سردارمحمد سعيد

....................

* رشيدة الجزائرية ، كنّا على وشك الزواج ،وتوفت عام 1976 رحمها الله وما زالت عالقة في ذهني .

* مقهى اللوتس : قرب نفق الجامعة في الجزائركان يرتاده الفنانون والأدباء والعرب المقيمين في العاصمة الجزائرية .

* "دجلة نور" من تمور الجزائرالشهيرة

 

نقيب العشاق بين بيخال ونياغارا .

 

عاطف الدرابسةخبِّريني

كيف نسيتُ آخرَ ليلةٍ في عينيكِ ؟

*

وخبِّريني

كيف ابتسمَ الأصيلُ بين شفتيكِ؟

*

خبِّريني

كيف تشتعلُ القناديلُ على صدركِ

وترسمُ شعاعاً

يتكسَّرُ على تفاصيلِ الجسدِ

مثلَ أمواجِ النَّهرِ

حينَ تنتشرُ على الماءِ الرِّياح؟

*

خبِّريني

كيف اقتحمتِ أعماقي

كالسُّيولِ

في يومِ شتاءٍ مُفاجِئ

وصرتِ جزءاً من حياتي

فتجذَّرتِ فيَّ

كالشَّجرِ العتيقِ

وتعاظمتِ كأنَّكِ النَّخيل؟

*

وهبتِني قلباً بريئاً

كالطُّهرِ

ووهبتُكِ قلباً مُكتظَّاً بالآثامِ

والخطايا ..

*

ذاكرتي يا حبيبةُ

كالمُدنِ العشوائيةِ

مزدحمةٌ بالضَّحايا

حاولتُ أن أستعيدَ من أنيابِ الدَّهرِ

وجهيَ القديم

عقليَ القديم

عمريَ القديم

فتهتُ كالأطفالِ بين الزِّحام ..

*

لا تعاتبيني

إن شعرتِ يوماً أني تغيَّرتُ

أو تحوَّلتُ

فما أنا إلَّا وجهٌ آخرُ للفصول !

 *

طويتُ صفحاتٍ من الأحلامِ

ومزَّقتُ صفحاتٍ من الخياناتِ

وأحرقتُ صفحاتٍ من الهزائم

وحملتُ في صدري

ومضةً من ضوءٍ

قبستُها ذاتَ لقاءٍ من عينيكِ !

*

كلُّ العطورِ عابرةٌ إلا عطرُكِ

ما زالَ عابقاً في أفكاري ..

حينَ يؤرِّقني الوجعُ .. آتيكِ

فأنسى الوجعَ على صدركِ

وأمضي ..

*

حينَ تجورُ عليَّ الأيامُ .. آتيكِ

فأرى الأيامَ ترقصُ

كما الأنوارُ في عينيكِ ..

*

حين تموتُ الأماني

ويساورني الشَّقاءُ .. آتيكِ

ثم أعوووودُ

أحملُ الآمالَ

وأنظرُ نحوكِ بابتسامٍ

وأمضي ..

*

أنا يا حبيبةُ كالأمواجِ

أتقلَّب من حالٍ إلى حالٍ

وحينَ تجمعُني بكِ الأيامُ

ويُعانقُ نبضيَ نبضَكِ

يعلو صهيلُ الموجِ

وتتفتَّحُ البراعمُ في الرِّمال !

***

د.عاطف الدرابسة

 

لالة مالكة العلويقدامي أجيء رمادا

أذكر  كم يراني أثري

وأراه ..

وكم تخفي القصيدة نثار الظل

بين الحرف والحرق ..

لا ألتفت

لا أغمض ..

عيناي في الخوف تتبعني

وتبلغ رقوة الشاي الحار

كمن يشرب ضنك الحياة وينشد السلام!

وورائي عنقاء تعذر الصمت

لم لا يكون رمادي أسرا

وأغنية

وشاحا بكسر الفناء البعيد؟

لم لا يشهدني رفيق الدرب

عند اشتداد القيد؟

لم لا أكون شجرة الأفيون

وساعة القيامة

عند اقتراف الحب؟!

ذلك أني ..

 أبيح لي الانكشاف كقطعة حلوى

مرممة بأثير أغنية عفراء ..

وأقبض الريح العارفة بمستقبل غامض

وأوغر الصدر الذي يتحسس الصدى

ويوهم الوجع بالتآمر

والغواية بالغرق في جب الهباء ..

***

شعر: لالة مالكة العلوي

رابح حيدوسيالموت مؤجل

والميلاد سلالم .

لموتك اينعت في اديم الروح

ازهار ترش الألواح  بعطرها ..

الريح تذروه

شاهدة  و عوالم .

*

ليس في حياتك  أرض

وليس لديك غنائم .

محارب انت ام مسافر ؟

تطارد دخانا ودوائرا

وصوتك في  الرياح

شظايا ..

ام انك  للرياح سلالم .

*

قبل الميلاد ،

اثلجت  سكرة الموت

والموت راقص حالم.

انت كما انت..

كما الموت ..

صرت تدنو من خطاياك

تؤثث صدر  الحياة

تؤجر  للفصول النسائم .

*

في الشرق شمس هاربة

من الشرق ..

من الأساور والخواتم .

الى سرير صخرة

حطت على وسائدها الرمال

نثرت خرائطها

واحرقت في صوتها

اوتادا  رست عليها وتمائم.

***

شعر :حيدوسي رابح

بسكرة /الجزائر

سعد جاسمالحبُّ بحرٌ

وأنتَ مازلتَ على شاطئهِ

فإِبحرْ بكلِّ مافيكَ

من رغبةٍ وبسالةٍ وجنون

ولاتخشَ هديرَ الموجِ

وصراخَ العواصفِ الشرسة

ومثلثاتِ الموتِ

التي تحاولُ الوحوشُ

استدراجَكَ إليها

أَنتَ وحوريتكَ الأَرضية

التي تحلمُ برؤياكَ

وأَنتَ تحلمُ بالتوحّدِ معها

حدَّ التماهي والاشراق

*

الحبُّ كوكبُكَ اللؤلؤي

الذي سيُضيئُ قلبَكَ

ويُضيئُ لكَ الغامضَ

والمستحيلَ

في رحلتكَ نحوَ ممالكِ الحلمِ

والكينونةِ والبياض

فإِبحرْ إِذنْ ...

إِبحرْ عميقاً ...عميقاً

إِبحرْ بعيداً ... بعيداً

في ممالكِ الحبِّ

وحكاياتِ نسائهِ الساحرات

حتى تُدركَ مُبتغاكْ

وحتى تكونَ

أَنتَ تماماً

أَيُّها المسكونُ

بالعشقِ والرحيلِ

ويوتوبيا الخلاص

***

سعد جاسم

 

مادونا عسكرالهياكل تشكو تطفّل المعرفة

الأعمدة

تتهاوى في أروقة الفناء

من يدري؟

لعلّ الكون نائم في صحوة السّرّ

المعرفة والجهل

سيّان

ألستَ أنت

أن نخرج إلى النّور

إلى النّهار...

ألستُ أنا

أن أذوب في الأرض

لأستعيد اللّحظة الفكرة...

المعرفة قول

لم تدنُ منه الهياكل

ولم تحاكيه الأعمدة.

سنغدو

ريشةً

هائمة

في سحر الهواء

مفتونة بخفق اللّاشيء

نعانق النّور

ونلتقي

-2-

خفيةً

تسلّل فجرٌ واللّيل موصدٌ

وخفيةً

التحف البحر وشاح الإله

الماء،

قطرة تمدّدت

ثمّ انقبضت

في رحم الكون

لمّا رفرف الرّوح

هجعت الأحلام

هجد الحلم

-3-

نلتقي الآن

في زمن رضا عند الرّب

نموت قبل الموت

يُرجع الصّدى صوت السّنين المبدّدة

وكلّ الإشارات الغابرة

مجذوبة إلى فوق

أرواحٌ

أنهكها التّيّار الّرحيم

من أتلفه الشّوق

يُجيد الانتظار

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

لمياء عمر عيادرياح بين شفتي تبعثر كلماتي

فتسقط مطرا من عيني

جليد يتمطّط في القلب يتشقّق

لن أسبح على شواطئ الأحلام

سأستلقي لأرصف عقْد الحياة عقدة عقدة

كم مرة وخزتني ثواني القدر في صدري الغاطس في الماء

ووجهي الملتهب بالفجيعة

ظلال ودعتني وأخرى أحرقتني وزادت لهيبي

وذاك البيت من قصيدتي العرجاء  أغلق دوني القوافي فهوى السّطر ..

انتظرتُ النقاط والربيع ..

وعلى  نوافذ الذّكرى فاجأني خريف وأوراق

وذاتي البعيدة مسافات ..

كلمات  لا تكتمل

حاضرة تكرّر الموت علّني دونها أحيا

***

الشاعرة التونسية لمياء عمرعياد

 

ابراهيم مشارةجريمة سياسية: 1/

كانت تتأبط ذراعه وهما يدخلان إلى حديقة الحيوان في يوم مشمس حين اقتطع تذكرة الدخول أحس ببعض الراحة ، مشيا طويلا غير آبهين بشيء كان الممر آهلا بالزوار وفي الزاوية لمح سيارة الشرطة اضطرب قلبه تساءل هل يمكن أن يخرج خالي الوفاض؟ أصر على موقفه ، حين اختفيا في وسط الأشجار بادرها فجأة لمح بوليس الآداب قبالته:

- مكانك، إخلال بالآداب، جنحة

لمح له أن يدفع مقابل إخلاء سبيلهما

لكنه صاح:

كل الناس تفعل هذا لماذا لا تذهبون إلى الفنادق الفخمة والشقق الجاهزة والفيلات الكبيرة ؟

لكن الشرطي ردد في صوت زاجر: قذف، جريمة سياسية

ساومه على الدفع ضعف المبلغ الأول لإخلاء سبيلهما

لما تعذر الدفع ساقهما الشرطي إلى السيارة لكن الشاب ترجاه:

خذونا بالجريمة الأولى فقط.

طابع البريد: 2/

استقر خارج البلد كاتبا منشقا تعددت رواياته وترجمت إلى لغات شتى نبه ذكره نال جائزة كبرى وصار كاتبا عالميا ذات يوم استيقظ على صوت الجرس كان ساعي البريد كالعادة يحمل إليه بريده استلم الرسالة الأولى وكانت من معحب بأدبه صعق فقد كان على الظرف طابع بريد يحمل صورته ممسكا بالقلم استمر يكتب وسط إعجاب عالمي

الغريب أن كتبه ممنوعة كما أنه ظل ممنوعا من دخول بلده إلى أن مات فسمح له بالعودة في أجواء رسمية مهيبة.

موت من الدرجة الأولى: 3/

يقوم الولد من فراشه كل صباح ويتوجه إلى مدرسته يمر بمدرسة خاصة أولا على اليمين ثم بمستشفى خاص ثانيا على اليسار ثم بجامع فخم في ناصية الشارع مدرسته العمومية وراء المقبرة حيث المستشفى العمومي الذي لفظ فيه والده أنفاسه العام الماضي حين دهسته سيارة سوداء فخمة لحسن حظه لم يمت على سرير والده بل في مستشفى خاص ظلت أمه لسنوات تتحدث عن جنازة ولدها المهيبة تلك التي حضرها كل المسؤولين وكان ذلك عزاؤها الوحيد في رحيل فلذة كبدها.

عالم جديد: 4/

تمدد إلى جانب زوجته على السرير أدار لها ظهره بقي على ذلك مدة طويلة، تظاهر بالشخير ،تظاهرت بالنوم ، خرج من الغرفة متلصصا انزوى في غرفة أخرى أخرج هاتفه وشرع في حديثه مع عشيقته الافتراضية. حين تأكدت من خروجه أخرجت الهاتف من صدرها فتحت حسابها واستسلمت لصديقها الافتراضي.

أنشأت الحكومات مستشفيات أمومة افتراضية، وسلمت بطاقات هوية افتراضية، وتضاعف عدد سكان العالم إلى أكثر من عشر مليارات نسمة بين حقيقية وافتراضية !

حميمية افتراضية، حلم افتراضي ، كذبة افتراضية ، هوية افتراضية صديق افتراضي، جائزة افتراضية...........

ميلاد إنسان 5/

نظرت في المرآة أرعبتها التجاعيد ، شعيرات بيضاء بدت في البروز أحست بالأسى منذ شهرين انقطعت عادتها أدركها سن اليأس سقطت دمعة حارة على خدها قالت في نفسها ربما الآن صرت إنسانا كامل الإنسانية خرجت عن غير قصد تهيم على وجهها لا تدري أتحزن أم تفرح

 

ابراهيم مشارة

 

مامون احمد مصطفىوحيدا تجلس كعادتك، ترنو للسماء المتناثرة بها النجوم لآلئا في ظلام الوجود والعدم. وتارة ترنو للأفق البعيد بعينيك الذابلتين المرهقتين. فأحس وأنا أنظر إليك من شرفتي المقابلة أنك تلقي حبالك على المدى الذي تحيطه عيناك لتدنيه إليك أكثر، لترى ما هو بوضوح أكثر، لكن حبالك كانت تنزلق في كل مرة جارحة بكلاباتها نسيم الصيف الناعم الطري. فيداهمك إحساس بالفشل والإحباط، ودون شعور يتقدم رأسك للأمام، مع اتساع ملحوظ بالعينين، ليستشرف أبعد من المدى المحاط بإشعاعات عينيك، ولكن حين يرتد رأسك، وتستوي عيناك، كنت أعلم أن الفشل واليأس كانا جزءا مما علق بأهدابك وشعرك في رحلة العودة.

وفي الوقت الذي كنت أثبت بصري عليك، صباح، مساء، لا اعلم لماذا كنت أحس أنك من جنس غريب؟ فجلدك المتجعد المترهل الساقط على بعضه طبقات فوق طبقات، ورأسك المغزو ليله بشهب بيضاء دونما تناسق، وكذلك حاجباك الكثيفان الملتقطان ببعضهما ألبعض. والأهم من هذا كله، هو نظرتك الغريبة التي تسبح كثيرا في بحر من الدموع الهائج بعينيك الغائرتين، الذابلتين، لتخرج على شاطئ الجفون مبللة باللون الأزرق وطعم الملح. المنبعث منها رائحة السمك والصدف، وكذلك رائحة الطحالب المميزة. كل هذه الأمور كانت تشدني نحوك بعنف غريب. وكثيرا ما خطر ببالي أن أقفز من شرفتي إليك، حتى لا أضيع الحماس، أو أترك له مجالا للفتور أثناء النزول من بيتي والدوران إلى بيتك. ولكني حين كنت أسدد نظرتي للأسفل، كنت أشعر وأحس بالهوة السحيقة التي ستلفني في رداء العدم لو قفزت إليك.

كنت أرثي لك ولحالك، حين أحدق بجلستك على كرسي الخيزران الذي اهترأ وجهه من ملازمتك له، وأنت محني الظهر انحناءة ليست كاملة، وملق ذقنك على ساعديك المعقودين فوق جسر الشرفة الحديدي، لتوجه عينيك للشارع الزاخر بالأضواء الصفراء المنبعثة من أعمدة النور.

ترى ما الذي كان يوحي لك به هذا اللون الشاحب؟ وما هو شعورك أمام امتزاج الأضواء مع بعضها لتكون بحرا من الأمواج الخيالية الساحرة والخلابة؟ أم أنك لم تحس بمثل هذه الأمور؟ أعذرني يا سيدي لتطفلي عليك، فأنا لا أعلم تماما كيف دخلت حياتي، هكذا، دون استئذان أو سابق إنذار. دخلتها بنفس الغرابة التي تتمحور في عينيك العميقتين، وكثيرا ما كنت أسرح بفكري داخل ذاتي، منقبا عنك فيها. وحين أكاد أمسك بك، كنت تفلت مني وكأنك مدهون بالزيت، الأمر الذي دفعني للاعتقاد بأنك جزء مني أو أنني جزء منك.

من أجل هذا فقط، لم أستطع مقاومة نفسي، كان لا بد أن أصل إليك. ولكن، المهم، هل تصدق أنه خطر ببالي كثيرا أن أقفز إليك من شرفتي المقابلة؟ لا، لا تنظر باستغراب، هذا ما حدث. ولكن دعني أسألك شيئا ما: لماذا تبدو هكذا؟ محدقا بالفراغ؟ باللاشيء؟ بالمطلق؟ وما هذا الترهل والتمطط البادي على جسدك؟ يا سيدي أنا لا أفهم لغة العيون، وكل ما يمكن أن يسعفني فيه عقلي المتواضع أن تحدث بشفتيك وتشير بعينيك، عندها فقط يمكن أن أفهم شيئا مما تود أن تقول. أما أن تحدثني بعينيك وتشير بشفتيك، فهذا ما لا أستطيع فهمه.

أنت لا تجيد لغة الشفاه، ليس لعجز في لسانك، بل لأن ما ستقوله يفوق حدود الكلمة البسيطة. ولنفرض جدلا أنك تحدثت بشفتيك، معنى ذلك أن القيمة الإحساسيه لما تعاني نفسيا وفكريا ستهبط إلى أسفل. وكل معاناتك ستتحول إلى كلمات، إطارات، محارات لؤلؤ مفتوحة. هل تعلم أنني أدرك مثلك تماما قيمة اللؤلؤ وهو لا يزال في جوف محاره. إن قيمته فقط، هي تلك اللحظة التي تكون معبأة بالانتظار والترقب. فحياة الغواص الآتية تكون مرهونة كلها في تلك اللحظة ألحرجه، لحظة الأمل أو الخيبة، فقبل أن يفتح المحارة، يظل مشدودا بأحاسيس تتنازعه وتتحداه، لتكون عنده شعورا لا يرسم أبدا، ولكن، هل رأيت مشهدا مثل هذا؟ إذن دعني أريك إياه وصفا.

أنظر إلى يديه، هل ترى كيف ترتجف السكين بها؟ وهل ترى عينيه؟ حدق بهما، حدق جيدا، وإلا فإن نظرة الاستجداء سوف تقفز من مكانها بعيدا، وسيفوتك عندئذ أن ترى معنى اللغة التي تجيدها تماما. لغة العيون. أنظر إلى عينيه باهتمام بالغ، إن فيها بريقا يكاد يقفز ليستقر داخل المحارة، لكنه يعود مرتعدا ليستقر مكانه. انها اللحظة الحرجة، أنظر معي من جديد، ولكن دع عينيك تخرقان الجلد الملوح بالشمس، والمطلي بزرقة البحر وأعماقه المجهولة. هل ترى؟ إنني الآن، أستطيع، ودون أدنى جهد، ان أقرأ كل خلجه من خلجات نفسه، وأن أسمع كل خفقه من خفقات روحه، وكل نبضه من نبضات قلبه. إن مشاعره تلتف فوق بعضها إلتفافا متموجا، وتتشابك أحاسيسه بصورة معقده، وتتمازج جميعها فتحدث في النفس فوضى عارمة، هائلة، تدق بمطارق من فولاذ على العقد المتكونة من الالتفاف والتشابك، وإذا بأطراف المشاعر تحبس في صدى المطرقة الهائل. وفجأة تنتفض مشاعره وأحاسيسه إنتفاضة عنيفه، فيصعد صدره ويهبط، ويأخذ الغواص نفسا عميقا، كالنفس الذي يأخذه حين يمزق رأسه سطح الماء بعد عودته من رحلة الغوص في عالم السر والمجهول.

ثم يعود ليحدق بالمحارة من جديد، وتتحرك يده اليسرى حركة خاصة لتمسك المحارة بشكل يجعل فاصلها خارجا من قبضة اليد، والبقية غائبة تحت الضغط الفولاذي المركز حولها. أنظر، ها هو يبدأ بتحريك يده اليمنى الممسكة بالمدية باتجاه المحارة. وأخيرا، استقر طرف النصل على فاصل المحارة، ضغط المدية قليلا باتجاه العمق، ثم حرك المدية حركه دائرية محاولا فصل شقي المحاره.

وغاص نصل السكين بعمق، فتأرجحت القبضة وسال الدم غزيرا، تعالى صوت شهقة. وطارت المحارة بعيدا نحو الشاطىء، احتضنتها موجه قادمة، وعادت لتسكن من جديد بأعماق المجهول، تنتظر غواصا جديدا، من يعلم؟ قد تبقى هناك للأبد، مغلفة بالتساؤل والاستغراب؟

هل ترى يا سيدي ذلك الكف كيف ترنحت قوته؟ ولكن، قل لي ما هو شعور الغواص لو دار النصل دورة صحيحة في فاصل المحارة؟ ماذا كان سيحدث؟ ما الذي كان ينتظره؟ هو سؤال بسيط، مضحك، أعلم هذا جيدا من عينيك، ولكن، مع بساطته وعبثيته، هل تستطيع أن تعطيني إجابه واحده صادقه عليه؟ لا، لن تستطيع. ولن يستطيع أهل الأرض كلهم أن يعطوا إجابة على هذا السؤال، البسيط، العبثيً، هل تعرف لماذا؟ لأنه الان أصبح نوعا من المستحيل، هل ترى يا سيدي بأن ما بيدك اليوم كحقيقة، قد يتحول بلحظة عين إلى مستحيل، فيكون غريبا عنك، وتكون غريبا عنه. وكأن ما كان بينك وبينه ليس سوى وهم، وهم يغيب ويتلاشى، كما يغيب الحلم ويتلاشى.

مالي أرهقك بمثل هذا الكلام، هذا المحار المفتوح، ولكن أنظر، هل هذا الشخص الذي يحاول أن يقطع الشارع؟ هل تعرفه؟ لا. حسنا، أنا أيضا لا أعرفه، وأعرفه، اسمه ماجد، وليس هذا الاسم أسمه الوحيد. أنا أعرفه أسماء وأشخاص، ولا أعرفه إسما أو شخصا، ومن أسمائه التي أعرفها، كذاب، محابي، متملق، مداهن، مرائي. لا يا سيدي، لا تستغرب، أنا لا أعرف فعلا معنى النظرة الصاعدة من عينيك إلى جبهتي، ولكني أعلم يقينا، بأنك مشدوه من هذا الشخص الذي حدثتك عنه. المهم أن هناك فرقا واضحا بينك وبينه، هو لا يكف عن الكلام أبدا، حتى سمعته يشكو إرهاق لسانه يوما، وأنت لا تكف عن الصمت مطلقا، حتى خيل لي أحيانا أن لسانك سوف يشكوك إلى نفسك.

لا يا سيدي، لا تنظر إلى بتقزز واشمئزاز، فليس ماجد وحده التافه، لا، ليس وحده، كلنا تافهون، نعم، أنني أعترف أمامك الآن بأننا جميعا تافهون. مع يقيني بأن هذا الاعتراف لن يغير من الأمر شيئا. أنت لا تصدق؟ إذن دعني أسألك شيئا ما. ماذا تسمي الحروب؟ ماذا تسمي الأشباح القابعة في الدول الكبرى -العظيمة -والتي تنتظر لحظة إطلاقها لتنتشل أرواح ملايين الملايين؟ ماذا تسمي الدمية التي سقطت على اليابان؟ ماذا تسمي الذي يشفق على ضحيته من صوت الرصاص فيذبحها بسكين غير حاد، ثم يبدأ بالرقص على أنغام حشرجتها؟ ماذا تسمي الذي يذبح الأطفال أمام عيني أمهم، ثم يترك الأم حية دونما ذبح؟ ماذا تسمي الذي بكى حزنا حين استقر رصاصه في جسد الجواد وأخطأ العائلة المتمترسه خلفه، ثم ذبح تلك العائلة بالسكين انتقاما للظلم الذي حاق بالجواد؟ قل لي ماذا تسمي هذا؟

أما أنا فلا أسميه شيئا، لأني لا أبحث عن أسماء لأشياء لا مسميات لها. لا، لا تسألني. فأنا لا أجيد الأجابه مطلقا. ولكني أجيد وضع الأسئلة بشغف كبير لا يضاهيه إلا شغفي بالسباحه. دعني أسألك شيئا أخر: تقول إنك إنسان، حسنا، ولكن كي أصدق هذا الكلام، أخبرني ما هي قيمتك؟ صعودك إلى القمر لا يمنحك أي قيمة على الإطلاق، لأنك ما زلت أجبن من أن تقف أمام شعاع من أشعة الشمس، وستبقى جبانا أمام هذا الشعاع ما حييت. ولأنك، وهذا الأهم – حين تموت لن تدفن في نسيج من ضوء القمر الذي صعدت إليه. بل في حفرة صغيره، وسيهال عليك التراب الذي طالما داسته الأقدام. ثم تترك وحيدا، وحيدا، أتدري ما معنى وحيدا؟ لا أظن ذلك، لأنه معنى لا يدرك. إن معناه أن تدرك عالما قائما بذاته، فهل تستطيع أن تدرك عالما قائما بذاته؟ لا، لن تستطيع، صدقني لن تستطيع. ثم، هل صعودك إلى القمر، يساوي رغيف خبز لطفل يتضور جوعا؟ الجوع يقتات روحه، أعصابه، روحه؟ كل ما صنعت، ما ستصنع، لا قيمة له على الإطلاق، لأنه خال من الحياة، من الروح. رغيف الخبز يا سيدي، أغلي وأثمن ملايين ملايين المرات من غرورك العفن، الضاج بالعفانه والزيف والكذب. رغيف الخبز هذا، حياه، حياة كامله. فهل تدرك حقا ما معنى – حياه-.

هل ترى يا سيدي؟ أن قيمتك مرهونة بموتك، فإذا إستطعت أن تبقى حيا، لا بأس، تعال إلي عندئذ. وحتى تصل إلى تلك اللحظة دعني أكمل معك. قلت لك: إنك ستموت، وسيفرح كثير من الناس لموتك، وسيبكي كثير عليك، هل ترى؟ إنك ما زلت مجموعه من المتناقضات حتى بعد موتك؟ ثم سينساك الجميع، ينسوك كأن لم تكن، أما أنا فسأظل ذاكرا لك، أراك طريح الأرض هامدا، والدود يزحف منك إليك، غازيا جسدك، ممزقا أمعاءك، داخلا عينيك دونما خشية أو وجل، ناهبا بؤبؤك، مسيلا ماء عينيك على خديك، مقتحما قلبك، ناهبا كل ما فيك من لحم طري، ثم يتركك ويذهب. وتبدأ مرحلة جديده، سوف تتحلل عظامك وتتحول إلى تراب. إلى الأصل الذي تكونت منه. وعندئذ لن يجدك أحد، ستصبح مستحيلا على البشر، كما أصبحت تلك المحاره مستحيلا عليهم. وسيدوسك الناس، دون أن يسمعوا تأوهاتك، حتى أهلك وأبناؤك قد يدوسوك وأنت تصرخ، ولكن لن يصل صراخك إلا صحن أذنك فقط.

قلت أنى سأظل ذاكرا لك، نعم، وسأذكر وجهك بالذات كلما دخلت سوق الخضار، سأذكرك وأنت تبحث هناك عن شيء تأكله، ولن أنساك مطلقا. هل تدري أنني سأفكر فيك عندئذ؟ ربما زرعت فوقك شجرة، وغاصت جذورها ممزقة أحشائك، ساحبة كل ما فيك غذاء لها، وتمر الأيام، ويأتي الربيع، ويقطف صاحب الأرض ثماره، دون أن يدور بخلده أنه يقطفك أنت. وستباع في الأسواق، ولسوف يتلذذ الناس بالسكر الموجود في التفاح أو الموز، دون أن يعلموا إنما يأكلوك أنت، أو، ربما تكون نبتة حنظل، من يدري؟

كان ينظر إلي بفتور قاتل، أحسست أنه يسحب أعصابي من جسدي، بدأت أرتجف كأنما غزتني صاعقة عاتية، وشعرت بشيء غريب من الخارج يسقط في داخلي، حدقت في عينيه، هناك شيء ما بهما، بريق يغوص بأعماق العينين. بدأت أخرج قليلا قليلا عن طوري، صرخت به كالمحموم، لا، لا تحدق فيً هكذا، شيء ما بعينيك يقتلني، شيء لا أعلمه، ولكني أحسه، أتحاشاه، لكنه سمر نظراته بأعماقي. أمتدت يدي دونما شعور إلى مدية على المنضدة، وبدأت أحز رقبته بها. تصاعدت لأنفي رائحة الدم، وغطى ناظري البخار المتصاعد من سخونتها، أحسست سخونتها تلدغ أعصابي، وأخذت لزوجته تستفز جلدي.

شعرت بلذة عميقة تجتاحني، تهز كياني، تعصف بي، حملت نفسي نحو الحمام وأنا ممزوج بأحاسيس مبهمه. كان شيئا ما يحركني نحو الماء، إنتفض جلدي من جديد، أحسست دماءه تدخل بأوردتي، فتحت صنبور الماء على أعلاه. هزتني عصبية مفاجئه، ولكن الدم ظل يتجدد، إشتد إنتفاض جلدي من اللزوجة. داهمني الخوف من كل ناحية، شعرت البخار يتصاعد من وجنتيً. رفعت رأسي للمرآة، فإذا به يستقر داخلها، يضحك ملء شدقيه، نظرت ليدي فإذا بمعصمي ينزف.

هو يضحك ومعصمي ينزف.

هو يضحك ومعصمي ينزف.

***

 

مأمون احمد مصطفى

فلسطين – مخيم طول كرم

 

 نور الدين صمود(1) ثلاثيات

الغنيُّ الفقير

 

الشعر مصدر إشهارٍ لصاحبه

                   لكنـه في ذويـه غيرُ مشْتَـهِرِ

هو الغنيُّ بما قد صاغ من دررٍ

                   لكنه ليس ذا تـبـرٍ  ولا دُرَرِ:

هو الغنيُّ عن التعريف، مفتقـرٌ

                   لبعض مالٍ ليحيا غيرَ مفتقِـرِ

*

النعيب والنحيب

"قَضَى" صاحبي، في عالَمِ الشعر، عُمْـرَهُ

فصــــاغَ عُقودًا مثلَ دُرٍّ مُنظَّــــــــــــــــمِ

 

ولمــــــا "قَضَى"، ناحتْ عليــهِ جمــاعَةٌ

فلاحــــــــوا كبومٍ فوق قصرٍ مُهَــــــــدَّمِ

 

وأسكتَني الحُــــــــزنُ العمـيقُ فلـمْ أقُــلْ

فقلبي عليه مثـلُ كُـــــــــــــــوبٍ مُهَشَّمِ

*

النهر والشاعر

إذا لم يصبَّ النهر في البحر دائمًا

                       فليْس جديرا أنْ يُـلَـقّـَبَ بالـنَّـهْرِ

كذا الشاعرُ الخلاق، إنْ لم يكنْ له

           دَوِيٌّ، بأقصى الشرق والغربِ، ذو سحْر..

فَـما شِعْرهُ إلا وُعودٌ كَواذبٌ

                    وإيماضُ بـرْقٍ لَـيس يُختَمُ بالقَطْـرِ

*

عبء الشهرة

إنّ اِسْـمي قد صار أكبرَ مني

                     فهْـو عِـبءٌ يَهُـدُّ مني القَـوامَا

أسكرتني أمجادهُ، وهيَ وهـمٌ

                     ومتى كانتِ الظُّــنونُ دِعـامَا

إنّ قلبي تجِـيشُ فيـه المعانـي

                 غيـر أنِّ اخـتصرتُ فيه الكلامَا

                                                

 *                          

قال فقلت

تطاولَ البعضُ حتى قال قائلهـــــم  

قولاً تعاظَمَ فيـه سيـدُ الشُّعَــــــــرا:

 

- "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي"   

- (فلم يجد فيه شيئا يلفتُ النّظـَرَا)

 

- "وأسمعتْ كلماتي من به صمـمٌ "      

- (فسدَّ أُذْنَـيْــــه عما قلتَه وجرَى)

 *

 (2)  رباعيات

قال فقلت

شَطَّرْتُ بيتَ إمامِ الشِّعْرِ، في فئةٍ

                وهْوَ المُقَــدَّمُ فيـه، المُفْرَد العَلَمُ:

"أ غايةُ الدينِ أنْ تُحْفُوا شوارِبكُــمْ"؟

                وتُطلِقوها لِحًى يَعْـيا بها الجَـلَمُ؟

فصرتمو كقُــرودٍ أضحكتْ أُمَمًـا

          "يا أُمَّـةً ضحكتْ، من جهلِها، الأُمَمُ"

أبا المُحَسَّدِ عفوًا إنَّ شعركَ فـي

          شعرِي، يلوحُ كلمعِ البرقِ في الظُّلَمِ

*

كلمةُ حقّ...

أكملتُ قولَ دَعِيٍّ راحَ مفتـخِرَا   

                     بشِعْره، منْشِدًا شعرٌا قـدِ اشتُهِـرَ:

- (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي)

                     - فلم يَجِدْ فيه شيئا يلـْفتُ النَّظـَرَا

- (وأسمعَتْ كلماتي مَنْ بهِ صمَمٌ)

                       - فَسَـدَّ أُذْنَيْهِ عَمَّا قُلْتـَهُ وجـَرى

إني لأرجو من "الكوفي" معذرةً

                في عالَمِ الشِّعرِ، إنْ شوّهتُ ما ذَكَرَا

*

سرب الحمام

 قل لسـرب الحمام في الجــوِّ حلـِّقْ

                          أنتَ في عالـَم المشاعِـر مطـلـَقْ

ولـْتطرْ في رفارف الشعر واحملْ

                        شوق قلبي لمَـن أُحِــبُّ وأَعــشَـقْ

وأْتِـني مـن خيالها بقصيــدٍ

                        واسكبِ الشعر في دمائي ورقرقْ                   

وتأمَّـل في صمتِـها، فهْو شعـرٌ

                        إنّ صمتَ الحِسانِ بالشعر ينطِـقْ                              

 ***

نورالدين صمود

 

فاتن عبد السلام بلانمدخل

{نذرتُ  دمايا

قابَ قوسين أو أدني

من نخبكَ يا وطن ..

فوصايا الضحايا

فوقَ رُقعةِ الحُريَّة

بـ كشّ حرب ..}

***

أيُّها المُستنسخُ عن روحي

حينَ تَزفرُ الأوطانُ

 الخلاصَ من المنافي

و .. الاغترابِ

وتتبنّصرُ الشَّموسُ

بخواتيمِ .. الضوء

وتنهرُ الأشجارُ

وساوسَ الخريف

سنرمّمُ والأهالي

 إرثنا المُحتَضر

ونرشُّ ضَيْعَاتِ مآتمنا

 بالأعيادِ والبيلسان

سأندهُكَ: أيُّها (المُنتَظر)

 هاتني من أضلاعكَ

عاصمةَ فُرسانٍ وتعال

لنغسلَ الطِّينَ

بمزرابِ الغيمْ

ونُدرِّبَ العراءَ

على الصَّهيلْ

ونُعمّدَ قوسَ قُزحٍ

 بفُتاتِ الخُبزِ ونثِّ النبيذْ

وننحرَ قُطعانَ نذورنا 

قرابينَ زعتر

 وأزيارَ زيت ..

غدًا يا حبيبي

سأغمزُ لك بصوتي

وأحكُّ بأظافرِ قهقهاتنا

آذانَ الصمت

ونتمايلُ بعطرٍ فلكلوري

نُزيّنُ الشبابيكْ

بحفنةِ بخورٍ

وكمشةِ قناديلْ ..

نحوّلُ العتمةَ

إلى كرنفالِ ألوانْ

واوركسترا ربيعْ

غدًا سنزرعُ القُرى

حلقاتِ ذكْرٍ

 وأدعيةَ أجدادْ

وبركاتِ بهاليل

ونرجمُ بفزاعاتِنا

وجوهَ الأشباحِ

والكوابيسِ والشياطينْ

غدًا ستصّطفُ

قبلاتي دَبْكاتٍ

على مسارحِ شَعركَ

ومراميشِ عينك

أدعوكَ باِسم المدى

لنُحيلَ ملْحَ الأتراحِ

إلى قصبِ سُكَّرٍ

وكعكِ .. أفراحْ

ونُفرّخَ حُبًّا في الأعشاشْ

ونقولَ للصباحِ ::

 اِفتحْ يا سمسم رئتيكَ

لنتقهوى الحريَّةَ

لنتشايا السَّلامَ

من سُرّةِ نوّار

أعدُكَ في الأوَّلِ من أبريل

 ضحكاتُنا ستُرفرفُ

أرواحُنا ستحلّقُ

 وخطواتنا ستركضُ كالأيائلِ

في أحراشِ السحابْ

أعدُكَ في الأوَّلِ من أبريل

ستحبلُ بيادرُنا العذراءْ

فالطُهرُ إلهُ الخصوبة

والأملُ نبيُّ الفحولة

وصغارُنا في أسرَّةِ الفُصولِ

 جيوشٌ مُسَنْبَلة

تُعاركُ لعنةَ المناجلْ

وتُراوغُ طقوسَ الحصادْ !!

غدًا حينَ تُزهرُ عروقُ الأمواجِ

بغرغرةِ السَّماء

سأندهُكَ :: يا (شبيهي)

 هاتني من أضلاعكَ

 عاصمةَ فُرسانٍ وتعال

لنغزلَ من أشرعةِ النجومِ رايةْ

ونُعلّقَ في تاجِ الثُّرَيَّا خارطةْ

ونهزمَ خوفنا

في مرمى الوحوشْ

غدًا ستكون النوارسُ أطفالْ

أقدامهم السواحل

أياديهم المراكب

قلوبهم المجاذيفْ

يقطفونَ زَبَدَ الشواطي

وحفيفَ المواني

للقصائد الثكالى

والحروف اليتامى

أعدُكَ في الأوَّلِ من أبريل

سأندهُكَ: يا (صـاد)

 هاتني من أضلاعِكَ

عاصمةَ فُرسانٍ وتعال

فحينَ تتكوَّعُ عناقيدكَ

تحتَ دالياتِ كرومي

سنعصرُ الأعنابَ نصرًا

ونكرعُ أنخابَ النخلِ والياسمين

هاكَ جرحي الدِّمشقيّ مَجْدًا

وهاتَ دمكَ السّومريّ مَهْرًا

 فأنا عروسُ النّورِ والحنَّاءِ والغارْ

أزفُّ أشلاءَ أرصفتي

إلى بقايا شوارعِكْ

وأنجبُ من أمنياتنا المؤودة

البنادقَ .. الرصاص

 وواحةَ تاريخٍ ودوحَ أسرارْ

 حدودنا ستُليِّنُ

 الصَّخرَ بالماءِ

وتوقدُ في اللاشيء نارْ

أعدُكَ وفي الأوَّلِ من أبريل

ستنفخُ عشتارُ

 في مزاميرِ تموز

وتفتحُ بألحانها

مغاليقَ الأبواب

سيصدحُ الضميرُ بموّاله ::

 (ما لنا بكذْبةٍ

 على شِفاهِ نيسانْ.. !!)

غدًا ستُعلنُ السَّماءُ

قيامةَ الأجنحة

وصحوةَ .. البلادْ

سيُبعثُ ألفُ فينيقٍ

من عُقمِ التُّرابْ

نعمْ يا حبيبي

سينتفضُ الوطنُ 

سيعرّش ربيعًا  

من .. كومةِ رَمادْ  ..

مخرج

{ كُلّ خزائنِ الحرية

في عُهدةِ اللصوص

إلا واحدة

في عُهدة الموت

لمن يرغب بالإحتجاج .. !!}

***

فاتن عبدالسلام بلان