بكر السباتينها هو عنترة يمتشق سيف الرجولة متباهيًا  بشاربيه كأنهما خلقا ليقف عليهما الصقر.. ويستحوذ صاحبنا الغضنفر على انتباه عبلة.. تزوجها وهي كاتبة مشهورة، بناء على قصة حب جمعتهما وتقبل على مضض نشاطاتها الأدبية وخاصة في مجال كتابة القصة القصيرة، وسمح لها عنترة بالمشاركة في فعالياتها المنتشرة في العاصمة والمحافظات، وكان المرافق الأمين لها حتى لا يكون الشيطان ثالثهما في خلواتها البريئة مع الجمهور أثناء قراءتها للنصوص الإبداعية، فيمارس معها دور المحرم كأنهما  يقصدان أرض الحجاز؛ ولكن حينما مرضت ابنتهما وارتفعت درجة حرارتها، فلم تنخفض مؤشراتها بفعل الكمادات الباردة ولا السهر عليها موصلة الليل بالنهار، فتضطر لأخذ إجازة طارئة من العمل حتى تتفرغ لابنتها التي حنطها الصقيع، فتجد نفسها مضطرة لإدخال صغيرتها المستشفى.

وفجأة تباغت عبلة عاصفة قادمة من اليباب المتجمد دون مقدمات، إذ يدخل عنترة المشهد بسيفه الخشبي المسلول ويكشر عن أنيابه، حيث أخذ يعامل زوجته رغم مصابها الجلل دون مراعاة لمشاعرها، كشيء يمتلكه دون أن يكون له كيان، فيعتقلها حتى آخر فكرة تنبض في عقلها أو رعشة تنتفض في قلبها.. اتهمها زوجها بالتقصير والإهمال، ومنعها من مزاولة نشاطاتها الأدبية، وصرخ فيها قائلاً:

 "فقط مارسي الكتابة وأنت في البيت ولا داعي للندوات التي تهدر وقتك،حتى لا تتعرض ابنتك مرة ثانية لوعكة صحية كهذه، ألا يكفي أنني تقبلت كونك موظفة في المحكمة على حساب راحتي!"

مع أن عنترة كان يواظب على حضور ندواتها  حتى قبل زواجهما، حيث تعرف عليها في إحداها.. وظل بعد الزواج يواظب على الحضور بمعيتها ربما من باب الغيرة، والتوجس، هذا قبل أن يغلق على العندليب القفص بحجة مرض ابنتهما، حتى أنه حلف عليها أخيراً يمين الطلاق إن هي تواصلت مع الأدباء ولو هاتفياً في أمور تتعلق بالأمسيات القصصية.. آمراً:

 "هذه صفحتك على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك أنشري عليها ما تشائين وكفاك تسيباً"..

وفي حومة كل ذلك كانت منطوية على وجعها ومأخوذة العقل والوجدان إلى مرض ابنتها، تاركة عنترة يقارع طواحين الهواء بسيفه الخشبي خارج المشهد الحميم.. وكانت على  يقين بأن حبيبها عنترة وفي مجالسه الخاصة يتباهى دائماً بأنه زوج عبلة، تلك الكاتبة القصصية التي لا يشق لها غبار.. وها هو الأمل يبتسم في قلب عبلة ،الأم، التى هدّها التعب حتى أوشكت على النوم، حينما شاهدت مؤشر الحرارة في الجهاز المتصل بذراع صغيرتها وهي على سرير الشفاء، يهبط إلى المعدل الطبيعي.. ويصدر أصواتاً تحذيرية مع وميض الأمان الأخضر المتقطع.. ستتصل إذن بحبيبها كي تطمئنه على صحة ابنتهما. وفعلت  ذلك وقد وجدته مستيقظا. فيطير قلبه فرحاً وقد هرس عقب السيجارة الأخير في المنفضة الممتلئة برماد همومه المتلظية في عقله وقلبه، كأنه حطم سيفه الخشبي أو أدخله في غمده.. ليس تدري!!..

 

بقلم بكر السباتين

قصة واقعية، الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٩

 

مصطفى عليفي البَدْءِ كانَ الحرْفُ ناراً

من بُروقٍ في سماء الكلماتْ

*

ثُمَّ إستوى كالشمسِ في قلبِ

الفتى الساري الى وجدانهِ

المفتونِ في سِحْرِ الُّلغاتْ

*

أعني لُغاتِ الوجْدِ مُزدانٍ

بِبذْلِ الروحِ والإخلاصِ

لا نحْتُ النُحاة

*

أوما إليها جَفْنُهُ النعْسانُ من

طولِ النوى والإغترابْ

*

سارا معاً خلْفَ السرابْ

حتى إذا ما بَلَغا سوراً قديماً للبلادْ

تَفَتّحتْ أبوابُهُ الكسْلى مساءاً وإنتشتْ

بالزائريْنِ القادميْنِ من قلبِ الضباب

*

هاجا غناءاً يتْلوانَ الشعْرَ في

سوحِ الديارْ

*

كي يهجُرَ المأزومُ ديجوراً

تمادى عابراً نحو النهار

*

فاضتْ بُحورُ الشعْرِ أنواراً

كما فاضتْ بحار

*

في قلبِ صِدّيقٍ تعافى من قيود الوهْمِ

أو زيفِ الهوى والمغْريات

*

صارَ البيانُ المُنتقى درباً وحيداً للنجاة

إذ كادَ يلقى في سِلالِ الوجْدِ

لولا الريحُ أسرارَ الحياة

*

أوّاهُ ما أحلى وما أقسى الحياة

إنّي أنا المُغْترُّ فيها رغْمَ كابوسِ الطُغاة

لكنّني مازلْتُ يُغريني بها

بُقيا بَصيصٍ من قناديلِ الجمال

*

نوراً يُحاكي لُغتي حَدَّ إرتشافِ

الشعْرِ أنهارَ الخيال

*

ها قد سألتُ الكاهنَ العرّافَ عن

سِرِّ القوافي والمجاز

*

مُذْ دارَ حوْلَ ألسِدْرةِ السكرى

يُغني كالهزارْ

*

قدّتْ أناشيدُ الورى قُبْحَ النشاز

*

في المعبدِ المهجورِ في آشورَ

والورْكاءَ والفُسْطاطِ أو

أرضِ الحجازْ

*

سائلْتُهُ عن (سَبْعةٍ)

عُلِّقْنَ فَوْقَ الكعبةِ الجذلى

بها الضِلّيلُ لو تدرينَ فازْ

*

رافقْتُ حادي العيسِ في

حَجٍّ إليها ضامِراً دُونَ جَوازْ

*

سائلْتُهُ عن حِكمةٍ تغفو بأهدابِ البيان

*

إذ هكذا قد قالها من أشْعلَ التنّورَ

في روحِ الكيانْ

*

أيْقونةً صارتْ لأصحابِ النُهى

عَبْرَ الزمان

*

فالخلْقُ يرْقى حينما يسمو

بأرواحِ الورى أسمى الكلام

*

مَنْ يُشْعلُ الفانوسَ ليلاً

في لِسانِ الضادِ إذ تاهَ الأنامْ

*

يالاعِناً طُغيانَ أربابِ الخطايا والشُرور

*

هل ترتضي أشباحَ من ناموا دهوراً

في دهاليزِ الظلام

*

قُمْ نرفعِ الاوهامَ عن أكتافِ تاريخٍ بَدا

في اللاوَعي الجمْعيِّ كوماً من رُكام

*

عن عقْلِنا الجمْعيِّ غيماً

من دُخانٍ أو غُبارْ

*

طوبى لحرْفٍ يمنحُ الأشعارَ

ضوءاً في كُهوفِ الذاكرة

*

طوبى لشعرٍ في قوافيهِ غيومٌ ماطِرة

تُطفي لظى الأرواحَ عند الهاجرة

تبتلُّ فيها كُلَّما ضاقتُ نفوسٌ حائرة

*

فالشعْرُ كانَ المُبتدا

والمُنتهى شعرٌ بهِ مِسْكُ الخِتامُ

*

واللهِ لولا ذلكَ السِحْرُ المُوشّى

بالهديلِ العذْبِ من سِرْبِ الحمام

واللهِ لولا سكْرةُ الأشعارِ صُبْحاً

في صدى فيروزِ معسولاً

بأوجاعِ الغرام

لولا دُموعُ أللهِ فجراً في ندى الأزهارِ

سكرى من أبارقِ الغمام

*

لإنتابني شكٌّ مريرٌ بالذي

قد قالهُ العُشّاقُ يوْماً

في أناشيدِ السلام

*

في لُغتي يخضرُّ صُبّارُ الفلا

في ظِلِّهِ يعدو ويختالُ الغزال

في بهجةٍ يتلو لأهلِ الضادِ أنغامَ الوصال

لا شيءَ إلّا لُغتي

ترْفو ثُقوباً في طواميرِ السِمالْ

*

ربّاهُ ما أحلى وما أشقى الديارْ

والناسُ في أرجاءها ، أعني هُناك

من أطلسيٍّ هادرٍ حتى عباءاتِ الخليجْ

حيثُ الردى في صرْخةِ السيّابِ

يعوي والنشيجْ

*

والسوسنُ المدفونُ في كُثْبانها

خانتْهُ واحاتُ البوادي

فإنزوى عنهُ الأريجْ

*

قد لاذَ بالإيقاعِ والمعنى نفوراً

من تخاريفِ الضجيج

*

والناسُ في أرجاءها ، قومي هُناك

تاهوا سُكارى دونما حادٍ

بوديانِ الغسق

*

إذ لاحَ طوفانٌ ولا لوْحٌ تراءى

بين كُثبانِ الرمال

أو لا نبيٌّ كي يرى

ألْواحَهُ الحُبلى بآلامِ السُؤال

*

هل ثمَّ ضوءٌ في نهاياتِ النفق

هل ثمَّ ( نوحٌ ) أو نذيرٌ

يُنذِرُ القوْمَ بأهوالِ الغرق

*

يا ويلكم ، نادى عليكم شاعِرٌ من نسلِكم

فالتسْمعوهُ مرّةً

حسْبُ المُعنّى في هوى أسلافِهِ

أن صيّرَ الأشعارَ ناقوساً لَهُ

لمّا رأى الزرقاءَ في أحلامِهِ مذعورةً

أقعى على الناقوسِ مذعوراً ودقْ

ياليتهم قد أنصفوا صبّاً

نصوحاً قد صدقْ

***

مصطفى علي

 

بتول شاملجديلتي أعلنت خصامها مع الريح

احتجاجاً  على غياب أصابعك ..

قصبُ البرديِّ  ينتظر إطلالة مشحوفك

*

منذ اصطدتَ قلبي

وأنتَ تتنقّلُ بين شفتيّ وعينيّ

كما تنتقل الحمامة من غصنٍ الى غصن

في شجرةٍ ميسانية !

ليس لنا ماءٌ عكرٌ فنخشى تصيّدَ المتصيّدين..

ماؤنا الندى

وفضاؤنا الصلوات

والزهور تمتدُّ امتدادَ المدى  ..

خطانا الواثقة دليلنا نحو الفردوس

*

عطشُ قلبي لا يكفيه نهر ..

تكفيه رشفةٌ من نبض حبك ..

وأشجار أحلامي لا تتسع لها البساتين

كوخك يكفيها !

*

أأنتَ الجهاتُ الأربعُ ؟

حيثما ولّيتُ وجهي : أراكَ أمامي

تملأُ الأفقَ الممتدَّ من قلبي الى أحداقي!

***

بتول شامل

 

لالة مالكة العلويتنام الصرخة الإنسانية بين فوهات الحروب

تجثو تحت وقع الطين ..

فلا يحذوها الأمل في استعادة طنينها الممهور بآلام

أحذية القساة ..

زمن النذالة وأحكام الليل العاض ..

ما ذنب النساء الثكالى

أرامل الدم والخطايا؟!

ما ذنب أطفال الخراب

الأجسام الحدباء الغارقة بين الصمت والعماء!؟

2 ـ  

ألوذ بنفسي إلى فرار مخجل

أقض الرمس بالكبرياء

لعلني أدحض نظرية المؤامرة ..

وأشفي غليل الغضب ..

فلا يندمل وجعي

دونما قرض شعر أو كتابة ناقمة ..

3 ـ

لو تعذرني الأوراق

 أو تنتدبني لإخفاء الجروح المثخنة ..

لو يطالني القهر نثارا من حريق الصدى

أو ينبشني ريح الهباء

وأرجع لذكرى خيالات قديمة ..

لو جاس بي  ..

كل هذا القهر

لا احتداني وميض صوت يغفل كل الصداقات 

كل الحتوف المغفلة ..

كل الشظايا التي نهبت حلم الأصيل ..

***

لالة مالكة العلوي

 

نضال الحارإِيّاكِ أَهْوَى

وأياي تُسْمَعِينَ

وأياي وَأَنْتِ

بِالحَبّ شاخِصَيْنِ

طافِح

بِسَيْلِ حُرُوف أَسْمكَ النَدِيّات

غائِراً لَنِهايَة خَلاصكَ

وَبِالجُنُون مستعين

لا أُجِدّكَ إِلّا قَصِيدَة

مُعَلَّقَة على مِحْراب

قَلَّبَ شَلَّهُ الوجد

بِالرَجْفَةِ  الماحِلَة

لاأرضى بِأَقَلّ 

مِن عُيُون وَرَدّكَ وَطَناً

لِيَعتَرِينِي شَغِفاً

تُقام عَلَيه كُلّ حُرُوب الأَنْبِياء

تَتَماثَلِينَ تَحُتّ سارِيتهُ

نَوَّرا مِن تَحتّ ظِلال رُمُوش عُيُونِكِ

وَهِيَ تَستَنْسِخ البَحر زُرقَةً

وَتتلَين عَلِيّه آخَر الرِسالات

لِتَستَرعِي أنتباه الكَوْن

وَتهُزي بِجَذَع أَرَّضَ قَلْبِي

وَلهاً  عَجِيب

وَعِشْقاً غَرِيب

فَأَنّا الغَرِيب

أَبحَثُ مُنْذُ قُرُون 

عَن وَطَّنٍ يَأْوِينِي 

بَعْدِ إِن ضاعَت أُرْضِي

عَن نَخْلٍ يُدَفِّئنِي

فغطيني بِشَعْركِ السارِح على الزَمانِ

وأحرسي حَلَمِي 

كَيّ أَخْتِم آخَر تَراتِيل 

مَوْتِي بِكَ

ماشاءك اللّٰه 

إِلّا إِن تَكُونِي بُركان دَم

فاغِراً  بِالقُبْلات

وَعِشْقاً يُطارِحنِي 

بِالشَهْقَةِ القاحِلَة

يييييياضروس تَشْبَثِينِي

فَأَنّا ضِلَعَكِ الخارِج قَسراً

مِن نَزِيف جُرح

تَرَّكتَهُ آخَر نوارس دِجلَة

عَلِيّ أَبْواب شِفْتَيكِ

أَلَناهُم  باللثمِ

أيافارعه تَقْصِدِينِي وأنزعي

جَلدَ قَلْبِي بِعَناقكِ

وأحتشدي بِي مأستطاعت يَداكَ

لِرُوحِيّ السَبِيل

فَأَنّا مُخْتَلّ 

بِالشَغِفِ الجاثِم

عَلِيّ خافِقي

ويافائقة بِالحَبّ

تَفاقمِي عَلِى فَمِي

كَيّ أَلْفِظَ  آخَر ماتبقى  مِن الرُوح

بِزَفِيركِ........

***

نضال الحار

نور الدين صمودبلادي إليها دوامًا أحِنّ ْ******حَنينا أكاد به أنْ أ ُجَنْ

كما جُنَّ قيسُ المُعَنى بليلى**وقد سَحَرَته بطرْفٍ أغنْ

وكلُّ بلادِ العروبةِ أرضي*وعِرْضي بأمجادها مُرْتهَنْ

أصونُ حماها وأحْمي ثراها*وما أنا منها إذا لم أصُنْ

أغارُ على حسنها من دخيل ٍ*وأدْفع عنها عوادي الزمنْ

حَبَتني بعطفٍ كأمٍّ رَؤُوم ٍ*ومِنْ ثديها أرضعتني اللبنْ

وكم أطعمتني الغِلال الغوالي*وما طالبتني بدفع الثمنْ

وأُقسِمُ أني سأبقَى مُحِبًّا*مَدَى العمر في حسنها مُفتتنْ

ومِنْ فرْطِ حُبّ الجميع لها*هتفنا لمن وهبتنا المِننْ:

سنحميكِ مِن كل باغ ظلوم ٍ*لِنحيا كِراما بأرض الوطنْ

تسابَق في حبها الزاعمون*وفي زعمهم قدْ أثاروا الفِتنْ

فإنَّ حبيبَ الحبيب حبيبٌ*وغاوي الحبيب يثير الإحَنْ1)

وإن زاد حُبُّ سِوايَ له* فإني أحب حبيبَ الوطنْ

وأدعوه كيْ ما يزيد هواه*فهذا الهوى، في يقيني، حسنْ

ولستُ من المغرمين أغارُ* فما ذنبُ من في بلادي فتِنْ؟

تلوحُ بفِكري نهارا وليلا*وأبقى إليها دوامًا أَحِنْ

وفيها لساني يَظلُّ طليقا*كما غرّدَ الطيْرُ فوق الفننْ

وإنّ الطيورَ على مِثلها*ترَى واقعاتٍ وتهوى الدِّمَنْ2)

ولن يأْلفَ العندليبُ الغرابَ*ولو صار مثل بياض اللبنْ

وإني أحب بياض الثلوج*ولا أستسيغ بياض الكفنْ

يحاكى جليد جبال الشمال*يُجَمِّدُ سيْل الدما في البَدن

ولم يَكْسُ إلا جثامينَ مَوْتَى*بأجداثهم قد أطالوا الوسَنْ3)

وإني أحِبُّ بياض الرُّخام*وأكرهُهُ إذ يَصيرُ وثنْ4)

وأهواه إنْ صار مثل "فينوس"*إلهةَ حُسْن ٍ بديع حسنْ  5)

وهلْ يَأْلفَ العندليب الغراب*فصَوت الغرابِ نذيرُ المِحَنْ

ولن يُطربَ الظبيَ صوتُ الحَمير*وتعشقُ صوتَ الحمير ِالأُتنْ6)

وذو الذوق يُطربه العندليبُ*ويَسْمو بهِ صوتُ (أم الحسَنْ)7)

فيا لغة ًصِيَّرتني طليقًا*بأجوائها كالهَزارِ المِفنْ 8)

لأنتِ الفضاءُ الذي طِرْتُ فيه*وغنيت كالطير ِفوق الفننْ

وسارت به في عروقي الدماء*وفيه اسْتعدْتُ الشبابَ الأغنْ

وإنّ هيامي بها سوف يبقى*يطير بها نحو أسْمَى القننْ )

كما ملكَ النسْرُ رحْبَ الفضاء*وتحَسَبُهُ غارقا في الوسَنْ

ويبغي الصعود إلى المنتهَى*ولو كانت الروحُ فيهِ الثمنْ

إذا جُنَّ (قيسٌ بليلى) فإني*لأحْمِي حِمَى أرضها لن أُجَنّْ

لتبْقى بشعري منارةَ عزٍّ*تشِع ُّ على الكون طولَ الزمنْ

وكالجوهَريِّ نظمتُ القوافي*كعِقدٍ على نحر ِ ظبي ٍأغنْ

فأسْمَعُ فيها بُغامَ الظباءِ*إلى مثلِها في الظباء تحِنْ9)

وتبدو القوافي كسِرْبِ العَذارَى*يُرَدِّدْنَ لحنا يثيرُ الشجَنْ10)

ومثل اللآلئِ  تخطفُ عيْنيْ*شَغوفٍ محبٍّ بها مُفتتنْ

تلوحُ على الطرس روضًا خصيبًا*يُطارد بالعطر طيفَ الحَزَنْ

ولم أر كالضاد لفظا ومعنى*ولم أرَ مثلَ بلادي وطنْ

****

وسائلةٍ: هل ستبقى مُحِبًّا*شغوفا بها رغم كل المِحَنْ؟

وإنْ كان ريبُ الزمان دهاها؟*فقلتُ لمن سألتني: وإنْ

 

أ د: نورالدين صمود

....................

1) من الحكم السائرة : صديق الصديق صديق، وعدو العدو صديق، ولكن مَن يزاحمنا في حب مَن نحب من البشر

2) تضمين للكلمة الشائعة: إن الطيور على أمثالها تقع، والدمن :جمع دمنة: آثار الديار

3) العندليب والجمع: عنادل: طائر جميل الصوت، والكفن عند العرب أبيض اللون

وتختلف الأمم في لونه، وتشبيه استحالة ابيياض الغراب بلون الكفن مقصودة وقد قيل في استحانة الشيء: (حتى يشيب الغراب)

4) الجثامين جمع جثمان، والأجداث الأضرحة5) الوثن: الصنم الذي يعبد من دون الله، والتمثال قد يكون رمز جمال مثل تمثال إلهة الجمال: فينوس أو أفروديت

6) الأتنُ: جمع أتان وهي أنثى الحِمار،  وبعضهم يقول حمارة خطأ

7) أم الحسن: تسمية تونسية لعصفور معروف بغنائه العذب، قال فيها شيخ الأدباء بتونس محمد العربي الكبادي على وزن البورجيله المعروف  في الشعر الملحون، باللهجة العامية مثل الشعر النبطي في اصطلاح الخليجيين، ولا يوجد هذا الوزن في الشعر المصري العامي) أم الحسن غناتْ فوق الشجرهْ*سامعْ غناها من العلايلْ يَبْرى

8) المِفن: هو البارع في فنه، وقد أطلق في العالم  العربي الفنان على كل مشتغل بالموسيقى والغناء، والفنان في العربية: هو الحمار الوحشي

9) البُغام: صوت صِغار الظباء وهي الغِزلان

صالح الرزوقسمعت بنبأ انتحاره في صبيحة يوم عابس. الطقس مثل البشر يضحك ويبكي، أو يبتئس ويبتهج...

اتصلت هاتفيا بجريدة (الفتى العربي)، ووعدت هيئة التحرير، بكلمة شرف، أن أكتب تقريري المفصل عن الحادث. ولكن الخيوط كانت تفلت من يدي وكأنني وراء سراب.

**

أتذكر: نحن الثلاثة. حزمنا حقائبنا وانطلقنا وراء أحلامنا الذهبية إلى لندن، ولكن لم نصل إلى "جوهر" الحلم أبدا. وجب علينا أن نضع العالم بين فكي كسارة بندق لنتخلص من القشور القاسية. وفي هذا الجو كان خليل، وهو أطولنا، ولذلك نناديه بلقب هود، يعمل في أحد المطاعم.. يغسل الصحون في النهار ويقرأ نابوكوف في الليل. كم تعلق بهذا المهاجر العنيد، الطير الروسي المشاكس. كنت تشاهد في عينيه حين يجلس لقراءة (لوليتا)، أو حتى روايته غير المشهورة (المحاكمة)، نوعا من التواطؤ.

**

سجلت تلك المعلومات في أول التقرير. ولم أتمكن من الاستمرار. ربما لأن نار التجربة التي احترقنا بها لم تبرد بعد.

أتذكر: لاحظت على الثاني بيننا تحولات جذرية في السلوك والمظهر، قبل أن يقرر مصيره بيده وينتحر. لقد أصبح صوته رخوا مثل حركة الحلزونات، بعد أن كان صعبا وحاسما. وأصيب بالهزال كما لو أنه من ضحايا المجاعات. سألته على سبيل السخرية: أين تذهب عظامك يا رجل؟.

فقال مع ابتسامة: أظن فأرة الحظ السعيد تقرض منها وأنا نائم..

وعلى الفور خطر لي أن تحت هذا الرماد الساخر جمرة لم تبرد. ولكن لم أتوقع موته الوشيك.

**

فواز لم ينتحر. كتبت هذه الكلمات. وبظني أنها بداية لتقرير سوف أنتهي منه مع مغيب الشمس هذا اليوم. ثم مزقت الورقة بعد عدة سطور. وألقيت بها إلى سلة المهملات. على ورقة أخرى كتبت: هل بمقدور فواز أن يغتال أحلامه الذهبية بجرعة من السم.. وأن يتصرف بطريقة فاشية وينهي حياته كما يفعل الأبطال والمجانين في لحظة الهزيمة؟. وكان في ذهني خليل حاوي وهمنغواي وكاواباتا. جميعا أنهوا حياتهم بأسلوب راديكالي كأنهم يكتبون قصة جديدة. ولم أتابع.. كنت أصاب بالإحباط سريعا. وأختنق بالأفكار والذكريات وأحيانا بالعبرات. في نصف يوم مزقت محتويات مظروف كامل من الأوراق البيض التي لها لون الثلج المندوف. كم غصن شجرة يوجد في كل صفحة ميتة بكماء، بل كم شجرة في هذا المظروف.. بستان ميت أم غابة كاملة؟.

وفي غضون ساعة تحولت الطاولة، التي حملت أدوات الكتابة، إلى رأس كالعهن المنفوش، إلى عالم من الفوضى والعبارات الناقصة. من الصعب دائما أن تحبس أنفاس صديق العمر في سطور. فقد امتدت صداقتنا حوالي عشرين عاما. عشرون عاما من الحماقات والخطط الخرقاء الطائشة، وبينها أحاديث سخيفة نخجل أن تصل لأذن شخص غريب الآن. وأقصد بذلك الكلام المتهور عن السياسة. لم نكن نعلم أن لندن هي نهاية المشوار. القفزة الأخيرة التي سنسقط بعدها في حفرة موتنا الوجودي. برد قارس، وإنكار للاتجاه والأهداف، لقد أصبحنا بالفعل أيتاما في هذا الوقت الخسيس والمنافق.

**

كان فواز في غضون ذلك يعمل بمطبعة. يقف خلف جهاز لا يتوقف عن الهدير. يقول عنه "خوار البقرة الحلوب". حتى حينما يذهب إلى البيت لينام يسمع صوت الآلة في رأسه مثل صفير قطار.. بالطبع كنت على شاكلته، أعاني من أوحال لندن، لذلك توجب علينا أن نبحث عن نفق للخلاص..

أتذكر: حين بدأت مع مهنة الصحافة. انتقل هو ليعمل بصفة موظف استقبال في فندق صغير مجهول. والتقى فيه بشارلوت. وكانت العلاقة سريعة، ومرت بسرعة برق خاطف. لكن لم تتوفر لدى فواز إثباتات دامغة تساعدني على تصور علاقته. وأنا لم أشاهد شارلوت أبدا. واليوم أتساءل: هل هي حقيقة أم من جراء خيالات عالمه الوهمي المريض. مع ذلك أعترف كانت لديه صورة تذكارية معها، وفيها تضع إحدى ذراعيها على كتفه مع ابتسامة خاصة بالكاميرا.. خطر لي أن أسأله عن اسم المصور لأتأكد أنه حقيقي وموجود. ولم أفعل حتى لا أدمر عزة نفسه وكبرياءه. كانت لفواز مشاعر رومنسية، وربما لن تحتمل أعصابه أسئلة محرجة من هذا النوع.

يا لتلك الأيام الغليظة!!. كنت في فترة شارلوت أمر من أمام الفندق. وفي معظم الأحوال أتمهل قليلا، وأتأمل النقوش البيزنطية على البوابة، والنوافذ الفرنسية المغلقة بزجاج مضاعف. نقول عنه في بلادنا "زجاج عازل". لا بد لمثل هذا المبنى أن يلفت الانتباه، فهو من النوع المنكسر بهيئته المطيعة والمنطوية على نفسها، ويحرك المشاعر العامة والقاسية في إطار من التهذيب. ألم نسمع جميعا بمبدأ التصعيد الفرويدي. بعد ذلك لم يعد لهذا المكان أهمية، لأن شارلوت انفصلت عنه، وذهب هو ليعمل في سوهو.

**

كانت الظروف تؤكد أن مأساتنا واحدة، وخرابنا نحن الثلاثة متشابه. أنا أيضا فشلت في الامتحان. وحصلت على وسام شرف في الخيبة وتدمير الذات. أحلامي تهدمت، واختزلت أفكاري وطموحاتي إلى صور على جدران المنزل، بجانب أحفورات في الخشب المعاكس وأيقونات تذكر المرء بعذاب الروح وآلام البدن المحطم.

أتذكر: كلما حاولت أن أعود إلى التقرير تذر بعض الشبهات الرماد في العيون.. خانني القلم الذي كان سهلا ومطيعا، ولم أتمكن من التعبير عن ظاهر المصيبة.

**

وصلني خبر انتحاره عن طريق خليل، فقد رن الهاتف وكنت على وشك النوم.

قال لي بصوت مفجوع: اسمع. عندي خبر مؤسف.

قاطعته بقولي: لا يا رجل. وهل حولنا شيء غير مؤسف؟.

رد بعصبية: اسمعني، أرجوك. الخبر عن فواز.

سألته دون اهتمام: ما به؟. هل انتحر؟؟.

و ران صمت مقيت.

قطعه سعاله المرتبك.

ثم سألني: كيف عرفت؟..

ولم أكن أعلم أنني أصبت الهدف. كانت هذه أول ضربة حظ في حياتي. لكنه الحظ الأسود.

**

بعد أن أغلقت السماعة شردت قليلا. ثم انفجرت بعاصفة لا إرادية من البكاء. هل القدر يلعب معنا مثلما يلعب مع بلداننا. نموت بطريقة رمادية وبالمجان. ثم بعد أن هدأت عزمت على التأكد من الموضوع بنفسي. وذهبت إلى سوهو، لعنوان البار الذي كان يعمل فيه. وبحثت عنه طويلا ولم أصل إلى أمام بابه إلا وآخر غصن أخضر في حديقة قلبي يحترق.

كنت أسقط في حطام الذكريات.

فواز ولندن.

كانت الساعة تشير إلى التاسعة تقريبا. الجو في الطرقات قارس البرودة. في داخل البار أخرجت يدي من جيوب المعطف الرمادي الطويل، وتخلصت من اللفاحة الصوف السوداء التي أضعها حول رقبتي، ونظرت بعينين دامعتين بسبب الدخان والبرد القارس والحزن الذي خيم على مشاعري. رأيت رجلا مفتول العضلات يخدم الزبائن، له لحية حمراء وعلى الأغلب أنها مخضبة بالحناء، ومعه فتاة بشعر أشقر وقفت وراء الكونتور. طلبت منها مشروبا منعشا بنكهة الكرز. مشروب طاقة لو شئت الحقيقة.

وهي تضعه أمامي سألتها: هل كنت تعرفين فواز؟.

نظرت لي نظرة تعجب و قالت: نعم؟.

-        آسف لو السؤال محرج.

-        تقصد السوري الذي انتحر؟.

وبلعت غصة وقفت في منتصف حلقي. كنت على وشك أن أبكي. ولكن لم يكن المكان مناسبا لهذه الفضيحة.

**

كتبت: فواز غير موجود معنا. أحد الفرسان الثلاثة غاب من الوجود. كنت كمن يرثي نفسه، ولكن أثناء الكتابة، لم تذهب من رأسي صورة العاملة في البار بصوتها المتهدج الدافئ. كان دائما هناك شيء يقف في وسط الطريق. حجرة سيزيف؟. كلب الحضارة الجريحة؟. جرح كرامتنا؟ ربما. ربما. لذلك توقفت في منتصف السطر، وألقيت القلم فوق الورقة.

صدق أو لا تصدق!..

مرت تسع سنوات على الحادث، وحتى الآن لا أمتلك القدرة على كتابة هذا التقرير.

 

د. صالح الرزوق

2005

.................

* من مجموعتي (تشبه القصص). مطبوعات مجلة ألف. دمشق. 2010. مع تعديلات طفيفة.

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ ..

لأقيمَ طقوسَ الأسئلةِ ..

فأبدأُ بسورةِ البُكاء ..

وأغيبُ كصرخةِ طفلٍ في غاباتِ الرّمال ..

أتأمّلُ قُرى الأحلامِ كيفَ دمرّها الطوفان ..

*

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ ..

أرقبُ العالمَ المكسوَّ بالغُبار ..

أرى النهايات تلوحُ بالأُفق ..

أرى الدّمار ..

تساورُني الأسئلة :

ما جدوى الحضاراتِ حينَ يُحاصرها القلق ؟

ما الفرقُ يا حبيبةُ بينَ صائدِ الحمام وقاتلِ البشر ؟

*

أدخلُ في رحابِ الصّمت ..

كراهبٍ ..

كقدّيس ..

كحُزن الشّجر ..

لأرى :

كم هو واسعٌ هذا القبرُ !

كم هي ضيّقةٌ أرضُ العرب !

*

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ  ..

كأمٍ مزّقها الثُكلُ ؛

لأسألَ السُّفوحَ عن الرعيانِ ..

وعنِ الغنم ..

وأسألُ السّهولَ عن السنابلِ ..

وأسألُ الشّرقَ عن الشّمسِ التي رحلت عن الشّرقِ ..

كما يرحلُ عن النهارِ القمر ..

وأسألُ الطّريقَ الخاويةَ إلّا من أوراقِ الشّجر ..

عن الرّفيقِ ..عن الصّديقِ .. عن الجارِ .. عن القريبِ ..

عن الغريبِ الذّي مرَّ من هنا فأشعلَ الطّريقَ بالحريقِ ..

ورحل ..

*

أدخلُ في رحابِ الصّمتِ ..

كعجوزٍ وشمَ الزّمن على جبينها ..

خريطةَ العرب ..

لأسألَ عن خريفِ التّاريخِ ..

عن اتّصالِ الألم ..

عن انكسارِ النّاي ..

عن تشتُّتِ النّغم ..

عن فرقٍ وحيدٍ بينَ وجودِ العربِ والعدم ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

زياد كامل السامرائيربما حطّ الهُدهدُ في سبأ !

ربما على قُصورها علّقَ النبأ

وجه بلقيس ما انطفأ

جنّة أرضها، وكتاب حنين.

قد لا أجد في حياتي

وخضرة نهديك،

المُهدّد بالانقراض، مبتدأ 

لا أستطيع أنْ أشعر بسعادة "الكوليرا"

وهي تعانق، بخفةٍ، مِزاجها

جثة بعد أخرى

تَهدي شهوتها، نجمة و ضمأ

قد لا أصادف إمرأة يمانية

في حياتي

تُخضّبها بولدٍ "صالح"

يحتمي من قنّاصين،

بشجرة ملحٍ

ومن حصانٍ مجنونٍ،

بخنجرٍ معقوف.

من السهلِ لشُرفات قلبكَ أنْ تجفل

أو تُطفأ مصباحكَ، رصاصة

وانتَ ترتشف ليلكَ المرّ

بشاي أسود

وتضحك، لانها عمياء.

منْ بعيد ...

سماءٌ صافيةٌ يجرحها دخانٌ ضائعٌ

يهرولُ مع نداء عقيم.

قد لا أرى  مصيري جائعا

لرغيف يابس أو كتاب سقيم

كسيح في جنازته، أمين يمشي

خلفه سرب من خطايا،

لعنات أرامل وموحّدين

ينصبوا فخا له وكمين..

تفزّ عظامه شضايا

ليعود لي حاملا

ذكريات موت وكلأ.

 ***

شعر: زياد كامل السامرائي

نادية المحمداويعويلُ مريعُ

يجتاحُ صبحَها الذي.

يلوذُ من خوفِهِ المخيفِ

بالانكسارْ.

ودروبُها التي أفقرتْ

تضجُّ بالفوهاتِ والخطى المريبةْ.

أعمّدتُ جرحي

بهزيعِها الدامي

وأيقنت أن الموتَ بغتةٍ يجيءْ. 

ألفَ نبيٍ قتلوا هناكْ

وطغى اليتمُ مختالاً بما جنتْ يداهُ

في أزقتِها التي تلوذُ بالظلامِ 

حزنُ مقيمْ. 

كطعنةٍ حمقاءَ تمسُّ شغافَ القلبِ

كلعنةٍ أخرى

تراودُ بردَ  ليلها المخيفِ

عن إغفاءةٍ أمنةْ.

يشتاقها المشردونَ والعورِ والزوايا  

أسرابٌ من الأرواحِ تعلو

صاعدةً إلى بارئها الكريمْ. 

كريحٍ تدورُ في عتمةِ الفراغْ. 

كصرخةِ بكرٍ تعاورتها

أنوثتها ذئابُ المزابلِ

سيذوبُ الليلُ مثل الشمعِ فيها

ويسيلُ الدمعُ مثل النبعِ فينا

لا شأن للعابرين بما يعتملُ

في أرواحنا التي تفحمتْ.

لا شأن لمن مروا عابرين

بصرخاتِ نسوتنا المستغيثة

***

نادية المحمداوي

 

نبيل عودةتجمدت عقارب الساعة واستطال ذهوله لوقت من الصعب تعريفه وتحديده بمعايير الزمن المتداولة.

تاه في رحلة بلا معالم.

بحث عن صوته ليطلق صرخة ذهول.. فتلاشى الصوت.

كان الالم يعيث فيه تمزيقا. يبعثر اشلاءه. لم يصب بأذى ويا ليته اصيب. كان ذهوله وحشيا. تداخلت افكاره عليه. فقد القدرة على الفهم. اختلط المكان عليه ففقد الدلائل لتحديد مكان تواجده. تناثر الزمن.. فاختلط عليه الوقت. كان يرى ولا يرى. يعرف ولا يعرف. ينزف دما ولا ينزف. يمزقه الالم ولا يمزقه. يصرخ ولا يصرخ. الصراخ محبوس في صدره. تلاشى امام ذهوله. أحس بضياعه. ضياع يتكثف. خانق، مؤذ، كئيب. قد تفيده الصرخة في تحديد مكانه، في العودة الى عالم معروف والى زمن معلوم والى رؤية محددة.

ركض مرتعبا نحوه .. شنطته متدلية من كتفه .. وصوته ينطلق مرعوبا:

- بابا…

بابا ممتدة طويلة نصبت شعر جسمه بقشعريرة وايقظت كل حواسه. حتى تلك اللحظة كان كل شيء واضحا.. وبزمن من الصعب تعريفه انتهى احساسه بما حوله. صرخ مستغيثا، صرخ بقوة لم يعهدها في نفسه. ركض نحوه بهمة ظنها تلاشت مع تلاشي الشباب. اشتدت عضلاته، وتيقظت كل حواسه ... للحظات فقط. بعدها تمزق في ضياعه. تاه في رحلته.

رحلة غامضة .. فقد صوته .. لم يعد يشعر بذاته .. تتفكك اطرافه .. لا شيء يجمعها .. لا شيء يربطها .. لا شيء يحركها .. تسمر في مكانه باحثا عن اطرافه . لا يشعر بيديه. لا يشعر بقدميه. لا يشعر برأسه بين كتفيه. لا يجد صوته. لا يجد يقينه. لا يستوعب رؤيته. جسده يفقد ترابطه. يتفكك. ركبتاه تفشلان في استمرار حمله. لم تعد له قدمان، لا يحس بقدميه.. تلاشتا ... وتهاوى فوق الارض الترابية. لم يحس بألم ركبتيه.. لم يحس بأي الم يعتريه. كان ألمه غريبا. يتدفق من داخله. يتفجر بدفعات ... والدم يتدفق. حارا. والنظرات المرعوبة تتعلق به بلا حراك .. ربما فيهما رجاء، رجاء صامت .

- بابا..

صرخة مرعوبة ممتدة تطرق طبلتي اذنيه، وتترك صدى لا ينتهي. احساسه العارم بالعجز المطلق يزيده ذهولا وألما.. ذهول ممتد وألم متدفق.. طاغ، صرخة مرعوبة ممتدة تمزق طبلتي اذنيه. وصراخه يتراكم في صدره.. لا يجد منفذا له، صراخ اخرس، يكاد يخنقه صراخه المحبوس.. ولم يجد بدا من احتضان الجسد الصغير. احتضنه بأمل ان يجد فيه بقايا حياة. خضب الدم يديه وثيابه.. دم حار. والصرخة المدوية تواصل طنينها.

صرخة مرعوبة ممتدة .. "بابا" كان الدم دمه والالم المه .. والجسد المتراخي جسده، والعينان الجاحظتان عينيه. مد يده يلامس الجبين الذي تدفق العرق منه قبل لحظات. اصطبغ العرق بالدم. كان يجري مرعوبا صارخا للاحتماء به، فأجبرته طلقة على افتراش الارض... منهارا مذهولا امامه. كاد يحتضنه وهو يتدفق حياة .. وها هو يحتضنه ودمه ينزف قطراته الاخيرة.

كل شيء تغير بلحظات، كل شيء اختلف بلحظات. لم يستوعب ما جرى .. وعجز عن التفكير.

تغيرت المشاعر والافكار، انعدمت، تلاشت، وغيرت مضمونها .. احتلته احاسيس اخرى، احاسيس مجهولة لم يدر كنهها. اعترته رؤية غير التي يمارسها منذ نصف قرن. حاسة سمع غير التي اعتاد عليها كل عمره. ألم لم يعرفه من قبل .. حتى حاسة اللمس تفقد مميزاتها القديمة.

الدم الحار المتدفق لا ينتهي. ربما خياله يوحي له ذلك. . والصرخة في صدره تتضخم ولا تجد مخرجا.. تكاد تخنقه. والدم يخضب يديه والارض، والجسد يتراخى بين يديه، وصرخته المرعوبة الممتدة " بابا " تدوي بتواصل لا يتوقف .. وفي عينيه الجاحظتين رجاء .. وهو عاجز امام الرجاء.

لم يشعر بالجلبة التي حوله، لم يسمع صراخ القهر المدوي .. وغرق بألمه وذهوله وعجزه المرعب. ذهوله تجاوز المه .. تجاوز قهره .. تجاوز صراخه. "بابا" تدوي بأذنيه. كان بينه وبين احتضانه لحظة. قطعتها طلقة. بعد الطلقة حل الذهول .. ولم يحتضن الجسد المنطلق، احتضن صرخته المدوية " بابا ".

الطلقة اوقفته على بعد خطوة منه .. وتلوث الجبين الفتي بالدم الحار المتدفق بغزارة.. واحتضن الارض تحت قدميه. واحتضنه الذهول .. وبقي الرجاء في عيني الصغير.

اراد من نفسه اشياء كثيرة .. في تلك اللحظة لم يفهمها. كان في زمان محدد ومكان معرف .. ولكنه خارج ذاته. كان منفصلا عن حواسه، حيا وميتا، موجودا وغير موجود. قريبا وبعيدا. يمسح العرق عن جبين الصغير فيتدفق الدم. الدم الاحمر القاني. دم لا يتوقف. يملأ يديه. يروي الارض الشرهة بغزارة. تصطبغ ولا ترتوي. وصرخات الالم حوله تعلو.. وهو بعيد.. ربما لا يسمع؟ ربما هو المقتول؟ الدماء المتدفقة دماؤه؟ كان خارج نفسه. خارج وعيه. خارج مكان تواجده . وخارج الزمان المعروف. خارج حواسه ومشاعره. وفي اذنيه دوي لا يتوقف .. يمتد مرعوبا .. مدويا " بابا "، وهو لا ينجح ان يجمع نفسه ... فيتهاوى.

للحظات تداخل الحدث في ذهنه بشكل غير منظم. ربما بقي وعيه. ترسبات ذهنية من قبل الذهول.

حين دوت الصرخة اهتز جسده بفزع.. وبشكل خاطف انطلق للخارج باتجاه الصرخة. لم تكن ضرورة ليفكر بما يحدث. كل شيء كان واضحا بالصرخة.

كان يراه شابا يافعا وعروسه ترفل بالبدلة البيضاء وسط غابة من الزهور، والسعادة تملؤه. تلك امنية عمره. رزق به بعد سنوات طويلة من المعاناة ولم يرزق بغيره. كان يرى حفيده. كان يحلم ان يكون له حفيد، يحمل نفس اسمه، يتجدد به. يحقق ما لم يحققه هو. ومن كثرة ما تاه بحلمه صار يشعر بأصابع الحفيد الصغير تلاطف وجنتيه.. تشد شعره. ولكن الصرخة نقلته من حلمه الجميل الى واقعه التعيس. من شطحته الذهنية الممتعة الى حاضره المذهل اللعين.

" بابا" تدوي ممتدة مرعوبة في اذنيه ... تختصر احلاما وامنيات واسعة رحبة. حين ركض نحوه فهم كل شيء بأجزاء من اللحظة. حاول ان يوقف الطلقة بكفه الملوحة للجندي.. او ان يقنع الجندي بتوجيهها نحوه، بدل الصغير المرعوب. ولكن القرار كان جاهزا.. ونفذ بلا تردد.

تأمل لثوان سحنة الجندي الباردة، ولمح ظل ابتسامة. حقا سحناتهم متشابهة. ورصاصهم متشابه، اما تلك السحنة لذلك الجندي مع ظل ابتسامة، بوجهه الطفولي الاجرد من الشعر، وبعينيه الزرقاوين الباردتين، فترسبت في ذهنه.

كان فيها شيء مألوف لم يستوعبه في ذهوله. لأمر ما كانت السحنة تضغط للتجلي .. للبروز. ولكن الصرخة المدوية الممتدة " بابا " افقدته القدرة على اي حس او تفكير او مراجعة ذهنية. افقدته تفكيره وذاكرته. افقدته احساسه بالزمان. افقدته احساسه بالمكان. افقدته معرفة ذاته. ومع ذلك ضغطت سحنة الجندي ذهنه ... ذهنه الخالي الا من ذهوله والمه وصراخه المحبوس .. سحنة لن ينساعا. لأمر لا يفهمه تشده سحنة الجندي نحو حدث لم يتضح له بعد. ولكن ذهوله امام الدم المتدفق والصرخة الخرساء والعينين الباردتين المذهولتين، والارض المخضبة بالدم.. ابعده عن كل ما يوثق عراه مع عالمه. والرجاء يطل من العينين الجاحظتين. صرخاته المحبوسة في صدره تؤلمه. لم يعد يقوى على لملمة نفسه. يتفكك. جمع نفسه، او ربما لم يجمع .. وأخذ الجسد الصغير الدافئ بين يديه. ضغطه الى صدره عله يوقف تدفق الدم. شدته حواسه بين الحار والبارد. ولم يدر ما هو فيه. كانت السحنة ذات الوجه الطفولي الاجرد تضغط في مكان ما في ذهنه.. وتتراوح الصور والافكار بين المعتم والمضيء، بين الواضح والمجهول، بين اليقين والوهم، بين الوعي واللاوعي، والصرخة تدوي ...والدم يتدفق .. وهو يتفكك .. يتحلل، يفقد توازنه، يفقد ذاته، والسحنة تعمق قهره، وذهوله يشتد ... و"بابا " صارخة قوية مرعوبة... اراد ان يصرخ، ان يحتج .. ان يخترق صمته وذاته ... فلم يجد بدا من الانهيار فوق الجسد الصغير .. وفي ذهنه شاب يافع عروسه ترفل بثوبها الابيض الى جانبه وسط الزهور .. مئات الزهور...

***

اقيمت خيمة التعازي في عصر اليوم نفسه. جلس صامتا وصرخة الفزع المدوية " بابا " ترن في اذنيه، تتفجر داخل اذنيه، وتكاد تجعله اصم عن سماع آية كلمة تعزية .. بل يكاد لا يعي احدا من المعزين. عجز ذهنه عن استيعاب الوجوه المعروفة. كان حاضرا وغائبا .. قريبا وبعيدا .. ذهنه يراوح بين التشتت واليقين .. بين الوهم والواقع ... وتلك الصورة المشؤومة للجندي ذي الوجه الطفولي الاجرد، مصوبا بندقيته، ومطلقا رصاصته القاتلة بلا تردد، تمزق هدوء نفسه. تقف حائلا بينه وبين عودته لذاته.. تشده بعيدا، بعيدا جدا عما هو به. خيل له للحظات ان ما يعتريه ليس حزنا على فقدان حلمه، بل ندما على تصرف لن ينساه ولن يسامح نفسه بسببه ابدا. ربما بسببه يتواصل صراخ الفزع الممتد " بابا " مدويا في اذنيه، حتى يكاد يعزله عن كل ما يحيط به .. فلا يسمع الا صرخة الصغير المرعوبة، ولا يرى الا الدم المتدفق من الجبين الفتي، ثم انهياره فوق الجسد الصغير..

كان منفيا عن ذاته غائبا عما حوله. وصورة الوجه الطفولي الاجرد، بالعينين الزرقاوين الباردتين، والبندقية المصوبة، ودوي الطلقة، يكثف قهره ويضاعف قيظ نفسه...والرجاء في العينين الصغيرتين يعمق قهره وعجزه ...

لوهلة اتضحت الملامح واتضحت الصورة. لا بل كان كل شيء واضحا من اللحظة الاولى، حتى من اللحظة التي سبقت الطلقة. ربما هذا ما ضاعف ذهوله وفجر المه بكثافة لم يعهدها. ربما " بابا " ليس نداء استغاثة من مرعوب فقط ..انما توبيخ على حماقة لم تكن ضرورية. هل بتصرفه ذاك ارتكب خطيئة يدفع ثمنها اليوم ؟! .. ليكون هو قاتل ابنه بيديه ؟!

تندفع الدموع لعينيه، يشعر بها لكنها لا تشفي غله. محبوسة مع صرخاته، محبوسة مع المه، محبوسة مع تفجر نفسه بالقهر، تتهدم ذاته وتعذبه افكاره المشتتة، وملامح تلك السحنة من وراء البندقية لا تفارقه... والاحساس بحرارة الدم لا يفارقه. والجسد المرتخي بين يديه يكاد لا يغادره، وهو بعيد عن نفسه، لا يرى الا الجبين المثقوب، والوجه الطفولي الاجرد من وراء البندقية .. وهو بين اليقين والشتات. الصرخات المرعوبة لا تغادر سمعه ... يتواصل دويها. يصدق ولا يصدق .. ويرى صغيره يركض نحوه .. يراه شابا يافعا يسير مع عروسه والزهور تحيط بهما .. ويرى الوجه الطفولي الاجرد من وراء البندقية، يتضخم ليحتل كل شاشات دماغه.

في ظهر يوم قائظ التقى تلك السحنة الطفولية الجرداء. لم يكن ذلك منذ وقت طويل، منذ اسبوعين في خضم الاحداث الاخيرة. وها هو اليوم يدفع الثمن. الصرخات المرعوبة " بابا " تتفجر في اذنيه، توبخه، تصيح به، تتهمه، تؤلمه وتزيد قهره ... ويطل من عينيه رجاء لا يستطع تلبيته.

كان بعض الشباب الهائجين يحيطون بسيارة عسكرية حاولت ملاحقة بعض الفتيان، واستطاعوا ان يوقعوا بها، ويشعلوا فيها النار. ومن البعيد لمح ظل جنديين. أيقن ان النيران ستأتي عليهما ان لم يخرجهما من السيارة. ولأمر لا يدريه نسي كل حقده والمه لما يجري. قال لنفسه انهما لا يختلفان عن صغيره. لهما احلامهما وقلوب تبكي خوفا عليهما. ربما لو سمع عن حادث بعيد عنه لما اهتز .. ولكنه لم يحتمل ان يحرقا امامه. شعر ان الذي يحترق قد يكون ابنه الوحيد واحلامه. فاندفع كالمجنون تحت حجارة الشباب، ورغم الحروق الخفيفة التي اصابته واصابت الجنديان، استطاع ان يخرجهما من السيارة المحترقة ويمنع الشباب من تنفيذ غضبهم ونقمتهم .. ربما شتموه .. ولكنه شعر بكبرياء وراحة. شعر انه انسان .. يعطي الحياة ويعطي الأمل، ليس للعسكريين، انما للإنسانين المرعوبين داخل البزات العسكرية. وأيقن ان رعبهما لا يختلف عن رعبنا، وكرههم للموت لا يختلف عن كرهنا. هذا ما أعلنه مرارا متفاخرا بإنقاذه لعدوين مرعوبين ... " سننتصر بإنسانيتنا " كان يصر رغم سخرية الكثيرين منه. وحين كان ينظر لابنه، ويتأمل احلامه، يعرف انه تصرف التصرف الصحيح، وقد شده وجه أحد الجنديين الطفولي الاجرد بعينيه الزرقاوين. كان مرعوبا وفاقدا لتوازنه فاحتمى به. حماه بجسده. ورافقهما حتى الحاجز. لأول مرة يشعر بالشفقة على عدو له .. شعر بإنسانيته تتجاوز ذاته وتمتد. كان سعيدا لقراره المباغت بإنقاذ الجنديين، ولن ينسى الوجه الطفولي الاجرد المرعوب ... ولكنه اليوم لم يكن مرعوبا .. كان ينظر ببرود من وراء بندقيته .. وابتسامة تعلو شفتيه وهو يطلق رصاصة على الصغير المرعوب الراكض للاحتماء به. وتبعثرت افكاره مرة اخرى .. تبعثرت راحة نفسه التي عاد بعضها اليه .. وعلى حين غرة انفجرت صرخته .. وانطلقت دموعه .. بحر من الدموع والقهر والالم... ليس لفقدانه صغيره فقط .. الذي كان صوته يدوي حادا مرعوبا كل الوقت، ومؤنبا غاضبا "بابا" ... ولكن، ربما لأنه كان انسانا ...؟! لا يدري ما يؤلمه أكثر. كان المه مضاعفا. وكان لا بد له ان يصرخ.

 

قصة: نبيل عودة

 

ريكان ابراهيمأنا لستُ إسماعيلْ

وأبي عراقيٌ أصيلْ

كان اسمهُ إبراهيمَ لكنْ لم يُلقَّبْ

بالخليلْ

والله لم يأمرْهُ في رؤيا المنامِ

يذْبح يافعهِ العليلْ

فأنا فتىً واهي الخُطى، متواضِعُ

القُدُراتِ في زَمن لئيمْ

وفتىً كما أنا لا يكونُ فِداءَهُ

كبْشٌ عظيمْ

أنا لستُ يُوسفَ، إنّما

لي مِثّلُ إخوتهِ النشامى المُخلصيْن

لي إخوةٌ فعلوا معي

ما يُخجلُ الشُرفاءَ بين العالمينْ

أنا إخوتي لم يُدْخِلوني الجُبْ

لكنهم فعلوا بيَ الأقسى فقد دلّوا

عليَّ الذئْب

لي مثلُ إخوتهِ ولكنْ اخوتي من دونِ قلبْ

                  ***

أنا لستُ موسى، إنّما

أنا ذلك الرجلُ المشاكِسُ من يهود

بني قريضة أو قينُقاع المدينةِ او

يهودِ السامرةْ

أنا منذُ عهدي بالجدالِ وبالنّقاشِ

رفعتُ صوتي قائلاً:

ما لونُها؟ كم عُمْرُها؟ هل إنّها

بِكْر عُوانْ؟

فلقد تشابه عندنا بَقَر الزمانْ

أنا لستُ موسى، إنّما

انا ذلك الرجلُ المشاكِسُ في

ثيابِ التاجرِ

وأنا الذي أغراهُ عِجْلُ السامري

              ***

أنا لستُ عيسى، إنّني طفلٌ عراقيٌّ

تقمّصَهُ جنونُ الشاعرِ

عيسى نبيٌّ والذي لم يتَّفِقْ مَعهُ

يهوذا ناصري

أنا شاعرٌ ومُبغَّضٌ في الشعرِ

أنْ يغدو خطابَ منابرِ

الشعرُ أعذبُهُ الكذُوبُ، وليسَ

يكذبُ مَنْ يكونُ بهِ شَقَيّا

مِنْ قبْلُ حاولَها أبو الشعراء أحمدُ،

كانَ عملاقاً ولم يُصبحْ تقيّا

ليس النبيُّ بشاعرٍ فعلَام

نسألُ شاعراً أن يستحيلَ

بمَحْضِ رغبتهِ نبيّا

***

للدكتور ريكان إبراهيم ..

 

صالح موسى الطائيأُغلِقي البابَ

وافتحي الليلَ للملائك ِ

والشياطين ِ

وانزعيني مِنّي أمامَ

هذا الخيالِ الموشّح ِ بالضوءِ

خُذي جَسدي ....

وَغطّيهِ بك ِ

كي أ ُزاولَ هذا الخلاص

وَدَعي الجنة َ تلعبُ في حضني

حتى انتصاب ِ الروح ِ

والرأس ِ المُبحر ِ في هذا العناق

*

فـَلرُبّما سوف

لن يتكرّرَ هذا الليلُ أبدا ً

لأنّ الموتَ قريبٌ جدا وبعيد

فدعيني أ ُداعب حلمك َ ببطْء ٍ

وهو يلتصق

بالتاء المربوطة ِ

والملصوقة بلساني

كي يجعلني شيخا رضيعا ً

رغم انفطامي من كلّ السنين

*

أغمضي عينيك ِ

على كتفي

كي يكتملَ الحبّ ُ

حَدّ الضياع

فالكرة الأرضية لا تدورُ أبداً

دون سماء ٍ أو غرام

واغلقيني عليك ِ

كي أتلاشى

ثم افتحي الفجر الجوريّ بساقيك ِ

كي أستريح....

أو كي أدوزن َ هذا الكون بنهديك ِ

هامساً :

(عطشٌ أسرى بلوعاتي اليك ِ

فاعصري القلبَ وهزّيني عليكِ)

ودعيني أطيل احتلالك َ

وأطيلي احتلالي حتى انبثاق الحليب ِ

وانكسار الصليبْ

وأطيلي اللثم آهــا ً بـآه ٍ

كي نهز الارض التحاما

فوق هذا السرير

***

شعر: صالح الطائي

 

محمد شداد الحراقجلس (طاهر) على مقعده الدراسي المعتاد بجانب زميله (حميد) وهما يستعدان لإجراء اختبار مادة الرياضيات. كان معظم التلاميذ في حالة توتر وترقب لا توصف. الوجوه واجمة والقلوب واجفة والعيون جاحظة. الجميع يتساءل في قرارات نفسه عن درجة صعوبة هذا الاختبار اللعين. عن هذا الشبح المقيت الذي يطاردهم.  الكل ينتظر لحظة البداية على حوض من جمر، ويصوغ احتمالات عدة وفرضيات كثيرة لنوع الأسئلة التي كتبت على السبورة المغلقة والمحروسة بإحكام.

طاهر- مثل كثير من رفاقه- يكره هذه المادة ويجد صعوبة بالغة في استيعابها، ومع ذلك فهو مطالب باجتياز هذا الاختبار والحصول على نقطة جيدة تشجعه على مواصلة الدراسة، وعلى تحقيق النجاح الذي يعني بالنسبة إليه الكثير. إنها مادة الرياضيات، ذاك البعبع المخيف الذي تقدسه السياسة التعليمية، وتروج له باعتباره مفتاح المستقبل وتعتمده كمقياس للتمييز بين الطلبة. كان طاهر يحس بحمم القهر تصهر أحشاءه، ويشعر بسكين الظلم ينغرس في أعماقه إذا سمع ذلك المعلم المتغطرس يثني على المتفوقين في الرياضيات ويمدحهم على مسمع ومرأى من الجميع، وفي المقابل يعيب على غيرهم ويزدريهم ويكيل لهم كل عبارات القدح والسخرية الجارحة التي تستقر في باطن تجاويف القلب، وتصيبهم بالإحباط وبفقدان الثقة في النفس. كان غالبا ما يردد عبارته البذيئة الجارحة:

"العبقرية مقرونة بمادة الرياضيات. ولهذا فنحن هنا من أجل تدريس أسيادكم. ندرّس ونتعب من أجل طبقة العباقرة فقط، لأنهم هم المستقبل، أمّا أنتم -معشر الأكباش- فلا خير فيكم ولا أمل مرجو منكم"

 صار مقياس التميز في الفصل هو التفوق في هذه المادة، لأن المناهج الدراسية لا تهتم بتنوع الاهتمامات ولا تعترف بتعدد الذكاءات ولا تعير أهمية للمواد الأخرى التي تنبغ فيها بعض المواهب. لم يكن طاهر يعترف بهذه المعايير التمييزية المجانبة للصواب، لأنه يعلم أن الدول والحكومات والمنظمات العالمية الكبرى تسيّرها النخبة المثقفة من أهل الكلمة والفكرة والحكمة والفن، وتستعين في برامجها بخبراء التحليل السياسي والنفسي والتربوي والاجتماعي  القادرين على معالجة قضايا الإنسان والبيئة والمجتمع .

يعلم طاهر أن درجته في هذا الاختبار لن تتجاوز درجة زميله حميد الذي يتفوق دائما في مادة الرياضيات بفضل الساعات الإضافية التي ينجزها رفقة أحد الأساتذة.فهو من عائلة ميسورة توفر له المبالغ المادية التي تتطلبها دروس الدعم.  أما طاهر فلم يكن باستطاعته فعل ذلك. فالعين بصيرة واليد قصيرة، كما يقال. كان يحس بالقهر والغبن حينما يرى زميله حميد يتقن فك ألغاز الرياضيات، ويتمكن بسهولة من فهم العلاقات والمعادلات وإنجاز أصعب التمارين والواجبات، بينما هو يحاول طويلا ويجهد نفسه كثيرا، ولكنه لا يستطيع استيعاب تلك الطلاسم المعقدة.

 في يوم سابق، دعاه حميد إلى مرافقته إلى بيت أستاذه لحضور درس إضافي في الرياضيات بعدما أحس برغبته في إتقان هذه المادة العصيّة عليه.

- اليوم أدعوك لترافقني لحضور درس الدعم في الرياضيات. سيعجبك أسلوب الأستاذ. وسوف تستفيد منه كثيرا.إنه رجل طيب ومحب للتلاميذ.

- ولكن، هل يوافق الأستاذ على حضوري ؟

- لا عليك، سأطلب منه ولن يرفض طلبي.

في البداية ابتهج طاهر لهذا العرض. سلك الطريق رفقة حميد وهو في حالة انشراح. ولكن لما وصل بهما المسير إلى باب البيت رفض طاهر الدخول واعتذر لرفيقه. أحس بالحرج وبعدم الارتياح. لم يكن مستعدا لمثل هذه الوضعية التي تعني الرضا بنظرات الإشفاق والقبول بمنطق الإحسان والصدقة. ألحّ عليه حميد كثيرا وحاول طرد تلك الهواجس السلبية التي تستوطن ذهنه، لكنه أصرّ على الرفض. دخل حميد مسرعا لإخبار الأستاذ. وفي التو خرج  هذا الأخير باسما.صافح طاهر ورحب به ودعاه إلى الدخول. كانت الحصة الأولى والأخيرة التي حضرها. فقد أحس خلالها بفقدان التوازن وبعدم الرضا عن النفس. كان يتابع الشرح وهو يحس بالدونية ويمضغ أصابع الحسرة ويلوم حظه العاثر الذي حرمه من كثير مما يتمتع به غيره.

فتحت دفتا السبورة، وظهرت العديد من الطلاسم والأرقام والمعادلات المحيرة والرموز المعقدة. إنها إشارة إلى بداية الاختبار، كانت قلوب البسطاء تخفق بشكل غير طبيعي، في حين كانت قلوب الأذكياء والأغنياء مستقرة غير مبالية. فقد تم التمرن على مثل هذا الاختبار في دروس الدعم الإضافية بشكل كاف، وليس هناك ما يثير فيهم المخاوف. أما طاهر فقد تغير لون وجهه بمجرد أن ألقى نظرة استطلاع على السبورة . تجمدت الدماء في شرايينه، ولم يعد قادرا على قراءة ما تتضمنه تلك الأسئلة الصادمة. أحس بصعوبة في التمييز بين الأرقام نظرا لضعف بصره. ومن دون وعي منه، سأل زميله :

- حميد..هل ذاك الرقم الموجود بالسطر الثالث هو رقم 3 أم 9 ؟ أنا لا أراه بشكل واضح.

  كانت هذه الكلمات العفوية كافية ليتهمه أستاذه بالغش. حاول تبرير موقفه لكن الأستاذ الفظ الغليظ القلب أصر على معاقبته. نزع من يده الورقة، ووضع عليها علامة صفر، وكتب بخط عريض: (محاولة غش). انفجر طاهر بالبكاء وانهار كليا. استعطف  صديقه حميد الأستاذ بكل عبارات الاستعطاف والتوسل، وشرح له الموقف، وأكد له براءة زميله من تهمة الغش، لكن دون جدوى.

خرج طاهر من الفصل يجر ذيول الخيبة والقهر وقد أدرك أن الحظ يعاكسه والحرمان يطارده ويقتفي أثره. كما أدرك أنه محتاج الآن أكثر من أي وقت آخر إلى وضع نظارات طبية لتصحيح النظر إن هو أراد الاستمرار في متابعة الدراسة. ولكن من أين له أن يحصل على هذه النظارات؟ وما السبيل إلى ذلك؟

في الغد نصحه حميد بزيارة الطبيب بالمستشفى العمومي، وأكد له أن الفحص بالمجان ولا يستغرق سوى بضع دقائق. وبالفعل ذهب طاهر إلى المستشفى وأجرى الفحص، فتأكد له ضرورة حمل النظارات الطبية خلال ما يستقبل من حياته. خرج بائسا مكسور الجناح، مطأطأ الرأس، تتحرك قدماه بصعوبة بالغة وكأنما تثاقل جسمه فلم يعد يقوى على حمله، وفي أعماقه تتحرك مطارق حيرة قاتلة تهد كيانه بالكامل:

- ما العمل الآن؟ وكيف أحصل على النظارات؟ من أين لي ذلك؟؟؟

مرت خمسة أيام وطاهر بدون نظارات، ويجد صعوبة بالغة في متابعة الدروس. كان حميد يراقبه في السرّ ولا يقوى على سؤاله. فهو يعرف وضعه الاجتماعي ويدرك الصعوبات الجمّة التي يعيشها بالبيت منذ وفاة والدته. وفي الأخير قرر القيام بمبادرة إنسانية تجاه زميله تضع حدا لهذه الأزمة القاسية. وفي غفلة من طاهر دعا حميد رفاق الفصل جميعا لاجتماع طارئ، وشرح لهم الوضع، وطلب منهم القيام بما يقتضيه واجب الزمالة:

- أنتم تعلمون الظروف التي يمر منها طاهر.. وهو الآن محتاج إلى النظارات. وهذه هي المناسبة للتأكيد على أخوتكم.

- ماذا تقترح؟. ما العمل؟

- نجمع المبلغ الضروري. كل واحد منا يساهم بما يستطيع، ثم نسلمه إليه.

- لا . لا.. أنا أعرف طاهر جيدا. هو شديد الحساسية.. لن يوافق بالتأكيد.

- صحيح.. سوف يحس بالحرج وقد يرفض تسلّم المال. لذلك أقترح أن نشتري له النظارات.  لكن يبقى علينا الحصول على ورقة الفحص الطبي. 

- أنا معك. نعم الرأي !  

 بدهاء بالغ حصل حميد على ورقة الفحص بعدما أوهم طاهر بأن أحد أقربائه نظاراتي، ويمكنه أن يصنع له النظارات المناسبة بدون مقابل. ولم يتأخر طويلا. وبعد يومين كان طاهر لابسا نظراته الطبية. ينظر إلى السبورة فيميز بين رقم 3 ورقم 9، وينظر إلى الحياة فيرى الحب في أجلى صوره مرسوما على وجوه زملائه، ويتطلع إلى المستقبل بعيون حالمة متحفزة. لكن حب الرياضيات لم يجد سبيلا إلى قلبه. 

***

  قصة قصيرة

د. محمد شداد الحراق        

 

فتحي مهذبأقيس قطر مخيلتي بقفزة كنغر ..

حديقة رأسي بدموع المتصوفة..

غواصة روحي بريش طائر الهدهد..

تلة الماوراء بتنظيرات العميان..

سماء كلماتي بضحكة مسدس..

عمق ذكرياتي بعكازة طاووس..

أسرار الموت بقبعة الكاهنة..

*

بأظافري المتوحشة

أحصي نجوم النوم..

عدد الرهائن في معتقلات اللاجدوى..

أحصنة الهنود الحمر

الرابضة وراء جنازتي..

أصابع مقطوعة على المائدة..

دموع غزالة في صلاة عابرة..

بنادق الفهود في الأرياف..

جرار القمح في الكلمات الصيفية..

ملابس الأشباح في الخزانة..

نقود اللامعقول في جيب البوهيمي..

*

أكسر دمعتي بفأس..

أغسل براهيني بفضة المطر..

مثل سيارة اسعاف متوترة

أنادي نجمة لترويض هواجسي..

أعطي الجسر اسمي

ليفكك سيمياء المصادفة..

أنا مثل الله

داخل بيتي..

عاليا وعميقا ومكتظا بالأسرار..

لضفائر صوتي أبهة فارس حبشي..

لي شمس من الكريستال

تطلع من عمودي الفقري..

عرباتي مليئة بفواكه الأسلاف..

كل عابر يصب في مجراي..

كل فراشة طفلة هاربة من المدرسة..

كل زفرة رصاصة طائشة..

كل غراب مسدس حزين..

في كل بيت وليمة..

الشجرة وحدها تعي صفير مفاصلي..

كل ذئب مصباح شهواني..

هات مزمارك لأطارد اعصارا

يحفر كتفي بأسنانه..

لم تسقط تفاحة واحدة من عنق الحصان..

لم أدن بعد من شرفة يانيس ريتسوس..

لم أزل أقاتل حجر الآلهة..

قوسي ورماحي ..

وامرأة مترامية الأغصان..

هذه أسلحتي في الغربة..

***

فتحي مهذب

 

حسين حسن التلسينيمـن قلبِ المهــدِ

الـى قلبِ اللحــدِ

مـانجـــا أحـدٌ

مـن صفعــاتِ الأخطـاءِ علـى الخـدِّ

فـارحـمْ نـفـسـكَ يـا ابـن آدم فـارحـمْ والجـمْ

رعـدَ وبــرقَ غلـوِّكَ في النـقــدِ

بضيـــاءِ الـرحمــــةِ

لابـإقـامــةِ ســـيفِ ظـلامِ الحـدِّ

فجـحـيــــمُ الـنَّـقــــصِ

تـظــلُّ وتـبــــقى تـعـشِّـــشُ فـيــنـــا

في كلِّ خطــــوةِ جزرٍ ومــدِّ

ونعـيـــــمُ الكـمــــالِ

يـظـلُّ ويـبــــقى لـوهَّــابِ الـرحمـةِ والــودِّ

***

شعر: حسـين حسن التلسيني

الـعــراق/الـموصــل

 (25 / 5 / 2015)

فاتن عبد السلام بلانيـا .. صـغـيـري

صافرةُ الحربِ

تُدجّنُ السّككَ للرحيل

مـاذا أفـعـل

 وقد نسيتُني

تحتَ شُبّاككَ المكسور

وكُلّي أصابعُ نازفة

وكُلّكَ ستائرُ شرود؟

قلبيَّ المدعوّ بـ (الضّال)

مـاذا يـفـعـل

والبلادُ  بالأحمرِ آبارٌ

ودلوُ السّماءِ حزين؟

أحاولُ الحبوَ

على عظامِ روحي

وصوتي المُباد

 نايٌ جريح

أهذا منجلكَ

أيُّها الحَصَادُ

يَشري بأعمارنا ويبيع؟!

 فـ على جلدِ الدمعِ

أُعدّدُ الأحلامَ الكسيحة

 آهٍ ياجناحَ حُلمي الكسير

 واحد .. مئة .. ألف

تلكَ مشاعري

 تطوفُ حولَ

حجرِ الهزيمة

والشيطانُ يرجمُها

من كُلِّ فجٍّ عميق

مـاذا أفـعـل

والفَقدُ يقطفُ البسماتِ

ويدزُّها أحطابًا

بينَ ألسنةِ الحريق؟

على ضفّةِ الوجع

أراني أمامي

عاشقةً ثكلى

تمدُّ أشلاءها

لطفلِ حُبّها الغريق

تُحنّي ضفيرتها

بـ كمشةِ رماد

كيف أضعتي رسائلي

في كومةِ غُبارٍ

أيُّتها .. الريح؟

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (الغريب)

صُلبَ على لوحِ الانكسار

وامهرَ  نبضاته

جُثثًا .. لـ التوابيت؟

فـ أينَ أنتَ مني

وهذا الاغترابُ قاحلٌ

نذرتُهُ خطواتِ تيهٍ

فوقَ دربٍ حليق؟

أتسمعُني أتراني؟!

طَرَقاتُ يديّ أنّاتٌ

وبابُكَ أصمٌّ كفيف

مـاذا أفـعـل

وشريطُ الذكرياتِ

 زُجاجُ ظلالٍ

 يخرمشُ صمتي

فتئنُّ مرايايَّ

بينَ حفيفٍ وفحيح؟

قلبيَّ المدعوّ بـ (الشّاهد)

يعوي أبهرهُ

فالحُمْلانُ تتسيّدُ

بدرَ الدماء

والقميصُ

 في جُبِّ الغدرِ

زَغبُ فرْخٍ صغير

عدْلًا يا إخوتي عدْلًا

فـ أنتم الجُناةُ

والذئبُ من الذنبِ بريء

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (المُشرّد)

يحملُ في بُقجتهِ

الحُبَّ والأضواء؟

تعال لـ تتقمّصني

قصفةَ زيتونٍ وحمامة

ودعني أحدّكَ

من أربعِ جهات

زُمرتي قاسيونية الهوى

وفي ملامحي

رُضّعٌ تلبّؤوا الشّيبَ

من أثداءِ الخيام

أنـتَ .. وأنـا

وفصلٌ خامسٌ

أوتادهُ الجِراح

يمزّقُ ندوبنا

 بـ رصاصه

فـ نخيطها

 بـ مسامِ التُّرابِ

ونخبّئُ غُرَزها

في جيوبِ الرصيف

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (المُنتمي)

يُهادنُ الكوابيسَ

بـ أرقهِ  ..؟

فـ ليلُ البلادِ

دونَ قناديلكَ

شبحٌ فارعُ العتمةِ

والصباحُ

دونَ هبّةِ زقزقاتك

روتينٌ ثرثارٌ

 بينَ النشازِ والزّعيق

مـاذا أفـعـل

وقلبيَّ المدعوّ بـ (الضحيّة)

يُعدّدُ بقاياه

بـ تأتأتِ الخسارةِ

وعلى نحرهِ

غربةٌ وسكّين؟

تحتَ شُبّاككَ المكسور

يتهاوى ذابلًا

قطرة قطرة

غضَّ الرمشَ

وغصَّ بـ البريق

أنـتَ .. وأنـا

 ومآقي البلادِ

أيقونةُ الحِلِّ والتّرحال

أتموتُ البلابلُ شاديةً

أسرابَ سمفونياتٍ

بينَ أعشاشِ السّماء؟!

فبأيّ حقٍّ يُقتلُ

الحُبُّ في بلدي

وبلدي ياسمينُ اللّهِ

من يُمناهُ إلى يُسراه؟

و بأيّ حقٍّ تَجْرِمُ

بـ ياسمينكَ

وعطرهُ مفتاحُ داركَ

ومظلّاتُ أسواركَ

أيـُّهـا .. الـربـيـع..؟

***

فاتن عبدالسلام بلان

بن يونس ماجنفي منحدرات التيه

نبحث عن وطن

وفي انكسارات الريح

 نواري شعبا بلا اكفان

*

نبحث عن منفى أمن

بين فكي تمساح

ارهقه المضغ

وما يزال ينزف اوجاع  الابارتايد

*

في الارض المحتلة

نصبوا اعواد المشانق

واغلقوا المنافذ بالمتاريس

واخرجوا الرعايا من ديارهم

*

في الظلام القاتم

دونما أى ذنب

 يطاردنا كابوس الخوف

وتحاصرنا خفافيش الليل

*

وفي اعشاش المهجر

نبني وطنا بلا هوية

ونرفع علما لا الوان له

ونحرث حقول الامال

ونشيد متاحف ليوم العودة

*

ومرت الاعوام

فطال انتظارنا

وشاخت اعمارنا

حتى تعفنت جثثنا

في وحل المستنقعات الدولية

المسماة بالامم المتحدة

*

وجاء من اقصى المنافي

وطن مشرد

يمشي وهو نائم

يحمل فوق اكتافه

ما تبقى من دروب الشتات

وحفنة من كوابيس احلام كئيبة

وشظايا قارب محطم

وبقايا اطراف زيتونة مزهرة

غيرعابئة بالنفق الطويل المعتم

*

ثم اغلق باب البحر وراءه

ورحل

 ولم يعد احد

يبالي بغيابه

***

بن يونس ماجن - لندن

 

طارق الحلفيالى...

جوليان أسانج

***

سأغسلُ اقدامَكم المتعبات

بإسرافِ وَجعي المُؤَدب

واجفّفُها بأهدابِ محنَتي

اجلسوا الى موائدِ محبتي

وتعللوا برقّةِ النَّقاءِ

المرتعشةُ بهدوء الحضور

لن ابكي ندماً

وانا احسِمُ اختياري

ولن افيضَ بالكنايات

كي لا يتصدعَ بلورُ يقيني

لقد اغلقتُ وريدَ المعاني

ونزعتُ جواهرَ الشهواتِ

ودهنتُ حروفي بزيتِ الصدق

فلا خوفَ من الشرفاتِ المتهاوية

لا خوفَ من حدقاتِ الظلامِ

بللوا حروفَكم بنقاهة التحدي

فبوابةُ السماءِ تتضرعُ بالعنادِ

ولسانُ الكذبِ ينتخبُ الموتى أبداً

رُسلاً لنبوءات الهزائمِ

في حقولِ التخاذلِ

*

عبثَ الكمالُ بِنا

وتَكَلَّفنا اِناقتَهُ الناقِصةْ

مرتفعاً الينا بأختامِ التأويل 

وَهُم يَحِزّونَ اكبادَنا بِالمواثيق

لِيُدخِلوا عليها سِفاحُ نقائضها

نسيئةً لفِقهِ النفاق

*

طارق الحلفي

 

محمد صالح الغريسينيسان يا عمرا ذوت أوراقه

في غابة النسيانِ

ذكرى تعمّق وحدتي

بالهمّ والأحزانِ

فوجدتني

جمّ الهواجس تائها

في اللّامكانِ

أمشي على أشلاء ذاكرتي،

تلاحقني الوساوس

في متاهات  الزّمانِ...

قف أيّها الإنسان حمّال الخطايا

طافح الأحزان.. مكسور الجنانِ

قف وادفن الموتى

ودحرج أدمع الأطفال من آن وآنِ

في فوهة المزراب للحدث المنمّق بالطّعانِ

واعزف نشيج الأم،ّ أدرك طفلَها صوتُ الرّدى

من قبل إدراك الأماني

واجمع شظايا الحقد في أغمادها للموسم الآتي ،

فقد ردّ الصّدى:

هيهات للسّبع السّمانِ...

من يرفأ الجرح الممزّق في العراق

ويطفئ النّيران في بغدانِ

ويعيد لليمن السّعيد أمانه

فيعود من كيد العدى بأمانِ

من يرفد الشّام الكريم بأزره

ويشدّه في سورة الميدانِ

من يرجع القدس الشّريف لأهله

من يرجع السّودان للسّودانِ

يا أمّة يرثي الجميع لحالها

قد ضيّعت ميزانها في كفّة الميزانِ

أو لم يكن "شالوم" غاصب أرضكم

فصببتم الأحقاد في "إيرانِ"

و ملأتم الأرض الطّهور "دواعشا"

لتصير جحرا للأفاعي الرّقط و"الجرذانِ"

تبّا لك نيسان من وجه قبيح غادر

تبّا لك نيسان من نيسانِ

ولّيت وجه الودّ نحو مخرّب ومنافق

و قلبت وجه الغدر للإنسانِ

 ***

شعر: محمد الصالح الغريسي

...............................

 1- نيسان: هو شهر أفريل وهو رمز لفصل الرّبيع. في 9 أفريل 1938 سقط في تونس عدد كبير من الضّحايا على يد جنود الاستعمار الفرنسيّ لمطالبتهم ببرلمان تونسيّ. في 9 أفريل 2003 احتلّ الجيش الأمريكي بغداد وبسط نفوذه على كامل العراق. في أوائل أفريل 2019 دخل السّودان دوّامة من الفوضى والتّجاذبات، تحت عنوان الرّبيع العربيّ ، انتهت بسيطرة الجيش على الحكم وتنحية عمر البشير من الحكم وإعلان حكومة انتقاليّة لمدّة عامين.

 2 - بغدان: هي بغداد عاصمة العراق. والملقّبة بمدينة السّلام.