جواد غلوممُــعــلِــمَــتي لا تُــحــبّ الــلــقــاءَ

اذا مــا استــطاب وجــازَ حــدودهْ

 

بليــتُ بِــوجْــدٍ عــسيــر المَــنــالِ

وفــاتــنــةٍ فــي هَــواها عَــنــيْــدةْ

 

فلا تشــتهي غـيـر طول العــذاب

ومشْــيَــتُــها للــغــرام وئــيْـــــدة

 

عجــزتُ وهُــنْتُ وهُــدّت قــواي

أمِنْ مسعِــفٍ في مســاعٍ حميدة ؟

 

هــو الحــبّ حــربٌ ولا تنطفــي

وتضعــف فيها العقول الرشيــدة

 

تـعلّمْــت مــنْـك جَــمال الــرويّ

وأرشَــدتِــني دائــما ان أزيْــــدَه

 

حبــيــبة قلــبي وعَــقْــلي ســواء

قريضي تهاوى فصرتِ عـموده

 

تُــحــبّ الكــتاب ومــا يحــتـوي

وتعشق في الصبح ما في الجريدة

 

تـرعْــرتِ فــيّ غَــرامــا بَــكـــى

نَـمَــوتِ جنــيــنا وكـنْــتِ الوليدة

 

فإن خفَــتَ اللــحنُ في مسمعــي

يــظلّ الفــؤادُ يـغــنّـي نـشــيــده

 

أحبّــك بحْــرا مــن المُــلغِــزات

طروحات فِـكْــرٍ ورؤيا سديْــدة

 

وأكـره فـيْــكِ الصدود العَـسيــر

ولاءاتِــك المكْــثرات العـتـيــدة

 

فإنــي المــشوق بـلا مَــطْــمَـعٍ

بــلا أمَــلٍ ارتجي ان أعــيْــده

 

وحتى متى قد يغـيب الرحيق

ويــنأى بعـيدا ليـنسى وروده

 

أشيري إليّ تــعالَ ، اقْــتربْ

فان المسافات لـيست بعــيدة

 

هــنا مُــلْـتَــقاكَ بحضنٍ خـلا

فلمْلمْ شِـتاتي ؛ فإنـي شـريـدة

 

فأنــت تـراني بعــقْــلٍ سَــويّ

ولـكـنْ بـقُـربِــك أبْــدو بـلـيْــدة

 

وإن بعُــدَ الطيــر عــن سربـهِ

فـتُــوقعــهُ فـي فخاخ المكيْــدة

 

وان باعَــدتْــنا دروب الحيـاة

فقد ننْزوي لحظةً في قصيـدة

 

أريــدك قُـرباً ووقْــع خطــىً

إذا كان حلما فلا ، لن أريده

***

جواد غلوم

 

 

عبد الله الفيفيرِئَـةُ الزَّمَانِ صَغِـيْرَةٌ  لا تَـقْـدِرُ

                 وفَمُ الحَـيَاةِ  يَظَـلُّ فِـيْـنَا يَـكْـبُرُ

وإذا عَبَرْتَ فِجَاجَها ولِـجَاجَها

                 عَـبَّـتْـكَ مِنْـها لُـجَّـةٌ لا  تُعْـبَـرُ

تَرْدِيْ بِنَا صَدْرَ النُّجُوْمِ كَوَاكِـبًا

               وتَـرُدُّنـا  والدَّارُ صِفْـرٌ تَصْـفِـرُ

لا تُـمْهِلُ الغُصْنَ النَّدِيَّ بَـنَانُـهُ

                   حَتَّى تُـرِيْـهِ بَـنَانَـهُ يَـتَـكَـسَّـرُ

لا تَسْأَمُ الأَثْكَالَ تَنْزِفُ  سَرْمَـدًا

             إِذْ تَـسْأَمُ  المـِيْلادَ  صُبْحًا يَقْطُـرُ!

هِيَ في رَوابِيْ صَهْوَتَيْها لا تَرَى

             صَيْدًا  سِوَى ما أَنْتَ مِنْها تَحْذَرُ!

***

أَ تَـشاؤمًا؟ مُتَشائلًا، مُتَـفائـمًا!

             وهِيَ المُنَى.. لا فَرْقَ فيما تَـشْعُـرُ

تَسْرِيْ بِكَ السُّفُنُ البَوَارِحُ سُنَّحًا

               والبَحْـرُ لَـيْلٌ زَمْهَرِيْـرٌ  أَحْـمَـرُ

قِفْ ضاحِكًا لا باكِيًا مِنْ ذِكْرِها

                 ماذا يُـعِـيْـدُ بُكَاءُ  نَاسٍ نَذْكُـرُ؟

* * *

أَخَذَتْ بِرَأْسِيْ، ثُمَّ قالتْ: يا فَتَى،

              لَكَ نِصْفُ كَأْسِيْ والشَّرَابُ مُقَدَّرُ

لا تَنْـتَظِرْ ما لا انْـتِظارَ لِفَجْـرِهِ

             والشَّمْسُ لا تَصْحُوْ لِـمَنْ يَتَنَـظَّـرُ

جَـفَّتْ مَوَاعِـيْدُ الغَرَامِ بِدَفْتَرِي

            والحُبُّ في كَفِّ اشْتِيَاقِيَ  مُمْطِـرُ!

***

قَبَّلْتُ ساقِـيَـتِيْ بِمَفْرِقِ عِطْرِها

               ومَضَيْتُ والدُّنْيَا عُـيُوْنٌ تَـأْمُـرُ:

غَامِرْ وحَاذِرْ ساعَـتَيْنِ  بِسَاعَـةٍ

              وغَدٌ سَيَرْحَلُ مِثْلَ أَمْسِ ويَحْضُرُ

هِـيَ قِصَّـةٌ مَكْـتُوْبَـةٌ بِدُمُوْعِـنا

              يا عَـلَّ خاتـِمَها ابْـتِسَـامٌ أَخْضَرُ!

***

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

 

محمد المسعودياتفق الأصدقاء، في سياق عبثهم وضحكهم، أن يقنعوا السيد محمد بإحضار ديك أسود ليكون وليمة يجتمعون عليها في نهاية الأسبوع القادم. واتفقوا على أن يسردوا على مسامع سي محمد رؤيا "الشريف"، وهي رؤيا صادقة، مما لا شك فيه. وكما حكى "الشريف" تفاصيلها كانت الرؤيا تؤكد تحلقهم حول مائدة عامرة فارهة توسطها طبسيل ضم ديكا طُهي بمهارة وإتقان، وهو ديك قبل أن يُذبح ويتم تحضيره كان أسود اللون، وأن الصوت الذي هتف به كان يوصيه بضرورة حصول السيد محمد على هذا الديك مهما كان ثمنه، وأن يجلبه من أي بقعة في الأرض وُجد. وزاد الصوت توضيحا أن يقوم السي محمد نفسه بشراء الديك وجلبه حيا إلى المكان الذي اعتاد الأصدقاء اللقاء فيه أسبوعيا على أن يقوم "الشريف" بذبحه، بينما سيسهر السيد عبد الجليل على طهيه وإعداده بما عُرف عنه من حرفية وإتقان في طهي شتى صنوف الطعام المغربي الشهي.

ظل السيد محمد يتلكأ على عادته، ويتعلل بمختلف الأعذار ليفلت من تبعات الزردة التي وقع عليه شرط تمويلها وكلفة البحث عنها: البحث عن ديك أسود لا شية فيه. صار يتساءل: أين سيجد هذا الديك الأسود؟ وهل من السهل العثور على ديك أسود خالص لا توجد فيه ريشة من أي لون آخر؟

تطوع أكثر من واحد من المجموعة مقترحا مساعدته في البحث عن هذا الديك الأسود في أسواق طنجة، وأسواق القرى المحيطة بالمدينة: أربعاء عين دالية، أربعاء عياشة، ثلاثاء جبل حبيب، خميس بني عروس.. وغيرها، لكن السي محمد ظل مصرا على موقفه الرافض، وتشبثه بما قرره في دخيلته: أن لا يرضخ لطلب أصدقائه، وأن لا يُسهم في هذه الوليمة المحلوم بها.. المتخيلة.. في رؤيا "الشريف" المزعومة.

مضت الأيام، ونُسي في خضم اللقاءات والأحداث موضوع الرؤيا، وإغراء الديك الأسود. وحدث أن السيد محمد اشترى هاتفا جديدا من الهواتف الذكية، عرضه على الأصدقاء في جلستهم الأسبوعية، ولأنه أول هاتف ذكي يتعامل معه، احتاج لمن يدله على كيفية استعماله، وكيفية تنزيل بعض البرامج الضرورية التي يستعملها أصحاب الهواتف الذكية للتواصل: ميسنجر، وات ساب، فايس بوك، إنستاجرام.. وغيرها. وإذا بعبد الرحيم، وفي إطار محاولته مساعدة السيد محمد على البحث، في جوجل وبلاي ستور، يقترح عليه فجأة، وبمكر، أن يكتب باللغة العربية: الديك الأسود. نفذ سي محمد طلب عبد الرحيم، فظهرت، فعلا، معلومات وافرة عن الديك الأسود الخالص، وأماكن توافره بأندونيسيا والبرازيل والمكسيك ودول إفريقية عديدة، وأنواعه، وأثمانه المرتفعة التي يباع بها عبر العالم، ومعلومات أخرى عن بيضه، وعن فوائد لحومه. وكان الأصدقاء يمزحون معه قائلين:

-أرأيت حتى هاتفك الجديد اعترف بوجود الديك الأسود، ودلك على قيمته، وأنت تنكره، وترفض أن تحقق رؤيا "الشريف".. ياك البخيل.. سترى رؤيا "الشريف" غدي تخرج فيك..

ومرر عبد الرحيم البحث من المعلومات إلى الصور، فبدت صور مختلفة للديك الأسود الأندونيسي والبرازيلي والمكسيكي والإفريقي، وشكل بيضه الأسود الغريب، وشكل لحمه الأسود الخالص. ثم انتقل إلى حيز الفيديوهات، وهو يغمز "الشريف" بعينه، وترتسم على ملامحه ظلال ابتسامة ماكرة، ومد الهاتف إلى السيد محمد ليجد نفسه أمام صور لمواقع خليعة تسمى بهذا الاسم، وهنا شحب لون سي محمد وصار يسأل محرجا عن كيفية حذف هذه الصور من هاتفه:

-كيف غنزول هذ المصيبة.. كيف.. العيال غدي يشوفو هذ المسخ.. أعباد الله..

كان الأصدقاء يضحكون.. و"الشريف" يقول له:

-شُفتي أقليل النية.. ها ربي جابا فيك.. تم.. تم.. والو هاذ شي ما يزولشي حتى تشري الديك المعلوم وتجيب باباه نطوجنوه...

ازداد لون سي محمد شحوبا، وهو يتململ في كرسيه متوسلا عبد الرحيم كي ينقذه من الورطة، غير أن عبد الرحيم اعتذر له. وأصر على أنه لا يعرف كيف يمحو مثل هذه الفيديوهات من الهاتف لأنه لم يسبق له أن رآها، ولم تدخل هاتفه أبدا، وادعى أن الأمر يحتاج إلى معلم مختص، وأن على سي محمد أن يذهب إلى (كاسابراطا) ليبحث عن الحل، وليصلح  هاتفه، وليزيل هذه المصيبة منه.

لم ينبس السيد محمد ببنت شفة، وظل مطرقا هنيهة. ولما رفع رأسه، خاطب عبد الرحيم:

-أنت عزري..  ميلومك حتى واحد على مشاهدتك مثل هذه الأمور.. قل لي بشحال يتصلح هذ الهم..

رد عليه عبد الرحيم:

-أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. أنا ما كانشفشي هذ الشي.. وما نقدرشي نطلب من المعلم يزول هذ المصايب.. مشي بيدك أخاي..

-الله يرحم والديك.. بشحال نقدر نزول هذ الحريرة..

مد الهاتف إلى عبد الرحيم الذي أطفأه، ووضعه في جيب سرواله.

-أر ميتين درهم.. هذ المصيبة باش تزول خصها 200 درهم..

-بزاف.. بزاف.. أسي عبد الرحيم..

-أنا مبغتشي نقولك كثار من هذ الثمن.. هذ الحريرة هذي كيعدلها المعلم ب 300 أو 400 درهم.. يا الله جبد يمهم..

أُسقط في يد السي محمد، ولم يجد بدا من إخراج مائتي درهم ناولها لعبد الرحيم. وضعها عبد الرحيم في يد "الشريف"، وهو يقول له:

- هاك باشتشري الفروج اكحل.. وأنا غدي نتكفل بالباقي.. 200 درهم.. متكفشي نالزردة..

لم يفهم سي محمد ما يجري. كان الأصدقاء ينظرون إليه، وهم يضحكون في صخب، وبعضهم اقترب منه يربت على ظهره. وقال له المختار وهو يلف دراعه على كتفه:

- هذي عاقبة قلة النية.. نهار الخميس مرحبا بك تكول طجين الديك الأسود.. وتدي التلفون ديالك..

وعلت قهقهة الأصدقاء، وشاركهم السي محمد ضحكهم على مضض، وهو يقول:

- اعملتوها بيا يا اولاد الحرام..

***

محمد المسعودي

 

صحيفة المثقفحيث لا أطماع في خزائن القلب

ولا جيوب للرجاء

ولا تذاكر تقطع للرحيل

يرقد الطفل في قمط الطمأنينة

مثل نوية في بيضة

وتمد الريح خيوط الزعفران

برائحة الياسمين

يهبط الملاك ليبذر السلام

في ثرى وطن رثته السماء

يزرع في قذاله وردة  بيضاء

قطفها من سموات  " الكاردينيا "

هداياه إرثاً للطيبين

يشتلها فوق مهود وردية

للصغار

وينثرها على رؤوس العجز

كواثر المطر

يطفأ جرائم الألم  ..

وجراحات الضمير

وحمى الكهولة

أراجيح الذكرى

تهدهد الحلم الآبق من جفن اليباس

سقيا لمزرعة الطفولة

دعاءٌ ينتظر الإجازة

ليحبوَ على أرصفة الحقيقة

وزلال الذاكرة

يسيل على جبين الطوايا

رافعا راية الانتصار

على سواري سفن الضياع

مدمدماً

على زواحف الانطفاء

فوق  أوجه القمر

لا وسم في عضد الغريب

ولا سبب

في منزلق الرماد

يُتشبث بالريح من عصف النصال

وليس هناك

في الأُفق القريب

سوى

عينان ترتجلان البراق

قدمان ضالعتان في اجتياز الجسور

ويدان يلكز احداهما الصحو

ويجذب يسراهما انفصامْ

***

سمية العبيدي

 

 

 

فتحي مهذبالى الصديق Alaa Mohsen

بيت يشبه قلعة مهيبة مهجورة يتكئ على صدر تلة مسيجة بأشجار الكاليبتوس

الكثيفة خالعة على الفضاء الداخلي لصحن البيت الوسيع دكنة غامقة الى درجة تخيله لوحة سريالة مثيرة للرعب لطخها فنان

بهستيرية مفرطة..لوحة رمادية معلقة مثل قلادة من عظام الموتى على صدر التلة الموحشة..

ورث هذا القلعة الصغيرة المشبعة بروح قروسطية مذهلة عن أبيه المشهور بتجارة المخدرات حيث كان الوارث الشرعي الوحيد لهذه التحفة الفنية الموغلة في سوداويتها المقرفة ..

كان( ش ) كلفا  حد الهوس بتربية الحيوانا ت الغريبة .. الأفاعي السحالى..  الذئاب..

الكلاب الضخمة المدججة بأنياب فظيعة..

يبدو مظهره مثل قس هادئا غارقا في نهر عميق من التأملات ولكن في الحقيقة هو على نقيض ذلك ..

انه كائن شهواني عدائي سفاك..

مبشر بايقاع القتل المجاني..

مكتظ بضروب الحيل والشرانق ..

انه عنكبوت سام وضخم يتخفى وراء قناع ملاك بريئ..

اختلف (ش) كعادته الى الملهى الليلي ليراقص الحسناوات الرشيقات يغريهن بالأموال وبابتسامة قس مزيف ..

يرمي شبكته السحرية التي حبك خيوطها من معدن ذئبيته الماكرة ويظل منتظرا فريسته  بروح عنكبوت لا يمل الانتظار.. المهم أن يحصل على فريسة مشتهاة..

ليسكت نواقيس شبقه الداخلى الفوار..

هاهو يستفرد بقنيصة خلاسية

مشبوبة الملامح تتقطر عسلا وشهوة ..

ساقها مثل شاة عمياء امتطت سيارته الشبيهة بعربة الأموات الموسرين..تبادلا النظر بصوفية مرهفة.. أطلق ضحكة مدوية مثل قذيفة هائلة لم تقف على ما تبطنه من عواقب..سرد لها قصصا رائقة

عن الحمامة التي افترست صغارها

أفعى قرمة اندست الى عشها في غيابها القسري بحثا عن الطعام لصغارها وكيف انتصر الطائر الكسير على الأفعى المتسلطة اذ فقأت عينيها بمنقارها فاندفعت من أعلى الشجرة الى أسفل لتلتقطها هوام تجوب المكان بسرية مطلقة..

انه مبدأ الافتراس الحتمي .. العالم يفترس بعضه بعضا .. أحيانا تفترس الأشياء ذاتها بعذوبة باذخة..لقد خلقنا لنفترس ونفترس..

انها لعبة قذرة ولكنهالا تعدو أن تكون ضربا من الاقتضاء والضرورة..هكذا خلقتنا الآلهة لنكون قرابين لبعضنا البعض...

-قالت ببحة تتقطر طلاوة :

أنت فيلسوف يفسر الحقائق مشفوعة بسيل من البراهين الساطعة..

-قال معقبا: كل ما نفسره قابل للدحض والتفنيد..

ليس ثمة شي ثابت قطعي..

مثل النظريات التي تنقض بعضها البعض..

التهمت لسانها دفعة واحدة مثلما تلتهم الأفعى جرذا جموحا..

وغابت في أعماق غابة من التفكير

المليئة بقمح مجازاته واستدلالاته.

أهدى اليها أساور ذهبية سحبها من جيبه الأيمن..

اطمأنت قليلا وزالت رهبتها الغامضة بينما السيارة تطوي المكان بجنون وسط طبقة كثيفة

من العتمة ..

قالت: ما أروع قصصك الآسرة التي نفذت الى عمق روحي .. أنت بارع في سرد الحكايا..

رد باقتضاب : الحياة حكاية ضخمة ونحن الأشباح التي تملأ صفحات كتابها الأبدي..

قالت : جميل هذا.

قال : العفو أيتها الوليمة المقدسة..

لم تعي جيدا مغزى حديثه مسدلة زفرة عميقة على المكان كما لو أنها توجست شرا..

طمأنها مداعبا أرنبة أنفها بأصابعه

المشبعة برائحة القتلى..وبعد ربع ساعة ونيف تقريبا وصل الى قلعته المخيفة .. أطفأ محرك السيارة .. أمسكها من يدها اليسرى مترنما بأغنية ذات ايقاع دموي..

بصوت خفيض جدا..

أيها البيت الملعون

الخالي من ضوء الضمير

الذي تسكنه  ملايين الأشباح

في الدهاليز السفلية

مثل شياطين تمارس لعبة الغميضة..

أيتها القلعة المكتظة بأرواح الأسرى النائمين على سرر الفجيعة

أيتها اللعنات الأبدية

أيتها الضفادع المخيفة

التي تغطس في حوض الشيطان

التي تأكل لحم القطط الساخن..

هانذا جلبت وليمة

لابنك الذي تدهسه العزلة في غيابات القاع..

وليمة لاسكات زئير الفراغ

أيتها السكين

كوني مهذبة أثناء الصلاة

وتقطيع الأطراف..

هذه وليمة لسكان القلعة المخفيين

نظر اليها نظرة نسر كاسر

وفجأة استل سكينه المقدس طاعنا فريسته طعنات متلاحقة في أماكن حساسة من جسدها المستسلم لقدره البائس..

جر جثتها مثلما تجر كلاب الاسكيمو زلاجة ثقيلة..

انتهى به المطاف الى المغسلة..

جلس على قائمتيه مثل وحش أسطوري .. أزال بعض البقع الدموية المتحجرة .. وبحركة عدائية استأصل عينيها الزرقاوين المغرورقتين بالدموع ثم ابتلعهما

مثل حبتي لوز..

حدق في وجهها مثل عقاب يتجسس على حال فريسته الهشة

صاح مولولا بلهجة خفاش غامضة

استيقظي الآن يا أميرتي..

لنرقص رقصة الأموات الأخيرة..

رقصة الفأس في تضاعيف الشجرة المتغطرسة..

رقصة فارغة من طعم المعنى..

رقصة يتحرر فيها الجسد من قبضة الأمكنة المتعفنة..

طوقها بذراعيه بقوة قرش محدب

وأخذ يرقص.. فمه ملطخ بالدم..

يزرب دخان أسود من محجريها المثيرين للذعر..

سقط أرضا مثل سلحفاة عرجاء..

الآن أتممت طقوس رقصتي الوثنية على مسرح هذه الخلوة الفريدة..

أنا مروع الشياطين

وحارس الجحيم الهلامي..

صوتي هراوة قدت من عظام المردة..

أخذ سكينا تلمع مثل ضوء قنديل في عتمة المقابر..

قطع رأسها .. دق حزمة من المسامير في فروة رأسها صائحا

ليغفر لك الرب ما اقترفت من آثام

أيتها المومس.

أنا النهر الملكي الذي يتدفق في

غابة الجنون الخلاق..

يا لها من حفلة شواء رائعة..

أيها المردة أيها الجن أيتها الأبالسة تعالوا .. اهبطوا من سرايا الغيب ..

هذا عشاء مقدس لم يك بد من الحضور ومقاسمتي لحم هذا الضأن الطازج..

سأحتفي بكافة الأشباح الملعونة التي تسكن بيتي الرجيم..

أيتها الكائنات السريةالحارسة لفخامتي من عضة الذئاب البشرية..البشر القذرين الذين هم في مسيس الحاجة الى

صلاة سكيني الرحيمة..

أنا دخان متشظ يقبع داخل كومة من  اللحم القذر..

أكره البشر الذين دمروني ودمروا قرية الله الجميلة..

سحقا لشيئ يسمى انسانا..

هذا الذي الذي امتص جمال روحي مثل حبة فراولو..

اندلعت معركة وحشية بين قططه وكلابه الشرسة التي كانت تقاسمه

الحياة بمجرد تسلل رائحة الشواء

الى مسامات أنوفها..

تساقت الكؤوس الفاخرة من أعلى الرف المصنوع من  الأبنوس..وتهشمت الأواني واحتل المكان  ذعر شديد ..

احتسى كميات من  دم ضحيته معمدا وجهه وأطرافه صائحا لتنزل بركة الرب..

فر طائر غريب يشبه الى حد بعيد طائر غرغر من أعلى تلة رأسه..

نادته خزانة صغيرة محشوة بجماجم ضحاياه

كف عن الضجيج أيها الحقير شاتمة أصله وفصله والسلالة التي تحدر من منابتها..

رد عليها بكل برودة دم وبلهجة فيها ما فيها من العنجهية

سأكسر عظامك أيتها البائسة العطنة..

سقطت الساعة الحائطية محدثة قرقعة فتحت النافذة وفرت خارج أسيقة الزمن..والتقاويم..

ثارت الملاعق الخشبية ..كان لثورتها واحتجاجها وقع كبير في صحن القلعة الرمادية ..

فقد الكرسي الذي يجلس عليه حاسة اللمس ظل يعوي مثل كلب خرافي..بينما الريح تطرق باب القلعة الكبير كما لو أنها رجال  شرطة بيد أنه لم يزل غير آبه بهذه

الاحتجاجات داخل بيته الرهيب..

مزمجرا مخاطبا الريح بعدوانية

انتظريني قليلا

سأفتح الباب وأمسك جدائلك وأمزق لسانك المتطاول.

وبينما هو كذلك في نشوته الدموية الباذخة اذ هطل مطر شديد لم يسبق له مثيل..

حمله الطوفان الى قاع الجحيم  لينال جزاءه الحتمي مثل حشرة

قميئة تعشش في غابة

***

فتحي مهذب

 

وحيد خيونلا تُحاولْ

إنَها الحِكْمةُ أنْ تُخفِقَ في كلِّ المسائِلْ

إنّهُ حظُّكَ أنْ يقْتُلَكَ النّاسُ

وأنْ تَأتِي على أَنَّكَ قاتِلْ

لا تُحاوِلْ  

 إنَّهُ عَجْـزٌ إذا حاولتَ أنْ تَشْرَحَ لِلْبَحْرِ

تَوَارِيخَ السَّواحِلْ

إنّهُ عَجْـزٌ وقد حاوَلْتَ

حتّى انْكَسَرَتْ منكَ قويّاتُ الـمَفاصِلْ

إنّهُ عَجْـزٌ فلو حاولتَ أنْ تبعثَ روحاً فيكَ

قد تُصْبحُ جاهِلْ

لا تُحَاولْ

روحُكَ الخضراءُ ماتتْ فيكَ

والأحْلامُ لا تُعْطِيكَ

حتى القِشْرَ مِن حَقْلِ السَّنابِلْ

اقْبَلِ القِسْمَةَ كُنْ مُحْتَرَماً أو بعضَ عاقِلْ

حيثُ أَنَّ القَدَرَ الواقِفَ في بابِكَ لا يُعْطِيكَ

مَهْمَا كَثُرَتْ مِنكَ الوسَائِلْ

لا تُحاولْ

أَغْلِقِ البابَ على نفسِكَ واصْمُتْ

مِثْـلَما يَصْمُتُ في الرِّيحِ الشَّجرْ

أَغْلِقِ البابَ على نفسِكَ مِنْ حُزْنٍ على ماضٍ

ومِنْ خَوْفٍ على مُسْـتَـقْبَلٍ حَفَّ بهِ أَلْفُ خَطَرْ

جَفَّ شِريانُكَ يا هذا

وأصْبَحْتَ شبيهاً بحَجَرْ

أَغْلِقِ البابَ على نَفْسِكَ واحْذَرْ

ناقَةَ البَدْوِ وثُعْبانَ الحَضَرْ

وصديقاً ربَّما تحسَبُهُ النّاسُ لأيّامِكَ لو تَـقْسُو

وأيّامِي إذا ما أدبَرَتْ كانَ صديقي

قدَرِي الأشرسَ مِنْ كُلِّ قدَرْ

وصديقاً خَنَقَتْهُ غَيْرَةٌ مِنكَ

 وفي وجْهِكَ مِنْ حِقْدٍ تَشَظّى وانْفَجَرْ

وصديقاً كانَ مِن أيّامِكَ السَّوْدَاءِ أدْهى وأَمَرْ

وصديقاً دائِماً يَغْلي وقدْ عَضَّ الأنامِلْ

ضجراً يَغْلي لأنّي

لم أزلْ رُغْمَ سُقُوطي مُتَفائِلْ

حيثُ حاولتُ و حاولتُ ومازِلْتُ أُحاولْ

كنتُ أرجو مِنْ عَلاقاتِي رُقِيّاً وتكامُلْ

كنتُ لو قالوا بأنَّ الحبَّ والأشواقَ زَيْفٌ

يَعْتَريني ألَمٌ حَتّى المفاصِلْ

وإذا قالُوا الصَّداقاتُ نِفَاقٌ

أتَحَدَّاهُمْ بِصَحْبي وأُمَاطِلْ

وأخيراً بعْدَما صِرْتُ وَحِيداً

وتَغَرَّبْتُ وَهَزَّتْنِي الزَّلازِلْ

فإذا قلتُ أنا عِنْدِي صديقٌ

فأنا إنْ لمْ أُنافِقْ فَأُجامِلْ

غُرْبَةٌ يُزْعِجُها جِدًّا وُجُودِي

والَّذي يُزعِجُها أَنِّي مُفَكِّـرْ

غُرْبَةٌ حُبْلى بإِعْصارٍ قَوِيٍّ وَ مُدَمِّرْ

أَجِّلِ الصَّرْخَةَ فَالمَوْعِدُ مكتوبٌ

وسَاعَاتُ أَعَادِيكَ تُقَصِّرْ

أَجِّلِ الصَّرْخَةَ ما زِلْتَ شُجَاعاً

والشُّجَاعُ القَاهِرُ الدُّنْيا مَتى شاءَ يُقَرِّرْ

وَمَتى شاءَ يُكبِّرْ

ومَتى شاءَ ومَنْ شاءَ يُصَغِّرْ

لا يُهِمُّ القِـرْشَ ما مَعْرَكَةُ البَحْرِ

وعنْ ماذا سَـتُسْـفِـرْ

إنَّما القِرْشُ وإنْ غَطّاهُ مَوْجُ البَحْرِ

فِي داخِلِهِ يَبْقَ الـمُسَيْطِرْ

فَعَلامَ القَـلَقُ القَاهِرُ

والفُرْصَةُ قَدْ تَأتي ولِلْأَمْرِ مُدَبِّرْ؟

وعَلامَ اليَأْسُ والأيَّامُ أَشْواطٌ

وما أدْراكَ؟ فالوَقْتُ مُبَكِّرْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأتْباعُـكَ في رأسِكَ تَلْهُو وتُنَظِّرْ

مُنْذُ عَامَيْنِ وأَيّامُـكَ تُعْطِيكَ الَّذي تَرْجُوهُ

لكِنْ لنْ تُريدَهْ !

مُنْذُ عامَيْنِ وأَقْلامُكَ تَشْكُو مِنْ جَفافِ الحِبْرِ

والأَوْرَاقُ بَيْضَاءُ جَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ ولمْ تَكْتُبْ قَصِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وقدْ غابَتْ جِراحٌ

وجِراحٌ ظَهَرَتْ فِيكَ جَديدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وتَأْريخُكَ مَجْهولٌ

وضَيَّعْتَ سَراياكَ العَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأَرْقامُكَ أَرْقامٌ

وزُوّارُكَ جُلّاسٌ على نَفْسِ الحَدِيدَةْ

مُنْذُ عامَيْنِ وأَخْلاقُكَ ما عادَتْ حَمِيدةْ !

مُنْذُ عَامَيْنِ تَغَيَّرْتَ كَثِيراً

يا لِذُلِّ المَلِكِ الواقِفِ يَسْتَجْدِي عَبِيدَهْ

مُنْذُ عَامَيْنِ وأَرْقَامُكَ صِفْرٌ

والَّذي عِنْدَكَ لا تَعْرِفُ في السُّوقِ رَصِيدَهْ

إنَّها حَقّاً مَكِيدَةْ

وعَلَيْكَ الآنَ أنْ تَخْرُجَ مِنْ جُحْرٍ وأَنْ تُخْفِي الـمَسائِلْ

وتُحاوِلْ

وتُحَاوِلْ

وتُحَاوِلْ

***

وحيد خيون

..................

26-2-2000

 

 

 

نور الدين صمودكورسكوف !

بَدِّدِ الليل المخوفْ

وأزِلْ عنه السُّجُوفْ

بقصيد كشذا زهـر الربيعْ

رائعٍ عذب بديعْ

لم يُسَجِّلْ بالحروفْ

لا يبالي بالخريف

ذلك الجهم المُخيفْ

ليس يَفـْـنـَى

بسوى لحْنٍ ربيعِيٍّ وريفْ

فازرع ِالألحانَ في قلب السهارَى

واهْـدِ بالنور الحَيارَى

واجعل الأوتار في القلب كطير يتغنـَّى

فتهادَى

وتمادى

وأعادَ

واستعادَ

ومضى يذبح بالعزف شرايينَ الوترِ

وعلى أوْرِدَةٍ شـُدَّتْ إلى عُنـْقِ (الكمانْ)

بهدوءٍ ناعم ٍ كالريش قد فاض حنانْ

مثل سكين رهيف الحدِّ بالـقـَوْسِ عَزَفْ

وبدا لي اللحَْنُ مثل الدَّمِ مِنْ جُرْح ٍ نــَزَفْ

أو كأنـْفٍ شامخ في شِدَّةِ الحَــرِّ رَعَــفْ

أو كمََن، في وَقـْدَةِ الرَّمْضاءِ، للعنقودِ قد كان ذبَـحْ

ليرَى النشوة َتــغــزو كل قلبٍ بأهازيج ِ الفرحْ

مثل ماءٍ،

من سماءٍ،

مُنـٍـهَـمِـرْ

وهو، إذ يسمعُهُ (بَابَا عُمَرْ)

وهو فلاح كبير مُشـْتهِرْ،

عِندَه قد كان أشجى من ترانيم الوتــرْ

وغدَا يُخصِبُ إحساس البشرْ

فيضوع العطرُ من قلب الحجرْ

وعلى الأغصان في رقصتها

تـَتـَـغـَنـَّي الطيرُ من نشوتها

ولـَها، لمّا لهَا، بالقوس في أوتارها، كان حفيفْ

لغصون راقصاتْ

وطيور في فضاءْ سابحات رفرفت أحلى رفيف

*2**

كورسكوفْ

يا سمير الساهرينْ

كن رؤوفْ

وتـَرَفـَّقْ

بدماء تتدفقْ

في قلوب العاشقينْ

وتـَسَمَّعْ في شرايين القلوبْ

صوتَ آهاتٍ تـَذوبْ

ومن النشوة قـد سالت دموعْ

مثلما ذابتْ، لِتـُجْـلي الليلَ، آلافُ الشموعْ

والطيوبْ

تغمــر الجـــوَّ الرحيبْ

والعبيرْ

كدتُ أنْ أبْـصِــرَهُ يغزو الأثيرْ.

والنغمْ

سَيْلُ حُبٍّ ووئــام وشجونٍ وألمْ

في اصطخابٍ وخشوعْ

فهو كالبحر تراه تارة يبدو نؤومٌ

وتراه تارة يبدو غضوبْ

مثلَ رَعْـدٍ يَسْبـِق البرق ويأتي من بعيد وقريبْ

وهو  للبعض أنيس وهو للبعض مُخيفْ

**3**

كورسكوفْ

أيها العازفُ لا تعزف عن العزف ودع عنك الُعُـزوفْْ

وعلى أوتار قلبي وقلوب الساهرينْ

وجميع العاشقينْ

كن عَـطـُـوفْ

كورسكوف

أيها السابح والذابح والنائحُ والعائثُ والعابثُ والنافث في صدر الكمانْ

أيها المنشد في الشعر على أسماعنا أحلى قصيدْ

مثلما (البَرْبَط ُ) عند الفرس (صَدْرُ البط )ِّ شكلا وهو عودْ

مثلما شـَدّتْ حَكايا شهرزاد الساحرهْ

شهريارًا ذا العيون الساهرهْ

وَسَبَتْهُ بخيال في سماءِ الفـَـنِّ طارْ

بالحكايات الطريفات التي قد أسرته ألـْفَ ليلهْ

قد جرَتْ في الهند أو في السندِ أو في الكـَنـْج أو في نهر دِجْلـَهْ

كم ألانت من قلوبِ

بترانيم الصنوج

أرقصتْ في الغاب آلاف الزنوجْ

فأسالتْ أدمُع الفرحة والحزن وفاضت بالنشيج

وشـَدَتْ أحلى قصيدْ

فيه يُبْــدي ويُعيدْ

بابتهالات النغمْ

ولذاذات الألمْ

ظل يسري في حكايا شهرزادْ

لم يُسَجَّلْ بالمِــدادْ

رائع دون حروفْ

مثل عزفٍ مُسكر ٍ من كورسكوفْ.

****

نورالدين صمود

.........................

توضيح: عثرت على مسودة هذه القصيدو بين أوراقي المتراكمة فبيضتُ مسودتها وحسنتها وزوقتها وزففتها لتكون عروسا تليق بقراء منبر المثقف العربي. هذه القصيدة كتبت مسودتها من وحي حفل شعري موسيقي بمدينة بوسكوف قرأنا فيه الشعر بمختلف اللغات وسمعنا فيه الموسيقى العالمية ومن ابرز ما سمعنا موسيقى الموسيقار زامشكي كورسكوف، وذلك بمناسبة الاحتفال العالمي بمئوية الشاعر الروسي اللغة الإفريقي الحبشي الأصل، فامتزجت في هذه القصيدة الموسيقى بالشعر والواقع بالخيال، فهل كنت مصيبا في بعثها من رقدتها الطويلة منذ 1979أي منذ ما يناهز أربعين سنة.

 

سليم الحسنيغضب الأمير. انتشر الخبر في المدينة القديمة، تبادل الطلبة والأساتذة والحاشية والموظفون والمهتمون الخبر. تحققوا من صحته، استمع بعضهم لرأي بعض. تأكّد الخبر، لقد غضب الأمير.

مرت ساعة من النهار، لا أحد يجرؤ على دخول غرفته، انتظروا أن يدخل عليه خادمه بالشاي. خرج الخادم كما دخل فملامحه غير مقروءة، ازداد الأمر صعوبة. تبادلوا الرسائل، لا شيء جديد، ننتظر دخول الخادم عليه ثانية.

مرت الدقائق ثقيلة بطيئة، هكذا يكون الزمن حين يغضب الأمير. دخل الخادم، تسمّرت أبصارهم بالباب، سارت نحوها آذانهم، لكنهم لم يسمعوا شيئاً. مرت دقيقة أو ساعة، لم يعد بمقدورهم معرفة الزمن. خشخشة أوراق، رنين ملعقة، صوت غير معروف، خشخشة أوراق مرة ثانية.

مرت دقيقة أو ساعة، سمعوا قهقهة الخادم، أمطر الفرح عليهم، هذه بشرى خير، خرج الخادم محمرّ الوجه، كان سعالاً وليس قهقهة ضاحك. أمسك الفرح مطره، عاد الوجوم الى الوجود. تبادلوا الرسائل، لا شيء جديد، ننتظر دخول الخادم عليه ثالثة.

خرج الأمير، نهض جميع الحاشية وقوفاً، أحنوا رؤوسهم، ألقوا عليه التحية، ردها عليهم، ثم دخل الغرفة.

تبادلوا الرسائل، اختلفوا في الرأي.

قال بعضهم: إنه متعكر المزاج.

قال آخرون: بل هو غاضب.

قال ثالث: ادع الله أن يزيل هذه الغمّة.

ارتفعت الابتهالات الى السماء، وجوه خاشعة وقلوب جامدة. كانوا يجيدون خشوع الوجه، يكسونه بزيت من نبتة بوذية، فيفعل فعله بأسرع من لمح البصر.

انتصف النهار، خرج الأمير من الغرفة، ألقوا عليه التحية، ردها عليهم، أحسوا بنبرته هادئة. شاع الخبر في المدينة القديمة، زال غضب الأمير، فعمّ الفرح جميع الحاشية. كانوا يجيدون بشاشة الوجه، يكسونه بزيت من نبتة استوائية.

على هذا الحال، تمر الأيام والسنوات، فمزاج الأمير يشغل الطلبة والأساتذة والحاشية والموظفون والمهتمون، فعلى مزاجه يكون الرضا والسخط، وتسير نجوم السعد والشؤم. لا يجازف كبار المسؤولين بحاجاتهم اليه، إلا بعد أن يتأكدوا من مزاجه، فمن ينال بركته في ساعة الرضا فهو سعيد يمضي الى أعلى الدرجات، ومن يخسر بركته في ساعة السخط، فقد لحقه الخسران وساء به المنقلب.

 

سليم الحسني

 

قصي الشيخ عسكرفي ذكرى الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم 

القصيدة كتبت بعد احتلال بغداد مباشرة

 

سنظل نهتف دائما ونردد

                       لما يزل فينا الزعيم الأوحد

عبد الكريم وفي القلوب مكانه

                             في كل يوم حبه يتجدد

زعم الزناة الفاسقون بأنهم

                   قتلوا الزعيم فخاب منهم مقصد

لن يُقتل الشرف الرفيع ولا

              الكرامة والسماحة والحجا والسؤدد

لن يقتلوا في الشعب روحا شامخا

                        تهفو بأنفاس الحياة وتصعد

لكنهم هتكوا الصيام ببدعة

                     من شر ما أفتى شباط الأسود

قتلوا بنا أنقى وأصدق لحظة

                      وتجاهلوا عما يجيء به الغد

بغداد  كعبة  مجدنا  ستظل

                     شامخة برغم  جراحها تتبغدد

ونظل نشخص للسماء إذا بدا

                       قمر الزعيم وطلّ نجم أسعد

***

شعر قُصي الشيخ عسكر


إلى روح المرحوم الشهيد

عبد الكريم قاسم

القصيدة كتبت في الخامس من حزيران عام 1968

ونـُشرت في ديواني رحلة الشمس والقمر

ماذا أكتب عنك؟

يامن آنست الحق رفيقا

ورفعت على رأس الجلاد نعال المظلومين

قالوا عنك شعوبي كافر

والتهمة تلصق دوما بالشرفاء

مادمت شريفا

ستكون شعوبيا أو مجنونا

مادمت تدافع عن حق الإنسان

ولقد كانت بعدك أنباء

تخجل منها صفحات التاريخ

إن أسود الكلمات ومن شنوا حرب المذياع

باتوا- والجنرال الأعور يدحرهـم- باتوا

أحقر من جرذان تبحث عن مجرى تدلف فيه

كل مواخير الحقد وحانات التهريج بمصر وبغداد وصنعاء

سالومي...عبد الناصر... والسلال

كل القوادين من المغرب حتى البحرين

ركعوا للأعور ديان

طعنوك وباعوا القدس

باعوا الشرف العربي

ملعون هذا الزمن الجائر يابن الشعب

فغدا تحبل نسوان الحكام مخانيث ليبحث كل رجال الأنساب لهم

عن نسب يمتد لهاشم أو عبد العزى

قرشيون ولكن...!

عفوا يابن المظلومين الشرفاء

لم نقتلك فيوم قتلناك

كنا نقتل فينا الشرف الثوري

كنا نمسح من دمنا تيار الأخلاق

 

 التنومة على ضفة شط العرب عام 1968

 

 

رند الربيعيابّانَ الإحتلالِ الأمريكي للعراق، كنتُ في أحدِ

شوارعِ بغدادَ... أسيرُ مرتديةً العباءةَ العراقيةَ،

المفروضةَ حينها علينا معشرَ النساء،

بينما صديقتي (ريتا) ترتدي الوشاحَ

على رأسها.

كلُّما دخلتُ زقاقًا أَجدُ عُصبَةَ شَرٍّ تُلاحُقُني؛

 اثنانِ Made in u.s.a وثالثهم كَلبُهم المترجم!

تيقّنتُ اني قَصدُهم في متابعتِهم، وليسَ

شخص آخر بحيث خطواتهم سريعةٌ جدًا،

وَغزالُ الفلاةِ نافرٌ مِنْ وُحُوشٍ مسعورةٍ تلاحقهُ...

زادَ يقيني اكثر حين نَبحَ عليَّ كلبُهم

وَقطعوا الطريقَ:-

- قِفِ! أنتِ متهمةٌ!

قَطَبْتُ حاجِبَيَّ وقلتُ:-

- يا الهي! أيُّ تهمةٍ هذه، وأنا ربَّةُ الحبِّ

وَ الجمالِ، وواهِبةُ الخيرِ والنماءِ!

قالوا:-

- ما الذي تحملينهُ تحتَ العباءةِ؟

أخرجتُ كِلتا يديّ...

- لا شيءَ!

اعتقدوا أني أُهَرِّبُ أسلحةً للمقاوَمَةِ البطلةِ.

دارَ بينهم حَديثٌ، عرفتُ حينها ما يدورُ

في رؤوسِهم العفنةِ...

كيف أني امرأةٌ ولا أخافُهم أو أرتعدُ مِن أسلحتِهم. سألتُ مترجمهم:

- ما التهمةُ التي أوقفتوموني بسببِها؟

عندها... أخرج أحدهم جهازًا يشبهُ كشّافَ

تيّارِ الكهرباء في الاسلاكِ. طلبوا بِوَقاحةٍ

ابعادَ عباءتي، فرفضتُ...

وَراحتْ أصواتُ جهازِهم الخبيثِ تَتوالى بمجردِ ما اقتربَ منّي. زَعَقَ أحدُهم بخبثٍ:

- Oh! My God!

و فهمتُ... بَلْ قَدَّرتُ كَمْ تملكتهم الدهشةُ

وَأنا أحملُ هذا الأنتماءَ للوطنِ والعشقَ

الأصيلَ، لغاباتِ نخيلهِ وأهوارِهِ

وَمشاحيفِها تتهادى في القلبِ!

ومِن بُعدٍ يَشمُّونَ رائحةَ خبزِ تنورِ الطينِ...

آهٍ يا حفيدةُ عشتار، آلهةُ الحبِّ والعطاءِ،

كم أنتِ ممسوسة بعشقِ الأرضِ وتحملينَ

في رحمِك الرّجالَ تِلوَ الرّجالِ!

وقَطعًا سنركعُ في يومٍ ما، ونَلعَنُ اللحظةَ

التي دخلنا فيها العراقَ!

فَمَنْ يسكنُ مَنْ؟

أَ تاريخُ العراقِ وأرضُهُ وناسُهُ،

يا امرأةً..

خَلَّدوكِ في سِفْرٍ لَنْ يُمْحى؟

أمْ أنَّ وُجودَكِ عِنوانٌ لهذا الخلودِ؟!!

***

رند الربيعي

 

 

ممدوح رزقبعد موته في حادث؛ وزّعت زوجته أحذيته الكثيرة على غرباء كانوا في احتياج إليها .. لكن حينما ارتدى كل منهم حذاءً وجد قدميه تتحركان إلى أماكن لم يذهب إليها من قبل .. هناك من توجّه به حذاء الميت إلى شوارع يخطو فيها للمرة الأولى، وهناك من دخل مقهى لم يسبق أن جلس فيه أبدًا، كما أن هناك من قاده حذاء آخر إلى إحدى الحدائق التي لم يقصدها مطلقًا في الماضي .. لم يقتصر الأمر على التحرّك العفوي في مسارات جديدة، وإنما كان الوجود في هذه الأماكن مقترنًا بحدث غامض، وشعور غير معهود أيضًا؛ فأحد الذين تحرك به حذاء الميت إلى شارع ما توقف فجأة أمام بيت قديم مهجور، ووجد رأسه يرتفع كي تتطلع عيناه إلى شرفته المتهدمة لفترة طويلة، كأنه ينتظر ظهور أحد سكانه الذين ما عاد لهم وجود داخله، ثم أحس هذا الشخص بمرارة لم يفهمها مع انخفاض رأسه وعودته للمشي مغادرًا الشارع .. أحدهم أيضًا اكتشف وهو داخل المقهى الذي لم يسيق أن جلس فيه أبدًا أن أذنيه تستمعان إلى أصوات عدة كأنها تخاطبه وتضحك معه دون أن يستوعبها، كأنها تنتمي إلى أشخاص غير مرئيين لا يشاركونه الطاولة فحسب، وإنما ذكريات مجهولة أيضًا، حتى أنه عندما أراد أن يدفع ثمن كوب الشاي الذي تناوله قبل ترك المقهى؛ شعر بضرورة مبهمة أن يعطي نقودًا أكثر للقهوجي قيمة ما تناوله أولئك الذين لم يستطع رؤيتهم، وكانوا يكلمونه ويضحكون معه .. أما الذي ذهب به حذاء الميت إلى إحدى الحدائق فقد وجد نفسه يجلس فوق أريكة بجوار سياج من النباتات العالية التي تفصل الحديقة عن النهر، ثم تفاجأ بعينيه تتمعنان في امرأة جميلة تجلس وحدها فوق أريكة أخرى على الجانب المقابل له .. لم يكن يعرف هذه المرأة، ولكنه لم يقدر على إزاحة بصره عن نظرتها المهمومة، وملامحها المنكسرة، كما لم يكن بوسعه تضليل إحساسه المباغت بالرغبة الجارفة في التحدث معها، قبل أن يحسم الخوف ارتباكه الحاد، ويدفعه للوقوف والخروج من الحديقة، وهو يفكر بيقين ملتبس في أن ما فعله الآن سبق أن تكرر كثيرًا من قبل في نفس المكان ومع نفس المرأة .. لكن حينما أوشك هذا الرجل على اجتياز الشارع  توقف فجأة .. لم تكن هناك سيارات تعبر أمامه بل كان الطريق خاليًا تمامًا، ومع ذلك تسمّرت قدماه، أو بالأحرى قبض الحذاء على قدميه فمنعه تمامًا من التقدم رغم رغبته في التحرّك إلى الجانب الآخر .. رأى سيارة تمرق فجأة من شارع جانبي لتخترق الطريق بسرعة طائشة ثم تختفي في لمح البصر .. شعر بقدميه تتحرران من القيد المحكم للحذاء فأصبح قادرًا على عبور الشارع.

 

ممدوح رزق

 

كريم مرزة الاسديوالحكم للذوق العربي!!*

الأولى من البحر الكامل:

 

1 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ **** تتزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

2 - لنْ ترْكعَ الهاماتُ حتّى حتفها **خسئ الذي والى سواكَ ويركعُ

3 - يا موطني قدْ كان أمسكَ ساطعاً * إنْ زلَّ يومكَ، ذا غدٌ فستسطعُ

4 - يا موطني كمْ ذا حسبتكَ جنّتي** منْ بعدِ أرضِك كلُّ أرضٍ بلقعُ

5 - روعاً لنفحكَ، إذ يطلُّ صباؤه***يهبُ الحياةَ وأنتَ أنتَ الأروعُ

6 - هذي هـي البيداءُ شرعٌ تُربُها ** وطنٌ يوحّدنا، وضادٌ يجمع

7 - لغةٌ تفيضُ بها الخواطرُ لمحةً * تأتي القوافي، والقريضُ يقطّعُ

8 - يكفيكَ فخراً أنْ تهـزُّ قوادماً ** كالنسرِ يشـمخُ للسـما، إذ يقلعُ

9 - يا حنكة الدّهـرِالذي في أعصـرٍ*** قـد كان وتـرَ زمانهِ لا يشفعُ

10 - يا كربلاءَ السبطِ، كوفةَ جندِهِ ** يا أيّها الزهدُ (البطينُ الأنزعُ)(1)

11 - يا عصرَهارونٍ، حضارةَ بابلٍ**يا أرضَ عبقرَ، إذ يحلّ (الأصمعُ)(2) 

12 - للهِ أنتَ، وللمعــــين نميـرهُ ***** لتفيض والأحـرارُ حــولك تـكرعُ

13 - يستكثرون عليكَ مجداً، مجدهمْ **** يبنى على مجدٍ، ومجدكَ مصنعُ

14 - مالتْ عليكَ الحادثـــاتُ وتبـدعُ ***** تتـزعْزعُ الدّنْيــا، ولا تتزعْزعُ

***

 15 - كم يخدع الدنيا جهامٌ كاذبٌ ** زان الجهامَ لنـاظريهِ مشعشعُ

16- ما بين داعشَ والمراسيمِ التي* رُسمتْ لهم، باعوا العراقَ، وبُوْيعوا

17 أنّى لكم تستعبدون حرائرا؟! ** نهجٌ من(الفاروق) أنْ تتورّعوا(3)

18 - أخلاقهم ماتتْ، وماتَ ضميرهمْ *** يا بئس ما فقد اللئامُ وشيّعوا

19 - قد شيّعوا كـلّ المروءة و النّهى **** إنّا لها، ولكلّ خيـرٍ منبعُ

20 - (لا تطربنّ لطبلها فطبولها *** كانت لغيركَ قبلَ ذلكَ تقرعُ)(4)

21 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبـدعُ * تتـزعْزعُ الدّنْيا، ولا تتزعْزعُ

***

22 - زعمَ الردى أنّ العـراقَ مرابعٌ * ابشـرْ بوحدة شعبنا يا مربعُ !!(5)

23 - يتهافتون عليكَ ضيعةَ عاجزٍ*** يا ويلهم لـو أدركوا ما ضيّعوا

24 - زمنٌ يشيبُ لهُ الوليدُ فظاعةً * كمْ من رؤوسٍ في العراقِ وتقطعُ!!

25 - (ومشت تصنفنا يد مسمومة **** متسنّنٌ هذا وذا متشيع)(6)

26 - ما زالتِ القتلى تمجّ دماءها * وبقى كعهدكَ - يا جريرُ- الأفظعُ (7)

27 - العدلُ شيمتنا، ورحمةُ أحمدٍ * سُــورُ الكتابِ بهـا يطلّ المطلع

28 - إيهٍ بني الإسلام هــذا دينكمْ *** بالسلم قدْ حيَّ العبادَ، ويشرعُ

27 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ **** تتـزعْزعُ الدّنْيا، ولا تتزعْزعُ

***

28 - يا موتُ: إن الموتَ حقٌ للفدا * مهد الهدى، قيمَ الشهادةِ نرضعُ

29 - إنْ فاضتِ الأرواحُ من أجسادها * سيّانَ تهجعُ مبسماً، أو تدمعُ

30 - عاشَ الشهيدُ بأرضهِ وسمائهِ ** روحاً ترفرفُ بالعلالي تنصـعُ

31 - سهلاً كصحراء العـراق بساطةً *** وإذا يجدُّ الجدُّ، أنـت الألمعُ

32 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

***

33 - (جيشُ العراقُ ولمْ أزلْ بك مؤمناً * وبأنّك الأملُ) الذي لا يخدعُ (8)

34 - يا خالقَ الإبداعِ في سلمٍ، وفي *** حربٍ تكرُّ لها، وغيركَ يهرعُ

35 - (حمل الفرات بها إليك نخيله * ومشى بدجلة)، والفيافي تُقطعُ(9)

36 - (هذا العراق وهذه ضـرباتهُ) ** من قبل ألفٍ قلبـــهُ لا يُخلعُ (10)

37 - للعزِّ خيطٌ واللبيـبُ يبينهُ *** ما الفرق بيــن الذلِّ إلاّ أصبعُ

38 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

***

39 - يا أيّها الشّعبُ الذي يتوجّـعُ ** ممّن يعيشُ بتخمةٍ ويشبّعُ

40 - عاثوا فساداً بالبلادِ وأهلها * فلكلّ لصٍّ في لصوصهِ مطمعُ!

41 - حكموا وما حكموا بعدلٍ يُرتجى * طاغوتهمْ قدْ شطّروهُ ولعلعوا

42 - (كثرت دوائرهم وقلّ فَعالها * كالطبل يكبُر وهو خالٍ) يقرعُ (11)

43 - (علمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمّةٍ) * زيفٌ على المعنى الصحيحِ وبرقعُ(12)

44 - (المجد يحتقر الجبان لأنــــــه * شرب الصدى وعلى يديه المنبع)(13)

45 - (قد كان للعرب الأكارم دولة **من بأسها الدول العظيمة) تخضعُ (14)

46 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتــــزعْزعُ

***

47 - خمسون عاماً قد صففنا جُهْدها * * وجهادها دمّـــاً لمـنْ يتـربّعُ

48 - نحنُ- وإنْ طالَ البعادُ - بقربهم ** ولسانُ حال الشعبِ لا يتضعْضعُ

49 - نرمي تفاهات الحياة لأهلها ***** وطنٌ يُبـــاعُ، وعينُ غيبٍ تدمعُ

50 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتــــزعْزعُ

***

51 - يا أيّها التصحيح، صحّح ما خفى * من سابقيكَ، لديكَ شعبٌ مرجعُ

52 - إيّاكَ والتقسيم تفرقةً لِما ****** لغمتْ لجمعٍ، والهدى ما يُجمعُ

53 - سجّلْ لتاريخٍ وأجيــــالٍ عُلاً ***** نحنُ الأبـــــاةُ بذي الحيا نتبرّعُ

54 - زهد (الإمام)، وعدل(فاروق) الورى * وشهادةُ (السبطِ) الذي نتطلّع

55 - مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبـدعُ ****** تتـزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

 

الشاعر العراقي: كريم مرزة الأسدي

..............................

(1) البطين الأنزع هو نعت للإمام علي (ع)، يقول السبط بن الجوزي: (ويسمى علي (ع) البطين لأنه كان بطينًا من العلم، وكان يقول لو ثُنيت لي الوسادة لذكرتُ في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حمل بعير، ويسمى الأنزع لأنه كان أنزع من الشرك)، ويعتبر إمام الزاهدين في الإسلام، عاش حياته كلها متقشفاً زاهداً، وتأثر به الصحابة الكبار كأبي ذر وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وحذيفة اليمان، المهم لماذا لم ينهج نهجه كبار رجال السلطة في عراق اليوم؟!!!

(2) (الأصمع)، إشارة للأصمعي، وهو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع الباهلي، ولد وتوفي بالبصرة (121 - 216 هـ / 740 - 831م)، راوية العرب الشهير، وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، بزغ نجمه في العصر العباسي الأول منذ عصر المنصور حتى وفاته أواخر عصر المأمون، وكان نجماً في عصر الرشيد .

 (3) إشارة لقول الخليفة عمر بن الخطاب (رض) الشهير " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، وقصة ابن عمرو بن العاص مع ابن القبطي المصري معروفة، وابن الأكرمين والسوط .. وتسامح الخليفة كثيرا مع أهل الكتاب وكنائسهم وأديرتهم ومعابدهم، الإسلام دين تسامح ورحمة وعدل، وإلا كيف انتشر؟ وكيف وصل إلينا المسيحيون واليهود والمندائيون والإيزيديون إلينا عبر العصور الإسلامية؟ وكيف هجروا واستبيحت أموالهم وديارهم، وهدمت كنائسهم ومعابدهم هذه الأيام على يد داعش، وباسم الإسلام ؟!!!!

(4)، (6)، (13) : تضمين لأبيات الوائلي من قصيدة له في مؤتمر الادباء العرب الخامس/بغداد/ (رسالة الشعر) 1965..من الكامل أيضاً مطلعها:

لغد سخي الفتح ما نتجمع *** ومدى كريم العيش ما نتوقع

(5)، (7) إشارات وتضمين لبيتي جرير مع تباين الاستعارات والمدلولات:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً *** أبشر بطول سلامة يا مربعُ

فما زالت القتلى تمج دماءها *** بدجلة، حتى ماء دجلة أشكل

(8)، (9)، (10) : تضمين لأبيات الجواهري من قصيدته (جيش العراق ..) التي نظمها الجواهري عقبى ثورة 14 تموز 1958 م، الأبيات هي :

جيشَ العراق ولم أزلْ بك مؤمنا *** وبأنك الأملُ المرجى والمنى

حمل الفرات بها اليك نخيله **** ومشى بدجلة جرفها والمنحنى

 هذا العراق وهذه ضرباتــــه *** *** كانت له من قبل ألف ٍ ديدنا

- (11)، (12)، (14): تضمين لأبيات الرصافي من قصيدته (أنا بالسياسة والحكومة أعرف):

علمٌ ودستورٌ ومجلس أمةٍ * كلٌ عن المعنى الصحيح محرفُ

كثرت دوائرها وقلّ فَعالها *** كالطبل يكبُر وهو خال أجوف

 قد كان للعرب الأكارم دولة * من بأسها الدول العظيمة ترجُف

...................

 

الثانية من البحر الطويل (الدامغة): 

1 - أناتك لا تعجلْ عليَّ مُرائيا **فكلُّ عجولٍ في الدّنى ليس راضيا

2 - كأنّك لا تدري، وأنت مريدُها ***مشـاحنةً بغضـاءَ أنْ لا تلاقيـا

3 - وإنّي لها، لمّا تعجرفَ جهْمهُ*** وما كلّ مَنْ تلقاهُ دهركَ سـاميا

4 - فترمــي لكَ الأيّامُ ما لا تــــودّهُ *** ليشغلَ نفسـاً أنْ تجــــدَّ لياليا

5 - ومَنْ طلبَ العلياءَ عافَ صغـارَها* وبطنةَ قـومٍ أجوفَ العقلِ خاويا

6 - يكن همّه أن يسـتطيلَ مرافقـــاً ***** فتبّاً لـمن يرضى لنفسهِ ثانيا

7 - فمنْ يتخــفّى بالنّساءِ شوارباً **** ويلبسُ ثوبَ الزهدِ بالمكرِ باكيا

8 - وينفـــقُ ممّا نافقَ الناسُ حولهُ **** تراهُ كنفـخ الطبل ينبحُ عـاويا

9 - رأيتُ حياةَ الأكرميـن جريئــةً **** تقـولُ : لوحـدي أمٌةٌ، ذا ردائيـا

10 - نظمتُ عقوداً - لا أباً لكً - درّهـا **عفيفٌ وألْبسْتُ الزمـانَ قوافيا

11 - فمن لا يرى عقد اللآلئ لبّـهُ ***** فلا يــكُ حفّـــاظاً لعهــدٍ وراعيا

12 - وخلّفتُ خلفي مَن تهاوتْ عروضهُ *** فكنت أبيّاً، لــن أكلّلَ طاغيا

13 - وغيري ترامى للمناصب صاغراً***كما راحَ يستجدي الوزيرَ مواليا

14 - يعلّونَ كرشاً، سحتهُ أمرُ حُرمةٍ **ولستُ بذي أمرٍ، ولا المالُ كافيــا!

15 - تعالَ أمامَ العُرْبِ نسمو تباهلاً ***أردّكَ أرضــــاً، فالفضـاءُ فضائيـا

16 - فكم لحيةٍ حمقاءَ، يجري لهاثُها ***ولمّا أفاقتْ، إذْ ترى النّجم عاليا

17 - فذا رجلُ الدّنيا، وواحدُ عصرِهِ ** يرى نفسهُ حرّاً، وجمعـاً مواضيا

18 - ولستُ خجولاً أنْ أعـدَّ مناقبــاً **** لعيــنٍ تراني - بالتقاليدِ - لاهيــا

19 - فيا للعمى يعمي البصيرةَ بصْرها *** ألمْ تَرَ أقْلامي تجيشُ، وما ليا؟!

 

20 - وما لي جهولاً أن أقلّدَ جمْعهـا ***بجهلٍ، لقـدْ أدْمى العيونَ البواكيـا

21 - على وطنٍ قدْ دُكَّ ظلْماً، وشعْبهُ ***يغوصُ بنفطٍ خاويَ البطْنِ عاريـــا

22 -فما أنا باللاهي، وجدّي جديدُها *** لنلحقَ عصراً يسـبق الكونَ غازيـا

23 - وكلُّ حياةٍ ومضةٌ، أنـت عابرٌ **** بغوغائها، والمجـدُ يخلدُ ساريـا

***

24 - ألا يا زمانَ الغدرِلم تقضِ بيننا ** بعدلٍ، ولا عدتَ السنين الخواليا

25 - فمن يرتجي من بعدِ أينٍ وعثــرةٍ ***يعودُ صفــاءٌ للحيــاةِ كما هيا؟

26 - يعكّرها ريـــب الشـــقاقِ طوائفــاً ****فيا لعــراقٍ طفّـــهُ كـان داميا

27 - ومنْ عجبِ الدّنيا، ومقُلبِ أمرِها ** وجدتُ عـدوَّ الناسِ للناس قاضيا

28 - فقدْ ورثَ المجدَ الرفيعَ طغاتهـم **** أطاحــوهُ أنْفاً لِلْعراقَيَـنِ هاويا

29 - و لا تحسبنَّ الشّرَّ ضربــةَ لازبٍ****خــذِ الْأمرَ معكوساً لضدِّهِ جاريا

30 - جريتُ وكان الأفقُ يجري جهامهُ ****فقلت رويداً - يا كـريـمُ - تأنّيا

31 - غربتُ فكانت غربتي وحيَ عبقرٍ ****جزى اللهُ جهدا للمكارمِ ساعيـا

32 - ولمّا أنلْ غيرَ الوفـــاءِ لأمتـــي ****لعـــلّ الــذي يـــأْتي يجـلّكَ جازيا

33 - يموتُ رديء الدّهرِموتَ خسيسهِ***ويبقى منار الدّهــرِ ما دامَ باقـيــا

34 - عسى نهضةٌ قامتْ، وقامَ رجالها ****تفيضُ بنبعَ الرافـدين سـواقيـا

35 - فكمْ يُرتجى الإنسانُ روحاً أثيرةً ****فلا تكُ إلّا واهــبَ الخيـرِ صافيــا

36 - فمنْ يتخذْ جودَ التّسامحِ درْعهُ **** يكنْ حاملاً نبـراسَ عدلٍ و هاديا

37 - ألم ترَ زهــرَ البانِ فـــاح عبـــيرهُ***وصدّاحُــهُ الفتّـانُ بالنـغمِ زاهـيــا

38 - فما الأنسُ أنساً بالتزلّفِ والريـا ****ولكنّه الإنسانُ مـــن كـان زاكيا

39 - وما بادئٌ مهما يطولُ بقـــــاؤهُ ****يرى رســـم ختمٍ بالقضاءِ نهائيـا

 

الشاعر العراقي: كريم مرزة الأسدي

.............................................

* من المحال أن يستبدل الذوق العربي الفجل الفرنسي الرخيض بالتفاح اللبناني الأصيل!! لا تحجب الشمس بغربال، ولكن كما سيقول ابن الرومي الخالد: (ولن ترى الشمس أبصار الخفافيشِ)!! .  

 1 - من البحر الكامل:

مالتْ عليكَ الحادثاتُ وتبدعُ **** تتزعْزعُ الدّنْيا ولا تتزعْزعُ

2 - من البحر الطويل (الدامغة):

 أناتك لا تعجلْ عليَّ مُرائيا ** فكلُّ عجولٍ في الدّنى ليس راضيا

* من لا يحفظ عشرة أبيات من شعر التراث، ولا يعرف العروض والموسيقى، والشعر العربي غناء وحداء، وبث أشجان النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها، إذ يمتزج فن الموسيقى الطروب ببلاغة وسمو معاني الكلام، واختلاجات النفس البشرية، لا يمكن له أن يفهم أو يتفهم شعرنا الخالد، ويكون حكماً منصفاً عليه باسم المعاصرة التائهة بين أدغال جبال الألب، وسهول جزر الواق واق، الشعر والأدب ولدان شرعيان لبيئتهما ولغتهما وتراثهما.

 

 

مامند محمد قادرأنظري الى الطيور المحلقة في السماء

وهي ترحل

انها تشبه خطواتنا

التي تقطع أبعاد اليأس .

امعنِ النظر

في الأمواج التي

تتجه صوب الشاطيء

انها تشبه أغانينا

التي ننشدها

خلف الجدران العالية .

حبكِ ... كان رسالة

بدّدت تشردي

وأغرقت ضياعي في اليقين .

أفتح نافذة غرفتي

فاذا بوجهكِ الطري

يورق تحت قطرات بصيرتي،

حضورك

يضيق بالمسافات ذرعاً .

انكِ قد أنقذتني ببريق عينيكِ

من ظلامي الدامس،

وأقلعتُ أنا

أبواب انغلاقكِ

بجموح انفتاحي .

وبيد من غضب مقدس

رسمتُ زهور أنفاسكِ

على صفحات الماء

وأجنحة الطيور،

جعلتُ الموت جاثياً

في قلوب العصافير،

و قدّمتُ الربيع

بسلّة من الجروح

الى انتظار الخريف .

اننا نبلل أجنحة أسفارنا

في برك القوس و القزح

و قامة السنابل،

نحدق من نافذة صباحٍ

في المروج التي

حدودها غياب

تتساقط أوراقها

من أغصان الزمن .

***

مامند محمد قادر

 

حاتم جعفرأي صباح نحس هذا الذي أصحو عليه! أهو سوء طالعي، أم هو نذير شؤم سَيُعكرَ صفو يِومي بأخبار لا أقوى على سماعها! أم لأن الأمر كله على صلة بالكتاب الذي فرغت منه في ساعة متأخرة من الليلة الفائتة. سألت نفسي: مالك يا رجل، ما كان عليك الاّ أن تلغي فكرة تكملة قراءته وتذهب الى تأجيله حتى اليوم التالي، لكنك ضعفت كما يبدو أمام سطوته، فجمال نصِّه ووحدة موضوعه وما الى ذلك، كلها أشرت الى قدرة كاتبه وكفاءته على ِأن يجرك أينما يشاء، بل حتى وفي بعض منعطفاته بات يُشعركَ بالعجز عن اللحاق به. لكن في ذات الوقت وعلى الرغم مما يحمله من حبكة وصور كثيفة من الجمال وما به من المتعة، الاّ اني سأسجل إعتراضا واحدا عليه وهو موضوع الكتاب، وربما سيختلف البعض معي في هذا التقييم والوصف، فعلى ما رأيته فقد زاد من همّي همّاً وجعل من غربتي أكثر ثُقلا وإغترابا.

ولكن ما رأيكم لو اختصرنا اﻷمر ودخلنا في أهم مفاصل الرواية التي هي موضوع حديثنا. حسنٌ فمن خلال متابعتي لشخوصها التي وردت، وتعليقاً على ما جاء فيها، سأخرج بنتيجة وربما هناك آخرين مَنْ هم مثلي وسبق لهم الإطلاع عليها،  تفيد بوجود تشابها كبيرا بين الشخصية الرئيسية والمحورية في هذا العمل وبيني. ومن شدة التقارب فيما بيننا والذي وصل في بعض فصوله الى حد التطابق، فقد انتابني ولا زال إحساس خاطف، غريب، سيفضي الى الظن بأني المعني بهذا العمل وليس من  أحد سواي، أو ان هذه الشخصية على أقل تقدير قد بُنيتْ وأستقّتْ مني ومن دون دراية، فحركتها وتطورها وحتى اسلوبها في الحوار والمفاهيم التي تبنتها وما كان يصدر عنها، كلها تدعو الى القول بأن الشخص الرئيسي في هذه الرواية هو أنا، أو ان الكاتب وهذا احتمال آخر، يتحدث بأسلوب كمن سكن داخلي وتحرك برغبتي.

الاّ أن ما جعلني أتراجع عن هذين الإحتمالين وأستبعدهما، هو جملة من المؤشرات، كان من بينها على سبيل المثال ماورد في مقدمة الكتاب الذي هو حديث ساعتنا، بعض المعلومات والإيضاحات واﻷسماء والتواريخ، التي ستختلف بكل تأكيد عمّا انا فيه، فضلا عن إسم الكاتب واسم المترجم الذي ألحِقَ به. كذلك دار النشر التي صدر عنها والمتخصصة أصلا  بالأدب الأجنبي. وكي نصل الى النهايات، فالكتاب الذي فرغت منه تواً يعود الى أحد كُتاب أمريكا اللاتينية، آه كم بدا  التقارب جليا بين تجربتينا رغم البعدين الجغرافي والزمني، وكم أعادني الى ما كنّا نعانيه من قادة تلك البلاد التي أبعدتنا والتي ستبقى وطننا، وهي حقا كذلك رغم كل ما قاسيناه. إذن فنحن نعيش في عالم متشابه، عنوانه القمع والتسلط والإنتهاك المستمر.

وفي لحظة كهذه وأنا أفرغ من قراءة الكتاب، الرواية، ما كان عليَّ الاّ أن اُعبِّرَ في سري وفي علني عن التضامن التام مع ضحايا تلك الدولة وغيرها من الدول التي هي على شاكلتها، والتي يتحدث عنها أو يعنيها الكاتب، فهم أخوتي بكل تأكيد ولكن هنا سيبرز السؤال: منْ سيتضامن معنا نحن أبناء البلاد الحزينة؟ مَنْ سيغني لنا؟ مَنْ سيلعق جرحنا النازف حتى اللحظة؟ مَن سيخفف الهمَّ عنّا؟.

لا اُخفيكم القول فبسبب من جمال بعض فقرات الكتاب، فقد أعدتُ قراءتها لعدة مرات، حتى أني في المرة الأخيرة وحين عزمت على إعادتها، وجدت نفسي قد حفظتها عن ظهر قلب مع كل وَقفاتِها وهوامشها، ولأنها أعجبتني فساُعيدها عليكم نصاً وعلى لسان إحدى الأمهات التي فُجعتْ بغربة ولدها:

الكثير منّا رحلَ وانا أيضاً رحلت معهم، لقد أطلت الغياب ولم تأتِ حتى لحظة مغادرتي هذا العالم، تعبتُ من الإنتظار حتى أصابني اليأس. على كل حال لا تقلق يا ولدي، فلقد وضعت مفتاح البيت بنفس المكان الذي اعتدت عليه في كل مرة حين كنت تعود في ساعة متأخرة من الليل. قد تجد سكان البيت يغطون في نوم عميق، لذا إن عُدْتَ يا ولدي من غربتك، دعهم وشأنهم فلا ضرورة لإيقاظهم، وإذا ما شعرت بالجوع فلا زال الأكل ساخنا. نعم، هو ذات البيت الذي وُلدتَ فيه ونشأت وكبرت، ولكنك غادرت قبل أن يحين موعد قطاف الحب، وكي لا تتفاجأ، فقد أعدنا ترتيب الغرف بعد أن ازداد عدد أفراد العائلة وتشعبت الاّ غرفتك، فقد بقيت على حالها، لم يمسها أحدٌ، وأبقيت على صورتك معلقة على ذات الحائط كما أوصيتني.

قد ترى وجوها لم ترها من قبل، فالصغار كبَروا ووُلِد آخرون بعد رحيلك الإضطراري. لا تلمني يا ولدي إن لم تجدني فلقد تَأخّرتَ كثيرا وبانت عليّ علامات الشيخوخة المبكرة، لكن علي أن أقول لك، أن لا تستغرب حين سماعك بعض الاخبار التي سأسردها عليك، قد يكون من بينها ما هو سار وما هو غير ذلك: لك من الأخوة من كبُرَ ومنهم من قضى نحبه في تلك الحرب التي لم ترَ شرها وشرارتها التي أحرقت السهل كله، ربما كان ذلك من محاسن الصدف التي خففت قليلا عن بلواي وعن أوجاع قلبي على فراقك. هناك أيضاً من مات كمداً على رحيلك بعد أن ظنّك ستأتي ذات يوم ولكنك لم تأتِ، ومن شقيقاتك من ترمَّلت وخطَّ الشيب مفرقيها وضاع نصف عمرها. (انتهى الإقتباس من الكتاب).

حالة من الضيق والإختناق بدأت تحاصرني، كان من المفروض أن لا أعيد قراءة هذه الفقرة ففيها من الشوق والحنين كما فيها من العذاب، لذا قررت أن أركن الكتاب بعيداً عن ناظري، أملاً بإرجاعه الى صاحبه وبأسرع وقت ممكن، وأن أتجه صوب ما تهدأ له الروح، لذا قررت أن أولّي وجهي صوب ذاك المكان الذي سميناه ملتقى للغرباء، رواده جُلَّهم على شاكلتي أو أنا على شاكلتهم، وقد اعتدنا على تبادل الشكوى من حياة الغربة وطول الإنتظار، إذ لا حيلة لنا الاّ أن نكابر ونصابر بعضنا بعضا. كنا نتصيد الضحكة والبسمة التي تكاد أن تفلت منا والى الأبد. في بعض اﻷحيان وعندما كان ينتابنا شعوراً بالوهن والضعف، كنّا نرنو الى مسائلة أنفسنا: عَلامَ كل هذا الجَلد والتحمل؟.

الساعة اﻵن تقترب من منتصف الظهيرة وهذا ميقات مناسب كنا قد اتفقنا عليه مسبقاً أنا وَمَنْ يقاسمني سكني، للخروج سوية من البيت وتزجية بعض الوقت، فغرفته ملاصقة لغرفتي واهتماماتنا تكاد أن تكون متطابقة، فكلانا انتمينا الى ذات الخيار السياسي، وكلانا اغتربنا سوية، وكلانا أثار من التساؤلات ما رفضها الباب العالي ومن قبل الإستماع اليها (أتعرفون مَنْ هو الباب العالي، لندع هذا اﻷمر الى القادم من اﻷيام) كلانا حَمَلَ ذات الهموم والإهتمامات مع بعض الإختلافات البسيطة التي تكاد لا تُذكر، لذا طرقت الباب على صاحب، لم يردَّ عليَّ، أعدت الطرق ثانية وثالثة حتى فُتحَ الباب، مصطحبا معه صوت الموسيقى وصوت أحدهم وهو ينشد تلك اﻷغنية اﻷليفة على أسماعنا يوم كنا فتية أو قُل في بدايات الوعي والإنتماء السياسي: دَمٌ في الشوارع، سانتياغو…  الى آخر اﻷغنية، انه صوت جعفر حسن وقيثارته الشهيرة وتلك الحماسة الثورية التي تدفعك ﻷن تتذكر فيكتور جارا وكل شهداء الثورة التشيلية وشهداء العالم، لتتذكر بابلو نيرودا وسلفادور الليندي ومريم ماكيبا وجياع أفريقا وفلسطين المحتلة وووو.

هنا سألتُ صاحبي: الا تعتقد بأنَّنا نشترك في جرح واحد مع مَن أنشدَ لهم جعفر حسن؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد أن لنا أيضاً شعراء استشهدوا في شوارع مدننا وعاصمتنا؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد بأن لنا من السبايا ما فاق أعدادهم أو يكاد يقترب من ضحاياهم؟ قال بلا. قلت ألا تعتقد أن لنا من اﻷطفال مَنْ تيتم مبكرا وعلى يد أنظمة القمع التي تعاقبت على حكم بلادنا؟ قال بالمئات إن لم يكونوا بالآلاف. قلت له لماذا إذن لم يغنّوا لنا كما غنينا لهم، أو على اﻷقل لم نسمع بتلك اﻷغاني التي تدل على تضامنهم معنا؟. هنا توقف صاحبي لبرهة خاطفة من الوقت ليقول لي بلغة ودودة: كم أنت ملحاح وكثير أسئلة. فأجبته وكم أنت ساكت لا ترد. ثم وبلحظة خاطفة قرر صاحبي وحسماً للجدل أو من أجل تأجيله الى أيام أخرْ، أن يوقف جهاز التسجيل ويخرج الكاسيت ليضع آخر بدلا عنه وليصدح صوت السيدة فيروز برائعتها:

بغداد والشعراء والصور  ذهب الزمان وضوعه العطر

يا ألف ليلة يا مكملة الاعراس    يغسل وجهك القمر

بغداد هل مجد ورائعة       ما كان منك اليهما السفر

أيام أنت الفتح ملعبه            إنا يحط جناحه المطر

 

حاتم جعفر

السويد - مالمو

 

طارق الحلفيالغَيمُ الملقى في النهرِ

بوميضِ قناعٍ وجرارِ غروبْ

اياماً ظلّ يعومْ

مرتجفاً، مُسهَّداً بينَ عصفِ العنادِ وبينَ المطرْ

قبلَ انْ يَخرجَ من وقتهِ

ويُنقذَ حَيرتَهُ مِن بكاءِ الشجَرْ

ما تحدثَ قَطْ

موحلاً كانَ

ومُختَرَماً بِالذُّهول

فكلّ الفصولِ تَجرّ مراكِبَها في الهَزيعِ الأخيرِ من الليلِ

على مُنحَنى موجةٍ من ضفافِ الغصونِ

دليلاً الى المُنتَهى

ليأخذَ كلَّ الحَصى في الضِّفافِ

الى فيضِهِ في الوجومْ

مُستوحِشاً مرسى التَّبدّلِ في الثباتِ

اسمالَهُ البردُ

والثلجُ عَصاهْ

مقرورةً بالظلامِ خَلايا الدروبْ

فيُبهرُ بالصوت البعيدِ خليطَ الرياحِ

ليحكي اِنحناءَةِ قدّاسهُ

بين جرفِ انتظارِ الشتاءْ

وبين نظرةِ ماءٍ ضجرَهْ

تتردَّدُ بين الدوائرِ والحجرِ المُلقى

قبلَ ان يختفي صوتهُ بصدقِ النّهار

 

طارق الحلفي

 

عبد الله سرمد الجميلأنا مُتعَبْ،

أنا حزني هنا كوكبْ،

أنا مَنْ فِيَّ جُلمودُ النَّوى أعشَبْ،

أنا من طينةٍ عمياءَ لكنْ أُبصِرُ الغيهَبْ،

أنا استمطرْتُ غاباتي بلا سُحُبٍ فشعشعَ ذلكَ المِخْلَبْ،

أنا قدّيسُ أوهامي وأخلُقُها وتخلُقُني وتُسغِبُني ولا تَسغَبْ،

أنا خدُّ الحصاةِ البِكْرِ في نَهَرٍ تكاثَرَ فوقَها مطرٌ فهل حَبَبٌ أثيريٌّ بها يُشْرَبْ؟

أنا صمْتُ البراري في الشتاءِ،

تثاؤبُ القمرِ المُسِنِّ،

تكاتُفُ المَرْجِ المُرقَّصِ بالرياحْ،

أنا وعروقُ أوراقِ النباتِ حكايةٌ لا تنتهي،

فلأجلِها صِرْتُ الندى المنسابَ في زَهَرِ الصباحْ،

أنا شفةُ الصوامتِ في الصحارى،

حَوْمةُ الصقرِ المُحدِّقِ في الضحيّةِ،

 رقصةُ الرملِ المخادِعِ تحتَ رفرفةِ الجناحْ،

أنا مَنْ صاحَ بالحطّابِ: لا تقرَبْ،

***

عبد الله سرمد الجميل

 

فتحي مهذبفعلا حصاني عالق

في خرم الابرة..

والبخار الصاعد من رأسي المقطوع

يتمطى مثل عربة نقل الأموات..

فعلا تحت جذعي حطاب يعوي..

يقطع مخيلتي الى نصفين..

ثم يرمي فأسه باتجاه غيمة جريحة..

العابرون مثل العاصفة..

مسلحين بزئير الحتميات..

صنعوا من شرياني حبل مشنقة..

أسقطوا طائرة قلبي بقذيفة..

لم أنس المصابيح التي انتحرت

في غرف الكلمات..

امتلاء يدي بدموع من الفضة ..

هروب غزالة من مظاهرة عنيفة

في شوارع اللامعنى

 

فتحي مهذب

 

سليم الحسنيكان هاجس الأمير أن يبسط نفوذه أكثر فأكثر، يقضي الليل في التفكير، يستعرض أسماء الأقوام السابقة، يتأمل في سِيَر ملوكها، يسخر من أولئك الذين عشقوا الذهب ولبسوا السندس والاستبرق وسكنوا القصور، يسخر منهم ويضحك مع نفسه:

(ما أولئك إلا كفتية يتلعبون بألعابهم، لن أكون مثلهم، إنما الجميع لعبتي).

يسمع من غرفة مجاورة صوت والده السيد الكبير، يقرأ القرآن الكريم ويقيم الصلاة، تأتيه نسمات خشوعه الصادقة، يتحسسها باردة ندية رطبة، يشم عطرها فوّاحاً بزهده وبشيخوخته النقية. يبتسم الأمير، تزداد أحلامه اتساعاً، يذهب بها بعيداً:

(أقم صلاتك يا أبي، أطل السجود والركوع، وأطل القنوت، فخشوعك بضاعتي، فحين تنام سأستله من حيث لا تدري، وأملأ به المدينة القديمة والبلاد وما وراء البحار. خشوعك هذا ثمين، سأصنع منه المجد العتيد، سأصوغ منه خواتم أصابعي، سأطرز به عمامتي، وأقايض بالرطل منه مليون تابع، يروني وحدي بلا شريك، يسمعون صمتي فيطيعون.

أكثر سجودك يا أبي، وزد من خشوعك، صلاتك لله يتقبلها منك بقبول حسن، لكني أريد سيماء الخشوع، سأعرضها بعد طلوع الشمس، فالناس ينتظرون، سأغلق آذانهم وأعمي أبصارهم وأختم على قلوبهم، فهذا الزمان زماني، وهذا السواد رجالي).

أنهى السيد الكبير صلاته، قضى شطراً من الليل، انقطع الصوت وساد الهدوء. بقي الأمير في غرفته يستعرض سيَر الملوك والأمراء، أطلق ضحكة ساخرة، وراح يحدّث نفسه:

(ما أخفّ عقولهم، يتنافسون على عرش وتاج، فإذا فاز أحدهم، قضى أيامه في خوف وقلق، وما يكاد يستقر في جلسته، حتى تأتيه المتاعب من كل صوب، مخلوطة بهواجس الليل على نهاره، وبمخاوف النهار على ليله.

لن أكون مثلهم، سأجلس حيث أنا، قرب السيد الكبير، في غرفتي الصغيرة، بين هذه الجدران العتيقة، أخرج منها الى باحة المنزل، أدخل على غرفة أبي، أقبّل يده، ثم أعود الى غرفتي، فأهمس همسة قصيرة، أقلب فيها العرش على صاحبه، أبعده باشارة من اصبعي، وأختار ملكاً جديداً، فيكون العرش والتاج والصولجان والملوك والوزراء طوع أمري.. أنا المالك لما يملكون، أنا المهيمن على يفعلون.. لا شأن لي بأصوات العامة وصناديقهم، أركلها بقدمي، وآتي بمن أريد).

عاد صوت السيد الكبير، رجع الى صلاته الخاشعة، يرتل الآيات بقلبه ولسانه، تنبعث من روحه الصافية سكينة تغطي المكان، تنتشر في البيت الصغير، تصل الى باب الأمير، فتصدّها سحابة معتمة من الهواجس والأوهام والأحلام والغضب والقلق.

جاء الأذان من مآذن المدينة القديمة، قطع على الأمير رحلته في عالم الأمجاد القادمة، أدى صلاته بسرعة، عاد الى أفكاره، لكن صوت السيد الكبير شوّش عليه خلوته. آيات من القرآن يتلوها بهدوء، تخرج صادقة دافئة، تجوب حوله تنشر السكينة والخشوع والوقار، وضوء ناعم يغطي المكان.

يستغرق السيد الكبير في تلاوته، وخلف الجدار يستغرق الأمير في عوالمه المتداخلة، صارت غرفته معتمة رغم ضوء الشمس، كانت الهواجس والقلق والطموحات تصد الضوء، فيرتد عن الغرفة.

مشت الأصوات على شوارع المدينة وأزقتها، خرج الأمير يحمل خرجاً كبيراً، استله من خشوع السيد الكبير، أعطاه لخادمه يبيعه رطلاً بميلون تابع.

الرواية لم تنته بعد، لها تتمة

 

سليم الحسني

 

جميل حسين الساعديالى بركي ميللر (Burgi Müller)، الإنسانة التي أخفت مرضها  القاتل عني، لكي لا أتألم، لأنها كانت تدرك مدى علاقة الحبّ، التي تربطنا . لقد تركت برلين وذهبت الى بلدها سويسرا، ولا أعرف إن كانت على قيد الحياة أم إنّها توفيت. لقد آثرت أن تموت بصمت دون أن أعلم . أهدي هذه القصيدة، التي تصور آخر لقاء لنا في مصر.. لقاء الوداع الأخير

 

ولمّـــا احتوانــا الطريــقُ الطويــــل ُ

                   وغابَ المطــارُ مـــــع َ الطــــائــره ْ

غفـــتْ فوق َ صدري كطفـل ٍ وضمّتْ

                    يـــــديَّ كعصفـــورة ٍ حائــــــــــره ْ

 أحبّـــــك َ ــ قالــــــت ْ ــ وأنفاسُـــــها

                   تطــوّق ُ أنفاســـــي َ النافــــــــــــره ْ

لأجلك َ أعشــق ُ نخْـل َ العـــــــراق ِ

                   وأعشــــــق ُ أهــــــــواره ُ الساحره ْ

 وأعشـــق ُ مصْر َ لأنّــــك َ فيـــــها

                   تمجّـــــد ُ آثـــارهـــــا النـــــــــادره ْ

صمــتُّ وحــرْت ُ بماذا أجيــــــب ُ

                    تذكّــــرْت ُ أيّامــــــــي َ الجائــــره ْ

 تمنيّت ُ أنّـــي نســـــــيت ُ الوجـــود َ

                   ونفســــي وعشــت ُ بلا ذاكـــــــــره ْ

 فقلْــت ُ وإنّــي أحبّـــــــك ِ جـــــــدا ً

                  بكُثْـــــــــر ِ نجـــــوم ِ السما الزاهره ْ

 مكـــــانك ِ في القلْب ِ يا حلوتــــــي

                   وليس َ ببغـــــــداد َ والقاهـــــــــــره ْ

وخيّــم َ حزْن ٌ علــــــى وجههـــــا

                   بلوْن ِ غيــــــــوم ِ السمــــا الماطره ْ

 وقالت حبيبي إذا غبت ُ يـــــــوما ً

                    فلا تحْسـَــــبنْ  أنّـنــــــــي غــادره ْ

 ولا تحـــزننْ سوف َ أأْتـــي إليك َ

                    وتشعــــر ُ بي اننــــــــي حاضــره ْ

سيحملنـي الفـــــلُّ  والياسميــن ُ

                     إليــــك َ بأنفاســـــــه ِ العاطــــــره ْ

 وســـالت ْ علــى خدّهـــا دمعة ٌ

                    فضقْـــــت ُ بأفكـــــــاري َ الحائـره ْ

 نظـرت ُ إليها أريــد ُ الجـواب َ

                     فردّت ببسمـتهــــا الســــــاخــــره ْ

 قصــــدْت ُ المزاح َ فلا تقلقَـنْ

                     خيــــــالات ُ عابثــــة ٍ شاعــــــره ْ

أجبت ُ هو َ البحـر منتظــــــر ٌ

                     يريـــــــد ُ لقاءك ِ يا ساحـــــــــره ْ

 هنالك ّ في المـــوج ِ نرمــي الهموم َ

                    وأوهـــام َ أزمنـــــــة ٍ  غابـــــــره ْ

نخـــطُّ علـــى الرمْل ِ أسماءنـــــا

                     كطفليْــــن ِ في دهْشـــــة ٍ غامـره ْ

ونرشــف ُ في الليل ِ كأسَ الهوى

                      تســـامرُنــــا نجمــــــة ٌ ساهــره ْ

 ويوقظنا البحر ُ عنْـــد َ الصباح

                      فنصغـــــي لأمـــــواجه ِ الهادره ْ

ومـــرّتْ على البحْـــر ِ أيّــامنا

                      ســـراعا ً وعادت بنـــــا الطائره ْ

 فقـــدْ كان َ هــــذا اللقاء الأخير

                     فقــدْ رحلـــــتْ جنّتـي الناضــــرهْ

 وليس سوى الجرْح يحيـــــا معي

                     كوقْـع ِ  السكاكين ِ فــي الخاصره ْ

***

جميل حسين الساعدي

كتبت القصيدة في  يوم 2.7.2012

 

علي القاسميدخلتُ المدينةَ أوَّلَ مرَّةٍ عندما كنتُ فتًى يافعًا غريرًا، وعالَمي يقتصر على فضاء قريتنا الإنسانيّ البسيط. بيوتٌ طينيَّةٌ قليلةٌ متواضعة، تحيط بها حقولٌ شاسعةٌ خضراء، وتُظلّها سماءٌ صافيةُ الزرقة معظم أيام السنة، وتتغلغل أشعة الشمس الذهبيَّة في كلِّ مكان: في المزارع والأزقَّة والمنازل والقلوب، تحمل معها الدفء والحنان، وتُشعِل الألوان زاهية في المراعي والحقول والبساتين، وتبعث البريق في العيون. وفي الليل غالبًا ما ننام على سطوح المنازل أو في باحاتها المشرعة على السماء، فتبدو النجوم لنا كبيرةً قريبةً في متناول اليد. وعدد أهالي القرية لا يتعدّى العشرات ويعرف بعضهم بعضًا، وتربط بينهم أواصر القرابة والصداقة والعمل، ويوحِّد مصيرَهم الحرثُ والسقي والحصاد وأحوالُ الزرع والمحصول. البسمة على الشفاه، والطيبة في الأفئدة.

غادرتُ قريتي متوجِّهًا إلى المدينة باحثًا عن عمل. فقد بهرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها. سمعتُ أنَّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنَّ مساكنها فاخرة ذات مرافقٍ مريحةٍ تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنَّ غُرفها مجهَّزة بمكيِّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بِحَرٍّ ولا برد، بل بهواءٍ ربيعيٍّ دائم. قالوا إنَّ أحياءَها تتوفَّر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات. وقالوا إنَّ العمل ميسور بأجورٍ سخيّة لمَن يرغب، وإنَّ المرء يعود إلى قريته غنيًّا بعد فترةٍ وجيزة.

أقبلتُ على المدينة فبدتْ لي من بعيد كتلةً متراصّةً من أبنيةٍ شاهقةٍ بُنِّيَّة اللون. وكلَّما اقتربتُ منها تلاشتِ المزارع والخضرة من حولي، وخفتتْ أصوات الطيور، وطغى ضجيجُ المعامل المنتشرة في أطراف المدينة، واتَّشحتْ زرقة السماء بدخانٍ أسودَ يتصاعد من مداخن المصانع.

كاد أوَّل شارع ولجته في أطراف المدينة يخلو من المارة. أردتُ أن أسأل أحدهم عن نُزُلٍ أسكن فيه. ولكنِّي لم أجد أيَّ فرد في ذلك الشارع سوى بعض السيّارات التي كانت تمرق مسرعةً بجانبي وتوشك أن تُلقي بي أرضًا. سرتُ طويلاً قبل أن أصلَ تقاطع الطرق. وهناك رأيتً شرطيًّا ببزَّته الخاكيَّة، يقف على منصّة في وسط الساحة، وهو يرفع يدَيه يمينًا وشمالاً لتنظيم حركة مرور السيّارات. وأقعى إلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثةِ حسبتُه واحدًا من تلك الكلاب البوليسيّة التي سمعت عن عجائبها. لم أجرؤ على الاقتراب من الشرطيّ أو طلب مساعدته، لأنَّه لم يأبه بي، ربَّما بسبب انهماكه في عمله.

الشارع خالٍ تقريبًا من المارة، والسيّاراتُ فيه نادرة. واصلتُ سيري وأنا أحرص على المشي على الرصيف خوفًا من السيّارات التي قد تنطلق في وسط الشارع. وعندما سمعتُ ضوضاءَ قادمةً من الخلف تُنْبئ بقدوم إحدى هذه السيّارات، أدرتُ وجهي إليها فلمحت رجلاً يقود سيّارته، وعلى المقعد المجاور له كلبٌ يُقعي على رجليْه ويطلُّ برأسه من النافذة الجانبيّة نصف المفتوحة.

شاهدتُ على الرصيف امرأةً تسير في اتّجاهي وهي تدفع عربةً أمامها، لا شكَّ أنَّها تحمل رضيعها في تلك العربة. وعزمتُ على أن أرجو منها أن تدلَّني على نُزُلٍ قريب. وعندما اقتربتْ مني رأيتُ في العربة كلبًا صغيرًا ذا شعر طويل أشبه ما يكون بالقطَّة، وقد أراح رأسه على الوسادة داخل العربة، وغطّ في إغفاءة هنيئة. غلبتني الدهشة وهلةً، وعندما أردتُ أن أتوجّه بسؤالي إلى السيدة، كانت قد ابتعدت بعربتها، ولم يعُد من اللائق أن أتبعها، لألقي عليها بسؤالي.

أقْبلَ رجلٌ وهو يقود كلبًا متوسطَ الحجم بسلسلةٍ تنتهي بطوقٍ جلديٍّ على عُنق الكلب. ألقيتُ السلام على الرجل، وتوقفتُ لأرجوه أن يدلَّني على نُزُلٍ قريب أستطيع أن أقيم فيه. ولكنَّ الرجل لم يردّ التحية، ونظر إليّ باستغراب، ومضى في سبيله دون أن يتيح لي فرصة السؤال.

واصلتُ سيري وأنا أتطلَّع إلى المنازل المُمتدَّة على جانبَي الشارع، وهي موصدة الأبواب. ولكنَّ بعض نوافذها مفتوحةٌ ومحميَّةٌ بمُشبَّكٍ حديديّ.  ودفعني حبُّ الاستطلاع إلى إلقاء نظرةٍ على بعض تلك النوافذ المشرَعة. فرأيتُ من خلال إحداها صالةً مؤثَّثةً بمجموعةٍ من الأرائك الفاخرة، وقد استلقى على إحداها كلبٌ ضخمٌ أسودُ أفطسُ الأنف، وما إنْ التقتْ نظراتنا حتّى اكفهر وجهه، وكشّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم عليّ. ابتعدتُ مُسرِعًا عن النافذة بقلبٍ خافق.

لم أستطِع مقاومةَ حبِّ الاستطلاع في داخلي، وأخذتُ أنظر إلى النوافذ المطلَّة على الشارع. فألفيتُ معظم الغرف فارغةً لا أحد فيها. ولكنَّني رأيتُ، في داخل إحدى هذه النوافذ المفتوحة، كلبًا يستحمُّ في المغطس، وقد انهمكت امرأة في غسله بالصابون والماء، ورائحة العطور تفوح عبر النافذة.

وتوقَّفتُ أمام واجهة زجاجية كبيرة لإحدى المحلات التجاريّة وقد عُرض فيها عددٌ من الجِراء ( صغار الكلاب )، وهي تلعب مع بعضها، أو تأكل طعامها، أو تَلِغ في آنية الماء الموضوعة بعنايةٍ في زاويةِ مكانِ العرض. كانت كلُّها نظيفةً لامعةَ الشَّعر.

واصلتُ سيري في الشارع، وكلَّما اقتربتُ من وسط المدينة، ازداد عدد المارَّة وكثرتِ المحلات التجاريّة. بَيْدَ أنَّني لم أفلح في التحدُّث إلى أيِّ واحدٍ من الناس، رجلاً كان أو امرأة. فكلُّ واحدٍ من أولئك المارَّة، كان يصطحب كلبًا يُشغله عن أيِّ شيءٍ آخر. بعضهم يجرُّه وراءَه بسلسلة، وبعضهم الآخر استغنى عن السلسلة وراح كلبه يتبعه أو يسير إلى جانبه أو أمامه. أبادرهم بالسَّلام فلا يردّون عليَّ، بل ينظرون إليَّ بشيءٍ من الاستغراب، ثمَّ يمضون مبتعدين عنّي.

وأخيراً تأكَّد لي أنَّ أحدًا لن يتحدَّث معي. ولا بُدَّ لي من الاعتماد على نفسي ومحاولة قراءة اللوحات المعلَّقة على البنايات لَعلّي أعثر على نُزُل. لم أقرأ منذ مُدّة طويلة، وأخذتُ أنسى ما تعلمتُه من القراءة في المدرسة الأوَّليّة في قريتي، وصار التمييز بين الحروف المتشابهة أمرًا عسيرًا عليَّ. فرحتُ أتوقَّف بين الفينة والفينة لأفكَّ رموزَ لوحةٍ من اللوحات.

وبينما كنتُ أقرأ إحدى هذه اللوحات في الجانب الآخر من الشارع، جذب انتباهي كلبٌ أوقف صاحبَه على الرصيف المقابل وأخذ ينظر إلى الرصيف الذي كنتُ أسير عليه. ظننته أوَّل الأمر ينظر إليّ. ولكنَّني وجدت رجلاً يسير خلفي مباشرة ومعه كلبه. وقد أوقف هذا الكلبُ صاحبَه كذلك، وراح ينظر إلى الكلب الآخر على الرصيف المقابل. ثمَّ أخذ الكلبان بجرِ صاحبَيهما متَّجهَيْن أحدهما نحو الآخر حتّى التقيا وسط الشارع. وهناك، شرع الكلبان في تبادل النظرات، وصدرت منهما همهمة خافتة، ثمَّ أخذا بشمِّ أحدهما الآخر، وانغمرا في عناق طويل، في حين وقف صاحباهما كلٌّ في مكانه من دون أن يتبادلا كلمة. وتوقَّفتْ حركة المرور في الشارع، وانتظرتِ السيّارات من الجهتيْن حتّى انتهى لقاء الكلبيْن.

وبعد جهدٍ، قرأتُ كلمة النُزُل في لوحةٍ من اللوحات وهي تشير إلى شارع جانبيّ. توجهتُ إلى ذلك الشارع الفرعيّ. كان الطريق مُوحِشًا والأبواب موصدة. وسرتُ حتّى رأيت بناءً كبيرًا له بابٌ واسع مفتوح على مصراعَيه، فدخلتُ منه. امتدَّ أمامي ممرّ طويل وعلى جانبيه أقفاص حديديّة متراصَّة لها أبواب تُفضي إلى الممرّ. وفي كلِّ قفصٍ منها كلبٌ وأمامه إناءُ ماءٍ وصحنُ طعام. كانت الكلاب من أنواع متعدِّدة، وذات ألوان مختلفة، ولها أحجام متباينة.

لمحتُ في آخر الممرِّ مكتبًا، يتوسَّطه رجلٌ بَدينٌ يجلس على كرسيٍّ وثيرٍ، وأمامه منضدةٌ كبيرةٌ عليها سجلات وأقلام، وهو يدوّن شيئًا في تلك السجلات. نظر إليَّ الرجل وبادرني بالكلام قبل أن ألقي عليه التحية:

ـ هل تريد أن تحجز مكانًا لكلبك في النُزُل؟

ـ ما عندي كلب.

ـ إذن ، ترغب في شراء كلب؟

ـ لا، ولكن..

فقاطعني قائلاً بنبرة صارمة لا تقبل الردّ: إذن، لا أستطيع أن أفعل شيئًا لك.

وصرف نظره إلى سجلِّه يدّون شيئًا فيه.

خرجتُ من المكان، ورحتُ أحدّق في اللوحة المعلَّقة على بابه، وأكملتُ قراءتها ففهمتُ أنَّه نُزُلٌ للكلاب. وعدتُ إلى شوارع المدينة أبحث عن نُزُل للبشر. وبعد لأي عثرتُ عليه.

دخلتُ البناية فوجدت ساحةً فسيحةً وفي أرجائها الأربعة انتظمت الغرف. وكان بعض أبوابها مفتوحًا، بحيث كنتُ أستطيع أن أرى مَن فيها وما فيها. رأيت،ُ مثلاً، رجلاً وكلبًا مستلقييْن على سريريْن منفصليْن في إحدى هذه الغرف. وفي غرفةٍ أُخرى، رأيتُ امرأةً تداعب كلبًا صغيرًا وترمي بدُميةٍ إليه. وتوجَّهتُ إلى مكتب الاستقبال في النُزُل، حيث يجلس رجلٌ كهلٌ على كرسيٍّ مرتفعٍ، وإلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثّة.

نظر إليَّ بشيءٍ ظاهرٍ من الاستغراب. سلَّمتُ عليه فلم يردّ السلام. قلتُ:

ـ أريد غرفةً صغيرة .

ـ لماذا؟

ـ لأنَّني أنوي البحث عن عملٍ لي في هذه المدينة.

ـ ولكن أين كلبك؟

ـ لا كلب لديّ.

في تلك اللحظة ارتسمتْ على مُحيّا الرجل أماراتُ الدهشة الممزوجة بشيءٍ من الخوف والاشمئزاز، وقال:

ـ إذن، لا يمكنك البقاء في النُزُل.

كنتُ على وشك أن أسأل عن السبب، عندما أضاف بعدوانيَّةٍ جليَّةٍ قائلاً:

ـ بل لا يمكنك البقاء في هذه المدينة، ولا العمل فيها. 

اعترتني الدهشة وداخلتني الحيرة، ووقفتُ مرتبكًا أنظر إلى الرجل باحثًا عن تفسير لقوله. حدّق الرجل في وجهي بحدّة، وأخذت عيناه تحمران شيئًا فشيئًا، وأرنبتا أنفه تخفقان ، وشفتاه ترتعشان بشدّة. وصدر منه صوت خافت سرعان ما علا حتّى أصبح أقرب إلى العواء منه إلى الصوت البشري، وراح الزَّبد يخرج من شدقيه، وكشَّر عن أنيابٍ حادة، واستطال فكاه إلى الأمام حتّى أصبحتا مثل فكَّي الكلب، وانتصبت أذناه، وازداد عواؤه حتّى تحوَّل إلى نباح، وقفز من وراء المنضدة وكاد يقع عليَّ لولا أنَّني تراجعت القهقرى، واستوى على أطرافه الأربعة على الأرض أمامي، وقد تجرّد من ملابسه ونبتَ لجسمه شعرٌ قصير، ونمت لقوائمه الأربعة مخالبٌ بارزة، ومُسِخَ كلبًا نبّاحًا ضخم الصوت كبير الخطر، فما كان منّي إلا أن أولّي هاربًا من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيَّ خلفي، لأجري بأقصى ما استطعتُ في اتّجاه القرية.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

أديب وباحث أكاديمي عراقي مقيم في المغرب.