فتحي مهذبلو تنحني السماء قليلا

لأرشق طيور الغيبيات بالحجارة.

لو أركل النيزك الذي أخفى براهين المجرة..

لو أرفع نثر الربوة للغزلان الفصيحة.

سأعتني بهواجس الأسد .

أقول لوحوش النهار العدوة.

سأقلم فرو لبدته بزئير أصابعي.

لا يجلسن أحد غيري على أريكته الأثيرة.

**

أيتها الحمامة المطوقة

المفرودة الجناحين مثل طائرة

ترتاح على كتفي متصوف 

ماذا لو تحملين بريدي الى الله؟.

**

تأخرت كثيرا أيها العالم

في تسديد ديون الموتى.

ما أطول ذيل يوم الآخرة !

سحقا للأرض التي تدور مثل عجلة عربة الأموات..

الأرض التي تأكل صغارها بشراهة.

لن أكون في قائمة وجبتك اليومية

سأعمل النار في أبعاضي..

لن أسعد الأشباح بتاج غيابي .

**

رأيت ملاكا ينظف مسدسات جنود قتلى بأسنان صدئة..

ثمة حرب أخرى في درب التبانة .

ثمة رعاة بقر يلمعون أحذية الموتى.

**

أنا سعيد جدا

لأن الآخرين  بالكاد ضريرون.

شمسهم دلو  مثقوب

يتسول في عتمة بئر مهجورة..

لم يرني أحد ..

البومة المحنطة التي تغني بعد منتصف الليل..

خزانتي ذات الأظافر المهملة..

جيراني النائمون أبدا في اليقظة والمنام..

مثل دببة غير مهذبة..

لم يرني أحد كيف حفرت خلسة مقبرة جماعية لنظامنا الشمسي الهالك.

ورسمت صليبا في كراس ديوني

البنكية .

**

كانت سقطة مروعة..

الناسك خذلته حنجرة الهدهد..

البيت أهداني رصاصة طائشة..

أنا أصغي طويلا لمديح القوارب

ولموسيقى الثعلب في حقل الذرة

لمراثي الكراكي وهي تجز  ريش الهواء..

لنأمة زهرة الجرجيس في العاصفة

كانت سقطة مروعة

بعد اكتشاف كذبة الجسد..

وعودة الآخرين الى الديار .

**

أكتب لأن الرب حين يمر في الليل

مرصعا بكتيبة عميان..

يتبعه زنوج نائمون على فيلة..

مهرجون مهرة يربطون طوق النسيان بحبال التذكر..

سحرة يضربون النهار بالكرباج مثل عبد..

لكن لماذا  يسدد مسدس عينيه

صوب بيتنا المتداعي ..

أكتب لكي تشفى حمامة روحي من الخبل اليومي .

أكتب لأتسلى- بصخرة سيزيف.

**

يبتلع هنديا أحمر ..

ويروض خنجره لينام البلبل في الحديقة..

ويحيل غابته الى ناطحات سحاب

وحصانه الى مروحية أباتشي.

آه أيها الأسقف كف عن قرع النواقيس في بيت القيامة .

**

عبر ولم يصل..

كان طوال حياته أعمى..

لم ير غير فصوص حكمته في حوزة القاطور..

لم ير شيئا..

واستحال الى غبار تحت جلد الساحرة.

**

تنظرين الي وأنا أكتب..

أخلص المرآة من القباطنة الجدد

راشقا الذئبة التي تطل علينا

من شقوق النافذة..

بفاكهة المجاز الرطب..

لا أشتم الغبار الذي يحرس رعاياه

في المركب الطيني..

أنت مسافرة وأنا مقيم في اللايقين

ريثما يصل الكفن ..

مثل هدية فاخرة لأمير الغياب.

لم أنته بعد من توديع بعضي .

**

لا حاجة لي بحصتي اليومية من حليب الشمس..

أو بذئب يغرد تحت صومعة الناسك..

مصباح العزلة يضيء الرقعة.

أنا لا أتهم الساعة الحائطية بالسهو

السابعة مساء الا خمس زفرات..

الشمس مقرفة وعدوانية..

تهشم أواني السنوات الفائتة

على الاسفلت..

لن أعدك بمزهرية وألبوم مذهب..

لن أعدك بخاتم بنت الجيران..

التي اختلس قلبها قط براقماتي  في زقاق معتم.

تبا للقطط التي تمشي مثل بهلوان

على حبل الأضداد.

**

أغرر بشجرة فستق.

أقول لها: أنا  البستاني  الذي طرد الغربان من المغازة ..

ورصع جدائلك بالحجارة الكريمة.

وحين نضجت قناديلك.

جن والتهمت نواياه خفافيش الحانة.

أنا العبثي المرصع بزبرجد اللامعنى.

لتكوني فاكهة آخر الليل.

حين يفتح الندم أبواب التوبة.

ويفرنقع الندمان مثل قطيع أشباح.

***

كل جسد

دورق مليء بالديدان.

***

عادة ما ألج المواخير

مسلحا بفأس أو هراوة.

حين يطل الشيطان

من المرآة..

أهشم بلور اليوطوبيا.

**

داخل رأس كل امرأة

رأس من برونز .

**

على الأكمة الزرقاء أثار لعازر .

***

فتحي مهذب

 

سامي طهظهر الفسادُ ورفرفت راياتهُ

                     ولبئس ما رفـَّـتْ من الراياتِ

وتظاهرتْ وتناصرت اركانهُ

                    من كلِّ ذي سـفـلٍ حقير الذاتِ

فهم العصابةُ ذاتَ ابشعِ منهجٍ

                      تسعى ... لتبلغَ ابشعَ الغاياتِ

فتكادُ تشعر بالهواء ملوثاً

                  من عهرِهِم في زحمة الطرقاتِ

فعلى المكاتبِ شارةٌ من فاجرٍ

                    تدعو لأكل السحتِ بالرشواتِ

وترى الزنيم اذا تعاظم بينهم

                     من فرط بلع المال بالسرقاتِ

وكأنه حبلى الزنا من فاحشٍ

                       جمع الخنا بتراكم الشهواتِ

وتفوح منه روائحٌ لو أنها

                       هبتْ على قُطرٍ من الجناتِ

تركته تذروه الرياح مهشماً

                       لم تَـبـقَ فـيـه بقـيـةٌ لحـيـــاةِ

لا تعجبوا من فعل جيشٍ زاخرٍ

                  مِـن كَـيـدِ فُـسَّــــادٍ بـهِ وعُــتـــاةِ

لا تعجبوا ... من كل ضرٍّ مسَّكُمْ

                 .... منهم .. وكُــــلِّ إساءةٍ مُـدناةِ

وسقوط صرحٍ للحضارة شامخٍ

                  بالامس كـــــــــــان ذخيرةً لاُباةِ

وضياعِ كل فضيلة ما بيننا

                         ونفوق كل بضاعةٍ مُزجاةِ

غمطـُ الحقوقِ رذيلةٌ من شأنها

                          تحطيمُ مجتمعٍ وشَلُّ بـُناةِ

***

سامي طه

 

عبد الامير العباديالفيصلية حين قتل الملك فيصل

احتفى الاخرون

تندروا من الفرح

اسموها الجمهورية

الجمهورية التي خلعت ثوب

الزفاف لتظل ترتدي السواد

*

الحيانية ارادت جمع الفقراء

فكتب في حجرها الاساس

في عهد محمد الحياني

شيدت هذه المدينة

كي تكون اقفاصا مغلقة

نوافذها تحلم ان تطل

على شجرة خضراء

او حديقة غناء

الحيانية هوية ابدية لاطفال

يعشقون الشوارع

حالمين باشجار وطيور وعصافير

*

على ضفاف شط العرب

المراسي لعبارات بنات الجامعة

اجمل عبارات الدنيا

زحف المغول

هدموا المراسي

وانتزعوا الجدائل من

مداعبة ريح النهر

*

انا لا افرح بالتماثيل

التماثيل التي ربما

تغنى اصحابها بالولاء للطغاة

*

المدينة التي لا يكتب

عنها شاعر يعشق الحرية

يرفض سياط الجلادين

لا تساوي اشعاره

كعب حذاء

*

القشلة الناهضة

على اصوات الديكة

القشلة ورشة لصناعة مناجل الارض

هي التي ينام الجميع

على اسرتها التي نحتت

من جريد النخل

القشلة التي كتُبت على جدرانها

ياعمال العالم اتحدوا

القشلة التي زارها الظلام

ببنادق الحرس القومي

القشلة موسكو

وممر عبور هندال

القشلة تصنع الاسرة

لينام عليها الفقراء بسلام

***

عبدالامير العبادي

محمد صالح الجبوريالظلام الحالك يخيم على القرية، ونباح الكلاب تُسمع، وكأنها ترى أحدا يقترب من القرية، الجو ممطر، والرياح قوية باردة، شعبان يحمل بندقيته وبيده (فانوس) ينير طريقه، يراقب هذه التحركات، ويتابع الأغنام ويخشى عليهن من السرقة، الذئاب التي تهاجم القرية بين فترة وأخرى، بيوت القرية مبعثرة وقليلة، اليوم شعبان السهر والحذر والمراقبة المشددة، يتناول الشاي الذي يساعده على السهر، صوت قادم من بعيد يحاول شعبان معرفته، صاح شعبان من القادم، اجاب سلمان جارك قادم لمساعدتك، علمت انك تحرس، وأردت أن اتناول بالقرب منك الشاي، رد شعبان أهلا وسهلا، مرحبا بك، وجلسا يتحدثا عن الماضي عن أحاديث الخدمة العسكرية في الشمال في المناطق الباردة، ثم عن الموسم الزراعي والأمطار والأعلاف، وأسعار الأغنام والسوق، قام شعبان بعمل القهوة، ليل الشتاء طويل، الحذر مطلوب في هذه الأيام، اتفقا أن يقوما بالحراسة ضمن برنامج ليلي يومي، في فترة الشتاء، الفجر قادم لامحال، وإذا الفجر مطل كالحريق، وقد غلب عليهما التعب والسهر، توجها نحو الصلاة، وتناول الفطور الصباحي الذي يتكون من خبز التنور الحار والألبان و(شوربة العدس) التي ذكرتهم بأيام العسكرية، كان ليلاً من ليالي الشتاء الباردة والممطرة، رغم صعوبة لكنه كان جميلاً، واتفق شعبان وسلمان على الحراسة في الليل،وعمل برنامج لحماية الأغنام من الذئاب  والسراق أو أي تهديد خارجي يهدد سلامة وأمن القرية، تجربة ناجحة وخطة جيدة، وسهرات ممتعة في الشتاء.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

ريكان ابراهيم‏العالَمُ السُفليُّ لُعبةُ ساحِرٍ

                          بغباء يافثهِ وخُدعة سامهِ

عينَيكَ يا أعمى لأُبصِرَ مِحنتي

                        عينايَ ضُلِّلتا ببعضِ قتامهِ

أُذُنيكَ يا هذا الأصمُّ فمسمعي

                    أوصدتُهُ وخلُصْتُ من أوهامهِ

فأنا المُكابِرُ لم أُفِقْ من غفوتي

                       وأنا الذي يحيا على أحلامهِ

جَملي أُنيخَ فلم يجِدْ من ناصرٍ

                   بل حاسبوهُ على صمودِ سنامهِ

يزهو بُسنبلةٍ خُواءُ تكبّري

                        ويرودُ ماءً من فقير غَمامهِ

ما ضرّني إلّا الذينَ حَسبتُهم

                    عوناً على ليلي وبؤسِ ظلامهِ

فاحذرْ ذوي القُربى. نبيُّك لم ينل

                    من خصمهِ ما نالَ من أعمامهِ

مَن لي بجيفارا على أهوالِها

                        ومُقاتِلِ الأدغالِ في فيتنامهِ

هل يُفرِحُ البدويَّ أنَّ بناتهِ

                    أسرى، ويُعلي سامقاتِ خِيامهِ

وطني - وقد أخذوهُ-مثلُ أبٍ رأى

                             إبناً له أخذوهُ من قُدّامهِ

اليومَ تُمتَحنُ النفوسُ، وفي الوغى

                يغدو حِصانُ الحربِ طوعَ لِجامهِ

أنا لا أُفتِّشُ في جيوبِ خسارتي

                    إنَّ المُحارِبَ ليس غَمْدَ حُسامهِ

لوذَ الحمائمِ من هجيرٍ لاذَ بي

                      شرَفي وحمّلَني سلامةَ هامهِ

مازلتُ أُؤمنُ أنّنا لو لم نَهُنْ

                   ما كفّ جُرْحُ النفسِ عن إيلامهِ

صلّى وصامَ الكاذبونَ فشوّهوا

                 في الدينَ صَدقَ صلاتهِ وصيامهِ

شَتّانَ بينَ اللهِ في عليائهِ

                        وشفاعةٍ تأتيكَ من أصنامهِ

***

د. ريكان إبراهيم

 

تواتيت نصر الدينشربت من الحبّ كأسا دهاقا

فهزّ الفؤاد إليك اشتياقـــــــا

**

فهل تدركين مــدى نشوتي

إذا عانق الحبّ قلبي عناقا

**

فيا جنة الخلد إن هــــــواك

يلازم روحي ويأبى الفراقا

**

ويسبح في مهجتي ثائــــرا

ويلفح قلبي جوى واحتراقا

**

دعيني لحبّك دون ســـواه

فقلبي لحبّك أضحى مساقا

**

دعيني لحــــــــــبّك فهو ملاذي

ونشوة روحي إذا الصدر ضاقا

**

صفا الحبّ في خلدي يامنايا

كما ينع الحسن منك وراقــا

**

فيا سكـــــرة الرّوح يا لذتي

بذكرك ينفك أسري انعتاقاا

***

شعر/ تواتيت نصرالدين – الجزائر

 

زياد كامل السامرائيكان أسلافي يركضون

في جُملة الرائي

بين أيديهم غيمة ومن خلفهم أغنيات

تهربُ من كلِّ حرفٍ

ومن كلِّ سطرٍ أعمى.

أنا مَنْ تَبِعهمْ..

تلك منّي لخطاي كانت أوّل العقوق.

لا أملك قبرا أوسع من آهةٍ

ولا فردوس في يدي

أغلق بها باب الرمق

أطلق سراحَ أسفي...

مازلتُ طليقا أجاور إسمكَ المكسور

تَحمِلُني رشحة مِنْ؛  "أحبكَ"

كأن معطف الغياب

أشْتِية لا تحصى.

تتالتْ الأعوام

وما استعادتْ نجمتكَ

ضحكتها المخلوعة من أنينِ الصباحِ .

يلتفتُ الصوت، الذي أضاعكَ،

الى آخر حزن في قماش اللوحة الصماء

يرتمي عميقا في فراغ وجهكَ

صداه

 ثمّة أمنيات تتلاشى

بين أكُف الرفوف التي نثرت الشعر

ريشا للجراح

تُباغتكَ المراثي المُسنة

وتتعرى بفائض الانكسارات

عُشبة شاحبة وجراد مؤجل.

لا تشبهكَ الظهيرة 

ولا رغبة على ظهر الطرقات لعازفٍ .

أسلافي محض دخان

وجيراني ضفة لحصى

منذ أول سماء محفوفة بالمخاطر

كومة هديل شائك، أسلافي

أتبَعهم...

مثل فانوس يأرجح  الظلام

دمٌ يتبعُ القتيل.

***

زياد كامل السامرائي

 

ابو الخير الناصريقد أموتُ في أيِّ لحْظةٍ

في أيِّ فرحةٍ أو غضبةٍ

قد أموت كما في ألاعيب البهلوانْ

ليس عندي ما أقولُ لكم سوى هذي الكلماتْ:

صَلّوا عليّ

وادْعوا لي

ثم حَيَّ على السُّكاتْ

لا أبتغي مرثية من بعدي..

لَطالما قُتلتُ قبل المَماتْ.

***

أبو الخير الناصري - أصيلا

منير لطفيأخبرنا أبُقراط بن قحطان، قال:

في مدينة المنصورة، بعوْن الله منصورة، وعلى ضفاف النّيل، حيث أُسر (لويس)، في سابع حملةٍ صليبيّة، على الدّيار المصريّة؛ أُسِرْتُ في الطبّ سبعًا شدادا، إلى أن كَتب الله لي فرَجًا وفرَحا؛ فقلتُ كما يقول الصائمون التُّقاة: ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبَت الأجرُ إن شاء الله، وردّدتُ وِرد المحرَّرين مِن سجن الطّغاة: ذهب الأسْر وبقي الأجْر إن شاء الله. وجريًا على العُرف المتَّبع، لابدّ من حفلٍ معتبَر، يُضرب له يومٌ معلوم، يُدعى فيه المقرّبون، وعنه لا يَستقْدمون ولا يَستأْخِرون، إذ يُزفّ فيه الخِرّيج زفَّ العريس، ويُعمَّد تعميد الطفل في الكَنيس.

ولمّا دنا اليوم الموعود، وأنا عنه لاهٍ مشغول؛ إذْ بالهاتف  يجلْجل، وصوت صديقي يزمْجر: أنت هنا والسوق ينادي، هلمّ إلى النّعالِ، وعليك بالطلْيان، وعن البِذلة لا تسأل، بريطانيا هي الأفضل، وربْطة العنق اللطيفة، فرنسيّة أنيقة، والساعة السويسريّة، أُوميجا هي القويّة، قلت: ولِم كلّ هذا أيّها المخبول؟ قال: والله إنّك لبُهلول، لا تفهم (البروتوكول)، للحفل زيّ رسميّ، فلا تكن كالبدويّ. قلت وبكَم ذاك يا حضَريّ؟ قال: سبعة آلاف لا تَزيد، ولكن بعد التخفيض. هممتُ بالعويل والصياح، ونطْح الرأْس بالجدار، ولطْم الخدود وشقّ الثياب، قلتُ –هازِلا غير جادّ- اسمح لي بسؤال ثالث: بخصوص السراويل والجوارب، أيّ الدول تُحابي؟ قال: الهند ولا تُجادل، فالإيمان قولٌ وعمَل، لا قولٌ وجدَل! فحسْبنْتُ وحوْقلْت، وفي نفْسي أَسْررْت، أن أعتزلهم وما إليه يدْعون، وأَدَعهم في غيّهم يعمهون..فالمجد للبسطاء، هم حقًّا السعداء. والويْل للمبذِّرين، إخوان الشياطين.

وفي صباح يوم الحفْل، وقبل أن يلوح الفجْر، بَكَّر ساكِنةُ المدينة، وتَنادَوْا ليوم الزِّينة، كما تَأنّق كلُّ خِرِّيج، وبدا كعُمر الشريف، أمّا أنا فغلّقْتُ بابي، وأسلمتُ للنّوم عناني. وعلى وقْع جلَبةٍ ولغَط، وضجيجٍ كمُعترَك، قمتُ فزِعًا للباب، خشْية الدّهْم والاقتحام، وإذْ بي أمام مَن؟ خمِّن وأَمعِن الظنّ؟ رهطٌ مِن الأهْل، ظعنوا من النجْع، خصّيصا إلى الحفْل، بعد أن هاتَفهم الصّديق الصَّدوق، ودعاهم للمثول، في الموعد المضروب، ثمّ حثّهم على الإبكار، قبل أن يغصّ المكان، ويصبح كالمُزدَحم، لا موضِع فيه لقدَم. يا لها مِن نائبة! لم تكن في المخيّلة! أهكذا تكون الزّمالة؟! خديعة وخيانة؟! رُغتُ إلى الأصدقاء، كالغريق وسط الطوفان، أشحذ مِن هذا القميصَ والبنطال، ومن ذاك الحذاءَ والسروال، وكَم كانوا خبثاء، حين عرضوا (السِّشوار)! فصلْعتي بادية، كبدْرِ ليلةٍ داجية! وهكذا تدبّرتُ أمري، حتى لا يُفتضَح رهْطي، وكما قال الشاعر الأسَد، سيّد بني أسَد:

"لعَمْري لرهطُ المرءِ خيرُ بقيّةٍ،،،عليه وإن عالُوا به كلَّ مَركَبِ"

يقول أبُقراط:

وبينما نسير سويّة، نتطارح السّلام والتحيّة، حاصروني كالسّوار، وحدَبوا عليّ كالصِّغار؛ فتمسح أمّي على رأسي، ويطوّق عمّي كتفي، ويضع خالي منديلا في جيْبي، ويطبع أبي قبلةً على خدّي، فرِحين والسبب لا أدري؟ بل وَدّوا لو حملوني على الأعناق، وهتفوا كما يهتف الثوّار، بالروح بالدم نفديك يا أبُقراط!

وما إن بلغْنا مَرْبَع الحفل، حتى فرّق بيننا الأمن، بداعِي الضبْط والربْط، فاحتلّ الضيوف المؤخّرة، وعلْية القوم المقدّمة، بينما قلّدونا الوشاح، وصفّونا كالضبّاط، وأمرونا بالمضيّ، في نظامٍ ورُقيّ، إلى مقاعدنا المرصوصة، حسْب درجاتنا المرصودة. وما إن اقتعدتُ مقعدي، كطبيبٍ ألمعيّ، نال أعلى الدّرَج، وحاز مرتبة الشّرَف، حتى نُوديتُ بصوتٍ جهير، أن احضر فورا إزاء النقيب، لتلقين الخرِّيجين قَسَم الطبيب، فسال منّي العرق، وتعثّر منّي القدَم، وكدتُ يُغمَى علَيّ، لولا نعمة العَلِيّ، فشرعْتُ أتلوه بتحمُّس، ويُعيده الخرِّيجون بتلهُّف، تُؤازرنا الموسيقى العسكريّة، كأنّنا في موقعة حربيّة، حتى تشقَّقت من حناجرنا السقوف، والتهبَت من التصفيق الكفوف.

يقول ابن قحطان:

وبعدما صافحَنا الأعيان، وتَحصَّلنا على الشهادات، والدّروع والأُعْطيات، انفضّ الجمهور، وتَعالت أصوات الحضور، أين البطّ والحمام؟ والحلوى والشّرْبات؟ أليس هذا باحتفال؟! أنغْدو بِطانا ونرُوح خِماصا؟! ففهمتُ ما يرومون، ورجوْتهم الهدوء، ثمّ دلفتُ بهم إلى مطعم في الجوار، وقلت انتَقُوا ما لذّ وطاب، فالكرم والجُود، لازمٌ في ابن الأصول. وبدلًا من تَناوُل الفول والطعميّة، والعرقسوس والمهلّبيّة، إذْ بهم يطلبون الدجاج مشْويّا! واللحم كبابا حَلَبيّا! بل واشترطوا العصائر طازجة! والتورتة في الشوكولاتة غارقة! فسال على الخدّ دمعي، واستنفدْتُ كلّ مُدَّخَري، بل ورهَن المطعمُ الدّرع، حتى أُوفِّي الدَّين، فوافقتُ غير نادم، وانصرفتُ جِدُّ واجم. ولمّا كنتُ خالي الوفاض، وأشهرْتُ لِتوّي الإفلاس، حذّرتُهم من التاكسي، وأوْصيتهم بالمشْي، إذْ ما أهلَك العباد، إلّا ترك المشْي على الأقدام؛ فقدّروا نصْحي، وقبّلوا رأسي، قبل أن يمضوا في هناءة، شاكرين فاره الضيافة، ووعدوا بتعليق اللافتات، في القرى والبَلْدات، حتى يعمّ اسمي الوجود، وأَشتهِر كمجدي يعقوب.

***

بقلم د. منير لطفي

طبيب وكاتب -  مصر

 

محسن الاكرمينتلتحف تيللي حائطا قرمزيا وهي جد ثملة من كمية شربة نبيد حب معتَّقَة، تميل يمنة ويسرة وتتلهف لعناق من إيثري المحاذي لها بقد علو الجسدين. في نشوة سكر حبها، كان إيثري يتردد مرات عديدة من اقتحام جسدها الذي بات لا يتحكم في أحاسيسه الداخلية إزاء وجوده الحاضر بالمماثلة.

تنازل بالعود وراء، وبالابتعاد المفزع للغرائز الباطنية ولو بالكبت، فيما ألقى بتلك النظرة السماوية الكاشفة لتحتل المكان والزمن، وتتودد اكتشاف أقرب لمسة لرطب جسد أنثى تشرب نبيد الحب الفاضح نهارا.

هو اليوم ليس كعادته وقد بدا عليه نضج فكر الرحالة المتنقل في طلب قلب الحبيب بعيدا عن ذكر مطلع ديار الأطلال، هو إيثري في رحلة البحث عن حب أنثى تغيره كليا من الداخل وتدفع به قدما إلى التخلي عن منغصات الحياة المستحدثة ، ومواجع ألم اللواحق. من خلال تصرفاته العاقلة بين ثنايا قضايا الماضي والمستقبل، تغير إيثري وأصبح خارجيا يحمل حب هموم الشعب والتفتيش عن الحلول السلمية والعادلة لها، أصبح ذا نزعة إنسانية انسيابية تقتفي مواضع معاناة ناس مدينة المقدمة بالإحساس والتبني.

من نضج حياة إيثري التفكيري بالتحليل، حين فسر ولادة الحبلى بلا ألم الطلق بالطريق السيار المسدود أمام الجنين وممكن أن تكون الولادة منتكسة، حين آمن بأن الألم المتكرر بالشدة هو من يولد الحياة الجديد حتى ولو ببكاء الوليد، آمن بمعتقد مولدة القرية (أمي صفية) في أن الولادة لا بد لها من حبل الشد لإفساح صعود الألم علوا وولادة حياة جديدة.

على طريق المنحدر وفي زاويته الغائرة من الجبل، لا تكترث لحظتها تيللي إلى مفهومي الماضي والمستقبل و صراع الأجيال، لا تفكك بنيات أحداث الماضي بالفرز و التحليل والنقد، لا تجعل من المستقبل رمز وهم نافض بالمساوئ، بل ترى في الماضي الثوابت والقيم، وفي المستقبل الآتي رؤية حلم أمل معتدل بمواقع الأحداث والمواقف الرزينة.

يقترب ايثري بماضيه الثقيل نحو مستقبل أمل روح تيللي، هو يتجاوز فهمنا للزمن ودلالات التاريخ المكتوب والمنسي، هو يريد أن تحمل أفكاره الزمن الحاضر و به يتحرك بالبدء من الماضي باتجاه المستقبل.

خلوة المنعرج الغائر وتيللي في نشوة سكر حبها باديا من عيونها العاشقة لروح وقلب إيثري، حين اقتربت الأجساد انتقلت و انقلبت العيون إلى مرايا كاشفة للقلوب الصامتة بالحديث المباح، بدت كل المؤثرات الجانبية والمزعجة لا تستكين حضورا باحتمال حدوث قبلة قلوب المرايا.

قبلة رمش الجبين، أحدثت حرارة الأجساد، فالحب مثل الفخار كلما أحمي موقده كلما كانت روح العناق وحدة حرارية عالية، هو المنحدر الغائر الذي يوازي موقعه البحث عن الحقيقة المطلقة للحياة، هي عيون القلب التي صنعت حب مدينة المقدمة في ذلك الحي غير النائي عن دوشة المدينة.

 

ذ/ محسن الأكرمين.

 

يحيى السماويأنـا فـي هـواكِ عـلامـةُ اســتــفـهــامِ

عـجَــزتْ إجـابــتُـهــا عـن الإفـهــامِ

 

الـشـيءُ والـلاشـيءُ في كـيـنـونــتـي

فـأنـا  سَــبـيـئـةُ  كـوثـري وضـرامي

 

 هَــذيـانُ مـحـمـومٍ وحـكـمــةُ عـاقِــلٍ

وجــنــوحُ ضِــلّـــيــلٍ  وهَــدْيُ إمــامِ

 

أمسـي الأثـيـمُ ضـلالــةٌ أســرى بـهــا

نَــزَقُ الــشـبـابِ الى كـهــوف ظـــلام

 

الــبــاقـيـاتُ مـن الـســنـيـن قــلــيـلــةٌ

إنْ لـيْ بــهـــا .. وكــثــيــرةٌ آثــامـي(1)

 

أنا يـوســفُ الـمـغــدورُ لـكـنَّ الــتـي

قـادتْ لــبــئــر نــهــايــتـي أقــدامـي

 

أشــكــوكِ إيــنـانـا إلـيـكِ وأشــتــكـي (2)

شـكوى كــتـابٍ مـن سـعـيـر ضـرامِ

 

شَـجَّ الـهـوى قـلـبـي فـسـال نـزيـفُــهُ

نَـــدَمـــاً  وآهـــاتٍ وسَــــوطَ مَــلامِ

***

أيـن الـهـروبُ مـن الـمـصـيـر الـدامي!

جــرحــي ورائــي نــزفُـــهُ وأمــامـي!

 

إنـي عـرفــتُ بــدايــتـي يــا لــيـتــنـي

ربّـاهُ أعــرفُ مــا يــكــون خــتــامـي

 

مـا مُــنـقِــذي مـنـي ســوايَ فـأيـنـنـي؟

أنـا ضـائـعٌ من قــبــلِ يـوم فِــطـامـي

 

أولـيــس إثــمــاً أنْ أظـلَّ عـلى هُــدىً

والـعـصـرُ عـصـرُ عــبـادةِ الأصـنـامِ

 

زمَــنٌ بــهِ تــأوي الأسُــودُ زريـــبــةً

أمّــا  الـعــريــنُ فــمــنــزلُ الأغــنــامِ

***

مـا بــيــن حِـلٍّ فـي الـهـوى وحَــرامِ

كــرّتْ عــلـيَّ بـــفــأسِــهـــا أيــامـي

 

وأشــــدُّ آلامــي عـــلـــيَّ مــــرارةً

لـــو عــشــتُ فـي قــومي بــلا آلامِ

 

كـم مـرّةً تـابَ الأثــيــمُ ولـم يــتُــبْ

إلآ مــخــافـــةَ لـــعــــنـــةٍ ورُغـــامِ  (3)

 

لو كان ذا قـلـبٍ  نـصـوحٍ لـمْ يُـصِـخْ

نـبـضـاً لـلـيـلـى في الــدجـى وحــذامِ

 

أعـمى ولـو عــيـنـاهُ صحـنُ شـحـاذةٍ (4)

رامٍ ولـــو  قـــوسٌ بـــدون ســـهـــام

 

بـطـران ألــبـسُ  من حــريــرٍ بـُـردةً

وأشـــدُّ  مـن جـوعٍ  عـلـيّ حِــزامـي

 

ولَـكـم شــربـتُ من الــلـذاذةِ خـمـرةً

سـاعـاتـهــا في الأنـس نـشــوة عـامِ

 

أعـمى افـتـتـانـي بالحـسـان بصيـرتي

وأذلّ  كِـبْــرَ رجـولـــتــي تـهــيــامـي

 

طـمَـعَــتْ بـبـســتـانٍ وعــنـدي جــنَّــةٌ

نــفــسـي وأبْــدَلــتُ الـــنــدى بِــمُــدامِ

 

مــا كــنــتُ ذا مــالٍ ومِــثــلـي لا أبـي

وأخـي .. ولا أمـي .. ولا أعــمــامـي

 

لــكــنــهُ عَــسَــلُ الــكـلامِ .. وربــمــا

يُـغـوى الـســمـيـعُ بِــمُــسْــتَــلــذَ كـلامِ

 

 رحّـالــةٌ فـي الـلاجـهــاتِ قــوافـــلـي

مــزحــومـــةٌ بـــهــــوادجِ الأحـــلامِ

 

فـيـهـا مـن الـهــنـدِ الـبـخـورُ وفــضَّــةٌ

مـن كـنـزِ سـومـرَ والـحـريـرُ الشـامي

 

وصــنـوفُ أنــعــامٍ تـعَــذَّرَ مــثـلـهـــا

إلآ بــجـــنَّـــةِ " ســــورةِ الأنـــعــامِ " (5)

 

أحـلامُ لا أبـهـى .. قـطـفـتُ ثـمـارَهـا

فـي الأمـنـيـاتِ وفي حـقـولِ مــنـامـي

***

ومُـهَــتَّــكٍ أحــيــيــتُ ذابــلَ غـصـنِــهِ

فــأثــابَ مـعــروفـي بــغـــدرِ لِـــئـــامِ (6)

 

أحْـيَـيْـتُ ذابـلَ غُــصْــنِــهِ ومَـحَـضْـتُـهُ

مــاعــونَ مـائــدتـي وكــأسَ وِئــامـي

 

نــدمــانُ لــكــنْ لاتَ وقـــتَ نــدامــةٍ

فالـغِـمـدُ صدري والـضلـوعُ حـسـامي

 

أفِــلــتْ شـمـوسُ الـعـمـرِ إلآ بـضـعـةٌ

قــد لا تــرى أعـــوامَـــهــــا أيــامــي

***

أحـيَـيْـتِ  عِـشـقـي لا رمـيـمَ عـظـامـي

وبَـعَـثْـتِــنـي  ـ شِــعــراً ـ نــبـيَّ غــرامِ

 

تـدريـنَ أنـكِ مـن زهـوري عـطـرُهـا

والـصـوتُ والإيــقــاعُ مــن أنـغـامـي

 

خـلِّـيـكِ مـن زعـم الـسـفـيـهِ وخُـبْـثِــهِ

فــأنـــا بَـــيـــاضُ مـــلاءةِ الإحـــرامِ

 

طـيـشـي عَـفـيـفٌ وانـفـلاتـي نـاسِــكٌ

وسـَـرابُ صـحـرائي يُـبِــلُّ الـظـامـي (7)

 

كَـمُـلَ الـبـيـاضُ بـبُـردَتَـيْـنـا واســتـوى

 نــهـــراً تـــمـــاهــى طــاؤه بــالـــلامِ  (8)

 

أغـلـى انـتـصاراتي: غـداةَ هَـزَمْـتِـني

فـرَفَـعْـتُ طـوعـاً رايـةَ اسـتـســلامـي

 

حُـريَّــتـي ابــتــدأتْ بــيـومِ أسَــرْتِـنـي

وبـدأتُ فـيـكِ صــبـابـتـي وهــيـامـي

***

يحيى السماوي

السماوة 27/6/2019

...........................

 (1) التقدير: إنْ لي بها بقاء . .

(2) إينانا: إلهة المطر والحب والجمال في الأساطير السومرية .

(3) الرغام: ما يُرغم عليه المرء كرها لا طواعية .

(4) من ملاحظاتي لصحن الشحاذة أنه مفتوح دائما ، ومثل جهنم ، فكلما امتلأ: يقوم الشحاذ بإفراغه ليستمر استجداؤه !

(5) إشارة الى قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )

(6) إشارة الى شخص ظننته صديقا ملاكا فاستودعته بيتي وبستاني ومكتبتي فخان الأمانة  وشرف الصداقة والرجولة .  

(7) يبلّ: يروي .

(8) الطل: ما يتركه المطر الخفيف من أثر يشبه الندى (كناية عن النقاء والعذوبة) . 

 

علي القاسميتعالَ معي لنتناول فطور الصباح، فأنتَ ضيفي اليوم. لنذهبْ إلى أحد المقاهي المُكتظَّة بِروّادها من الموظَّفين والعاطلين. إنَّهم يتناولون فطورهم، أو بالأَحرى يحتسون قهوتهم مُتمهِّلين طوال الصباح. فمدينتنا مدينةٌ سياحيّةٌ من الدرجة الأولى. سُيّاحها هم أهلها من الشباب والشيوخ. وأنا وأنتَ سنمضي الصباح كلَّه في مقهًى كذلك.

ولتمضية الوقت، دعني أقرأُ لكَ قصيدةً بالفرنسيَّة لجاك بريفير عنوانها " فطور الصباح ". فعنوانها يتَّفق والمَقام الذي نحن فيه، والشاعر كان يكتب قصائده في مقاهي باريس وحدائقها العامَّة. وإذا كنتَ لا تُجيد الفرنسيَّة، فسأقرأً لك القصيدة ذاتها بالعربية. فقد نقلها إلى العربيَّة الشاعر نزار قباني وأعطاها عنوان " الجريدة ". فَعَلَ ذلك رأفةً بأمثالكَ ممن لم يتقنوا الفرنسيّة بسبب تغيّب المُعلِّم المُستَمرّ. وضمّها قباني إلى ديوانه، ولكنَّه نسي أن يكتب كلمة " ترجمة " عليها. لا بدّ أنَّك سمعتها من قَبل بصوت المُغنِّية ماجدة الروميّ.

وإذا كنتَ لا تُحبِّذ الشعر وتفضِّل الإنكليزيَّة، فلنقرأ قصَّة قصيرة للكاتب الأمريكيّ رون كارلسون بعنوان " قراءة الجريدة ". ماذا قلتَ؟ أنتَ تجهل اللغة الإنكليزيّة. لا عليك، لا تهتمْ ولا تغتمْ، لأنَّني بصدد سرقة موضوع هذه القصَّة ونقله إلى العربيّة الآن بعنوان " فطور الصباح". مجرَّد تغيير في العناوين وتُصبِح كاتبًا. وعلى كلٍّ، فالصحف لا تدفع حقوق المؤلِّف. أنتَ تسرق أفكار غيركَ، والناشرون يسرقون حقوقكَ.

لم تُعجبْكَ قصَّتي؟ لماذا؟ ليست لها مواصفات القصَّة؟ لا عليك، سنسمِّيها " سرد "، فهي من فنون ما بعد الحداثة، ومصطلح "سرد" يغطّي كلَّ ما هو ليس بقصَّة وتريده أن يكون قصَّة، تماماً مثل مصطلح " تشكيل " في الرسم. فأنتَ، مثلاً، تستطيع أن تُصبِح رسّامًا إذا وضعتَ شخبطات داخل إطارٍ أنيقٍ، وعرضتَها في معرض فخم، وقلتَ إنَّها " تشكيل ". وإذا كان لك أصدقاء من نقّاد الفنّ، فسيخرجون بتحليلاتٍ وتأويلاتٍ لشخبطاتك لم تخطرْ لكَ على بال.

ماذا قلتَ؟ لا تريد أن تسمع شيئاً من الأدب الفرنسيّ ولا الإنجليزيّ؟ إذن سنقتل الوقت بقراءة الصُحُف العربيّة. لا تظنُّ أنَّني سأشتري الصُحُف. عبقريَّة البطالة تخترع أساليب فذَّة. سنستعير جميع الصُحُف من البائع مقابل نصف درهم فقط، وبعد أن نطَّلع عليها، نعيدها إليه، وهو بدوره يعيدها إلى الموزِّع غداً صباحًا بوصفها " مرجوعات لم تُبَع". جميعهم يفعلون ذلك، ونحن كذلك. ألم أقُل لكَ إنَّ البطالة أُمُّ الاختراع.

أنتَ تفضِّل مشاهدة المارَّة والتعليق عليهم، أَلَيسَ كذلك؟ إذن، هذا المقهًى يُطل على الشارع العامِّ. ولكن، ينبغي عليَّ أن أحذِّركَ مُسبقًا. إذا رأيتَ شابًّا يوقف فتاةً مارَّةً في منتصف الطريق، ويُشهِر سكينًا في وجهها، ويأمرها بتسليم حقيبتها اليدويَّة وحليّها المزوَّرة، فلا تتحرَّك من مكانك، لأنَّ الفتاة ستسلمه الحقيبة بِيدٍ مرتعشةٍ وابتسامةٍ شاحبة، ويمرُّ المشهد بسلام. أمّا إذا كنتَ فُضوليًّا وتدخَّلتَ فيما لا يعنيك، فقد يحدث ما لا يُحمَد عُقْباه. افعلْ تماماً كما يفعل الشرطيّ، وهو يمرّ على المشهد بعيون مُغمَّضة. عذره أَنَّه أنهى نوبته قبل لحظات. إنّها الحكمة بعيْنها. أو افعلْ كما أفعل أنا: احتسي قهوتي قبل أن تبرد.

ماذا قُلتَ؟ النادل أتى بالقهوة باردة؟ لا تهتمّ بذلك، لأنَّها ستبرد على أيّ حال، فنحن سنمضي الصباح كلَّه في هذا المقهى. ضعها أمامك فقط مُتظاهراً بالتلذُّذ باحتسائها. لا تشرب قهوتك بسرعة. في العجلة الندامة وفي التأنِّي السلامة. وإذا لم يُعجبك هذا المقهى، سنذهب بعد الظهر إلى مقهىً آخر، فالمدينة كلُّها مقاهٍ: بين كلِّ مقهى ومقهى مقهى.

إذن لنبدأ بقراءة عناوين أخبار الصفحة الأولى في هذه الجريدة. هل أنتَ مستعدٌّ لسماع أخبار الأُمَّة هذا الصباح؟ توكَّل على الله:

ـ " بروفيس مروفيس ينجو للمرَّة الثانية خلال أُسبوعَين من هجومٍ بالقنابل."

لا تعرف مَن هو بروفيس مروفيس؟ إنَّه جنرال استولى على السلطة بانقلابٍ عسكريٍّ، وحَكَمَ بالإعدام على رئيس الحكومة المُنتَخَب. المسكين الأخير كان قد فازَ بالانتخاب. لكنْ، بالرشوة والتزوير.

ـ "عشرات القتلى من اللبنانيِّين بسقوط طائرة بوينغ في طريقها إلى بيروت."

السبب؟ بسيط جداً: الطائرة مُستهلَكة، وأموال الصيانة أخطأتْ طريقها واستقرتْ في جيوب بعض مسئولي الشركة.

ـ " طائرات إسرائيليّة تغتال ستة فلسطينيِّين بينهم أربعة أطفال، بإطلاق صاروخ على سيّارتهم في شارعٍ بغزة، وتجرح عشرين من المارَّة."

الخبر عاديّ لا يحتاج إلى تعليق. اعتدنا عليه، لا جديد فيه. نسمع مثله كلَّ صباح منذ ثلاث سنوات.

ـ " قوات الاحتلال الأمريكيّ تقتل ثلاثين عراقيّاً وتعتقل مائة وستين آخرين شمال بغداد..."

إنَّهم سادة العالَم، إنَّهم رعاة البقر. يسرحون ويمرحون كما يحلو لهم. لا مانع ولا رادع. والعالم مزرعةٌ كونيّةٌ صغيرةٌ لتسمين أبقارهم. ونحن جميعاً مِلك أيديهم.

ـ " اكتشاف مقابر جماعيّة جديدة في العراق."

تعلّم أساليب الحُكم الصالح، يا صديقي! فقد يركبك الحظ وتصبح رئيس جمهوريَّتنا المَلكيّة في المستقبل القريب. ماذا تقول؟ لا، أنا لستُ مازحاً.

ـ " تقرير دوليّ: 351 ألف طفل عربيّ مُصاب بالأيدز/السيدا."

هذا معناه أنَّنا تعلَّمنا حكمةً نردِّدها منذ ألف عام: " النظافة من الإيمان".

 

هل تريد أن تسمع مزيدًا من الأخبار؟ لا؟ لنغيِّر الموضوع إذن: والآن كيف نبحث عن عمل؟!

 

بقلم : علي القاسمي

.....................

ــ القصة من مجموعة " دوائر الأحزان" التي صدرت طبعتها الأولى في دار ميريت، القاهرة 2007.

يرجى التفضل بالاطلاع على القراءة النقدية لهذه القصة:

زيغ الدلالة في (فطور الصباح) للدكتور عليّ القاسميّ بقلم د. حسام الجبوري

 

سعد جاسم(حكاية شعرية للاطفال)

عندَ طريقِ المدرسهْ

سمعتُ صوتَ نورسهْ

يفيضُ بالتفاؤلْ

يداعبُ الخمائلْ

انغامهُ جميلهْ

 مثلَ سماءٍ مشمسهْ

 * * *

 حينَ اتيتُ قربَها

 رفَ اليَ جنحُها

 فخاطبتني فرِحَهْ

 -صديقي ياصديقي

 طريقُكَ الحقيقي

 انْ تعرفَ الاشياءْ

 من أَلفِها للياءْ

 وتمضي في الحياةْ

 تُشاركُ البُناةْ

 في الكدِّ والبناءْ

 والكسبِ والعطاءْ

 * * *

 وحينَ أَنهتْ قولَها

 بصحبتي أَخذتُها

 حتى ترى مدرستي

 فانشدتْ لرفقتي

 انشودةَ المحبَّةِ

***

سعد جاسم

حسين ابوسعودأين أنا من شيراز وليالي شيراز وقد القى بي الزمان في اقصى المنافي الباردة ؟، ولكن عندما يدور الزمان دورته تصبح كل المستحيلات ممكنة، وكل الصعاب سهلة، وهكذا وجدت نفسي في مطار المدينة تنتظرني ارملة شاعر شيرازي رحل الى العالم الاخر حزينا كما يرحل الشعراء، كانت تتكئ على عصا محفورة بالزخارف ومعها ابنها الشاب الذي يهوى الشعر هو الاخر، وللشعراء طقوس دافئة في الاحتفاء بالضيوف والترحيب بالغرباء.

اذن انا في شيراز، الحلم القديم، مدينة الكلمة الانيقة والعبارة الرشيقة والحروف المنمقة الممزوجة برائحة النارنج والورد الجوري المكتنز، شيراز سعدي وحافظ وعدد آخر كبير من الشعراء والخطاطين والفنانين والموسيقيين والمغنين والعشاق.

بعد قليل تغرب شمس شيراز ويبدأ المساء الملون وبعده الليل الطويل الجميل، كنت متعبا من السفر، وبعد كل ما يمكن تقديمه لمسافر قادم من الصقيع قيل لي هذه غرفة الشاعر الراحل وهذا سريره، هذه كتبه ودواوينه وهذه مثنوياته وقوافيه على الجدران وعلى النوافذ وعلى أطراف السرير.

ألقيت بنفسي على السرير، وأرحت رأسي على الوسادة، وصرت أقرأ في أبيات نزلت عليّ من اجنحة المروحة المعلقة في السقف:

اعطيتك للماء، فلوثتك تلاطم الأمواج

أجرّك نحو الشعر كي تدخل سفر الخلود

 كل شيء بدأ من لا شيء

انا لم أكن أؤمن باي شعر واي دين، الامر ليس مضحكا

انظر اين اوصلنا لا شيء واحد

شعرتُ باني سأنام يقظا هذه الليلة، ثم رأيت فيما يرى النائم وكأن سفينة شراعية رست على شاطئ البحر، بحر شيراز، ولكن لا بحر في شيراز، لا أدرى رست السفينة على شاطئ بحر، أحب السفن عندما تلقي المراسي على الشواطئ وإذا بنساء او قل فتيات فارعات جميلات يرتدين ملابس شفافة ملونة تبرز كل المفاتن، بيضاوات وسمراوات، أبنوسيات، قمحيات، تمر الواحدة منهن امامي تحرك راسها وكأنها تؤدي التحية مع ابتسامة منعشة، فتيات من كل بلاد الأرض، اصطففن امامي على وقع موسيقى إيرانية حزينة تشبه تلك التي تصاحب القاء شعر حافظ وسعدي.

قالت احداهن: نحن جئنا لنأخذ حافظ وسعدي الى جزيرة بعيدة يهيمن الربيع على فصولها الأربعة، وفيها الأنهار العذبة والطيور المختلفة، فيها حوريات الأرض، جزيرة أعدت للشعراء، شعراء العالم الذين يموتون، فرأيت الشاعر حافظ ينهض من قبره ملفوفا بقصائده العصماء ليرفض مغادرة الضريح، كما باقي شعراء الأرض الذين رفضوا ترك قبورهم:

- كيف اغادر واترك الأرواح التي في القبور من حولي، انهم ارباب الرسم والغناء والخط والزخرفة والشعر؟، كيف اغادر أشجار النارنج من حولي، هذه الأرواح التي حلت بفنائي تلوذ بي كل ليلة عندما ينزل القمر وتقترب النجوم من الأرض، كيف اترك العشاق الذين يأتون بمعية معشوقاتهم الى هذا الضريح كل يوم وليلة؟

لن اغادر ولن يجبرني شيء على المغادرة واشعاري تحوم حول قبري كل صباح ومساء تختلط بترانيم الكمان والعود والسنطور والقانون.

نساء الجزيرة الفاتنات تقدمن نحوي، احطن بي عن قرب، صرت اشم رائحة الانوثة المنبعثة من اجسادهن واشعر بحر انفاسهن، يا إلهي كيف افعل بين هذه الأجساد المكتنزة والصدور الناهدة؟ شعرت بأنني في منجم من الشهوات، دعتني احداهن الى مرافقتهن في السفينة المبحرة الى جزيرة النساء، قررت في اعماقي ان لا اذهب لوحدي مع عشرات النساء في آن واحد رغم الكبت والجوع والشبق، لا اثق بهن البتة:

-اعتذر عن المجيء فانا لست بشاعر ولا علاقة لي بأي باب من أبواب الفن، ولست من اهل شيراز انا عابر سبيل، ثم أني قد تجاوزت الستين انتظر مصيري القريب.

فقالت أجملهن: لا بأس يكفي أنك رجل ولا رجال عندنا في الجزيرة، ونحن نعيش في عذاب ولوعة، نريد رجلا او رائحة رجل

دمعت عيناها، تسللتُ من بينهن لأتخلص من حركاتهن التي يندى لها الجبين.

توجهت الفتيات وهن يحملن معهن باقات من النرجس وشتلات النارنج بانكسار واسى وخيبة نحو السفينة التي صارت تبتعد عن الساحل شيئا فشيئا.

فجأة نما الى اذني صوت الاذان فاذا به ينبعث من مآذن ضريح (شاه جراغ) وإذا بي ملقى على فراش شاعر ارتحل من هذه الدنيا قبل سنين.

لن انام بعد اليوم على أسرّة الموتى ولا على أسرّة الشعراء.

 

حسين أبو سعود

 

سماح خليفةوَطَني فِلَسطينُ الغَدِ إنّي بِها

                     أحيا بِجُرحٍ نازِفٍ يَتَفَطّرُ

وَتَغورُ في صَدري بِوَسمِ حُروفِها

                    قُدسِيّةُ التَنزيلِ وَحيٌ يُبهِرُ  

إنّي لَأحيا وِزرَ قَلبي غُربَةً 

               مُدُنًا بِها أصداءُ روحي تُكسَرُ

فَتُريقُ دَمعَ الشّوقِ تُشعِلُ مُهجَتي 

                 وَتُعاوِدُ الوَجَعَ الدّفينَ وَتُبحِرُ

فَيَضِجُّ حَرفي والقصيدُ بِخافِقي 

             وَيَجِفُّ حِبري عَن رُؤاها يُهجَرُ

**

وَطَنٌ جَريحٌ كيفَ يُضمَدُ جُرحُهُ

                  والخائِنُ الغدّارُ جهرًا يَمكُرُ

شُهَدا إلى الباري تُعَدُّ خُطاهُمُ  

                 أرواحُهُمْ تَترى وَشوقًا تُؤزَرُ

**  

أُسري إلى طِفلي بِبَسْمَةِ واجِلٍ  

              غَدْرُ العَدوِّ بِطَرفِ عيني يُنظَرُ

فَيَفِرُّ دَمعي شَطرَ عَيني رَهبَةً 

                ويَتوقُ حُضني لِلعِناقِ وَيَعمُرُ

كيفَ السّبيلُ إلى الحَياةِ؟ أعاقِلٌ 

                  يُفتي ويُدلي دَلوَهُ وَيُغامِرُ؟!

أم أنّنا أشباهُ أجناسٍ فَلا     

                   نَحتاجُ فتوى لِلحياةِ فَنُنصَرُ

قَد نامَتِ الأعرابُ تَشخَرُ تَكتَفي  

                       فَعُقولُها بِبُطونِها تَتَسَمّرُ

**   

آهاتُ غزّةَ بَحرِها تَتفاقَمُ   

                      إنّي لأسمَعُها بعكا تَزفَرُ

فَتُرَدُّ أصداءُ الأسى في يافُنا  

                 وتَمورُ في حَيفا جِهارًا تزأرُ

القدسُ تَشمُخُ رَغمَ قَيدِ عَدُوِّها 

                  وقِبابُها تَشدو وَتسمو تُزهِرُ

**

إنّي أنا الثّكلى بِبابِكَ خالِقي  

              أرجو الكَرامَةَ والسَّلامَةَ تُشهِرُ

أنزِلْ عَلَينا رَحمَةً تأخُذْ بِنا  

              أو خُذْ بِنا نَحوَ الخَلاصِ تُحَرِّرُ

أو زِدْ عَلَينا المَوتَ تَقطَعْ أثْرَنا 

                     وَتُبيدُ مِنّا الفاسِدينَ وتَقهَرُ

***

سماح خليفة - فلسطين

 

حسن العاصييسقط الطريق في أقدامنا

ويستيقظ الشجر

في غفلة من الصمت

تمتد أغصان التعب

قسطاً من عتمة الغياب

استعصت علينا الثمار

وأنهكتنا النهايات

قولوا لنا

كيف يضيع العمر في الرحيل

2

يلد الانتظار لهفة الحزن

على نوافذ الصبايا

قالت لي

بلا أمل تسافر أشرعتك

نسيت ترتيب الغياب

قبل عصافير الموسم

قلت

لم يعد في الرحيل

لون الحقل

قالت سأزرع في الستائر

أضلاع لقلوب الغائبين

3

لو أن اللحم الحي

خارج الرصاصة

لو نتحسّس جسد الجدران

أمهِلونا أملاً بالظمأ

حتى لا تذبل الساقية

فلا أسماء في سور الاتجاهات

والماء تاه في سراب الليل

مهلاً..

لقد أغلقنا نوفذ الجنون

في المنام

انتظرونا قليلاً

ننهي احتضار الحلم

4

انتهى العرض

أيقظتنا التفاصيل الخاثرة

كنّا ننتظر

طفولتنا أن تكبر

نخشى أن نضيع

في أوراق الفتور

وتداهمنا دهشة الألوان

ذات لوح صامت

انزوينا في ارتباك الثوب

كانت الجدة

أجمل من نهايات البياض

5

مثل بحيرة راكدة

تستلقي لوحة الطين

فوق أنفاس القصيدة

لو أن النوافذ المغلقة

تحتمل اليقظة

لو يعبث الصخب

بمساحة الإطار

أقتلع قلبي وذنوبي

أعود إلى الحلم

كي أراود الغصن في المنام

يفيض على الورق

جمال المعنى

دوماً

يصل العنقود متأخراً

6

يصدح عصفور الوداع

سفر الدروب

رأيتها دون ملامح

تشاطر الفصول

لون القطوف

تجني صور الدالية

أين أضعتها؟

نسيت ارتداء الذنوب

لكني أذكر الصمت المرتبك

حين أجهزنا على الصخب

بالموت الهادئ

قالت لم نأكل زادنا

والفخار طفح أغلال

صاحت قبل أن تمد يدها

بكوكب يطير

من يغفر للعربة

ازدحام التوابيت

***

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

احمد الحليإلى غزالة أنسيَّة

في جُعبتي

وعدٌ منكِ وسُنبلة

صارَ لي جناحانِ

*

مُحتشِداً بكِ

تحوطُني هالةٌ منكِ

أطوي المَدَياتِ

في رِمشةِ عين

*

مُبَعثرٌ أنا في كلِّ إتجاه

مثلَ حبّاتِ مِسبحةٍ

انقطعَ خيطُها

من دونِ رضاكِ

*

ها هيَ كفُّكِ تحطُّ الآنَ

مثلَ حمامةٍ وادعةٍ في يدي

ها أنا أقرأ منعرجاتِ خطوطِها

ثمةَ خطٌّ يقول : أنتِ تُجيدينَ الإختباءَ

وخطٌّ آخرُ يُصَرّح :

شغفُكِ سيقودُكِ بالتالي

وهو سيقولُ كلمتَةُ الفصل

*

ما عادَ غيابُكِ يُقلِقُني

لديَّ ما يُشغِلُني عنكِ

لديَّ ريشةُ هُدهدٍ

خبّأتُ فيها أسراري

*

ليسَ في قلبي إنشغالٌ آخرُ

غيرُ إنشغالي بكِ

كلُّ المساحات والزوايا

التي لا تتعلقُ بكِ

تم إفراغُها وتحريرُها

 

*

وأنا أتخبّطُ

في اليَمِّ غريقاً

يَكفي لكي أنجوَ

أن تُلقي إليَّ بقَشّة

*

حتّى وإن توارتِ الشمسُ

خلفَ الحُجُبْ

يبقى حضورُها كثيفاً

يصنعُ العجَبْ

*

يكتسِبُ السطحُ به

لا الجوهرُ رونقاً

ماء الذهب

*

القليلُ منكِ

كثيرٌ

والفُتاتُ وليمة

*

لا تنبشْ رماداً

بحثاً عن جمرَة

***

أحمد الحلي

 

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها :

ليتني أُجيدُ الغيابَ

ليتني أُجيدُ الصُّراخَ 

ليتني أخرجُ من ظلِّكِ

فالماءُ الذي يجري ضدَّ الرِّيحِ

يغمُرُني ليلَ نهارَ ..

*

في داخلي أشياءٌ وأشياء  كلّما حاولتُ أن أُخرجَها كما هي

تتغيَّرُ في خارجي الأشياء ..

*

دفنتُ نفسي في النَّار

فانطفأت من حُمَّى جسدي النَّار ..

*

أُحاولُ أن ألبسَ جلدَ هذا الزَّمان 

فتُبصرني العيونُ عارياً كالنَّهار ..

أينَ يأخذني هذا الزَّيف

إلى ضفافِ الأملِ .

أو صحراءِ الخوف؟

 *

لُغتي سوطٌ يجلدُني 

فتنبعثُ حروفي كعناقيدِ الأفاعي

تلسعُني أو كالشَّوكِ يَخِزُني 

فتصحو في فمي صرخةُ الجُّوع 

وتضطرمْ بينَ جفنيَّ الدُّموع ..

*

تسقطُ من ذاكرتي كلُّ المُدنِ

وكلُّ الأسماءِ

وكلُّ الأحلامِ البخيلةِ 

وكلُّ النِّساء

وأحملُ دَمي على لساني 

وأنسُجُ لوحدَتي من خلايا دَمي 

خيمةً في العراء ..

*

منذُ أعوامٍ وأعوام 

أفتحُ من لغتي نافذةً في الضَّباب

كلَّما حاولتُ أن أنظُرَ إلى الأشياء

أجدُني بلا أشياء ..

*

يا حبيبةُ 

كلُّ الطُرقِ إليكِ مُظلمة 

كلُّ الطُرق إليكِ صامتة

كلّما ركبتُ طريقاً إليكِ 

خرجَ إليَّ ألفُ حائطٍ

وألفُ صخرةٍ

وألفُ جدار ..

*

يا حبيبةُ

كلّما حمَّلتُ الرِّيحَ رسالةً أو عبارةً

أو بعضَ كلمات

رأيتُ الرِّيحَ تُمزِّق الرَّسائل 

وتقتلُ العبارة

وتبتلعُ الكلمات ..

*

على امتدادِ هذا العُمر 

أقرأُ تاريخي

وأسترجعُ أزمنتي

وأحجبُ الحقائق التي تُعرِّيني وتُعرِّيكِ ..

*

على امتدادِ هذا العُمر

كتبتُ بالجَمرِ سيرتي 

وحينَ بدأتُ أرسمُ أوَّلَ حرفٍ من اسمكِ

ارتجفُ عمري بينَ يديَّ

وتنفسَّ الجَّمرْ ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

فتحي مهذبأمشي على فصوص عيني..

حزينا مثل عبد حبشي

مصفدا بسلاسل حتميات ..

القرى نائمة ..

الطائرات العدوة ترتاح فوق

منصة صدري ..

للنار الصديقة مذاق الحنطة ..

تشرب الأرض نبيذ الدم..

غير أن النوافذ مرصعة بالفهود .

**

لا تثريب عليك

يا صرار الليل العدمي..

الموتى أرهف سمعا من الأحياء..

لماذا آخر الليل تلبس قبعة المطر

وتنام على الربوة ؟..

كم كان مرا خبزك اليومي..

وعميان السمع لايرون صوتك

المعلق على حبل الميتافيزيق .

أنت الأعمق في تمجيد اللامعنى وتدبيج أضابير العزاء .

**

الأمكنة عمياء..

يزرعون المسدسات في الحقول..

يملأون جرار الطرطور بالعسل..

يقتلون النوافذ ..

عندما تفرغ المصابيح من الأرز ..

وتجلجل نواقيس النعاس.

**

رصاصة في قلب التمثال..

أعض شجرة بأصابعي..

انه جسدي هذا الوارف

اختلسته ليلة أمس

مسلحة بتعاويذ خفاش  مسن ..

لا يأكلون الا في أدغال النوم..

الحجر أشد رأفة من البشر ..

يتبجس ماء وينادي بأسماء

المكفوفين .

**

اكتشفت هيكلا عظميا لجلجامش

حاولت سحب العشبة..

لكن الضباب شاهر سيفه..

والعقارب تسرح تحت جلدي

ويدي خيط عنكبوت .

**

الحرب قادمة

مسدسي فم يضحك بمرارة..

سأحرر كروانا من فخ لساني..

سأقاتل الفراغ الذي خلفه أبي في

البيت..

مثل وحش يلتهم قش الساعات الحرجة..

سأقاتل نفسي مثل متصوف

يمشي مقلوبا على رأسه ويقول

للملائكة أنا جسر أنا جسر .

**

تجن عربة الاسعاف في الصيف..

  يقفز الحارس العبثي لبيت الأموات مثل بهلوان حين يطير بعض المرضى الى العالم الآخر بسرعة كنغر .

**

ماركس ينزف أمام بنك ..

صدمه نيزك البراقماتيزم .

**

أسخر من مشية العالم العرجاء..

ربما أعزي نفسي بشتم الهاوية..

طبيب العظام فر من الهولوكست .

الجراحون مطاردون في السهول.

**

أيها السائق الذي لسعته الوردة..

انتظرني عند منعطف الدمعة.

**

أيها الراهب

ليس ثقبا في أريكة الله..

الغابة كاذبة ومتحيلة..

وذاك الضوء الزارب يراعة..

مفاتيح الثعلب في المغارة..

لا تصدق عينيك المتلعثمتين..

(أو حواسك التي تتقدم في خرائط الشهوة) .

**

النهار ليل العميان

اللوحة مليئة بالمكائد والخدع..

وفي النوم تتحرر رهائن الجسد..

أرجوك أصغ الى جناز اليعسوب..

أخطاؤك قطعت أصابع بنت الجيران..

ونثرك يلدغ الأسد..

أنت جدير بألف رصاصة..

لتريح أعصاب العالم .

**

لا تذروا النبع بيد القتلة..

ولزموا الصمت ان رأيتم جثتي

على ظهر فهد..

والمشيعون تماثيل..

سأنام ريثما يهبط الهدهد من برج العذراء .

**

أبيع أسنان الموتى

ولحم الخيول النافقة للقباطنة..

وأذهب وحدي لعرين الأسد

محملا بخمور فاخرة

وفواكهة جافة ..

أقلم مخالبه بلساني

وأجز لبدته بمقص حلاق

لدغته تفاحة حواء..

وحين يتعتعه السكر

أخطف زوجته الشقية وأطير

مثل فصول السنة .

**

لم تسلم الثمرة الأخيرة من جسد

العتاهي..

فعلا الطيور المحرمة سقطت في الجب..

الغزالة في الأسر .

**

تذرف ظلها على شباك البيت

وحين تدمع الأعشاش..

وتذبل أصابع الأغصان..

تتساقط العصافير والأوراق بغزارة.

**

في حجرتي تتبرعم المرآة قبل الشجرة .

**

حاولت استدراجه الى باب الحديقة..

الكلب الذي ينبح باستمرار داخل رأسي..

اللصوص كثر..

والحقيقة رهينة المخيال.

**

فتحي مهذب

 

 

رضا آنستهبزرقة بحر أخضر حلمت البارحة، قبل النوم بقلیل.. خلعت حذائي، وتركت أصابعي تغوص في حقل الرمل، توهَّجتْ كشموع.. تقدَّمت بطیئاً كسلحفاة، فقست تواً، تحاول أن تهتدي إلی الرحم الذي انبثقت منه.. كنت الآن علی حافة البحر، تسرَّبت إلی راحة قدمي، برودة لذیذة سرت في ساقي وتسلقتني حتی رأسي.. سكرت، ترنَّحت: البحر! غفوت، وانقطع حلمي.

ظللت ظمآناً، أنتظر یقظتي لأحلم بالبحر، من جدید، لعلَّي في مرة من المرات، أسبح فیه، قبل أن یدركني النوم. استیقظت علی رنین المنبِّه، أرتدي ثیابي علی عجل، خرجت إلی العمل، والانتظار والشوق یقتلني، لكي أعود للمحاولة معه، حینما یحلُّ المساء... عدت مرهقاً، رمیت نفسي علی السریر كخشبة، وحدَّقت في السقف واستأنفت حلمي من جدید، كعادتي في السنوات الثلاث الأخیرة... وبزرقة بحر أخضر.. لكنِّي غفوت وانقطعت رؤیاي، في نومي كنت تائهاً، في صحراء شاسعة، وشفتاي متشققتان، وأقدامي متقرِّحة، أترنَّح من الحمَّی، وأهذي: البحر، البحر، ال...

أیقظني المنبِّه، أرتدي ثیابي علی عجل، في سوق  "السيف" التقیت بمراد، متعجّباً، بعد كل هذه السنین... متی عاد من الكويت؟ كم بدا ممتلئاً وجبهته التي انحسر عنها الشعر، متحدّية.. لكن عينيه ما زالتا تشعّان بالدفء والحميميّة. وشوشت معه قلیلاً، وسألني عن "مُنی" سكت.

- أحمد، منی؟

- ذهبت إلی الأبد...

يُصدَم!

- متی ؟

أسكت.

- نَحِلتْ. وجهك شاحب وعیناك جاحظتان، لم أعرفك.

- قبل ثلاث سنوات رحلت... عفواً أنا مستعجل.

 سجَّل رقمي.

 تخلَّصت منه. المسكین، كان صدیقاً قدیماً طیّباً، لكن منذ غیابك، لم أعد أستطیع مخالطة الناس، صرت أتجنبهم، وكأنّي ممسوس، جذامي یخافونه. صبرت بصعوبة، حتی انتهاء الدوام. لم تكن بي رغبة للعودة إلی البیت، تجولت في الشوارع، أعد مربعات ودوائر الأرصفة الكالحة، أقتل الوقت... أمشي مسرعاً محاذياً كارون، حتی یحلَّ المساء أسرع، أقتطف أوراقاً من شجرة یوكالیبتوس هنا، ومن زهرة جهنمية مجنونة هناك، محاولاً، عزف لحن یشابه صدی صدفة، عبثاً. تنبسط مظلة المساء، وتغرق المحمرة في صمت حالم، أعود منهكاً، أرتمي علی السریر، كخشبة، أحدق في السقف: البــــــــح... یرنُّ هاتفي، لا أعرف الرقم:

- ألو.

- مرحباً أحمد، كیفك؟

- عفواً، من معي؟

- مراد، یاه، هل نسیت صوتي بهذه السرعة؟

-ألو. ألو .. عفوا صوتك م ت ق ط ع.. ألوو..

أطفئ جهازي.

أحدقًّ في السقف من جدید، لكني لا أستطیع أن أحلم في البحر، أحدقُّ بدقَّة أكثر، لكن دون فائدة، أحاول مرة أخری بإلحاح، ما من نتیجة. نهضت مشوّشاً، القلق یقتلني... أذرع الغرفة.. قرب الفجر أسقط علی وجهي، بعد أن تنتهي منّي آخر علبة بیرة في الثلاجة. أستیقظ قرب المساء، أستحم، أستلقي مسترخیا ًعلی السریر، أتأمل السقف، لعل البحر یأتي.. تغوص أصابعي في الرمل، تتوهَّج.. یرنُّ هاتفي، مراد مرة أخری، أخرسُه. وأعود إلی السقف من جدید، لكنَّ أناملي انطفأت.

- "اللعنة علیك م.. "

أرتدي ثیابي للخمر، إشتریت دزینة كاملة، عببتها كلها. أستیقظ مساء مصدوعاً، أستحم، أستلقي علی السریر.. البحررر.. تتسرَّب إليَّ برودة موجة منسیة...

 طق. طق..

 تنحسر الموجة.

- مراد!  كیف عثرت علی عنواني؟

- لیس هذا مهماً الآن، ارتدي ثیابك، لنخرج، سنسهر سهرة لطیفة، أنا وأنت وأحلام.. لقد طارت فرحاً عندما قلت لها إني التقیت بك.

- عفواً، لیس لدي مزاج، مرهق. علي الذهاب إلی  الدوام مبكراً.

تفشل كل محاولاته المصرّة كشریط لاصق، في سحبي من البیت.

أستلقي، أحدق في الس.. ویأخذني النعاس..

طق طق..

مراد مرة أخری وفي یده قدح:

-یا إلهی، ماذا تفعل هنا؟

- خذ، إشرب إنك عطشان، والصحراء مطرٌ من شُواظ.

أشرب.. وأشرب .. والقدح لا ینفد... ما أعذبه من ماء!

- إنه البحر...

أستیقظ علی رنین المنبّه، وبي حسرة، وفمي فیه ملوحة حلوة! ألبس ثیابي، في الطریق ألتقي بمراد، أتوقف عنده، وأدعوه إلی الخروج مساء، إلتقينا في مقهى على الشط، عَبِقاً بصوت يأتي من الفردوس:

- "شايف البحر شو كبير، كبر البحر بحبك.."

على الضفة الأخرى لاح "كوت الشيخ" ملعب طفولتنا، بعد سنوات الحرب، كذكرى باهتة...

- خذ أحمد

- ما هذه؟

- إنها صورة لك، أنت ومنی، عندما التقیتما أول مرة، عندالبحر... وعرَّفتكما زوجتي ببعض.. البارحة أحلام، حلمت بأنها تعطیها لمُنی.

أتأمل الصورة ملیاً: منى برغوة جسدها الرخامي، تشع كلؤلؤة في صدفة!

- كنت قد أضعتها، من بین كل صور آلبومنا، بحثت عنها كثیرا... لكني لم أجدها، شكرا لك مراد، عن جد شكرا لكما..

 طَلَّةُ منى بعينيها الخضراوين وشعرها الذهبي وبشرتها الدافئة، حوَّلت نظري إلى كارون والسماء الصافية، وسرب من النوارس المنسية تحلق فوقه...

- لم تخبرني أحمد، كیف رحلت منی؟

- غَرِقَت.

یُصعَق!

- متأسف جداً...

-هل أستطیع أن أحتفظ بالصورة؟

- طبعاً.

- شكرا لك...

أعود في المساء، وأرتمي كخشبة علی السریر.. أحدق.. یَخطِفُني النعاس.. ينزاح السقف.. تغوص أصابعي في الرمل، تتسرب إلی أعماقي برودة المیاه، وترشقُني موجة بزبدها، أقفز إلی البحر، أترك نفسي عائماً، أطفو كزورق، فوق سطح المیاه، أفتح عیني في الماء:

- مـنی! م.م.م...

أغوص وراءها...

لم أستیقظ بعد تلك الليلة أبدا...

***

رضا آنسته: الأهواز، إيران