بن يونس ماجنبعضهم ينتظرون المهدي

وبعضهم ينتظرون جودو

اما انا فامقت الانتظار

 

الكل يجري وراء الوقت

الكل يتهاون في ضبط المواعيد

اما انا فساعتي في جيبي

 

بعضهم يتسابقون مع الظل

وبعضهم  يتلحفون بالغروب

اما انا فاسير خلف اقراص الشمس

 

الكل يبحث عن الفوز

الكل يتوق الى النجومية

اما انا فاحلم بالرهانات الافتراضية

 

هناك من يدلو دلوه في الماء العكر

وهناك  من يشرب من  الماء الاسن

اما انا اشفي غليلي بسراب فاتر

 

 

بعضهم يركبون عواصف البحر

وبعضهم يندسون بين طيات الامواج

اما انا فأطارد سرب النوارس على صفحة الماء

 

بعضهم يرقصون على حبلين

وبعضهم يرتدون قناعين

اما انا  فأكتفي بلعبة سقوط قطع الدومينو

 

بعضهم يكتبون الملاحم الرائعة

وبعضهم يقرضون المعلقات التافهة

أما انا فاكتب خربشات لا يقراها احد  

***

بن يوني ماجن  

 

 

حسين حسن التلسينيسأظلُّ أحبكِ

حتى أنقذَ عُمرَ الحُبِّ وعُمرَ الخلقِ من الإحراقِ    

سأظلُّ أحبكِ

حتى لاتتلاشى يوماً مملكة العشاقِ

حتى لايبقى الحُبُّ وحيداً ويتيماً

كهزارٍ بلاسربِ (*)

كقوافل مسك بلادربِ

كرئيس بلاشعبِ

**

سأظلُّ أحبكِ

حتى يبقى الغيثُ عروسَ الأرض وأغنية الآفاقِ

سأظلُّ أحبكِ

حتى تهدي الشمسُ

 لحسناواتِ المشرقِ والمغربِ أثوابَ الإشراقِ

ويبيتُ البدرُ العاشقُ أشرعةً

 لبواخر ذاك المحيطِ الدافقِ بالأشواقِ

**

سأظلُّ أحبكِ

حتى يبقى الحُبُّ أميرَ العصرِ

ونشيدَ الفجرِ

وكريماً أكرم من جريانِ النصرِ

**

سأظلُّ أحبكِ باسمِ العراقِ

لتموتَ حروفُ الشقاقِ

برصاص حُروفِ الوفاقِ

**

سأظلُّ أحبكِ

 ياتوأمَ شهرزادِ العراقِ

 بِزُهيراتِ الوَصْلِ لا لا بشوكِ الفراقِ

حتى لايملَّ الكُحْلُ ضفافَ المآقي

حتى لايبقى اللؤلؤ والمرجان حبيسين في الأسواقِ

حتى لاتحيا الحُمْرة يوماً في كنفِ الإشفاقِ

**

سأظلُّ أحبكِ

 حتى يحظى الحُبُّ بقبعةِ الآفاقِ

حتى يستحيلَ العُرسُ الى عُرسٍ وشرابٍ يوم التلاقي

والنجمُ الراقصُ أفضل ساقِ

**

سأظلُّ أحبكِ

 نوراً ينشدُ للصِّدقِ لا للنِّفاقِ

سأظلُّ أحبكِ

حتى يُمسي شوكُ ظلامِ الإخفاقِ

حطباً لجحيمِ الفوزِ الخفَّاقِ

***

شعر: حسين حسن التلسيني

العراق / الموصل / 15 / 6 / 2013

.............................

(*) الهزار : العندليب

 

انمار رحمة اللهأخيراً حان موعد فتح حمام المدينة. كنتُ في الفندق أجهز أشيائي، صابونة وكيساً للتنظيف وشامبو ومشطاً. خرجت إلى الشارع أحث الخطى صوب حمام المدينة «العظيم» الذي سأتشرّف بالاستحمام به.. إنّها نكتة سخيفة..!. صار غسل البدن معضلة في هذه البقعة اللعينة. في البدء اعتقدت أنّ الأمر مزحة من صاحب الفندق. حين فتشت عن حمام في فندقه الرث كله لكي أزيل تعب السفر عن بدني، لكنه قال لي إن لا حمام أو مغاسل تعمل لديه بشكل صحيح. بل لا يوجد أي حمّام في المدينة كلها فيه ماء، سوى واحد عمومي، يُفتح يوماً في الأسبوع للناس، حسب أوامر الحاكم.. إنّه أمرٌ مضحك..؟!.. سألته في وقتها (ترى لماذا هذا التصرّف الغبي في منع الناس من الاستحمام في منازلهم؟!).. بحلق صاحب الفندق في عينيَّ، وأشار عليّ بخفض صوتي كيلا يسمع أحدهم كلامي، ثم سحبني من ذراعي وهمس في أذني (حاكم المدينة - رعاه الله- مهتم برعاية الناس وجمع صفوفهم.. بعد الجفاف الذي حلَّ بنا صار الماء أغلى من الذهب. لهذا قرر الحاكم توحيد الناس في يوم للاستحمام). حديث صاحب الفندق أضحكني حقيقة، وبالرغم من محاولاته لتوضيح أشياء مهمة لي بوصفي غريباً على الأنحاء، أهمها أن الحاكم مهتم بأمر نظافة الناس، وأن الاستحمام يعتبر طقسا أسبوعيا مقدّسا. إلّا أنّني لم ألاحظ في المدينة غير قذارة الناس وروائحهم العفنة. وحين اعترضت على كلامه قال (الناس يذهبون كلهم إلى الحمام، فالحمام ماؤه وفير وصابونه نظيف طيب العطر. اذهب إليه وأنظر بنفسك ولا يغرك بعض المتخلّفين عن هذا الطقس الاستحمامي الجميل). وما إن انتهى صاحب الفندق من كلامه ورحل، حتى أخذت شهيقاً مريحاً، فقد كانت رائحته أنتن من رائحة مزبلة.

خرجت صوب الحمّام، وعلى الطرقات وعلى جانبيّ يهرول الناس، حاملين على رؤوسهم صرر الملابس والصوابين وليف التنظيف. الأطفال يمسكون بأثواب أمهاتهم المذعورات من فوات الفرصة، الرجال لا يمكن اللحاق بهم، فهم يحركون سيقانهم بهمَّة كبيرة.. حين وصلت إلى باب الحمام العالي، والذي زُيّن بنقوش مختلفة ونشرات ضوئية وصور حاكم المدينة، كان الجمهور الواقف عند البوابة تفوح منه رائحة كريهة. هي ذاتها التي في الفندق والسوق والمحلات والمنازل. والمريح أن أنفي بدأ لا ينفر منها كما في أول الأمر. لقد تشبّع بها وصارت شيئاً مألوفاً له.. خرج صوت عبر مكبر كان على مئذنة عالية فوق الحمام ينادي (بوركتم أيها الأنقياء.. هذا هو يوم نظافتكم.. جهزوا أنفسكم للدخول إلى حمامكم والخلاص من أدرانكم.. ملعون من ترك هذا اليوم.. ملعون من فاته الاغتسال في الحمام المبارك). لقد أخذني الحشد معه وصرت واحداً منهم، للحظة تهيأ لي أن هذا الحمام هو خلاصي ونجاتي.. ماذا يحدث؟!. نساء التصقن بجدار الحمام وهن يبكين. رجال يتحدثون في ما بينهم عن بركة الحمام والراحة النفسية التي يجدونها فيه. سمعت الصوت مرة أخرى ينادي عبر المكبر (افسحوا المجال.. سيخرج المباركون المستحمون وأهلوهم.. افسحوا المجال) ثم ظهرت مجموعة خرجت دفعة واحدة من بوابة الحمام وقد بان على وجوههم الانشراح، وقد طوقتهم حماية مشدّدة. وقف الناس ينظرون بحسرة خالطها رجاء للذين خرجوا للتو، عيونهم كانت مفتوحة تحدق، والبسمة الذابلة مرسومة على شفاههم. وبعد أن غادر الرهط، سألت شخصاً واقفاً قربي (من هؤلاء؟). فأجاب وعيناه مازالتا تلاحقان موكبهم بكلمات كستها لذة كسولة (إنهم.. إنهم المباركون.. سادة المدينة والمقربون من الحاكم العظيم.. هم سبب بركتنا.. انظر إلى وجوههم الجميلة الملائكية.. إنهم الأنظف والأطهر في مدينتنا).. داهمتني دهشة من كلامه، وللحظة واحدة كدت أصدق ما قاله، غير أنني هززت شجرة رأسي لتطير منها كلمات الرجل التي حطت عليها كعصافير ناعسة. ثم أن هناك أمراً أهم، فقد آن الأوان لدخولنا. حشرت نفسي في وسط الجموع ودخلت، أخذني الحشد الهائل إلى الداخل بقوة، لقد سقطت أشيائي وداست عليها الأقدام ورائي، وعبثاً كنت أحاول الحصول عليها. اجتاحتني رغبة الضحك بأعلى صوتي، لا يمكن للمرء الاستحمام هكذا، أين سأجلس وكيف سأرمي الماء على رأسي يا ترى؟!.لقد أخذتني الجموع إلى جوف تلك القاعة المتخمة بالبخار، وعلى جانبي الممر المؤدي لها كان هناك رجال يومئون للسائرين، انتبهت لهم، هم موظفون بلا شك. يا له من مشهد مضحك!. أطفال ونساء ورجال صرنا كتلة من اللحم، عن نفسي أنا أعلم سبب مجيئي، فقد كنت أبحث عن وجبة تنظيف لبدني، لكن هؤلاء الناس لا أدري عن ماذا كانوا يبحثون، ولماذا هم هنا وما الفائدة من هذا الدوران في قاعة يرش فيها أصحاب الحمام رذاذ ماء على الرؤوس، وبعض الصابون يتناثر هنا وهناك بشكل مطحون. أين الماء؟!. أين الصابون؟!. هل شرب رهطُ (المباركون) الماء وأخذوا وقتهم في الاستحمام وتركوا لنا هذا الرذاذ فقط؟!.. لقد ساء الوضع جداً وبدأت أشعر بالاختناق، في الحقيقة لم أستطع العودة ولا مجال لي سوى مجاراة الحشود حتى أرى إلى ماذا سينتهي الأمر. وبالفعل سار الناس هاتفين، النساء يزغردن، والرجال يهتفون منتشين، وحين سألت وأنا في نصفهم عن هذا الهراء وأن هذا ليس حماماً بل مجرد لعبة سنموت فيها اختناقاً، لكزني بعضهم، وأشار بعض آخر عليّ بالصمت حتى أخرج، فكلامي هذا إهانة للحمام وحاكم المدينة، وهذا ما لا يحمد عقباه هنا، فصمتُ خوفاً على نفسي. حتى دار الحشد في أرجاء الحمام، مكتفين برذاذ ماء على الرؤوس وصابون مطحون انتشر عطره فقط في فضاء الحمام الخانق. ثم خرجت الحشود من بوابة الحمام وقد كانت رائحة العرق من أبدانهم النتنة تفوح أشد من أول الأمر قبل دخولهم. بعد أن خرجنا استنشقت الهواء بقوة بعد انقطاع النفس، مع نوبة سعال وغثيان شديدين. ثم اقتحم أذني الصوت ذاته عبر المكبر هاتفاً أثناء خروج الجهور (بوركتم أيها الصالحون.. هنيئاً لكم هذه النظافة.. هنيئاً هنيئاً.. نراكم في الأسبوع المقبل). وأقبل بعضهم على بعض يتباركون (نعيماً.. نعيماً)، ثم تفرقوا في الدروب..!.

منذ ذلك الوقت، وحتى بعد مغادرتي المدينة، وأنا تائبٌ من ارتياد الحمامات العموميّة..

***

أنمار رحمة الله

 

مامون احمد مصطفىأحقا يبكي الرجال؟

وهل يبكي الرجال إلا الرجال؟ وهل ترحل الأوطان من مسافات الزمن إلا حين تهمي دموع الرجال؟ وهل تنسكب البراكين من عيون غير عيون الرجال حين تستسلم للدموع والبكاء؟

 

للموت مذاق آخر، لا يشبه مذاق الموت القادم من ملك اصطفاه الله – جل شأنه – لانتزاع الروح من جسد يحن إليها وتحن إليه، هو موت في الروح المتحركة داخل جسد يسير على أرصفة الأيام، وطرقات الساعات، وزقاق الألم، لهذا الموت مذاق، يعرفه الرجال، حين تغيض رجولتهم، وتجف ذكورتهم، وحين تتراءى الأشياء المقتحمة مرايا الأرض والزيتون والدحنون والحناء، وحين تتساقط حبات الزنزلخت وتجف أعواد الحور؟

 

حين ذاك تنهض الأرض من مكانها، بطريقة تشبه الحلم وتخترق الوعي، لتقف قبالة الرجال، وتسألهم عن وجعها المخضب بالوجع، وعن ألمها المعتق بالألم، وعن عذابات الأغصان والبلابل والحساسين والعنادل، حين تنهض وتسألهم عن حيفا، مركز الكون وقبلة العشق المزروع بأوردة التاريخ والشمس والنور .

 

هل عرفتم موسى الخالص، ذاك الطود الممتد بخاصرة الوطن، كجذر السنديان، وكشعاع من نور يخرج من قبر شهيد، هل رأيتم كيف تسقط دموع الرجال والأبطال؟ هل وقف شعر جسدكم كما يقف شعر جسدي الآن وأنا اكتب عن دموع رجل تأبى البطولة والفحولة أن تحيا بعيدا عن ملامحه الغارقة بسمرة الأرض ورحيق الشهادة؟

 

موسى الخالص، صديق البندقية، صاحب قدم تهمس للأرض حين تخطو، فتهمس الأرض بأنها تعرف خفقات نعال رجالها، تشدوها لحنا للحرية، للفخار، وتنثرها عبقا وحبقا على جرح يمتد في خاصرة الوطن ليصل إلى السويداء .

 

موسى الخالص، البطل المولود من رحم الكون، من رحم الضياء والحياة والحب والعطاء، موسى الخارج من رحم البطولة والشجاعة إلى رحم الوطن الخافق بالعذاب والأنين .

 

عرفته حيفا، ويافا، عرفه تل الربيع، وأم خالد، أم الرشراش، وبيسان وعكا، عرفه وادي الحوارث، عرفه نتش الجبال وأغصان الشجر، عرفته الوديان والشواطئ والأقمار، حفظته الأرض عن ظهر قلب، تمرست به وتمرس بها .

 

عرفته القسطل وهو يودع عبد القادر الحسيني، ويودع الأبطال والشهداء، ليبقى ليوم محفوظ في ذاكرة الزمن، ليوم تساقطت فيه الدموع، على جرح مختزل في عمق مرارة الشيح والحنظل .

 

قالوا له، هاك ورقة بيضاء، حدد المبلغ الذي تريد، دون تردد أو خوف، اكتب الرقم ولا تحسب حساب الأصفار الممتدة على بياض الورقة، وان احتجت أوراق لتزدحم فيها الأرقام، لك الأمر وعلينا الطاعة .

لم تكونوا هناك، لم تشاهدوا عيني الرجل وهي تتهيأ للبكاء، لم تسمعوا خفقات روحه، ووجيب قلبه، ولم تحسوا بتحرك جذور الأرض بأعماقه المكسورة، لم تسمعوا هدير الموج، وصفير الرياح المنبعثة من سويدائه، لم تشاهدوا تساقط البراكين وانهيار الزلازل وتردم العواصف بقلبه المنقوع باللوعة والانكسار .

 

كانوا يتحدثون عن قطعة ارض صغيرة حول المسجد الأقصى، كانوا يتحدثون عن أمتار قليلة، وأرقام لا يحدها حد أو يوقفها حاجز .

 

وكان هو يستعد للبكاء، يقاوم بكل عزم الأرض التي عرفته، لكن العين المتحركة من سويداء القلب كانت تستعد للانفجار، عين من دمع لا يشبه الدمع، وماء لا يشبه الماء .

 

تشققت قنوات القلب، وبدأت مساحات الماء تتنامى، تتكثف .

 

قال لهم : نعم سأبيعكم ارضي، بشرط واحد، -المياه تتحرك في القلب – تستعد لترفض الماء من العين – عليكم، أن تأخذوا هذه الورقة، وتدوروا بها الكرة الأرضية، وتبحثوا عن كل عربي ومسلم، - المياه غطت القلب – بدأت تصعد نحو الأعلى – وتسألوه التنازل عن الوطن، اجمعوا تواقيع العرب والمسلمين، وانتظروا من في الأرحام، اليوم وغدا، - اشتد انفجار العين – تعالى هدير المياه وتعاظم – وحين تنتهون، - اقتربت الساعة – وانشقت غلال الحواجز - تفتت صخر القلب – وتصدع صوان السويداء – تهاوت قلاع الأرض – هي اللحظة – اللحظة التي ستصرخ فيها السماوات مستغيثة – هي لحظة لم يعرف التاريخ مثلها من قبل ومن بعد – وحين تحصلون على تواقيع العرب والمسلمين –

 

وانفجرت عين الماء – همت الدموع على وجنتي رجل – تناثرت السماء وتشظت، تمزقت الشظايا – وتفتت – دموع رجل جاس الدغل والليل والموج – دموع رجل تتنفس الأرض كلها من أنفاسه – دموع رجل تنحني لهامته قباب الأقصى وأسرجته –

 

بكى موسى الخالص، بكى من كان يهز رحم الموت وبؤرته بقلبه وعينه – بكى من كانت السهول والوديان تعرف همس خطواته – كعصفور جريح – كأسد منهوش – كنمر مبقور – كفهد عاجز – بكى موسى الخالص –

 

فبكت السماوات – سماء خلف سماء – وبكت الأكوان – وبكت البراكين – هل رأيتم بكاء البراكين؟ هل عرفتم دموع الزلازل؟ هل خبرتم دموع الرجال حين تهمي لتخمد نيران الأكوان – هل عرفتم كيف تغرق البحار والمحيطات والأنهار والوديان والآبار؟

 

بكى موسى – فبكينا – بكى موسى فبكى الوطن كله دفعة واحدة –

 

بكى ساعد البندقية – بكاء لا يشبه البكاء – زرع فينا حسرة العجز والكساح – حين وقفنا نتلمس دموعه المتفجرة من بؤرة القلب المكسور –

 

بكى موسى الخالص – هل تعرفون معنى أن يبكي موسى الخالص؟

 

أتدرون من هو موسى الخالص؟

وهل على الأرض ألما يشبه الم دموع موسى؟ وهل اشق على الأرض من دموع الرجال على الرجال؟

 

اندفعت كطوفان مخزن بالدموع - نحو القدس - نحو موسى – الذي بكى فأبكى البكاء وعذب العذاب – سالت عنه – اندفعت الثمه من كل جانب – كنت ابكي بشراهة الطوفان المتفجر – لمست يده – ويده الأخرى –

 

تأملت عينيه – كم من الدموع ستسكب أيها الرجل؟ كم من الدموع ستسكب؟ لتستطيع أن توصل للناس معنى أن يبكي الرجال أنفسهم – ومعنى أن يبكي الرجال الرجال؟

 

وحين خرجت من عنده – أدرت راسي لأراه وهو يمسك الدمع ليغرسه بالروح – لكن الروح لم تحتمل مرارة دمعه – فأرسلته فيضانا عارما – يخترق القلب ويمزق العين –

 

سألني الزيتون – أتبكي لبكاء موسى؟

نعم – ابكي البكاء – وادمع الدمع –

- هل أكلت من زيتي؟

- نعم

- هي دموع موسى

التقيت الموت على حاجز – سألني – أتبكي لبكاء موسى؟

نعم – ابكي لبكاء موسى –

هل عرفت كيف يبكي الرجال؟

- نعم عرفت

ستعرف ذلك فقط – حين تشاهد دموعي وهي تعصف وتبرق وترعد قهرا وكمدا من دموع موسى؟

- لفني الآن بردائك

- ليس قبل أن تقول للناس كيف يبكي الرجال

***

مأمون احمد مصطفى

فلسطين – مخيم طول كرم

النرويج – 1- 8- 2007

 

سعد جاسم* تعالَ

كي نرسمَ شجرةً

ونؤثثها باعشاشٍ دافئةٍ

ونزيّنها بطيورٍ ملوّنةٍ

ونُسمّيها : شجرةَ الغوايةِ

أَو شجرةَ الحكمة

ثم نرسمُ على واحدٍ من أَغصانِها

تفاحةً ناضجة

ونُسمّيها تفاحةَ حواء

تخليداً لإسمِ أُمِّنا الاولى

- حسناً ...

* إِبدأْ أَنتَ

ـ لا يَهُم ...ها أَنا أَرسمُ الشجرة

إِرسمي أَنتِ الطيورَ والاعشاش

إِياكِ أَنْ تنسي العيونَ والأَجنحة

* لالالا مستحيل

طيّبْ : إِرسمْ أَنتَ التفاحة

لاتنسَ أَنْ تجعلَها بالاحمرِ الناري

- لكِ ماتشتهين

 

* يااااااه يالها من شجرةٍ ساحرةْ

وأَروعُ مافيها هذهِ التفاحةُ الشهية

- عرفتُ أَنكِ ستقولينَ هذا

هاهاهاهاهاها أَيتها الأُنثى الماكرةْ

 

- مارأيُّكِ أَن نتركَها تتنفسُ هواءَ الطبيعة

حتى لاتجفَّ وربَّتما تموت ؟

* اممم

امممممممم

آآآآآآآآآآآآه

 

- ماذا بكِ ؟

ماالذي حصلَ لكِ؟

 

* آآآآآآه أنا جوعانةٌ حبيبي

فما هو رأيكَ أَنْ تقطفَ لي

هذهِ التفاحةَ الوحيدة ؟

- آسفٌ جداً حبيبتي

أُريدُكِ أَنتِ التي تقطعينَها

وأَنتِ التي تبدأينَ بقضمِها

لأَنني لاأُريدُ أَنْ أُكررَ

خطأَ أَبي الاول

وأُنفى بسببِ رغباتكِ

أَو من أَجلِ تفاحة

الى جحيمٍ آخر

***

سعد جاسم

30-10-2019

 

كريم الاسدينَضِرُ الضفافِ ورافدايَ معيني

                 منذُ ابتداعِ الكونِ والتكوينِ

والسرُ في الأسرارِ انيَّ سرُّها

                  اسطورتي شكٌ رقى ليقينِ

أِما سمعتَ بأنني أصلُ الدنى

                 والنورُ والماءُ المُسِرُّ لطينِ

والريحُ والأشجارُ في عليائها

              والسعفُ فوقَ التينِ والزيتونِ

صدِّقْ، فوهجُ الشمسِ بعضُ ملامحي

              وجنانُ دجلةَ والفراتِ جنوني

والبدرُ بدري كاملاً أو ناقصاً

                   والبارقاتُ تجلياتُ جبيني

أني أنا كونُ الحروفُ قراءةً

                  وكتابةً، هلّا دريتَ بكوني

أبنُ البحيراتِ التي خفقتْ لها

              في الغربِ أجنحةٌ بِلغزِ حنينِ

بيني وبينَ الحاسدينَ مسافةٌ

              جلَّ العبورُ بها على المسكينِ

           ***

شعر : كريم الأسدي

14 – 7 – 2019م - برلين

 

خالد الحليزمن ..!

شعبٌ حالمْ

يخنقه كابوسٌ دائمْ

قلبٌ حاقدْ

يرفدُ ما يكتبه ناقدْ

قلمٌ في حوزةِ إنسانٍ يكسرهُ

كتبٌ يملكها من لا يقرأها

تيجانٌ تتوارثها

أسرٌ

تملك ما لا يملكه أحدٌ

تعيا أجهزةُ الكشفِ أو الرصدِ

بتعداد مباذلها

زمنٌ اعمى لا يُبْصِرُ ما يُبْصِرَه أحدٌ

و على مرآة دمائي بشرٌ

لا يقربهم نورٌ أو مطرٌ

لا يعرفهم وردٌ أو شجرٌ

**

زمنٌ أعمى ومرايا عمياءْ

**

منديل

منديلٌ يغفو في جيبي ويُفيقْ

أغسله يومياً، وأجففهُ،.

أطويه برفقٍ وأعطّرهُ

ذات صباح نطّ من الجيب، يسائلني :

جفّفتَ الماءَ،

و لكن هل يُمكن أن تمحو ذاكرتي ..؟

لا تغضبْ من أسئلتي :

كمْ من دمعِ عيونِكَ قد كفكفتْ ..؟

كم من عَرِقٍ تفرزه قد أخفيتْ..؟

كم قطرات دمٍ يتدفّق قد جفّفتْ..؟

كم كنتَ تلوّحُ بي ..

حين تُودعُ أو تستقبلُ من أحببتْ ..؟

كمْ ..؟!

كمْ ..؟!

كمْ ..؟!

كمْ ..؟!

كمْ ..؟!

**

هربَ المنديلُ

لم يرغبْ أنْ يسمعَ أجوبتي

***

 

 

صحيفة المثقفمهداة الى الفنانة:

 عواطف نعيم


تنطفىء النجوم

حيث لا عين ترقب ضوءها

وتتابعه

خجلاً

تنطفىء النجوم

في وطني

بلا آهة اعجاب

بلا وله

ولا شغف

حيث الجار

لا يعرف جاره

وما تلد النساءُ

يظل مجهولاُ

حتى يبلغ أشدهُ

فيعثر في الطريق

يبكي

تقول الجارة

وهي تنفض وعثاءه

: ابن من هذا؟

حيث يظل النارنج مصلوبا

لا تجرؤ يدٌ على قطافه

من خلل الاسيجة الخرساء

حيث يلد الظلامُ ظلاماً

فترتكب الأخطاءُ

بالجملة والمفرد

ويظل صوت البلبل حبيساً

في قفص من زجاج

ونوافذ عمياء " بالبردات الثقيلة "

تطل على دروب من تجاهل

ويظل الشيوخ شيوخا

بأرصدة الموت

وتبقى الزوابع تعزف في فناجينها

لا من يطلق سراحها

والشباب مأسورون

لحقائب أحلام يقظتهم

 

من يجيب اسئلة المراهق

وقد صمّت الجدران آذانا

ومن يلمس جراح الروح

ببلاسم البرء

احذر أن تلمس غيمة

بلهاث الشوق

احذر أن ترقص لأمطار الصيف

احذر أن تغدوَ ضيف

فالأرض في بلدي

عادت بحرا من سكر

موبوء الطعم

والنخلات واقفة كأرامل بغير رؤوسْ

احذر أن تطلب كأساً

ناهيك عن بضع كؤوس

فالتاريخ لن يرصد حقبتك ال  المرتْ

مثل مذنبْ

واعمل لتصيد المستقبل

مثل فراشةْ

اجمع لهاث الجوعى

خلف رغيف

واصنع لافتة من ضوءْ

تدل الناس لخير طريق

أملاً

ان يصبح الوطن انساناً انسان

و" شرايع " دجلته تتوقد

سمكا

مسكوف

ومياه جداوله العطشى

تغدو كوثر

وجناحه مستلف من عنقاء

يصعد الوطن المذبوح

ليتربع غيوم الحب

ويرضع ملهوفاً ملهوفْ

من سحب الضوءْ

***

سمية العبيدي

2/2/2020

 

ذكرى لعيبيكنت صغيرة، لا تتجاوز أحلامي فضاء طفولتي، وعندما كبرت، ضاقت بي سماء وطني، حالي مثل حال آلاف العراقيين الذين تضيق بهم فسحة العيش الكريم، ليس بسبب جفاف ضرع دجلة والفرات، وليس بسبب يباب حقول البصرة وبساتينها، وليس بسبب نفاد حقول نفط الرميلة ومجنون، لا.. السبب أكبر وأقوى من أن نعي، ونفهم لماذا نترك أوطاننا، نترك التربة التي وارينا فيها أحباءنا وأصدقاءنا، وبعضا من أعضائنا التي بُترت رغمًا عنا.

كبرتُ، وأحلامي ما زالت طرية، ندية، ربما لأني لم أتناول سكاكر الحلوى وأنم بأمان، وربما لأني ولدت وفي يدي لعبة مسدس من البلاستيك، وربما لأن أول صوت طرق أذني دوي طائرة ونواح أمي على فقد أخي، أخي الذي قطعت جسده شظايا صاروخ معادٍ.

سافرتُ مع والديّ إلى الخليج، وكانت هذه المرة الأولى التي أغادر فيها أرض الوطن، وأيضًا المرة الأولى التي أركب فيها عباب البحر، حيث السفر على متن باخرة قديمة وكبيرة، خُيل لي أنها ستغرق وهي تجوب بحر الخليج العميق، أبحرت الباخرة من ميناء"أبو فلوس" في البصرة، إلى ميناء "جبل علي" في دبي، يومان والباخرة تتأرجح بين أمواج الخليج العملاقة، وكأنها مهد خشبي صغير يحمل قلوبنا الضعيفة، أرواحنا التي تنشد السلام.

أحيانا نستسلم، ونولج أنفسنا في مغامرة نتائجها أقسى من دمار الحروب التي تشوه ملامح أوطاننا.

لكننا نأمل الوصول إلى ضفة نتنفس على أرضها صفاء أفكارنا الداخلية؛ ضفة نتذوق عبرها معنى إنسانيتنا؛ ضفة حنونة "طينها حر" نرسم عليها آمالنا، رغم علمنا جيدا أن لاضفة تشبه ضفة "شط العرب"، تلك التي تركنا عليها آثارنا، ذات صباح.

أحسست أن مغامرة والدي كانت أشبه بالفرار من جلودنا، وما أصعب أن نتعرى من جلودنا!

حين وطأت قدماي أرض الخليج، اختنقت من رطوبتها، رائحة الغربة كانت تحاصرني في كل مكان، كنتُ يوميًا أغتسل بدموع أمي، أصبّح على ترنيمة الحنين للوطن والأهل والدار، بدلا من أغاني فيروز، وأنام على صوت أنينها وهي تتذكر أخي.

وجدنا الأمان في الخليج؛ لكننا فقدناه أكثر في داخلنا، وجدنا كل شيء جميلاً ومتاحاً؛ لكننا صرنا أصغر في أعيننا.

ما زال الضباب يغلف أيامي، كل شيء مبهم، افتراضي، فنحن الآن غرباء! لا نملك سوى جوازات سفر مختومة بتأشيرة زيارة، وصندوقا صغيرا فيه مصوغات أمي.

تركنا خلفنا ذلك "الكنتور" الذي كان يحمي هذا الصندوق، والدار التي كانت تضمنا، والمدينة التي كانت تحتضن دارنا، والوطن الذي ابتلع أبناءه، أرض وطني الحبلى بزهور النرجس، والنخل، وأطفال أيتام.

نهار دبق بكل شيء، ساكن فيه البحر، والشجر المهجّن، والنوارس الغافية على سطح "بحيرة خالد"، والوافدون المنغمسون بتوفير لقمة العيش، ذاك النهار نهضت على صراخ أمي وهي تطلب من أبي أن يعود بنا إلى البصرة:

- هل يعجبكَ أن أموت هنا؟ لا أتحمل هذه الغربة والوحدة، أشعر كأني سجينة في هذه الشقة الصغيرة.

- سنعود حين تهدأ الأوضاع.

- وإن لم تهدأ؟ ولن تهدأ، العراق ضاع، سرقه اللصوص.

- إن لم يرجع العراق كما كان فسنهاجر إلى دولة أخرى.

فركتُ عيني جيدا، ضغطت على أذني، أنصت إلى دقات قلبي وهي تخفق مرتبكة، متوجعة، متألمة: ما ذنبنا؟

ما قالته أمي ذلك اليوم نبوءة تحققت، وما فكر به أبي حدث أيضا، وضعتُ على قلبي اللجام، كممتُ فمي بالصمت، أسرجتُ أيامي بصهوة المجهول، ذاكرتي فقط غنية بصوت رنين الرطب وهو يتساقط على أرض جافة في شهر آب اللهّاب، ذاكرتي حبلى بشباب قُطع صيوان أذنهم، أو وُشم جبينهم، حبلى برائحة التراب حين يلامسه المطر، حبلى بصورة أم عاتي التي تجوب شوارع المدينة بحثًا عن عاتي الذي فُقد في معركة "ديزفول"، حبلى بطفولتي التي أشتاق إليها، بالنوم فوق سطح المنزل في ليالي الصيف، بقرص خبز حار، تخرجه والدتنا من التنور، مبتسمة وحبات العرق كأنها لؤلؤ مصفوف فوق جبينها، رائحة الخير تفوح منه، فنأكله آمنين.

لم نمكث في دبي طويلًا، غادرناها إلى كوبنهاجن، وهذه المرة لم أشعر بالغربة فحسب؛ بل تلبستني من قدمي حتى قلبي!

نزلنا في مطار كوبنهاجن، حيث كان بانتظارنا صديقٌ قديم لأبي، بعد الانتهاء من إجراءات ختم الجوازات واستلام الحقائب، توجهنا نحو باب الخروج من صالة القادمين، لنلتقي بالحاج "محمد" صديق الوالد، وكان معه ابنه "فهد " .

يا للدهشة!!

بعد دهر من الأوجاع ألتقي بالشاب الذي طالما أعجبت به! ألتقيه هنا، على أرض ليست أرضنا، وتحت سماء ليست مثل سمائنا، ألتقيه ونحن شبه مشرّدين، يا للوجع الذي يأبى أن يغادرنا!

- لم تتغيري، ما زلتِ جميلة.

بادرني بهذه الجملة وهو يقترب للتحية.

تعرقتُ رغم الثلج الذي كان يتساقط في الخارج، شعرتُ بدبيب روح وحياة وشيء من الأمل يسري في عروقي من جديد.

- شكرًا.

هذا كل ما استطعت أن أنطق به تلك اللحظة.

استضافنا الحاج محمد في بيته بضعة أيام، حتى نستطيع أن نرتب أوضاعنا في بلد المهجر الجديد.

لاحظت أن فهد لم يتواجد كثيرا، كان كثير الغياب، وإن حضر فحضوره لساعات معدودة، ثم يغادر.

كنتُ أمنّي النفس بأحلامي وذكرياتي، فهد كان حبيبي، أو ربما توهمت كما هي أحلام المراهقة التي تُجهض مع أول عاصفة.

لا، هو بالتأكيد حبيبي، وإلا لماذا ارتجف قلبي، وتعرّقت روحي حين رأيته من جديد؟!

حبّي له كان أشبه بسحابة، لم أمسك بها، أمطرت قليلا من فيروز الأحلام، ونشوة اللقاء، وكرز الأمنيات، ثم رحلتْ صوب العدم.

قررتُ أن أبادر حين يأتي لزيارتنا، نعم، لمَ لا أبادر وأطلب منه أن نجلس ونتحدث ونستعيد شريط الذكريات معًا؟ لعله يبوح بما لم يقله، لعلّي أرى وجودي في بريق عينيه.

وتساءلت: هل حبنا كان فرصة جاءت في زمن يخلو من الفرص السعيدة؟ ولم أنتظر الرد طويلا، فجميع الأشياء والأماكن كانت تشير إلى زاوية "نعم" التي سرعان ما تلاشت ملامحها مع نهايات مغلقة.

في اليوم التالي طُرق الباب، خفق قلبي بدقّات متسارعة، كان فهد..

دخل غرفة الجلوس وإلى جانبه امرأة شقراء، ممتلئة القوام:

- أعرفكم بزوجتي "ماندي"...

***

ذكرى لعيبي

 

2016/ كوبنهاجن- الدنمارك

 

 

نضال الحارما فاق من وجنتيك

تعدى يقيني بالغوايه

والتزامن بين بريق العيون

وبقايا أرومة هسيس الشفاه

يفوق التأمل

 

هذا أنا...

لم أعد أتذكرني

مذ رأيت عيونك

وهي تسترق الحب غورا بدمي

 

أتشهدك تجلياً

رافعا كفيَّ لسماء جبينك

لأرى الله...

 

مذ عرفتك ماعدت أعرفني

فارعُ صرت عريض المنكبين

واسع العينين لاأشبهني

 

مذ عرفتك

تأخر بحضن الفصول الربيع

فمن بين ثنايا شعرك

تفوح حقول الورود

والصخر بعضك ...قاحلة بالعند

ولأن الزمان أصطفاك لتكوني مشيئتي

سأختبئ بك

وأقولها بصوت داكن لايراه أحد

 

 يااااااااااااااااااااااااأاانتِ....ساعشقك

 حد الزفير الأخير

حد أقاصي دمع المآقي في المهج

حد مشارف الأناة

حد قهر عزائم الفرسان

حين يكون الفتح عصياً للطغاة

 

لعلهُ ذنبي

حين جشَّمت قلبك عنائي

أو كنتِ خطئي في صوابك

وليكن.....فلسوف.......

 

أشد نياطي بحبال ريحك

ولأقتفيك أن عزمتِ الرحيل

فياشاخصة على الرتاج

بتاجك الحجري مسنوناً حد النزيف

يامن أستعمرتي القلب

بسيوف فاتكه

أذهبي حيث شئتي

فأن نبضك عائد لي.......

***

نضال الحار

 

راضي المترفيالى ..

امرأه جهلت قدر نفسها وتجاهلت قدر الاخرين .

في اول زيارة لها سألها : تشكين من ماذا؟

قالت بألم ظاهر .. اشكو من نفور الرجال مني وكره النساء لي من دون وجود مبرر ظاهر وكثيرا ما راقبت سلوكي مع الجميع وسألت نفسي ولم اجد في داخلي عدوانية ضد احد وكل تصرفاتي طبيعية مما حول الامر الى لغز يعذبني وبالمقابل حاولت الانزواء والابتعاد عن الاخرين فلم افلح .

. هل اكتشفتي عيبا في نقسك؟

. نعم كنت مكابرة ولا اعترف بالحقيقة الا بعد فوات الاوان

. هذا فتح عظيم

. لم افهم .

. ليس مهما لكن اخبريني لماذا تكرهك النساء؟

. انا موظفة لا اعيل احدا وراتبي فوق المتوسط والبيت ملك ورثته عن امي وهذا الراتب يغطي سهراتي واثمان مشترياتي ونفقاتي الاخرى وارتبط بصداقات مع الكثير من الرجال lواحيانا اتصدق منه مما يجعلني بنظرهن مسرفة متمادية حد الاستهتار بنظرهن وقد تنحصر مشكلتي معهن بسبب صداقاتي المتعددة مع الرجال وانعدام صداقاتي لهن ومع كل هذا الكره منهن انا لا ابادلهن نفس الشعور ولو علمن ولو علمن معاناتي مع الليل والسرير الذي لايتسع لاكثر من شخص ربما ابدلن نظرة الحقد بنظرة اشفاق وعلمن ان كل هذا البذخ ومايسمنه (استهتار) هو بديل لا يعوض ولا يملأ فراغ وحدتي .

. لكن لماذا ينفر الرجال منك وانت غنية ولبقة وفيك مسحة بقايا جمال؟

. مشكلتي مع الرجال انهم ياتونني بلهفة ويعلنون الحب ويعرضون الزواج وانا اعلم في سريرتي انهم غير صادقون فاخبرهم بعنف احيانا وبلطف اخرى اني لا اؤمن بالحب ولا راغبة بالزواج وبعد ايام تتسرب الرتابة والملل ويولد النفور فيهربون ويوصمني بعضهم بأقذع الاوصاف ثم تقع القطيعة مع اتهام بعلاقتي مع اخر وهكذا تستمر حياتي معهم .

. انتهت جلسة هذا الاسبوع وفي القادم لنا جلسة اكثر عمقا .

. ان شاء الله

. تمددت على السرير (الشزلونك) وادار الطبيب جهاز التسجيل فتهادت موسيقى تحفز على البوح وسط اضاءة موحية بالتفرد فسالها الطبيب ..

. تكلمتي عن كثرة من احبوك لكنك لم تذكري في الجلسة السابقة من أحببتي منهم؟

. بعد نضجي وتجارب مبتورة حببت اثنان ، فقدت الاول بسبب الكبرياء الموهوم والطيش والعناد وتمسك كل منا بموقف معين وعانيت بعده من فراغ في حياتي رغم من يحيطون بي ويتملقونني رغم نعتهم من الثاني بـ (اشباه الرجال) ولم اجد بينهم من يسد الفراغ الذي تركه في حياتي حتى ظهر الثاني وكان مثل بلسم لجراحي .. هادئ وقور واتفقنا على الصداقة التي استمرت عدة اشهر كان فيها يهتم بي كحبيبة ويحترمني كإنسانة لم يخدش حيائي ولم يجالس امرأة اخرى وكرس جل وقته لي وذات يوم ونحن راجعين من سهرة صارحني بحبه مع التأكيد على انه لا يفكر بالزواج بالمطلق فظهرت مكابرتي من جديد ورفضت حبه وطلبت ان نبقى اصدقاء فوافق وصمت وابتسم لي ابتسامة تنم عن عدم ثقته بطلبي ومعرفته التامة بحبي له ثم افترقنا ..

. نعم اكملي .

. بعد ذهابه غزت الافكار رأسي حتى تزاحمت ثم تلتها الاحلام حيث يجتمع الزوج والحبيب في شخص واحد واحلام الزواج والبيت والاطفال والتساوي مع النساء السعيدات واخذت وقتا طويلا وحاولت الاتصال به عدة مرات الا ان مكابرتي تمنعني بعدها بقليل اتصل هو ودار بيننا حديث طويل لكن ليس كأصدقاء وتواعدنا على لقاء في اليوم الثاني وهكذا سارت حياتنا وعرف المقربون قصة حبنا رغما عني بعدما اختصرت حياتنا على بعض ، كان غيار علي لدرجة اتضايق منها رغم فرحي بها في داخلي حيث كان يحبني بجنون وكانت مكابرتي ترتفع مناسيبها كل يوم خصوصا بعدما شعرت بأنه لايستطيع العيش من دوني مهما فعلت وكلما مرت سنة تصاعد طيشي ونزقي حتى تواعدنا ليلة على زيارة احد الاحياء القديمة في المدينة وعندما جاء صباح عرف اني واعدت شخصا اخر فثارت ثائرته لكنه قبل به على مضض وخرجنا وفي الطريق كنت اقترب بكلامي من الشخص الاخر لاثارة غيرته التي تشعرني بالزهو وكان هو يداري ثورته بصمته واثناء السير في احد الازقة كنت التقط الصور للشخص الاخر واتضاحك معه وهو يسير امامنا بعدة خطوات ثم شاهدت زقاقا داخليا صغيرا فطلبت من رفيقي الدخول فيه ولم يتردد وتركته لوحده بدون علم او استئذان وبعد ساعة التقينا مجددا فاسمعنا كلاما حادا من دون اساءة وطلب مني ان اتصل به بعد اشباع رغبتي بالتجوال مع الشخص الاخر ليوصلني الى بيتي وقتها ركبني العناد والمكابرة الى اقصى حد وتناسيت كل ما بيننا وعندما عاد بنا للبيت كنت الوذ بالصمت الذي اتعب اعصابه واتصل بي ليلا فلم ارد عليه لا في الهاتف ولا في الرسائل وكان هذا اخر عهدي به وبعد عدة ايام وصلتني منه رسالة ذكر فيها ان احد الاصدقاء اتصل به طالبا التوسط وطلب مني ان لا ادخل احدا بيننا ولم اره بعدها .

. اوقف الطبيب جهاز التسجيل واضاء المصباح العادي وطلب منها النزول عن السرير ثم اخرج شريط التسجيل ووضعه في حقيبتها وقال :

نعم انا طبيب نفساني ولي قدرة على علاج الكثير من الامراض لكن مرضك لاعلاج له عندي .. اخرجي ايتها الحمقاء ..

***

راضي المترفي

 الجمعة 31 كانون الثاني 2020  

 

 

عمار حميدحملتني بعيدا عن ضوضاء المدينة وانتشلتني من محنة الاغتراب المزمنة  لبعض الوقت، كنت اراها عن بعد مع شعور اللامبالاة ولكن حس الابتعاد عن المعتاد دفعني الى الاقتراب منها ثم الوقوف بجانبها مما منحني شعورا مختلفا تماما، تلك هي ضفة النهر حيث تنتهي حدود الجريان حينما يرسم النهر أطراف نهاياته بالاتفاق مع الشاطئ الطيني على الجانبان ليصنعا معا عالما مختلفا يُعزف فيه لحن ارتطام الموجة متناغما مع هسيس القصب فتعود الروح الى مهد السكون الذي يتعاظم على وقع هذا اللحن.

يتشاطر الجانبان (النهر والشاطئ) أدوات صنع هذه البقعة الساحرة، فالشاطئ الطيني قد أحتضن أعوادا وأشجارا مالت اغصانها نحو النهر مرسلة اوراقها المتساقطة ليحملها بعيدا على موجاته في انسلالٍ متواصل الى اللانهاية فيما البعض من اوراق الشجر ينتثر على الطين مغطيا آثار اقدام طيورٍ كثيرة كانت تقف امام الشاطئ، لقد ادركت هذه الطيور قبلي جمال التأمل امام النهر على الضفة عندما كنت اراها من البعيد تقف صامتة امام الأمواج فعلمت انها بذلك تحلّق مرتَّين،  مرةً في الأجواء بأجنحتها ومرة اخرى بروحها عند وقوفها قبالة الشاطئ.

ثمَّة اطلال قارب مهترئ يرقد فوق الحد الفاصل ما بين النهر وضفته،مطروح بين هذين الجانبين كلٌّ يترك فيه أثره، هناك نبتت سيقان الاعشاب على المقدمة المشققة بأثر الهواء والشمس والمغطاة بالطين وراحت الطحالب تنتشر على الخشب العطن  أثرَ الرطوبة المتواصلة على نهايته الغارقة فكان بذلك لوحة من لوحات الضفة واحد عناصر جمالها الأخرى، نسمات الهواء وانعكاس صورة الغيوم على النهر، جميعها تشكل ميِّزات مكان يقف حاجزا منيعا امام غول الشوارع المزدحمة وضوضاء المدينة ليوقظ ذاكرة الحنين الى اللحظات الطيبة وتأمل الوجود.

يمرُّ الوقت واترك ضفة النهر مذعناً عائدا نحو متاهات الأسفلت ووحوشها المعدنية بزعيق منبهاتها المتواصل لأتيه فيها بين غابات الأبنية الاسمنتية، لكن مكان الضفة يترك في القلب صوت العودة اليه مرحباً بي كلما ضاقت النفس وشعرت بالحاجة الى الارتواء من ظمأ الاغتراب.

***

عمار حميد مهدي

 

ناصر الثعالبيلكل شهداء الحرية والعدالة

تمر علينا كما الصبحُ توقظَ غفوتَنا

وترمي إلينا سلالاً من الدفء والعافيه

يداك ُتلَوٌحُ

– منذُ التقينا على ساحةِ المجدِ -

حذار... أن الطريق طويلُ

..وليس مفراً سوى القافله

تُقابلُنا

كأنك فينا تعيشُ

وليس لدينا سواك سخيا

وما زَرَعَ الموتُ فيك إنتهاءً

ولا شطَ منك الطريقُ

رأيتك في وجه أمي تُصافُحنا

وفي بسمةِ الطفلِ عند ألمساء

وتسأل هل كان يوم اللقاء سعيدا ً ؟

كأن السنين تزفك مبهورةً في اللقاء!

تمر علينا وفي كل يوم نمر عليك

تسامرنا

تبددُ أحزانَنا

فنزهرُ مثل الحياةِ

ومازال جرحك بين القلوب يعيش

كأنك لم ترتحلْ!

وإن دماءَك بين الجبالِ

وبين السهولِ

تدون مأثرةً للسلام

وبعضاً من الرفقةِ النادره

تساميتَ فوقَ الطغاةِ

وفوقَ جنونِ الحروبِ

وفوقَ المجازرِ..فوقَ المشانقِ

فوقَ الخيانةِ والإرتزاقِ

فكنت نبياً يوشمُ صدرَك سيلُ الرصاصِ

لتفتحَ للناسِ هذا الطريقَ

إذا ارتَدَتْ النخبةُ السائره

لك المجدُ في كل عامٍ تصيحُ الجياعُ

وفي كل يومٍ تُطاحُ القلاعُ

لك المجدُ في الهبة القادمه

***

ناصر الثعالبي

 

عبد الزهرة شباريقالتْ ونبراتِ حزنٍ بان من فيها

            أينكرُ الشعرَ حباً أدمى مشكاتي

هجيرُ شعرك أرداني مولَهَةٌ

         والناسُ في حَسَدٍ تهذي على ذاتي

فكَمْ أفقتُ على قيلٍ أراقَ دمي

       من حاسِدٍ قالَها في جمعِ جاراتي ما

قالَ صاحبَكُمْ بيتاً سمعنا بهِ

     يشدو بعينيكِ أو حالٍ لكمْ شاتي أهاتُ

شعرِكَ فوقَ القيلِ أكسبُهُ

      والشعرُ ينثَرُ عندَ الراح والآتي ماذا

أقولُ لجمعِ  كادَني سَفَهاً

      وأوصَدَ الباب في عينينِ مرأتي إنّي

أرى الشعرَ يثنيني على وَلَهٍ

      لكني أرغَبُ في إثباتْ آياتي فالشعرُ

رمزٌ وتتويجاً ومفخَرَةً

         بهِ تراني سأعلو فوقَ لداتي فقلتُ

والشوق يدنيني لها وَلَهاً

     ما فاضَ شدوي عليكِ الشعرَ ملهاتي

لأنكِ النبعَ في قاموسِ قافيتي

               وإنكِ الناي إنْ خانتني الاتي

           ***

عبد الزهرة الشباري

في البص17/5/2019مرة

 

 

حسين فاعور الساعديعميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يحملني من المنفى

....إلى منفى!

يجردني من الظلِّ

يحيّرني،

يكاشفني،

يؤكدُ لي

أنا من سلّمَ الذئبَ هذا الرمح والسيفا

أنا من سلم الذئبَ  سكيناً

ليذبحني.

ويذبح أخوتي الفقراءْ!

أنا من شدَّ ساعدَهُ

ليسرق قوتَ أطفالي

وبئرَ الماءْ!

ويحرمني طلوعَ الفجرِ

يرميني ...

إلى المجهول يرميني

وحين الريح والأشجار تشفعُ لي

أنصّب ثعلباً آخر

أقوّيهِ،

أناصرهُ وأحميهِ

ليذبحني ويرميني

ويذبح أخوتي الفقراء!

 

عميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يجذبني إليهِ

يُعرّيني لأسبح في غياهبهِ

ويرميني،

كلمحِ الضوءِ يحملني

لأسقط من براثنهِ

على خنجر!

لأمضي من بلاد الجوعِ

من موتٍ بلا معنى،

إلى موتٍ كيفما أمضي يلاقيني

ليبحث في شراييني

عن المدنِ التي حَبلتْ

ولم تنجبْ

وعن يمنٍ يُقطّعُهُ بني يعربْ

وسودانٍ غنيٍّ جائعٍ عَطِشٍ

يفتّشُ عن مياه النيل في سبأٍ وفي مأربْ!

مللتُ الموتَ يا بغدادْ

مللت الموت يا صنعاءْ

مللتُ الموتَ يا تونسْ

مللتُ الموتَ في وطنٍ لم يكن وطناً

تلاحقني مجازرُهُ

لأعبد ظلَّ كرسيٍّ

يضيّعني ولا يخجلْ

 

عميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يحجبُ وجهَ سفاحٍ

يربيني لأخدمهُ

ويبقيني لأحميهِ

يخوّفني بإرهابٍ،

لأعبدهُ

لينسيني حقولاً كنت أفلحها

وشمساً كنتُ أعشقها

ويحجب وجهكِ الأجمل

وأفقاً كنت أغمرُهُ بأحلامي

فيغمرني بنجماتٍ

وكرماً من الزيتون والتينِ.

لينسيني بلاداً كنت سيّدَها

وكانت زينة الدنيا،

فأخرَجَها من التاريخِ

سوّدَ وجه من رسموا معالمها

وشرّدهم

وبيّضَ وجهَ كذابٍ يشوهها!

تربّعَ فوقَ أكتافي

يلاطفني،

يجوّعني،

يخوّفني،

يدغدغ كل رغباتي

يمجّدُ كل أوصافي

لأبقى جائعاً حافي

ويبقى فوق أكتافي.

 

عميقٌ صمتُ هذا الليلِ

هذا الليلُ

يأخذني ليُخمدَ كلَّ أوجاعي

ويمحو كل آهاتي

لأنسى وجهَ مرتزقٍ يلاحقني،

وجلاداً يحاصرني،

وجندياً يراقبني،

يصوّبُ حقدَهُ نحوي ويرميني.

 

عميقٌ صمتُ هذا الليلِ

يكشفني على ذاتي

ويشعلُ نارَ وسواسٍ يذكّرني بزلاتي

وعاهاتي

ويرميني خارج الزمنِ

بلا ظلٍّ ولا أفُقٍ

ويحفظ وجهَ قنبلةٍ

وبعضَ قذائفٍ أودتْ بأبنائي وأخواتي

ويبقيني بين عاصمةٍ وعاصمةٍ بلا وطنِ

بلا أهلٍ ولا زادِ

يَعُضُّ البردُ أحشائي

وأخشى من طلوع الشمسِ

أحضنُ رملَ صحراءٍ تجوعني

وتحرقني ببترولٍ

فأهربُ من حقولِ اللوزِ والقمحِ !

نزيفُ الجرحِ أتعبني

وأضعفني

وأغرقني في جراح الروحِ من جرحٍ إلى جرحِ!

أصلي خلف شيخٍ

يملأ الكلماتِ بالبارودِ

باع الأرضَ والمسجدْ

ويحشو الجرحَ بالملحِ!

 

قشيبٌ ثوبُ هذا الليلِ

يكسوني

لأحصي بحرَ هفواتي

ويسترني

لأعبر في عواصمنا

ألملمُ جثتي وثيابَ زوجاتي

وأنسى واحة النخل التي ذُبحت

وحقل النفط والبئر التي سُرقتْ

لأنسى جامعاتٍ علمتني الجهلَ والفوضى

وأهلاً طيبين يقودهم جحشٌ

وسجناً

صُنتهُ

سيّجتهُ

ليكون لي بيتاً

لأنسى بحر زلاتي

وذلاً ظل يسكنني

ليأخذني إلى الغابات أسكنها

لأخفي بعض غاباتي

لتحضنني ثعالبها وتحميني!

 

أنا من شدَّ أزر دويلةِ العسكر

لتحرمني من الأحلامِ

تنهب قوت أطفالي وترميني

على خنجر!

أنا من أفقدَ الكلماتِ معناها

وصلى خلف شيخٍ حلل المنكر!

 

عميقٌ بحرُ هذا الليلِ

يحملني ويحملُ حاملات الموتِ

تقصفني بفسفورٍ

وتقتلني بأنغامٍ وموسيقى

تحاصرني

تشوّهُ روعةَ المنظر

 

عميق صمتُ هذا الليلُ من حولي

تغازلني ثعالبُهُ

وترثيني

تجدد نكبتي،

وتعيدُ لي المأساةَ...

تكشفني على ذاتي

فأخرج من شراييني

أمرُّ على عواصمنا

أعاين موقدي والنار التي خَمَدتْ

وأبحثُ عن عناويني

وأحلامي التي سُرقت!

 

عميقٌ صمتُ هذا الليلِ

لولا هذه الغربانِ

تنعبُ فوق أشلائي

تنقرُ لحم أطرافي

توزعه على المدن التي هُدمت

فتوقظُ بعضَ أحلامي

تواريني!

فأبكي كل أيامي

 

يدوس الكون من حولي

على طرفي!

على طرفي...

يدوس الكون من ضعفي

يمزّقني

ويدفعني لأحمي دولة العسكر

وأحرسها بأوجاعي!

 

على جلدي فهمت الدرسَ:

وسّعنا موانئنا

لتهجرنا حقولُ القمحِ!

كبّرنا جحافلنا...

لننسى القدسَ!

أو نمشي وراء النعشِ

زيينا حدائقنا لنحمي الجنسَ

أصبحنا كعصفور يظل

يلاعبُ الأفعى لتبلعهُ!

 

سأذكرُ ومضة الفسفورِ

مثل الجمرِ،

والنار التي تشوي شراييني

ولن أنسى وجه قناصٍ

وعينيه كلون البحرِ،

يرميني بواحدةٍ،

وبالأخرى يحييني

ولن أنسى ذئآباً أدمنت لحمي

أربيها وأطعمها لتأكلني

وأحميها لتؤذيني

 

عجيب أمر هذا الكونِ،

أحضنُهُ...

فيحضنني ويطعنني بسكينِ

أعانقُهُ يجوّعني

يحاصرني ويَبكيني

يداعبُ جثتي لينالَ من روحي!

فهمت الدرسَ يا ذئبَ:

هذي النفسُ قادتني

لتقوى أنتْ!

عبدت الله في شيخٍ...

لم أكن يوماً على ديني.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

 

سجال الركابييحدثُ أن

تُشرق الشمس

وقت الغروب...

تُزغردُ البراعم

في صمت السكون

يحدث أن

تتجسّد الأحلام في وهلةٍ خاطفة

تتشابك الأرواح

بلا اتساق ولا اتفاق

يحدث أن

يتراقص الفيروز مع الشُعَاع

تشفُّ الأفراح ريش بنفسج في جنح يمام

تبتعد الأرض

تهيم النجوم رذاذاً في سماء قمر

ويحدث ويحدث ... ... ...

ثُمَّ

تعود الأرض للدوران

للقطاف مواسم

كم ضاعت امنيات

في شروخ القيلولة

انكمشَ الشروق

فاضت الخيبات

لا رادّ لأماسي الخريف الطويلة

ها هي المرارة... جبل

لن يجمّله برق عَسَل

يخطفُ ... كلّما ...

أزِفَ الرحيل

الموتى لا يقومون مرّتين .......................

***

سجال الركابي

 

لالة مالكة العلويالجولة الأخيرة من القصيدة

الفكرة التي تضل أسرارها وتفسح الصدارة للمدح

وتجنح في الزمن الضائع جدا .. جدا

آمل أن أكون عند حسن ظني بي

فقد آليت على نفسي أن أغبط مجرى الأغنية التي فغرت فاها

قريبا من واشية تربصت بأحلامي

وتركتني معزولة عن غفلة مهدرة

الآن سبق السيف العذل ..

أقصيت الذاكرة من معاودة ترصيع نجمتي القادمة

بطيئا أفلح في أن يستبد بي الشعر

وأكون الغريبة في حديقة الانتظار ..

أرتق الغمام الساقط أمام الدواة

وأفرغ حزمة الظلال من على شاهقة اليأس ..

قديم هذا العبور إلى العزلة،

قديم هذا الفراغ المهشم، ..

قديم هذي الفتنة التي تنقض العهود وتستولي على أثر النرد

قديمة شتلات الحزن ..

وأقصى ما يفقد الماضي طفرته الجريئة

أن تكون مدركا خسارتك على يديه السديرتين

ثم تقطع الرجاء الأخير من النوم تحت قبلة مبهمة ..

أيها الغامض في لجتي ..

الوامق في رقاقة النجوى والهباء،

لا تقل شيئا غير ارتشاف مداي.

عناق سموق بارتفاع الوجدان ..

بانقطاع الأنفاس والطلول الغائرات

باحتواء قدسي شفيف ..

وارتطام قصيدة من قبيل ما تمسكه عطاياي  ..

***

لالة مالكة العلوي

شاعرة وباحثة مغربية

 

 

زكية خيرهم"النسخة المغربية"

تجهمت سماء المغرب فجأة عن فضيحة انفجرت كقنبلة، فتعبّأ الطقس بالكلام وتطايرت الشائعات المتناقضة التي انتشرت في فضاء الوطن. كما انفجرت براكين الغضب وتناثرت في القنوات الفضائية التي كانت تُحيك تفاصيل ليلى بحجم ضوء النجم. فانقسم رأي الشعب الى نصفين، أقوال وادعاءت متباينة، جداول بوح يُلهلب كالحريق. سبّ وقذف هنا وتحسُّرُ وحزن هناك. شياطين الأرض تُقدم أباريقها الملونة وليلى يَفِزّ قهرُ غاشم من عينيها، حتى الشبكة العنكبوتية لم تُقصّر في نشر خبر "ليلى والذئب" من المحيط الى الخليج. فأصبحت ليلى قضية الرّأي العام. وقامت قيامة العشراتِ من المنظمات الإنسانية ورجال القانون. الجميع يدافع عن وجع ليلى البريئة القاصرة، والتي هزّت قضيتها المغرب وزلزلته. العاصفة أثارت غضبَ الشعب وسرقت سكينته اللامعتادة. فوقف ينادي مناصرا ليلى، مُندّدا بفاطمة الزهراء زوجة المحامي التي تدافع عن عشها الزوجي، ومناديا بأعلى صوته المبحوح: ليلى "بنت الشعب" و" كلّنا ليلى". كثيرون نصّبوا أنفسهم حكّاما في قضيتها.. واختلّت لدى الناس القدرةُ على الإدراك فماتت عندهم حاسّةَ المعرفة، واختفى وهج الحقّ وأصبحت القيمُ تحتضر.. الخجل مات.. والحياء أيضا عُبِّق برائحة الموت، فبات المجتمع المغربي بين مؤيد ومعارض ، منتقد وشاتم ومعاتب، وفقد بوصلته وأصبح كلّ يغني على ليلاه. وكلّ يدلي برأيه وفكره على ذوقه وأهواءه. جَرحَ الليل ليلى وقضّ مضجعها داخل الزنزانة.. الناس نيام وهي السّاهرة المدجّجة بجراحاتها الدّامية.. والغيظُ يجيش بداخلها ويعوي من حرمانها لطفلتها الرضيعة التي بقيت مع جدتها المسنة، وتحجّر الحليب بصدرها فأصبحت كجسد بلا روح، باهتة معلقة دهشتها على جدران الزنزانة. كلمات آثمة تُدوي بداخلها، كاللهب تلسعها، كالجمر تحرق قلبها لِما تعرّضت إليه من زوجة عشيقها التي بسبب غيرتها نهجت أسلوبا لا إنسانيا وحيلة شيطانية لتستدرجها إلى المقهى حتى تنقض عليها الشرطة فانقلبت المعادلة واصبحت ليلى هي الذئب وكأنها ارهابية تهدد أمن المجتمع. والمحامي الجاني رجل القانون وزوج المحامية فاطمة الزهراء هو الحمل الوديع البريء المسكين الذي غُرّر به من شابة قاصرة !.. أصوات من الشعب تنادي:" بأي حق تدان المرأة بالزنى ويُترك الرجل المشارك في ذلك.. ؟ هل لأن الرجل لا يعاب حسب الأعراف والتقاليد البالية ؟ كيف لزوجة محامية وأم لأطفال تستعمل كل اسلتحتها القانونية واللاانسانية لإدانة ليلى والانتقام منها..؟ تخيلوا لو ابنة المحامية التي كانت لها علاقة مع رجل متزوج هل ستجزّ بها في السجن.. أم سترى كيف ستحلّ المشكلة وتعالجها؟ أين أمومة هذه المحامية فاطمة الزهراء وكيف طاوعها قلبها ان تبعد رضيعة عن أمّها؟ كيف لإمرأة قانون ترافع عن زوجها "الفحل" وتدافع عنه لتبرئته من الزنى والفاحشة التي أرغم عليها ليلى الذئبضد زوجها المصون الحمل الوديع ورجل القانون العفيف؟ الذي تحايلت عليه عائلة ليلى بخطبة ابنتهم له وقراءة الفاتحة. أحسّ الشعب "بالحكرة " (الاحتقار) مدينا المحامي محمد الذي تلاعب بمشاعر ليلى وزوجته المحامية فاطمة الزهراء التي بسبب شكواها اعتقلت ليلى. هنا ضاعت بوصلة الرأي العام في صراع بين العقل والعاطفة. أصبحت الزوجة صاحبة الحق ظالمة متعسفة "هيتشكوكية" وليلى الخاطفة لزوج فاطمة الزهراء ومخربة عشّها، أصبحت في نظر الشعب صاحبة حق. أصوات في الشوارع تنادي: " كلّنا ليلى وسنحميها من ظلم أناس يترافعون باسم القانون ولا يطبقونه. هكذا كانت الصورة السريالية لقضية ليلى والذئب. وأعربت الوزيرة بسيمة الحقاوي قائلة عندما يكون هناك حقّا يأتي اليوم الذي يُسَفّه فيه الباطل ويصبح مآله الى زوال.

على احدى الشاشات التلفزيونية ظهرت ليلى تروي حكايتها وخمار على رأسها وفي حضنها طفلتها الرضيعة تقول في انكسار وهزيمة: " لم أكن ولو للحظة أصدق أنه يوما سيخون العشرة ويغدر بي، خصوصا وأن العلاقة التي كانت بيننا مُقبلة على الزواج. اتصلت بي زوجته هاتفيا ، بدا صوتها كمظلومة تريد الطلاق من زوجها. قالت لنلتقي ونحل هذه المشكلة.. صدقتها . فرحُ يخالج ليلى، سيتطلّق منها ويتزوّجني" هرولَت مسرعة الى المقهى وفي طريقها اخبرت أختها أن تلحق بها كحالة احتراز من انقضاض الزوجة عليها ومن يدري فهي تعرف انها من استحوذت على زوجها المحامي صاحب الشان في المجتمع وانجبت منه حتى تعض عليه بالنواجد. وصلت ليلى الى المقهى والتقت بزوجة المحامي تنتظرها سلمت عليها وجلست. لم تمر خمس دقائق حتى داهمتهما الشرطة. نظرت إليها مستغربة مرعوبة: "ماذا يجري يا فاطمة الزهراء.. انا لم أفهم شيء!!!" أجابت الأخيرة: "ستذهبين الى الزنزانة حيث الجردان هناك تستقبلك بترحيب يليق بك. هكذا مآل من يقترب إلى عائلتي. لقد وعدتك بالسجن وها أنا أرسلك اليه.". نزلت دموع حسرة وندم على غنيمة لم تعد كذلك، وعن زوج الغفلة الذي طار في غفلة. اكملت حديثها في تحسر واستياء عن رجل عاشرها بالفاتحة. تخلى عنها فجأة ناكرا حتى طفلته الرضيعة. غابت آمالها كما الشموس الغارقة في البحر. كان ينظر إليها وهو بجانب زوجته بازدراء واحتقار ناكرا الأيام مزركشة الالوان التي قضاها معها. صراخ مدو ودموع كالشلال بسبب تراشق كلمات نابية وصواعقَ من قذف وسبّ ضاربة من غير رحمة ليلى..! هولُ الخوف والرّجفة تجتاحها.. أجيجُ من لهبِ الظلم يخنقها.. يشيط ويشتعل كالجمر..يتّقد ويلسعها: محمد انظر الي.... قل شيئا.. نكرتني.. خنتني.. نسيتني.. اين الأيام التي قضيناها سويا.. كانت زوجة المحامي تنظر اليها باستعلاء وغضب من انسان اقتحم حياتها غصبا كالفيروس وخرب علاقتها الزوجية. اقترب منها المحامي مشيرا إلى الخاتم بأصبعه وقال: انظري.. إن هذا خاتم زواجي لم ازله قط في حياتي. وجدت ليلى نفسها في ورطة كالسحر الذي انقلب على ساحره.. كانت المشتكية فأصبحت المشتكى عليه. أخذت الشرطة منها الهاتف ومنعوا عليها الاتصال الى اليوم التالي. تحطّمت أحلام ليلى ورقدت في أعماق روحها التي تفيض بالوجع.. لمصيرها الذي كان يمشي على الشوك ولم يشعر بوخزة ضمير. تعرفت ليلى على المحامي محمد ذات يوم وهي تجري في احدى أرصفة عين الدياب بالدار البيضاء. كان يتبعها بالسيارة إلى أن توقفت. نظر إليها بابتسامة: هل ممكن أن نتعرّف؟ صيد ثمين نزل من السّماء.. بادلته الأبتسامة ورقم هاتفها من غير تردّد. وأصبحا يتواصلا هاتفيا فترة من الزمن. لم تعرف أنه متزوج ولم يخبرها قط أنه كذلك. بعد أن علمت أن المحامي محمد متزوج وزوجته محامية وافقت على نفسها أن تظل في علاقتها بحجة ان محمد سيطلق زوجته. ولم تنتظر الطلاق المزعوم حتى تتزوج رسميا. قبلت بالخطوبة وقراءة الفاتحة التي لا تُشرّع الزواج لكنها تُشرّع النكاح. وبما أنّ ليلى ومحمد غير متوفّر لديهما الشروط القانونية، وكانت قاصر وحضرته متزوج سلفا حينها كانت الفاتحة الحلّ الوحيد الذي يفتح لهما باب غرفة النوم ويقيهم من شرّ حراس العقيدة من اتهامهم بالزنى. هكذا أقيمت الخطبة بحضور والدي ليلى واخوتها في غياب والدي محمد بحجة أنّ والدتَه في الحج ووالده مقعد واخته في الصين وأخوه في الهند. فما كان على عائلة ليلى البريئة كابنتهم إلا استعجال البر بالفاتحة وقبول هذا الرباط العرفي. سكنت ليلى مع محمد في مدينة برشيد وبعدما أحست أنها تعيش معه عشيقة. اصبحت تلح على الزواج وهو يتماطل بأعذار واهية، وكانت تقنع نفسها بأنها زوج محام ورجل قانون سيوفر لها حياة كريمة تليق بها. بعد مرور عامين من علاقتهما حصلت طامّة نزلت عليها كالقضاء والقدر فجاحت بعقلها. انتشرت صورها الحميمية مع محمد في الشبكة العنكبوتية وهي في جلسات شبه عارية. ندبت حظها العاثر مع رجل احبته وكانت تلتقط معه صورا للذكرى ولكي تكون سلاحا في يوم قد تُنعت بالفاحشة.. لم تكن تعرف أن محمد كان يقضي أوقاتا معها كأي رجل يتحايل على أي فتاة يشتهيها يخبرها بأزماته الزوجيه وينسج لها حكايات وقصصا عن تذمره من زوجته فليست ليلى الاولى التي قبلت بهذا الوضع.. حكايات كثيرة ومتكررة لليلى والذئب في الوطن.. منهن من تقبل على نفسها عشيقة وأخرى تشرّع نكاحها بالفاتحة.... وأخرى تقول أقبل أن اكون زوجة ثانية أو حتى عاشرة ومسلسل للا منانة المشهور قد تحدث عن هكذا زواج.. لم يعد هناك اعذار لأمثال ليلى.. فعالم االشبكة العنكبوتية أصبحت تنوّر حتى أجهل الجاهلين عن الحياة والعالم.... ليلى تقضم وجعها وتنظر مصدومة الى صورها المفضوحة معه والى صورة كانت ترتدي فيها بدلة المحاماة فتذكرت حين قال لها " حبيبتي.. غاليتي.. سأساعدك على الدراسة حتى تصبحين محامية مثلي وهي مصدقة كلامه او تحاول ان تصدق. وفي احلام اليقظة وجدت نفسها تترافع داخل المحكمة عن حقها الذي سُلب.. عن حبّها المزعوم.. عن زواج فاتحة أم نزوة عابرة.. عن محام أراد أن يقضي وقتا فتورّط.. عن تعارف وفراق سريع.... عن نعتها بعاهرة.... عن آلاف من الفتيات والنساء يقبلن أن يكنّ زوجات ثانيات أوعشيقات المهم أن تكون الواحدة منهن تحت ظل رجل.. عن فتيات الملاجئ حين يبلغن سن الرشد يُلزم عليهن الخروح من الملجأ الى الشارع ليصادفن محمدا وأشباهه اويصادفن تلك النساء التي تتاجرن بهن في المخدرات او الدعارة.. عن كل فتاة قضت ليلة حمراء مع رجل وأنجبت منه روحا بريئة.. عن علاقات الزنى المشرعة بالفاتحة.. عن رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائية بين الراشدين.. وعن الخيانة الزوجية.. عن عائلة وافقت ببيع ابنتها من اجل المركز والمال وهم متأكدون أن حضور رجل بدون عائلته لخطبة ابنتهم مسألة فيها نظر. الكلّ نسي الجرح العميق الذي خلّفته عناصر هذه الحكاية. الضحية الحقيقية التي انبثقت وسط هذه المعمعة.. روحا أضيفت لهذا المجتمع. من هي: هل هي تلك المتشردة المتسولة في الشوارع.. أو تلك المحتالة السارقة للحقائب.. أو تلك المجرمة أو احدى افراد عصابة.. أو تلك التي تترك كل شيء وراءها وتقطع البحار بحثا عن أمان في أرض أخرى.. أو تلك الانتحارية باسم الله والله اكبر.. أو بائعة الهوى أو تلك الراقصة الليلية في البارات أو تلك التي تذهب للخدمة المنزلية في احدى دول البترول وتُعامل ملك يمين لرب الاسرة وابناءه.. كم رضيعة كانت ضحية المجتمع والقانون وكم من ليليى تملأ شوارع المغرب وكم من ذئاب لا تزال تحوم ولا يعاقبهم القانون.

***

زكية خيرهم

 

      

باسم الحسناويعناقاً للنِّساءِ معَ الرِّجالِ

                     وظلاً في حديقةِ بُرْتُقالِ

رسَمْتُ الصّورةَ المُثْلى لِشِعْري

                فأثْنى العاشقونَ على خَيالي

وقلْتُ أريدُ عاشقةً لنَفْسي

                  من الإمْكانِ أقْرَبَ للمحالِ

إذا قبَّلْتُها نادَت فزدْني

              اشتعالاً ثمَّ كُنْ وسْطَ اشتعالي

هناكَ الجَمْرُ تَرْفَعُهُ نجوماً

                    وتبْزَغُ بيْنَها مثْلَ الهِلالِ

ترى الدُّنْيا بأجْمَعِها سَراباً

                     حفيّاً بالنَّسيبِ وبالجَمالِ

تشعُّ على الحَضيضِ وأنْتَ أدْرى

                  بأنَّ الزَّهْوَ من حظِّ الجِبالِ

لهذا إذْ أَقولُ الشِّعْرَ أنْسى

                     بلاغتَهُ وأكْتُبُ بارْتِجالِ

كأنِّي حينَ أرْتَجزُ القَوافي

             سللْتُ السَّيْفَ من غمْدِ انفعالي

وبارزْتُ الألى غبَروا جميعاً

                من الفرْسانِ في هذا النِّزالِ

دعوْتُ كذاكَ مَنْ قدْ جايَلوني

                لأصْرَعَهم جميعاً في القتالِ

تمنّى النّاسُ لكن دونَ جَدْوى

                  بأنْ يوماً أصيرُ إلى زَوالِ

فلو قد زلْتُ تبْحَثُ عن جوابٍ

                  فينقلبُ الجَوابُ إلى سُؤالِ

وإلا لو غدا جسدي هباءً

                    فإنِّي في الحقيقةِ لا أبالي

فأشْكُرُ كُلَّ سَيْفٍ شَقَّ لَحْمي

                     وأخْشَعُ للنبالِ وللنِّصالِ

                 ***

رأسي فوق رمح

إنِّي على وجَلٍ أقبِّلُ خدَّهُ

                  من أنْ أحسَّ بنبضِهِ فأشدَّهُ

فأقول عفوَكَ يا إلهي إنَّني

               أصبحتُ لا كفراً بدينِكَ عبدَهُ

صلَّيتُ فرضَ الحبِّ بالدَّمِ بعدَها

                   صلَّيتُ نافلةَ السَّبايا عندَهُ

ورفعتُ رأسي فوق رمحِ شهادَتي

                  لا أبتَغي إلا رضاهُ وحمْدَهُ

لا مجدَ في الدنيا أراهُ شاهقاً

                حتى سماءِ الروحِ إلا مجْدَهُ

كانت حياةُ الكونِ قبلَ مجيئه

              عبثاً وعادت دونَ معنى بعْدَهُ

إنِّي لأخلعُ كي أكونَ شبيهَهُ

            جلدي وألبسُ في المحافلِ جلْدَهُ

الوعدُ كافٍ بالعناقِ مجدَّداً

               إني أصدِّقُ أنْ سينجزُ وعْدَهُ

           ***

النَّهْر

لقد كانَ لي نهرٌ فمن قتَلَ النهرا

      فصارَ دمي الماءَ الذي ملأَ المَجْرى

ولا شكَّ كانَ النَّهرُ إبني ووالدي

            فإذ كانَ إبني كانَ يمنحُني البِرّا

وإذ كانَ لي فرْطَ العَواطفِ والداً

               تسلَّقتُهُ حتى يدي نالَتِ البَدْرا

فحدَّثتُهُ عن ذاتِ حبٍّ ذكرتُهُ

       بشعري فقالَ الليلُ ما أعظمَ الشِّعْرا

وطالبَني أنْ أكتبَ الشِّعْرَ هكذا

               بلا لغَةٍ إلا بأنْ أكْتُبَ الجَمْرا

وفعلاً كتبْتُ الجَمْرَ لكن بأضلعي

      وقلتُ لشطْرِ الجَمْرِ لا تلْعَنِ الشَّطْرا

وعاندْتُ نَفْسي كلَّما النَّفْسُ أوشَكَت

            تحلِّقُ في أجْواءِ عاطفَتي طَيرا

أنا الآنَ مرتَدٌّ عن الدِّينِ ربَّما

                ولكنَّني واللهِ لم أختَرِ الكُفْرا

كفرْتُ بهِ لما تأكَّدتُ أنَّهُ

          أشاحَ عن الإنْسانِ واكتنزَ الغَدْرا

           ***

باسم الحسناوي

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: روجر روبنسن:

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


وإذا تكلمتُ عن الفردوس

فإنني أتكلم عن جـَدّتي

التي أخبرتني ان احمله

معي دائما، مخفيا

كي لا يعرف به احد غيري.

بتلك الطريقة لا يستطيعون سرقته، هكذا كانت تقول.

واذا اشتدت ضغوط الحياة عليك،

تلمس تضاريسه في جيبك،

استنشق عطره الصنوبري على منديلك،

ترنم بنشيده همسا.

وان زادت همومك وأصبحت يومية،

فادخل في غرفة خالية—لتكن في فندق،

او نزل او كوخ—جد مصباحا

وافرغ فردوسك على طاولة:

رمالك البيضاء وتلالك الخضراء وأسماكك الطازجة.

أضئ المصباح عليه مثل أمل الصباح الجديد،

وواصل التحديق به حتى تغفو.

 

.................

روجر روبنسن: شاعر وموسيقي بريطاني ترينيدادي من مواليد لندن ويعد واحدا من أهم شعراء وموسيقيي ومؤدي حركتي الكلمة المنطوقة (Spoken Word) وموسيقى الدَب (Dub Music) في بريطانيا. فازت أعماله بجوائز عديدة آخرها جائزة ت. س. اليوت لعام 2019 على مجموعته الأخيرة المعنونة (فردوس محمول) التي نترجم قصيدة عنوانها هنا.