ريكان ابراهيمزعيمي على الرَّغْمِ مِنِّي

لماذا حَفرْتَ بنفسِكَ لحدكْ؟

لماذا تركتَكَ وَحْدَكْ؟

أهذت لأنّك تُؤمِنُ أنَّ المصيرَ

-وإنْ طال- يبقى تُراباً وَدودْ

صديقي...

أنا لا أَسبُّكَ أو أمدحُكْ

ولا أدمُلُ الجُرْحَ أو أجرحُكْ

ولكنني واقفٌ بين هذا وذاكْ

بعيداً عن الصيدِ والصائدينَ ورَمْيِ

الشِباكْ

لماذا تخلَّيتَ عنك؟

أما كنتَ تَعلمُ أنَّكَ منكَ؟

وأنَّكَ كنتَ تُحِبَّ أنا(كْ)؟

***

أنا يا صديقي اللَّدودَ

أُحِبُّ اقتحامَ دُجى الليلِ لكنّني لاأُحِبُّ

اللصوصْ

أُحِبُّ النصوصَ ولكنّني لا أُحِبُّ

الشخوصْ

أُحِبُّ البِحارَ وأكرهُ فيها المرافئْ

وأبقى أُفرِّقُ بين الرجال(على طُهْرِها)

والمبادئْ

وأنتَ، لأنّكَ فيها اسمُ فاعِلْ،

بقيتَ وحيداً تُقاتِلْ

وكنتَ أقلَّ اكتمالاً، وأوْهنَ عظماً

وهذا مصيرُ الذي يُدرِكُ الضَّعْفَ لكنهُ

قد يُجامِلْ

***

صديقي اللَّدودْ

جميلٌ إذا المرءُ عاش المُقرَّرَ من عُمْرهِ

قِطْعةً واحدةْ

وأجملُ منه الدي لا يُغادِرُ لوْنَ اللباسِ،

وشكْلَ المنامِ، ونوعَ الطعامِ

على المائدةْ

ويصدُقُ هذا على الكُلِّ إلّا

السياسيْ

لأنَّ السياسةَ تعني اختلافَ العواطِفْ

وتعني المزاجَ الذي يتبدَّلُ عند

المواقِفْ

وأنتَ، لأنَّكَ لسْتَ سياسيْ

ولا خاضعاً للقياسِ

بقيتَ وحيداً على حالةٍ واحدةْ

وأوردتَ غيركَ هذا المصيرَ

بلا فائدةْ

***

صديقي اللَّدودْ...

أنا كنتُ مثلَكَ أهوى الكراسي

وأحسِدُ كُلَّ سياسي

عليها، ولكنَّ نجّارَها قالَ لي إنّها

من رديءِ الخشَبْ

وأنَّ مصيرَ الذي يمتطيها التعَبْ

فغادرتُها من زمانٍ بلا دَوِخةِ رأسٍ

ودونَ مآسي

***

صديقي اللَّدود...

لأنّكَ كنتَ ءجاعاً كبيراً

ولستَ سياسي

تذكّرْ بأنَّ السياسةَ بيتٌ

قديمُ السِّياجْ

بهِ بابُهُ مدخل للديوكِ

وشُبّاكُهُ مخرَجٌ للدجاجْ

***

صديقي اللَّدودْ...

أتدري، لأنَّك كنتَ شُجاعْ

تركتَ السفينةَ تمضي بدون شراعْ

لأنَّ الشُّجاعَ مُغامِرْ

وأنَّ المُغامِرَ ثائِرْ

نعمْ كُلُّ هذا صحيحٌ ولكنْ بدونِ

فوائِدْ

لأنَّ الشُّجاعَ كبيرٌ ولكنَّهُ ليسَ

قائِدْ

***

صديقي اللَّدودْ...

لقد كنتَ تغضَبُ حين نَسبُّ

السياسي

وتغضَبُ حين نسبُّ الجموعَ التي

صَفّقت للكراسي

وأنساكَ جهلُك أو رُبّما

براءةُ ظَنِّكَ أنَّ العَرَبْ

تُحِبُّ السيوفَ التي من خشَبْ

وتهوى الإلهَ الذي من ذهَبْ

وأنَّ الجُموعَ التي أسْلَمتْ

قديماً قد استسْلَمتْ

وأنَّ التي وعدَتْ أوعدَتْ

أغرَّكَ أنَّك تمشي فنمشي وراءَكْ

لماذا تصوَّرتنا أصدقاءَكْ

أتدري لماذا؟

لأنّك كنتَ شجاعاً

وحينَ مشيتَ نسيتَ ذكاءَكْ

؟

للشاعر د. ريكان إبراهيم

 

جميل حسين الساعديلو قلتِ لِـــي  يومــــا ً كرهتُك َ ربّما   

                         أنســـــى هواك ِ وأستردُّ صفـــــــائي

هيَ كلمة ٌ لو قلتِــها ليَ مــــــــرة ً

                          لأرحتِنــــي مــــن حيْرتــي وعنائـي

إن كنْت ِ بالمالِ الوفيــرِ ثريّـــــة ً

                            فأنــــــــا الثــــريُّ بفنّيَ المعطــــاءِ

الحبُّ عندي غايـــــةٌ فــي ذاتــه ِ

                            لا سلّـــمٌ للمجـــــدِ والإثـــــــــــراءِ

إنْ كان َ يُغْري المالُ غيْري إنني

                            بطبائعــــــي أقوى مـــن الإغــراءِ

أنا لا أريدُ بأنْ أكـــونَ مقامـــراً

                           بالحبِّ مثــــــــــلَ  بقيّــةِ الأشيـــــاءِ

الحبُّ عندي كالهـواءِ ضرورةٌ

                           هــلْ أستطيعُ العيشَ دونَ هـــــــواءِ

أنــا لمْ أكـــُنْ ذا نزوةٍ اوْ عابثـا  

                           متعطّشـــــــاً لشفاهـــــكِ الحمـــراءِ

إني حســبتُكِ كائناٌ متطهّـــــراً

                                بالحبِّ يعلو فوقَ كــلِّ سمـــــاءِ

أنا واحدٌ في فطرتي ومشاعري

                                  ما كنتُ منشـــطراً إلـى أجزاءِ

لمْ تفهمينــي والمشاعرُ تغتـــلي

                               فأحسُّهـــأ كالنار فــــي أحشائــي

لمْ تفهمي حتّى جراحاتي التـي

                                  أخفيتُهــــا زمناً عـن الأضواءِ

لمْ تدركي دنيا المشاعرِ مرّةً

                                   لمْ تبحري في عالمِ الشعــراءِ

فبقيتِ في دنيا الكلامِ أسيــرةً

                                  وأعدتِ لـيْ الكلماتِ  كالببغاءِ

أنا إنْ رحلتُ غداً ستفتقدينني

                                   وتتابعيـــنَ بلهــفةٍ أنبـــــــائي

سترينَ وجهي في خيالكِ ماثلاً

                                   وتظلُّ فيكِ مرنّةً أصدائــــــي

أنا قدْ وهبْتُ لكِ الولاءَ جميعَهُ 

                                 والحبَّ واستغنيتُ عن خيـلائي

 لكنني أدركْتُ يومـاَ اننــــــي

                                عوقبْتُ في حبّي وصدْقِ ولائي

كم من لقــاءٍ قد صدمْتِ مشاعري

                                  فيــــهِ فعُدْتُ بحسرةِ الغـــرباءِ

الشكُّ يعصفُ بي أأنتِ حبيبتي؟

                              ــ فلتفصحي ــ أمْ أنتِ من أعدائي

انا لستُ أستجديكِ حُبّاً فامنحي

                               قولي ولو شيئاً مـــن الإصغــــاءِ

هــــيَ كلْمــةٌ سأقولها فلتسمعــي

                                إنّي أُريــدُ نهايــةً لشقــــــــائــي

لَعِبُ الصغـــارِ مللتُهُ ومللْتُ مِنْ

                                  هـذا التبجّــحِ والغرورِ إزائـي

قولي.. أجيبينــي فلستُ بغاضبٍ

                                 حتّـــى ولو بالغتِ فـــي إيذائي

قولي.. كرهتُكَ .. ربّما إنْ قلتِهـــــا

                                  سيكونُ فيها مِنْ هواكِ شفائــي

 أنا لا أخافُ اليأْسَ وهْوَ مـرارةٌ

                                   فَلَكَمْ أتـــى بالنفْعِ مُـــــرُّ دواءِ

اليأسُ أفضلُ حيْنَ ينْتحرُ الهوى

                                  في فجرِهِ من ألفِ ألفِ رَجــاءِ

                             ***

جميل حسيـن الساعدي

 

صحيفة المثقفأحب أخطاءكِ

تلك التي تحدثيني عنها وتخجلين

تصفينها بأنها

معراج وهاوية

تبنيكِ أو تهدمك

تسقيك أو تذهب بك الريح الباردة

كعصف أو ريحان

منذ عهد الخصوبة الأولى

الارتعاشة الأولى

والنسيان الأول

منذ أن كان المطر يثقب بيتك

فرحنا نلعب بالطين

ونغتسل معًا تحت المزاريب

نردد أغانٍ حفظناها

نتبلل ونكرر أخطاءنا

إلى تنهيدة العناد هذه

واحتراق السنابل

مرت فصول الحياة

مرَّ اليأس وعبرت السعادة

وبقيت بينهما الذاكرة واقفة

كوميض يختفي سريعًا

.

.

أشم خجلك

التصق بك

وأرمي برأسي على صدرك

وأحلم..

في تلك القيلولة

تحت شجرة النبق ينام أبي

مغمضة عيناه ولكنه يراني

تنطق كلماته في كلماتي

مثل قبلة تطير وتخفق

أخطائي ترفعني وتهوي بي

أسلم رأسي للوسادة

لملاذي الوحيد

الوسادة صديقتي

بقع الألم

رغبات قديمة ومغمورة

عناق جسدك

زفير نقي

وكلام ينساب بشكل جميل أحيانًا

نضحك كي لا نبكي!

نبكي كي لا نضحك

أخطاؤنا تفرحنا وتبكينا

تمر كدعابة أو كبالون ينفجر

مثل عيد حزين

توزع فيه الحلوى والهبات والنذور

..

بلقيس الملحم

 

صالح البياتيذئب يوسف

لم يقتل

لم يكذب

برئ من دمه، لم يُذنِبْ

اخوته..

أليسوا ابناء نبي أب!

لِمَ استذأبوا 

وتأنسن الذئب

لِمَ  كذبوا

وصدق الذئب!

الم يتدنسوا

وتقدس الذئب

الم يطرحوه أرضا في الجب

مضوا تصطفق نعالهم 

بطرق آخرى وتنكبوا الدرب

الذئب انبل منهم: ما كان ابوه نبي

لا يحمل اسماءً غير اسمه

لا يتشبه مثلا، بحمل وديع، او مسكين أرنب

او يتسمى زيفا بأسماء عَبيد الله، او أيديه التي تبطش او تضرب

او خدام بيوته، وسدنة المعبد

الاسم الأعظم، لو انكشف سره

لسرقه الانسان

وصار هو الرب

2

استأنس يوسف ليلا، حين عوى الذئب

واستوحش حين استذكر ترانيم ادعية فتعذب

من يقرع ليوسف تلك اللحظة أجراس الفرح؟

فيوقظ  ليلا أغراه النوم بسرير يعقوب

من يقرع نواقيس الحب بأرض الله 

ويرفع آذان سلام ملتبس بصيحات الحرب؟

من يوقظ ناطور البستان من النوم، فلا تُسرق عناقيد الكرمة

في الليل، ولا يُبـَرئُ الجاني او يهرب.

      

3

جاؤا اسيادهم عشاءً، يضجون

ركعوا ، جثموا ، قبَّلوا الأيادي والقدمين

احرقرا بخور الجاوي وعود الصندل الثمين

فتقذت القذارة، من مآقي العيون

بصبصوا بأذيالهم المعقوفة دوما، جهة الأفق الغربي

اقتحم الروم الليلة، المدينة العريقة المدورة

فاّ ُطفئت حزنا انوار المدينة المنورة.

 4

لم يكن سوى صوت عويل الريح، تنتحب

لم تشبع او تغني روحا أثقلها حزن في القلب.

هل يخفي ضوء الفجر الصادق، سواد عيون ابناء الجلدة؟

او يستر الليل الوحشي، بياض عورات الأعداء، تحت عباءته

يبتلع الليل نفايات نهار ابلج، يتقيؤها أفاع سوداء 

نأت المسافات، وتلاشت وشائج القربى

في أقصى العدوة نصبوا هناك خيام الشَعـر

يا لقساوتهم، يا لغباوتهم، هم عدو اشر

ألم يسمعوا وجيب قلبه المضطرب 

يخفق كطير مقطوع النحر 

 **

 5

ما قص يوسف لأحد قصته

 ما امتحن أحد  محنته

في الجب الأظلم تركوه

مقصيا يوسف نبذوه

ما كان مكانا عنهم يدنيه

ما كان زمانا عنهم ينسيه  

الزمن افرخ ازمنة

فطوى اجنحته وارتحل

وبعد كان وما كان

حط اخيرا في بغدان.

  6

الأخوة في ذروة النصر سكارى

الأكبر بخمر الخبث توارى

اصواتهم شوك العوسج، جرحت طيور السما

نعالهم الرعد، تقرع الحصى، فتفزع القطا

رنين الفضة تملا أسماعهم طربا

تتماهى قاماتهم في الأفق المحترق شرقا

**

7

يوسف البابلي يحكي قصته

في تلك الليلة، تراءت أشباح أخوتي، لم يكن سوى الليل وحده

غاص الزمن بالقذارات، لكن أمثال أخوتي طفحوا فوقه

اقتحموا بغداد فتوارت اشباحهم في ليله

في رأسي كان رجع صراخهم يتصدى

فوقي بروقا تقدح في سماء سوداء

بكى ابي بغداد لؤلؤة الشرق الأبهى

حتى إخضلت لحيته البيضاء دما

8

قالوا لأبيهم حين عادوا:

تهنا أياماً وليال في عاصفة الصحراء

وكنّا قبائل من عرب المغرب والمشرق، وعشائر شتى

دخلنا بغداد مع جحافل الروم الزاحفة، من باب البصرة

في الطريق نحرنا لجنودهم  الجزور طعاما

أشعلنا في كتبنا المقدسة نيرانا

فأنرنا لهم الليل نهارا

ارقنا خمرتنا المعتقة في الدنان، مزاجها الدم وماء الوجه انهارا

انتزعنا الأحجار من الزقورة اثافي لقدورنا 

عبثنا معهم  بأوراق الإرشيف البابلي

أمام بوابة المتحف القديم، ربطنا خيولنا في عروته

حطمنا غطرسة أشور، وبابل، كنّا مع الغزاة أدلاءً

 نصحاء وأصحابا أحباء 

رقصت فتياتنا الدبكة حتى الفجر

حين سألهم أبي :

أين تركتم أخاكم يوسف ؟

قالوا عجباً تسألنا عنه

وهل كان لنا أخ أسمه يوسف! لا ريب أن أبانا يهجر

العزلة والشيخوخة أنسته من نحن فإختلط عليه، فتوهم إنَّا كنّا نلهو

نستبق كالصبية نجري

ألا يعلم أبانا إنَّا كنّا، نستقبل الروم، كما فعل آباؤنا من قبل

رموا أمامه أكياساً ملآى بقناطير الذهب

قال : صبرا حتى ينجلي الأمر

ولكني أشم رائحة الموت تفوح من أكياسكم

وأرى بغداد قنديلا يضاء  بدم يوسف

يسطع كنجمة الصبح، يخترق أطباق الدخان 

يتوهج  دمه بالنبوءات وسط النيران

بحروب قادمة تكتسح البلدان

وحينما طردهم أبي من خيمته

 حملوا أكياسهم الثقيلة ورحلوا

نكصوا على أعقابهم صوب الجنوب المُخْصى

حملوا  معهم راياتهم المنكسة كالعصا

ليستخفوا وتذهب ريحهم سدى

9

نبوءة يوسف

 في تلك الليلة رأيت مرايا تسطع كالاقمار

 رأيت ابرهة الحبشي ببدلة جنرال اميركي

فوق رأسه أسراب أبابيل

تحجب عين الشمس العربية.

سمعت صوت الذئب يناديني:

لا تخف يا يوسف

أن دماً كذباً يلوح في أفق الصحراء

يتدفق من أبراج النفط على شواطئ الخليج

يتلوى ثعبانا اعمى وسط الضجيج

سينير كالشمس جبل أبي قبيس

وبيوت نار المجوس

لا تخف يا يوسف، النار المتأججة في أصول القصب وجذوع نخيل ألبصرة  سترتد قريبا

لا تخف يا يوسف

لن تبقى وحدك في الجب طويلاً

ستخرج معافى، حين تفيض أجران قرى السواد بالغلال

سيأتي أخوتك الأعراب، حين يعضهم الجوع بناب

يأتون من كل حدب وجدب، جرادا أسراباً

***

صالح البياتي

 

فتحي مهذبالى القطب الكبير

 الشاعر صلاح فائق.

***

ناداني ميت

ناشدني بتغيير مكانه..

قبره مليئ بمعارضبن جدد ..

وذكريات جميلة تصفر

مثل حجل بري..

يده مضيئة..

صدره مليء  بالأوسمة..

قدماه يلمعان مثل عيني صقر..

وعلى كتفه اليمنى ببغاء..

تردد براهينه الهشة..

***

حررت شجرة من مخالب طيور كاسرة..

طاردت كوابيسها بضحكة مريبة..

عالجت غصنا مريضا بالحمى..

شكرتني كل الأغصان الخجولة

مثل راهبات في كنيسة..

وعدتني بزيارة عائلية

في احدى مناماتي..

وتنظيف مخيلتي بعطور

نادرة جدا.

***

أسلي حصان جاري الضرير

بايقاع كلارنيت أهدنيها

تمثال لم يعد من حرب المتناقضات..

تارة يبكي ويشير الي بعينين

عميقتين ..

شاكرا اياي بصهيل عذب

يشبه قداسا في غابة الصدر..

بينما ذيله يكتب في الهواء

كلمات غامضة

لا أفك شيفراتها الا عند النوم.

***

أنا لص في منطاد..

أتجسس على سكان الميتافيزيق..

لا أختلس سوى كنوز النائمين

في الهواء..

أتبخر تدريجيا مثل غيمة

تحن الى سجين في معتقل سري..

أهديت كل ثرواتي

الى فقراء الموتي..

الى عميان بأغصان مترامية .

***

هذه الليلة

لم ينم مثل الاه الكتب المقدسة..

لم يستسلم لخفاش المخيلة..

يفرغ قاع روحه من زيت النسيان..

سمكا ميتا على ضفة قلبه..

يساعده عمال من كواكب مجاورة

بينما جاره الملتف بأوراقه

مثل سنديانة هرمة..

يسعل مثل قطار يطارد مسافة

هاربة .

 

توفيق بوشريليس لديك أسئلة؟

- لا أريد أن أسألك.. على الأقل الآن. وقد أتخلى عن أسئلتي حتى لو ألحت علي لاحقا..

ولكني أرغب في الحديث..

- تحدثي إذن. ليس مطلوبا منك تقديم إجابات..

كيف سأتحدث دون التفكير في أجوبة؟ لم أتعود على الكلام هكذا دون غاية. حتى عندما لا تطرح علي الأسئلة، أشعر كأني ملزمة بتبرير شيء أو أشياء ما وإن كانت خاصة بي..

- هذا ما أريدك ألا تفكري فيه.

كأنك تريدني أن أكون أخرى..

- بل أريدك أن تتخلصي من الأخرى، وتعودي إليك، تذكري شخصيتك الحقيقية.. أنت فقط تتناسينها. ربما لأنك تخشين عواقب التمرد..

ياه.. أنت تجبرني على ولوج عالم أقفلته أو أقفلوه.. مجرد المحاولة تشعرني بالخوف المزدوج؛ مني علي وأنا أحيي إنسانة ميتة قد تقتلني. ومنهم جميعا أولئك الذين بنوا عالمهم على ما صنعوا مني.. كيف سيتقبلون الأمر؟ بل هيهات أن يفكروا فيه حتى! سيقضون علينا معا الأخرى والحقيقية المدفونة تحت ركام كجبل قمته في السماء السابعة وجذوره تحت الأرض الأخيرة..

- أنت الآن تتحدثين..

ولكني أتحدث فقط..

- حتى تؤمني بأن التمرد ليس كما تتصورين.

وما الفائدة من وعي بئيس؟

- لتوك كنت تتحدثين عن استحالة انبعاثك من رماد مزمن. فماذا تفضلين؟

أكاد لا أفهمك..

- انظري إلى الوردة. جميلة بشوكها لأنها لم تستعره من أحد. وهذا البحر الرائع، لا يظلم أحدا بموجه الغادر أحيانا. هذه الحياة نفسها، لا تقصد إهانة بعضنا مقابل منح كل شيء لآخرين. قد لا تحتاجين إلى وعي زائد. كوني ما أنت عليه وكفى..

مستحيل..

- هي الكلمة التي انتظرت منك لأطرح سؤالي الأول..

***

قصة قصيرة:                

توفيق بوشري - المغرب

 

عبد الجبار الحمديترتعد فرائصه وتصطك أسنانه فالبرد الشديد داهمهم قبل أوانه، ينفخ فى باطن يديه كي يوقظ أصابعه التي اعتادت ان تمسك بالساكفون الذي يعزف عليه في محطة المترو، هاهي قد حانت ساعة مجيء الرجل العجوز الذي رباه منذ لا يعلم متى!؟ يكفي انه ذكر في مرة معلقا... لا تتعبني ورأسك بالتفكير أين ومتى لقيتك مرميا على قارعة الطريق؟ صدقني أنا نفسي لا أتذكر الواقعة! لم يكن في نيتي ان احملك لكن شئ ما دفعني وشدني إليك... لم اعرف إلا مؤخرا ربما إنها كانت ساعة حظ لي، صرت الأنيس لي والجليس رغم أن عالمك مظلم وهذه  تحسب لك فقد جعلك تأخذ مكانة أوسع في قلبي ومن رعايتي يبدو انك خلقت ضريرا.. هذا ما اكتشفته عندما رأيتك لا تستطيع الامساك بما اعطيك أو تنظر الى محدثك وهو يضحك  في وجهك... لكنك طفل لذيذ جدا صدقا أحببتك.. لقد احببت شيئيين في حياتي أنت والساكسفون وقبلكما زجاجة الفودكا هاته.. هرمت أنا ونضجت أنت بت شابا يافعا محبوب لدى الجميع ممن يعرفني ويعرفك إنك إبني الذي تمنيت.. قاسيت كثيرا, انا أتحمل العمل المضني وسخافة الكثير من الناس كي نبقى أحياء... فمهنتي بارت بعد أن كثر العازفين .. اقصد المتسولين هكذا كانت نظرات الناس في الاماكن العامة التي أستمعت فيها الجدران واعمدة النور وحتى حاويات النفايات عزفي... فالبعض منها يصم آذانه حينما أندمج وتتأجج علي آلالام طالما ابتعدت عنها كي لا تسقم ليلتي... فكل همي جمع مال زجاجة الفودكا أما الطعام فإلى الجحيم فبعد أن اسكر لا أهتم إن نمت جائعا ام شبعا... إن مارد الهواجس يخمد ما أن يترع ما اعبه في جوفي ... ينسل خلسة كما عودني يسرق ما احتفظ به كمسحة جمال او مشاعر اكنها الى من أحب.. ألا يكفيك هذا يا عزيزي

كنت أطلق عليه وأناديه بأبي.. فهذه الحكاية قالها لي ألف مرة كلما أردت أن اعرف المكان الذي وجدني فيه... لكنه يغالط ويلتف علي بالحديث ثم يعود بعدها الى عبارة لقد تأخرنا فالقطار على وصول... علينا ان نكون في المحطة...

إنها محطة المترو تسمى محطة مترو السابعة.. أي ان رقمها 7 والقطار أيضا يأتي في السابعة مساء.. لذا كان علينا ان نكون هناك قبل وصوله كما ان الركاب سيتوافدون عليه الى جانب الواصلين من المحطات الأخرى... أمسك بطرف الحبل الذي يربطه على بطنه حين يسير أمامي وانا ممسك باليد الأخرى بالساكسفون.. البرد يقرسني بشدة، بصعوبة افك اصابعي عن الساكسفون وقد تجمد هو الآخر ملتصقا بها.. حتى يتخيل لي بعض الأحيان أني سأفقد اصابعي لولا متابعة النفخ بأنفاسي الساخنة ولهاثي الذي أزفره بشدة حنوا عليهما... طريق طويل مظلم يقول لي أبي واضحك عندما يردد هذه العبارة في كل مرة ندخل إليه فالحياة برمتها وجميع طرقها مظلمة عندي فما تأثير شارع مسطول...

استَغرَب!! مرات عديدة مني هذه الكلمة وعاتبني بالقول: لم تقول عن الشارع مسطول يا فرانز ألا تخاف غدره؟

ضحكت وقلت له.. مسطول لأني أعلم ذلك من كثرة شم رائحة البول التي تصدر عن السكارى عندما تفوح برائحتها الممزوجة بالخمرعلى بعض جدران المباني او تكون كما قلت لي مرة مثل البِركة... استغربت وصفك!!!

فرددت لكني لم اعرف كيف يكون شكلها فالرائحة كانت قد سطلت رأسي حتى نسيت في مرة ماذا اعزف!؟ لذا أكمم انفي حال براعم أنفي تتحسس رائحته.. ألم أجُد في السير أمامك كي انتهي من رائحة الشارع الذي حسبت أنت اعمدة النور فيه التي تعمل وقلت لي أنها ثلاثة فقط... ههههههه، لا أنسى أبدا عندما اختبأت خلفي هربا من عواء الكلاب التي حاولت ان تهجم عليك غير أنها ما ان رأتني وحالي دون إرادة تراجعت ربما لعلها شعرت بأني أعمى لا حول لي ولا قوة.. اما انت فاستغربت أكثر منها!! بت تدفع بي للسير أمامك ما ان نصل تلك البقعة التي تسكنها الكلاب فشأنها شأن السكارى والمتشردين تبحث عن شيئ ما يكفي جوعها وغريزتها... أزحت اللثام عن أنفي وفمي، استنشقت بعمق رائحة الهواء البارد جدا الذي رغم أنه يجرح براعم أنفي ويُجمد لسان الموت في حلقي إلا أني طردت بزفيري كل بقايا رائحة البول الكريهة التي علقت حتى بثيابي.. دفعت بي مرة أخرى كي اتصدر البقعة التي تجلس انت عندها مفترشا قبعتك المتهرئة بعد ان تلف رأسك بوشاحك الثقيل مستندا الى الحائط.. أما أنا فأجلس بقربك لحظات أدفىء فيها أصابعي وأفعل ذلك أيضا على أصابع الساكسفون التي لاشك أنها جمدت هي الأخرى، فأبدأ بتحريكها حتى تسير بسهولة حين العزف... تارة أضع اصابعي تحت أبطي وتارة أنفخ عليها وأخرى اجلس عليها غير أن الأرض باردة أيضا فأعود الى فركها بسرعة مطقطقا إياها شاحذا أطرافها للسهولة والمرونة.. لا أتحرك إلا عندما أجدك قد ندست خاصرتي فأنهض قائلا: مرحبا.. عمتم مساء سيداتي وسادتي .. أسمعكم الليلة معزوفة من ألحاني كنت قد لحنتها بمشاعري وحزني أرجو ان تروق لكم فهي تترجم حالي واسميتها فسحة ضياء...

ما أن نفخ حتى ماجت أصابعه تعزف متراقصة وهي تتبع أنفاسه التي توجعه على جسد عار.. بداية لم ينجذب احد فقد اعتادوا مشاهدته كل ليلة، غالبا ظنهم أنه يعزف نفس المعزوفة، لكن هذه المرة صار كان اللحن مغايرا يتمايل مع كل صعود وهبوط في الرتم، تحرك الأغلبية ممن شدهم عزفه الى التقرب منه حتى اكتظ المحيط، سرعان ما تطلعوا إليه وهو يعزف بشغف وهوس لم يروه عليه من قبل حتى أباه عندما تجمهروا حولهم نهض عن مكانه دون أن يأخذ القبعة كي يستجدي، بل تركها مدهوشا بهذه المقطوعة الموسيقية التي لم يُعَلِمَها له أو يسمعها من قبل... كانت الفتيات قد رمت بأنفسهم على صدور أصدقائهم تمايلن ترنما مع هدير الساكسفون الذي يصرخ طالبا الرحمة من الرب.. فالظلم قد طاله طفلا وصبيا وهاهو شاب لا زال يترنح حظه الى جانب من رباه.. الجميع مستمتع حتى أنهم لم يشعوروا بوصول القطار إلا عندما أطلق صافرته وأزاح سحابة الوله التي عاشها من تجمهر حول فرانز ... أنهي وصلته وسط تصفيق لم يسمع مثله، خاصة انه عزف كثيرا لكن هذه المرة سلب لب من أنصت إليه فتراشقت العملات المعدنية على القبعة التي لم يستطيع أباه ان يسيطر عن المتقافز منها بعيدا، اما هو فقد كانت الايادي التي تربت على كتفه تشيد بعزفه وأحساسه عديدة شاكرا لهم صنيعهم واعجابهم بوصلته... صاح والده... فرانز يا لك من فتى!؟ لقد جننت حقا بما عزفته!! كان رائعا بل لم أسمع بمثلها طوال حياتي لقد مارست العزف كما تعلم إلا أن أصابعك كانت تحاكي القلوب والنفوس، استغرب فعلتك!!! فأنت لم تقل لي ابدا عن ما لحنته ولم تسمعنيه حتى يا لك من فتى رائع، اعلم جيدا يا فرانز أن مستقبلك سيتغير منذ اللحظة هذا حدسي الذي يتحدث إليك، حرام علي أن أبقيك في ذلك القبر، لابد لي من التحرك سأبحث عمن يهتم ليكتنف موهبتك، فأنا لا أخفيك سأميت روحك إن ابقيتك معي، سأطلق سراحك هذا وعد مني وعهد اتخذه بأن اسعى كي اضع قدمك على اول الجادة....

هناك في القريب كان يستمع لحديث الرجل العجوز شخص ما، سارع بعد ان انتهوا من وصلتهم وهموا بالعودة أستوقفهم قائلا: عفوا أني أدعى باتريك رودويك كنت احد المتذوقين لوصلتك التي استمعت حتى أني ألغيت ركوبي بالقطار من اجل ان اتحدث معك يا فرانز.. هذا اسمك الذي ناداك به العجوز اليس كذلك؟

فرانز: نعم وهذا ابي بيتر وهو عازف ساكسفون أيضا...

أسعدني التواصل معكما... لا اطيل عليكما لقد اعجبت كثيرا بعزفك، مهارتك وأحاسيسك التي ترجمتها أصابعك بشكل مبهر لذا أعرض عليك إن وافقت أن تسجل معزوفتك عندي... فأنا أمتلك استديو للتسجيلات صغير نعم لكن كل شيء يبدأ بخطوة فماذا تقول؟ أتشاطرني الرأي..

بيتر: لاشك يبدو ان حدسي قد صدق يا فرانز ها هو سيد الحظ يطرح عليك أمرا لم يسوقه لي الحظ من قبل إنها الفرصة التي تنتظر وانتظر حتى تحقق أحلامك.. فلا تنتظر اقتنصها وإن كانت صغيرة..

تلك الليلة كانت باردة جدا بعد ان اعطانا السيد رودويك كارت بعنوانه، عدت مع أبي ولأول مرة أشرب معه الفودكا، كان يرقص فرحا وسعادة وهو يقول: لقد آن آوان ان تكون عازفا مشهورا اكمل طريقك بالمعرفة ولا تكف ابدا عن ملاحقة حلمك الذي حدثتني عنه.. إثنا عشر عاما مضت على تلك الحادثة وهاهو ابي مستلقي على أريكة فارهة والى جانبه زجاجة الفودكا التي يفضلها كثيرا.. أما أنا فقد ذاع صيتي وبت مشهورا إعلاميا وبين العامة من الناس... أما الليلة فإني سأعزف على المسرح الوطني الكبير.. ارجو ان لا اخيب رجاء من سيحضر بعد ان ألفت معزوفتي الجديدة المحطة السابعة التي لم يعلم بها أحد حتى أبي أو وكيل اعمالي .

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي

 

نور الدين صمودالنص الًأصلي للشاعر سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي

والتشطير بين قوسين للشاعر التونسي نورالدين صمود

***

يــا مَــن هــواه أعَـزَّه وأذلـَّـنـي*(لمَّـا رآني في الهــوى لا أنـْــثـَـني)

(قل لي بربكَ يا معذبَ مهجتي:) *كيـفَ السبـيلُ إلى وصالكَ؟ دُلـَّني!

وتركتَـني حيرانَ صــبًّـــا هـائــماً*(وبـِطولِ هجركَ يا ظلومُ ظلمتني)

(ووجدْتـَني في الليل وحدي ساهرًا)*أرعى النجومَ وأنتَ في نومٍ هَنِي

عـاهـدتني أنْ لا تــمــيلَ عـنِ ِ الهوى*(وبـِعَـهْـد حبكَ كالهواء أملتني)

(وغدوت طيرًا فوق غصْنٍ يانعٍ)*وحلفتَ لي، يا غصنُ، أنْ لا تنثني

هبَّ النسيمُ ومالَ غصنٌ مثلـُه*****(فأمال قلبَــكَ نحوه وهجرتني)

(أقسمتَ لي طول الزمان تـُحبني)***أين الزمانُ وأين ما عاهدتني؟

جادَ الزمانُ وأنت ما واصلتني****(فعلام بعد الوعد ما واصلتني؟)

(أحييتني بالوعد لكنْ خنتـَهُ)*******يا باخلاً بالوصلِ أنت قتلتني

وَاصلتني حتى ملكتَ حشاشتي*(وحسبتُ أنك في الحقيقة زرتني)

(لكنما قد  كان ذلك في الكرى) *ورجعتَ من بعد الوصال هجرتني

لمَّا ملكتَ قياد سري بالهوى*****(وإلى الذي قد شئتـَهُ سيرتني)

(لكنما لما ملكتَ قيادتي)********وعلمتَ أني عاشقٌ لك خنتني

ولأقعدنّ على الطريقِ فأشتكي***(ممن سلاني ثم قال: سلوتـَني)

(أ فلا ترى أني ظـُلِمتُ ولـُحْتَ لي)*في زيّ مظلومٍ وأنت ظلمتني

ولأشكينـَّك عند سلطان الهوى***(فهو الذي يَجزيكَ إذ حطمتـَني)

(إنّ الذي يدري بظلمكَ مهجتي)******لـَيُعذبنـّك مثلما عذبتني .

 

نورالدين صمود

.........................

* ويمكن قراءة الأصل في البداية ثم قراءة الأصل والتشطير معا.

 

حسن رحيم الخرسانإلى الوطن ...

لم يبقَ منكَ سوى الكرسي يحتفلُ

                     بموتِ أهلِكَ، فيهِ النارُ تشتعلُ

لم يبقَ إلّا جنونٌ غائبٌ وبهِ

                 شعبٌ يهرولُ فيهِ الموتُ والجدلُ

قدْ كنتَ للحبِ ثوباً شعَ من ذهبٍ

                       وبينَ جناتِكَ الأرواحُ تبتهلُ

وكنتَ نهراً على خديهِ أغنيةٌ

                         بها النخيلُ ونورُ اللهِ ينتقلُ

وكنتَ حُلماً ينامُ العاشقونَ بهِ

                      كأنّهم أنتَ في أسرارِكم أملُ

وكنتَ كنتَ جناحَ الفجرِ مُبتسماً

                   على شفاهِكَ من أنهارِكَ العسلُ

يا أنتَ كم لُغةٍ تهواكَ من زمن ٍ

                يا نظرةَ الوردِ يمضي بينها خجلُ

يا أنتَ يا مطراً يمشي بهِ مطرٌ

                    وبينَ محرابِهِ صلتْ بهِ الرُسلُ

زرعتُ منفاكَ في نبضٍ وقلتُ أنا

                 وأنتَ أنتَ كلانا ـ كيفَ لا نصلُ!

وكنتُ أركضُ في طيفٍ يلملمُني

                   أنا الجنوبُ ولي سعفٌ بهِ زحلُ

لم يبقَ منكَ..، إلهي إنّهم صلبوا

                   هذا الذي كانَ من عينيكَ ينهملُ

لم يبقَ إلّا جنونٌ غائبٌ وبهِ

                 شعبٌ يهرولُ فيهِ الموتُ والجدلُ

***

حسن رحيم الخرساني

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

ثوبُكِ جريءٌ هذا المساء

مفتوحٌ من الجانبينِ

ومن الوراء

حين أنظرُ إليه

تمرُّ في خاطري

ذكرياتٌ وذكريات

وأرى السِّنينَ

تمرُّ كالسُّحبِ الثَّقيلة

تحملُ ما لم تحمله الجبال

هناكَ تتجمَّعُ الدُّموعُ

كجحافلِ الجيوشِ

وتتجمَّعُ الدِّماء !

*

عطرُكِ مشتعلٌ هذا المساء

كجمرِ العودِ

حين تغزوهُ النَّار

حين تحملهُ الرِّيحُ إليَّ

تتغيَّرُ الاتجاهاتُ

وأشعرُ أنَّ الثَّورةَ

تنسابُ في عروقي

كمياهِ الأنهار

وأُحسُّ أنَّ الصَّمتَ السَّاكنَ

منذُ أعوامٍ

يستعدُّ ليُعلنَ الانفجار !

*

شعرُكِ المنثورُ جدائلَ

على الظَّهرِ

والكتفينِ

ساحرٌ هذا المساء

أشعرُ به يزحفُ على جسدي

كسنابلِ القمحِ في حوران

يدغدغُ صدري كالدَّحنون

فأرتعشُ

كأنِّي في كانون

فيمرُّ السُّؤالُ عليَّ كالأمواجِ :

هل يحملُ عقلُكَ هذا الجنون؟

*

ابتسامتُكِ متألقةٌ هذا المساء

كالهلال

حين يتفتَّحُ بين غيومِ الليلِ

تشدُّني إليكِ

بلا ذراعينِ

ثمَّ أستسلمُ بين أحضانكِ

كالأطفال

فأشعرُ بدفءٍ نديٍّ

يسري في خلايا جسدي

كأُغنيةٍ

أو كقصيدةِ شعرٍ

أو كضوءٍ خافتٍ مسكين

فأخرجُ من أحزاني

إلى المدنِ الخاويةِ

إلَّا من دماءِ الرَّاحلين

تلتفُّ حولُ عنقي

الشَّوارعُ

كالأفاعي السَّامَّةِ

أعرفُ هذه المدنَ

مدينةً مدينة

وأعرفُ هذا الخرابَ

وأعرفُ لِمَ لا تمرُّ الشَّمسُ من هنا

ولِمَ لا يوجدُ قلمٌ

أو كتاب

أبحثُ عن حجرٍ

يصلحُ للكتابةِ على الجدرانِ

لأرسمَ صورةً للوطنِ

بثوبٍ جريءٍ

مفتوحٍ من الجانبينِ

ومفتوحٍ من الوراء

وأكتبُ عبارتي الأخيرةَ:

هل تعلمُ يا وطنُ

مَن شرخَ ثوبَكَ من الجانبينِ

ومن الوراء

لتصبحَ كالخرائبِ

مأوى لقُطَّاعِ المدنِ

والغُرباء ؟

***

د.عاطف الدرابسة

 

راضي المترفيفي مقبرة عراقية موحشة اجتمع بعض الموتى ذات ليلة مقمرة وطرق رحيلهم عن الدنيا واحلامهم التي اجهضها الموت وتفسيراتهم لما حصل بعد رحيلهم .. من استولى على الثروة؟ وتزوجت من التي اصبحت الارملة؟ وكثرت شكوكهم باصدقاء او اقارب وكانت اغلب الاحاديث والشكوك والاتهامات تدور حول امر واحد هو من تزوجت بعده؟ او ارتبطت بمن؟ وكانت كل التهم تكال لمن كانوا اصدقاء مقربين ومن كانت حبيباتهم او زوجاتهم تبدي بهم اهتمامهن يوم كانوا هم على قيد الحياة وتشعب الحديث وتعددت اسماء المتهمين وكيلت التهم للنساء حد الشجار والخلاف الا واحد ظل متمسكا بصمته وذهوله ولم يسمع منه كلام فالتفتوا اليه جميعا وسألوه :

. لماذا السكوت وانت بعيد عن الدنيا ومخاطرها؟

ابتسم بمرارة وقال:

قصتي مختلفة جدا فأنا في دنياي احببت امراة واخلصت لها وفضلتها على غيرها لم نتزوج ولم يشغلني غير وجودها ورغم انها كانت شحيحة المشاعر الا اني رضيت ببخلها وكان لنا اصدقاء تختار هي في كل فترة واحدا منهم تقربه منها لتشعل غيرتي عليها فنختلف .. شجار وقطيعة وخلاف وصلح لكن اخر مرة قربت صديق وبالغت كثيرا في قربه وللامانة كان حمدي خدوما مطيعا لها يمشي خلفها ويحمل كل مشترياتها برضا وطيب خاطر ويبتسم لها كلما نظرت اليه وكنت احسبه مثل سابقيه ستستغني عن خدماته ذات يوم لكنها تمادت كثيرا حتى وصل بها الحد تركت كلمة ( تريد ) التي كانت تكلمني بها واستبدلتها بكلمة ( نريد ) وتقصد هي وهو ولم ينفع بها النصح ولا التنبيه بل كان يزيدها عنادا واصرارا على التمادي وفي احدى الليالي اتصلت وقالت : ( نريد الذهاب الى .. هل تذهب معنا او لديك مايشغلك )  وافقت وحددنا موعدا في الصباح ولما وصلت وطلبت منها الذهاب اصرت على انتظار صديقها ( حمدي ) الذي لم يدر بخلدي انه شغل مكاني منذ اشهر وانا اختلق لها في نفسي التبريرات والاعذار لكنها كشفت عن نفسها بوضوح وقدمت حمدي علي وفي الطريق تركتني وسارت معه وتركتني وحيدا في الطريق فتركتهم وعدت ادراجي اجر اذيال خيبتي ولم تمض الا ايام قلائل وزارني ملك الموت ليريحني من الامي واحساسي بالغدر والخيانة وفي التشييع رأيتها تستند على كتفه وترائي بالحزن فكنت سعيدا بموتي وانقاذ عزرائيل لي من ان اراها ويراها الاخرون مع غيري .

قبل ان يردوا عليه او يستفسروا منه نادى احد الملائكة الموكلين بالمقبرة ..

اسمعوا ايها الموتى ..

ان كبير الملائكة الموكل في هذه المقبرة قرر منح ثلاثة منكم اجازة لمدة سنة تعودون فيها للحياة والشرط الوحيد ان لاتعودون لاوطانكم ولا لدياركم انما لغيرها وتتكلمون بلغة غير لغتكم لكن من حقكم ان تزوروا اوطانكم ان استطعتم وتروا ماحل باهلكم واصدقائكم بعد موتكم . رفض الجميع العودة خوفا من كون المتغيرات ربما ستكون عسيرة الهظم لكن الملك التفت له قائلا :

ربما انت الوحيد بينهم الذي مات ناقص عمر لذا خذ هذه السنة اجازة وتمتع بها واعلم انها لن تعرفك فأنت ستكون بهيئة وشكل اخر لاتعرفه هي .

فهز رأسه بايماءة موافقة وطلب ان يكون له حق اختيار البلد فوافق الملك فورا واختار تركيا ولم يسأله الملك عن السبب وبدأت الاجازة فورا وجد نفسه في اسطنبول شباب وسيم وغني  ونشاط وحيوية وبلغة تركية صافية كأي اسطنبولي اخر .

اخذ يجوب اسطنبول كل ليلة يفتش الفنادق عن افواج سياحية قادمة من العراق وفي ليلة شاتية رآها مقبلة تتابط ذراعه وتهم بدخول الفندق فاستشاط غضبا وغيرة لكنه كتم غيظه يوم تذكر انه ميت في اجازة وان الموكل بالمقبرة قادر على اعادته لقبره عند ابسط مخالفة وقد حذره قبل ان يمنحه الاجازة . دخل خلفهم وجلس قريبا منها على احد ارائك صالة الاستقبال وتحدث معهم بعربية ركيكه لكنها مفهومة واخبرها انه يملك مصنعا للاحذية وانه يجيد قراءة الكف والطالع ويستطيع قراءة الماضي وليثبت لها ذلك اخبرها باسمها واسم صديقها وهمس باذنها باشياء لايعرفها غيره فاندهشت وداخلها خوف ورغبة بمعرفة الكثير لكنه اعتذر منها بلطف واخبرها انه يروم الذهاب لتناول طعام العشاء وتمنى عليها ان تقبل هي وصديقها دعوته فقبلت واخذهما الى مطعم تركي فاخر واختار طاولة منفردة جلسوا حولها فهمس بأذنها اذا تحدثت لك عن ماضيك هناك اسرار هل ترغبين بسماعها من قبل صديقك؟ صمتت برهة ثم قالت لاعليك سابعده لكي تتكلم براحة واسمعك بهدوء .

. طلبت من حمدي ان يكون بعيدا قليلا لخصوصية الحديث فأمتثل كعادته وتنحى بعيدا

. امسك بيدها وضحك وقال ..

هذه ليس المرة الاولى التي امسك يدك فيها لكن لازلت اذكر المرة الاولى يوم مسكتها على ارض وقعت عليها معركة كبرى بين الاتراك والانكليز في بداية احتلالهم للعراق فجفلت بقوة وسألت من انت؟

. اهدئي وساخبرك في النهاية من انا وقد اعلمتك ان لي قدرة على قراءة الماضي هل تذكرين . ثم سرد لها كثير من الوقائع الصغيرة التي وقعت بينه وبينها ايام زمان ولما حضر الطعام حدثها بنفس الطريقة التي كان يحدثها بها سابقا وتصرف كأنه لازال حيا معها على مائدة طعام .

. طلب قائمة الحساب وقبل ان يدفعها طلب منها ضرورة ان تفرغ نفسها له لكي يروي لها كل ماضيها ويخبرها عن حاضرها .

. لكن من انت بالله عليك؟

. انا المرحوم

فسقطت مغشيا عليها وقطع اجازته

***

قصة قصيرة

راضي المترفي

 

ريكان ابراهيميقولون: كانتْ جميلةْ

لو اشتركتْ في مسابقةٍ للجمال لفازَتْ

على الخدِّ غمّازةٌ منْ حريرْ

وكانتْ تسيرْ

بأقصى التبختر، أنّى استَدارتْ

فشمسُ النهار بأكملها تستديرْ

وقيل : اصيلةْ

ومنبتُها طيّبٌ في العشائرْ

تُحبُّ الجزائرْ

وتؤمن بالموت من أجلها

على صدْرها مسبحةْ

وفي معْصميها أساورْ

ولكنها مِنْ خشَبْ

هدية ميلادها من أبيها

ومن شجر أحرقتْهُ المجازر

فصار هدايا لمنْ لا تُحبُ الذهَبْ

***

... وقامتْ على بارجات فرنسا القيامةْ

وجلجلَ صوتُ المؤذّن فوق المنابرْ

وكان الرجالُ، كما في جميعِ الحروبِ،

رؤوس النفيضةْ

وخلف الرجال النساءُ

يزُغردن بالأدمع المستفيضةْ

يُزوِّدنهم بالعَتادْ

ويشددُن  فوق الجراح الضَمادْ

وكانتْ جميلةْ

تُداعبُ أفكارها الثانيةْ

وتؤمنُ أنَّ الحروبَ لها صفحتانْ

لسانُ السيوفِ وسيفُ اللسانْ

وصار العدوُّ على هول مدفعِه

لا يخافُ رجال القبيلةْ

ولكنه خائفٌ من جميلةْ

فتلك الفتاةُ

تهزُّ المحاكمْ

وتعرفُ كيف تُقاومْ

لتخلع من كتْفها بُردةً للجزائرْ

ودارتْ بها الدائراتُ

فحلّتْ نزيلةْ

على السجن لكنّها

لم تُساوم

تجوعُ فترضى

وتعرى فتلتحف الليل ثوباً وترضى

وأزْعج سجّانها أنَّها

لا تُسالمْ

***

ترى لو تقدَّم شيخٌ لهُ بئرُ نَفْطٍ

إلى والديها

أميرٌ له رغبةُ الإقتران

فماذا سيُهدي إليها

- لحيةً أم عباءةْ؟

- سفلساً أمْ دناءةْ؟

وهلْ كلُّ آبار نفط العربْ

وكلُّ الذي عندهَمْ مِنْ ذهَبْ

يليقُ مُقدَّم مهرْ لكفِّ جميلةْ؟

***

للشاعر د. ريكان إبراهيم

 

 

خيرة مباركياليومُ .. مختلفٌ ..

وإحسَاسِي مخْتلِفٌ ..

ظنَنْتُني لن أنتظرَكَ

وستَهرَعُ عيْنَاكَ تبدِّدُ سرَّ السَّحَابِ ،

في شِفَاهِ اليَمَامِ ..

تُكَفْكِفُه بلَواحِظِ الصَّقْرِ ..

وتَصْقُلُهُ نَغَمًا سلْسالاً

يَبتهلُنِي لحْنَ شوْقٍ ..

وينقُشُ أحْلامِي القديمةِ منْ سعَفِ التَّوْقِ ..

اليوْمُ .. شُعُوري مُختَلفٌ ..

وانتظارَاتِي تخْتَلفُ ...

ما وجَدْتُك في صبَاحِي ..

وَلا ترشَّفتُ  لحظاتَكَ منْ فنْجانِ قهْوَتي

محضُ صوْتٍ لبقَايا نسمات تجمّدتْ

........................... شرِبها الزَّنبَقُ المُنْفعِلُ

وَهُو يطارِدُ صَدَى الأغْنِياتِ الصَّباحيَّةِ

في عِطْرِ الرُّبَى ...

لم تنبِّهْ غفْوةَ  الياسَمِين مِنْ عزّ سُهادِه

فالنَّدى بخِلَ بشَهْدِه .. والفؤاد اكتوَى !!

اليومُ .. إحسَاسِي مُختَلفٌ ..

وشَمْسِي تخْتَلِفُ، تُرتّقُ  أشِعَّتَها الحزينَةَ

مِنْ أشرعَةٍ مُسَافِرَةٍ

بلا جَواز ..

في ريعَان الولَهِ

ترسُم جوعَنا الدّهريّ في مَحامِلِ الأنْوَارِ

بين صَحْوَةِ القَحْطِ، وفَوْرَةِ المَطَرِ

في تعْويذَةٍ سَكْرَى !!

اليَومُ قَلبِي مُختَلفٌ .. ونَبْضي يَخْتَلِفُ..

يُنازِعُ الصّبْرَ مِنْ يَقِينِ أيُّوب ..

يُرَوِادُ الكُحْلَ مِنْ عُيُونِ الهَدِيلِ ..

مِنْ عُروُقٍ نَحيلَةٍ تَصَّعَّدُ في رُوحٍ ظامِئَةٍ

تهْذِي فِي زَوايا قَصِيدَةٍ قَدِيمَةٍ ..

وتَسْتَجِيرُ بوَحْيٍ صَامِتٍ فِي سُكُون العَواصِف ..

انْتَظَرْتُكَ ...

كالهَجِيعِ  للصّبَاحِ  ..

كَرَحْمَةٍ فِي رُجُومِ الذّاكِرَة ..

تقْتَنِصُ اليَبابَ منْ متاهاتٍ  عِجَافٍ

تَنْسجُني بُرْدَةَ غَرِيبٍ مُهَاجِرٍ،

وَيشْتَعِل الجَوَى  مِنْ ليْلٍ طَويلْ

يُطْفئ جُوعَ اليَتَامَى فِي ثَمَالةِ القَحْطِ ...

وأنا التِي رَسَمتُك ابتِهالات غيْم ..

أنْشَدْتُكَ شَهْوَةً في وِحَامِ  الرّبيع ..

فيَاللخَريف وهُو يتَمارضُ في

مُنْعطَف اليَقين..

يُدَثّر  الجِراحَات القديمة بالقَصَائدْ ..

ويبْتَسِمْ !!!

***

خيرة مباركي - تونس

جمال مصطفى سلـطـانـة ُ الـــريح ِ ثـيـــرانٌ بـلا نِـيـِـر ِ

 عـمـيـاءُ، جَـنَّـحَهــا حـادي الأسـاطـيـر ِ 

 

 وقِـيـلَ: مُبْـصِرَة ٌ في الـبـدءِ ثم غــدَتْ

 لـيـلاءَ أغْـطَـشَهــا طـيْـشُ الـمـقـاديـرِ1

 

 صقـراءُ كَـفـَّـنَـهـا اللـيـلُ الـبـهـيـمُ بـهِ

 فـمَـزّقـَـتْــهُ بـصـبـحِ ٍ مِـن مـنــاقـيــر ِ

 

 طـيـفـاءُ: لـيـلـتُـهـا ألـفٌ ومـــا نَـسِـيَـتْ

 مِـن كُـلِّ طـيْـف ٍ حـذافـيــرَ الحـذافـيــر ِ

 

 تَـشكـيـلُ صورتِهـا: ما شـاءَ نـاظِـرُهـا

 وشَـرْطُـهـا: حَـبّـذا مِـن غـيْـرِ تـأطـيـر ِ

 

 غـجْـراءَ يَنـصبُهـا مَـن كانَ غَـجَّـرَهـا

 يا خـيـمـة ً غـيـمـة ً في كـلِّ تَـغـجـيــر ِ

 

عـشْـواءُ مـا وصـلَـتْ إلّا مُـصـادفـــــة ً

 لـكِـنّـهــا رجـعَـتْ مِـن غـيـرِ تَـفـسيــر ِ

 

 هـوجـاءُ، أزرقَ كان الـبـحـرُ يَـسألُهــــا

 سلـطـانةَ الريحِ هـل يَـشـفـيـكِ تعـكيـري

 

 غـلـواءَ تُـعـلِـنُ مِـن أبـراجِ فـتـنـتهـا:

الـصاعـدون فُـرادى هُـمْ جـمـاهـيري

 

 شَـزراءُ: حاجـبُهـا أعـمى يَـغـارُ عـلى

 ضَـلالِـهـا مِـن هِـدايـاتٍ وتَـبْـصـيــــر ِ

 

 سَـلْـساءَ يأخـذهـا مَـن شـاءَ مِـن يـدِهـا

 حَـيّــاً لِـتـقـتـلَـهُ بَـعْــدَ الـمـشـاويـــــــر ِ

 

 دَلْـوُاءُ: (إنَّ الـتي في طَـرْفِـهـا حَـوَرٌ)

 للـبـيـعِ: يُـوسُـفَـة ٌ في ظـلـمـةِ الـبـيـر ِ

 

 خـرساءُ خـلخـالُهـا شـمـسٌ وخِـفَّـتُـهـــا

 كَـخِـفّــةِ الـضـوءِ في سَـبْـرِ الـديـاجيــر ِ

 

 زرقـاءَ كـانتْ تـرى الأشجـارَ زاحِـفـةً

 حتى إذا وصَـلـوا قـالـوا لـها: صيـري

 

 شـوْهـاءَ: أطـفـأهـــا بالكُـحْـل ِسامِـلُهـا

 ضَـمْـيـاءَ: طـاحـونـةً بيـن الـنـواعـيـرِ ِ

 

 غـيْـبـاءُ تَـرْحـالُهـا لـيـلا ً عـلى فـرَس ٍ

 سـوداء تبـريـرُهُـا دعْ عـنْك تبـريـري

 

 عـريـانـة ٌ هـكـذا، مجـنـونـة ٌ عَـسَـلا ً

 تَهْـوى الـتَـحَـرّشَ يا وكْـرَ الـزنـابـيـر ِ   

 

نجْـلاءُ تَـرسمُ عـيـنَ الـشـمـسِ دامِـيَـة ً

عـنـدَ الـزوالِ عـلى ضـوءِ الـتـنـانـيــر ِ

 

 لَـوْزاءُ تـزعـمُ أنّ الـشِعْــرَ يَـقـبَـلُـهـــا

 لــوزاءَ أيْ هـكـذا مِـن دون ِ تَـقـشـيـر ِ

 

 غـنْـواءُ مُـذْ حَرَّمَـتْ حَـبْـسَ الغِـناءِ أتى

 أتى الـكـسادُ عـلى سـوقِ الـعـصـافـيـر ِ

 

 فـوْحـاءُ عـطّـارُهـا الـروحيُّ عـلّـمَهـا

 تَجـنـيـبَ قـِدّاحِـهـا سِـجْـنَ الـقـواريـر ِ

 

 لَـصّـاءُ تَـسَرقُ مِـن أعـنـابهـا وغَــداً

 عَـفـواءُ تَـصفـحُ عـن نـومِ الـنواطـيـر ِ

 

 جـوزاءُ كـمْ قـادَهـا بـابُ الـمجـاز إلى

 عـريـنـهِ ضـاريـاً بـيـنَ الـمـقـاصـيــر ِ

 

 مِـن حَـوْلِهـا معـبـدُ الإيـمان ِ محـتَـرقٌ

 وعَـرْشُهــا كـافـِـرٌ تحـتَ الـنـوافـيــــر ِ

 

 يا تـلـكَ تِـلْـكُـنَّ، ياعـينين ِمِـن غَـزَلٍ،

 غـمّــازتَـيْـن ِ، وبـِشْـراً في الأساريــر ِ

 

 سلـطـانةَ الــــريح ِ نامي نَـومَ زوبَـعـَةٍ

 في قـلـبِ فـنجـانِ ما بَـعْـدَ الأعـاصـيـر ِ

***

 جمال مصطفى

 .....................

1 - أغـطَـشَـهـا: جعـلَـهـا مُـظـلِـمة

 (وأغـطَـشَ لَـيـلهـا وأخـرج ضحـاهـا ) قـرآن كـريـم

 

 

حسين يوسف الزويدأكتب اليكم من مستشفى أربيل حيث أرقد، بعد اجراء عملية في الشرايين وقد نجحت والحمد لله.

 

جَوىً أصابكَ أم في رأســـكِ الهبلُ؟

                                مُذ غادروا هائمٌ مستوحشٌ وَجلُ

أمسيتَ وحــدكَ بعد الظاعنين و كم

                               للظاعنيـن جــراحٌ ليــس تندمــلُ

يضيقُ فيـكَ المـــدى لا أفقَ تنظرُهُ

                              أنّى اتجهْتَ نأتْ من وجهكَ السُّبُلُ

قتامةٌ ليس يُرْجى صـــفوُ كُدرتها

                             وعتمةُ ما جلَتْها الشمــسُ أو زُحَلُ

فكنتَ صيداً لصقـــر الهمِّ في حَنَقٍ

                            رَهْنَ المخالــبِ لا أمـــنٌ ولا أمــلُ

حتـــى إذا أنشَبَ الأظفارَ في شرَهٍ

                              أجــرى الدماءَ فلا قطرٌ ولا وَشَلُ

كـــل النداءات قــد بـاتتْ معطلـــةً

                                فكـم دعــوتَ و لكنْ ليــس ينقبلُ

ضاقت عليكَ و ما في الأمرِ من سِعَةٍ

                           وخابَ حبل الرجا و الوصلُ والحيلُ

ففوض الحـــالَ للـــرحمن محتســباً

                         عليـــه فـــوزُ الـــذي قدْ كـــانَ يتَّكــلُ

فهــو الـــذي انزلَ الآياتِ مُحْكمـــة

                          عُسْرٌ أحاطـــكَ مِنْ يُسْرَيــنِ يــرتَحِلُ

والجأ إليه تجـــدْ غوثاٍ و متســـعاً

                           فهــو المعيـــنُ إذا ما ضاقــت السبلُ

                         ***

د. حسين يوسف الزويد

 

صحيفة المثقفيتربص في الزوايا

بعيون بئريّةْ

يسكنها الظل الباردْ

يسير فوق خطانا

ويرتدي ستراتنا

يمشي بلا رجلين

لا جرسٌ يطوق عنقهُ

ليلفتنا

ولا ارتباكَ على شفاههْ

هدفاً تحددَ .. واصطبارْ

وعلى كتف النهارْ

رصدت خناجرُه النحورْ

لا بأس إما تماهت

آهاتنا معْ صفقاتهِ

وخطانا اللواتي اختلست منه نظرةً

مسَّ  شعاعَها الرعبُ

فارتدت خشية ً مثل جلباب راهبْ

بنينا حولنا سوراً من موانع الصدأْ

حلمنا بانفلاتٍ ... حلم يقظةْ

حلمنا بانفلاتٍ ... محالْ

نمشي على أصابعنا

خوف أن نوقظ الموت من حياض الغيابْ

قد عرفناه على العهد يوُاضبْ

سيأتي إلينا بألف وجه ووجهْ

يستبيح ساحات الطفولة

غلّف جدارك بالقضبانْ

لن يجديك هذا

فالحين كالهواء يخترق الثقوبْ

ويخترق الزمان مع المكانْ

يخترق الشغاف الى قلب البراءةِ

ويفتعل الشجار مع الجوارحْ

وربما يحلُّ بنا  بغير شجار ْ

***

سمية العبيدي

 

انمار رحمة اللهفي البدء كان الأمرُ مزحة. أطلقها صديقُ (كاتب القصص) في جلسة جمعتهما مع شلة الأصحاب. حين سأله صديقه عن سبب غيابه الطويل، فردّ كاتبُ القصص منتشياً " أنا عاكف على كتابة قصة.. لقد استغرقتُ وقتاً طويلاً لكي ألملم خيوطها، ولكنني مازلت متردداً.. إنها قصة رهيبة، وأحاول قدر الإمكان إخراجها بشكل مختلف". لم ينتظر صديقه حتى رد عليه ضاحكاً وأضحك الجميع بما فيهم الكاتب: "إذن خذ حذرك.. قد تقتلكَ القصة يا صديقي". وأنتهى كلّ شيء ليلتها، الجلسة والصحبة الوقتية، ثم تفرّق الأصحابُ في الطرقات عائدين إلى منازلهم. هذه هي المزحة التي تفوّه بها صديق الكاتب، "خذ حذرك قد... (قد ماذا..؟ تقتلني قصة؟ كيف يحدث هذا؟!)" هكذا صارت الأفكار تحيط بعقل الكاتب وهو في طريقه للمنزل. لم يشعر بطول ورتابة الطريق الذي يقطعه سيراً كل ليلة، بل وصل إلى بيته وهو ينظر إلى شباك غرفته المطل على الشارع، لتراوده رغبة الاستغراق مثل كل ليلة في كتابة وتنقيح القصة ذاتها.. حين دلف الكاتب إلى غرفته، كان الجو بارداً، يعيش عازباً بعد أن اعلن مراراً أنه تزوج كتابة القصص وسيظل وفياً لها.. عجل إلى تشغيل المدفأة، ثم خلع ملابسه وهرول صوب حاسوبه، وكأنه يريد تفتيش قصته، لعلها تحمل سكيناً أو مسدساً. لعلها تخفي كيس سمّ قاتل بين إحدى الجمل!. فتحتِ القصةُ عينيها ونظرت إليه بوجه كلماتيّ ناصع البياض. أعاد الكاتبُ قراءتها مرة ،مرتين، ثلاث مرات، ولكن لم يعثر في سير قراءته على شيء مريب فيها!. (لقد تأثرت كثيراً بهذا الجو الخيالي.. صرتُ أصدق كل كلام حتى لو كان سخيفاً.. غير معقول) قال الكاتب في نفسه وهو ينظر إلى ملف الـ(وورد) على شاشة الحاسوب واستمر يحدث نفسه (إنه ملف رقمي يشتغل بنظام تشغيل إلكتروني، والأمر كله مرهون بطاقة تصدرها البطارية القابعة في مؤخرة الحاسوب. كيف لهذه القصة الراكدة في الحاسوب أن تقتل كاتبها مثلاً؟!). وبعد أن نفض الكاتبُ غبارَ الوسوسة الجبرية من ذهنه، عاد إلى تنقيحها للمرة العشرين، يعيد كتابتها، تزيينها. هو تعوّد قراءة قصصه بصوت عال، لا لكي ينتبه إلى الأخطاء والهنّات، بل يريد الاستماع إليها – القصة - من خلال صوته، ثم بدأ يقرأ ويصحح ويعيد النظر. بعد ترتيبه لأحداثها، وتشذيبه الدقيق وإكمال حبكتها، المبنية على قصة حب بينَ عشيقين. بطلةُ القصة (الزوجة) تعيش مع زوجها حياة ملل ورتابة، وفي الوقت ذاته كانت مغرمة بعشيقها الذي سرق عقلها وقلبها بحبه وولهه. وقد رتبت الزوجة مع عشيقها أن يقتلا الزوج، لكن كاتب القصة كان حائراً في كيفية تنفيذ الجريمة!. لقد رسم خطوطاً كثيرة لنهايات متعددة ولم يكن أمامه سوى اختيار نهاية ملائمة لقصته. وأخيراً وصل إلى نهاية راقت له، أن يدخل العشيق موارباً، بمساعدة عشيقته ويخنق زوجها وهو نائم. (إنها جريمة كاملة) هتف القاص بعد أن وضع لمساته الأخيرة على مسودة النهاية.

في جلسة أخرى من جلسات الأصحاب، تنوعت فيها الأحاديث من هنا وهناك، أدار صديقُ الكاتب دفةَ السؤال نحو صديقه " أين وصلت قصتك؟".. ابتسم الكاتب مرتاحاً لهذا السؤال، حين شعر بالملل من رتابة الجلسة وها قد جاء الوقت ليأخذ دوراً بسيطاً في الحديث عن شيء محبب إليه قائلاً: " أنهيت الكثير منها، ولكنني مازلت أراجع فيها.. بعض الأمور تحتاج إلى تعديل". ثم هتف صديقه ضاحكاً " والله صرت أخاف عليك من هذه القصة.. خذ حذرك منها وإلا صنعت بك مكروهاً". تضايق الكاتبُ من كلام الرجل وقال : " ماذا تقصد..؟ هي في النهاية وسيلة ككل الوسائل للبوح ووجهة النظر، بل في بعض الأحيان أعتبرها تسلية خاصة بي.. علام أأخذ حذري؟.".  ضحك الصديق  بصوت عال وأعاد جملته وعجت الجلسة بالضحك معه حين قال" خذ حذرك يا صديقي.. القصص غدّارة وقد تقتلك في يوم ما". غادر الكاتب بوجه كسته غبرة الضيق، متجهاً صوب المنزل تهتز في عقله جملة صديقه المعبأة بالتحذير. في تلك الليلة قرر الكاتب أن ينهي كل شيء، ينتهي من وضع اللمسات الأخيرة على قصته، ويرسلها للناشر وتُوضع أمام القرّاء مثل كل مرة. يعترف الكاتب بين حين وحين أن لا راحة في العالم تضاهي راحة نشر نتاجه والاطلاع عليه. ولعل هذا الضيق في صدره ليس من كلام صديقه المليء بالتهديد من قصة كل ما فيها بضع كلمات رقمية.. جلس أمام الحاسوب متحزماً بجسارة وهيمنة، ويتمتم بين جملة وأخرى بعد تدقيقها" أنا من اكتبها.. إنها قصتي.. أنا خالقها.. هي من تخافني وليس أنا". وحين وصل إلى نهاية القصة، وتأكد أن خاتمتها مستجيبة للفنية في إخراجها. فها هو الزوج قد مات بعد أن خنقه عشيقُ – زوجته - الخائنة، في مشهد تراجيدي راق للكاتب كثيراً. قرر أن يدفع القصة للناشر الصحافي، وبالفعل أتصل به وبعثها له على البريد الإلكتروني.. بعد أسبوع على نشر القصة لاقت رواجاً مذهلاً بين المتابعين، كانت القصة تتقلب في أيادي القرّاء كما تتقلب غانية على الأكف في حفلة ماجنة. ولم يكتف الجمهور بهذا، بل خرجت عن حدود الصحيفة إلى فضاء التواصل الرقمي. في الوقت ذاته، الذي كانت فيه القصة تُستقبل بحفاوة كبيرة كفتاة حسناء بين عشّاقها، كان الكاتب يرقد على سريره لليوم الرابع بلا حراك. ولم يفهم الجيران والمحققون الجنائيون ملابسات وفاته، سوى أن التقرير الجنائي اثبت أنه مات خنْقاً وهو نائم على يد قاتل مجهول. 

 

عبد الله الفيفي(ما لم يقله ابنُ الوَرْد)

بَلَغَ السُّكُوْتُ بِـهِ العَمَى

                               حَـتَّى عَـمَـاهُ تَـكَـلَّـما!

فَـرَمَى بِطَرْفٍ في الدُّجَى،

                             أَمْ أَنَّ مَـرْمَــاهُ رَمَــى؟

مـا عَـادَ يَـدْرِيْ أَيـَّـمـا

                          الرَّمْـيَـيْنِ أَصْمَـى مِنْهُما؟

                     * * *

فـي رِحْلَةٍ زَيـَّـافَــــةٍ

                           تَطِـسُ الدِّمَاءَ على الدِّمَـا

تَـدْرِيْ ، ولا تَـدْرِيْ ، إذا

                            سِيْسَتْ كأَخْشَابِ الدُّمَى

لا تَـنْـخُ فـيهـا يَـعْـرُبًـا

                            أو تَـدْعُ مِـنْهـا المُسْـلِـما

فَـلَأَنْ يُجِـيْـبَـكَ أَرْقَــمٌ

                             أَدْنَـى إِلَـيْـكَ وأَرْحَـمـا!

                       * * *

لَـهِجَتْ بِصَوْتٍ وَاحِـدٍ

                            لا صَـوْتَ فِيْـهِ ولا فَـما

مـا أَتْـأَمَـتْ فـي خُـطَّـةٍ

                             أو عَـاشَ رَأْيٌ تَـوْأَمــا

مـا صَـاغَـهُ قُـرْصَـانُهـا

                           صَاغَـتْ عَلَـيْـهِ الأَنـْجُما

صَلَّتْ بِهِ، وتَلَتْهُ كالتَّـ [م]

                               ـنْزِيْلِ آيـًا مُـحْـكَـمَـا!

                        * * *

رَضِعَتْ حَلِـيْبَ نِـيَاقِهـا

                           الأُوْلَى بِـأُخْـرَى بِـئْـسَـما

فصَبَاحُـهـا لا تَـشْتَرِيْـهِ

                                 بِـلَـيْـلَــةٍ بِـيَـلَـمْـلَـمـا

وتَـدُوْرُ في الثَّـقَـلَـيْنِ لا

                          تَـلْـوِيْ على: «يـا رُبَّـما»

ضَاعَ السَّـبِـيْلُ بِهـا وأَنـْـ

                             ــهَجَ بُـرْدُهُ فـتَـخَـرَّمـا!

                        * * *

مُـذْ ذَرَّ قَـرْنُ وُجُـوْدِهـا

                            بِـوُجُوْدِها .. أو مُـنْـذُمـا

لَـبِـسَ الزَّمَـانُ شِـفَاهَـهُ

                               بِـرَبِـيْـعِــهِ فَـتَـبَـسَّـمَـا

لا شَمْسَ تُغْرِيْـنِـيْ عـلى

                                أَكْـتَـافِــهَـا لِأُسَــلِّـمـا

قَـصُـرَتْ أَنـَامِلُ كِـبْرِيـا

                              ئِــيْ عِــزَّةً وتَـكَــرُّمـا

لَيْسَتْ تُـصَافِحُ كَفَّ إِبْــ

                               ــلِـيْـسٍ تَـمَـثَّـلَ آدَمـا!

                         * * *

تَـرْضَى الظَّلامَ سَفِـيْـنَـةً

                            والصَّمْتَ بَحْـرًا عَـيْـلَما

فـإِلامَ تَـمْضِي؟ لا تَـرَى

                            قَـاعًا ولا تَـرْجُوْ السَّـما

مَـنْـهُوْكَـةَ الضَّبْعَـيْنِ في

                             جِـلْـبَـابِهـا رِيْـحُ الظَّـما

لَـوْلا مَطَـايـَـا أَعْـظُـمِي

                             فِـيها لَـكُـنْتُ الأَعْـظَما!

                        * * *

سَلَـبَتْـنِـيَ المَـشْيَ القَوِيْمَ

                              وعَـوَّجَــتْ مـا قَـوَّمـَـا

وسَـقَـتْـنِـيَ الأَرْيَ الَّذي

                             قَدْ كَـانَ يَـوْمًـا عَـلْـقَـما

أَنـَـا مِنْ ضَحَايَـا عِـيْدِها

                          الأَضْحَى المُـؤَبَّدِ مَـأْتـَما!

                          * * *

بِاسْمِ الحِمَى تَسْبِيْ الحِمَى

                             وتَـزُمُّ فِـيْـنَـا زَمْــزَمــا

أَحْيَتْ هُنالِكَ مَجْدَ (قَيْصَرَ)

                             واسْـتَعَـادَتْ (رُسْـتُّـمَا)

شَـنَـقَتْ بِحَـبْلِ وَرِيْدِها

                           شَدْوَ العُـرُوْبَـةِ في الدِّمَـا

وبِتُهْمَـةِ الإِقْـدَامِ صَفَّتْ

                               (خَـالِـدًا)؛ إِذْ أَقْـدَمَـا!

                         * * *

كَمْ دَمْشَقَتْ مِنْ (داعِشٍ)

                              كَمْ بَغْـدَدَتْ مُـتَـأَسْـلِـما

كَـمْ صَـادَرَتْ أَعْـمارَنـا

                            في كُـلِّ شِـعْبٍ مُـنْـتَـمَى

مـا وَحَّـدَتْ شَيْـئًا كـما

                                قَـدْ وَحَّـدَتْــنَـا نُــوَّمـا

ما أَنـْجَبَتْ مِنْ أَلْـفِ عَـا

                             مٍ فُـرْعُـلًا أو ضَيْـغَـمَـا

ما بَـرْعَمَتْ مِـنْ وَحْـيِ

                          أَرْضٍ أو سَـمـاءٍ بُـرْعُـما

مَـثَـلًا مِنَ الأَمْـثَـالِ سَـا

                             رَتْ لِلْبَكَـاءَةِ مُـعْـجَــما

لَيْسَ الهِجَـاءُ ولا المَدِيْحُ

                               إِلـَى نُهـاهــا سُــلَّــمـا

لكِنَّما هُوَ صَوْتُ صَمْـتٍ

                               بِـالسُّكُـوْتِ تَـلَـعْـثَمـا:

ذَهَـبَ الزَّمَـانُ بِها ، فَـوا

                             أَسَـفَـا عـلى ما هَـدَّمـا!

                          ***

شِعر: أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

احمد فاضلهمساتُ الصباحْ

تتدحرجُ مثلَ الرعدِ

كلما نظرتُ إلى صورتكِ

أرحلُ إلى حيلتي القديمة

بإهداءكِ فنجانَ قهوةٍ أو

بعضُ كلماتٍ قرأتها مِنْ كتابْ ..

أنا متمسكٌ بكِ

وأشعرُ بكلِ خطوةٍ أقومُ بها

تقربني من صوتكِ الدافئ ورقتكِ

حُبٌ لم أستطعْ التخلي عنهُ

والسببُ ، أنا يا سيدتي

كلما حاولتُ أن أدنو منكِ

صدني خجلي ، أخافُ أن أخدشَ

صمتكِ فتبوحينَ بالبعادِ ..

ضائع أنا ؟

فكيفَ أشعرُ وأنا البعيدُ عنكِ

عندما يكونُ العالمُ كله خارجَ

تفكيري ،

كلُ هذا ينتهي عندما أكونُ معكِ

على الرغمِ مِنْ أنهُ قد تكونُ

هناكَ أوقاتٌ

 تُشعرني بذاكَ البعادِ

 فأعودُ اسألُ نفسي:

  أينَ أنا ؟

 فيجيبني القلبُ:

 أنكَ بجانبها

وحدها هذه الكلمات

قد تُهّونُ عليَّ بُعدَ المسافات ....

***

شعر / أحمد فاضل

 

صالح الرزوققلت لصديقي في ليلة صيفية ونحن على فراندا المنزل الذي أسكن فيه: لون عربات القطار عندنا أسود حالك على مقاس ظروفنا القاتمة. بينما هناك رمادي وأحيانا ملون.

لم يسأل ماذا أقصد بهناك. فهو يعلم أنني لا أتحدث بلغة فلسفية عميقة، وأنني لا أتكلم مثل هيدجر عن الدايزين، ومشكلة الوجود هنا والظاهر هناك.  والمسألة كلها عبارة عن ذكريات سطحية عن أيام تموت. ولذلك ابتسم دون أن يرفع عينيه عن المشاهد الطبيعية التي تنبسط أمامنا. والإشارة الآن للمباني الشاهقة التي تنمو مثل أشجار الصبار. تحت الغبار والشمس. وبين أشجار عادية بأوراق سوداء بسبب الدخان والإهمال.

**

ركبت القطار وسافرت به لأول مرة هناك. ولا تزال التفاصيل في الذاكرة. كانت أمامي في العربة منضدة وفي المقعد المعاكس (ج). وكانت تقرأ بكتاب لتوماس هاردي. كم هذا الرجل ثقيل على قلبي. لم أهضم رواياته السميكة. أبطاله يتحركون ببطء البلدوزر. والحبكة تبدو لي مثل مشهد ساكن وصامت في عزاء. كانت تصفيفة شعر (ج) بمنتهى البساطة. وتضع على شحمتي أذنيها حلقين ناعمين. أقراط بحجم نقطة زرقاء فقط. وانتبهت أن رأسها مستدير كأنه مرسوم بالفرجار.

قلت لها على سبيل المجاملة: مع أنني لم أسافر في بلدي بقطار، لكن أعلم كيف يرش الدخان الأسود ويصفر ليفسح له المارة الطريق.

كانت مندمجة مع هاردي. ولكنها تركته على المنضدة، وقالت بشيء من السخرية: يا للخسارة. قطاراتنا متخلفة. لا تصفر ولا ترش الدخان.

لم أفهم معنى هذا التعليق الغريب. ولكن فهمت أنها تحتج. فالتزمت بجانب الصمت في بقية المسافة حتى لندن. كانت الخطة تنطوي على زيارة معرض (لاركين) الفنان المولود قرابة عام 1590 والمتوفى في عام 1665 ، والذي رسم اللوحة المشهورة (سنكلير بلباس الميدان).

وخلال هذه المدة التي استغرقها القطار في اجتياح بقية المسافة، لم أفعل شيئا غير النظر إلى خيال (ج) المطبوع على زجاج النافذة. وكأنني أراها للمرة الأولى، وبمنظار خاص، فالزجاج يبدل الملامح، ولكنه لا يغير الصورة المرسومة في الذهن. وأحيانا كنت أختلس النظر من غلاف رواية هاردي. ورق سميك ويغطيه السلوفان. حتى هاردي كان بحاجة لمقبلات كي يعيش ويستمر في هذا الطوفان من ورق المطابع. ولكنه كان غلافا رماديا بلون حديد هذا القطار السريع.. بساط الريح الذي لا يرتفع في الهواء، ولكن الذي ينزلق على خطوط بيضاء تعكس أشعة الشمس المريضة.

**

871 الرزوقسألني صديقي: وكيف كانت علاقتك مع (ج).. هل استمرت لفترة طويلة؟..

طبعا لا يمكن لرابطة من هذا النوع أن تكون متينة. لا بد لها أن تنكسر بعد اكتشاف الفوارق في أسلوب التفكر وفي الأمنيات. فقلت فورا: لعدة أيام فقط. ثم لعدة أسابيع بشكل تحيات عامة...

كانت شخصية (ج) متناقضة مع نفسها. وتحمل كل بذور الخلاف بين الفرد والجماعة. فالشخص هناك مسالم وهادئ بطبعه، ولكن ضمن الحياة العامة يكون إنكاريا. وكانت حسب تأملاتي الخاصة على خلاف مستمر مع حياتها الخيالية. أو مع طريقة افتراضها لصور المجتمع.. كيف يجب أن تكون.

وكانت تميل للضروريات في اللباس وكل اللوازم. ولاحظت ذلك في زيارتنا لنادي (البيف إيترز). كانت كل النساء فيه بأبهى حلة ما عداها. والبيف إيترز هو عوامة في وسط نهر كولشيستر. ولتصل إليه يجب أن تعبر من ممر خشبي ضيق تغطيه في كل الأوقات أوراق الأشجار الميتة وأوراق ورود الموسم. ودائما الإضاءة في الداخل خافتة. ويوجد على الجدران صور لوجوه من عصر الملك إدوارد الأول. ومنها سنكلير بقامته الطويلة وبلحيته التي تصل لمنتصف صدريته وكأنه تولستوي في شبابه حينما كتب الحرب والسلم. ويلف على خصره حزاما (يشبه القفطان البلدي عندنا) وفيه يضع خنجره والغدارة (المسدس الخفيف بالطلقة الواحدة).

من وراء ستارة من الضوء الخافت رأيت سنكلير. العجوز. الغامض. الرجل الأرستقراطي النبيل. والذي قاد المعارضة لجمهورية كرومويل من هذا المكان.

حاولت (ج) أن ترسم لي صورة عن أصل العوامة. كيف كانت مكتبا لسنكلير. ولكن لم يكن من السهل أن أطابق في ذهني بين واقع الحال والماضي. كان الفارق كبيرا بين معنى الثكنة والمنتدى. في الوقت الراهن لا أرى غير بار وراءه وقفت سيدة صغيرة تضع على وجهها ابتسامة دائمة كانت تشرق في هذا الجو الرومنسي والمخملي.

ولاحظت (ج) مبلغ اهتمامي بها، فقالت بلهجة هجومية: هل تعجبك؟..

خجلت من السؤال. وحاولت أن أبدو فارسا متماسكا، لا يتأثر من أول طعنة، فقلت بطريقة سؤال أمام سؤال: وهل لديك مانع....

ثم تبادلنا النظرات التي تدل على التعادل.. نقطة بنقطة..

بعدئذ صوبنا نظراتنا على صورة سنكلير. كان يقف بتمام أهبته، يد في جيب السروال العريض، وأخرى بموازاة قامته، وبها يمسك الغليون.

لتغيير دفة الحديث. وعفوا لهذا التعبير البلاغي الثقيل. ربما انتقلت فيروس العدوى لي من هاردي الذي أعلم أنها تحبه. سألت (ج): هل لسنكلير غليون.. هل يدخن الغليون دائما..

فردت بفتور: ربما.. ربما..

لم تكن متأكدة من شيء حيال هذه الشخصية نصف الخرافية، والتي لعبت دور البطولة الأول في هزيمة كرومويل. وفي تلك اللحظة وصلتني رائحة تبغ غليون معطر، ورأيت بطرف عيني رجلا مسنا يرتدي الثياب الرسمية، ويضع في عروة سترته زهرة حمراء بلون الدم. زهرة نصف متفتحة. ولم تكمل شوطها الأخير من دورة الحياة. كانت له لحية بيضاء. وإن شئت الحقيقة لحية نصف، بين بين، مع رأس أصلع. لقد كان صورة طبق الأصل من (ستيفنسون) الأستاذ في جامعة نوتنغهام.

وعند هذه النقطة عادت ذاكرتي إلى القطار. بصوت عجلاته وهي تنهب الشريط الحديدي بسرعة البرق. بالمشاهد الطبيعية التي أراها من النافذة ويغلب عليها لون أخضر لا ينتهي ويخطف الأبصار.

حينما كنا في البيف إيترز أشارت (ج) إلى الجدار المقابل لصورة سينكلير، وطلبت مني أن أنظر معها. ورأيت خنجرا له شفرة مستقيمة. وكان يشبه الخنجر الذي حمله سينكلير في الصورة التذكارية. بعبارة أدق في البورتريه . سألتها: هو نفس السلاح على ما أفترض..

قالت وهي تهز برأسها: نعم. هو. بعد المعركة الأخيرة سقط منه على ضفة النهر.

حين تزمع على الدخول إلى النادي، تصادف بوابة أثرية، لم يبق منها حاليا غير عمود من الآجر. وهي باب لمقبرة قديمة. وحسب وجهة نظر (ج) كانت فيها أضرحة لقتلى الحرب. مع عدد من المقابر الجماعية لجنود مجهولين لم يبق شيء يثبت شخصيتهم. ولكن في الوقت الراهن يوجد فندق فكتوريا الملكة، ومتحف الحياة الطبيعية، ومتجر متواضع متخصص ببيع الأشياء المستعملة.

كان من الصعب أن أتخيل هذا المكان بموسيقاه الناعمة، التي تعزف الفالس والجاز، بشكل غرفة عمليات لا يدخل إليها غير العسكر.

لقد كانت النباتات تزين الجدران، وكأنها خميلة خضراء، والمضيفة الحسناء التي لا تغيب من وجهها الابتسامة المشرقة، تمسح من الرؤوس ذكرى الجنود الذين سقطوا فوق هذه الأرض.

**

ونحن نغادر ألقيت في النهر عشر بنسات، وألقت (ج) خمسة بنسات وهي تقول : من أجل المستقبل.

وانتبهت أنه يجب أن أفكر بأمنية جديرة بهذا الموقف. فأغمضت عيني وقلت: لذكراهم جميعا.

كانت ذاكرتي في ذلك الحين مثقلة بصور الشهداء. بصور قوافل الشهداء الذين تواروا تحت الأنقاض في حروب مرعبة، هنا وهناك،  الحرب في النهاية مثل قطاراتنا السوداء المتعبة والمتخلفة.. تدب على الأرض وكأنها خطر موجه ضد الطبيعة ..

**

سألتني (ج) فيما بعد: لماذا قطاراتنا تصفر.. هل تمر من وسط المدينة مثل الدراجات والسيارات؟..

فقلت باقتضاب: هذا صحيح.

وأضفت بصوت غير مسموع كأنني ألوم نفسي: تمر من وسط الحياة مثل الأحزان ودموع الثكالى وقوافل المنتظرين الذين لم تدق ساعتهم..

كنت أشعر بغاية الحزن.. من ذكريات مشاهد حروبنا الخاسرة، من الانسحاب المستمر. من التهاون والسقوط كأننا في قطار من غير سائق، ولا يعرف كيف يتوقف.

انتشرت رائحة الغليون المعطرة في أرجاء عربة القطار. وعلى الرغم من المرارة التي أحترق في لهيبها خطر لي أن (ستيفنسون) و(موريسون) و(بلايك) و(روسل) و(هاف بيني) وسواهم من كوادر جامعة نوتنغهام التي أدرس فيها، هم فرسان لهذا الزمان. إنهم ليسوا صورا أخرى منسوخة من (سنكلير) ونتوقع أن نعرضها على جدران (البيف إيترز .. بيت الذكريات التي تحتضر.

**

وعندما وصلنا لجسر الخشب لنمر منه نحو اليابسة سألتني (ج): هل يوجد عندكم بيف إيترز أو ما شابه؟..

كنت في الواقع أنظر لموطء أقدامي. ربما لأنني لا أشعر بالأمان. وأنني معلق في الهواء. وتحتي تيار المياه الجارف الذي يسير لمجراه مثل تيار الأزمنة .

فقلت لها بصوت مضطرب : كلا.. هذا يحتاج لقرار من فوق..

وسمعت صوت رنين ضحكتها. كأنني ألقي نكتة. لم تعلم أن الطعام والشراب في بلادنا سياسة، ويمكن أن يعاقب عليها القانون. ترى هل سمعت أن الكوكا كولا ممنوعة لأسباب سياسية وعقائدية. ولو أخبرتها بذلك هل ستعتقد أنني إنسان طبيعي وبكامل قواي العقلية. ترى هل ستفهم أن مثل هذه الأشياء هي من مظاهر الحياة الإمبريالية التي نقاتل ضدها من خمسين عاما ودائما نمنى بالفشل والخسارة.

كيف أخبرها أننا مجتمع ضعيف يسعى وراء قوت يومه. ويكد في سبيل غايات بسيطة لا يفكر بها الآخرون. ومعركتنا هي مع الموت.. كيف نتفاداه لنعيش.

شعرت أن الواجب يقتضي مني التضحية بمبلغ أكبر، ألقي به في المياه الراكدة، وأنا أضمر نية أخرى. ربما تتسع حركة التيار وتصل إلينا، ومعها البراعم غير الميتة..

لا أتذكر ماذا كانت أمنيتي التالية. قلت ذلك لصديقي ونحن في الفراندا. ولكن لا يمكن أن تكون أمنية شريرة.

ألقيت في الماء، في حينه، جنيها وسمعت صوت سقوطه في أرض النهر.

وفي صباح اليوم التالي أسرعت بإرسال بطاقة بريدية لأفراد الأسرة. وكانت عليها صورة المطعم في النهار.. صورة نهارية مشرقة لتفاصيل كوخ البيف إيترز بسقفه الأسود ومدخنته التي يتبخر منها الدخان.. ربما لأترك لديهم فكرة أنه توجد هنا أشياء تحترق وتتحول لرماد..

**

في المحطة، بعد نهاية الرحلة، وقفت على الرصيف من أجل صورة تذكارية لـ (ج). ووافقت بشرط أن تكون الصورة عامة. بين الناس. وحين لمع الفلاش في وجهها أغمضت عينيها. فطلبت منها أن نكرر المحاولة. إذ ليس من المعقول أن نواجه العالم والكاميرا بعيون مغلقة.

كان المارة في حركة دائبة. من وإلى القطارات. وبأيديهم حقائب حياتهم الصغيرة. وبطاقات السفر . وعلى رؤوسهم القبعات التي تقاوم البرد وتتستر على الأمنيات والأفكار.

للمرة الثانية لم تستطع (ج) أن تقاوم الضوء المبهر المفاجئ. وقالت بما يشبه الاعتذار: إن ضوء الفلاش مثل أشعة االشمس. وهي لا تستطيع أن تقاوم الضوء الساطع. فهي ليست من بلاد الشموس المشرقة.

**

وقفنا في المتحف تحت قبة المدخل لنلتقط أنفاسنا. ولأخذ صورة عامة.. لمدخل المتحف وللساحة التي تنبسط أمامه. كان فيها نصب لرجل من الغرانيت الأسود، ويقف على رأس عمود طوله يبلغ حوالي خمسمائة متر. نصف كيلومتر في الهواء. وأنت لا ترى ماذا في نهايته بالضبط. كنت بحاجة لمنظار مكبر لرؤية تفاصيل التمثال العالي والشاهق.

و لكن لم أهتم بالموضوع. كنت بالفعل متحمسا لرؤية سنكلير ولوحته.

ولكن حينمات أصبحت مع (ج) في وسط الصالة انتبهنا أن اللوحات المعروضة جميعا لسيت بريشة (لاركن). ولا يوجد بينها سنكلير أبدا. لقد ضاع سهمي مرة أخرى. وشعرت مجددا أنني في مكاني الصحيح.. الخائب والخاسر والذي تضيع منه الفرص الذهبية الثمينة. لقد غالبني الشعور التقليدي أنني يائس وسط طابور من سيئي الحظ الذين ماتت الوردة الأخيرة في قلوبهم.

نظرت على شكل عتاب إلى (ج). كنت أعلم أن لغة العيون الحزينة أقسى من الفولاذ. وأظن أن الرسالة وصلت.

**

اقتربت مني (ج) على سبيل العزاء، وتأبطت ذراعي، وقالت : أرجو أن تفهم أنني وقعت معك في نفس الفخ..

ثم ضغطت بأصابعها بمودة على ذراعي. فقلت بصوت خافت : ربما نجد في هذه الصحراء عودا أخضر..

على هذه الشاكلة. هي تمسك بذراعي وأنا أحمل الكاميرا بيدي الأخرى تجولنا بين اللوحات. ولحسن الحظ أنه شاهدنا بينها لوحة واحدة للفنان لاركين وعنوانها (العربة).

وقفنا أمامها لنرى لمسات ريشته، وحاولنا أن نتخيل كيف يمكن له أن يرسم سنكلير الذي سبق ورأينا له بورتريه في وضع رواقي.. وضع ديكارتي .. يغلب عليه التأمل مع الاستعداد.

وبينما كنت أقارن بين الألوان والخطوط انتشرت في الردهة رائحة معطرة لغليون يحترق. كنت أعتقد أن التدخين في ردهة اللوحات الأصلية ممنوع، ولكن لم أهتم بالأمر لأنه سرعان  ما اقترب منا زوار من مختلف الجنسيات والأعمار ليتأملوا معنا لوحة (العربة)...

 

د. صالح الرزوق

شباط 2005

.......................

من مجموعتي (تشبه القصص) الصادرة عن دار مجلة ألف بدمشق/ بيروت عام 2012.