مصطفى الخليلكعرافة غجرية ماكرة

تُريد ابتزازك من أول فنجان

قالت...

يوشوشني ليغريك بلذة الحقيقة

التهمت قُضمةً من ظلام غرسة اللعنة

فكنت أول مسطر للكذبة - اللعنة

توالى بعدها سُفر الآثام...بلا هوادة

كيف يغدو مزيج الأوحال متشيطناً بألسنة اللهب؟!

أستتر برداء العفة..!!

التفاصيل- بلا استئذان- هجرها بريق العفوية

ذات مغزى معقد

بعضها؛ يودي إلى دروب الرذيلة

والوقتُ آثم؛ يرتكب حماقاته الكبيرة

قد تعفن الكلام لم يَعد يصلح للبوح

أُعيد تشكيلي من نسغ شرايين أربعة

تنطمس بعضُ تلك بحبر الزور

أذاك قدرٌ..

أن يجتمع أول ثلاثة متمردين

مصادفة..؟!!

نُطرد جميعنا إلى جحيم العذابات...

دويٌ هائل من ارتطام الأشياء مع بعضها

قبلها كسرت حديد الزنزانة البارد

المطبوعة على الأحداق..

***

الرقة- مصطفى الخليل

 

مصطفى عليمَرّتْ سنينٌ ولَمْ تبرحْ مُخيّلتي

                 وشْماً حفرْتُكَ من قلبي الى شفتي

أودعْتني جمراتِ الفقْدِ في كَبِدي

                  سِيّانِ إن وَمَضتْ فِيهِ وإن خَبَتِ

ما بينَ فقْدٍ وفقْدانٍ تُقلِّبُني

                    ذكْراكُمُ كُلَّما دارتْ رَحى سَنَةِ

فالذكْرياتُ نَمَتْ في خافقي نَغَماً

                       مِنَ القوافي كما تغريدُ قُبَّرةِ

فرَّ الفُؤادُ الى ذكراكَ يلثُمُها

                  كَظبْي سَهْلٍ من الأشراكِ مُنْفَلِتِ

ذكراكَ يا أبَتِ سلوى تُردِّدُها

                    يمامةٌ هَدَلتْ في عُشِّ موْجِدَتي

غيابُ رَسْمِكَ ناداني الى عَدَمٍ

               فإنبثَّ طيْفُكَ في وجدي وفي لُغَتي

شُكراً لِطيْفِكَ إِذْ أنجى مُتيَّمَهُ

                     من جُرْفِ هاوِيَةٍ هارٍ ومَهْلَكَةِ

 شكراً لِطيْفٍ طَوالَ العُمْرِ رافقني

                       مُغادِراً جَسَداً في ليْلِ مَقْبَرةِ

لِراحِلٍ خَطَفتْ قلبي جَنازَتُهُ

                    الى السماء كَحادٍ شِبْهَ مُنْصَلِتِ

يرْوي القوافي لِسانُ الغيْبِ عن وَجَعٍ

                  أمسى بِهِ الشُعَرا من دونِ ألْسِنَةِ

أذْوى الغيابُ فُؤادَ الصبِّ من حُرَقٍ

               كَعَرْفِ عُودٍ ذوى في قلبِ مجْمَرَةِ

بيْنَ الغيابِ وسِرِّ الغيْبِ آصِرةٌ

                     وَرُبَّما غائبٍ دامت بهِ صِلَتي

طاغٍ حضورُكَ في روحي كما نَفَسٌ

              مِنَ النسيمِ سرى وإنسابَ في رِئتي

     ***

ما إنفكَّ طيفُ أبي ربّاهُ يُلْهِمُني

               أشجى المواويلِ في ميلادِ مُلْهِمتي

صارا كَجِنْحَيَّ والخفّاقُ بينهما

                       ما بينَ ميْسرةٍ يحدو وميْمَنةِ

في يوْمِ ذكرى أبي جاءت تُعلِّلُني

                      وهل يزيحُ الأسى إلّا مُعلِّلتي

قدّتْ سما وحْشتي (الجيداءُ) هامِسةً

                    أَرِحْ فُؤادَكَ من هَمٍّ ومن عَنَتِ

لا تبْتئسْ أبَتِ وأكْتُبْ لنا قِصَصاً

                 عن كُلِّ شارِدةٍ في الروحِ أو هَنَةِ

وأنثرْ على مُهجتي أوجاعَ سيرَتِهِ

                       عَلّي أراهُ قُبيْلَ النومِ والسِنَةِ

كأنّما جلستْ روحٌ له معنا

                  هذا المساءُ كَضيفٍ حوْلَ مأدُبَةِ

    ***

هل ماتَ حقّاً أبي ما زلْتُ أسْئلُها

                أختاهُ لا تغضبي من هوُلِ أسئلتي

لا لم يَمُتْ قالها شيْخٌ بقرْيَتِنا

                     بل أيْنعتْ روحُهُ قمحاً بِسُمبُلةِ

مازالَ في مسجِدي من دمعِهِ أثَرٌ

                   وطيبِ تقوى لَهُ في رأسِ مِأذنةِ

أُمّاهُ يسري شذىً من طيبِهِ بِدَمي

               فكيفَ تنسى عبييرَ الطيبِ أوردتي

جاورْتِ قبراً لَهُ تبكينهُ وأنا

                   حُمّلْتُ تابوتهُ في الروحِ سيِّدتي

رغْمَ الشواهِدِ فالأجداثُ دارِسةٌ

                  ورُبَّ ثاوٍ بها في الروحِ لم يَمُتِ

    ***

في الرُكْنِ من بيتِنا الريفِيِّ مُصْحَفُهُ

                         يهفو لَهُ خافقي أيّانَ يلْتَفِتِ

كم لاذَ في ظِلِّهِ من جوْرِ ظالِمِهِ

                     إو إستعاذَ بهِ من شَرِّ مُعْضلةِ

لم يتْلْهُ باكِراً إلّا جرى مدمعي

                    في عُسْرَةٍ تارةً أو حينَ ميْسَرَةِ

يُمناهُ كم صافحتْ قُرآنَهُ وزهتْ

            يُسْراهُ إذ صافحتْ قِرْطاسَ مدرستي

يا كادِحاً لِرغيفِ الخُبْزِ مُذْ صِغَرٍ

                ونحْوَ ربِّ السما الهادي بِموْعظةِ

سَمّاكَ جَدّي (عَليّاً) راجياً أمَلاً

                        عَلَّ المُسمّى لَهُ حظٌّ بِتسْمِيَةِ

ليْتَ التلاقي بمن لبّيتَ مُحْتَسِباً

               مِثْلَ التلاقي على رَحْبٍ وفي سِعَةِ

كيما تُثابُ وتُجْزى بعدما فَرِغتْ

                     دُنْياك من مُكْرِمٍ فيها ومكرُمةِ

يا غافِرَ الذنبِ لا ذنبٌ بِذمّتهِ

                 وإن دعا طامِعاً في بعضِ مغفِرةِ

طَهورَ ثوْبٍ مضى والناسُ تعرِفُهُ

                   في نفسِهِ عِزّةٌ والروحُ في دِعَةِ

    ***

ألهمتني خِصْلةَ الإيثارِ يا أبَتِ

                 حتى كَبِرْتُ فصارتْ كلَّ مأثرتي

أيقنتُ مُذْ أبحرتْ في لُجّةٍ سُفُني

                     لولا دُعاءٌ لَهُ لم تنْجُ بوْصلتي

كأنّما روحُهُ والموْجُ يقْذفني

                    حِرْزٌ لِصارِيَةٍ ناءتْ بأشرعتي

 لمّا نعاهُ غُرابُ البيْنِ في غَبَشٍ

                  ألْغى كياني فأقعى فَوْقَ مِنْسَأتي

لي عِنْدَ مَنْ أرْهقَ الآباءَ في وطني

                    ثأرٌ بقلبي وسيْفٌ من لظى تِرَةِ

***

مصطفى علي

 

 

رند الربيعيامرأة ...

لا تحدني حدود

خريطتي بسمة طفل

فلسفة هيلينية

ملابسي القصيرة والمحتشمة

حلم فاشينستي

حرب قادمة..

سمفونية

باقات زهور ضالعة في النسيان

منذ طفولتي

معركتي مع الوقت

عقاربه سامة تلدغني

مراهقتي نضوج استباقي للعمر

لم تصدأ ساعاتي

رسائل الحب الأولى

كانت لأمي

وجهي لم يكبر

حين أغدق الله علي بمحن كسنابل القمح

كنت أحدثني في المرآة فلا أجدني

ينتهي حديثي

كصوت فاختة

***

رند الربيعي

 

 

صحيفة المثقفمرّ يومان ِ ..

وضاع العمر قهرا

كلّ يوم

مرّ في البعد

حسبتُ اليومَ دهرا

*

يا حنيني لك ..

يرميني بعيدا ً .

ثم أبقى

أنسج الدمعات والآلام شعرا

*

أندبُ الحسرات  آه ٍ .

بعد آه ٍ ..

والأسى في صدري

الذائب بالأشواق نهرا

*

مرّ يومان .

و في الأشجان قلبي

فانطفى الإشراق في روحي

و صار اليسر عسرا

*

مرّ يومان ِ

وفي الأحزان وحدي

ذا فؤادي حاضنٌ ً...

عطركَ يا جرحيَ .. ذكرى

*

هذه الساعات لا تمشي

سراعا

باتت الأضلاع من لهفتها

ناراً و جمرا

*

ما بهذا الكون

لا يضفي حبورا ؟

بعدك...

الحزن بعينيَّ استقرا

*

بعدكَ العمر ضياعٌ

و احتضارٌ

بل وصار الكونُ قبرا

*

مرّ يومان...

تمادى اليأسُ في عينيّّ

بات العيشُ من بعدكَ مرّا

*

أقبل الليل كئيباً

وأفاق الشوق في صدري

ونار الشوق حرى

*

عد إلى روضيّ

يا أجمل ما في الكون

واملأهُ من الأزهار عطرا

*

قد غدا ظلي هزيلا ً ..

و النوى أسهدَ جفني

أصبحت روحيّ سكرى

*

عد لقلبي

واسقِ أحداقيّ من نوركَ فجرا

***

صباح الحكيم / عراقية

 

انمار رحمة اللهمرت ثلاثةُ شهور وأنا أسكنُ في هذه المحلّة، ذات الأزقة الضيقة المشحونة بدبيب الحياة نهاراً، والأنوار الخفيضة والجو الهادئ ليلاً. سكّانها بسطاء كحالتي أو أشد بساطة على مستوى العيش. أعيش في شقتي عازباً ولم أعبأ كثيراً بما يدور حولي، سوى صراخ الباعة المتجولين المزعج صباحاً، وهتاف الأولاد وشتائمهم حين يلعبون كرة القدم، أو عراك النسوة وأصواتهن التي يطلقنها كعيارات مدفعية من الأبواب والشبابيك. وما يشفع لي أنني أغنم بقسط كبير من الهدوء والراحة ليلاً، أستمع للموسيقى أو أقرأ كتاباً، لأن المحلة تغط في نومها وصمتها باكراً، فيمسي شارعنا كدرب في مقبرة.. أعملُ موظفاً نسّاخاً في دائرة التربية، وهذه الوظيفة منحتني راتباً بالكاد يكفيني. وهذا ما جعلني حذراً في موارد الصرف المادي. أكتفي بوجبة طعام من إحدى المحلات، ثم أجلس العصر حتى غروب الشمس في مقهى متواضع عند طرف المحلة. أستمع في جلستي إلى أحاديث روادها، أو أنشغل بقراءة صحيفة أو مشاركة أحدهم بلعب الطاولة. لم  يثر انتباهي سوى الرجل الستيني ذا الشعر الأشيب، يجلس في المقهى من دون أن يكلمه أحد أو يتكلم مع أحد. يحملُ كتباً في أغلب الاحيان، ثم ينصرف بصمت. لم أحتمل سعيرَ فضولي وقررتُ عند محاسبتي لصاحب المقهى سؤاله عن هذا الرجل الذي بلا شك يسكن في الحارة نفسها. اجابني صاحب المقهى واضعاً أصبعه على طرف فمه متذكراً:

- لعلك تقصد (الفهيمة)؟

ابتسمتُ وأزداد فضولي قائلاً:

- لا أدري بالضبط.. هو ذاك الرجل الذي غادر حاملاً كتبه...!

ضحك صاحب المقهى واجابني بسرعة مقاطعاً بعد أن أشار بكفه نحوي:

- نعم عرفته.. إنه الفهيمة.. هذا لقبه الذي أُطلق عليه في المحلة منذ سنوات. هو بالطبع مثقف وفاهم ومتزن، ولا يتكلمُ كثيراً من قبل ومن بعد فقدانه لنعمة السمع.

- (هل هو أصم ؟) سألته، فأجاب:

- نعم هو أصم، وحادثة صممه كانت قصة غريبة عجيبة ادهشت جميع سكّان المحلة في وقتها.

سحبت كرسياً واعتذرت من صاحب المقهى لأنه كان على وشك التعزيل، وطلبت منه أن يحكي لي تفاصيل القصة، فأجاب موافقاً :

- لا بأس.. سأحكي لك .. يا سيدي هذا الرجل يُدعى (حسيب). كان يعمل أميناً في المكتبة العامة وسط المدينة. بالرغم من سكنه في المحلة منذ مدة طويلة، فلم نر له أقرباء أو أصدقاء يزورونه. يعيش وحيداً في شقته الصغيرة، ويرتاد المقهى هنا في الوقت ذاته. مواعيد دخوله إلى الحارة وخروجه كانت ومازالت دقيقة. كنّا نستمع إلى احاديثه قديماً، بعد أن نستفزّه لكي يتكلم.. لقد تعلمنا منه الكثير، حتى أصيب بالصمم والسبب أولئك الملاعين (العفطية) الذين كانوا يمارسون هواية العفاط كل ليلة تحت شقته.

- يمارسون العفاط؟! (قلتها ضاحكاً).

- نعم.. كان في المحلة قديماً طقس عجيب. يجلس العفاطون عند ناصية الشارع ليلاً ويتبارون ، من الذي يكون صوت عفاطه أعلى من الآخر، ضاحكين، مستمتعين بهذه اللعبة المثيرة للغثيان. وهم من أطلقوا على حسيب لقب (الفهيمة).

- كيف حدث هذا ؟ (قلتُ وفي قلبي جوع لمعرفة باقي الحكاية).

اتكأ صاحب المقهى على كرسيه الوثير، وتلمظ بلسانه طرفَ شفته السفلى، واستمر قائلاً:

- الحكاية رواها لنا حسيب ذاته، فذات ليلة حين كان غارقاً في القراءة، نزل إليهم بعد سماعه لأصوات عفاطهم الذي ملأ الزقاق. ثم وبخهم بقوة على فعلتهم تلك، وأنهم أفسدوا عليه وقته الجميل. ضحكوا وأزداد عفاطهم هذه المرة، توجهوا كلهم نحوه وصاروا يطلقون الأصوات باتجاهه كما تنفجر الألعاب النارية. وحين عاد إلى شقته مستاء من ردة فعلهم، توقع حسيب أنهم سيكفّون عن أفعالهم تلك. لكنهم زادوا عفاطاً، وازداد عددهم أيضاً، وصار الأمر كأنه تحد ما بين حسيب وشلّة (العفطية).

- نعم.. وماذا حدث لاحقاً؟

- في الليالي التالية، وحين تفاقم أمرهم وصاروا يتفاخرون بكثرة عددهم وشدة أزرهم وزخات عفاطهم، هددهم  أستاذ حسيب مرة أخرى بالقانون. وأنه سيشكو أمرهم إلى مركز الشرطة. وما إن انتهى حسيب من جملته تلك، انطلقت نحوه عشرات (العفطات)، التي بلَّل بعضُها وجهَه برذاذ سبالهم.. كنتُ جالساً في المقهى حين مرّ حسيب عليّ وأعلن أنه ذاهب لمركز الشرطة وتقديم شكوى عند الضحى. ولكنني حين رأيته عائداً في المساء متعباً يجرّ بدنه صوب شقته، وقفت في الدرب وسألته( ها أستاذنا.. ماذا فعلت؟؟). فأجاب ووجهه كان مغبراً بالحزن ( لقد عفط الضابط في وجهي).

- أهه!!!

تنهد صاحب المقهى وقال:

-  أي والله.. حتى حدث الشيء الذي صار سبباً لحديثنا الآن.. عصر أحد الأيام مرّ حسيب علينا ولكنه ليس كعادته، لقد كان يحمل كيساً في يده، وكان خفيفاً في مشيته. هتفتُ وراءه، ولكنه لم ينتبه لي. وفي اليوم التالي أختفى حسيب، ثم عاد إلينا بعد مكوثه في المستشفى.

- المستشفى ...؟! لماذا؟!

- لقد وضع في أذنيه قطرات من (التيزاب)، فأتلفهما نهائياً.

هطل عليّ الصمت وأنا انظر إلى وجه صاحب المقهى، الذي هزّ رأسه مؤكداً الحادثة ثم أضاف:

- نعم.. أتلف أذنيه لكي لا يسمع عفاطهم. ومنذ ذلك الوقت وهو أصم لا يسمع شيئاً

هززت رأسي واضعاً شفتي السفلى على العليا مستغرباً، وحين طال سكوتي، خاطبني صاحب المقهى:

- هذه هي قصة أستاذ حسيب.. ها..؟ هل انتهينا

 ابتسم ونهض من مكانه، طالباً مني التعجيل لكي يغلق المكان. ثم سألته للمرة الأخيرة قبل خروجي من المقهى:

- والآن .. تلك الشلة من العفاطين هل هم موجودون إلى هذه الساعة؟.

ضحك صاحب المقهى وقال لي وهو يرتب الكراسي من دون أن ينظر إليّ:

- لا بالطبع.. لقد تفرقوا بعد أن يأسوا من استفزاز حسيب مرة أخرى.. لم نعد نراهم، بعضهم كبر وصار ذا عائلة ، وبعضهم غادر المحلة، وآخرون صار لهم شأن ومناصب هامة.. كلنا نكبر يا بني ونتخلى عن تفاهاتنا الصبيانية. هم استمتعوا بوقتهم، ولكن للأسف حرموا حسيباً من الاستماع والإنصات إلى أي شيء في هذا العالم.. لقد صار يسمع بعينيه اللتين تعيناه على القراءة فقط..

ثم ودّعني وغادر صاحب المقهى بعد أن أقفل الباب، فوجدتُني وحيداً في الزقاق. سرتُ بخطى وئيدة صوب شقتي..

 كانت المحلّة خرساء في تلك الليلة كعادتها..

 

أنمار رحمة الله

 

صحيفة المثقفبدأت السفر اليوم وأنهيته البارحة، بنفس التاريخ، بنفس اليوم، بنفس الساعة، السفر عبر الزمن متعب كما السفر عبر البر، أنا من يعش الحاضر بكل ألامه وضبابيته، لم أغير شيئا في حاضري استمتعت بتكراره على مضض، وتمنيت لنفسي أن يعجبها ما كاد يخنقني البارحة، زالت الحيرة فقط عندما حطّ طائر اللقلق بعشه فوق هوائي الهاتف، المنصوب فوق أعلى مبنى بالقرية الخرفة، رتب الشبكة وأعاد موجات الزمن المتأخرة، كرر التجربة واحد، اثنين... كأنه سيبدأ الغناء، ربط الأسلاك، أعاد الإشارة، دقت كل الهواتف مرة واحدة، ثم  دقت ساعة اللقلق وقت الرحيل، أما وقت ساعتي فتمام الانسحاب.

 

الاطرش بن قابل

علي القاسميأَحْسَستُ بقلبي يضطرب ويخفق بشدّة، مثل جناحَي عصفورٍ مذعورٍ، وأنا أَمدُّ يداً مرتعشةً إلى مطرقة الباب، فيشلُّها الخوف فلا تكاد تلمسها. لم يكُن أَحدٌ يدري ما وراء ذلك الباب الموصد دومًا، ولم يفضّ امرؤٌ سرَّ المرأة الوحيدة التي تقطن تلك الدار العالية الأسوار. فهي لا تزور جيرانها ولا يزورونها، ولم يشاهدها أيٌّ منّا في أَزِقّة البلدة الصغيرة، بل لا نعرف حتّى اسمها. فلم تكُن من أهالي البلدة التي تربط معظمَهم أواصرُ القربى، وإنّما وفدتْ عليها من مدينةٍ من المدن قبل بضع سنوات.

وكنّا ـ نحن الأطفال ـ نتحاشى السير على الرصيف المحاذي لحائط دارها، ونتَّجه تلقائيًّا إلى الرصيف الآخر، عندما نقترب منها. وكان بعضنا يتهامس عن جِنِّيَّةٍ أو مجنونةٍ، حين يمرُّ بالقرب من جُنينة المنزل القابعة وراء أشجار الصفصاف السامقة التي تنسدلُ أَغصانُها مثل ذؤاباتِ شَعرٍ طويلٍ يغطّي وجه صاحبته.

ولكنّي لا بُدَّ أن أستعيد كُرتي الجديدة التي قذف بها سوءُ حظّي عبر الجدار إلى داخل تلك الدار، حينما كنتُ ألعب بها وحدي عصر ذلك اليوم القائظ. وأخيرًا جمّعتُ كلَّ شجاعتي ورغبتي في أطراف أناملي، وقبضتُ على المطرقة، وطرقتُ طرقةً واحدةً مبتسرة، وانتظرتُ بتوجُّس. ومرَّت لحظاتٌ حسبتُها ساعاتٍ، دون أن يُفتَح الباب، فأَعدتُ الطَّرق ثانيةً وانتظرت، وثالثةً وانتظرت. وبينما كنتُ أهمُّ برفع المطرقة من جديد، فُتِحت الباب فجأةً، فجفلتُ إلى الوراء متعثِّرًا. وحدَّقْتُ أمامي، فاصطدم بصري بجسمٍ متلفِّعٍ بالسواد. وأخذتُ أرفع رأسي رويدًا رويدًا، حتى التقت نظرتانا. إنَّني الآن أمامها وجهًا لوجه. ولشدَّ ما كانت دهشتي حينما رأيتُ أنَّ لتلك المرأة وجهًا حنونًا وابتسامةً ودودًا.

وتلعثمتُ وأنا ألقي التحية عليها وأُردِفُ قائلاً:

ـ آسف، يا سيدتي، لقد سقطتْ كرتي في جُنينتكم.

ـ لا بدّ أنَّك الصغير علي ابن جارِنا الحاج محمَّد. أهلاً بك. ادخل واستعِد كُرتَكَ.

كنتُ آمُل أَنْ تأتيني بها هي، وأَنْ أبقى أنا خارج الباب في الزقاق، متأهبا لإطلاق ساقيّ مع الريح إنْ حصل ما يُريب. ولكنَّها أصرَّت بلطفٍ على أن أدخلَ وألتقطَ كرتي بنفسي، مشجعة إياي بابتسامةٍ عذبةٍ ونظرةٍ رؤوم.

تردَّدتُ وهلةً قبل أَنْ أجتاز عَتبةَ الدار بِوَجَلٍ، لأُلفي نفسي في جُنينةٍ واسعة لم تُشذّب نباتاتُها منذ مدَّةٍ طويلة، فَنَمَتْ أعشابُها وتشابكتْ شجيراتُها مكوِّنةً عدَّة أجمات، فاستحال العثور على كُرتي. وأخذتُ أفتِّش عنها بين الأعشاب وخلف جذوع الأشجار بإحدى عينَيَّ، في حين ظلَّتْ عيني الأخرى ملتصقةً بالمرأة تراقبها وتُحصي حركاتها.

وفي طرفِ الجُنينة القريب من باب الدار الداخلي أُقيمتْ طاولةٌ مغطّاةٌ بغطاءٍ حريريٍّ مزخرفٍ تحيط بها أربعة كراسٍ، وعليها إبريق شاي وعددٌ من الفناجين وقالب حلوى كبير. وجلستِ السيدة إلى المائدة، وقد صبّتْ لنفسها فنجانَ شاي، ولكنَّها لا ترتشفه، وأمامها قطعة حلوى في صحن صغير، ولكنَّها لم تأكل منها.

بدا لي وجهُها طبيعيًّا مثل وجوه أمَّهاتنا في البلدة. وإذا كان ثمّة ما يميزه عن غيره من الوجوه، فغلالة الحزن التي لا تُخطئها العين، والتجاعيدُ الكثيرة التي رسمتْها السنون حول عينيْها وعلى سحنة وجهها. غير أنَّ ابتسامتها الحنون لم تفارق شفتيْها.

ـ ربَّما اختفت كرتك وراء تلك الورود.

واتجهتُ إلى حيث أشارتْ بيدها. ولَشَدَّ ما كانت فرحتي حين عثرتُ على كرتي. التقطتُها ودلفتُ مسرعًا نحو الباب. وفي طريقي سمعتُها تقول:

ـ ألا تريد أن تتناول قطعةَ حلوى قبل أن تذهب؟

وتريّثتُ قليلا، وتنازعتِ الإجاباتُ المتناقضة لساني برهةً قبل أن أقول:

ـ شكرًا.. لا.. شكرًا.

ـ إنَّها حلوى طازجة صنعتُها بنفسي هذا اليوم. تعالَ، خُذْ شيئًا منها، قبل أن تعود إلى والديْكَ وتبلغهما سلامي.

وطمأنتني نبرات صوتها الهادئة وجِلستها المسترخية على كرسيِّها، ولم أستطِعْ مقاومة منظر تلك الحلوى الشهيَّة. فاقتربتُ منها بِوَجَل، آملا أن تناولني قطعةً منها لأخرج بها مسرعًا. قالت:

ـ تفضّلْ، اجلسْ إلى الطاولة، فقد ترغب في تناول كأسٍ من الحليب مع الحلوى.

وألفيتني أجلس على الكرسيِّ الأبعد عنها. وقطعَتْ لي قطعةً كبيرةً من الحلوى، شرعتُ في التهامها في الحال، وسمعتُها تقول:

ـ أنت تُذكِّرني بفريد.. ولدي فريد. رحلَ عنّا وهو في سِنِّك. كم عمرُك، يا علي؟ عشر سنوات؟

ـ نعم.

ـ لقد غادرنا فريد وعمره عشرة أعوام بالضبط.

ووجدتُني أسألها، وفمي ممتلئ بالحلوى:

ـ إلى أين ذهب؟

ـ إلى رحمةِ الله.. اختطفه منّي الموتُ الذي لا يرحم.

وبعد هنيهةِ صَمْتٍ، نهضتْ وهي تقول:

ـ دعني أُريك شيئًا.

وما إن نهضتْ حتى هببتُ واقفاً مستديرًا نحو الباب، وعيناي ترمقان بقية قطعة الحلوى التي لم آتِ عليها بعد.

ـ لا، لا تذهبْ.. اجلسْ وأَكملْ قطعتكَ من الحلوى.. سأعود بعد قليل.. سأُريكَ صورته.

وولجتْ البيتَ ورجعتْ بعد لحظاتٍ، وهي تحمل مُجلَّدَ صور (ألبوم) ضخمًا. وجلستْ بالقرب مني وفتحتْ المُجلَّد في وسطه، باحثةً فيه عن صورة ما، ثم قالت:

ـ لا، الأفضل أن نبدأ من البداية.

وعادت تفتح المُجلَّد من أوَّله.

ـ انظر، يا علي! هذا هو والدي. كان رجلاً وسيمًا فارع الطول. كان يحبُّني حبًّا جمًّا، ويُدلِّلني ويغمرني بالهدايا والحلوى والقُبل كلَّ يوم. ولكنَّه مات وهو في عنفوان شبابه،وأنا صغيرة. لم يكُن شابًا، ولكنَّه لم يكُن كهلاً ولا شيخًا عندما أصابته سكتةٌ قلبيةٌ قاتلة.. آه لو تدري، يا علي، كم حزنتُ عليه وافتقدتُه.. وما أزال أفتقده.

وقلبتْ الصفحة وأَرتني صورةً لامرأةٍ جالسة، وهي تحتضن طفلةً صغيرة، وقالت:

ـ وهذه هي أُمّي، وهي تضمُّني إلى صدرها. كانت امرأةً جميلةً، ولها عينان دعجاوان، ويتوِّج وجهَها المستديرَ الناصعَ البياض،شعرٌ طويلٌ فاحمُ السواد، فتبدو كالقمر. ولكنَّها ماتتْ بعد بضعة أشهر من وفاة والدي، كأنّما لم تحتمل فراقه، أو كانت تتعجَّل اللحاق به. ولكنّها تركتْني يتيمةَ الأب والأم. أنا لا أقول ذلك على سبيل اللوم، فقد تحابّا بإخلاص، وكان والدي  يُخاطبها دائمًا بكلماتٍ رقيقةٍ، لم أسمع مثلها حتى اليوم.

وتصلّبتْ أصابعُها على الورقة التالية، كأنّها لا تريد أن تقلبها. ثمَّ نظرتْ إليّ وقالت:

ـ دعني أعطيك قطعةً أخرى. أَرى أنّها أعجبتكَ، أليس كذلك؟

وهززتُ رأسي موافقًا ولم أفُه بشيء.

ـ وهذا هو أَخي الكبير. كان يكبرُني بعامَيْن فقط. وكنّا نلعب سويةً، ونمرح كثيرًا. وكان يرافقني إلى المدرسة كلَّ صباح ونعود إلى البيت معًا بعد انتهاء الدروس. وكان يصطحبني في الأعياد إلى ساحة المدينة، حيث نركب دواليب الهواء ونلهو بالمراجيح. ولكنَّه مات وهو على وشكِ التخرّج في كلِّيَّة الطبّ. كان يأمُل أنْ يكون طبيبًا يداوي المرضى ويخلِّصهم من مخالب الموت، بَيدَ أنَّ الموت كان الأسبق إليه.

ولمحتُها ترفع منديلَها إلى وجهها وتمسح عينيْها، ثمَّ تقلب الصفحة مسرعة.

ـ وهذا هو زوجي وهو على صهوة جواده. لقد كان فارسًا مولعًا بركوب الخيل. كلَّما عاد من عمله امتطى جواده الأدهم، وذهب إلى المزارع المتاخمة لشاطئ النهر. لم يدرِ أنَّ الموت كان يترصَّده هو الآخر. سقط من جواده على رأسه على إثر قفزةٍ غير موفقة، ولم يكُن يرتدي خوذتَه. كان واثقًا بنفسه جدًّا. مات ولم يمضِ على زواجنا أكثر من عامٍ واحد.. وكنتُ حاملاً بفريد.

وأشاحتْ بوجهها عنّي، وهي ترفع منديلَها مرّةً أُخرى إلى عينيْها. ثمَّ قلبتِ الورقة فلاحتْ صورةٌ كبيرة تملأ الصفحة بأكملها.

ـ أرأيتَ؟  ألمْ أقُلْ لك إنَّكَ تشبه فريدًا كثيرًا؟ هذه آخر صورة له وعمره عشر سنواتٍ تمامًا. كان هو كلَّ ما تبقّى لي من أهلي. وكان في غاية الوداعة، ومجتهداً كذلك. كان الأوَّلَ في مدرسته. لو عاش لأصبح اليوم طبيبًا أو مهندسًا. مَن يدري!؟

وخنقتْها العَبرات، فرفعتْ منديلها إلى وجهها مرَّةً أُخرى، وغطَّتْ وجهها بيديْها. وكنتُ قد أتممتُ قطعتي الثانية من الحلوى فنهضتُ، ولكنَّها قالت لي:

ـ تريّث قليلا.. سأقطع لك قطعة أخرى من الحلوى تحملها معك إلى منزلك. يمكنك أن تأخذها معك غدًا إلى المدرسة. سألفُّها لكَ بعناية. هكذا كان يفعل فريد. لا تنسَ أن تبلّغ سلامي إلى والديك.

وشيَّعتني إلى الباب وهي تقول:

ـ يمكنكَ أن تأتي هنا متى ما شئت.

ووضعتْ يدَها على رأسي برفق، وقبّلتْ وجنتي بحنان، وأَوصدتْ الباب خلفي في تُؤدة.

وفي الزقاق، شاهدني أَحدُ الرفاق من الأطفال، وأنا أخرج من دارها، فقال لي بدهشة:

ـ هل رأيت الجِنِّيّة؟!

أجبتهُ باقتضاب:

ـ إنَّها على غير ما كنّا نظنّ.

ومضيتُ إلى منزلي بصمت.

***

بقلم: علي القاسمي - الرباط

أديب وباحث أكاديمي عراقي يقيم في المغرب

 

 

سردار محمد سعيدساد الظلام

نامت زغب الحمام

والشياطين الصغار

أتت ليلاً ونضّت ثياب الخجل

فأضافت إلى السماء نجمة

تمردت

قالت هئت لك

خذ بعضي بل كلّي

واستبدت

من قال أن الطير لم يلثم عيون العسل

تشكلت "عشتار" " أفروديت " و " ايزيس "

"اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى"

أتت قمراً

ورداً

بستان ورد ، يا أعطر وردْ

والماء بالماء اغتسل

صاح الديك ونامت أحداق العشاق

فكّ الفجر مسامير الظلمة

أرجوك تعالي ثانية

حتى لو جئت بأجزاء مما كانْ

لأحس بأني إنسان

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين بيخال والبنج آب

 

حسن السالميلُبس

بعد نهاية الدّرس سأل المدرِّس تلميذه:

- أيّهما أطول، اللّيل أم النّهار؟

- لم أرهما يقفان جنبا إلى جنب!

أنا الموظّف

أرفع رجلا فتغرق أخرى...

المُضاد

أفقت على وجع في صدري وبياض في عينيّ.. هرعت إلى الطّبيب... قال: "في صدرك أجسام غريبة."

حين أفقت من البنج وجدت إلى جانبي كومة من الأصنام..

قال الطّبيب: "نزعنا أصناما من صدرك إلاّ واحدا، لا يحطّمه سواك."

وهو يكتب على ورقه: "ما أسرع أن تعود الأصنام، فَقِ نفسك بهذا الدّواء."

نظرت في الوصفة فإذا هو قد كتب: لا إله إلاّ الله.

بهلول

وقف يتأمّل أرضه المديدة: "إلى متى يأكل الرّجال رزقي؟"... مع غبشة الفجر انشقّ الأفق عن هامة تقترب.. رجل قويّ البنية ساذج، على بدنه أسمال بالية...

"هلاّ شاركتني حرثي؟"

لم تفتح السّماء أبوابها كما فتحته ذلك العام.. الزّرع مديد، ومنجل البهلول يلعب يمينا وشمالا...

"صاعان لي وصاع لك!"

"خسِئت، بل نتقاسمه قمحة لي وقمحة لك"!

عادة

مذ بدأ المارد يتجوّل في دمها، وهي تدمن عادة النّظر في المرآة.. تقف أمامها طويلا تتأمّل حديقة جسمها المثقلة.. تغمغم: أما من قاطف لهذه الثّمار؟

ها هو الخريف يهبّ على أغصانها المورقة وزهورها الفوّاحة...

يشتعل الجحيم في عينيها، يتحوّل بصرها إلى مائة فم، كلّ فم يقطف مائة ثمرة.. عين على المرآة، وعين على يدها الزّاحفة على ما بقي من ثمار.. تهتزّ الأرض، تنفجر ألف آهة، الثّمار في طعم الحصرم، تمضغها على مهل، ثمّ تمضغها في شراهة كوحش جائع.. تسحّ الرّوح عرقا، تهتزّ الهزّة الأخيرة، ينبت الشّوك في صدرها، فتنداح في العينين بحيرات مالحة...

من آيات الخراب

صاحبي من بلاد الشّاق واق:

"مدينتكم يا صاحبي، مدينة العجائب. على كلّ باب من أبوابها يقف حامِل عصا. مهمّته النّظر في الأيدي: الفارغة الخشنة الغليظة، يهوي عليها حتّى تسحّ دما، والنّاعمة الطريّة التي لا تحسن مسك المنجل، يمسّها مسّا خفيفا...

تلك من آيات خرابكم أتلوها عليك..."

اعتليت منبرا وأخذت أتلو على قومي ممّا عُلِّمت، فتساقطت عليّ الحجارة من كلّ مكان...

***

بقلم: حسن سالمي

 

طارق الحلفيلجناح الحلم المغسول بالذكرى الثانية لميلادها

اهدي حفيدتي (امل) سرب كلمات

 

يَهبِطُ الفَجرُ شَفيفاً

فَوقَ غابِ السِّندِيانْ

وانا اسمَعُ صَوتاً

مِن غِناءِ الكَروانْ 

اِنَّها بُشرى القَداسَةْ

والدُّعاءُ كانَ لِلأمِّ أنانْ*   

وهي تلقي في يديها

مِن لُبانِ الزَّعتَرِ الأخضَرِ حِجلاً

ووشاحاَ مِن خيوطِ الطيلَسان

" املٌ " جاءَت بضوءٍ لازَوَرديٍّ مُحَنّى

بِعناقيدِ عَبيرٍ مِن بَساتينِ اصفَهانْ

" املٌ " بُرعمُ ماءٍ

ونسيمٌ من خُزامى

وحكايا مِن خَيالٍ واَغانْ

اخضراً كانَ الندى بينَ يَديها

وسماءً من زهورِ البَيلسانْ

ثَغرُها لَفتَةُ دُنيا وزَغاريدُ الجِنان

ضحكها سِربُ فراشٍ

وحمامٌ طارَ من بين يديها

في حُقولِ الزعفَران

وصديقاً كانتِ الحُلوَةُ " أمّولةُ "

لِلعُصفورِ والأرنبِ والبطِّ وكانَتْ

ضِفَةَ الأفقِ وكَوناً مِن أمانْ

تَغمِزُ الشَّمسَ بِهُدبٍ ويُغطّي

هُدبُها الآخر زَهرَ الأقحُوانْ

وعُيونٌ كَربيعٍ تاه فيهَ البرقُ

فاخضرَّت روابيه ابتهالا

وابتِساماتُ حَنانْ

مَطرٌ بَلَّلَ قلبي

وشَذاها بّلَّ اقدامَ الزمانْ

***

طارق الحلفي

...........................

* إنان / انانا إحدى اشهر الربات السومريات، والتي تقابلها عشتار لدى البابليين.

 

 

عبير خالد يحيى" غادريني"

قالها عمدًا بوجهي:

- غادريني...

كنتِ دائي ودوائي

بلوتي .. وصلاتي

فلقد غارتْ حياتي

في جنونٍ وحنينِ

غادريني

*

أكلَ الضعفُ كثيرًا من قواي

ضاعَ عمري

تحتَ أقدامِ السنينِ

وعنادِك ..

سطوتِك

قد مرَّغتْ حتى الجبينِ

عنفوانٌ من معاني

ردّدتْ أرحامُها

صوتَ الجنينِ

*

تصرُخُ أعماقُ روحي

هل أُغادِرْ...؟

أنتَ من تخلي سبيلي

تستطيعُ التركَ والنسيانَ

وهلْ تقوى

على مرأى رحيلي ... ؟!

أتركُ صوتي في رُباكَ

يرحلُ طَيفي وطِيبي...؟

غادرينني ... غادريني

*

ضرّكَ أنْ أرحلَ عنكَ بعيدًا

بعالمي ..

تطويهِ أمواجُ الجنونِ!

مُتعةٌ للهجرِ

وآهاتِ المحبينِ !

ما الذي تخشاهُ

همسَ المغرضينِ؟

دعْ رِضا الناسِ عنك

فلم يَرضَوا على أفعال النّبيّينِ

ودعني أُحلِّقُ في رحابي

بينَ قصدي

ويقيني

نالَ الشيطانُ مبتغاهُ

غادرَ الحبُّ بليلٍ

فجرُهُ غاصَ عميقًا

بينَ أغوارِ السنينِ

*

ويعودُ الصبرُ مكتوفَ اليدينِ

- ساااااامحيني

فأنا بينَ يديكِ يا حبيبتي

آسرًا أطلبُ منكِ تحتويني

واحتوي كلَّ جنوني

وانفعالي .. وأنيني

اسمحي لي

أمسحُ دمعًا

يتساقطُ كاللّجَينِ

فدعيني..

أرسمُ عهدي ما حيَيتُ

ألعنُ

أسبابَ القساوةِ

والضعفِ المقيتِ

كيفَ أمحي قولي فيها

افتريتِ.. غادريني.

***

د. عبير خالد يحيي

 

صالح البياتيلم يعد هناك شيء يؤخره عن العودة بسرعة لسيناء، فقد انجز كل شيء، اوكل بيع المطحنة لصديقه المحامي حسن، الذي وجد مشتريا يدفع الثمن قبل سفره، اما مخزن الحبوب الذي انتفت وظيفته منذ عقدين، والذي يقابل حديقة البلدية ومبنى الاطفائية، فكان يفكر بتحويله الى مجمع سكني حديث. وبينما كان يفكر بمشروعه المستقبلي، تذكر صديقه سعيد وحلمه بوطن حر وشعب سعيد، شعار الحزب الشيوعي العراقي، فبإنتماءه للحزب طوى صفحة بائسة في حياته، وفتح آخرى نضالية، محى عار اميته وجهله، وفي غضون أعوام قليلة، تمكن ان يقرأ رواية الأم، وعشرة أيام هزت العالم، وكيف سقينا الفولاذ، وطبعا قرأ قبل كل شئ المنشورات التثقيفية، وصحفية الحزب، كان نوح يسميه الشيوعي الريفي، فيرد عليه البرجوازي الوجودي..

وكما درس نوح علم الاقتصاد واطلع على أمات الكتب في هذا الحقل من المعرفة الأنسانية: فعرف ان بذرة الثورة الصناعية، نبتت اولا في تربة إنكلتره الملائمة لنموها، وتغذت شجرتها من رؤوس الأموال الكبيرة، للطبقة الوسطى وكبار ملاك الأراضي، وأنها حملت في النهاية على اغصانها الحديدية، ثمارا طيبة، حيث تراكمت الثروات في خزائنهم، اما العمال الفقراء، فأطعمتهم ثمارا أمر من الحنظل.

لذا كانت الشيوعية الغربية المنشأ، ردة فعل مباشر، واحتجاج قوي على بؤس حياة العمال، كما ان التوحيد كان احتجاجا ايمانيا على الشرك وتعدد الآلهة. ولكن سعيد لا يريد ان يؤمن كما يعتقد نوح ان تربة العراق غير ملائمة ابدا لهذه الأفكار الاشتراكية، فكان يدخل معه في جدل لا ينتهي، يؤمن نوح ان رجال المبادئ الإنسانية، يجب ان يكونوا ارقى من الناس العاديين خلقا، وذلك بالالتزام المطلق بالمثل العليا، لذا عندما اكتشف ان ماركس كان رجلا آثما، لأنه انجب ولدا غير شرعي من خادمة منزلهم، سقط بنظره أخلاقيا، ولم يعد يقيم له وزنا، بعكس سعيد الذي لا يعير أهمية لهذه الأمور، فهو يفصل بين الشخصية والمبادئ، ويعتبر الانسان المثالي والمبرأ من الأخطاء، انسان متفوق على طبيعته البشرية، ولا وجود له في الواقع، ولكنه صنيعة الفكر الديني الغيبي، كان هذا القدح بشخصية مؤسس الماركسية، يثير غضب صديقه الشيوعي، فيعير نوح بأفكاره السطحية والبرجوازية..

 كان نوح يتوخى الحذر ان يتكلم بسوء او يقدح بشخصية واحد من هؤلاء الكبار: ماركس، انجلز، لينين، أيام المد الأحمر، يومذاك كانت مدينة العمارة يطلق عليها اسم موسكو الصغيرة، وكان سعيد واحدا من رواد مقهى العمال بشارع بغداد، والتي تزين واجهتها صورتين كبيرتين لماركس وانجلز، وشعار يا عمال العالم اتحدوا، وكان صاحب المقهى من ذوي الميول الشاذة جنسيا..

وكانت الشتائم المتبادلة، علنا أحيانا او سرا، حسب بارومتر السياسة، بين الشيوعيين واعدائهم القوميين والبعثيين على هذا النحو..

" عميل" و " قذر"

واللافت للنظر تحول سعيد المستمر، من قروي بسيط الى مناضل اممي صلب، وكان في غمرة انغماسه في العمل الحزبي وحماسه لفكره، يتخيل ان العراق عاجلا او آجلا سيتحول للمعسكر الاشتراكي، عكس ما كان يعتقد ويراهن ابن عمته، الشيخ كاظم الموحان، وقد تحداه يوما امام نوح، فيما إذا تحقق حلمه يوما ما، فأنه مستعد ان ينزع عمامته البيضاء، ويعطيها لزعاطيط *المحلة كي يلعبوا بها كرة باقدامهم الحافية ..

يا الله كان الشيخ كاظم رائيا آخر، مثل نظيره المندائي سنيجر..

يوم غادر نوح مدينته نهائيا، كان الطقس دافئا، مشمسا ورائعا، اكتفى بأخذ ملابس امه، والبوم صور كبير، كان فيه صور تذكارية، صورة تجمعه بأخيه الراحل منير، يظهر مدى التشابه بينهما، حمل معه كل تلك الأشياء الثمينة، وتوكل على الله، وسافر مبكرا، وهو منشرح الصدر، مرتاح الضمير، ومتلهف لرؤية سيناء بعد حوالي أربع ساعات، إذا سار بمعدل 90 كيلو مترا في الساعة، ولم يحدث شيء طارئ يؤخره عن الوصول.

لم يشغل باله شيء سوى سيناء؛ التي غاب عنها أسبوعا كاملا، وتركها نهبا للقلق والخوف، ولا بد انها الآن غاضبة عليه، ولكن لا بأس، ستسامحه بمجرد ان تراه واقفا امامها يبثها لواعج حبه واشتياقه، يسافر هذه المرة ولا يفكر بالعودة، وهو مرتاح الضمير، مطمئن النفس، لأنه كان طوال حياته مواطنا صالحا، لم يؤذ أحدا بشكل مباشر او غير مباشر، لم يشعل فتيل حرب، ولم يهن أستاذ شاب امام زوجته، ولم يزج مواطنين في مراكز الحجز، ويطردهم من وطنهم.. ولم يأخذ قلم حبر استاذه غصبا، وأن استمر يكرر (لم) فأنه سوف لن ينتهي منها إلا على أبواب بغداد.. لذا فتح نافذة السيارة وهتف بأعلى صوته...

أنا مرتاح الضمير.

 كررها ثلاث مرات، مرتين أقل من الشيخ كاظم، عندما كرر يوما ما في جامع النجارين كلمة "يا الله" خمس مرات.

 لفحته لسعة هواء بارد، اغلق النافذة، وفتح مسجل السيارة،  فملأ فضاءها صوت فيروز يصدح..

 ياحبيبي كلما هب الهوى وشدا البلبل نجوى حبه، لفني الوجد واضناني الهوى كفراش ليس يدري ما به..

مضى الوقت على أحسن ما يرام، لم يوقفه عسكري في أي من نقاط السيطرة، على امتداد الطريق، عند مداخل المدن والبلدات، كان يبطء السرعة، عندما يقترب من واحدة، استعدادا للتوقف، يرفع العسكري يده، يومئ بها بمواصلة سيره.. الاستثناء الوحيد حدث عند جسر ديالى، حيث كان طابورا طويلا من السيارات، متوقفا هناك عند نقطة السيطرة الرئيسة، قبل الدخول الى بغداد، توقف نوح، وعندما انتهى اليه العسكري، رفع يده وبإيماءة سريعة، تحرك نوح ودخل بغداد من أوسع أبوابها المفتوحة على اللمجهول..

استقبلته المدينة من مكان قصي، بأحضانها الدافئة، من جهة الجنوب الشرقي، نهاية توسعها العمراني، ضواح محتشدة بمنازل، معظمها ذات طابق واحد، وبدون حدائق، ولكن هناك ثمة أشجار متفرقة ومساحات خضراء، وعندما حاذى قناة الجيش، كان منظر الاشجار على جانبي القناة، وانتشار المشاتل الكبيرة، شيء يشرح الصدر، ولما كان نوح قليل الخبرة بخارطة مدنية كبيرة مثل بغداد، فقد أضاع وقتا زائدا في شوارعها المزدحمة، حتى افضى به اللف والدوران الى ساحة التحرير، قلب المدينة، ومركزها النابض بالحياة، كان يفكر عندما وصل هناك باستراحة قصيرة، في حانة صغيرة، لاحتساء كأس او كأسين من العرق العراقي، قبل الذهاب الى المنصور، هناك حيث ستستقبله سيناء بدموع الفرح، وبكلمات العتاب القاسية، لكنه عدل عن الفكرة، وقرر مواصلة طريقه، فعبر الجسرعلى نهر الدجلة الى جانب الكرخ، فشاهد النوارس البيضاء تحلق فوق النهر وعلى ضفتيه، شعر ان زعيقها لامس احاسيسه المتفتحة للحياة نحو بدايات جديدة، كان قد فكر بها اثناء فترة وجوده في مدينته العمارة، صحيح ان الحرب اربكت المسارات، وأدت الى تداخلها ببعض، محدثة فوضى عارمة في جميع الاتجاهات، وضبابية وعدم وضوح في رؤية الأهداف، ابرز ما تنتجه الحرب الغموض والخوف وتجميد المستقبل، الأولوية دائما تكون للحاضر، لليوم الذي يعيشه الانسان.. ولئن كان لها دور هام في تجميد الرؤى المستقبلية لصالح غريزتي القوة والافتراس، التي توارثهما الانسان من عصور غابرة، فأنها أيضا أيقظت الضمير على الإحساس بالآخر الذي يواجه نفس المصير، فهي صحوة وسط ضباب وتضارب الأحاسيس.. فهناك مجالس العزاء تقام في كل مكان، في الازقة الضيقة امام البيوت، حيث تنصب الجوادر التي تسد الطرق، يأكل فيها الفقير، وتسمع فيها تلاوة القرآن، وتتبادل فيها عبارات المواساة، ويحتل الحزن مساحة اوسع في حياة الناس، للحرب وجه بشع، ولكن فيها شيء اخر أيضا، يحسب لها، الشجاعة والتضحية والألم المتوج بالروح الإنسانية..                                      

وصل الأستاذ نوح الى المنزل الذي تقيم فيه سيناء مع ابيها، أوقف السيارة عند السياج، نزل ودق الجرس الكهربائي الذي بجانب الباب الحديدي الأسود، فتفاجأ بها تفتح له الباب. عانقته بحرارة وبكت، وبكفيها الناعمتين راحت تكيل لصدره ضربات سريعة متوالية، تركها تشبعه ضربا، وهو يضحك منتشيا، لأنها قرعت ذاك الباب الذي كان موصدا بوجهها، طوال الأسبوع الذي امضاه بعيدا عنها.. كان هذا هو العقاب الذي يستحقه رجل من امرأة رائعة ربطت مصيرها به في فترة زمنية قصيرة.

"هل كنت تتوقعين وصولي في هذا الوقت بالضبط ، فوقفت تنتظرينني عند الباب!

لم يكن أحد في البيت عندما وصوله، لذا أدرك ان بقاءهما وحدهما، حتى مجئ الأب، امر غير لائق، فبعد إنزال حقيبته، عاد للسيارة، وقصد مقهى قريب، وفي اللحظة التي خطى داخل المقهى، كان صوت التلفاز عاليا، يصدح بأغنية

" احنه مشينا، مشينا للحرب، عاشق يدافع من اجل محبوبته"

 استقبله النادل المصري بابتسامة ترحيب، طلب نوح كوب شاي وكأس ماء، وجلس في ركن بعيد عن الشارع، راح يفكر بكلمات الاغنية وهو يرتشف الشاي، فقال في نفسه، يا الله ما هذه العلاقة الغريبة، بين نقيضين، لابد ان كاتب الاغنية اختلط عليه الامر، فزج كلمة الحرب إرضاء للهوس، الذي هيمن على الأجواء العامة، وعندما عاد نوح الى البيت، التألم شمل الجميع على مائدة العشاء التي أعدتها سيناء، احتفاء بعودته من السفر.

دارت الأحاديث كالمعتاد حول الحرب التي تصدرت نشرات الاخبار العالمية، خاصة وأنها باتت تراوح في مكانها، اما التهجير القسري على خلفيتها وقبلها، فلم يتوقف، كان منذ البداية عملا ممنهجا، يهدف للتخلص من مواطنين من الدرجة الثانية، اقلية صامتة؛ قد تنفجر متى ما تهيأت لها الفرصة، وهذا ما كان يقلق النظام. تحدث صاحب البيت الحاج إبراهيم عن التغيرات المستمرة في تركيبة سوق الشورجة، منذ تولي الرئيس زمام الحكم، أكبر سوق تجاري في بغداد والتي كان يهيمن عليها منذ عقود من الزمن، تجار اكراد فيليون، واخرون من أصول إيرانية، ومن قبلهم في الأربعينات، تجار يهود عراقيون.

 " ابعدونا عن المشاركة في الحكم، فاتجهنا الى مجالات أخرى، والآن يحاربوننا في مصدر رزقنا،  يسعون لتعريب السوق.فهل كان إيرانيا، الم تكن الشورجة منذ القدم سوقا بغداديا ذائع الصيت، ضاهى في شهرته سوق الحميدية!  هذه عقلية عقيمة، لرئيس لا يفهم بالسياسة ولا بالأقتصاد، لا يريد ان يترك اقتصاد البلاد لذوي الخبرة، دون ان يتدخل فيه.."

"هل تعتقدون ان هذه المطاردة ستنتهي يوما، أقول لكم لن تنتهي ابدا، لأنها جوهر السياسة في العراق، وقد نشأت عليها دول في التاريخ، المطاردة هي اللعبة المفضلة، اليوم انت الطريدة وغدا انت القناص، وهكذا تدور عجلة السياسة ولن تتوقف ابدا."

 علقت سيناء على كلام الأستاذ نوح.

" نوح يفلسف اراءه بطريقة غريبة، هل تفهمان ما يقول؟"

دافع نوح عن رأيه، بأنه  يفكك التشابك بين الاحداث، ويستنطق الماضي ليفهم  الحاضر."

" وما الحل، كيف نخرج من هذه اللعبة الخطرة."

" بتدخل النبي العزير.."

 قاطعه الحاج إبراهيم.

" النبي العزير المذكور في القرآن، ابن الله."

"عمي الحاج سبتي يعرف مكانه *.."

 تدخلت سيناء ونصحتهما الا يأخذا كلامه على محمل الجد، انه أحيانا يخلط بين الجد والهزل. ولكن العم ابراهيم اصر ان يعرف.

"وكيف سيكون الحل عند نبي مات منذ آلاف السنين!"

" الله اعلم، هذا ما ستكشفه لنا الأيام"

  ضحك الجميع، ولكن كما يقال شر البلية ما يضحك.

 دار الحديث بعد ذلك عن اليهود ليتشعب الى مواضيع شتى، كان من بينها حوادث الفرهود عام 1941، التي طالت اليهود في العهد الملكي، خلال يومين، الأول والثاني من حزيران، وما رافقها من اعمال سلب ونهب وقتل مروعة، وكان الحاج إبراهيم آنذاك صبيا، وشهد بنفسه تلك الاحداث، ويتذكر شابا مسلما يعمل في محل اقمشة، يملكه يهودي بسوق دانيال، كان يعشق ابنته، وعندما بدأ تهجيرهم الى إسرائيل، التجأت الفتاة الى بيت حبيبها، وتوسلت بوالده ان يوافق على زواجهما، لكن الأب رفض، وكانت حجته انه لا يريد ان يتربى حفيده او حفيدته، في أحضان ام يهودية، فهدده الابن بالانتحار، لكن قلبه لم يلن، وهنا تدخل والدها وإستخرج له وثيقة تثبت بأنه يهودي، وهاجر مع حبيبته..

" الاحداث التي كنتَ شاهدا عليها يا حاج، تؤكد ما قلته قبل قليل عن المطاردة، ولكن فيما رويت هناك جانب انساني، نهاية رائعة لقصة حب، ليت مشاكلنا تنتهي هكذا، اتعرف ان العلم أكد ان المشاعر الطيبة والايجابية تساعد الانسان على الشفاء من الأمراض النفسية وحتى البدنية."

استمرت المسامرة، وتجاذب أطراف الحديث حتى منتصف الليل، ثم انفرط الجمع، وقام كل منهم وذهب الى غرفته لينام، على امل صباح جديد، يشرق بشمس بيضاء بدون حرب، ومطاردة مواطنين ابرياء، تحولوا بين ليلة وضحاها اكباش فداء..

جلس نوح في سريرة يفكر بالشاب جاسم اخ هيلة، وبصديقه المحامي حنا، الذي انقطعت اخباره، منذ اخر زيارة قام بها، قبل وفاة المرحومة، وكان اول شيء قام به عند الصباح شراء كل ما يحتاجه الشاب المحتجز من أشياء ضرورية، وعندما ذهب لزيارته سأل عنه العسكري الواقف عند بوابة المعسكر، فأخبره انهم نُقلوا الى سجن ابي غريب، وهناك لا يسمح بالزيارة، وعندما سأله نوح عن جاسم، قال انه يعرفه، الشاب الأبيضاني، كان طيبا، يوزع ما لديه على المحتجزين وعلى الجنود المكلفين بالحراسة..

اما صديق نوح المحامي حنا، فبعد السؤال والتقصي عنه، توصل الى معلومة مفادها انه اما ان يكون قد أُعتُقِلَ او قُتِلَ. ولا يعلم ماهي تهمته، ربما كان من ضمن مجموعة الثلث الذين تم تصفيتهم من القيادة، حال استلام الرئيس الحكم.. قال نوح يا ألهى لقد اعتاد الناس في شتى بقاع العالم، على سماع اخبار جيدة وأخرى سيئة، ومن العجيب اننا نسمع اخبار واحدة كلها سيئة، ومع ذلك لا نصاب بكآبة نفسية حادة، ولا ننتحر..!

 ما السر في ذلك، هل ان اعصابنا قدت من فولاذ، ام ان الاعتياد على مثل هذه الاخبار، خلق فينا مناعة او قناعة بعدم التذمر، او حتى الشكوى، لان الشكوى كما كانت تقول امي لغير الله مذلة، او لأن ليس لاحد مقدار من الحزن اقل من الآخر، كل يستلم حصته، او أحيانا يحتمل أحدنا حصصا إضافية..

أي شعب هذا الذي خلقته يا لله يحتمل كل هذه المآسي كما يحتمل هذا الشعب.. وتضرب لنا مثلا عن صبر أيوب!

 انه جمل في صحراء يحمل على ظهره جبلا عاليا.

 مرت الأيام وجاءت مناسبة الأربعين على رحيل والدته، زار قبرها وبكى وذرف الدموع فشعر براحة نفسية، قفل راجعا ليبحث عن منزل يستأجره، ريثما يبني المنزل الذي سيكون عش الزوجية، أما الآن فلديه شيء واحد، اولوية أن يحدد موعدا لزفافه على سيناء، عرض عليه الحاج إبراهيم ان يقضي شهر العسل، في مزرعته بالجادرية، حيث بنى هناك منزلا ريفيا وقام بتأثيثه بنفسه، لم تبق سوى حفلة الزفاف وقد أقيمت في نادي المهندسين بالمنصور، بعدها امضى الأستاذ نوح احلى الأيام مع حبيبته بين أشجار النخيل والبرتقال ونسائم الدجلة العليلة، وتعرف على البستاني وعائلته، وقال في نفسه وهو ينعم بهذه السعادة التي اغدقتها السماء عليه، كمطر هطل في اوانه، فأنعش ارضا عطشى، ادرك انه أخطأ في حكمه الأحادي على الأشياء، حيث ان في عمق المأساة ثمة بصيص من الأمل، وفي اخر الليل تشتد الظلمة قبيل انبلاج الفجر، وان ذرة الغبار التي تؤذي الانسان، تكون نواة لحبات المطر في الصحراء، وان الثنائية هي المحور الذي تتحرك عليه عجلة الحياة، كان قد اقتنع ان الهرب من الوطن عند الازمة يعتبر خيانة، وان أولئك المواطنين، الذين الصقت بهم التبعية الإيرانية، هم مواطنون عراقيون لانهم استماتوا من اجل البقاء كما فعل اخوانهم اليهود العراقيين، الذين هجروا قسرا الى اسرائيل من قبل، ولا غرابة ان ماتوا معنويا في منافيهم بعيدا عن الوطن، الذي ترعرعوا فيه، جاءوا مع سبي بابلي ونفوا بعده بقرار سياسي، فالشجرة المتجذرة في الارض تموت عند اجتثاث عروقها من التربة.. ولا يفهم هذه الأمور أولئك الذين نفذوا عملية التهجير، لذا فكر بعد تأمل طويل، اثناء اقامته في المنزل الريفي، برغبته في مقابلة الرئيس، نعم رئيس الجمهورية بشحمه ولحمه، وعندما اتخذ نوح القرار، عين اليوم الذي سيذهب فيه الى استعلامات القصر الجمهوري للحصول على موعد، وعندما عرض الفكرة على سيناء ضحكت منه واختصرت فشل محاولته مسبقا، فقالت ساخرة، ستعود بخفي حنين أو كما نقول بلهجتنا المحلية:

" تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي"

كانت سيناء تجلس مع زوجة البستاني، وكان الحديث بينهما يدور حول قلق المرأة على ابنها المجند، الذي التحق بوحدته العسكرية، قبل مجيء سيناء ونوح، سألت امرأة البستاني سيناء عن صحة الكلام حول وساطة إسلامية لوقف الحرب، فطمأنتها سيناء بكلمة تمني وامل ودعاء حار، نبعت كغصن زيتون اخضر وحمامة سلام بيضاء من أعماق قلبها:

 "إن شاء الله ستتوقف يا خالة.."

اطالت المرأة النظر لوجه سيناء، كأنها تريد ان تؤمن حقا بما قالته، وأن السلام سيحل فعلا كما قالت. ورددت بصوت منكسر، مستسلم وخافت

" إن شاء الله"

كان نوح اثناء غياب زوجته يهمس لنفسه منفعلا، سأقابله أخيرا، ولكن ليس من أجل نفسي، انا شخصيا لا اطلب شيئا، سأقابله من اجل الناس البسطاء، ولكن ليس كما يفعل الرجل المتملق والمنافق الجبان والمداهن المحتال، لأني سأقول لفاقد البصر انت اعمى، ولا اكذب عليه فأقول له انت بصير، وأقول لمن فقد عينا واحدة انت اعور، ولا أقول له انت كريم العين، ارتفع صوته فقال ليست المشكلة في الحكام، المشكلة فينا نحن الذين نكذب ونخدع ونخون أنفسنا، او كما قالوا من قبل وصفا لهذا السلوك الشاذ:

يصانع ويضارع ويتبع المطامع..

عادت سيناء فكلمته عن امرأة البستاني، اتفقا على مساعدتها بشيء من المال قبل مغادرتهما.

" المسكينة قلقة جدا على ابنها."

" لم يعد القلق اضطراب نفسي يصيب المفكرين والشباب المنطوين على أنفسهم، وهاجس يلازم الموسوسين على صحتهم، والتجار على اموالهم، صار مرض عامة الناس."

 ظلت فكرة مقابلة الرئيس تراوده، ولا تبارح خياله، استحوذت عليه بقوة، وعندما نصحته سيناء بالتخلي عنها، قال لها انه لا يستطيع، لأن تنفيذها سيجلب له الراحة النفسية والسلام الداخلي، وعدها انه بعد ذلك سيكرس حياته لسعادتهما المشتركة. ويتفرغ لصناعة اثاث المكاتب الحكومية، لما فيها من مستقبل واعد، وتوفير عملة اجنبية للبلاد، تذهب عادة على استيرادها من الخارج..

" اعدك حبيبتي أنى سأكون واحد من أبرز أعمدة الاقتصاد الوطني في العراق."

 وبينما كانا مستلقيان على السرير، يتحدثان عن المستقبل، كان هناك في مكان ما، بعيد، تدور ماكنة الحرب، فيخفي الظلام قبح الأشياء، وهنا في البستان، يخفي جمال النخيل واشجار البرتقال، كان نوح ينظر لوجه سيناء بوله، ويخفي في نفسه رغبته العارمة بمقابلة الرئيس وجها لوجه.

كان الهدوء يهيمن على المنزل الريفي وما حوله، النهر يجري متهاديا في جريانه، والعصافير والطيور هجعت في قلب الأشجار الكثيفة، ولا أحد يعرف بمكان نوح وسيناء سوى صاحب المزرعة، الحاج إبراهيم وأبو سيناء والبستاني وعائلته، أي سعادة هذه، لا تقدر بثمن عندما يشعر المرء بالأمان وينام مطمئنا هانئا في فراشه.. فجأة قال نوح:

" تخليت عن مقابلة الرئيس، ليذهب للجحيم"

" الحمد لله.. تحررت الآن من مشكلة كبيرة، ماذا بعدها؟"

"بقي شيء واحد."

"يا الله.. ما هو؟"

" أوراق المحامي حنا التي اودعها عندي."

" قد تنزل علينا مصيبة بسببها، لماذا لا تتخلص منها!"

" كيف اتخلص منها، ربما دفع حياته ثمنا لها، ومقبل وسعيد وآلاف غيرهم فعلوا ذلك، ما الفرق بيني وبينهم؟

" هم اختاروا هذا الطريق بمحض ارادتهم."

" هذه هي فرصتي الأخيرة يا سيناء، فإن لم افعل، سأبقى انسانا عاجزا، ضعيفا وجبانا، ولن أستطيع حتى حمايتك، امنحيني هذه الفرصة لأبرهن لك انني رجل يستحقك بجدارة."

" اين هذه الأوراق؟"

" لا تزال في المكان الذي خبأتها فيه."

" اين؟"

" في السيارة"

احضر نوح الأوراق، قلبها بسرعة، كانت وثائق خطيرة، عن إنتزاع إعترافات تحت التعذيب الجسدي والنفسي، افضت باعدام متهمين امام محكمة أمن الدولة."

 "الم اقل لك انها مصيبة."

 " سأعيدها لمكانها. اعرف ان وجودها في حوزتي، مجازفة كبيرة."

" مخاطرة يا نوح، نحن في غنى عنها."

"لا تخافي، الخوف أحيانا أقسى من الموت نفسه."

" لماذا المجازفة"

 " هذا هو واقعنا يا عزيزتي سيناء، وانه قاس ومؤلم، وسأكون كاذبا ان الونه بألوان زاهية، كي يقال عني متفائل."

وعلى الأستاذ نوح ان يتعلم من الواقع الجديد درسا، ان ينحني للعاصفة حتى تمر..

اقنع سيناء بالسفر الى عمان لقضاء شهر العسل، وإستطاع ان يهرب الملف بدسه بين الصور الشعاعية والتقارير الطبية التي تعود لأمه، وضعها ظاهرة للعيان، فوق الملابس، لأبعاد الشك، وعندما سؤل عنها عند التفتيش في المطار، قال انها تقارير طبية لزوجته المصابة بالسرطان، يأخذها للعلاج في الأردن.

 نظرت سيناء للرجل ولزوجها باندهاش وحيرة، تنفس نوح الصعداء، وشعر ان شيئا من الخوف واليأس، والقلق، والغضب، مزيج غريب من مشاعر متناقضة، قد اخذت تتفكك تدريجيا وتتلاشى سريعا، ومعها انزاح الم مكبوت في صدره، وحينما استقر بجانبها، في مقعده بالطائرة، المتجهة لعمان ، سألته سيناء بإندهاش:

" لماذا تمنى لي رجل الامن الشفاء؟"

" لا أدري.. ربما لانه رأى وجهك ممتقعا بالصفرة فظنك مريضة، أكنت خائفة يا سيناء؟"

" خائفة...! مرعوبة من الخوف، هذه اول مرة اسافر فيها خارج العراق."

" مع أنك تحملين جوازعراقي فإنت أجنبية بنظرهم، رغم لهجتهك الميسانية الجنوبية التي اموت فيها، وأنك درست الادب الإنكليزي بجامعة بغداد.. أي تناقضات هذه التي جُمعتْ كلها في شخصيتك يا سيناء!"

" اسألهم.. لماذا تسألني انا!"

   أقلعت الطائرة، فكانت كلما ارتفعت في الجو بضعة مئات من الأمتار، تناقصت همومه قليلا، قال في نفسه، آمل قبل ان نعبر الحدود، سأجمع ما تبقى منها وسأرميها من النافذة الجانبية، وسأرها كمظلة سوداء تهبط للأرض التي غادرناها قبل دقائق معدودة، وتركنا فيها تاريخ حياتنا وذكرياتنا.

ارض الوطن التي أحبها بعنف وكان مستعدا ان يموت من اجلها، والتي تركت بصمتها الأبدية على حياته، كما تركت أيضا وصمتها الأبدية على جباه آخرين دأبوا على تدميرها.

 

صالح البياتي

....................

* حلقة من رواية: بيت الأم

- الزعاطيط: الأولاد الصغار باللهحة العراقية

- العزير النبي: يقع مرقده على نهر الكحلاء جنوب مدينة العمارة

شكرا لمتابعتكم.. يتبع رجاء

 

 

نور الدين صمودإهداء إلى:

ماجد الغرباوي

 

 [قال المعري، وهْوَ في****مـا قـالـه شيـخٌ صَـريـحْ:]

في اللاذقــيَّـةِ فِـتـْنـَة ٌ******ما بـيـنَ أحـمَدَ والمَـسـيـحْ

هـذا بناقــوس يَـــدقّْ***(م) قُ، وذا بـِمِـئْـذنـَةٍ يـصـيــحْ

كـُــلٌّ يُـؤيّــِدُ ديـــنـُـهُ***يا ليتَ شعري ما الصحيح!1؟)

 [وهْــو العليـمُ بأنـّـه****مِــن ربِّــنا الدّيــنٌ الربــيحْ2]

[بَــدْءًا بـآدمَ للـــورى****فإلى الخليـلِ أبي الذبـيــحْ3]

 [وسِواهُمُ مِـن بَعدِهمْ*****أو قـبلـهمْ من عـهـد نـوحْ]

[فإلى الكـَليـم4، وإثـْرَهُ****الناصرِي عيـسى المـسيحْ]

 [وختـامُهُمْ بــمحمــدٍ،****من ربنا، ديـنٌ صــحـيـــحْ]

[المصطفى رمْـزُ الهُدى***لجـميـعهم وجـب المـديــحْ]

[في القدس كان إمامَهمْ****وختامَ ذا الدين الصـحيــحْ)

[وسواهمُ قــدْ دَجَّــنوا****مَــن كـان ذا عقل ٍ كـسيحْ5]

[فالصيــنُ فيـها عابــدٌ****بـوذا السَّـمـيـنَ المستـريـحْ]

[دَوْمًـا نــراه كـــأنـَّـــه،***في حجــمه، فــيلٌ طــريـحْ]

[تـَلــقــاه دومًا جـالــسًا****فـكـأنـه عــبْــدٌ كـَـســيـــحْ]

[والهندُ كم ذا ألـَّهــوا*****بَـقـَــرًا رأيـْـنـاه ذبــــيـــحْ]

[لم يستطعْ، بقرونهِ*****إنْ ماتَ، إرجـاعًــا لـروحْ]

[ولقـدْ رأيْــنـا عـابــدًا****أفـعَى لـها دومًا فـحــيـحْ6]

[والناس مِن أتباعهمْ*****لـَيْـسـوا بأهـــل ٍ للـمديـحْ]

[والدينُ تـِرْيـاقٌ، له*****يَـسْعَى مريضٌ أو جريـحْ]

[فيهمْ يقولُ أبو العلا،****وأراه في هــذا صــريــحْ:]

كـُـلٌّ يُــؤيّــــِدُ ديــنـُـــهُ***يا ليتَ شعري ما الصحيحْ؟

[وجوابُنا لأولي7 النـُّهَى**والعقلُ أنـصَـحُ مِن نصـيـحْ]

 [أنْ يتـْبَعوا، بـعُـقـولهمْ**ديـن الخـليــلِ أبي الذبــيــحْ8]

 [وجوابنا لجميع مَـنْ****قـد صـدَّقـوا ديـنًـا صحـيحَ]

[ولِمَنْ أراهم آمنوا******في الدين بالـرأي الرجـيحْ]

[ولمن أراهم تابعـوا*****مَــن كـان ذا رأيٍ قـبـيــحْ]

[قد صَدَّقُـُوا مَن نجّـموا**أمثـالَ شِــقٍّ أو سَــطِــيــحْ9]

 [مَدحُوا الذي يهوى الهوى*والعــقــلُ أولى بالمـديــحْ]

[فلــْتوقظوا العقل الذي***واريْـتمــــوه في الضــريحْ]

[فاللهُ أرســلَ رُسْلـَــه****من قـبل ِأو من بعـد نـــوحْ]

[وجميـعُ ما جاؤوا به****مِــن ربِّــنا ديــنٌ صــريــحْ]

[والنفس، مذ كانتْ، لها***نحْــوَ الـذي تـهوى جُــنوحْ]

[فرأيتُ أصحابَ الهـوى**شـَرَوُا الضَّلالة َ بالوُضوحْ]

[وجرى الغـُلاة ُ بدينهمْ***خلـْــفَ المطامع بالطّـُّموحْ]

[إذ ْ طوّعوه لما اشتهوْا**والنـّـفـسُ تأمــرُ بالقـبــيــحْ]

[ولهــا، بإلهــامٍ لهـــا،10**نـحْــو الـذي تـهوى جُــنوحْ]

 [أرأيْـتَ مَنْ تَخِذَ الهــوَى*ربًّــا يــدلُّ عـلى الـقــبـيـحْ؟11]

[والروح تـَعْـرُج للسـمـا***وطريــقـُها جَــمُّ الوُضُــوحْ]

[خِــتـَم الرسالة َربِّـهــمْ***بمـُحَـمَّــدِ بــعْــدَ المَـسـيــحْ]

[المصطفى رمْـز الهُــدى***ولكــلــِّهـِـم وجـب المـديــحْ]

 

ا. د. نور الدين صمود - تونس

....................

هوامش

1- هذه الأبيات الثلاثة للمعري من ديوانه سقط الزند، وليست من اللزوميات لعدم وجود ما يلزوم.

2- ربيح: ربح ربيح. مثل مدح مديح

3- أبو الذبيح: إبراهيم خليل الله الذي فدى اللهُ ابنـَه بذبح عطيم.

4- كليم الله: موسى عليه السلام، وقد جاء بعده عيسى بن مريم عليه السلام.

5- إشارة إلى المتنبئين الذين ادعوا النبوءة في مختلف العصور،

وأمثالهم قديما وحديثا.

6- الفحيح: صوت تصدره الأفعى عند فزعها.

7- أولي بمعنى الذين وتكتب بالواو مثل: أولئك، وقد أخطأ الكير من الكتاب فكتبوها بدون واو.

8- قال إبراهيم الخليل: كما ورد في القرآن: (وأنا أول المسلمين)، لأن الدين واحد من عند الله أرسل لناس كافة بواسطة الرسل والأنبياء).

9- شق بن أنمار وسطيح بن مازن، وكان يدرج كما يدرج الثوب، ولا عظم فيه إلا الجمجمة). وكان في العرب منهم كثير وذكروهم في أشعارهم. فعند بن خلدون: الكهانة تعلم الغيب، وهي نبوة ناقصة، وهناك الكاهن كأنه مرشح نبي. فعند ابن خلدون ال أبن منظور في (لسان العرب): (سطيح هذا الكاهن الذئبي من بني ذئب كان يتكهن في الجاهلية، سمي بذلك لأنه لم يكن بين مفاصله قصب تعمده، فكان أبداً منبسطاً منسطحاً على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود، ويقال: كان لا عظم فيه سوى رأسه). وقال الثعالبي في (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب): (سطيح الكاهن كان يطوى كما تطوى الحصير، ويتكلم بكل أعجوبة في الكهانة؛ وكذلك شق الكاهن، وكان نصف إنسان

10- تلميح لقوله تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح مَن زكاها وقد خاب مَن دساها). والملاحظ أن جميع الديانات السماوية والوضعية وحتى الأحزاب السياسية التي جاءت بعد الرسالات السماوية وقع فيها مثل ذلك لأسباب كثيرة متعددة، بدوافع عقائدية أو نفسية أو مصلحية.

11- تضمين لمعنى الآية الكريمة في الفرقان 43: أرأيـتَ من اتخذ إلهه هواه فأضله عن السبيل) وفي الجاثية 23. (أ فرأيتَ من اتخذ إلهه هواه)

 

نجيب طلالغادر شقته كعادته، مرح السريرة، بشوشَ الوجْه. متوجها نحْو مصعَد العمارة .بعْدما قضى مآربه وحاجياته؛ وتناول وجْبته الصباحية . ضغط على الزر؛ فانفتح بابه ، فتلفظ بصباح الخير لجاره . فلم يرد عليه التحيَّة.

كظم جفاء جاره، متوجها إلى عمله، فصادف أحَد الساكنة، فحَيَّاه بصباح الخير فلم يرد عليه التحيَّة، كما فعل جاره، فاستغرب في الأمر ! وظل يتساءل في دواخله عن السبب ، حتى وصل لبوابة الإدارة؟

نظر للحارسين نظرة تأمل؛ وبسرعة فكر هل يُحَيِّيهما أم يعْرض عَن تحيتهما؟ لكن لباقته وأخلاقه . فرضت عليه عكس ذلك،  فتلفظ بصباح الورد والياسمين، لكنَّ أحدهما أدار وجهه، والآخر ردَّ عليه:

- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

ابتسم، وصعِد المِصعَد نحو جَناح مكتبه، فصادف جاره الذي لم يحَيِّيه، جالسا على مقعد الانتظار؛ ماسكا تسبيحة الزهراء :ربما يلعب بها أو يُسبِّح لله أن تقضيَ حاجته الإدارية ....؟

اقترب إليه يسأل حاجته وسبب وجوده في بهو الإدارة؟  دون أن يحَيِّيه، فانفعل جاره وصرخ في وجهه كأنه ابنه  :

- يا أخي، قل السلام عليكم أولا؛ فهي تدعو لسلامة الدين والعقيدة.

كعادته ابتسم في وجهه، وحَيَّاه بتحِيته المعتادة .

- يا أخي، إنك تخالف تًحيَّة الإسلام !

-   صباح الخير أوصباح الفل... أليست تحيَّة؟

- كلا، إنها بدْعة من بدَع المشركين، وخاصة هي تحية مجوسية ! والكلمة تجذب الشياطين ! ولهذا السبب لم أرد عليك صباحك ونحْن في المصعَد !

-  من قال :إن صباح الخير تجْذب الشياطين؟!

- عُلماؤنا الأجلاء .

- هؤلاء العلماء، ألا يتكلمون اللغة العَربية؟

- المهم صباح الخير ليست تحية المسلمين !

- لم يكن في عِلمي؟  ولكن هل في عِلمك أن صباح الخير يقصد بها إشراقة يوم جديد وهي إلاهية المعْنى؟

- اثق ربك يا رجل؛ ولا تكُن مثلهمْ .

- اثق ربك أنتَ، واسمع لي جيدا؛ فهل الصباح صباح علمائك أم صباح ربِّ العالمين؟ هَل أنت َ

صاحب الخير أم ربُّك؟

نظر إليه جاره في صمت، لكن بلباقة أخَذ من يده الورقة التي جاءتْ به لمصلحة الضرائب؛ وابتسم كعادته .

- انظر لاستدعائك، هاهي الإدارة تسلم عليك بصباح الخير باللغة الفرنسية !؟

 

نجيب طلال

 

عبد الجبار الحمديألقته سيارة مظللة في ميدان لاه مكتظ ثم غربت حيث المجهول، لم يلحظوه إلا حين صم آذانهم منبه سيارة أخرى متحاشية دهسه، سارع البعض بالسباب على صاحب السيارة ظنا أنه صدمه، هموا برفع ذلك الجسد الذي لا زال مضرجا بالدماء.. إنسل صاحب السيارة خوفا كالنمل المتسارع بآلية يومية، أحاط به البعض يسأله هل أصابته بليغة؟ وآخر يقول: أطلبوا الإسعاف كي تحمله الى المستشفى، غطى وجهه بكفيه اللاتي فقدت أحداها أغلب أصابعه والعشرة أظافر.. شعر الجميع أن حاله ليس كشخص صدمته سيارة، ابتعد أغلبهم إلا ذلك الأعرج الذي تعرف عليه وجره صوبه حتى أجلسه تحت بيت درج مدخل العمارة... لم يحدثه بل قام بتغطيته ثم عاد حيث عمله كحارس يستوجب الجلوس على كرسي تمغط كسلا كلما أسند ظهره عليه، محدثا صوت ريح يخرجه بعد ان تنتفخ بطنه بالهواء، كما هي بطون المراحيض التي ينظفها ومن يستخدمها، أعتادته الناس مدخنا شرها لا تكف اصابعه عن الإمساك بخاصره سيجارة، تلك التي ملت حياتها والعيش في فم غابت عنه الأضراس والأسنان، فبات كهفا مظلما كالقبر ما أن يَدخله الدخان حتى يشعر برطوبة ورائحة الموت التي تقطن على ذلك اللسان المخضر... لا يتحدث إلا نادرا، فقد عابه لسانه المقطوع طرفه نتيجة البوح برأيه هكذا يشيع لمن يسأله، كُسِرت ساقه كونه تمنى المضي نحو ما لم يكن يحلم به بعد خروجه من دار العدل والميزان الأعوج حيث غرف الناي..

مضى النهار متسارعا، الشمس تحرق من تمسه بلهيبها، اختفت المركبات إلا من لزمها السير بإطارات مترهلة فباتت تحدث صراخا تثيره بدخانها مشيرة أنها قد سُلِخت من زحمة سير.. المارة كل أنزوى لملاذ، إلا القليل ممن ساقتهم الحاجة يُسلَقون في بطن عرباتهم يغطون وجهوههم بعض الجرائد القديمة وهم يريحون جسد متهالك من دفعها بعد أن كلت نفسها..

لا يعلم كيف؟ فأغلبهم يتساءل؟ كم نهار هذا اليوم طويل؟ فالشمس لا تريد ان تغيب، إلا بعد فَضحِ جبروت أحد وجوه أعتاد أن يشاهدها هو والعامة في التلفاز، او سماعها وصفير يسبقها، كأن العالم سيتجدد بحركتهم.. غير أن احلام الفقراء تبخرت من حرارتها فسترت من تظلله سيارة بطنها باردة، وأذابت من كشف وجهه رغم تغطيته، أنصرفت كعادتها تجر أذيال خيبة أملها في صحوة من تقبعوا بخيانة الذل والهوان ستارا ورقيا يطير بما كتب عليه من عبارات ملتها الآذان رغم أنها تردد في كل آذان... وبعد عسر ولادة جاء الطلق فغابت الشمس، حمل بيديه ما يمكنه بل ما أعتاد ان يتناوله في كل ليلة وجبة كي يسد حاجة بطنه التي تقرقر ضجرا من تكرار نفس الطعام الذي باتت لا تستسيغه، حتى أحماض بطنه ترملت بعد ان فقدت حظوة تغيير طَعم، جلس وقد أزاح الغطاء عن ذلك الجسد المتهالك وهو يقول له:

هيا أنهض لقد بتنا وحدنا، هيا قص علي... ماذا حدث بعد خروجي من المحكمة؟ وأين سجنت؟

الآخر بالكاد انحرف بأضلعه التي تطقطق مع بقية عظام كأنها تجيب همسا:

أرفق بي يا حقير فما عدت أتمكن من الحركة

مد يده كي يساعده، لكنه صرخ من شدة الألم مما جعل الأعرج يضحك... استغرب منه!! فقال له:

لعنك الله اتضحك مني وأنا كما ترى حالي؟

الأعرج: لا أبدا يا عدنان لكني تساءلت عن كمية الضرب التي أُكلتها حتى تَنَمَلَ جسدك وخَدِر، بالتأكيد بعدها لم تشعر بقسوة وألم الضرب، فتكف عن الصراخ كما حصل معي... عندها تخرس الأصوات، يكفون عنك حتى تستعيد وعيك، ثم يعيدون عليك حكاية ماذا تعرف؟ ومن أشار عليك بأن تقول وتشهد بذلك؟ أظنك مررت بنفس السمفونية، ضحكت لأني فقط حاولت أن أساعدك كي تجلس فصرخت متأوهً، ترى كيف كان صراخك وتأوهك هناك في ثقوب الناي؟ عند الذين جعلوك تعزف أنينك من خلال ثقوبه المظلمة بعد أن أنهكها العتم وقطن فيها الوجع لتخرجه آناتك صراخا كلحن الظلم الذي دندنته قبلك في سنين خلت... صدقني كنت أحاول ان أتقصى أخبارك، لكن في كل مرة أحاول يأتيني من يحذرني، يُذَكرني كسر ساقي وقطع لساني، أخاف ذلك المشهد، فأخرس لأيام عديدة ثم أعيد الكَرَة، لا أتحدث حتى مع نفسي في سؤالها عنك، هيا حاول أن تجلس، أسند ظهرك على الحائط هيا قص عليّ كل شيء، لا تترك أي ركن من الظلمة الذي تحسستها وتلطخت بدمك إلا وقصصت لي ماذا قلت لها؟

عدنان: لاشك أنك مخبول يا راضي!!؟ أنظر حالي... هل تراني أستطيع الجلوس؟ أنظر مقعدي؟ أنظر ظهري ثم نزع عنه ما يستره، كانت صورة بشعة لآثار المقارع التي حفرت ظهره، أرأيت؟ هي إرهاصات ما كنا نؤمن به، أو هكذا ظننت، إنها إنعكاس حرية التعبير والفكر، كثيرا ما كنت ما تقول:

سيأتي يوم تغير الأقدار من معالم الحياة، لكنك لم تقل أبدا أنها ستغير معالم وجهي وظهري وحياتي البسيطة التي كنت أعيش، كم مرة لعنتك في صراخي وفي صمت، حينما يدخلوني في كل يوم حفرة جديدة، ثم يجتمعون علي وذلك الجلاد النتن حين يركبني بعد ان يقول له سيده... أهتك رجولته، حطم كبريائه ثم أخصيه كي يكون بلا حلم، بلا أمل... الأمل ترى هل لا زلت تحلم بأن هناك أمل في تغيير نمط حياتك؟ ام أن التغيير قد بدأ بساقك ولسانك، وعندما شعرت بما كلفك أنزويت كالكلب حارسا عند بوابة خربة الى جانب ابواب طموحاتك هذه ملتفتا وهو يكمل... المراحيض التي تتقاضى أجرة عمن يتغوط عليك حيث الرائحة تزكم الأنف بل تتقاضى أجرة خيانتك، كأن القدر قد نزعك وإياي عن قدميه بعد أن دار بنا في غيابات سجون كجواريب نتنة، مسح ممراتها حيث الدماء والقيء الذي يملئها، ماذا تريدني أن أقص لك؟ عدد مرات الإغتصاب، أم كم قنينة مكسورة الرأس ادخلت في شرجي؟ أم كم مرة تلذذوا بقطع أصابعي بعدما خلعوا الأظافر عنها؟ عن.. عن أسلاك الكهرباء وربطها بخصيتي وقضيبي، ام عن أسناني وسقف فمي الذي اجبروني ان اقضم بقايا قناني الزجاج التي اجلسوني عليها بكسرها ومضغها وهي مليئة بالدم والقاذورات؟ ماذا تريد مني ان اقول لك؟ فأنت تعلم جيدا ان عماد هو من وشي بنا، مالك والحب؟ كنت تحمل مباديء وقضية، غير أنك ما ان رأيت أخته حتى اصبت بالجنون والولع لعشقها، احببتها واحبتك هكذا تخيلتها فَعَلَت، لكنك لم تحسب أن عماد شخص رغم رفضنا لشخصيته العنيفة ثريا محميا متنفذ في السلطة بل هو السلطة، لكنك آليته أن يكون معك لا حبا في رأيه كونه لا يعير قيمة لأي مبدأ أو قضية، مترف لا يبالي بأي إهتمام بقضايا الإنسانية شخص يعيش على ملذات الحياة والترف.. قربته كي تستطيع تعطي نفسك العذر لترى أخته التي كانت تستخدمك للسخرية بعد أن صورت لك أنها تحبك كي تكسب الرهان من أخيها عماد... أتذكر حين لطمته بعد ان طردك من أمام منزلهم قائلا لك صراحة: ما أنت سوى نكرة منذ أن عرفتك زميل دراسة عولت استخدامك لذكائك ودناءة نفسك فقط، لا أحد يعرفك غيري فطينة واجهتك تغوطت عليها الكلاب، بمعنى كنت أستغلك رغم انك كنت تظن العكس، وسيلة لتمرير غايتك، وما تمثيل حب أخته لك سوى رهان.. أرأيت مدى الإنحلال والسقوط الأخلاقي لهذا الحيوان، قلتها لك لكنك لم تستمع، لحقت بأخته، حاولت مرارا ان تمسك بيدها تشرح لها حبك بإنه حقيقي، تذللت لها طويلا ونسيت ما كنت تؤمن به من افكار وقيم.. إنسلخت حتى رد لطمته عليك بشكل مدوي من شدتها جرنا معك في تلك التهمة عن تشكيل خلية تعادي السلطة وتدعو الى قيام ثورة، هكذا كانت بداية نهاية الحرية للأسف، كنت الضحية معك كوني المقرب إليك اما كمال و وسام وأياد لم يطلهم من الحب جانب، أما إذا أردت ان أقص عليك بماذا أعترفت؟ إسمع يا أعرج لقد أعترفت بكل الذي ارادوه حقيقة كان أم رياء، فعلته أو لم أكن أعلم به، معك وبتوجيه منك، ساهمنا معا في ضرب لا أعلم أي شيء، في مكان لا أسم له... خططنا دبرنا ذاك ما أعترفت به، أما ماذا سرقوا مني؟ لقد سرقوا أحلامي، عمري، أهلي و وطني نتيجة قول الحقيقة، فمثلنا يا أعرج ليس لهم حياة او أحلام وطموحات، مثلنا يجب أن يكونوا أدوات  تستدعى كي تصفق، تهلل، تباع وتشرى بترهات سمجة كنا نسمعها معا، أتذكر خطيب المنبر وهو يطالب بالحق والحق عبد مقيد عند باب أي مسئول يُصفَع في كل يوم على قفاه حين الدخول وحين الخروج، لقد كان يستخدمنا وسيلة لكسب عيشه، فالتأريخ الذي يرويه مشوه معوق كما أنت وأنا الآن، مقطوع اللسان أعرج او مضرج بالدماء مضروب بالمقارع مخصي تلك هي الحقيقة، التي يزوقها لك حين يُعَرِج على الماضي حيث التضحية عظيمة ثمنها باهض، أما اليوم فالتضحية ليست باهضة فمثلنا الكثير، ومثلهم القليل، إنهم يا أعرج المدلسين الجدد بوجوه ورعة، أما أركان غرف الناي فلا زالت تفوح براحة الدم والبراز والبول، أما ظلمتها فزادت عتمة، ولا زالت آنات من قبعوا فيها رغم صياحهم خرساء... ذاك هو ما تشتاق معرفته وسماعه، ام تريد معرفة سبب خروجي بعد ان ألقيت التهمة علي بإعترافك بأني المحرض وأني صاحب الامتياز في التغرير بكم للقيام بثورة ضد السلطة؟ لم أكن أعلم لولا أني رأيت اعترافك  وتوقيعك عليه.. لا اقول عنوة الدليل أنهم اخرجوك بعد عام واحد، أما أنا فقد قبعت سنين سوداء كوجهك الحقير هذا، اخرجوني بعد أن عقدوا اتفاقا معي، لقد ملوا من تقريعك، فأنت حتى اللحظة تكذب علي، تقول كنت تسأل عني لكنك كنت تذهب الى من احببتها، تلك التي ملت رؤية وجهك الكئيب ونتانة رائحة المراحيض التي تفوح منك، فاخبرت أخاها ذاك الذي رد اللطمة عليك بعقده إتفاقا، لكن هذه المرة معي لأنك لا زلت تحاول ان تتمسح  بالغائط الذي يعلق بحذاء اخته، لم تتركها رغم ما جرى لك، بعد ان دفعت والدتك ثمن خروجك تقبيل حذاءه فعقدوا معك تلك الصفقة الحقيرة كي أكون أنا الضحية... يا أعرج النتن والدتك ماتت بسببك، خجلت منك بعد أن كنت لها الظل الذي يحميها من شمس العوز الحارقة، غير أنك فضلت نفسك عليها وتلك حكاية أنت أدرى بها.. أما السبب الذي اخرجوني فيه هو هذا..

لم يرى نفسه الأعرج إلا ونصل حاد قد خرق عنقه مُكِباً إياه مضرج بدمه تحت الدرج الذي أعتاده مرتعا لخيانته.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي       

 

حيدر جاسم المشكورهناك أكثر من سبب للذنب، لكن العقوبة تبقى واحدة مهما اختلفت الأساليب.

يُقال: أُشير على الحمير باتباع حمار منهم، فرفضوا جميعهم ذلك، بزعمهم:" نحن اعرف بإمكانية الحمار". هكذا بدأ وسام تتمة حكايته. واستطرد قائلاً: والحمير مثلنا رضوا ورضخوا رغم معرفتهم بمن يمثلهم. هكذا كان أبي يصف حال الامة الخانعة.

أول لقاء مأساوي سُجل في ذاكرتي وفي حافظةٍ منه لا تقبل النسيان.. ربما كل لوثة في تاريخ الانسان، صامدة ضد أعتى موجات الزهايمر، على البقاء إلى أمد بعيد.

كان المُحقق زاهد النايف، الذي لا أعرف رتبته، لكونه مدنياً، إلا أن كل الحاشية، كانت تحت طوعه وأمرته، ينادونه بكلمة (سيدي). وعلى الفور حفظت هذه الكلمة، فدأبت على استخدامها بمناسبة ومن غير مناسبة، معه أو مع غيره. هكذا كان الخوف يدافع عن نفسه بأدب محض.

كان تحت يده تقرير مفصّل، عني وعن عائلتي، فبدأ بسؤالي: اسمك.؟

ـ بدر منعوت، لا، وسام بدر.. منـ ..عوت.

وهو يطالع الوجوه من حوله، قال: بقر ملعون.

قلت في نفسي:" لعنة الله عليك، أنا أشرف من عشيرتك".

نظر إليَّ شزراً: ما رأيك.؟

أجبته بذكاء: ألف لعنة.

فردّ عليّ بتشنج: عليك وعلى الذين خلّفوك؛ بغل ابن البغل.

وفي نفسي جولات من الألم: عدنا لذكر الحمار، لو يعلم صلة القربى من أهله؛ لما تكلم.

فنهرني مستشاطاً غضباً: بم تهمهم؛ (دماغ سز).

لم أجد غير كلمة سيدي أناور بها: سيدي.. سيدي..

ضحكوا جميعاً.. ففرحت، أنا الطفل الذي أضحك رجال الأمن الواجمين.. الوجوه العبوسة التي لا تقصها المنشار.. فاستعطفتهم ليس تصنعاً، إنما واقع حال، وفي لحظة حنق وحقد على أبي قلت: أريد أمي.

لم يتوان لحظة بالرد عليّ: …. أمك أبن القحبة.

فصدقته القول: الحكومة والأمن أعلم بذلك، هكذا كانت نفسي اللوامة، نزاعة للحقد على كل من حولي، أهلي، ورجالات الحكومة، والدنيا بأسرها.

فنده عليّ متسائلاً ومستعيباً: أنت أهبل يا ول.

في نفسي تسبح الكلمات:" وابن أهبل ـ لو كنت أقوى على نطقها؛ لكنها حشرجت في الصدر.

وفي كل مرة يزداد غضبه، خاصة عندما يجدني أنوء تحت وطأة الصمت.. فنطق أخيراً كلمة الفصل، عندما طلب من حاشيته: أريد زجاجة من المقاس الخاص.

وإذا بأحد الجلادين، يتناوش زجاجة كبيرة فارغة، وكأنها نخب نجاحه: هذا مقاس جديد يناسب مختلف الأعمار.

المحقق يلوي بوزه ككلب: إذا لم تجدوا أكبر منها، فضعوها في دبره من العقب.

صرخ سامي بتصنع: واويلاه.

إلا أن باسم تناوش زجاجة المشروب التي بين يديه وهو يتحسس عقبها، بهزج: يا ويلي على ذيلي.

فحملق به وسام مطيل النظر، وهو يعرف ما تنطوي عليه طبيعته السيئة: أخيراً اعترفت بذيلك.

باسم مبرراً ذلك: أليس أخوة عاد من يصفوننا بذلك ـ وهو ينظر إلى جمال.

حتى تحولت الوجوه اتجاهه بشكل عفوي، تنتظر الرد، لكن جمال أبى ترفعاً من ملاحاته؛ وألتزم السكوت.

 

فصل من روايتي الجديدة (حلم الرب) قيد التنفيذ

 

عدنان الظاهرإنْ غابتْ أو شقّتْ أُخدودا

أو ضَرَبتْ في رأسٍ فأسا

أو خَسَفتْ في حمأةِ عينِ الشمسِ

تابعتُ خُطاها ألوي طَرْفاً  أعشى

أتمزّقُ إربْاً إرْبا

أحفرُ في دربِ الذِكرى أنفاقا

لا تكشفُ لا تفضي

تخنقُ للمُدلجِ أنفاسا

تتفاوتُ أُسّاً أُسّا

تتركني أَثَراً في بابِ الأنباءِ الموصودِ

باباً يغلقُ أبوابا

تتقلّبُ طوراً طورا

عُسْراً في ظلٍّ أو يُسرا

رُقُماً يتهجّاها أعمى

هل أُعطيها نصفَ الباقي ضعْفا

أو أقضي زمنَ المحنةِ مُلتفّا

أخشى ما أخشى

أخشى وضعاً يستشري

أفما كنتُ فتيلَ الشمعةِ إذْ تذوى

ما تركتْ من زمزمَ لي أُمّي

ضمّيني أُمّي ضُمّيني

مرَّ السهمُ بأضلاعي جَمرا

آهٍ يا آهي

قتلتني الحمّى

لو جاءتْ سقطتْ ألواحُ الطينِ

مالتْ قاماتُ نخيلِ البيتِ المُحتلِّ

لا ينفعُ فيها طبٌّ أو سُمٌّ في نابِ

ترياقُ النكبةِ بابٌ مكسورُ

يدخلهُ صوتُ الصرصرِ مخنوقا

آهٍ منها لو جاءتْ

تهتزُّ الأرضُ وتربو ... ترتابُ

تتنقلُّ فينا ألواحا

تبحثُ عن سُفُنٍ أخرى

تاهتْ في زحمةِ خضّاتِ الأوجاعِ

تتبدّلُ صاعاً صاعاً أوضاعا

تتحطّمُ إشفاقا

جعلتني أزحفُ مُرتدّا

أبحثُ عن أُمٍّ غطّتني

بثيابِ وضوءِ صلاةِ الفجرِ

لأُقيمَ حزاماً أمنيّاً فرْطَ الإعياءِ

وأُقاضي ما يجري في الأرضِ الأُخرى عفويّا .

 

عدنان الظاهر

 

فلاح الشابندريَنِمَّا تَدُورُ الرحا. رَحَاهَا.....

أَفْزَعَتْنِي فِكْرَةٌ سِرِّيَّةٌ.

دُونَ الحُصَّادِ المُنْتَشِرُ

وَغُرَفُ الخَزِينِ العُلْوِيَّةَ

مَا كَانَ فِي الحسبان

إِنْ أَصِيرُ..(.....). ؟

يُغَازِلُنِي

وَيُنَازِعُنِي.

البَقَاءُ. حَبَّةُ قَمْحٍ.

عُصْفُورُ الحَصَادِ.

أُتَقَاطَعُ بِمَا لَنْ يُحْدِثَ.

فَلَا حَقْلَ.

وَلَا عُصْفُورَ الحَصَادِ.

وَلَا خِيَارَ لِحَبَّةِ القَمْحِ. أَلَا الرحا......!!

***

فلاح الشابندر

 

فتحي مهذبالى روح جان دمو

أعدكم

سأتبرع برأسي بعد الموت..

ثمة وعل أنيق يعاني من الصرع..

وخشخشة زيزان مروعة

في قاع أذنيه..

سأهدي عيني المتلعثمتين..

بعد محاكمة طويلة..

الى هوميروس أو جورج لويس برجس..

أنا أعاني من عضة تمثال..

فر من دار المسنين..

قطع شحمة أذن ممرضة..

غالبا ما تنام في المشرحة..

مهووسة بقص أظافر الأموات..

والتحديق في محاجر الغرقى..

سأهدي عضوي الذكري

الى وزير سابق..

اختلس ضريح توت عنخ أمون..

أصابته لعنة أبدية..

تحول الى مومياء..

مهددة بقذيفة قناص..

من ثوار الزنوج..

أعدكم

بتفجير ثعلب حكومي

في بنك مليئ بدم الكادحين..

كشف مخالب قس

يعمل بوابا في ماخور..

أعدكم بطائر شرير

أيها القتلة..

لرجم أرواحكم بحجارة

من سجيل..

أعدك بعشاء ساحر

في أعماق الهاوية

أيتها السحليات .

أعدك بقبار حسن الصوت

ليغرد فوق رؤوسكم المبلطة

أيها المرابون الجدد .

أعدك بتأبين هائل

أيها النيزك المتلاشي .

 

فتحي مهذب

...............

العنوان من وضع المبدع الناقد الأستاذ أحمد كنوح.

 

جميلة بلطي عطريهَلْ هذا صوْتُ الرّيح

أمْ نَقْرُ المطر

أمْ سيمفونيّةٌ ثَكْلى

ترْوي أبجديّات الصّبر

تَكتُبُ بلظى القُلوب

شقاءَ المُرهقين

على شفَاهِهمْ يذوبُ الملحُ

تُكْوى أقدامُهم في بُؤرِ الجمر

يلوّحُ لهمُ السّرابُ ..يركضون

يَشْتاقُون ظلَّ نخلة

نبْعَ ساقية

سُنبُلةً ثَمْلى

أَحْبلها هَطْلُ الشّتاء

فمدّتْ عُنُق الرّخاء للرّجاء

تُعلِنُ زَمنَ الظّفر

ساحاتُنا الملْآى تضجُّ بالهتاف

أصْواتٌ تهدّجتْ

أجْسادٌ تكأْكَأتْ

سنابكُ الأحداث تكسرُ عظْمها

تضيعُ في معارك الثّران

غابٌ يا سادتي

الفَوْزُ فيه للأشرّ

مَنْ غيّر ساحاتِنا

تلْكَ التي كانتْ وستظلّ رغم الكيْد

بَوارقَ غيْثٍ

وبِشْرَ غَوْثٍ مُنتظر

أُمّنا يا أُمّنا

خضْراءُ يَا لوْن الجنان

عِطْرُ الرّبيع أنتِ

يا طيبَ الزّهر

قُولي لنا يا أمّنا

ماذا دَهى تلكَ الرّوابي ؟

لِمَ ساحلُكِ تحوّل وكْرا ومَفرّ؟

مُنذُ متى باتتْ خفافيشُ الدّجى

تَعْتلِي قِمَمَ الجبال

وتُغنّي على دوْح الشّجر

ولِمَ الشّيوخُ في حمانا تنصّلوا؟

تركوا القبيلة للرّياح تًلوكُها

والعصْفُ فينا مسْتعِر

لا تحزني يا أمّنا

لا يَقهَرَنَّ صبْرك هوْلُ الرّياء

فالرّياحُ مواسمُ

وهْي في عُرْفِ الكرامِ مَلاحمُ

بالصّدق تكتبُ مجْدك

بالفعل تُسْندُ الأحلام

على مرْمَى الرَّبيع

 بكلّ ألْوَان الطّيْف تُزَيّنُ شَالكِ

تَعودِين كما كُنتِ بهْجة الأوْطان

رَمزَ الحضَارة وَوَاحة الأزْمان

***

جميلة بلطي عطوي