اياد البلداويتمضي السنون

يغزوني المشيب

تتعكز الروح على ذاتها

ولا تعلمين

كيف تهرول

الأيام نحو مستقرها

قلب وحنين

عشق مستديم

وهي مازالت على حالها

شكٌ دون يقين

بُعد وهروب

وتعلم أنا الغارق بحبها

عمرٌ تأكله السنون

يتسابق معي

ومازلت أحلم بلقائها

آآآه أيها العمر

كم تحاشيتكَ....

وكم تداريت عنكَ..

وتلاحقني كظلها

بالله عليك لا تستعجلني

اختزن الحروف

والكلمات

مازلت أستجمعها

بالله عليك لا تستعجلني

في جعبتي

حب كبير

وفاء غزير

ورود عليّ سقايتها

صبراً بربكَ

امهلني برهة

بذمتي عهدٌ قطعته

لست كرجال تنقض عهدها

***

اياد البلداوي

 

صحيفة المثقفأنهكت الأمراض الجدة لوتها مثل "نابور"العنب الطري.. تراكمت عليها بعد عمر قضته بالجد والاجتهاد . سلكت طريقا سريعا لانجاز ما عليها انجازه ولذا انتقمت منها السنون التى قفزت فوقها قفزا هازئة بالتؤدة والصبر وانتظار انفراجات الأزمات بالتأني . لذا كان انتقام السنين منها نموذجيا فقضت عليها بلزوم فراشها لسنوات استطالت وامتدت وما انتهى أوانها . كانت الأُسرة التي أنجبت وربت تهتم بها اهتماما جما وعوملت بوقار ورأفة كأميرة . لم يعد للجدة من عمل سوى الكلام والذي به كانت توجه البراعم الناشئة كما تظن وتعلمها كل ما علمتها الحياة لم تكن تدري إن ذلك أصبح " موضة " قديمة ولم يعد أحد يبالي بما تقول ولو إنها كانت تعلم مسبقا ً وبلا ريب إن النصيحة غالباً هي شيء مما لا يؤخذ به .. ربما لأنها مجانية فهي إذن بلا قيمة فعلية ولا فاعلة . اعتنى بها الجميع غير إن للزمن تقلباته وللدهر تغيراته ولكل شيء أوان ... بداية أو نهاية . عبر ارهاقات أوجاعها تحول كلامها الى تمتمات مبهمة وآهات مكتومة وربما عرت ذهنها الذي خبا كشمعة قاربت الانطفاء أخيلة وظلال وخفايا . ثم كبر الأحفاد وأنجبوا وجرفتهم الأعمال الانشغالات والمسؤوليات العديدة المنبثقة من حنايا التطور الحضاري المنجز والذي اقتضى منهم اهتماما متزايدا بنواح أُخرى لم تألفها الأجيال المنصرمة قبلهم . فتشعب الزمن في أرواحهم ووجدانهم وانقسمت أيامهم و ساعاتهم مزقا بين حرب وحرب بين أزمة وأُخرى بين اختراع وآخر فكان عليهم حتى يواكبوا كل هذا حتى يكونوا حاضرين في الزمن الذي يعيشون كان عليهم أن يقلصوا بعض اهتماماتهم السابقة بل عليهم أن يحذفوها من جذورها وينزعوها جباً حتى من مذكراتهم ومن أعماق نفوسهم ألغوا من جداول أعمالهم نزهاتهم رياضاتهم الألعاب الجسدية الحركية مطارداتهم الشعرية حلّ الألغاز القراءة الورقية ليالي السمر وكذلك ألغوا الاهتمام بالجدات ..... الى غير ذلك وهنا اخترع المولع جدا بالاطلاع على ما تقدمه الوسائل الالكترونية من قراءات وصور وتواصل اجتماعي بديل ..... حفيدها الأصغر اخترع سريرا من نوع جديد ذا تهوية بسيطة وخافية نقل اليه الجدة , كان السرير ذا طابقين أعلاهما مكشوف وجميل ومفرشه موشى طرزته أمه قبل عمليات الاستيراد العمياء وقبل اختراع نماذج الحاسبات الالكترونية طرزته بورود جميلة ملونة بارزة لا تتسم بالكمال - كما كل عمل غير آلي - وكانت وسادته من ريش الطيور صنعتها الجدة مع ما صنعت في جهاز عرسها والتي لا ترضى عنها أبداً بديلاً والتي طالما اصطحبتها معها كلما سافرت لأيّما ركن من بلاد الله الواسعة الجميلة . أما الطابق السفلي من السرير فهو مجرور ضخم حاولوا جعله وثيرا بلوح من الإسفنج ضخم ذي ضغط عال فوقه مفرش من قماش ملون بألوان صاخبة ومجنونة فاض هذا المفرش عن حاجة استعمال الاسرة وتنافر مع أذواقها ومفضلاتها فصار للجدة هذا الطابق السفلي كانت الجدة تنام فيه غالب لياليها ونهاراتها وتتناول فيه وجباتها وأدويتها وحقنها ما لم يحضر الى البيت ضيف أو يستدعى طبيب .

 

سمية العبيدي / بغداد

..............................

1- نابور باللهجة العراقية / محلاق جمعها محاليق جزء نباتي لولبي يثبت به نبات - لا ينمو عموديا - نفسه الى سياج أو صخرة أو ساق نبات آخر نرى النابور في الكرمة والخيار وغيرهما. .

 

 

صالح البياتيعندما جلسوا صباحا للإفطار، تساءَل نوح عن دور شاه ايران الآن؟ فتساءل القاضي:

" ما الذي ذكرك به!"

" يوما ما سألتُ امي عن جارتنا التي رحلت الى بغداد، فتساءلت مثلك، ما الذي ذكرك بها، فأجبتها: تنورنا الخامد منذ زمن، لأن المرأة كانت تأتي لبيتنا لتخبر لنا، عندما ضعف نظر امي، واجيبك سيدي القاضي، أن تنورالحرب المتأجج، هو الذي ذكرني به"

" ولكنها اشتعلت على كل حال"

ظل نوح صامتا، قبضا استكان الشاي بين اصابعه، يتأمل في حمرته الداكنة، دون أن يدنيه من شفتيه.

" أستاذ نوح، منذ ليلة البارحة وانا أفكر بوالدك هل تلقيت خبراً عنه؟"

استغرب نوح من سؤال القاضي!

"ماذا تقصد سيدي، مات والدي عندما كنت طفلاً، فمن يكون والدي هذا الذي تسأل عنه!"

"موسى الكيال، أنا أعرف انه ابوك، ومنذ زمن بعيد، وقد إتمنني على وصيته"

" ولماذا لم تخبرني بذلك من قبل سيدي القاضي!"

" لأن الوصية تنص على الإخبار في حالة الوفاة فقط."

" فهل تأكدت من وفاته!"

" لا أستطيع أن اجزم بذلك..ولكن تناهى لسمعي انه سُفر الى ايران، غيابه  يلح عليَّ أن ابرئ ذمتي، واخبرك أنك وريثه لاملاكه؛ المطحنه ومخزن الحبوب وبيته في السبع قصور؛ كلها ملك لك وحدك"

" وماذا أبقى لابنه الأكبر الدكتور ممتاز؟"

" اوه.. الكثير.. بيته في حي المنصور وعقارات ومحلات في بغداد، انت لا تعلم كم ثري هو يا أستاذ نوح!"

"اعلم، ولكن إن لم يكن قد مات حتى الآن، فإنه سيموت في ايران فقيرا وغرييا."

"مستحيل أنه تاجر وذكي جدا، ولا بد أنه هرَّبِ ما يكفيه من المال، ويؤمن حياته.. سأتيك بالأوراق"

غاب دقائق، فكر بهذه الثروة التي هطلت عليه كالمطر، لو انها جاءت قبل سنة او اكثر قليلا، لتمكن ان يحقق حلمه العتيد بنيل الدكتوراه من أشهر جامعات العالم، كامبردج، أكسفورد، هارفرد.. ولكن حلمه تلاشى مثل غيمة صيف عابرة، فقد الحلم سحره، وأنه سيفشل لو قرر ان يدرس، راح يخاطب نفسه، ما جدوى الشهادة، عندما يكون المرء مذعورا،  كفأر في مصيدة، أمام الخماش وزمرته، وهو يراهم  يضربون الأستاذ مقبل، دون ان يحرك ساكنا.

ولكن بهذه الثروة سأعيش مع سيناء حياة سعيدة.

عاد القاضي بالأوراق وسلمها اليه، فشكره وانصرف، استقل سيارته، وفي طريقه للبيت، فكر ببيع المطحنة لأنها خرجت عن الخدمة، وتحويل ارض مخزن الحبوب، الى مجمع سكني، اما منزل الكيال فسيتركه للرجل العجوز وزوجته يعتنيان به..

اما بيت الأم ، فلن يفرط بحجر واحد منه، حتى يتهاوى انقاضا من تلقاء نفسه، وسيأتي اليوم الذي يعود حاجا اليه كما يحج المسلمون الى الكعبة المكرمة.

عندما ذهب نوح، استدعى حسن ذكرياته الجامعية مع صديقه، عندما كانا يسكنان معا في دار الطلاب على ناصية باب المعظم، حكى لأبيه جانبا من تلك الذكريات القديمة:

كان نوح ماركسيا آنذاك، ثم وجوديا، قرأ كل كتب سارتر، وسيمون دو بوفوار والبيركامو، ثم عكف على فردريك نيتشه، فقرأ كتابه هكذا تكلم زرادشت، وكان يقرأ علينا فصولا منه ، وكتب في مرحلة مبكرة من دراسته الجامعية، نصوصاً غريبة ومثيرة للجدل، نشر بعضها في جريدة يسارية، في عمود داخلي، تحت عنوان أوساخ، مزج فيها بطريقة صوفية بين التدين والوجودية، والأشتراكية، كان يصلي ويصوم، ويدخن ويشرب الخمرة أحيانا..

سكت حسن عند تلك النقطة الحرجة، على شريط ذكرياته، اوائل الستينات، وقال يحدث نفسه.. هنا يجب على ان اتوقف، لئلا يزل لساني بشيء، وافضح اسرار صديقي للسيد الوالد، المؤتمن انا على كتمانها، وعدم البوح بها، لأي كان، سأله القاضي عندما وجده ساكتا:

"استمر.. لماذا توقفت، هل كانت لديكما اسرار"

" ليس لدينا اسرار.. هذا كل ما أتذكره.."

"اريد أن أعرف عنه الكثير، هل كانت له علاقات نسائية ؟"

" طبعاً.. كأي شاب كان في نفس عمره."

" أتخاف أن تفضح نفسك يا حسن، من خلال الحديث عنه، ولكن لا بأس تكلم، للشباب نزوات، ولستما استثناء، إنها الطبيعة البشرية، أحب أن أعرف عنه الكثير."

في تلك اللحظة رن جرس التلفون فانتهز حسن الفرصة ليتهرب من استجواب ابيه، رفع السماعة، وبعد إنهاء المكالمة، استأذن، متذرعا بضرورة مغادرته فورا، وبتلك الحيلة التي لم تنطل على والده طبعا، تخلص من موقف محرج، وقال يحدث نفسه وهو في طريقه لمكتبه الكائن في شارع بغداد، مقابل الفرع المؤدي لشارع التربية، كدت أن أكشف سر صديقي، لأن والدي القاضي لن يكف حتى ينتزع مني المعلومات، التي يريد معرفتها، فأقول له:

كنا نذهب لبيت.. نشرب ونلهو، كل واحد منا ينام مع إمرأة يختارها، وكان نوح يعرف واحدة ليست جميلة، كان يختلي بها وقتاً أطول منا، ولكني اكتشفت عن طريقها، أنه كان يتحدث معها طوال الوقت دون ان يمسها، ينصحها أن تترك هذا المكان الموبوء، وكان قبل أن يخرج يعطيها نقودا أكثر منا، كانت البنت تحبه، وحكت لي انه كان يبكي كل مرة يأتي اليها، وحلفتني واقسمتُ لها، ان أكتم سره، فلو كشفته الآن لأبي، لحنثت بقسمي والعياذ بالله، ولقال: عجيب.. هل يعقل أن يكون نوح عنينا، وعند ذلك سأضطر الى نفي عجزه الجنسي، وسأحكي له أنه كان يريد اقناعها على ترك المهنة ويتزوجها، ونجح فعلا وعاش معها في شقة صغيرة، ولكن عاد احد الأيام ولم يجدها، وذهب لبيت الدعارة التي كانت تعمل به، فطردته القوادة التي تدير البيت، وهددته بالشرطة، إن استمر على المجئ  والسؤال عنها، شتمها، وبعد ذلك يئس وكف عن الذهاب، هذا هو صديقي نوح الذي عرفته زميلاً في الجامعة، وصديقاً احبه..

كان يحب الناس العاديين، وكانوا يبادلونه الحب.

لم يخرج نوح من بيته تلك الليلة، وعندما ذهب لينام في ساعة متأخرة، نزع سترته ورماها على السرير، فسقطت السكين التي خبأها بملابسه، برق نصلها تحت ضوء المصباح، دفعها بقدمه تحت السرير، تراجع للوراء، تساءل أكان فعلا ينوي قتل الخماش! واجاب، لا يليق بي ان افعل ذلك، فقتله لن يغير شيئ . سقطت فكرة قتله كما تسقط ورقة خريف ميتة..

كان أول قراراتخذه بعد تخليه عن فكرة قتل الخماس، الاعتكاف غدا الجمعة قبل طلوع الشمس وحتى الغروب، يتأمل، يُقلب جميع ملفات حياته بتأن وروية، يراجعها بهدوء ومزاج رائق، عندئذ ستكون النتيجة جيدة ومضمونة مئة في المئة، لحل جميع مشاكله الشخصية والنفسية.

وبينما كان مضطجعا في سريره، مستغرقا في التفكير، رن التلفون في الصالة، قام والقى نظرة خاطفة على ساعة الجدار، كانت الواحدة بعد منتصف الليل، فقرر ألا يرد، وهو لا يعلم ان سيناء كانت على الطرف الآخر من الخط، تحاول يائسة الاتصال به مرة او مرتين، كل يوم دون جدوى، منذ ان غادر بغداد، وكانت تلك المحاولة السابعة الفاشلة..

تساءل في تلك اللحظة عن سيد هارتا، حين غشاه التيقظ، فصار بوذا، تَذكُرْ الرواية، انه رأى الحقيقة (النيرفانا) ساطعة كالشمس في رائعة النهار.. ولكن بوذا عندما عجز في الواقع كإنسان، عن إيقاف عجلة الولادة والموت من الدوران، والتي هما سبب كل الآلام، التجأ للنيرفانا كوسيلة لتخفيف الألم وليس الخلاص منه..

اما ارنولد توينبي فتحدث عن الانسحاب والعودة، في كتابه دراسات التاريخ، بطريقة علمية، فالذين مروا بتلك التجربة، خرجوا منها بفائدتين متلازمتين: التأمل والتفكير العميق بأحوال الناس السيئة ثم العودة لتغييرها للأحسن، وقد استلهم الأنبياء هذا المنهج.

أنهى نوح اعتكافه كما كان مقررا، ولم يحدث شيء مثير للدهشة ، كان خلال فترة الإعتكاف القصيرة، يدخن مسترخيا، يقلب أوراق مذكراته، ويستمع لأغاني فيروز، ولمقطوعات موسيقية مختارة لأشهرالمؤلفين الكلاسيكيين، وخاصة بيتهوفن الذي يحبه..

كانت أولى ثمرات الاعتكاف، عدم اضطراره للخروج، وحضورالاحتفال، الذي اقامته المنظمة الحزبية، بمناسبة الانتصارات العظيمة، والمتلاحقة على امتداد جبهات القتال. صفق فرحا ورقص، لأنه تخلص من سماع كلمات الخطباء الجوفاء، وقصائد الشعراء الحماسية، التي تمجد الحرب، وقال في نفسه.. الحمد لله الذي كفاني الإحتفال بيوم تسفك فيه الدماء دون مبرر..

وعندما رن التلفون في الصالة، الساعة الثامنة مساء، أفزعه الصوت، وخز ذاكرته، فرقع فقاعات الخوف، ولكن وجود امرأة جميلة كسيناء في حياته، جعل قلبه يخفق سريعا، وتمنى لو انها في تلك اللحظة على الطرف الآخر من الخط.. أنب نفسه لأنه لم يتذكرها طوال الأسبوع الماضي، سوى مرة واحدة، عندما هنأه رجل الدين المندائي.

عندما ألصق السماعة على اذنه، فوجئ بصوت الخماش، دار حديث قصير بينهما، انتهت المكاملة، تساءل نوح: ما الذي ذكَّره بي، ولماذا طلب مني ان اراه غدا.. لقد ضعفت علاقتنا منذ ان تولى منصبه، وماتت عندما خدعني، ولم يف بوعده بإطلاق سراح الأستاذ مقبل.. ماذا يريد مني هذا الوحش.. ولكن قرر ان يذهب اليه، فكان مجرد التفكير بالذهاب لتلك الدائرة الأمنية المرعبة، يثير القاق والإضطراب النفسي، والاحساس بعدم الارتياح، وبشيء من التوجس، واستلاب الإرادة الحرة..

استقبله مدير الأمن، جلس الرجلان وجها لوجه، بينهما منضدة المكتب، المغطاة بلوح زجاجي شفاف، ترك الخماش مسدسه في وسطها، وخلفه على الجدار المقابل لنوح، صورة كبيرة لرئيس الجمهورية.

عرف نوح هذا الرجل، اول مرة في منتصف الستينات، وبالتحديد في العهد العارفي، كان آنذاك مبعدا سياسيا، وموظفا صغيرا في دائرة الأحوال المدنية، رجلا مغمورا وغريبا عن المدينة التي حل فيها، ونزيلا بفندق في شارع دجلة، وكان الأستاذ نوح قد تعين آنذاك مديرا لمصرف الرافدين، وقد اسدى لسليم خدمات كثيرة، عرَّفه على اصدقاءه، ودعاه الى بيته بمناسبة او بدونها، وساعده ماليا احيانا، ولكن لم يكن سليم حريصا على سمعة صديقه الطيبة، فإستغلها باقتراض أموال تافهة، من هنا وهناك، كان ينفقها على الخمرة والقمار، وحفلات الغجر الراقصة، ويتوارى او يماطل عند المطالبة، فيضطر الأستاذ نوح لتسديد ديونه..

كان يتملق الناس بتقبيلهم بمناسبة او بدونها، ثم ابطل هذه العادة، بعد ان تعين في منصبه الحالي، فتحول الى شخص مغرور ومتعجرف، ولكنه احتفظ بعادة سلب ما بيد الآخرين، عندما يراها، وتثير اعجابه، فكان لا يتردد بخطفها، بمجرد انهم يقولون: "قدامك.. أي تفضل" فراح الناس يحذرون من اظهار اشياءهم الثمينة امامه، خاصة سبح الكهرب، لان خرزها الصفراء كانت تسلب عقله، فيمد يده ويخطفها، اما وقد تولى منصبا هاما، فلن يجرأ احد ان  يتنازل عن شيء ثمين، فصار الخماش مضرب الامثال في ذلك..

وبعد زوال الحكم العارفي، اعتلى سليم ظهر الموجة التكريتية الصاعدة فجأة، حتى اوصلته أخيرا، وفي غضون سنوات قلائل لمنصب مدير امن المحافظة..

هذا باختصار شديد تاريخ الخماش العلني، اما السري فلا يعلم به الا الله.. كان يتباهى دائما امام الناس انه من أقرباء الرئيس المقربين، أي بالتعبير الميساني: (واحد من حبال المضيف)

نسى سليم عطف ام نوح عليه، وعشرات المرات التي دعته ليأكل في بيتها، ويشرب الشاي المعطر بحب الهال، مع ابنها، والقيلولة بعد وجبة غداء دسمة، كان يطلب بلسانه ما يشتهي من أصناف الطعام الميساني الشبوط، البني، ويحلو له تجاذب أطراف الحديث بعد العشاء حتى منتصف الليل.. تناسى كل ذلك، وتنكر لنوح الذي كان صديقه القديم.

وحينما جلس الأستاذ نوح امامه، دارت اسئلة الخماش حول وفاة الأم، وعن السبب في عدم اقامة العزاء، فكان جواب نوح انه تبرع بنفقته لمساعدة امراة فقيرة، ام الشهيد الضابط حنون، فتبجح الخماش بكرم الرئيس لأسر الشهداء، ورد نوح ان ما قام به كان مساعدة انسانية لجارة قديمة. انتهز الخماش الفرصة للإظهار وطنيته.

"نحن كلنا مشاريع استشهاد من اجل الحزب والثورة." رد نوح

"والوطن ايضا."

نظر سليم لنوح شزرا من زاوية عينه، باستخفاف وتكبر..

" طبعا.."

إنتقل نوح للحديث عن عدنان، وقال انه استشهد بنفس الوقت.

قاطعه سليم متسائلا.

"عرفته، المعجب بنفسه كالطاووس، والمتأنق دائما كالبنات."

"انا اعرفه سيادة اكثر منك .. هو ابن محلتي وكان.."

قاطعه سليم بخشونة.

" اعرف استاذ نوح.. تقييمك قائم على الشكل والمظهر، وليس على الشجاعة والرجولة."

"هذا الشاب سفرتم عائلته الى إيران، بينما كان في الجبهة يقاتل الإيرانيين، والمحزن انهم لا يعرفون.."

قاطعه سليم مرة أخرى، ضاحكا بخبث، واستعرض امامه تلك الحركة المزعجة،  التي يشمئز منها، مسح شفته العليا بطرفي السبابة والابهام، وانزالهما للأسفل على جانبي الفم، كانه يرسم باصبعيه دائرة حول فمه، او ليزيل مادة بيضاء في زاوية الشفتين، تحصل عادة من كثرة الكلام دون انقطاع، او أحيانا يفعلها الشخص لمجرد عادة مستحكمة،لا يستطيع السيطرة عليها، فيكررها بين الحين والآخر، وهو مستغرق في الحديث دون ان ينتبه لذلك.

" لا تحزن.. الذين شملهم مبدأ وحدة العائلة سيجتمعون وراء الحدود، وهؤلاء هم المحظوظون، اما الآخرون فسيجتمع شملهم في الآخرة، فاذا كانوا اخيارا اجتمعوا في الجنة وإذا كانوا اشرارا اجتمعوا في النار.. والله يعلم أين سيجتمع بهم!"

فكر نوح ان جدلا مفتوحا بلا حدود مع سليم الخماش سينتهي حتما الى مزالق خطيرة لا يحمد عقباها، فسكت ونظر لساعته.

"هل لديك موعد."

" لا.. ولكن احضر نفسي للسفر غدا الى بغداد ."

" هل تعرف شيئا عن موسى الكيال اين هو الآن؟"

" هل جئتك هنا لتستجوبنني أم جئت لزيارة صديق قديم!"

" لا. لا.. هذا السؤال خطر لي الآن أستاذ نوح."

فكر نوح لو كان سليم الخماش يعرف انه ابوه، لفاجأه..

" لم اره.. كنت طوال فترة وجودي في بغداد، مع امي في المستشفى.."

قاطعه.

" سمعت انك استقلت من وظيفتك، ماذا ستعمل؟"

" اعمال حرة.."

وبابتسامته الصفراء التي ينزعج منها نوح، لم يترك الفرصة تفوته لكي يتبجح بأهميته وقوته..

"وسنوفر نحن لك الحماية والأمن، لنجاح مشروعك."

فكر نوح ان موضوع المال والثراء والغنى، مفردات يتحسس منها سليم الخماش، ربما بسبب عقدة الفقر، فما ان يذكر المال في حديث، حتى يثير حفيظته، فيتقمص شخصية الرجل القوي الحامي لحياة الناس، اعراضهم وأموالهم. لذا لم يعلق نوح على كلامه بشيء..

وعندا قام نوح ليودعه، وقف سليم الخماش متثاقلا، وصافحه من وراء المنضدة بطريقة تنم عن كبرياء، خرج نوح تاركا الباب مفتوحا وراءه، تنفس بعمق هواءً نقياً غير ملوث بغطرسة القوة.

لم يبق امامه سوى السفر، ولقاء الحبيبة، التي تنتظر عودته، فكر انه لو قتل الخماش بالمسدس، الذي كان بينهما على المنضدة، لكان عملا في غاية السهولة، بمجرد ان يمد اليه يده، ويطلق عليه النار فيرديه قتيلا.. ولكن تلك المسافة القصيرة التي كانت بينهما والتي لا تزيد كثيرا عن المتر، ستنقلب الى بحر متلاطم الدم، سيكون هو على ساحل وسيناء على ساحل آخر بعيد لا يرى..

شكرا لمتابعتكم

يبتبع

 

صالح البياتي

.................

حلقة من رواية: بيت الأم

 

حاتم جعفرسكن الليل وخلا المكان الاّ من بقايا مقهى اُغلقت أبوابه قبل قليل، مبقية على بضعة ارآئك مترامية، متباعدة، أخذت من نهر خريسان المقابل مستقراً ووجهة لها، لم يلحق ولم يستطع صاحبها جمع كل ألوان العبث التي أحدثها رواده. بساطة المكان وعفويته ربما كانا عاملين مساعدين ودافعين كذلك لقضاء ماتبقى من يومهم، بعد فترة عمل مضني لشغيلة أو موظفين صغار، وجدوا ضالتهم في هذا المكان القريب والذي يسمونه بإسم حيّهم. يشعرون بالطمأنينة حين يتبادولون الاحاديث وآخر المستجدات وخاصة السياسية منها، وبحرية تامة ومن غير رقيب أو حسيب. أحياناً بل في أكثر الاحيان يكررون ذات الأحاديث كل يوم، ولكن بصيغ وأشكال مختلفة، تريح متحدثها  وتشعره بالفخر وبالقليل من الغرور، وخاصة حينما ينصت الأخرون اليه أو هذا ما يوحى له.

هنا في هذا المكان وفي هذا المقهى تحديدا، اعتاد حميد الخياط أن يقضي أوقاته الملاح بعد منتصف الليل، حيث يتجه صوبها ومن معه، وحديث العشق وقصائد ابن الفارض تكون حاضرة اينما حلَّ وارتحل. صاحب الذكر، كثيرا ماترميه الذاكرة الى تلك الليالي الجميلة واُماسي الشعر. ما ميَّز حميد الخياط عن سواه في مرحلة الفتينة من العمر هي نظارة طلعته وبمواهبه المتعددة، حتى بدا واثقاً من المسك بالحاضر وبالمستقبل معاً.

قدرته على حلو الكلام دفعته الى الواجهة ليكون نقطة جذب واستقطاب وحَسدُ من قبل أبناء جيله. لم تمسّ حافظته من الشعر أي شوائب أو زحافات في الوزن والقافية، ولم تضعف قواه وملكاته في التذكر وفي إستحضار الماضي عوامل الدَّهر رغم توالي المحن، فتراه كمن إختص وأرتضى لنفسه أن يكون سيداً للقوافي، وكان حقاً أهلا لها ومن غير أن ينازعه أحداً من أصدقائه ومعارفه في ذلك.

وبعد أن يملأ الرأس بأقداح من المسرات وأحاديث الهوى، يبدأ وبتحريض وتشجيع من أصدقائه بقراءة بعض من خمريات أبو نؤاس، التي تطيب لها النفوس وتفتح شهية الجلاّس، بجمال القول وبترديد أعذب الشعر وأرقّهُ. ومن يستمع الى طريقة القاء حميد الخياط، يَظنّه قد قدِمَ تواً من ذلك الزمان، فيبدو كمن يتبارى مع كبار شعار القوم في سوق عكاظ أو المربد أو نحوهما. هكذا كانت جلسات الخياط حميد وهكذا استمرت معه وبقي محافظاً عليها حتى فترات لاحقة متأخرة، رغم خطوط الشيب التي تسللت وتوزعت بغير هدى على شعر رأسه، والتي يصفها بأنها زادته وقاراً على وقار.

في تلك الليلة التي احتفى بها وعلى نحو بهي بختان إبن شقيقته، أحسَّ أصدقائه بأن صاحبهم ربما صدمته حميّا الكأس مبكراً، أو فاض به الهمُّ، أو تراه ينام على جرح ظلَّ كاتما عليه لإعتبارات يجهلونها. ولربما شعر أيضاً بحيف وقع عليه ولا زال، لأسباب كثيرة وقد يكون من بينها غدر الزمان ومآلاته، على ما يسره للخاصة من أصدقائه. فمن كان يلتقيه وقبل بضعة سنين وقبل حدوث بعض المنعطفات في سيرة حياته، كان لابد له من أن يرسم مستقبلا زاهراً سيكون بإنتظاره بكل تأكيد، وشأنا لايدانيه شأن.

غير ان الخياط في ذلك اليوم أصرَّ وعلى غير العادة، وبما لا يتلائم وطباعه التي أعتاد الناس أن يرونه فيها، حيث خرج عن السياق الطبيعي لشخصيته، فراح يرقص ويغني ويلقي أعذب الشعر وفي مختلف ألوانه وأغراضه، مارّا بأفحل الشعراء وبأجمل المعلقات، غير أن مسحة الحزن والألم كانت ولمّا تزل تغطي سحنة وجهه، على الرغم من محاولاته المتكررة في سبيل تجاوز هذه الحالة، والتي رافقته بل لازمته طوال وقت السهرة.

لذلك غلب على أمسيتهم هذه جواً من النكد، غريباً وطارئاً عليهم، لم يكن لهم قد ألفوه من قبل، وليأتي على العكس من تلك الأماسي التي كانت تميز جلسلتهم. حاول البعض التفاعل مع تلك الإنفعالات التي طغت على سلوك وتصرفات حميد الخياط، وعلى قاعدة الإستجابة والمشاركة، في محاولة منهم على مقاسمته ما يحمله من هموم قدر المستطاع. غير انهم فشلوا في ثنيه عما هو ماض اليه، وفشلوا كذلك في وضع حد لتلك الاندفاعة المفاجئة وتلك النشوة التي أتت سريعاً وعلى غير ما عهدوه منه.

في كل الأحوال ورغم كل الأساليب والطرق التي اُتبعتْ معه، فإنهم لم يفلحوا في إستيعابه وفي إمتصاص الحالة التي يمر بها، وربما يعود ذلك الى صفة العناد التي طبعت شخصيته وخاصة أثناء تناوله الخمر. لذلك لم يخرج حميد الخياط مما يعاني منه الاّ بعد أن فسحوا له في المجال، أو لنقل الاّ بعد أن لبّوا رغبته الملحة في قراءة تلك اللازمة الشعرية التي عادة ما يختتم بها اُماسيهم. فكان له ما أراد وراح ينشد قصيدته المفضلة لإبن الفارض، والذي يُطلق عليه بسيد العاشقين، وبطريقة بدت للسامعين كما الذي ينوح على عزيز كان قد فقده من غير ميعاد وعلى حين غفلة، أو لِسرِّ لا يستطيع البوح به:

قلبي يحدثني بأنك متلفي

روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ

لم أقض حق هواك إن كنت الذي

لم أقض فيه أسى ومثلي من  يفي

ما لي سوى روحي، وباذل نفسه

في حب من يهواه ليس بمسرف

فلئن رضيت بها، فقد أسعفتني،

يا خيبة المسعى إذا لم تسعف

يا مانعي طيب المنام، ومانحي

ثوب السقام به ووجدي المتلف

عطفا على رمقي، وما أبقيت لي

من جسمي المضنى، وقلبي المدنف

فالوجد باق، والوصال مماطلي،

والصبر فان، واللقاء مسوفي

اختلط تهدّجه بلوعته حتى اكتمال القصيدة، ليزيل عنه ذلك التوتر والانفعال اللذان نزلا عليه وحلاّ به دون إرادته، ولأسباب ظلَّت مجهولة ومكتوم عليها، وربما سببت له حرجاً عظيما أمام أصدقائه، حتى وان كانوا من أقرب المقربين اليه ومن الذين ألفوا شطحاته في ساعات الخمر. لم يكن حميد الخياط راغبا في إهتزاز صورته، وهو المتماسك القادر على الثبات بوجه الكثير من المصائب والمصاعب، غير ان عاطفته غلبته.

تداخلَ ضوء القمر الذي أوشك على الرحيل بأنبلاج لحظات الفجر ألاولى. مضى حميد الخياط وحيداً الى غايته، ومضى الآخرون كذلك ليحملوا معهم سوء طالعهم على تلك السهرة غير المباركة، متهامسين فيما بينهم: هذا هو حميد الخياط وهذا بعض من شخصيته، فكما به من أسباب تدفع للمدح وهي الغالبة، فبه كذلك بعض من الزلل.

لذا ليس مستبعداً أن يلومه في اليوم التالي أحد أصدقائه ممن كان برفقته، عما حدث له في الليلة الفائتة، وما كان قد بدر منه من سوء تصرف. وقد يقول له آخر وفي لحظة من الصحو، انَّ ما حصل ليلة البارحة لهوَ أمر طبيعي، ولا غرابة في ذلك، فنحن كذلك خطاءون كباقي الخلق، وقد نكون أكثر تحسساً من غيرنا ونأنُّ لجراح ليست جراحنا، وربما تكون أكتافنا قد حُمِّلتْ ما لم يستطع على حمله غيرنا.

 

حاتم جعفر – السويد

......................

فصل من رواية قد تجد لها طريقا للنشر

 

سليم الحسنيتزايد أتباع الأمير، تسابقوا على الولاء، رشحت جباههم كرامتها، اعتصروها حتى تساقطت قطراتها، حملوا على ظهورهم أوعية تتسع للذل، وقفوا أمامه، وقد عصبوا عيونهم بآذانهم، يسمعون غموضه، فيتراكضون ينفّذون أوامره.

كان كل واحد من هؤلاء المعتاشين، يقضي نهاره وشطراً من ليله، وهو يتحدث عن مناقب الأمير، يتحدث بلا انقطاع، وإذا لم يجد سامعاً يبحث عن ثقب في جدار، فيملأه كلاماً، ويتوسل الحِيَل ليجد من يشهد له عند الأمير.

لكن الأمير لا يرضى، يريدهم حمّالة حطب في كل طريق، يقطعون المعرفة عن الناس، فقد كان أشد ما يخيفه أن يتعلم الناس قراءة الكلمات الصحيحة.

ذات يوم جاء المعتاشون كعادتهم الى بيته، وجدوا خادمه قد وضع كومة من المزامير. انتشروا في أرجاء المدينة، يزمّرون بنغمة واحدة، يتلون على الناس مناقب الأمير، يضعون الكذب موضع الصدق، يقولون إنه كل الثلاثة، فهو الأب والابن والروح المقدسة، كلامه حكمة متعالية، وصمته حكمة أعلى، غضبه باب من أبواب جهنم، ورضاه أوسع أبواب الجنة.. يزمّرون ويكذبون، يكررون ذلك طوال النهار.

مضوا على ذلك اسبوعاً كاملاً، عادوا الى بيت الأمير، يرجون منه الرضا. خرج خادمه:

ـ مزاج الأمير فيه خدش أزعجه، عودوا صباحاً.

ما أطولها من ليلة، ضربوا الأخماس بالأسداس، تهامسوا بينهم، تساءلوا عن السبب، فعزّ عليهم الجواب.

لم تستقر أبدانهم على الفراش، توجهوا نحو بيت الأمير، جلسوا عند الباب، أقاموا الصلاة جماعة وفرادى، ركعوا وسجدوا طوال الليل.

خرج عليهم خادمه بعد طلوع الشمس:

ـ لم تحسنوا التزمير، ما أتعسكم من عصابة، وما أكفركم بفضل الأمير. إن في المدينة نفر لازالوا يقرأون الكلمات الصحيحة. لقد خاب فيكم ظنّه، انطلقوا من فوركم، ولا تعودّن إلا والناس تتبع المشعوذين، وتسمع الدجّالين، وتنزع عقولها من رؤوسها.

توزعوا في طرقات المدينة، وقفوا عند أبوابها، طلبوا كل مشعوّذ ودجّال، كتبوا الى الآفاق يخبرون العمّال أن أكثروا من الخرافة، وأجعلوا أعواد المنابر مرقاةً لكل قصّاص ماهر، فهي منذ اليوم محرّمة على أصحاب الكلمات الصحيحة.

عادوا بعد أسبوع الى بيت الأمير، خرج عليهم خادمه، أنعم عليهم بكوب صغير من الماء:

هذا ماء الرضا، لا يناله إلا ذو حظ عظيم

لم تنته بعد، لها تتمة

 

سليم الحسني

 

قصي الشيخ عسكرأدركتُ وجهي متأخراً للمرة الأولى:

في المرآةِ أم الماء.. ذلك لايهم فلعلي كمن يقف على حافة بحيرةٍ، يتأمل شكله ثم يرمي حجراً يهزُّ ركود الماء فإذا به يتابع وجهه وهو يتغير مع الدوائر فيهاجرُ عنه إلى جهاتٍ بعيدة.. من قبلُ خمنتُ أن شيئا ماحدث فيدايَ كانتا مشوهتين تتحسسان شيئا ما غير عادي.. أقول لايهم قبل أن أرى وجهي الجديد لتكن أسوأ الاحتمالات فأقصى ما أحلم به ألا أموت.. أكون على قيد الحياة وإن تخليتُ عن بعضي أو تغير بعضي، أما ماعدا ذلك فأمورٌ تافهة. هكذا قلتُ للطبييبِ الجالس قبالتي والذي أرسل من جهة ما لاتعنيني. جاء يخففُ عني بعد معاناةٍ طويلةٍ وعزل.لكني يبدو غير قلق مادمت مازلت على قيد الحياة.

لقدأدركتُ وجهي بعدما اعتدت عليه في شكله القديم الذي رافقني منذ ولادتي!هي المرآة أو العين التي كنت أمر بها وأستبق الزمن. أغترف بيدي حفنةً ماء اتطلع في وجهي الوسيم، ثم أرمي حجرا صغيرا فأرى الدوائر تشوهني.بالضبط تشوِّهني إلى امتدادٍ غيرِ متناه!

قلت كنت أستبق الزمن.

إنّ عليكَ أن تتقبل الواقع والناس ليس بأشكالها بل هم ليسوا بوجوههم.

قال ذلك الطبيب ولم يدرِ أني كنت مشغولا بنجاتي من الموت أكثر من أيِّ شيءٍ آخر أفقده مثل وجه قديم كنت من قبل تمعنت به في المرآة كل يوم أو على صفحة عين ماء ترتمي عند خاصرة الجبل. اعتدت أستريح عندها كلما هبطت أو صعدت، وربما كان هناك من الجنود من ينكح بالقرب منها تحت الأشجار الكثيفة أتانا تحمل على ظهرها أرزاق الربايا .لاحاجةَ لي بنصيحة نفسية. أنا وسيم ذو ملامح هادئة.بعض الفتيات يعجبهن شكلي الأمر الذي يدفعني إلى أن أطيل الوقوف أمام المرآة وأمعن النظر بوجه صادقني منذ الولادة إلى وقت متأخر ثم غادر رأسي فجأة من دون أن أعرف.. أنسل عني كاللص تماما ويبدو أني ارتديت من دون أن أدري أيضا رأسا آخر.. يقولون في الزمن الموغل في القدم كان بإمكان الناس أن يخلعوا رؤوسهم عند النوم لئلا يحلموا أحلاما مزعجة.. إلا أن الناس اختلفوا في سبب ثبات الرؤوس فيما بعد وتلك مسألة لاتخصني قط.

فهل حلمت حلما مزعجا غادرني على أثره وجهي القديم!

 لست معتوها، ومن بين كل الأسماء التي كانت في جيبي مع قصاصات الشِعر والمذكرات اخترت اسم إحسان!

إحسان ذلك الجندي الذي كان رفيقي في الخندق..

عاقل ومعتوه

صاح وسكران

مجرم وبريء..

إنسان مجموعة متناقضات فلم لا أكونه مع شكلٍ آخرَ فرُِضَ علي مؤخرا لاأعرف لم جاء وكيف حَلّ على جسدي؟

لاأريد أن أدخل في تفاصيل أدق يستشف منها الآخرون أني مغرم بذاتي إلى درجة أني أنكرتهُا تماماً بعد الحادث فالحديث عن شكلي أصبح جزءا من الماضي حيث الوسامة نوعاً ما والعينان النرجسيتان غير أن هناك رقعةً داكنة وسط الخضرة تتلألأ .. تمنحني وجها آخر.. لا أحد يصدق أني امتنعت عن أن أراه بعض الوقت.

عيناك جميلتان قالت ذلك، وحين رجعت إلى الخندق سألت إحسان المسخ:

هل ترى عينيّ جميلتين؟

فضحك وقال هذا سؤال ليس من اختصاصي يمكنك أن تطرحه على عريف السرية بشكل لايغار منك الجندي جميل

وحين أحس بعينيّ تغليانِ تحاشى نقمتي وقال:

دع الهزل ربما تظن نفسك وسيما أو يظنك الآخرون هكذا لكنّ حبيبتك التي لم تُرِني صورتها لحد الآن على حق فكل شيء فيك يمكن أن نرميه مع الأزبال ماعدا عينيك؟

 ربما أنا نفسي أشك في الأمر.

أنا الآن شخص آخر..

أختلف تماما عما كنت أعرفني من قبل.. أين يا ترى رأيت ذلك الوجه الذي اعتدت على رؤيته في المرآة وعين الماء. كان وهما.. ؟لاأشك أن أقرب الأشياء إلينا تلتصق بنا ولاندركها.. لذلك لايهمني أن أعرف اسمي.. أما الأشخاص الذين كنت أعرفهم.. فلا أرغب في أن يعرفوني إلا بوجهي الجديد. فقد تغير كل شيء في تلك اللحظة الغريبة.

أين كنت من قبل؟

بل أين هو إحسان العبثي الذي انتحلته فيما بعد؟

 ألف حاء سين ألف نون قال ذلك أول مرة التقيتُه في مركز الفوج قبل أن نتوجه إلى خندق أمامي.. قال اسمه وهو يعد على أصابعه كأنه يعد نقودا.. أما جندي الإشارة الذي نطلق عليه جهينة فقال لي ستكون مع فلتة وستكتشف أنه يمارس العادة السرية من دون أن يحتاج إلى صابون ومحظوظ هو أبو جورج عنده إلى أبعد حد.. لكن انتبه جيدا وعد معي اسم رفيقك في الخندق بصفتهِ عُملةً فكة:

ألف أسد

وهنا زعق إحسان: بارك الله فيك!

حاء حمار حرامي

فقال إحسان: قبحك الله ياعار مع إني أقول الحمار أفضل من البغلة!

ألف أفعى تنفث السم واذكروا محاسن موتاكم

رائع ياجهينة

نون نياكة!

سود الله وجهك!

لم يكن جهينة متناقضا فيما قاله من سفاهة لكنه التفت إلي قبل أن أصعد الجبل مع إحسان وعقب:

 لن أدعك تعرف كل شيء الآن فإذا مانزلت من الأعلى حين يحين دورك في الاستحمام قبل أن تصاب بالجرب والحكة تكون اكتشفت بنفسك من هو رفيقك في الموضع من دون حاجة إلى معلومات تستقيها من العبد الفقير جهينة!

إنه يحدثني عن نفسي من دون أن أدري ولربما وقعت من تصريف ِ إحسان إلى عدة معان على الأفعى التي تغير جلدها كل عام مثلما تَغيّر شكلي .. وقد سألت نفسي وعدت إلى الموضع، هل تغّير الماء فأصبح يعكس الوجوه على غير حقيقتها مثلما أردته من قبل؟ ويبدو أن الأمور سارت بشكل غامض إذ أن كلّ شيء كان يميل إلى الهدود تماما، حتّى خلت الحرب تسير نحو نهايتها إنها مثل الحبّ لاتعرف متى يداهمك ومتى تشفى منه، وربّما دبّ فيّ السكون الغريب.. ذلك الضيف الذي حلّ من دون مناسبة فجعلني أخدر وأتلاشى بعيدا في الخدر، راح إحسان يتمعن في الصحو قال لي وأظنه جادا في قوله:

الشمس ساطعة .. هدوء لامثيل له ما أحوجني إلى كأس خمر أكرعه وأنا مستلق ويداي تحت رأسي حتى أرى كل شيء يصبح جمادا مثل قرية مسحورة أهلها كلهم من الحجر!

أنا لاأحب أن أغيب في الهدوء أحب أن أعيشه وأنا صاح !

فلسفة فارغة!

تحتاج إلى مائة سنة لتفهم !

لامائة سنة ولا حتى يوم فمن يضمن عمره إلى يوم غد لشدما يضايقني أن آكل وأشرب فتمنعني بنادق الأعداء من أن أخرج وأتغوط لقد كان جهينة على حق حين تساءل الخبيث إذا كنا لانتغوط في الجنة فما فائدة الدبر؟ مع ذلك أتدري أني أفكر أن أخرج إلى الخنادق أبحث لعلي أجد في جيب أحد الجنود القتلى زجاجة فيها خمر تستحق أن أجلبها إلى الخندق " ثم قهقه" ليست مثل زجاجة ذلك الميت ابن القحبة الذي فتشناه :

قل أنت وحدك فتشته ولاتتحدث بصيغة الجمع!

المهم.. فتشته فتشناه.. نتشفاه تفتشته .. فتشه ابن القحبه لم يبق منها غير قطرات كرعتها في الحال!

إذا وجدت قطعة حشيش فسأخزنها إلى أبي جورج .أما حين أجد خمرا فلا ينقصني في هذا الموضع سوى امرأة أم أراك تتفلسف وتقول أنا أحب أن أضاجع النساء وأنا صاح أليس كذلك؟

لايتردد أعرفه جيدا حتى آخر يوم ..

في اليوم الأول ظننته ساذجا ثم اكتشفت بعدئذ أنه يدرك الأمور ويوازن بينها .. وفي يوم آخر رأيته مجرما وبعد يوم بدت إنسانيته.. يتبادل مع أبي جورج المحظوظ عنده الحشيش بالخمر ، يقول إن إم جورج أفضل من تصنع العرق من الرز.. عشرات القناني يجلبها مع قدومه من كل إجازة فيحصل على امتيازات من الضباط.. ولا أدرك قط لم يكره الحشيش.. هو شخص مبعثر لاتجمعه إلا مع الأيام.. كاسمه الذي تهجاه جهينة أمامي.. وحلله إلى أكثر من معنى قبل أن نصعد الجبل .. كل حرف فيه يعادل إنسانا وحيوانا ما.. فصادفت فيه أفعى تغير جلدها قبل أن يتركني وجهي القديم.. كل مافيه يحيرني . يدمن الخمر ويعاف الحشيش. هو في هذه اللحظة وجهي الآخر الذي ارتديته بعد أن أدركته أخيرا .. بخاصة عندما انتظرتها طويلا فانسللت خلفها.مشيتها رائحتها وشيء ما في عينيها لا أدركه، سأكون إحسان أمامها ولامجال لي إلا أن أفعل ذلك:

- هل تسمحين؟

 التفتت نحوي.كانت تنظر إليّ كما لو أنها تقف أمام أيّ إنسان:

- أتكلمني؟

 وهمت بالمسير فاستوقفتها ملحا:

- أنا صديقه كنّا في خندق واحد!

أنا أنت ياإحسان.. إحسان لابد من أن أكونك.. لحظتها – حين أقابلها يوما ما – أحسس بالحاجة إلى قليل من عبثك ومرحك.. لقد عشت حياتي السابقة وتشبعت منها فلم لاأعيش حياتك السابقة في قادم أيامي:

 سألتني بشيء من الاهتمام:

- كيف عرفتني!

كان يحدّق في صورتكِ طويلاً طويلا، رأيتك بأمّ عينيّ، فاستدللتُ عليك، ولو لم أكن أراكِ لكنتُ عرفتكِ من وصفهِ الذي أسهب فيهِ عنكِ.

 توقفت برهة كمن تحاول أن تتذكر خبرا نسيته منذ زمن طويل!

- إذن أنتَ كنتَ معه.

ها أنا أحمل اسمه لن أنسى قط يوم قالَ لي وفِّر عليكَ ذلك فأنا لست بحاجة إلى مائة يوم لأتعلم يكفي ماتعلمناه من قبل .. كلما تعلمنا ازدنا تعاسة فلم يكن يبحث عن معلومات في جثث الموتى بل عن خمر ونقود يروح يغامر بين الجثث والعفونة حتى تقع يده على زجاجات خمر فلا يفكر إن كانت سما أملا في أن يغيب عن الوعي ولو لحظة واحدة وكان يقول لي إن أكثر اللحظات نشوة تلك التي تجتاح جسده حين يرمي بقطعة نقود صغيرة على الجثة صاحبة الزجاجة ويصرخ فيه: اترك الباقي لك.طبعا بعد ذلك يلتقط القطعة .ويركل الجندي الذي جنبه قائلا: لاتظن أني أحصل على العرق من أبي جورج مجانا فهو يقدمه للضباط من دون نقود ويقبض مالا مقابله من الجنود ومادمت أزوده بالحشيش فهو يعمل لي بعض الخصومات أفهمت ياحمار.. المشهد نفسه يتقمصه وهو يضع السلاح جانبا فيبسط يديه ويهز كتفيه :إترك الباقي لك .. بخشيش يسمونها بالإنكليزية Tips الحق لاأعرف الكلمة بل سمعتها من جندي مختص في اللغة الإنكليزية " أطلق ضحكة هستيرية" الناس يقدمون بخشيشا للأحياء وأنا للموتى!

أرجوك اترك هذا الهراء ودعني أتمتع بالهدوء!

 بعد ساعة إذا استمر الهدوء ولم تنطق المدافع والقذائف أخرج أبحث في الخنادق تعال معي لعلك تعثر على شِِعرٍ في جيب قتيل.. ياسيدي صاحب الهراء مات بإمكانك أن تنسبه لنفسك! ولو كنت شاعرا مثلك لفعلتها من دون تردد!

كان الفضول أخيرا يدفعني لأن أخرج معه:

على فكرة أنت نبهتني إلى أمر في غاية الأهمية.. سأذهب معك وأجمع ما أجده في جيوب الموتى من أوراق لعلني أطبعها في مجموعة ذات يوم أسميها أفكار الموتى!

النقود في جيبي بعد خصم البخشيش . إني أجمع مهرا إذا مافكرت في الزواج،

 كانت لاتلتفت إلى المال كانت تقول إننا يمكن أن نسكن في أيّ مكان، فالدنيا واسعة، ويمكن أن يكتفي أيّ منّا ببدلة واحدة، ونستغني عن الثلاجة والهاتف والتلفزيون، يكفيها أن تجلس قربي تتطلع في عينيّ العسليتين، وأنا أبحر في شعرها الفاحم، فهل يكون إحسان شبه الأميّ خبيرا بالحياة أكثر منّي:

مالك سارح هل تقضي وقتك كله بالسرحان في حالتي الحرب والسلم يا أخي قلت لك الورقة لك.. كل ورقة لك.. أما قطعة الحشيش فهي ليست من اختصاصي سأحتفظ بها فأقدمها هدية لأبي جورج عند ذهابنا إلى مقر الفوج.. الله ماأطيب عرق الرز من يد أمه.. لَكْ أبو جورج تسلم يدا أمك ويسلم فمك الذي تليق له هذه القطعة من تلك الجثة العفنة يا أبا جورج لاتزعلْ يُخرِج الطيب من الخبيث!

فقاطعته ساخرا:

ياأخي لاأدري اسمه جورج فلم نطلق عليه اسم أبو جورج.

أبو جورج أبو خراء كله واحد وأظن لاتليق به كلمة جورج وحدها لأننا حين نسميه أبو جورج في هذه الحالة نكون نحن الصاحين وهو المسطول أما إذا قلنا له جورج فسيكون هو الصاحي ونحن المسطولين.

والله أنا أفضل أن تمتنع عن الخمر وتدخن الحشيش.

دعك من هذه الخرافة الآن وساعدني على حل اللغز.

أي لغز؟

هذا الذي أمامك.

كنت أنفجر من الضحك أخيرا إذ بسط لي ورقة كان ذو جثة قد لف بها قطعة الحشيش في جيبه وحين وقع بصري عليها شخص أمامي شطران من الشعر:

من يبيض لنا العاقول

إذا ما ترملت إناث العصافير

لأسمه ماشئت عبث.. سأم.. ضجر .. هل أستبق الأحداث فأقول خلال تلك اللحظات ضاع منّي حساب الزمن.. .فقدت حقا جميع الألوان، فعندما كنت صغيرا كرهت الضجيج تماما.. أروح أسد أذني بيدي هربا من أصوات السيارت وفي هذا الموضع بدأت الأمور تتغير أذناي تهربان من الصمت . أخاف..

وضاعت مني الحواس.. أصبحت عدما بعد سكون مفاجيء دب حول خندقنا والخنادق الأخرى!

كأني أصبحت إنسانا آخر

2

حين استفقت، أحسست بألم يقرض وجهي وورم في يديّ.الخندق اختفى مثلما تطير قبعة ساحر إلى مكان مجهول عن العيون.آلام في وجهي الذي المسه بيدي المتورمتين، فأكاد لاأميزه.

جفاف في فمي.. وبقايا من روائح لشيء محروق ..

 وعرفت فيما بعد أني راقد على سرير ومعي مجموعة من الأطباء والممرضات يطالعون وجهي الجديد الغريب…

في الغرفة وحدي . حجر. حجر.. لم يعد معي مما جمعته من أفكار الموتى ولا بعض الهويات والأرقام التي وجدتها في جيوب الجثث من شيءكان هناك تشوه في بعض مناطق جسدي ويديّ…ولعلني نمت طويلا فحلمت بمخلوقات غريبة عثرت عليها في جيب جندي قتل وهو يتأمل السماء لذلك سميته سقراط.. هذا صاحب ذيل ساخن مثل النار وله أذنان طويلتان لعله " عفرجور " كان " قيدنار " ذو الوجه الشبيه بالبومة وأسنان مصاص الدماء غير أنه من دون ذيل يضحك بوجهي ويصرخ فأين أنت يا "قيد نار و"حرفتنبة" يا "عفرجور " وياذا الرمح الطويل حبصبص " حبصبص " بل أين أنت يا إحسان لتحمي ظهري من الرصاص؟

ياترى أين هو إحسان؟

هل مايزال يبحث في جيوب الموتى عن نقود وخمر وحشيش أم اصبح له وجه آخر فانتحل اسمي وعاش في مكان آخر مثلما أفعل الآن!

كاد الضجر يقتلني والخوف والوحدة والظلام حتى تمنيت أن يكون إحسان معي وإن ظهر بأبشع صورة .. مقرف.. لاأخفي أني كنت ألوذ به من خوفي وأرحل معه إلى الخندق الأمامي فرارا من الخندق والضجر والمشفى وإن كانت تلك اللحظة الوسخة التي التفت خلالها فوجدته واضعا على نتوء في الخندق صورة فتاة رائعة الجمال استلبها من جيب جثة ما وراح يداعب قضيبه بيده .كنت معها ووجهي ينصرف إلى الساتر الرملي في آخر لمحة له مني . كنا جالسين في مكان ما لاأتخيل ملامحه ولم أغب معها طويلا في الكلام. قلت أحبك، فنكست عينيها ورددت أحبك . قلت لم يبق من إجازتي إلا بضعة أيام سالتحق بالوحدة وسيقتلني العطش إليك. كانت تتطلع بعيني في ذهول فالتقت شفتاي بشفتيها ولم أستفق إلا على زعقته. فانتبهت إليه وهو ويحرك عضوه على أجزاء من الصورة إلى أن غمرها بسائل لزج اندفع مع تقلصات وجهه فبصقت وكدت أتقيّأ مع أني استحضرت تلك الصورة الآن في غرفة قاتمة مريحة دافئة يبدو أنني مازلت أجهل فيها شكلي..

- رائع هنا أفضل أنت الآن في هذا الخندق وسوف تغادره إلى خندق آخر أما إذا فعلت هذه العملية في مرحاض بيتكم مرة أو مرتين في الأسبوع فبعد فترة تسمع أصواتا كلما دخلت المرحاض تصرخ: جاء بابا جاء بابا!

الحق فكرت أن أكتب شيئا ما أو أقضي الوقت بالأحلام من دون اعتراض على أي مشهد ثمّ اعرضت عن كلّ تلك الأفكار فوجدت أني روّضت الزمن من دون أن أدري.

أناس مختلفون يرتدون ملابس بيضاء ويتكلمون لغة أخرى.. يتمعنون في طويلا طويلا ثم ينصرفون.. أطباء يشيرون إليّ.. جراحون.. أمس وجهي بيدي فأحس بخشونة ما.. ولامرآة أمامي أبصر بها شكلي.. لاأحد يقول لي ماذا هناك.لاأقرؤ دهشة على الوجوه بل استغرابا.. فأحاول أن أسأل وليس هناك من مجيب.. الصمت وحده ينطق معي بينما العيون الكثيرة كل يوم تحدق في لدقائق وتمضي..

ماذا يجري؟

حينها كنت بعيدا عن وجهي لاأعي حقيقته..

الجميع يعاملونني بلطف كأنهم خرس أو بدا لي العالم مغمورا بالصمت إلى حين.كانوا يقدمون لي طعاما جيدا، ويمنعون عني السكاكين والأشواك والمرايا.بين فترة وأخرى يأتي طبيب يفحص عينة من دمي. كان هناك وحش ما يتطلع إلي ينشطر مني باتجاهي ّ.أكاد أصعق.كانوا يقدمون لي الماء في أباريق ويمنعون عني المرايا.كم مرّ علي وأنا لاأعرف نفسي، والآن أدرك تماما أني تغيرت..

وجه جديد تماما غريب عني رافقني ولم أدركه إلا قبل لحظات..

سنوات.. قرون.. زمن أدركت أنّ الوضع الذي كنت عليه في يوم ما في سنة ما تعرض إلى تجربة ما.. قتلتُ متُ قتلت ثم تحولت إلى مسخ، بالضبط حدث ذلك حينما زارنا في الخندق ذلك الضيف المحبوب المسمى بالهدوء، في الحرب كم تطلعنا إلى زيارته، وخمنا أنه علامة على نهايتها وتلك التي تأتيك كالحب من حيث لاتدري سوف تنتهي .. ليجلس المتخاصمون ثمّ يصبحون في لحظات أصدقاء، في تلك اللحظة بالضبط انقلبت الأمور وحام وجهي على الماء .. مسخ.. مسخ.. هذا هو أنا، العين قالت ذلك عن رفيق إحسان في الخندق قبل تلك الواقعة ذلك الشاب الوسيم ، وقفت أتأمل وجهي الذي لم أعرفه في الماء، وفي شبه خدر بين الدهشة والحلم التقطت حجرا ورميته ثمّ تابعت الدوائر وهي تتلاعب به تتسع وتضيق فيزداد تشويها وجمالا ثمّ.. تتلاشى.

- أترى هذا السكون !

يسألني في الخندق صديقي وهو يعدّل بندقيته على كتفه.

- ربّما اقتنعوا بإيقاف الحرب!

- هدوء يثير الريبة قد يكون علامة على نهاية الحرب!

- اسمع ياعزيزي الحرب تأتي وتذهب فجأة مثل الحب.

- أو مثل عزرائيل.

اسمع سأغتنم فرصة الهدوء وأذهب لأفتش في الخنادق الأخرى عن ميتين لعلني أجد في جيوبهم بعض النقود، وحين أعود تستطيع الخروج لتكمل المهمة!

- هذا مارأيته في أحد الأفلام

- ماالفرق "قالها بسخرية" سوف نصبح قصصا أيضا أليس كذلك.

- لكن لاأدري.

- لاتتردد النقود ستدفن معهم وتذهب هدرا أو يستولي عليها الأعداء نحن أحق بها.!

 في الحرب نتحوّل كلنا إلى مفكرين وفلاسفة.نعرف كيف نصادق الموت.حالما يغادر صاحبي الخندق ، واستسلم لخدر لذيذ أصحو لأجد نفسي أمام العين، تلك اللحظة ومازلت واقفا سألت نفسي أين رأيت ذلك الوجه؟جندي يحلق رأسي كلّ شهر اسأل عن مرآة فيصمت، يرش علي بعض الروائح الجميلة.لا أحد يكلمني. أرى بثورا تسقط على راحتي من وجهي واشعر بحكة في جلدي.. شيء ما يهرشني أجلس على سريري، وفيّ رغبة لأن أرى وجهي.

هل تعرفينني ربما تغير شيء.. لابد أن مظهري فاجأك لكني لم أعرف شكلي لحد الآن هل تصدقينني؟

على فكرة كيف هو شكل خطيبتك!

إنها رائعة جدا لاأتخيل امرأة بجمالها.

هل معك صورة لها؟

لماذا هل تريد أن تستمني عليها مثلما تفعله بالصور الأخرى!

ياصديقي لم تصل بي النذالة إلى هذا الحد، فنحن أكلنا وشربنا معا ونواجه المصير نفسه صحيح أنت مثقف أكثر مني لكنني أجد نفسي في بعض الأحيان أكثر فهما للحياة منك!

فقلت ساخرا: تستطيع أن تفعل ذلك حين أقتل!

فرد علي بسخرية أمر:

أنت الجثة الوحيدة التي لن أفتشها فهل تعدني ألا تفتش جثتي!

ثم واصل وهو يهيل حفنة من الرمل على منيه أسفل قدميه:

أتعرف أني كنت أسترق النظر إلى خيمة قلم الفوج فوجدت الجندي الكاتب ينكح يده .. ارتبك لحظتها فقلت له لا.. فقط حين تنتهي امسح بمنشفة نائب الضابط المعلقة على الوتد لقد أطاعني مثل الكلب ثم فعلت مثله وقلت له بعدذلك حين يأتي من إجازته ويغسل وجهه ويديه قدم له المنشفة وقل له " نعيما سيدي " فلاتخف ياصديقي العزيز يامن يحمي ظهري من الرصاص لاتخف هناك عدة طرق فلا تخف لن أفعل أي شيء بالصورة التي في جيبك.

 لاادري لم أخفيت عنه الصورة كانت فعلا في جيبي، فهل خشيت أن يسرح عليها خياله بعيدا فيصل إلى نشوة قبيحة دون أن أعي أني سوف أكونه في يوم ما بوجه آخر. لقد حصل عليها إحسان فيما بعد. هنا في الخندق أو المشفى اختلط علي كل شيء.نعم ففي كل يوم نعثر على أشياء جديدة .يوم أمس كان معنا أصدقاء جدد منهم قيدنار، حرفتنبة، عفرجور، شفالع شنازيب، هؤلاء كان المفترض أن يدافعوا عن الذين حملوهم في جيوبهم.. قيدنار وجدته في جيب سقراط.. أقسم أني خلت سقراطا هذا حيا فهو قد أسند يده بعكسه ومالت رقبته إلى الوراء كأنه يتطلع مليا في السماء.. ميتة ولاميتة هارون الرشيد.. لاأدري لم سميته سقراط فلم يعثر صاحبي إحسان على خمر أو حشيش في جيبه أما أنا فعثرت على رقعة مبهمة خبأها في خيط لفه على زنده.. اليد التي استند فيها سدة الخندق فهل أعيده إلى وضعه السابق ؟رحت أطالع الورقة فوقعت عيناي على خربشات تشبه الصور لخطوط كتبت بحبر أصفر. أفاع وطيور وأسماء مبهمة.أولها قيدنار.. ظلت الاسماء تنحدر من الأعلى إلى الأسفل . في الخندق مط إحسان رقبته ولمح الورقة فقال ساخرا:

أخو القحبة سقراط هذا، كل هذه الكتابة بالزعفران وأسماء الجن لم تحمه من شر الرصاص!

وقلت مندهشا:

لم ياترى كتب الساحر الأسماء من الأعلى إلى الأسفل!

يمكن ساحر أو ُمّلا من الصين كتب له هذا الحجاب!

وغرق في ضحكة هستيرية!

غير أني حفظت هذه الأسماء عن ظهر قلب ولم أكن بحاجة إلى أن أصحب الورقة.. لعلني تشاءمت منها ثم أقنعت نفسي أنها قد لاتكون هذه أسماء جن تحمي الموت قد يكون أصحابها جالبين للمحبة فأخطأ من سميته سقراطا وظنها منجية من الرصاص.. قد يكون وضع الجن في غير محله أخطر بكثير .. ماذا تقول يا أحسان لو علق أحدنا حجابا للمحبة حول زنده وظنه حجابا لطول العمر.. الجن المناسب في المكان المناسب..

راح يسخر مني

 وكنت أتجاوز الزمن وأعبر الأرصفة وأتمتم ببعض الأسماء التي وجدتها في جيب سقراط.. لابد أن تكون للمحبة .. أحس بظمأ ما.. عطش.. أدخل بين الناس أحشر نفسي في الزحام.أمرّ في أيّ ركن وزاوية ظلّت كعهدي بها أو استسلمت للهدم.لاشيء.. الناس لايلتفتون إلى وجهي.ينظرون إليّ مثل أيّ شخص عاديّ غير مميز، فأسخر من صوت يلحّ عليّ:اهربوا.. مسخ.. وحش.. لاأحد يراني مشوها أو يحسّ بي مسخا، مررت بأشخاص أعرفهم منذ الطفولة وزمن الدراسة محامين.. أطباء.. كسبة.. عمّال.. لم يعرفوني لكنهم لم يلتفتوا إلى وجهي المشوّه.لاأحد يتقزز مني، ولاأثر للنفور في عيون الآخرين.كان يمكن أن أكون مثل ايّ مَعلَم غريب.توقعاتي كانت خاطئة، وفي لحظة ما فكرت بها.هي بالذات.ترى هل تلتفت إليّ كأنّي أختلف عن الآخرين وذهني مملوء باسماء كثيرة جديدة عثرت عليها في جيب جندي ميت يتأمل السماء.لابد أنه أخطأ في اختيار هؤلاء. قيدنار وآخرون لم يكونوا آلهة حرب وإلا لحموا سقراط المفكر من الموت، قد يكونون آلهة حب وعشق وغرام . لعل من بينهم أنثى مثل عشتار.. لابد أن يكونوا كذلك وأن أعتقد بهم فهذا العبثي إحسان يعتقد بالخرافة.. والدين والعلم فأين تعلم عبثه المتناقض وهو لما يكمل الصف الثانوي المنتهي؟ هل سمع بمن يعبثون في بلدان بعيدة فتقمصهم وهم أحياء؟أقسم بالله إنه مات، وتشوه وجهي فهربت من الحادث المروع باسمه. لاأريد أن أتذكر وجهي القديم. هذا أفضل الي. كل المحرمات عنده تجوز.. السرقة والقتل ماعدا الشذوذ مع ذلك فقد وجدته يختفي ساعة فقدت الوعي فعاشرت الظلام وتحسست وجهي الغريب . لاأنكر زياراتها لي في الزنزانة قط وسط الظلام وربما خلال الضوء الخافت.كانت تنظر إلي بدهشة كأنها ترى في شيئا ما جديدا:

 - مااسمك؟

ومن دون تردد:

- إحسان "وأضفت بعد لحظة تأمّل ":

- كان يحدثني عنك كثيرا.. جمالك شعرك.. إخلاصك..

- صحيح!

- لكنه لم يكن يبالغ!

- لقد عشنا فترة.. لكنّ القدر..

مازال الطعم على شفتيّ، أحب أن أحدثها عن نفسي يوم لم أكن ذلك العبثي إحسان.. كدت أتحسس أنفاسها اللاهثة بين ضلوعي.. تقر ببعض الذكريات وتهرب من الأخرى.. كأني أتمنى أن أكون إحسان الذي اختفى.. اسمع أنت تستطيع أن تذهب إلى خطيبتك.. ستعود لابدّ أنّها تعود، هذا فيما إذا توقفت الحرب، ويبدو أنّ الحرب لاتريد أن تتوقف.. الحرب بدأت منذ أن قتل هابيل قابيل.. ولن توقفها قرارات الأمم المتحدة.. فهذه الأخيرة حديثة عهد لاتملك أية سلطة وصلاحية لفتح ملفات سابقة، أما أنت فلا تسخر مني وتنعتني بالفيلسوف أو سقراط لكوني أكفر بكل حرف تعلمته .. سقراط قتل وسلبناه نحن الإثنين لايهمني إن كان فيلسوفا كما تقول أو بائع جرائد بل أفضل أن يكون صانع عرق مثل أم أبو جورج التي حفيدها ابنها .. مع ذلك فأنا على ثقة من أنّ المحاربين سيستريحون في هذا المكان لتندلع حرب أخرى في مكان آخر.. عندئذ أذهب أنا إلى خطيبتي.. نتزوج وننجب أطفالا.. أما أنت ياإحسان فأراك تبحث عن أيّ ثقب تفرغ فيه شحنتك قد تكون مومسا أو صديقة وأظنك لاتتردد حين يضيق بك الحال وتيأس من أن أن تدسه بأي صبيّ .نأكل.. نشرب نتهافت على اللذات بانتظار حرب تطحننا أو نراقب حربا تندلع بعيدا عنا أو بالقرب منا .إحسان يعرف كيف يدبر أمره حتّى يتعب من الثرثرة:

- أرأيت كيف أني أنطق حكما حين نحبّ نكون مغفلين.

-وحين لانحب!

- نكون مستهترين ونحن مخيرون إما أن نموت ونحن خالون من الحب فلا أحد ينكح لي حبيبا من بعدي أو أحب وأقتل فينكحها آخر غيري!

لكن متى حدث ذلك؟ ربما تستعصي الذكريات أحيانا .. هناك في حقيبتي عند السهل في موقع الكتيبة الذي لم يكن أكثر أمنا من مواقعنا المتقدمة عند خطوط التماس تركت بعض الملابس وهوية تحمل اسمي وكثيرا من قصاصات الورق التي انتشلتها من جيوب القتلى .. مع ذلك مازلت أحفظ عن ظهر قلب بعضا مما احتوته تلك القصاصات.. يسمونه شعرا.. اسماء حبيبات.. تعاويذ سحرية.. كنا كل شهر أنا وإحسان نغادر الموقع إلى مقر الكتيبة نبقى يومين نستحم خلالهما ونستعيد نشاطنا هكذا يقولون لكننا في الواقع كثيرا ماننزعج من مغادرة الموقع فما عدا الاستحمام والحساء الطازج وربما بعض اللحم والخضار يكون موقع الكتيبة أكثر خطورة حيث تتعرض لضربات الطيران وقصف المدفعية في حين كنا في موضعنا نعالج القنص ورشقات الرمي الخفيف وتسلل جنود العدو.. إنه لمن السخرية وفق مزحة إحسان أن تكون مقدمة الموت أقلّ خطورة من مؤخرته..

لقد جاء أمر بمغادرتنا الموقع إلى مقر الفوج .. هناك نبقى في القاعدة الأمينة يومين نستحم .. ونلتقط بعض أنفاسنا، وكانت مثل هذه الأوامر تزعج إحسان للغاية.. أو لأقل بصراحة تزعج وجهي الجديد الذي علي أن أتحمله مهما تكن علاقتي به من حيث الزمان.. نعم الوقت الهاديء يستفيد منه في البحث عن جثث تحمل نقودا.. وأنا أبحث عن قصاصات ورق في جيوب القتلى وتعاويذ من السحر.. قلت له ونحن نهم بالعودة إلى مقر الفوج:

هذه المرة أشتم رائحة غريبة تشي بالصمت الطويل.

قال متشائما:

هذا فأل سيء!

3

 

كنا نأخذ طريقنا هابطين من علو.. انفتحت أمامنا سفوح مريبة وانبسطت سهول وانطبعت بأعيننا زرقة السماء.. الحق كنت أخاف الهدوء الذي يجثم على الجبال بقدر ماكنت أحبه في مدينتي الوادعة الصغيرة.

لم يكن هناك في القاعدة أي شيء جديد.. وجه بليد يجلس صاحبه إلى الحائط ولايتكلم قيل إن صاحبه مصاب بالغباء الشديد إلتحق بالجيش من باب الاشتباه والوحدة حائرة فيه.غلط في غلط كما يقول السيد الآمر إلى درجة أن إحسان قبل الاستحمام صبغ وجهه بسخام قدر الطبخ وهجم على ذلك الجندي المسكين صائحا وهو يضحك أنا عزرائيل جئت أقبض روحك فما كان من الجندي الغبي إلا أن فر إلى أحد المواضع واختفى.ولما تزل الوجوه القدامى التي نعرفها هي هي. العريف الفض الخشن ذو الحاجبين الكثين والجندي الطباخ الذي دعوناه ابو مس وجندي الإشارة وقد ألغينا اسمه و سميناه جهينة . كان ينقل إلينا بعض الأخبار سواء عن طريق الرواية الشفوية أوغمزات عينيه وهناك جندي آخر جديد ناعم الملامح قال عنه بعض الجنود وهم يتغامزون إنه انتقل من فوج آمن بعيد عن الحرب إلى هذا المكان لسبب لايعلمه إلا الله.. وقد رأيت ذلك الجندي الوسيم الذي تجاهل الجنود اسمه وبدأوا يطلقون عليه اسم " الجميل" يحظى باهتمام العريف الفض أو التمساح كما يسمِّيه الآخرون، فحين انتهينا من الغداء اختص العريف الجندي الجديد الوسيم بالإعفاء من واجب الخفارة الليلي الأمر الذي جعل طباخ الوحدة يغمز بعينه ويوشوش في إذن إحسان شيئا ما وقد رفع الأخير صوته قليلا ووراح يغني بحداء ممجوج:

شكثر تشبع نيج العدها خالات عماتي من بعبوص سونها قالات!

لا الصابون أفضل فهذا عمل قذر تعافه حتى الكلاب.

التفت بدوري إلى إحسان وقلت:

هل نبني أفكارنا على التهمة والظنة؟

فقال ا جهينة :حين يدلل العريف جنديا وسيما مثل جميل فيعفيه من كثير الواجبات ويختصه لنفسه فهذا يعني الكثير ويثير الشبهات.

فقال جندي أسند ظهره على عمود مانعة الصواعق وراح ينكش أسنانه :

لارائحة من دون شيء أنا مثلا أكلت بصلا أنظروا " فتح فمه ونفخ" أي شخص يقرب أنفه من فمي يشتم رائحة البصل!

اقترب إحسان من جندي الأرزاق المكلف بمرافقة البغلة وقال له وهو يربت على كتفيه:

ماذا تقول ياصديقي العزيز؟

فغمز الجندي بإشارة ذات معنى وقال بابتسامة تتراوح بين الخجل والسخرية:

أنا معك أقول ماتقوله أنت!

وقال الطباخ:

للعلم أذكر أن التمساح يهتم بجميل كونه ابن أخت أحد الزعماء العسكريين قائد إحدى الفرق!

فأطلق إحسان زغرودة طويلة :

إشاعة وشرف العلم لاتصدقوها!

وقال جندي الإشارة لامزا إحسان: إذا أفتى مسيلمة فكل أمر غير قابل للشك. وأضاف وهو يهز رأسه ويمط شفتيه: عندما كنت قريب العميد المرحوم المعدوم دلك العرفاء والمسؤولون ولم يستغلوا مؤخرتك!

كان جندي الإشارة يذكر إحسان بكذبته الكبيرة التي بسببها أطلق عليه لقب " مسيلمة" على الرغم من أن اللقب لم يلتصق به فيما بعد، إنه نفسه مارس تلك الكذبة طويلا.. تحدث لي ذات يوم عن أن العميد قائد الفوج من أقاربه وسوف يقوم بنقله إلى مكان آمن بعيد عن الحرب في الوقت المناسب تحدث بذلك وظهره ناحية العريف وكأنه لايدري به تمثيل مفتعل أجاده فحصل على امتيازات من العريف ومسؤلي الفوج استمرت رعاية الجميع له ، إجازات.. إعفاء من بعض الواجبات الصعبة.. وإن كان ولابد فإن أقصى مايقوم به من عمل صعب هو أن يرافق الأتان التي تحمل الأرزاق إلى ربية الرصد البعيدة فيقضي نهارا كاملا في طريق الذهاب والإياب..

غير أن كل ذلك انتهى في رمشة عين..

انتهى يوم اكتشفت الدولة أن السيد العميد قائد الفوج خائن يتآمر على الدولة ويدير من طرف خفي مع مجموعة من العسكريين مؤامرة كبيرة لقلب نظام الحكم..

كانت نهاية السيد الآمر الإعدام.. ونهاية إحسان إلى خندق متقدم لايبعد سوى أمتار عن خنادق العدو.. حققوا معه.وأنكر أنه ذكر أن العميد من أقاربه. كانت نهايته مثلي تماما..

أمتار قليلة عن فم الموت..

وقد قلت له في أحد الأيام وأنا أضحك:

إني أتخيلك الآن يا إحسان وأنت تزدرد ريقك وتقسم بأغظ الأيمان أن لاعلاقة لك بالسيد آمر الفوج المتآمر

فضحك ضحكة ساخرة عالية خشيت أنها تلفت مواضع العدو وقال مجاريا:

أولاد الكلاب اكتشفوا كذبتي بعد ساعات من اكتشافي سر الحمارة والأرزاق المعفرة بالتراب ومؤامرة المرحوم!

 في المساء كان علينا أن ننام في مقر الفوج مبكرين لنصحو قبيل الفجر فنصعد إلى الربايا، ويبدو أن جميل سبقنا ففرش يطقه واستدار على جنبه نحو الحائط.أبصرت من خلال المصباح النفطي الخافت وجه أبو مس وهو جالس القرفصاء يدخن ويتأمل باتجاه موضع " جميل"، وفجأة قال وهو يعدل الفانوس على العمود أسفل السقف:

هناك أمر ما يحيرني؟

فاندفع جندي الإشارة من الجانب الأيسر متحمسا:

لاتقل الفانوس فارغ لقد ملأته بالزيت قبل الغروب!

والله إنك غبي.. فانوس.. .. زيت . أمثل هذه الأمور تشغلني؟ "وغمز باتجاه جميل الذي لم يبد أية حركة ولاأعرف إن كان يتناوم أم نام فعلا":

بعد أن نستشهد بإذن الله أنا شخصيا أول ما أفعله سوف ألتهم عدة طيور وهي طائرة مجرد أن أشير لها تسقط مشوية وبعض التفاح أملأ به بطني بدل هذا الخبز اليابس ومرقة الفاصولياء التي تعيشنا بها!

هذه أين؟ في أي البلدان؟

وضحكت : لم أر في حياتي طباخا جائعا مثلك!

كان إحسان ينام كما اعتاد في الموضع ويداه تتشابكان تحت رأسه، هذه المرة انتصب بنصف قامة ومازالت يداه في مكانهما وكأنه يؤدي تمرينا رياضيا يختص بالبطن:

ياأبا الجوع ياجهينة ترغب في الموت لتملأ بطنك؟

أنت أيضا غبي كلكم أغبياء!

فالتفت الجندي إلى المراسل أو البوسطجي وفق تسميتنا: كلنا حتى الشاعر؟

أنا لم أستثن أحدا حتى المتنبي والرصافي امرؤ القيس لايفهمونني وليس صديقكم الشاعر بدليل أني خدعتكم بالأكل لكني أقول إذا أكلت كل هذا الأكل فأخشى أن تمشي بطني ولعلني ولعل أهل الجنة ينزعجون!

فتعجلت بابتسامة: لاتهتم سكان الجنة لايخرؤون لأن الجنة كما يقولون مكان طاهر؟

فقلت غير ممتعض: يعني لكونك طباخ الفوج وبيدك طعامنا تروم استغلال دورك لتذلنا!

فقال مندهشا:يا أخي إفهمني أنا لاأطعمك من مال أبي لكن كلنا بعد السم الذي تناولناه مثل الوحوش ذهبنا إلى الخلاء وقد تحصرنا النجاسة في أثناء القصف فلانبالي لكن حين ألتهم مالذ وطاب في الجنة فأين تذهب الفضلات؟

يا أبله ياحمار .. اندفع الجندي البوسطجي وهو يحرك يديه:

عندئذ قاطع أبو مس: نعم يا أبي واحمد الله على أننا لم نسمك غرابا بل اكتفينا باسمك البوسطجي.

فعفط عفطة طويلة ولاذ بالصمت بل اختفى من خلال ابتسامة عريضة ورد جهينة كأنه يدافع عن البوسطجي غير ملتفت إلى ابو مس:

 الفضلات تذهب عن طريق التبخر!

انظر .. حين أقول أغبياء يعني أنكم أغبياء حقا إذا كانت الفضلات تطرح عن طريق التبخر " مد عنقه كالزرافة باتجاه جميل " فما فائدة الدبر؟

استغرقنا فجأة في ضحك هستيري هذا ولما يزل جميل جامدا في مكانه فدفع إحسان رأسه بيديه ثانية وقال وعيناه على جميل: هناك بعض الوظائف معطلة في الدنيا فاعلة في الآخرة.

قال جندي الإشارة وهو يغمز بعينيه ثانية إلى جثة جميل المنتصبة نحو الحائط من دونما أية نأمة:

هناك بعض الوظائف لبعض الأعضاء فاعلة في الدنيا معطلة في الآخرة وهناك أيضا بعض الاعضاء معطلة في الدنيا والآخرة!

مثل ماذا؟

مثل ماذا ؟

مثل عقلك!

بهذا أتفق معك إذا كان الأمر كذلك!

لم يتوقف الضحك والسخرية، حتى صاح الطباخ كأنه يدين نفسه:

يارفاق هناك غيركم نائم فهلا راعيتم مشاعر الآخرين!

صحيح كلامك

ولم يجد جندي الإشارة بدا من الحديث فعاود وهو يهز كتفيه مثل مدرس في صف:

يا أولادي أظن أن الدبر سوف يبقى في الآخرة خصوصا الجنة فهناك من الأخوة المؤمنين من تراوده نفسه في أن ينكح حورية من الخلف أو واحدا من الولدان المخلدين فاطمئنوا الأوضاع تحت السيطرة!

لاإله إلا الله أستغفر الله العلي العلي!

أهلا بالنبي المؤمن مسيلمة!قال جندي الإشارة يعقب على استغفار إحسان الذي لم أكن أنْتَحِل اسمه في حينها وعقب جهينة ساخرا:

أنتم جنود الخنادق الأمامية تكذبون تكرعون الخمور.. تسرقون جثث الموتى .. تستمنون على صور غريبة.. تمارسون العادة السرية وحين يصل الأمر إلى نكاح الحوريات من الأدبار تستغفرون الله والله لو كنت آمر الفوج.. وبمثل لمح البصر قفز جندي الإشارة في ممر الغرفة الضيق وغاب ثم عاد بعد لحظات وهو يسحب أبا جورج من يده:

انظروا ذهبت إلى غرفة الاتصالات فأخبروني أنه خرج يريق المائية فذهبت باتجاه الباحة يدخن هدية إحسان!

فانفجرنا ضاحكين وقال أبو جورج معترضا: هكذا يا إحسان تشهر بي مع كل هدية!

فقال جندي الإشارة:إني أسالك يا ابا إذا كان جورج يزعجك سأقول لك أبا اير هذا إذا كان لك أير طويل ..

فقاطع إحسان ضجرا:

يا أخي بدل هذه المقدمة واللف والدوران قل سؤالك وأرحنا!

 حسنا أسألك سؤلا إذا عرفته سأطلق سراحك وإن لم تعرفه نغصت عليك متعة أفكاركالتي جلبها لك إحسان !

يعني ماذا.

هناك مخلوق مسالم اكثر من السيد المسيح الذي قال إن صفعك خربوط على خدك الأيمن فأدر يامخربط له خدك الايسر فماهو؟

فقلت هذا سؤال استفزازي مثل اللغز الذي عثرنا عليه اليوم.

فرد أبو جورج لاأعرف والله لاأعرف اتركني أذهب أنام.

هل تعرفونه؟

فأجبنا بصوت واحد كلا.

مادام الجميع لايعرفونه فسأطلق سراحك اتدري ماهو ؟ الكس يوميا يتلقى ملايين البصقات اللزجة ويتقبل الأمر مسرورا بانشراح من دون شكوى ولاتذمر!

فقال الطباخ: استغفر الله العظيم.

فقال ابو جورج ساخرا: لاتستغفر ولا بطيخ.. نبينا متسامح مثل الكس okونبينكم مزور جوازات مرة تاها ومرة ياسين وأخرى مصتفى وثالثة أحمد أو محمد والله العظيم أكبر مزور لايقدر على ذلك!

كنا ننفجر ضاحكين، وهنا علقت زعقة من الجندي الخفير الحارس للباب الخارجي " قف " فعرفنا أن الضابط المناوب في الطريق إلى الفوج عندئذ وقف جندي الإشارة وكان يهم بإشعال سيجارته ، فأطفأ الفانوس وتمتم هامسا لنخلد للنوم فالضابط قادم، وقال جهينة شكرا لك أيها الحارس لقد نبهتنا لقدوم الضابط الخفير ألف شكر ولو أني اشك أن دبرك قد شق بسبب هذه الزعقة المرعبة!

فقال إحسان: لاتخف عليه إذا كان قد سده قبل الزعقة فلن يحدث شيء.

وكنا ندس رؤوسنا وسط الظلام مثل الفئران تحت الأغطية!

 

 

4

علي أن أكتشف من حيث لاأدري بأية صورة غريبة تتشابك المصادفات وتضطرب الأخبار وتتداخل في اللحظة ذاتها ففي يوم مفعم بالدفء فلا ثلج ولاضباب يلف الجبال كان الطباخ يستند بظهره إلى عمود مانعة الصواعق ويزف بشرى جديدة إلى إحسان الجندي المدلل بن عم الآمر المزعوم.. إحسان.. يا إحسان ياصديقي العزيز يقول لك العبد الفقير على لسان العريف نقلا عن رئيس العرفاء عن النائب الضابط عن الضابط عن.. عن.. إن الجندي المكلف بنقل الأرزاق إلى الربايا ذهب في إجازة فما عليك إلا أن ترافق الحمارة المدللة المصون إلى الأعالي لتسلمهم أرزاقهم دعهم ينعموا بوجبات طازجة بدلا من المعلبات.. وقد قام لإحسان بدوره خير قيام غير أن البغلة حين وصلت نصف المسافة عند عين الماء التي يستريح عندها المتسلقون حردت هناك.. وقفت صفنت بضع دقائق كأنها تنظر شيئا ما في تلك الدقائق ظن إحسان أنها تكلم بعض الجن أو تستشيرهم في أمر ما وإن كانت الأحجبة والنذور في جيوب الجثث لاتشفي غليله ولايؤمن بها وفجأة ألقت الحمارة بالحمل وتمرغت بالتراب .. وهكذا بعد محاولات من إحسان البائس.وصل الطعام معفرا بالتراب إلى الربايا فكان ولابد من أن تثير شحنة الأرزاق استياء جنود الربايا.. ظل إحسان يعاني من عقدة الحمارة عشرة أيام إلى أن قدم صاحب الشأن المكلف بالحمارة من إجازته عنئذٍ أقسم صاحبنا أن يعرف الحقيقة فأصر على أن يترك موضعه فيتربص بين الأشجار الكثيفة خلف العين فتقع عيناه على شيء عجبا..

جندي الأرزاق يلتفت يمنة ويسرى ثم يرتقي مؤخرة الأتان.. يقول إحسان تركته يرهز عيها حتى تقلص وجهه فخمنت أنه على وشك أن يقذف عندئذٍ اندفعت من بين الأشجار زاعقا مثل الشيطان .كصوت واحد من هؤلاء الجن الذين وجدتهم في جيوب القتلى المملؤة بالسحر.يا أخا القحبة .. الأتان كانت معي خلال إجازتك. أنا أصعد بها نحو الرابايا وعندما تصل العين.. تبدأ بالرجفان وترمي ماعليها من حمل، والجنود يسألونني لم ممرغة هي أرزاقنا بالتراب والرمل.. حتى عرفت..

إحسان اتق الله ولا تنهش لحم الأموات.. جندي الأرزاق ذهب إلى رحمة الله..

تقصد أبو بغلة صحيح هو نكح الحمارة فلم يكن لائقا أن اسميه أبا حمارة ابو بغلة أفضل مثل جورج وأبو جورج لكنك ياصديقي تظنني كاذبا.. انا لست حشاشا حتى تراني أهذي كما يهذي الأموات في الخنادق بأسماء ظنوها تحميهم فإذاهي تسلمهم للموت!

نفسي أن أصدقك!

مشكلتك أنك لاتصدق أحدا حتى نفسك! ثم التقط أنفاسه وقال: أتعرف أن أبا جورج تقاسم قطعة الحشيش مع كاتب قلم السرية الذي أخبره أن الحكومة خيرت المحكومين بالإعدام من المجرمين القتلة وأصحاب زنا المحارم هناك من ناك أخته وآخر ناك أمه وثالث ناك أخاه أو بنته على قاعدة نك بأخيك ولاتخرب بيت أبيك خيرتهم أن يقبلوا المجيء للحرب بدلا من أحكامهم !

معقول؟

ألم أقل لك أنت أكثرنا فهما لكنك آخر من يعلم!

معنى ذلك أن الحرب ستطول!

ومن قال إنها انتهت!

يا أخي هؤلاء إما مؤبد أو إعدام يعني بالعربي الفصيح ميتون ميتون على الأقل هنا يرون بصيصا من الأمل!

وهذا الصمت من الطرفين.. صحيح كان هناك صمت من قبل لكنه لم يطل كما هو عليه الآن!

دع هؤلاء الجربى يأتون والله لو ميزت أيا منهم لوضعت رصاصة بظهره وليس هناك من رآى أو سمع خاصة هذا القذر الذي ناك أمه!

أنت معتوه!

أتعرف إنه يضع لها مخدرا في الشاي كل ليلة ويضاجعها وهي مخدرة حتى أحست بالحمل ..

فقاطعته بقرف واضح:

وأين أبوه كل ليلة؟

يا أخي ميت وفق رواية كاتب الفوج ميت يعني هو يتيم وهي أرمل أفهمت؟ " وتمادى في السخرية" أنت تفهم كل شيء ماعدا بعض الأمور التي لم تعد من الغرائب في هذه الأيام!!

إحسان أنا وأنت الصاحيان وسط مجموعة الحشاشين هؤلاء فهل نصدق!

فهز كتفيه متصنعا الغباء ومط شفتيه: وما المانع!

في هذه اللحظة كنا نغادر العين صاعدين إلى الربايا والخنادق.. .. علينا أن نواصل عملنا في اليوم التالي .. ثمّ إنّ إحسان ذلك الجندي العبثي الذي لاتعرف صدقه من كذبه كان مشغولا بالبحث في جيوبه عن حربة حادة ليقطع إصبع جنديّ من الأعداء تعفن عند ستار الخندق، قال إنّ الخاتم ثمين ولامجال إلا لقطعه، ولاأنسى نفسي أنا المغرم بقراءة أفكار الموتى والتسلط عليهم.. أوراق تافهة .. وأحجبة أرادوها أن تمنع الموت عنهم فلم تفعل.. أسماء غريبة.. صديقتي يوم كان لي وجه جميل أرادت، خلال إحدى الإجازات، أن أحدثها عن الحرب .كنت أحفظ الأسماء الغريبة عن ظهر قلب.. فقد حاولت أن أغير وظائفهم من الحرب إلى الحب.. وخرجت أنتظر مرورها ومازالت في فمي طراوة الليمون.. لفحة الحموضة.. الكأس الذي أعشقه من يد أمي.. تعمدت النظر إليها فنظرت من طرف خفي كأنها تبحث عن شيء ما في الأرض. كرعت كأس الليمون ثم غادرت البيت.انتظرت في زاوية خفية عند منتصف الطريق.. كانت الدقائق تتآكل في فمي من قبل لم أتعجل الوقت في انتظار أية فتاة حتى رأيتها تتهادى إلى المدرسة فراودني حبور وقلق.. كنت أراقبها حين تخرج من المدرسة.قميصها الأبيض تنّورتها الزرقاء، وشعرها الطويل الذي كان ينسدل، فيكاد يصل إلى خصرها فكرت أن أختلق أمرا .. أفكار غريبة راودت رأسي الأول الوسيم ذي العينين العسليتين الصافيتين كما يحلو لها أن تصفني به.. أما أنا فأقول وأكاد أهيم برقة صوتي:

- الليل طويل هكذا يقولون لكن ماذا عن شعرك.

قالت وهي تغض الطرف إلى الأرض حياء:

- حقا؟ ثمّ تغلبت على خجلها:

- هل تظن شعري أجمل من عينيك؟

- لكنهما ليستا سوداوين مثل شعرك.

قلت ذلك فارتبكت وعادت تنظر إلى الأرض فشجعتني ابتسامتها!

 ماذا أفعل.. قلت لأمي في البيت إني أفكر بالزواج وقعت في بالي حورية ما .. حورية لها شعر بطول الليل فردت بابتسامة هادئة تفوح منها رائحة الانشراح.. أنت الآن في الجيش .. وأبوك يعمل في الخارج سيكون خيرا إذا ماانتهت الحرب نستدعيه من الخارج وتكون أنت قد أنهيت واجبك في الجيش .. المهم أن تعود سالما.. وقالت الحورية ذات الشعر الطويل بطول الليل في آخر إجازة التقيتها :

- لابدّ أن تعود، سأجن إذا حدث لك شيء.

أخذت أناملها بين راحتيّ، واقتربت منها ثمّ أطبقت شفتيّ على شفتيها.انتفضت كفراشة مثقلة بالرحيق، وهتفت:

- أحبك إلى الأبد!

 كنت أمرر إصبعي على شفتيّ أتحسس طعم القبلة، نم صمتها عن بعض الرضا، فقلت:

- غدا في المكان ذاته.

وفي اليوم التالي كنا نسير معا كأننا نعرف بعضنا منذ سنين.قلت لها ونحن نتجه إلى حيث لانعرف:

- هل تسمعين شيئا ما؟

- ماذا؟

بدأت أقرأ:

حبيبتي

العالم كله مجنون

وأنا مجنون بك

هل تدركين.

- لمن هي؟

لأناس غيري كم أتمنى لو كنت أعرف الشعر

ووجدت نفسي أواصل مندفعا:

الغرباء يأتون كالسيل كالوحوش

الدماء تغطي الأرض

الجثث الأشلاء

وكنت لا أرى أي شيء

سوى وجهك الجميل.

لم أكن كاذبا حين قلت لها إن الشعر ليس لي فأنا لست بشاعر .. بل أحس الشعر. لكني أخفيت عنها سر القصيدة. كان إحسن يحثني قبل العثور على الورقة: لا بأس أريد منك فقط أن تحمي ظهري حين أكون مشغولا .. لاتسرق لاتنهب لاتفتش جيوب القتلى افعل ما يحلو لك كل ماهنالك انتبه لخندق المواجهة القريب!

كان قد نصب كمينا لجندي من الأعداء أزعجنا طول الأسبوع الماضي رامٍ عند رشاش يرشق موضعنا كل بضع دقائق كأنه الموضع الوحيد في ساحة القتال فلم نكن نقدر على رفع رأسينا من الساتر الترابي .. لاأدري كيف رصده وحين غامر بحياته ورمى قنبلة يدوية على خندق يعج بالجنود ذهب إلى الخندق ثانية لم أره يسلب الجنود الثلاثة القتلى بل ذهب مباشرة إلى جثة ذلك الجندي ثم كشف عن سرواله وبدأ يخرؤ على وجه القتيل.. وعاد لي بتلك الورقة قال إنه فضل أن يأتي لي بها بدلا من أن يمسح بها دبره.. ولم يسلب أصحاب الموضع – ربما لم يجد معهم شيئا- وعندما سألته عن السبب قال إنها مكرمة منه لهؤلاء المساكين الذين رافقوا في حياتهم مثل ذلك الجندي الوحش ، والحق أنا إلى الآن لم أقتل لكني جاورت مقتولين ومشيت على جثثهم في الخنادق أما رصاصاتي التي أطلقها فلعلها أصابت أحدا أو لم تصب لكن علي أن أعترف أن الضجر في بعض الأحيان يدفعني للخروج معه من خندقنا واللف في الخنادق.. أرافقه لأتسلى معه بالجثث وأن كنت لاأسرق مافي الجيوب .تحاشيت تماما أن أذكر لها من أين أتيت بهذه الكلمات. اعترفت لها بنصف الحقيقة، شعر لم يمسح به إحسان دبره، ودفعني الخجل لبعض المواراة.. فقلت كاني أعتذر:

- هذه قصيدة جميلة لشاعر معجب بالجن ظنهم يحمونه من الموت كان يذكر أسماءهم قيدنار، حرفتنبة، عفرجور، شفالع شنازيب إنّهم كثيرون، وإني لأعجب كيف لم أنسهم وأستطيع أن أعدهم واحدا بعد الآخر.

 لكنها مع ذلك لم تستغرب من الأسماء، ربما آلهة الجن التي كسبت ودها في المواضع أصبحت مألوفة للناس بعد الحرب، وخانتني الشجاعة أن أذكر أني صفعت سقراط المفكر الذي جلس ويده تحت حنكه غير عابيء بما نقول من شعر، وبعد فترة قاطعتني:

يبدو أنك تحب الشعر؟

وأنت؟

أحبه ولاأعرفه.

4

بعد بضع ساعات من التسلق وصلنا خندقنا في حين غادره جنديان من مقر الفوج كانا قد شغللاه فترة استراحتنا

لم أجد إحسان قتيلا حين رجعت من إجازتي.. طعم القبلة مايزال على شفتي.. قلت من دون مقدمات:

إحسان هذه المرة رجعت إليك أشد عشقا دعك من الهزل لحظة واحدة.. لنزحف على سيل الجثث إلى خندق آخر.. ازحف.. أنط.. اقتل.. اضحك .. أصادق الموت كلّ لحظة.. الحجاب ينفع.. هذا حجاب لو حمله شخص ثمّ شد وثاقه إلى عمود ووجّهوا نحوه القذائف لبقي حيا، وقبل الموت تصادق كثيرا من آلهة القوة الذين لم تعرفهم من قبل ليسوا مثل اللات والعزى وهبل أو زيوس ومازدا.. وهرقل.. أين أخيل، وفي أي مكان اختفت عشتار لتترك مهمة الحرب حيث خفت نزوتها في القتل وانساقت والحرب على اشدها وراء رغبة في مضاجعة ذكر ما لمحته من بعيد فتركت كلّ أدواتها وهرعت إليه من أجل لحظة مسعورة حيث التقطت أسلحتها آلهة جديدة

- كيف مات أخو العاهر بهذا الشكل الغريب؟

 لحظتها لم أستطع أن احتفظ بهدوئي، بعض الأحيان نجد في السخرية منفذا نفرغ فيه مشاعر الغثيان:

- إنه يبدو متأملا مثل سقراط!

- ماذا يشتغل صاحبك سقراط هذا؟

- لاعليك من شغله وتأكد من الساتر!

- سأفتشه ولو كان عنتر بن شداد!

 وعن غير وعي امتدت يدي إلى الجثة، وهتفت:

لا أترك المهمّة لي هذه المرّة.

 

 والحقّ إنّي ندمت كثيرا حين أضمرت النفور لإحسان قبل أن أفتش سقراط، البحث في جيوب القتلى جعلني أصادق الموت، ولم أعد ألوم إحسان على فعله الذي مارسته بشغف.إنّه يمارس معنى من المعاني التي لايفقهها، فو يرمي بكل مايجده من أوراق جانبا، وينصرف ذهنه إلى النقود وصور البنات والحشيش.كنت أقرأ كلّ شيء.تكونت لدي مكتبة كاملة من الجثث.كلمات ورسائل كثيرة أدركتها بوجهيّ السابق والحالي.كتبت إليها ذات يوم إني أحبها وإنّ روحي تحلق كلّ ليلة إليها فهي جنبي.وفي إحدى الإجازات قالت إنها قرأت رسالتي وكان هناك صوت مدفع متقطّع يدكّ أطراف المدينة.كانت أوراق الموتى تدفعني لتفتيش الجثث أكثر من النقود.وفي جسد مقطوع الرأس وجدت ورقة مطوية بحذر أشبه بالطلاسم، صور مبهمة لأفاع وعقارب تعويذه في صفحة صغيرة مطوية بحذر عقدت عليها خيوط رفيعة.أيتها الرائعة إني أطلق الرصاص وأفكر بك.كان يفكر بها حين قتل.رسائل غرام.أحجبة.الله السلام قوة بأجوج وماجوج ونفثة هاروت وماروت، ملك صعفق يقول للرصاص والشظايا ابتعدي عن جسد فلان بن فلانة وقل له يامعدن القتل سلام حين تمرّ به، في الحرب يتساوى المثقف والأميّ، الحجاب يشمل الكافر والمؤمن .في الخندق المليء بالجثث أطل عليّ هؤلاء المحاربون الجدد الذين لم التق بهم من قبل صلعق إله يمرّ الرصاص من بين يديه فيصبح في رمشة عين ثلجا.. شلاصب.. غلصومان.. .شفالع.. وهذا شنازيب الذي يتحطم الحديد والنار عند قدميه، ليس هذا فحسب بل تستطيع أن تدخل أي مكان في العالم فتحمل ماشئت من سلع ومال تحت أبصار الآخرين فلايرونك!معي آلهة ولصوص، أوراق تغطيها عفونة وبعضها قطرات دم، وتطفو من بينها قصاصة لجثة متعفنة تهرّأَ لحمها من أسفل البطن وفقدت قدميها بانفجار لغم ، كانت على مايبدو محاولة شعر بدائيّة:

 حبيبتي..

أنا فيك مجنون..

العالم مجنون من لاشيء وأنا فيك مجنون..

عفطة طويلة من إحسان :

- هذا شعر استحق صاحبه الإعدام

ثم يعقب وهو غارق في سخرية محمومة:

- أخو العاهر يدعي أن له حبيبة وليس هناك من صورة في جيبه وإلا قضيت معها لحظات سعيدة !

الجنيّ قيدنار أخفق في تحاشي الألغام .علينا أن ننسى جميع محاولات الشعر البائسة قبل أن يدركنا الوقت فيحكم الطاعون قبضته علينا، ومادمنا فتشنا فلابدّ أن نطمر الجثث جنودنا وجنودهم، الليلة الماضية غزت الروائح موقعنا وكاد الموتى جنبنا يخنقوننا ثمّ هبت علينا نسائم من خنادق أخرى.. يالثقل طمر الجثث والبحث عن خنادق أخرى.لولم تشي النار والدخان بنا لأحرقناها واسترحنا من حفر مواضع.المهمّ إنّ جيبي لم يعد يستقبل بعض النقود مثلما يحدث لجيب إجسان حيث أذهب في بعض الإجازات إلى البيت ومعي بعض الأحجبة.لم أخبر أمّي بالأمر، لكني سألتها عن بعض الأولياء الذين يصنعون حجابا يقي من الموت في الحرب.قالت بابتسامتها الرزينة وصوتها الدافيء الله هو الحافظ.كنت أعود إليها كطفل مرعوب.. في الخندق أنسى الموت تماما.هناك هو صديقي.يعرفني ويعرف إحسان، لولا نحن لبقيت الجثث في الهواء، غير أني حالما أعود إلى المدينة يراودني رعب من الموت، هنا لايعرفني، وكم وددت أن أضع رأسي في حضن أمّي وأغفو أنسى العالم فترة الإجازة، غير أني فتحت يدي فلم يبق فيهما شيء.لا أحجبة ولا نقود، أما إحسان فقد ذهب ببعض النقود والحلقات. كانت أية صورة تظل في جيبة مدة حتى إذا عثر على أخرى عند ميت حديث الموت رمى الأولى. النساء أفضل أن أضاجعهن وأنا صاح أما يدي فلها امتياز آخر يمكن أن أضاجعها وأنا سكران.. كان أحيانا يضحك أو يغنيّ وهو يفعل ذلك، أخيرا عرفت سرّ ضحكه المفاجيء وغنائه.حين يجد حلقة في اليد اليمنى للقتيل يضحك لأنّ المرحوم سلم من الموت.لامجال أمامك إذا كان في الإصبع ورم إلا أن تستل حربتك وتبتر الخاتم.. الزواج هو الموت الأكبر.إعفاء تام حصل عليه بفضل استشهاده، أما المتزوج فيظه جذلا يغني مسرورا بخلاصه من جحيم الزواج.دنيا قذره ، والدليل كما يؤكد لي اعتراف صاحب القصيدة البائسة بجنونه من أجل امرأة ليتهمنا نحن بالجنون، حكمة من عبثي تستوقف لحظة معولي قبل أن أردم التراب على الجثث فأفكفف عرقي، وأسأله:

قد نخرج أحياء ويعمّ السلام يوما ما فهل تتزوّج؟

أنا؟أنا أتزوّج؟

لماذا؟أليس لديك واحد مثل خلق الله؟

المرة القادمة حين أمسك بصورة وأشحذ ذهني من أجلها مثلما تشحذ ذهنك في أوهام بعيدة لاتدر وجهك وسترى إن كان لي واحد أم لا..

ومن دون أن أتركه يسترسل:

- بدلا من أن تحتضن الصور وتسيل منك اللزوجة على الورق أو الأرض..

- حين أحتاج لكبح جماح ذاك هناك ألف طريقة وطريقة أم تريدني أن أستبق الأحداث فأكون مثل ذلك القتيل الذي حفروا له قبرا في المقبرة ذاتها التي تدفن فيها عائلتنا موتاها في آخر زيارة لي سمعت أم القتيل تقول وهي تتلمس قبره ياولدي نم قرير العين في قبرك فقد تزوج أخوك أرملتك!

هل هي قصة من خيالك!

أقول لك أنا كنت هناك لماذا نصدق الحشاشين والسكارى حين يتحدثون عن تفاصيل الحرب ولانصدق أنفسنا والله إنك لمقرف بعض الأحيان!

هديء من غضبك قليلا ياصديقي غاية ماأردت قوله إنك لن تدري ولن يضرك شيء حين تكون ميتا فيتزوج أخوك أو غريب زوجتك!

 لكنه ذلك اليوم اختفى فجأة أو أنا الذي اختفيت.سمعته يتحدث عن قتلى جدد، لهجوم عشناه صباح اليوم نفسه، أخبرني أنّ القتلى بالعشرات في المنطقة الحرام، وسوف يذهب لتفتيشهم، ومن يجد فيه بقية روح يطلق عليه رصاصة الرحمة، راودتني فكرة سرقة أوراق الميتين.لِم َتندثر أفكارهم وتتحول إلى تراب.إذا كان إحسان يفكر بما في الجيوب ليعثر على قطعة نقود أو صورة فتاة يمارس معها وربما قطعة حشيش يبادلها بعرق مع أبي جورج فالأولى بي أن أطلع على أفكارهم .. قد يأتي يوم أنشر فيه هذه الصور باسمي من حقي أن أحييها من جديد بدلا من أن تنتهي إلى عدم مثل أصحابها.. تلك اللحظات الغارقة في الهدوء ارتسم ببال إحسان خندق عن يمين خندقنا بمسافةغير بعيدة عميق متداخل طويل يسع أكثر من عشرة جنود.. كان الخندق قد تعرض لضرب متتال طيلة النهار فأدركنا بفطنة الحرب وحاسة الموت القوية فينا أن هناك بعض القتلى من لم يتم إخلاؤهم بعد.قال إحسان حالما فرغ من التهام علبة الفاصولياء:

مارأيك أن نلغي فكرة الزحف نحو خنادق العدو ونختص اليوم بخنادقنا إذ يبدو أن الخندق المشؤوم يغص بعد كل تلك الزوبعة حوله بصيد ثمين؟

رحنا نقفز بين الخنادق الفارغة ونزحف تارة أخرى.. كنا سعداء حقا.. مررنا على بعض الجثث وهبت علينا نسائم كريهة عكرت مزاجنا.رائحة خانقة.. غثيان .. بعد دقائق وصلنا إلى حافة الخندق الطويل أو عقدة الخنادق كما يسميها إحسان.. استطلعنا ونحن منبطحان عند حافة الساتر الترابي.كان الخندق أشبه بالقوس.. فك مفتوح يتشكل من سواتر وخنادق جانبية باتجاه سرايا العدو .. بدت تلك الخنادق مهجورة تماما.. ثم هناك قوس آخر لعدة خنادق يتمترس فيها جنودنا.. ربما خيل إلي أني سمعت صوتا ما أو حركة ولعلني حلمت بآهة تند عن خاصرة الخندق من اتجاه عميق تحجبه عنا بعض أكياس الرمال وجثث مكدسة.. همست في أذن إحسان:

أتسمع؟

رد بصوت خافت: ربما أزيز حشرة!

وربما جندي جريح؟

هل بدأت تحلم؟

- أتعرف أني بدأت أشك في كونك بشرا بل أنت شيطاني الذي يوحي إليّ ببعض الصور والمعاني الغريبة.

- وأنا أقول لك من حسن حظنا أننا أنا وأنت لم نكن نحمل حجابا وإلا لأصبح مصيرنا مثل هؤلاء.

- من يفتشنا؟

- أووه أولاد الحلال كثيرون.

حين هبطت من الساتر كانت هناك خمس جثث مكدسة واحدة فوق الأخرى .. جثث حديثة الموت.. لم تزكم روائحها أنوفنا.تيقنت أنه ليس حلما واقتنع إحسان .. فها نحن بين الحقيقة والخيال نسمع صوتا ما. حركة مبهمة.. ملت ثانية نحوه وهمست:

ماذا تتوقع؟

تمترسنا خلف الجثث، وكل في باله أن يكون هناك حيوان ما جذبته رائحة الدم، رويدا رويدا وضع إحسان حنكه فوق خاصرة أعلى جثة، واستطلع لحظات ثم خفض رأسه باتجاهي واضعا راحة يده على شفتيه ليحبس ضحكة ساخرة:

ماذا وراءك؟

انظر بنفسك

رفعت رأسي فوقع بصري على ثلاث جثث أخرى عند مضيق الخندق فوق أكياس رمل اتضح لنا أن الموت لم يكن ليراود الجثث بالوضع الذي هي عليه بل إن هناك يدا تعبث بها وفق بعض النزوات.. لقد أصبحت الجثث مع أكياس الرمل دكة مناسبة الارتفاع استند إليها بساعديه جندي ناعم أبيض بض الفخذين حيث أرخى سرواله العسكري وملابسه الداخلية إلى الركبتين ودفع بأليته إلى الخلف حيث جثا العريف الفض على ركبتيه أمام الجميل وبدأ يعلق خصيتيه.. أما البندقيتان فرأيتهما مركونتين باتجاه الساتر الذي هبطنا منه قبل لحظات..

راح الجندي الوسيم يمرر يده على مؤخرة العريف ويخاطبه: هل يعجبك هذا الآن؟

ياللسماء المقلوبة.. ياللأخبار التي تأتي نقيض الواقع.. من كان يتوقع أن العريف هو الملاط به والجميل هو الفحل.. خبر معكوس بالضبط مثل خبر عن حرب قيل لنا إننا انتصرنا فيها وإذا بالعدو على مشارف مدينتنا.. هاهي السماء في الأسفل والأرض في الأعلى .. النجوم تسبح في البحر والأسماك تطير.. إحسان هل ترى.. لم يكتمل المشهد أمامي بعد حيث شعرت بكف إحسان تشدني بقوة.. .

فجأة.. ..

 تحول إلى شخص آخر.. اختفى مرحة تخلت عنه سخريته. وفارقه عبثه وجهه تحول إلى كتلة قتام.. وحش كريه .. يتطاير الشرر من عينيه قال بصوت غليظ لكنه لما يزل يحافظ على همساته:

انصرف.. انصرف

قلت مستغربا: ماذا تفعل؟

سأقتلهما فورا!

سألته باستغراب

ماعلاقتنا نحن بل ماعلاقتك أنت!

قال والمرارة تلوح على وجهه:

هذا شؤم لو فعلها حقا ثم بعد ذلك غرزت حربتي في الأرض مكان فعلتهما لخرجت مغطاة بالدم!

إحسان تلك خرافة

قلت لك اذهب

لكن ليس الجميل هو المنكوح.. ليس هو الفرخ بل العريف ألا تتشفى إذ يفعل جندي بعريف؟

حتى وإن كان الفعل بعقيد.. أو رئيس الدولة نفسه.. كلاهما قذر .. قذر .. إذهب واتركني أتعامل معهما..

عملك سيلفت انظار جنود الخنادق إلى مكانك فيصبح الموضع هدفا لجنودنا وجند العدو!

لاعليك مني اذهب

وأتركك وحدك!

قلت لك اذهب

للمرة الأولى أراه جادا وفي لحظات سبقني وغادر ساتر الجثث حيث لم يدع لي مجالا كي اندفع بعيدا عن المكان.. رأيته أشبه بمن أصيب بالسعار.. من قبل راح يقتل للتسلية.. ينفذ حكم الموت بالأحياء والأمواث عبثا أو دفاعا عن النفس حتى حين اضطر لإيقاف الجندي صاحب الرشاش الذي ازعجنا فزحف أمتارا على بطنه ثم رمى داخل الوضع برمانة وبعد يوم ذهب من أجل أن يخرأ على الجندي رامي الرشاش.. وقتها كان يضحك ويسخر من الموت كأنه يعابثه مثلما يداعب لاعب محترف كرة بين قدميه..

أما في هذه اللحظة فقد بدا مسعورا إلى درجة أني بدأت أشك.. امتلأ وجهه بالدم.. وجحظت عيناه فهل ياترى تعرض لحادث شبيه رغما عنه..

كل شيء جائز..

راح يدبّ كاللصّ على الساتر الترابي ويقفز إلى الأرض المفتوحة بنطات قرد.بقيت وحدي وبعد خروجه بلحظات وقع الزلزال فوق رأسي، ، وكان هو يتلاشى إلى حيث الجثث المكدّسة في المنطقة المفتوحة.

كان ذلك آخر مشهد وقعت عليه عيناي ..

أصوات صليات استمرت لحظات.. فانتفض سكون دام يوما وأكثر انتفض كنسر جارح يتأمل لحظة لينقض على فريسة أمامه .. اتسعت دائرة الرمي.. بدأت أرمي من أجل لاشيء إلا أنني سمعت تلك الصليات التي أطلقها إحسان.. بعدها استعارت المواضع والسماء والأفق حمرة كثيفة وانهالت ضجة تصم الآذان.. فأحسست بحرارة تحطيني ولم يكن بمقدوري أن أقفز خارج الموضع..

كانت النار تأكل بعض جسدي.. فتهدجت أنفاسي.. ورحت أغيب عن الوعي..

غبت تماما حتى استفقت في مكان آخر.. بوجه آخر.. وأول ماتبادر إلى ذهني إحسان.. رحت أبحث عنه وحين لم أجده ادعيته لنفسي!

هل يعقل أن يكون إحسان حقيقة عشتها يوما ما أو هو الموت الذي صادقته خلال الحرب فأبقى عليّ من أجل صداقتنا تلك؟ ، وفي ظنّي أنّي سألتقيه وسط الزحام ذات يوم. تأكدت تماما من أنّ الناس سوف يصابون بالرعب حين يرون وجهي المسخ، مثلما حدث لي بالضبط حين أطلعت على شكلي بعد الحادث أول لحظة.. سوف يفرون من بين يدي كما يفرون من طاعون أو زلزال.شيء مخيف اقتحم عليهم مأواهم .. كانت أنفاسي تتهدج.. هي الأخبار تأتينا بالمقلوب.. وجهي لم يخفها، بل لم يرعب أحدا.. استسلمت حتى ظننت أنّ يدي تجاوزت إلى صدرها وفخذها.. في آخر لحظة أدركت أني قبلت شيئا ما ممكن أن يكون إنسانا شجرة ما أو صخرة.. أيّ شيء أنا نفسي يمكن أن أكون إحسان في يوم ما أو هو وربما قيدنار أو سقراط تلك المدينة التي دخلتها مثلي تماما لاتعرف الخوف.لاتميز بين القبح والجمال أظنها مدينة من نحاس كلّ مافيها ينصت وينظر فلايسمع أويرى.من المحتمل أن ينقلب الحر فيها إلى ثلج ذات يوم.نخليها الجميل يصبح أشجار صنوبر، ونهرها بحرا أما شمسها الحارقة وتموز فلا أراهما إلا وسط الصقيع ومداخن المدافيء أعلى البيوت.كنت أبتعد عنها.أهرول.. أركض.. ألم تنقلب الأمور من قبل، قصة انتصارنا ونحن منهزمون وظننا أن الجميل هو المفعول فإذا به الفاعل..

أخبار تأتينا بالمقلوب..

 مع ذلك لم يحدث أي شيء فقد زاحمتني فكرة واحدة هي أن ألتقيها.. أدعي موتي وأقول لها أنا إحسان. أقرأ لها أشعارا حفظتها من قبل .. لكني في زحمة الأفكار تذكرت أني يوم كان لي وجه آخر وسيم ضننت على إحسان بالصورة خوفا من أن يستمني عليها..

كم ألح علي ..

وكم وعدته أني سأجلب صورة منها بعد الإجازة القادمة..

كان يلح وأنا أعد حتى اختفى في الحرب مات.. قتل .. تلاشى.. لاأعرف كيف كانت نهايته .. لقد تغير وجهي فانتحلت اسمه..

كان علي أن أصدقه حين أقسم أنه لن يسلبني وأنه لن يفعل بالصورة مثلما يفعله مع الصور التي يستلها من جيوب الموتى. ربما بات في باله أن يلغي نفسه في يوم ما ويدعيني مثلما أفعله الآن ..

ربما..

أنا الآن إحسان ولم أر صورة لها من قبل كيف أعرفها إذاً؟

لكن عليّ أن أبحث وسأظلّ أبحث! 

ملحوظة: هذهالقصة كتبتها عام 1985 وتركتها جانبا لأنني لم أرد أن أثير المتطرفين وأتذكر أني قبل عشرة أعوام حدثت أستاذنا الدكتور الناقد عبد الرضا علي أطال الله في عمره فقال أنها قصة تصور بشاعة الحرب والقرف منها حين سالته عن الأفكار التي ربما لن تكون مقبولة بخاصة الجنس والدين أجاب هذه الافكار يمكن أن تُحمَل من باب أحاذيث الجنود وسمرهم خلال سكرهم وتحشيشهم.

فكرة القصة تقوم على أن هناك جنديا يتشوه وجهه فيفكر بعد أن ينجو أن يعود إلى حبيبته بكونه صديق حبيبها الذي قُتِلَ والذي حدثه عنها كثيرا في الخندق، على اعتبار أن الحرب قلبتجميع المفاهيم، مع اني لم أغفل الجانب الأخلاقي الروحي الذي أدى دورا مهما في نهاية القصة.

أقول ذلك لاشكر صديقي النبيل الشاعر المبدع جمال مصطفى الذي اقترح عليّ ان أعود إلى قصصي لأنشر بعضا منها والبارحة فقط رحت أقلب الارشيف القديم لأجد هذه القصة غير المنشورة.

فشكرا له.

 

قصي عسكر.

 

نور الدين صمودإلى روح الدكتور إبراهيم الغـربي

 الذي كان يحيا في قلوب الجميع*

 

أيها الراحـلُ عنـّا لن تغيبْ**لم يمتْ من كان يحيا في القلوبْ

كيـف تَنْأى عن قلوبٍ حُزْتَها؟*دون أن تدعوك قد كنت تـُجيبْ

ونَـهلتَ الطـبَّ من منبـعه****وبه قـد كنت  تمضي وتـؤوبْ

كُـرَةُ الأرض التي جُـلْتَ بَها***دائـبَ السّـعْيِ شَمالا وجـنوبْ

ونشرتَ الطبَّ في أرجـائها****ولـقد كنـتَ لهـا خيـرَ طبـيبْ

هتفتْ باسمك في الطِّبِّ كما**في الهَـوَى نـادى حبيـب لحبيبْ

بالهلال الأحمر القاني الدّما***طـالمـا أرجعْـتَ نبضـًا للقلوبْ

صِرْتَ نبضا في الشرايين وقد***أيْـقـَظَ القلبَ بوثـْب ودبـيبٌ

وانـبرى القـلبُ بعزم ثابت***بعد ما قد كاد في الصدر يـذوبْ

أيهـا الساكـن في أعماقِـنا****وله في الصدر عـزْفٌ ووُثوبْ

عُــدْ إلـيها إنّها مـفـتـوحة***وهي ترجو منك دوما أنْ تؤوب

يا ابن هذي الأرض قد عدتَ لها*مثلـما يَرجِع للأهل الغريبْ

رحِــمَ اللـهُ (عــلـيـًّـا ومُــنـَى)*ورعــاكَ اللهُ عـلامُ الغـُــيـوبْ

***

 

شعر: نورالدين صمود

......................

* لما قام به من أعمال في ميدان اختصاصه في وطنه وفي معظم أنحاء العالم بما قدمه من محاضرات ومباحث علمية وبما كان له من مجهود في رئاسته للوفد الصحي لحجيج بيت الله الحرام منذ أواسط القرن العشرين، وقد كتبت هذه القصيدة يوم رحيله منذ سنة 3/02/2018 وأنشرها اليوم إحياء لذكراه الطيبة

وأشير إلى أن الدكتور إبراهيم بن علي الغربي ومنى بن الشيخ من مواليد سنة 1920 أي أنه ناهز المائة سنة بسنتين وقد نال جائزة رئاسة الجمهورية عن بحثه العلمي عن التدخين الإيجابي للمدخين المباشرين والتدخين السلبي للذين يجالسونهم أو يعيشون معهم وخاصة الأطفال والأسَر عامة الذين يتضررون أكثر من المدخنين، بحكم سنهم أو حالتهم مثل المرضى والحوامل والمرضعات

وقد أهديته القصيدة التالية إثر فوزه بهذه الجائزة عن هذا الموضوع الصحي الهام، مع ملاحظة أن الدكتور إبراهيم الغربي كان من أكبر مدخني الغليون (البايب) الذي لا يكاد يُفارق شفتيه، وهو طبيب مختص في الأمراض الصدرية والسل، والطريف في الأمر أنه تخلى عن هذه العادة السيئة قبل نيله هذه الجائزة فكان كل ما سبق دافعا لكتابة هذه القصيدة التي تنتهي بمفاجأة.

.......................................

 

صاحب الغليون

فِي صِبَايَ الْمُبَكِّرِ الْمَيْمُونِ***كَانَ مِلْءَ النُّهَى وَمِلْءَ الْعُيُون

كَانَ غَضَّ الشَّبَابِ حُلْوَ الْمُحَيَّا* زَادَ حُسْنًا بِالْحَاجِبِ الْمَقْرُونِ

حَوْلَهُ أَلْفُ صَاحِبٍ هَامَ فِيهِمْ**** مِثْلَ لَيْلَى بِقَيْسِهَا المجـنُوِن

وَلَهُ صَاحِبٌ أَثِيرٌ حَمِيمٌ ***** لَمْ يَدَعْهُ مُذْ كَانَ فِي الْعِشْرِينِ

 فَهْوَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ رَفِيقٌ** وَهْوَ عِنْدَ الأَسْفَارِ خَيْرُ قريِن

خَصَّهُ بِاعْتِنَائِهِ وَبِحُبّ ٍ **** لاَ يُضَاهَى كَالجَوْهَرٍ الْمَكْنُونِ

 ثُمَّ عَادَاهُ فَجْآةً وَرَمَاهُ، **** بَعْدَ طُولِ الهَوى، بِرُكْن ٍ رَكِينِ

لَمْ يَخُنْ صاحبًا ولم يتنكرْ ****** لخليلٍ غيرَ العدُوِّ اللَّعينِ

فلقدْ صارَ للصديقِ عــدُوًّا***** يتمنى له الفــَنَا كلَّ حيــنِ

ودعا الناسَ أن يُلاقــُـوا بحزمٍ*** ذلك الخِلِّ فهو غيرُ أمينِ

هل عرفتم عدُوَّ من كان يُدعى* مِنْ قديمٍ بصاحبِ الغــليُونِ

إِنَّه التبغُ وهو شر رفيق****فاتْبعوهُ تنْجـُوا مِن التَّدْخيـن ِ !

***

نورالدين صمود

 

 

ابويوسف المنشدوأقبلت في ليلةٍ ممطره

                     كأنّها تبحث عن مغفره

تهمّ مثل الطفل في ضمّها

                  وتشتكيني اللهفة المسعره

تصيح ياقدّيسيَ الأرتجي

                   ممّ َ تخاف أنت أن تحذره

أريدها مذبحةً في الهوى

               فارتكب الآن معي المجزره

نهدي له في الحبّ ثاراته

                 وفي عيوني رعشةٌ مبحره

كأنّني دخلت غيبوبتي

                 ولم أفق من لذتي المسكره

فلم يزل يبوح لي ثغرها

                     ولم تزل أنفاسنا مجمره

إنّ التي يقولني صمتها

                     كلّ النساء بعدها ثرثره

حقلٌ من البللّور في جيدها

                        قد فجّر الله به كوثره

أموت في فيها ولن أكتفي

                 ويلايَ يا ويلايَ مما جرى

كنت كما (موسى بسينائه)

                ما كنت كالبتول في الأديره

وإنّني لشاعرٌ عاشقٌ

               لي َانتهاك الحرف والمحبره

في أيَّ قاعٍ نحن لا علم لي

                 أسرى بنا الجنون ما أكفره

***

العراق – الشاعر أبو يوسف المنشد

 

 

رند الربيعينعم ... أنتَ

من صيرتني غابة لكل جمال

عناقيدَ ضوء منبعث من أقصى شفق البدايات

هكذا أنا

 براعم ماثلة تنتظر هلالك خديجا

يسابق زمنا منكسراً

نعم أنتَ ...

من صنعت مني كوثراً

لمنابع متأهبةٍ للعطاء

صيرتني امرأة

تخيط فصولا اربعة

ربيع يبتهجُ فوق أرضك..

حتى لو كنت بعزلةِ أنبياءَ

تنفرط فصولي جلناراً لكَ

تتوهجُ شمساً، قمرا، اضواء كاشفة لعتمة تمخر ظلام غيابك..

كل هذه الينابيع

فجرتها أنتَ ..

هو أنتَ ..       

تصاحبكَ، نجومٌ، شهبٌ، نيازكُ، عواصفُ تلدُ فجرا

كاد أن ينغمرَ

في اعماقي.

***

رند الربيعي

 

سلوى فرحلُعْبَةَ الفَرَاغِ..

هَرْوَلَةَ الفَنَاءِ

بَيْنَ الأَرْصِفَةِ الثَّمِلَةِ

تتعاطى المَوْتَ

زَنْبَقَتَانِ تُرَفْرِفَانِ

نَحْوَ اللَّوْنِ الأَزْرَقِ

***

القَمَرُ يَسْتَضِيفُ العُشّاقَ

أَشِعَّةٌ بَيْضَاءٌ تُصَفِّقُ لِلْآتِي

ضَحَكاتٌ لَا تَقَعْ..

لَـــــــنْ أهْبِطَ

زَفَافُنَا  فِي السّمَاءِ

الآفاقُ تَنْتَظِرُنَا

والحُضورُ اِكْتَمَلَ

أَجْرَاسُ البُشْرَى

تُغَازِلُ الرُّوحَ

***

اُنْظُرْ كَمْ أَبْدُو جَمِيلةً

اِرْفَعْ عَيْنَيْكَ هَا...... هُـنَا

أَنَا الوَلَهُ..

وأنتَ الجُنُونُ

***

شُعَاعَا الأَزَلِيَّةٌ..

طُهرٌ مَاسِيٌّ

رَقْصٌ فِرْدَوْسِيٌّ

شَمْبَانْيَا  منصهرةٌ في  شَفَتَيْكَ

 فضاءاتٌ تَتماوجُ من أَنْفَاسَكَ

وسَماءٌ بِلَوْنِ عَيْنَيْكَ

 ***

سلوى فرح - كندا

 

جميل حسين الساعديعودي نهارا ً مُشــرقا ً باسمــا ً

                         لا ليلة ً عاصفـــة ً شـــاتيه ْ

عودي ــ كما البُلْبل ُ ــ صدّاحة ً

                          بالحُـــب ِّ لا أ ُغنية ً باكيه ْ

عودي ــ كمـا كنت ِ ــ فأحْلامُنا

                     توشك ُ أن ْ تسقط َ في الهاويه ْ

لا تؤثري الشك ًّ على حبِّنـــــا

                        وحاذري من رِيحه ِ العاتيه ْ

كمــا يجـــئُ الحبُّ في لحظـة ٍ

                        فقـدْ يموت ُ الحب ُّ في ثانيه ْ

أين َ الحديث ُ العذْب ُ يا حلوتي

                      وأيْن َ.. أيْن َ البسْمة ُ الصافيه ْ

مُنْــذ ُ شهـــور ٍ لَم ْ يَعُــــدْ حُبّنا

                      يُلـْــمَس ُ فيـــه ِ أثر ُ العافيـــه ْ

في لحـــظة ٍ تَحــوّلتْ بغْـتــــة ً

                      حَمــامة ُ الحـب ِّ إلى طاغيـه ْ

مُنْــذ ُ شهــور ٍ أنْت ِ مهووســة ٌ

                     أن ْ تصبحي الآمـرة َ الناهيــه ْ

 ***

جميل حسين الساعدي

 

مصطفى عليأشفقْتُ من هاتِفٍ نادى فأيْقظني

                     فجراً كما بُلْبلٌ غنّى وأنشدني

أنا المُتيّمُ بالأنغامِ من صِغَري

                  واليومَ في نغمةِ الفردوسِ تيّمني

أنا المُهجّرُ من ذاتي ومن لُغتي

                   ومن فُؤادٍ لسِحرِ الشدْوِ مُرْتَهَنِ

سَماعِ يامهْجتي الحرّى لِمُنْشِدِنا

               مُوَشّحاً من أقاصي الغيْبِ أسْمَعَني

قلبي هَزارٌ وذَا صدري لَهُ قفصٌ

                          أعتَقْتهُ ليْتَهُ وفّىٰ وأعْتقني

غزالةٌ من شتاءِ الروحِ شاردةٌ

                  ما ضَرّ حارسها لو كانَ أعْلَمَني

أنّ السِهامَ التي أقواسها قزحٌ

                     رُماتُها للسما طاروا بلا وَهَنِ

يمامةٌ من سرابِ الوجدِ قد هطلت

                    ولامستْ زهْرةً ؛ فيها تملّكني

من أنْبَتَ الفطرةَ الأولى بموْجِدتي

                     كخاطرٍ أتقنَ النجوى فذكّرني

بالعهدِ ما بيننا مُذْ كنْتُها نُطَفاً

                  بين الترائبِ والاصلابِ لم تَحِنِ

في طينتي إنبجستْ بيضاء سوسنةٌ

                   من مودعٍ سِرّهُ في قلبِ مُمْتَحَنِ

كأنما لامسَ الأوتارَ فإشتعلتْ

                 ما في الخليقةِ والاكوانِ من سُنَنِ

كناقِرٍ سَحَراً أوتارَ نافذتي

                 فإهتزَّ لي وَتَرٌ في القلْبِ أطربني

أو ساكِبٍ من كُؤوسِ الفجرِ أنبذةً

            من كرْمهِ المُشتهى يا صاحِ أسكرني

و نازعٍ من شغافِ الليلِ كوْكبةً

                   مِنَ الكواكبِ فيها الدرُّ أسكرني

نادى المؤذّنُ بالأسحارِ فإنبلجتْ

               شمسٌ بقلبي وروحي فارقت بدني

طارت الى بُلبلِ المحرابِ تبلغُهُ

               مهما إلتوتْ طُرُقي باقٍ هُنا سكني

ورقاءُ رفّتْ وحطّتْ فَوْقَ مِنْبرِهِ

                ترنو الى سِدرةٍ شاختْ بلا غَضَنِ

حَنّتْ الى سِرّها في سِدرةٍ ذبُلتْ

                     تدنو ويمنعها خوفٌ مِنَ العَلَنِ

جسَّ المنادي خيوطَ الفجرِ فإنطلقت

                   روحي اليهِ على مُهْرٍ بلا رَسَنِ

طافتْ تُسبّحُ في أركانِ روضتهِ

              تسبيحةَ الوجْدِ من شجْوٍ ومن شَجَنِ

تُروى القناديلُ زيتاً من مدامعهِ

             حتى إستنارتْ بدمْعِ الشوقِ والحَزَنِ

حطَّ الفؤادُ على شاطي سكينتهِ

                يندى خشوعاً كغُصنِ البانةِ اللّدِنِ

يغفو على راحةِ الرحمنِ مُنتشياً

                مِثْلَ إنتشاءِ عيون الصبِّ بالوسنِ

سكرى تعبُّ كؤوسَ النورِ صافيةً

              والسكرُ في حانةِ العرفانِ من دَدَنِي

 يا نغمةَ الناي فجراً حينَ ردّدها

                 قلبي تقافزَ من صدري الى أُذُني

بوركْتِ من نغمةٍ رقّتْ طباعي لها

               فإستأنسَ المُبتلى في طبعِهِ الخَشِنِ

يهمي الأذانُ على آذانِنا مطراً

                 أجلو فُؤادي بهِ من موحِلِ الدَرَنِ

نادى على شاعرٍ صاغ الهوى صنماً

                 فإستلَّ فأساً على الأهواءِ والوثنِ

وإستوطنتْ مُهجتي في عُشِّ مِأذنةٍ

                     ترنو الى قُبّةٍ خضراء كالفَنَنِ

أُمّاهُ أرضعْتِني الإيمانَ باللبنِ

                   فإن نسيتُ فما عُذري من اللبنِ

أودعتَني بذرةً في الروحِ ياأبتي

                      وقُلْتَ يا ولدي إرثي بلا ثَمَنِ

كم كانَ يؤلِمُهُ طيشي وعرْبدتي

                       في لُجّةِ التيهِ والآثامِ والفِتَنِ

قُرأنُ فجرِكَ مشْهودٌ فَزدْ وَرَعاً

                  وإحذرْ بُنيَّ عَثارَ الدهرِ والزمنِ

فالنفسُ مفتونةٌ تزهو بفتْنتِها

            تُخفي الشوائبَ كالخضراءِ في الدِمَنِ

و كانَ يسألُ طولَ الليلِ خالقَهُ

                   هل ذَا فتايَ على إرْثي بمُؤتَمَنِ

أجلْ وحقِّ الذي تدعوه يا أبتي

                       ما زلْتُ أحملهُ طيّاً ولم أخُنِ

ما زلْتُ أحملُ صوْتَ أللهِ في نَبَضي

                      غداً ألوذُ بهِ من وحشةِ الكفَنِ

يارافعاً للسما لحنَ الهدى وَرَعاً

                     غرِّدْ فديْتُكَ قد أنسيتَني مِحَني

في غُرّةِ الفجرِ خُذْ قلبي لصومعةٍ

            يذرفْ دموعَ المنى أنْ يرتقي وطني

يا عندلبيبَ جِنانِ الغيْبِ خذ بيدي

                       لشاطئٍ ضيّعتْ آثارَهُ سُفُني

***

مصطفى علي

 

محمد الذهبيبلقيسُ والهدهدُ وسليمانْ

لم يكن أيٌّ من هؤلاء الثلاثة عاشقاً

***

ليتها لمْ تكنْ عاشقةً لشيء

أعطتْ لسليمان مفاتيحَ جنتها بقبلة زائفة

***

بلقيس إنْ صادفتِ عرشك فا نكريهْ

الواقفون هناك كلهمُ شياطينٌ كبارْ

***

بلقيس ما ناحت مطوقةٌ على عشٍ قديمْ

عَبثَ الجنودُ به ودمرهُ النديمْ

***

إياكِ أنْ تعطي الجنودَ مفاتحَ المدن الكبيرهْ

إيّاكِ يا بلقيسُ كوفانٌ وحيرهْ

***

لا تكتبي عن بابلٍ أُخرى

ملوكٌ آخرون

سبوا اليهودْ

هم أنبياءٌ أم جنودْ

***

لا تسبقي الأسماء

هذا الهدهدُ المخرفُّ من ريشٍ وماءْ

***

قولي للجتهِ الكبيرة

إنَّ الملوكَ سيسقطون

مهما تجبرتِ الملوكْ

***

الشعبُ يعبرُ ما يشاء

والعرش هذا العرش مفتاح الطغاه

هيّا انبذيه

عودي لشعبك واتركي وسخ الجباهْ

سوداء من ذلٍ وخوف

أبداً تراءت لم يعانقها السجودْ

***

وقف الجميع وكنتُ طيراً كالطيورْ

رفضتُ أنْ القي رسائلَ للملوك

نتفوا جميع الريش لكني بقيتُ

وكانت السكين ما بيني وبين الآخرين

***

أتعلمين

في الليل يرتاح الخليفةُ يستكينْ

ويهيىءُ السكين للصبحِ القريبْ

***

لا درَّ درُّ الهدهد المسحور

إذْ يسحب خطاكِ هناك في ارض العراق

كلُّ الشياطين الضخام هناك

حيثُ الليل يقتاتُ الرفاقُ على الرفاقْ

***

محمد الذهبي

 

 

انمار رحمة اللهأنا حذاء فاخر، هذا ما صرح به صاحب المحل الذي كنت معروضاً في إحدى خاناته الزجاجية. لا أتذكر بالطبع أصلي وفصلي، من جلد أي حيوان صُنعت، حتى عرفت هذه التفاصيل لاحقاً من صاحب المحل بالطبع، لكثرة ما تحدث عن نشأتي للزبائن، وخصوصاً الأمهات اللواتي يأتين برفقة أولادهن. شعرتُ بالحزن، لقد بيعت أحذية وجاءت أحذية أخرى، وأنا بقيت على حالي، أودعُ وأستقبلُ، هذا بالطبع بسبب ثمني المرتفع، والذي تهرب من دفعه اغلب الزبائن. حتى جاء اليوم السعيد بالنسبة لي على الأقل، حيث سأنجو بجلدي من محل الأحذية الرتيب، وصاحبه الذي لاهم عنده سوى النفخ في وجهي وتلميعي. عند خلاصي من سجن المحل ذي الخانات الزجاجية، سيرتديني أحدهم وأكون حراً لأتذوق لمرة واحدة تراب الطرقات أو مياهها وأزبالها ووساختها حتى. أتذكر كيف طالعني الطفل من وراء الزجاج، كان وجهه يشبه وجهي، حزين أيضاً، وكانت أمه واقفة بقربه ممسكة بيده.

" إنه حذاء فاخر"  قال الطفل - صاحبي الذي اشتراني - لزملائه في المدرسة، وظل يشرح لهم أيضاً بطولات أمه في عملية دفع قيمتي، والمغامرة الطويلة في طول التعامل على تخفيضها مع صاحب المحل. ولا أخفي، فهذه القيمة المرتفعة قد كبلتني بعض الشيء. بل في جميع الأحيان أنا مكبل بقوانين المشي على الطُرق، ووضعيات يلتزم بها الطفل بتوصيات والدته المتزمتة. كم أشتهي السير حين تملأ مياه الأمطار الشارع. أسمع وأطالع باقي الأحذية الرخيصة المصنوعة من النايلون كيف تبتهج بموسم المطر والمياه السائحة. في إحدى المرات جرى حديثٌ بيني وبين حذاء مجاور لي، كان لابسه ولابسي جالسيْن على رحلة واحدة متجاوريْن، فاستثمرنا وقت الدرس بالحديث حيث قلت له ( أنا حذاء مصنوع من الجلد الفاخر)، فرد عليّ ( وأنا مصنوع من البلاستيك ، هل سينزل صاحبك إلى الماء كما يفعل مالكونا ؟). فتمتمت بكلمات خجولات ( لا أدري.. إنه ملتزم بعض الشيء بتوصيات والدته ، هي توصيه كل مرة حين يخرج إلى المدرسة أن لا يوسخني، فهي تجتهد في صبغي وتنظيفي وتلميعي). ضحك الحذاء البلاستيكي وقال ( ولكننا لا نحتاج إلى تلميع.. أنا على سبيل المثال أكتفي بمسحة بسيطة من فوطة قذرة موضوعة عند  مخلع الأحذية). تنهدت ولم أشأ البوح بالحسرة في صدري، ولكنني رحت أقاوم قائلاً( نعم.. نعم.. أنت لا تحتاج إلى ذاك التلميع ، فأنت من البلاستيك). لكنه رد عليّ بثقة وصلافة ( وأنت مصنوع من الجلد الفاخر، ولكنك لا تستطيع النزول معنا في برك الأمطار.. يا لها من متعة ..! خاطري مكسور على حالك فأنت مرتهن بقدم صاحبك الطفل الثري). وما إن أنتهى الحذاء الطويل البلاستيكي من كلامه، وإذا بالكآبة تسللت إلى جلدي. كيف أقنع الطفل الذي يرتديني أن يخالف كلام أمه المتزمتة وينزل لو مرة، مرة واحدة إلى بركة طينٍ صنعها المطر؟!. ها أنا ذا أنظر إلى الأحذية الباقية كيف تلهو في المياه السائحة على صدر الشارع، لست وحدي من يطالع، بل صاحبي أيضاً كان يطالع الصبيان الذين كانوا يرتدون الأحذية البلاستيكية، ومستغرب هو بلا شك من عدم اكتراثهم للطين والبلل. نقطت على رأسي قطرات، توقعت أنها بعض رذاذ المياه الموحلة، وحين تسربت في جلدي وجدت أنها دافئة ومالحة، بالضبط هي ذات القطرات التي تنزل من عينيه حين يخفي وجهه بين ذراعيه على رحلة الصف، وينزلن من عينيه على رأسي مباشرة.. أوووه كم تذوقت طعم هذه القطرات حتى حفظتها. وها هي تنزل مرة أخرى حين سمع أصدقاءه ينادون باسمه، ويضحكون من شدة قلقه من القفز في الماء.. وفي تلك اللحظة.. تحركت أصابع قدمه ودغدغتني بقوة، نعم نعم إنها لحظة رائعة، راوح مالكي في مكانه وظل يقفز ويقفز ويضحك ويهتف بأسماء أصحابه، ثم أشاروا له بالنزول عن الرصيف لمياه المطر معهم. عندها قرر صاحبي النزول في بركة المياه الطينية تلك، ثم عاد للوراء عدة خطوات، وهرول صوب الماء بقفزة عريضة مع صيحات عالية من أصدقائه، وتناثرت قطرات الماء على وجوههم مع ضحكات صاخبة متفرقة منهم ومن المارة الذين كانوا يتحاشون البلل. راح يغطس بي ويخرجني من الماء، والأولاد كادت قلوبهم تطير من الضحك، متناسين لعنات الأمهات او توبيخهن، وأنا أيضاً تناسيت ثمني وقيمة جلدي الغالي، ورحت أشرب الماء الطيني وأغسل وجهي به بلا اكتراث، وفتحت قيطاني بعد أن انفكت عقدته الوثيقة، تلك العقدة التي توثق الأمُ ربطها بإحكام كل صباح، ورحت أضحك بجنون مع الأحذية البلاستيكية.

 

أنمار رحمة الله

 

سلام كاظم فرجنصف كوب من عسل عينيك

ومقادير من ضحكتك الهانئة

تكفيني لسنة قادمة..

أطوي بها بيادر الأسئلة...

.. ماعادت الأجوبة تعنيني...بقدر الأسئلة..

فجامعو الكمأ المغدورون في بيداء الأنبار..

قد جمعوا مايكفي من أجوبة.. لسؤال قديم محتار..

وما يكفي شبقا ...وتذكرة دخول .. لجنة أو نار..

وما يكفي (كامو).. أو (سيزيف) من مبررات لوقف اللعبة  في إنتحار غبي يورث ضجة في صفوف الكسالى ومتثائبي آخر النهار...

جنتي أن أجتني مقادير من ضحكتك الهانئة .. ونصف ملعقة من عسل عينيك.. وأرحل بهدوء خالي البال والضمير .. من أية مغبة واعدة.. مغبة السؤال... قد تمطر السماء في الليل.. وعند الضحى.. لن يجد الكمأ المهدى من الإله من يجمعه فيتغضن.. ويمسي بلا قيمة... ما أغرب الحب الذي تكتنفه ضغينة !!!!!

***

(قصيدة نثر..)

سلام كاظم فرج

 

 

حيدر جاسم المشكورأُدباء على قارعة الحب..

قلوبنا فارغة إلا من الماضي..

وفي دموعنا ضوضاء

من حاضرٍ بكّاء

اشعارنا دارسة

كقبور اجدادنا

وجيل الطيبين

ومدارس الطين

والمعابد الفارهة بلا مصليّن

(2)

أُدباء على قارعة الطريق..

كل حكاياتنا

ورفوف الذكريات

واوراق الخواطر والرسائل

لا تعادل أُغنية

في مهرجان قرطاج

وليالي دبي

وفي جدة يضحكون من الشعر والشعراء

الفاسقون.

(3)

أُدباء على قارعة المُنى..

استترت كل الضمائر وراء نزوة

للأنوثة الحظ الوفير

وللوسامة القول الفصل..

وللصدور

(4)

أُدباء على قارعة العويل..

أثرتِ فضولي

فبعض حروفي عاجزة عن التمثيل

فأحذرِ أن اعشقكِ

بقلبٍ لا أمان له

إذا ما سكنتِ صميمه..

أطبق عليكِ سنينه

ومات خجولْ.

***

حيدر جاسم المشكور

 

فتحي مهذبفعلا أنا مجنون..

أغشى القبور في العتمة..

مخيلتي تتدلى مثل أذني

فيل نافق .

أختفي بين العرائش ..

أراقب حمامة مريضة

تفلت من فم القتيل..

وحين يفرنقع المعزون..

أنبش التراب بأسناني..

أجر الجثة الى كهف مجاور..

أقطعها مزقا مزقا بفأس

اختلستها من حطاب ضرير..

وأظل في مغارتي

مثل وحش ملطخا خطمه بالدم..

تقاسمني خفافيش رجيمة

بركات هذه المأدبة..

أنا آكل الأموات

أضرب في مناكب عزلتي..

أصنع من الجماجم جرارا

وأبيع قلوب الموتى

لذئاب غير مرئية..

فعلا أنا مجنون

مهووس برائحة الجثث..

أهوى الرقص مع الأشباح..

وتسعدني أوركسترا بنو آوى..

فوق صدري المليئ بقطاع الطرق..

***

فتحي مهذب

 

عبد الجبار الجبوري1- كيفَ أشعرُ بالحُزن وأنتِ قصيدتي

أتعبَني الحرف وهو يلهّج بإسمِكِ،وأتلّفني الوجْدُ وأنتِ مَعي، صوتُك يطرد الحزنَ عن قصيدتي، فهو تعويدذة قلبي حين يداهمُني الحُزن، وأنتِ بعيدةٌ، أقصدُ وأنتِ مَعي، ها أنا أخبيءُ إسمكِ تحتَ لساني كي لايتخطّفه الغَيم،وأرسمُ صوتَك على شفاهي، كي يرقصَ البحرُ رقصته الأخيرة،صوتك الذي يأتيني كلَّ يوم حزيناً ثقيلاً واهناً،يوقظني كي يشرب معي قهوة الصباح، لأنك أنت قهوة صباحي، فلا صباحَ سِواكِ، وأنتِ تُرددّين معي – (من عزِّ النوم بتسرقني ..بهرب لبعيد بتسبقني ياحُبّي صرت بآخرأرض عم أمشي وتمشي فيَّ الارض لوينك بعدك لاحقني)، كيفُ أشعرُ بالحُزنِ وأنتِ قصيدتي وعطرُها، أُغنيتي ولحنُها، شمسي وإشراقتُها، قمري وطلوعُه، قامتي وطلتُها، شفاهي وقُبلُهُ، ليلي وسهادهُ، وجَعي وآلامهُ، خدي ودمعتُه، مَنْ أنتِ..؟ أنتِ كُلِّي، وظِلِّي، وهسهسةُ أيامي حين يَجنُّ ليلُها، وتغيبينَ وراء ستائر النسيَّان، وتنزرعينَ قُبْلةً أبديّةً على شفاهي، أيتُّها المِزنةُ التي تُمطِرُ قُبَلاً وعَسلاً على شفاهِ غُربتي، سلاماً ويرتبِكُ الليلُ، وترتجفُ الشفتانِ حين أناااااااااااااادي تعالي، ولا تجيئينَ، أُحبُّكِ ...

*

2- ما يشبه الحب

ليسَ لي، غير أنْ أُمشّطَ شَعرَ قصائدي، بمشْطِ عينيك،وأُمرِّرُ فَمي على حُلْمةِ غيابِكِ،كي يستفيقَ برقُ نِهديك، وتََهطلُ سماؤكِ قُبَلاً،أمس حينَ إلتقينا في الحُلُم، كانت قصائدي تحبو بين يديك،وترتِّلُ ما يُشبهُ الحبّ، وتعزفُ سمفونيةَ الليل، وأنتِ حزينةً كُنتِ، وكنتُ حزيناً،مالها خيولُك لا تُصهل ببستانِ روحي، مالها تخبُّ الرّملَ الى سماء أخرى، غيرَ سمائي، ووطنٍ آخر غير وطني، ووجعا ً آخر غير وجَعي، ياااااه قَتلني صمتُك أيتهُّا الموغلةُ في تفاصيلَ جَسدي، وطيّاتِ روحي، وعاصفةِ أفكاري، إنهضيْ من كَبوةٍ مزّقتْ عباءةَ الليل،تعالي الى سماءٍ تُقدّسكِ وحدَك، فأنتِ حقيقتي ويَقيني،وسِفْري وسَفَرَي، وحُزني وفرَحي، وجَعي وسعادتي، ضيائي وظَلامي،ما أحببتّك وحْدي،ولكنْ وحْدي أُحبُّكِ،حبّاً يُشبهُ الحُبَّ، هو أنتِ،بكل أنوثتِكِ، وجمالِكِ الاستثنائي، وحزنُكِ الاستثنائي، وطلتِكِ الاستثنائية، وقامتِك الاستثنائية،وجبالِ صدرك الاستثنائية،وحزنِ عينيك الاستثنائيتين،لهذا كُلّهُ، إسمحيْ ليْ أنْ أقولَ لكِ أموتُ عَليك............-

*

3 - يامَنْ يُعيرُ قلبي جناحاً ليطيرَ لَها

قلبي يكادُ زيتُهُ يُضيءُ،وعيناي تفيقانِ بنور عينيكِ، ووجَعي يَنمو كعشبِ إبطيكِ على كفِّ قصائدي، وأصابعي ترسمُ على رملِ صدركِ نِهديّنِ يتوسطّهما زيتوّنتين، وقوسُ قُبَلٍ، ما لي لا أُبصرُ سوى هاتيكَ الشِّفاهَ ترقصُ شَبقاً، وظَمأ وحنينَ نُوقٍ، ها إنّي أَعصرّهُما بفَمي، فيهطلُ عَسلهما على أديمِ شِفاهي، فتنبتُ الذكرى هُناك، نجمةً هائمةً بسماءٍ لا تُرى، ها أنا أزرعُ قُبلتّين فقطْ على شفاهِكِ، كي يَنبتَ فوقهما زَهرُ الزّمانِ الأخير، ويضيءُ ظلامُها رُوحي، قلبي يشُبك قلبَكِ، وعقلي يحضنُ عقلك، ودمي يجري بدمكِ،وكفُّ وجَعي يصافحُ أحرفَ أسمكِ، كلمّا رحلَ البّحرُ، وإنتشرَعطرك في المكان، أتُرى مَنْ يُعيدُ لي ذكرىً رَحَلتْ، وحبيبةً زَعَلتْ، وزماناً بَعيد، وحْدُكِ أنتِ مَنْ يُسرجُ حَرفي، ويَصهلُ في مَواجِعي، ويقيمُ صلاةَ العِشقِ في مَعْبدِ أيّامي، قلتُ ألفَ مرةً : أَحبَّبَكِ الكثيرُ، ولكنْ وحْدي أُحُّبكِ، يا آيةَ يَومي، وقُرآنُ ظلامي، شُوفي قلبي، يكادُ زيتُه يضيءُ لكِ، ما أعتمَهَ الحظُّ،وما تساقطَ من ثمارِ الكلامِ، يانجمةَ قلبي، وسَقَمَ هُيامي، يا دمعةَ روحي، وماءَ كلامي، أُحّبُّكِ ظمآناً على وجلٍ، وليزعلَ مِنِّي حِبرُ غَرامي ....

***

عبد الجبار الجبوري

 

صالح البياتيعاد على نفس الطريق الذي سافر عليه مئات المرات، منذ الرحلة الأولى مع سعيد الى بغداد (في الثالث عشر من تموز- يوليو عام 1958 م) وهذا اليوم العاشر من كانون الثاني عام 1982م.

 كم مرة خلال هذين التاريخين دارت الأرض حول نفسها؟

 كان سؤالا واحدا يلح عليه طوال تلك السنوات، يدور في رأسه، كلما تذكر قول توينبي:

 "عجلة التاريخ ليست آلة شيطانية، تبتلي الناس بعذاب سرمدي"

 فيسأل نفسه لماذا إذاً ابتلانا التاريخ بعذاب سرمدي، هل نحن استثناء، ام ان لعنة ابدية حلت علينا!

التفت الى جانبي الطريق، فرأى على أحد جانبيه جثة المجنون عاشور، كما شاهدها عارية مرمية، كانت عيناه لا تنظران لشئ ما، ولكن يراهما الآن تخترقان حجب السماء، لأبعد من الشمس والكواكب، الى ما فوق العرش، تشكوان الظلم الذي وقع على صاحبها، للخالق، بعتاب صامت..  

ولشد ما حيرته أيضا ابتسامته البلهاء التي جمدت كدم تيبس على شفتيه، ِأرتعب من ونظرته الحادة، التي يراها الآن كلسان ناري يمتد للسماء.

 ربما لم يكن لحظة موته العنيف ينظر لجلاديه، ولكن عينيه الآن مختنقتان بالدموع والدم..

 كان كل هم الذين شاهدوا الجثة، تغطية عورته..

 وعندما ألتفت الى الجانب الآخر من الطريق، ترآى له نعش عدنان ملفوفا بالعلم العراقي، يطير نحو الشرق ليلتحق بعائلته المسفرة الى إيران..

 كان رحيل نوح من مدينته، هروبا من الموت، المتمثل بجثة ونعش، يلاحقانه على طول الطريق.

رحلة اخيرة وبلا عودة، اشعرته بالخوف من مستقبل  مجهول..

   قطع ثلث المسافة، توقف فجاة، ركن سيارته على كتف الطريق الترابي، عند مقهى صغير، طلب استكان شاي، شربه ساخنا، أومأ بيده لصاحب المقهى، وعندما جاء، سأله:

" أتعرف شخصا باسم نوح؟"

"عفوا.. لا أعرف أحدا بهذا الاسم، عدا النبي نوح عليه السلام."

أومأ بيده بطريقة تخلو من الذوق، وقال:

"روح"

 عاد الرجل لمكانه، واقفا امام المقهى، شاخصا بنظره للسيارات المارة بالاتجاهين، آملا بتوقف سيارة للأستراحة، قام نوح ونفح الرجل اضعاف ثمن  الشاي، شكره الرجل، ودعا له بسلامة الوصول..

عاد لسيارته، استدار في الاتجاه المعاكس، عائدا من حيث كان قادما، صاح الرجل منبها اياه بأعلى صوته:

"هذا الاتجاه غلط.."

عاد الرجل يصيح بصوت اعلى قبل ان تبتعد السيارة:

"هذا الاتجاه غلط.. لا يوصلك الى بغداد.." في المرة الثانية رد عليه:

" لا يهم كل الاتجاهات سواء."

 أدهش تصرفه صاحب المقهى، فهز يديه، وظنه مجنون.

عاد أدراجه الى مدينته، فوصلها بعد الظهر، عبر جسر الكحلاء، استدار يمينا محاذيا النهر، التفت للمركب الغرقان، القى نظرة على بوجته المتوارية تحت الماء، ومر على قصر المحافظ، وألقى نظرة على نهر دجله عند تفرعه الى نهر الكحلاء، في هذا المكان يتسع النهر حتى كأنه بحيرة، ظل جائلا في أزقة المدينة وطرقها وحاراتها القديمة، وكان حيثما يمضي يتطلع للناس، فيراهم كأشباح غريبة، دمى من الخرق البالية، كأن لم يسبق أن عرفهم من قبل، رغم أن معظمهم يعرفونه جيداً، وله ايد بيضاء على المحتاجين منهم.

كان  يحز في نفسه وهو يتطلع لهم، انه لم يستطع انقاذ مقبل، ولا مساعدة الدهلة، لم يقتنع  بأي تبرير يعفيه من تأنيب الضمير.

 يترجل بين حين وآخر، يركن سيارته، ويسير على قدميه، على غير هدى، حتى أعياه التعب، فوجد نفسه عند العاشرة مساء على مقربة من بيت القاضي عبد الهادي إجباري، خطر بباله أن يطرق الباب، تردد في البداية، ولكنه أخيرا طرقه، خرج الرجل بالمنامة، تفاجأ بوجوده امامه، كان الإرهاق بادياً على وجهه، فهولم يحلق ذقنه منذ إيام، ولم يخف الشيب الذي غزا لحيته، رحب به القاضي، وأدخله غرفة الاستقبال، دعاه القاضي الجلوس امام مدفأة الكيروسين، لم يستجب في البداية، ولكنه جلس اخيرا على السجادة، فإنعكس على وجهه لهب المدفأة الأزرق، هَمَّ القاضي بإحضار الشاي لضيفه، قام نوح وضع يداه على كتفي العجوز، وأجلسه على الكنبة، وظل واقفاً، أثار تصرفه الخوف في قلب العجوز، قال نوح بصوت آمر:

"اجلس.. جئت أسألك عن شيء واحد، وسأذهب."

" أعرف جئت لتطلع على قانون الجنسية العراقي، فأنا خبير به"

" لا يهمني.. جئت لأعرف أن كان بإمكاني أن أعود لأسمي القديم إجباري؟"

تفاجأ القاضي، وظل صامتا لا يحير جواباً..

" ألم تسمع السؤال، هل عليَّ أن أعيده عليك؟"

دار بينهما نقاش حول ذلك، ولما تأكد انه لا يمكن ان يرجع لإسمه القديم، نظر طويلا للقاضي وقال:

" أنت محق يا سيدي، نحن لا نزال نعيش في عصر السفر برلك."

وخرج دون وداع، فترك العجوز في ذهول وحيرة. وعاد مشيا على الأقدام لبيته.

 في تلك الليلة نام في فراشه، وعندما استيقظ صباحا، كانت أشعة الشمس تغمر الغرفة، شعر أنه جائع، نهض من الفراش، وبحث عن شيء يأكله، وفي أثناء وجوده في المطبخ، رأي سكينا، فخطر على باله أن يقتل سليم الخماش، أخذها وخبأها بملابسه، تذكر السيارة؛ التي ركنها الليلة الماضية، لصق جدار بيت القاضي، لم يخرح من البيت حتى حلول الظلام، ذهب هناك ليستعيد سيارته، وجد نفسه مدفوعا برغبة قوية لطرق الباب، طرقه فخرج المحامي حسن، أبن القاضي الأكبر، وكانا زميلان ايام الجامعة، سأله عن والده، إن كان نائما في هذا الوقت، أمسك حسن يده وأدخله لغرفة الاستقبال، كان القاضي جالساً، يتابع نشرة اخبار الساعة التاسعة المتلفزة، سلم عليه واعتذر، قام القاضي واحتضنه وأجلسه قربه، تابع الثلاثة أخبار المعارك المحتدمة على الجبهة الجنوبية الشرقية، على طول الحدود المحاذية لمحافظة ميسان، عبر القاضي عن قلقه:

"هذه حرب ما كان علينا ان نتورط فيها."

هم نوح بالانصراف، ولكنهما منعاه، وعرضا عليه المبيت عندهم.

" ستنام هنا، سيأتيك صديقك حسن بمنامة نظيفة وفراش، ستنام هنا في الصالة."

ارتاح نوح لفكرة قضاء ليلة لطيفة مع أصدقاءه، استأذنهما القاضي وذهب لينام، بينما سهر الصديقان حتى ساعة متأخرة، أدار حسن مؤشر محاطات الراديو، لسماع آخر البيانات العسكرية الصادرة من الجانبين، عن الخسائر بالأرواح والمعدات. تحسر حسن وتنهد بعمق.

" تورطنا يا صديقي كما قال والدي، حرب لن تنتهي قريبا."

"لا يهم متى تنتهي، ولكن كيف ستنتهي!"

"تقصد من سيخسر في النهاية!"

"سيخسر الاثنان طبعا، ولكن البادئ بالحرب سيكون الخاسر الأكبر، لأنه خاض حربا ليس فيها اهداف استراتيجية محددة مسبقا."

ناقشا الأستراتيجية، على ضوء المعطيات وآراء المحليين العسكريين المتباينة، فوجد نوح ان تصدير الثورة الأسلامية فقاعة وهمية، وان الدفاع عن البوابة الشرقية كذبة سياسية مفبركة، اخُترعت في حينها بذكاء شيطاني، عند تطور الأحداث، وأن نظام الملالي كان سيسقط من تلقاء نفسه من دون حرب، وأن الحرب بالعكس ساعدت على رص صفوفهم، والتخلص من اعدائهم في الداخل، فإستنتج حسن ان الرئيس لم  يفكر تفكيرا استراتيجيا، خاض حربا ليس لنا فيها ناقة ولا جمل..

" حسن.. على فكرة، لا زلنا نفكر بالناقة والجمل، السنا نعيش في مجتمعات متحضرة، وتركنا البداوة منذ زمن بعيد؟:

" لا يا صديقي نوح، البدوي بتقاليده المتحجرة، لا يزال يختبئ كالقدر في حياتنا".

ران صمت متوجس بينهما، قطعه حسن بنفاد صبر.

" ومتى الخلاص!"

" لا أدري..ولكن أظن أن الخلاص سيتحقق في النهاية، عندما يتحطم شيء في دواخلنا، شيء نتهيب منه، ولا نجرأ أن نظهره للعلن.. كما يحدث للجليد عندما يبدأ بالذوبان، في اللحظة الأولى تسمعه يتكسر ولكنك لا تراه.

فجأة غير حسن مجرى الحديث فسأل:

  " لو سألتك ان تعرف الوطن بكلمتين فقط؟"

" بيت الأم.. وانت ماذا تعرفه ايها المحامي الذكي؟"

" بيت الراحة؟"

" هل تقصد الوطن مرحاض!"

" طبعا، اليس الأنسان يشعر بالراحة والأسترخاء عندما يتخلص من فضلاته، بغض النظر عن مستوى هذه الراحة حسب نوع المرحاض، انت سميت الوطن بيت الأم، فماذا حصلت الأم من هذا البيت، غير الخرا، فهي اما ارملة، ثكلى، او محرومة ومضطهدة.."

وبسرعة انقلب الحديث الجاد والثقيل الوزن، الى مزاح وفرفشة. بدأه حسن بخفة دم وحب للضحك.

" لماذا هؤلاء الذين نحاربهم، لا يصدرون لنا فستقهم المشهور بجودته؟ سمعت ان أحد الشخصيات الهامة في الحكم، يمتلك مزارع كبيرة لاشجار الفستق.

"وماذا نصدر نحن لهم .."

قال حسن دعني أفكر:

" ها لقيتها، لبن أربيل.. ها ها ما رأيك يا نوح؟"

ضحك الصديقان، فانشرح صدرنوح، وإنزاح عبء كان جاثم على صدره ويخنق أنفاسه.

" هل حرام الضحك قليلا، بينما الاخرين يبكون، أانا مخطئ يا صديقي ؟"

" لا.. متناقضات الحياة كثيرة، وهي شئ طبيعي"

إذاً هاك نكتة عن الرئيس..

راح حسن يحاكي الرئيس ويقلده، عندما بكى على شهداء الحرب، اثناء خطابه الذي نقله التلفاز، شرب قليلا من كأس الماء، الذي امامه على المنضدة، ومسح دموعه وفمه بمنديل ورقي، توقف لحظة، وغلبه نشيج مكتوم، تهدج صوته، ومسح دموعه وفمه، وكرر ذلك عدة مرات اثناء خاطبه، وعندما نفدت دموعه وجفت، استعار دموعا من مرافقه، ها ها..

" يذكرني هذا المشهد، بدمعة فرح سالت على خد المرجع الديني الأعلى، عندما سمع بإغتيال الزعيم،* ويقال انه صلى ركعتي شكر.

 صمت نوح قليلا وأضاف.. " تلك المحاولة التي فشلت، وكان رئيسنا الحالي ابرز ابطالها، ما اشبه الليلة بالبارحة!"

"والزلابية بالبقلاوة."  قهقه المحامي عاليا.

انقلبت اسارير نوح، عبرت ملامحه عن الانزعاج الشديد من كلام صديقه، وظهرت في نبرة صوته.

"الموضوع ليس مزحة."

استدرك حسن، فأبدى شيئا من الجدية تلافيا لزعل صديقه.

"هل فعل ذلك حقا!"

"من؟"

" المرجع الديني."

" طبعا.."

" لا اعتقد ان المرجع الديني الأعلى قدس سره فعل ذلك.. هذه كذبة افتراها الشيوعيون، لأنهم يحقدون عليه، بسبب فتواه الشهيره، التي كفرهم فيها، واباح قتلهم، اعتقد أنت سمعتها من سعيد."

" منه او من غيره ما الفرق.. المهم انها حدثت فعلا."

" اتصدق هذا الشيوعي الحاقد"

" ولماذا لا اصدقه، عندما تتضارب المصالح، تنط الاشباح خارجة من الظلام، ويصبح كل شيء جائز ومباح، وانت يا صديقي المحامي اعرف من غيرك بذلك. لقد جانبت فتواه الحكمة، لانها تسببت بإزهق ارواح برئية.

" وأين هنا تضارب المصالح؟"

"  بقانون الإصلاح الزراعي، الذي حرم المرجع من مورد هام، يأتي من كبار ملاك الأراضي، فاصطف مع أعداء الثورة، لا اريد ان ادخل معك بجدل بيزنطي حول هذا الموضوع، لأني متأكد انت كمحامي تعرف جيدا كل شيء عن الموضوع، ولكنك تغالط الحقائق."

"على كل حال.. كي نتجاوز الخلاف بيننا كاصدقاء، علينا ان نغلق الموضوع، ونتوقف عن الخوض بقضية قديمة طواها النسيان.."

"ليس هناك من شيء هام يطويه النسيان ابدا، ولكن قل يدخل في ذمة التاريخ."

" لننهي نقاشنا كأصدقاء. تصبح على خير"

"تصبح على خير"

تربع نوح جالسا في فراشه، يفكر بمحاولة الاغتيال التي نجا منها الزعيم بإعجوبة.. رغم ان سيارته امطرت بالرصاص.. وتوقف عند مفصل هام فيها، وهو مقتل أحد المهاجمين، فقال نوح يحدث نفسه، اما كان على القدر ان يكون رحيما،  فيختار رئيسنا، بدلا من رفيقه الذي قُتل.

شكرا لمتابعتكم

يتبع..

 

صالح البياتي

........................

حلقة من رواية: بيت الأم

.....................

- حدثت يوم الأربعاء في الساعة السادسة والنصف مساء، الموافق السابع من تشرين الأول- اكتوبر، عام 1959 م ، في رأس القرية بشارع الرشيد.

 

 

عبد الجبار الحمدييحكى أنه رأى في ما يرى النائم ان جميع من حوله نائم، وغاية أحدهم ان يدعو في منامه حظه أن يجد مصباح علاء الدين، كي يفك عقدة عند الشعوب العربية تلك التي تنادي بالحرية ثم تنال العبودية.. شعب تعود أن يبيع ملابسه الداخلية وكل ما يشتريه لمجرد التغيير في زمن أباح المفتي جهاد النكاح وسمح باللواط، والرقص حلال، وأن محمدا رسول الله كان يشرب الخمر في عالم كثر فيه الامر بالمنكر والنهي عن المعروف.. فجأة!! راعه في منامه ما رأى جمهرة من الناس تعلن صراحة أن الدين خرافة الإسلام يتخذ منها خطيب المنبر وسادة للعبادة، وفي ذات يوم تنامى الى سمعه ان الشعب يقول بأن الملك رجل عنين لا يقوى على ان يجامع إمرأته أو أي إمراة رغم كثرة النساء اللاتي فاض عددهن عن المئات وهن في باحة قصره.. فأرسل الى وزيره وقد اغضبه ما سمع فقال له:

الملك: يا وزير الشؤوم كيف تسمح أن يشاع عني ما سمعت؟

فقال الوزير بتهرب: وما ذاك الذي سمعت؟

فقال الملك: أخرس... قطع الله لسانك.. او تظنني لا أعلم دهاليز لؤمك.. الآن تبحث لي عن وسيلة تفند ما يشاع عني وإلا ستلتصق بي هذه الإشاعة وتكون سببا في خراب ملكي.. وقتلك

الوزير: سمعا وطاعة يا جلالة الملك هون على نفسك.. ولكن عليك ان تضع في حسبانك أنها مسيرة الحياة، أطال الله وأمد في عمرك حتى تجاوزت المائة وهذا أمر طبيعي ..

الملك: عليك اللعنة كأنك أنت من أشاع ذلك؟!

الوزير: حاشا لله يا مولاي أترك لي فسحة من زمن سأجد الحل إن شاء الله

كأني بينهم أسمع حديثهما فدخلت دون إستئذان صائحا.. عندي الحل يا جلالة الملك على أن تعطيني ما أرغب وإن لم أكن قدر كلمتي لك ان تقطع رأسي في الحال..

قال الملك: أتراك كنت تسترق السمع والبصر يا هذا؟

فأجبت... نعم إني خادمكم لكن لا ليس من شيمتي استراق السمع، غير أن صراخك يا مولاي وصل أذني بعد ان وصل آخر أروقة قصرك، الجميع مثلي سمعوا وخرسوا، لكني لا استطيع ان أصمت وأنا أرى ولي نعمتي في أزمة بعد أن حَكَمت حتى خلدك التأريخ بمن زحف الموت عليهم عقود بعد أخرى وانت تشهد وباق الى الأبد كأن الله خلقك كي تكون أزليا فما أسعدنا بذلك

الوزير: اللعنة عليك يا هذا!!! ما الذي تقوله؟ كيف يمكن ان تتدخل في موضوع يمس الملك والمملكة؟ إنها لكارثة إن عاث الخدم في امور وشأن جلالة الملك..

الملك: اخرس يا وزير الشؤوم، دعه يفصح وإلا سأقطع رأس كل من في القصر من الذين سمعوا ما قلت، هيا قل لي ما هو الحل؟

الخادم: عليك يا جلالة الملك أن تعطيني الأمان أولا كي أتحدث دون خوف من سياف قد سل سيفه لينال من رأسي، كما أن عليك ان تثق بي وتؤمن بأن ما اقوله لك واعطيه إياك هو الحل الناجع لمثل حالتكم، ولا أظنك يا جلالة الملك وحدك الذي يعاني منها فهناك الكثير من الملوك والوزراء والامراء الذين مر بهم ما حل بك، فما هي إلا مسألة بسيطة، شرطِ الوحيد هي ان تهب لي نصف مملكتك وتوليني على أحد ضياع المملكة التي اختارها انا .. فإن رضيت كنت لك المنقذ والمنجي، وإن رفضت فلك رأسي فاقطعه وليعوض الله عليك بمملكتك وقد دبت الإشاعة على ألسن قوم لا ينسون ولا يكفون قضمها كما هي حكاية ابو ضرطة الذي ابتلى بإطلاق ريح دون ان يدري حتى هرب سنين عدة، وعندما اشتاق حنينا عاد فأراد ان يرى أهله ومحبيه فسمع حديث بين بائع ومشتري واختلافهم على السعر.. فضجت التي تبيع من الذي أراد ان يشتري وقد فعل فعلة كما فعلها فقالت: لعنة الله عليك؟ أتراك مثل ذاك الذي هرب بعد ضرطته!!؟  فما أن سمع ذلك حتى دب هاربا .. فماذا تقول يا جلالك الملك!؟ ضرطة لم ينسها شعبك لرجل من العامة فما بالك بملك وصاحب صولجان..

الوزير: أرى انك من منتهزي الفرص يا لئيم الخدم، بح بالذي تعرف وإلا سأقتص منك بنفسي وأنا الذي سأقطع رأسك..

الخادم: الأمر ليس لك إنما لجلالة الملك يا وزير البين..

الملك: قلت لك دع عنك أيها الوزير، دعني أفكر قليلا في شرطه.. بعدها قال:

إسمع أما نصف الملك فأراه صعبا وما أجدني كريما الى هذا الحد وإن كان على الاشاعة فبالترهيب اقمعها وقطع الرؤوس يمكن تغيير الكثير، لكن رغبتي في جماع الفتيات اللاتي حولي هو من يعطيك الفرصة كي تنال كرمي... غايته ان أعطيك سلطة في المملكة منصب هذا الوزير الكلب حيث سيكون مصيره بين يديك فأفعل ما تراه فيه وأظنني بذلك ضمنت لك عيشا رغيدا وسلطان لم يكن في واقعك..

الخادم: موافق يا جلالة الملك..

وقع الوزير مغشيا عليه.. وما أن أفاق حتى وجد نفسه في زنزانة لا يرى ضوء الشمس منها ولا صوت يُسمع بعد صراخ وعويل

جاء الخادم بعد ان بات وزيرا الى جلالة الملك وهو يحمل بيده العلاج الناجع لمشكلة الملك .. فقال:

الخادم: جلالة الملك سأعطيك هذا الدواء على ان لا تسألني ماهو؟ كما عليك ان تثق بي ولا تخف مما اسقيك إياه، وإن رغبت أأخذ منه قبل ان تشربه أفعل، غير أني أأسف على ذهاب نصفه الى جوفي وأنت أولى به مني.. حتى تستريح دع سيافك هذا يقطع رأسي في حال حدوث أي شيء لك لا سامح الله بسبب الدواء الذي سأسقيك إياه

الملك: حسنا وكن على ثقة بأني سأبيد أهلك وعشيرتك وكل من يمت لك بصلة إن جرى لي شيء عكس ما ادعيت، خاصة أني دعوت من ارغب في نيل فرجها بعد ان تلظيت على أحر من الجمر أشهر بل سنين.. هيا هات ما عندك

الخادم: حسنا يا جلالة الملك هاك ابلع هذه وأنت مغمض العينين حتى لا تبصر ما تراه، بل دع ما تشعر به يكون دليل فعلي إنها المفاجأة لك بعد مرور زمن قصير، ستغزو فرج من رمتها مرارا وتكرارا خذها وتسلطن كمارد النكاح...

عجبا قالوا!!! ما ان ابتلعها الملك وانتظر برهة من زمن حتى انتصب قضيبه فهرول ناسيا المملكة والحاشية والخادم والحاشية جريا ليطرح من كانت فريسة له، فركبها حتى أهلك فرجها إي أنها ضجت و ولت هاربة، فجاؤوا بأخرى ففعل بها مثل الأولى فهربت، استمر حاله هكذا يهلك كل من ينال منها فترة من الزمن حتى وقع مغشيا عليه من الإرهاق..

أحاط السياف وحفنة من جنود الملك بالخادم الوزير، عنفوه وقد رؤوا من الملك ما لم يروه في حيوان مفترس ينال من الجميع.. بين مؤيد له ورافض كشف الطبيب على الملك الذي كان مرهقا إلا أن قضيبه بقي منتصبا وهو بالكاد يقول: هل لي بجارية أخرى؟ فقال الخادم الوزير

الخادم: جلالة الملك أرى ان تكتفي اليوم بما حصلت عليه، ودع فعلتك تُروى عن الجواري بعد ان تُطلِقهن بين العامة لتحكي والخدم صولاتك التي هتكتك بها فروج من وئدت حريتهن بعد غزو ممالك وقرى كثيرة، كونك الغازي الأوحد الذي لا يبارى ولا يجارى..

الملك: إبن الكلب أيها الخادم الوزير لقد جعلت مني شيطانا أرغب في الجنس حتى وإن سئمته، لكني أنا السبب فلا أدري هل أجازيك؟ ام أقضي عليك؟ هب جميع الوزراء بل دعه يا جلالة الملك فبمثله وخبرته ودوائه يمكن ان يفيد جميع من في مملكتك من وزراء وأمراء فكلنا يا جلالة الملك نعاني ما تعانيه وأمر..

الملك: اللعنة عليكم جميعا يا عنيني المملكة، حسنا لكن من يرغب بعلاجه عليه ان يعطيني نصف ثروته وما ملكت يمينه.. ولهذا الخادم الخمس منها .. ما رأيكم؟؟؟

هز الجميع رؤوسهم بالموافقة ..

عندها قال الملك... الآن أيها الخادم الوزير عليك ان تطلعنا على سر علاجك..

الخادم الوزير: حسنا يا جلالة الملك سأبوح لك ولهم بالسر على ان تحفظ عهدك وعهدهم لي بما فرضت..

الملك: لك ذلك وكتب الأمر بداة و قرطاس

الخادم: إن سر الدواء يا جلالة الملك هو حبة الفياكرا الزرقاء والسلام.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي