ياسمينة حسيبيما كان من فرْط أمْـركَ ... سِــوااكَ!

عَضّ نابُكَ على نواجِد العُمر

وانْعقد لسانُ القلبِ من الحَزَنْ !

اشْتبهوا في أمرك َ..

حين اندلقتْ روحكَ بالكامل في سَبْخةِ الفراغ

يا واقفاً على سيقان الغيوب ..

بين الرَّوْع والرُّوع، تلَوّح بناغر الجروح

وتربّتُ بخيالك على وَبَر الفراشات !

ذِي يدُكَ..

التي حلّتْ محلّكَ في تحديد النّسل

تبيض وتفقس بين الرمال والحصى  !       

وذَا أنتَ ..

تخشى أن تتسرّب الملامح من وجهكَ تباعاً

فيا المبعوثُ بِـبدْأَينِ بعد الختام : جريرتُك الماء 

والحرائق ممّا أسرفتْ يداك أو ..

بما أُوحي إليكَ وبما لا يوصفُ

فهل تُراكَ أَنتَ ..؟

أمْ مَنِ الذي دقّ وتداً في خيمة الروح ..

وملأ فمكَ بلهاث المسافات؟  

سَلْ عنكَ بغداد .. 

الْــ تثيرُ نقْعاً بحوافر .. القلبْ !

وتُقدّسُ جرحكَ بسورة الأحزاب 

بغدادُ "يا كلَّ الذي لا تقولُهُ"، ويا فرْطها فيكَ ..   

العاصِمةُ من الذنوب

 اللاّهبة كسُعال النار

المدبَّبِ حُضنُها في العناقِ

المُسْكرِ عشقها حدّ تنمّل الأطراف 

بغدادُ يامَسِيرة الألفِ من العنادِ..           

تدلفُكَ من فتوق الشِّعر .. طوفانًا

فيغيض الماء والجودي معاً ،

وتَسّاقطُ أسْقُفٌ و.. سماءْ !        

ثمّ لا قبْلكَ .... وبعْدُ :

فأنتَ الجرح الذي لا يغمض له جفن!

تحمل شارة السّماء علامتك الفارقة

وليس بوسعك أن تموت أبدًا !

وتعرف بغداد  ..   

"أَنَّكَ حينَ تَصْمُتُ يَصْعدوُنَ إِلى فَمِك"

يستبدلون صَداكَ بالسُّدى

ثم يَدخُلونكَ من عيْن الريح أفواجًا !

وكم ...

يَشْخَب الجرح مهما تخبو جمرته في موقدك

فالنار ..جنائنك المعلّقة

والحُزن اصطفاك رسولاً على العالمين. 

فما بالها تلك الرعشة التي لمْ تكُ من أوصالكْ؟

تفلّتَتْ روحكَ من يدِكْ على حين غرّة

ثم ضرّستْك الورود بأنيابها!

 فاسلُك واعر جهنّمكَ حافيَ القلب

واستقطر  صوتكَ في مسمع الردى

قطرة ..

قطرة .. 

حتى تفيض الكأس ..  

وتُصفّق عينكَ التي لا تصلح للبكاءْ !

***

ياسمينة حسيبي

 

 

مريم لحلويوم شاق -

من النادل أطلب

قهوة ممدَّدة

2

أكثر من رعشة

انتفاضة الكلب

غِبَّ المطر

3

شتاء

من العام الفائت

بعوضة داخل ثلاجتي

4

صف أزرار فستانك -

ترسانة عسكرية

 بكامل عتادها

5

يا لخيبة أمل جاري الكفيف  !

الثلج ابتلع

وقع خطى الحسناوات

6

بالكثير مما فات

يذكرني هذا القمر

 المكتمل

7

زفافنا CD

لانهائي تلذذي برشفة الحليب

من يدك

8

‏لولا الريح

‏ما ارتحلت عن حديقتي

‏تلكم الأوراق

9

دجنبر -

سيان عند الدوريات

شجرة أوعمود إنارة

10

شتاء -

بجزرة في اليد

أنتظر الثلج

11

برد كانون -

يحتاج الشيخ لطقم اصطناعي

لتصطك أسنانه

12

رويدا رويدا

فوق رماد العام المنصرم

يشتعل جمر هذا العام

13

قارب بعيد -

قبل أن تغرق ،

الشمس أيضاتتشبث  بقشة

14

شقيقة النعمان -

فراشة عُقد قرانها

بالتراب

15

صداع -

قرص الدوليبران

أكبر من قرص الشمس

16

قلب على الرصيف -

أبدي ذلك الخطأ

في اسم الحبيبة

17

في غفلة مني

أسقي الكثير من العليق

ووردة وحيدة

18

‏‏" لو كانت فراشة "

ستظل الوردة

‏تتمنى

19

عيد ميلاده الستون

الشموع أكثر

من الضيوف

20

حينا القديم -

على رأس أول قادم تضع الجارة

(وَصْلة) الخبز

21

آخر العام -

التفاحة في الصحن

وحيدة تتعفن

***

مريم لحلو - المغرب

 

ميسون اسديشعرت أم وفيق بحركة غريبة في البيت وحدّثها حدسها بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام، جالت في خاطرها أمور كثيرة، وهامت بتفكيرها وتأملها وإذ بها ترى جولييت صغيرتها وأحبّ المخلوقات قاطبة إلى قلبها والتي عاشت في حضنها مدة طويلة، ملقاة على ظهرها جثة هامدة بلا حراك. ارتعبت ام وفيق وناحت كذئب جريح وصرخت بأعلى صوتها: جولييت، جولييت يا حبيبتي، ماذا حل بك؟..

قبل أن يشقشق الفجر وتضيء الشمس المكان بوجودها، استيقظت العجوز أم وفيق باكرًا ووضعت أمامها كأس الحليب المحلى مع كسرة الخبز وأخذت تمضغ طعامها رغمًا عنها، فهي تعاني من وحدة نفسيّة قويّة نتيجة نقص في العلاقات الودودة مع الآخرين، خاصّة مع أبنائها وأحفادها الذين سكنوا بعيدا في بلدات غير مدينتها، ومنهم من هاجر إلى خارج البلاد، فارقوها الواحد تلو الآخر، وكان أول من فارقها زوجها الذي رحل وهي ما زالت في ريعان شبابها. ووحدتها النفسيّة هي نقطة البداية لكثير من المشكلات التي تعاني منها العجوز، فقد أصبح يغلب عليها الشعور الدائم بعدم السعادة والتشاؤم.

***

شعرت أم وفيق بحركة غريبة في البيت وحدّثها حدسها بأنّ شيئًا ما ليس على ما يرام، جالت في خاطرها أمور كثيرة، وهامت بتفكيرها وتأملها وإذ بها ترى جولييت صغيرتها وأحبّ المخلوقات قاطبة إلى قلبها والتي عاشت في حضنها مدة طويلة، ملقاة على ظهرها جثة هامدة بلا حراك.

ارتعبت ام وفيق وناحت كذئب جريح وصرخت بأعلى صوتها:

- جولييت، جولييت يا حبيبتي، ماذا حل بك؟ وصرخت فاغرة فاها: يا ناس يا هو، رحلت زهرة الوطن، ودمعة العين.. رحلت صغيرتي المدللة جولييت. نامي قريرة عين يا قرة العين.

***

رفعت العجوز سماعة الهاتف دون أن تفكر مرتين وهي تبكي وتندب حظها التاعس، وبدأت تتصل بالواحد تلو الآخر من أحبائها والمقربين إليها لتخبرهم عن رحيل جولييت، وهي التي ترفض الاتصال بأحد لعزّة نفسها ولا تستعطف أحدًا ليقوم بزيارتها أو ليسأل عن حالها، مدّعية بأنها الأكبر سنًا وعلى الآخرين الاتصال بها وليس العكس.

لم تترك العجوز أحدا إلا وبكت له ولوعت قلوب من تعرف حزنها على ما ألمّ بها.

سمعت العجوز طرقًا مدويًّا على بابها، وإذ بابنتها الوسطى وهي في السبعين من عمرها، جاءتها على عجل عندما سمعت خبر رحيل جولييت، وضمت أمها إلى صدرها لتخفف عنها كربها وقالت:

- لا تبكي يا أمّي، سنموت كلنا، وسنترك الحياة وراءنا، انا أفهم حزنك واشاطرك همّك.

اجابت العجوز بجزع:

- الفراق صعب يا أبنتي، كيف غادرتني جولييت الغالية بلا وداع ولا حتى كلمة. انتهت من الحياة، سُلَّت منها كالشعرة من العجين، يا حبيبتي ودنياي، يا جولييت.

تأففت البنت وضاق صدرها من حزن أمها المبالغ وقالت بنوع من الفتور:

- هذه هي الحياة وهذا هو الموت وهما شيء واحد، إنها النهاية يا امي.

نظرت العجوز إلى ابنتها وبحلقت بعينها والشرر يتطاير منهما وقالت بغضب:

- هذا الموت اللعين الذي يتقافز من جسدٍ لآخر، ليته اخذني وترك صغيرتي جولييت.يا لتفاهة هذه الحياة، عندما يتساوى بها الموت مع الحياة.

***

ام وفيق العجوزسيّدة نبيلة، شارفت على التسعين وتخطتها بأربع سنوات، لكنها تبدو في السبعينات من عمرها، فهي امرأة تسخى على نفسها من لباس وطعام وتذهب كل أسبوع إلى الكوافير ليصفّف شعرها ويصبغ خصلاته البيض. ولا تشلح طقم أسنانها، حتى أثناء النوم، خشية أن يفاجئها الموت وهي بلا طقم الأسنان  الذي صممه لها طبيب اسنان ماهر قبل عشرين عامًا.

نخرتها الوحدة حتى العظم، وشكت من عدم وجود أحد برفقتها، ومن إهمال أفراد الأسرة لها وعدم الانسجام معهم، ومن الشعور بالعزلة عن الآخرين - وهي التي كانت مربية لأجيال في مقتبل عمرها.

أم وفيق قليلة الكلام، وإن حكت، لسانها جارح، ونادرًا ما لا تجرح بكلماتها المختصرة والمقتضبة خاصة وأنّها تؤمن بأنّها تنحدر من سلالة ارستقراطية لم يتبق لها سوى عجرفتها ونظرتها الفوقية للناس. أجادت الصرف والبذخ على طعامها ولباسها ولكنها لم تسمح لأحد باحتساء فنجان قهوة أو كاس ماء في بيتها وعلى حسابها وكانت تشكك بكل من يدخل بيتها بأنّه جاء ليسرقها أو يستغلها.

****

تبنت العجوز الصغيرين جولييت وروميو قبل عامين واغدقت عليهما مما تملك، ليملآ عليها بيتها ويخففا من وحدتها بعد أن فارقها ابناؤها الى بيوت الزوجية ومنهم إلى الآخرة.

قبل أن تغسل وجهها بماء الصباح، تتسلل من سريرها إلى غرفتهما وتصبّح عليهما وتهدهدهما كطيور الجنة.استحوذ حبها لهما على كل حياتها وتفكيرها. لم تتوقع أم وفيق ما حدث ولم تصدق ما رأته عيناها.

نظرت العجوز صوب روميو وكان مثلها مصدوما قلقا متألما يبكي بصمت فراق رفيقته. وقف على مقربة منها لم يتحرك من مكانه قيد أنملة، منكس الرأس، شارد الفكر ضائع النظرات وكما يبدو توقع ما حدث لرفيقته، فلم تقترب جولييت منه منذ عدة أيام وانقطعت عن الطعام،وساءت حالتها الصحيةالأمر الذي لم تنتبه إليه العجوز لكبر سنها ووهن جسدها.

أحسّت ام وفيق أن روحها ستفارقها، ستروح من بين يديها وتنطفئ كالشمعة، بكت من صميم قلبها بكاء مرًّا ولم تعرف ما إذا كانت تبكي رحيل جولييت أم تبكي على روميو الذي سيبقى وحيدًا مثلها في أيام الصيف والشتاء ويعد الساعات والأيام ليطرق بابهما أحد أو أي ضيف أو حتى متسوّل.

***

واصلت الابنة حديثها وهدّأت أمها بقولها: إن الحياة ما هي إلا "فراق بفراق" وعلينا تقبل الأمر لأنّه لا قرار لنا بذلك، والموت يخطفنا حتى لو كنا في بروج مشيّدة... وقدمت الابنة لأمّها بعض الطعام والشراب وفتحت لها التلفاز لتشغلها ببعض من برامجها المفضلة، ثمّ تركتها لوحدها واعدة إياها بانها ستعود اليها بعد ساعة من الزمن.

***

قصدت الابنة على الفور سوق البلد. عادت وهي تحمل بيدها عصفورة كناري صغيرة اقتنتها من دكان الحيوانات.

أدخلت الابنة انثى الكناري إلى القفص. فقفز روميو عدة قفزات داخل القفص مرحبًا برفقيته الجديدة،وما هي إلا لحظات حتّى دخلت الانثى الجديدة إلى داخل عشّها واستكانت به وكأنّها لم تفارقه.

نظرت العجوز إلى ابنتها بعينين يملأهما الظفر، وقالت:

- يا لهذا الصوت الرقيق! يا لها من زقزقات متواصلة.

وعادت الفرحة لتعشعش في قلب العجوز وامتزجت في نبرات صوتها رنّة جواهر من السرور والأمل وحملت اليها الراحة والعزاء.

***

قصة قصيرة

ميسون أسدي

 

عبد الجبار الحمدييا إلهي!! ها انا أعيد الكرة! احتفل بعيد زواجي الذي أعشق خاصة أنه يتوافق مع بداية العام الجديد رغم أنه لا يبالي، أراني أستذكر على مرآة زينتي تجاعيد السنين ما ان أتلمس وجهي خلالها تلك كانت نتيجة اول عراك، والأخرى نتيجة زعلي مع والدته، وهاته كانت بسبب غيرتي حين رأيته يتحدث الى من قال إنها زميلة في العمل.. وهاته.. وتلك.. أوه لا يمكنني أن احصيها، مللت فبت اغطيها بمساحيق إمرأة همها ترميم ناصية بيتها، شد وثاق صارية الحياة كي تستمر في المسير.. خزف كل أيامي لذا تراني اتحسس من الاصطدام بها خوف كسرها فلا يمكنني أعادتها الى شكلها الذي كانت عليه حتى وإن عملت على لصقها... خرج كل من في البيت من الابناء لم يبقى سوانا منذ أكثر من خمس اعوام لا هم له سوى القراءة ولا هم لي سوى تنظيف البيت... أستهلكنا كل مشاعرنا أحاسيسنا فصرنا كبطارية شحن لم تعد تستحق ان تستخدم... هكذا قال لي بالأمس عندما سألته هلا يمكننا ان نخرج مساء الغد لنحتفل بعيد زواجنا بتزامنه براس السنة، إنه عام جديد لعله يحمل بما لا نرغب فيه، فكل الاعوام السابقة حلمنا بما نرغب عَزِفَ عن تحقيقها او حتى ذكرها، لم يا حبيبي لا نخرج؟

خرجت كلمة حبيبي دون ان اكون قد اعددت لقولها.. أدار رأسه بإتجاهي مستغربا!! ماذا قلتِ؟ حبيبي ههههههه يا ربي كم عام إنقرض لم اسمعك تقولينها، يبدو ان الوحدة قد زحفت حيث منفاك الذي اتخذتِ ربما صرح لك بأن ساعتك قد حانت.. ففزعت كما تعودت منك فأجدك تهرعين حيث حضني تهمسين إني اشعر بالخوف من هاجس يعكر نفسي..

هكذا أراه يختزل مشاعري كي ابقيها غير مكتملة المعاني يقتظب منها فأراها دون معنى فلا اقولها لك... لكن وبعد أن أقبل شفتيك اراك تتفتحين كوردة لملمت نفسها خوف ان يقطف عطرها من لا تحب من الهواجس، يدميني شوكك لكني أحب ان اجرح منك، فذلك الاثر الذي ستتركين سيكون بمثابة ندبة عاشق يمكن ان أتباهى بها أمام من يخالني قد نزلت عن خاصرة الرغبة.. حتى أنت ابتعدتِ عني لم أحاول قط ان أثير ما لا ترغبين فيه.. فأنت بالنسبة لي عالمي الخاص لوحة الموناليزا التي يكتنفها الغموض ولا يعرف فك طلاسم شفرتها إلا أنا شرط ان نكون وحدنا حيث مخدع الحب الذي يترجم مشاعرنا بألوان خافته تعكس معنى العمق والتجلي في متعة الألوان ومزجها.. لم أنسى أبدا لهاثك، تأوهاتك تلك التي ارى نفسي من خلالها مستكشفا اجاد ان يكبح جموح بركانك لكنه وفي الآخر بعد ان يقذف بيمك طوده يتوقف برهة ثم يعيد سحبه كي تسير الشهوة حيث لا يمكنها ان تتوقف حتى ينهكه هيجان البحر فيضطرك رافعة يدك لتعلني استسلامك بين يدي...

أجدني اليوم بعد ان أكلت نار الأيام شمعتي ثم اسالت دموع عمري الذي ابكيه كلما رأيته يتناقص تخفت إضاءته فأسارع بضمه بكفيّ حتى لا تنفخ الريح غفلة فتطفأ ما تبقى منه، كنت أراك تهربين حيث الظلمة تحاولين ان تخبئي تجاعيد السنين، لم أرغب في الحديث عما تفعلين فلا زالت تلك الأنثى الغيورة تعيش بداخلك خوف ان تأتي من تخطفني منك وتنسى بأن ما عاد هناك شيء لتخطفه.. لقد صرتِ الجلد الذي يكسو جسدي والنبض الذي يعمل عليه قلبي، جنون امرأة عبرت تضاريس الأيام على وجهها فأستغلته ثم همست لها بأن من أحبته قد يفكر في إنثى غيرها... اقولها بصراحة حبيبتي.. أنت بالنسبة لي إنثى بمعنى الكلمة وإن بلغت من العمر قرنا..

أحقا ما تقول!!؟ فإن كان ذلك لم عزفت عن النوم الى جانبي؟ لقد اتخذت لك بطانة أخرى وفراش أخر، لم تعد ترغب بدفئي وضمي الى صدرك، لقد توقفني كثيرا القرار الذي اتخذت حين وجدتك تطلب مني ان ارتب لك الغرفة المجاورة لتنام... كانت ليلة قاتمة لم أنم فيها، جلبت نيجاتيف شريط حياتي معك، ظللت أقلب صوره تلك التي بالابيض والاسود حيث اقتم الحالات، فوجدت.. نعم هناك ايام كنت انغص فيها عليك، جعلت بعضها اسود لكنها نتيجة ضغوطات حياة... ثم عرجت على قاموس مذكراتي فوجد أغلب صفحاته بطيها أحد الزهور التي احب تلك التي ما أن أراك تحملها لي حتى اجدد نضارتي أتبرعم لك كي تسقني ماء الحياة... لم اتخيل يوما ان أحدا سيعرف بذلك السر.. فعندما أراك دون باقة الزهور التي تجلبها كل ليلة بين يديك أشعر بأن العالم قد اطبق على صدري ستكون ليلتي خالية من الحياة وأتساءل لابد أني أشعرته بالملل؟!! لكني في نفس الوقت اراك ونفسي نَجِدُ في العمل حتى نبني بيتا ركله الوقت إلينا دحرج في عالمنا ثمرة الأمل ابناءنا الذي دلفوا يمرغون أنوفنا في عالم البراءة وتعب المسئولية... نشكو لكن بفرح... تسارعت الخطى فلم نعد نلحق بهم خرجوا حيث لم نعي أنا في يوم كنا مثلهم... واكبوا الحضور سنين خلت لكن يبدو ان الايام قد نالت منهم فبعِدوا وخليت الرفوف من إطارات صور... هكذا أحسست خاصة عندما رأيتك في مرة تتصفح ألبوم صورهم وقد دمعت عيناك، لم أرغب في إفساد لحظتك تلك فشاركتك الدموع بل أجهشت في البكاء، ابتلعت مرارة البعاد والنسيان.. شرعت أطرز ذكريات وجعي بما كنت تسأل عنه فأقول لك لا أدري ماذا سيكون؟

هاهو عمري قد ركب الخمسين, اظنك ركبتها قبلي بسنوات... أوجعتك لاشك، اعلم الآن قسوتها، لكنها الحياة ودواهيها... حاولت في السنين الماضية معارضتها صفعها بقولي لن تستطيعي هزم نضارتي وروحي، لن أستسلم لك، سأعيد ترتيب ما بعثرته في سالف الأيام، سأفتح جاروري السري الذي خبأت فيه أحد صفحات عنفوان نضارتي بأن أنوثتي متقدة سأنثر عليها ورق الزهور الذي ترغب سأرتدي الثياب التي تحب سأكون لك كما ستكون لي ها انا انتظرك تأتي هذا المساء سأفاجئك كما كنت أفعل.. لكنك تأخرت! سأنتظر مجيئك حتى لو انتصف الليل أو زاد بعد انتصافه بكثير..

كنت قد غفوت.. لكن عطر طيف انفاسك سبقك على إيقاظي سارعت بترتيب حالي.. وقفت كي اُقبلك حتى وإن لم ترغب.. ستتفاجئ بإنثاك التي احببت ولا زلت.. لكن الصدمة منك لي كانت اكبر!!! حين بادرت بتقديم باقة الزهور التي اخفيت خلف ظهرك كما عودتني...

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي

 

حسين يوسف الزويديســيلُ الــدمعُ مــدراراً  ويجــري

ولســـتَ بآبــهٍ فيمــــــا ســــيجري

يفِـرُّ القلـبُ مــن صدري ويجـري

متــى ســارَتْ للقيـــاكَ الركــــابْ

***

والله ذكـــــــــــراكْ

دوماً على بالـــــي

لا، لستُ أنســــاكْ

في الحلَّ والترحالْ

***

شــبيهُ الــوردِ مـــا أحـــلاهُ عـــارضْ

نَـــــديّاً صـــــابَهُ طــــلٌّ و عـــــارضْ

ســـأبقى مـــا حييــتُ عليكَ عـارضْ

شـــراءَ رِضـــاكَ قـــولاً و احتســـابْ

***

وردٌ بخديكْ

يُطفي ظما قلبي

سهمٌ لعينيكْ

صابَ الحشا والروحْ

***

د. حسين يوسف الزويد

........................

* ذات مرة طلب مني الأخ الشاعر مصطفى علي أن أكتب العتابة بالفصحى، ولما كنتُ منقطعاً عن التواصل مع احبتي في المثقف الغراء لظروف خاصة فقد طلب مني أخي العزيز وأستاذي الفاضل عبد الرضا حمد جاسم قبل يومين أن اتواصل مع أعزائي في المثقف الغراء ونزولاً عند رغبتهما الغالية عندي كانت هذه المحاولة ...

** لا يخفى على أي مهتم بالأدب والغناء الشعبي في العراق أن (العتابة) كما (البوذية) تنظم كُلٌّ منهما على بحر الوافر ويتكون البيت الواحد منهما من أربعة أسطر الثلاثة الأولى منهُ يجب توافر الجناس فيها والفرق الوحيد بينهما هو أن (العتابة) تنتهي بالألف والباء او الألف المقصورة او الألف الممدودة بينما (البوذية) تنتهي بالمقطع (ية) مع تشديد الياء طبعاً وعندما تؤدى (العتابة) على الربابة فمن شروطِ أدائها ان يُعْقِبَ المؤدي او المطرب بيت (العتابة) ببيت من (السويحلي) ويجب ان يكونَ بيت (السويحلي) مستمداً معناه من بيت (العتابة) ومكملاً للصورة .

 

فاديا عيسى قراجه

لتلك المرأة  وما لها

ثوروا على بستانها

وحقلها .. ومستنقعها

لتلك المرأة تاج من نار وحديد

اكسروا تاجها

لها من القيان والجواري والغلمان والعبيد

 اقتلوا عبيدها

ثوروا على سجونها

لها من اللحم والصديد

في الأجران دقوا لحمها .. ولا ترموا العظام  لكلابها

وثوروا .. ثوروا

ثوروا

لها رحم عاقر. ونهد نافر

غطوا بنطافكم رحمها .. ولا تسقوا لقططكم حليبها

لها ما ملكت أيمانها من الفحول

بسكاكينكم

اخصوا فحولها

ثوروا على ما سرقت من عبير

وما خزّنت خزاناتها

ثوروا على ما زرعتم بيمينكم .. وما حصدت بشمالها

لها من الحنطة ما يغطي وجه الجوع

لا تجوعوا .. واحرقوا قمحها

لها من الحمير والبغال والخيل والإبل

اصنعوا سروجاً وامتطوا أنعامها

وثوروا على بحرها

على برها

على سهلها

ثم صلوا صلاة الغائب على زليةخاتها ومجدلياتها

ولا تتخاصموا ولا تتناحروا

فيقتل بعضكم بعضاً

فهي من ألقت بالجبّ

يوسفها

***

مقطوعة نثرية

فاديا عيسى قراجا

 

صحيفة المثقففي ذكرى الأطباء: أثير على حسن

الاخوين مثنى وخالد العسل

 

انتهت تأتآت المخدر وانبلج صوتها واضحا وهي ترد بالشكر على تهنئات الحاضرين بالسلامة ونجاح العملية التي غدت تعد بسيطة جدا - تذكر أن عمين لها قضوا قبل بضعة عقود بنفس هذه الجراحة - كانت الوجوه المحيطة بها تبتسم بأطراف الشفاه فقط غير إنها لم تعر بالا ولم تقف عند ذلك طويلا، اذ لا زال في رأسها ثقل من بقايا التخدير . استيقظت صباح اليوم التالي وقد زالت من رأسها كل آثار المخدر، لم تقرأ في العيون التي تحاول جاهدة تجنب النظر في عينيها أيّما فرح حقيقي، فهمت ذلك غير إنّها ارتأت أن تصمت . في الضحى زارها طبيب من المعارف جلس على حافة الفراش كما يجلس الابن لامه وبعد أن هنّأها بالسلامة أخذ يحدثها بحديث فهمت مغزاه سريعا غير إنها لم تنبس بحرف بل كانت تهز رأسها بصمت وبشبه ابتسامة ارتسمت على شفتيها الضامرتين .

(اذا شقَّ الجراح مكان الزائدة الدودية لابد له من استئصالها سواء كان بها ضير أو لا، تحسبا من أن تلتهب يوما ما فيرى الأطباء آثار بقايا الجرح فيظنون ان الزائدة مستأصلة فيهملونها فتنفجر) هذا ما قاله الطبيب . كانت تستمع اليه وهي تنظر الى بنطاله الجينز وتفكر انه يعاملها مثل امّه المتوفاة حديثا رحمها الله فنعم ما أنجبت وربّت .

كان الفرح المزيف يزين الشفاه وتتربص كلمات عند ضمة الشفتين تكاد تنطلق ويكبحها الأحباب . حين عادها الجراح للمرة الاولى بعد الجراحة لم يقل ولم يفعل غير ذلك لكنه في الزيارة الثانية بدأ يلوح ويلمح الى شيء آخر والى جراحة اخرى وفي المرة الثالثة أفصح بأهون الكلمات انه يريد أن يفتح الجرح ثانية لأنه في شك من أمره . كان الرضا يعمر صوتها وهي تجيب : كل ما يأتي به الله طيبُ .

الأيام تترى والكل في ارتباك وهمٍّ وتردد وكانت نتائج الفحوص تبشر بالخير غير إن الجراح ظل يهز برأسه مصرا على فتح الجرح تارة اخرى قائلا انه لم يستطع أن يفعل ما يريد لأنه تفاجأ بما وجد داخل الجسد وكان عليه أن يستأذن ولي الأمر والمريض بما يريد أن يستأصل من أحشائها أيضا، ولم يكن قد أعد للأمر عدته، ذلك أن الجراحة الاولى كانت ضرورية وآنية لإنقاذ المريضة ليلتها .

ونظرا لتبلبل آراء الاسرة وترددهم فقد طلب فحوصا متعددة ودقيقة اخرى . وبعد عناء وإصرار منه أخيرا حصل على مراده فوافق الجميع على جراحة ثانية، استأصل الجراح فيها ما طاب له من أحشائها واستيقظت منها المريضة بعين ثالثة ترقد في جنبها الأيمن تنز أقذار الجسد بكثافة. كان عليهم أن يضعوا لها أكياسا من نوع خاص تتلقى القذارة غير إن جسدها العنيد رفض الأكياس كيسا بعد آخر ثم التهب محدثا هما جديدا كانت هي والعائلة في غنى عنه .

ولكن لا بأس فكل ما يأتي به الله طيب . التهب جلد بطنها - نصفه الأيمن فقط - التهابا مؤذيا وكانت فتحة التفويه ال (كلستومي) تنز وتنز وتنز ولا كيس ليلتقط ما تفرز بل كانت تنظف بأساليب شتى من وحي الحاجة تخترعها القائمات على رعايتها - جزاهن الله عنها خيرا - حتى جاء الفرج بعد عدة أسابيع تدريجيا بتقلص الفتحة حدا يقارب الضمور . ثم قام الجراح بإغلاقها ولكنها أبت الا أن تكون مشاكسة وأبت الا أن تحدث ضررا بعد آخر . انفتح الجرح من جديد لشدة التهاب جلد البطن وتطلب عناية طبية فائقة. وأخيرا انضوت ال (كلستومي) في حفرتها قبرا لحميا منغرسا بعمق في جنبها الأيمن يذكرها بما حدث .

***

سمية العبيدي

 

جميلة بلطي عطريالمرآة الباهتة المعلّقة على الجدار المتآكل تُخاتل الحزن السّارح في وجهها كلّ صباح، تُزيّن في عينيها القسمات المتعبة، تزوّق الأخاديد محاولة ثني شيخوخة مبكّرة تغزو المحيّا، تلك الفرشاة تحزم أمرها، تتسلّل عبر المسامّ المرهقة حتّى تصل الشّفتين، هناك ترسم شبه ابتسامة، فمٌ مائل تضيع ملامحه بين الحيرة والدّهشة، ذكرى صورة قديمة تطفو على السّطح كلّما وقفت أما هذه المرآة . تمدّ يدها، تمسح بطرف ثوبها البلّور الغائم، يا لهذا الضّباب يعمّي الصّفحة، يفتكّ منها البريق عنوة . تفرك و تفرك ثمّ تعيد المرآة مكانها . في حنجرتها يتدافع الكلام لكنّ الغصّة الدّفينة تكتمه، ذكرى أمّي،  ملامحي وهذه المرآة قصّة العمر يرتشف نفحات بركة سرمديّة، يعقدها كلّ يوم على صدر العناء فيضوع بخور الصّبر بل تتفتّح في الخاطر براعم واعدة تهوّن مشقّة اليوم الجديد.

ما أروع هذا الإحساس الذي ينتابها وهي تحسّ أنّها عانقت الطّيف، أمّها الغائبة الحاضرة وأسقطت أحمال الدّنيا عن مرآتها، صديقتها وكاتمة أسرارها.هذه المرآة تحوّلت أسطورة في ذهنها، طريق الصّراع من أجل البقاء.

هذا الصّباح وهي تمارس طقوسها اليوميّة أحسّتْ خلفها حركة غير عاديّة ثمّ دمدم صوت: هاتي ...مرآة وتجمّل ؟ ما أغرب هذا . من أنت ؟ لعلّك الجوكندا تبهر المرايا فتشتهي أن تعانق صورتها . منْ أنتِ أيّتها الشّقيّة تضيّعين الوقت في ما لا يعني بينما الأعمال تنتظر، تحرّكي أعدّي الحمار والعدّة، يومنا طويل بل يومكِ وجني الزّيتون يحتاج العزيمة، تحرّكي وإلّا...

أعادت المرآة مكانها وهمّت بالمسير في صمت جنائزي...أمّي سأكون كما تريدين أنا الصّبورة، كاهلي معبر الجور وقلبي حوض ينطفئ فيه منجنيق الغضب . مدّت ساق العناء وتوكّلت لكنّ صوتا معربدا لاحقها،انفجار اهتزّ له كامل جسدها. التفتت فرأتها، مرآتها، تتطاير جذاذا يغطّي الأرض الصّلبة.أحسّت أنّ قلبها انتزع من موضعه، اضطربت ساقاها وكادت تقع، همّت بالصّراخ لكنّ الصّيحة ماتت على شفتيها، تمتمت في ذهول أمّي، أمّي ثمّ صمتت . هي تعلم ما ستكون النّتيجة لو تكلّمت. هذا الجلف لا يحسن التّحاور بل لا يعرفه، إنّه مجرّد عصا غليظة تنهال على الظّهور كلّما أحسّ اعتراضا، هذا الجلف زوجها الذّي افتكّ منها كلّ شيء حتّى لسانها فما عادت قادرة على النّطق أمامه.

قال: لِمَ توقّفت ؟ تكاد الشّمس تبزغ وأنت بعدُ هنا، لعلّكِ تريدين أن يضيع منّي اليوم أو تطمعين في أن أجلب لكِ المعاونين، يا خيبتي فيك، لقد غرّر بي مَنْ دلّني عليك . قال: هي يتيمة وعاقلة وخدومة وستجد فيها كلّ ما تطلب وها أنتِ تقفين أمامي والنّهار ُيسابقني إلى ضياع الوقت والمال.

لمْ تدرِ ماذا حلّ بها، إحساس وحيد انتابها في تلك اللّحظات وهي ترى مرآتها، أمّها، متناثرة على أرض الغرفة، أحسّت أنّ شيئا يُسمّر ساقيها، يشلّ حركتها لتسري من الأرض صرخة تتلبّس بشريانها ثمّ تحتلّ كامل جسدها، حرارة تتكوّر كما كرة الثّلج ثمّ تتحوّل عند شفتيها بركانا هادرا.صّوتا جامحا بكلّ ما فيه من عذابات الأيّام، من الصّبر المهدور تحت سنابك الطّاعة المقيتة، ذا ك الخوف الذي دجّنها وسلب منها إنسانيّتها.

رمقته بعينين تتطايران شررا ..ماذا تريد منّي أيّها ال...جحظت عيناها وهي تسمع صوتها مدوّيا لكنّ قلبها اهتزّ . مازلتُ حيّة، نعم مازلتُ...ارتجف جسدها، قشعريرة انتابتها لم تجد لها تفسيرا أ تراها الفرحة، الغضب أم الخوف ....هي تعرف ردود فعله التي طالما عانت منها كلّما نبست بلفظ لكنّها تمالكت...لن أخافك بعد اليوم، هذا اليوم الذي فقدت فيه نافذتي الوحيدة، مرآتي، ملامح أمّي التي تعيدني إليّ في كلّ مرّة فأشعر أنّني بعد قادرة، أنّني إنسانة..

نظر إليها في استغراب وعقد جمعيه استعدادا للهجوم لكنّ صوتها ازداد ارتفاعا، حذاِر أن تتقدّم خطوة، اليوم انتهى زمن العبوديّة وأنتَ تراني الآن خارج الحياة، خارج قبضتك، مجرّد شظايا موزّعة على الأرض ...ما عاد يهمّني شيء، لا أنت ولا قوّتك ولا هذا البيت الذي يدّعون أنّه ملاذي وستري، اليوم سأنبذ كلّ المقولات التي ارتهنت شخصي وضعتُ بسببها في دوّامات الطّاعة العمياء فضاعت منّي إنسانيّتي وذابت شخصيّتي تحت سنابك قهرك، لقد حرمتني مِنْ كلّ شيء، أمتّ فيّ كلّ شيء، حوّلتني إلى آلة تُبرمجها كما يحلو لك، نعم تفعل فِيّ كلّ ذلك وأنتَ مطمئنّ . ألم يقولوا لك إنّها يتيمة، وحيدة، مقصوصة الجناح وستكون بين يديك عجينة طيّعة تشكّل منها ما لذّ وطاب وقد كنتُ فعلا كذالك بإرادتي وقد توهّمتُ أنّني في يوم من الأيّام سأوقظ فيك الإنسان، توهّمتُ أنّ العشرة تولّد الحبّ وأنّك ستحبّني عندما تكتشف مزاياي، نعم أنا اليتيمة علّموني قبل الرّحيل أن أكون عاقلة صبورة وأن أتناول الأمور بالحكمة، أن لا أتسرّع وأن تكون ردود فعلي مدروسة حتّى لا أخطئ وأندم لكنّني اليوم تيقّنتُ أنّ الحكمة لا تنفع مع الجاهلين وأنّ الصّبر يلفظ أنفاسه في رحاب العسف والضّيم .

اليوم ستراني كما لمْ ترني في حياتك. اليوم أكسرُ أمامك القمقم،أطلّقُ العبوديّة وأتحدّاك بعد أن نفضتُ يدي منك أيّها اللعين الأحمق، ما تخيّلتني يوما أتحدّث بهكذا لغة لكنّك أجبرتني وسرتَ إلى حتفك بظلفك، أنا المرآة المشروخة سأكون عذابك في الدّنيا ومصيرك في الآخرة . تأمّلني جيّدا واستمعْ: لا ضعف ولا ذلّ بعد اليوم، تمعّنْ سترني عنقاء تنفض رماد الموت وتضرب بالجناحين لتُطلّق قفص الاستعباد.أنا المرآة المشروخة سأجمّع رذاذي المتناثر، أنظمه عقد عتق وأبصم عليه: أنا الأنثى الحرّة أضحّي من أجل إنسانيّتي والحرّيّة.

فغر فاه كمن سقطت عليه صاعقة من حيث لا يحتسب، كوّر جمعه وحاول التّقدّم لكنّ ساقه المغروسة في الدّهشة حالت بينه وبين الحركة في حين نظرت إليه شزرا والشّرر يتطاير من عينيها ثمّ عانق بصرها الشّمس البازغة ومدّت الخطو تستقبل مولدها الجديد .

 

جميلة بلطي عطوي

 

محسن الاكرمينحدثنا شيخ محلة جماعة مكناس قال: عقدت نذرا نذرته على ذمتي، ومشيت سعيا للوفاء به ثلاث سنوات، لكنه بقي قولا مملحا، و قرص دواء مسكنا، بطعم مقولة (مات وفي نفسه شيء من حتى...).

 ليلة، اجتمعت عصبة الأغلبية في حلقة حلم منام دورة . فكان يا ما كان حضور قاضي القضاة فوجد الرَهط كثر، وهم في نزاع بين مرغد ومزبد، قال: من منكم شيخ المحلة، فقام القصي في مرمى عين الجلوس، الطامع في ترقية وفية، فقال: أنا موجود و أفكر بالصوت العالي. قال: آخر، من قرب رأس موضع وعد النذر لا، بل أنا ويدي لم تكف يوما عن رفع المساندة والدعم.

حين تكلم القريب ولملم القول، عرف قاضي قضاة من تحريك اليد علوا، واستعمال أصبع تحية الشهادة بيانا سليما على المقارعة والبرهان، أنه هو الإسم الواعد بنذر تنمية مدينة وساكنة. قفز المشاكس في اليسار وأخذ نقطة نظام و قال، وما نحن هنا بفاعلين؟، هل جئنا لنتجاذب المذاكرة واللغو في الكلام؟، هنا تفتحت العيون للإنصات والمشاهدة قبل الأذان، وبدا نقل شكاوي ساكنة بالمباشر، وقاضي القضاة يحصي الصغيرة قبل الكبيرة . أنهى نقطة نظامه، وما كنا بحلم الأمل مفسرين ولا ساكنين. قال قاضي القضاة: اهبطوا ليلا أرض الهوامش، واشهدوا على نجوم الليل مصابيح بدل الإنارة، ونالوا من الخوف خيفة، واستمعوا للناس حيطة، ولا تكونوا مثل الحلاج باع الدرهم واشترى الكينونة.

حين حدثنا شيخ محلة مكناس قال: قام قاضي القضاة وقوفا، ولملم كنانيشه لمًا، عقد على جبينه ألما حانقا،و على ملامحه بدت مدينة وساكنة في انتظار القطار. قال قاضي القضاة بكلام غير رضي: صه !!! لكم جميعا، لقد عجزتم عن بناء ورش الأفعال العاملة، واستعملتم حروف الجر هدرا لزمن التنمية و تسويقا لحلم يقظة، ونلتم حكم ما سد الخبر من أمل تنمية، وقصرتم في الحج إليها وطلب العون بالترافع، شغلتكم المشاكل الداخلية عن عمل تفعيل برنامج جماعة، فما الكرسي إلا جلد ناعم، ويتحرك من الأمام إلى الوراء. وما التسيير إلا أمانة منتزعة من صوت ساكنة.

فلما سمع الكلام شيخ محلة جماعة مكناس، وعلم منه الخطاب بالتشفير و المرموز، قال: لقد سمعنا حجتك ونقدك، فما لك إلا أن تقبل معذرتنا، وينال قلبك رفقا بنا، و تمن علينا عطفا وبراءة، فإن رأيت أن تحسن لنا، أمددنا وقتا من بضعة عشرة ثلاث سنوات، نحسن رؤية النجاح، وننمي التنمية زكاة، ونطمح بتحقيق بقية المكاسب.

قال قاضي القضاة بعد أن عرف بهذه المطالب، وقبل الالتماس المتكرر، موعدنا 2021 إن شاء الله، حينها انفض الجمع سلاما و أمنا و أمانا، ورفع شيخ محلة الجماعة الرأس عاليا وبسط يده للجميع.

هذه مكناس يا قاضي القضاة تعيش فاقة تنمية تفاعلية مع الساكنة، لا نبحث عن كيف كانت، ولا كيف أصبح شكلها وخابت صنعتها، بل أملنا في النذر السبقي والتزام أمانة الوعد. هذه مكناس يا قاضي القضاة تحتاج دعما فوق طاقة العادة. هذه مكناس يا شيخ المحلة تقول: لا تستمهلني كثيرا، وألتمس فتح تنمية حقيقية. 

 

ذ/ محسن الأكرمين.

 

نجية مصطفى الاحمديالأشجار تحتضر    

والغصن نام

دون مطر

*

الفراشات

رحلت مع الجمر الأول 

والعصفور الصغير

يدرب شفتيه

 على مص العطش

أمه التي حلقت بعيدا

لتأتيه ببعض الماء

باغتتها رصاصة القناص

قبل أن تنزل في البئر

*

السنونوة العاشقة

غادرها الحب

تلحفت بالصمت

وهجرت الغناء

*

الحسناء التي

كانت تلقن القمر

السباحة في البحر

غرقت في المحبرة

*

 الجندي الأخير 

اختار أن يغادر

ممتلئ بعيون الحبيبة

على أن يعود

 محملا بالخسارة

*

وحدها الشواهد

 تمد أعناقها

للريح

للفراغ

تشهد أن نبضا كان هنا

ولم يعد

*

هي السماء

تخدعنا في كل حين

تحتفظ بالسر 

وتتركنا لاحتمالات الرماد.

***

نجية الأحمدي

 

بن يونس ماجنوداعا ايها الشعر

يا صديقي البوهيمي

فلطالما تسكعت

وحملت أثقالهم

يا سيزيفي البطل

لقد خدعوك بتفاهاتهم

وخانوا الامانة المنوطة بهم

هل تعلم أن البحر لا يهدر

الا اذا غدرت به الامواج

ولا يغضب الا اذا خانته

الحيتان مع حورياته

والافاعي لا تعض

الا اذا وخزت جحورها

واذا عطش السراب

فانه يتودد الى رذاذ المطر

واذا لهب العشق الوردة

فانها تلجأ الى الفراشة

رغم حماقاتها مع نور الشمعة

*

يا صاحبي لقد رأيت النور

في الدهاليز المظلمة

وترعرعت بين الاشواك الدامية

قاومت كل الحداثات

لقد اغتالوك على منابرهم

وخنقوك بامسياتهم

دخلو اجواءك

دون استئذان

فوضعوا أقدامهم

على حقل من الالغام

ووضعوا الشوك المدمي في بحورك

وفي دواوينهم

قطعوك اربا اربا

*

وداعا أيها الغجري

الحائر بين ملائكة النعيم

وشياطين الجحيم

هل تعلم انهم يرقصون

على مزامير الملحدين

ويشيعون جثمانك

في محافل المخمورين

ورغم ذلك كله

فمن غرف من بحورك فهو ثمل

ومن دخل ابياتك فهو أمن

فلا تضجر من المجانين

لقد كذبوا ولو صدقوا

ودع الالهام وحده  سينصفك

**

بن يونس ماجن

اديب من المغرب مقيم في لندن

 

محمد ابوبطهجاءت حزينة علي خديها آثار الدموع ونظرت في انكسار قائلة:

- اشعر بالذنب تجاه أحد الأصدقاء

قال: هل يمكنك التوضيح أكثر؟

جلست وهي تنظر إلي الأرض ثم رفعت رأسها ببطء شديد وقالت بصوت خافت:

- سأحكي لك كل شيء

اومأ لها برأسه كي تزيح عن كاهلها هذا الهم الثقيل وبدأت تروي قصتها:

- أنا مثل آلاف النساء علي الشبكة العنكبوتية يثير هؤلاء الأشخاص الذين يتسمون بالوسامة والثقافة شهيتنا في التعرف عليهم والإيقاع بهم في شباكنا ! وكلما زاد عدد من نوقعهم نزداد فرحا وطربا!

تعجب من بدايتها وهز رأسه فقد اتفقت معه ألا يقاطعها حتي تروي القصة كاملة وله حق إصدار حكمه عليها كما يشاء في النهاية!

واصلت سردها قائلة:

- فأرسلت إلي أحد هؤلاء طلب صداقة فقبلني كما تعودت من الآخرين، كنت اضع منشورات عاطفية جدا ومعها صور أكثر رومانسية! كان يسجل إعجابه بحروف راقية أثارت فضولي أكثر! فقررت أن أبدأ خطة الإيقاع به! فنشرت منشوراً حزينا فحدث ما توقعته واتصل بي علي الخاص وقد بدأ كلامه بالاعتذار عن اتصاله علي الخاص ولكنه يريد الاطمئنان علي حالتي! شكرته علي مشاعره الانسانية العالية وأخبرته أن الأمر مجرد منشور وأنني سعيدة وأضحك! شعرت بخجله وشكرته ثانية فودعني بأسلوب راق.

واصل تعليقاته علي منشوراتي ولكنه لم يتصل بي علي الخاص ثانية فاتصلت به أنا! وكانت المرة الأولي التي ابدأ في الاتصال بصديق علي الخاص!

رد بأناقة وأدب وبدأ حوارنا وسألته عن مهنته وعمره وحالته الاجتماعية اجابني علي جميع الأسئلة وعندما سألني عن عمري كذبت عليه وأخبرته عن عدد سنوات أقل من عمري الحقيقي !فسألني عن حالتي الاجتماعية فكذبت عليه للمرة الثانية وأخبرته أنني فتاة ولست متزوجة!

لم يندفع في كلامه ولكني كنت بدأت خطتي في الإيقاع به! فلم تمر أسابيع قليلة حتي أخبرني أنه معجب بي وبشخصيتي وثقافتي فبادلته الكلمات وطلبت منه أن اسمع صوته فأرسل لي رسالة مسجلة فأسرني صوته! صوته يحمل الكثير من الانسانية والشاعرية والجمال، فقلت ربما يمثل في التسجيل فطلبت منه تسجيلا آخر بدعوي أن الأول لم يكن واضحاً!

سجل لي مرة وثلاثة حتي وجدتني أسيرة صوته فطلبت منه أن يطلبني مباشرة ويتحدث معي فتحدثنا طويلاً وانا استمتع بصوته !

ازداد إعجابي به فبدأت تعليقاتنا المتبادلة علي منشوراتنا تثير فضول الأصدقاء والصديقات! حتي اتصلت بي صديقة وسألتني هل بينك وبين صديقك هذا شيء؟ نفيت أي شيء وقلت مجرد صداقة! ولكنها لم تقتنع ولم استطع أن أخبرها عن شيء ليس له وجود!

بادرني أنه أحبني فلم استطع الرد عليه وهربت منه مرة ومرات حتي أخبرني أنه سينسي أي شيء وسأظل له صديقة غالية وانقطع عني فجننت ! لم أكن أحبه هذا الحب الذي يقصده ولكني كنت لا اتحمل بعاده!

وفي يوم قلت له أن لي ظروف خاصة و أنني أخفي عنه أشياء !

وكأنه كان يقرأ أفكاري فأخبرني أنه واثق أنني متزوجة وأنني أكبر من عمري الذي أخبرته به! ثم فاجأني أنه يعلم أنني لا أحبه ولكني معجبة به وبأسلوبه وكلماته ومعجبة أكثر بصوته! وأنه انتزع مني كلمة الحب تحت ضغطه وإلحاحه أن يسمعها مني ! ثم سألني عن إجابتي الواضحة فلم أرد عليه ففهم هو بذكائه بصحة استنتاجاته فقرر الرحيل!

نعم رحل في صمت ولم يقل أي شيء وهو الوحيد الذي رآني ورأي صوري ولكنه لم ينطق بحرف !

انقطعت تعليقاته علي منشوراتي فشعرت أن صفحتي لم تعد تتلألأ ! كان اذا علق علي أحد منشوراتي يشعر اصدقائي بالغيرة منه فتزيد تعليقاتهم حرارة وكأنهم في سباق معه ولم يكن يهتم بهم فقد كانت ثقته بنفسه تعجبني!

توقفت لحظة ثم قالت:

- شعرت بالحنين إليه فاتصلت به وما أن سمعت صوته حتي شعرت بقلبي يدق ولكني أخبرته أنه مشغول بحبيبة وذكرت لها اسمها!

ضحك واقسم أنه لا يعرف أي صديقة بهذا الاسم واكتشفت أنه لا يعرف حتي أسماء صديقاته! قلت له إنني احبه ! شكرني علي المجاملة وأخبرني أنه لا يكرهني وأنني صديقته المفضلة !

شعرت أنني أصبته في صميم مشاعره وأخبرني انه سيسجل لي صوته لأسمعه!

وفي بوعده وكلما اتصلت به ترك لي رسالة مسجلة لأستمتع بصوته!

ابتسم وهو يسألها:

- هل وقعت في حبه أخيراً؟

سارعت بالنفي ولكنها قالت :

- اريده أن يبقي معي وحدي ولا يعرف أي إمرأة اخري!

ابتسم وهو يقول:

- إنك تطلبين المستحيل! فهذا الشخص لا يمكن أن يقبل بذلك ! فإما الملك بدون منازع أو يغادر مملكتك رافعاً رأسه في شموخ.

***

(قصة قصيرة)

بقلم:محمد أبو بطه

 

نور الدين صمودإلى: روح الشاعر:

 غازي القصيبي (*)

خَلـَّى دُنا الشعر ِ في السبعينَ، وارتحلا َ

              وكان بالشعر طول العمْرِ محتـفِـلا َ

في عالـَم الشعر قَضَّى العمْرَ منـتشيًا

              مثلَ الفَراش على الأزهار منتـقِـلا َ

 وكان دنيا منَ الأشعار ما فـتِـئـتْ    

                في قلبِ كلِّ حـزين تبعـثُ الأملا َ

تـَـراه مـبـتـكِرا حـينا، وآونـة ً

                   تراه مـحـتـذيًا أشـعـارنا الأوَلا َ

 وظـَلَّ يَـسبح في البحرين دونَ وَنـًى

              كالسّـندباد طـوالَ العـمْـرِ مرتحـلا َ

 يخوض أبحُرَ شعْـرٍ والنجوم بها

          كلؤلؤ البحْــرِ في الأصداف مشتعــلا َ        

ومَنْ يكنْ شعرُهُ كالدرِّ في نسَـق ٍ

            جـازتْ قصائـدُهُ الأقطـارَ والـــدوَلا َ

 سَـلِ "الجزيرةَ َ" عنه فهْـو شاعرُها

              يُطارد الحـزنَ، والآلامَ، والوَجَـلا َ

 وتـعـتـلي باسْمِـهِ آدابُ أمـتـنا

               ولـم نـَجـِدْ للـذي قـــد قـالـــه بـدَلا َ

 ولـم تـَـزِنـْـهُ وزاراتٌ وأوسِـمَـة ٌ

                بل زانها بالذي أنـشا وما عـمِـلا َ

* * *

في "تونسَ الأنسِ" ظلَّ الشعرُ يَجمعنا   

            إلى الصباح وظل القلب مُنْـشغلا َ ...

بِــصَــيْد قافيةٍ مثل الغزالة ِإنْ

              فَــرَّتْ أمامَ غــزالٍ يتــُـقِــنُ الغزلا َ

فـَكِـدْتُ أغـْرَقُ في شعرٍ له مُقَـــلٌ

           مثـلَ الأزاهـرِ إذ تستأْسِــرُ المُـقَــــلا َ

وراحَ يُـسْمِعُني شعـرًا وأُسْمِـعُـهُ

               وكان قلبي بأحلَى الشعر محتـفِـلا َ 

واهتـزَّ مَجلسُـنا مِن روعةٍ تَــركتْ

              في كل قلـْبٍ رنينـًا يَـبْعثُ الجَـــذَلا َ

 وظـلّ سمْـعِيَ منه ساهرًا طـَربًا

                وراح منـه فـؤادي ساهِـمًا ثـَـمِلا َ

ولم تـزل منـه تأتـيـني روائعُـهُ     

             مثلَ العرائِسِ جاءت تكتسي حُــللا َ

وبعـد عمْـرٍ طويـل كان يرسل لي

        فـيه "دواويـنـَـهُ" ممــلـوءة ً غــــزلا َ...

في حب كلِّ جمال في الوُجودِ بدا

            كروض وردٍ  بماء المُـزْنـَة اغتسلا َ

(طـوَى الجزيرة حتى جاءني خـبرٌ)

              قد رَجَّـني حينَ قـالوا: إنه ارتـحلا َ

وَمُذْ نآى عن رياض الشعر رُحْتُ على

            دنيا القريض أُديمُ الحُـزْنَ والوَجَــلا َ

وليس لي من عزاء في الفراق سـوَى   

              شعرٍ ٍبَدَا لي بدنيا الخـُلـْدِ مُــتـَّصِلا َ

لَدَيَّ منها نصوصُ كدت أجعلها

           فصوصَ خاتم ِ مًنْ بالشعر قد شــُغِلا َ

بخطه كُــتِـبَـتْ فافتــرَّ مَـبْـسمُها

          لكنها، في الهوى، لم تتركِ الخــجــلا َ   

وهو الذي، بالذي قد صاغ من دُرَرٍ،

            أثـْـرَى دُنا الشعر بالأشعارِ وارتحلا َ

كمُخـْـرجِ اللؤلؤ اللماع من صَــدَفٍ       

            قد كان بالشعر طولَ العمْرِ محتـفِـلا َ

 ولام كالمتنبي ســيـفَ دولتـِهِ

               ولم يكُـن في الذي قد قالهُ وَجـِــلا َ

فلـْيَـسْـعَــدِ اليوم في دار الخلود فقد

         خَلـَّى دُنا الناس، في السبعينَ، وارتحلاَ

وكان دنيا منَ الأشعار ما فـتِـئـتْ    

                   في قلبِ كلٍّ تـراهُ يبعـثُ الأملاَ

  ***

تونس/   د. ص : نورالدين صمود

 .........................

تنويه:

*) الشاعر الصديق غازي عبد الرحمن القصيبي، عرفته أولا من بعيد ثم جمعتني به سهرة أدبية في تونس قرأنا فيها الشعر إلى ساعة متأخرة من الليل مع نخبة من المثقفين، ولم ينفك بعد ذلك يهديني دواوينه منجّمة ومجموعة، وقد استعان بي في اختيار "أشعار المغرب العربي الكبير" ليترجمه مع نماذج "لشعراء من المشرق العربي" إلى الإنكليزية، وقد قامت بصياغة تلك الأشعار صياغة شعرية الشاعرة الأسترالية "آن فربرن" "ANNE FAIRBAIRN " إلى الإنكليزية وقد نشر سنة 1989 في أستراليا بعنوان "الريش والأفق" "  Feathers and the horizon".

 

صحيفة المثقفتلتف البوابة حول نفسها كالحلزون

يدخل كرشٌ

وعند الباب

تقف لحمايته بندقيتان محشوتان..

معدتان للأطلاق..

تعتليهما جمجمتان فارغتان..

لا أحد يحتج على الإطلاق..

الكرش يخرج مثقلاً

وبحقيبته خمسة مليارات

كي يتبضع عبر الحدود

لا قيود ولا جنود

يطير الكرش ويعقد صفقات

منها بمستندات

ومنها بحقائب محمولة

تتسرب إلى جهة مجهولة

يعود الكرش

بعد إنجاز مهمته

وتعود بضاعته

ولكن أين هو باقي التحويل؟

الكرش، يعلن لا يدري

وهو يدري، موكول بتحويل الباقي

لجهات مجهولة

لكنها معلومة

هذا كرش واحد، دخل بابًا حلزونيًا

وخرج، ثم طار وعاد

فكم كرش ذهب ومكث وحول وعاد ؟

يا أأأأللــــــــــــه ..!!

***

د. جودت صالح

6/01/2019

 

فتحي مهذبلأن ليلي يد مقطوعة في فم ثعلب نافق..

لأن أصابعي مغرورقة بالدموع..

تحاور (جدولا يعاني من الجنون)..

لأن دمي يتدفق في شرايين

الكلمات..

والريح مثل قلب يدق أمام مومياء

تسحب باخرة بأسنانها الصدئة..

لأن في مرآتي الحائطية

ضجيج أسرى من العصر الوسيط..

زعيق طاووس ..

يدعو مخيلتي الى جناز كوني..

قرقعة عربة تحمل كهنة

مدججين ببنادق صيد..

صخب موسيقيين

هاربين من زلزال يتظاهر

أمام دار الأوبرا..

لأن العالم فخ أبدي

والبشر عصافير طائشة..

لأن الليل والنهار مهرجان خطيران..

لأن السماء شقيقة الأرض

لذلك حين تنتشر المجاعة والحروب..

تبكي في الشتاء مثل أرملة..

لأن أيامك الهاربة

تقفز مثل كنغر

في غابة موحلة..

مدججة بالكبريت والهواجس..

يطاردها هنود حمر

بمناطيد غزاة..

سيتكسر زجاج ذكرياتك

على حجر الزقورات

ويندلق دم المعنى .

***

لأنك تحب زئير الشرفات..

وتشذيب نتوءات النساء

بمنجل..

وتبديد عطور الروح

في حفل وثني..

واعتقال متصوف

يطير بدراجة هوائية

فوق رؤوس الأشجار..

ستداهمك عاصفة كلمات

وتدمر كل رعاياك السريين.

***

لأن عينيك مهددتان

بغيمة خفاش..

وصوتك منذور للنسيان..

وحمامتك تتخبط

أسفل شجرات النص..

ملطخة بتبر الندم..

ومرآتك تختزن حطابا متواطئا

ضد غصون كتفيك المتلعثمتين..

سينطفئ عباد الشمس

في نبرتك الحزينة..

ويسامرك نيزك

مقطوع الذيل .

***

لأنك جثة قادمة على مهل

تتحسس قاع الهاوية..

حيث يتغنى أهل الكهف..

وتدور عليهم ثعابين مهذبة

بكؤوس من فخار الموتى..

سيرشقك جباة ضرائب

بفواكه متعطنة..

تنساب دموع الكلب الرابض

بالوصيد..

لتضيئ مخيلة الراعي..

ويكون لشقشقة مفاتيح الروح

ايقاع كروان في الأسر .

***

لأنك رخ  في الليل..

ومجرد دخان عابر

في النهار..

لأنك رسول أنيق

يهيب بخفافيش محنطة

الى شن مظاهرة

في برج النار..

ستبايعك تماثيل معارضة

اختلسوا رواتبها

في حرب قذرة .

***

لأنك مهجوس بعطارد..

عيناك لا تنطفئان في غلواء

العتمة..

روحك الشاهقة جدا..

تهاتف فلكيين..

يبكون جوار كوكب رأسك..

لذلك ستحط بلابل ملونةعلى كتفيك..

وتنكسر جرار الأسرار .

***

لأن الموت قناص ماهر..

لأن الديانات مثل فواكه جافة..

لأن الله يسكن في رأسي..

لأن الجسد لص متحيل..

تلاحقه ديدان الأرض..

والشيطان يتمدد في الكلمات..

لأن العالم انجاز سيئ..

ومنحدر صخري

مكتظ بالأضداد..

لأن العدد وحشة..

والغابة أنس ..

سأفر الى شجرة ..

مثلي تعاني  من

وطء السهو وكوابيس النوم..

ولاجدوى الأشياء

وتموت ببطء .

***

فتحي مهذب

 

صبيحة شبرلم أفهم يوما كيف تفكر النساء؟؟ تجد الواحدة منهن هادئة، لطيفة،، حيية،، وإذا بها تنقلب فجأة لأمر يبدو تافها، وتصبح نمرة شرسة، ولبؤة لا تستطيع أن تمسك لها اللجام، لم يمنحني الله شكلا لطيفا، استميل به قلوب الجنس اللطيف،، ولم امتلك قدرة على قول الكلام المنمق اللذيذ،، التي يقولون أنها تستهوي النساء، وتجعل أعناقهن تميل، كما إنني ومنذ ولادتي كنت فقيرا معدما، خائبا، غالبا لااستطيع معرفة كيف يكون التصرف الصحيح، ولا أتمكن من التمييز بين الجد والهزل، وقد منحني الله شكلا يعبر دائما عن شعور باللامبالاة، جعلني اظهر أمام من يعرفني،، ويجهلني أنني لا اهتم بشيء من الأشياء،،التي تحدث من حولي،،

 أحببت نساء عديدات،، لا اعرف كيف أجد نفسي واقعا في الحب، ما إن تبدي إحداهن عطفا نحوي، حتى أجد نفسي متيما بحبها،، أذوب عشقا وهياما، وكل النساء اللواتي أحببتهن، لم تلتفت إحداهن لشخصي، كنت أقوم مسرورا بما يكلفن به من واجبات،، البحوث الأدبية كنت أقوم بكتابتها سعيدا، لان واحدة من ذلك الجنس الساحر،، طلبت مني ان اكتب لها، تأخذ هي النجاح الباهر لجمال كتابتها، دون ان أتمكن انا من الكتابة لي،، بالشكل الجميل الذي اكتب به للنساء، تأتيني الحسناء، او من كنت أطلق عليها هذا اللقب، لجمال أراه فيها،، ولا يشاركني احد في هذه الرؤية،،تأتيني الواحدة منهن مرحبة، وتحدثني بقصة تسبب لها لوعة، إنها تعجب بأحد أصدقائي وتهيم به حبا، دون ان يبالي بها، يجدن عندي الثقة والاطمئنان،،فلم افش لواحدة منهن سرا، وهي تسمعني حكايتها، أحيانا تسرق الواحدة منهن المتعة بين أحضان رجل مرتبط، وأنا أقوم بالمحافظة على سرها،وكنت اجد الواحدة جريئة،، لا تتورع عن إعطاء الحبيب أي شيء يريد دون تفكير بالعواقب، لم أحدث إحداهن برأيي وان كنت احرص على المحافظة على ثقتها بي، لماذا استنكر تصرفا جريئا من إحدى النساء؟ والرجال عادة يقدمون على تصرفات أكثر جرأة،، واشد مدعاة على الاستنكار؟ وكيف نطالب بالمساواة بين الجنسين ونحن نستكثر على المراة ان تقوم بالحب عمليا، وليس نظريا كما هو المألوف

حدثت النساء عن حبي لهن، واهتمامي بهن، وكنت أتمنى ان تبادلني إحداهن شعوري وتعاملني بالمثل، كن يضحكن حين يستمعن الى اعترافي لهن بالحب، نتعالى القهقهات من أفواههن بصوت عال ويقلن لي :

- نحن أصدقاء، دعنا نبقى أصدقاء

كنت أتساءل عن السر الذي يجعل الواحدة منهن تقدم على الحديث،، بكل ما تقوم به من أعمال وهي حريصة على الا يعرف احد بالأمر، خبأت في نفسي ما أراه منهن من جبن،، وعدم قدرة على مواجهة الأمور، انا مثلا ان قمت بمثل هذه الأعمال سوف افتخر بشجاعتي،، وأنني مرغوب فيه من الجنس اللطيف، ولكن كيف يمكنني التحدث وكل واحدة اعبر لها عن حبي،،تقول لي بعد ضحكتها المتواصلة

- نحن أصدقاء

صديقي حسام مثلي تماما، وان كان أكثر مني وسامة وغنى،، واقرب الى قلوب النساء، فهو خبير في قول الكلمات الجميلة،،التي يستطيع بواسطتها،،ان ستميل قلوب الحسناوات،، ويتصرف بمهارة تعجب المرآة عادة، كان يدعها تسير أمامه مثلا،وان يسرع بفتح السيارة لها، ثم يدور تلك الدورة الطويلة ليركب هو من بعدها، او يحمل هو الاغراض التي تقوم المراة بشرائها حين تذهب الى التسوق، انا لااجد هذه الأمور مجدية، لماذا اخبيء رغبتي الحقيقية داخل نفسي، لماذا ادع المراة تسير أمامي وهي التي تطالب بالمساواة، لأدعها تسير خلفي مرة،،وعلى يميني مرة وثالثة على شمالي، هذه الأمور لا تستدعي الاهتمام،،ان كانت المراة صادقة في دعوى المساواة،،سوف لن ترضيها هذه التصرفات،،التي يقوم بها بعض الرجال عادة،وأنا حريص على تبيان الجانب الجاد من شخصيتي، الم يقولوا إن المراة تحب الرجل القوي الذي يريها العين الحمراء

ورغم صداقتي للعديد من النساء فانا لا افهم المراة وأستطيع ان أبين هذا العجز عن الفهم لم لا ؟؟ رجال شجعان أفذاذ عبروا عن رأيهم،، بان المراة مخلوق غامض، مع ان الله قد وهبهم الصفات الجميلة التي تعشقها النساء، ولم يجعل حياتهم تخلو من الحب الجميل مثلي، أنا من يتظاهر بالمرح والرضا من حالته وقد منحني الله،،شكل محلوق غير آبه لشيء، أتظاهر بالفرح والسرور،، وكأنني مهرج يقوم برسم ابتسامة السعادة على وجوه المتفرجين، أثير الضحك بقصصي التي لا تنتهي والنساء يثقن بي، لكن ما ان اعبر للواحدة منهن عن ولعي بها، حتى تنطلق تلك الضحكة المجلجلة، ثم تقول

- نحن أصدقاء، دعنا نظل أصدقاء

استمرت حياتي هكذا، أتبادل الضحك والابتسام، احكي النكات التي تثير الضحك المقطع للأنفاس، حتى تعرفت عليها، أحببتها كعادتي مع كل امراة تقع عليها عيناي، كانت على النقيض مني تماما، جميلة وأنيقة وتحسن الحديث، ظننت انه يمكنني ان أحدثها بحبي وهيامي، وأنها المراة الوحيدة في حياتي، لتنطلق تلك الضحكة التي ما وجدت لها تفسيرا

- نحن أصدقاء،، لنبق أصدقاء

وتظل تحدثني كما الأخريات عن مغامراتها مع الرجال، ولكن الذي أثار حيرتي، وخلق لي المزيد من القلق،، أن تلك المخلوقة قد استمعت الى اعترافي بلهفة، وكأنها متعطشة الى سماع مثل هذه الأحاديث، وانها قد صدقت كما يبدو انها المرآة الوحيدة التي أحبها، وكيف يمكن ان تدرك إنني لا اعرف كيف احب ؟ وان من يحب الآخرين،،عليه ان يحب نفسه أولا

اكرر القول ان المرأة مخلوق غريب من العسير جدا ان نفهمه، ومن المتعذر الإلمام بكل الجوانب التي تكون تلك الشخصية،،اللطيفة والعنيفة والجريئة معا، وأنني من المحال ان أغير عادتي في عشق جميع النساء، فانا عاجز عن إرضاء أي امراة

***

صبيحة شبر

 

صالح البياتيبعد إفطار سريع، حزمنا حقيبة ملابس واحدة، وضعناها في صندوق السيارة، وإنطلقنا حتى توقفنا أمام  منزل موسى الكيال، خرج خادمه العجوز يحمل حقيبة جلدية صفراء صغيرة، يسير خلفه، ربطنا حقيبته على سطح السيارة، تبادلنا تحية الصباح، سألني عن أمي، قلت:الحمد لله، نائمة، لم نستطع النوم ليلة البارحة، نفحت خادمه شيئا من النقود، ودعنا، وكانت عيناه مغرورتين بالدموع، ثم توجهنا لبيت الحاج سبتي، وجدناه ينتظرنا امام منزله عندما توقفت السيارة ، صبَّحنا بالخير، كانت أبنته سيناء أثناء ترجلي من السيارة، قد خرجت تلك اللحظة، وقفلت باب المنزل بالمفتاح، وحيت أمي،  ففتحت عينيها التي غشاهما النعاس وردت تحيتها، وبعد أن تم وضع حقيبتيهما في صندوق السيارة، جلس الأب في الوسط، وكان بالباس التقليدي ويعتمرالعقال واليشماع المرقط باللونين الأبيض والأسود، وعلى يمينه جلس الكيال، في بدلة سوداء، وقميص ابيض بدون ربطة عنق، وفي حضنه كيس ورقي يحتوي ادويته، كان شعره ناصع البياض، ينحسر قليلا عند الجبهة، ولكنه لم يكن اصلعا، وقد تجاوز السبعين بخمس سنوات، وبدا لي عجوزا أكبر من عمره بعشر سنوات، وعند النافذة اليسرى جلست سيناء متلفعة بعباءة سوداء.

كنت في ذلك الصباح الرائق، أنطلق الى بغداد، للمرة الثانية  في غضون أربعة أسابيع، وبرفقة مسافرين ما كانوا معي في المرة السابقة، شعرت بأن السفر قبل طلوع الشمس، أشبه بمواصلة حلم لم تكتمل تفاصيله بعد، فغشاوة النعاس لا تزال تكحل العيون، المثقلة بوسن وخدر لذيذين، وعندما مرت سيارتنا أمام غرفة تجارة العمارة، كانت هنالك حافلة تنتظر التجار الميسانيين، كانوا يصلون تباعاً، كان البعض منهم يحمل حقائب سفر صغيرة، وهم لا يعرفون أنهم سيغادرون مدينتهم الى الأبد، كنت أقود السيارة، وبجانبي أمي شبه نائمة، وتاجر الأقمشة سبتي الزبون، يغالب النعاس في المقعد الخلفي، وسيناء تنظر من النافذة الجانبية، وشمس ربيعية دافئة، توشك على الشروق، وحينما اجتمعنا نحن الخمسة ذلك اليوم، كان ثمة عقدين بقين على أفول القرن العشرين، الشديد الاكتظاظ بالأحداث الهامة في تاريخ البشرية..

رأينا تجارا نعرفهم، يتوافدون على المكان، وفي تلك اللحظة، سمعت صوت الحاج سبتي، يأتي ناعسا ممطوطا، متسائلا:

- أستاذ نوح القضية فيها إنَّ!*

  تظاهرت أني لم أسمعه، منشغلا بالتطلع للبيوت وأعمدة شارع بغداد، تتراجع وراءنا على الجانبين، حتى عبرنا الجسرين، واستقبلنا الشمال قبلة المندائيين، التي يحرسها الملاك الأثيري أباثر*، بعد أن قطعنا شوطا من مسافة الطريق، أرسلت نظري الى أبعد مدى، تستطيع عيناي أن تراه، فتراءت لي جبال زاغروس في امتدادها البعيد، تبدت لي في تلك الساعة الصباحية، دخانا أزرقا متحركا كالغيوم، وفي الأفق البعيد المتواري خلفها، هناك أيران، الجارة الملتصقة بالعراق من الراس الى القدمين التصاقا أبدياً، وهي الآن عقدة نبوءة المندائي، والمكان الذي يريد سليم الخماش ابعاد أولئك التجار الميسانيين اليه، بعد أن يصادر ممتلكاتهم وكل ما يحملون من وثائق رسمية، ويحتجز أولادهم الذين يؤدون خدمتهم العسكرية، أوالذين تخرجوا هذه السنة من الجامعات، سألت نفسي، لا بد أن الكيال قد أخبر تاجر الأقمشة بفخ الاجتماع، الذي خُطط  له بدهاء، لجمع أكبر عدد من تجار المحافظات، لطردهم دفعة واحدة الى إيران، فكان ينظر لتلك الجبال أيضا، وربما يفكر في نفسه انه غدا أو بعد غد، سيكون هناك وراء تلك الجبال البعيدة، التي يتهمه سليم الخماش أن أجداده تسللوا منها كالأفاعي، التي كانت السيول تجرفها، في طريقها للسهول المنخفضة، حتى تنتهي بالقناطر السبع القديمة، التي لم يبق لها أثر. ومرة آخرى فرقع التاجر الصمت، بتساؤل آخر، ولكنه هذه المرة، كان صاحيا، وفي نبرة صوته أصرار عنيد على إيجاد جواب لتساؤله:

" هل أسأنا لأحد يا أستاذ نوح...؟!"

" لا أبدا.."

" لماذا إذاً يحقدون علينا؟!"

" لا أحد يحقد عليكم...  القضية كما تعلم، صراع سياسي، والناس لا ذنب لهم..  هم مجرد أكباش فداء، وقد تنجلي الأزمة، كما حدثت في عهد الشاه، وتتوقف سريعاً هذه الإجراءات التعسفية."

تدخل الكيال بعد أن سمع شخير أمي الضعيف وتأكد أنها نائمة.

" سليم الخماش، أوغر صدور الفقراء.. وأوحى لهم أن التجار العجم كما يسميهم، يمتصون دماءهم، وأنهم سبب فقرهم، والبعض صدقوا كلامه، سمعتهم يشمتون بالمسفرين ويقولون حيل بيهم* " 

" الفقر قضية اجتماعية، لا دخل للعجم او غيرهم  فيها."

" ظهر حقد الحكومة عندما  استبدلوا أسم سوق العجم القديم جدا، واختاروا له أسم جديد سوق العرب."

صمتُ، وتشابكت في راسي افكار شتى، تتدافع بالمناكب، تريد أن تسبق غيرها..

فمنذ ان أستبدل محافظ  المدينة ، أسم السوق  القديم، وغير ايضا اسم أقدم  محلة  تمتد على ضفة الكحلاء الشرقية (استبدل اسمها الماجدية  بالعروبة) أدركت الهدف: دغدغة مشاعرالبسطاء العرقية.. إذ ليست المشكلة بتغيير الأسماء واستبدالها بأسماء آخرى، لأن السوق تبقى سوقا، سواء كان اسمها سوق العجم أو سوق العرب، أو أيا كان اسمها، وكذلك حي الماجدية، حي كبير للكادحين، ولن تتحسن ظروفهم المعيشية بمجرد تغيير أسمه..

 أجبته:

" نحن كلنا ياحاج.. حكاما ورعية، مهوسون بالأسماء والألقاب الفخمة، والإضافات الجوفاء، التي تسبق أسماء الشخصيات، ذوي الشأن في الدولة أو المجتمع، وبهذه الطريقة نشبع غرورنا،  ونكذب على بعضنا.

" لم أفكر يوما اني إيراني وجاري عربي، جميعنا مسلمون ومحبون لأهل البيت، ونقوم بزيارة أضرحتهم كما يفعلون. فلماذا يريدون ان يفرقوننا!" اكتفيت  بكلمة " صحيح"

التفت الى امي، كانت نائمة أرخت شيلتها على عينيها الكليلتين، لكي تتقي ضوء الشمس، وعندما التفتُ للحاج سبتي لأرجوه أن يخفض صوته، كي لا يوقضها، كانت سيناء تنظر الى بساتين النخيل على إمتداد  نهر الدجلة، حولت تلك اللحظة نظرها، فالتقت نظراتنا لأول مرة، أنبهرت بجمالها الهادئ والبريء، ولكي أشغل نفسي عن التفكير بها، رحت أفكر بالخالة الدهلة التي تركناها وحيدة في البيت، وهي في أسوأ حال، قلت مع نفسي، إذا لم تنجح محاولتي في قضية مقبل، فسأجد وسيلة آخرى لإنقاذه، سأشرح قضيته لصديقي المحامي حنا حمد، وهو صديق قديم، هاتفته قبل بضعة أيام، لأخبره عن قدومي الى بغداد مع امي، رحب بي وعرض عليَّ شقته بالأعظمية، التي كان يتخذها مكتباً للمحاماة، وأخلاها بعد أن تفرغ  كلياً للمرافعة أمام محكمة أمن الدولة، ورفض أن يتقاضى مني أيجاراً، ولكني أقنعته بأن يقبل مبلغا معينا من المال، لقاء استخدامنا للماء والكهرباء والتلفون، وبعد أن تأكدت ليلة البارحة من سفر سيناء وابيها معنا، كلمته في نفس الليلة عن قضيتهما، أبدى استعداده للمساعدة، وطمأنني أن السكن في شقته سيوفر لهما آمانا تاما، فالمنظمة الحزبية في المنطقة، تعرف أنني اتخذتها نزلاً لأقاربي القادمين من تكريت، لتصريف أعمالهم في بغداد..

 هذا الترتيب الجديد لأوضاعنا أراحني كثيرا..

اما الآن فأنا أسافر مرة أخرى، على نفس الطريق، الوحيد، الذي يربط مدينتي الجنوبية، بوسط البلاد وقلبها النابض، بغداد، فقد قطعته في كلا الاتجاهين، مرات عديدة لا تحصى، وظل دائما يذكرني بدرب آلام المسيح، يؤرقني كلما سلكته ذاهبا أو آيبا..

وها أنا اليوم، أسافر عليه ومعي أمي التي انتكست صحتها، لتأثرها جدا بما حدث لصديقتها الدهلة، التفت مرة أخرى للحاج سبتي، وقلت:

" أمي  نائمة، ولكني أعدك يا حاج ، أني سأبحث لك عن أجوبة لكل أسئلتك، سأزور الكنز برا زهرون، الشيخ المندائي بعد عودتنا، وأسأله لماذا الخماش يكرة الناس، وأسأله أيضا لماذا يريدنا ان نصدق نبوءة الحرب، بينما هو في قرارة نفسه يكذبها..

 ضحك الحاج وقال:

" ربما نجد عنده اجوبة شافية عن كل اسئلتنا."

وقبيل منتصف النهار كنا عند جسر ديالى، توقفنا عند آخر نقطة سيطرة، فأشار لنا العسكري بيده بالتحرك، بعد أن ألقى نظرة سريعة على أمي النائمة، وبقية المسافرين، ها نحن على مشارف العاصمة.

" أستاذ نوح، نحن سنقيم في فندق ابن خلدون، هل تأخذنا اليه من فضلك؟"

قال الكيال ذلك بصوت مجهد، وقد أعياه وأمضه الجلوس الطويل أثناء الرحلة، حيث لم نتوقف إلا مرة واحدة في الطريق للراحة لوقت قصير.

" سنأخذكم اليه، أنا أعرف المكان، وسبق أن نزلت فيه مرارا، فندق مريح وقريب من غرفة تجارة بغداد"

وقبل أن يجيب الكيال، رفعت أمي رأسها وقالت:

" نوح يمزح معكم، ستقيمون معنا، المكان موجود ويسعنا جميعا، فلا تحملوا هماً، سنعيش كعائلة واحدة."

لم يمض وقت طويل حتى وصلنا، ركنت السيارة تحت العمارة، التي فيها الشقة، مكان هادئ، وقريب من كورنيش الأعظمية،  وذهبت لإستلام المفتاح حسب الاتفاق، من محل لبيع المرطبات في نفس العمارة، صعدنا للطابق الثاني، وفتحت الباب ودخلنا، كانت فعلاً، كما وصفها صديقي المحامي، مؤثثه، نظيفة جداً وحديثة، تحتوي على غرف نوم  ثلاثة وشرفتين، ومطبخ وحمام، وغرفة صغيرة مقفلة تخص المحامي، وبعد فترة استراحة قصيرة، ذهبنا لمطعم قريب، أكلنا وعدنا للشقة، تركت رفاق السفر فيها، وأخذت أمي لعيادة الطبيب، وبعد الفحص الدقيق للثدي، لم يقل شيء، وكان يرد على كل سؤال واستفسار أوجهه، بهزة من رأسه وبكلمتين يكررهما:

"بسيطة، ماكو شي.."

 عدنا للشقة، كنا صامتين طوال الوقت، لم تسألني عن شيء، استقبلتنا سيناء عند الباب، وقبلت أمي، وبعد قليل من وصولنا ذهبت أمي لتنام.

لا يزال أمامنا يوم آخر، حتى موعد إجتماع غرفة التجارة، غدا السبت، ولم يكن الوقت مناسباً لمفاتحة الحاج سبتي حول الآنسة سيناء، استطعت إقناعه التخلي عن الذهاب، أما الكيال فأصر، ولم يبدِ اي سبب مقنع على إصراره. كانت غرفة تجارة بغداد، خطة مدبرة، فخا، اغروا التجار بمنحهم إجازات استيراد، فكانوا صيدا سهلا..

قلت لأمي الكيال يريد أن يودعك، لم تبد اي اهتمام، فقلت له أنها متعبة جدا ولا تستطيع الخروج من غرفتها، لم يقل شيئا، مسك يدي ودس مظروفا في كفي، وطلب مني عدم فتحه، حتى يمضي الأسبوع ويصبح هو بعيدا عن الوطن، ثم عانقني وبكى، وأنسحب عائدا لغرفته لينام، كيف علم الكيال بالمكيدة، من اخبره، ولماذا يريد ان  يذهب برجله ليقع في الفخ، مع انه أخبرني قبل سفرنا.. كل هذه الأسئلة لم اجد لها جوابا..

بقيت مسهدا، أحاول فك الغاز الرجل العجوز، ربما كان ينتظر تلك اللحظة  منذ زمن طويل ليقول شيئا لأمي، ربما فكر بالرسالة كحل ثان اذا رفضت ان تكلمه،  فوضع سره في رسالة، ما السر الذي تعرفه امي، وما العلاقة التي تربطها بهذا الرجل الذي لا تطيق رؤيته، ولم تكلمه طوال رحلتنا الى بغداد، التي استغرقت أكثر من أربع ساعات، على امتداد مسافة ثلاثمائة وستون كيلومترا.

طافت في مخيلتي كثير من أحداث الماضي، قلبتها محبطا رأسا على عقب، عليَّ أعثر على خيط يدلني على شيء، وكلما أوغلت الغوص في أعماقه، كلما أمسى شديد الظلمة، ليس فيه بصيص ضئيل من الضوء، كنت كمن يتخبط داخل بئر ملساء عميقة الغور، كلما صعدت مترا أنزلقُ للقعر عشرة أمتار..

قلت في نفسي.. لربما سره يكمن في هذه الرسالة، كنت انوي فتحها ولكني تراجعت، عندما تذكرت انه أوصاني بالتريث حتى انقطاع أخباره، وفي صباح يوم السبت، أخذته الى غرفة تجارة بغداد الواقعة عند نهاية شارع النهر، بناية عالية ذات طابقين بطراز جميل، حيث مكان الاجتماع لتجار المحافظات، وقفنا أمام الباب الكبير المشرع تلك الساعة لاستقبال الضيوف، وكانت نسائم عليلة تتسلل من نهر الدجلة، تهب هادئة، تلطف من حدة التوتر والحزن الذي خيم علينا، قال الكيال وهو يحتضنني بقوة ودموعه تخضل لحيته البيضاء، قال:

"سامحني يا بني."

" أنت يا حاج إنسان محترم، وبمنزلة أبي الذي لم أره، كنت دوما معي طيباً، وستبقى في قلبي ذكرى طيبة عنك، كما أني أحب ان أخبرك بأني عزمت على مفاتحة الحاج سبتي لإعلان خطوبتي على الآنسة سيناء، لأني أعلم أن هذا الخبر يسرك، كما يسر أمي."

احتضنني مرة آخرى بقوة، وقد تهلل وجهه بالفرح، لم أره مسرورا هكذا،  كطفل يفرح بهدية جميلة كان يحلم بها..

كان يريد ان افتح الرسالة بعد ابعاده، والآن يرجوني ان افتحها عند عقد قراني على سيناء، وتمنى وهو يعانقني ان يكون معنا يشاركنا فرحنا، حلفني ان اتذكره اثناء الحفلة، وان أحجز كرسيا بإسمه، وكرر.. اتعدني ثلاث مرات، ثم اخرج ورقة من جيبه وقال هذا رقم ممتاز ابني في لندن، احتفظ بالرقم قد تحتاجه يوما..

"أعدك يا حاج أعدك."

قلتها بنبرة حزينة، والألم يعتصر قلبي كأني أودعه لمثواه الأخير، وقد دمعت عيناي، حينما ودعني، ودلف داخلاً، لم يلتفت أليَّ، بقيت متسمراً في مكاني، أنظر للباب، وعيناي معلقتان به، حتى جاء آخرون ودخلوا واختفوا كما اختفى الكيال قبل دقائق قليلة.

لم أفهم ما كان يقصد بكلمة سامحني بني، ولكني فسرتها بما ترسب في ذهني، عن معتقدات الناس قديما، حينما يطلب المسافر من الآخرين إبراء ذمته، لأنه لا يعلم هل سيعود من سفره أم لا، فاجتماع غرف التجارة المنعقد اليوم، هو ذاك السفر البعيد الذي لا أوبة منه، هو طريق الصد ما رد كما نقول في أمثالنا العمارية، وعندما عدت للشقة تذكرت في الطريق، أن الكيال تهلل وجهه بالفرح، عندما قلت له: أنت بمنزلة أبي الذي لم أره، هل يفتقد الكيال ابنه الدكتور ممتاز الى هذا الحد بحيث تذكره هذه الكلمة به دوما.

انتظرت حتى ينقضي إسبوع أو أكثر على إبعاد الكيال المحتمل الى إيران، لكي أفض المظروف وأقرأ ما في الرسالة. ولكني تذكرت رجاءه بفتحها عند عقد قراني على الأنسة سيناء فالتزمت بوعدي الثاني.

 

صالح البياتي

حلقة من رواية: بيت الأم

................................

- فيها إنَّ : تعني شئ مريب .

- الملاك اباثر: ملاك اثيري في الميثولوجيا المندائية.

..........................

رسالة للصديقات العزيزات والأصدقاء الاعزاء

بهذه الحلقة اكتفي، اتوقف عن النشر، استجابة لأقتراح رئيس تحرير صحيفة المثقف الاستاذ ماجد الغرباوي، الذي اتاح لي مشكورا،  فرصة نادرة، لنشر جزء لا بأس به من الرواية (ما يقارب نصفها)، ولمن ترغب او / يرغب من الصديقات والأصدقاء مواصلة القراءة، الرجاء ارسال بريدهن / بريدهم الإلكتروني لي ليتسنى لي المواصلة معهم، جزيل الشكر والإمتنان للأخوات العزيزات والأخوة الأعزاء، اتمنى للجميع دوام الصحة والعافية.

وهذا هو بريدي الأيلكتروني

alb_Sal@yahoo.com

 

قصي الشيخ عسكربدءا اتمنى الاطلاع على المقدمة التي كتبتها للرواية والمنشورة في المثقف الآن بعنوان:

النهر يلقي إليك بحجر.. كلمة لابدّ منها

***

جار الله الأعمى

 ذلك ماحدث بعد سنين من جموحِ حوتٍ كبيرٍ في شط العرب وحيازتي خلال بضعة أيامٍ حجرا أخضر مزرقا من صديق الجميع جار الله الأعمى .. لقد أنستني الأحجار الغريبة الجديدة التي عثرت عليها في مساحة ضيقة بين قريتي الدعيجي والبوارين الحجر الأخضر الذي التقطه من النهر الكبير جار الله الاعمى ذات يوم ودسه في يدي.لن أتحدث عن ذلك الرجل الذي فقد بصره منذ الولادة، كان أحد ثلاثة عميان من أهل التنومة إذ سأكون في غنى عن تفاصيل حياته والقصة التي تروي أنه نظر إلى الشمس في حالة كسوف وهو صغير، فأصيب بالعمىمنذ ذلك اليوم منحه الله حاسةَ أن يقرأَ بعض أسرار الماء، فأصبح صديقا للنهر، كذلك سأَعْرِض عن بعض المفاجآت التي واجهته في أثناء ممارسته لعمليات الغطس أو حين يعود منها إلى سطح الماء .. و لا يهمني كيف يغطس في عزِّ الشتاء قبل أن يتآلف الشتاء والصيف في مدينتي بلون واحد فلا تحسّ لهما في بدنك طعما.تلك الأيام تحدَّث أهلنا عن صقيع يغطي السواقي والحشائش ساعاتِ الصباح في شهري كانون وشباط وسبعة أيام لايطيق فيها من البردِ الجاموسُ الماءَ، حينها كان صاحبنا يلتهم حفنة من الفلفل الحاد ثمَّ يغيب في النهر ليخرج مفقودات صغيرة، قلم حبر .. ساعة .. محفظة .. أي شيء، يقول ممازحا لايقرؤ النهر إلا أعمى مثلي أما أنتم فمبصرون عميان القلوب تظنون السطح أكثر أمانا من القعر.كان الأمر يبدو غير ذي عُقَدٍ، لاسيما إني أتحدث عن نفسي .. واحد من عميان التنومة الثلاثة، ليست مصادفة فنحن نراه كل يوم، التقاني بصحبة أبي .. لايهمني الاثنان الآخران فأصغرهم سِنّاً ليس بذي قدرات تلفت النظر .. لا يتحدث كثيرا .. والثاني مختار أو بيغبن هاجر مثل الجميع وانقطعت أخباره .. أطلقنا عليه ساعة بيغبن .. تلك التي لايثقُ بساعةٍ أحدٌ سواها .. ولن تكون قط هناك نغمة مثلها في يوم ما .. هنا لندن الساعة الآن الواحدة مع نشرة أخبار الظهيرة .. أبي نفسه حين يعود من سقي الزرع، وينتهي من طعامه يجد الراحة في أن يسمع دقات لندن، أسأل ببراءة :

- لدينا ساعة سورين في بداية سوق الهنود أليست كساعة لندن!

- الإنكليز وقتهم مضبوط بهذا احتلوا العالم!

 ومختار؟ألايعطينا الوقت بالضبط تماما؟الساعة والدقيقة، لا يضجر من أسئلتنا نحن الأولاد المتربصين به خلال مسيرته اليومية من البرِّ إلى النهر لكنه نسي أن يمنحني أي شيء مع أني سألته عن الوقت أكثر من مرة فأجابني بابتسامته الأليفة المعهودة عنه، وعيناه تهبطان من السماء إلى الأرض كما أجاب غيري، وكان الوقت هو هو لايخونه قطّ.

ولا أظنه أعطى أحدا شيئا ما ..

 ويبدو أن العميان اعتادوا على الأخذ ماعدا صاحب النهر صديقي جار الله!

 لقد عرف، شأنَ بعضٍ من أهل التنومة، أني أحب الآثار وأنوي حين أكبر الدراسة في الجامعة بقسم التاريخ .. ولعل الأستاذ نبيل معلم التاريخ واللغة العربية في مدرسة الزبير التفتَ، من بَعْدُ، إلى شغفي وموهبتي تلك .. كنا هجرنا التنومة بعد سقوط نهرجاسم .. ومن حسن حظ العائلة أننا استأجرنا بيتا في الزبير، هي حكمة أبي ارتأت السلامة في البعد حيث كَّلما بعدنا إلى جهة الغرب عجزت شظايا المدفعية عن الوصول إلينا، معنى هذا إن جانب العشار حيث تمثال السياب أصبح بعيدا عني بالتالي تلاشت التنومة من نظري بضع سنين، وأمي التي كانت تحذرنا من كواسج الشط راحت تمنعنا، هذه المرة خَشيةً من القذائف، أن نذهب إلى العشار مادامت ليست هناك ضرورة ما، كانت مدرسة الزبير تستقبلني والأستاذ نبيل ذو الأربعين عاما القصير البدين يتحدث عن الماضين وقصص منْ سَلَفَ، وفي درس اللغة العربية يسألنا فنجيب عن أسئلته فيختار منا أساتذة وعلماء آثار في المستقبل .. طلب منا أن نكتب عن هواياتنا فكتبت عن التاريخ والآثار التي شاهدتها حقيقةً أو من خلال الصور، ولو أنهيت الثانوية لاخترت قسم الآثار .. حديث عابر يتداوله التلاميذ فيما بينهم .أمنيات يتسابقون في البوح عنها كأنهم يجارون بها الزمن فيرون أنفسهم كما حلموا .. فلان طبيب .. ابن فلان مدرس .. ضابط .. مهندس .. تلاميذ أحبوا سيادة الرئيس فرغبوا أن يصبحوا ضباطا كبارا في الجيش حتى إذا أصبحوا برتبة مهيب ركن مثل السيد القائد بدؤوا قادسيات أخرى وحروبا جديدة، وأنا عالم آثار .. لكن لا أحد يستغرب من هوايتي، لا الضابط الكبير ولا المعلم أو الطبيب.كنت أسير مع والدي باتجاه المرفأ قاصدين العشار حين سلمني جارالله حجرا أخضرَ مزرقا ادعى انه التقطه من قاع النهر .. لا أحد رآى القاع، لا أدري، ويقسم الأعمى أنه مضمَّخٌ بطينٍ حرٍّ وحصى ناعمِ الملمس .. متى التقط الحجر أعند الصباح أم المساء، في الشتاء أو الصيف .. وإذا احتجت إلى حدث مهم يشغل بال الناس لا في التنومة فحسب بل كل البصرة فيمكن أن ادَّعي أن لقاءنا العابر جاء بعد جموح الحوت الكبير من الخليج إلى شط العرب بيومين .. ظل الحوت يتبع باخرة محملة بالخرفان فنسي نفسه دخل السيبة ومخرت الباخرة الماء إلى مرفأ الداكير عندئذ طارَ اخبر .. حَلْقُ شط العرب يغص بحوت .. يا خلق الله حوت كبير أعجوبة الزمان، بعضهم رآى في الحادث شؤما، وآخرون شكّوا في أنه أمر غامض يستعصي تأويله .. وفي دقائق هُرِعت حشود كثيرة إلى المكان .. انزعجت كثيرا لأن أخي "سليم" رفض أن يصحبني معه إذ ذهبَ معَ شلَّةٍ من الأصدقاء وعاد يحكي عن الحوت الضخم الغريب قبل أن يسهب في الحديث عن حجرٍ غريبٍ خبّأَه هديّة لي من النهر :

- حسنا إنك لم تبصر الحوت الضخم فكثير من الأشياء العظيمة والجميلة يسبب النظر إليها ضررا فمن يستطيع أن ينظر إلى الشمس دون أن يصيبه العمى لذلك سأعطيك شيئا آخرصغيرا وأليفا!

وددت لو سألته هل نظرت إلى شيء أعشى عينيك، فخشيت من تأنيب أبي الذي تساءل :

- مارأيك ياجارالله في الحوت أهو فأل كما يقولون!

فقهقه مائلا برأسه نحوي وقال:

- ماذا تتوقع أن يأتينا من الخليج وملوحتهم أيّ خير أنظر إلى أنفاسنا كيف تتقطع وإلى النهر كيف يهيج موجه عندما تهب ريح الشرجي ؟

فقال أبي ممازحا:

- والنهر؟ ألم تجعله يغلب المرحوم صابر فكاد تلك الليلة يغرق فيه من غير رياح؟

الحكاية قديمة، يتذكرها أبي ولا يتبرأ جارالله الأعمى منها غير أنه يقول ليس هدفه السرقة بل ممازحة المرحوم صابر .. كان ابن عم ابي صابر لا يخاف من المشي في الظلام يجوب البرَّ والبساتينَ والاماكنَ المهجورة، لا أحدَ يعلم كيف تحدّاه قال الأعمى:أنت سيِّد البرِّ وأنا سيِّد البحر مثل الإنكليز والفرنسيين أيام زمانٍ، فسخر صابر منه ومن النهر رآى ألا فرق بين مايفعله جار الله وأيُّ سارقٍ يدهن جِلدَه بِزفِْتٍ يدفع بريحِهِ النتنةِ الكواسج ثم يغط إلى البواخر ليسرقَ مايخِفُّ حِمْلُه وقد ترك جار الله صابراً - بعد هذا التحدي بأيّامٍ- نائماً فوق سطح زورقه المحمل بالرَّقِّي 1 فغطّ من مسافة يسيرة إلى أن وصل الزورق فاندفع إلى السطح وطوق بيديه رأس صابر الذي ظنّ الآخرَ كلب ماء وما كان منه وهو في حالة ارتباك إلا أن يقفز إلى النهر!.

رفع جار الله رأسه إلى السماء وغطى جوابه بابتسامةواسعة:

والله لوعرفت انه لا يجيد السباحة لما تحديته قطّ على كل حال لا أحّدَ يصدِّق أني جئت لأسرق الرَّقي ولست كلب ماء وأنا نفسي أنقذته من الغرق "والتفت إلي كأنه يراني "مادام ابنك يحب التاريخ فليأخذ هذا الحجر أظنه فأل خير كلّما وجدت شيئا في النهر وسألت عمن فقده أجد من يدعيه وربما من يدعي المفقود الخارج من الماء أكثر من واحد أمَّا هذا الحجر فإني سألت الكثيرين ولا أجدُ مَن يدعيه ليأخذه وليذكرني حين يتوفق ويدخل الجامعة !

 مايمكن أن يقال إنّه لا حدودَ لنشوةٍ غمرتني حيثُ اعتاد الأعمى الغوّاص أن يمنح لُقَى يعثر عليها في قاع النهر لأشخاص يدَّعونها من دون ان يطالبهم بأيّ ثمن إلا أنّه أعطاني حجراً لم أدَّعِه، أَمّا ماعكَّر مزاجي وأذهل الكثيرين، فهو الخبر الذي سمعناه بعد بضعة ايّام إذ لم يمرّ أسبوع على حادث الحوت ولقائنا إياه أنا وأبي على جسر نهر "أصفر"حتى عُثِرَ على جثّتِه في البر ..

جار الله الأعمى قتيل في البر ..

مات أوقُتل لافرق ..

رجلٌ عرف كيف يتحاشى الكواسج وتيارالماء الهادر، وموجاً صعبا تهيجه ضراوة رياح الشرجيّ، فما الذي دفعه بعد كلّ هذه السنين إلى أن يقصد حِمِى غريمه المرحوم صابر .. لم يره أحد قط يغادر إلى مكان غير النهر والبساتين الحبلى بالانهار الصغيرة والسواقي .. يستظل بالنخيل يأكل التمر والعنب .. يعرف الأرض المزروعة وشارع التنومة أكثر من أيِّ مبصر ذي عينين .. لا أحد يدّعي أنّه أخذ بيده ليدله على الطريق، قيل همسا شاع في عيون الناس وملامحهم أن لسانه قتله يقول عبارات مبهمة تثير الريبة، الخراب لا يأتي من الشمال بلاؤنا من الجنوب والماء المالح، النهر أوحى إليه كما شاع ألا خطر علينا .. الشرق والشمال والغرب .. ولعلها تلك آخر عبارة سمعها الناس منه ممتزجة بابتسامته المألوفة، والعجيب أن الكثيرين اختلفوا في موته مع أنفسهم ولم يجرؤ أحد على ان يتحدَّث في العلن، فليس بمستبعد أن يكون مسؤول خلية، أو غطَّ ذات يومٍ ليزرع متفجرات تحت الجسر العسكري، والأعجب من ذلك أن جميع من أنكروه وتبرؤوا منه من أحزاب ومنظمات وأفراد دفعا للشبهات عنهم وخشية من بطش السلطة عادوا بعد السقوط يتسابقون في نسبته إليهم حتى كاد بعضهم يدخل مع الآخر في دوامة عنف، ومادمت لم اجرؤ بعد مصرعه، قبل السقوط، أن أحكي لأيّ أحد أنه منحني حجراً استله من الماء، فلا مناسبة الآن أن اذكره لا سيما أني لم أعد أتذكر أين أخفيت الحجر حينذاك.

 قلت ذلك لن يهمني لا سيما أن الأهالي القدامى والقادمين إلى شط العرب من محافظات اخرى لا يتذكرونه الآن هو أو غيره من فاقدي البصر، وربما ادعاه من أنكره من أحزاب وأفراد تعرضوا للاضطهاد قبل سقوط بغداد غرض الشهرة والمال أما أنا فقد ذكرتني به حجارة البرِّ والصداع الذي يكاد يحطم رأسي.

مسمار غليظ تدفعه مطرقة إلى هامتي!

لا أنكر أني كنت أغطس في الشط الكبير متجاهلا تحذير أمي أو غضب أبي وحكايات يرويها كبار السنّ عمّن سبّب الكوسج لهم عاهات دائمة، ومن سبحوا في النهر طويلا فغامروا ليسرقوا البواخر والزوارق ولا حيلة لديهم إلا ان يدهنوا اجسادهم بالقطران حتى تبتعد الكواسج عنهم .. وحين كبرت بقيت تتلجلج في نفسي رهبة من الشطِّ لم تردعني عن الغطس، كيف أرى العالم المظلم المليء بالسمك والغِرْيَن كما يراه جارالله الذي لايبصر ماتحت الشمس ويرى ماتحت الماء، مفارقة عجيبة لا أفهمها، وسواء كنت صغيرا أم كَبُرت واشتدت قوة بدني إلا أني عجزت كما عجز غيري عن الوصول إلى القاع إذ بعد متر وأكثر بقليل أُحِسُّ ثقل الماء وتهدج أنفاسي.

لا أبالغ .. وإن بدوت مهزوما باعترافي .. فليس فينا أحد مثل جار الله الاعمى يثقب الماء بيديه ورجليه.يعوم إلى القاع فيلتقط منه حصاة استقرت عشرات السنين أو أداةً ما هوت مصادفة من الهواء إلى الغور!

ومثلما نتذكر الأشياء الأكثر سطوعا:الحلوة والمرّة في حياتنا أذكر أن آخر غطسة لي كانت قبل اليوم المفترض لالتحاقي بالجيش وحكاية حجر قديم استعصى على ذاكرتي حين تجمعت عندي في غرفتي أحجار زاهية الألوان جلبتها من البرّ.

بضعة أيام تفصلني عن حياة جديدة حفظتني منها خلال حربين عنيفتين المدرسة والجامعة.الجميع عاشوا أيّامهم الحاضرة المضمخة بالقلق والخوف .. الحرب المستعرة عند البوابة الشرقيّة، والحصار والموت القادم من الكويت ثم عجزوا ان يجدوا ملجئا مثلي إذ عشت الحاضر، ووجدت في الماضي ملاذا اطمئن إليه وكبرشعوري بالأمان حين قُبِلتُ في قسم التاريخ!تدفعني رغبة جامحة للآثار، كأن نبؤة جار الله الأعمى تحققت فِيَّ ولو رجعت العقود بي صبيا لقلت بكلّ جُرأة لمختار مروض الزمن بعد أن أساله عن الساعة: يا صاحب الوقت ماذا تعطيني فقد أعطاني جار الله حجر الماء!

وهاهو الماضي يكاد ينصرم فأعود إلى حاضر مليء بالمفاجآت!

كنت أشعر بحرارة الجو ذلك اليوم التموزي اللاهب التي لم تخفت على الرغم من ميلان الشمس نحو الأفق البعيد، لا أخطيء إذا قلت إنه حرٌّ تموزي ونحن في شهر ماي، تموز نفسه بدا شبيها بغيره، كان حَرُّه علامة تدل عليه فاصبح يغدقها على أيِّما شهر قبله أو بعده.لافرق قطّ.لم ألتفت إلى بعض الصيادين الذين انتشروا على الجرف يدفعون بشصوصهم عنهم الملل، ولا إلى صاحب الكشك بائع المرطبات القريب مني، رفعت رأسي ألتقط نفسسا عميقا .. نفثته والتقطت ثانيا ثم رحت أهوي نحو القاع .. الحق إن هيبة النهر التي تحدَّثَ عنها أهلنا وعنفه تسربت من قلوبنا، يوم كنا نستقل المعبر وجدناه عنيفا مهيبا جارفَ التيار وتزداد هيبته عندما تتلظى رياح الشرجي الهابة من الجنوب بقسوتها ولهيبها عندئذٍ يدرك أهل التنومة أنهم لن يتمكنوا من العبور بالزوارق البخارية ولا القوارب، وليست هناك من وسيلة إلا المعبر المثقل بالسيارات والعربات وبعض الحيوانات، والذي يأخذ بالترنح قليلا في منتصف النهر حيث سورة التيار فيلوح كمن كرع حتى أثقلَ توازنَه السكر، حقا ذهبت رهبة النهر يوم بنى الجيش جسرا يربط ضفة العشار بالتنومة وظلت هيبته شاخصة في النفوس.كنت لا أخافه بعد قيام الجسر وقد بقي في نفسي أن أصل إلى القاع فكلما هممت أجِدُني في فسيحِ وادٍ مظلم لا نهاية له .. لا يراودني شعور أني أغطس .. رجلاي تندفعان في منحدر لا ينتهي .. لن التمس أرض النهر فيغشى يدي حجر مثل جار الله .. وبين شكٍّ ويقينٍ عرفت أناملي شيئا ما اصطدم بها وأفلت شيء شبيه بالحجر، لم أسلم من مراوغة الماء، فلعل ما يصطدم بكفي بعض الخدر أو الوهم وأظنه إشارة تنذرني بالغلو والتمادي، وحين أحسست بثقلٍ يجثم على رأسي وتصلبٍ في صدري أوحت الرهبة إليّ لا الخوف أن التيار سيجرفني، وربما شككت في كوسجٍ يندفع نحوي فيقطع قدمي قبل أن أصبح جنديا .. عاهة تنقذني من الخدمة الإلزامية .. رحت أعوم نحو الدرجات القديمة ثم اتخذت موقعي على أقرب درجة التمستها يدي ..

2

انتظار

 كنت أظن أني بعد أسبوع من آخر غطسة لي في الشط أنتقل إلى مكان بعيد عن التنومة باتجاه الصحراء، وأساهم في حرب قد تقع بين عشية وضحاها .. تساءلت وأنا عائد إلى البيت يا ترى أين يبعثون بي وبأية صورة أرى التنومة إذا كتب لي عمر جديد فعدت إليها وبأي شكل تبدو وقد عبرت عليها حرب دامت ثماني سنوات وأخرى مرت قريبة منها؟بعد حرب الخليج الأولى كبرت المدينة وجاءها غرباء كُثْرٌ من أيِّما مكان فضاعت شوارعها من أهلها الاصليين حتى بدوا كانهم غرباء فيها وبعد حرب الكويت البعيدة عنها انتفخت و تطاولت أصبحت أشبه بخيط مطاط .. توغلت بيوتها في البر الذي أعلن ذات يوم عن موت جار الله .. ولا يظن أحد أن شيئا يتغير غير أن للحرب طعما آخر إذ سواء اندلعت مع ايران على حافة التنومة أم بعيدا عنها في صفوانَ فإنَّ الناس يزدادون .. بكتريا تنشطر والبيوت تكثر وتقضم البر .. فتزحف باتجاه الفراغ المترامي الخالية بعض أطرافه من الألغام وقد اقتنع الناس تماما أن كل شيء يمكن أن يتغير بالحصار والحرب إلا الشطّ .. لايصدق أحد أن النهر الكبير يمكن أن يلتوي للحصار مثل الآخرين ولا يخطر ببال عاقل أن سدود تركيا تقدر أن تبتلع ماءه وموجه الذي يتطاول على أمواج البحر .. أو أن النهر الثالث الذي اندلع في برِّ الزبير يطغى بمائه المالح إلى وجه شط العرب .. كان هناك حصار، وخيال الآخرين يتوهج بالحرب.الشط عرفوه من قبل .. لن يصيبه الجدب وما الحوت الذي اقتحمه ذات يوم إلا مخلوق ضل الطريق فلقي حتفه .. فإن لم يضلَّ، وفق تخرصات ظهرت أخيراً، فقد امتدت ملوحة الماء إلى النهر وتلك طامةكبرى، أما أنا الذي غَطِستُ فيه هاربا من الحر قبل دقائق فقد شعرت ببعد القاع عن راحتي وكأن يدا قوية تشدّ على رأسي، فشككت أن النهر تَغَّير .. تَيَّارُه مازالَ يجْرِف الأشياء بعيدا عن مكان سقوطها، وثقل تشعر به حين تغطس إلى القاع فكيف قلَّ الماء وضعف التيار ومن قبل أن يمنحني جارالله حجراً انتزعه من قاعه عرفته ذلك الطفل المدلل الصغير الذي ولدته أمه الفرات من أبيه دجلة كما حدَّثَ معلم المعلومات في السنة الثانية الإبتدائية وخَبِرناه يوم حذرنا أهلنا من أن نغط فيه إلى درجة أننا يمكن أن نحلم في أثناء نومنا بوحوشٍ غريبةِ الأشكالِ تخرج من الماء تحت جنح الظلام فتقضم أرجلنا، في حين تختلط كثير من الهواجس بذهني وتصورات الآخرين.هل يصدِّق أحدٌ أنَّ الأمريكان والإنكليز يغامرون بضرب العراق .. يأتون من الكويت ويدخلون المدن، ومن دون وَجَلٍ ينبش الناس الماضي فيقول قائلهم رحم الله عبد الكريم قاسم كان إذا تحدث في بغداد ارتجف الخليج وأنت ياشاه إيران ايها الطاووس المملؤ زهوا وكبرياء حين تسعل يخرأ آل سعود ومن تبعهم في الجلابيات البيضاء .. أما أنا فأتذكر حوتا ضل قبل سنوات من الخليج ودخل شط العرب فتسطع في ذهني عبارة جار الله هؤلاء لا يأتي منهم إلا الشر، صدقت نبؤة رجل يقرؤ الماء مات على البرّ، الرئيس يعانق أخاه سمو أمير الكويت .. يبعث ببرقية تهنئة إلى أخية جلالة خادم الحرمين .. الأخ سمو أمير البحرين .. ثم انقلبوا أيَّما انقلاب .. فكيف سبق الأعمى الزمن وقرأ صفحة أخرى ليست قريبة على الماء مقابل ذلك فقد حياته ثم أسال نفسي:أين أكون ساعتها؟في أيةجبهة؟هناك حوتٌ ضخم يبدو أنّه مات ذات يوم في الماء أو هكذا وجدناه ثمّ ظهر في البرّ، لقد رآى الجميع على طول الطريق بدءا من صفوان هياكل الدبابات والمدرعات المحترقة في حرب الخليج الثانية.وتحسسوا بكل جوارحهم زيوت الجنود الذائبين على قطع الحديد المبعثرة، واحدة من تلك المدرعات التصقت بعظام أخي .. ومن قبل راح شباب يغامرون ويعبرون على جثث القتلى من حرب الخليج الأولى غرض تفكيك هياكل السلاح المهتريء وبيع قطعه لمن يعملونها صحونا وملاعق لكنْ هذا تحالف .. تكنولوجيا .. طيران.جَرَّب العراق عضلاته في أولِّ صِدامٍ بعد حرب الكويت .. صورة شواريسكوف .. مازالت ماثلة للأذهان.في حرب الخليج الأولى ذاقوا الخراب لكنهم لم يشعروا بالرعب .. خوف فقط .. أما مع الامريكان فلابد من أن يتجلى الرعب الهائل في سلوك الناس ونمط تفكيرهم وإن ظنّ الكثيرون أن الحرب لن تقع أبدا.بلا شك أنا أكثرهم قلقا مما يأتي به المستقبل .. جيلان مرّا قبل جيلي: أبناء القادسية ثم جيل أمِّ المعارك، والرئيس يسمي المعركة القادمة المفترضة التي تقع أو لا تقع أمّ الحواسم .. هل أرمي في الهواء قطعة نقود فأخمِّن وجهها الحرب وظهرها اللاحرب .. سأكون واحدا من أبنائها ولا أعرف كيف أحسمها .. لقد حمتني المدرسة ومن ثمة الجامعة من حربين مهولتين .. القادسية وأم المعارك .. خلال تلك المدة أي خطأ يمكن أن يقلب الحياة رأسا على عقب .. الجندية وتلاشي الأمل في أن أدرس الأرض .. أغوص فيها .. أبحث عمّا تنطوي عليه أحشاؤها.ثم هناك شك يساور النفوس ولا أحد يجرؤ على البوح به كنت في الثاني الإبتدائي يوم توجس أهل التلاميذ أن الحكومة تتحكم بنسبة النجاح .. الحرب يبدو لاتنتهي فليكن هناك مقاتلون .. تلاميذا الثانوية توجسوا .. وأبي يحثُّ أخي " سليم" على الاجتهاد أخي "عقيل " في الجبهة، الطريق أمامي طويل، ولوقدرللحرب ألا تجد لها ختاما لتضيع نهايتها كما ضاعت البداية، فسيكون مصيري كالآخرين .. لاجغرافية ولا تاريخ كَأَنْ لمْ أَعْلَق القديم ولاشغفت به .. وما أيسر أن يتحقق كل ذلك حين أخفق سنتين متتاليتين فأخسر الجامعة وربما حياتي فيما بعد!

 لكن ها هي المراحل التعليمية الثلاث تنتهي.ثمانية عشرعاما تمترست خلف رحلة الصف، فهل تقع الحرب حقا مثلما يتوقع الناس ولا يتوقعون أم هو مجرد لغو إعلامي بين أكثر من طرف لاغير؟

3

الحرب

 لكن الحرب المختلف فيها أن تكون أولا تكون وقعت .. وجه العملة المعدنية هو صاحب الحظ.أصبحت حقيقة لمن أنكرها اندلعت قبل أن ألمس بندقية، وأغادر التنومة، منحتني فرصة أخرى للنجاح مثل المدرسة والجامعة، فرأيت بعيني الجيش وتوابعه يتحلل ويذوب أشبه برغوة تطفو على الماء ثم تتلاشى، ولعلها هي تلك بشرى شط العرب لي بالحجر الصغير الأخضر المزرق الذي لا أتذكر أين وضعته قبل أن نغادر التنومة إلى الزبير في حرب الخليج الأولى!

وها أنا ذا أتنفس الصعداء .. أرى وأسمع كلَّ مايجري فقد كان هناك معنى أوسع من الزمن وفوق كل التوقعات .. أسبوع واحد .. سبعة أيام حالت بيني وبين الحرب إذ تغيرّ كل شيء تماما .. فوضى عارمة والناس في البدء شُغِلوا بجزئيات عن وقائع كبيرة .. تابعنا بلاغات الصحّاف عبر شاشة التلفاز وسمعنا بمقاومة أمِّ قصر .. أبو هريرة الصحاف قال كلاما مقتضبا ثم أختفى ولم يعد .. نحاصرهم من جهة الدورة .. ستتصدى لهم قوات الحرس الجمهوري والجيش المليوني .. أمُّ قصر أَمْ الدورة وخروقات القوات الأمريكية المنهارة .. نعيش الأحداث بعيدين عنها في الوقت نفسه نحن فيها .. ثم انقطع البثّ وانتهت الحكاية .. اكتشفنا أن كل شيء كذب ومبالغة .. عشنا انفجارات هائلة قيل إنها قنابل صوتية تبث الرعب، وصحونا على جندي أمريكي يلفّ تمثال الديكتاتور بالعلم ذي النجمات الخمسين .. كيف تبخر جيش كالغبار في ساعات.قوات الحرس الجمهوري .. جيش القادسية .. الجيش الشعبي .. غلبنا أهل الخليج ضحكوا علينا ثماني سنوات ندافع عنهم.نقاوم الفرس المجوس وأخيرا سخروا منا ومن البوابة الشرجية .. القناة الشرجية .. ليسموها ماشاؤوا، بوكيمون، خلنا العشار أصبح أنقاضا من هول الدوي ِّ وإذا به لمّا يزل سليما معافى، ليضحكوا .. اللعبة الألكترونية تقول .. الامور يختلط بعضها ببعض .هؤلاء اللوطيون همهم فقط الدبر .. ضحكوا علينا ثماني سنوات والآن يضحكون على القوى العظمى بنقودهم .. أما جارالله الأعمى الذي عرف هؤلاء بعد أن جمح الحوت في النهر فقد قُتِل ولم يُكْمِل النبؤة .. غواية الصورة جعلتني أحتل مكان أخي في أحد الدروع خلال حرب الكويت .. أتخيّل الموت يحاصرني من كل الجهات .. ألمح وجه شوارسكوف .. فأتعرض لسلاحٍ خارقٍ يذيبُ الحديد .. ألتَحِم بالمعدن .. فأكون سائلا .. القصة تخيلها المعزّون والمواسون ففطرت قلب أمي، وسمعت أبي وهو يقول على الملأ: لن يبقى عندي إيمان سأنتحر إذا قامت الحرب لا قدر الله فحدث مكروه لابني الأصغر .. يا ترى لو لم يسبق التحالف الزمن ويبدأ الحرب قبلما ألتحق بالجيش فأين أصبح الآن .. في معسكر تدريب بالناصرية حيث البر المترامي الأطراف أم ْعلى أطراف مدينة ما أخلع ملابسي العسكرية.أتخفى ثم أبيع رشاشتي مقابل رغيف خبز، أم أضع طيرا في قفص وألملم أحجارا جميلة من البرّ فأحملها معي ماشيا إلى البصرة!

حرب أشبه بلمحة هجينة نصفها حلم ونصفها الآخر حالَ عيانٍ لا شكّ فيها مثل القنابل الصوية التي دمّرت العشار بأذنيك واحتفظت به عيناك سليما!.كلّ شيء جائز .. الزمن الذي غفلنا عنه فوجدناه لعبةً عند مختار الأعمى وحسابات دقيقة تمثلت بساعة لاتنقص أو تزيد نَقَلَ لنا دقاتِها مذياع .. جاء في هذه اللحظة بموجة فوضى .. وسلبٍ ونهبٍ واغتيالات .. العنيف يختلط باللطيف والشجاع يصبح جبانا، والماء الفرات العذب ملحاً أجاجاً، لا مقاييس، لا جيش ولاشرطة .. فمن يقتل من ومنْ يحمي منْ، وفوق هذا وذاك تُدخلنا دول الجوار بنفق يمتد بعيدا من خلفنا لا نهايةله .. أنتم أهل العراق تستحقون مايجري لكم من عذاب .. صدق الحجاج إذ وصفكم بالشقاق والنفاق، قتلتم ابناء الانبياء، حاربتم الأولياء، قاتلتم الطيبين، حاربتم إيران، سرقتم الكويت، رفعتم السلاح بوجه التحالف، فإن لم تجدوا قوما تحاربونهم رحتم تقتلون أنفسكم .. تحاربون بعضكم بعضا .. في هذه الاثناء، وقد اختلطت الأمور بين الحاضر والماضي، والشماتة والبذاءة، والرعب وانصباب الدم، فرّ أخي إلينا غادر العشار وجاء يسكن معنا في كردلان، أما أولاده الثلاثة فقد ابتعدت بهم الأم إلى بيت الجدِّ في الكوت .. ماالذي ينتظره حزبي قديم مدير مطاحن الجنوب في وقت كان الجميع يلهثون وراء الرغيف .. وهو يرى الناس الغاضبة تطارد بعض الحزبيين، تقتلهم أو تقتحم بيوتهم فتطالب أهاليهم فيما بعد بفدية يمكن أن تنقص بضعة آلاف إكراما لبعض الشيوخ.هكذا جرت الأمور خلال أيام قليلة فيخيل إلينا أنها دقائق طويلة.قرون من الجحيم انحشرت في ثوان، أخي معنا في مكان آمن لا أريد أن أفقده لكنّها هواجسي .. لا أحب أحدا أن يشاركني في البستان .. ذلك لا يعني أني أستهين بمصير أخي .. أو لا تعنيني حياته قط .. أبدا لا أفكر بهذا الشكل البشع بل بدوت لطيفا معه .. حاولت أن أواسيه .. أجاريه .. لم أذكِّره بحوارات التقطت بعضها في غرفتنا نحن الثلاثة مع سليم .. رحت أتحدث عن عشيرتنا وسطوتها وقوتها .. وفرعنا القوي نحن آال النبهان.المسلحون لا يصلون إلينا في كردلان وأخي لا يفضل الخروج بعيدا عن البيت، وهناك في التنومة ممن خدموا الحكومة السابقة لزموا بيوتهم وعاشوا بأمان.

أبي يستعرض أمام أخي أسماء حزبيين نسيهم الناس فقبعوا في بيوتهم ..

وأنا أؤكد له أسماء مسؤولين كرههم أهل شط العرب وأخذتهم الرأفة بهم!

ومن حسن الحظ أنْ لم يطرق بابنا أحد يدعي أنَّ عقيلا آذاه يوم كان رفيقا متنفذا في الحزب .. لكن لاوقت للأمان وإن ظننا العنف بعيدا عنا كنا نزداد قلقا كلما سمعنا بمحاولة اغتيال .. فمن نظن أنه نجا اليوم قد ترديه رصاصة غدا أو بعدحين .. طالبو الثأر والمتضررون من العهد البائد يطلعون بمفاجآت جديدة كل يوم .. اغتيال .. دهس .. خطف .. طعن في الشارع .. ظل أخي يلوذ بالصمت في أغلب الأحيان، ولعل آخر خبر انتشر في التنومة جعل أبي يهيج ويفكر بمخرج لورطة أخي هي الأخبار المزعجة وردت عن مصرع محمد الرشيد .. هناك اثنان خرّبا خِلسةً سلك الكهرباء من أمام بيته.يقال إنه ضر بعض الناس فسجن من سجن .وربما قُتِل بريء بسببه .. خرج يستطلع وفي لحظات حدث إطلاق نار وفرت سيارة إلى حيث لا يعرف أحد ..

أول حادث يسقط فيه قتيل من محلتنا ..

البعثيون مطاردون فإما أن يدفعوا دية أو يموتوا ..

محمد الرشيد أصبح عبرة لغيره وحديث العوائل في التنومةوكردلان، وأي حادث نسمع به يجعل أمي تهيج .. فيحمر وجهها .. ويتلون وجه أخي !

سألته، ولم يكن قصدي أن أبعده عن البستان بل عن الموت:

- هل تقدر أن تنقل عملك إلى بلد زوجتك؟

أجاب بلهجة اليائس المتشائم:

وهل تراهم عاجزين عن أن يتبعوا ضحاياهم؟

فردت أمي مثل النمرة الشرسة:

- مادمتَ لم تؤذ أحدا أو ترفع تقريرا بأحد فلا تخف!

- التقارير والتنسيق مع الأمن من اختصاص ضابط أمن المديرية!

قلت كأني فقط أحب أن أتحدث:

- يا أخي لا تنس ربما يستغل خصومك درجتك الحزبية للوقيعة بك وبنا نحن لا لضرر سببته بل لأن بعض الناس مجبولون على حب الضرر!

 قلت ذلك أداري هواجس يمكن أن تجرح أخي لو بحت بها عن قصد إذ منذ عودتي إلى البيت من آخر غطسة لي في الشط .. أختي تسكن مع زوجها بعيدا عنا، وعقيل يملك بيتا ووظيفة .. ماذا لولم أمت في حرب مفترضة وعدت بعد سنوات لأجد اثنين ينازعاني حصتي في البستان والبيت، مع ذلك لم أجرؤ على مخاطبة أبي، ولا شكّ أننا الآن يمكن أن نتعرض لابتزاز فنبيع البستان، فأُصِْبح لاشيء.أضفت اؤكد هواجسي:

- قد نضطر أن نبيع الأرض أو البيت.

ولزمت بعدها الصمت فقال أبي يتدارك الموقف:

_ إذا كان هناك من شيء لا قدر الله فسيبعث لنا أي متضرر وفدا من عشيرته لدفع فدية!

فاندفعت أمي ثانية بحماس مفرط بعث الهواجس في نفسي:

- لا تخف مثلمايقول أخوك إذا اضطررنا فسنبيع كل مانملك لئلا يعترضك أحد!

كان أخي ينام في غرفة أختي، في تلك الليلة طرق الباب ودخل عليّ .. صمته يفصح عن قلقه .. عيناه مشتتان.كأنه يريد ان يقول شيئا.كنا نحن الثلاثة قبل مصرع أخي ننام في الغرفة ذاتها بيننا ومخدع أبويّ غرفة أختي.كان النوم يداعب عينيّ مبكرا في حين يظلان يتحدثان .. بعض الأحيان التقط حديثهما، فأعي شذراتٍ منه ولا أفهم معظمه .. وفي وقت متأخر بعد مصرع أخي " سليم" عرفت أنهما كانا صديقين في أغلب الأحيان ومختلفين في بعض الحالات، وأن السنتين اللتين سبقتا حرب الكويت كانتا أوج تقاربهما على مابينهما من اختلاف .. وإنهما تحاشيا في حديثهما المسائي بعض العبارات ولجآ الى بعض الاشارات خوفا من أن أفهمها فيزل لساني عن غير عمد .. تلك الحقيقة عرفتها فيما بعد حين استجمعت ذهني أستعيد ذكرى أخي الشهيد الذي ترك فراغا في البيت كلِّه والحق إنَّه كان أكثرنا صراحة وقناعة عن نفسه والآخرين وأشكُّ أن أخي الأكبر عقيل تحمس في ان يعمل مع حزب الدولة عن قناعة تامة.دائما يعرف من أين تؤكل الكتف .. كان وفق فهمي للأمور حينذاك يحاول انه يتجنب الضرر ويغنم الكثير.اندفع في حرب الخليج وتطوع مع الجيش الشعبي .. دخل في حوارات عقيمة مع سليم الذي عُرِفَ بِصَراحةٍ زائدة عن الحد المألوف في زمن لابدّ أن يكون للفرد أكثر من وجه، وقد تحقق لعقيل ماأراد ترقّى قبل غيره في زمن قصير، فأصبح مدير المطاحن .. حسابات دقيقة .. قالها أمامي خلال نقاشه مع سليم إحدى الليالي .. لِمَ لا أحتل موقعا مهما مادمت نجوت من حرب اندفعت فيها متحمسا فغيري ليس بأفضل مني .. سليم نفسه لم يُفاجَأْ بتهافت عقيل لكنَّ الصدمة جعلته يغضب على المدرسة وعلى نفسه .. بالكاد أكمل المرحلة المتوسطة انزوى لايكلم أحدا إلا للضرورة حتى التقطه القدر في حرب الخليج عندها ترك مصرَعه أثراً في نفسي أكثر من أيّ أحد .. صرت أكره صحراء الزبير وخيل إلي يوم ورود نعيه أن جبل سنام تنين يفتح شدقيه، وربما تخليت لو لم يبدأ التحالف حربه الأخيرة قبل خدمتي الإلزامية اني سأواجه موتا لا يختلف كثيرا عن مصرع أخي قلت:

- لماذا لا تأتي لتنام هنا مثلما كان الوضع أيام المرحوم؟

قال من دون مقدمات:

- فكرت في كلامك كثيرا فبدا انه العلاج الافضل!

- هل اقتنعت أن تنقل شغلك إلى مدينة زوجتك!

- بل هي المرحلة الأولى، لذلك جئت أقول لك إني سأبريء ذمتي مع أبي.

- عن أي شيء تتحدث!

- إن الوالد رجل يؤمن بالحلال والحرام سأبريء ذمتي أمامه فأنزل عن حصتي في البيت تبقى أختنا يمكن أن تشتري منها أو تتنازل هي أيضا!

 شيء من تأنيب الضمير يجتاحني .. فكرت بصورة مختلفة تماما .. بعض الأحيان ألوم نفسي إذ ساويت بين رغبتي في البستان ونجاة أخي الأكبر.لقد شغلت نفسي بالاستحواذ على الأرض بعد مصرع أخي الأوسط .. يوم عدنا من العشار وكبرت، ثم تزوجت أختي وسكنت محافظة أخرى .. كنت أرى كل شيء يختلف عما كان عليه أخي الذي خدم في قاطع الوسط أصبح ذا وظيفة كبيرة .. التنومة تغيرت .. زحفت عليها البيوت والغرباء ومابقي الا بستاننا وبعض البساتين الممتدة على الساحل باتجاه الكباسي والحوطة فمن يضمن مستقبلا عصفت أوكادت تعصف به حرب الخليج الثانية :

- الآن في هذه الظروف لا يشغلنا شيء إلا الحفاظ عليك أنت وعائلتك!

فقال بنغمة يائسة:

- ربما لاشيء، لكن لا مستقبل لي، هنا لدي مايكفيني من مال .. قد أبقى مدة ثم اغادر البلد إلى سورية .. تركيا .. الاردن أيّ بلد لايهم .. سأجدُ محطَّةً ألْتَقِط بها أنفاسي ثم أطلب اللجوء!

كبرياء أم اعتراف بهزيمة .. زرت أخي في منزله أيام زمان.كانت صورة الرئيس تزين غرفة الصالون.صورة وصور أخرى .. جذبني أثاث البيت وحالة البذخ التي يعيشها .. مدير مطاحن البصرة في وقت بحثت الناس عن الرغيف .. أيّ رغيف سليم أم مطحون بنشارة لخشب .. البصرة كلها تتطلع إلى طعامها منه .. يمكن ان ينسى الآخرون درجته الحزبية .. منزلته في الدولة غير أنهم لاينسون تقريرا كتبه بحق شخص أو وشاية أدَّت بآخرين إلى السجن:

- هل أخبرت ابي بمانويت!

- أبداً لا، ولا تخبره عن نيتي في الرحيل.كلّ ما في الأمر أني سأبّريء ذمتي بخصوص الأرض!

إزاء مايجري من حوادث سيئة تجدّ كل يوم .. كنت أنا أو أبي وحدنا نجرؤ على الذهاب مضطرين للتبضع أو قضاء بعض الأمور فنجيء إلى البيت محملين بأخبار مافعلته المفخخات والانتحاريون وحوادث اغتيال للمترجمين المتعاونين مع جند الاحتلال أو الحزبيين القدامى:بعضها نتحدث به والآخر نخفيه عن أخي .. كان هناك انكسار ما يلوح على هيبتة هل يقول إنه فعل ذلك شأنَ الآخرين الذين اندفعوا مع العهد البائد فغنموا مناصب كبيرة ولا أحدَ يظنُّ حينها أنَّ دولةً بجيشٍ جَرّارٍ ورئيسٍ قويّ تسقط في بضع ساعات .. كان أخي يؤكِّد، والقلق يرتسم على وجهِ، أنَّه لم يعاقب أحدا ولم يقتل أو ينافق ليزيح شخصاً من منصبه مع ذلك خشي أبي من سوء العاقبة فزار شيخ العشيرة ليزداد أَمْنَاً بحمايته من أسراب المليشيات وعصابات القتل، وامتنع أخي من مغادرة البيت، مع ذلك بقينا في حيرةٍ وخوفٍ، فليس المهم أن يقتنع عقيل النبهان نفسه أنه بريء ولا أن نقتنع نحن أهله ببراءته من أي عملٍ تسبب في الضرر بل الآخرون والمليشيات التي تتربص بالمتعاونين مع العهد البائد!

***

د. قصي الشيخ عسكر

.....................................

حلقة من رواية: النهر يلقي إليك بحجر

1- الرّقي بلهجة العراقيين هو البطّيخ في اللغة العربيّة الفصحى.

 

مصطفى عليلُغةُ المصالح والخنادق والمحاور

بضاعةُ التاجر

ولسان الحال والوجدان قَدَرُ الشاعر

(لا أستثني أحَداً منهم)

***

رأى في البيرِ صورَتَهُ (فَ تاها)

                       بِنفْسٍ راوَدتْ عِشقاً (فتاها)

تَراءتْ ذاتُهُ أحلى عَروسٍ

                             أذلّت أينما مَرّت جِباها

يغازِلُ فتْنةِ الحسنى أناهُ

                       بأوصافٍ بِها خصَّ الشِفاها

يخاطِبُ ظِلّهُ بضميرِ أُنْثى

                        وفي مِرْآتِها السكْرى تناها

يَعُبُّ، العُمْرَ، من دَنِّ المَرايا

                     ويرْشِفُ من جنى وهْمٍ طِلاها

إذا خانتْهُ مِرْآةٌ فَغامَتْ

                          وكدَّرَ وجْهَهُ غَبَشٌ طَلاها

تَراكضَ قاصِداً بيْرَ الجواري

                       وزَوّقَ (عِرْسَهُ) حتى يراها

فَضجَّ البيرُ من ظِلٍّ عليلٍ

                        وشبّتْ موْجَةٌ ترْثي المِياها

على نفْسِ الفتى سَحّتْ سُخاماً

                       غُيومُ الوهْمِ فاسْودّتْ سماها

ومن أعماقِ خافِيَةِ المُسَمّى

                     تداعى الوهْمُ لا يدري إتِّجاها

أراهُ الوهْمُ طاووساً بِذيْلٍ

                           مُوشّىً ريشُهُ وبهِ تباهى

فَخضّبَ ذيْلَهُ بِدَمِ الرعايا

                            وَسَوّكَ بالدِما ناباً وفاها

تَوَرّمَ فارِغاً والْنفْسُ حُبْلى

                         بِحَمْلٍ كاذِبٍ تُرْضي مُناها

شَقيٌّ يرْضعُ الاوهامَ خمْراً

                        كأنَّ النفْسَ لم تبرحْ صِباها

فصارتْ ذاتُهُ مِنطادَ ريحٍ

                         غزاها المدُّ فابتلعتْ مداها

صَحتْ فِيهِ البواطنُ والخوافي

                      وفي الصِدّيقِ (يوسُفِهِ) تماها

زليخاتٌ تَبَدّتْ للمُفدّى

                        وهلْ فيهِنَّ مَنْ سَلِمتْ يداها

مِنِ السِكّينِ حَزَّاً في وريدٍ

                       كَمَنْ شاهدْنَ في حَشْرٍ إلاها

وقدْ سالتْ بلا أٓهِ دِماءٌ

                           سَكِرْنَ بِحُسْنِهِ فَنَسينَ آها

أناديهِ ولكنْ مَنْ أُنادي

                        فقد ذابتْ (أناهُ) في (أناها)

توهّمَ أَمْ تَهوّسَ لسْتُ أدري

                       فكم هامتْ نُفوسٌ في هواها

وعُذراً يا نساءَ الحيِّ عُذراً

                           إذا شطّتْ بقافيتي رُؤاها

فَليْسَ المُرتجى تشْويهَ غِرٍّ

                     ولكنَّ الفتى المهووسَ (شاها)

ينادي أنّني قَدَرُ البرايا

                   وشمْسُ الكوْنِ من كفّي ضِياها

شِعاراتي لكم أياتُ رَبٍّ

                           فبشْرى للّذي منكم تلاها

أنا الحقُّ السَماوِيُّ المُعَلّى

                    ولي صوْتُ الحقيقةِ لا صداها

أنا ديكٌ تَخيّرني دجاجٌ

                     على رأسِ المزابِلِ لا يُضاها

دعوا الكُرْسيَّ لي مُلْكاً عَقوراً

                         أنا رَبُّ الأنامِ وربُّ (طهٓ)

ملائكتي ذوي القرْبى عشيري

                           وقدْ أورثْتُهم عِزّاً وجاها

وطائفتي مُقدّسةٌ جلالاً

                         على هاماتِكم رَفَعتْ لِواها

إصطفانا الحظُّ أسياداً لقوْمٍ

                    عبيدٍ في الحِمى ترْعى الشياها

فَخُرّوا سُجّداً لَهُمُ وإلّا

                           فَللْعاصى جَهَنّمُ أو لظاها

وحاشِيَتي رعيلٌ من قرودٍ

                       مَخافةَ نزْوةٍ قُطِعتْ خِصاها

وفيهم شاعِرٌ خَبِرَ القوافي

                              فلمّا خانها قدَّتْ سَناها

مَلكْنا فامْتَلكْنا كُلَّ نَفْسٍ

                         ونَجْزي مَنْ لنا يوْماً فَداها

وفادي الروح للعرْشِ المُفدّى

                         شَهيدٌ روحُهُ سَكَنتْ عُلاها

أنا النهّامُ مُلْتَهِمُ الخَطايا

                       أيَرْدَعُني خَؤونٌ عن حِماها

يُخاصِمُني أبيٌّ ذو ضميرٍ

                  شكى زيْغَ الضمائرِ عن خُطاها

وينْسى أنّ أرواحَ الرعايا

                        تُسامُ الذُلَّ لو غيري حَداها

فَشعْبي مِثْلَ راحِلةِ البوادي

                        وهوْدَجُ أُسْرتي أدمى قَفاها

ومَنْ يَجرُؤْ على الشكوى أنيناً

                            فَمُشْتَبهٌ بِهِ ماتَ إشتِباها

ويشْقى في مُعارضتي حَسودٌ

                        عَزيزُ النفسِ عن ذُلٍّ نهاها

فباطِنتي لها سَبْرُ النوايا

                        وَتُولي كُلَّ من عَفَّ إنْتِباها

تُحاصِرُني كرامتُكم كَداءٍ

                         فأُلقي من (براميلٍ) دَواها

ومن خَلَعَ الكرامَةَ مِثْلَ نَعْلٍ

                           بِوادينا المُقَدَّسِ أو رَماها

على أهْلِ المُروءةِ في بلادي

                       سَلكْناهُ الحضيرةَ فارْتَضاها

مَعاذَ الله من عَبّادِ ذاتٍ

                            ومن لم يعتقد رَبّاً عَداها

تَمهّلْ أيُّها المنفوخ نفْساً

                         تعالتْ لا ترى أحداً سِواها

فلن ينسى الأُباةُ لَكَ الخطايا

                        وقد وَلَغتْ ذِئابُكَ في دِماها

وسلْ ملآى السنابُلِ في حُقولٍ

                          لِماذا تنحَني فَنَصيحَ واها

***

مصطفى علي

 

سردار محمد سعيدهذه الليلة موعدنا يا "رشيدة "*

أليس الليل بطويل

ليطل وجهك المشبع أنوثة

إنتظرتك وأنا أخترع كلمات الغزل

خصفت الشغاف عبارات

فاكشفي عن ساقيك

وخوضي الصرح الممرد

سأذبح الهدد إن استرق النظر

*

يوم اللقاءالأول  

كسرنا نوافذ الحب المغلقة 

مسحنا الندى عن الزجاج

شربنا القهوة المرّة في مقهى اللوتس *ً

كأن مذاقها العسل

يضحكنا انتقال فراشة بين فم وفم

في غمرة الغزل

*

رأيت أرصفة  "ديدوش مراد" حزينة

يا لموج المتوسط كم داعب الهُدب

والسفن القادمة من غرناطة تمخر الزبد

وفم الماء يقضم قرص الشمس الفاقع

ولاّدة تنثر القبلات

تحملها الريح للحيتان المتقافزة

سلاماً ملايين الشهداء

حقاً رشيدتي سئمتُ البقاء

*

حامل الراية استشهد سريعاً

كوفىء بقراءة سورة الفاتحة

يبس الأقاح

غابة الزيتون احتضرت

والطير كسير الجناح

وقناديل تمر "الدجلة" انطفأت *

فبماذا تقّرعين رشيدة

 

سردارمحمد سعيد

....................

* رشيدة الجزائرية ، كنّا على وشك الزواج ،وتوفت عام 1976 رحمها الله وما زالت عالقة في ذهني .

* مقهى اللوتس : قرب نفق الجامعة في الجزائركان يرتاده الفنانون والأدباء والعرب المقيمين في العاصمة الجزائرية .

* "دجلة نور" من تمور الجزائرالشهيرة

 

نقيب العشاق بين بيخال ونياغارا .