صالح البياتيهل سرت يوما في غابة

او بين أشجار اليوكالبتوس

أرأيت كم هي مهيبةً

تصطفُ سامقة، منتصبة القامةِ

كالجنود البواسل

في ميدان عرض عسكري

هل استرعى انتباهك

انها مجردة من الأسلحة

امعن النظر اليها

سترى اوراقا حمراء

لا يذهب بك الظن انها جراحاً نازفةً

انتبه حين تمشي، حتى لا تدوس الأوراق الجافة

فهي ليست كما توهمت ميتةً

او قتلى سقطوا برصاص الأعداء

انها ارواحنا التي فارقت الحياة

احترس جيداً، ان تطأها بقدميك

كي لا تُحزن المعري، الذي أوصانا

ان نمشي الهوينا

الأشجار شواهد  لقبور من ماتوا قديماً

او ماتوا مجهولين في الغربة

تذكرنا بهم عندما تهوي جذوعها

تحت وقع الفؤوس

بأننا لا زلنا نرتعب

من سيف الجلاد الذي يدحرج الرؤوس

أمامك الطريق واسعاً

يتسع لجميع السائرين

فامضِ في سبيلك، ولا تلتفت للوراءِ

***

صالح البياتي

 

حنان عباسيتحتاج فقط إلى دقائق حتى تستعيد كلماتها الخجلى والتي احتجزتها نظراته .. أمامه هي طفلة متلعثمة تتعثَّر في حروفٍ منهزمة.. رفعت رأسها في خيلاء كاذب، في محاولة جريئة لإثبات أنها قوية رغم الضعف البادي في صوتها الهامس .. لم يكن قد أدرك الخصومة المحتدمة بينها وبينها  في حضوره .

تعمدتِ البقاء في جلسة معتدلة المزاج، وهي تومئ برأسها إيجابا على أسئلته القصيرة الجملَ، وتختزل الردَّ في أبسط أساليبه موحيةً له بأنها واثقة من نفسها وأنْ لا تأثيرَ له عليها .. وأنه لا يخْبرها بين الكلمة والكلمة أنها الأجمل بين الحاضرات، والأحلى صوتا وصورة، وأنه يتوق لإنهاء كل هذا الضجيجِ الإداري كي يرحل بها بعيدا .. وأنه لا يجذبُ أفكارها نحو حلم واحد أسطورِيٍّ : أن تكسر غروره بقبلة، تشدّه نحو شفاهها المرتعشة، تضمه أمنية لذيذة إلى صدرها وتنبض به جنونا ..

...... كان هذا اسمها الذي يتردد بين جدران الرواق، ذلك الصوت ناداها ثانية.. وللمرة الثانية تبعته إلى المكتب تحمل ملفها وبقايا الحلم الغبي الذي كانت غارقة فيه وهي تنظر إليه يُحَدِّث المُرشَّحةَ التي سبقتها في الدخول ..

 

حنان عباسي

سعد جاسم(قصيدة للاطفال)

***

 أَيَّتُها البَبْغاءْ

ضوضاءْ

ضوضاءْ

كمْ أَنتِ تُصْدرينَ من ضوضاءْ

كلامُكِ .. ضوضاءْ

غناؤكِ .. ضوضاءْ

ويزعجُ الطيورَ في الحديقةْ

وقطتي الرقيقةْ

وأُختي الصغيرةْ

وجدتي الكبيرةْ

ويزعجُ البلابلَ البيضاءْ

حاذري ياببغاءْ

إِنْ لمْ تَكُفّي أَبداً

عن هذهِ الضوضاءْ

نَرُشُّكِ بالماءْ

فتُصبحينَ مُضْحِكةْ

حزينةً ومُرْبَكةْ

***

سعد جاسم

 

جميلة بلطي عطريالشّوقُ كَفّ عَطاء

فِي راحة الكونِ

يسكبُنِي نُقطةَ ضوْء

بَذرةً تحملُ بيْن الحَنايا

سَماد الزَّمن

سنبلةً حُبلى تُطاوِل الشّمسَ

تُلوِّنُ جدائلها بِعبقِ التّوق

علَى فَمِ الأحياءِ ترسمُ بسمةً

فِي عُمق البَحرِ

تُوشوشُ فِي أذن المَحَار

همْسة تسْرحُ في وَريدِ المَاء

تُوقظُ الحلْمَ المُؤجّل

تُنصِفُ الأحْياء

تُلبِسهم دَوائرَ بلوْن الطّيِف

تَسقِيهِم الفرَجَ رَجاء

حَياةٌ بيْن الشّهْقة والدَّهشة

تلدُ النّبَض الجَديد

ونُقطة الضّوْء تتّسِعُ

تلاحقُ الدّائَرة

علَى صَدر الأيّامِ تُعلّق العَراجين

سَبائكَ نورٍ تمتصُّ الظِّلالَ الغائِرة

تُحوّلُها قناديل

مشَاعل تَضخُّ الدِّفْء

تمتدُّ على وجْه المجرّةِ مزيجَ ألوَان

فِي رِحابها تتصالحُ الأزْمان

علَى المِنصّة القُزحيّة يُرفعُ شِعار

يُهلّلُ صوتٌ أنْهكَه الانتظَار

أنا نُقطة الضَّوء

مِنْ طين الطّهْر سَجيّتي

أنا ِزينة الكوْن

مِنْ وَتينِي أسقِيه فيُهديني حُرّيّتي

مِنهُ ومنِّي تنبجسُ المُعجزة

والعُمرُ في المَحاريبِ يُصلِّي

يسرّبُ الرِّضا رَوحًا وريْحان

أنا الطّيبُ فِي رَاحَة الكونِ أعْبقُ

بِي يَحتفِي

يُباركنِي

يُكِرمُني إنْسَان.

***

بقلمي: جميلة بلطي عطوي

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها :

ابتسامتُكِ تفيضُ على الكونِ

كأنَّها الأنهارُ

تتفتَّحُ فيها أشرعةُ العُشَّاق !

دعيني أُبحِرُ

بين ضفافِ تلكَ الابتسامةِ

أبحثُ عن اليقين

في زمنِ الشَّكِ اللَّعين !

*

دعيني أُرافقُ تلكَ الابتسامةِ

إلى أبعدِ ما يكونُ !

سأمرُّ على كلِّ الفصولِ

وأسألُ الخريفَ عن شعرِكِ

الذي تساقطَ قبلَ الأوان

وأسألُ أصابعي

التي كانت تمرُّ بين خصائلِهِ :

لِمَ هذا البُكاء ؟

أمَا آنَ لهذا الدَّمعِ النَّازفِ

من بين الأظافرِ

أن يتوقَّفَ عن النَّزف !

*

سأتركُ لهمُ الجسد

مُسجَّىً

كأنَّه البلد !

وأحملُ ابتسامتكِ

بينَ جفنيَّ

وأفتحُ لها بابَ الأحلام

قد تأتي لي بجوابٍ

فالدَّمُ المُراقُ

بين شوارعِ البلد

آنَ له أن ينام !

*

تعالي نولدُ مرَّةً ثانيةً

تعالي نبدأُ العمرَ من جديد

كالأجِنَّةِ في الأرحام

بلا خطايا

بلا آثام !

*

تعالي نتسلَّقُ الجبالَ

في اللَّيلِ

في النَّهار !

*

تعالي نتصدَّى للرِّياحِ

بظهورِنا العاريةِ

كعرِّي الأشجار

نمضي وحدَنا

إلى أعلى الجبلِ !

واتركِي الطُّوفان

يغسلُ الأرضَ

من الرِّجسِ

والأوثان !

*

وانظري إلى السَّفينةِ

كيف تقهرُ الأعاصيرَ

والأمواج !

تأمَّلي بها طويلاً طويلا

وانظري إلى النُّجومِ

كأنَّها الجيوش

تزفُّ السَّفينةَ

نحو الشَّواطئِ الجديدة !

*

انظري إلى وجهي

سأفتحُ جفنيَّ

تأمَّلِي في عينيَّ

ابحثي فيهما

عن تلك الابتسامةِ

ورُدِّي الطَّرفَ

نحو السَّفينةِ

وابتسمي من جديدٍ

لنبدأَ الحياةَ

فتلك السَّفينةُ يا حبيبةُ

هي ابتسامتكِ

التي كانت من قبلُ

تُقيمُ بين عينيَّ

كالأحلام !

*

هامش: حين تبتسمينَ تتجدَّدُ الحياةُ !

 

د.عاطف الدرابسة

 

صحيفة المثقفكانت تلف قدميها على بعضهما ابتغاء إراحتهما، مالت بجسدها نفضت رماد سيجارتها في منفضة جميلة موضوعة على منضدة صغيرة بجانبها من الألمنيوم والزجاج ثم اعتدلت ورفعت رأسها واستأنفت معلقة على ما جرى من حديث : لا أدري لِمَ تستغربون وترفضون التنوع ؟ !، ولا تصدقون إمكانية التآلف معه وبه، وقد ضرب الله لنا مثالا عليه، ألا ترون الطيف الشمسي أليس هو مكونا من عدة ألوان جميلة إذا رأيناها منفردة ولكنها تنسى تفردها إذا اجتمعت معا مكونة لنا ضوء الله الذي ننعم به جميعا . أنا أرى إن المجتمعات كذلك وإن في تنوعها قوة وفائدة لنا وإن الانسجام فيها أصيل لا مفتعل .

أجابتها جليستها وهي محنكة تلتحف بالسواد : لا أرى ما ترين فلا يمكن لمجتمع من هذا الطراز أن ينتج خيرا ويستمر عليه فإن تضارب الميول والرغبات سيؤدي به الى التهلكة .

وكانت تقف عند رأسيهما فارعةٌ في غاية الأناقة تحمل بيدها اليسرى صحنا صغيرا من حلويات اختارتها من الصحون المصفوفة بترتيب وذوق على مائدة في جانب من الغرفة أما يدها اليسرى فهي تحمل كوبا من الشاي سكبته لنفسها من إبريق يحتفظ بالحرارة، فجلست في مقعد بينهما بعد أن وضعت ما في يديها على منضدة صغيرة أُخرى، جلست وهي تقول: عجبا لكما الا تريان إن التنوع هو سمة الحياة الأساسية وهو سمة الخلق كله ؟!. تخيلا بلدا لا ينبت فيه الا القمح وبلدا فيه كل ما خلق الله من نباتات وورود ترى في أيهما تودان العيش ؟!!! .

استمرت ثلاثتهن بالحديث والجدل البارد وكن فيه إذ دخلت بل اقتحمت عليهن الغرفة رابعة وكانت تحمل في يدها بضعا من ورود ال " كاردنيا " الموسمية، وفي اثناء إلقاء التحية والتقبيل الحار أعطت لكل منهن واحدة فرفعنها جميعا لأُنوفهن وهن يسحبن منها أنفاسا ويتمتعن بخلق الله ويستحسن الرائحة الجميلة قالت : قطفتها من أجلكن قبل صعودي لسيارتي إنها طــازجة ناعمة وبيضاء " مثل القيمر " . . شكرنها جميعا ثم عدن لحديثهن قالت إحداهن : كنا نتحدّث قبل مجيئك عن التنوع وعن الانسجام هل هو فعلي أم مصطنع ومدى قوته وفاعليته في المجتمع فما هي وجهة نظرك يا ترى ؟ قالت وهي تزم شفتيها : أنا أرى انه ضروري لتقدم المجتمعات ولإيقاد شعلة الحضارة فيها، أُنظرن معي سيظل مجتمع ما على ما هو عليه ما دام منعزلا يتداول عاداته وتقاليده أبا عن جد ما لم يتلاقح مع مجتمعات اُخرى يظل بسيطا موقنا من انه على حق تماما وأبدا سواء أكان كذلك أم لا، هيا تخيلن معي مجتمعا بعيدا عن المدن والتجمعات البشرية لنأخذ مثلا في القطب الشمالي إنهم منذ زمن موغل في القدم يعيشون يأكلون ويشربون ويتناسلون كل ذلك جميل لكنهم لن يتقدموا أبدا ما لم يروا أُناسا آخرين يحيون بطريقة اُخرى ولهم عادات أُخرى فهم سيقتبسون منهم ما ليس لديهم وما ينقصهم وهذا ما فعلوه فعلا أخذوا من الآخرين ما ليس لديهم فطوروا من أوضاعهم واكتسبوا أشياء اُخر لم تكن لديهم لذا سهلوا طرق عيشهم وطوروها مع الاحتفاظ بقيمهم . وكذلك أراد الله لخلقه في قوله تعالى " وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " .

أجابت ربة الدار من مقعد وثير كانت تغطس فيه وهي طبيبة في الأربعينات من عمرها جميلة ترتدي فوق ملابسها شالا أزرق لأنها لم تتشافَ تماما من مرضها بعدُ - كانت صديقاتها يزرنها للاطلاع على صحتها من جهة وليؤنسنها من جهة اُخرى - قالت كلكن تعرفن منحدري وقد طلبت أن يكون تدرجي الطبي حيث وُلد جدي لأخدم أهلي وعشيرتي . غير اني طوال ما كنت هناك عوملت كغريبة تماما إذ كانت بنات عمومتي لا يأنسن لي أبدا وينظرن اليّ في معطفي الأبيض كدخيلة لا لشيء الا لأني أولا أعمل في مشفى ولأني ثانيا لم أكن ألبس ولا أتكلم مثلهن    ..... حتى ندمت لاختياري منطقة التدرج وفرحت بانتهائه - . وهذا يبرهن إن الانغلاق سببٌ للتمسك بعادات وتقاليد مناطقية والتحمس لها والذود عنها وقد لا يكون كل الخير فيها .

قالت الاولى : لعل فيما نقول بعض التجني . غير إن كثيرا من العادات التي تمارس في المواقع المنعزلة على إنها تمسك بالتقاليد يُشرّف من فعله قد يُعدُّ سُبّة في مجتمع آخر .

ردت الثالثة : نعم فيما تقولين كل الصحة فان ابن أحد أعمامي نهى عن ابنة عمي الآخر ومنعها من أن تتزوج لأنها مسماة باسمه منذ ولادتها ولما ترك عمي ( أبوها ) القرية الى مدينة صغيرة قريبة منها أتم كل أبنائه تعليمهم وكذلك ابنته فجاء المسمى خطيبا متقدما لخطبتها مصرّا عليها ولم يرض عمي ولا ابنته بذلك غير إن العشيرة كلها – الا أبي - وقفت مؤيدة ابن العم في إصراره على الزواج منها واعتبروه شجاعا وشهما لتمسكه بها وبتقاليد العشيرة ونسي الجميع أو تناسوا قول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم ) ( بالكفء ) فلما ذكّرهم أبي بذلك، قالوا جميعا انه كفؤها أليس ابن عمها فلم يروا في الكفء الا جانب النسب فحسب .

قالت الثانية : ولِمَ لم يزوجوها منه ؟! . الا يُعدُّ ذلك استكبارا أن ترفضه لأنها متعلمة وهو ليس كذلك ؟

قالت الثالثة : الا تعلمين إن شرط الزواج الرضا والقبول وما لم يتوفر يُعتبر الزواج باطلا لو إنها اقتنعت به لكان الأمر طبيعيا ولكنها لم تقتنع ومن هنا ولد الإشكال . ثم إن المرأة عادة تضع نصب عينيها مثالا ويكون زوجها قدوة فإن لم ترَ فيه قدوة لها ومثالا فلن يكوّنا اسرة قادرة على المضي قدما في مختلف الأحوال والظروف . خذي مثالا على ذلك زميلتنا ( س ) التي انفصلت عن زوجها لأنها كانت تتعرض لسخرية الزوج كلما نطقت بكلام أو طرحت فكرة ما وإن كانت نيّرة، ذلك لأن البون شاسع بينهما في التحصيل العلمي والثقافي . فكان يسخر من كل ما تعلمته وآمنت به وتود أن تعمل به ليكون دعامة لمسيرة حياتها وحياة اسرتها . لذا فقد أبقاها معلقة فلا هي زوجة ولامطلقة . لذا فإن " الكفء " تشمل التعليم ضمن ما تشمل كما أرى وأعتقد . وهنا اندفعت الى منتصف الغرفة حيث ربة البيت طفلة في الرابعة من عمرها بجدائل كستنائية جميلة وهي تقول : ماما ماما سوزي مريضة اكشفي عليها واعطني دواء ماما ماما أرجوك أسرعي سوزي تحتاج الى " ابرة " . كانت تحتضن دميتها سوزي بحنان ورثته عن امها وجدتيها . أخذت أمها الدمية ووضعتها في حضنها وهي تتظاهر بالكشف عليها قائلة :

اوه .... نعم إن حرارتها مرتفعة، وجست نبضها ثم طلبت من ابنتها أن تأتيها بلوازم " الابرة " - وكان ضمن لعبها عدة بلاستيكية لذلك - وبعد أن تظاهرت بانها حقنت الدمية بما يشفيها طلبت من الطفلة أن تأخذها الى فراشها كيما ترتاح وطمأنتها قائلة : لا تخافي فقد أجريت اللازم . كانت الضيفات جميعا يبتسمن طوال الفترة التي استغرقها الفحص والتشخيص واجراء اللازم . أعجبهن ما فعلته الطفلة فابتسمن قائلات " فرخ البط عوام إن شاء الله " .

ولما خرجت الطفلة عُدن لتداول الحديث ولكنه هذه المرة كان عن اسعار وأنواع الملابس والكماليات وعن أخبار المحلات الجديدة

" المولات " الكثيرة التي انتشرت أخيرا بسعة وانتشار في أرجاء البلدات القديمة .

***

سمية العبيدي - بغداد

31 / 5 /2014

 

نادية المحمداويالربانُ المغلوب

أدركَ أن الأقراشَ المتوحشةْ.

ستهاجمُ بين لحظةِ وأخرى

حطامَ السفينةْ.

وأدركَ أن ما تبقى

من الواحِها الطافيةْ.

لا يقيه ضراوةَ الفتكِ اللعينْ.

ليس في ظلمةِ الأعماقِ

حلمٌ يجيءْ. 

ولا في كآبةِ الأفقِ

جناحٌ يسافرُ،

بشوقِكَ الكبيرِ إلى اليابسةْ. 

ماذا يقولُ عنكَ

السائلونَ حينَ لا تعودْ.

حينما تموتُ في قرارة الأعماقِ

مغلوبا حزينْ. 

أولادكَ الصغارُ انتظروكَ

عشرين شتاءٍ

وناموا بعدَ طولِ انتظارٍ يائسينْ.

أولادكَ الصغارُ كبروا

وأنتَ منذُ عشرين شتاءٍ

غائبا كحلمِكَ القتيلِ لم تجيء. 

***

نادية المحمداوي

سلام كاظم الشجريقظتي؛ أحكمت مغاليق

الجدران.../

أقمت صلاة الغائب

خلف الجنائز

تسمّرت وجوه الباكين

حول سياط الوحشة

وهلوسة الاِدمان

سنقف بعيدا وجدا

خارج حدود الرؤيا

ننتزع مكاشفتنا

وطول الصبر على مخافتنا

أن يمنحنا الربّ

بلادة الرهبان ،،،

لا تغادر مظلتي

وأبقى حولي تقرأ بعضا من

وحدتي وهي فكرة

إلحاد أسّسَ لها الشيطان

.

.

الجزء اليسير

من صوتي لم يزل

يدندن كجرس بابنا العتيق

يداهم صمتنا

يتمشدق بهمسة كاذبة

رسمتها شفاه معطلة

بأدنى من قدرتها الخفية

على أن تستنهض النيام

وتتبع الأحلام بآخر الطريق

اِنا ضمن مسافة الشوق ؛

لنرسم الموجات فهنالك الأعماق

هنالك إجترار وغريق

.

.

معظم مساحاتي

مؤجرة.../

لقادمين من خلف

خطوط النهار

يتقاسمون عودتي محملا

بأثواب الصبر

وشيئا من نواح كآخر القصب

ينحني باِنكسار

.

.

سلام كاظم الشجر /العراق

 

رابح حيدوسيككل يوم، لا يملل من الملل، هذا التائه على رصيف مكتظ بالعابرين، لا شيء يلهيه عن تأمل تسارع الحركة وفتورها ساعة بساعة الأشخاص وإن اختلف لباسهم واشكالهم، فإن محياهم يحمل من فصول الخيبة والقلق العميق، ما يؤثث به اتجاهاتهم المتقاطعة إلى حواف سحيقة، لا يدري منذ متى جلس إلى كرسيه البلاستيكي المألوف، الذي جمعته به رتابة السنوات، كأنه صنع خصيصا له،  فهو إذ أسند جسده اليه يشعر أنه يتلاشى، خارج الوقت، و يشعره بأنه يلعب خارج رقعة الشطرنج الفاخرة المهملة على طاولة نظيفة من الغبار الذي يلف أفقه هذا الصباح، ككل يوم آخر، يراقب النهر البشري المتدفق على مسرح الحياة من رصيف بارد، يجثم الليل كالعادة، فتخبو الحركة رويدا رويدا. لتفسح مجالا لصرير أمعائه الخاوية، إلتفت  إلى اليمين، ثم إلى اليسار، لا شيء بالجوار ينبض بالحركة، حتى صاحب المقهى، لم يبد عليه الإهتمام، فغط  في نوم عميق، حتى الساعة الحائطية التي نظر إليها طويلا بدت غارقة في هوة سحيقة على غير سيرتها، عقاربها تجمدت. لم يعد هناك شيء يمكن تذكره، فالأحداث  كالأمس وقبله، لم تتبدل .ربما، لم يعد للوقت معنى . قال هذا، وتنهد بعمق، وأطلق ساقيه للريح،  يحاول  بخطوات متهالكة أن يؤجر للساعات روحه .

 

حيدوسي رابح /بسكرة /الجزائر

عبد الستار الزبيديكلانا يتقصّى الآخر

عند تقويم تَوَاتر الخطى

أنا أهدر أسئلتي

حتى ألمُجنى عليها

وأنت تُحرِض احلامي نحو التدفق

لَمّْا تَسَلَلْتَني ذات ولادة

بَسَطَتَ جهاتك رغم ارجائك الشاسعة

سمحة على مديات دمي

وقدَّرت حدودك

عرض العشق واتساع الصلوات

وقتها فتح البردُ بابًا فاغرة

انتابتني شياطينُ الأرصفة

ارتجفت حتى أكثرَ الاستفهامات لسعاً

من مَنافٍ قارصة

غير إني احيطكَ دفءً من حُمّى الروح

أيَهذا المحكوم بالإقامة الجبرية مع النبض

انا هناك قابع حيث حافة الأرض

أينا يسكن الاخر

انا هناك

هناك جدا

أيها الوطن المفعم بالتشرد

الموسومُ بالسَبيّ

الضارب بالوجع والتاريخ

وضعت النهار شاهداً

إني وطّنتُك مساحاتَ نبضي

مذ مسقط القلب

من العشق الى العشق

ألك أن توطنني؟

***

عبد الستار جبار عبد النبي الزبيدي

نرويج . استافنجر 2014

 

حسين حسن التلسينيجراثيم ملثمة ومجنونةْ

وفي هاماتها ظلمات مزبلة الغباءِ

وبين عروقها غليان أنياب الوباءِ

جراثيم ملثمة ومولعة بصحراءِ الشقاءِ

تلاحق كل قلب يرتدي ثوب الضياءِ

وقبعة الشتاءِ

تلاحق كل كف دافق بحليب أحشاءِ الصفاءِ

وينمو فيهِ دوماً

كل تفاح ورمان وأزهار وزيتونةْ

***

جراثيمٌ ملثمة وملعونةْ

رمتْ ثوب السعير

على الحروف الهاطلات من السماءِ

وتحت رؤوسنا وضعتْ وسادات الفناءِ

فجف الكحل في مُقل الثرى

وغدتْ برمح الحزن مطعونةْ

***

جراثيم ملثمة وملغومةْ

ترى في الإنتحار وهولهِ وسط الجموعِ

أناشيد الشموعِ

ومنديل الدموعِ

وأنهاراً تُقبِّلها أزاهير الخزامى

وخبزاً ينتشي دوماً على راح اليتامى

وصداحاً يوكر في حديث الأنبياءِ

يغرد بين خفق سلال شهد الأولياءِ

يُحلق في صفاءِ سماءِ جمع الأتقياءِ

ومسكاً بين خصْلات الحياةِ

وصومعة تنادي للصلاةِ

وفوزاً بالشهادة بالجنانِ

بحوريَّات خالقنا الحسانِ

جراثيمٌ ملثمة ومسمومةْ

***

شعر: حسين حسن التلسيني

 

صحيفة المثقفلم يتعلّم الموجُ الحصافةَ ..

في كل مرةٍ يرتطمُ بحجرِ الشاطيء ويتناثرْ،

هكذا يكرّرُ الخطأَ نفسه، دونَ أَنْ يتَّعظ !!

               * * *

قُلْ الكأسُ إلى النصف !

إنْ لمْ تزدْ عليها، تنجو من كمينِ :

" متفائل " أو " متشائم " وحتى " متشائل" !

        * * *

أُناكدُ ركبتي المعطوبة، سئمتْ حملي،

سأحملُ البحيرةَ بغيومها،

النهرَ،

والحدائقَ بأطيارِها ...

سأحملها، كلها، إلى داخل غرفتي !

       * * *

في الأعالي تشيبُ النسور،

حينَ لا تعودُ قادرةً على تحريك الهواء،

تروحُ تُحرِّكُ جناحاً إثرَ جناح ..

              * * *

الفنارُ صِنّارة/ فخٌّ لقراصنةٍ هجروا البَرَّ،

إستوطنوا البحارَ " من أجلِ قوتِ العيال !!"

               * * *

حيثُ تتسيّد الخرافةُ والجهل،

لا يبقى مكانٌ للحكمة والفضيلة ..

فالذكرياتُ مؤجلةٌ لحياةٍ غير هذه،

والثقافةُ إلى عصرٍ آخر،

والنبيذ إلى غدٍ، لا يأتي ..!

                * * *

في شُرفَةِ مطعمٍ تُطِلُّ على الساحة الأثَريِّة بسيينا / إيطاليا، جاءت نادلةٌ حلوة،

راقصةً تمشي وتغني " ليس سعيداً كلُّ مَنْ يغنّي .."

قُلتُ نبيذٌ لأثنين، لكِ ولي !

قالت " النصُّ ليس لي، لا أدري مَنْ قاله .. ربما يونانيٌّ قديــــم!"

قلتُ إذنْ نشربُ بصحة والدي !

باسمةً تساءلت " لماذا والدك ؟!"

كان مُعمّماً، يُدندِنُ بشيءٍ وقت الأزمات، وما أكثرها في بلادي،

ولمّا يراني أنظرُ إليه مُستغرباً، يعاجلني :" الطَــيْرْ يرقصُ مذبوحاً من الألمِ "!!

               * * *

رُحنا جماعاتٍ، لكن يا لويلتنا عُدنا فرادى !!

             * * *

يكتبُ لي مُطوّلاتٍ تنتهي كلها بـ :

" بعد كل هذه الهزائم، أنا المنتصر"!

فأقولُ له :" بعونِ الله وقوة الحتمية التأريخية "!!

              * * *

جسرٌ مُكفَهرٌّ فوق نهرٍ جَفَّ، يحلم بسيلٍ يمرُّ من تحته، يبرِّرُ وجوده ..

            * * *

لأنه مريضٌ بعدم إحترام المواعيد، يُبرِّرُ لنفسه :

" التأخّرُ في الوصول، خيرٌ من عدم الوصول"!

           * * *

ما كُنّا من " أبطال " رفحاء! ولا من "جحوش" كردستان ..

كُنّا منذورينَ لوميضِ نجم بعـــــــيد !!

         * * *

أكتبْ نَصَّكَ وإمضِ !

دعهم يستلّون النميمةَ من زهرِ الغيرانيوم،

والكَسَلَ من ورد الآس !

         * * *

كُنْ بنباهَةِ لقلَقٍ، يسعًدُ بعشٍّ، حتى لو كان من زجاج !

إنْ بدأتَ نصاً، لا تختمه ...

إتركه مثلَ شعرةٍ فوقَ اللسان !!

          * * *

شَرِبنا من الجدول عينِه وإرتوينا ..

لكن حين شَحَّ ماؤه وإنحسر، قِلَّةٌ شَمَّتْ في طعمِ الماء رائحةَ السكاكين!!

***

يحيى علوان

 

 

عبد الحق وفاقأطلّ صُبح يَومٍ جَدِيد، افتتحَ "مُبَارَك" يَومَهُ الرَّتِيب، أخذَ آنِيةَ المَاءِ إلى عَتَبة البَيْتِ الخَارِجي، مَسَحَ على وجهِه، وَخَلّل شَعْرَه الأشْيَبَ، رَتّبَ على جِسمِه النّحِيل ثِيابَه البَالِية المُعلّقَة على البابِ الداخلي. بَسطَ جلبابَه الصّوفِي على زاويَة من أرضِيةِ البيتِ، وأخَذَ يُتَمتِم في صَلاتِه بِصَوتٍ خافتٍ أقرب إلى النَّجوى، أعادَ جِلبابَه إلى مِسمَار البابِ. جَلسَ الأربُعاء وهو يَغمِسُ كِسْرة الخُبز في صَحنِ صَغِير صُبَّ فيه القليل من زيت الزيتون وبَعضَ الزُّبدة، ارتَشَفَ  بِقَليلٍ من السّرعَة كأس القهوة التي أعدّت زوجَتهُ "رَاجِيّة" قبل أن تَعود إلى احتواءِ صَغيرَيْها في الفِراش. رَتّبَ أدواتَه في حقيبَةِ الثَّوب المُرقّعة، وَغَرسَ جسمَه الهزيلَ في الجِلباب. دون أن يَنسى إخبار "راجية" أنه قد تَركَ لها الدراهم المعدودات على الصّندوق الخشبِي، قبْل أن يَهُمَّ بِقطع نَحْوِ كيلومتر ونصف مُترجِّلا إلى المَدينة البائِسة التي تُصَارع ساكنتها الصباحَ لموعِد الحافلةِ الوحيدةِ التي تُقِلُّهم إلى ضاحيةِ المدينة حيثُ مَعمَلُ تَجميعِ أزهار البُرتقال.

وَصَلَ "مبارك" إلى مَحطّة الحافِلة بعدَ أزيَد من نِصف ساعة قَضاها في الطّريق يفَكِّرُ في شِراء دراجّة هوائِية، تُعفِيهِ  دراهم الحافِلة والانتظار الطويل. وَقَفَ حريصا على مكانه حتى يحظى بِكرسِي بارِد في الحافلة المُنتظرة. توقَّفَت دونَ أن يهدأ صوتُ المُحرّك، فتسارعَ الحَشدُ للصّعود، قُدِفَ خارجَ الحَشدِ بَعد أن حاولَ أن يكون من الراكبين الأوائل، انتظَرَ بُرهَة فَصَعدَ، أدخَل يَده في جَيبِه يَهُمّ بإخراج الدراهِم الأربعة ليحصُل على ورَقة الصُعود، فأخرجَها فارِغة –مُتجَهّما- بَعد أن تذَكّر أنه تَركها بِجَيب سِروال آخر. لمْ يُفلِح في استعطاف المُراقِب ذو الشاربِ الطويلِ. فعاد أدراجَه إلى الرصيف الفارِغِ من الحَشْدِ، وهو يرُقبُ الحافِلة تنطَلِق مُخَلفةً أعمدة من الدخان والغُبار .

جَلسَ إلى السّورِ القصيرِ الأقرَبِ من الرّصيف، اقتربَ مِنهُ شابٌّ على كُرسِيٍّ مُتحَركٌ، عُلِقت بِجنباتِه أكياس من البلاستيك، تحوِي خُبزا وماء وأطِعمة أخرى. مَدَّ يَده إليهِ بِبُطءٍ ، فأشار له "مُبارك" أن لا دِرهَمَ مَعَهُ، لَكِن الشابَّ الأسْمَر المُقعَدَ على الكُرسي تَمتَم إليه بِكلماتٍ غير مَفهومة، مُحرّكا يَده اليُمنى أن يأخذَ مِنه _خَمسة دراهِمَ _وَهُو يتطَلّعُ إلى وجههِ بابتِسامة غَريبة.

مَدَّ "مُبارك" يَدَه يَأخذ الدراهم، فقاطَعَه صوتٌ غَليظٌ مِن سائق سيارةِ عُمَّالٍ: إلى مَعمَل البرتقال يا رَجُل؟. أشار بِيَدِه إلى صاحِب السيارة. وأدخل يَدَه في حقيبتِه فأخرج كِسرَة خُبزٍ وعُلبَة من السّمك المُصَبّر، دَسَّهما بِشُكرٍ في الكيسِ البلاستيكي للكُرسي. وصَعِد السّيارة في الخَلفِ مع العُمّالِ الثلاثة الذين يقطعون الشّوطَ الأخير مِن نومةٍ خفيفة.  دَوَّى المُحرّك، فَلوّحَ "مبارك" بِيَدِهِ إلى الشابِّ، وهو يَنبِسُ بكلماتِ شُكرٍ للتَّضامُن.

 

عبدالحق وفاق

 

 

عبد الجبار الحمديكان غنوصيا يمسك بتلابيب الاقدار كأنه يُؤمِنَ لها السير في عالم الأرواح الميتة، غالبا ما يراه الناس يسير دون أن تلف أقدامه سف التراب كأن طيرا ما أو جنا يحمله يسابق الريح حيث المقابر التي يقضي جل وقته قابعا بين القبور يخاطب هذا ويحفر عند ذاك.. عرفته الناس بإمكانيته مخاواة الجن بعزم أخرس يمكنه أن يغير حظك ويجعلك من الذين يؤطرهم الرخاء والبحبوحة.. على باب داره يقف من زانه في بداية غوصة عالم الأرواح التي غطس في بحر متاهاتها فما عاد يمكنه الرجوع، لقد غلبته الجاهة التي يراها في عيون من يقع تحت يديه شارحا له أن رزقه قد توقف أو ان فلانا عمل له سحر ما .. أو إمرأة تشكو جارتها التي خطفت زوجها الى فراشها .. ذاع صيته حتى وصل الى رجالات الدولة الذين يلبسون من المحابس ما يجعل أيديهم تتهادل من ثقل حجرها طمعا في تسخير جن ودفع بآلية فسادهم في حجب عيون تراقب نهبهم وسرقاتهم... كان بارعا حد التشدق بأن يريهم شكل الجن الذي يخدمه عندما يلبي طلباته ويسهم في حلها.. سلك كما ابو زيد الكثير من المسالك إلا أن ليس كل سكة خالية من منغصات ... ساقت الأقدار على عتبة دارة شخص لم يره من قبل او يسمع عنه، ذاك ما علم به بعد ان طلب منه الآخر ان يكون اللقاء سريا دون ضجة او مجمع من الناس فهو لا يحب ولا يجب أن تراه الأعين إن ذلك يؤثر على هيبته وسلطانه... رضخ لطالب الحاجة بعد أن فرك يديه بشدة حتى فاحت عنها رائحة البخور والملح الذي كثيرا ما يستخدمها في طلب الجن... شمروخان صاحب الجبروت والسلطان طلبتك اليوم كي تعينني على كشف اسرار الزائر الجديد ها أنا أعطيك أسمه وأسم والدته فهات لي ما تعرف عنه بسرعة قبل ان يأتي فموعده شارف ...

كانشخصية غامضة هالة من الصمت عندما دخل دون أن يلاحظه أحد افترش الركن الأيمن من المكان دون ان يستاذن الغنوصي..

مرحبا سيدي الكريم لقد فاجأتني وهذا نادرا ما يحدث! فأنا من يفاجيء لكنك خطفت بريق اللحظة والمتعة التي أشعر بها عندما ارى علامات الخوف والغرابة في وجوه من ألتقيهم أول مرة لكن لا بأس.. واقعا استغرب جدا!!! أنك لا تحب ان يراك أحدا ممن يقومون على خدمتي فعالمي مليء بالجن والأرواح التي تتعامل مع أنواع مختلفة من المسميات لكنك الشخص الأول الذي من أجله منحت الجميع راحة حتى انتهاء العمل في طلبك... تفضل ما هي مشكلتك

دون مقدمات.. الرد صادما... أنت؟؟؟ إنك دفعت بالكثير ممن كنت احسب أنهم سيكونون في عهد وميثاق معي لكنك بأفعالك والفساد الذي منحتهم إياه أمد من أعمل عنده ان يرومهم مهلة وفسحة من عمل ليرى ما هي ردة أفعالهم بعد ان تجري بأيديهم الأموال سواء من حلال محرم او من حرام محلل..

الغنوصي: على مهلك سيدي ما انا إلا خادم لجميع العامة من الناس والمسئولين او من رجال الدين فقد أسهمت بعملي معهم، رفدتهم بالكثير مما يُسلك إمور دينهم ودنياهم فقد مالت بهم الاحوال غير أني رتبت لهم الوسائل من خلال جن يسير بهم حيث السفهاء من الناس والمغفلين فيصدقون بضاعة الدموع بيع شراء يسهم في الزكاة خمسا كان او سدس وهلم جرا.. إني رجل لا يمكن ان أرد طلب مسئول يريد ان يخلص من فلان من الناس وهو شوكة في خاصرته كما يطلق عليه.. فدوري مقتضب استخدم شمروخان خادمي الخاص فيأتيني بجن إنسي يعمد له بالمهمة وانتهى... إن العقول الفارغة التي اتعامل معها تسف براز الخفافيش على أنه طب أعشاب فغورهم في الوهم يساعدني يسهل مهمتي، لا أخفيك كثيرا ما سيقتهم البول سواء حيواني ام بشري وغالبا ما يتذوقون الروث الحيواني برحابة صدر لا بل يزيدون أنهم يتبخرون بدخانة كطارد للفقر، إن عالمي يعتمد على جهلهم فلا يَغُرَني أنه مسئول او وزير او سيخ او اي مسمى جميعهم يؤمنون بالجن والجن المسكين يعاني من شيطنتهم الانسية التي لا يسطيع ان يجاريهم او يضاهيهم بها.. في تلك اللحظة يأتي دوري للقيام بما يمكنني أن اقوم به رغبة في الكسب المادي الكبير لا أنكر ذلك هذا اولا وثانيا السيادة التي اتمتع بها.. فقد دلفنا مغارة لا مخرج منها إما لدغات عقارب او ثعابين مخبئة في بؤر نتنة لذا كان لزاما علي أن لا اتخذ من عالمهم البغيض سوى غبائهم وجهلهم الذي استفدت منه كثيرا... صدقني إن الفقير عندما يأتي لي في مساعدة ما أشير عليه ان لا يجرب هذه الأعمال لأنها لا تعطيه أكثر مما تأخذ منه... ربما أفلحت مع البعض تلك النصيحة التي اسديها للفقراء والسذج دون مقابل...  لكن الكبار فلا أستطيع لأنهم لا يصدقون قولي لقد تهرقطوا خلقوا لأنفسهم عالم من الدجل الكبير فلا مناص عن الإتيان برب الفساد كي يغوص معهم في مستنقع الرذيلة او بحيرة النفاق فعلمهم يواءم رغباتهم ... اما البسطاء فتلك معضلة؟ كيف تفهمهم أنهم مغفلين وأن ما يجري هو أمر لا دخل لي فيه؟ فعالمي هو عالم أختلقته فكان لي كما تمنيت حيث أكون سببا في صناعة الأوهام والرغبات المحرمة، عالمنا اليوم عالم السرعة والمصادفة فيه نادرة .. أما مسألة الارواح والدين والجن فهي رائجة ما دام هناك جيوب تمزق وصدور تضرب ونعش مسجى تحيط به العناوين قرابين... إننا نسمو كي نكون حواريون او أولياء فجميعنا يؤمن بالخرافة والعالم السفلي، اما العالم الآخر فذاك مناله بعيد..

يكفيك حديثا... لقد وصلت العالم الآخر ذاك هو الذي جئتك منه لقد أسرفت في الفعل وحانت لك اللحظة ان تغلق كل ملفاتك، عليك ان تأتي معي دون جلبة أو ضجة..

الغنوصي: ماذا تقصد؟!! إن عالمي كبير ولا تستطيع ان تزحزحني عن مكاني هذا، فأنا سأسخطك واسلط عليك ملك الجن ينتزع قلبك من صدرك.. لكن توقف من تكون؟

فحتى شمروخان خادمي لم يأتي بأي شيء عنك ولا اي معلومة!!! لعلك جن من عالم آخر لا علم لي به.. ربما لو تشاركنا سنعمل بشكل نسيطر فيه على عالم الجهل الذي يسوقه القدر إلينا ما رأيك؟؟

لا عليك يا غنوصي تعال معي وسنرى إقتراحك، هل يمكن الأخذ به ام أن يلغي عرضك وجودك؟ غير أني منذ اللحظة اقول لك ستكون في عالمك الموحش حيث صاحبك شمروخان الذي يحاكي لحظاته قبلك.. هيا اتبعني دون ان تعلق أو تبدي الرأي والسؤال..

سارت روحه خلف الزائر وبقي الجسد حيث البخور ورائحة البراز الذي أعلن نهاية الجن لبداية الخفافيش ومصاصي الدماء بعناوين كبيرة حتى حين....

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

 

حنان عباسيانتفضت عندما سمعت صوته يُناديها .. كانت تمشي خيالها، ترفس أفكارها بخطواتٍ مُتلكّئة نحو البيت وكأنها لا تريد له بُلوغًا.. التفتت نحوه منتظرة وصوله تلفُّ السعادة قلبها الذي يشتاق له دوما ..لكنه عندما انتهى إليها أمسك ذراعها بقوة وجرّها عكس اتجاهها .. حاولت مجاراة إيقاع مشيته المهرولة والأسئلة تُصادر عقلها، تركض بها في كل الاتجاهات .. تتطلّعُ مرة نحوه، لا ترى منه غير جمودٍ لا يسرّ، فترمي ببصرها نحو الأرض تتصيّدها الحيرة ويعتقلُها الفضول .. وصلا الحديقة العمومية في لمح الأثر .. أجلسها على أول مقعد شاغر ثم جلس متخذا وضعية المهاجم قُبالتها .. بدأ في التحدث وهو يطلب منها أن تستدير حتى تنظر في عينيه وهو يتكلّم .. ظلت صاغرة ولا تسمع .. تراقب ملامحه وهي تُجاري مسار الكلام الساخط بنظراتها العاشقة .. كان صورة هادئة لعاصفةٍ تبتلع كل شيء في طريقها، تثير الفوضى في نظام الطبيعة ومن ثمّة تُعيد ترتيبه وفق تخطيطها الغريب ..

ذاك التعبير الأرعن على وجهه .. تلك القسمات البكماء وهي تتشنج وتتلوى تحت ضغط الغضب .. صوته الحانق وهو يؤذن باندلاع حرب كلمات ضروس .. يده المشرعة في الفضاء ترسم صُورا غائرة لسهامٍ تنطلق شررا نحو صمتها .. تلك العيون العسلية تُمسي إعصارا أسود في اهتياج مُزمجر .. حتى حُبيبات العرق التي كانت تتلألأ على جبينه المنتفض بدت كقطرات الندى تعانق شفاه الورد .. وعندما أَولدَ سُخطه حديثا، كان فورة شوقٍ .. وكان ذلك الغاضب شهيا كقطعة حُب ..

 

حنان عباسي - تونس

ريكان ابراهيممُواجهةُ الذات أمرٌ عسيرْ

وكشفُ النوايا خطيرْ

يُلجلج قلبي وتعروُهُ بعضُ الوساوسِ

حول المصيرْ

وقبلي تساءل قبلُ

وبعدي سيسال بَعْدُ

عن المفردات التي في الصدورْ

أتيتُ كما قد أتتْ سلحفاةْ

وعشتُ كما عاشت الأمنياتْ

على طبَق مستديرْ

من الضاحكُ المستفيدُ من اللعبة القاحلةْ؟

من الممتطي صهوة الراحلةْ؟

سأختارُ للأسئلةْ

ثلاثاً من الأدوات:

لماذا، وكيف، وأين

أنا لا أخافُ من الله في الأسئلة

أخافُ من الرقباءِ، من الأوصياءِ

على المسألةْ

فقلبُ الذي خلق الكائنات كبيرْ

ويعرفُ في العُمْق مالجلج فيه اللسانْ

ولكنَّ من نصبوا فخَّهم في المكانِ

هُمُ المعضلةْ

إلهي...

تذكّرت أنك اوصيْتني

بانْ لا أحابَي فيك رديء التقاليدِ، إبليس

في ما أرادْ

فأعلنتُ حربي عليه،

حرستُ سمائي،

وأغلقتُ كل المنافذْ

وسلّطت ألف رقيبٍ على ساحلي

ولكنني...

فجئت بأنَّ رديء التقاليدِ، إبليس،

في داخلي

***

إلهي...

هو الحقُّ حقٌ ولكنّهُ

يُؤَّخُر فينا الزيارةْ

إلى أنْ تضيقَ العبارةْ

ويأتي... وقد رقصَ الراقصونْ

وشقَّ الدفوف بها اللاعبونْ

فإنْ كان هذا- وقد كان هذا-

فأصدر له الأمر أنْ لا يجيء

لأنا عُجالى

وأنتَ الذي قد خلقت البشَرْ

يُحبّون قطْف سريعِ الثَمرْ

فيا خالقِي في كبَدْ

أدرْنِي على هاديء العينِ فيكَ

لأنَّ الضجرْ

تملّكني في انتظار الذي لا يُجيء

ويضحك مني إذا جاء يسألنُي

ما الخبرْ...

***

إلهي...

لإبليس عندي جنودٌ كثيرةْ

فعينٌ ترى كلَّ هذا الجمال

تقودُ خطاي إلى المُغرياتْ

وتجعلني هائماً في السؤالْ

وكفٌّ من امرأة في الخيال

تُصيِّرُني عُرْضةً للضَياعْ،

وهمسًا على شُرُفات الزوالْ

إلهي...

لإبليس عندي جنودٌ كثيرةْ

فجوعٌ يقابلهُ بذخُ الآخرينْ

يُعَّطُل عندي انتمائي لدينْ

يُمزّقُ فيَّ خيوط الهدوء

ويجعلني ثائراً، ناقماً، لا يلينْ

ولا يستحي أن يقيم القيامة فيه

على المُترفينْ

إلهي...

خلقت الجمال وأوصيْتني أن أكون

جماداً أمامهْ

وخوّفتني بالقيامةْ

وصارتْ رساميلُ هذي الحياة

لدى الساقطين

فَحذّرتني أن أمسَّ من المال يوماً

حرامهْ

ألم تر كيف فعلت بقلبي؟

ألم تكُ ربّي؟

وتعرف أنّي ضعيفٌ وقلبي جبانٌ

أمام الندامةْ

إلهي...

نعيم الملذّات سوطٌ، وأبليسُ

يعرفُ كيف يُدير معي لعُبة المضحكاتْ

وتلك الحياةُ

تعيثُ بها زمرةُ التافهينْ

وإبليسُ مثلي جبانٌ ولكنه صار في المُنظَرينْ

إلى يوم ينفخ في الصُور،

يغري، ويضحكُ منّي ومن جمعِكَ

المؤمنينْ

***

د. ريكان إبراهيم

 

حسين يوسف الزويدسلامٌ مِنْ رحيقِ الوردِ أحلى

                                  ودمعٌ يملأُ الآفاقَ سيــلا

 أيا ابن الأكرمينَ ونِعْمَ أصلٌ

                              بهِ يُغنى عَــنِ الْمُلكِ المعلَّى

وزادَتْكَ الخصالُ حــميدَ ذكرٍ

                             إذا يَفنى الزمــانُ فليسَ يَبْلى

 يُراودني بجنحِ الليلِ حـــزنٌ

                            يحارُ بِهِ الفؤادُ جوىً ويُصلى

أبا نفسي، فـــداكَ النفسُ إني

                            أُعيذُكَ مِنْ خصامٍ، لسْتُ أهلا

وإنْ بَدَرَتْ ملامحُ مِنْ خِلافٍ

                               فَمِنْ بـــابِ التدلّلِ، ليس إِلاّ

أبي .. اني ابْنُكُمْ لا فرقَ بيني

                              وبين دلالِ مَنْ أحبَبْتَ طِفلا

أبي .. اني امْرؤٌ تأبى خِصالي

                               قبـولَ الضيــمِ لا واللهِ كــلاّ

وإنّي مِنْ كرامِ الناسِ فرعــاً

                          ويكفيني اسمُكُمْ شرفاً وأصلا

ثَبوتٌ في المبادئِ ذو عنـــادٍ

                            وليــسَ مِنْ السهولـــةِ أنْ أُذلاّ

خَبِرْتُ خصالَكُمْ وسَرَتْ بروحي

                             وكانَتْ لي منــاراً قد تجـــلّى

وكــانَتْ نِيَّتــي واللهُ يـــدري

                          بلوغَ رضاكَ مهما السعرُ يَغْلى

وإنَّ الحــقَّ مهمـــا اسْتَأْخَروهُ

                            ولكـــنْ في النهايــةِ لَنْ يُذَلاّ

وإنْ تَكُ أوْقَعَتْ بيني وأهلي

                             نمائمُ أضْمَرَتْ أفكـــاً وبُطْلا

فَـــإِنَّ الليــلَ مَعْدِنُــهُ رهيـــنٌ

                              بِصُبْحٍ ليـــسَ يَلْبثُ أنْ يَطِلاّ

 

............................

* د. حسين يوسف الزويد

ذات يوم عتب علي والدي لتصرف معين وأنا ابنه الأكبر ولكونه - رحمه الله - مولعاً باللغة والأدب وتاريخ العرب فقد استرضيْتُهُ بهذه الكلمات .

 

عبد الرزاق الصغيرلم أعتد إستعمال فناجين الأركوبال في شرب القهوة

ولا أن أحمل ديوان الحماسة من أذن العنوان

دخلت هذا المقهى الأسبوع الفارط صدفة...

من عادتي أن لا أسمح لغير القصيدة مجالستي

سماعات الهاتف

وعبير الكمان ..

الطاولات أجمل كثيرا مما توقعت أيها الشاعر

السقف، الأركان، الجدر تلبس الربيع، البلاط ممرد ممزوج بأزرار النوار

جلست ثلاثة نورات على حواف طاولتي الأسطوانية المشرشفة

لا إستأذان هنا

كل شيء مباح

الأولى سمينة بعض الشيء يبللني بياض صدرها رذاذ، شعرها طويل منكوش يطفي على العشب في عينيها وتيرا من ضوء منسيا

جمالا يمسكك من حيث تدري أولا تدري ...

كرصاصة تستقر في جبينك وأنت تتجول في حديقة مجهولة

الثانية تلبس نظارات طبية تخالط بياض وجهها صفرة ليمونية

يرقد السماء كالملاك في عينيها ..

لا تأبه تردد كرهها للرجال

الثالثة رفيعة سلسة الشعر واللسان

لذيذة

ترفع السمينة البيضاء طرف قميصها الزهري المنقط من على حزام قوس قزح

جازمة وقوع حمام حدقاتي على حواف سرة بحيرة بكر

توشوشني أن إن إحجز الأريكة خلف الستار

أرفع فنجاني وأنا واقف إلى شفتي أتراجع وأضعه خارج صحنه

وأنا أعتذر

سأقضي حاجة وأعود

ردت الرفيعة وهي تضع على عينيها نظارات الثانية تتغنج أو لا تعود

نحن لسنا بحاجة إلى ...

إلى القصيدة المقبلة

تبعتني الأولى إلى عريشة ورد مقابل المقهى ...

 

****

حبة سكر

وأنا جالس على فروة خروف

تحت التينة العتيقة

أعيد في ذهني بيت شعر لطرفة...

أستطيع

أن أكذب عليكم مثلا أصور نفسي على كرسي هزاز

أو شاز لونج تحت نخلة وشنطونيا أو مظلة مزوقة كلوحة

على حافة حوض سباحة تحوطه أحواض نوار

أستطيع أيضا تصوير صاحبة ولا مانيكان في صالونات الأزياء

ولكن حورية

شعرها

بؤبؤها الأسود

مذاق

وصوت إنسكاب الشاي

في الفنجان

تغريدة الشحرور

رائحة النعناع

القرنفلة المعلقة في فتحة الفستان

بسمتها

ثلاثة وثلاثين حبة سكر

أحلي بها الشاي

****

رذاذ

تطرق القصائد بابي الحديدي

حتى تتورم أصابعهن

ويجلسن على العتبة

كل ما غادرت واحدة نزقة مخلفة بزاقها على الباب

تخلفها أخرى تقتعد حجرا مكورا على جنب الباب تحضن ركبتيها الحليبية

مطرقة

تخمن

أفتح نافذتي الخلفية قبل عودة السحاب

تقابلني شجرة خلف سور السكة الحديدية

بارزة الشقوق كعجوز لازالت شبقة

أصورها كل ما تخضر كي أبحث في ڨوڨل عن إسم لها

ودائما لا أفعل

كي أتمشى قليلا

أتسلق السياج وأقفز خلسة

إلى دروب خالية إلا من شجر البلاتان المعمرة

والريح تكنس أكياس الكاغد وقناني البلاستيك، تشاكس رؤوس الأشجار، وتدفعني بقوة

مسكت ذراعي بحنية قصيدة

سمراء مجعدة الشعر، عريضة الجبين والأنف

وعدنا إلى البيت، لم أجد أحدا بانتظاري

فتحت الباب ودخلنا ولم أجد سحابا مشتتا أو سقف غرفتي مغيم

فتحت قصيدتي أزرار قميصها الليموني

وغسلت نهديها الصغيرين بماء مثلج

وتمددت محلولة القميص تقطر حلمتاها أحلاما عسلية

لم أحرك ساكنا وهي تجذبني إليها

وراح الرذاذ يغسل المدن المجاورة

والبعيدة ...

***

عبد الرزاق الصغير

 

فتحي مهذبمضطر الى هجرة سرية..

لاعادة نهر ضائع الى غزالة..

مضطر الى مدح فاكهة النار

أمام هنود حمر..

الاصغاء الى فرقعة مفاصل الضوء

عبادة شجرة أنقذت متصوفة

من زئير المتناقضات..

مضطر لبيع جميع مومياءاتي

الى عالم آثار..

مضطر لاعادة عنغ توت أمون

الى دار الأوبرا..

قبل طلوع الفجر..

لينظف طواطم روحي بالموسيقى

***

فتحي مهذب

 

محسن الاكرمينكان إيثري يحب الجري في المساحات غير المحدودة، وفي الفضاءات غير المسيجة بحواجز الزمان والمكان، حين كان يلقي بأول رجل له أرضا تلوح ملامح أبيه من بعيد في تلك البحيرة التي تقل ماء في فصل صيف الحرارة و الجدب. تفكيره حين يسرع خطوات الركض على الأرض اندفاعيا يزيد عمقا، كان يشده إلى مشهد أبيه آدم الذي داوم الجري بنفس المدار والمسار، كان إيثري يشتم عرق أبيه يفوح عطرا بجوانب تلك البحيرة البئيسة التي تحولت من جنة خلد، وأضحت صَعِيدًا زَلَقًا.

 لم تمنع الموسيقى المعلقة بأذني إيثري  من تجاوز حد السرعة النهائية وانتقال مركز الثقل على القدمين بالتساوي العادل على وقع الأرض، لم تمنعه رغبته المتعطشة في ملامسة يد أبيه وسقطة خضوع ركعة بين يديه تيمنا به. لكن كل نقط المسافة المستديرة كان تزيد طولا من تقاسم خلايا النقط  بالتكاثر وأصبح مسار الجري ممتدا بلا نهاية.

كان إيثري في قرار نفسه يستحضر صغره وهو يلهو بجانب البحيرة الدفيئة بالمياه والحياة الوجودية بالتنوع، كان يتابع باهتمام قابلية الجري عند الأب آدم وهو يمارس رياضته الحياتية المفضلة لمسافات طويلة، وببضع مرات التكرار. كان يذكر تلك المراكب الخشبية التي صنعها وهو صغير العمر إيمانا منه بتطبيق ما قرأ من تاريخ طارق بن زياد الأمازيغي وخطبته البليغة لمعشر تنوع روافد جيوشه " أيها الناس! أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مآدب اللثام..." 

في حد خط الوصول ابتعد ملمح الأب آدم بنفس المسافة الأولى عندما ألقى إيثري برجليه للجري بين الهرولة والشد على صورة الأب الآتية من الماضي. أحس بضيق حرج يلفه حنقا، وزاده علوا شدة توافد أنفاس حارقة بصهد أثر زمن الماضي والحاضر ، والمستقبل الذي لا حيلة له فيه. استمر في الركض نحو الإيمان المطلق بحقيقة الوجود والموجودات،  دون أن يعلم إيثري متى التوقف من معاودة مجاراة أول نقطة حملت تموضع ملمح الأب آدم.

في ظل تكرار الطواف على البحيرة التي تقل ماء صيفا، ودون ترديده  لكلمات ألفها في حياته. أحس إيثري بقلق يسيطر عليه من الداخل ويخنق نفسه كمن يتصعًد سماء، قلق يثقل جريه نحو المستقبل و يبقيه لصيقا بالبحث عن مخلفات الماضي الساكت عند بداية خطوات أبيه الأولى بالجري بمحاذاة تلك البحيرة البهيجة ماضيا. هو يذكر حق المعرفة أن البطء أمسى يسكنه في أفعاله وقراراته العلوية، هو يعلم أن الحاضر في الجري المفرط  السرعة  لن يوصله إلى هدف حلم المعرفة الكلية بل ممكن أن يسكنه في العالم الأسفل والهاوية الممتدة.

إيثري يعلم حق اليقين في جريه الدائري أجوبة تفكير مستطيلة عن أسئلة وجودية إخبارية، من هو، ولما يجري باتجاه ملمح أبيه ؟، ولما لازال يسرع الخطى نحو صورة الأب في تلك البحيرة المتهالكة ؟، تساءل كذلك ، حين ستنتهي مسارات نقط الركض أين يتوقف، أو سيوقف بعلامة تشوير"قف" ؟. حينها آثر إيثري التوقف لزوما ليسترجع أنفاس التفكير الهادئ و الرزين، وينقذ  صدره من ضغط تصعُد السماء المرهق. في توقفه عن الجري تعلم آليات التفسير والتحليل، تعلم كيف يزاوج بين الأحداث والمظاهر، تيقن بعلم اليقين العقلي والنقلي بالقوة الخارقة المتحكمة في صناعة الكاف والنون.

حين استرد إيثري أنفاسه في تلك البحيرة القليلة الماء صيفا، وتوقف من الجري قدما، تعلم من الجري أنه ما هو إلى بحث عن السلطة وحب ناصية الامتلاك، وبسط يد السيطرة الممتدة ، تعلم إيثري أن الخرافة الهامشية أنتجت قصصا لشجرة الخلود على كرسي السلطة، تعلم حكم قيمة أن الشيطان بتعدد رمزيته يبقى من ثلة المعارضة الآسنة، تعلم أن إعادة كتابة التاريخ ما هو إلا تفكير في تغيير مجرى أحداث مستقبل عالم بأكمله.

 

ذ. محسن الأكرمين