سجال الركابيمكوث

بين

رفيف ضوء وغزو ظلام

بين

الحياة والموت

الشيء واللاشيء

الأمل واللاجدوى

وهلة صمت فارغة

تُرى

مِن أين جاءتْ؟

أكانت

خاتلة بين زَبَد بهرجة؟

وتذبذب معتوه؟

مِن أين لي

بنزرٍ مِن صدقٍ؟

أشهدُ أن

لا ماكث في الوجدان سواك

أيّها الحزن الوسيم

***

د. سجال الركابي

 

عبد الزهرة شباريها هي البصرة ...

تشكو من زمانٍ  ...

صارَ رمحاً ...

صارَ سيفاً في ثناياها  ...

يحزُ الخافقينْ،

وبها امتدت أيادي ...

المجرمينْ،

عصفت على النخلِ والآبار ..

والشط المعينْ،

وترامت تحصدُ الخيرات ...

يا  ويلاهُ في شدوٍ ومينْ،

وتراءت في منامي مثل هورٍ ..

قد عفاه الزرع ...

غطاه الغرينْ،

لا نباتٌ ...

لا مياهٌ ...

لا طيورْ ...

غير أكوامٍ من الأسماك ماتتْ ...

بين أحراشٍ وطينْ،

خربتها موجةٌ رعناء ..

لا هم لها إلّا الفساد ..

بشطِ الأمنينْ،

فترامت فيها أزبالٌ وأحراشٌ ..

ونوباتُ المنونْ،

ها هي البصرة تدع ...

رب العالمينْ،

وهوى النخلُ تخلى عن هواهْ ...

فهو يدع الحب مراتٍ ..

وورد الياسمينْ،

جرّح الدمع جفوني ..

وغدتْ لا تبصرُ شيئاً ...

غير أشتاتٍ من الزرعِ نمتْ ..

في الأرضِ من نبع السكونْ،

كم تعزى القلبُ منّي ...

يندب الآهات مراتٍ ...

ووجدِ النائمينْ،

وهوى قلبي تخطى الوجد ...

يبكي السعف والنخل الجريد ْ،

ذاكراً حب العذارى ...

في شواطئ من حنينْ،

أه..............

 ما أقساك من أهٍ  !!

فأين الحب والدبكات والهيوى ...

على الشطِ الأمينْ،

لا يكادُ المرءُ ينسى ...

في ظلالِ النخلِ ناعسة العيونْ،

فيطوف العمر ضمأناً

حزينْ،

كلها راحتْ وماتتْ ...

وتخلّى الناس عنها بانشغالاتٍ ...

وهوساتٍ ..

وهم في عيشٍ وكمدٍ ...

ظامئين  !!!

***

عبد الزهرة شباري

  في البصـــــ10/6/2018رة

 

زياد كامل السامرائيشاسعٌ وكبيرٌ هو الفرق،

بين أن يمرَّ عليكَ نسيم، يُعيدُ هيئة رئتيك العليلة،

يجوس صفحة من روحك،

يتصاعد كرمقٍ من حياة الفردوس 

تؤمن بانك ستعيش به الى الأبد..

تشمّ الرحيق، هو زقزقة من عصافير

هديل حمامات، يطلُّ من أعلى شرفةٍ لفؤادك الممهور بالشجن..

يغمرُ هذا العزف رويدا

اقداحا من نور في دمكْ..

تشدّكَ وتُرشدكَ اليه، نجمة ونجمتين

فوق رأسكَ نرجسة، تغلق بابها على ندى فضيّ..

النسيم الخيالي،

حروف و آيات لها طعم الحبيب

يُضحكُ القلب الشارد

يؤنّثه

يجعل منه جنينا في احشاء سمائك...

كمْ مرةٍ أدركُ انها اللحظة الأبديّة من العمر المُباح ..

الطريق الأبيض الوحيد الذي أتذوق منه وجه التجلّي .

ينظف القلب من الطعنات، وعزلة ألِفَتها جراء الحيّ.

وبين أن تمرّ عاصفة بتلابيبها الثقال عليكْ،

تحصد مرابع خضرتك

وتنزع أوراق مرحك وحبر ماضيك،

تحيلها مملكة من تراب،

تنفض من يديكَ ثرى صلاتك،

نقطة مشيئتك القديمة في خارطة ندائك الغريب،

تمحو لذائذ حلم مقدس لا يأتي..

ولأنكَ لستَ من رُخامٍ،

وثوانيكَ ليستْ من خَلْق الرنين

و سخطك خال من قوس و سهام ..

ماذا تقطفُ اذا من  ضريحٍ، 

بعد أنْ طغى وصار السِرُّ مُتاح !

أتجفل من هذا العطش الجارف

والرمل المنهمر في فضاء خُطاك و تستكينْ !

عاصفة،

تمشي على باب غُربتك، المُرّة

تأكل من عتبات نخلتك  حتى آخر ملمس لوجه التوت في روابيك.

تقترب من بعضها وتُبعِدني ،

تتماهى وتنفرط على نوافذ سرٍ يغريها !

شاسعٌ وكبيرٌ هو الفرق..

بين أن يمرَّ بك نهر، على راحة يديه يغني القمر،

يغزل بجدائله البيت

فيسقط بين قدميه تفاح القصيدة

ومن زجاج قلبه المفتوح،

تستفيقُ فاكهة للشوق حين الضحى ينحني اليه.

لا تبخل أيها السنونو ان تمر بجناحيك، ولو كرمشة عين

حيث نرتمي في حضن النشوة بلا ذنوب، أنا و أنت.

وبين ان يزرع الطوفان أرض نوح

وانتَ في سفينة أبيه 

تبحثُ عن سلام بدائي

وعرس مهذب عابر.

ان يفور التنور في البعيد

ولم تجد من قصيدة تعصِمُك من بكاء

خالية تلك الآفاق

ولا من أجراس تهزَ فؤاد الزيتون.

أن تكون القلعة صالحة الأنجراف

هذا يعني ان نبرة الطين هي جوهر النبوءات.

من أين ياتي حُبكَ باليُسرِ

وطعم العُسرة له خمس جهات !

***

زياد كامل السامرائي

 

بن يونس ماجنايتها النوارس النائية

افتحي لنا ابواب البحر

ربما نروض امواجه العالية

2

ونبحر معكن الى فضاء افضل

ونداعب خصلة شعر

طحالب عاتية

3

هنا في ضفتنا

الامسيات لم تهرم بعد

وقواربنا لم تحرق

4

والاشرعة المتهالكة

في مهب الرياح

ما تزال تقاوم العواصف الشرقية

5

ايها النرجس البهي

لماذا تتزاحم مع زهرة اللوتس على صفحة الماء الشاحب

وتتباهى بصورتك امام المرايا المخاذلة

6

لمذا تعصر دموعك

كما يحلو لك

وليس كما يحلو لعينيك

وتظبط دقات قلبك

حسب مزاجك الهيستيرى  

7

اراك تمتطي الليل

وتتوسد نجومه

رغم انف القمر

8

عندنا الاموات

يبحثون عن الاحياء

في مقابرهم الازلية

9

من شقوق الجدران

اراك تسرح شعرك

كالعصفور الولهان

10

ايتها اللقالق البيضاء الرابضة فوق  ابراج الصومعة

كيف تركنين الى  مرافيء لا سقف لها

وتندسين في زحام الخرائط الوهمية

***

بن يونس ماجن

 

عبد اللطيف الصافيغمازة غجرية 

نحتت من ليلك

تختال

فوق سطح القمر

كظبية حرون

أو كملك

تغتال الليل الحزين

إذا استحلك

وحين تفر

من خدودها الوترية

الى مبسم الفجر

تهلك

**

غمازة حجرية

تلوح لي من بعيد

ترقص

كأنها قبس من نار

في حقل جليد

تنط

بين الخد والشفاه

كأنها منار

يهدي عاشقا تاه

مشيا

فوق أحابيل المياه

أسلم قلبه لموج

بلا وريد

***

عبد اللطيف الصافي - كلميم

 

ريكان ابراهيمهل أنتَ مثلي في الذي سأقولُهُ

عنّي أمْ انَّك آخرُ

أنا شاعرٌ

يمشي على كفيّهِ، يأكلُ من قديدِ

قُرَيْشهِ،

يحبو على كوعيهِ، لا يخشى من الزمنِ

الرديءِ وجيشهِ

أنا شاعرٌ،

تغفو على جفنيهِ أحلامُ الهوى

وتعيشُ وارفةُ المنى في طيشهِ

أنا شاعرٌ

يمشي إذا وقفَ الجميعْ

ويُضيءُ شمعتَهُ الخريفُ إذا مضى

وقتُ الربيعْ

هل انت مثلي في الذي قد قلتُه

أم أنَّ نازكَ لا تشبُّ،

وأنَّ ريحكَ لا تهبُّ، فأنتَ أجمدُ

من صقيعْ

***

هل أنتَ مثلي، إنّني

أمشي ويتبعُني عويلي

أغفو ويوقِظُني صهيلي

لكأنّني (...)، و(كأنَّ) مُغرَمةٌ

بتشبيهِ المُشبَّهِ بالمثيلِ

***

أنا ساحرٌ،

ويلومُني فرعونُ أنْ آمنتُ بالرَّبِّ الذي

جعلَ العصا في كفِّ موسى

أفعى تُلقِّنُ ظُلمَ فرعونَ الدروسا

هل أنتَ مثلي هكذا،

أمْ أنتَ شيءٌ آخرُ؟

**

كانَ النبيُّ محمدٌ كلَّ العَربْ

فمتى تكونُ؟ متى أكونُ؟ متى نكونُ مُحمّدا؟

ومتى أراكَ مُوحَّداً؟

في الرأيِ تَنصُرني وأنصرُ فيكَ

خذلانَ العرَبْ

**

أنا هكذا، هل أنتَ مثلي هكذا؟

أنا لستُ قدوتَكَ الوحيدةَ في المسارْ

فلك الخيَارْ

في أنْ تطلَّ وحيدَ قَرْنِكَ لا تُعيرُ

ولا تُعارْ

أو أنْ تسيرَ معي النهارَ وبعضَ هذا

الليلِ في هذا الدمارْ

خُذْ ما تراهُ من القرارْ

لكنْ إذا ذبحوكَ لا تعتبْ عليَّ

فإنّني قَدّمتُ ما يكفي لديَّ الاعتذارْ

**

أنا هكذا

إنْ خانني شرفُ المبادئِ والبطولةْ

يوماً تذكّرتُ الرجولةْ

والطفلُ أشجعُ مَنْ رأيتْ

يبني من الأحلامِ بيتْ

ويُؤثِّثُ الخوفَ الذي عندي وعندكَ

بالأماني،

الطفلُ آخِرُ مَنْ يُعاني

أفأنتَ مثلُ الطفلِ أمْ

رجَلٌ يسيرُ بثوبِ مَيْت

**

بعواطفي

وعواطفي فرَسٌ جَموحُ الخَطْوِ،

قارعت الجِبالَ فَسُيّرتْ

والذارياتِ فأذعنَتْ

والهائجاتِ من البحارِ فسُجِّرتْ

لم ينشَغِلْ رأسي بتصفيةِ الحسابْ

ووضعتُ خوفَ العقلِ في ثلاجةِ الموتى

ولم أعبأْ ببارقةِ السحابْ

أفأنتَ مثلي أم فتى،

بعواطفٍ خجلى وعَقْلٍ مُمعنٍ في الخوفِ

يملؤهُ ارتيابْ؟

**

هل أنتَ مثلي دائماً؟

أم لا تُفيق إذا غفوتَ ولو ثواني

فيطولُ نومُكَ لا تُحِسُّ ولا تُفكِّرُ،

حالماً، والحُلْمُ فرصةُ من تُداعِبُه

الأماني

أنا مثلُ عَدّاءِ السباقْ

لكنّني، بيديَّ إنْ قَصُرتْ خُطايَ

عن اللِّحاقْ

وبسيفِ ثاري من زمان العُهْر

إنْ عجزَتْ يدايْ

أنا هكذا

هل أنتَ مثلي هكذا؟

أم أنّني وحدي ولا أحَدٌ سواي؟

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

حمودي الكنانيفي حانة أفكاري

تزدحم الزبائن من مدمني

نبيذ الخيبات

فكوني قصيدة نثر

مكتنزة الأرداف رشيقة القوام

واكشفي عن وجهكِ البستان

وابتسمي

فايامُك البيضاء

ماعاد رنينُ أجراسِها يُرقّص صبايا المحلةِ

ويرقق قلوب شيوخها الحالمين بصوتِ رباب

أو حتى نشيجِ ناي

إكشفي عن ساقيكِ

فانا لستُ سليمان

ولا أنتِ بلقيس

فصرحنا الممرد بقوارير الرخاء

عبثت به أيادي مدَّعي النضال

وسارقو خبز اليتامى

وأرامل الحروب

إكشفي عن وجهك الناصع البياض

وافتحي لي سفرك ليحكيَ لنا ما وُعِدنا به

صدقاً

علَّنا نقرأُ تباشير الفرح

مستمتعين باسترجاع

ما فاتنا من تفاصيل

أحلامنا العريضات !

تواريتُ خلفك

أنشد ظلك الظليل

ألوذ به عن

صاخبات أيامِهِمُ السوداء

لا تتركيني وسط الزحام أتلصص

أبحث عن ضلالة في ساعةٍ وقحة

أنظري

تلك الشجرة

شجرة اليوكالبتوس

تلك التي تستظل عندها العنادل

ودار استراحة اليمام

تلك ليست ببعيدة فدعي

عصافيرها تهدهد في مقلتيك

بياض الحليب

فحافلة أحلامنا أغرقها إعصار الأوهام

وظلت قافلةُ الأعرابِ

أولها بعير

آخرها بعير

وأنا وأنتِ..... لنقف  هناك

نتأمل وجوهَ المارة على شرفات التمني !!

الوجوه المستطيلةُ لا تعني شيئاً

الوجوه المدورةُ أقراصٌ من نار

الوجوه ..... الأشباه

الوجوه ......؟ تلك المقنعة ،

وجوهٌ تلبسها وجوهٌ أُخرى .

تمرُّ .......مكفهرة  .

حتى وجه الشمس ذلك الذي

يتربع كبد  السماء

يكاد هو الآخر يسرق حصتنا

من شعاع الفرح

أيتها المتلبسة بإيهامي

كفاك تسترا

تعالي نمضي معا

أترين تلك الغمامة،

غمامة القادمين الجدد؟

لا بد يوما تنقشع

ويخضوضر قلب العشب

لتستريح الكراكي المهاجراتُ

عند أهوارنا العتيدة

ونفرح  جميعا

بعودة أسراب السنونو لأعشاشها القديمة

و يضحك القمرُ لوجهِ الأرض

وترقص البُنياتُ الحلوات

(شوشلية)

***

حمودي الكناني

كربلاء 25 آب 2019

 

سيروان ياملكيجاءَتني باكيَةً..

بَدَلَ الدّموعِ تسكُبُ الرّوحْ

قلتُ لها اكتُبي

- للسيّدِ الكبيرْ -

قالتْ بصوتٍ موهِنٍ يتعكَّزُ النّحيبْ

تكسَّرتْ فيهِ ترائِبُ الحُروفِ:

عن ماذا أكتُبُ؟!

منهوبَةٌ..

منزوعَةُ الرّوحِ أنا

مسلوبَةٌ..

من مُبتدى جَسدي لِمُنتهاهْ

عن ماذا أكتبُ؟!

أأقولُ بِعْنا عُريَنا؟

وشبابيكَ بيتِنا؟

جُدرانُنا الخرساءَ تصرُخُ

- يا سيّدي الكبيرْ -

تصرُخُ زَمهَريرْ!

عن ماذا أكتُبُ؟!

أأقولُ أنّا رَهنّا سقفَ بيتِنا؟

وبابَ عِرضِنا؟

ولكُلِّ فَحْلٍ طارِقٌ جوعُهُ

صِرنا الوليمَةَ في مَتاهْ

يا ويلَتاهْ..

وتحتَ سقفِهِ نُصلي

أُباةً

جُناةً

غُزاةً

وُلاةً

طُغاةً

تُقاةً

عُراهْ!

عن ماذا أكتُبُ؟!

أأقولُ أنّا غَشَشْنا؟!

حليبَكِ أُماهْ؟

وخَلَطناهُ ماءَ عيونِنا

يا لَلْفَجيعَةْ..

لنشتري رغيفَ خُبزٍ

نِصفُهُ من تُرابٍ

ونِصفُهُ الباقي..

خديعَةْ؟!

 

سوف عبيدعاج إلى مُنعطف قَصِيّ في الحديقة

لا صخبٌ ولا زحام

ظل يمشي بين الخمائل

وإذا به يلمح ظلا يسير بجانبه

كأنه هيأة إنسان

حَسِبه فُروعَ الأشجار التي على جانبيْ الممشى

واصل سيره حتى جلس تحت خميلةٍ

أزهارُها دانية

والنّسيم شذاها

خطر له أن يتصوّر - سلفي -

عجبًا !

عندما رأى الصورة

ظهرت فيها بجانبه اِمرأة

اِمرأة تضع يدها على كتفه

إنها هي تلك التي... والتي

وفي لحظة أحسّ بحفيف لمستها

إنما اللّمسةُ لمستُها

فرَنَتْ يدُه إليها

والْتفتَ

فلم ير أحدا...!

***

سُوف عبيد - تونس

 

نور الدين صمودتشطير (ليت هندا)

مع الاعتذار لعمر بن أبي ربيعة:

***

[ليت هندًا أنجزتنا ما تعِدْ]*إنَّ وعد الحُرِّ ديْنٌ إنْ وعـدْ

ليتها، إذ وعدتنا، أنجزتْ***[وشفتْ أنفسَنا مما تجــدْ]

[واستبدتْ مرة واحدة]***فلـْيسامحْ ذنبَـها اللهُ الصمــدْ

وإذا ما اعتذرتْ قالتْ لنا:**[إنما العاجز مَن لا يستبدّْ]

(ولقد قالتْ لجارات لها)،**وهي لا تـَأمَنُ منهنَّ الحسدْ،

وأضافتْ، في دلال رائق ٍ*(وتعــرَّتْ ذات يوم تبـتـردْ):

(أ كما ينعتني تُبصرنني)***أم أنا أحلو بعينيْ مَنْ يودْ؟

أ م أنا حقــًّا كما أ ُبْـصِـِرُني*(عَمْرَكُنَّ الله؟ أم لا يقتصدْ)؟

[فتضاحكن وقد قلن لها]**قـَوْلَ مَن في قلبه يغلي الكمدْ:

أنــتِ فـيــنا مثلـَنا، لكنما**[حَسَنٌ في كلِّ عين ٍ مَن تـودّْ]

[حسدٌ حُمِّلـْــنـَهَ من أجلها]**وهو في القلب كنار ٍ تـتـقــدْ

فاستعذ ْ بالله من نيرانهِ**[وقديما كان في الناس الحـسـدْ]

[كلما قلتُ: متى ميعادُنا؟]*سوَّفـَتـْـني في الذي كانت تـَعِــدْ

ولكيْ تـَصْرِفـَني مبتسمًا*[ضحكتْ هندٌ وقالت: بعد غـــدْ]

***

أ. د: نورالدين صمود

 

حسين يوسف الزويدالليلُ ينسجُ ما يُناغي الوجدَ

مِـنْ دُنيا الهيامِ

على قماشِ الذكرياتِ

الكامناتِ على سفوحٍ

مِـنْ مدىً

مِـنْ أمنياتْ

وأنا أحبُّكِ

مِثْلَ مَـوّالٍ

تبادَلَهُ الرعاةْ

بينَ الحقولِ و مِثْلَ بَوْحِ فَرَاشةٍ

زرقاءَ بين الزنبقاتْ

الليلُ مملكتي وما عندي سواهْ

آهٍ عليهِ وألفُ آهْ

وا حسرتاهُ لَوْ انّهُ

يبقى مقيماً ألفَ عامْ

لأطلْتُ مِـنْ لحني على

فوديكِ أعزفُ بالصلاةْ

إنّـي عشقتُكِ عشقَ عصفورٍ

لأفوافِ الخزامْ

ولقد تعبْتُ مِـنَ الضجيجِ

مِـنَ العويلِ بلا هيامْ

وتعبْتُ من كدَرِ الحياةْ

بلا حصادٍ حينَ ترتحلُ القطاةْ

من دونَ عُـشٍّ فالحروبُ تزورُنا

في كلِّ عامْ

أنا يَعْرُبيٌّ جئْتُ مِـنْ أرضِ الجزيرهْ

أنا ابنُ بصرتِنا

وحيرتِنا المنيرهْ

أنا ابنُ بغدادَ الأصالةِ والحضارهْ

بغدادُ عُـرْبي المستديرَهْ

أنا ابنُ كردستانَ في أربيلَ

روحي والعشيرهْ

والتركمانُ حشاشَتي،

أهلي وفي كركوكَ

تَـكْتَملُ المسيرهْ

لي بينَ أهلكَ يا عراقْ

مِنَ النصارى المخلصينْ

مِنَ الكرامِ الطيبينْ

مِنْ أهلِ صابئتي الرفاقْ

ذُخْرٌ بِهِ شُدَّ النطاقْ

لكنَّ جُرْحَهُمُ الجديدْ

جُرْحُ المسيحِ على الصليبْ

جُرْحُ (الخليلِ): مقيداً

ألقوهُ في جوفِ الحريقْ

فاجمعْ شتاتَكَ يا عراقْ

قد قالَها ربُّ الأنامْ :

بردٌ على الأرضِ السلامْ

ومسيحُ أهلكَ سالمٌ

لَمْ يصلبوهُ وإنما

صلبوا الشبيهَ على انتقامْ .

***

د. حسين يوسف الزويد

 

صحيفة المثقفاربض على خط التماس

واحمد جُذاذةَ َ كبريائك ْ

فانوسك الزيتيّ  ضاع ْ

وذوابل الاحلام فارغةُ الصحون ِ

اهمس فصوتك للرياحْ

وازحف فركضك غير مجد ِ

فنهاية المضمار ِ مطفأة العيون ِ

ومداه - لو تدري -  ذراع ُ

افرح .. نوافذك الصباح ْ

وسدولها الجذلى شراع

مدرارةٌ .. والأفق ُوردي

اهطع لها ... فالسوط لهفة ْ

ومداك أنملة غدا

والسوح غابات واسلاك ٌ  بشوكْ

ولا ثوابتَ  في جداولك الغبية لا الدقيقة ْ

وحصادُ عمرك َ - عندما أحصيت – صفرُ

وشباكك الحمقاء طهرُ

لا شيءَ في خطط ِ الدنا ماهى  خرائط َ شاطئيك ْ

وما  حدست لخطوتيك ْ

النهر لا يجري كما بشرٌ يريده ْ

جزر ٌ بديدة ْ

تمثالك الغجريّ  ُ ملتحفا ً جليده ْ

اصمدْ فلا تشجيكَ وِقفة ْ

اخلع كآبتك العتيقة ْ

وملوحة الشطآن طلّق ْ

والبس جناحا ً مستعارْ

وَ سَقَ النهار ْ

ان لم تطر ْ جسدا ًفعلّ الروح جامحة ً تحلّق ْ

لحدائق ٍ رُصدت بعيدة ْ

بين الدجنّة ِ والضحى

وبلا ضلال ٍ والتباس ِ

***

سمية العبيدي

....................

سمية العبيدي

- ولدت الشاعرة في بغداد سنة  1945.

- تخرجت في كلية التربية وحصلت على بكلوريوس آداب / اللغة   العربية سنة 1967.

- نشرت العديد من القصائد في الصحف والمجلات العراقية بدءا من سنة 1965  وماتزال  .

- لها عدة دواوين مخطوطة .

- اصدرت ديوانها الاول سنة  2002 بعنوان (حمامتان في الغبش) .

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجريّ: ألَمير هورڤات

ترجمها عن المجرية:

عامر كامل السامرّائي

***

سماء مرصعة بالنجوم

في صبانا كنا نَطَّلِع على نجومنا

هناك، تِلكمُ نجمة نجاحنا، وتِلكم هي نجمة بيت لنا، وهلم جرا

مذ ذلك الحين، لم أر مثلها سماءاً حالمة

وقد أمسيتُ أكثر وحدةً

**

آه، ايتها النجوم البعيدة في ليلة شتاء

أين وعود شبابنا الجميلة؟

ما عادت تهمني نجاحاتي، ولا عادت تشغلني اخفاقاتي

وما عاد يجذبني ذلك الذي لا أعرف

***

سؤال المساء

جوازات سفرنا إنجليزية أو فرنسية

في أحسن الأحوال أمريكية

لكن فخرنا يبقي مجرياً

الخرف؟ اضطراب الهوية؟

كيف كان لنا أن نعرف

مِن أي صوب سيصل أهل الأسفار أوطانهم؟

مِن مونمارتر؟ أو وستيندن؟ أو من برودواين؟

ومَنْ سيعرف شيوخ انفصام الشخصية؟

رجال هم؟ أمْ شعراء؟ أمْ جوابين؟ أم شذاذ آفاق؟

آباء هؤلاء البنين؟ أو هم كل هذا الخراب

أمْ وعود فتية؟ أخبرني إذا كنت قادراً

قبل أن تتلاشى النجوم

وتكون جنية الغبار لك منزلا

أأنت

المنفي في تكيرداغي، أم ميكش زاغوني؟*

* إشارة إلى حاكم المجر ومرافقه اللذان نفيا في العهد العثماني في مدينة تكيرداغي التركية.

***

متأهب للعودة

إذا ما أضحت الوطنية

فرض عين

كما يعدون أو يهددون

فسأعود مرة أخرى

وإن لم يعد لي عنوان

بثبات، وبلا حرج

فلست مناصراً لأحدا، وليس لي مذهبا

هذا الذي أخترته بنفسي مبكراً

وحقيبتي جاهزة دائماً. 

 

..........................

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر المجري ألَمير هورفاث في مدينة چورنا ، وأكمل دراسته الثانوية فيها، ثم أنتقل لإتمام دراسته الجامعية في كلية العلوم الإنسانية في جامعة بودابست، وأكمل دراسته في فلورنسا وروما أيضاً. هاجر إلى الولايات المتحدة في عام 1962، ولا زال يعيش في مدينة ماهوباك بالقرب من نيويورك. عَملَ في مهنة الطباعة. في عام 1962، نشر مجموعته "وجه الحياة اليومية"، تلتها في عام 1976 "مذكرات زنجي أبيض"، ثم في عام 1980 صدرت مجموعته " عنق الساعة الرملية".

لا شك أن قصائده لها طابع من سيرته الذاتية، رغم احتوائها على مكونات القصيدة الغنائية التقليدية، وبنفس الوقت تظهر التغيرات الحاصلة في وعيه الشعري، و في حياته الشخصية على حد سواء. عالمه الشعري يطفو على الماضي الخالد في ذهنه، فتتشابك كلمات قصائده مع الذكريات والأحلام: "في متاهات الحلم الساطعة" بحثاً عن نفسه ومنزله في قريته (پارازاك)، وأيضاً في العزلة الأمريكية، أو تحت سماء إيطاليا الساطعة أو منحدرات الدانوب اللطيفة.

في العديد من قصائده، نقرأ ذلك الحنين المتدفق إلى حياة أكمل قرب أحباءه. تتخللها الذكريات البعيدة عن الوطن المهجور، على شكل ومضات مفاجئة وغير متوقعة، عن الماضي، مختلطةً بذكريات المناظر الطبيعية الإيطالية والأمريكية.

 

احمد الحلي* يمحو الموجُ كلماتٍ

نكتبُها فوق رمالِ الساحل

ولكنّ الماءَ يحتفظُ بها

جزءاً من أبجديةِ ثقافتِهِ

* يُكرّسُ زمناً آخرَ

غيرَ الزمنِ المتداوَل

حضوركِ

* سيفُ فراقكِ الذي

تشهرينَهُ بوجهي

ها هو يتأهّبُ

لكي يشطرني نصفين

* كان يتأملُ الدميةَ التي لديه

كانت على هيئة طائرٍ

مصنوعةً من قماشٍ محشوٍّ بإسفنج

ألقى نظرةً من النافذة

فرأى طيوراً تسبحُ في الفضاء .

أمسك مقصّاً كبيراً وقص جناحي الدمية

* قيل للحزن:

هو ذا بيتكَ،

وأشاروا إلى العراق

فأرتع فيه انتَ ونسلكَ!

***

أحمد الحلي

 

فتحي مهذبانتخبيني أيتها الفراشة..

من أجلك من أجلك فقط

سأعين آذار وزيرا للبيئة.

ليظل العالم أخضر على مدار السنة

مكتظا بجمهور من الأزهار المضيئة

سأطرد الصقور القرمة خارج المملكة..

سأفرغ الثكنات من الجنود .

وأبني على أنقاضها دارا للأوبرا..

وأكون أنا المايسترو الضرير

الذي يقود أوركسترا السلام.

وأدفن المسدسات في قبر جماعي

وأدعو الزرازير والحمام الزاجل والكناغر

والذئاب والمواشي

الأفاعي المجلجلة والنعام والأسود

والفيلة والكلاب المشردة والقطط

الحزينة الى حفلة عشاء هادئة جدا

ومثيرة للاعجاب..

انتخبيني أيتها الأبواب القديمة

باب منارة باب الفلة باب البحر باب سعدون باب سويقة  باب الخضراء باب الحظ الذي لم يفتح أبدا أمام سرب الغرباء .

لأعيد طلاءك بعطر الياسمين..

وأرصع لياليك الموحشة بالمصابيح

والمارة المنهمرين مثل ينابيع الجنة.

انتخبيني أيتها القطارات الرابضة

في المحطة مثل آباء صالحين..

لأجعل كل السكك معجونة بالذهب

وركابك خفيفين سعداء مثل الملائكة ..

يجلسون على أرائك مطرزة بالجواهر ..

ضاحكين مستبشرين .

انتخبيني أيتها الغزالة

سأقلم مخالب الأسد

وأحقنه بمادة مخدرة

مشذبا نيوبه البارزة..

ليصير عضوا صالحا

ومحبا للرقص والموسيقى.

ستسعدين كثيرا في ظل مقاطعتي.

تنجبين أطفالا مهذبين جدا

لا يبحرون خلسة الى الشواطىء البعيدة.

(يحبون البلاد كما لا يحب البلاد أحد).

انتخبوني أيها الأموات

سترعاكم حاشيتي طوال الوقت

سأقيم حفلات خيرية في المقابر..

ستغني هياكل عظمية لموسيقين عظام.

أضع أوسمة ذهبية على أكتاف الموتى المظلومين..

أملأ جيوبهم بالفاكهة والحلوى

وأوراق نقدية لا تحصى..

ليواصلوا هذا الحفر العبثي في الأنفاق الأبدية .

انتخبيني يا شجرة البرقوق

لا تنسي أن لنا جذرا مشتركا

في الآزال .

دمنا واحد..

وهواجسنا من تبر خالص.

***

فتحي مهذب

 

عبد الله سرمد الجميلأستافُ رائحةَ الشتاءْ،

في شهرِ أيلولَ المُذهَّبِ حيثُ صَفُّ النملِ يدخلُ في الشقوقِ،

وزهرةُ الرمّانِ تسقُطُ ثُمّ يحمِلُها الهواءُ إلى ضفائرِكِ النديّةِ،

في حقولٍ من ضياءْ،

ها إنّني الغصنُ المُسهَّدُ بالسفرْ،

فبراحتينِ من السرابِ أنا قطفْتُ لكِ المطرْ،

تبكي عليكِ ملابسُ الصيفِ التي ودّعْتِها،

وطوَيتِها كالبحرِ يطوي موجَهُ فوقَ الحجرْ،

أخرجْتِ معطفَكِ الشتائيَّ المُزخرفَ بالسهرْ،

وكويتِهِ وسقيتِهِ ماءَ الزهَرْ،

ثُمّ افتتحْتِ مِظلّةً من قُبلةٍ،

ومعاً مشَيْنا وارتمَيْنا فوقَ أجنحةِ المساءْ،

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر من العراق

 

صحيفة المثقفها، أنتَ تجلسُ منتشياً بالقرار..

ومحتفياً بانكسار النهار..

غير اني ترقبتُ تلك الوجوه

وتلك الحناجر

تملآ الرحب صَدْحا

ترقبتُ تلك الخناجر..

في كل منعطفٍ ودار..

**

لو، ان فارع النخلة الصامدة

تعصف من حولها واقفة..

خلفها حفنة من صداح

يخيف الغزاة

يخيف البغاة

على خافق من حديد

فكيف تكون الوجوه

التي شربت ذلها

واستفاقت ذات يوم

على صرخات اوجاعها الوارفة..؟

**

يا ايها الوافد المتلفح بالدمعة النازفة..

قف عند مدخل الحي

حيث استدارت رؤوسٌ

 صوب حاناتها والمواخير

تُعِبُ الحشيش

وبحر القذى طافحاً

صاخبُ، موجه يرغي

ومن حوله رعود وبرق

ولكنها، لا تعيد الرؤوس لأعناقها

ولا تسترد البكارة..

سلاماً، إذا جاء يوماً يعيد الطهارة ..

يعيد الدماءُ، حيث كانت في العروق تسيل..

وقرار بوقف الزمان

واجلاء هذا الصدى المستحيل..

سلاماً، سلاماً

حين أبصَرْتُ عينيكِ مترعتين بالحب

كان رأس اللفافة أشيبُ

وكان الطريقُ الى شارع الجسر وحيد

وكانت غصون الشجر

تتساقط مثقلة بالجواسيس

هل تعلم الطفلة الحالمة

ان سنين الدماء تكثفن عن لغة

تتهدد حتى الأماني فينا

وإن محاضرة في السياسة

كانت معلبة باردة..؟

آااهٍ، أيتها الفكرة الشاردة..

هكذا صار وجه المغامر

وشكل الرصاص، وشكل المحاضر

لم اكن اشتهيه

فهل تعلم الطفلة، القبرة..

حين يحمل منقارها الريف لي

والسهول الفسيحة

بين إيقونتي وما حولها والصحارى

كأن اشتعال الشوارع والمزارع

واشتعال السواحل والضفاف

زمن بين وجهين

فيه صمت، خلف كأس

وآخر على جانبي الطريق

حيث ارتطام الرصاص

الذي يرسم للحب اشكاله

بين خاتمة الجرح والمقبرة..

فلا أحد يستقيم على ضيمه

إنها محنة البحر الذي دنسته المهازل

إنه البحر ما انفك يشكو مخاضات أعماقه

وصخبٌ تمادى بين وهج اللظى

واصطخاب المجزرة..!!

***

د. جودت العاني

19/09/2019

 

انمار رحمة اللهأعملُ موظفاً في صيانة الكهرباء، عملنا مقسم على نوبتين، نهارية وأخرى ليلية. كنت أفضل الليلية لأنني أميل إلى السهر والقهوة وشركائي في العمل وأحاديثهم، نتقاسم رغيف الحكايات والقصص، والفناجين والسجائر، متأهبين، لأي اتصال يشكو صاحبه من عطل، بعدتنا المتنوعة، وسيارة ذات رافعة وأسلاك،  مركونة في باحة دائرتنا الحكومية. أستلمُ المهام من النوبة النهارية عند الساعة الثامنة مساء، وأتسرب في ليلة الخميس دائماً صوب منزلنا القريب من الدائرة، أتناول العشاء مع أسرتي، وأنهي بعض الأعمال وأعود مسرعاً عند الساعة الثانية عشرة ليلاً. أحمل كيس الإفطار لليوم التالي، فشركائي بالعمل وافقوا على أن يسدوا مكاني الشاغر لبضع ساعات، وفرضوا بحكم المزاح و(الميانة) وجبة إفطار مؤجلة، نفتتح بها صباح اليوم التالي.. لم يثر انتباهي وفضولي سوى ذلك العطر الغريب الذي يملأ شارعنا عند خروجي من المنزل ليلاً!. عطر يفوح شذاه في الأنحاء، لا يظهر إلا في ليلة الخميس من كل أسبوع!. بالطبع أنا لم انتبه مباشرة لهذه المسألة، ولكن بعد أن تكرر ظهور العطر في الشارع، أكثر من مرة وخلال عدة خميسات، دبّ في قلبي الفضول، وشبت الأفكار برأسي كحريق في حلفة يابسة. من ذا الذي يملأ الفضاء بهذا العطر الخلاب، ولماذا عند منتصف الليل؟!. حين أبلغت رفاقي هناك، ضحكوا وقال أحدهم (لعلها شجرة في حديقة تصدر ذلك الأريج). فلم أقتنع بقوله، لأن العطر يظهر مرة في الأسبوع، وبالتحديد ليلة الخميس عند الساعة المتأخرة تلك. قال آخر(لعل أحدهم يعمل في نوبة ليلية مثلنا، يخرج ليلاً فيملأ المكان بالعطر). أيضاً لم يقنعني هذا الاحتمال، فأنا أعرف المحلة والشارع والأزقة، لا يوجد سوى ممرض يعمل في المستشفى، وهو بعيد عن مكان سكني، وغيره لا أعرف أحداً يعمل في نوبة ليلية غيري.. في النهاية قررتُ أن أترصد لصاحب العطر، لعلني أصل إلى معرفة هويته، وقراري هذا أثار سخرية فريق العمل الذي كنت محشوراً بينهم، أرتب القهوة ومعدات السهر لليلة باردة أخرى.

***

جاءت ليلة الخميس، أنهيت أعمالي المعتادة، ثم هرعت إلى باحة المنزل، بعد أن جهزت نفسي للمغادرة. إنها ليلة باردة، والقمر مدفون في غيوم متراكمة. كم تمنيت أن يكون القمر مطلاً علينا في تلك الساعة لكي يساعدني أكثر في فضح صاحب العطر. فلم تكن في الشارع إنارة كافية لفضح معالم أي شخص داخل أو خارج منه. على أية حال، رتبت أموري على ان أنهي كل شيء الليلة، وقد أعترضُ طريقَ الشخص صاحب العطر وأسأله.. لم لا..؟ فالشارع شارعنا، ومن الواجب معرفة الغرباء الداخلين والتأكد من هوياتهم. انتظرتُ وانتظرت، حتى بان لي من خلال فتحة الباب الضيقة شبحٌ جاء من بعيد. طويل، وملامحه لم تتضح بسهولة. كان يحمل كيساً تدلى من كفه. وقبل أن يجتاز بابي احتدمت في رأسي الأفكار، هل أفتح الباب وأوقفه متسائلاً عن هويته؟. وإن عاب عليّ فعلتي ماذا سيكون ردي؟!. لا يهم ما دمت أريد الحفاظ على أمان شارعنا من الغرباء.. ولكن.. هل الشارع ملكي كي يتسنى لي إيقاف المارة ومسائلتهم ؟. رائحته النفاذة ملأت المكان، وخالطت الشجر في الحدائق وتغلبت على رائحة النارنج والقدّاح، فلم أعد أشمُّ غير تلك الرائحة الغريبة العبقة. وحين حسمتُ أمري وقررت الخروج وراءه وسؤاله، تفاجأت أن شبح الرجل ذاب في ظلام الشارع. هرولت وراءه باتجاه يمين منزلي، فلم أجده!. كأن السماء رفعته أو الأرض بلعته كما تبلع الرمال ماء المطر!. أين أختفى هذا الغريب صاحب العطر ؟!. إنها مصيبة لو أنني أضعت هذه الفرصة، فلم يعد باستطاعتي الصبر حتى مجيء ليلة خميس أخرى. علي أية حال وضعت خارطة في ذهني لكل من يسكن إلى جانب منزلي عن اليمين، لقد وصلت أعد الجيران حتى عاشر جار. وبعد التفكير والتنبه توصلتُ إلى أن خيط أريج العطر، يختفي لمجرد أن أجتاز منزلين على يميني.. فهو لم يبتعد عن صف المنازل على جهتنا، لهذا لن أتعب كثيراً. عرفت أن صاحب العطر إما داخل أو خارج، من منزل (مطيعة) الأرملة عاملة الخدمة في دائرة تابعة لحقوق الإنسان. وإما من منزل(ستّار)، الرجل السمّاك الذي لا يغادر الذباب جدار منزله. والجاران أعرفهما جيداً، ليسا من هواة العطور وأهلها، فمطيعة بالكاد تحصل على قوت عيالها اليومي، والسمّاك رجل يستحم بالزفر، ويتباهى برائحة السمك، هذا إن كان أنفه يمارس وظيفته الطبيعية إلى الآن.. هنا زادت حيرتي، وقررت أن أحسم الأمر ليلة الخميس المقبل، وأرى من هو ضيفنا الغريب الذي يملأ الشارع بتلك الرائحة.

***

(جاءت الأوامر من قسم الإدارة بنقل نوبتنا إلى الوقت النهاري)، هكذا هتف زميل لنا في فريق العمل الليلي. وفي الحال رتبنا أمورنا على تحويل العمل والوقت والأشغال إلى النهار. كم هو متعب أن تتخلى عن روتين عمل قضيت شطراً من حياتك فيه إلى آخر. ولكن على أية حال هذا هو عمل الدوائر الحكومية، هم يقررون وأنت تنفذ. وفي الحقيقة لم يكن هذا القرار ما يشغل بالي، بل كانت ليلة الخميس المنتظرة هي الشاغل. بغض النظر عن كل ما سيحدث. فأنا قد حزمت أمري أن أقطع الطريق في هذه المرة، ولن أجعل ذلك الشبح يمر بسهولة.. حين بدأنا ممارسة الصيانة نهاراً، كان العمل متعباً بالطبع، فالأعطال كلها تخرج دفعة واحدة في الصباح. ومن ضمن الاعطال التي توجهنا له، عطل في إحدى المدارس، بعد ليلة أرطب مطرها أسلاك المدرسة وحدث تماس أدى إلى عطل. وصلنا بسيارتنا إلى المكان، قرأت اللافتة الكبيرة الموضوعة في أعلى مقدمة بنايتها (مدرسة الوفاء لرعاية الأيتام والأرامل). وعرفت لاحقاً أنها مدرسة أُنشئت لرعاية الأيتام تدريساً وكسوة، إلى جنب رعاية أمهاتهم من أرامل الشهداء والمتوفين. شكرتُ الله على هذه النعمة، منظر المدرسة والطلاب حين تقلهم سيارات مخصصة، يشيع في قلب من يراهن الراحة والطمأنينة على مستقبل هؤلاء الأطفال.. حين انتهينا من عملنا همس في أذني زميلي (هيا يا صاحب العطر.. بالمناسبة..! ألم تعثر عليه؟) ثم ضحك.. قلت له (سأجده بلا شك.. بل سأنتقم منه موفياً دين الليلة الباردة تلك، حين صلبني كالمعتوه وراء الباب). ضحكنا ودخلنا إلى إدارة المدرسة، وسؤالهم عن أية خدمة أخرى. وما إن وصلنا إلى غرفة مدير المدرسة، حتى انتبهتُ إلى فخامتها، ومنظر الشهادات التقديرية التي زيّنت جدرانها، وكؤوس الفوز بالمسابقات التي رُصفت فوق دواليبها. كان المدير شخصاً مهيباً، طويلاً، يضع شارباً رفيعاً فوق شفته، ويدخن براحة وابتسامة وهو يوزع النظرات بين نسوة يجلسن على الأريكة في غرفته. إن لم يخب ظني فكن أرامل، يراجعن المدرسة للتعرف على مستوى ابنائهن، ويستلمن على الأرجح مساعدات لهن من خلال مدير المدرسة. سأله صاحبي عن أي شيء آخر، فأجاب المدير(لا شكراً.. لقد أكملتم عملكم.. أوصل تحياتي لمدير الصيانة في الدائرة). ثم ابتسم بثقة وجلس يراجع الأوراق أمامه، متجاهلاً وجودنا أنا وزميلي.. ربت زميلي على كتفي، فانتبهت له بعد أن كنت سارحاً أطالعُ المدير، الذي كان منشرحاً في جلسته.. وعطره يملأ المكان بالأريج.. عطرٌ جعل قلبي يخفق مرتاباً، مع قطرات عرق تزحلقن فوق جبيني، الذي بدا ساخناً على غير عادته.

 

***

أنمار رحمة الله

 

عدنان الظاهر1ـ طفّي بؤرةَ أشواقي

في بحرِ الدمعِ المُرِّ

قرّحتِ مشافرَ أجفانِ السُهْدِ

مدّدتِ غطاءَ الظُلمةِ تنهيدا

ظلّي فالليلُ إذا ما غبتِ يطولُ

نوّرتِ شهابَ رجوعي قنديلا

قمرُ الساحلِ يطويني منديلا

طيفي حولي إنّي لولاكِ لما أدماني كأسي إدمانا

ولّيني الأمرَ فإني مولاكِ

أتريّثُ في دربِ الصبِّ أُنيرُ خطاكِ

**

2ـ أنتِ ..

أطفأتِ الشارعَ جُرحاً مفتوحا

كنتِ النورَ وكنتِ النارا

أرأيتِ؟

هل مرّتْ صفوةُ ما فيكِ بذكري

أيامَ حصادِ حقولِ ذؤاباتِ النورِ

مسّدتِ سنابلَ أقداحي

كيما أفتحَ للرائي بابا

يُدنيني من شقِّ البرقِ الناري

ماذا أبقيتِ لناقةِ سُقيا الدارِ

لو أنكِ قاتلتِ بحدِّ القامةِ في الرأسِ

هيهاتَ فجُهْدُكِ مُنحازُ

ألغازٌ تنفيهِ وتأبى

خُضْها ..

الخَطْرَةَ بعد الأخرى

[النجمُ هوى يتبرّجُ دَلْوا]

فارفعْ رأسكَ قُطْبا

يا مَنْ عطّلتَ الرؤيا كيلا

يبقى حُصنُكَ مثلومٌ بُرْجا

**

3ـ أقلِلْ لا تُسرفْ

أطلِقْ ما في كأسِ الرأسِ

طرّزتَ الشكوى أشواكاً إكليلا

ما ذنبُ الساري ليلا

إنْ سوّى مرآةَ الليلِ شظايا

فالفُلكُ قريبٌ جدّا

يتأهّبُ أنْ يطوي بحرَ الرومِ سريعا

جامِلْ هذا الركبَّ ودارِي

تاليهِ يحملُ بصمةَ إرهاقِ

يا ويلَ الباقي في نَفَقِ الإخفاقِ

فالدمعُ مطارقُ أحداقِ .

***

عدنان الظاهر

 

سعد جاسمهذا أنا .........

عراقيٌّ وضوحي

ودمي فراتُ ذبائحٍ

وأنا صيحةٌ مؤجلة

*

دائماً افكّرُ بأشياء فادحةٍ

لماذا الأنوثةُ تتوهجُ في حفلاتِ الدم والاوبئة ؟

كيفَ البلادُ تستحيلُ الى مجردِ رايةٍ

وحكايةٍ ونشيدٍ لايكتمل؟

كيفَ لي

ان لاأشكَّ بكلِّ شئ

جلجامش

الـ  ... هم ... والشعراء

الانثى

الكتاب ... الحب

العالم الممسوخ

الشعر ... الرؤى .. والذاكرةْ

كيفَ لي أن لاأَشكَّ

وأنا المُغيّبُ فيكِ عشقاً وخسائر

ومضئٌ كما صلصال صيرورتك

وسواقي دموعك النافرةْ

*

تستحضرينني دائما ً

لأكونَ فيكِ كما يتشهى دمي

وفي غيابي عن تفاصيل احتراقكْ

أقرأُ هَواجسَ الذئبِ  ... البرابرة

ونصوصَ ألهَتْكِ ... الفناء

فأشهقُ : إلهي .. أريد بلادي

ياااااااااانت .... أين بلادي ؟

*

ها أنتِ دائماً  .. كما أنتِ

تقرأينَ كتابَ البنفسجِ في غابةِ الانتظارات

حاضرة كما نرجسة الروحِ

وفواحة بما يتعتقُ في ذاكرةِ الوردِ

من عطر يلتهب من كفّيكِ

*

كم كانَ يربكُني

ظلُّكِ اللاّهثُ

في كوابيس الحروب

كم كان يجرحني احتمالي

حين تغيبينَ

أو حينَ تنكسرينَ

وأنا احتاجكِ

ملاذاً ... فرحاً ... جنوناً

وأغنية لاتشيخْ

*

روحٌ نازفةْ

بلادٌ - إمرأةٌ - عاصفةٌ - خائفةْ

ولكنها

تتعالى على الفجيعة والانتظار

*

سأصطفيكِ دائماً

وأبتكرُ لكِ طفولاتٍ

وكرنفالاتِ مطرٍ ونبيذ

وسأمنحك مرآة أمي

الصافية كحليبٍ والطاهرة كبرديةٍ

لتتشوفي بها وتتجملي لي

وتزدادي رغبةً

وغوايةً

وهطولاً

لهُ كينونتي ومائي

***

سعد جاسم