مادونا عسكريقدم الروائيّ المصري باسم جبرة في رواية "أحمس" الجزء الأوّل المعنون بـ "الوباء" رؤيته من خلال شخصيات واقعيّة وتاريخيّة، تفضي إلى موازنة بين عالمين محتلفين زمنيّا ومكانيّا لكنهما متشابهان تماما، وكأنّ التّاريخ هو هو. "إنّ الشّيء الوحيد الّذي نتعلّمه من التّاريخ هو أنّنا لا نتعلّم شيئاً" (جورج برنارد شو) والإنسان هو هو في كلّ زمان ومكان. وإن اختلفت الثّقافات فالغرائز واحدة والنّزعات واحدة والطّموحات واحدة، والتّجربة الإنسانيّة واحدة. وقد تتشابه بقوّة حدّ التّناقض. ولعلّ رواية "أحمس" بجزئها الأوّل "الوباء" تؤكّد مسار الزّمن الواحد والتّاريخ الواحد بالمفهوم العميق للتّاريخ الّذي يبدو ظاهريّاً متفرّعاً ومتشعّباً، إلّا أنّه في جوهره يبدأ حيث ينتهي، وتتوالى مساراته لتشكّل أحداثه المتكرّرة. يمثّل العنوان الأوّل "أحمس" التّاريخ القديم الّذي يسير تارةً بالتّوازي مع التّاريخ الحديث أو المعاصر "الوباء"، العنوان الثّاني، وطوراً يتداخل التّاريخان. فيستدعي الكاتب الماضي ويمزجه بالواقع ويترجم بصدق ما عبّر عنه في مقدّمة العمل: "في ذاك المدعو تأريخاَ، تتوالى الأحداث متشابهة، حتّى تبدو تكراراً (مونوتون) رتيباً، ولِلحَيظة تشعر وكأنّ ما تغيّر سوى بعض الشّخوص والأماكن وربّما الأزياء والفنون، أو عين الرّائي هي ما يتلوّن!"

إخوة ثلاثة، عالم فايروسات "ألبرت"، قابع في قبوه لم يبارحه ليحاول برأيه إنقاذ العالم، مع العلم أنّه متّهم باختراع فايروس كورونا، و"مارك" صاحب الاستثمارات الكبرى في الإعلام والاتّصالات، ويبدو في الرّواية مسيطراً على عقول النّاس وأفكارهم من خلال تطوّر وسائل الاتّصالات، و"أنطون" راهب في أحد الأديرة ومنقطع عن أخويه لفترة طويلة. لا يبدو الإخوة على وفاق تام، فيتّهمون بعضهم البعض في التّسبّب إمّا في إفناء البشر، أو تقييد الأفكار والعقول من خلال التّطوّر الإلكترونيّ، أو تخدير العقول والنّفوس من خلال العظات والطّقوس. وأمّا الخلاف فيشتدّ بقوّة عندما يقدم "مارك" على سرقة صديقة "ألبرت" الفتاة/ السّلحفاة، "إيزيس". بالتّوازي مع الأحداث الّتي تحصل عام 2022  ميلاديّة في مدينة واشنطن الأمريكيّة يروي الكاتب أحداثاً تدور عام 1550 ق.م في القصر الملكيّ في طيبة مفادها أنّ جسد "كامس" المخَلّد، معطي الحياة، ابن الشّمس، الحاكم الشّجاع أبداً قد اختفى.

للوهلة الأولى، ومن خلال العنوان الأوّل "أحمس" يظنّ القارئ أنّ الكاتب يتّجه نحو سرد تاريخيّ عن  مصر القديمة ليطلعه على أمجادها وعلومها وفنونها. كما أنّه للوهلة الأولى ومن خلال العنوان الثّاني "الوباء" يتّجه نحو الحديث عن الفايروس المستجدّ كوفيد-19. إلّا أنّ هذه الخدعة اللّطيفة ستغرق القارئ في عمق أعماق الزّمن الّذي يعتبره الكاتب واحداً، وستحيله من جهة إلى البحث والاطّلاع على شخصيّات من التّاريخ القديم يقاربها مع شخصيّات من التّاريخ الحديث أو المعاصر. ومن جهة أخرى يحيله إلى ذاته العميقة ليقرأها الآن على ضوء الماضي المرادف للآن بحكم تكرار الأحداث، فيبرز معنى الوباء الحقيقيّ الّذي أراد الكاتب إيصاله بحبكة روائيّة بديعة.

تقول فيرجينيا وولف إنّ قراءة الرّواية هو فنّ صعب ومعقّد. إذا كنت تريد الاستفادة من كلّ ما يتيحه لك الكاتب – الفنان العظيم – فيجب عليك ألّا تمتلك بصيرة دقيقة وعظيمة فحسب، بل أن تمتلك مخيّلة كبيرة وجريئة أيضاً. ولعلّ الكاتب باسم جبرة اعتمد على مخيّلة القارئ الكبيرة والجريئة مفترضاً حسّاً عالياً لدى القارئ الباحث بدقّة عن عمق الحياة.

رسم الكاتب الرّواية بشكل دائريّ، فبدأت بمشهد سينمائيّ خياليّ يظهر (كامس) في شوارع نيويورك ليعود ويختم الجزء الأوّل من الرّواية بنفس المشهد. وإنّ دلّ هذا المشهد الدّائري على أمر فهو يدلّ على دائريّة الزّمن الّذي ينتهي في النّقطة الّتي يبدأ منها والعكس صحيح. كما يدلّ من جهة أخرى على استحضار الماضي إلى الواقع الحاضر فتنكشف للقارئ تفاصيل متشابهة بالمضمون إلّا أنّها قد تختلف بالشّكل. فالحرب الّتي لطالما استخدمت السّلاح الحربيّ قد تتّخذ شكلاً آخر بسلاح فكريّ أو إعلاميّ أو تكنولوجيّ. ولعلّ الكاتب أراد من خلال أسماء شخصيّاته دلالات محدّدة (ألبرت العالم، مارك صاحب الاستثمارات في الإعلام والاتّصالات، أنطون الرّاهب، إيزيس الفتاة/ السّلحفاة، أحمس فرعون من مصر القديمة ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة، وأحمس الطّفل الصّغير ابن خبير الآثار) كما أراد أن يرسل إشارات للقارئ تمكّنه من التّوغّل في الهدف من الرّواية انطلاقاً من تشابه الأسماء ودلالاتها الفاعلة في التّاريخ. فيتجلّى له التّمييز بين محارب وآخر، وسارق وآخر وإله وآخر.

يقسّم الكاتب الرّواية إلى سواعٍ سبع شارحاً في مقدّمة العمل  مخاطباً القارئ قائلاً: "أنت مقبلٌ على قراءة السّواعي الوحيدة الّتي وصلتني. لم أتمكّن من ترقيمها، فالأرقام ترهقني، لا أثق إلّا بصفرها، لذا ستكون السّواعي صفريّة، تماماً ككلّ المعادلات الزّمنيّة، تنتهي حيث تبدأ، لتبدأ حيث تنتهي. أكتبها  -الآن- وتقرأها أنت -الآن- هذا هو المقياس الزّمنيّ الوحيد الأكيد الّذي لا يؤخَذ عليه ولا يرَد.. الآن". لماذا ترهق الأرقام الكاتب، ولا يثق إلّا بصفرها؟ غالباً تحضر في ذهن الكاتب ثلاثة اتّجاهات للرّقم صفر أو ثلاث فلسفات اهتمّت بالرّقم صفر: الصّفر اللّاشيء الّذي رفضه الإغريق بحكم خوفهم من اللاشيء فبحسب الفلسفة الإغريقيّة، هذا العالم يحكمه النّظام وحتماً يوجد "شيء ما" حولنا على الدّوام. والصّفر اللّانهاية، وذلك ضمن علم التّفاضل والتّكامل الّذي تلقّفه العلماء من أعمال الحسن بن الهيثم والخوارزمي وأبرزهم لايبنتز وإسحق نيوتن وغيرهما خلال القرن السابع عشر. والصّفر نقطة الأصل الّتي يمتدّ منها محوران من المالانهاية إلى المالانهاية كما شرحها ديكارت الّذي قاده تفكيره إلى جعل الصّفر نقطة المركز والقلب للنّظام الإحداثيّ الّذي ينسب إليه اليوم فيما يعرف بـ (مستوى ديكارت الإحداثي). وعليه فإنّ الكاتب ذهب في هذه الاتّجاهات الثّلاثة غالب الظّنّ. فالصّفر المرادف عند الكاتب للآن المقياس الزّمنيّ الوحيد، هو النّقطة الأصل الّتي تنطلق منها الرّواية وتعود إليها. والصّفر اللّانهائيّة الحاضرة في دوران الأحداث وتشابهها في كلّ زمان ومكان. والصّفر اللّاشيء الدّالّ على العدم الّذي نتعلّمه من التّاريخ بمعنى أنّنا لا نتعلّم شيئاً. لكنّ الكاتب يتّخذ لنفسه دلالة خاصّة للرّقم صفر المعادل للسّواد أو الغموض أو الالتباس، حين يظهر (كامس) في منطقة زمكانية خارج العالم في القسم الأوّل المعنون (السّاعة صفر... أسود): )كامس( المخَلّد، معطي الحياة، ابن الشمس، الحاكم الشّجاع أبدياً- الشّاب العشَرينيّ سابحٌ في نطاق الزّمكان، متّشح بزيّه الفرعونيّ المميّز، يدور في فلكٍ  -كالثّغر- أكثر سواداً من باقي الأثير المحيط، ينظر إلى كوكب الأرض من علاه ذاك، واثق الخطى غير متعجّل يتّجه نحو الكوكب في حركة مكانيّة استاتيكيّة تبدو غير حقيقيّة، يتّسم وجهه بابتسامة بلاستيكية..." جعل الكاتب الخلود الزّمني في هذه المنطقة الزّمكانيّة المعتمة حيث السّكون والجُمود أو عدم التّطوّر، وأدخل عليها الحركة الدّيناميكيّة  ليظهر التّضاد العنيف بين حركة الزّمن من حيث الشّكل وجمودها من حيث الفعل الإنسانيّ. وفي هذه الحركة الجامدة المتحرّكة يثير الكاتب مشكلات وجوديّة حقيقيّة كالحرب، والسّلام، والمشاعر، والإرادة، والحرّيّة، والعبادات والذّكاء الاصطناعيّ، إلى ما هنالك من مشكلات وأسئلة تحرّك الفكر والعمق الإنسانيّ.

الفصل الأخير من الجزء الأوّل من الرّواية "ثقب أسود" يحدّد فلسفة الكاتب ويبرز المعنى الحقيقيّ المراد إيصاله للقارئ. وما الثّقب الأسود إلّا دلالة على اللّاشيء أو التباس المعاني الإنسانيّة، وتناقض الأفكار:

"في فضاءٍ دامس، وفي بقعة أكثر إظلام، يتراءى لنا كلّ من كامس وأحمس في زيّهما الفرعونيّ، متقابلين كالأعداء، يبدوان وكأنّهما آخذين في التّلاشي، لكن بلا تلاشي! كلّ الأجرام تتحرّك، بلا انتقال! السّاعة الآن  )صفر(، السّرعة مبهمة، حيث حاصل قسمة المسافة على الزّمن هو حاصل قسمة المبهم على صفر! فالكلّ ثابت متحرّك، خامل مستعرّ، هنا يمتزج الأبيض بالأسود، الشَبق بالخَرِق، هنا، في اللّازمكان، يستعر الصّراع الحقيقيّ بين كلّ المتناقضات، المتكاملات! في اللّامنطق هنا، تتمنطق المعرفة لمّا ينكشف عريها! هنا -في اللّاهنا- كلّ شيء حقيقي...".

"أحمس" رواية تخاطب العقل فترتقي به وتخاطب الإحساس فتهذّبه وتدلّه على عمق الحسّ الإنسانيّ الّذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان. أحكم الكاتب السّيطرة على الرّواية من البداية إلى النّهاية، فأكّد معنى (الآن) الّذي أراده على الرّغم من تعدّد المشاهد والأحداث. كما استفزّ خيال القارئ وذكاءه ليدرك كنه الوباء المتغلغل في الإنسانيّة مذ وجدت.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

قصي الشيخ عسكرقبل أن أبدأ الحديث عن رواية السيدة ذكرى لعيبي أودّ الإشارة إلى اني قرأت لهذه الأديبة العديد من قصائد النثر وبعض القصص المنشورة أي أنها شاعرة وقاصة ومما يلفت النظر في نتاجها الشعري والقصص أن قصصها القصيرة لا تخلو من النفحات الشعرية مما يزيدها متانة ودقة وبريقا في التعبير لكن إلى الحد الذي لا يطغى فيه الشعر على المدّ القصصي المتدفّق الذي يفقد بريقه وتأثيره السردي في حال طغيان النفس الشعري عليه كما وجدناه عند كثير من الأدباء المعاصرين.

المهم إننا بصدد رواية جديدة للأديبة ذكرى وهي أول رواية لها كما عرفت منها وهذا يضعنا أمام عدة احتمالات منها إن العمل الروائي يجب أن يأتي بعد خبرة طويلة في الحقول الأدبية المختلفة كالشعر والقصة،ومنها إن الكاتب أو الكاتبة بعد تجارب ناجحة في الشعر والقصة لابدّ أن يستفيد من جماليات تلك الفنون ليصوغها في أولى رواياته أو رواياتها،وهناك عامل الزمن الذي يمنح الكاتب/ الكاتبة حرية الاختيار في بدء الرواية استنادا إلى زمن الشعر أو القصة القصيرة أم التجاوز عليه.

وهذه أمور التفتت إليها الكاتبة السيدة ذكرى لتقدّم لنا بكل ثقة روايتها

الأولى، لكن بادىء ذي بدء لابد من الإشارة قبل أن يلتبس الأمر في ذهن بعض القرّاء إلى أن الروائيّة لاتمس في روايتها هذه التي بين أيدينا مذهبا معينا أو دينا معينا.

فهي تشير من خلال السرد إلى استغلال بعض الرجال من أي دين كان أو  مذهب لرحابة الدين والمذهب إلى درجة تشويهه والإساءة إليه، والإساءة إلى المقدسات من خلال الإساءة إلى الآخرين بخاصة النساء اللائي يتعرضن لظلم المجتمع الفظيع وفق تأويلات الدين والمذهب التي جاءت من مفسرين وفقهاء هم بالأساس رجال افتوا أولا وقبل كل شيء لمصلحة الرجولة وفوق أي اعتبار ومن جراء ذلك تحرك المجتمع ليستغل سطوة العنصر الذكوري على المرأة أبشع استغلال.

ونحن هنا نستطيع أن ندرك تماما أن الفكرة المقصودة بالسرد الروائي هي فكرة عامة أو هي جزء من معاناة المرأة في العالم حيث مازال المفهوم الذكوري هو السائد والمتحكّم في القضايا المصيرية ومنها وضعية المرأة نفسها.

أما عن اللمحات الفنية فقد لاحظنا أن الكاتبة استوعبت مجريات أحداث الرواية عن طريق تداخل الضمائر فالضمير السائد الذي يقود عملية السرد هو ضمير الغائب بعبارة أدق {هي}أي البطلة لكن غيابها مشكوك فيه فهي حاضرة عبر الضمير الحاضر {أنا} وهو ضمير الكاتبة صديقة البطلة حيث يتداخل الضميران فنظن أن أحدهما هو الآخر لتخاطب كل منهما بكلمة أو ضمير {أنت} .

1601 ذكرى لعيبي

إن ضمير أنا أو أنت يشتركان في قهر واحد أنا تحب شخصا يقتل في الحرب وأنت تحب شخصا وتحاول أن تنتحر من أجله،تصبح أنت المخاطبة هي التي تطلق من زوجها ليأتي ابن عمها المتزوّج فيعرض عليها زواجا بشروط هو أن يتزوّجها زواجا مؤقتا لأنه لا يريد أن يسبب إحراجا لزوجته أم أولاده، وهنا وسط هذا التفاعل الإنساني المليء بالعواطف الإنسانية والمجرد من بعضها يظهر ضمير غائب لابد من حضوره في هذه المواجهة العنيفة الحساسة هو شخصية فاطمة اللبنانية التي تتزوج زواجا مؤقتا من تاجر له سمعة في السوق فيتخلى عنها في أقرب فرصة ليهب لها المدة الباقية.

من الواضح الآن إن ضمير الهو المذكر يمثل شخصية الجلاد ودوره سلبي فقط حتى ضمير الغائب الذي يخص الساردة فهو يؤدي دورا سلبيا فعندما ذهبت الساردة بعد محاولة انتحار إلى بيت حبيبها وجدته قد تزوج ثارا لكرامة أمه التي أهينت من قبل أم الحبيبة.

ولو قابلنا الضمائر في الرواية لوجدنا أنها تتقابل وفق النمط التالي:

 تتقابل الضمائر في الصيغة التالية حسب تبادل المواقع

هي  = أميرة  \  هو حبيب أميرة

أنا = الساردة \   هو الجار

هو حبيب أميرة  =هو الجار

أنا الساردة = هي أميرة

ثمّ يأتي ضمير آخر ثانوي كان له أثر بليغ في تصعيد الحدث والتفاعل مع مجريات الرواية ألا وهو شخصية الفتاة الإماراتية التي التقتها الساردة في المشفى التي استوعبت جميع الشخصيات كونها تزوجت من شاب مصاب بالعنة فشرط عليها شروطا قاسية ليطلقها إن وجود هذا الضمير كان ضروريا ليلتقف الضمائر الأخرى على الرغم من قصر الفترة الزمنية التي احتلها وهي التفاتة ذكية من المؤلفة:

هي الإماراتية= الساردة، وأميرة وفاطمة  نعني بذلك {هن} أما  الآخر فيمكن أن نقول عنه إنه

هو {العنين}= هم الحبيب لأميرة وحبيب الساردة الذي يشبهه في العنة فهو غير قادر على توفير الأمان لها بعد كل تلك السنين فهو أشبه بالعنين

زمن الرواية:

يتوزع الزمن بحركات متناغمة  لزمن حاضر وماض ومستقبل وفق تدفق تمليه ضرورة الإيحاء السردي فيكون بصيغ مختلفة:

أولا صيغة التوازي وهو زمن الساردة المتوازي مع زمن الغائبة أميرة.

ثانيا  صيغة التداعي  كما في الزمن الذي يرجع بنا إلى الحرب العراقية الإيرانية حيث نجد أن الساردة تتحدث مع نفسها لتواسي البطلة أميرة فتجد أنها عاشت تداعيات الحرب وسمعت بمقتل زوجها الذي مثل في الواقع بديلا لحب ضائع هو حب الشاب الأول الذي كادت تقتل نفسها من أجله فزمن التداعيات يتحقق في زمن الحرب وزمن محاولة الانتحار الذي يتمثل في ثورة على المجتمع والتقاليد لكن هذه الثورة تخفق.

ثالثا الزمن الملتف وهو الذي تستدعيه الضرورة ليتحقق في الزمنين السابقين كما في ظهور الحبيب الأول الذي يستعد للزواج من الساردة غير أنها تربط عودتها وموافقتها بشرط هو أن يوفّر لها الاستقرار.

من خلال هذه الأزمان نجد أن الكاتبة شطرت نفسها إلى شخصيتين لكي تتحكم بالزمان أو الأزمان أعلاه هي شخصية أميرة وشخصيتها فحققت من خلال فلسفة الزمن شخصيتين متوازيتين تتعلق بهما الشخصيات الأخرى الثانوية في أزمان جزئية مثل شخصية السيدة الاماراتية التي تعيش زمنا حاضرا محدودا بشروط فُرضت عليها.

فلسفة المكان:

هناك ثلاثة أمكنة في الرواية هي:

المكان السابق

المكان الحاضر

المكان المثال

المكان السابق: وهو مدينة البصرة بصورة عامة حيث عاشت الإثنتان الواحدة {أنا =هي}في ذلك البلد إن الأنا تفقد زوجها في هذا المكان وهي تفقد حبيبها وتحاول الانتحار لكن الإثنتين تتخلصان من هذا المكان جسديا إذ تبقى مخلفاته تلاحقهما في العراق كل ماهو جميل انقلب عقبة ورعبا هناك امرأة انتظرت زوجها أن يعود بيدٍ واحدة غير أنها استقبلت جثته وفي هذا المكان تتجلى الطبقية والعشائرية والنظرة الفوقية وردات الفعل.

المكان الحاضر: وهو البلد المضيف الإمارات،وهو بلد الأمل والقلق هنا يتحقق بعض الأمان غير أن القلق يلاحق النسوة العاملات بعض هؤلاء يتعرضن إلى إغواء وإغراء من رجال يستغلون الدين والمذاهب لتحقيق مآربهم وعلى الرغم من أن المرأة تتعب وتشقى وتشعر بالأمان إلا أنها تنظر إلى المستقبل بقلق هذا عن خاصية المكان بنظر المرأة العراقية أو غير الإماراتية، أما المواطنة فيقع عليها ظلم أيضا من قبل الرجل فنحن نعيش في مجتمع شرقي ذكوري إلى درجة أن الرجل العنين يتمسك بأنانيته فيرفض طلاق زوجته لتعيش حياتها التي وهبها الله لها.

المكان المثالي: في التفاتة سردية جميلة حدثتنا الساردة عن حلم جميل عاشت أحداثه مع حبيبها في باريس وقد رسم الحلم الواقع بدقة، وإن هناك مكانا آمنًا نحقق فيه طموحاتنا وهذه لفتة من الكاتبة إلى موضوع الهجرة والمهاجرين بخاصة النساء إلى ذلك العالم المثالي الذي يحقق فيه الإنسان طموحه.

وتأتي نهاية الرواية لتشير إلى مكان مثال أيضا، الزواج هو طموح أية فتاة والبنات كلهن يجتمعن في بيت كي يساهمن بزفة عروس،فهل يمكن أن نعدّ ختام الرواية بهذا الشكل إلى مكان مثالي هو بيت الزوجية الذي يوازي مكان الحلم المثال وهو باريس؟

الحوار:

رواية الأديبة السيدة ذكرى تنهج نهجا واقعيا لكنها لا تسقط في المباشرة بل هي واقعية شفافة واسعة فضفاضة لا يقيدها المكان بتفصيلاته الجانبية وقد جاء الحوار ليتماشى مع هذا النهج  ويتميز حوار الرواية بالسمات التالية:

السهولة والقوة ففي هذه الرواية نحس أن الشخصيات تتكلم بلسان واضح غير أنه ليس حوارا مباشرا .

خلوه من اللغة الانفعالية التي تفسد على القارىء متعته وتحجم اللمحة الفنية.

الحوار بين الوسط والقصير فهو يبتعد عن التطويل الذي يبعث الملل.

مع أن الرواية هي الأولى للمؤلفة نجد أن السيدة ذكرى لم تسقط في فخ الخطابة ذلك الفخ الذي يقع فيه كتاب الرواية، أضف إلى ذلك أن الحوار يعالج قضايا حساسة ويمكن أن يجر الكاتبة إلى الأسلوب الخطابي غير أنها كانت ذكية ومتمكنة من أدواتها.

وردت في الحوار بعض المصطلحات والجمل من اللهجة العراقية الدارجة وذلك عامل أضفى مسحة جمالية على الحوار، مثال الحوار الذي دار بين أم شامة وأم سامي:

 - شلون تقبلين جاية تخطبين شامة لابنچ؟

- ليش خيّة، چا شبيه ابني؟

- لا خيّة لا، لا أنتم من ثوبنة، ولا أحنة من ثوبكم؟

ولكون الكاتبة تعيش منذ مدة طويلة في الإمارات فقد ضمنت في حوارات روايتها بعض المصلحات أو الكلمات في اللهجة الإماراتية الدارجة لما لذلك من عامل نفسي يؤثر في القاريء، كما في الحوار الذي دار بين المرأة العجوز وشامة:

- أنتِ عراقية؟

- أي خالتي.

- ما شاء الله رمستكم وايد غاوية.

- وأنتم بعد حلوة سوالفكم، وحلوة بلادكم.

- هلچ هني يا امي؟

- لا، خالتي أهلنة نص بالعراق ونص طالعين، كل واحد بصوب.

بين بطلة ذكرى وآخرين:

هل يمكن أن نقول إن معظم الروايات العربية وضعت المرأة في دائرتين هما:

كونها ضعيفة مطيعة تابعة تقبل الزجر والذلّ والإهانة

كونها متمردة وقحة لا تبالي بالأعراف والتقاليد.

وأهم الروايات التي جمعت هاتين الشحصيتين هي ثلاثية الروائي نجيب محفوظ فالشخصيّة لتابعة الذليلة تجسدها أمينة أم ولدي السيد عبد الجواد وشخصية المتمردة نجدها في أم ياسين التي تمارس الخيانة واللهو والتصابي.

في رواية السيدة ذكرى وجدنا النمط الأول فقط وتمثل في كل شخصيات روايتها كلهن مضطهدات من قبل الرجل والمجتمع والأعراف والدين أميرة وفاطمة والكاتبة أو الساردة واليازية، فالمرأة في مجتمعنا تضطر للتنازل أو الخنوع، ولو وازنا بين شخصية الساردة صديقة اميرة نجد أن الساردة أي ضمير الأنا تتجاوز الصدمة وتنتصر أما أميرة فتظلّ حتى آخر لحظة متعلقة برجل أهانها عدة مرات، متزوج ويطلب منها علاقة جسدية مؤقتة، ومما يؤكد انهيار تلك الشخصية فقدانها الوعي ومرضها لأن حبيبها المتزوج لم يجب، ظلت تنتظر  فاصابها يأس وحزن وكآبة فتم نقلها إلى المشفى،لكن الكاتبة أخيرا وفي نهاية الرواية جعلت أميرة تستعيد وعيها وذلك حين صاغت الخاتمة في التفاتة ذكية تمثلت بعرس وكأن الفرح هو علامة زمنية قادمة اجتمعت فيها كل النسوة المضطهدات .

***

عرض وتحليل

 بقلم د. قصي الشيخ عسكر

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن جمال الغيطاني رائد التوظيف التراثي للرواية العربية، فنقول:" كتب الغيطاني أول تجربة محاولة قصصية عام 1959، أي وهو بعد في حدود الرابعة عشرة من عمره، ولكنه لم يتمكن من النشر إلا في عام 1963، إذ نشر أول قصة له بعنوان "زبارة" في مجلة الأديب اللبنانية . وتابع النشر بعد ذلك في الدوريات والصحف حتي عام 1968، حيث نشر خلال هذه السنوات الست " عشرات القصص، وروايتين قصيرتين (حكايات موظف كبير في جريدة المحرر، وحكايات موظف صغير في مجلة الجمهور الجديد اللبنانية)".

وفي عام 1965 كان قد بدأ ينخرط  في تنظيم سياسي سري منشق عن الاتحاد الاشتراكي، ليمارس من خلاله كشف بعض الانحرافات الاقتصادية الموجودة داخل المؤسسة، التي يعمل كغيرها من المؤسسات في تلك الآونة، وينقل بسبب هذه التحرك السياسي إلي محافظة المنيا في الصعيد، ولا تلبث السلطات السياسية أن تعتقله في نهاية عام 1966،حتي مارس 1967، أي قبل النكسة بثلاثة شهور، ثم قررت المؤسسة أن يكون عمله هذه المرة في القاهرة نفسها في منطقة خان الخليلي، ويظل علي رأس عمله فيها حتي عام 1968، وهو العام الذي نشر فيه مجموعته القصصية الأولي بعنوان " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " . لقد كانت هذه المجموعة الأخيرة علامة تحول في سياق إبادع الغيطاني الأدبي غلي صعيد احتراف الأدب من جهة، وعلي صعيد ما طرأ علي حياته العملية من جهة أخري . فلقد استدعاه بمجرد صدور هذه المجموعة محمود أمين العالم رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم آنذاك، وطلب إليه العمل في الصحافة، فكان أن قبل العرض، ودخل بذلك عالم الصحافة، الذي هو حتما أقرب إلي عالم الكتابة من العمل الحرفي الذي كان يمارسه الغيطاني لسنوات خلت قبل هذا التاريخ .

تخرج عام 1962، وعمل في المؤسسة العامة للتعاون الانتاجي رساما للسجاد الشرقي، ومفتشا على مصانع السجاد الصغيرة في قرى مصر، أتاح له ذلك زيارة معظم أنحاء ومقاطعات مصر في الوجهين القبلي والبحري، تزوج عام 1975، من ماجدة الجندي، رئيس تحرير مجلة علاء الدين، للأطفال الصادرة عن مؤسسة الأهرام، وهو أب لمحمد وماجدة.

بدأ جمال الغيطاني الكتابة سنة 1959م بالتحديد، وبدأ كروائي وليس ككاتب قصة قصيرة . كتب ثلاث روايات لم يقدر لها أن تنشر وعددا كبيرا جدا من القصص القصيرة في الفترة الواقعة بين 1959م و 1968م و تاريخ صدور أول مجموعة قصصية له: أوراق شاب عاش منذ ألف عام (1969م)، الذي تضم خمس قصص قصيرة: " أوراق شاب عاش منذ ألف عام، والمقتبس من عودة ابن إياس إلي زماننا، وأيام الرعب، وهداية أهل الوري لبعض مما جري في المقشرة . عثر " علماؤنا " علي " أوراق " ذلك الشاب الذي عاش منذ ألف عام مدينة كبيرة يحتمل أن يكون اسمها " المنيا " أو " أسيوط "، ونص تلك الأوراق أحد سكان هذه المدينة .

منذ بدأ الروائي الكتابة عام 1959م . لم يتوقف عن الكتابة والسرد، حتي في أصعب الظروف، حتي في السجن عام 1966 زمن جمال عبد الناصر منذ البداية، كانت " البداية غامضة "، إذا جاز التعبير . يروي السارد في " نثار المحو ": " .. يحيرني جهل البدايات، كما تحيرني مضامين النهاية، أي صور ستمثل عندي قبل إسدال بصري إلي الأبد، أهي صورة من ذلك النثار؟، هل ستكون فكرة لن يتاح التعبير عنها أبدا ؟، حقا

أما أبوه فقد ولد عام 1923، وفجع باليتم وهو ما زال في سن السابعة من عمره، " عرفت أنه يتيم، ولا يذكر ملامح أبيه الذي رحل فجأة"، وقد حُرِم هذا الأب من الذهاب إلي " الكتاب " في صغره بسبب خشية أمه التي ظنت أنه ربما يختطفه أحد عند ذهابه اليومي، وبقي طواة مدة مكوثه في جهينة علي خلاف مع عمه، الذي كان الطرف . أما جوهر الخلاف فهو أن عمه قد طمع بحيازة حق التصرف بمجموعة من أشجار نخيل كان قد تركها له والده ز ويبدو أن الأب قد ضاقت به سبل العيش في القرية، وفشل في إزالة أسباب النزاع مع عمه، فيسافر إلي القاهرة طلباً للكسب مع صديق له اسمه " عمر الماخوت" الذي صار فيما بعد من أثرياء سوق العتبة في القاهرة، ويظل في القاهرة متأرجحاً بين عمل وأخر، إلي أن يستقر به المقام في وزارة الزراعة موظفاً فيها وذلك حسب ما قاله الغيطاني في الجزء الأول من كتابه التجليات .

وبعد أن يجمع بعض المال يعود إلي جهينة، فيتزوج من ابنة علي باشا المداح صاحب الكرامات، ويعود بزوجه إلي القاهرة، فيقيمان في حجرة " فوق السطوح" في حارة الطبلاوي، ثم ينتقلان وقد أنجبا إلي شقة في الدرب الأصفر، ثم مرة أخري إلي درب الطبلاوي، ثم إلي باب الشعرية، فالمطرية لمدة شهرين، ثم أخيراً إلي شقة تقع في مساكن جديدة بُنيت شمال القاهرة، هي " آخر ما شيد للفقراء في زمن عبد الناصر".

وفي سياق حديث الغيطاني عن ظروف أسرته الاقتصادية الصعبة يقول: " كان والدي رجلاً فقيراً، مر في ظروف حياة صعبة جدا "، ولا شك أن هذا الإحساس قد أثر في نفسية الروائي تأثيراً كبيراً، فهو يعترف في موضع آخر أنه كان في مراهقته يخجل من فقر أبيه، وهو اعتراف يجعلنا أكثر فهما للسبب الذي  جعل الأسرة تقضي معظم حياتها في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة، وهو حي الجمالية المشتمل علي الأماكن المشار إليها سابقاً.

وعلي الرغم من أن الحياة في أحياء القاهرة الشعبية أقرب إلي الحياة في الريف المصري، إلا أن هاجساً قوياً ظل يلح  علي والد الغيطاني بالعودة إلي جهينة، ولكن الظروف لم تكن لتسمح، ويمكن فهم ذلك من خلال خواطر الرجل التي كان يكشف عنها أمام أفراد أسرته:" سأتعلم وأرجع .. سأطلب نقلي إلي البلدة .. بعد أن يتعلم الأولاد في مصر سأرجع إلي البلدة .. بعد تخرج جمال، بعد تخرج إسماعيل، سأسافر لأموت هناك في الأرض التي خرجت منها".

ويبدو أيضاً أن الظروف الاقتصادية التي عاشها الغيطاني قد جعلته أكثر التصاقاً بواقع الحياة، وأنماط التفكير في الأجواء الشعبية، سواء في جهينة، التي لم تكن الأسرة لتقطع اتصالها بها، أو في الجمالية حيث ضريح الحسين – رضي الله عنه – صاحب المنزلة الكبرى عند المصريين، والذي يحتل – حسب تقدير الغيطاني – نفس المكانة التي يحتلها الإله أوزوريس الفرعوني.

ورغم أن أحدا لا يكاد يشك في أمر تأثر المبدع هذه الجواء الشعبية، فإنه نفسه يؤكد هذه الحقيقة ويقرها: " في هذه المنطقة نشأت (يعني الجمالية)، واعتقد أن هذه النشأة قد أثرت علي تكويني بشكل تلقائي جدا .

أما في صعيد مصر، فإن أنماط التفكير الشعبي هي الأطر الثقافية التي يشي عليها الناشئة هناك، وذلك لترسخها في وجدان الشعب بقوة . ولم تكن أسرة الغيطاني بمعزل عن هذه الأنماط الشعبية في التفكير وخصوصا عند جدته لأمه، إذ طالما رويت عنها قصص البطولات الخرافية، والكرامات الصوفية، وقصص الجان وغيرها، حتي أنها أورثت الإيمان بهذه " الأدبيات" وعقولهم كما سيبدو لاحقا.

فلا عجب بعد ذلك أن يترسب العديد من جزئيات هذا التراث الشعبي في لاوعي الغيطاني، باعتباره واحداً من أفراد هذه الفئات الشعبية  . وقد بدا الغيطاني في غير موقف تعبيري مسلماً بتأثير هذا التراث فيه وفي ابداعه، إذ إن هذا التراث " الذي يدخل في نسيج الواقع اليومي كان المنطلق الأول.. لمحاولة خلق أشكال فنية جديدة.

كما أن نشأة الغيطاني الأسرية والبيئية كان لها كبير الأثر في توجهه هذه الوجهة الإبداعية، فكذلك الأمر فيما يتعلق بثقافته، فلقد حصل ثقافته الخاصة عبر منافذ ثلاثة رئيسية. أما الأول، فمن خلال مكتبة مدرسة الجمالية الابتدائية في شبابه المبكر . وأما الثاني فمن خلال الكتب المعروضة علي رصيف الأزهر، بعد سن السادسة عشرة. وأما الأخير، فكان من خلال دار الكتب المصرية، وذلك في مرحلة متأخرة من مراحل تكوينه أطره الثقافية الخاصة.

ويمكن القول إن مطالعات الرجل من خلال هذه المنافذ قد بدت موزعة بين الأدب العالمي المترجم، والثقافة التراثية،مع نزر يسير من نماذج الأدب العربي الحديث . ولعل الثقافة التراثية تحديداً، لم يتح لها أن تحتل موقع الصدارة بين مطالعاته، إلا في المرحلة الخيرة، أعني من خلال دار الكتب، وبتوجيه من أمين الخولي الذي لم يلفت الغيطاني أن يحضر عددا من ندواته الأسبوعية التي كان يحضرها جماعة (الأمناء).

لقد اطلع الغيطاني من خلال تلك المنافذ علي قدر لا باس به من عيون الأدب العالمي المترجم لأبرز مشاهيره، أمثال تولستوي، هيجو،غوركي، زولا، وغيرهم الكثير.. ولا شك أن الرجل قد أفاد كثيرا من هذه القراءات، ولكن أهميتها الخاصة في سبيل ترغيبه الواعي بانتهاج منهج التوظيف التراثي في الإبداع ..

والمتابع لأعمال جمال الغيطاني السردية، يلحظ أنه كاتب غزير الإنتاج في مجالي الرواية والقصة القصيرة، فمن رواياته: " الزيني بركات 1970 م، الزويل 1970 م، وقائع حارة الزعفران 1976م، خطط الغيطان 1980م، كتاب التجليات (الأول 1983م، والثاني 1985 م، الثالث 1987م)، رسالة في الصبابة والوجد 1987م، رسالة البصائر في المصائر 1988م، شطح المدينة 1991م، هاتف المغير 1992م، متون الأهرام 1994م، نوافذ النوافذ 2004م، وغيرهم " .

ومن مجموعاته القصصية: أوراق شاب عاش منذ ألف عام 1969م، أرض – أرض 1972م، الحصار من ثلاث جهات 1975م، حكايات الغريب 1976م، ذكري ما جري 1978م، الرفاعي 1980م، اتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان 1984م، أحراش المدينة 1984م، ثمار الوقت 1987م، نفثة مصدور 1993 .

ويمزج جمال الغيطاني في عمله الروائي بين أنماط متعددة من المقاربة السردية، في محاولة للنظر، من زوايا عديدة، إلي موضوعه الأثير المتمثل في الكشف عن آليات عمل السلطة، ونقدها من خلال استحضار موازيات تاريخية لها.ويمكن القول  إن رواياته بداية من الزيني بركات وصولا إلي حكايات المؤسسة تسعي في جوهرها إلي معرفة الكيفيات التي يتجلي فيها مفهوم السلطة، بغض النظر عن الأزمنة والأمكنة وطبائع البشر  الذين يمسكون بتلك  السلطة، ويحركونها ويسلطونها علي رقاب العباد.

ولكي يحقق الغيطاني تحولا في الكتابة الروائية العربية، التي بدت في ستينات  القرن الماضي أقرب إلي السرد الخطي منها إلي الكتابة الروائية ذات السطوح  الغنية المتعددة، القادرة علي تنبيه القارئ بدلاً من تطمينه وتنويمه، تنبه إلي ما تنطوي عليه كتب التاريخ في العصور الإسلامية المتأخرة، وكتب الخطط كذلك، من مادة سردية غنية يمكن النسج علي منوالها ومحاكاة لغتها بصورة ساخرة، وبناء عالم شبيه بعالمها.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

.................

المراجع

1- محمد رياض وتار: توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003م.

2- علي باقر طاهري نيا: الخصائص السردية وجمالياتها في رواية الزيني بركات لجمال أحمد الغيطاني، الجمعية المصرية للدراسات السردية، العدد الثالث، 2012م.

3- محمود حنفي: فانتازيا الحكم الأب في تجليات الغيطاني، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد السادس عشر، العدد الرابع، 1998م.

4- جمال الغيطاني: التجليات،القاهرة، 1998م.

5- حكايات موظف كبير في جريدة المحرر، وحكايات موظف صغير في مجلة الجمهور الجديد اللبنانية".

  

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنه ليس الكاتب الروائي، إلا مفكراً يستبدل لغة الفن بلغة الفكر، يقوم بفعل السيطرة علي الواقع من حوله سيطرة بناء يلملم من شتات مواد العمارة عينات مختارة، يخلق من مزج مفرداتها بناءً متماسكاً متناسقاً ذا نظام وجوهره. والروائي يسعي من خلال هذه السيطرة إلي شكل من أشكال تغيير الواقع، وفق منظور يبرز أحد الاحتمالات الممكنة لمستقبل ذلك الواقع الخام، وهو منظور يمثل في الحصيلة بعض ملامح فكر الكاتب الروائي، في رؤية شمولية ذات بناء فني جمالي خاص؛ ونحن إذ نؤكد دور المفكر في العمل الروائي، ننطلق من أنه قد بات " من المؤكد أن وشائج القرابة قائمة بين الفنان ووليده الروحي"، حتي إن الفنان عموماً " مهما ادعي أن فنه كان نتاج اللاوعي أو اللاشعور، فهو يعي ويشعر بما يصنع أو بما يبدع" . وقد تقود هذه الوشائج إلي حد أن تحل شخصية الكاتب داخل روايته، واحدة من شخصياتها، أو رواية لها، فإن غابت هذه الشخصية عن الظهور، هي شخصيات العمل الروائي، المحكومة حتماً بمنطق إدارته لعالم الرواية موضوعياً وفنياً، وهو ما يؤكد أن الروائي حاضر في الحالتين لا محالة .

ومن هنا يمكن القول بأنه ليس من المعقول أن تمر علينا هذه الأيام الذكري الخامسة لوفاة الأديب الكبير، والروائي القدير " جمال أحمد الغيطاني (ولد 9 مايو 1945 - وتوفي 18 أكتوبر 2015)"، روائي وصحفي مصري، حامل الروائح المحفوظية، ورفيق أديب نوبل، نجيب محفوظ، وأحد أبرز أعضاء "شلة الحرافيش"، ومؤسس صحيفة أخبار الأدب (أول صحيفة أسبوعية ثقافية متخصصة تخرج من المؤسسات الصحفية القومية المصرية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر، أو وقفة، أو تسليط الضوء على شيء من منجزاته وابداعاته ؛ فقد كان سيادته صاحب مشروع روائي فريد، استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالمًا روائيًا عجيبًا نال فيه نجاحاً كبيراً، ومحبة لا تغيب في قلوب قطاعات واسعة من القراء.. ثقافته الموسوعية وسعة اطلاعه، فتحت الطريق لإحياء الكثير من النصوص العربية المنسية، وإعادة النظر في تاريخ الأدب العربي القديم... وعلى الرغم من وعود كثيرة بتخليد ذكراه رسمياً في صورة مركز ثقافي يحمل اسمه، إلا أن هذه الوعود تراجعت ولم ينفذ منها إلا تسمية أحد شوارع القاهرة الفاطمية باسمه، وهو شارع متفرع من شارع المعز لدين الله الفاطمي، كما تم إطلاق اسمه على إحدى المدارس بمسقط رأسه في محافظ سوهاج جنوب مصر.

كما يعد جمال الغيطاني من أبرز كتاب الرواية التراثية في عالم العربي بروايته (الزيني بركات): حيث يختار جمال الغيطاني في رواية الزيني بركات الشكل التاريخي متخذاً من كتاب (بدائع الزهور في عجائب الزهور) للشيخ محمد بن أحمد بن إياس طريقاَ ونمطاَ للإبداع والتخييل لمساءلة الواقع والبحث عن الأسباب والنتائج بالغوص في أعماق الزمن واستقراء لحظات التاريخ .

فقد اختار الغيطاني من التاريخ ما شاء ليوظفه في عمله الروائي كجزء من عمله السردي والجمالي، وعلي هذا النحو من التصوير لعملية إبداع الرواية يتراءى اللجوء إلي التاريخ باعثاَ علي تجديد الأساليب السردية باستخدامه العناصر السردية التي أعاد بناءها روائياً بما يتلاءم العامة لهدف الكتابة الفنية والفكرية اللتين راح الكاتب يبثهما في هذا البناء .

علاوة علي أن جمال الغيطاني أحد أبرز أدباء جيل الستينات، اللذين عاصروا الحلم الناصري والفكر الاشتراكي، والآمال المجهضة في تحقيق وحدة عربية قوية، تتصدي للعدو الإسرائيلي والغربي، ذلك الجيل الذي استيقظ علي هزائم سياسية وعسكرية، وقد مني بها الوطن العربي، وكانت سبباَ رئيسياً في تمرده – كجيل – علي واقعه المعاش بكل تناقضاته السياسية والاجتماعية، ودفعه إلي رفض معظم القيم السائدة، والبحث عن طرق جديدة للحياة، تحمل لواء الحداثة والتجديد .

انفتحت تجربته الفنية في السنوات الأخيرة على العمل التلفزيوني مع المحافظة على نفس الملامح التي نجدها في الرواية،إذ كشف النقاب عن عالم آخر يعيش بيننا من المعمار والناس، ولذلك يعد الغيطاني من أكثر الكتاب العرب شهرة على شبكة الانترنت، إذ أن أغلب رواياته ومجموعاته القصصية متوفرة في نسخات رقمية يسهل تبادلها أضافت بعدا جديدا لهذا الكاتب الذي جمع بين الأصالة العميقة والحداثة الواعية.

وقد استطاع هذا الجيل – بإبداعه السردي المتميز، أن يتجاوز تقليدات السرد في العصري: الكلاسيكي والرومانسي ويحطم فكرة القوالب والأنماط والخيال الجامح، وينقل الرواية والسرد بشكل عام إلي مرحلة حداثية جديدة، تتسم بالعمق والأصالة والمجاوزة، حيث استطاعوا أن يمزجوا التعددية في طرائق التعبير، بالعوالم الخيالية والصوفية والواقعية والتاريخية، وهو ما جعل إبداعهم يتجلي في خطاب سردي أكثر تعقيدا وأعمق تركيبا، وهم في هذا قد نحوا بالرواية العربية صوب مرحلة متقدمة، أكملت ما بدأه جيل الرواد: محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وطه حسين وعباس العقاد وعبد القادر المازني ويوسف إدريس وغيرهم .

علي أن هذه الفترة الستينية من القرن العشرين، بكل تناقضاتها – قد أفرزت لنا مجموعة متميزة من كتاب السرد في العالم العربي، أمثال: صنع الله إبراهيم، حنا مينا، عبد الكريم غلاب، غسان كنفاني، إدوارد الخراط، الطيب صالح، صبري موسي، بهاء طاهر، إميل حبيبي، الطاهر وطار، عبد الرحمن منيف، يوسف القعيد، جمال الغيطاني، غيرهم .

ورغم كثرة مبدعي جيل الستينيات، وتميزهم، فقد استطاع " جمال الغيطاني " أن يؤكد تفرده وصدارته لكتاب جيله: وهو ما يتضح لنا شهادة الأديبين الكبيرين " نجيب محفوظ، ويوسف إدريس " عندما سئلا عن رأيهما في جيل الستينيات بشكل عام، وفي جمال الغيطاني بشكل خاص، " حيث قال الأديب الكبير نجيب محفوظ: هو نكهة جديدة تحت راية الأدب الاشتراكي، وقال يوسف إدريس عن الرواية في هذا الجيل: الرواية رواية جمال الغيطاني فحسب ."

ولد جمال الغيطاني في 9 مايو 1945، في قرية جهينة محافظة جرجا (محافظة سوهاج حالياً). نشأ في القاهرة القديمة، حيث عاشت الأسرة في منطقة الجمالية، وأمضى فيها ثلاثين عاما. تلقى تعليمه في مدرسة عبد الرحمن متخذاً الابتدائية، ومدرسة الجمالية الإبتدائية. تلقى تعليمه الاعدادي في مدرسة محمد علي الإعدادية. بعد الشهادة الإعدادية التي حصل عليها عام 1959، التحق بمدرسة العباسية الثانوية الفنية التي درس بها ثلاث سنوات فن تصميم السجاد الشرقي وصباغة الألوان.

ولعل اشتغال الغيطاني بهذا العمل قد أسهم في تعميق حسه الفني واستكشافه أسرار الفن الإسلامي بزخارفه التي تشي بفلسفة الجمال في تراثنا الفني، تماماً كتأثير التراث المعماري القديم، متمثلاً في عمارة المساجد، والكنائس، والمعابد الفرعونية التي " لم تكن حجارة صماء، وإنما كانت تعكس موقفاً ورؤية للحياة، خصوصاً، وأن الغيطاني يتمتع فيما يلوح من بعض تصريحاته بدرجة عالية من دقة الملاحظة، وتأثير الجمال، فهو يروي أنه وقف يوماً أمام زخارف جدارية دقيقة في المغرب، فراح يتأملها قائلاً في نفسه " لو أنني نجحت في الوصول إلي هذه الخصوصية من خلال اللغة، أكون قد نجحت في خلق شكل متميز".. وللحديث بقية ..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

........................

المراجع

1- محمد أحمد عبد العزيز: النص الروائي والتراث: نموذج من أعمال جمال الغيطاني، دراسات – العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجامعة الأدرنية، المجلد الخامس والعشرين، العدد الثاني، 1998م.

2- وائل غالي: جمال الغيطاني .. ناثراً المحو، الرواية – قضايا وآفاق، العدد الثاني، 2010.

3-  جمال الغيطاني: التجليات،القاهرة، 1998م.

4- حكايات موظف كبير في جريدة المحرر، وحكايات موظف صغير في مجلة الجمهور الجديد اللبنانية".

5-عبد الرازق الهمامي: الحكاية وتأويلها في قصص الغيطاني، المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، العدد السادس والخمسين، 2002م.

 

وليد العرفي يُحاول الشاعر: شوقي مسلماني أن يُقدّم الشعر في إطار فلسفي  يُوجّه سمت بوصلته إلى العقل ؛ ليشغل تفكير المتلقّي، وهو بذلك يُضفي على النصّ بعده الماورائي مبتعداً بالشعر عن الغنائية والرومانسية، ومداعبة المشاعر العاطفية، إذْ يتغيّا أبعاداً رؤيوية مختلفة عن المعهود والنمطي؛ فثمّة رغبة في تعريف، أو محاولة الوصول إلى محددات لما يطرحه من فكر يعمل على إشراك المتلقي في بلورة توصيفه، وتحديد ماهيته بلغة اعتمدت الاختزال والتكثيف؛ لتكون بمثابة إشارة رامزة يسعى الشاعر إلى توضيحها، وقد لجأ إلى تقنيات هي:

أولاً ــ تقنية التعريف:

والتعريف هو محاولة إبانة، وكشف عن الخصائص المتعلّقة بما يُراد تحديد ماهيته، وبهذه الرؤية يُعرّف المثقّف بقوله:

المثقّف

يقرأ ما لم يُكتب

وهو تعريف غير مُتوقّع، وعلى هذا الانزياح في التوقّع حقَّق التعريف وقعه الخاص على ذهن المتلقي، وهو ما يبدو في تعريف الحكيم الذي يصوره بقوله :

الأضواء

في كلّ مكان

والحكيم ينظر صوب

الظلمة

وفي تحديد ماهيات الزمن يُقدّم للمتلقي المستقبل على أنه أحد شكلين من الخطاب ؛ فهو إمَّا خطاب قديم،وإمّا أنه يتخاطب مع الجديد، ولنلاحظ أنَّ الشاعر قد فرّق بين الفعلين على الرغم من دلالتهما على الحاضر غير أنَّ الصيغة مختلفة ما بين زنة يُفاعل، ويتفاعل، والبون شاسع بين الصيغتين مما لا يحتاج إلى إبانة .

المستقبل

يخاطب القديم

ويتخاطب مع الجديد

ثانياً ــ استخدام السؤال

يبدو استخدام صيغة السؤال في تحديد التعريف محاولة من الشاعر إشراك المتلقي بإكمال النصّ، وهي تقنية تفتح أفق الحوار بين عقل مبدع النص، وعقل متلقيه، وبهذا يكون النصُّ وسيلةً من وسائل تحريك المُتلقي في دائرة النص، وتقريبه من المدار النفسي الذي يريد الشاعر أن يضع متلقيه في إطاره، وهي تنفتح على تأويلات متعددة الإجابات، وكلما تعدّدت الإجابات كلّما كان في ذلك غنى للنص، وقوّة إضافية له:

السياسة الإقتصاديّة

لا النظام الإقتصادي؟

فإذا أنت نمله وأنا فيل

ماذا تعمل؟

أنا سمكة وأنت حوت

أنا ماذا أعمل؟

أي نظام اقتصادي أمامك؟

ثالثاً ــ تقنية المماثلة والتشبيه:

يلجأ الشاعر إلى تقنية المماثلة وعقد صور مقارنة ؛ ليُحقّق من خلال ذلك التشابه مرتكز التعريف، وأساسه في تحديد الماهية .

آكلُ

أنا حي

مثل أنا أفكّر

أنا حي؟

فقد جمع في هذا التشبيه القائم على التساؤل عبر المقارنة بين الأكل، وهي عملية حسية تقوم على الحركة والحاجة الفيزيولوجية لاستمرار الكائن في الحياة، وعملية التفكير التي تُنشّط العمليات الذهنية، والمدركات النفسية لدى الإنسان  ؛ ليكون السؤال ليس بهدف انتظار إجابة، إنما هو سؤال مستنكر لجعل الأكل، والتفكير مقياساً للدلالة على الحياة، وشتان ما بين من يأكل ليعيش، ومن يعيش ليأكل كما قيل، وكذلك هنا لا تشابه بين من يأكل ليعيش الحياة، ومن يُفكر ليفهم الحياة .

إلى هذه الدرجة هو منظّم

ويبقى أنّي إلى هذه الدرجة مفكّك.

رابعاً ــ تقنية التضاد:

يظهر التضاد سمة من سمات النص التي ارتكزت على الجمع بين الضدّين، في المقطع الذي يقوم على بنية لغوية من سطرين يتماثلان في الألفاظ نفسها، فيما يفترقان في الكلمتين المتضادتين  (منظّم) في مقابل (مُفكّك) للإشارة إلى التباين بين الذات والآخر .

 

د. وليد العرفي

..............

للاطلاع على نص الشاعر في صحيفة المثقف

عبثاً / شوقي مسلماني

 

مادونا عسكرتتوجّه هذه القراءة نحو قصيدة "البرزخ" للشّاعر الفلسطينيّ كميل أبو حنيش، متّخذة من "البرزخ" والبرزخيّة منطلقا ومنطقا للتّحليل، ليكشف التّحليل عن تلك الأبعاد الدّلاليّة الّتي كَمِنَت في هذا اللّفظ، فانفجرت دلالته ليتشبّع منها النّصّ، وبالتّالي مآلات النّصّ وقدرته على الكشف عن قناعات الشّاعر الشّخصيّة وما يعيشه من صراعٍ نتيجة ما يحياه من أوضاعٍ خاصّة.

يعني البرزخ الحاجز بين شيئين، وما بين الموت والبعث، فمن مات دخل البرزخ. وللشّاعر قول آخر في البرزخ  الّذي أراد أن يبتنيه بنفسه ولنفسه مستنداً إلى ذاك المعنى، ومحوّلاً إيّاه إلى معنى  يتفجّر من عمق نفسه وأبعد ما يكون عن المعنى الدّينيّ الغيبيّ. البرزخ في قول الشّاعر رؤية خاصّة، وقد تكون فلسفيّة نتجت عن تأمّل خاصّ بالواقع الّذي يحكمه الزّمن المتوقّف والمعطّل، فشكّل حاجزاً بين رؤى الشّاعر الفكريّة والوهم الّذي يملي عليه التّمرّد، ولو ضمنيّاً، فيكون عنصراً إراديّاً يحتكم إليه الشّاعر، ليعبّر عن إرادته الحرّة. إلّا أنّ الشّاعر حمّل النّصّ الكثير من الغموض؛ ليعكس العمق الشّخصيّ، فتجلّت حركة النّصّ مكبّلة من جهة، ومن جهة أخرى متحرّكة بحركة حلم الشّاعر.

على مدخلِ الأبدية ِ

أخطو ِبقَدَميَ لا بِفُؤادي

افتتايحّة ملتبسة المعنى، تأخذ القارئ باتّجاهين. الأوّل يخلص إلى أبديّة ما بعد الموت، واتّجاه آخر يترادف ومعنى المؤبّد الأبديّ. إلّا أنّه من المرجّح أنّ الشّاعر ينطلق من الواقع الخاص الّذي يخطو إليه بقدميه تاركاً فؤاده حرّاً طليقاً، لكنّه، ضمناً، يتمرّد على هذا الواقع بأبديّته الخاصّة قائلاً:

وَأُملي بنفسي سِفرَ البدايةَ

وأَكسّرُ كلَ الدَوائِرِ والأغنياتِ الرَّذيلةَ

وأحبِسُ تِلكَ الإِشاراتِ حولي

أُفَكًكُ كُلَ الطَلاسِمَ مِن جانِبَي

ومِن فَوقِ رأسي وتحتي

وأُملي بِنَفسيَ ِسفرَ الخُروجِ

كأنّي بالشّاعر يعيد ترتيب قناعاته، وإن لم يعبّر عنها صراحةً، إلّا أنّ تعبير (أملي بنفسي) يبرز جليّاً إرادة الشّاعر في إعادة بناء الحياة بعيداً عن كلّ ما هو غير مفهوم. ما يشير إلى صراع عميق أنتجته أسئلة وجوديّة وحيرة لا خلاص منها إلّا ببناء وهميّ يؤسّس للبداية ويحدّد الخروج. وبالإشارة إلى لفظ (سفر) المترافق مع البداية والنّهاية يمنح الشّاعر بناءه طابعاً قدسيّاً ينزع عنه الواقع المعيش المقيت والمضطرب والمقيِّد. (وَلكن! سأترُكَ خلفي كُلّ العَجينِ/ وكلّ السّيوفِ/ وكلّ الوعودِ/ وكلَ الخطايا) لا تعود عبارات (العجين والسّيوف والوعود والخطايا) إلى الشّاعر، وإنّما هي مرتبطة جذريّاً بعمقه المتصارع وأسئلته الوجوديّة لذلك يضيف (وأخطو بقلبي إلى أرضِ حُلمي/ وأغزو بجيشٍ من الحبِّ). وهنا يبرز معنىً أوّل للبرزخ عند الشّاعر (أرض الحلم). يخرج حلم الشّاعر عن إطار الرّغبة ليدخل حيّز التّخيّل والفرق دقيق بين التّخيّل والرّغبة. ففي الحلم شيء من الحرّيّة والرّغبة في تحقيقها، وأمّا التّخيّل فهو بناء وهميّ يهرب إليه الإنسان لعدم القدرة على تحقيق ما يريد. ما يعزّز المعنى الأوّل للبرزخ عند الشّاعر.

بدأ الشّاعر رحلته البرزخيّة في القسم الأوّل من علو باسطاً إرادته المتمرّدة على مجمل حياته الشّخصيّة. وأمّا في القسم الثّاني فينزع إلى تفصيل الوقت الصّديق والعدوّ في آن.

أروّضُ وَقتي

كما اعتادَ فلاح

تطويع بغل الحِراثَة ِ

أهدهدهُ كي ينامَ قليلاً

وأبحَثُ عَن فُسحةٍ في مَنامه

لِكَي أحضُنَ الأُمنيات كأنثى

وأستَنبِتُ الحُلمُ في أرضِ وَهمي

يروّض الشّاعر الوقت العنيد ويخضعه للنّوم المرادف غالباً للموت. فلا يقول أقتله لسبب في نفسه بل يهدهده لينام قليلاً (يتوقّف) ليتجاوزه لاحتضان المستحيل أو ما هو صعب المنال ليزرع حلمه في أرض وهمه. وهنا  يتجلّى المعنى الثّاني للبرزخ عند الشّاعر، أرض الوهم. فيعبّر الشّاعر للقارئ عن الوقت الصّديق الوهميّ الّذي يتحوّل إلى عدوّ شرس ينتهك حياة الشّاعر ويعطّل مساره (يَعُضّ ويغدو وحشاَ طليقاً / وَينهَشُ مِنكَ طَراوَةَ لَحمِكَ / يَمتَصُ دَمَكَ) هذا العدوّ أقوى من الشّاعر، بل حرّ طليق يتمتّع بالسّلطة. إلّا أنّ الشّاعر يفصل بين الوقت كعنصر زمنيّ مسيطر ووقته الشّخصيّ. فالوقت الحرّ الطّليق غير وقت الشّاعر المقيّد مثله. 

سَيشتَدّ عودي قليلاً

وأدرجُ مَع كُلّ دَمعة عشقٍ بجوفِ الظَلامِ

وأضحَكُ مع كلّ أنُثى بِرأسي

وكُل لُحيظةَ هتكٍ بِعفَة َ وَقتي

المُزنّرِ مِثلي بِقيدِ الحَديدِ

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الوقت المتماهي مع الشّاعر المنهك من قسوة الحياة المعبّرة عن الموت مجازيّاً. لكنّه يقاوم بالدّمع تارة والضّحك طوراً، وهو التّائق في عمقه إلى نصفه الثّاني أو صورته الأخرى المكملة للعشق.

يعتقد الشّاعر أنّ المسيرة في برزخه قادرة على جعله يكشف ألغاز الحياة، ولعلّه يظنّ أنّ لأسئلته الوجوديّة إجابات ما، أو أنّه قادر على حلّها أو أنّه غير قادر على مواجهة الحقيقة (سَأغفو قَتيلاً/ قُبيلَ تَمَكُن قلبي من معرفة السرّ) لذلك يدور قلبه في الفراغ (يَنمو ويَنأى ويَرنو ويَعمى ويَنمو ويَثنى ويَعدو ويَبقى/ دَليلي في قلبِ الظّلامِ الطَويل / ودَربي إلى الأَمنياتِ البعيدة ) وهنا معنى ثالث للبرزخ (الظّلام الطّويل)

أرض الحلم، وأرض الوهم، والظّلام الطّويل، ثلاث تجليّات للبرزخ. لكنّ الشاعر الّذي دخل الأبديّة بقدميه لا بفؤاده يبقى طليق القلب مستنيراً به.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

فاطمة واياولمحمد سعيد احجيوج

ديسمبر 2019، تاريخ صدور رواية "كافكا في طنجة" عن دار تبارك بالقاهرة، للكاتب المبدع والروائي محمد سعيد احجيوج، وكأنها انفلتت من بين أظافر جائحة كورونا  وتصدر كذلك بعد مرور أزيد عشر سنوات على صدور المجموعة القصصية الأولى للكاتب تحت عنوان: انتحار مرجأ سنة 2007، هكذا وفا بالوعد وتحققت نبوءتي بأن انتحار مرجأ المجموعة القصصية الأولى كانت إعلانا عن ميلاد كاتب مبدع سيقفز حتما لكتابة الرواية بشكل جديد ومغاير.

تصدر إذن رواية "كافكا في طنجة" ليستدعي الكاتب احجيوج الكاتب التشيكي فرانز كافكا Franz Kafka، جالبا إياه عنوة ليعانق طنجة وليشهد على مسخ لاحق ستشهده المدينة، وكأن الزمن التاريخي تأبد في اللحظة والآن حيث كان كافكا بداية القرن العشرين يعاني من الضياع والعبث مثلما يعانيه جواد الإدريسي بطل الرواية في الزمن الراهن. ربما أيضا تمكن الكاتب بذكاء أن يجعل من كافكا زائرا لطنجة كغيره من الكتاب العالميين خاصة بول بولز Paul Bowls وجون جيني Jean Jenet وصامويل بكيت Samuel Bekett  من خلال الرواية. يستدعي الكاتب كافكا عن طريق استلهام قصة المسخ حيث يوازي بين غريغور سامسا والبطل جواد الإدريسي.  وإذا كانت رواية كافكا "المسخ"أو "التحول"  Die Verwandlung 1 هي التي دفعت غابريال غارسيا ماركيز  Gabriel Garcia Marquez أن يصبح روائيا، ها هي اليوم باستلهام نفس الرواية يعلن نص "كافكا في طنجة" عن ميلاد روائي مغربي مؤسسا لسرد مختلف ينشد العالمية من خلال انغماسه في البيئة المحلية بكل ما تحمله من رياء ونفاق و تناقضات.

إن المتأمل في  الشخصية الروائية في "كافكا في طنجة" يستنتج أنها محور السرد، فبتحريك الشخصيات والتفاعل معها سواء بقيود صارمة أو بحرية ممكنة من طرف الكاتب، يتشكل المتن الروائي، حيث تأخذ كل شخصية مكانتها اللازمة للدفع بالأحداث وبالهدف من السرد إلى أبعد مداه، لقد نجح الكاتب في جعل كل شخصية تستأثر بتحريك الأحداث والتسلسل الحكائي، وهي رمزية مقصودة لتحميل الواقع العبثي لكل المجتمع وليس لفرد دون آخر.  هكذا نكتشف أن البطل عند الكاتب احجيوج تعرض بدوره للإهانة، كما حدث مع غريغوري سامسا، وأية إهانة من قبل زوجته التي خانته مع أبيه.

1599 كافكايمكن أيضا أن نقف عند رمزية صانع الأقفال في رواية المسخ لكافكا، والذي  يوازيه الفقيه في نص احجيوج، مع ما يمثل ذلك من تكييف ذكي بل وضروري مع واقع البطل جواد، واقع طنجة بل والمجتمع المغربي عامة حين يصبح الناس عاجزين ويستدعون الحلول الغيبية والخرافية التي تمثل بالنسبة لهم قوة خارقة قد تنجح في مقاومة السحر الذي تعرض له البطل ولكن أيضا في تغيير شروط عيشهم، حلول غيبية وتواكلية واستكانية غيبية يغذيها انتشار الفكر الخرافي في كل الطبقات الاجتماعية.

"كافكا في طنجة" هي أيضا استعادة لسيرة الكاتب النمساوي بشكل مغاير من خلال تكييف أحداث البطل الذي أصبح مسخا تماما مثل ما يشعر به كافكا انه تحول بفعل سيطرة أبيه إلى ما يشبه حشرة وبتعبير أدق إلى صرصار، وهو تعبير عن مدى ما يصيب الناس من جراء الظلم والاستغلال من طرف الرؤساء الذي يمثله في سرد احجيوج مدير النيابة التعليمية الجهة الوصية على وظيفة جواد، بل أيضا ما يمكن أن يتعرض له الإنسان من ذل ومهانة داخل الأسرة كذلك، كافكا من خلال غطرسة أبيه في مقابل معاناة جواد بطل  كافكا في طنجة من عنف زوجته وأبيه، وهي صورة أكثر بشاعة لما يمكن أن تصل إليه العلاقات الأسرية في القرن الواحد والعشرين، إنها الخيانة الزوجية في أحقر تجلياتها. استعادة رواية كافكا هي أيضا لفتة جميلة من الكاتب احجيوج للاحتفاء بنص المسخ بعد مرور 100 عام على صدوره سنة 1918.

فالتسلط والقهر ربما هما الدافعان اللذان حذا بكافكا أن يحل على مجتمع طنجة من خلال النص الروائي "كافكا في طنجة" في القرن الواحد والعشرين، وهنا نرى تشابها كبيرا بين أسلوب الكاتبين من حيث النفحة الكوميدية الساخرة ولكن أيضا المأساوية، فهل اختيار هذا التوازي أو التقابل ينم على أن عالم اليوم لم يختلف عن واقع كافكا الذي انتقده حيث رأى فيه انه عالم غارق في العبثية، وبالتالي هل هو قدر الإنسانية أن تتأبد العبثية، الضياع والتيه؟

يستهل النص الروائي "كافكا في طنجة" بتحديد مكان الرواية، فبالتأكيد علينا نحن القراء أن نقبض بوضوح على مكان الرواية لكي يتجلى لنا منذ البداية أن عنصر المكان هو محور الرواية بدءا بعنوانها، فالكاتب رغم استدعائه لتيمة العبثية من رواية التحول لكافكا إلا أن الروائي وظف المكان الآني ليوغل في تحسيسنا باغتراب الإنسان عن محيطه وهو هنا جواد عن مدينته طنجة وأهله بل وعائلته الصغيرة أيضا، أما عن الخطاب عند الكاتب وأنا استقي هنا مصطلح الخطاب كما يوظفه الناقد سعيد يقطين، باعتبار الرواية ما هي إلا خطاب من السارد يروم من خلاله غزو عقل ووجدان المتلقي في عملية جدلية أحسن الروائي احجيوج مقاربتها واستغلالها بشكل ينم عن احترام القارئ والعمل على إشراكه في الحكي. فهل تشي تقنيات الرواية المتبعة في "كافكا في طنجة" إلى ما أصبح يعرف بتقنيات الرواية في عصر ما بعد الحداثة؟ وإلى أي مدى نجح الكاتب احجيوج في تجسيد هذا المنحى؟

يفترض هذا السؤال بطبيعة الحال الإشارة باقتضاب إلى بعض التقنيات التي وظفها الروائي والتي أدت وربما ما تزال تثير سجالا بين النقاد والمفكرين الممثلين لعصر ما بعد الحداثة، واقصد هنا على الخصوص تقنية :

- استلهام عناوين روايات أخرى في عملية تبويب الرواية، وهي تقنية ذكية وجديدة تضع الفصول في سياق درامي عام يمتحي من الأعمال السردية الكبرى والخالدة. فمن شهرزاد، جوزيف كامبل  Joseph Campbell وآرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle  مرورا بكل من  خالد التوفيق وأحلام مستغانمي وانتهاء بالأديب العربي الكبير طه حسين وغيرهم.

- إشراك المتلقي والتي تهدف إلى توظيف تقنية مخاطبة المتلقي من خلال استهلال الرواية يمنح الكاتب للقارئ دخولا سلسا لعالمه السردي وهي تقنية تنمي عن غوص إبداعي في التقنيات الحديثة للرواية، وهي تقنية استعملت في المتن الروائي العربي كما الغربي، وهو أسلوب يمنح القارئ فرصة المشاركة في البناء النصي للعمل الروائي، بل ويُأبّد عنده ملكة التشويق ليرتقي في مراتب الحكي متمتعا بلذة الإشراك إن لم نقل غواية التواطئ  هكذا في رواية "كافكا في طنجة" نقرأ مثالا لهذا الإشراك: "وتسـألون الآن أيـن تـدور هـذه الأحـداث. يـا لفضولكـم اللامحــدود. هــل هــذا مهــم حقــا؟ فليكــن المــكان هــو مدينـة طنجـة. لكـن بالتأكيـد ليسـت مدينـة طنجـة التـي تعرفـون. هـذه طنجـة أخـرى تشـبهها. طنجـة موازيـة لمـا تعدونــه العــالم الواقعــي."2

أما فيما يتعلق بالشخصيات ووصفها فيمكن القول أن الكاتب نجح إلى حد بعيد في تقديم شخصياته خاصة منها الرئيسية جواد الإدريسي وقد اتبع أسلوب تقديم الشخصيات بمعناها الإنساني أو في وضعها الإنساني   Conditions humaineحسب تعريف اندريه مالرو André Malraux  في كتابة الرواية، ما مكن الروائي من أن يمنح لشخصياته وظائف محددة في البنية السردية حيث أصبح الكل مشاركا في الحكي وفي بناء الحبكة الروائية (الشيخ، المرأة، الطفل،  بل وحتى الحيوان).  

 انطلاقا مما ذكر فهل يمكن اعتبار نص "كافكا في طنجة" إرهاصا لتطور "الأدب العبثي" المغربي؟

 قد يكون الأمر فعليا حين اقتبس الكاتب قصة المسخ للروائي التشيكي فرانز كافكا، إلا أننا نلاحظ أنه يتمكن في كثير من الأحيان من الإفلات من النص العبثي والاتجاه لبناء روائي درامي واضح المعالم، يتوخى من خلاله الروائي وضعنا في سياق الواقع الحالي لشخصياته خاصة منها أخت جواد هند التي ستتحول في نهاية الرواية إلى راوية من لحم ودم بل هي راوية الحاضر وعرافة المستقبل. فمنذ البدء في الحكاية يأخذنا السارد إلى مكان ما في طنجة لنرى هذا القادم من زمن آخر لمدينة الكتاب والمبدعين، بقليل من الذكاء أو ربما بكثيره نتعرف على الزائر من خلال وصف ملامحه وهيئته بدقة متناهية، إنه الكاتب التشيكي فرانز كافكا فهو المتشح على الدوام بالأسود وهو من يلتقط أدق التفاصيل بأذنيه البارزتين وبعينيه الجاحظتين3 . غير أننا في الرواية العربية أو لنقل المغربية على وجه التحديد نجد أن مسخ احجيوج الذي هو جواد في صورة ممسوخة هو أيضا كائن ممسوخ أراد الكاتب من خلال خلقه محاكمة العالم السفلي المليء بالآثام والأخلاق المتدنية، وهو مسخ نتج عن فعل السحر والشعوذة في إشارة واضحة لانتشار الخرافة والإيمان الخفي بالحلول الغيبية والخارقة بعيدا عن الحلول العلمية والعملية، وهو ما تجلى في سعي والدة جواد لعلاجه بمساعدة الفقيه.

 أسلوب الرواية التجريبي والمتنوع:

يتسم أسلوب الكاتب بالتشويق وباستخدام تقنيات متعددة للحكي وبالتنوع، ما يجعلنا تائهين في مسألة التصنيف وبكل بساطة هو كاتب عصي عن التصنيف لأنه دائم التجريب وينفلت بسهولة من القوالب الجاهزة للسرد ما يمنح أعماله بشكل عام ألقا وفرادة حتما ستتطور وستساهم في تغيير النمط السردي المغربي في مستقبل الإبداع الروائي. فمثلا في عمله السردي هذا يمتحي الكاتب محمد سعيد احجيوج من تقنيات مختلفة لحد التنوع. فمن تقنية الاسترجاع، إلى تقنية الاعتماد على الراوي الحكواتي قاهر الحدود الزمانية والمكانية، وهنا  في اعتقادي أن الراوي لم يكن ذاتا معينة واحدة ولكنه حكواتي متعدد،  نصطدم به في أعمال روائية عالمية، وبالنهاية هو غير محدد ولكن ليس بالضرورة غير بشري كما ذهبت بعض القراءات المنشورة عن الرواية.

ميزة أسلوبية أخرى تحسب للرواية تتمثل في أن كاتبها قدم للرواية العالمية خدمة هامة ففي كل مرة تقع عينا القارئ على عنوان عمل روائي إلا وحتما ستأخذه ملكة حب الاستطلاع وبالتأكيد سيقترب من الأعمال المذكورة بين ثنايا الرواية ككلب عائلة باسكرفيل للروائي والطبيب الإسكوتلاندي الشهير آرثر كونان دويل Arthur Conan Doyle صاحب مغامرات شرلوك هولمز Sherlock Holmes، أو كعناوين لفصول الرواية كما سبق ذكره وهي تقنية ذكية تنم على سعة الإطلاع ومرة أخرى على العلاقة التفاعلية مع المتلقي.

أما زمان الرواية فهو متعدد لأنه يعتمد تقنية الاسترجاع، فيمتد على مسافة زمنية طويلة هي جزء من تاريخ المدينة ومن منطقة الشمال المغربي، وبالتحديد يمتد على مدار ثلاثة أجيال، مبتدءا من عام الجوع بمنطقة الريف الموطن الأصلي لعائلة البطل جواد الإدريسي وانتهاءا بالزمن الحالي في طنجة القرن الواحد والعشرين في وجهها المدرج بالمتناقضات والآلام.

يتحدد مكان أو فضاء السرد في "كافكا في طنجة" من خلال اختيار الكاتب مقاربة واقع متأزم لمدينة طنجة وهو واقع أعلن عنه في مستهل روايته حيث يعلن للمتلقي بأن طنجة التي سيشهدها كافكا هي غير طنجة التي تبدو في الواجهة، إنها مدينة العنف والدعارة والخيانة، وهو المكان الرئيسي للرواية رغم أن للمتن الحكائي استرجاع لأمكنة ماضية متوازية مع الزمن المستعاد (قرية بني بوفراح ، الحسيمة، تطوان،  .....)

يحاكم الروائي إذن الواقع والماضي وتراه أيضا يحاكم مستقبل طنجة لأنها لا تمنح فرصا للمحبة والعدل والسلام، حيث الأبطال يهربون من المدينة مثلما هرب كافكا من واقعه في زمن مضى مازال الحاضر يحمل من ملامحه الاستغلالية والخيانات المتعددة الشيء الكثير.

في نهاية الرواية يموت جواد الممسوخ لأن طبيعة الحياة تقتضي أن تستمر، وأن كل واقع ماسخ عليه أن يندثر، ليمنح فرصة لعالم نقي خالص بعيد عن العبث والتيه. حيث هيمنة الخيانةـ، الجنس المتوحش، الانتهازية والضحالة في كل مناحي الحياة. بدءا بالعلاقات الأسرية اليومية إلى الارتجالية والغش في تسيير المدينة بكل مرافقها، حيث لوبي الفساد يشوه المدينة بدعوى تحديثها، غير أن واقعها هو مجرد جريمة منظمة، أطفال الشوارع دعارة بكل الأصناف والتلوث والضجيج والعنف الذي لا يتوقف في ليل المدينة.

"كافكا في طنجة" ليست العمل الروائي الأول للكاتب احجيوج وحسب إنه أيضا إعلان عن ميلاد روائي يستوحي أكثر التجارب الروائية تجريبية وحداثية التي ظهرت مع رواد التكثيف الحداثي في الرواية العالمية، أمثال هيمنغواي كافكا وجويس وغيرهم، ولعله أيضا اقتفى آثار الكتابة التجريبية المغايرة للأنماط التقليدية في الحكي التي ظهرت مثلا مع  كثيرين أبرزهم فيرجينيا وولف، ألبير كامو وغيرهم. يمكن القول إذن أن نص "كافكا في طنجة" يؤسس لروايات العبث والفانتازيا في الرواية المغربية دون ابتعادها عن الوعي بواقع وأيضا الاحتفاظ ببصيص الأمل في النهاية، إنه سرد يتأرجح بين عبث الواقع وحل الهروب وهو حل واقعي يلجأ إليه العديد من الشباب المغربي أمام تأزم الواقع حيث ستختار هند أخت جواد الرحيل للضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط في محاولة لإيجاد مكان لها تحت الشمس يليق بطموحاتها . بعد كل ذلك الصخب، سينطفئ جواد بصمت مريب.. وستسافر أخت جواد  إلى فرنسا بفيزا معتمدة تذكرة ذهاب دون إياب،  إنها  أيضا النهايات المحتملة لكل الشباب المغربي اليائس الذي يسافر ولا يعود....

 أخيرا يمكن القول أن الكاتب محمد سعيد احجيوج بعمله الروائي هذا الأول استطاع أن يؤسس بمعية كتاب روائيين مغاربة لسرد مغربي خاص يتسم بالأصالة والتحديث من خلال استلهام تجارب الروائيين العالميين. كما أنه تمكن من النأي عن الشكل التقليدي للسرديات المغربية، والتي كانت تحاكي الواقع كما تحاكيه السينما أو التلفيزيون، حيث اتبع نمط السرد الخيالي والغرائبي متجاوزا الحدود الزمنية والمكانية بل والمنطقية أيضا ليعبر عن واقع هو أكثر إيغالا في التيه والعبث.

 

بقلم: د. فاطمة واياو

اسكوتلاندا في 2 يوليوز 2020

..................

1- العنوان الأصلي بالألمانية حيث اختلف حول الترجمة للعربية بين التحول والمسخ

2- ص 8  رواية كافكا في طنجة، دارالنشر تبارك للنشر والتوزيع، القاهرة، 2019

3- الرواية ص: 9-10

 

وليد العرفي للشَّاعر: د. صادق السَّامرائي

تنهض قصيدة د. صادق السامرائي على نظرة تأمليّة في الوجود، وما يكتنف الحياة من غموض، وما يعتري الإنسان فيها من عوارض، وهو بهذا التأمل يطرح فلسفته تجاه الحياة؛ فيُقارب حكمة: أبي العلاء  المعري في استكناه الحقيقة، وزهد أبي العتاهية في نفض يده من متاع الدنيا الفانية، وهو ما بين حكمة متأمّلة، وزهد واعٍ لحقيقة أنّ الحياة ارتحال مسافرٍ، وصوت مُناد قد يُدركه ارتداد الصدى، وقد لا ينتظره  

خَفِيُّ وجُودِنا بُرْهانُ أدْري

يُخاطِبَنا بداعِيَةٍ لأمْــــــــرِ

 

ويَسْألنــــا عَنِ الأيّامِ فينا

فنجْهَلها وما حَظِيَتْ بذِكْرِ

تعتمد القصيدة على العمق الفلسفي، وهو ما يتجلّى منذ الاستهلال في العنوان الذي جاء أيضاً في عروض البيت الأول أيضاً؛ فكلمة برهان من حقل العلوم الرياضية والفلسفية، وهو يُشير إلى حالة التأكيد واليقين التي لا تقبل الشك فيها، وعلى هذه النظرة الفلسفية  تبدأ القصيدة بتأكيد اتّسق لغوياً مع الأسلوب الذي اختاره الشاعر، وهو أسلوب الكلام الخبري الابتدائي، وهو ما يتَّفق، وطبيعة خطاب الشاعر الذي جاء على شكل بديهية مُسلَّم بها لا تحتاج معه إلى دلائل أو إثبات، ولذلك خلا الكلام من أي مؤكّد ما يُشير إلى أنَّ لكلامه وقع التصديق، وأنه في مرمى الحقيقة بما لا يحتاج منه إلى ما يفيد تأكيده؛ فتتصاعد وتيرة تلك الحقائق عبر متواليات إشارية بنيت في البيتين الأول والثاني على  ثنائية:

 السبب والنتيجة؛

فخفاء الوجود ـــــــــــــــــــ مرتبط بالمعرفة 

 والسؤال المطروح ـــــــــــــــــــ مرتبط بالجهل

 أو على التعاقب بين الحدثين الذي جاء بأسلوب العطف: بين

لطف الرؤية ــــــــــــــــــــ والرحمة بالخير

لطيفٌ في مَعاقِلنا يَرانا

فيَرْحَمُنا بواعِدةٍ لخَيْرِ

 أو على الشرط والتلازم  بين الفعل والجواب:

فالغفران ــــــــــــــــــــ نتيجة البر

عَطوفٌ رُغْم آثامِ الخَطايا

ويَغْفِرُهـــــــا إذا جِئْنا بِبُرِّ

 كما ينهض الظرف بدوره في تحقيق تلك الثنائية، وهو ما يبدو في انقلاب الأمور وتفريج النوائب، وإعقاب الفرج بعد الضيق، واليسر بعد العسر 

ويُفْرِجُها النوائِبُ ما تمادَتْ

ويُسْعِفُ لهْفةً حَــــرّى ببُشْرِ

 

رؤوفٌ حينَ يَغْلِبُها عَسيرٌ

فيُجْليهــــــا ويُغْدِقُها بيُسْرِ

 وفي المقطع التالي يبدو ميل الشاعر إلى الزهد في هذه الدنيا التي مآل الفناء، ونهاية كائنها الحي الموت، وأمام هذه الحقيقة تبدو هشاشة الإنسان في مواجهة الحياة التي يُشبهها الشاعر بالطاحون التي تعرك الناس في رحى دورتها غير آبهة بما يُعاني الإنسان من ظلم، وما يُقاسيه من حرمان 

غريبُ الدّار مَثواهُ تُرابٌ

وإنْ داسَ الترابَ أتى لقبْرِ

 

تُحَمِّلنا الرَزايا مُجْتَباهــا

وتَطْحَنُنا بحِرْمانٍ وجَوْرِ

 وينتقل الشاعر من الأسلوب الخبري إلى الأسلوب الإنشائي عبر التفات ينهض على حمولات دلالة أسلوب  الترجّي حيناً، والاستفهام حيناً آخر في مقاربة إرهاصات الحياة، وما يُؤمّله من تغيير وانفراج:

عَسى لذِهابها يَوْمٌ قَريْبٌ

يُهذّبُنا ويَحْــــــدُونا لفَجْرِ

 

فهَلْ قُضِيَتْ لنا الحاجاتُ فيها

وهَـــلْ صَمَدَتْ أبابيلٌ بوكْرِ؟

 وإذا كانت الحياة قد قامت على حقيقة الثنائية في الانوجاد والاستمرار؛ فإنَّ الشاعر يلجأ إلى خطاب المرأة رمز الحياة واستمرارها، وهو بهذا الخطاب الموجّه إلى المرأة إنما سعى إلى تحقيق هدفين:

ــ أولهما:مجاراة سنن الشعر العربي في جعل المرأة رمزاً للخطاب التي طالما حملت معنى الحياة في تلك الاستهلالات الطللية في مقابل حالة الفناء التي تحملها دلالة الطلل .

ــ ثانيهما: رمزية المرأة بما تحيل عليه من رضى، وما ترمز إليه من حالة إشباع لرغبة في كل ما هو جميل، وباعث على المسرَّة .

مُعَللتي بصَفْــــــوِ العَيْشِ إنّا         

ضيوفُ مَسيرةٍ تَرْضى بدَوْرِ

 وقد عمد الشاعر إلى التصوير الذي تفنّن الشاعر في استثمار إمكانيات البلاغة في التشبيه؛فكانت الصورة القائمة على تقنيتي:التشبيه والاستعارة  نمطاً من أنماط المشهد في إطار رؤية القصيدة العام، وقد تحقَّقا في قوله: فالتشبيه جاء بابتداء الأداة الكاف التي جمعت صورتها المقارنة بين الأمواج التي تُقيّد في حركة الرياح، والمصير البشري المرتهن بيد المقادير، وفي قوله: يأكلها بغدر اقتناص لتقنية الاستعارة المكنية التي جسّد من خلالها الصورة مُسبغاً عليها ضراوة الذئب الذي يغدر بالماشية . 

تقنية الطباق التي جاءت تعبيراً عن المعاناة التي تستعصي على الفهم في كثير من عوارض أحداثها، وتقلبات مجرياتها، وانغلاق آفاقها: وقد جاءت تلك المتضادات بين:

العذاب ــــــــــــــــــــــــــــــــ النجاة 

المعرفة ـــــــــــــــــــــــــــــــ الجهل

البقاء ــــــــــــــــــــــــــــــــ المحي

العلو ــــــــــــــــــــــــــــــــ الهاوية

خالق ــــــــــــــــــــــــــــــ المخلوق

الانكشاف ـــــــــــــــــــــــ الستر

 

كأمواجٍ مقيّدةٍ بوَثْبٍ

بهِ التَيّار يأكُلها بغَدْرِ

 

تَشاكَتْ لوْعَةٌ ونَضَتْ مُناها

فأوْرَدَها التشاكيُ قيْدَ أسْرِ

 

تَماحى خَلْقُها وقَضى بوَيْلٍ

يُمَحّنُها ويَهْرِسُها بعُمْـــــرِ

 

نفوسٌ مِنْ ضَراوَتِها اسْتغاثَتْ

وطاشَتْ بينَ إخْفاقٍ وكَــدْرِ

 كما نجد تعالقات النص مع الموروث الشعري على الرغم من اختلاف المعالجة وطريقة التعبير: وهو ما تبدّى في قول شاعرنا السامرائي:

تعذّبَ عارفٌ ونَجا بَليْدٌ

كأنّ الجّهْلَ مَقرونٌ بتِبْر

 فهو يُحيل على ما قاله المتنبي:

ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ               وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ

فالمعرفة لدى الشاعر السامرائي سبب من أسباب عذاب العارف، وهي هنا معرفة العالم الكاشف، لا معرفة المتعلم القارىء .

يُخالِطُ حالةً وَهَنَتْ وخابَتْ

ويَرْمِيها إذا سَئِمَتْ بعُـــذْرِ

 

حَياةُ الخَلقِ ما بَقِيَتْ سَتُمْحى

فحَتْفُ وجودِها رَهَنٌ بدَهْرِ

 

تعالى خالقٌ وهَوى خليقٌ

إلى قيعانِ مُنْكَرَبٍ بنُكرِ

 

تخبَّطَ حائِـــــــرا بَيْنَ المَنايا

وقدْ هَجَمَتْ على حَيٍّ كصَقْرِ

 

تَفرّقَ كُنْهُها حَتّى تَلاشَتْ

وذابَتْ في مَتاهاتٍ وسِفْرِ

 

يُسائِلها وما نَطقتْ ورانَتْ

تُعذّبُ سائِلا برؤى وفِكْرِ

 

فهَلْ دَخَرَتْ لآتِيَةٍ مَتاعــا

وهلْ آسَتْ أمانِيها بِصَبْرِ؟

 

تقسّمَ قلْبَها والشَوْقُ نارٌ

تؤجّجُها مَواجيعٌ بصَدْرِ

 

فما انْكَشَفَتْ لمَخْلوقٍ وبانَتْ

مُحَجّبَــــــــةً مُدَثّرةً بسِتْرِ!!

لقد طرح الشاعر:د. صادق السامرائي في قصيدته رؤية فلسفية ارتدت لبوس حكمة، ووشاح معرفة، وقد كان فيها الشاعر حامل رؤيا للوجود، وخبير حياة عرف مسيرتها، وقد تنبّه ونبّه إليها .

بقلم د. وليد العرفي

.....................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

برهانُ أدري!! / د. صادق السامرائي

 

 

 

حسين فاعور الساعديللشاعر العراقي المميز كريم الأسدي

مرة أخرى قراءة في قصيدة من قصائد هذا الشاعر العراقي الكبير الملتزم والمميز.

وللمتقولين، وهم كثر والحمد لله، أقول: لا أعرف كريم الأسدي إلا مما يكتب. ولا تربطني به أي علاقة شخصية سوى حب عميق لما يصوغه يراعه. لا أعرف ماذا يعمل وليس لدي أي معطيات عن حياته الشخصية لتكون سبباً لخلق تعاطف ما معه.

لكنني أحبه كما أحب محمود درويش الذي لم أعرفه شخصياً ولم أحاول التعرف عليه رغم علاقتي الوطيدة والشخصية مع أفراد أسرته الكريمة. عرفت والديه رحمهما الله وأعرف إخوته وأخواته (ما عدى رمزي). لم أحاول التعرف علي محمود درويش لفرط حبي له. وربما أردت أن يظل محاطاً بهالة من الإجلال أو القدسية. وهذا ما أشعره مع كريم الاسدي الذي ربما يكون في جيل أبنائي أو أحفادي.

عندما أكتب عن نص كريم الأسدي لا أتجاهل شخصه. صحيح أنني اكتب عن النص وأنادي للكتابة عنه وليس عن الشخص. لكن الواقع أقوى منا جميعاً. بمعنى أنني حتى وأنا أكتب عن النص هنالك صورة تراودني وتحوم في اللاوعي عن الشخص. هذه الصورة هي الخلفية، التي حتى وإن كانت بعيدة أحياناً، هي التي تشكلت عليها لوحة النص ولذلك لا يمكن تجاهلها. ومن الأفضل أن تكون هذه الخلفية دائمة التشكل والتبلور المعتمد على خيال الناقد أو اجتهاده الفانتازي وليس على معطيات جامدة ماثلة وملموسة من الواقع المر والقبيح في معظم الحالات. لأن المعطيات الملموسة تلقي بظلالها على النص في عيني الناقد مهما تجرد فهو من لحم ودم.

هنالك سبب آخر، وربما أكثر وجاهة، يجعلني اكتب عن نصوص كريم الاسدي وهو أن هذا الشاعر يشبهني كثيرا كما اشعر كلما قرأت نصوصه. يشبهني ليس في الشكل ولكن فيما يمر به أثناء مخاض الكتابة. ربما يكون ذلك مجرد فنتازيا ليس لها أي وجود في حيثيات الواقع. لكنها تجعل نصوصه قريبة من روحي وتدفعني لفهمها من زوايا خاصة جداً.

فهذه القصيدة، في رأيي، هي صرخة في وجه الظلم. كريم يعرف، أو أنا أعرف أن الظلم لا يدوم ومهما تجبر الظالم فإنه يحفر قبره بيده. هذه هي سنة الحياة. لكن شوق الشاعر ولهفته لرؤية هذه النهاية الحتمية تجعله يغضب وينفعل بسبب تأخر حدوثها. هذا الغضب في جوهره هو على عمرنا القصير وخوفنا ألا يتيح لنا رؤية هذه النهاية والمشاركة فيها والاحتفال بها. لذلك يحدث هذا الغضب غير الإرادي وهذا العنفوان الذي يرفض الضعف رفضاً تاماً. يرفضه بقوة ويتحرر من كل ما هو معيق ومقيّد كالجسم، العمر القصير، الفناء، الموت وعدم القدرة على الفعل المباشر. أمام هذه العوائق أو المعيقات التي تجعل الإنسان يشعر بضعفه يحلّق الشاعر عالياً في النجوم والكواكب والمجرات كرد فعل على هذه العقبات التي هي من صفات المخلوق الذي اسمه الإنسان والتي سببت له الضعف.

وأمام هذه العوائق التي تجعل الشاعر يتوجس أنه ربما لن يتمكن من رؤية تبدل الأوضاع وانتصار الحق على الباطل يتحرر الشاعر من هذه العوائق بمغادرته لجسده والتسرب لما هو أكثر بقاءاً ودواماً وهو الوطن أو التراث. في الحقيقة يتمنى لو يكون إلهاً طمعاً في البقاء والمشاركة في النصر على الباطل لكنه يخفي ذلك لروادع دينية واجتماعية . الوطن أو التراث أيضاً عصي على الفناء لذلك هو الملجأ الآمن لكريم الأسدي ولكل الأرواح التي تحلق باحثة عن السبل لدحر الباطل البشع والقبيح.

من هنا على كريم أن يكون كبيراً بحجم الوطن الذي يحاول الإمتزاج أو الاختلاط فيه وشامخاً كشموخ حيثيات التراث الذي يتجه نحوه.

سأتناول بداية ونهاية هذه القصيدة ولن أدخل أعماقها خوفاً من الغرق ولأن ذلك يحتاج إلى مساحة كبيرة لا أملكها الآن.

تبدأ القصيدة بهذه الأبيات:

لا تكتبوا...إني سأكتب قائلا    ولسوف تسمعني النجوم جلاجلا

ولسوف تنفذ في الأديم قصائدي   ولسوف أسري في الأثير قوافلا

في هذين البيتين يقول الشاعر أنه سيكتب. واستعداداً لطقس الكتابة وفي حضرة المخاض يطلب من الجميع إلقاء أقلامهم والتوقف عما يكتبون. لأنه سيكتب ما لم يكتبه أحد. هذه هي نيته والأعمال بالنيات ولكل امرئٍ  ما نوى. لا تكتبوا! لان غضب الشاعر لا يمكن لأحد غيره التعبير عنه. غضبه شديد وعنيف لذلك أيها الكتاب ألقوا أقلامكم. لأن ما سيكتبه الشاعر سيصل دويه إلى النجوم. فهو مهم وعظيم لأنه يعالج قضية مهمة وعظيمة هي قضية العراق وتحرر العراق وعودته إلى الصدارة. الشاعر ملتزم بقضيته التي هي قضية القضايا بالنسبة له. لأن العراق في نظره هو أب وأم العالم. منه خرجت الحضارة وفيه ولدت الأحرف.

عندما يحمل الشاعر قضية ويكتب لها ومن أجلها ينكر ذاته ويصبح بحجم القضية. لكنه في الوقت ذاته ينتابه الشعور الباطن بالغصب الشديد على عوائقه ككائن من لحم ودم: عمره محدود قدراته محدودة ومجال تحركه محدود ولا يلبي متطلبات القضية التي يحملها.

هذه الفجوة بين ممارسة البطولة وبين التغني بها أنتج شحنة الغضب المتقدة في نفس الشاعر وأوصلها إلى هذا المدى من العمق والاشتعال الذي جعل ليس النجوم فقط تستمع لقصائده وإنما الأديم أيضاً. قد يكون أديم الأرض وقد يكون أديم السماء فهو لم يحدد ذلك لأنه قصد كل الاتجاهات.

الشاعر يمزج بين القصيدة وبين ذاته فالقصيدة كريم وكريم القصيدة. يبدو ذلك واضحاً وجلياً في هذين البيتين كما في كل القصيدة. فهي ستنفذ إلى الأديم وهو سيسري في الأثير. والنجوم ستسمعه من خلال قصيدته.

غضب الشاعر يعلو وينخفض خلال القصيدة كموجات بحر متموج بفعل تحركات باطنية داخله توطئة لانفجار كبير قادم. هو كل شيء لأنه العراق: هو الماء متفرتاً أو داجلا ومن الماء خلقنا كل شيء وهو الحقول والسنابل. هو الموسيقى في أشجار النجوم وهو أبناء وبنات سومر قلم وسيف ينصر الحق ويزهق الباطل حتى لو أمطرت عليه الدنيا المصائب. هو حروف الأبجدية والنار والماء شاء من شاء وأبى من أبى. غضب كألسنة اللهب يسري في كل شيء ويضع حقيقة لا لبس فيها: إذا خسرت فكل العالم سيخسر وإن زلت فكل العالم سيزول.

في وسط نار الغضب هذه لا ينسى الحب فهو أهله وروحه وهو من يحيل به الصحارى سواحل خضراء نضرة.

أما بيتي النهاية فهما:

ورسمتُ فيهن السماءَ، دروبها   زرقٌ وخضرٌ: كم وصلتُ فواصلا

ما غبتُ لكنْ غيّبوني عنوةً      وبقيتُ وصلاً واصلاً متواصلا

الحر الأبي هو الذي يقدر على الحب. فالعبد الذليل لا يقدر على ذلك لان الحب عطاء والذليل لا يعطي.

الحب يجعل الإنسان فارساً فكل الفرسان على مدار التاريخ كانوا عشاقاً ولهين. الحب أوقد في قلوبهم شعلة العطاء والتضحية وجعلهم يستصغرون هذه الدنيا أمام سمو وأنفة نفوسهم الكبيرة.

البيت الأخير من هذه القصيدة هو طعنة قاسية يوجهها كريم الأسدي أو أوجهها أنا لذوي القربى من الأهل أو من الزملاء المدعين الأدب. هذا الظلم هو الأشد مضاضة لأنه يأتي ممن من المفروض أن يكونوا هم الداعمين والمساندين.

الأديب الذي لا يحب زميله ليس أديباً والشاعر الذي لا يشعر مع غيره ليس شاعراً. الناقد أو الشاعر أو الأديب الذي يغيّب أبن بلده ويتنكر له لأنه يرى فيه تهديداً لمكانته أو لأنه يغار منه ويحسده لا يمت إلى الأدب بصلة ولا يمكن أن يكون إلا صعلوكاً ضعيفاً مزيفاً ومهزوماً. الناقد الشجاع يتناول النص الجيد بمبادرته وليس بطلب من صاحب النص أو إرضاءً  له. لا أدري ما هو الوضع في العراق في هذا المجال. ما اعرفه هو أن الوضع عندنا في الداخل لا يطاق فكل شيء مبني على الأحزاب والعلاقات الفئوية والشخصية التي تحدد قيمة النص وليس لمضمونه أية قيمة.

هذه المحاولات القذرة لتغييب المبدعين هي جرائم يقترفها أناس وقحون يلبسون ثياباً عصرية ويحملون في كثير من الأحيان ألقاباً جامعية ويتحدثون في القيم والمبادئ والأخلاق وهم أبعد ما يكون عنها. هؤلاء هم مجرمون لا يختلفون كثيراً عن المجرمين الذين لا يترددون عن ارتكاب المجازر.

التعتيم على مبدع هو إطفاء شمعة كانت من الممكن أن تنير طريق الملايين وتنقلهم من الظلمات إلى النور، وهو تكريس لهذا الظلام الدامس الذي يلف حياة الملايين من امتنا. فأي جريمة أكبر من ذلك؟

هؤلاء المنتفعون الذين لا يختلفون كثيراً عن الثعالب الجائعة يخدمون نزواتهم الشريرة التي تحثهم على إخفاء وتجاهل كل ما هو جيد ويخدمون أسيادهم المنتفعين من هذا التردي في الساحة الثقافية حفاظاً على مناصبهم ومصالحهم. لكنهم مهما تنكروا لكريم وأمثال كريم فلن يستطيعوا أن يغيبوهم لأنهم هم الوطن بوصله ووصاله وتواصله وهم العروة الوثقى لا انفصام لها مهما حاول الجبناء المرتزقة.

***

حسين فاعور الساعدي

................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

لا تكتبوا.. اِني سأكتب!! / كريم الاسدي

 

نزار سرطاوي"حـانُ ديـكِ الـجِـن: وَرْد"

يحملنا الشاعر جمال مصطفى على متن قصيدته "حان ديك الجنّ: ورد" الفًا ومائتي عامٍ أو نحوها إلى الوراء – إلى ذلك الشاعر العربي العباسي الذي ما عبئ يومًا بالشهرة أو المجد – ولعله كان بهما أجدر وأولى من الكثيرين من شعراء عصره. لكنه نأى بنفسه عن بلاط الخلفاء والولاة ومجالسهم وترفّع عن التزلف إليهم بالمدائح، مكتفيًا بحِمْصه وورده وكأسه – الشاعرِ الذي سعى معاصرُه أبو نواس إلى ملاقاته، وأستعار أبو الطيب المتنبي شيئًا من عباراته ومعانيه الشعرية الجميلة، كما يشير بعض النُقاد، وتأثر به شعراءُ كُثر تأثّرًا يستحق أن يكرس له النقاد ومؤرخو الأدب والأكاديميون شيئًا من الجهد.

اللافت في قصيدة "ديك الجن" أنها تشتمل على إحالات تراثية ذات دلالات فنيّة تستحق الوقوف. وهذه سمة يلمسها القارئ في العديد من قصائد جمال مصطفى.  وعلى سبيل المثال، فإنّ قصيدة "سهرة مع التوحيدي والخيام"، التي جعل الشاعر قافيتها مماثلة للسجع القرآني في سورة "الرحمن"، يتكرر فيها التناص مع تلك السورة بعينها. وعلاوة على ذلك فإنّها تزخر بالإحالات التاريخية والجغرافية والفكرية والمعرفية والعلمية والفلسفية والأدبية والشعرية والفلكلورية وسواها، التي ربما أراد الشاعر من خلالها أن يعبر عن إجلاله لهذين الأديبين العالِمين الفيلسوفين اللذين ينتميان إلى حقبتين تاريخيتين مختلفتين يفصل بينهما ما يزيد على 12 عقدًا من الزمن. والأمر نفسه ينسحب على قصيدة "هاروت وماروت". فبالإضافة إلى التناصّ مع الآيات القرآنية، يستحضر النصُّ شيئًا من التراث الديني الإسلامي (البراق) واليهودي (يهوه، وبابل التي بلبل الله ألسنة شعبِها، كما هو مذكور في العهد القديم، سفر التكوين)، والأسطوري (العنقاء، والرخ)، والعلمي (الجاذبية) والطقسي (الأضاحي) وغير ذلك.

لعل من نافلة القول إن الإحالات في قصيدة "ديك الجن"، كما في القصائد الأخرى للشاعر، ترتبط في معظمها بالثقافة العربية والإسلامية – الثقافة التي تَربى جمال مصطفى في أحضانها؛ لكنها لا تخلو من فلتاتٍ فيها استدعاءٌ للثقافة الغربية، التي من الواضح أن الشاعر نال منها نصيبًا غير قليل. لكن الفرق بين هذه وتلك لا ينحصر بالكم وحسب، بل يتعداه إلى أسلوب التناول. فالإحالات المرتبطة بالموروث الثقافي العربي والإسلامي تأتي على الأغلب صريحةً ومباشرة؛ وفي وسع القارىء أن يلتقطها دون عناء يُذكر. فثمة الكثير من حالات التناص القرآني والإشارات الدينية التي تتناثر في القصيدة، ابتداء بالعبارة التي تسبق النص الشعري: "يا أيتهـا الـوردة الـمذبوحة/ اصعـدي إلى ربكِ نافـورةً قانية"، والتي تحاكي في تركيبها اللغوي الآيةَ 27 من سورة الفجر؛ مرورًا بمفردات إسلامية (الوحي، فردوسي، وضوء، نهر خمور، سلسبيل، كوثرية، السورة، الآية، وقل جاء)؛ وانتهاءً بأذان الديك (في تورية يُقصَد بها ديكُ الجن نفسه) وصلاته في ختام القصيدة. علاوة على ذلك فإن القصيدة تشير إلى طقس العمادة المسيحي، كما تستحضر الشاعرَ العباسي المتصوف الحلاج، الذي جاء بعد ديك الجن بنحو 80 عامًا، وزرقاءَ اليمامة، التي عاشت في العصر السابق للإسلام.

بالمقابل فإنّ الإشارات والإحالات التي تستدعي التراث الغربي في القصيدة تبتعد ابتعادًا بائنًا عن المباشرة. فليس ثمّة ذكرٌ لأية أسماءٍ أو شخوصٍ أو أماكن أو أحداثٍ بارزة يرشدنا إلى الأصل. بل هي لمحاتٌ عابرة تتعلق بمصدرين، أحدهما أسطوري، وهو مأساة إيكاروس الإغريقي، والثاني درامي وهو مسرحية عطيل للشاعر الإنكليزي وليام شكسبير. وما نحن بصدده هو أن نقرأ هذه اللمحات في سياقها لنقرر إن كانت قد جاءت بمحض الصدفة أم أن الشاعر أوردها بصورةٍ واعية لتأخذ مكانها في بناء القصيدة.

 * * *

تتحدث أسطورة إيكاروس، التي تعرّض لها الشاعر، عن شابٍ مغرور أفضى به طيشه إلى الهلاك. وإيكاروس هذا هو ابن المهندس والحرفي اليوناني ديدالوس، الذي كان رمزًا للحكمة والمعرفة والقوة. تقول الأسطورة إن مينوس، ملك جزيرة كريت، سجن ديدالوس وابنه إيكاروس في المتاهة التي بناها له ديدالوس. فوضع ديدالوس خطة للهرب من الجزيرة، إذ صمم لنفسه ولابنه إيكاروس جناحين من الريش جمعهما وثبتهما بالشمع ليتمكنا من الطيران. ثم أوصى ابنه أن يطير على ارتفاع معقول، فلا يبالغ في الارتفاع حتى لا يقترب من الشمس فتذيبَ جناحيه ولا في الانخفاض فتُحدِثَ رطوبةُ البحر فيهما انسدادًا يشل حركته. لكن إيكاروس تجاهل نصيحة والده وراح يعلو ويعلو إلى أن اقترب من الشمس فذاب جناحاه، وهوى في البحر ميتًا.

لم يأتِ جمال مصطفى في قصيدته على ذكر إيكاروس بصورةٍ مباشرة، بل اكتفى بإشارة سريعة إلى الشمع والريش في بداية القصيدة حيث يصف الهبوط إلى "ورد - حان":

أهـبـط الآنَ إلـيـهـا

بِـ

جَ

نـا

حَـ

يْـنِ

وقـد ذابَ فـلا شـمْـعَ يَـشـدّ الـريـشَ

يـا أرضـي الـوحـيـدهْ

وهكذا لا يلتزم جمال مصطفى بالأسطورة كما هي؛ بل إنه يعكسها على ما يبدو لتنسجم مع حكاية ديك الجن، عبد السلام بن رغبان الحمصي، وورد بنت الناعمة. ففي الأسطورة الأصلية يسعى إيكاروس إلى مغادرة جزيرة كريت، في حين أن ديك الجن، الذي يتقمص بطلُ القصيدةِ شخصيتَه، يعود إلى ورد، التي غدت بالنسبة له مكانًا ابتدع له جمال مصطفى أسمًا خاصًا: وردَ – حان، هو أقرب إلى اسم مدينة أو دولة. لكنه مكان ذو حدودٍ لا كالحدود:

حدُّهـا الـبحـرُ شمالاً

وصحارى التيهِ والوَحْيِ جنوبا

والغواياتُ التي ـ ـ ـ ـ ـ ـ غرباً

وكـانْ

شرقَها الأخضرَ غابُ الخَيزرانْ

كذلك فإن الشمع الذي ثبّت به إيكاروس جناحيه ذاب بسبب اقترابه من الشمس، بينما يذوب الشمع عن جناحيْ ديك الجن، على ما يبدو، بسبب اقترابه من ورد - حان، وكأن حرارة ذلك "المكان"، أو ربما التهاب مشاعره عند الاقتراب منه، يذيب الشمع. وقد جعل الشاعر حروفَ كلمة "بجناحين" منفصلة ورسمها بصورة عمودية بحيث تمثل الهبوط وتَبعثُرَ الريش معًا بعد ذوبان الشمع. أما المفارقة الأخيرة فهي أن إيكاروس يهوي فيلاقي حتفه، بينما "يهبط" ديك الجن بسلام عائدًا إلى أرضَه الوحيدة، معشوقته.

لقد جاء اختيار وتوظيف جمال مصطفى لأسطورة إيكاروس في "ديك الجن" فريدًا. فهو لم يستخدمها بصورة عشوائية، بل أعاد صياغتها لتتسق مع غرضه الشعري. وفي هذا شيء من الشبه – وإن بصورة جزئية، مُصغرّة، وعابرة – لما فعله برنارد شو بأسطورة بجماليون في مسرحية "بجماليون" أو "سيدتي الجميلة". ففي مسرحية شو يختفى النحات الإغريقي بجماليون لتحل محله شخصية البروفسور هنري هيجنز، كما يختفي تمثال جلاتيا الذي نحته بجماليون، لتحل محله إليزا دوليتل، بائعة الورد الفقيرة التي يتعرف إليها هيجنز، ويبرم معها يأخذها بموجبها إلى بيته حيث يقوم بتعليمها وتهذيبها، ثم يقدمها إلى أرقى طبقات المجتمع اللندني، لتبدو كأنها نشأت في ذلك الوسط. وبعبارةٍ أخرى فإن جمال مصطفى تمكن من أن يُشكّلَ من حكاية إيكاروس أسطورةً جديدة بحبكة درامية مختلفة شكلًا ومضمونًا – هي أسطورة أو مأساةَ ديك الجن.

 * * *

إذا بدت استعانة جمال مصطفى بأسطورة إيكاروس مستترة بعض الشيء، فإن تأثره بمسرحية عطيل، إن أقررنا بأن تأثرًا كهذا قد حدث بالفعل، هو أشد تخفّيًا وأبعد عن الخاطر.

تعتبر مسرحية عطيل، التي عُرضت على المسرح للمرة الأولى في أواخر عام 1604، واحدةً من أبرز الأعمال التراجيدية العالمية على مر العصور. وتدور أحداثها حول القائد العسكري المغربي الأصل، عطيل، الذي يوهمه أحد أتباعه أن زوجته ديدمونة تخونه مع رجل آخر. ويدفعه شعوره بالغيرة إلى قتلها، ثم يقتل نفسه حين يدرك أنه وقع ضحيةً لتهمةٍ ملفقة. الأمر المثير للاهتمام أن قصة عطيل وديدمونه تحمل في تفاصيلها شبهًا كبيرًا من قصة ديك الجن وورد. وربما يقودنا هذا إلى الظن بأن شكسبير اطّلع على قصة ديك الجن واستعار بعضًا من تفاصيلها. لكن الحقيقة أنه استوحاها من قصةٍ بعنوان Un Capitano Moro"" (ضابط مغربي) للكاتب الإيطالي جيرالدي سنْثِيو، كان قد نشرها ضمن مجموعةٍ من الحكايات في عام 1565، أي بعد ميلاد شكسبير نفسه ببضع سنين.

لا شكّ أن التقاط جمال مصطفى لحكاية ديك الجن مع ورد واتخاذها موضوعًا لقصيدته فيه اقتراب من نهج شكسبير، لا في استعارة حكايةً أخرى ليست من إنشائه ليبني عليها عملًا أدبيًا وحسب، بل أيضًا في اختيار قصة حبٍّ جارف تنتهي بمأساة تَدمى لها القلوب أسىً – مأساةٍ تتمثل في قتل العاشق لمعشوقته بدافع الغيرة العمياء.

والحق أن الحكايتين تتشابهان أو تتوازيان في جوانبَ عدّة بصورة تثير الدهشة. أحد هذه الجوانب هو أن نشوء علاقةٍ بين البطل والبطلة في كلتيهما كان مرفوضًا اجتماعيًا. ففي حالة ديك الجن وورد ثمّة حاجزٌ ديني يجعل من الزواج مطلبًا عسير المنال؛ إذ هو مسلم وهي مسيحية. أما عطيل وديدمونه، فيحول بينهما حاجز عرقي. فعطيل رجل مغربي ذو بشرة داكنة، بينما ديدمونه فتاة بيضاء تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، حيث أن أباها عضو في مجلس شيوخ مدينة البندقية في إيطاليا. وثمّةَ وجهٌ آخرُ للشبه، هو أن كلتا العلاقتين تنتهيان بالزواج على الرغم من هذا التباين، حيث تعتنق وردُ الإسلام، أما ديدمونه فإنها تعاند أباها وتتزوج من عطيل بمباركةٍ من دوق البندقية، الذي يُعين عطيلًا قائدًا عامًّا لقواته ويوجهه إلى قبرص لدرء خطر العثمانيين. لكن التشابه الأكثر أهمية يكمن في تطور الأحداث. إذ يتعرض كلٌّ من البطلين لخيانة شخص قريب منه. فديك الجن، كما تقول المصادر، تعرض لخيانة ابن عمه أبي الطيب، الذي حاول التقرب من ورد فلم تُلقِ إليه بالًا، فدبر لها ولديك الجن مكيدة تقوم على زرع بذور الشك في صدر ديك الجن بوجود علاقةٍ بينها وبين صديقه بكر. وبالمثل فإن ياغو، أحد جنود عطيل، يُدخِل في روع سيده أن ديدمونة تعشق صديقه كاسيو. الطريف أن هذا الشعور بالغيرة قد دفع كلّا من البطلين إلى قتل زوجته. إذ أقدم عطيل على خنق ديدمونه، وغرز ديك الجن السيفَ في جسد ورد. ثم إن كليهما أحس بندم وحزن شديدين حين أدرك الحقيقة. فأقدَمُ عطيلُ على الانتحار، فيما ملأت الحسرة قلبَ ديك الجن وعاش حياةً ملؤها البؤس والشقاء.

لكن هذا التماثل المذهل بين الحكايتين الأصليتين لا ينعكس من حيث الشكل على قصيدة جمال مصطفى. فشكسبير أخذ حكاية عطيل من مصدرها وحولها إلى مسرحية من خمسة فصول تروي القصة بكاملها. أما جمال فقد اكتفى بالمشهد الأخير من حكاية ديك الجن مع ورد، وقدمّه بصورة مونولوغ، أو مناجاةٍ للبطل مع نفسه، لأن عمله قصيدةٌ قصيرةٌ نسبيًا، لا تتسع للأحداث الدرامية التي تتضمنها الحكاية بكامل تفاصيلها. وفضلًا عن ذلك فلا يبدو أن جمال وجد في "عطيل" ما يمكن أن يضيفه إلى قصيدته. 

على ضوء ذلك نتساءل: هل تأثر جمال بمسرحية عطيل؟ ربما لا نعثر في قصيدة "ديك الجن" على ما يؤكد مثل هذه الفرضية. فليس ثمّة ذكرٌ لمسرحية شكسبير أو أحد من شخوصها. ورغم ذلك فقد نتفاجأ ونحن نقرأ قول الشاعر على لسان ديك الجن: "أنـا كـنـتُ أراهـا: الـزانـيـهْ" إذا علمنا أن عطيلًا هو الآخر يستخدم هذا الوصف في الفصلين الأخيرين من المسرحية في معرض اتهامه لديدمونة، فيدعوها “whore” (عاهرة)، و“strumpet”  (مومس). لكن الأمر الأشد إثارةً للاهتمام هو ما تنطوي عليه الكلمات الأخيرة من قصيدة "ديك الجن": "لَـم تَـكـنْ ]ورد[ تَـحـسـبُ إنـي فـي الـسَـحَـر/ ديـكُـهـا: أذّنَ، صـلّـى،/ وانـتَـحَـرْ". هذه الخاتمة مخالفة تمامًا لما حدث  مع ديك الجن. فهو لم ينتحر، لا بَعد أن قتل وردًا مباشرةً وهو في ذروة الشكّ، ولا بعد أن عرف أنه قتلها ظلمًا، إثرَ اعتراف ابن عمه أبي الطيب بتدبير المشهد الذي يوحي بأن وردًا كانت تخونه مع صديقه. لكن هذا ما حدث مع عُطيل، الذي لم يتردد في الانتحار حين اكتشف أن ديدمونة لم تخنه. فلماذا ارتأى جمال مصطفى أن يضيف هذا الانتحار الرمزي في قصيدته؟ هل أراد أن ينقل إلينا الحالة النفسية للعاشق، الذي أمست الحياة والموت عنده سيّان؟ أم قصد أن يحقق العدالة الشعرية في خاتمة القصيدة؟ ربما! فديك الجن يستحق الموت كما استحقه عطيل، ليس لأنه قتل زوجته فحسب، بل لأنه سمح للريبة والغيرة أن تتسربا إلى نفسه. لذلك ذيّل جمال قصيدته بموته.

هل تمثّل جمال مصطفى مشهدَ الانتحار في مسرحية عطيل وهو يكتب قصيدة "حان ديك الجن"؟ ربما لن نعرف الجواب إبدًا ما لم يُصَرّحِ الشاعر نفسه بذلك. لكن من حقًنا أن نفترض حدوث مثل هذا التمثُّل، خصوصًا أننا نقرأ قصيدةً لشاعر مثقف واسع الاطلاع لا يمكن أن تفوته قراءة عملٍ هامٍّ كـعطيل، ولا أن يغفل عمّا بين الحكايتين من تشابه. لذا يمكننا أن نفترض أنّ هذا التأثر قد حدث فعلًا، متراوحًا بين الفعل الواعي الذي يتعمده الشاعر والإشارة العفوية التي تغترف من كهف اللاوعي. لكنه في نهاية المطاف يشكّل إضافةً هامة إلى القصيدة، إذ يحولها إلى مأساة حقيقية تتوازى مع المشاهد الختامية للأعمال التراجيدية الكبرى لشكسبير مثل "عطيل" و"روميو وجولييت" و "أنطونيو وكليوبترا".

 * * *

لقد نجح جمال مصطفى في إثراء قصيدته "حان ديك الجن: ورد" من خلال توظيفه للتراث العربي والعالمي بصورة سلسة لا تكلف فيها ولا اصطناع، فأضفى عليها بانورامية نادرة رفعت من شأنها.

كذلك فقد استطاع الشاعر أن يبرز قصةً فريدةً لا يمكن زجّها بين سائر قصص الحب المعروفة في التراث العربي مثل "قيس وليلى" و "قيس ولبنى" و "جميل وبثينة" و "كُثيّر وعزة" و"عروة وعفراء"، تلك القصص التي داعبت الخيال العربي عبر التاريخ، ربما لأنها تشترك في تقديسِ وتمجيد فكرة الحب العذري، رغم أن هذا الحب يتسبب على الأرجح في أزمة عاطفية غير مبررة كثيرًا ما تؤدي إلى موت أحد العاشقَيْن أو كليهما. فالجانب المأساوي في هذه القصص يستند في العادة إلى فكرة أحادية تتمثل في مقاومة أهل الفتاة لتزويجها ممن أحبها وملأ البيداء بالأشعار التي تتغزل بها. لذلك فإنها تبدو ساذجة وسطحية، إذ تفتقر إلى المقومات التراجيدية الحقيقية. بالمقابل فإن قصة ديك الجن التي يقدمها جمال مصطفى في قصيدته، هي قصة حبّ جادة، مركبة، متكاملة الأركان ومتعددة المضامين، تنطوي على حبكة درامية ربما لا نجد لها نظيرًا بين قصص الحب العربية التراثية المعروفة.  

 

نزار سرطاوي

..........................

يمكن الاطلاع على قصيدة "حان ديك الجنّ: ورد" للشاعر جمال مصطفى على الرابط التالي:

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/946999

 

صالح الرزوقتذكرني أميرة بطلة “خطوات في الضباب”* للعراقية ذكرى لعيبي بقصص قمر كيلاني في “امرأة من خزف” و” اعترافات امرأة صغيرة”. ففي شخصيتها صفتان:

الأولى: ضعف المرأة وانكشافها في مجتمعاتنا الشرقية. وتستعمل عوضا عن كلمة “الخزف” الصفة العربية المعروفة وهي القوارير. فالنساء معرضات للانكسار مثل الزجاج، وهن هدف لتعنت الذكور ولتسلط المجتمع، ولذلك تعتقد طوال الحبكة أنها ضحية. ويفرض عليها هذا الاعتقاد الدخول بمرافعة طويلة أمام قضاة غير موجودين. وهذا يقود الرواية للتحول من أسلوب السرد والوصف إلى أسلوب المناجاة والمونولوج.

ومن المؤكد أن كل شخصيات الرواية يستعملون نفس المستوى من اللغة، وبمفردات تعبر عن الندم والإدانة. ومثل هذا التعارض لا يعكس نفي الذات لنفسها أو الإقرار بذنب لم يرتكبه أحد، وإنما هو طباق نفسي يحمل علامات نزاع الإنسان المغلوب على أمره مع القدر. وهذه اللغة هي المدخل الصحيح لتفسير مضمون وشكل الرواية، مع أنها عمل غير تقليدي، وتميل لبنية مفتوحة. بمعنى أن الحدود غير متوفرة، ويوجد تداخل بين الشخصية والخطاب. ولذلك يمكن القول إن هذا العمل لا يشبه روايات المرأة الجريحة التي وضعت أسسها رائدات الحداثة العربية.

إن لغة لعيبي أكثر انضباطا، وليس فيها أي نوع من أنواع الهجاء، وتستغرق ببكائيات مطولة تعبر فيها عن عذابها من طرف وعن رغبتها بتضميد جروحها من طرف آخر. وأحيانا يأتي في ذهني أن خطاب أميرة ابن شرعي للصالونات المخملية. فهو يتطور على مستوى واحد من الحياة، وهو النخبة. . فالبطلة تفتح قلبها وتترك أفكارها وحياتها في الظل، وكأن الرواية مجموعة من العلب نصفها مفتوح والنصف الآخر مغلق. وتلقي هذه التقنية بظلها على جو ونفسية أميرة وتضعنا معها على حافة الحياة، بكل ما تتضمنه من أوامر وقوانين وممنوعات. وربما هنا نواة الحبكة، صورة امرأة تنتمي للمجتمع وإن اختلفت مع الهدف المرجو منه.

1590 ذكرى الصفة الثانية: (حياة النساء الصغيرات) وتصوره الرواية بسياسة رفع الراية البيضاء أو استسلام المرأة لظروفها القهرية. أو أقله مجاراتها حتى نصف المسافة. فالزمن الذي تعيش فيه (كما ورد بالحرف الواحد) تحكمه السياسة والتقاليد والخوف. وهو زمن يموت فيه الحب (كما ورد أيضا). ثم تضيف بصوت عالي النبرة: الإنسان الذي يضع نفسه داخل هذا الإطار يكون قد قتل بداخله أحلاما كثيرة.

لقد كانت أميرة طوال الاحداث دون سلاح، ومعها تذكرة تخولها للركوب بعربة القدر الأسود، بمعنى أنها تركت للرياح وللتيار توجيه حركتها. وما يضاعف من هذه المأساة أنها فعلت ذلك وهي بتمام وعيها. بمعنى أنها ارتكبت هذا الخطأ الفاضح عمدا، وتبعت نداء القلب وليس منطق العقل.

وبهذا الاتجاه تقول: نحن كنساء نستسلم لنداء قلوبنا ونريد منه أن ينتصر.

وقد غلبت على الرواية فلسفة الوجدان النسائي وهو يئن تحت مطرقة الواجب والقانون، كما هو حال معظم تجارب رائدات القصة النسائية في نهاية القرن التاسع عشر وبواكير العشرين أمثال واد سكاكيني وألفة الإدلبي. وليس حال نوال السعداوي أو أمينة السعيد، أو حتى حال كاتبة عراقية معاصرة هي عالية ممدوح.

لقد تعاملت أميرة مع نفسها على أساس أنها امرأة بالفعل (مواطن من درجة ثانية، أو شخص من فئة العبيد ويعادل بدونيته الطبقة المغلوبة على أمرها). ولم يخامرها الاعتقاد أنها عضو نشيط في مجتمع بحركة إيجابية وصاعدة. كان كل شيء يربطها لحجرة ثقيلة ويجرها إلى الأسفل. وهذه الروح النسائية فرضت اعتماد لغة رقيقة دون استعارات. وكانت العلاقة بين الكلمات ومعانيها مباشرة ولا تحتمل التأويل، أو أن الدلالة كانت من الدرجة الأولى. بلغة أوضح كان المعنى هو النتيجة والسبب بنفس الوقت. وهو ما ضمن لأميرة مرتبة ثالثة في سلم التصنيف الاجتماعي، كأنها واحدة من مجموعة أقليات وليست من نصف المجتمع. وترتب على ذلك مسألة تتعلق بالبنية، وهي تواري بعض التفاصيل أو ما نسميه روافد الحبكة (ومنها أسباب طلاق أميرة، وزواج حبيبها أحمد، ثم مشكلة شامة). لم تكن هذه التفاصيل تبدو مثل جزء من الدراما والحبكة، ولكن بشكل موجات ميلودرامية، أو فعل جمالي يستبيح جزءا سريا من سيرة امرأة. وهكذا أمكن للرواية أن تتملص من بنية العقل السردي التنويري لبنية الحداثة الأوديبية الدموية. فالاعتراف ليس مثل التحريض، والإقرار ليس مثل الاستباحة. وهو ما ضمن للعمل كله شخصيته المركبة. فقد كان مبسطا على شاكلة البدايات المبكرة لرواية المرأة العربية، وكان أيضا ضد المعايير على شاكلة بواكير الحداثة. وقد قسم هذا التكنيك الرواية لمساحتين غير متساويتين: ذات تفشي ما لديها من هموم، وتفاصيل تضيء العلاقات المتشابكة بين الشخصيات. بلغة نقدية: توزعت الرواية على الذات المتكلمة التي تتوجه لقارئ افتراضي بخطاب يشبه النجوى، وسارد عليم يلخص أحداث عدة سنوات بسطور قليلة.

وبلغة بارت: اعتمدت الرواية بشكل أساسي على الدلائل (الشخصيات)، ولدرجة أضعف الوظائف (الأفعال). ويمكن أن تقول إنها تجاور ما بين حداثة الأسلوب واعتدال المضمون لتقديم صورة عن استلاب واغتراب المرأة من كل النواحي. وعلى وجه الخصوص حياتها النفسية المدفونة تحت رماد احتراقها البطيء، ثم سيرتها الاجتماعية. وباعتقادي إن أهم فرق بين أسلوب لعيبي وبواكير الحداثة يندرج في فلسفة المكان. فالبيت احتل مكان المقهى والنادي والملهى. وأدى ذلك للتوسع بتفاصيل الحياة الشخصية ولضمور دور علاقات الأفراد بمجتمعهم.    

وفي النهاية أرى أنها رواية عن أزمة منتصف العمر. ولو لا القشرة الوطنية الرقيقة، وبعض الإشارات العسكرية لحروب العراق مع جيرانها، لقلت إنها نسخة عربية من فرانسواز ساغان وكوليت. فهموم الحياة تغلب على هموم الأرض، ومشاكل الوجدان النسائي تلون كل أجزاء الحبكة من أول سطر لآخر سطر.

 

صالح الرزوق

.....................

- صدرت الرواية عن دار الدراويش للنشر والترجمة، بلغاريا، 2020.

 

وليد العرفي للشاعر: نجيب القرن

ترتبط قصيدة الشاعر: نجيب القرن بالواقع الذي يحيلها على ظروف البلاد العربية فيما سُمّي بالربيع العربي الذي كان خريفاً وشتاء لم تحمل غيومه إلا مزيداً من دخان الأجنبي وسطوته على مقدرات البلاد العربية التي أصبحت مرتهنة بشكل أو بآخر للأجنبي الذي عاد إلى الوطن العربي تحت مُسميَات وأغطية من تحرير إلى  مساعدة؛ وإحلال ديمقراطية؛ وإحلال عدالة؛ وما كانت في حقيقتها إلا أشكالاً من أشكال الاحتلالات أو الانتداب في أحسن حال .

بداية نتوقف عند تاريخ القصيدة الذي يبدو إشارة مرجعية إلى تحديد الزمن الذي كُتبت فيه وهو العام 2013 م؛ وهو ما يشير إلى ذروة احتدام الربيع العربي الذي كانت غيومه قد  بدأت بجلاء كثير من انقشاعات بواطنها؛ وما تخفيه من تغييرات عصفت بالبلاد العربية؛ وبذلك يبدو الشاعر ناقلاً الحدث بوصفه شاهداً للحدث؛ ومشاركاً في مواقفه التي لم يكن بلده اليمن بعيداً عن أتون نارها؛ وما زال يعاني مأساتها .

يبدأ النص باسم الإشارة؛ وهو ابتداء يشي بالعلمية والوضوح؛ وهو ما يُجلي حقيقة الموصوف بتجاوز جمالية التسمية التي أريد لها مخادعة البصر؛ وحرف البشر عن المجرى الحقيقي لسيرورة الأهداف المرتسمة لما وراء هذا التنميق اللفظي للتوصيف الذي لم يُضمر للأمَّة العربية إلا مزيداً من الانهدام النفسي قبل الانهزام الواقعي في ميادين المعركة التي جاءت بأبعادها الإيديولوجية لتمحي الوجود الحقيقي لكل ما يمت بصلة إلى العروبة والإسلام على حدٍّ سواء؛ وعمَّقت الهوَّة ليس بين الأقطار العربية وحسب؛ بل بين أبناء الوطن الواحد؛ والمدينة الواحدة؛ والحي الواحد؛ وحتى وصل الأمر إلى التفريق بين الأخ وأخيه في المنزل الواحد؛  فهذا الربيع الذي كان يؤول منه الخير ويحمل البشارة إلى منتظريه في تحقيق الآمال بنهاية مظالم وزوال مظاهر مفاسد الذي حُمّل برمزية قرقوش الذي يرمز به إلى كل حكم جائر وغريب1؛ وهو ما قصد إليه الشاعر في تحميله تلك الرمزية فقراقوش لدى الشاعر رمز للحاكم العربي الذي تحوّل من طبيعته البشرية ليصبح إلهاً يستبد بحكمه في الشعوب العربية

هذا الربيع الذي انتظرته المدينة

قبل حلول الخَرَف

لينهي حكاية (قَرَقُوشها)

حين تعالى

حتى استوى فوق عرشٍ إلها

فأضحت بيوتُ المدينةِ شاحبة

والنوافذ عطشى

وكل المسافات ليس لها مبتدأ

إنه الحاكم الذي يبني يجمع حوله فئة من التابعين الذين يُجندهم لخدمته؛ فيطبلون ويزمون له ليل نهار :

الإله الذي

ظل ينفخ أرواحنا بالسديم

ويفتح جنته لزبائنه المخلصين

الإله الذي

على فلك العمر يسبح دون انتهاء

ويوم يؤرقه ومض مشكاتنا

تجيء العبيدُ إليه بعشر لغات

تترجم سيرة نطفته في الهواء

هذا الربيعُ الذي انتظرته المدينة في ولهٍ

ليطمس كل فصول العناء

ويخضر شارعنا

وتبدو المأساة في حالة المفارقة التي آلت إليها تلك الرغبات في أن يحمل الربيع ما يأمل الفقراء منه؛ وهنا تنهض على لسان الشاعر الأسئلة الموجعة التي تبحث عن إجابات لها من غير أن تجد لها أية إشارة إلى إمكانية وجود رد عليها؛ فتتردد الأسئلة بين السؤال عن الزمن الذي أتى في غير أوانه؛ و بين الهيئة التي جاء فيها :

هل أناخ على غير موعده

كيف استطاع خداع جماهيرنا بسراب الخلاص

إنه الربيع الذي منح الأفواه المكبوتة قدرة  على القول؛ وطاقة  على الحراك؛ والمجاهرة؛ والمواجهة؛ ولنلاحظ كيف عبّر الشاعر عن مدى العفن الضيق الذي أطلق تلك الحناجر؛ وسيّر تلك الحشود لتخرج في وجه حكامها بتصويره اللافت: (رصيف تكلس بالأمنيات)

أطلق حنجرة البؤساء

فوق رصيف تكلس من سَفَر الأمنيات

جاء يردد أنشودة نصفها حائرة

ينثر حول الميادين ريش حمام

وهتاف سقوط بغير ارتطام

هذا الربيع

زمجرة من وعود

تاهت عقارب ساعته فجأة

ليرحل دون اكتراث بأنوائه

غادرنا

والعصافير بين فضاءاتها واجمة

أسلمنا للحقود يرمم آمالنا

لغزاة يجيئون رغم أنوف شوارعنا

يمدون ظل إله جديد

على ظهر خارطة تائهة

يا لهذا الربيع الذي

يمنح الأرض زهراً بلا رائحة

غير أنَّ ذلك الحراك السلمي الذي جاء  كان في غير أوانه؛ وقد غادر من دون أن يُحقّق ما كان، وهم يعيدون تشكيل خارطة الوطن العربي بأشكال جديدة؛ وبمرتسمات حدود مصطنعة أخرى تؤدّي كلها في النهاية إلى متاهة جديدة لم يكن العرب قد وجدوا أنفسهم من قبل للخروج من متاهتهم الأولى؛ وبذلك البعد المأساوي وشّح الشاعر نجيب القرن قصيدته بوشاح الحزن والإحباط انطلاقاً من واقعية الحال و راهنية الحالة التي عاشها الشاعر ويعيشها العرب جميعاً؛ ليكون ربيعهم الموعود ربيع استلاب واستعمار لم يمنح منتظريه غير أشكال أزهار صناعية لا حقيقية؛ فما هي إلا أزهار زينة لا حياة فيها؛ ولا رائحة تنبعث منها؛ وهل الأزهار إلا بجمال عطرها؟!.

***

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

يمنح الأرض زهراً بلا رائحة / نجيب القرن

 

د. وليد العرفي

...........................

1 ــ  قراقوش أحد وزراء صلاح الدين الأيوبي وحول شخصيته اختلاف كثير بين من يقول بصلاحو ومن يدّعي ظلمه وجور أحكامه وغرابتها .

 

ليث الصندوقتعالق نصّي، أم تكامل دلالي؟

أضواء على أدب الـ facebook: (10)


 

هذا شاعر جاء إلى عالم الشعر الصاخب والمتمرّد من عالمه المهنيّ الأكثر هدوءاً وانضباطاً، بل ربما على الضدّ من هذه الصورة هو انتقل إلى عالمه المهني الهاديء  والمنضبط هرباً من عالم الصخب والضجيج . ومهما تكن جهة الإنتقال فما يهمنا هنا ليس عالم المنضبطين الذين يقيسون خطواتهم بالمسطرة، كما لا يهمنا سلوك شاعرنا المهني فيه بقدر ما يهمنا صدى الصخب الذي أحدثه خلال وجوده في عالم الصاخبين، ومدى ما ساهم به معهم في إقلاق سكون النائمين الحالمين . كتب أفضل فاضل في كل أنماط الشعر بادئاً بالقصيدة التقليدية التي أسِرته واستحوذت على كامل اهتمامه، فلم يتخلّ عن أبّهتها وانتظامها ليلحق بتيارات أقل منها التزاماً، وأكثر منها دعوة للخروج عن طاعة الأبوين . واستمرّ الأمر على هذه الحال حتى فترة متأخرة من مراحل نضوجه وتطوره . فبينما كان أقرانه، وحتى الأكبر منهم عمراً وتجربة قد قطعوا أشواطاً مع التجريب والتمرّد سواء من خلال قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، كان هو ما يزال مصراً على اختياره، يُجاهر متغنياً به حتى من على المنبر الشعري الوحيدة في العراق، وأعني به (مهرجان المربد الشعري) الذي تحفظ لنا مدونات دورته الثالثة عشرة لعام 1997 مشاركته بقصيدته (أرفق بروحي) (1):

بلدي العراقُ وهل أقول تملقاً        لا كنتُ ما وردَ الخنا أحرارُها

ولربما نحار في إيجاد مسوغات لهذا الإنجذاب إلى القديم، والإلتزام بقواعد انضباطه اللغوي والتعبيري، والتحسب لكل خطوة خارج سياقات حساباته النمطية التقليدية، والتوجس من كل اندفاعة تمرّد وتفلّت، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشاعر ما زال في زهرة العمر . وقد نبالغ فنردّ دواعي هذا الإنجذاب إلى تأثر الشاعر بشروط عالمه المهني الذي ألمحنا إليه سابقاً والذي هو أكثر التزاماً بالقواعد التنظيمية والأطر المنهجية من عوالم الشعر والشعراء، وعوالم الفنّ بعامة .

وبالرغم من ان المعجزة قد حدثت في غفلة منا، وكسر الشاعر فيما بعد قيوده، ووسّع من حدود تمرده محاذياً، بل ومتجاوزاً أحياناً تمرّد المجددين من مجايليه مخترقاً حدود مملكة قصيدة النثر، إلا أنه ما زال حتى اليوم يحنّ إلى هواه الأول، فيعود بين فترة وأخرى يكتب القصيدة التقليدية، وينشرها على صفحته في ال facebook . ولكن الملاحظ أنه حتى إذا ما تخلى عن قصيدته التقليدية واتجه إلى أكثر أنماط قصيدة النثر تمرداً وتنمّراً فانه يتخلى عن تلك الأولى ليستحضرها في تلك الثانية، فإذا بالقصيدتين المفارقتين لبعضهما ظهراً لبطن قد تحولتا إلى أختين توأمين، وإذا بقصيدة النثر تُشابه أختها بلغتها القاموسية الفخمة المتباهية التي لا تتهيب حتى من الحوشيّ والمندرس، وبإيقاعاتها الداخلية العميقة، وسلسلتها البنائية الموضوعية المتراصّة، لتصدم ذائقة القاريء، وتُربك أفق توقعه، فيحار بأي سياق يوجه قراءته .

هكذا قد تبدو الأمور نوعاً من التوفيق ما بين المتناقضات إذا ما أردنا أن نقاربها بسوء الظن الذي عادة ما يحكم العلاقة ما بين المستهلك / القاريء، وما بين المنتج / الشاعر، بيد أنّ شاعرنا نظّم العلاقة ما بين نقائضه الإبداعية ليخلص إلى منحى يكون له ميزة نشط في إطارها، واستثمرها بعد أن طوّرها فصارت خصيصته، وبالعموم يمكن توصيف نصوصه النثرية اليوم بانها تواشج ما بين رصانة لغوية هي أقرب إلى رصانة الأقدمين، وانزياحات صوريّة حرّة هي أبعد من انفلات المتمردين .

هذه القراءة غير معنية بالدرجة الأولى بتلك الميزة، ومع ذلك فعبرها ستنفذ إلى تقنية كتابية جديدة لا تقل عنها توقاً للتجريب وارتياداً للمغامرة، بل ربما تفوقها لفتاً للانتباه، مع ملاحظة أن المقصود بالجدّة هنا ليس السبق في الإكتشاف، فقد سبقه إلى التقنية المعنية شاعر عراقي آخر، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً، بقدر ما تعني الجدّة التطوير والإنضاج بقصد ووعي حاضرين . والتقنية التي أعنيها هي  نمط من التوسع في مفهوم التعالق النصّي الموازي ليشمل الفوتوغراف تحديداً، ليس من باب الشرح أو التفسير أو التبسيط، بل من باب التكامل، لتتحوّل بذلك القراءة من اللسان وحده، إلى اللسان والعين معاً مما يدفع بالقاريء إلى مساءلة الميثاق الأجناسي الناشيء عن هذا المزج من أجل توصل الطرفين المرسل، والمرسل إليه في النهاية إلى إجابة يعيدان من خلالها وضع تعريف جديد للرسالة وجدواها في ضوء المتغير الجديد المقروء والمرئي .

وكما سبق القول فإن تلك التقنية ليست جديدة تماماً على الشعرية العراقية، فقد سعى إليها في ستينيات القرن المنصرم - ضمن محاولاته التجريبية الكثيرة - الشاعر فاضل العزاوي، وتحديداً في المقطع (8) من قصيدته (تعاليم ف . العزاوي إلى العالم) المنشورة في مجموعته الشعرية (أسفار)(2) حيث رافقت المقطع صورة الشاعر الفوتوغرافية بالبيض والأسود . وفي حين اقتصرت الدلالة النصية على الإشارة إلى الصورة، أو إلى الرجل في الصورة، أي أن حركة الدلالة في المقطع النصي هي باتجاه واحد من النص إلى الفوتوغراف، لم تقدّم الصورة أية دلالة فارقة متجهة بالعكس إلى النص .

ويبدو أن الشاعر العزاوي قد فطن إلى عدم فعالية محاولته الأولى والوحيدة هذه فلم يكررها، ولم يطورها، بل أنه غضّ البصر عنها حين طبع مجموعته الشعرية الكاملة(3) بعد أكثر من ثلاثين عاماً على نشرها للمرة الأولى والأخيرة في (أسفار)، فظهرت القصيدة فيها خلواً من الفوتوغراف من دون أن يؤثر ذلك على تقبل القاريء الذي لم يسبق له الإطلاع على النص الأول في الطبعة الأولى من مجموعته سالفة الذكر .

ثمّ عاد العزاوي ثانية إلى تكرار المحاولة ذاتها، بيد أنه لم يعد إليها هذه المرّة شاعراً، بل عاد في نص ترجمه عن الشاعرة البولونية (فيتسلافا تشيمبورسكا) من مجموعتها (ناس على الجسر) (4) . وعنوان النص هو (الصورة الفوتوغرافية الأولى لهتلر) وقد ألحقت بالنص صورة فوتوغرافية لطفل في عامه الأول، والصورة تتبادل اكثر من إشارة مع النص المكتوب . وهذه المحاولة التي ليس للعزاوي فيها سوى فضل الترجمة هي أنجح من محاولته الأولى الخاصة به في (أسفار) .

وعدا ذلك، فحسب علمي ان الشعرية العراقية لم تقدم – عدا تجربة العزاوي غير المكتملة – نموذجاً آخر مماثلاً في استخدام الفوتوغراف تحديداً، وليس في التحرر الجزئي من نمطية الحروف الطباعية ومقاربتها بأنماط من الرسوم اليدوية والأشكال الهندسية، والرموز الكتابية، والتلاعب بالبياض والسواد (فتلك المحاولات يمكن أن تُقرأ في سياق آخر) كما في مجموعة الشاعر رعد عبد القادر (جوائز السنة الكبيسة) (5) التي كتبها ورسمها بخط يده حكمت الحاج، ومن قبلها مجموعة قحطان المدفعي (فلول) (6) التي يمكن عدّها محاولة في الكتابة الميكانيكية مستنسخة عن تجارب غربية أفرزتها الظروف المضطربة في أعقاب الحربين الكونيتين الأولى والثانية، أكثر من كونها محاولة لخلخلة القيم السائدة في الكتابة الإبداعية وفرض شعرية جديدة .

ثمّ جاءت تجربة الشاعر أفضل فاضل في الكتابة المتعالية الغيرية لتقدم تجربة تستحق الإنتباه والفحص . ولكن السؤال الذي تطرحه هو كيف يمكن تصنيف أو تجنيس هذا النمط من الكتابة؟ وكيف تحدد العلاقات التي تحكم هذا النمط من التعالقات ما بين نوعين ينتمي كل منهما إلى آليات قراءة مغايرة؟ وما هي وظيفة الفوتوغراف في النص؟ ومدى  تكامل أبعاده الدلالية مع ما يشعه النص المكتوب؟

حدد جيرار جينيت خمسة أنواع من العلاقات الخاصة بالمتعاليات النصية، هي:

1 - التناص

2 - ألنصيّة المصاحبة

3 - الميتانصيّة (أو النصية الواصفة، أو البعدية)

4 - النصية الجامعة

5 - النصية المتفرعة

وما يهمنا من تلك الأنواع ما يتعلق بالنصية المصاحبة التي قد توهمنا بنوع من العلاقات النصية المقاربة لما نحن بصدده، فهي تشمل (ألعنوان، والعنوان الفرعي، وألعنوان الداخلي، والديباجات، وألتذييلات، والتنبيهات، والتصدير، وألحواشي الجانبية، والحواشي السفلية، والهوامش المذيلة للعمل، والعبارة التوجيهية، وألزخرفة، وألأشرطة، والتزيين الذي يتخذ شكل حزام، وألرسوم، ونوع الغلاف، وانواع أخرى من إشارات الملاحق والمخطوطات الذاتية والغيرية التي تزوّد النص بحواشٍ مختلفة، وأحياناً بشرح رسميّ، وغير رسمي) (7) . ولو بحثنا لقصائد أفضل فاضل عن مكان بين هذه التمثلات فلن نجده، ذلك لأن فوتوغراف الشاعر هو جزء أساسيّ وجوهريّ من بنية الدلالة العامة، لا تكتمل إلا باجتماع النوعين معاً (المقروء والمرئي)، وأن أحد  النوعين يشوّه معطى كليهما ويُقدم قراءة ناقصة لا تتوافق مع ما ألمح إليه جيرار جينيت من إمكانية إبقاء تلك العتبات خارج النص في مرحلة ما من مراحل إنتاجه، وذلك في معرض حديثه عن العناوين الفرعية التي خصّ بها جيمس جويس روايته عوليس في مرحلة إعدادها الأولى، والتي أسقطها عنها فيما بعد حين أصدر الرواية في كتاب مطبوع، وبهذا الصدد يتساءل جينيت (أيمكن اعتبارها جزءاً من نص عوليس أم لا؟) .

من اليسير ملاحظة أن صور افضل فاضل تختلف عن العتبات في كون الدور الوظيفي للأولى لا يتوقف عند حدود النص / المكتوب، كما أن وجودها العلاماتي ليس تزويقاً خارجياً يحيط بالنص الأصلي، بل هي تخترق النص وتتوحد فيه بحيث يصبح الفهم متعسراً بدونها . وبدونها أيضاً تجنح العلامات الكتابية منعزلة نحو تأويل ضدّي مخادع قد يُسيء إلى نية النص ومقاصده . فالصورة ليست هنا نظاماً إشارياً خارجياً موجهاً أو وسيلة إيضاح، بل هي الجزء المرئي من نظام خطابي متكامل ومركب واحد، تتبادل فيه الإشارات حركة الدلالة باتجاهين:

- من (النص / المكتوب) – إلى – (النص / المرئي)

- ومن (النص / المرئي) – إلى – (النص / المكتوب)

وإن الإستغناء عن أحد النصين يقطع حركة الدلالة، ويُربك المعنى .

وبالرغم من أن الفوتوغراف هو صور بأجهزة الإتصال selfie ألتقطت بعفوية دون تكلف أو حِرفية لنقل وقائع محددة ضمن إطارها العاطفي وفي لحظتها الآنية، إلا أنها لا تفتقد وضوح القصد ولا تنحرف عن هدف الرسالة خصوصاً حين تقترن بظهيرها النصّي / المكتوب، عندئذ يذوب النوعان في بعضهما متحولَين معاً إلى خطاب جديد متكامل في طبيعته التكوينية أو التجنيسية، لا يحتكر أحدهما فيه المعنى، ولا ينفرد بتمثّله، بل يفتح حدوده لاختراقات النص الآخر لينتقل مركز التلقي بانسيابية وعفوية ما بين النصين، وتتولد علاقات جدل متبادلة بينهما . وبذلك، فوظيفة الصورة ضمن استراتيجية القراءة هي توليد وضخّ دلالات نوعية يفتقر إليها النص المكتوب بنفس الطريقة التي يولّد فيها ذاك الأخير دلالات وإشارات تفتقر إليها الصورة، ومن التقاء نمطي الإشارات يتولد المعنى ويكتمل بصيغته المفتوحة دوماً على مفاجآت التأويل . وبالتالي يمكن النظر إلى كلّ نص من الإثنين على أنه مولّد شفرات من جهة، ومن جهة أخرى أنه مستودع لشفرات الآخر .

وبالعودة إلى سؤال جيرار جينيت السابق حول إمكانية اعتبار النصيّة المصاحبة جزءاً من نص عوليس أم لا، لا بأس من البحث عن إجابة أولية على هذا السؤال في نصوص الشاعر أفضل فاضل، و(ألنص – 3) يمهّد لهذه الإمكانية، كما أنه يفتح مجالاً لردود محتملة عن إجابات الأسئلة التي سبقت عرض متعاليات جيرار جينيت الخمس .

يُشكّل (النص – 3) بسطوره الطويلة المتداخلة ببعضها كتلة طباعية شبه متراصة تجعله أقرب شكلاً إلى قصيدة النثر الفرنسية . أول ما يُلحظ على سطح النص هو لغته  في مستوى بنائها الأقرب إلى اللغة التراثية التقليدية والتي تنبّه الشاعر إلى إمكانية توظيف طاقاتها الصوتية وتفجيرها لتكون إطاراً تعبيرياً خارجياً مائزاً يُشير إليه، ويُذكّر بشعريته من جهة، ومن جهة أخرى لتكون حاضنة لانزياحاته المبنية في أغلبها على قاعدتي المفارقة والضدية وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .

أما ثاني ما نلحظه على سطح النص، والذي سيتبين لنا فيما بعد بأن تأثيره لا يقتصر على السطح، بل يتسلل إلى بنيته المعنوية العميقة فهو إقامته على قاعدة نصية مزدوجة، لسانية ملفوظة، وصورية مرئية . فالنص لا يمكن أن يُفهم بأحد هذين العنصرين ما لم يتمازجا، ويتعالقا معاً، ويتبادلاً بينهما الدلالات كلّ بأدواته . فالصورة الفوتوغرافية هنا تقدم نصاً مرئياً لشباب الإنتفاضة التشرينية العراقية / 2019، وتلك التوصيفات هي عناوين عامة تكشفها الإشارات المرئية في الصورة والتي سنأتي على تفكيكها وربطها بدلالاتها لاحقاً .

تبرز في إطار تشكل الغرض الهجائي للنص الكتابي ظاهرتان بلاغيتان هما الطباق والمقابلة، الأولى عُرّفت عند البلاغيين على أنها الجمع ما بين اللفظ وضدّه في سياق واحد، بينما الثانية فهي الجمع ما بين أكثر من معنيين متضادين في سياق واحد (9)،  وقد عدّ البعض هاتين الظاهرتين أو النوعين نوعاً واحداً أو ظاهرة واحدة وأضاف إليهما تسمية ثالثة هي التضاد (10) . يفتتح الشاعر نصه بالظاهرة الثانية (المقابلة) التي تهيمن على كامل الجملة الخبرية (تأكل من حنظل تاريخها زاداً يومياً)، حيث:

- ألضدان الأولان: هما (حنظل / زاد) على افتراض عدم استساغة السليقة السليمة للزاد ما لم يكن لذيذاً، ومن البداهة أن صفة اللذاذة هي على الضدّ من مذاق الحنظل .

- ألضدان الثانيان: هما (تاريخ / يوم)

أما بالنسبة لظاهرة الطباق، فهي في النص على نمطين:

ألنمط الأول:  يتجلى في الجمع ما بين لفظ واحد لضدّ واحد، كما في:

- حفيها / كلّ عتلّ زنيم

- كريمها / ممتهن

- شريفها / منبوذ

- فراشها / قراد

- مشربها / مهل

- مأدمها / ضريع

ويلاحظ انعكاس أثر هذه الأهاجي من الناس / الأمة على كل ما يحتازونه من جماد، ومن مأكل ومشرب .

ألنمط الثاني: يتجلى في الجمع ما بين لفظ واحد وضدّين معطوفين على بعضهما إمعاناً في تضخيم وتعدد معاني الهجاء .

- سُراتُها / سقط المتاع - و– السفل

- زرعُها / خضد – و– قنب

مع نفس الملاحظة السابقة في انعكاس أثر الأهجية من الناس على زروعهم .

هذا، ويمكن تمثيل بنية النص بمادة كتابية محصورة بين مزدوجين ملفوظين مجازاً، ألملفوظ الأول تمثله جملة الإستهلال (أمة من تراب) مع ملاحظة أن نسبة الأمة إلى التراب تكتسب طابعاً دنيوياً منحطاً هو على النقيض من طابعه الديني المتعالي لدى المتصوفة والزهّاد والذي يكتسب دلالته العميقة من قوله تعالى (أو مسكيناً ذا متربة)(11)، والمتربة هي الفقر الشديد الذي هو من صفات المتصوفة والزهاد، كما في قول إبن الخوّاص (ألفقر رداء الشرف، ولباس المرسلين، وجُلباب الصالحين، وتاج المتقين، وزين المؤمنين، وغنيمة العارفين، ومنية المريدين، وحصن المطيعين، وسجن المذنبين، ومُكفّر السيئات، ومُعظّم الحسنات، ورافع الدرجات، ومُبلغ الغايات، ورضا للخيار، وكرامة لأهل ولاية الأبرار)(12) . أما مزدوج الختام في النص / المكتوب فيمثله مقتطع الحديث النبوي (رفعت الأقلام وجفت الصحف) بعد إجراء تحوير عليه، وهذا ما سنأتي عليه لاحقاً .

تقود جملة الاستهلال الإسمية سلسلة معاني الهجاء بدءاً من موقعها، وحتى نهاية النص، ثمّ تهيكلها ضمن ستة مستويات من الجمل الخبرية، وفي جميعها يفيد خطاب المتكلم / الهاجي الأحكام التي تضمنها الإخبار .

ينماز كل مستوى عن الأخر بعناصره النحوية، ووجهته الدلالية، وإيقاعاته الصوتية والبلاغية بما يمنح كل مستوى إستقلاليته السياقية النسبية عن المستويات الأخرى، ويتولى الصوت الوحيد / صوت الهاجي تنظيم تلك المستويات على شكل ملفات، كلّ ملف / مستوى يتناول المهجو / الأمة من جانب نحويّ محدد، ومن ثمّ يوصله بدلالته وبشكل يضع (داخل النص) و(خارجه) متقابلين ضمن مستوى حواري واحد:

ألمستوى الأول: هو المستوى الفعلي، وعبره تتكشّف دواعي الهجاء من خلال فعلي الأمة الترابية النقيضين، فعل المَلءِ (تأكل) وفعل التفريغ (تغتسل)، مع تجاوز الفعل الثاني دلالته التطهيرية الظاهرة إلى المجاز الذي لا يفيد معه الغسل الجنابة، فهي أي (الأمة):

- تأكل / من حنظل تاريخها الخطيئة

تغتسل / من الجنابة

ألمستوى الثاني: هو مستوى إسميّ، وعبره يتجلى الهجاء من خلال الإخبار عن المبتدأ ممثلاً بالخواص من أبناء الأمة، مع ملاحظة خلو النص من أية قرينة بينة تجعل للصنفين الأوليين دالة في امتهان ونبذ الصنفين الأخيرين، وربما تُقدّم عناصر النص المرئي القرينة، وهذا ما سنحاول تبيّنه لاحقاً:

- سراتها / سقط المتاع والسفل

- حفيها / كلّ عتلّ زنيم

- كريمها / ممتهن

- شريفها / منبوذ

ألمستوى الثالث: عود إلى صيغ المستوى الفعلي الثاني مع التقنين في استخدام الأفعال والإقتصار على فعل واحد (تطيع) من دون تكراره لأكثر من مرّة واحدة، والتعويض عنه بأداة العطف التي من دونها كانت حلقات هذا المستوى ستبدو بالشكل التالي:

تُطيع (كالقطيع) – كلّ أكمه عقل

تطيع (كالقطيع) – كلّ أكمه روح

تطيع (كالقطيع) – كلّ أكمه بصيرة

تطيع (كالقطيع) – من ليس تحت جلبابه إلا الزور

تطيع (كالقطيع) – من ليس تحت جلبابه إلا البهتان

ألمستوى الرابع:عود إلى صيغ المستوى الثاني، ولكن بعد إسقاط المهجو البشري والإستعاضة عنه بملحقاته الدنيوية المادية، وقد أشرنا سابقاً إلى هذه الملحوظة:

- زرعها / خضد وقنب

- فراشها / قراد

- مشربها / مهل

- مأدمها / ضريع

ألمستوى الخامس: وهو مستوى القرار النهائي بالمفهوم القانوني، حيث كف الشاعر عن تعداد اتهاماته وتفصيل أهاجيه ليُعلن رأياً نهائياً في الإصلاح، مع ملاحظة تعارض إتجاهي قوتي الإصلاح (سماء × أرض) واللتين تمثلان كل مصادر القوى الأخرى المفترضة (ألسماوية × الأرضية) وكلّ الإتجاهات الموقعية التي يُحتمل أن تنطلق منها (شرق × غرب) و(شمال × جنوب)، مما يعني بالضرورة أن إمكانية الإصلاح كما يرى الشاعر معدومة، بل مستحيلة:

- ليس يُصلحها أمر من السماء

- ليس يُصلحها فعل في الأرض

ألمستوى السادس: عود أخير إلى صيغ المستوى الرابع حيث ينسف الشاعر كامل القاعدة الروحية والأخلاقية التي قامت عليها الأمة مُبرئاً ذمته من تبعات اللوم:

1 - لم تتعلم بالقلم

2 - لم تتعلم بالصفعات

3 - صحفها كتب مزورة

4 - هداتها أنصاب

مع ملاحظة أن ترقيم وحدات المستوى السادس ضروري وذلك لتيسير الإشارة إلى نوع من الإرتباط السببي ما بين التسلسلين الفرديين (1 × 3)، في مقابل نوع من الإرتباط السببي ما بين التسلسلين الزوجيين (2 × 4):

- فعدم تعلم الأمة بالقلم (ألتسلسل الأول) سببه أن صحفها كتب مزورة (ألتسلسل الثالث) فأيّ علم يُرتجى من كتب مزورة؟

- وعدم تعلمها بالصفعات (ألتسلسل الثاني) سببه أن هداتها أنصاب (ألتسلسل الرابع) ومن البديهي أن الأنصاب لا تحسن التعليم حتى ولو بالصفع .

وكما ألمحنا سابقاً يُختم النص بالمزدوج الثاني ممثلاً بالجملة المجتزأة من  الحديث النبوي المروي عن طريق عبد الله بن عباس (رفعت الأقلام وجفت الصحف) بعد أن استبدل الشاعر ما للأقلام بما للصحف، وما للصحف بما للأقلام (جفت الأقلام ورُفعت الصحف) وكأنه يشير إلى إنسيّة خطابه وخصوصية انتسابه إليه بذاته، وذلك بانحرافه عن سماوية الحديث النبوي (وما ينطق عن الهوى) . أما فحوى الخطاب المحوّر فهو تلميح إلى أن النص بظاهره أهجية، لكنه في الباطن إنذار بمُقدّر واقع حتماً، من دون تحديد طبيعته .

وابتداءً من الجملة الأولى / المزدوج الكلامي الإستهلالي الأول (أمة من تراب) وحتى المزدوج الكلامي الأخير / ألحديث النبوي المحوّر أو الإنسي، وما بينهمل من الإنتقالات لا تُسعف كلها في إنضاج قراءة مقنعة لدلالة التعميم في مفردة (الأمة) بل هي تزيد القراءة التباساً وغموضاً ما لم تتم الإستعانة بنص مكمل آخر،  فالنص الهجائي الملفوظُ لا يُحدد إطار الأمة التوصيفي بدقة، بل يُذيب ملامحها التاريخية في بوتقته البلاغية فيشكُلُ على من يكتفي بالمقروء تبيّن القصد، وسيظنّ أن الشاعر لا يستثني من أهجيته أحداً في أمته، على العكس من ملفوظ المتنبي الهجائي:

هل غاية الدين أن تحفوا شواربكم        يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

إذ جمعت آليات الهجاء في بيت واحد ما بين المعموم (غير المقصود بالهجاء) وهو (الأمة) وبين المخصوص (ألمعني بالهجاء) وهم الذين يَرَون أن غاية الدين أن (يحفوا شواربهم) ومن اليسير على القاريء الوقوع على القصد وتبين المستثنى منه . أما في نص أفضل فاضل / المكتوب فليس هناك سوى مهجوّ واحد هو (الأمة) مما يوهم القاريء المكتفي بالمكتوب بأن الشاعر لا يستثني بأهجيته منها أحداً .

هذه القراءة لم يقصدها بالتأكيد شاعرنا أفضل فاضل فهي قراءة في نصف النص، أي هي للنص المكتوب فحسب، أما النصف الثاني الذي بدونه لا يكتمل المعنى فيمثله النصف الآخر / المرئي، أي الصورة الفوتوغرافية . وإن كان جزء من الوظيفة الخبرية متحقق في النص المكتوب، إلا أن المعنى ما زال غير مستقر، وهو يتأرجح – بحسب البلاغيين – ما بين احتمالين، فإما أن يحتمل الصدق، وأما عكسه . وعلى الضد من ذلك فأن الوظيفة الإخبارية للنص المرئي لا تحتمل سوى احتمال واحد هو الصدق فهي قراءة العين التي لا تكذب، وبهذا الإحتمال الذي لا بدّ من الرجوع إليه يستقر المعنى الذي  حاذاه النص المكتوب ولكنه إبقاه رجراجاً .

وبستراتيجية مخالفة لستراتيجية المتنبي في أهجيته التي جمع فيها معاً في بيت واحد ما بين المعموم والمخصوص، أو بمعنى آخر هجى فيها المعموم وأراد المخصوص، فإن أفضل فاضل فرق بينهما ما بين نصّيه المكتوب والمرئي وجعل لكل منهما وظيفته التي تباين الأخرى، وبذلك فإن تشخيص المخصوص منهما بالأهجية لا يتحقق من تفحص أحد النصين أو النمطين . فوظيفة النص المكتوب أن يعمم الأهجية، ووظيفة النص المرئي أن يستثني ويُخصص ويُقصر الأهجية فقط على من تسبب في (إهراق الدماء على الأرصفة، ودفع بموقدي الشموع إلى الشوارع) . وفي ضوء ما يقدمه الفوتوغراف من إشارات يمكن إعادة تأويل القصد من شمولية الهجاء / المكتوب على (الأمة) باعتباره من قبيل (دلالة الكلّ على الجزء)، وبمعنى أدق دلالة الأمة على سراتها، وليس على ضحايا أولئك السُراة .

ولا بأس من استدعاء عناصر صورية إضافية من النص المرئي لتدعيم الرأي بالاستثناء والتخصيص والقصر، فالفوتوغراف يقرن المعموم / الضحايا بالورود والعلم والشموع، وكلها عناصر رمزية كريمة تدعم تداولياً مفهوم المناصرة والتعاطف من دون اضطرار إلى إقحام المفردتين في النص المكتوب وتحويله إلى خطاب إيديولوجي موجه . بل أنه بالإمكان دعم هذه الدلالة بقراءة نص صوريّ موازٍ آخر لنفس تلك الإشارات المرئية مجتمعة في الفوتوغراف المقرون مع (نص – 5) موجه – بلغة أكثر تعاطفاً – إلى أحد ضحايا المهجو / الأمة (أمة من تراب) وهذه المرة في صيغة المخصوص وليس المعموم، فقد تغير القصد، وتغير معه المقصود، وحلّ الرثاء مكان الهجاء:

(و أُمُّكَ مازالت تنتظر،

تُكذِّبُ في رحيلِك القبرَ

و الثياب)

مع ملاحظة كثافة دلالات العناصر الصورية في الفوتوغراف المرافق لهذا النص (نص – 5)، حيث التركيز على الثوار، وعلى العلم الذي لفوا به جثة أحد ضحايا (الأمة) . كما يقدم ال (نص – 6) المرئي علامات أخرى لعل أكثرها إيلاماً الصورة الفوتوغرافية لوجه الشهيد بعد استشهاده وهو مغمض العينين وملطخ بدمه وقد وضعت الصورة على مقربة من نعشه المكلل بالورود يحفّ به زملاؤه ومحبّوه، ويجاور العلامات المرئية النص المكتوب مستحضراً من عمر الشهيد المقابلة ما بين (الغياب / الحضور) و(الكبر / الصغر) من أجل أن تستمرّ دورة الحياة، ويحدث التمازج ما بين الموتى والأحياء من خلال اكتهال الأولين في الآخرين:

(في غيابهم الممعن بالحضور

سيكبر الشهداء الصغار

سيكتهلون فينا)

وأنه لمن البداهة القول بأن دوافع الهجاء وأطرافه المخصوصة والمعمومة التي ترشح من وحدات وعناصر الصور الثلاث المرافقة للنصوص (نص – 3) و(نص – 5) و(نص – 6) ليست بحاجة إلى مزيد من التنقيب والبحث فهي مفهومة بدلالاتها الصورية المرئية العامة .

من كل ما سبق يتبيّن لنا إن القراءة المزدوجة (اللسانية البصرية) لدى افضل فاضل ليست صرعة إبداعية أو نزوة فنية كتلك التي تستهوي المرء في فترة ما من مراحل تدفقه العاطفي، وتحت تأثيرات آنية سرعان ما تزول، وتُزيل معها ما أتت به من نزوات وصرعات . إن الأمر مع الشاعر يوشك أن يكون نهجاً خُطط له بوعي ونُفذ بإصرار، ولعل من المدهش في معطيات هذا النهج أنها تمثل محطات فارقة من مسيرة النضال الوطني في صيغته الشعبية الشبابية ضد الفساد والظلم والرجعية في صيغتها البدائية وضد الإجتراء على الإنسان وحقوقه . وإن كان (النص – 3) يمثل إحدى حلقات الإدانة والهجاء ضمن سلسلة الحلقات التي تُشكّل المشهد البانورامي لتلك المسيرة، فإنّ (النص – 10) يمثل حلقة أخرى نوعية تنفتح على مشهد المأساة العراقية عبر ضحية حيّة من ضحايا النظام السياسي، ليس عبر نافذة الهجاء هذه المرّة، بل عبر نداء الجوع والعوز الذي يدفع الثائر / الطريد إلى ساحة المواجهة .

يستهلّ الشاعر المستوى اللساني ل (النص – 10) بنداء إلى مخاطب ما / طريد، وإن كان النص قد عرّف المنادى بصفته النمطية العامة كما هي في القواميس والمدونات الأدبية والإجتماعية، إلا أن النص المرئي / الفوتوغراف قدمه بذات الصورة ذات الملامح النوعية التي أصبحت ذات يوم إيقونة من إيقونات ثورة شباب تشرين / 2019 . وبمعنى أدق إيقونة لإدانة الظلم في نظر الثوار، بينما نظرت الطبقة الحاكمة إلى تلك الإيقونة نظرة إستعلائية وأطلقت عليها تسمية (حسين الوسخ)، وتلك ميزة الثورات على مدى التاريخ أنها تصنع المفارقة، ومن ضمنها المفارقة اللغوية، حيث كل فريق من المتخاصمين يرى الشيءَ ذاته وكأنه نقيضه، وبذلك تتعدد التسميات بتعدد الجبهات .

يشرع الشاعر بعد افتتاحيته الخطابية بتفصيل تداعيات مشهد المواجهة غير المتكافئة ما بين الجوع من جهة، والطريد من جهة أخرى، والتي ستفتح فيما بعد جبهة أخرى أوسع، ولكنها متداخل مع الأولى . والجبهة الثانية هي ما بين الموت / الرصاص من جهة، والطريد والرفاق الهاربين من جهة أخرى . وعلى مشارف الجبهة الأولى يواصل الشاعر نداءه إلى الموصوف مباشرة بضمائر المخاطب من دون الإضطرار للاستعانة بالتوصيف أو بأداة النداء، فقد توحّد الإثنان عبر تراجيديا الجوع والفقر وعبر أواصر التعاضد والتعاطف الإنسانيين والتي فتحت جميعها أمام الشاعر بوابات المجاز على مصاريعها لتحوّل جسد الشاعر إلى مأدبة:

(فإذا انتهيت من نهش قلبي فانتظر

فما تناثر من الوليمة، فُتاتي

فاجمعني

وادّخرني لجوعك القادم

لا مجدَ أعظم من أن تسدّ رمقاً لثائر فقير)

وتفتح الوليمة الجسدية التناصّ مع الكتاب المقدس – العهد الجديد:

(وفيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزاً وباركَ، وكَسَرَ، وأعطى تلاميذه، وقال: خذوا كلوا هذا جسدي . وأخذ الكأس، وشَكَرَ، وأعطاهم، وقال: اشربوا من هذا كلكم . لأن هذا هو دمي . (متى / 26 – 28 / الفصل السادس والعشرون)(8)

مع تجريد التناص من وظيفته التقديسية، والاستعاضة عنها بوظيفة دنيوية هي من متطلبات التعاطف الإنساني الذي لا يكتفي من المشهد بالمساواة ما بين المتكلم والمُخاطب، بل يجعل من الأول أقل مقاماً من الثاني في الموازين السماوية:

(وفي الميزان

عند خالق الجوعى

تميل كفة الماعون

فهل لي أن أقاسمك

مائدة انتصارك النحيلة)

وفي هذه المرّة أيضاً يجترح التناص صورة جديدة أخرى للشاعر هي أقرب إلى صورة المذنب الذي يقرّ بهزائمه وانكساراته في مشهد أقرب إلى مشاهد الإعتراف الكنسية امام الراهب الذي تجلى في صورة  ألطريد:

(فهزائمي بضّة وسمينة،

ولي انكسار سافر لا يقبل بالمشاركة

سأبقيه لنفسي)

وفي كلّ الأحوال فتلك المفاداة هي صدى الحاضر لتلك المفادة المسيحية الأولى مع الفارق في المقامين والهدفين، بل حتى في الوظيفتين . فبالرغم من أن المفاداتين تستندان إلى قاعدة روحية واحدة مفادها تمجيد المطلق، إلا أن الفارق هو في المفهوم، فالمطلق المسيحي هو الله، بينما المطلق النصّي عند الشاعر هو الإنسان في صيغته المسحوقة والمعذبة / ألطريد، والتي هي أقرب ما تكون إلى صورة المسيح قبل الصلب، لأن المسيح بعده تحول إلى إله يعلو على ناسوتيته، وعلى آلآمه وانسحاقه .

هذا، ولا نعدم أن نجد أصداء أخرى لهذه الروح الفادية مبثوثة في أكثر من نص من نصوص الشاعر مع تنويع في (المَفدِين)، فمفاداته غير مقصورة على أبناء جلدته وأخوته في الإنسانية والمعاناة فحسب، بل تتجاوزها إلى عناصر الطبيعة وكائناتها في تجسيد لمبدأي وحدة المصير، ووحدة الوجود كما في المقطع التالي من ال (نص – 2):

(لو فقط

أعرف كيف أدلّ أفواه الجياع إلى جسدي

إلى دمي

والعصافير، تلك التي صمتت

لحنجرتي

لو فقط

أعرف كيف انثر جسدي بذوراً

وعوداً إلى (النص – 10) / المكتوب، حيث يتعاطى صوت المتكلم / الشاعر أخذاً وردّاً مع فضاء الصورة إذ يتجلى فيها الطريد غير عابيء بالموت، يجلس قبالته القرفصاء في ساحة المواجهة، ينظر إليه بعينين جاحظتين، فارشاً خوانه الفقير ليأكل، دافعاً لقمته باصبعه في فمه المفتوح في مشهد يتراوح ما بين السخرية من الموت، أو تحديه، أو الرضوخ لسطوة الأقوى منه وهو الجوع (لكنّ الجوع أقوى من الرصاص) بينما يتوافق النصان المكتوب والمرئي على رصد حركة هروب انعكاسية من المشهد لزملائه الثوار الآخرين، واتجاه حركة الهاربين في الصورة يحدد موقع السلامة، وبعكسه اتجاه موقع انطلاق الرصاص / الموت:

(رصاص كثير

رفاقك يهربون)

وفي المواجهة مع الجوع والموت يُظهر النص المرئي تمسّك الطريد بالعلم، يُثبته في طوق سترته ولا يحمله بيده دلالة على حرصه ألا يسقط فيما لو خارت اليد برصاصة . وتلك ابرز دلالات الشريد النوعية التي من أجلها كُتب النص الملفوظ . وبالرغم من محدودية الإشارات المتبادلة ما بين الفضاءين المرئي والمكتوب، إلا أن المتيسر منها كان حاسماً في تقديم نص متكامل، فبدونها كان النص الكتابي سيفقد مرجعيته الموضوعية، واستقراره الدلالي النسبي، ولم يعد للشريد أكثر من المعنى القاموسي العام والمفتوح على دلالات لا نهاية لها، والتي لا يقصد الشاعر بالتأكيد أياً منها، فشريده المعني هو رمز لقضية تختزن دلالات محددة بدقة، ولا يمكن فهم النص من دون الإلمام ولو بطرف منها .

وفي نص مدهش آخر عن الموت من دون أن يسميه الشاعر، أو حتى من دون أن يتوجه بخطابه إليه مباشرة، بل هو يتوجه إليه عبر مخاطبته لضحية من ضحاياه في لحظة صعود روحها إلى السماء التي تحولت في النص إلى (مدى) . هكذا ينفتح ال (نص – 4) على مشهد السفر ما بين مكانين نقيضين مبتدئاً من مكان الوصول / المدى وهو مكان واسع، بينما المكان الثاني موقع الإنطلاق فهو على نقيضه (زقاق البيت) ، أي بيت الراحل، وهو على عكس المكان الأول مكان ضيق . والمقارنة تحث القاريء على أن يفتح بوابات النص المغلقة مزوّداً بحساسيته التأويلية بحثاً عن الدلالة المتوارية خلف السطرين الأوليين:

(واسع هو المدى الذي تطير به روحك الآن

وضيّق زقاق بيتك)

وبالتأكيد لن يُسعف النص الملفوظ بمفرده القاريءَ في حل دلالات الإشكال العلاماتي المتواري خلف الطباق البلاغي في السطرين الأوليين من دون توسط عامل خارج المكتوب يستدعيه الشاعر من فضاء الفوتوغراف في محاولة لاستنطاق الخارج وإدماجه في النص بحيث يتحول المرئي / الخارج، إلى جزء حيوي ومؤثر من المكتوب / الداخل، يتبادلان ما بينهما الدلالات، ويملأ أحدهما فراغ الآخر وذلك باقتراح وسائل تعبيرية تتجاوز الحواجز التقنية ما بين اللسان والعين .

تقدم الصورة الفوتوغرافية الملونة الملحقة بالنص توضيحاً تراجيدياً لجماعة من المشيعين يحملون فوق رؤوسهم نعشاً يحاولون جاهدين إخراجه من زقاق ضيق لا يتجاوز عرضه عرض النعش إلا قليلاً، ولعل دلالة تفكيك المقابلة البلاغية، أو بمعنى آخر دلالة المقارنة ما بين طرفي كل من الثنائيتين الضديتين المكانيتين في السطرين الأوليين من القصيدة (واسع / ضيّق) و(المدى / زقاق بيتك) لا تستقيم من دون دخول الصورة الفوتوغرافية إلى أفق التأويل كمفتاح ييسر الوصول إلى المقطع الثاني من النص / الملفوظ، وهو مقطع مخصص لذات المقارنة المكانية مع فارق جوهري يتمثل في هيمنة دلالات الطرف الثاني من الثنائية الضدية الأولى (ضيّق) وانعكاس دلالاته على طيف واسع من عناصر المشهد الأرضي، لتتحوّل المفردة من دلالتها المكانية إلى كناية ذات بعد شمولي تحيل إلى ضيق الحال، بل وضيق كل منافذ الحياة، ف:

- ألتابوت الخشبي الرخيص = ضيّق (مع ملاحظة المفارقة الذكية التي أوجدتها العلاقة ما بين المنادى بصفته السامية (أيها الأمير) وبين تابوته (الخشبي الرخيص)

- زقاق بيتك = ضيّق

- ألشبابيك = كذلك (أي ضيّقة)

- أنفاس المشيعين = تضيق

- ألغبار = يضيق

- ألمرآى في العيون = يضيق

- حيطان بيتك = تضيق

- ألعراق = يحفّ ويضيق

- كلّ شيء = ينهار ويضيق

ويتحقق التبادل العلاماتي مع المرئي / الفوتوغراف من خلال عناصر المشهد، فالزقاق في الصورة ضيّق والبيوت ضيقة وواطئة والنعش ضيق، بل وحتى بقية العبارة على جدار البيت  الأمامي في الركن الأيسر بخط يدوي مرتبك والتي التقطت عين الكاميرا جزءاً منها (دار للبيع) كلها علامات تؤكد معنى الضيق سواءً بشقه المكاني أو بشقه الحياتي والمعاشي .

وعدا هذه العناصر الأرضية الضيقة والقريبة، يبقى المدى، وهو الكناية الجامعة والوحيدة في النص لكل العناصر السماوية البعيدة، يبقى هو الإستثناء الوحيد الواسع، أو هو فرصة الإنفراج والخلاص الوحيدة من هذا الضيق الأرضي الخانق والشامل:

(إلا المدى الشاسع الذي به تطير روحك الآن

واسع جداً، وبعيد)

 

ليث الصندوق

......................

(1) مربد التضامن العربي – وقائع مهرجان المربد الشعري الثالث عشر – ألجزء الثاني – إعداد وتقديم عبد الجبار داود البصري – دار الشؤون الثقافية / 1998 . ص - 57

(2) أسفار – فاضل العزاوي – مطبعة أوفسيت الحديثي – الطبعة الأولى – بغداد / 1976 . ص / 65

(3)    ألأعمال الشعرية الكاملة – فاضل العزاوي – الجزء الأول – منشورات الجمل – ألطبعة الأولى / 2007 . ص / 174

(4) ألرائي في العتمة – شهادة – فاضل العزاوي – دار الجمل / 2016 . ص / 285

(5) ألمجموعة الكاملة للشاعر رعد عبد القادر – الجزء الأول – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد - 2013

(6) فلول – قحطان المدفعي – شعر – مطبعة الأهالي – بغداد - 1965

(7) أطراس - جيرار جينيت – ترجمة المختار حسن – فصل من الأنترنيت

(8) ألكتاب المقدس – العهد الجديد – أنجيل ربنا يسوع للقديس متى - دار المشرق – أيلول 1987 – ألفصل السادس – ص _ 50

(9) صورة بخيل الجاحظ – أحمد بن محمد بن أمبيريك – دار الشؤون الثقافية – ألنشر المشترك – 1986 . ص / 75

(10) ألإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني – حققه وعلق عليه وفهرسه الدكتور عبد الحليم الهنداوي – مؤسسة المختار – ألقاهرة – ألطبعة الثالثة 1998 . ص / 288

(11) قرآن كريم – سورة البلد – الآية / 16

(12)  في التصوّف الإسلامي – قمر كيلاني – دار مجلة شعر 1962 . ص / 33

..............................

نماذج من نصوص أفضل فاضل

(نص – 1)

في غفلة ٍ من السماء

صار الجميعُ أنبياء

المُهرّج

و الطَبّال

و الجارُ بالجَنب ِ

و البَهلوان ....

مِن بَعد جَلالة الوَحي ِّ

و قَـداسَة المُرسَلين

صارَ للدّيـن ِفي حَيينـا

فِـرقة ٌ للتَرفيـه،

رائعة ........!

 (نص – 2)

لو فقط

أعرفُ كيف أدلّ أفواه الجياع الى جسدي

والسواقي التي نَضَبتْ

الى دمي

والعصافير، تلك التي صمتَتْ

1592  افضل 1لحنجرتي ...

لو فقط

أعرف كيف أنثر جسدي بذوراً

فيأكل الطيرُ

و يُعشبُ المرعى ...

لو فقط

أعرف كيف أقنعُ هذا الأفق أن ينفقني

مطرا

يشتري به قيظ المنتظرين

على تخوم اليباب،..

...

الناسُ هزائمٌ

تملأُ القبور

(إنّ موتي انتصار)

(نص – 3)

أُمّةٌ من تُراب، تأكلُ من حَنظل تأريخِها زاداً يومياً هُوَ الخطيئةُ عينُها وتحرص أن تغتسل من الجنابَة .

سُراتُها سَقطُ المَتاع والسِفَل، وحَفِيُّها كلّ عُتُلٍّ زنيم ؛ كريمُها مُمتَهَن وشريفُها منبوذ، تطيعُ كالقطيع كُلَّ أكمَهِ عقلٍ وروحٍ وبصيرة، ومَن ليس تحت جلبابه إلّا الزُورٌ والبُهتان، زَرعُها خَضَدٌ وقُنَّب،

و فَرَاشُهـا قِـرّاد، مَشرَبُها مُهَل ومأدَمُها ضريع، ليس يصلُحها أَمْرٌ من السماء ولا فِعلٌ في الأرض،

لم تتعلّم بالقلم ولا بالصفعات ؛ صُحُفُها كـتُبٌ مزوَّرة وهُداتُها أنصاب ْ

جفّت الأقلام ورُفعتْ الصُحُف . .

(نص – 4)

1592  افضل 2واسعٌ هُـوَ المدى الذي تطيرُ به روحُك الآن

و ضيّقٌ زقاقُ بَـيـتِـك،

هل للأسى مِن لُغةٍ أُخرى غير خَشَب التوابيت ِ !

أعرفُ أنّ لقَلبِ أُمّكِ الآنَ سكاكينٌ موغِلَة في الرَهافةِ،

و لأَهْلِكَ زَهرتان تذبلانِ، هُما عيناك،

و لَهُم، مما تبقّى

قُبلةٌ أخيرةٌ سَقَطَتْ مِن خَدّك عند باب البيت في عُجالَة الوداع الأخير،

لم يَعُد هناك مِن فرصة ٍ لعناق ٍ جديد،

لماذا لا تَشِـي اللحظاتُ بقُرب حلول السَفَر الأخير !

لكان العِناقُ قَبَل أن يجيءَ أطول َ

و إغفاءة الشِفاه على أعناق مَن نُوَدّعَ

أشَدّ وَطأةً واشتعالا...

..

تابوتُك الخَشبي ُّ الرخيصُ - أيّها الأميرُ - ضيّق ٌ

و زقاقُ بَيتِك ضَيقٌ،

و الشبابيكُ المُتعَبةِ من الإنتظارِ الطويلِ كذلك،

و أنفاس المُشَيّيعين َ، أيضاً تضيق،

و الهواء المَشنوق بغبار الدرب الذي سيفتقد خطواتكَ يضيق،

و المَرأى في العيون التي يَزحَمُها الدَمعُ يضيق

و حيطان بيتك التي تتشبّثُ بملامح وجهك عليها وهي تهربُ،

تضيق

بل حتّى العراقُ، ذو النهرينِ، فوق الخرائط يَجِف ُّ،

و يضيق ...

كلّ شيء ينهارُ،

و يضيق

إلّا المدى الشاسع الذي بهِ تطيرُ روحُكَ الآن َ،

و اسعٌ جداً وبعيد ..

....

لَـوِّح ْ لنا الآن َ

مِـن هناك َ

لَـوِّح ْ

إنّا نَـراك ......

(نص – 5)

1592  افضل 3و أُمُّكَ مازالت تنتظر،

تُكذِّبُ في رحيلِك القبرَ

و الثياب

......

الثياب التي مازالت في غرفتك

مُعلّقة،

أشرعة ً

لرحيلٍ مُقيم،

هيَ تعرفُ حقّاً

أنّك لن تعود

لكنها

عراقيّة ٌ

تتناسلُ في عمرها انتظاراتُ الأرضِ كُلِّها،

و تُقيم

فتعلّمتْ أن تنتظر،

لها، في تمادي الأسى

بُرهةٌ

من الأَمَل الرَثّ تسقطُ فيها

كلّما استفاقتْ من نوم ٍ رَخـو ٍ

(لعلَّ موتهُ كان كابوس نوم ٍ)

(لعـل َّ ........،

كلّا،.. ... ..)

لتوقن بعدها رحيلك من جديد،

و تفتحُ باب القلب

لانتظار ٍيَنهَش ُ

ذي أنياب ..

(نص – 6)

1592  افضل 4في غيابِهم المُمْعن بالحُضور

سيكبرُ الشهداءُ الصِغار ُ

سيكتهلون َ

فينا

غيابةً للفَقدِ الفادح ِ

و نشتاق ُ

إلى نظراتهم الأخيرة

تلك التي ظلّت معلقةً منهم على شفاهِنا،

قُبُلات ......

سينتظرهم العراقُ

عند أقصى الوصول،

و أنتظرُهُم

أنا أيضاً

عند أقصى العمر، مُكتَهلاً،

عَلّ واحداً منهم

يقفزُ راجعاً

من الطلقة إلى رأسه

و من دمِهِ المسفوح في الشارع

الى قَلبه،

فيُبعث ُ

عِراقاً

بين يديه ِ

- مُطمئِنّاً -

أموت ..

.... .

 (نص – 7)

لا أدري إن كانوا سيعودون إلى البيت)

و أنا حزينٌ جداً،

و مُشفقٌ جداً،

و قلبي وجوهُهُمْ

مُذ غابوا عن البيت .

أنا حقّاً لا أدري

إن كانوا سيعودون يوماً إلى البيت

لكنني أذكُرُ أنهم كانوا دائماً يقولون لي

ماجدوى العودةِ إلى البيت

و الوطن

قد خرجَ - منذُ أن وِلِدوا -

و لم يعدْ ...

أنا لا أدري إن كانوا حقّاً سيعودون إلى البيت

و هذا يُدمي حدّ النَزف ِ

قلبي

فأنْثَني، على كبِدي

مُؤثّثاً حُزنا،

فكلّما ناديتُهُم،

سَمِعوا الوطن

و ازْدَروني !

و كلّما توسّلت ُ

أوغلوا في الرحيل إليه

و تركوني ؛

يقولون َ:

ليس الوصول مانبغي

بل الرجوع َ يوماً

إلى ضِفَّة ٍ

غادَرَنا منها ؛

نريدُ

أن نعودَ كُلّنا إليه ِ

لا إلى ما يُشبهُ البيت

لأنّـه ُ ....

- ثمّ أشاروا للوَطَن –

1592  افضل 5

(نص – 8)

مت ّ ُ،

وفي الطريق الى السماء

أعاقني الغَمام،

أحالَ بَرقُهُ هُلامَ روحي مطرا،

هَطَلتُ غزيراً

غزيراً

غزيرا،

فوق قَبري،.... فأَعْشَب ْ !

.....

... ألم أقُل لكِ،

لأنّكِ معي،

آخرتي

عُشبٌ وماء ْ .......... !

(نص – 9)

تعالي معي نحلمُ بالمَطَـر،

تعالي،

دائماً ما يحتاج البَـرقُ الى حُلُمَـين

ليُومِـض ...

واليقينُ،

الى وَهْمَـين،

ليكون !

تعالي معي نحلمُ بالمَطَـر،

دائماً ما يحتاج البَـلَـل ُ إلى قطرتين

ليكتمل،

والذَنْـب ُ

الى براءتين،

وَوَهْـم ٍ

وامرأة ٍ مثلُك ِ،

مَعَها،

كُلُّ خطيئةٍ مَغْفِـرة ....

 (نص - 10)

1592  افضل 6jpgيا طَريد

هل لي أن أُقاسِمك؟

ربّما في الصَحْنِ الوَرَقيّ الرَثّ مايكفي للَوْعَتَين،

و في اللُّقمَة التي تكاد ُ

و لا تكاد ُ

مايكفي من العَنى

لقَضْمَتين

و دمعتين

و شَهقَتين ؛

فإذا انتهيتَ من نَهْش قلبي فانتَظِر ْ

فما تناثر من الوَليمَةِ، فُـتاتي

فاجمَعْني

و ادّخِرني لجوعِكَ القادم ِ

لا مَجْدَ أعظَمَ من أن تَسدّ رَمَقاً لثائر ٍفقير .

.....

رصاصٌ كثير

و رفاقُك يهربون

لكنّ الجوع أقوى من الرَصاص ِ،

و في الميزان ِ

عند خالِق الجَوعى

تَميل كفَّةُ الماعون

فهل لي، أن أُقاسِمك

مائدةَ انتصارِك النَحِيلَة

فهزائمي بَضّةٌ وسمينة،

و لي انكسارٌ سافرٌ لا يَقْبل المُشاركة،

سأُبْقيه لنَفْسي

حتى إذا ما رُحت ُعنك َ

و رُحت َ عَنّي

و استَفْرَدْتُ بروحي خالياً

بكيت ُ

و دعوتُ لك:

يا مُطعِم الطَير، أعْطِهِ جناحين،

يا مُنزِل المَطَر، أَنْزلْهُ هنا،

عليه ِ

حيث يَتَفَتّتُ طِينُك،

يا مُنبِت َ الفَلَوات أنْبِتْ بين يديه القَمْح َ،

و ازرَعْ تُرابَ جَسَده القَحْط بالطواحين ؛

يا ربَّ الجائعين

إنّي لا أُشيرُ إلى ما نسَيت َ

بل إلى ما يَفِتُّ كبدي،

...

يلوكُ السُحتُ وللجوع فَم ٌ

يدعو الله

ببراعـة

خلف كلّ دجّال ٍ بَطيـن !

 


 

(نص – 11)

تعالَ نطِر .....!

هناك احتمالٌ ضئيلٌ،

لكنّهُ

جديرٌ بالمحاولة ..!

تعالَ نتسرّب

مثل قطرة ٍ

الى أيّ جذرٍ بعيد،

تعال نفعل أي شيء ٍ

غير هذا التشبّث المضحك بأطراف المهزلة،

بعيداً

عن كلّ هذا الغبار،

والقُبح ِ

واللاجدوى ......

تعال ....

(نص – 12)

أبـي

مِن أين لي بوجهك َ الآن؟

و المَدى، شاسعٌ وضنين ْ

و بغدادُ

بعيدة ٌ،

إلّا عن الوَجَع ...

من أين لي بكَ ألانَ،

و الطفولة ُ

أوصَدَتْ بابها الطريّ في وجهي

منذُ سنين،

و كهولتي،

لا تُصدّق أني مازلتُ طفلا ً

لقد حَلَفتُ لها

بما تبقّى من دَبَق الحلوى القديمةِ على أصابعي !

فَمنْ أين لي الآن براحَتَيكَ؟،

إنّ عطشي شديد ....

وأنا،

أستحي أن أطلبَ الماء

فموسمُ الأمطار ما زال بعيدا

واللقاء،..... بعيد ْ .......

..

..

..

في شتائي القَصيّ هذا،

الصباحات ُ

مازالت - كما كانَتْ في الطريق الى المَدرَسَة -

باردة ً،

ولكن هذه المَرّة،

أنتَ بعيد .....

...

(نص – 13)

أُمّي

لماذا تصنعين من نشيج دُعائك جسراً

للعبور إليَّ

وحَبْلُ البكاءِ قصير،

والسماءُ شاهقة !؟

أُمّي

كيف يشفّك الحزنُ مثل صبّارة ٍ، وأنتِ المَطَـر !؟

كيف لاشتياقي إليكِ أن يمشي على قدمين،

وهو من ماء؟

وكيف سيلتقي الماءُ بالمَطَـر،

والغيومُ انقرضَت ْ

والسمواتُ حديد !؟.....

...

كانت خلسةً، ليلاً، تُوصدُ بابَ غرفتي بعد أن تُعبّئ نومي بما يكفي من أحلام، وتنسى دائماً بابَ الحنين، على مصراعيه مفتوحاً ....!

. . .

وفي مرّة ٍ هرَبتُ

من ذلك الباب !،

......

من غيركِ أنتِ، يُرْجعُني ويوصدُ الباب .......!؟

. . .

...

..

.

طفلُكِ أُمّاهُ

مازال ذاك ....

يخاف أن ينام

وقلبُهُ مفتوح ...!

(نص – 14)

سيكونُ مؤلماً جداً أن أموت َ هذا الصباح !

تبقّى فيَّ الكثيرُ، من الحُبِّ

ليتّسعَ قبرٌ، لمداهُ الشاسعْ !

سيكون حزيناً ؛ وصادماً

وهتكاً، لحُرُمات الله !

فأصابعي، ليستْ لي …

بل هيَ للشجَرِ الذي أزرع

وللفَجر الذي أوقِظُ ؛

كُلَّ صباح ٍ

قبل أن يستفيق الناس

وعيناي َ،

ليسَتا هُما ... عيناي

بل شُرفتان حَطّتا على وجهي

مصادَفَة ً

وخطوتان ِ، لقَمَرٍ هارب ْ!

وجسدي، …

قايَضْتُهُ، بحقلٍ مُعشبٍ

منذُ خمسينَ عاماً

و ......... ونسيَ الحقلُ أن يأخُذه، !!

،،

سيكونُ مُمِضّاً، رحيلي

ولمّا يزل ذلك الطفلُ فيَّ

في انتظار العيد، والحلوى

سيكون عاصفاً

وكُلّ تلك الزوابعُ المُخبّأة ؛ تغادرُني

وجارفاً،

وأنا انزفُ بحاري ؛ دُفعة ً واحدة !

،،

سيكونُ خطأ ً أن أموتَ،

قبل التأكّد من استمرار مواسم المَطَر

وسيكونُ خسارة ً ؛ أن أموتَ

وقد بدأت تَوّاً مواسمُ المطر …!

وسيكون ظلماً مُجحفاً، كَذلك

أن أموت

في يومٍ، لم يَتَساقط من مَطَر

… هل لي رجاءاً أن أنتظر

… إلى يومٍ مطير؟!!

فكيف يسقي الله الأرض بالمطر

دون جسدي !؟

ومن سيُدلُّ _ غيري _

قطراتِهِ التائهه ؛ تحت التراب

إلى مسارب الجذور؟!

،،

سيكون مُعضلة ً

أن أموت

فلم أُعطِ _ حتى الآن _ أي تصريحٍ لأحّدٍ بذلك

وما قرّرتُ

حتى الساعة َ

إن كنتُ سأُدفَنُ

دون موافقة الحقل ِ ؛ _ الذي قايَضْتُهُ _

أو تصريح ٍ خَطيّ من المطر

،،

سيكون مشكلة ً لا حَلَّ لها، حتماً

فالأمر ليس سهلاً، حين يخلقُكَ الله أُفقاً،

وحقلاً،

ومَطَراً …

ويريد النَّاسُ جمْعكَ في حفرة !!

.

.

.

الله

كم سيكون مُدهِشاً

بعد كلّ هذا

أن أموت َ

كلّ صباح ....!

.

.

_______________________________________-

(نص – 15)

ها قد عاد الجميعُ الى ما كانوا عليه،

الجنودُ الى ثكناتهم

والناسُ الى أعمالهم

و حَجَرُ الأرصفة ِ إلى وَجَع الخطوات

والشوارعُ،

إلى اللغَط البَشَريّ المُريع ؛

................

وَ حْدَها،

عيونُ الأُمَّهات

ظلّتْ تَرتَقب

مَن راح َصباحاً بعدَ (وْداعْةَ الله يُمّهْ)

و لم يَعُدْ

 

 

 

(نص – 16)

في غيابِهم المُمْعن بالحُضور

سيكبرُ الشهداءُ الصِغار ُ

سيكتهلون َ

فينا

غيابةً للفَقدِ الفادح ِ ؛

و نشتاق ُ

إلى نظراتهم الأخيرة

تلك التي ظلّتْ معلقةً منهم على شفاهنا،

قُبُلات ......

سينتظرهم العراق ُ

عند أقصى الوصول،

و أنتظرُهُم

أنا أيضاً

عند أقصى العُمر، مُكتَهلاً،

عَلّ واحداً منهم

يقفزُ راجعاً

من الطلقة إلى رأسه

و من دمِهِ المسفوح في الشارع،

الى قَلبه،

فيُبعث ُ

عِراقاً

بين يديه ِ

- مُطمئِنّاً -

أموت ..

....

. .

 

 

(نص – 17)

ليس ثلجاً

هذا الذي يَتَساقَط،

قلب ٌ أبيض هناكَ في الأعالي،

يَـتَـفَـتّـت ْ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(نص – 18)

ستجدونهم هناك َ

حتماً

واقفين بانتظاركم ؛

نحيلينَ

مثل وتر الرَبابة

و منكسرين،

مثل حُزنِـها ...

يحتفلُ عند أرواحِهِم وجعٌ لم يُغادر

منذ أن اخترق الرصاص أبدانَهم !

ستعرفونهم ببساطة:

لهم في جراحِهِم مَساربُ للضوء لا تنتهي

و من عيونهم يطلُّ وطن ٌ، هو العراق ...

قَبّلوا لي عيونهم

قَبّلوا الجِراحَ المُمطِرَة َ التي فيهم

قَبّلوا

إنّكم، حقاً، تُقَبّلون العراق،

 

 

 

 

_________________--

 

(نص – 19)

في الحفلِ الأخير،

أَلبَسوا الوطن المُوغل بالنخيل

ثيابَ الراقصات،

....... كان عُريُـهُ مُمِضّاً ....

والأكفُّ التي تُصَفّق، ليرقُص

تَصفَعُني، ...

.... سأُعيرُكَ دمعي ثوباً، وأنا أَشيحُ

عن جسدِك َ المُسْتَباح .

وطـنـي

كُلُّهم حضروا الحَفْل،

كُلّهم ...

تمادوا بنَهْش لحمكَ العاري

واقترفوا الحضور .....

..... ووحدي،

بعيداً كُنـت ُ

أستُرُ ماتبقّى من ظِلّك في روحي بالغياب .....

 

(نص – 20)

في اليوم الأوَّلِ

بعد موتي،

كان مؤسفاً أن أرى

أنَّ كلَّ شَيْءٍ تركتُهُ بعدي

بقيَ تماماً

كما كان قبلي!

ظلّت الأشجارُ التي كُنْتُ أراها خضراءَ، خضراء !

والبحرُ،

أزرقَ الوجهِ،

ندوبُهُ الموجات

والرملُ، ظَلَّ كما كانَ

مَهيل عطشٍ، يلفظهُ الملحُ ..

والسماءُ،

ظلَّت، كما كانت

تتزَوَّقُ بالغيمِ

وتبكي بالمطر....

ظلَّ كل شيء تماماً كما هُوَ،

حتى الدروب التي كانت في خطوي تُسافر،

والعصافير التي تلتقطُ الحَبَّ من حُنجرتي كل صباح،

بل حتى أرغفة الخبزِ

تلكَ التي حَشَتني تنانيرَ، وجَذَوات ...

كلّ شَيْءٍ ظلَّ كما هُوَ،

كل شيء .......

...... ماعدايَ أنا!

أنظرُ في صورة الأشياء غيابي

وأنكَسِر،

أوصِلُ ظِلّي الى مكاني الفارغ

وأنتفي !

....

..

.

ياأيّها الموتُ:

ماأيقنتُ حقّاً قبلكَ حضوري،

فلماذا تتعسَّفُ في مَحوي

لتُسفِرَ لي عن غيابي؟!

.

..

.....

الحضورُ، رماد

والغيابُ، رماد

خَمَدَت نارُ الحطب،

طابَ خبزُكَ

ياصاحبَ التنور ......!

 

.

 

بليغ حمدي اسماعيل1 ـ بِطَاقَةُ تَعَارُفٍ:

 (قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي*****روحي فداكَ عرفتَ أمْ لمْ تعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي*لم أقضِ فيهِ أسىً، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ،*في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فقد أسْعَفْتَني؛****يا خيبة َ المسعى إذا لمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنامِ، ومانحي***ثوبَ السِّقامِ بهِ ووجدي المتلفِ).

كل شخوص المشهد الصوفي في تاريخ الإنسانية يسبق الحديث عنهم تقدمة يسيرة إلا سلطان العاشقين عمر بن الفارض، فأبياته وحدها كفيلة بخير تقديم له، وكلما اقترب المطالع والمريد والمحب من سبر أغوار التصوف كلما اصطدم بمقام المحبة التي يعد عمر بن الفارض خير وأصدق تمثيل لهذا المقام بغير منافسة أو اشتراك أو منازعة .

إن عمر بن الفارض كما يقول عنه رائد الدراسات الصوفية جوزيبي سكاتولين ليس بمجهول في الأوساط الصوفية وغير الصوفية أيضاً عربية أم غير عربية، فهو علم من أعلام التصوف الإسلامي، ويكاد وحده الملقب بسلطان العاشقين، مثله في الانفراد كمثل محي الدين بن العربي الذي لقب بسلطان العارفين علماً وحكمة وتجربة استثنائية متفردة . وعمر بن الفارض يعد أحد أقطاب الصوفيين الوحيدين الذين ولدوا في القاهرة ونشأ بها وترعرع وصار صاحب حال ومقام وبها توفي أيضاَ، وله من الأسماء والكنى والألقاب ما تشتهيه الأسماع، فاسمه عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن علي، وكنيته أبو القاسم، وأبو حفص، ولقبه شرف الدين، وله من النسب حبل متصل ببني سعد، وبنو سعد هم قبيلة السيدة حليمة السعدية مرضعة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) .

ولقد عاصر عمر بن الفارص أحداثاً مجيدة في التاريخ الإسلامي، أو تلك الحقبة التي شهدت انتصارات عرفت بالنصر الإسلامي، فالبداية أنه أينع زهره في فترة الصعود البطولي للناصر صلاح الدين الأيوبي لسدة مجده وذروته، وعاش في ظل وكنف الملك الكامل في مصر، وشاء الله أن يقبض روحه قبيل سقوط الدولة الأيوبية العتيقة على أيدي المماليك .

والحياة العلمية والبيئة الصوفية والمعرفية لم تكن بجديدة على عمر بن الفارض، حيث تذكر كتب التأريخ لأقطاب ومشاهير الصوفية أن أباه عمل بالفقه حتى أصبح فقيهاً مشهوراً لاسيما وأنه صاحب قضية إثبات ما فرض للنساء على الرجال من حقوق، فكان بذلك أشهر رجال عصره من الفقهاء ولقب في هذا الوقت تحديداً بالفارض، وتولى بعد هذا الإثبات الفقهي نيابة الحكم، ومن الدهشة أن نرى كيف عُرض عليه أن يتولى منصب قاضي القضاة في مصر، وهو أسمى وأرفع المناصب في الحكم، لكنه أبى وانقطع للعبادة في قاعة الخطابة بالجامع الأزهر وظل كذلك حتى مات . وهذا الأب الذي آثر الزهد في المنصب والولاية وفضل الورع والتقوى والانقطاع للعبادة والتفكر والاطلاع والبعد كل البعد عن مظاهر الجاه والسلطان وفتنة الدنيا كان كفيلاً لأن يكون خير مرشد ومرب لهذا الفتى الذي سيصير فيما بعد سلطاناً للعاشقين ومحباً بغير انقطاع أو ملل . يقول بن الفارض:

(ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا ***سر أرق من النسـيم إذا سرى

وأباح طرفي نظرة أملتها***فغدوت معروفا وكنت منكرا

فدهشت بين جماله وجلاله***وغدا لسان الحال مني مجهرا).

وواصل عمر بن الفارض رحلته وسياحته العلمية والمعرفية في مصر، ولك أن تعرف أنه تعلم الحديث على يدي واحد من كبار محدثي عصره وهو العلامة الشافعي أبو محمد القاسم بن علي بن عساكر الدمشقي . . والغريب في أمر شهرة عمر بن الفارض أنه لم يترك لنا من آثار تجربته الصوفية سوى ديوان واحد فقط اشتمل على ست عشرة قصيدة، ولم يعثر له على أية رسالة أو كتاب صغير يمكن أن نتلمس آثار تلك التجربة والرحلة الروحية توضح لنا مذهبه واتجاهه الصوفي، ورغم ذلك يظل أرق من تحدث عن العشق الإلهي.

2 ـ العَصْرُ الذَّهَبِيُّ للتَّصَوُّفِ:

ولقد ولد عمر بن الفارض في القرن السابع الهجري، وهو القرن المعروف تاريخياً بالقرن الذهبي للتصوف الإسلامي، إذ أن التصوف وصل فيه إلى قمة  التعبير عن نفسه في مختلف نشاطه عملاً وفكراً . والواقع أن هذه الحقبة كما يشير المؤرخون ظهر فيها أساطين وأقطاب التصوف الإسلامي عبر عصوره، ومنهم عبد القادر الجيلاني، ومحي الدين بن عربي، وأبي حفص السهروردي، وشهاب الدين السهروردي،  وجلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، ويونس إمري،  وشاعرنا الصوفي الكبير عمر بن الفارض .

وفي هذا القرن الاستثنائي في تاريخ التصوف اتخذ التصوف الإسلامي ملامح جديدة ومغايرة للقرون السابقة، فأصبح للتصوف بعد نظري واضح وعميق عما كان عليه من قبل، وفي هذا القرن انفتح التصوف الإسلامي على تجارب ثقافية ومعرفية متميزة ومتباينة أيضاً، فتأثر بكثير من التيارات الفكرية والدينية المنتشرة في ذلك الزمان، ولقد تأثر التصوف الإسلامي جد التأثر في هذا القرن بالتيارات الإيرانية الدينية لاسيما التي عرفت بحكمة الإشراق . ولا شك أن هذه التيارات المختلفة استطاعت أن تكسب التجربة الصوفية المعرفية أنماطاً معرفية جديدة وعمقاً وسعة وشمولية في التفكير لم يعرفها من قبل على حد توصيف المستشرقين بذلك . وفي هذا القرن وجدنا التصوف الإسلامي يطلق العنان لتجاربه والتي تجسدت في ميادين أخرى غير التأليف النثري وبيان الأحوال والمقامات، مثل الشعر والموسيقى والفن المعماري .ولقد أطلق على هذا العصر لقب عصر التصوف الفلسفي .

3 ـ التَّائِيَّةُ .. رِحْلَةُ ابن الفَارِضِ تِجَاه المَعْرِفَةِ:

وكعادة أهل الحب، أعني الصوفيين نجد كلامهم غامضاً بعض الشئ وهم يصفون تجربتهم ويتحدثون عن تفاصيلها، وهو ما نلمحه في قصائد ابن الفارض التي تفوح منها الغموض والمدلولات غير المفسرة لمعانيها المقصودة، ومن ذلك قصيدته الأشهر المعروفة بالتائية الكبرى، والتي يقول فيها:

(سقتني حميَّا الحبِّ راحة َ مقلتي ** وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْتُ صَحبي أنّ شُرْبَ شَرَابهِم ** بهِ سرَّ سرِّي في انتشائي بنظرة ِ

وبالحدقِ استغنيتُ عنْ قدحي ومنْ *** شمائلها لا منْ شموليَ نشوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتية ٍ *** بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي)

وفي هذه القصيدة الشهيرة تنقسم التجربة الصوفية عند عمر بن الفارض إلى ثلاث مراحل رئيسة، هي: مرحلة الفَرْقِ وفيها يصف الشاعر الصوفي  حالة التفرقة والتمييز عن محبوبه الذي يخاطبه هو بلغة حب عميقة وواسعة، ومرحلة الاتحاد وفيها يصف الشاعر حالة الوحدة بينه وبين محبوبه، أما المرحلة الأخيرة والمسماة بالجمع فيصف الشاعر فيها حالة الوحدة والاندماج بين ذاته هو وكل الموجودات . ويجتهد جوزيف سكاتولين في رصد لغة الحب في تائية ابن الفارض، حيث يقوم بدراستها دراسة دلالية حيث أشار إلى تعدد الدلالات اللفظية للأصول اللغوية: (حـ ـ ب ـ ب)، و(حـ ـ بٌ)، و(هـ ـ و ـ ى)، و (وـ لـ ي) وهي الأصول اللغوية الثابتة التي تشكل مراحلة الثلاث التي سبق سردها .

بجانب بعض الألفاظ التي تشكل محوراً مهماً في القصيدة الأهم في الشعر الصوفي المعروفة بالقصيدة التائية لابن الفارض، ومن هذه الألفاظ: (نفس ـ روح ـ ذات)، وحينما نجد ابن الفارض يتحدث عن ذاته فهو يكشف عن ذاتيته العميقة من خلال عملية يندمج بها مع حبيبته، وهي عملية يسميها النقاد وأهل التأويل النصي بالصيرورة نحو الذات، ولقد عبر عمر بن الفارض عن هذه الصيرورة بعباراته مثل: أنا إيَّاها، وهي إياي، وأخيراً أنا إياي .

ولفظتا نفس وروح من الألفاظ المحورية في شعر عمر بن الفارض وفي الغالب يأتيان دوماً في موقع التوكيد لضمير المتكلم (أنا)، أو في موقع الإضافة إليه مثل: نفسي وذاتي . أما كلمة (روح) فكما يشير جوزيبي سكاتولين في شرحه لديوان بن الفارض فليس له استعمال كاسم توكيد للأنا، وكثير من اعتاد الحديث عن مفهوم الحب والعشق في قصائد عمر بن الفارض، رغم أن جون آرثر آربري (1973) أشار إلى أن قمة التجربة الصوفية عند ابن الفارض لا يمكن اختزالها فقط في تجربة العشق الإلهي، بل تبلغ القمة مداها حينما نجد الشاعر نفسه يتحدث عن الأنا الجمعي، وهذه الأنا نفسها اللفظ المركزي في قصائده بغير منازع، وربما مقصد التجربة الصوفية الروحية لعمر بن الفارض الأسمى هو الاكتشاف والتحقيق لذاته لأبعد حدود لها . يقول ابن الفارض في تائيته:

(ولولا حِجابُ الكَونِ قُلتُ وإنَّما

                   قيامي بأحكامِ المظاهِرِ مُسْكِتي

فلا عَبَثٌ والخَلْقُ لم يُخلَقوا سُدىً

                   وإنْ لم تكُنْ أَفعالُهُمْ بالسديدَة

على سِمَةِ الاسماءِ تَجري أمورُهُمْ

                   وحِكْمَةُ وصْف الذاتِ للحكم أجرَت

يُصَرِّفُهُمْ في القبضَتَيْنِ ولا ولا

                   فقَبْضَةُ تَنْعِيمٍ وقَبْضَةُ شِقْوَة

ألا هكذا فلتَعرِفِ النّفسُ أو فلا

                   ويُتْلَ بها الفُرقَانُ كُلَّ صبيحة)

وسرعان ما يتحول مركز الثقل في تجربة عمر بن الفارض الصوفية والتي عبر عنها بالشعر من الأنا إلى بحار الجمع، فيتخذ من الأنا الفردية سلماً للصعود إلى الأنا الجمعي أو الأنا الجمعية، وعن هذا نجده يقول:

(فبي دارت الأفلاك فاعجب لقطبها  *** المحيط بها والقطب مركز نقطةِ

ولا قطبَ قبلي عن ثلاث خلفته **** وقطبية الأوتاد عن بدليتي) .

4 ـ الاتَّجَاهُ صَوْبَ القَلْبِ:

وإن كان حديث المعرفة قد تم الإغفال عنه كرهاَ من جاب الذين اهتموا بتاريخ التصوف الإسلامي لاسيما  عند الإشارة إلى عمر بن الفارض كونه شاعراً، فإن تجربة العشق الإلهي هي الأبرز والأكثر حضوراً ونحن إزاء سلطان العاشقين، ولما لا، وقصائد عمر بن الفارض تحتل المكانة الكبرى في أشعار المتصوفة من ناحية، وقصائده التي تناولت هذا المنحى لها النصيب الأكبر من الاحتفاء والاهتمام نقداً وإنشاداً ودراسة من ناحية أخرى، يقول عمر بن الفارض:

(شربنا على ذكر الحبيب مدامة **** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

لها البدر كأس وهي شمس يديرها *** هلال وكم يبدو إذ مزجت نجم

ولولا شذاها ما اهتديت لحانها *** ولولا سناها ما تصورها الوهم)

والمحبة عند الصوفية أمر يحتاج إلى تفسير دائم لاسيما وأن كثيراً من الأقلام المتطرفة تأخذه بجانب يخرج صاحبه عن الملة والمعتقد، فالحب عند أهل الحب وهم المتصوفة الأماجد حب لله وهو كما قال عنه الإمام المحاسبي حب محكم رصين، ودوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله، وقطع كل شاغل شغل عن الله، وتذكار مستدام للنعم . وللإمام المحاسبي نص في ذلك، يقول فيه: " إنَّ أَوَّلَ الْمَحَبَّةِ الطَّاعَةُ وَهِيَ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ حُبِّ السَّيِّدِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ كَانَ هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَ عَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَدَلَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ عَلَى غِنَاهُ عَنْهُمْ فَجَعَلَ الْمَحَبَّةَ لَهُ وَدَائِعَ فِي قُلُوبِ مُحِبِّيهِ، ثُمَّ أَلْبَسَهُمُ النُّورَ السَّاطِعَ فِي أَلْفَاظِهِمْ مِنْ شِدَّةِ نُورِ مَحَبَّتِهِ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ عَرَضَهُمْ سُرُورًا بِهِمْ عَلَى مَلائِكَتِهِ حَتَّى أَحَبَّهُمُ الَّذِينَ ارْتَضَاهُمْ لِسُكْنَى أَطْبَاقِ سَمَوَاتِهِ نَشَرَ لَهُمُ الذِّكْرَ الرَّفِيعَ عَنْ خَلِيقَتِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ مَدَحَهُمْ، وَقَبْلَ أَنْ يَحْمَدُوهُ شَكَرَهُمْ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ أَنَّهُ يَبْلُغُهُمْ مَا كَتَبَ لَهُمْ، وَأَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ إِلَى خَلِيقَتِهِ وَقَدِ اسْتَأْثَرَ بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَّ أَبْدَانَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْخَلِيقَةِ، وَقَدْ أَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ خَزَائِنَ الْغُيوبِ، فَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِمُوَاصَلَةِ الْمَحْبُوبِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ وَيُحْيِيَ الْخَلِيقَةَ بِهِمْ أَسْلَمَ لَهُمْ هِمَمَهُمْ، ثُمَّ أَجْلَسَهُمْ عَلَى كُرْسِيِّ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَاسْتَخْرَجُوا مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْمَعْرِفَةَ بِالأَدْوَاءِ وَنَظَرُوا بِنُورِ مَعْرِفَتِهِ إِلَى مَنَابِتِ الدَّوَاءِ، ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مِنْ أَيْنَ يَهِيجُ الدَّاءُ، وَبِمَا يَسْتَعِينُونَ عَلَى عِلاجِ قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِإِصْلاحِ الأَوْجَاعِ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِمْ فِي الرِّفْقِ عِنْدَ الْمُطَالَبَاتِ، وَضَمِنَ لَهُمْ إِجَابَةَ دُعَائِهِمْ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ نَادَى بِخَطَرَاتِ التَّلْبِيَةِ مِنْ عُقُولِهِمْ فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِهِمْ، أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: " يَا مَعْشَرَ الأَدِلاءِ، مَنْ أَتَاكُمْ عَلِيلا مِنْ فَقْدِي فَدَاوُوهُ، وَفَارًّا مِنْ خِدْمَتِي فَرُدُّوهُ، وَنَاسِيًا لأَيَادِيَّ وَنَعْمَائِي فَذَكِّرُوهُ، لَكُمْ خَاطَبْتُ لأَنِّي حَلِيمٌ، وَالْحَلِيمُ لا يَسْتَخْدِمُ إِلا الْحُلَمَاءَ وَلا يُبِيحُ الْمَحَبَّةَ لِلْبَطَّالِينَ ضَنًّا بِمَا اسْتَأْثَرَ مِنْهَا إِذْ كَانَتْ مِنْهُ وَبِهِ تَكُونُ فَالْحُبُّ لِلَّهِ هُوَ الْحُبُّ الْمُحْكَمُ الرَّصِينُ، وَهُوَ دَوَامُ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِلَّهِ وَشِدَّةُ الأُنْسِ بِاللَّهِ، وَقَطْعُ كُلِّ شَاغِلٍ شَغَلَ عَنِ اللَّهِ، وَتَذْكَارُ النَّعَمِ وَالأَيَادِي وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالْجَوْدِ وَالْكَرَمِ وَالإِحْسَانِ اعْتَقَدَ الْحُبَّ لَهُ إِذْ عَرَفَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَرَّفَهُ بِنَفْسِهِ هَدَاهُ لِدِينِهِ، وَلَمْ يَخْلُقْ فِي الأَرْضِ شَيْئًا إِلا وَهُوَ مُسَخَّرٌ لَهُ وَهُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِذَا عَظُمَتِ الْمَعْرِفَةُ وَاسْتَقَرَّتْ هَاجَ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَثَبَتَ الرَّجَاءُ، قُلْتُ: خَوْفًا لِمَاذَا ؟ وَرَجَاءً لِمَاذَا ؟ قَالَ: خَوْفًا لِمَا ضَيَّعُوا فِي سَالِفِ الأَيَّامِ لازِمًا لِقُلُوبِهِمْ، ثُمَّ خَوْفًا ثَابِتًا لا يُفَارِقُ قُلُوبَ الْمُحِبِّينَ خَوْفًا أَنْ يُسْلَبُوا النِّعَمَ إِذَا ضَيَّعُوا الشُّكْرَ عَلَى مَا أَفَادَهُمْ، فَإِذَا تَمَكَّنَ الْخَوْفُ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَشْرَفَتْ نُفُوسُهُمْ عَلَى حَمْلِ الْقُنُوطِ عَنْهُمْ، هَاجَ الرَّجَاءُ بِذِكْرِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ، فَرَجَاءُ الْمُحِبِّينَ تَحْقِيقٌ، وَقُرْبَانُهُمُ الْوَسَائِلُ، فَهُمْ لا يَسْأَمُونَ مِنْ خِدْمَتِهِ، وَلا يَنْزِلُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلا عِنْدَ أَمْرِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ لَهُمْ بِحُسْنِ النَّظَرِ " .

ويختتم الكلام عن عمر بن الفارض سلطان العاشقين بإطلالة على عجل بأبيات رائعة من قصيدته " تِه دلالاً " والمعروفة بالدالية:

تِهْ دَلاَلاً فأَنْتَ أهْلٌ لِذَاكا

                   وتحَكّمْ فالحُسْنُ قد أعطاكا

ولكَ الأمرُ فاقضِ ما أنتَ قاض

                           فَعَلَيَّ الجَمَالُ قد وَلاّكَا

وتَلافي إن كان فه ائتلافي

                        بكَ عَجّلْ به جُعِلْتُ فِداكا

وبِمَا شِئْتَ في هَواكَ اختَبِرْنِي

                   فاختياري ما كان فيِه رِضَاكَا

فعلى كُلّ حالَةٍ أنتَ مِنّي

                      بيَ أَوْلى إذ لم أَكنْ لولالكا

وكَفَاني عِزّاً بحُبّكَ ذُلّي

                    وخُضوعي ولستُ من أكْفاكا

وإذا ما إليكَ بالوَصْلِ عَزّتْ

                   نِسْبَتِي عِزّةً وصَحّ وَلاكا)

              ***

الدُّكْتُور بَلِيْغ حَمْدِي إسْمَاعِيْل

أسْتَاذُ المَنَاهِجِ وطَرَائِق تَدْرِيْسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ الإسْلامِيَّةِ (م)

كُلِّيَّةُ التَّرْبِيَةِ ـ جَامِعَةُ المِنْيَا

 

 

صادق السامرائيمنولوج النفس الفاعل في أجيال الأمة رثائي بكائي جنائزي، ويبدو كنمطية سلوكية جاثمة على وعي الناس منذ عصور بعيدة، ولايزال للرثاء والبكاء دورهما في بناء التفاعل الجمعي في مجتمعاتنا، المنكوبة بالدموع والدماء والأنين والتشكي المتدفق الذي لا يعرف الإنقطاع.

وهذه القصيدة الرثائية الذاتية تختصر ديناميكيات التفاعل النفسي القابضة على سلوكنا، وما تتسبب به من تأثيرات وتداعيات مأساوية قاتمة، تتكثف في كلمات وعبارات مشحونة بالعواطف والمشاعر والتمنيات السرابية المستحيلة النوال، فواقعنا النفسي يطارد خيط دخان، أو يلهث وراء سراب.

والقصيدة ملحمة موتية يسكب فيها الشاعر ما يعتريه وهو يتقدم نحو الموت الداب في عروقه والمتمكن من وجوده، والذي يخبره بأن النهاية قد أزِفَت، وعليه أن يلتحف التراب، ويذوب فيه كالسابقين واللاحقين، لكنه إنسان يتمحور حول ذاته ويغوص منفردا في موضوعه.

وفي قصيدته يسجل مراحل المواجهة مع الموت بدقة متناهية، ويكتشفها قبل أن يتكلم عنها الإختصاصيون النفسيون في القرن العشرين، والتي تشتمل على النكران والغضب والمساومة والكآبة والقبول.

وفي هذه اللحظات الوجيعة تنثال الذكريات ويستيقظ ما في الأعماق من مطمورات، وتجد الإنسان في مواجهة صارخة مع الحياة بما فيها وما عليها، وما يتصل بها من مرغبات ومنغصات، إنها يقظة الموت التي عندما تجتاح البشر تضعه على شفا مفترق طرق رهيب.

 الموت الذي تهرب منه المخلوقات لتسقط في حبائله وتنتهي كما يريد، فلا قدرة لمخلوق على الفرار من الموت، إلا بالموت الواعد بما هو أرقى وأسمى من الحياة الدنيا، وهذه الكينونة التصورية المتحكمة بالبشر تساهم في تهذيب سلوكه، وأخذه إلى مدارات الرؤية القادرة على إستجلاء المخاوف والتوجسات المرعبة، التي تجثم على وعيه وتقضي بنفيه من الدنيا وإطعامه للتراب.

وحالما يكون البشر في مواجهته الأخيرة مع الحياة بعد أن تحاوطه الموت وأطبق عليه، يتفاعل بآليات تكاد تكون متشابهة، وفي هذه القصيدة إختصار مكثف لمعنى أن يتقدم البشر نحو الموت مرغما بسبب، وأسباب المنايا لا تعد ولا تحصى.

يبدأ الشاعر قصيدته بالتمني المستحيل، وكأن ما كان قد حضر أمامه حيا نابضا ومتوهجا، فاستشعر طيبته ولذته وقيمته التي ما كان يعرفها من قبل، فقيمة الأشياء الماضية تنبض في وعيه ووجدانه وتستعيد حيويتها وكأنها تطمئنه بأنه من الأحياء.

فيقول:

الا ليت شعري هل أبيتن ليلةً

بوادي الغضى أزدي القلاص النواجيا

فليت الغضى لم يقطع الركب عرضه

وليت الغضى ماشى الركاب لياليا

لقد كان في أهل الغضى لو دنا الغضى

كزارٌ ولكن الغضى ليس دانيا

هنا يستحضر لذة السعادة القصوى التي أغفلها، فرائحة الحطب وطعم أجيجه وصور نيرانه تتفتح في ذهنه وتشرق في نفسه فيعيشها بعذوبة ونشوة خارقة، وترتسم في وعيه لوحة تلك الأيام بلياليها ومفرداتها ومعطياتها، وما يساهم بإبداعها وتلوينها وتحبيبها وبلوغها ذروة الجمال والإفتنان.

وفي هذا نزوع نحو الماضيات الطيبات، وهو نوع من التحليق والهرب من الواقع الذي يعيشه، والحرمان الذي يقاسيه، وكأنه السمكة التي غادرت بيئتها المائية، وراحت تلفظ أنفاسها، منتظرة مَن سيتلذذ بطعم لحمها.

أ لم ترني بعت الضلالة بالهدى

وأصبحتُ في جيش إبن عفان غازيا

وأصبحتُ في أرض الأعادي بعدما

أراني عن أرض الأعادي قاصيا

وقصة البيتين معروفة، فهو كان جميل الطلعة قويا مهابا، إحترف مهنة قطاع الطرق، فأقنعه سعيد إبن عثمان بن عفان لترك ذلك والتوجه معه لغزو خراسان، ففعل، وكأنه يريد القول أن ثمن إهتدائه أن يكون بعيدا عمّا يحبه ويهواه، أو أنه إرتضى الإنضمام للحملة تعنيفا لنفسه، وتكفيرا عمّا إقترفه من جرائم بحق الأبرياء الذين كان يسلبهم وربما يقتلهم.

 ويظهر الندم واضحا وتأنيب الضمير، وشعوره بأن حياته التي يتهم إبن عفان بخطفها منه كانت أسهل وأهنأ، وفيها ما ينشده ويتلذذ به من القوة والقدرة على إستلاب الآخرين، والإتيان به لأهله وهم فرحون بما غنمه وجناه من المؤن والمتاع.

وكأنه يقارن بين ما كان يجمعه من حرفة قطاع الطرق وما يغنمه في الغزو، والفرق أن ما جناه من الغزو لا قيمة له لأنه بعيد عن الأهل والأحبة، ولا يقدم له شعورا بالقوة والقدرة على التحكم بمفردات الحياة، وما يمنحه محبيه له من مشاعر إيجابية ذات قيمة تلذذية تزيد من حماسته ونشوته.

دعاني الهوى من أهل أودَ وصحبتي

بذي (الطِبسين) فالتفتُّ ورائيا

أجبتُ الهوى لما دعاني بزفرةٍ

تقنَّعتُ منها أن ألامَ ردائيا

أقول وقد حالت قرى الكُرد بيننا

جزى الله عمرا خيرَ ما كان جازيا

الغربة تلتهب وتتأجج في هذه الأبيات التي تنسجر فيها نفس الشاعر وروحه، بما إلتهب من جمر الشوق والهوى، وما كان منه إلا أن يطلق زفرة ألم وحسرة وخيبة، فهي الجواب الأصوب على نداءات الهوى المتوقدة في دنياه، وراح يصف تفاعله مع صرخاته وصيحاته المدوية في أعماقه، حتى صار يخشاها ويتوهم بأنه سيتفاداها بتغطية وجهه بردائه، الذي ربما حسبه قد أجّ من حرارة الحسرات المنتدفقة من تنور صدره.

وحالما تبين له أن المسافة طويلة وأنه أصبح في حالة لا تعينه على الخطو والحياة، إتجه إلى الله الذي يرى أن بيده مقادير مُجازاة عمره الذي أفناه، وها هو على حافة الفناء المبيد.

إنِ الله يُرجعني من الغزو لا أرى

وإن قلّ مالي طالبا ما ورائيا

تقول إبنتي لما رأت طول رحلتي

سِفارُكِ هذا تاركي لا أبا ليا

لعمري لئن غالت خراسان هامتي

لقد كنت عن بابَي خراسان نائيا

فإن انجُ من بابَي خراسان لا أعد

إليها وإن منَّيتموني الأمانيا

وتمثل هذه الصورة حالة التمني المستحيل الذي يعلقه على الله الذي يتمنى أن يشافيه ويعيده إلى موطنه، وتنثال ذكريات لحظة فراقه لأهله وإلتحاقه بالغزو، ويعاتب نفسه ويعنفها، فهو الذي كان بعيدا عن خراسان فكيف به يكون على أبوابها، ويُصاب بما أصيب به من دواعي الموات والإحتضار القاسي، منقطعا عن مشيمة وجوده وحبل وصاله بالحياة التي عشقها وقاتل فيها.

كما أنه يُظهر من المشاعر السلبية والغضب والتذمر المؤلم لأنه تورط بوجوده في خراسان، ولو تجاوزته المنية وتمكن من الرجوع إلى أهله فأنه لن يعود إليها أو يلتفت لذكرها، لأنها أوجعته ووضعته في مواجهة متوحشة مع مصيره المحتوم.

فلله درّي يوم أترك طائعا

بنيّ بأعلى الرَّقمتين وماليا

ودرُّ الظبَّاء السانحات عشية

يُخَبرنّ أنّي هالك مَنْ ورائيا

ودرُّ كبيريَّ اللذين كلاهما

عليَّ شفيقٌ ناصح لو نهانيا

ودرّ الرجال الشاهدين تفتكي

بأمريَ الاّ يَقْصُروا من وَثاقيا

ودرّ الهوى من حيث يدعو صحابتي

ودرُّ لجاجاتي ودرّ انتهائيا

ويعود محاورا نفسه ومطمئنها بأن ما قام به في سبيل الله، فهو خرج مجاهدا في سبيله، وقد حقق هذا السلوك وعبّر عنه بقوة وصدق وإخلاص وإيمان مطلق، لكنه في ذات الوقت يعود إلى موطنه الأصلي ويتذكر الحياة فيه، وأن موته قد أنقذ الظباء من قسوته وكأنها تحتفل بهلاكه، لأنها نجت من سطوته ومهارته في صيدها.

ويمضي على هذا المنوال ليشمل كبيريه والرجال في بلاده، وحتى الهوى الذي يطعمه من نضارة قوته وعنيف ما عنده من الطاقات الفياضة.

تذكرتُ مَن يبكي عليّ فلم أجد

سوى السيف والرمح الرُّدينيّ باكيا

وأشقرَ محبوكا يجرُّ عنانه

إلى الماء لم يترك له الموتُ ساقيا

ويرى أنه لو كان بين أهله لبكى عليه مَن بكى، ولكنه يواجه نهايته الأليمة في غربته ووحشته ، ويتصور أن حصانه وسيفه ورمحه ستبكيه فيستعيض بها عمّن سيبكيه لو كان بين أهله وعشيرته.

ولكن بأطراف (السُّمينةِ) نسوةٌ

عزيزٌ عليهنَّ العشيةَ ما بيا

صريعٌ على أيدي الرجال بقفرةٍ

يُسوّون لحدي حيث حمّ قضائيا

ولما تراءت عند مَروٍ منيتي

وخلَّ بها جسمي، وحانت وفاتيا

أقول لأصحابيْ ارفعوني فإنّه

يَقّرُّ بعيني أنْ (سهيلٌ) بدا ليا

لكنه في مكان بعيد مقفر خالٍ من الأحبة والمعارف الذين سيشاركون بتشيعه وحمله إلى مثواه، ولا يجد سوى بعض الرجال الذين يعالجون إنحداره نحو حتفه المحتوم، والذي سيحل به بعد ساعات أو بضعة أيام، فهو يشعر بأن الموت أزف وهو ميتٌ لا محالة، ويُقال أنه لُدغ بأفعى أو طُعن في الحرب، فأحس بالموت يسري في عروقه ويخطف قواه وقدرته على البقاء.

ويبدو قد توطنه شعور غريب أن يكون بعيدا عن التراب الذي سيلتهمه ويفنيه، فيحلم بأن يكون مرفوعا أو نائيا عن ملتهمه الشرس، وياليته كان قرب أبعد نجم في السماء، وفي هذا تعبير عن تمام بنيته وجماله، وما يفتعل فيه من نرجسية لا تزال مؤثرة بسلوكه.

فيا صحابيْ رحلي دنا الموتُ فانزلا

برابيةٍ إنّي مقيمٌ لياليا

أقيما عليَّ اليومَ أو بعضَ ليلةٍ

ولا تُعجلاني قد تبين شانيا

وقوما إذا ما استلَّ روحي فهيّئا

ليَ السدرَ والأكفانَ عند فنائيا

وخطا بأطراف الأسنةِ مضجعي

ورُدّا على عينيَّ فضلَ ردائيا

يفترش موتا ويتخيل روحا تفيض من بدنه، ويرغب أن يحفروا له قبرا بالرماح فهو المقاتل المغوار، الذي يأبى أن يُحفَر قبره بالمعاول والمساحي، وفي هذا تعبير عن سمو ذاته وعلو همته، وأنه يواجه الموت بإباء وأنفة وإقدام مقاتل همّام.

ولا تحسداني باركَ الله فيكما

من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا

خذاني فجراني بثوبي إليكما

فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا

وقد كنت عطّافا إذا الخيل أدبَرَت

سريعا لدى الهيجا إلى مَن دعانيا

فطورا تراني في ظِلالٍ ونعمةٍ

وطورا تراني والعِتاق ركابيا

ويوما تراني في رحا مستديرةٍ

تُخَرّقُ اطراف الرماح ثيابيا

في هذه الأبيات وصف دراماتيكي لقبول الموت الذي سيأتيه، ويرغب بقبر واسع، وعليهما أن يأخذانه بثوب ويجرانه كتعبير عن وصوله إلى ذروة التفاعل مع الموت، ففي الحياة كان صعب القياد والمراس ولديه قوة طاغية وقدرة قتالية عالية، ولا يهاب ويندفع للقتال بشراسة وعنفوان، والآن قد خمدت قواه وخارت عزيمته، وما عاد بدنه يتوافق مع إرادته المستعرة، فتجده وكأنه نار ملتهبة تأكل ذاتها وتنتهي إلى رماد، فهو يريد معالجة رماد وجوده كما يتصوّر.

وقوما على بئر السُّمينة أسمِعا

بها الغُرَّ والبيضَ الحسان الرَّوانيا

بأنّكما خلفتُماني بقفرةٍ

تهيل عليّ الريحُ فيها السوافيا

ولا تنسيا عهدي خليليَّ بعد ما

تقطّعُ أوصالي وتَبلى عظاميا

ولن يَعدم الوالون بثّا يصيبهم

ولن يعدم الميراثُ منّي المواليا

وتبدأ المناجاة والمعاتبات الفياضة الحارقة القاسية التي تلهب البدن وتزعزع خلاياه، فيدب شعورٌ ساخن في عروقه يستحضر ذكريات متوافقة مع درجة سخونته.

وكأنه يتخذ من الإسقاط آلية للتعبير عن وجيعه في قفرة وبُعدٍ ووحشةٍ تتناهبه فيها الرياح وتأتيه بما لا يرغب ويحب، ويصدح برجاء التواصل حتى بعد الموت ويأمل بزيارة وتذكر جميل، وإستحمام بالمشاعر والأحاسيس المبثوثة بحرقة وتألّم.

يقولون : لا تبعَدْ وهم يدفنونني

وأين مكان البعد إلا مكانيا

غداةَ غدٍ يا لهفَ نفسي على غدٍ

إذا أدلجوا عنَي واصبحتُ ثاويا

وأصبح مالي من طريفٍ وتالدٍ

لغيري وكان المال بالأمس ماليا

وهنا يتصور أن أصحابه يخاطبونه وهم يدفنونه لشدة تأثرهم بوجيع غربته، فيقولون له لا تبعد، فأنت لست غريبا، ويرى أنهم سيدفنونه ويرحلوا عنه وكأنه نسيا منسيا، وكل ما عنده سيصبح لغيره، وتلك حكاية الحياة بإختصار حزين.

فيا ليتَ شعري هل تغيّرت الرحا

رحا المِثل او أمست بفَلْوَجٍ كما هيا

إذا الحيّ حلوها جميعا وأنزلوا

بها بقرا حُمّ العيون سواجيا

رَعينَ وقد كاد الظلام يُجّنها

يَسُقنَ الخزامى مرّةً والأقاحيا

وهل أترك العيس العَواليَ بالضُّحى

بِرُكبانها تعلو المتان الفيافيا

إذا عُصَبُ الرُكبان بين (عُنيزةٍ)

و(بولانَ) عاجوا المُبقيات النَّواجيا

وتمضي التداعيات ويقظة الذكريات المطمورة في أعماقه، ويتواصل إنثيالها بإندفاقية متسارعة، كأنها تسابق اللحظات لأنه ينحدر بسرعة على سفوح الغاديات، ويقترب شيئا فشيئا من مثواه الأخير.

فيا ليتَ شعري هل بكت أم مالكٍ

كما كنتُ لو عالوا نَعيَّك باكيا

إذا متُّ فاعتادي القبور وسلِّمي

على الرمس أسقيتِ السحاب الغَواديا

ويحسب أن أم مالك ستبكي كما لو بكى عليها إذا نعوها إليه، وبذلك يعبّر عن حبه الشديد لإمرأة قد تكون زوجته التي تركها ومضى غازيا، ويرى أنها ستعتاد على زيارة القبور، لكن قبره في قفرة نائية، ولن تسترشد إليه لأنه سيمحى مع الزمن وبسبب الرياح العاديات.

على جَدَثٍ قد جرّتِ الريحُ فوقه

تُرابا كسَحق المَرْنَبانيَّ هابيا

رهينة أحجارٍ وتُرْبٍ تضمَّنت

قراراتُها منّي العِظامَ البواليا

فيا صاحبا إما عرضتَ فبلِغا

بني مازن والرَّيب أو لاتلاقيا

وكأنه يبلغ صاحبه رسالة إخبار لأهله بأنه قد مات وتم دفنه، فهو رهين الحجارة والتراب وستبلى عظامه ويغيب كالسابقين واللاحقين من البشر.

وعرِّ قلوصي في الركاب فأنها

ستفلقُ أكبادا وتُبكي بواكيا

ويتخيل أن فرسه سيبكي عليه، إن لم يبكه أحد في هذا العالم الذي يواجه الموت فيه لوحده مغتربا في فلاة الله الواسعة.

وأبصرتُ نار (المازنياتِ) مَوْهِنا

بعلياءَ يُثنى دونَها الطّرف رانيا

بعودٍ ألنْجوجِ أضاءَ وقودُها

مها في ظِلال السِّدر حورا جوازيا

غريبٌ بعيدُ الدار ثاوٍ بقفرةٍ

يدَ الجهر معروفا بأن لا تدانيا

عند إقتراب الموت تتداعي المشاهد والذكريات، وكأن البشر كان نائما فإجتاحته إنتباهة عارمة عصفت بكيانه وزعزعت أركان وجوده، وأوجعته بطاقاتها التحفيزية المطلبية التي تريده أن ينجز ما لا يستطيع إنجازه في لحظة يقظة الموت.

أقلب طرفي حول رحلي فلا أرى

به عيون المؤنساتِ مُراعيا

وبالرمل منّا نسوة لو شهدْتني

بَكينَ وفدَّينَ الطبيب المُداويا

فمنهن أمي وإبنتايَ وخالتي

وباكيةٌ أخرى تهيجُ البواكيا

وما كان عهدُ الرمل عندي وأهله

ذميما ولا ودّعتُ بالرمل قاليا

وراح يقيم مأتما إفتراضيا متخيلا يراه شاخصا ومتصاخبا ونائحا على فقده المأساوي المفاجئ الذي ما كان يتوقعه، وأنه ذلك القوي الشجاع العامر البنية والهيئة والجمال، وإذا به يتهالك ويتهاوى فوق التراب، وكأنه يجذبه ويسعى لإلتهامه وإبادة وجوده المادي فوقه.

وفي هذه المرثية الذاتية يعبّر عن مراحل الموت التي دبّت في عروقه وصاغها بمهارة شعرية، إستلهمت واقع مكانه وزمانه، وأرّخت لرحلته التي إنطلقت من الضلال إلى الهداية، ومن فعل الشر إلى الجهاد في سبيل نشر الدين والتضحية في سبيل الله، وقد أجاد بروحه من أجل ذلك الهدف السامي النبيل.

وتلك محاولة لقراءة القصيدة بمنظار نفسي وإقتراب مكثف ومختصر، أرجو أن يكون موفقا ومنصفا لهذه القصيدة العصماء!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

انعام كمونة للشاعر دكتور وليد العرفي

القصيدة الحديثة امتداد لتاريخ أدبي عريق للشعر العربي القديم، والقصيدة العربية الموزونة تراث أدبي أصيل رغم تضارب الآراء واختلاف المشارب لمتذوقيها وروادها باختلاف العصور،  وسابقا كانت عناوينها تنسب لحرف الروي فتسمى بـ التائية أو الرائية اما الحديثة فقد أصبح العنوان من العناصر المهمة بصيغته البنيوية ودلالته الموحية،  وقصيدة الشاعر دكتور وليد العرفي قصيدة معاصرة موزونة بالبحر الفراهيدي الطويل،  يتكون هيكل القصيدة من 23 بيت نستقرأ بعضها ونبحر في ضفاف بحرها...

-  يُعد العنوان للقصيدة أو النص الأدبي استراتيجية تقنية لاستفزاز ذائقة القارئ،  لأنه اللبنة الأولى لبنية النص وحلقة الوصل للتوقع عن مغزى القصيد،  منه تضئ الدلالة وتتسع أو تنحسر فتغيب،  واستجلاء المتلقي لسمة العنوان (رمز أو علامة أو اشارة) كمفردة أو مجاز،  ببنيته الدلالية وتركيبته الفنية وتعبيراته الشعرية،   تتمظهر طوبوغرافية الفكرة كخطوة ممهدة لتوتر ذهن القارئ لاستقبال بقية العتبات للتفسير او التأويل.....

-  العنوان(بيتي) استهلال جميل بدال لفظي سهل وصيغة حيوية الوقع حميمية الشعور بإيقاع سمعي لألفة محببة ذات تأثير نفسي مريح،  فمن بنية العنوان يتبادر لذهن القارئ العمق الدلالي المادي والمعنوي لرمز تراث خصب الإيحاء بأصول انتماء اجتماعي وثقافي وسياسي لذات مكان عام أو خاص باستمرارية الزمن،  فلكل كيان وجود بيئة زمانية ومحيط مكاني هو ملاذ  طبيعي مرتبط به بهوية تاريخية وجغرافية، ولأن الله خلق الأنسان اجتماعي بطبعه كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)*1،  وكما يشي العنوان بصيغته المختزلة لمأوى عاطفي تلجأ له الروح كملجأ للحواس بما يوحي بالشعور النفسي لضرورة عيش مستقر لتطمئن النفس وتكتفي الذات،  فالبيت هو طموح استحقاقي لا يخلو من فكر اي إنسان ...

- ورغم ان بنية العنوان من مفردة واحدة،  الا انه معجمية (بيتي) رمزية بهيمنة مكانية مشتملة كل الازمان متداولة الألسن،  تداولية التواصل بتفاعل الوعي،  لها قدسية واسعة الايحاء في كيان الوجود الإنساني بأصالة انتماء،  فالبيت لبنات حياة،  و(الياء) : ضمير المتكلم يدلُّ على خصوصية التملك الفردي والجمعي، ، فالعنوان وقفة تأمل بحد ذاته القريبة والبعيدة،  بظاهرهِ وباطنهِ لما يُوحي بدلالات عدة تضمّن الاحتواء والدفء والذكرى والأمان،  تُعوم في ثنايا ذهن القارئ،  فيسترجع دقائق عمره ....

- ندرك من العنوان (بيتي) هو المعادل الشعري لمنطلق الفكرة،  ومن براعة الشاعر توظيف العنوان كثيمة للقصيد ليفتح شهية القارئ لتأويلات رؤياه،  لاستنطاق أبعاد الدلالة فضول تساؤل لمتعة أدبية،  فهل يشي الشاعر لمكان يسكنه أو وطن رحل عنه ..، لربما ما زال يسكنه.. قد يكون البيت يسكن نجوى الشاعر،  فأي مكان يعني..؟،  لربما ما اشتمل على الأحاسيس الدافئة كالعائلة أو الحبيبة فهما الوجدان الحاضر في العقل والقلب،  ولربما جميعهم هم بيته،  فما المقصود بجوهر رؤياه ... يستوقف القارئ استفهامه لاستجلاء أبعاده المتوارية،  فيتسلق بقية العتبات لينهل من فحوى الإيحاء ويستنير بباقي القصيد...

- نسترسل لجسد القصيد ونستقرأ بعض رؤى الشاعر لاستكناه مكنوناته

أعودُ إلى بيتي غريباً وما درى     بما كنْتُ ألقاهُ ببُعدي وما جرى

 فما مرَّ يومٌ دونَ ذكرى وغصَّةٍ     وما ذقْتُ طعمَ الفرحِ إلَّا تمرمرا

 وأنّيَ في بُعدي القريبُ بلهفتي     وما اخترْتُ بُعدي طائعاً كنْتُ مُجبرا

- استهل الشاعر قصيدته بتركيب لفظي لجملة فعلية بالفعل المضارع (أعود) باستمرارية تواجد مقترن بجار ومجرور (بيتي) لأقول بياء الانتماء للشاعر فيعود بعد طول غياب موجها خطاب للبيت،  الا أنه يصف نفسه غريبا،  فلما هذا الشعور..؟،  ان للبيت دلالة لإشباع الأنا فاعلة التأثير مرتبط بالأحاسيس الإنسانية وهوية نفسية طبيعية لامتداد الأجيال،  ولنصغي لهذه المناجاة العذبة الأحاسيس لحبيب يسمعه وينتظر رجوعه بما أضفى عليه من حسية الفعل وأنسنة الحواس كائن واعي فينقل له صورة معاناة الماضي في الغربة كما في (بما درى / وما جرى) أفعال خبرية عن لوعة الاشتياق في البعاد، وكأنه يقدم له الأعذار ويلتمس الأسباب،  هي محاكاة الروح للروح الا وهو قوة الارتباط بالمكان وعلاقته ببيته،  وأن ثنائية التضاد الزمني بين الأفعال انعكاسية للشعور كما في  (أعود/ والبعد) تتمثل بما يؤكده الحضور أعود وما يؤكده الغياب البعد،  والذي يدعو القارئ للتساؤل ان الشاعر ما زال في مرارة الغربة وهو في بيته،  لأنه مجبر على الرحيل ؟...

- نتوقف على مقاربة للحواس افصحت عما نزل به من مكروه بتوظيف أفعال حسية  كما في (ما مر/ ما ذقت) استمرارية مرارة الغربة يحيلنا الى ثنائية حسية بليغة التعبير في (غصة / فرح) بتناقض ملموس  فالغصة مرارة التذوق إحالة تأكيد شعور بالحزن وضد الفرح شعور البهجة،  اجاد الشاعر بتكثيف بلاغة  الصورة وجمال التعبير بعمق الإشارة لطعم الغربة باستعارة الشعور بعامل الحواس ...

- وما زال الشاعر ينقل احاسيسه ويستمر تأكيد غربته في و(إني) بذاتية الموضوع،  ويستمر بحواره المجروح ومنه يبدو لنا ثنائيات تضادية زمكانية ايضا ما بين حضور وغياب كما (في بُعدي القريبُ)، وثنائية اخرى تتمظهر في حسية الشعور الإنساني المضطهد في (طائعاً / مُجبرا) تتوهج دلاليا بوجع الذات،  ونستشعر ما بين وجع قسري وحرمان لذة التواجد في الوطن معاناة إنسانية، وإرغامه على الرحيل والاغتراب الذي يتقد باللوعة والحنين لذكريات الطفولة المبنية في تراب الوطن...

- أما حالة الحضور تتمركز بسيمائية عاطفية كما في معجمية (لهفتي) والتي يوكده الضمير المتصل الياء، فهي صيغة جمالية لصفة حسية توحي الى قوة الانتماء لواقعه،  فكلاهما ارتكز عليهم الشاعر كمعادل موضوعي لرصد الزمن المتفاوت بين الماضي والحاضر بعاطفة وجدانية وبصورة فنية التشكيل حماسية  الشعور مؤلمة الدلالة تفتح افق التأويل، ولبث مشاعره الجياشة بالوجع استخدم الشاعر صورة مكثفة بليغة التعبير بتركيبة فنية رائعة النسجة  ...

- لنعود الى أبيات أخرى ونستنطق جمال الشعور الدافئ ...

 فجلْتُ بِهِ عيني أراقِبُ ساحَهُ        وفي الأرضِ بلّورُ الشَّبابيكِ بُعثرا

وفي البابِ مفتاحُ الحنينِ يهزُّني      وقدْ أسقطَ الرُّكنُ العزيزُ وهرهرا

ومِنْ سقفِهِ المودي إلى عرصاتِهِ     رأيْتُ بهِ وجهَ السَّماءِ مُنوّرا

- وتستمر المناجاة بوقفة وجع مرئية ومواجهة فعلية مؤثرة روحيا،  تسرح رؤى القارئ لمتابعة مشهد سينمائي أجاد الشاعر تصويره،  فيراه على شاشة رؤاه بذهنية الذهول،  فبما يجول الشاعر..؟ يجول بروحه في ثنايا البيت ففي (جلتُ) يتراءى للقارئ طواف عينيه وقلبه بشغف ملهوف ليشبع حواسه من بيته بعد فراقه القسري،  فها هو الآن يحتضن كل جزء من أجزاء المكان بروح مشتاق ولا يكتفي ولكن ماذا يرى..؟...

 -  لنعير رؤانا لحركية الصورة بتداخل الحواس لنسترسل بدينامية (مفتاح الحنين) بارتجاف كيانه الشعوري،  ليشي بدلالة أول خطوة على تراب الوطن،  فالخشوع في حضرة قبلة البيت إحساس وجداني مقدس،  فكل ذره من جزيئات العمر تبلورت نواة حنين،  ومشاعر الحنين للشاعر هي المعادل الموضوعي للبيت/ الوطن،  وهي الدافع الأول والمحفز الأقوى للرجوع لمسقط جذوره،  فنستذكر قول الشاعر أبو تمام (كم منزل في الأرض يألفه الفتى  وحنينه أبداً لأول منزل)*2،  فالحنين عاطفة انسانية قوية الجذب لأول منزل وهذا ما أوحى به الشاعر ...

- فكل من الأجزاء المادية للبيت متهدمة ومخربة ومتكسرة من (ساحة،  الأرض،  بلور، الشبابيك، الباب،  المفتاح، الركن، السقف، العرصات)هي رموز فاعلة نفسيا اشتغل عليها الشاعر بتقنية رائعة لنقل أحاسيسه فأسقط عليها كل مشاعر الشوق والحنين الملبدة بالذكرى فكانت المعادل الموضوعي بتكثيف متسع دافَ احساسه بجزيئات البيت ووظفها بلغة شعرية معبرة تحاور معنويات الروح انسانيا ونفسيا فتزيد الوجدان تعلقا وعشقا لبقعة صغيرة او كبيرة قد تكون بيتا أو وطنا  فكلاهما حبيب واحد ...

- وننحو لتكملة بقية الأبيات وما فيها من رموز الطبيعة ونستنطق دلالاتها البعيدة والقريبة...  

وشجرةَ زيتونٍ تسوّدَ جذعُها       وما اخْضرَّ منْ أوراقِها صارَ أصفرا

بكتْنيَ لمَّا أبصرتْني بدهشتي      كأنّيَ أستجدي الدُّخولَ مُحيَّرا

وقفْتُ غريباً إذْ أحاورُ مَنْ سطا       وقدْ بدَّلَ الألوانَ فيهِ وغيّرا

- وبدفقات شعورية تنبض بالألم بتشكيل جمالي لصور شعرية عابقة بخلجات النفس المتلهفة تتجلى استعارة مكانية بلغة رائقة البوح،  تتماهى بعدة دلائل تأويلية يستشفها القارئ بذهنية مستكشف لغائر الدلالة،  من خصوبة رمز شجرة الزيتون الذي يحيلنا الى مفهوم البيت والوطن،  وكما معروف لها قدسية  من ذكرها في الآية الكريمة (التين والزيتون) في القرآن الكريم، واحالة لرمز الأم التي فقدت أبناءها فلبست السواد، يقول الشاعر بودلير (على أن كل لون أو صوت أو رائحة هو انفعال تحول إلى مفهوم،  وأن لكل صورة بصرية مثيلتها في الحقول الأخر)*3، فنرى ما بنى عليها الشاعر من تاريخ الذكريات تتمثل في البيت الحنين والاحتواء،  وتأويلية عن المرأة العربية المعطاء رغم ما عانت من الاعتداء،   وما للشجرة من دلائل مثيرة لذهن القارئ فهي شجرة السلام وغصن الحرية...

- ثم نجد الشجن والحزن العميق بتحولات الزمن في الصورة المتموجة الألوان التالية (وما اخْضرَّ منْ أوراقِها صارَ أصفرا) منها تتجلى احالة لتغيرات ما يحدث في وطن الشاعر من تدمير وقتل وتخريب،  بصيرورة الحدث من الفعل (صار) نتيجة حتمية لاستمرارية التخريب،  ويبدو من الثنائية التضادية تغير الالوان احتمالات تأويلية مثل (الحرب والسلام،  الحرية والعبودية،  الحياة والموت..) وغيرها،  فمن تعدد الدلالات تفتح شهية التأويل وتنقلنا من تجربة خاصة لذاكرة عامة لعواصف الربيع العربي بانعدام السلام...

- كما منح الشاعر لشجرة الزيتون أحساس أنساني كما في  (بكتْنيَ لمَّا أبصرتْني) فالبكاء انفعال مؤثر والرؤية في البصر والاشجار صديق البشر وتاريخ  ذكرياته،  لذا فالألم ينبجس من أعماق الروح حين فراق فهي مؤرخ تاريخي لعلاقات المحيط والمناخ العائلي،  كما يبدو في الإشارة  لمن تطاولوا في تخريب البيت ب (مًن) دلالة توحي لأشخاص عدة مجهولي ومعروفي الهوية، كما في(مَنْ سطا،  وقدْ بدَّلَ،  وظنَّ بأنَّ) فالغائب هو الذي سطا وبدل وظن،  وهذا المتخفي الحاضر الغائب هو والمسبب لغربته المعتدي على ممتلكاته اذ تحول المكان على غير عهده السابق،  فشجرة الزيتون هي المعادل الموضوعي الذي اتخذه الشاعر ليسقط عليه عواطفه المحمومة بالغربة والموجوعة بتخريب بيته... 

- ولنتابع بمتعة قارئ لرموز مكتنزة بهية الإيحاء حيوية الدلالات في ... 

فها هيَ (غفرانٌ) تُضاحكُ لعبةً   وما زالَ منها الرَّسمُ يحضنُ دفترا

وصوتُ أبي في الفجرِ يُسمَع خطوهُ    يقومُ إلى ماءِ الوضوءِ مُشمّرا

-  استشهد الشاعر بماضي ذاكرته لبيته ومرتع شبابه بصورة شعرية رائعة الإيحاء تختزل زمن ماضي وحاضر ومستقبل،  مستهلها (فها هي) باستحضار رؤى بصرية تتجلى وجودها الحقيقي،  واستخدام الأفعال المضارعة (تُضاحكُ/ يحضنُ) استمرارية الزمان والمكان بإشارات حسية،  (وما زال) يشي لذاكرة مخلدة ممتدة عبر عنصر الرمز الذي وشح الصورة بأطر الطفولة وعطر البراءة،  فوظف رمز ابنته (غفران) بفنية التشكيل وجمال التعبير بقصدية بارعة،  احالة نفسية موشية لتاريخ وطن و دلالة تأويلية لأجيال المستقبل تستجلي رؤى القارئ لاستمرارية الحياة...

- بإحالة تأويلية لقوة ارتباطه بتراثه وعقائده وظف رمز (الأب) بدلالات لتاريخ جذوره،  ومدى ارتباطه بمحيطه نلاحظ اشاراته في(وصوتُ أبي في الفجرِ) مستوى صوتي اعتمد فيه على إيقاع حسي في تشكيله الصوري ب (صوت) لينقل للقارئ أجواء الطقوس الدينية،  واستعان بأحد عناصر الطبيعة بمعجمية الفجر لما لها من دلالات ثرية،  و تأويلية فجر الحضارة في وطنه،  وأردفها  بالأفعال المضارعة (يُسمًع، يقوم) لتناغم دلالي للحواس وشعور حركي حسي مستمر الإيقاع،  ليوقد الشعور في ذهن القارئ لاستذكار شعائرية الذات والانتماء الوجداني للوطن،  فيتحول خصوصية الرمز إلى عام من خلال صفة الزمن ...

-  نتابع الدلالات العميقة من استعارة رموز مختلفة بمستوى بلاغي ::-

بكى منزلي لمَّا رأى الذَّئبَ حارساً    وأنَّ قُطيطَ الحيّ فيهِ تنمَّرا

وأنَّ شموسَ الأمسِ غيرَ رواجعٍ     وأنَّ سوادَ الَّليلِ أمسى مُقدَّرا

- لما البيت يضج بالبكاء ..؟،  باستذكاره المكاني يضفي الشاعر هالة الشعور الحي بأنسنة المنزل فيقلده إياه شعوره بصورته الحسية وهو مستوى  بدلالة عكسية احالة عن استفزازه النفسي،  نستقرأ مقاربة حسية باستعارة من الطبيعة لرموز حيوانية وتشكيل صورة تجريدية،  عميقة المعنى بتشبيه خصب الدلالة اتقنها الشاعر بتضاد ثنائي ما بين رمز (الذئب) دلالة التيارات الغاصبة لأصول الوطن،  وبين استعارة رمز (القطيط) بتصغير مقصود من الشاعر دلالات تأويلية للتآمر ضد وطنه...

- ويستمر الشاعر باستذكاره الزمني للحدث بصورة استعارية، وإيحاء تشبيهي غائر مكتنز التعبير باستخدام رموز من الطبيعة للتشكيل الصوري،  فيتجلى في (شموس الأمس) هو احالة للوعي الاجتماعي باستقرار الوطن،  أما (سواد الليل) احالة لتفشي الجهل ويشي بالقتامة النفسية والكآبة الروحية،  وبدلالات تأويلية كثيرة تزدحم في ذهن القارئ بتخيله ورؤاه،  إشارة التغير الفجائي لزمن يؤكد فيما بين (الأمس وأمسى) تضاد زمني مستمر،  وكأنه يقول بين ليلة وضحاها تبدل حال الوطن فينبثق شعوره بانفعال عاطفي بيأس وقنوط ينتاب غربته،  فنستقطب من ذاتية الموضوع دلالات عامة عن كل الأوطان حاليا...

-  نستوضح  شعور الشاعر بعد ما وقف على خراب وطنه فتدفق احساسه وجعا ::-

فلوَّحْتُ بالكفِّ اليمينِ مُودّعاً    ومسَّحْتُ بالأخرى الدُّموعَ تصبُّرا

وعظَّمْتُ بالإنسانِ يسرقُ أهلَهُ    وأكبرْتُني عمَّا بفعلِهِ صغَّرا

زمانٌ بهِ صارَ الغواةُ هداتُهُ    وفي عرفهِمْ شيخُ المساجدِ كُفّرا

- نلاحظ  زخم التضاد الثنائي بتشكيل مدهش كما في(فلوَّحْتُ بالكفِّ اليمينِ/ ومسَّحْتُ بالأخرى) استعارة حركة الحواس وتوظيفها للتعبير عن مشاعر الحزن ببنية جمالية رائعة،  وبمستوى تركيبي (وأكبرْتُني عمَّا بفعلِهِ صغَّرا)تضاد باختلاف مؤتلف رائع،  ومجازات معبرة وتصوير انشائي جميل في (الغواةُ هداتُهُ/ شيخُ المساجدِ كُفّرا)،  وبإحالات زمنية متوازية ما بين ماضٍ وحاضر،  وغياب وحضور صيرورة التناحر السياسي والاجتماعي تأويلية ازمات... 

- ولدفقات ختامية بدلالات متنوعة بشعور وجداني عميق ::-

 وكمْ زيَّفَ التَّاريخُ خطَّ كتابِهِ     وغيَّرَ شُهَّاد الرَّواةِ وزوَّرا

فيا وطناً باعَ الجباةُ هواءَهُ    ومَنْ باعَ بالمالِ البلادِ سيُشترى

وراحَتْ بيَ الذّكرى تُردّدُ كالصَّدى   وما انْهدَّ بالجدرانِ بالرُّوحِ عُمّرا

- استأنف الشاعر بدلالة عددية ونوعية في (كم) هي اشارة للكمية احالة لكثرة المخربين وأعداء التاريخ،  وليخبرنا عنهم نتواصل مع بقية الأبيات فنلاحظ ثنائية سلوك نفسي تنم عن الرغبات والميول ما بين (باعَ/ يُشترى) احالة عن خونة الوطن ونرى رده عليهم باستنتاجية حتمية في (ومَنْ باعَ بالمالِ البلادِ سيُشترى) تأويلية لعبوديتهم للآخر،

-وبدفقة شعورية رائعة لخاتمة مكثفة صورة شعرية بانزياح دلالي نستشف منها هتاف حماسي للتصدي للعدوان بإصرار عزيمة لاسترجاع حياة الوطن،  فنستقرأ من رؤى الشاعر استمرار الاستذكار لأزمات سابقة مر بها الوطن وخبر تجربته فيردد على مسامع بيته حكمة أو مثلا يُطمئنه أملا يرقى بالمشاعر الإنسانية ويسمو بالحب والوفاء لتراب الوطن،  فلا بدَّ أن يُبنى بالفداء والتضحية،  له ترخص الروح ثمناً،  ومهما حصل سيزول العارض وإن تراكمت غيومه، لا خصام ولا انفصام عن البيت والأرض والبيت والوطن…

- خلاصة

- نلاحظ سياق القصيدة اسلوب السهل الممتنع بعناصر حديثة ومضمون معاصر يشهده تاريخ الشاعر بتجربته الشخصية عن بلده ،  ببنية تركيبية فنية ثرية المعنى مترابطة الأنساق سلسة الانسياب،  تتشكل ما بين صور شعرية بانزياحات دلالية انثيالات جميلة وبين إنشائية التعبير بجمال باذخ لم تخل بمستوى القصيدة،  عميقة الحزن بشعور نفسي،  وإحساس إنساني، أجادها الشاعر بتقنية رؤى فاعلية التأثير تخلق تداولية للحدث وانطباعها في ذهن القارئ ولأنه واقع نقل برؤى التخيل  صور ما يحصل من خراب ..هدم ..كسر ..تشوية.. تشتت.. فهو مضمون تاريخي ..اجتماعي ..انساني ..سياسي ..ثقافي، شملت جانب مهم وحساس من الحياة يعيشه ابناء الوطن العربي قاطبة حاليا،  تميز نقل الحدث ببراعة ما نقش بإحساس باذخ ومناجاة حنين بانفعال سايكولوجي، مع سعة أفق رؤى الشاعر وتعددها ولا ننسى ايقاع القصيد بقافية خفيفة رشيقة اللفظ على لسان القارئ....

- وقد أتقن الشاعر استخدام الحواس كعلامات واشارات ورموز تشي بباطن الدلالة وميزة اقتناء زمن الأفعال بفاعلية متغيرة ضمن النسق لتشي بحاضر أو ماضي وتوظيفها ببعد دلالي مفعم  بإيحاء نوع من الحواس،  وبرع  في اختيار عنصر الرمز وتوظيفه بأسلوب ايحائي متمكن،  ويبقى تهجد العنوان في معظم الأبيات،  وإنْ تغيَّرت المفردة إلى الوطن أو المنزل فهي استعارات موازية للعنوان متسلسلة الفكرة بذاتية شعور وعمومية موضوع بخطاب موجه لكل عربي ….

- القصيدة أقرب ما تكون لقصة وطن بما اشتملت على عناصر مثل (الحدث.. الحوار.. وعنصري المكان والزمان..) ر وهي سمة تثري الشعر بصيغة فنية،  اتبدو صرخة تاريخ مدوية من حناجر الروح وضمير الإنسانية فنجدها قضية عامة وخطاب لكل الشعوب

- يستنتج القارئ دلالات قَيمة من موضوع القصيدة ان المستوى الفكري للشعوب أساس التحرر،  والطموح المعرفي غذاء التوحد لازدهار الوطن ورفاه الشعوب، وبقاء الوجود الإنساني المرتبط بالجذور في وطنه الأم،  بيته وشغاف قلبه بضمير واعي.

 

قراءة: إنعام كمونة

.......................

1- سورة الحجرات آية 13

2- الشاعر ابو تمام (هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي) من شعراء العصر العباسي

3- ويمزات وبروكس،  النقد الأدبي،  ج4

 ..................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

بيتي / د. وليد العرفي

 

 

نجاة الزبايرارتجاف الحسرات في مهاوي الذات

عند الشاعر المغربي محمد بنميلود

كل أصدقائي شعراء موتى

إلا أن قصائدهم ما تزال حية

الشاعر

***

تأن قليلا وأنت تفتح باب قصائده

قد تخاله طفلا يلهو بقطعة غيم

أو جنديا يكتب بدم الكون عذاباته

***

محمد بنميلود، هذا الشاعر الذي يأخذ البياض بتلابيب حبره، كي يكتب بدمع أصابعه عن شتاء مُرٍّ يقيم بين أطراف روحه.

فهل هو ذلك الشاعر الذي يلعب بأوتار الريح، فتأخذنا عباراته نحو هذا المدى العاري، حيث تتناثر كأس الأحلام شظايا لا يجمعها غير خيط ناي حزين؟

أم هو ذلك المستحم بماء القلق أنى اتجهت ركائبه انمحق؟

انخطاف فوق شفاه اللغة

فوق كتفي التمرد تسافر قصائده، حاملة قيثارة الذين عبروا أرض الروح، إذ لا تسمع غير صدى خطاهم وهي تتأوه بين أنامله، مطلا من سور شريد على شمس غادرت صهوة النهار. فلا نكاد نرى غير آثار ضائعة في اللامكان، تردد مع امرئ القيس: (ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي).

يقول:

كثيرون ذهبوا

وكان الشتاء يبلل أضواء النيون

ومعاطفنا قصيرة على الرعشات

ووقفنا نتوسل إليهم بنظراتنا المبلولة

كثيرون انعكسوا في صفاء دموعنا وهم يبتعدون دون التفات

عادت الفصول في أوانها

عادت الطيور وأزهر الأصيص عند النافذة

ولم يعودوا. (من قصيدة "الوداع")

يختزل الشاعر المتمرس بنميلود آلامه في سياق لغوي شفاف، فقوته الرؤيوية للواقع، تجعلنا نمشي على ضوء هذه النزعة الدرامية كي نتوغل في الظاهر المرئي، حيث يشحن مجموعة من الدلالات ليعبر عن معاناةٍ تُحَوِّل النص الشعري إلى موت مرتقب، ثائرا على الحياة العبثية التي تحصد أرواح الأبرياء المشنوقين بحبال الفقر والجوع والتشرد.

يقول:

كثيرون، كثيرون

ناموا كالأطفال على أسرّة العجزة

لم نسمع أنينهم في الليل

لم يطلبوا ماء ولا دواء ولا حكاية نوم أخيرة

وفي الصباح

حين أشرقت الشمس

ورفرفت الفراشات في الحديقة من خلف زجاج المطابخ

وكان نهارا جميلا

وصباحا مستسلما لرائحة البن

لم يستيقظوا

لم يستيقظوا أبدا.. (من قصيدة "الوداع")

تتلاءم الأصوات وتنسجم داخل هذه القصيدة التي حاول من خلالها الشاعر ترجمة انفعاله النفسي، موظفا التكرار بوصفه قيمة جمالية. هكذا نجد تكرار كل من (كثيرون، كثيرون ـ الصباح، صباحا ـ يستيقظوا، يستيقظوا)، فجرس هذا التكرار اللفظي، يكثف الدلالة الإيحائية، ويمنح للقارىء مساحة حرة للتفاعل مع الإيقاعات التعبيرية المُتناولة، والتفكير في المفردات التي تحمل إيحاء نفسيا مفعما بالعواطف.

فالدكتورة أماني سليمان داود ترى بأن التكرار يضفي " ضربات إيقاعية مميزة لا تحس بها الأذن فقط، بل ينفعل معها الوجدان كله مما ينفي أن يكون هذا التكرار ضعفا في طبع الشاعر أو نقصا في أدواته الفنية، فهو نمط أسلوبي له ما يسنده في إطار الدلالة." 1

هذا التكرار الذي يضع الذات الساردة في بؤرة دلالية كي تخلق نوعا من الامتداد داخل النص. إنها ترجمة للمعاني الدفينة التي تقول الذات والآخر من خلال جمل انسيابية تعزز جماليته، لاستقطاب اهتمام المتلقي من خلال رفع مستوى الإحساس بالقصيدة.

فمن خلال رحلته الشعرية لا نلمس غير الخيبة وانكسار الأحلام، فهل هي نزعة تشاؤمية استوطنت وجدان الشاعر العربي المعاصر؟

يقول:

بكثير من الصمت

والحنو

والنظرات الطويلة إلى الأبواب

وإلى الغمام فوق محطات القطارات

وفوق المقابر في أواخر الخريف

وبالموسيقى التي بلا أغان

وبلا راقصين

علينا أن نألف الوداعات

كما نألف أسرّة نومنا.

إن الحركات الداخلية للقصيدة تستحضر هزة عاطفية، تقدم في عُجالة مؤلمة حكمة الشاعر التي استخلصها من عذاباته:

(علينا أن نألف الوداعات

كما نألف أسرّة نومنا.)

فكما قال شارل بدلير في قصيدته LA MORT DES PAUVRES / موت الفقراء:

إنه الموت الذي يعزّي واحسرتاه

وهو الذي يحملنا على الحياة .

ضوضاء الذات:

يسرق الشاعر بنميلود الدهشة وهو يدعو القارىء كي يدخل إلى مدنه الجريحة التي تقرأ أسرار العواصف، فلماذا يضرب لنا موعدا فوق سهول ومرتفعات تمشي فيها القصيدة كدموع الشموع، يجتاحه غضب شتوي مثل غجري طريد..؟

يقول:

أنا شاعر من الطبقة الغاضبة

من العمال المسرّحين من الخدمة

والجنود الذين يكرهون الجنرالات

والنجارين الذين لا يملكون ورشة ولا أدوات نجارة

واليساريين المتطرفين الذين أنهكت الزنازين السرية أجسادهم

ولم تنهك أرواحهم.

إن (الأنا) المُغَيَّبة داخل البياض، قد خلقت توازيا مع المتن الظاهر، فبين إظهارها وإضمارها يجسد النص فعل الهوية.

و الشاعر؛ هو ذلك المتعدد في الواحد الذي يتنفس آلام البسطاء والمطحونين بين فكي رحى الوطن. إذ على أنقاض الإنسانية المفتقدة يشرب قهوة تمرده تاركا قلقه الوجودي كي يُفرد أجنحته المكسورة بين ثنايا واقع يستمد منه صوره الحسية.

يقول في أحد حواراته: "الكتابة الشعرية بالأساس هي موقف صارم وواضح من العالم، ومن الوجود، ومن السلطة، مفارق وصدامي، ويقدم بديلا جماليا، ضد القبح، وضد السلطة والظلم والجهل، ويكون انتصارا للحق والمعرفة والعدالة والإنسان. كل شعر أو أدب يفتقد لذلك يعاد فيه النظر في نظري".2

لكن؛ كيف سينساب الرماد النحيل من كفيه وهو ذاهب إلى اللامكان؟

لوحة من مرارة الاغتراب

إن الشعر؛ هو ذلك الجسر الضوئي الذي يمد حبال جماله بين الشاعر والقارىء، فبين نوتاته يتدفق ظله نهرا محاولا أن يغسل أوجاع الأرض.

ولكن؛ ماذا لو فرت الحروف أسرابا مثل غزالة يائسة نحو فجر بعيد؟

يقول:

عبر المسرب الغامض

لم يعد لي مكان هنا

ولم يعد لي مكان في أي مكان

عيناي حزينتان

كرائحة قرنفلٍ قديم

مدقوقٍ بالزلزال

ضباب يتخطّفني

باب حديدي لأطلال دارنا الميتة

الحُجرات تحت الأرض

وعلى العتبة تجلس حياتي

سيجدونني معلقا في شجرة المدخل

بحبل البرق

لأصير غصنا يابسا

شبحا من حفيف

ريشة الطائر الشتوي الحزين

الثمرة المشنوقة

التي ترعب العالم.

من قصيدة " أنا ذاهب الآن"

إن أغلب قصائد الشاعر محمد بنميلود، مراثي لأحلام موغلة في المرارة والوجع، وتعب هائم في فلوات الروح. فهل هو اغتراب نفسي في أقصى تمزقه؟

يقول:

إننا نحبك أيتها المدن المشلولة التي ولدتنا ولادة عسيرة

وطردتنا كما تفطم الوحوش صغارها في العاصفة

ونحن نغادر

في قطار المحرقة القديم

في العربات الأخيرة

أو على نعش

نلوح لك بمناديل الغرباء

الذين بلا عائلات .

يدخلنا الشاعر إلى كهف مرعب وقاتم، تتحرك فيه عبارات تُسقط في ذاته أحاسيس حزينة، مستعملا كلمات دالة على الشجن الرهيب (المدن المشلولة/ نعش/ الوحوش/ العاصفة / الغرباء/ بلا عائلات).

إنها المدينة التي تطرد أبناءها رغم حبهم لها، فتسقط أقنعتها القاتمة تباعا وهي تدوس بأقدام اللامبالاة قلب الشاعر المرهف .

يذكرنا هذا بما قاله الشاعر صلاح عبد الصبور في "مذكرات الصوفي بشر الحافي"3:

ها أنت ترى الدنيا من قمة وجدك

لا تبصر إلا الأنقاض السوداء.

هذه الأنقاض التي يسندها الشاعر محمد بنميلود بقصائده، يقول:

في المساء

عائدا بصمت الخاسر

إلى خرائب المدن

أتكىء على الجدران الأخيرة

لا لأستريح

بل لأسندها.

فهل نحن أمام تجربة متفردة تلاكم الواقع بقفازات شعرية؟

يقول:

"أُكتبْ كأنّك داخل حلبة الملاكمة/ في جولة أخيرة/ مُخفيًا مسامير في القفّازات/ كمن يصفّي بوساخة حسابًا وسخًا مع الوجود." 4

هكذا يكتب الشاعر محمد بنميلود بحرقة ووعي، فشعره صدى لأزمات المواطن المطحون، وكأنه يقول مع الشاعر عبد المعطي حجازي في قصيدته "ميلاد الكلمات"5:

الكلمة تنمو بالدمعة

وليزرعها كل شقي مثلي، عرف الجوع،

وعذابات الحب الخاسر.

قدح من ماء السرد

نجد في جغرافيا الشعر المغربي المعاصر شعراء عانقوا التجارب الإنسانية من خلال خطاب يلج الفضاء الحكائي. ويشتغل الشاعر/ السارد محمد بنميلود على السرد المباشر في العديد من نصوصه بعيدا عن اللغة الكثيفة الموغلة في المجاز، منصهرا في لغة اليومي الغنية ببساطة كلماتها. متجاوزا تعبيره الذاتي نحو أفق مشبع بتفاصيل يتقاذفها الزمن الماضي والحاضر.

يقول:

كانت لنا بلاد

كان لنا ب يت

كانت لنا عائلة وإخوة صغار من الكريستال

لكن الضباب جاء وغطى العالم

وحين انقشع الضباب

لم نجد العالم

نجلس كل مرة على رصيف سكة بعيدة

بحقيبة واحدة

دون أن نكون قد أتينا من مكان

أو ذاهبين إلى مكان

منازلنا محطات القطارات البطيئة

مطارات على أطراف المدن بسقوف عالية

ومراس فسيحة للسفن في الشتاء

منازلنا محطات

وأهلنا المسافرون

نتوسد حقائبنا

وننام بعين واحدة

محاذرين أن يسرق اللصوص بريق

الكريستال.

يُحَوِّلُ الشاعر نصه لوثيقة تتواشج فيها لغة الشعر والسرد بأسلوب غنائي، يغلب عليه طابع استرجاع ما كان. فهل هو صوت الذين فقدوا أوطانهم؟

لقد أخصبت قصيدته ظلالا وألوانا قاتمة، ترجمها معجم دال على الفقد والضياع مثل: (كانت لنا بلاد، بيت، عائلة،ضباب..غطى العالم، لم نجد العالم، منازلنا محطات القطارات..)، إذ وظف حكاية تُشَخِّصُ موضوعا إنسانيا يرمي بظلاله على ما يجري في كل البلاد العربية التي اغتصبت حريتها، ليصبح العالم رقعة شطرنج صغيرة تضيق فيها أنفاسه، حتى فقد الإحساس بالأمان. (وننام بعين واحدة). يقول

مستحضرا قول الشاعر:

يَنَامُ بإحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِى // بِأُخْرَى الْمَنَايَا فَهْوَ يَقْظَانُ نَائِمُ

فبين تناقضات العالم، تناثرت ذات الشاعر المقهورة فوق عتبة الوجود، لتتسكع قصائده خارج السِّرب، مرفرفة في أفق سردي يتنامى عن طريق لغة تنهل من معجم نفسي غني بصور فنية، تحاول هدم الواقع المعاش لبناء آخر من خلال التخييل، فتتحول القصائد إلى أغنية خريفية ترمي بظلالها على فضاء مليء بالخيبات.

يقول:

العالم كله

يتجه

إلى أقرب حافة. (من قصيدة دخان)

فبقدر ما يضيق قدحُ العالم، يتسع سمرُ الشاعر محمد بنميلود الذي يتقاسم مناجاته مع الليل، محاولا أن يلملم شتاته من خلال قصائد تلتقط الألم بعدسة سينيمائية دقيقة، فهل (الحي الخطير) الذي يحمل عنوان أولى رواياته، كان مخاضا جماليا ليعانق عالم الكتابة، وليكون صوتا شعريا كثيف الإنسانية تتحرك أمام مراياه أزمنة وأمكنة تعلن عن ميلاد صرخاته؟

يقول

ولدتني أمّي بلا إخْوة

في الحيّ الخطير

كان عليّ

أن أدافع عن نفسي

بأظافر قطّة الميناء

 

والآن أيضًا

ها أنت ترى

لاشيء في العالم يتغيّر

بعد مرور الحِقب

سوى انهيار الإمبراطوريات

وتفرّق الصِّحاب بين القارّات

ملاحقين الغبار.

ظلال النهاية

هذا هو الشاعر محمد بنميلود الذي يحمل حطب ذاته ليتدفأ به المارون من عوالمه، والذي جعل من الكتابة خندقا كي يحمي هشاشته . يقول:"إنني أكتب الآن تقريباً فقط كي أدافع عن نفسي وليس كي أبدع، فالدفاع عن النفس وعن الوجود لا شك يسبق الإبداع، إن لم يكن إبداعاً في حد ذاته." 6

إنها المرارة التي يعيشها جيل بأكمله، كشفت عن رؤية إبداعية تحاول ترميم الذات من خلال رحلة البؤس والموت والانحطاط الذي يمر مثل الإعصار داخل نصوصه، باحثا عن الحرية وإعطاء قيمة للإنسان.

فهل سيجد بابا للخروج لعناق حلمه المطلق؟ يقول:

أبحث عن باب للخروج

لكن عدد الداخلين المستمر الغفير

يسد كل الأبواب.

***

 

نجاة الزباير

......................

* محمد بنميلود.. كاتب مغربي. يكتب الشعر والقصة والرواية

1- جريدة القدس العربي5 - نوفمبر – 2014/ حوارمصعب النميري

2- أماني سليمان داود: "الأسلوبية والصوفية دراسة في شعر الحسين بن منصور الحلاج"، دار مجدلاوي، عمان، ص 67، ط2، 2002

3- ديوان أحلام الفارس القديم،صلاح عبد الصبور. ص: 83 https://www.kutubpdfbook.com/book

4- https://elmawja.com/blog/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%86%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%85-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7

5- ديوان مدينة بلا قلب، صلاح عبد الصبور ص: 77 / منتديات مكتبة العرب

6- https://al-akhbar.com/Kalimat/233007

 

 طارق الكناني(عندما تحوك لي من خيوط معاناتك قلب وفيّ فهذا هو الحب)

 في خضم هذه العبارة التي الزمت الكاتب ان يستحضر كل تداعيات المرحلة العمرية التي وصل اليها، لوصف حالة انسانية أو مرحلةٍ عمريةٍ منصرمةٍ، خالط فيها عدّة مشاعرٍ قد تكون مزيجًا من الحب والرغبة مصحوبة بالنقاء النفسي الذي غالبًا ما يصاحب الإنسان في مرحلةٍ ما، حيث تتنامى لديه هذه المشاعر، تؤجّجها ما يسكن في اللاشعور من ذكرياتٍ يعتقد الإنسان إنها قد انتهت وتخلّص منها في فترةٍ ما، ولكنها تبرز للظهور ضمن نسق حياتي اعتاد عليه خلال مسيرته. وهذا يتطلّب تأجيج حالة الصراع العاطفي بين ما هو مرغوب وبين ما يثير عقدة الشعور بالذنب لدى هذا الإنسان ،لأن هذا الذنب ناتجٌ عن الإيمان بأنساقٍ فكريةٍ قد يعتبرها البعض متأزمة،لأنها تقع ضمن نطاق المثالية المتعالية، ولكنها في الحقيقة مغروسة في النفس البشرية (تؤتي أكلها كلّ حين)، ففي حالة الجدب الروحي والتيبّس العاطفي يستدعي العقل الباطن للإنسان كل هذه المشاعر ليبدأ مرحلةً مختلفة، كما بدأ محسن بطل روايتنا (فضاء ضيق) في مرحلةٍ ما عندما اكتشف أن زوج عشيقته قد أصيب بذكورته مما حرمها من ممارسة حقّها وجاءت عنده تبحث عن هذا الشيء، أنكر عليها حاجتها لممارسة الحب، لا لشيء إلّا لكونها زوجة جريح حرب، حيث قال عبارته (أنا وأنت والحرب على زوجك) فهو يعرف إنها كانت متزوّجةً وترتكب فعل الخيانة الزوجية معه، وهذا لم يحرّك مشاعره المتبلّدة والمشحونة بالشغف الجنسي وعشقه لهذه المخلوقة، ولكن هناك دافعٌ آخر هو ما أوقظ حسّ التعاطف مع الزوج المخدوع، هو كونه جريح حرب. فإيمانه بهذه الحرب هو ما جعله أن يتخلّى عن سلوى . 

1578 فضاء ضيقإن صراع عواطف بطل رواية فضاء ضيق التي جاءت نتيجة حنين لجسد امرأة تركها في لحظةٍ يقظةٍ للضمير، وفي مرحلةٍ تختلف بأنساقها الفكرية عما يعيشه الآن، فحالة الحرب التي يعيشها البلد هي واحدة لم تتغيّر طبيعتها، فالموتى والجرحى والأرامل واليتامى هم أنفسهم عراقيون، ولكن الجهات المتحاربة فقط هي من تغيّرت، وهذا ما استدعى تغيير نوع الثقافة، فبالأمس كان العدو مختلف عن اليوم مما استدعى حالة التعاطف الوجداني مع الزوج، أما وقد أصبح عدو الأمس صديق اليوم، هذا بحدّ ذاته يفرض قيمًا وأخلاقًا جديدةً لما يجب أن نكون عليه، فالكاتب والروائي محسن (بطل الرواية) الذي كان يكتب للحرب الأولى أصبح اليوم في مفترق طرقٍ وتغيّرت لهجة بعض أصدقائه معه، هؤلاء الأصدقاء الذين كانوا يصحبونه الى جلسات الخمر ويسامرهم بالرغم من كونه لا يعاقر الخمرة، إلّا أنه في جلساتهم كانت راحة له، لقد تغيرت بوصلة الصحبة من الجلوس على ساحل بحيرة الرزازة الى الاتجاه الى المعاكس.. إن تواجدهم  في مقرات الأحزاب الدينية واطلاق اللحى والتختّم باليمين، هذا بحدّ ذاته تحوّلٌ كبيرٌ أوضح لدى محسن حالة البراغماتية لدى أصدقائه من الكتّاب ،وهذا يستدعي إعادة النظر بالثقافة المجتمعية التي أفرزتها الحالة الطارئة. فهو قد عرف بوفاة زوج سلوى وهو يعرف تماما استحالة الزواج منها فهو مازال ضمن الرقعة الجغرافية للثقافة المجتمعية لم يستطع مغادرتها ،(فلا يمكن لك الزواج من كانت عشيقتك) والسبب (قد خانت زوجها مهما كانت الأعذار لذا ستخونك).

 إن عملية تسليط الضوء على الأنساق الفكرية والعقدية خلال رحلة البحث عن سلوى، أفرزت حالة شعور بعدم الانتماء، مما أضافت أزمةً نفسيةً أخرى، ملاصقة لما يختزنه، فازدادت حالة التمرّد على واقعٍ لم يألفه سابقا. إن قوة السلطة التي تمتّع بها النظام السابق تمكّنت من إخفاء معالم وقيم وثقافات كثيرة.. ففي مدينة مثل (كربلاء) والتي تدور فيها أحداث الثلاثية ( فرواية  فضاء ضيق هي الجزء الثالث من رواية علي لفتة سعيد بعد روايتي الصورة الثالثة ومزامير المدينة).

 إن محسن لم يستطع  أن يكتشف نوع الثقافة المحلية التي أراد الانتماء إليها في فترةٍ معينة، ففي الجنوب تختلف أنماط الحياة، وباختلافها يتأثّر الناتج الثقافي ونمط التفكير والأنساق المعرفية والفكرية بشكلٍ عام، مهما تظهر لنا الصورة البعيدة من كونها تشابهها كون هذه المدن يجمعها، مكوّن عشائري واحد، ومعتقد واحد، وربما حتى لهجات متعارفة بينهم، إلّا أن الاختلاف يكمن في طريقة العيش، لم يتمكّن الكاتب من الغوص بأعماق المجتمع الذي يعيش فيه بسبب حالة الانغلاق التي يعيشها المجتمع ذاته، فهو لم يطلّع على نمط الحياة وأسرار المجتمع إلّا من خلال صديقه (مجتبى) مما أظهر خللًا في النسق الفكري، ولو كان في ظاهره بسيطًا في البنيوية حيث استطاع أن يخفيه بشكلٍ أو آخر، إنما هناك عملية قلب حقيقية، فالسيمياء التي تحدّث عنها علي لفتة سعيد وأراد من خلالها إنشاء علاقة بينها وبين النموذج اللساني البنيوي هي علامات حدّدها المنحدر الجنوبي للكاتب، ولعلنا نستطيع أن نرى تأثيرًا للمتصوّر اللغوي في اللاوعي الفرويدي  في حالة الكاتب هذه، فلقد كانت مقاربته توفيقية في جوهرها التي مازالت تتعاظم على امتداد السنين .

صراع  ثقافات

في حديث خاص لي مع الروائي الدكتور علاء مشذوب والذي هو احد شخوص هذه الرواية عن طريقة بناء الرواية والامساك بحركة الشخوص ضمن اطار الحبكة الدرامية ،يقول الدكتور علاء: ان الرواية عندي تبدأ برسم شجرة للعائلة اتحرك من خلالها واوزع الادوار فيها حسب الحبكة سواء كانت حبكات مصير مثل: حبكة فعل، او ميلودرامية ،او تراجيدية ،او تهكمية ،او عقوبة ،او عاطفية . أو حبكات الشخصية أو حبكات الفكرة والتي تتضمن حبكة الكشف والحبكة الانفعالية وحبكة الخيبة . فنرى من خلال هذه المشجرة التي يرسمها علاء تمكن من محاكات الواقع في مدينته ،وكذلك علي لفتة عندما كتب (السقشخي) كان متمكّنا في الكشف عن مدى تعلّقه في تراثه الأدبي الأصلي فقد أظهر براعةً غير مسبوقةٍ وهو لم يبرع بنفس القدر عندما غادر الرقعة الجغرافية التي ينتمي اليها.

إن لكل مجتمع أسراره وخفاياه، فما يظهر من أنساق فكرية في مجتمع مثل المجتمع الكربلائي لا يمثل حقيقة الصراع الفكري المتأجج بين ثقافتين إحداهما طارئة حالية اصطبغت بصبغة دينية مطلقة، وأخرى تنطوي عليها البيوت المغلقة وما تمثله من ثقافةٍ متحرّرة هي أبعد ما يكون عما تظهره بعض الجهات التي كانت الى عهدٍ قريب، هي الرائدة في حالة التحرّر. ما يهمنا هي رؤية الكاتب نفسه الى هذا المجتمع فهو يظهر معاناة حقيقية في كيفية فهم مجريات الأمور وطريقة التعامل مع شخوص الرواية والذي استمدّها من شخصيات حقيقية تعيش نفس تناقضات المرحلة، مما جعل (علي لفتة سعيد) يتقمّص دور الضمير للكاتب محسن فهو يعيش ضمن شخصيتين لا يمكننا أن نقول عليهما متناقضتين، فهما يبدوان على توافق كبير ويتمّم أحدهما الآخر.  فهذا الضمير هو من كان يتكلّم باسم الشخص الأول في الرواية، وربما استوقفه معاتبًا ليعكس صراع الذات.. ففي هذا النوع من الروايات يكون الضمير حاضرًا ليردع ويوجه الشخوص لأنه يمثل الوجه الاخر لشخصية بطل الرواية .

 اختلاف في الرؤى الفلسفية

هناك جنبة فلسفية أضفت على الرواية نوع من الحيوية والديناميكية، وعكست تنوع الفكر المجتمعي وحرية إظهاره ،وأخرجت الرواية من رتابة البحث المستمر عن (سلوى)، عندما كان الثلاثة يقفون على أرض محايدة وهي (مصر) فهناك (محسن) الذي يجمع بين طرفي المعادلة وهناك (حليم) الفيلسوف الإسلامي هناك (علاء) الذي تبنى الفلسفة المادية.. لقد انعكست حالة الصراع الفكري والفلسفي بين المقدّس والمدنّس، فهم قد يتّفقون في مرحلة معينة، ولكنهم لا يتّفقون مع  الخطّ الوسطي لهم، وقد اطلقوا عليه اسم (المقندس) وهي كلمة تم مزجها من كلمتي (المقدس والمدنس). ففي كلا الاتجاهين الذي يمثلهما حليم وعلاء هم متّفقون على زيارة الاضرحة والغور في العمق التاريخي للطقوس والإرث الحضاري، وكلاهما يعشقه، ولكن الفرق بالنظرة الموضوعية لهذا الإرث، حيث ينظر له (حليم) على إنه مقدّس ويجب أن يمارس بشكلٍ مميّز ومقنّن لا يمكن المساس بهذه التقاليد.. وكذلك (علاء)  يحب أن يمارس هذه الطقوس والتي يعتبرها إرثًا حضاريًا نتج عن ثقافةٍ مجتمعيةٍ متجذرةٍ في الحزن والبكاء، ولا علاقة لها بالمقدّسات، فهي طقوس موروثة ربما تمتد قبل ظهور الدين..  مثال ذلك (اللطم)*1 وربما تكون مستمدة من شعائر دينية لديانات أخرى.. مثال ذلك (الزنجيل )*2.وهذا دليل آخر على إن اليسار المتطرّف واليمين المتطرّف هما من منبعٍ واحد، وأنا إذ أورد هذا الرأي لا يعني أني أتّهم شخوص الرواية بالتطرّف فهم أكثر اعتدالّا في طرح أفكارهم ..

إن مفهوم الدين وتطوّره يعكس لدى الأطراف الثلاثة مفهومًا حضاريًا ومتّفق عليه وهو مفهوم غير مؤطّر بقيودٍ تفرضها الحالة الإنسانية أو الحاجة لتشريعٍ معيّن، فهو مفهومٌ واسعٌ غير معني بالعبادات وتطوّرها لدى الديانات المختلفة، ويبدو لي أن الحوار كان فيه امتداد لرسائل أخوان الصفا * (مجموعة فلسفية اسلامية). التقى الثلاثة خلال هذا النقاش في الإطار العام، وهو جانب المعاملات وهو ما تؤكّد عليه الديانات الحديثة.

إن الخوض في هكذا موضوعات يتطلب منّا معرفة (بأن النصّ المقدس بطبيعته نص إشكالي، هذه السمة الإشكالية تنطبق على النص الاسلامي مثلما تنطبق على غيره من النصوص المقدسة لأديان الثقافات القديمة)*3. اعتقد ان الروائي علي لفتة سعيد كان موفّقًا في طرح هذه الرؤية الفلسفية على لسان شخوص الرواية .

 فقد استخدم الكاتب  أسلوب التكثيف في طرح كل الانساق الفكرية المعلنة للمرحلة الراهنة، والتي ادّعت الأحزاب الدينية تبنّيها وترسيخ هذه الأفكار لدى النشء الجديد، من خلال تكريس الطقوس واشغال المجتمع بنمطٍ معيشي جديد، لا يعتمد على الكدح والعمل الجاد، بل يأتي من خلال منظمات مجتمع مدني أوجدت لتقديم المعونات والهبات للمعوزين، لهذا جاءت رواية (فضاء ضيق) لتتحدّث عن كلّ الانساق الفكرية المضمرة، التي تعاملت بها أحزاب السلطة وكشفت زيف المعلن منها.

ففي المشهد الأخير الذي صوّر عملية اغتيال الكاتب الروائي علاء، كان بمثابة إعلانٍ عن اللغة الحقيقية لما يجري في البلد، وتذكير لحرية الرأي التي مارسها الأصدقاء الثلاثة، وهم في مصر من خلال طرح أفكارهم بشفّافيةٍ عالية، دون خوفٍ أو وجل، وكشف الزيف الفكري لهذه الأحزاب وما تطرحه من فكرٍ لا يطابق ما تمارسه على أرض الواقع .

 

 طارق الكناني

.........................

 1- وهو (ارث سومري )

 2- وهو (ارث نصراني ) ومارسه الهندوس ونقلوه للشعائر الحسينية مؤخرا.

 3- فراس السواح (طريق اخوان الصفا) ص9.

 

بكر السباتينلصبحي فحماوي

في هذه العتبة سنغوص في أعماق الرؤية التاريخية لحقبة احتلال مصر الفرعونية لبلاد كنعان من خلال قصة حب جمعت بين إخناتون الفرعوني ونفرتيتي الكنعانية.. في سياق رواية صبحي فحماوي التي استلهمت التاريخ ولم تستنسخه.. وقد خالطت في مضمونها الحقائق مع الخيال في إطار رواية أدبية بكل المقاييس الفنية.. إنها رواية “إخناتون ونفرتيتي الكنعانية” الحادية عشرة التي صدرت في فبراير 2020 عن الدار الأهلية للطباعة والنشر- بيروت- عمّان- وهي قصة حب شهيرة للأمير إخناتون، ابن الإمبراطور المصري أمنحتب الثالث، والأميرة الكنعانية إلهام- نيفرتيتي، ابنة رفائيل ملك مملكة مجدو.. ولكنهما عند التقائهما وجهاً لوجه، على أبواب معركة مجدو الشهيرة، يتوصلان إلى عقد اتفاق يقول لها فيه:

” نيفرتيتي… ستكونين الزوجة الملكية.. الملكة العظمى. ولن يكون حب كبير كحب كل منا للآخر.. وستبقين جميلة وسعيدة إلى الأبد.”..

وفي هذه العتبة سنركز على تداعيات النهاية المؤساوسة لعلاقة جمعت بين هذين الأميرين الذيْن أقاما بنيان مملكتهما في إطار دولة اتخذت لها عاصمة جديدة وكيف أن هذا الحب لم يصمد أخيراً أمام النزعات الشخصية للملك إخناتون حيث فرقت بينه وبين معشوقته وزوجته نفرتيتي الكنعانية، وكيف إن الصراعات على الحكم التي دبت بين أفراد العائلة وخصوم الملك أدت إلى تهاوي حلم العاشقين بطريقة أفجعت تفاصيل البداية المفعمة بالحب الصادق والإلهام الجميل.

هذا النهر الذي يعيد إلينا بينابيع الحياة الكنعانية بتفاصيلها المدهشة وتفاعلها مع الآلهة التي ما لبثت لها بصماتها في بعض عاداتنا.. حيث تجري أحداث هذه الرواية بين طيبة عاصمة مصر الفرعونية، وممالك بلاد كنعان الممتدة من البحر الكنعاني إلى بابل، مروراً ب عجلون وعمون وموآب، وصولاً إلى صيدا وبيروت وجبيل، وأوغاريت.. وقد زودت الروافد نهر الرواية الهادر الجاري، بمعطيات الحياة الحافلة بالتنوع والحكايات المسرودة بنكهة التاريخ والأساطير التي ساهمت في تشكيل الوعي الذي حدد ملامح الشخصية الكنعانية.. وفي هذه الرواية، يتعايش القارئ مع قصة حب عظيمة وملهبة للمشاعر، حيث الصعود إلى ذروة الحدث ثم الهبوط.. وتداعيات المؤلمة.. نحن نتحدث عن رواية تكشف لنا الكثير من خبايا التاريخ السحيق حينما احتل المصريون الفراعون بلاد كنعان، فاشتبكت السيوف والقلوب وخرجت الملاحم التي خالطتها الأساطير وأنعشت تفاصيلها قصة الحب التي جمعت بين إخناتون ونفرتيتي.. رغم النهاية غير المتوقعة لمسارات القلوب التي خالفت مسارات العقول ومآربها. في سياق إنساني منفتح على الخيال داخل إطار تاريخي محسوس وليس منسوخاً بحذافيره.. أي أن الرواية تنقل عبر النهر الدفاق نبض الحياة في تلك الحقبة الكنعانية بتفاصيلها الإنسانية بعيداً عن السرد التاريخي، لذلك فقد وظف الكاتب كما سنرى الصور الفنية الجميلة لتقريب المشهد إلى قلوب القراء قبل عقولهم.. حتى يراها العقل الباطن فتتحول لديه إلى مسلمات.

وفي سياق هذه الرواية يعرفنا الراوي” العالِم” بالتلسكوب الصيني الذي سمح له باستخدامه لاسترجاع الماضي من قلب الفضاء بصرياً. وهذا ينسجم مع فيزياء الكم لو أمعن القارئ التفكير.. فحدقة التلسكوب الصيني تتبع افتراضياً ما تلاشى من انعكاسات الضوء للأحداث عبر الكون اللانهائي الامتداد.. وكأنه يذكرنا بنظرية الحسن ابن الهيثم في أن الأجسام تعكس الضوء الذي يسقط في عيوننا فنستطيع رؤيتها.. ووفق الكون الأحدب والبعد الزمني في نسبية أينشتاين، ومبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم، فإن الأجسام ومنها النجوم، لا ترى بالعين المجردة عبر السنوات الضوئية، إلا بعد أن تلتقي الأشعة العاكسة للحدث بعيوننا فتتبلور الصورة.. لذلك ففي الكون الأحدب توجد بعض النجوم المولودة التي لا نراها لأن أشعتها العاكسة لم تصافح عيوننا بعد، والعكس صحيح إذ توجد نجوم تلاشت بعد أن استنفدت طاقتها لكننا نراها لأن الشعاع الذي انقطع عن الحدث ما زال في حالة تواصل مع عيوننا فنراها قائمة.. هذا يترجم لنا مبدأ عدم اليقين.. من هنا فالروائي صبحي فحماوي استغل هذه الحالة الفيزيائية ليأتي لنا بالدليل البصري على أن أحداث روايته حدثت كما وصفها الراوي.. فالتلسكوب الصيني استطاع ملاحقة الأشعة الكونية من خلال المرايا لرصد تفاصيل الأحداث عن كثب.. وقد كتبها فحماوي وفق الشروط الموضوعية للرواية بدءاً من الشخوص الرئيسة والثانوية المساندة، والحوار المتنقل ما بين المباشر وتيار الشعور، مروراً بالحدث فالذروة والمكان وصولاً إلى الزمن الذي استعادته المرايا بدقة بالغة.

وفي إطار عتبة هذه الرواية أيضاً نذكر بما قاله الراوي المثقف في سياق عملية الولوج من المستقبل إلى الماضي، مروراً بتداعيات الحاضر الذي سادت مفرداته عقله الواعي:

” قال لي العالِم الصيني المسؤول؛ إنني بصفتي روائياً معلوماتياً عربياً، أستطيع بهذا المنظار أن أشاهد ما أريد من أحداث الماضي” إلى أن قال:

“ولتأكيد أنني في علم ولست في حلم، ثبّتَ العالِمُ سماعتين على أذنيّ، فكانتا تُسمعاني قرقعة الأسلحة، وأصوات حوافر الخيول المطاردة في ذلك التاريخ السحيق، والصرخات، والآهات، وأحاديث الحب والغرام، وحتى الأحاديث المترجمة بنظام الترجمة الفورية من الكنعانية والهيروغليفية إلى العربية الحديثة…هكذا أفهمنى منظار الزمن، الذي لم أتوقع بأي حال من الأحوال أن أنتقل برمشة عين إلى ذلك العصر الكنعاني الفرعوني المجيد”

ومن هنا تبدأ الأحداث تتوالى في سياق قصة عاطفية إنسانية مستلهمة من تاريخ منهوب، في ظل سياسة تضليلية من قبل المؤرخين المعاصرين المجيرين لصالح الرواية الصهيونية المزورة، التي دأب أصحابها بكل ما لديهم من قوة على نفي الآخر، وانتحال تاريخه الكنعاني المجيد وتراثه الفلسطيني الأصيل.

وهنا يتحول الراوي السارد إلى إحدى “شخصيات الرواية المستقبلية” في زمن يكون باستطاعة الإنسان  فيه استرجاع تفاصيل الماضي بالتلسكوب الصيني، حيث أسقطت هذه الشخصية وعيَها الذي يتجاوز الزمن على تفاصيل “الماضي”، في الوقت الذي استعاد فيه الراوي التاريخ الكنعاني المنتهك، من خلال استلهامه في إطار حكاية مروية، وإسقاط ذلك التاريخ على الحاضر بكل تجلياته ومفرداته.. فالتاريخ الممتد عبر الزمن التراكمي يتكرر في تفاصيله الإنسانية، حيث يتجلى ذلك في الثنائيات التي أتخمت بها رواية فحماوي، وكان أهمها ثنائيات: “ما بين مركز الفعل والهامش”، الخير والشر، الحب والكراهية، “سطوة الدين ومؤسسات الدولة واتباع سياسة القطيع ومن ثم تجيير المواقف، مقابل المواجهة المباشرة والحوار لحسم الواقف”.. ليخرج القارئ الحصيف من خلال هذه الثنائيات بخلاصة تمثل الحقيقة المليئة بالتقاطعات والثنائيات المتنافرة على أرضية فسيفسائية تمثل واقع الحال آنذاك.. وتتكرر اليوم وربما مستقبلاً حيث يقف الراوي أمام التلسكوب ليستعيد الماضي التليد والمحجوب عن الأنظار.

وقد جمّل فحماوي روايته بالخيال المجنح على متن لغة سردية مثقفة، رزينة ومستقرة، مفعمة بالصور الفنية واللوحات الجميلة من خلال الوصف الجميل لتفاصيل المكان البيئي حيث بين الكاتب ملامح تلك الحقبة من التاريخ الفرعوني الكنعاني المشترك.. إنها الرواية التي لفتت انتباه المبدعين العرب، حيث جاء السياق التاريخي فيها وفق المصادر التاريخية المنصفة.. وقد تفاعلت الشخصيات النامية والثابتة، الرئيسة والثانوية، على صعيد إنساني منذ بداية الأحداث ونمو الصراع فيها فالذروة حتى الخاتمة القاسية التي أقيمت على تناقض النفس البشرية ونزعاتها الشهوانية والسلطوية وصعود الأنا إلى الذروة.. في تداعيات عاطفية إنسانية تخللتها صراعات عززت من عنصر التشويق في الرواية، من خلال وصف حياة الكنعانيين المتحضرة التي كانت تتمتع بالتنوع والازدهار، واستلهام روح وثقافة المجتمع.. حيث تمازج الأدب الرفيع والفن الراقي وديانة ايل الكنعانية، إذ تعلقت قلوب المؤمنين وفق قناعاتهم آنذاك بالإله الموحد المنير الكنعاني إيل مقابل عبادة الإله الفرعوني “أمون” حيث كان الكهنة يقيمون شعائر عبادته في معبد الكرنك بعاصمة مملكة مصر “طيبة”، أولئك الكهنة الذين تحالفوا مع السلطة في سبيل الاغتنام غير المشروع من المواطنين.. الذين أرهقتهم الضرائب.. سواء في بلادهم أو في الممالك الكنعانية التي كانت خاضعة لسيطرة ملك مصر أمنحتب الثالث.

وسوف يتنفس القارئ الصعداء وهو يعيد قراءة هذه الرواية من جديد بعين السائل المتأمل.

 وفي الختام فإنه يمكن استخلاص عدة عبر من هذه الرواية.. فالحب الذي تختلط فيه المصالح يحتاج إلى تجيد والعودة به إلى ذكريات اللقاء الأول المغسول من الخطايا.. فذلك سيضع الكوابح في طريق الزلات المدمرة.. وهذا لم يحصل في قصة حب نفرتيتي وإخناتون.. لأن الحب يحتاج إلى رعاية مستمرة حتى لا تشيخ.

وتقول المعادلة التوفيقية في الحياة أنه لا بد من الحفاظ على صداقة من هم إلى جانبك، وصناعة صديق، وتحييد عدو.. ومواجهة الخصوم إذا أتت منهم الأذية بجاهزية تامة.. وهو ما نجح فيه في معركة مجدو لكنه لم يتحقق معه إبان حكمه..  فكل أفعاله أتت بعكس ذلك تماماً.. لذلك واجه المؤسسة الدينية وخصوم مشروعه السياسي الذين يشكلون الدولة العملق دون جاهزية معتمداً على إيمانه بفكرته ومشورة زوجته فقط.. وربما لو وسع من دائرة مستشاريه واستقطب خصومه بحنكة أكبر لظفر بنصيب أكبر من النجاح..

وأخيراُ فإنه إذا اجتمع المال والسلطة والجشع واللهو والتسيب فقد الحاكم توازنه.. وإن العاقبة لا شك ستكون وخيمة.. وقياساً إلى الرؤية الخلدونية التي تحدثت عن مراحل سقوط الدولة، وكما أشرنا إلى ذلك في سياق المقال، فإنه بعد ظفر أخناتون بالحكم، وتعالي "أناه" في سياق منصبه الذي تفرد به وتنعم بخصائصة، مهمشاً بذلك من صاروا فيما بعد خصومه الذين استغلوا الفراغ الذي دفع به إلى حياة الدعة والبذخ واللهو والصرف دون حساب على حساب الدولة، فانقضوا عليه بقسوة؛ كانت نهاية الدولة الهلاك، وبالتالي أتت خاتمة العاشقين مأساوية.

 

بقلم بكر السباتين - الأردن

 

 

عبير خالد يحيىإنّ داريدا وضع التّفكيك بين الأحاديّة والثّنائيّة، رفض الثّنائيّات، واعتبر الجانب الثّاني أقلّ أهميّة من الأوّل، أقرّ الوعي ولكن قلّل من شأن اللّاوعي، واعتبر أنّ اللّاوعي أرضًا غير آمنة للدّلالة، بذلك وقعت فلسفته (الحضور والغياب) بين الأحاديّة والثّنائيّة، ولم تبلغ أيًّا منهما، لذلك صار التّفكيك رفضًا للترانسندنتالية وثيولوجيّة سوسير، وكان الهدف من ذلك هو سحق البنيويّة، وبدء مرحلة سمّاها ما بعد البنيويّة .

لذلك صارت الكتابة – وهي الجانب الثّاني من اللّغة(صوت- كتابة)- وبما أنّه يقلّل قيمة الجانب الثّاني كما قلنا سابقًا، فقد أصبحت الكتابة بالنّظرة الدّاريديّة هي (اختلاف) لاختفاء الصّوت فيها حسب تمركزه اللّاغوسي، فسمّى جانب الكتابة بالمفهوم المتدنّي، والدّلالة فيها دلالة ثانويّة لغياب المدلول المقترن بالصّوت الغائب، فكان (الإرجاء والأثر) بديلًا ل (المدلول)، لذلك صار المدلول بعيدًا عن متناول اليّد تفكيكيًّا، وظهوره يعني موتًا للإله والكاتب، ويعني بموت الكاتب تفكيكيًّا (الإله)، والله أوّل من كتب النّص المقدّس، فموت الكاتب تفكيكيًّا يعني موت الإله

و مادامت كلّ علامة تؤدّي وظيفة مزدوجة في حركة المعنى من الاختلاف والتّأجيل، فصار الاختلاف عند الذّرائعيّة حضورًا بمعانٍ مؤجّلة، تنطلق من مرحلة الإرجاء الذي وقف عنده (داريدا)، لكون داريدا يعتبر الاختلاف غيابًا، لأنّ الدّلالة فيه كاذبة، لكونها مكتوبة ومرئيّة، وتشهد موت الإله، أمّا الذّرائعيّة فقد نظرت لمنظور (داريدا) بشكل معاكس ينطلق من كينونة الدّلالة لغويًّا، والتي تعني شيئًا مرئيًّا وصورة شاخصة تشير لمدلولات أخرى، ودلالة داريدا هي شيء ملفوظ غير مرئيء، يضمحل بعد لحظة التّكلّم مباشرة، بذلك يكون مفهوم داريدا عند الذّرائعيّة معكوسًا، ويبرهن ذلك عمليًّا عند حدود النّصّ، فلا نصّ محكي في التّراث الأدبي، بل جميع النّصوص وخصوصًا المقدّسة جاءت مكتوبة، وأُثبتت حضورها وحضور كتّابها بالرّغم من موتهم، فغياب الكاتب عنها لا يمسّها بشيء.

نشاهدها جليًا في النص العربي المكتوب الذي لا يبرهن موت كاتبه، بل بالعكس، فهو يعطيه خلودًا دائميًّا ميتافيزيقيًّا ثابتًا لسلوكه الأدبي، يتجاوز فلسفة الحضور والغياب التفكيكية، وها هو امرؤ القيس يعيش بيننا ولا نعرف حتى متى ولد بل نعرف (قفا) حرفًا حرفًا، لكون النّصّ كيان من دلالات حيّة لا تمسّها يد في التّغيير وإن مات كاتبها، فالنّص الجيد خالد لا يموت، طبقًا لمبدأ أينشتاين في التّضاد النّسبي في الوجود والغياب، تظل مدلولاته ومفاهيمه مخزونة في عقول الأحياء، تنتقل من جيل الى آخر وهذا ما يشهده ويبرهنه الواقع والتّراث الأدبي والمعرفي الإنساني المكتوب والمطبوع والعكس تمامًا في حصّة الملفوظ، فقد تبعثر وانتسى...

موت الإله جدليّة معتمة وطريق مغلق لا شأن لعلم النّقد فيها، فقد أراد داريدا إثبات فكرة وجوديّة، بفحوى قوله : من أنّ الكتب المقدّسة السّماويّة أقرّت موت كاتبها، لكونها حين تخضع للتّفكيك تظهر شروخًا ونواقصًا وتناقضات في مضامينها([1])، وهذا الرّأي بعيد عن آليّة تعقب المنقوص بالنّظرة الأحاديّة في نقد النّصوص، والحقيقة اللّغويّة تثبت بأنّ تسمية النّص تُبَرْهن بنعته عند كتابته وليس بلفظه، لأنّه في لفظه إعلانًا لغيابه واضمحلاله بعد لحظة التّكلّم مباشرة، وهذا الرّأي أو الاعتقاد بحدّ ذاته يعدّ خروجًا جدليًّا معقولًا ومحايدًا من المأزق الوجوديًّ في الفلسفة الأوربيّة الأحاديّة وفلسفة الاختلاف والإرجاء التّفكيكيّة باتجاه السّاحة الذّرائعيّة العربية، بتوافق معقول مع الواقع العربي  المتدّين بالخلق والإنسانيّة، تثبته سورة الكرسي وسورة الإخلاص وسور وآيات كثيرة  في القرآن الكريم والكتب السّماوية الأخرى بما يخصّ خلود الإله وصمديّته‘ أما فكرة موت الكاتب فهو رأي خبيث يشير به داريدا نحو موت الإله لكونه أول كاتب للنّصوص المقدسة، فما يخرج عن هذا الرأي مطلقًا الفلسفة الأحادية، لكن الحقيقة، عند التّحليل اللّساني أو النّقدي علينا أن نصوّرالكلام المنطوق عن طريق  الكتابة، كصورة للّغة المحكيّة الأصليّة التي رسمها الدّماغ الإنساني في مركز اللّغة في المخ، وحاجة الكتابة قرّرتها موجودية التحليل والعلوم المتعلقة به كعلم اللّغة واللّسانيات والنّقد والأسلوبية، فحين نحلّل شيئًا لايمكن أن يكون غير موجود، بل يجب أن تقرّ موجوديته أولاً قبل تحليله ببنيته وكينونيته التي تكون صورة من العالم الخارجي نحو العالم الداخلي، لكن ما نريد تأكيده بالفعل، هو أنّ الدلالة صورة وعلامة سيميائيّة للاستدلال، ظهرت مع الكتابة ومع التّحليل والدّراسات التّحليليّة التي تشعّبت إلى تفسير وتفكيك وتشريح....الخ... بشكل أعمق من ظهورها مع الكلام المنطوق، لأنّها في المنطوق لا تبقى شاخصة لتقوم بواجبها الاستدلالي والإشاري والتّحليلي، لاضمحلالها السريع بعد لحظة التّكلّم مباشرة، لذلك فالدلالة المكتوبة هي الأرسخ في التّحليل النّقدي، وليس الدّلالة المحكيّة.

وخلاصة القول، فإنّ داريدا صاحب التّفكيك هو رجل فيلسوف وليس ناقدًا أدبيًّا، وضع أسس فلسفة الحضور والغياب بمبدأ حضور الإله (اللوغوس) الذّاتي وغيابه، ولكن زجّه الفلاسفةُ والباحثون في متاهة النّقد الأدبي بكتاباتهم المستمرّة عند حياته، حتى كسر ظهر الدّلالة بغرافيّة التّمركز والاختلاف، باعتباره أنّ الدّلالة اللّغويّة المكتوبة تصبح ظلًّا للدّلالة اللّغويّة المنطوقة التي تمثّل ذاتيّة حضور الإله، والأخرى المكتوبة تبرهن موته، فهي إذًا تنتج اختلافًا في المعنى يتجلّى في الإرجاء والأثر، وقد يجيء مغايرًا لها حين تكون منطوقة، ومن هنا انطلقت الذّرائعيّة بتثبيت أقدامها على أرضية النّصّ المكتوب، بشكل معاكس تمامًا لما ثبته داريدا آنفًا بنتيجة موت الإله......

 

د. عبير خالد يحيي

الإسكندرية 21 يونيو 2020

......................

[1] - الدكتور نبيل راغب – موسوعة النظريات الأدبية – ص230 و231