صدرت الرواية عن دار الفاروق، سنة (٢٠١٨)، لكاتب معروف في نابلس، وبوسع الدارس أن يستقبل النص الروائي من زوايا عدة وأبعاد متعددة ؛ من مثل عتبة النص، والبناء اللغوي، وتحليل عناصر النص الروائي ... غير أني ارتأيت أن أداخل في المحاور الآتية:

١- سرد (وجهة النظر):

 من المعلوم أن الروايات الكلاسيكية قد سيطر عليها السرد من فوق، وتمتع السارد بصفة (كلي المعرفة)، ويمكن تصنيف الرواية أوراق خريفية ضمن سلسلة الواقعية، وهو ما يستدعي من ناحية معينة سرد وجهات النظر" وتنتج وضعيات وجهة النظر عن اختيار وعي إحدى الشخصيات لتكون مصدرا لرؤية العالم السردي، وبحسب تقنية وجهة النظر يتموضع الروائي بشكل ما في وعي إحدى الشخصيات ؛ليكشف لنا الواقع الذي لا ينظر إليه حينئذ نظرة موحدة" وتعتمد وجهة النظر على ذوات الروائي والراوي والمروي عليه والقارىء، وهنا تموضع الروائي في وعي الساردة ؛لتقديم آراء متباينة تصل حد التناقض في بعض الأحايين، والمتلقي يلمس تعددا واضحا في طرح زوايا تبئيرية للسرد سواء فيما يتعلق بوجهة نظر الساردة حول المرأة ووجهة نظر الصديق الأديب في الانتخابات والتنظيمات، والحملات الأمنية،

حتى إنه يدخل عميقا في عقلية بعض التنظيمات السياسية ورؤيتها للواقع والتغيير؛مامنح النص بعدا تجريديا وحياديا وهو ما مكن القارىء من المشاركة الفعلية في تحليل الحدث الروائي.

٢- التحليل السياسي والاجتماعي للواقع:

 يطرح الدارسون سؤالا اشتباكيا يقول:هل تعد الكتابة الوجه الآخر والبديل (أو هكذا يفترض) للواقع المعيش بما يطرحه النص على لسان شخوصه من نقدات وتحولات وتغيرات ؟ بطبيعة الحال فإن النص يمثل وجهات نظر متنوعة ومتعددة حول عديد القضايا المطروحة في السرد، وهنا تبرز قيمة النص "وخصوصية الموضوع ؛ الفاعل والقيمة الضرورية للعمل السردي ." وبنية التحليل قائمة على تجربة واقعية تابعتها شخصيات النص في كل مفاصل الأحداث .وبوسع القارىء التدليل على صحة هذا التوجه قدرة الصديق الأديب على التنبؤ بفوز إطار سياسي ما في الانتخابات البلدية، وفشل آخر مستندا إلى تحليله القائم على الملاحظة والمشاهدة، وفي ضوء ما تقدم يستطيع المستقبل أن يقول :إن البيتاوي كاتب اجتماعي بامتياز بما حفل نصه من موضوعات وأحداث سياسية واجتماعية وفق المنطلقات الفكرية للروائي نفسه، وبأسلوب واقعي، ولغة متناولة، والمتابع لتسلسل الأحداث يجد أنها تتمازج وتتفاعل في ذاتها وشخوصها المستلة من الواقع بكل تناقضاته .

٣- البعد المعرفي للنص والخلفية الثقافية:

 وهذا جلي بما تطرحه الرواية من بعد تاريخي، وأيديولوجي، وديني،

 غير أن السردية في بعض الأحايين لم تسائل النص الغائب الا على شكل تعليقات نهائية، من مثل قول النص:"على سيرة الجنس الآخر، هل قرات كتاب سيمون دو بفوار " الجنس الآخر".؟

وفي معرض تعليق الساردة على قول الصديق عن مدى رضاها عن ذاتها يرد عليها :" أرجوك خذي كلماتي دائما كاملة لا مجزأة ...فانت لست من القوم الذين يقولون" لا تقربوا الصلاة" وينسون تكملة الآية الكريمة" وانتم سكارى".وينظر الصفحة (٧٣) حين يستدعي شخصية خالد بن الوليد إذ لم يعدّ شهيدا رغم جهاده الطويل، كما يحدث في فوضى (المصطلح) عندنا، وكذلك شخصيتي الفاروق وعمرو بن العاص.

وأحيانا يسائل للتاريخ ؛ يحاكم، ينفي او يثبت، وينتقد " إهمالنا لتاريخنا " على عكس اليهود تماما ص٧٤. ظهر ذلك في مقارنته بين كتاب التاريخ العرب واليهود. وفي موضع آخر

تربط الساردة بين حالتها الشبقية والتخديرية مع الصديق دون أن يقتلها وبين إحدى بطلات آ رنست همنغواي التي قالت لثائرها "كم اتمنى أن أموت الآن ..فإن الموت في هذه اللحظة سيكون لذيذا جدا" ص ٩٦. (الاستزادة ينظر الصفحات ١٦٨، ١٦٩).

4- تداولية وسيميائية الأمثال الشعبية:

 وهو ماشكل ظاهرة يمكن تتبعها في كل مفاصل النص السردي، حينما تشتبك مع البعد الشعبي في النص السردي لنكن حذرين ومتسمين بالدقة ؛إذ لا يجوز دراسة الكائن اللغوي الشعبي الا تداوليا وسيميائيا ؛ فإذا كانت السيميائية التي تعنى بالعلامة اللغوية ودلالتها فإن التداولية تدرس اللغة في حياة مستعمليها، وثمة ثلاث خطوات لتحقيق ذلك ١- قراءة تلفظية لنص المثل ٢- قراءة المعنى الحقيقي ٣- قراءة المعنى الثاني التداولي وحيثيات توظيفه في السياق السردي:

ولنضرب لذلك مثلا، حيث ورد المثل الآتي في النص :"قالوا لفرعون مين فرعنك؟قال ما لقيت حدا يردني" . يحيل المثل لشخصية فرعون الطاغية المتجبر واستعباده للشعب، لكن ما علاقة فرعون بالرواية واحداثها؟ جاء المثل بمثابة استعارة تمثيلية لظاهرة المسلحين الذين يفعلون ما يحلو لهم دون أن يحرك الناس اي ردود أفعال تجاههم، كما في حادثة سيارة أحد المسلحين (٧٠) فجاء المثل ليسقط حالة فرعون كحالة مغروسة في الوجدان الثقافي العربي على حالة الفوضى...

ومثل ذلك يقال في بقية الأمثال " حارة كل من ايدو إلو ": ص٧٢)" و" بطيخ يكسر بعضه":٧٣) ومن مثل التعليق على نجاح الحملة الامنية "والمية سوف تكذب الغطاس":ص:٨٢.

ويمكن مراجعة المثل الشعبي ص:٩٣.

5- الهامش والمركز في النص:

 يتمثل المركز في (الله بوصفه سلطة عليا قاهرة أولا، وقد ظهر ذلك في ثنائية القدر والنصيب، والرجل ذو السلطة الذكورية ثانيا، المدير مثلا) وكذلك الحاكم بوصفه ممثلا عن اللوغوس الأعلى وظل الإله الحملة الأمنية، و رجل الشرطة ورئيس التنظيم، والعصابات المسلحةو الاتاوات نماذج مطروحة) ولكن السؤال هل حطمت الرواية ذلك المركز وكسرته وأحالته إلى الهامش الذي يتمثل ب (العقل، المرأة، والعبيد المواطنون) ففي

(ص ٢٤٨) في معرض حديث السارد ة عن جلطة الأب وإصابة الأخ " ما بتلبسني الآن ليس حزنا وانما هو لون من ألوان القهر التعسفي القدري الذي لايستطيع أحد معه شيئا وأي سؤال يطرح أو عبارة تقال لن تخلو من لون من ألوان الكفر والجحود، أعلم أنه لا اعتراض على أحكام الله؛ لأنه وهبنا عقلا يمكن أن يرشدنا إلى طريق الحق والصواب "

6- الموقف النقدي:

من البديهي أن الواقعية التسجيلية لا تطرح اي انتقادات واقتراحات للواقع عبر تجربة الكتابة .في حين أن الواقعية الاشتراكية تصف الواقع، وتتبنى رؤيا خاصة لما يجب أن يكون أو كيف يمكن أن يكون عبر ثنائية (الوعي القائم والوعي الممكن) وهو ما يظهر بوضوح في النص على لسان الصديق الأديب، وتطول المداخلة إذا أردنا أن ننمثل لذلك فقد لا تخلو صفحة من موقف نقدي فيما يتعلق بالموقف من الحب، والمرأة والأمن، والمناهج الدراسية، والإعلام، والحياة الاجتماعية والسياسية. فهو لا يسجل الحدث ويهرب إلى الحدث الآخر، بل يتوقف مليا ولا يغادره حتى يسجل موقفا منه، حتى في الأمور الصغيرة، وهو في معرض تبنيه لموقف ما نراه يفسح المجال لآراء أخرى معارضة أو موافقة ومعيارا ذلك الحوار والقناعة .

7- التجربة الإبداعية وسيكولوجية الكتابة وطقوس السرد ومعايشة الواقع

 بل والاحساس به ألما وطموحا ولذة وإخفاقا وغواية ...نرى ذلك في كل حوارات الساردة مع الصديق الأديب ومع الصديق الشاعر أيضا؛ ففي (ص ١١) تقول الساردة " لقد أقنعت نفسي في حينه أنه من الأفضل لي ككاتبةأن لا أكون مقيدة باتجاه محدد حتى أستطيع أن ألمّ بكل الخيوط، كي أتمكن من طرح أفكاري دون قيود" وكذلك

(ص٦٧) يقول الصديق الكاتب:"الكاتب الموهوب لديه قدرة على التقاط الأمور الصغيرة التي تبدو تافهة في أعين الآخرين ولكنها في الواقع هي المحرك الرئيس للاحداث" وتتضح سايكولو حية الكتابة في (ص١١٩):" قال لي ذات يوم : إن الكتابة دون تجربة لا تؤدي إلى نتائج سليمة، وانما تسلمنا إلى محاولات تخيلية فجة".

8- ثقافة الجسد كموتيف ذكوري وثقافي وعرفاني وفلسفي وطبي:

بالإضافة إلى نسقيه الرمزية والجمالي ولعل التركيز في الرواية كان على تمظهرات الجسد وعلاقته بالإيمان يقول النص:"كثيرون لا يتعاملون مع المرآة الا كجسد، لا قيمة للعواطف والمشاعر الإنسانية عندهم "ص٣٤.وباعتقادي أن النص لم يتقدم نحو ثقافة الجسد نحو العرفانية الصوفية، أو تحولاته الحداثية، اللهم في قصة السكرتيرة التي تمكنت من الإيقاع بالمدير من خلال العبث بالجسد، في حين فشلت غادة بذلك.

9- الحُبكة الروائية:

الحبكة الشدّ، وتحبكت الفتاة بنطاقها :شدته في وسطها، الاحتباك شدّ الإزار وإحكامه.(ابن منظور : مادة حبك) .ويعرف اي. ام. فورستر الحبكة : سلسلة متصلة من الأحداث ترتبط مع بعضها ارتباط السبب بالنتيجة لتصل في النهاية إلى حل مرضي للشخصية" ومن الدارسين من يوازي بين الحبكة والشخصية فالشخصية هي الحبكة والحبكة هي الشخصية، (إف سكوت) ويرى ابراهيم خليل أن للحبكة ثلاثة عناصر الصراع والعقيدة والحل (النقد الأدبي الحديث) .

ويرى القباني أنه "كلما توافرت أنواع الصراع الثلاثة" المادي" و" الأخلاقي"و" الظروف المعاكسة" كان حظها من النجاح اكبر"ص٤٣.(القباني: ٤٣)

وإذا تلقينا هذه المفاهيم بالقبول، أقول هذا الشرط ؛ لأن رواية ما بعد الحداثة لا تركن للحبكة بل لتداعي الأحداث وتجريب أشكال حداثية - نجد الصراع مشتبكا بين شخصيات النص غادة وشوقي من جهة، وغادة وأمها، وغادة ومديرها، والصديق الأديب مع شوقي، والاب والابن ...واذا ما استثنينا صراع الحدث الرئيس بين شوقي وغادة وما ترتب عليه من إفرازات نفسية واجتماعية وظروف معاكسة، فإن الصراعات الأخرى تبدو سطحية من حيث معالجتها، أما عن تشابك الأحداث السياسية فقد ظهر من خلال متابعة الحملة الامنية والانتخابات البلدية، ص١٠٩. وقد يرقى الصراع حتى يتحول إلى صراع بين قوتين متضادتين أوفكرتين متعارضتين كما هو موضح بين فكرة الإلزام والالتزام١٢٨، فكرة الحرية بين الشرق والغرب ص١٦٨.، وفكرة القوة مقابل القوة ص٧٠، فكرة التعصب بين اليهودية والتكفيريين، ص ١٧٢- ١٧٤.

غير ان بؤرة الصراع تتأزم في دواخل الساردة حينما تواجه ظروفا معاكسة تماما سواء في تجربة الحب الفاشلة مع شوقي، او حدوث بُعد اختياري مع الصديق الاديب.

ولا يكاد القارىء يتعثر بلحظة التأزم للحدث الذي يفضي إلى حل.

وتبقى الرواية مرشحة لمداولات أخرى.

 

د. خليل القطناني

 

عدنان حسين احمدمن روايات القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية

ثمة روايات كثيرة تحلّق في الخيال لكنها تنطلق من الواقع أو تتلاقح معه لتشيّد واقعًا موازيًا لا يمكن قراءته إلاّ بشكل مجازي من دون التفريط بمعطياته الحقيقية التي قد تستدعي نظيرًا للبطل المركزي أو أي شخصية مُساندة في النص السردي. ورواية "سلالم ترولار" لسمير قسيمي الصادرة عن "منشورات المتوسط" بميلانو التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية هي من هذه الروايات الإشكاليّة التي تعتمد كليًا على فكرة بناء "الواقع الموازي" الذي يمتحّ كثيرًا من الخيال لكنه يظل متشبثًا بالواقع الأسيان الذي ينتقده، ويمعن في رسم صورته الممسوخة التي شوّهها القادة المؤلَهون الذين هبطوا من الأعالي وهيمنوا على شعوبهم بسياسة الكذب والتضليل والإيهام.

تنحصر ثيمة الرواية باختفاء الأبواب والنوافذ من العاصمة التي يُرمَز لها بـ "المدينة الدولة" فتُنهَب البيوت والثُكنات والمحلات التجارية والمباني الحكومية ولم يصمد منها إلاّ قصر الحكومة، كما يفرّ السجناء من سجونهم ومعتقلاتهم فيختلط الحبال بالنابل لكن ما إن يستردّ الكاتب موهبته مباشرة بعد قراءته لرسالته المتأخرة خمس سنوات حتى يشرع بالكتابة فتعود الأبواب والنوافذ إلى أماكنها وينحسر ضجيج الشارع لينعم بالهدوء والسكينة ثانية. ومثلما يكمن الشيطان في التفاصيل فإن أهمية هذه الرواية تكمن في ثيماتها الفرعية التي تؤثث المتن السردي الذي يروي قصة كل شخصية على انفراد سواء في واقعها الحقيقي أو في الواقع الموازي الذي صنعتهُ مخيّلة الروائي سمير قسيمي.

يشتمل الفصل الأول من الرواية على الشخصية المركزية جمال حميدي كما يضع بين أيدينا الخيوط الخفيّة لشخصية أولغا التي تنطوي على بضعة أسرار تتكشف تباعًا، إضافة إلى موح بوخنونة وابراهيم بافولولو، واثنين متشابهين يدّعي أحدهما أنه شقيق ابراهيم، الذي وافته المنيّة، وجاء لكي يأخذ كل ما له علاقة بتجارته وملابسه التي وضعتها أولغا في محفظة وثلاث حقائب. ولكي نمهّد الطريق إلى القارئ لابد من القول بأنّ حورية التي سيُطلق عليها اثنان اسم "أولغا" قد وُلدت لأبوين مجهولين ثم تبنّاها السيد ابراهيم بافولولو ومنحها لقبه، وبعد ثلاث سنوات تأكدّ بما لا يقبل الشك أنها مُصابة بالبَرَص لكن ذلك لا ينفي أن الدماء التي تسري في عروقها هي دماء نبيلة تجعل منها إلهة أو نصف إلهة على أقل تقدير.

لم تكن أولغا جميلة لكنّ المُضّلِلين جعلوها كذلك وأولهم جمال حميدي، كما أغدقوا عليها لقب الشاعرة وهي أبعد ما تكون عن الشعر لأنها غير موهوبة أصلاً، وحينما يقع الحادث المروّع والأليم لجمال حميدي ويُصبح مُقعَدًا ونصف عَنِّين تطلّقه وتتركه لحال سبيله، فهو بوّاب رفض طوال أكثر من عشرين عامًا أي نوع من الترقية لأنه كان معتزًا بهذه المهنة التي لا تكلّفه سوى النظر إلى وجوه الداخلين والخارجين إلى مبنى وزارة الثقافة والتلصصص عليهم وقد درّب حاسته السمعية حتى بات يمتلك ذاكرة صوتية مُرهفة يميّز فيها أصوات البشر والحجر والشجر والحيوانات الأليفة التي تقترب من الوزارة أو من محل سكناه.

ينتمي ابراهيم بافولولو إلى جماعة اللامرئيين الذين لا ينتبه إليهم أحد، وهو أصلاً بلا أصدقاء مكتفيًا بذاته وابنته حورية التي عادت إلى اسمها الحقيقي بعد أن تخلّت عن اسم أولغا الذي حصلت عليه لأنها تشبه النساء الروسيات في البياض وقوّة الجسم. ثمة أفكار مهمة في الفصل التمهيدي من بينها ابتكار مُواطن بلا رأس، تحتل بطنه مساحة أكبر من جسده يتمتع بكل الحقوق من بينها سكن بلا مُقابل، وظيفة بلا مؤهلات، علاج مجاني وربما يكون ابراهيم أنموذجًا "للرجل- البطن".

يحتل الكاتب أهمية خاصة في هذه الرواية رغم أنه يبيع كتاباته كي يؤمّن هاجس العيش، فقد أنجز سبع روايات وباعها إلى "الرجل صاحب اسمه"، وبقي هو متخفيًا ومجهولاً. وحينما ننبش في تاريخة الشخصي نكتشف أن أمه قد ماتت قبل سبعة أعوام ثم انصرف إلى حياته الخاصة حيث أحبَّ، وتزوّج، وأنجب، وكتب روايات، وسافر إلى الخارج لكن الظاهرة الفارقة في حياته الإبداعية أنّ الكتابة ارتبطت لديه بالوحدة والانطواء. ولو دققنا في بعض التفاصيل فسوف نكتشف أنها لا تختلف عن تفاصيل الروائي سمير قسيمي نفسه، فكلاهما انتقل من الريف إلى وسط العاصمة، كما أنهما بنفس السنّ تقريبًا، ولعل الاثنين يخشيان انطفاء وهج الموهبة.

بعد أن اختفت الأبواب والمنافذ في العاصمة كلها هبّ مواطنون "بلا رؤوس" من الذين ابتكرتهم الحكومة حديثًا وذهبوا إلى جمال حميدي بوصفه عميد البوّابين، وأهمّ رجل في المدينة الآن فأخبرهم:"انتابني اليوم شعور غامض بحدوث الأمر"، وخطب فيهم لساعتين من دون أن يأتي على ذكر الأبواب والنوافذ المتوارية، فمواطنو "المدينة الدولة" لا يحتاجون إلى إجابات وإنما إلى رجل يُوهمهم بأنه يملك تلك الإجابات التي تخدّرهم وتجعلهم يشعرون بالخط الوهمي الذي يفصل بين عالمهم وعالَم الأوغاد. اقترح جمال تشكيل أبواب بشرية تحول بين الآلهة والهمج الراغبين في اقتحام قصر الحكومة.

لابد من الإشارة إلى أنّ الكاتب اقتنى من بائع جوّال صورة لرجل زنجي وظل يفكر فيه، ومع ذلك بدأ يكتب بلا توقف ولا يعود إلاّ برواية كاملة يبعثها إلى الرجل صاحب اسمه. ورغم رواياته السبع يشعر بأنه ليس كاتبًا وإنما مجرد رجل تعثّر بالكلمات.

تتشكّل الانعطافة الأساسية في حياة جمال حميدي حينما يدعوه "الرجل الضئيل" ويخبره بأنه معجب بجرأته حين يقف أمام الكاميرا ويُوهم الناس بأنه يملك حلولاً لمشكلاتهم، فهو بخلاف السحرة والمشعوذين ورجال الدين قادر على أن يصدّق خِدَعهُ وأوهامه لكنه يحتاج إلى شخص مثل "الرجل الضئيل" كي يدّربه على عدم قول الحقيقة من دون أن يكون كذّابًا فيخصص له ثلاث ساعات يوميًا ويعلِّمه  كل حِيل السياسة ودروبها، فالشعوب تفضّل دائمًا أن تعيش في واقع موازٍ يُوهمها بالقدرة على تحقيق مصيرها.

كلما يتقدّم الكاتب في روايته يتراجع ضجيج الشارع وتظهر الأبواب والنوافذ تباعًا في شقته ذات الغرفتين المحتفيتين بعزلته، وبعد عشرين يومًا تستعيد المدينة أبوابها ونوافذها المختفية بينما تُشارف روايته الجديدة على الانتهاء غير أن الرجل صاحب اسمه لا يردّ على مكالمات الكاتب ورسائله البريدية. وفي الوقت ذاته تعلن نشرات الأخبار عن قبول السيد جمال حميدي بتسيّير الدولة لحين انتخاب رئيس جديد. يسقط حميدي من كرسيّه في حضرة الرجل الضئيل الذي بقي مستمتعًا بمشاهدته وهو غارق في عجزه. ينتقم الرجل الضئيل من عصام كاشكاصي شرّ انتقام حينما جعله يعيش على الهامش لكنه يعترف بأنه ظل عصيًا على الموت. أما جمال حميدي فقد أعاد أولغا إلى عصمته بينما تمكّن سكّان المدينة الدولة من استبدال وصفهم "الغاشي" بالشعب الذي استحقوه عن جدارة. أما الكاتب الذي اقتنى صورة الزنجي غريجا فسوف نكتشف في خاتمة المطاف أنها وجه الكاتب نفسه الذي قرّر أن يكتب اسمه الحقيقي على الرواية التي تحمل عنوان "سلالم ترولار" لمؤلفها سمير قسيمي.

أصدر قسيمي تسع روايات نذكر منها "يوم رائع للموت" و"هلابيل" و"الحالم" و"حُب في خريف مائل" التي تُرجم بعضها إلى لغات أوروبية متعدة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

صالح الرزوقبقلم: جين إينيس

ترجمة صالح الرزوق

من الواضح من شعر سيلفيا بلاث، ومن روايتها (الجرس الزجاج)، ومن بقية كتاباتها، أنها بنت وامرأة ذكية وحساسة بشكل استثنائي. فكيف حدث لاحقا، أنها  لم تجد لنفسها المفردة  في هذا العالم مكانا مريحا ومطمئنا ومفيدا؟.

عندما ننظر لطفولتها، نلاحظ أن والدها شجع حالة اليقظة عندها، وأن أمها بذلت جهودا فائقة لترى ابنتها ناجحة في المجتمع. وبالتأكيد هي تنحدر من عائلة شجعت وأثنت على إنجازات ابنتهم، وأوضحت أيضا أن التربية أحد مفاتيح النجاح. هل كان القدر الشرير، والحياة القصيرة يرتكزان في مصير بلاث على وفاة والدها غير المتوقعة وهي بالكاد بعمر ثواني سنوات؟. لقد كتبت عن هذه الخسارة مرارا وتكرارا، ولكن لم يكن يبدو أنها قادرة على التخلص من أحزانها، أو ربما كان هذا الحزن هو  الذي سمح لها بالاستمرار. فجدها، وهورجل لطيف، بالظاهر، وكان يهتم بها ويرافقها، لكنه لم يملأ الفراغ الذي خلفه موت الوالد. ومع ذلك لم يكن والد بلاث استثنائيا، بالأخص كأب. في البداية، خاب أمله من ولادة بلاث لأنها بنت، ولم يكن مسرورا من تحمل مسؤوليات الأبوة. ثم تبدل ذلك بسبب فتنة وذكاء بلاث الواضح.

تبدو معظم شخصيات بلاث البسيطة، ولا سيما في (الجرس الزجاجي)، ذكية ومرحة. وكذلك كانت إيستير، وضمنيا بلاث نفسها، أرادت أن تكون البنت المناسبة التي سيحسدها الآخرون على إنجازاتها. وقادها ذلك إلى أن تكون نوعا معينا من النرجسية الشابة. وهذا في النهاية سيتحول لمصدر إزعاج لها، إنها نرجسية ربما لن تساعد الشاعرة في محاولاتها للنضوج. وعلى سبيل المثال في عام 1958 كتبت بلاث قصيدة تسمى “أنا أريد، أنا أريد”، وصدمنا فيها فكرة أن بلاث أرادت  الكثير من حياتها وبسرعة. 

ولو أنها لم تستسلم إلى اللوعة، وهذه حال والدتها (حسب يوميات بلاث لم تذرف أمها الدموع في الجنازة)، فإن شاعرة نرجسية مثلها، لا يمكن أن تستسلم لرغباتها الفتية. وعليه، هناك ضعف في الاهتمامات. بالمقابل نحن لم نعرف بالضبط ماذا كانت إيستير تكره في بودي ويلارد، باستثناء أنه منافق - حسب ما تقول.

وربما كان عدم النضج هو الذي دفع بلاث الشابة للقفز إلى عدة مراحل مختلفة من حياتها قبل أن تصالح المراحل السابقة. ويجب أن تلاحظ أنها ألقت بنفسها بعمل أكاديمي، ولكن دون أن تتخلى عن مشاعرها الطفولية. فقد غادرت إلى مدينة نيويورك قبل أن تكون قادرة على هضم خبرات حياتها الجامعة. وبعد انهيارها، تخلت عن الجامعة وسافرت إلى إنكلترا. وبالسر تزوجت وعملت بالكتابة ودخلت هذه المهنة.  ثم بسرعة أنجبت ولدين، وانفصلت بعد ذلك عن زوجها. ثم عادت إلى الولايات المتحدة عام 1958، وبدأت بزيارة طبيبها النفسي مجددا. وقد جرى كل ذلك مثل طفل يقفز من صخرة إلى ما بعدها، دون أن يتمهل. ولذلك ليس من المستغرب، أن إيستير لم يكن بمقدورها أن تعزم رأيها على أية “ثمرة” تقطفها. وبنفس الطريقة كانت بلاث دائما مشغولة جدا وتقضم من الثمار التي أمامها ولا تعرف أيها تختار.

والكتاب الذي يوفر لنا نظرة عمودية ومفصلة عن الطبيعة التنافسية لنساء المكان والزمان اللذين تنتمي لهما بلاث هو كتاب دافيدسون “سقوط بيت الدمية”. كتاب دافيدسون هو تاريخ اجتماعي لعلاقة النساء مع بيوتهن وحياتهن المنزلية. وما تقدمه لنا عن بلاث هو دراسة توجيهية وهامة، فقد تابعت بلاث منذ اللحظة التي سكنت فيها بغرفة واحدة معها في سميث. وفي كلام دافيدسون عن نساء العقد الخامس من القرن العشرين - النساء الطموحات والمتميزات اللواتي انتسبن لجامعة “الأخوات السبعة” - صورة عن بنات صغيرات تحاولن الوصول للـ “قمة” بكل شيء. نجاح في المهنة والبيت وعلى الصعيد الفردي.  مشرقات وجميلات وغنيات. وتخبرنا دافيدسون كيف أن بلاث دقت على أبواب  مجلات النساء في محاولة لنشر وبيع نصوصها. وقد وضعت في دراستها رسالة كتبتها بلاث من إنكلترا وأرسلتها إلى أمها في موطنها تطلب فيها إرسال نسخ من  “مجلة سيدات المنزل” لأنها لا يمكن أن تجدها في لندن. وعليه، نرى أن بلاث لا تريد أن تكون كاتبة جيدة فقط، ولكن نوعا من الأنثى الكاملة التي يمكنها أن ترتب ديكور منزلها على نحو مدهش. وطبعا لم تفلح في أداء كل هذه الجوانب. وليس من المستغرب، والحال كذلك، أن تشعر بالمرارة أحيانا. وكان شعور بلاث حيال مكانها من المجتمع أنه مكان فارغ ومجدب، وشديد الاستنزاف لمقدرات الإنسان.

هذا التشتت في المقدرات، ربما هو موجود، في إحساس بلاث بانعدام الأمان، وربما أيضا، بنوع محدد من الأنانية الرومنسية. وكان بمقدور بلاث القيام بأي عمل، ولكنها لم تشعر أن هناك شيئا واحدا وواضحا يستحق التعب في هذه الحياة.

وهذا العجز عن أن تكون حقا مرتبطا بدور خارج دائرتك، أو بجماعة، يمكن أن تراه  في علاقتها مع عائلتها وأصدقائها، وأيضا في مشاهد من “الجرس الزجاجي” وتدور في مصحات عقلية.  ونتساءل كيف أمكن بلاث فعلا أن تتصرف خلال زواجها مع تيد هيوز، رغم كل الرسائل لأمها والتي تصف فيها طريقة سير الأمور: لعدة سنوات، لم تتقبل بلاث حياتها بجماع قلبها، وكذلك لم ترفضها بكاملها. وحينما أرادت إيستير أن تحصل على صورة  “صيفية” من أجل “يوم المرأة”، اختبأت في الحمام لأنها أوشكت على البكاء. فقد رأت أن صورتها مقيتة، لكنها لم ترفض هذا العمل.

وقد اهتم بهذا النوع من العصاب، الذي يصيب الشباب بشكل خاص  (الذكور والإناث)، عدد من الكتاب. بعضهم نظر له على أنه عدم نضوج ولكن سمحوا لهذه الشخصيات في النهاية بالنمو. وآخرون نظروا إليه كبوادر على التمرد ضد مجتمع جائر، ولكن حتى في هذه الظروف كان على الشخصيات في النهاية أن تضع العالم في الحسبان. والبقية نظروا له كـ “مرض شبابي”، وفيه حصيلة حياة الأفراد تعتمد، على طبيعة الشخصية الفردية (بالإضافة للقدر و/أو التاريخ). وفي (الجرس الزجاجي) لم نقابل إستير أبدا خارج حدود الهتمام الشديد بالذات.

أحيانا نتساءل إن كانت هذه النرجسية هي نتيجة حقيقة أن عصاب بلاث هو عصاب أسلوبي، مثل أسلوب رواية  (صياد في حقل الشيلم)، وهي رواية من نفس الحقبة. هذا العجزعن الاختيار، أن تختار مسؤولياتك، بالإضافة لتشتت الاتجاهات والميول، والتشرذم (التجزؤ الشخصي) - عبارة عن ردة فعل على فترة الخمسينات بكل ما فيها من قسوة ومحافظة. تتكلم سوزان سونتاغ في كتابها (المرض كمجاز استعاري) عن السرطان، ولكنها تذكر أن المجتمع يقرر أسلوب ما يشكل “المرض التراجيدي” وكيف يتصرف أفراد المجتمع مع هذا المرض. وتخبرنا بلاث في (الجرس الزجاجي) بالكثير عن “أسلوب” العصر، ونفهم منه أن اهتمام إيستير بمجلات الأزياء هوالمسؤول عن انهيار إيستير، كما تقول بلاث. 

ويجب أن نتساءل الآن إن كانت إيستير تحمل المرض العقلي جزئيا لأنها كائنة متاحة وعصرية. وإن كانت سقطت لاحقا في لعبة بلاث وأصبحت انتحارية لسبب واحد، أنها لم تجد لنفسها مكانا مناسبا. لقد سقطت في فخ نرجسيتها الخاصة. فقد واصلت اللعبة وراء نجاحها و“سعادتها” حتى لحظة النهاية. ولم يعد بمقدورها أن تفكر بالماضي بإخلاص، ولم يعد لديها اهتمام بالمستقبل. ولم تكن لديها فرصة لتقبل أصدقاء سعداء في ضمن دائرة حياتها. إنها مجرد شخص مفرد ضائع ومهمش. وكل فكرة عن مستقبلها، من وجهة نظر العمل أو الدور الاجتماعي، تبدو إما ممجوجة لها أو يستحيل تحقيقها. وأمام هذه الحالة الذهنية، لا تتراجع التوقعات فحسب، ولكن تختفي تماما. وعليه يبدو الموت الطريق الوحيد، والانتحار آخر فعل أو دور نقوم به.

ومع أن إيستير لا تموت، كما حصل مع بلاث في أول محاولة انتحارية، تستمر حالة الضياع والتردد حتى نهاية الرواية. ويمكننا أن نشاهد في قصيدة من نوع “ليسبوس” و“أبي” أن بلاث لا تجد في الأمومة والزواج شيئا تصلح له، أو تجد فيه نفسها. والحقيقة، كان سخطها عارما بسبب هذه الواجبات. فهي واجبات لا تختلف عن “الـمؤسسات” - التي تحد من حريتها وتعصف بتماسكها، كما هو الحال مع  المدرسة والمجلة والمصحة العقلية.

وتوجب على بلاث أن تعقد صلحا مع مؤسسات المجتمع أو أن تطور وسيلة لتجنبها. ولسوء الحظ، اشتبكت مع نرجسيتها الشخصية، والأسوأ أنها استلهمت أفضل قصائدها من هذه النرجسية. وفي النهاية لم تقدم لها حماية ذاتية، لقد وضعتها في دائرة ذاتية تساعد على تفكيك الذات فقط. ومن الواضح أن بلاث بالشعر وبظلام عذابها الذاتي وجدت مكانا لنفسها. وحتى ذلك المكان لم يكن آمنا - أو صحيا. وحتى الوظيفة الاجتماعية الأخرى لم توفر لها هما حقيقيا أو إشباعا وإرضاء ذاتيا.  في البداية، وجدت الرضا بإنجاب ولدين، بنت وصبي، ولكن نحن نجد في قصائدها وفي (الجرس الزجاجي) الكثير من الصور السلبية عن أعباء رعاية وتنظيف الأطفال. وهذا يدفعنا للاعتقاد أنها لم تكن مسرورة بأعمال الأمومة.

كانت بلاث في حالة اغتراب. والمؤسسات التي تكلمت عنها في (الجرس الزجاجي) وضعت إيستير بحالة اغتراب كذلك. إن  مهنته أبيها الأكاديمية جعلتها تعتقد أن علاقتها بالمجتمع يحددها النجاح في المدرسة. وحققت بلاث ذلك - كانت ناجحة علميا - ولكن لم تجد في المدرسة السعادة المرجوة. وفي نهاية المطاف، تخلت عن مهنة التدريس الأكاديمي في سميث. ثم حان دور تصوراتها عن زواج الأبوين ووفاة الأب والمسؤوليات التي تتحملها الأم بمفردها. وهذا ما حصل مع إيستير. فهي لم تتمكن من القيام بهذا الدور، كما أشارت بوضوح حينما تكلمت عن السيدة ويلارد.  ولننظر أيضا للفراغ الذي تعكسه ضاحية بوسطن. وهذا ما تسبب لإيستير بالكآبة قبل أول محاولة للانتحار. وفي (الجرس الزجاجي) ترسم بلاث لوحة مريرة لمدرستها - على الأقل للجانب السلبي الذي يدفعها للشعور أنها خارج المكان.  ولاحقا، تواجهنا مشاكل بلاث مع المؤسسات - مثل مشاكل إيستير مع المصحات العقلية.  لم تجد بلاث دورا لها - ولا حتى في هذه المصحات. وبعكس جوان، لم تفكر بلاث أن تكون أنثى تعمل بالتحليل النفسي. وربما كانت تشعر بسعادة أكبر في إنكلترا، كامبيردج، وبعد الزواج من تيد هيوز. غير أن قصيدتها “والدي” تضع زواجها ومصداقيته موضع التساؤل. ومن خلال صورة إيستير، ومن تفاصيل حياة بلاث، نرى أنها مرت بوقت عصيب ولم تجد الطمأنينة في وظائفها الاجتماعية التقليدية، ولا سيما الوظائف المرتبطة بالمؤسسات الكلاسيكية. وتقول أم بلاث، أنه من المفترض وجود رواية ثانية تغطي الجانب الثاني المشرق من حياة أبطال (الجرس الزجاجي). وطبعا تلك الرواية لم تكتب أبدا، وأحد الأسباب أن بلاث كانت وحدها في عالم لا يمنحها السعادة إلا من خلال الشعر.

ونرى إيستير في نهاية الرواية وهي في طريقها إلى اجتماع إدارة المصحة العقلية. وكانت خائفة، وتشعر بالقلق من نفسها. فهذا ليس هو المكان المناسب لها. تقول:”ها أنا أدخل إلى الغرفة”. والفكرة في هذه الكلمة”الغرفة”. فبلاث لم تكن سعيدة في غرفتها. ولم يكن هناك “غرفة لها حقا” (بالمعنى الذي استعملته فرجينيا وولف في مقالتها الطويلة). وقد سارت إيستير من جرسها الزجاجي الخاص بها إلى غرفة الإدارة، ولكنه “مكان”، أوغرفة في مؤسسة حساسة جدا، لا يمكن تصوره أبدا، وله وظيفة مزدوجة، وتقليدية جدا، ولا يمكن لإيستير أن تشعر فيه بالراحة والانشراح. ولذلك كانت تود العودة إلى جرسها الزجاجي. هناك على الأقل تجد نفسها. ولا تكون نسخة من الأخريات. وتحقق نوعا من الطمأنينة لا يمكن لأي غرفة في العالم أن تقدمها لها.

وبالنتيجة، إن نرجسية بلاث بحدين اثنين. إنها تصنعها وتستمتع بها. ولكن لا تجد أبدا غرفة عمل ترتاح لها، وتستمع بها، ولا يمكن للعالم أن يقدم لها مكانا أفضل على الإطلاق. إن بلاث نفسها، وهو ما يجب علينا ملاحظته، لا يمكنها أن تجبر مؤسسات العالم على تقديم الخدمات أو المساعدة: ونأسف أن هذا لم يحصل أبدا وأن سيلفيا بلاث لم تجد”غرفة” لنفسها حيث يمكنها أن تتنفس بحرية وتشعر.. نعم، هذا هو مكانها، وهنا موضعها، هذه هي غرفتها.

 

.......................

جين إينيس Inness Jeanne. كاتبة في cliffs notes.

  

تحضر تيمة الحب في رواية "البشرات" من خلال مظهرين، أولهما حب الوطن؛ حيث بيّنت الرواية أنه رغم التنكيل الذي تعرض له المورسكيون على يد قشتالة وأراكون فقد ظلوا متمسكين بوطنهم، وحتى الذين اضطروا منهم إلى مغادرته فرارا بدينهم ظلوا يقدمون الدعم والمساندة لإخوانهم الذين ثاروا في وجه الظلم حسب ما أتيح لهم من إمكانيات، وقد تشبع بطل الرواية عبد الرحمان بحب الأندلس، ورفض مغادرتها، وحتى لما نصحه والده بالهجرة لأنهم أصبحوا غرباء في أرضهم، وطمست كل معالم هويتهم رد عبد الرحمان ردا حازما" سنعيش ونموت هنا فهذه أراضينا"[1]، لقد كان يفضل أن يدفن في أرض الأندلس على أن يرحل، رغم أن نفسه تغالبه، وتصر على الهجرة إلى تطوان أو أي بلد آخر يأمن فيه على دينه، ولم ينفذ وصية والده الذي أوصاه بالهجرة، وإنما بقي بغرناطة يقاوم قسوة القشتاليين وظلمهم لأهل الأندلس، وقد دفع حب الوطن محمد بن الحسن الرندي ابن عمة عبد الرحمان إلى أن يختار الحرية والنضال حيث التحق بالثوار في تطوان، وانضم لسفينة عثمانية تغير على سواحل قشتالة وأراغون، فاستمر في مجابهة الظلم والاضطهاد إلى أن استشهد في إحدى المعارك مع الجنود القشتاليين. كما أن القائد التركي مأمون توران الذي كلف من قبل العثمانيين بدعم ثورة البشرات تعلق بالأندلس وأحب حضارتها، وكان قائدا لسفينة عثمانية تغير على سواحل قشتالة وأراكون، وشارك في ثورة البشرات، وقدم الدعم والمساندة لها، وكان صلة وصل بين الثوار والعالم الإسلامي، وحتى لما طالبه العثمانيون بالعودة إلى القسطنطينية لم يفعل، نظرا لتعلقه بالأندلس وشعوره بواجب الدفاع عنها.

والمظهر الثاني للحب هو: العشق المتجسد في قصة البطل عبد الرحمان الذي عانى الحرمان من حبيبته الأندلسية التي زوجها والدها لغيره فرحلوا إلى تطوان هروبا من قسوة القشتاليين وديوان التفتيش، " لم يتوقف وهو يعبر أمام باب الدار لكن قلبه يخفق بسرعة ليذكره كيف كان رحيلها، يذكر ذبول وردته بعدما قرر أبوها أن يزوجها من غيره فرحلوا إلى تطوان وعيناها لم تفارقه بعد"[2]، كما شاهد التنكيل الذي تعرضت له جارة حبيبته التي كانت تأتي له بالمراسيل، حيث أحرقت هي وعائلتها في حفلة ماجنة حضرها نبلاء غرناطة، لمجرد أن والدها رفع الأذان في بيته، فمنذ "ذلك الحين قرر عبد الرحمان الانتقام، فتحولت حياته إلى حمال يجوب السوق بحثا عن رزقه نهارا، وفي الليل صائدا للنبلاء والجنود القشتاليين، حياة سرية لا يعرفها أحد"[3]، وأثناء محاولة الانتقام من الدون ريكاردو الذي أذاق الأندلسيين ألوانا من التعذيب استطاع أن يخلص عائشة منه بعدما حاول اغتصابها، وعائشة من دانية بالقرب من بلنسية التابعة لحكم مملكة أراغون، وقعت في يدي جنود الدون ريكادو أثناء فرارها من الجنود الأراكونيين الذي تكفلوا بتشريد نساء دانية بالجبال بعد أن قتلوا الرجال، وتمكن عبد الرحمان من إحراق ريكاردو بمساعدة من خادمه العربي، فتسبب له في تشوه وعاهة مستديمة، ثم كفل عائشة وصانها في بيته إلى جوار عمته التي تعلقت بها، وأرادت أن تطمئن عليها بتزوجها لابنها محمد ، ورعاها عبد الرحمان كأخت له إلى أن زوجها للفارس التركي مأمون توران.

وتمكن عبد الرحمان من تعويض الحرمان العاطفي بزواجه من ثريا واسمها المورسكي إزابيلا وهي ابنة أحد زعماء الثورة خوان فراندس، فقد" أحبته كيف لا وهو زوجها الذي يحنو عليها"[4] .

كما يتجسد العشق في الرواية في قصة مأمون توران وعائشة، فقد تعرف مأمون على عائشة وأحبها، ثم تزوج منها، ومن تجليات حبه لها في الرواية أنه لما فاجأها تغني موشحا يكشف عن غربة أهل الأندلس وحدثها عن الحب دفعها الخجل إلى تغيير الموضوع فسألته عن مستجدات الحرب المشتعلة قال:

"- نعم إنها مشتعلة بقلبي منذ رأيت عيناك

- قالت بصرامة:

- مأمون، أتحدث عن الحرب وليس الحب

ضحك قائلا:

- وما الحب سوى حرب يخوضها القلب من أجل الحصول على محبوبته"[5]

وكانت هي الأخرى تبادله الشعور ذاته، لكنها تخجل من التصريح بحبها "ارتفعت نبضات قلبها الذي يكاد يخترق صدرها معلنا عن حبها الصامت"[6]

ويرتبط الحب بالتضحية، لذلك دفع حب الأندلس عبد الرحمان إلى تقديم مجموعة من التضحيات، منها أنه قام بتبليغ رسالة إلى هرناندو دي قرطبة بقرية بالور بالبشرات في يوم زواجه ليحثه على وقف المراسلات إلى أنحاء الأندلس التي تدعو للثورة، لأن القشتاليين علموا بأمرها، ومنها محاولته إلى جانب مأمون إنقاذ أحد قادة الثورة وهو القائد الزمار الذي قبض عليه وسيق مع ابنته إلى غرناطة، حيث عذبا على يد رهبان ديوان التفتيش في سجن غرناطة، فماتت ابنته ومات هو الآخر تحت التعذيب دون أن يستطيع عبدالرحمان ومأمون إنقاذه، بل سيخسران قائدا آخر من أبطال الثورة الذي ضحى بنفسه في سبيل نجاتهما وهو الشاب سانشو الأشبوني، ومن أوجه التضحية أيضا تكفل فرج بن فرج بدفع غرامات الأندلسيين خاصة المجاهدين.

وأما تيمة الخيانة فتتجسد في الرواية في خيانة الثورة والوطن، إذ تعد الخيانة من أبرز أسباب فشل ثورة البشرات، ذلك أن الضغط الشديد الذي مارسه القشتاليون على الأندلسيين حتى أصبح القابض منهم على مبادئه كالقابض على الجمر، جعل أعتى قادة الثورة يتحول إلى خائن، بل إن الخيانة كما ورد على لسان بعض شخصيات الرواية تعد سببا مباشرا في ضياع الأندلس فقد أرجع فرج بن فرج ضياع الأندلس إلى حب أهلها للحياة الدنيا واتباعهم الشهوات، وركونهم إلى النصارى، فأصبح الكثير منهم جواسيس ومتعاونين مع القشتاليين، لذلك نبه قادة الثورة إلى ضرورة التزام الكتمان إذا أرادوا النجاح لثورتهم.

ومن صور الخيانة في الرواية تعاون أنطونيو المكاري مع القشتاليين فهو كان يرى أنه على الأندلسيين أن يجاروا الحكام الجدد، فكل ما يهم هو المال والأمان، وكان يتجسس على قادة الثورة، وينقل أخبارهم إلى حكام غرناطة، فقد نبه الرئيس ديسا إلى أن الأندلسيين يعدون للثورة والاستيلاء على الحمراء، مما عجل بخروج السلطان محمد بن أمية إلى البشرات، وكان عقاب أنطونيو الخائن هو القتل من طرف عبد الرحمان.

ومن صورها أيضا أن الوزير دييكو أخ زوجة السلطان محمد بن أمية كان يكن له مشاعر الحقد والكراهية ويحسده على مكانته لدى الناس وهو صغير السن، فتواطئ مع كاتب السلطان أركش على خيانة الثوار؛ حيث قتلا رسول السلطان إلى ابن عبو بقرية البنيول، وزورا رسالة السلطان إليه، وطلبا في الرسالة المزورة من ابن عبو تجريد رجاله من السلاح وقتل المتطوعين الأتراك والمغاربة والجزائريين، وهو ما زرع الفتنة بين الثوار، حيث توجه ابن عبو والقائد التركي حسن وعبد الرحمان إلى السلطان لمواجهته بخيانة الثورة، فنفى السلطان ذلك ودافع عن نفسه معتبرا الرسالة التي توصل بها ابن عبو رسالة مزورة، لكن الكاتب أركش كذب وادعى أن السلطان محمد بن أمية هو من أملاه الرسالة، وهكذا تم اعتقال السلطان ووضع على حراسته الخائنان أركش والوزير دييكو اللذان قاما بقتله في ليلة عرس القائد التركي مأمون وعائشة الذي تحول إلى مأثم، ثم بايع الثوار محمد بن عبو سلطانا عليهم بموافقة من حاكم الجزائر، وكان دييكو ممن يرضون بالذل والمهانة ويتواطؤون مع الحكام الجدد مقابل بعض الفتات، وقد تمكن عبد الرحمان من الانتقام من الكاتب أركش الخائن الذي أخبره أن دييكو الوزير رحل إلى مدريد بعد أن قبض ثمن قتل صهره ابن أمية، وفي نهاية الرواية سيتمكن عبد الرحمان صائد الخونة من قتل دييكو بقرطبة.

ومن صورها كذلك أن الحبقي المجاهد أحد أبرز قادة الثورة، والذي كان يواجه الرئيس ديسا بكل جرأة سيتحول إلى خائن حيث قبل في مفاوضاته مع الدون خوان النمساوي الأخ غير الشرعي للملك فليب الثاني بتكليف من السلطان ابن عبو بخفض السلاح والرحيل عن البشرات، وهو الأمر الذي لم يرض به السلطان ابن عبو، فتحالف الحبقي مع القشتاليين لقتله، لكن السلطان تنبه إلى خيانته فقتله، كما أن القائد الشنيش تحول هو الآخر إلى خائن فتحالف مع الدون خوان النمساوي وتمكن من قتل السلطان ابن عبو، وهكذا تم القضاء على ثورة البشرات.

 

عمر القدري

.........................

الهوامش:

[1] ـ البشرات: إبراهيم أحمد عيسى، مؤسسة إبداع للترجمة والنشر والتوزيع، ط.2، ص.14

[2] ـ المصدر نفسه، ص.15ـ16

[3] ـ المصدر نفسه، ص. 16

[4] ـ المصدر نفسه، ص.97

[5] ـ المصدر نفسه، ص.140

[6] ـ المصدر نفسه، ص. 152

 

عدنان حسين احمدمن روايات القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لعام 2020

لا تُشكِّل رواية "فردقان" ليوسف زيدان الصادرة عن "دار الشروق" في القاهرة إضافة نوعية لمنجزه الروائي السابق، فقد استثمر التاريخ في روايته "عزازيل" وكتب السيرة الذاتية للراهب المسيحي المصري "هيبا". كما أنّ توظيف التاريخ ليس جديدًا فقبل بضع سنوات كتب الروائي السعودي محمد حسن علوان رواية "موت صغير" وهي سيرة متخيلة لمحي الدين بن عربي منذ ولادته حتى وفاته حيث توقف عند المحطات الرئيسة في حياته الشخصية والإبداعية وهو نفس المنحى الذي اتّبعه زيدان في كتابة السيرة الروائية للعالِم والشاعر والفيلسوف والطبيب بن سينا. تُرى، ما الجديد في هذه الرواية؟ وما الذي سيجده القارئ حين يعود مع كاتب النص إلى القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، وتحديدًا السنوات الـ 56 التي عاشها بن سينا بين عامي 980 و 1037غير الحروب والغزوات التي كانت تنشب أيام الخلافة العبّاسية ضد البلدان والممالك المجاورة للعالم الإسلامي أو ضمن حدوده الجغرافية آنذاك؟

تتألف الرواية من سبعة فصول وهي "المزدوج، شيخ الرُستاق، رَوَان، مَاهيار، مَاهتاب، سُندس وحيّ بن يقظان". ولو تأملنا كل فصل على حدة لوجدنا هيمنة التاريخ بأحداثه وحروبه، والحُب بشكله الإيروسيّ المتعالي، والأنا الإبداعية التي تفحص الذات والوجود معًا غير أنّ النص السردي ظل عالقًا بالتاريخ ومتشبثًا به وأنّ نسبة الارتدادات على الزمن الحاضر قليلة إذا ما استثنينا فقط الحروب والشقاقات الدينية والمذهبية التي يمكن لها أن تتكرر الآن خارج إطار الرواية التاريخية سواء وقف الروائي على الحياد أو انتصر لهذا الطرف أو ذاك.

تتحرك الأحداث والوقائع التاريخية ضمن السردية الوثائقية المتعارف عليها ولا تستطيع مخيّلة الكاتب أن تضيف شيئًا جديدًا خارج إطار الحروب الداخلية والخارجية التي يعرفها كل من أطلّع على تاريخ الدولة العبّاسية، كما أنّ السيرة الذاتية؛ الأدبية والعلمية لشخصية بن سينا لا تتسع لشطحات الخيال فهي معروفة وكُتب عنها الكثير، بل أن هناك منْ كتب نصوصًا روائية عنها مثل رواية "الرئيس" للكاتب المصري محمد العدوي، و "ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان" للروائي الفرنسي جيلبرت سينويه فلاغرابة أن يتوقف يوسف زيدان عند أبرز المحطات الأدبية والعلمية والفكرية في حياة ابن سينا القصيرة نسبيًا وهي معروفة بالنسبة للقارئ المتخصص ولا جديد فيها تحت الشمس بدءًا من الشعر والموسيقى والقصة الرمزية، مرورًا بالمنطق والفلسفة والرياضيات، وانتهاءً بالطب والفلك والطبيعيات إضافة إلى علوم أخرى كثيرة لا يتسّع المجال لذكرها جميعًا فمن الطبيعي أن يركزّ الكاتب على بعضها أو الأهمّ فيها لكنه يظل، في خاتمة المطاف، محصورًا في إطار التوثيق و "التأرخة"، ولم يبق أمام زيدان سوى التعويل على علاقات الحُب التي خرجت عن إطارها العذري وسقطت في فخّ الرومانسية المُغرقة آخذين بنظر الاعتبار أنّ القارئ المتخصص يعرف سلفًا ولع ابن سينا بالنساء الجميلات، ويقال إنّ له امرأة في كل مدينة مرّ بها وعاش بين ظهرانيها. وأولى هذه النساء الجميلات بحسب النسق السردي هي رَوَان التي التقى بها مُصادفة حين طلبت منه الخاتون، والدة مجد الدولة، حاكم الريّ "أن يُعالج قريبًا لها صار يحبو على أربع، ويُصدر أصواتًا كالخوار، ويقول لمن حوله إنه بقرة، وعليهم أن يذبحوه" إلى آخر هذه القصة المعروفة أيضًا فيعالجه بطريقة نفسية ناجحة فيَهِب له والد المريض الجارية رَوَان التي شُغفت به، فنعرف أنها مُولَّدة من أمِّ أَمَة وأبٍ مملوك، وكلاهما من قبائل جكَل التركية وهي الآن يتيمة الأبوين لكنها شابة حسناء وحضورها يبهر الروح. وكما تقول روان نقلاً عن سيدتها:"أنّ الأنثى حين تُحبّ تُصبح أجمل". ومع مرور الأيام عرف ابن سينا أن روان لا مثيل لها ولا شبيه! ثم انتقل إلى قزوين ومنها إلى همذان، وعالج حاكمها أبا طاهر شمس الدين البويهي الذي عيّنه وزيرًا فانقلب هذا المنصب وبالاً عليه بعد أن أنجز له كتاب "تدبير الجند والمماليك . . ." حيث انقضّ عليه بعض العسكر وأوسعوه ضربًا تاركين إياه عند حافة المدينة لكنه اختبأ عن ابن دخدوك 40 يومًا وحينما عاودت الأمير شمس الدين العلل أعادوه للوزارة ووعدوه بأن يستعيدوا روان لكن تبين أن الخاطف من سفلة القوم الذي ذهب بعيدًا إلى أسدآباد، ثم قصد كرمان، وقيل إنه ينوي اللحاق بجيش محمود الغزنوي فأصبحت روان أثرًا بعد عين.

أما مَاهْتاب فهي أنثى تامة الجمال، ولعلها الأثقف بين الفتيات والنساء اللواتي أحبّهن فقد درست مع أخيها ماهيار السريانية والعربية على يد أهارون اليهودي، وقد جلبها شقيقها ماهيار إلى قلعة فردقان لكي يملي عليها ابن سينا كتاب "القانون في الطب" فيُعجب بشخصيتها وثقافتها، ويقع في حبها، فتبادله الحُب بحب أعنف لكنها تُقيّده بعدة شروط منها أن يبوحَ لها بكل أسراره، وأن يحكي لها عن المرأة التي جعلته يكتب عن الإثم، وأن يقطع لها عهدًا بأن يكتب لها عن الحكمة الشرقية وما إلى ذلك. ومن خلال رغبة ماهتاب نتعرف على سُندس التي كانت تقطن في بُخارى في المنزل الذي يلاصق منزلهم من الخلف، وكانت متزوجة من تاجر الحبوب الطاعن في السن خليل الخيوقي الذي يفارق الحياة فتقع في حُب ابن سينا وصارا يختليان كل ليلة. ثم طلبت منه أن يتزوجها لكن أمه اعترضت وطلبت من سندس أن تبتعد عن ابنها بعد أن وصفتها بالمرأة الخليعة الغارقة في الإثم والتي ستموت على يد أحد العبيد في فاجعة لم يستطع نسيانها أبدًا.

يركز زيدان في هذه الرواية على فترة الـ 115 يومًا التي سُجن فيها ابن سينا في قلعة "فردقان" والتقى في أثنائها بشخصيات مهمة مثل منصور المزدوج، وشيخُ الرُستاق، والزعّاق، وماهيار وشقيقته ماهتاب، ورغم أن "المزدوج" آمر القلعة لم يعامله معاملة السجناء إلاّ أنه يظل سجينًا أو منفيًا في أضعف الأحول إثر الخلاف السياسي الذي نشب بينه وبين أمير همذان "سماء الدولة". وفي هذه القلعة التي ستتحول إلى شخصية مكانية بامتياز يسرد بن سينا أو الشيخ الرئيس، كما يُلقّب، سيرة حياته العاطفية والعلمية والأدبية مُختتمًا إياها بقصة "حيّ بن يقظان" التي رأت ماهتاب أنّ القسم الأخير منها مُلغزٌ، شديدُ الغموض. وحينما يوّدعها على أمل اللقاء مُجددًا تقول له بثقة كبيرة:"أتمنى ذلك، يا فيلسوف، وأشكُّ فيه".

على الرغم من المادة السردية المُستنفَدة، والأحداث المُستهلَكة التي فقدت بريقها وقدرتها على الإبهار إلاّ أن الثيمات الفرعية قد انتشلت الرواية من رتابتها السردية، ففي مقابل القتل والنطع والدماء الغزيرة التي سالت في القصور، والميادين العامة، وسوح الوغى إلاّ أن الرواية تمجِّد الأدب والفن والعلوم باختلاف أنواعها، كما أنها تنبذ الطائفية، وتنتقد الفرق العقائدية المتناحرة فيما بينها، كما كان الشيخ الرئيس فرحًا بإعتاق الرقيق ويؤمن بأنّ العبودية هي نقيض الطبيعة الإنسانية. وعلى الرغم من استيزاره أكثر من مرة إلاّ أنه لم يحب الملوك والسلاطين الجهلة الذين يقتلون مخالفيهم. لم يفكِّر الشيخ الرئيس بأن يكون ذات يوم داعية للمذهب الاسماعيلي، رغم أنها كانت أمنية والده الرئيسة، لأنه كان يعتقد في قرارة نفسه بأن المذاهب صارت بابًا لتفرقة المسلمين، وأنّ العلم هو الذي يقرّب بين الناس، وينجو بهم من التعصب الديني الأعمى.

يمتلك يوسف زيدان لغة سردية سلسة تستجيب للزمن الروائي الذي يستنطق التاريخ ولكنه لم ينجح في تشييد بنية روائية ضمن قالب معماري رصين الأمر الذي جعل نصه السردي مُسطّحًا وكأنه تجميع لأحداث متناثرة لم تُطبخ على نارٍ هادئة، ولا تنطوي على رجع الصدى الذي نعرفه في النصوص الإبداعية الأصيلة التي تعْلق بذاكرة القرّاء ولا تغادرها بسهولة.

 

عدنان حسين أحمد

 

بليغ حمدي اسماعيليحظى التراث العربي منذ تدوينه بثقافة يعدها البعض استثنائية وهي ثقافة المسكوت عنه، وما بين العلم الأسود الذي ينتشي بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله وإشارة الأصابع الأربعة والمعروفة إعلامياً بشعار رابعة الذي يستخدمه المنتمون لجماعة الإخوان في الداخل والخارج مثل الهاربين بتركيا وماليزيا وقطر، والعرب مهووسون بثقافة الترميز والتشفير لكافة تفاصيلهم اليومية السياسية والاجتماعية، بل والعاطفية أيضاً من مثل رسم القلب باليدين تعبيرا عن المحبة والوله والغرام. وانتقلت ثقافة المسكوت عنه والترميز بالإشارة إلى ملاعب الرياضة وساحاتها فنرى اللاعب عقب إحرازه لهدف عشوائي يقفز في الهواء ويطير معلنا فرحته بإشارة ما ربما لا تحمل أية دلالة سوى أنه لم يصدق إحرازه للهدف.

والرمز قد يكون دينيا كالهلال والنجوم والفانوس لدى المسلمين والصليب عند الأقباط، والنجمة عند اليهود فضلا عن الشمعدان، وفي الأغلب ما يكون الرمز والشعار سياسياً أو ذا مغزى أيديولوجياً يعبر عن طرح فكري أو ثقافة مرحلة أو توجه أفراد بعينهم، أو معبراً عن ردة فعل إزاء موقف سياسي معين. وربما أن الفرق الكلامية التي انتشرت بكثرة وقوة وسرعة لم تكترث كثيرا أو قليلا بثقافة الهمس الإشاري لاستخدمت الرموز أيضا للتعبير عن أفكارها وآرائها المضطرمة.

وهناك ثمة رموز أخرى تظل دلالتها اجتماعية ولا تتغير بتغير الزمن أو الموقف مثل رمز الأفعى الذي يشير إلى مهنة الصيدلة وصناعة الدواء، وكذلك الميزان الذي يعبر عن القضاء بجناحيه القضاة والمحامين، والقناع الخشبي أو البلاستيكي الذي يعبر عن المسرح وعالمه التمثيلي، ومن هنا يمكن اعتبار الشعار أو الرمز مفتاحاً للتواصل من جهة، وتعريفاً لفصيل أو قطاع مهني من جهة أخرى. باختصار شديد يمكننا القول بإن الشعار أو الرمز الفاعل يعبر أحياناً عن عقائد أممية، ومثل هذا ما أشار إليه شوقي رافع في دراسته المعنونة بعالم تحكمه الرموز، من أن السلطان عثمان الأول هو أول من قرر اتخاذ صورة الهلال رمزا لحكمه ودولته المتسعة الأركان، ويحكي نقلاً عن موسوعة جينيس العالمية أن سبب اتخاذه رمز الهلال جاء بعد أن شاهد في الحلم هلالا يمتد من مشرق الأرض إلى مغربها، وهكذا بدأ في العام 1299 فتوحاته لتحقيق حلمه.

 أما في عهد السلطان الاستثنائي محمد الفاتح وبعد أن نجح في فتح القسطنطينية عام 1453 تحول الهلال إلى رمز مزدوج لدى الإمبراطورية العثمانية كما لدى البيزنطيين وأضيفت إليه النجمة كدلالة على الاستقلال والسيادة. وأيضاً من الرموز الأممية النسر المصري، ونخلتي المملكة العربية السعودية، والصقر الأمريكي وغير ذلك من الرموز التصويرية التي تشير إلى دولة بعينها أو سيادة قومية. وأحياناً يعبر الشعار أو الرمز عن تيارات سياسية حزبية مثل شعار السيفين يتوسطهما مصحف وهو شعار جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، أو كنوع من أنواع ممارسة التأييد الصامت لموقف سياسي أو رفضه أيضاً.

والشعار في مصر تحول منذ ثورة الخامس والعشرين إلى رمز له بريق يخطف الأذهان مثلما يطيح بالأبصار من شدة تأثيره، وهو بحق وثيق الشبه بمصطلح المفكرين الأحرار، وهو المصطلح الذي أطلقه جيل دولوز في توصيفه لجان بول سارتر حينما رفض جائزة نوبل، من حيث إن كليهما (الشعار والمفكر الحر) لهما خاصيتان، الأولى نوع من التوحد الذي يلازمهما في كل حال، والثانية شئ من الاضطراب المنبعث من فوضى العالم الذي ينبجسان منه، فالشعار والكاتب الحر لا يتكلمان باسمهما الخاص لكنهما يعبران عن عالم خاص ورؤية متمايزة .

ومواطن ما بعد ربيع الثورات العربية أصبح مهتماً بامتلاك رمز شخصي أو شعار جمعي يعبر عن المرحلة التاريخية التي مر بها حتى وإن لم يشارك في إحداثياتها من باب أن حدثاً ما مهماً يمكن أن يضيف شيئاً إلى رصيده الحياتي، وربما هذا المواطن قد أدرك أن حضوره ليس بكافٍ، لذا فاستجدى شعاراً ما يكون بديلاً مماثلاً لحضوره. والشعار اليوم أصبح العنوان الذي يعبر عن مدلولات ساكنة أو ساكتة تبوح بمعان أو إشارات يمكن أن تكون عالمية كحرف  f  الدال على شبكة التواصل الاجتماعي فيس بوك، وحرف  t  الذي يشير إلى شبكة تويتر التواصلي، وفي أحيان أخرى يكون الصليب الملعق على الرقبة مدلولاً لهوية دينية وهكذا، ويكاد يكون الشعار السياسي وسيلة نشطة في تسهيل ونقل المعرفة والمعلومات.

والشعار قبل أن يكون الأكثر حضوراً في المشهد السياسي الراهن كان له حضور آخر في خمسينيات القرن الماضي، حيث نصت المادة التاسعة والعشرون فقرة 3 من قانون مباشرة الحقوق السياسية 73 لسنة 1956 على إلزام اقتران رمز أو لون محدد لكل مرشح ينتوي خوض العملية الانتخابية للفوز بعضوية البرلمان، والسبب في ذلك هو ارتفاع نسبة الأمية في مصر آنذاك، ويظل الرمز منذ ذلك اليوم معبراً عن الانتماء السياسي والحزبي.

وقد يأخذ الشعار أو الرمز دلالة لفظية غير الصورة، وعادة ما يكون هذا الاستخدام نابعاً من فورة الحراك السياسي واحتدام الصراعات السياسية بين التيارات والفصائل والجماعات المتناحرة بشأن قضية أو معركة حزبية أو لتقرير مصير إزاء ثورة، فوجدنا شعارات لفظية تهبط على أرض مصر معلنة عن معان سياسية متباينة، مثل كلمة تمرد التي أشارت حينئذ على تمرد الشعب على استمرار نظام الرئيس السابق محمد مرسي، وواجهتها حملة تجرد التي تعد في ذاتها شعاراً مماثلاً في الاستخدام متبايناً ومتمايزاً في الدلالة .

وبعد الانتفاضة الشعبية التي حدثت في الثلاثين من يونيو والمعروفة بثورة الثلاثين من يونيوـ وهذا يدفعنا إلى التأكيد على افتقار الشعب المصري لإطلاق مسميات على أحداثه المهمة رغم أن العقل المصري بطبيعته مهووس بالمسميات والتصنيفات وإطلاق الأسماء والمعاني على الأشياءـ وفض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة أصبح الشعار السياسي هو الأكثر حضوراً والأعلى تزامناً مع كافة ممارسات المشهد السياسي حتى وقتنا الآني. وصار التلميح دون التصريح هو سيد الموقف في الشارع المصري، ورغم أن المصريين بعهودهم السياسية والثقافية الضاربة في القدم حضارة وتميزاً وبريقاً، إلا أنهم قرروا أن يصنعوا عقلاً جمعياً يقوم على استخدام الرمز، ولهذا أسباب وعوامل منها أنهم ربما فقدوا الثقة في الخطب الرنانة والشعارات اللفظية التي استهلكت بفضل الاستعمال غير الواعي مثل شعارات السقوط لحكم المرشد أو العسكر أو مبارك، ومنها أن استخدام الصورة السياسية كعلامة الأصابع الأربعة على سبيل المثال يعد اختزالاً مكثفاً لأحداث طويلة، كما أن رفع بعض الصور الشخصية للزعيم الراحل والخالد جمال عبد الناصر أو الفريق عبد الفتاح السيسي هو رمز اختزالي لبطل شعبي في مواجهة جماعة سياسية تريد استقطاب الوطن واستلابه بغير شريك لها.

وفي مصر تحديدا عقب العزل الشعبي لمندوب جماعة الإخوان في مصر محمد مرسي استغل المؤيدون لفكر هذه الجماعة يوم الجمعة لإقامة تظاهرات منها ما كان سلميا ومنها ما اتسم بالتطرف والعنف وإحداث التخريب والتشويه، وتم ترميز كل مظاهرة باسم يختلف عن الأخرى مثل جمعة الحجاب وجمة الثأر وجمعة النقاب وهكذا تم تشفير المظاهرة بثقافة لفظية تعبر عن دلالتها المقصودة .

وإذا كان الشعار والرمز في بعض الأحيان كلاماً مسكوتاً عنه أو همساً سياسياً مثل الإشارة التي أشار بها جورج بوش في حربه غير المقدسة ضد الرئيس العراقي صدام حسين حينما وضع الإبهام فوق الأنف وتعني السخرية من الآخرين واصفاً بها طريقة تعامل صدام حسين مع العالم، أو علامة النصر وهي رفع السبابة والوسطى مع تباعدهما رغم أنها تستخدم أيضاً كنوع من الإهانة أيضاً حينما يكون الكف في مواجهة الناس، فإن الشعار السياسي اليوم لم يعد همساً أو نطقاً مكتوماً لا صوت له. بل يمكننا التأكيد على أن الرمز دخل معركة بغير استئذان مع الكلام السياسي المعتاد وصار الحصان الأسود في كافة مشاهد الحراك السياسي في هذه الآونة.

واليوم بات كل فصيل يستخدم شعاراً أو رمزاً سياسياً يخدم قضيته أو يعبر عن حالاته السياسية يبحث عن أوجه تدعيم من الداخل والخارج لخدمة أهدافه، فوجدنا على سبيل المثال أنصار جماعة الإخوان المسلمين والفصائل المتحالفة معها يفتشون في كل بقاع الأرض عن أية صورة لفنان أو لاعب كرة أو زعيم سياسي أو عارضة أزياء أو حتى صبية من البنغال أو كمبوديا يرفعون أصابعهم في إشارة إلى رمزهم المقصود به ذكرى اعتصام رابعة العدوية، وهم لا يدركون أن هذا الاستجداء قد يضعف قضيتهم بل هو عامل أساسي وركيزة رئيسة في إضعاف موقفهم في الوقت الذي هم بحاجة ماسة إلى التصالح والمواءمة مع رغبات القطاع العريض من الشعب المصري، وخصوصاً أن بعض الصور التي تتناقلها الخلايا الإلكترونية الإخوانية لمن يقوم بهذه الإشارة لا ترتبط بالأساس بالشأن المصري، أو بالمعركة الدائرة على المشهد السياسي الداخلي، بجانب أن المواطن المصري يتميز بقدرة فائقة في التفتيش والتنقيب وسبر أغوار المجهول، فنكتشف أن هذه صورة لفنان أجنبي من دعاة زواج المثليين، وهذا لاعب كرة لاديني، وتلك عارضة أزياء متهمة بازدراء الأديان وكراهية العرب، وهكذا تلعب الصور التي يستعين بها هؤلاء دوراً مضاداً وتستحيل نيراناً صديقة.

ورغم ما للشعار من مزايا وما عليه مثالب، فإن السياسة والشعار الرمزي وجهان لعملة واحدة، ويبدو أن السياسيين بمساعدة علماء الاجتماع وجدوا أن خطاباتهم لا تكفي، ولا تفي بجموح العواطف والمشاعر السياسية المحتدمة لدى مواطنيهم، وأن عصراً كهذا الذي نحياه يتسم بالسرعة الاستثنائية المقرونة بزيادة معدلات إصابة المواطن بالملل وهروبه المستدام من الرتابة والروتين اليومي، كفيل بجعل الشعار أو الرمز هو الراعي الرسمي للهمس السياسي.

منذ أن قامت الثورات العربية في المنطقة وكانت اللغة هي الهواء الذي يتنفسه الثوار في الميادين وهم يهتفون ضد أنظمتهم السياسية الفاسدة، وتحققت وقتها مقولة العالم الاجتماعي العربي ابن خلدون بأن اللغة أدوات تشكل الحياة، وثمة علامات ودلائل هي التي أكدت هذه المقولة مثل الشعارات التي كان ينادي به ثوار الميادين، واللافتات التي كانت تعلو البنايات والمنصات التي شيدها كل من وقف بحزم وقوة وعناد أمام هراوات الأمن . وبمجرد أن بزغت شرارة الثورة الأولى حتى تحررت اللغة من قيود مرجعيتها المركزية المتمثلة في المجمع اللغوي أو الجامع والمدرسة والجامعة ووسائط الإعلام وصارت ملكاً مشاعاً بين مستخدميها دون وصاية رسمية من مؤسسة أو فصيل لغوي يدعي لنفسه شرف الاستخدام .

ومنحت الثورات العربية اللغة حق الاستخدام الفصيح لها دون رقابة أو متاريس هيولية خيائلية تنصب أمام مستخدمها فصار شاعراً مرة، ومرة أخرى تقمص دور الخطيب السياسي حينما رصد حالة وطنه بالشعار الأكثر تداولاً ( الشعب يريد إسقاط النظام )، وربما لأول مرة يكتشف مجمع اللغة العربية والمؤسسات التعليمية الرسمية كالمدرسة والجامعة عجزها الصارخ في الدور الذي لعبه الميدان في تطويع واستخدام اللغة وظيفياً لتحقيق مطامحه الثورية بعيداً عن النظريات اللغوية الكاذبة حيناً والتنظيرات المقتبسة والمسروقة من بيئات غير مماثلة حيناً آخر .

ويمكننا إيجاز هذا الدور التاريخي للميدان في تحرير اللغة من قيودها الصارمة بالاستناد إلى مقولة إجنازيو بوتيتا شاعر صقلية حينما قال : " إن الشعوب يمكن أن تكبل بالسلاسل وتسد أفواهها، وتشرد من بيوتها ويظلون مع ذلك أغنياء، فالشعب يفتقر ويستعبد ما إن يسلب اللسان الذي تركه له الأجداد عندئذ يضيع إلى الأبد" . ولكن الشعوب العربية التي دشنت تاريخها المعاصر بثورات مثل مصر وليبيا وتونس واليمن استطاعت الفكاك من شرك ضياع اللغة التي تمثل الهوية في حقيقة الأمر، وأنا لا أنكر حجم الشماتة التي رأيتها بعيون كثيرين ضد رجال اللغة الأكاديميين وهم يراقبون في خجل كيف غدت المؤسسات اللغوية الرسمية ضامرة السلطات .

وتنوع وتباين النداءات الثورية بالميادين تجعلنا نستبين مستوى التخاذل الأكاديمي في تعليم وتعلم اللغة العربية، وفي الوقت الذي ظن أساطين اللغة أنها نظام معقد ومتشابك أعطى الثوار لهم درساً عميقاً في تداولية اللغة وأنهم أكثر قدرة في إدارة فن النظم اللغوية المعقدة، بل لقد تجاوز الثوار هذه القدرة إلى تطبيق نظرية الدال والمدلول والعلامات اللغوية التي عبر عنها عالم اللغة دي سوسير منذ قرن وهلع وهرع نحوه آلاف اللغويين دون روية حينما استطاعوا أن يعبروا عن مطامحهم وأحلامهم الثورية عن طريق كلمات محددة مثل : ارحل، فلول، محظورة، يسقط، كفاية، الفرعون، التوريث، العسكر، المرشد، وأخيراً الاستبن، وغير ذلك من الكلمات التي تشير إلى مدلولات كثيرة وعميقة يمكن توصيفها في سطور طويلة كثيرة .

وفي الوقت الذي أرهق فيه اللغويون أنفسهم في تجديد وتطوير وتجويد وإصلاح اللغة، نجح الثوار بأطيافهم المتباينة وأيديولوجياتهم غير المتطابقة في تثوير اللغة حينما نجحوا في استقطاب الجماهير وإلهاب مشاعرهم عن طريق استخدام كلمات منفردة ولكن بطريقة ودلالة جمعية جماعية مثل كلمة (باطل)، و(عصيان)، و(إضراب)، و(العزل) وأيضاً حينما ابتدع شباب الثوار لغة مشتركة تمثل بعض المصطلحات السياسية الجديدة التي غفل عنها مجامع اللغة والمؤتمرات اللغوية الهزلية التي كانت تعقد ولا تزال بالجامعات المصرية البعيدة أيام مبارك عن أي تصنيف عالمي والأكثر بعداً وغربةً عن أية محافل علمية أكاديمية بعد الثورة بفضل اللغط السياسي الذي ألقى بظلاله على مناح أخرى كالتعليم .

هذه اللغة المشتركة هي التي أفرزتها الحوارات المفتوحة التي كانت تنعقد بين الثوار في الميادين وهي جملة حوارات تمت بين أطراف متنوعة مشتركة في الهدف وهو إسقاط النظام الحاكم ومتباينة في المطامح والمطالب بين العيش والحرية والعدالة الاجتماعية وطبيعة النظام الحاكم في المستقبل وكنه الدستور وهويته بين ديني ومدني. فسمعنا عن كلمات لم نكن نسمعها سوى في البرامج السياسية المتخصصة مثل ائتلاف سياسي، وأيديولوجية، وتحالف، ودولة مدنية، والفصل بين السلطات . وربما لأن الشباب المصري الذي نشأ في ظل التعليم الوئيد طيلة ثلاثين عاماً لم يكن ممارساً للفعل السياسي بالصورة الطبيعية بل كان أغلبهم مجرد عرائس متحركة تظهر في انتخابات الجامعة أو فيما يسمى ببرلمان الشباب، لذا فكان هؤلاء أكثر عطشاً لممارسة السياسة بصورة حقيقية وطبيعية ولكن هذه الممارسة جاءت في ظروف استثنائية خاصة.

وبمتابعة أيام الثورة يوماً بعد يوم كشاهد عيان أدركت وأدرك كثير غيري أن اللغة العربية تدل دلالة قاطعة على الحياة العقلية من ناحية إن لغة كل أمة في كل عصر مظهر من مظاهر عقلها وتفكيرها، ولم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف من السلف الصالح كاملة، إنما تخلق أو يخلق الناس في أول أمرهم ألفاظاً على قدر حاجاتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظاً جديدة، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها معها، وهكذا نرى اللغة في حياة وموت مستمرين .  وهذا ما أشار إليه " أوليري " في كتابه " العربية قبل محمد "  Arabia before Mohammed  من حيث إن الاشتقاقات والتعبيرات اللغوية فهي أيضاً تنمو وترقى تبعاً لرقي الأمة، ويقول أوليري : " ولما كان هذا أمكننا إذا أحضرنا معجم اللغة الذي تستعمله الأمة في عصر من العصور أن نعرف الأشياء المادية التي كانت تعرفها والتي لا تعرفها " .

وليت أقطاب وعلماء اللغة المتوارين خلف مكاتبهم الخشبية العتيقة كانوا أكثر حضوراً بين ثوار الميادين وهم ينحتون مفردات وألفاظاً جديدة ويحيون كلمات ظلت خاملة غير نشطة لعقود طويلة من الاستخدام والممارسة، والعجب أن استخدام الثوار الشباب لهذه الكلمات والمفردات جاء عن طريق المصادفة دون الالتجاء بقاموس لغوي أو بأوراق جامعية في صورة مذكرات أكاديمية تنتهي صلاحيتها بانقضاء الامتحان، فرأينا هؤلاء الشباب يرددون كلمات مثل الراديكالية وهم في استخدامهم لها يفرقون في ماضي الكلمة وحاضرها، ماضيها الذي يعني تغيير النظام الاجتماعي والسياسي من جذورهما، وحاضرها الذي يشير إلى التطرف والغلو وضيق التفكير. وأيضاً من المواضعات التي تستحق الرصد وتأويلها هو حديث الشباب الثائر عن الشرعية كمفهوم سياسي وأيديولوجية تقتفي أثر الديموقراطية ومحاولة إيجاد آليات مباشرة لتطبيقها .

وأكاد أجزم أن أكبر أستاذ لغوي ممن تتلمذت على يديه في فترة دراستي الجامعية لا ولن يستطيع أن يقدم لك توصيفاً نموذجياً لهذه الكلمة الساحرة مثلما استطاع هؤلاء الثوار أن يجسدوها في كلمات وعبارات دالة مستخدمين بعض أدوات النهي والنفي بغير كتاب كاشف مثل (لا لحكم العسكر) و(لا ولاية للمرشد) أو استخدام صور لغوية استفهامية مثل (أين الحق والعدل؟) أو صيغة الأمر مثل (عودوا لثكناتكم)، وربما سيغضب مني أساتذتي وقليل من زملائي حينما أقول إن الفرق بين استخدام اللغويين والثوار للغة هو درجة الشرعية في الاستخدام، فالأول استخدم اللغة بصورة فردية قاربها الظن والتشكيك أقرب من اليقين والثبات على خلاف استخدام الثاني لها، بالإضافة إلى أن الميدان والثورة أعطتا اللغة قدراً هائلاً من الاستمرارية والتداولية في الاستخدام ومن ثم التجدد والخلق اللانهائي للمفردات. كما أن بعض الكلمات التي ظلت حبيسة الأوراق الأكاديمية مثل الشراكة والمواطنة دون توصيف دقيق لهما، فإن ثوار الميادين عبروا عن هذه الكلمات نطقاً وكتابة وتصويراً فنياً بمشاركة الجسد أيضاً فوجدنا لافتات تقول : الشعب والجيش يد واحدة، أو مسلم ومسيحي يد واحدة، بغير هرطقة لغوية مجردة لا تعرف للواقع يقيناً أو حتى مقاربة.

ثمة دوافع هي التي جعلتني أجتر بعضاً من ذكريات الممارسة اللغوية لثوار الميادين المصرين من أبرزها ما تقوم به الآن جماعة الإخوان المسلمين من محاولات جاهدة مستميتة بصور شتى مثل المنشورات والملصقات والصيحات الصوتية بهدف استقطاب أكبر عدد من هؤلاء في انتخابات جولة الإعادة لصالح مرشحها الدكتور محمد مرسي، ولا شك أن مثل هذه المحاولات الدعائية مقبولة من حيث الآلية، أما من حيث الفكرة والمضمون فإن الجماعة ترتكب نفس أخطاء الماضي لا من حيث الممارسات السياسية فحسب، بل من حيث المراهنة على فكرة الاستبعاد الاجتماعي لها من ناحية، ولكافة الفصائل الثورية من ناحية أخرى، فهي لأنها لم تكن من أولى الفصائل السياسية التي نزلت إلى الميادين الثائرة لذلك فهي لا تزال بمنأى عن اللغة التداولية والقاموس السياسي الذي صنعه شباب الثورة، ورغم ذلك تصر الجماعة على مخاطبة هؤلاء بنفس اللغة القديمة والتي لم تعد صالحة لزمان ومكان الميدان الثائر، كما أن الجماعة التي تنتظر بعد أيام قراراً بشرعيتها السياسية  تحاول أن تخاطب الشباب بخطاب سياسي مدعوم بالأيديولوجية الدينية وهو أمر لم يعرفه هؤلاء الثوار طيلة ثمانية عشر يوماً هي فترة إسقاط النظام السياسي والتي واكبها سقوط المئات من المصريين بغير تمييز أو استبعاد ديني.

وإذا كانت الجماعة قد أدركت أن تركيبة القوى السياسية في المجتمع المصري قد تغيرت بعد ثورة يناير، فإنها لم تعي ولم تفطن حتى لحظة الكتابة هذه إلى أن لغة الخطاب السياسي قد تغيرت أيضاً، ولم تعد مفردات الماضي جديرة بالبقاء، وأن هذا الشباب الذي كان في نظر البعض قديماً لم يكن سوى مجموعة احترفت وقت الفراغ وكيفية ضياعه لم يعودوا هكذا، بل هم في وعي كاف بمفردات المشهد السياسي وعلى درجة عالية في التفرقة بين جماعة ومرشد ورئيس، وإذا كانت الجماعة تقيم جسوراً من التواصل مع الثوار الذين صنعوا لغة تعادل الثورة ذاتها، فهم لم يدركوا حتى اللحظة الراهنة أن هذا الفصيل السياسي قد تحرر من ثقافة السمع والطاعة المطلقة وأنه اكتسب شرعية من قوة الثورة ذاتها وبالتالي هم لم يعرفوا ثقافة الحظر والمنع وتحرروا مطلقاً من احتلال الخوف والقمع.

وحقاً لقد ظننت أن ما درسته بالجامعة وبقيت أعواماً كئيبة أردده بغير هدف أو روية من نظريات لغوية عقيمة تفتقد إلى الوظيفية والممارسة والتداولية كان بحق علماً ومعرفة، حتى سمعت ورأيت لأول مرة اللغة تركض وتجري وتصرخ وتخلق فضاءات تستحق الرصد والتحليل، إنها لغة الثورة في الميدان.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

أصبحت لغة الضاد إحدى المناطق الرخوة في الثقافة العربية، وإحدى الثغرات المقلقة في آخر حصن من حصون المقاومة الحضارية للامة،  وبلغ الأمر أن أصبحت لغة التدريس في معظم المدارس والجامعات تتم بالعامية بدل العرية الفصيحة، إننا أصبحنا لانجد للفصحى أثّراً في الوقت الحاضر، إلا في أوراق الامتحان الكتابي والكتب المقررة، بل نجد بعض الجامعيين والمثقفين العرب يحتقرون الفصحى، والتهوين من قيمة التحدث بها ـ على الاقل ـ في الحرم الجامعي، وفي منابر العلم المختلفة، بل أصبح عند بعض  المثقفين : أن من علامات الرقي الحديث باللغات جنبية، مما جعل عامة الناس يفرون نحو تعلم هذه اللغات في المراكز الثقافية المنتشرة في البلاد، فكيف ننتظر أن تنتشر لغتنا في العالم، وتكون لها قيمة علمية وعملية تذكر، فاللغة تواجه تحديات خاصة ومباشرة تشمل :

1 ـ التـــحدي العلمي:

المتمثل بالتقليل من شأن اللغة العربية، والتنفير من تعلّمها بأساليب متعددة في أوساط كثير من المثقفين ورجال التعليم العالي، والشباب العربي الذي يرى المستقبل المضمون في الهندسة والطب والالكترون، أكثر مما هو في الآداب والعلوم الاجتماعية، نتيجة عزوفهم عن اللغة العربية الى لغة الحياة والمناصب، مما ينتج عن ذلك رسوخ عقدة النقص في نفوس الاجيال المتعاقبة، وذلك إثر رسم صورة سيئة للغة العربية في أذهانهم، بجعل مميزاتها تنحصر في كونها لغة عاطفة وليست لغة عقل وتحليل، وليست لغة طب وعلم وهندسة، وهو ما يمثل عائقاً بعيد الأثر في سبيل الاستعمال المنشود للغة القومية، وان من أكثر الاسباب التي أدت الى ضياع اللغة العربية هو أنتشار المدارس الخاصة والمدارس الدولية، والتي أهملت تدريس اللغة العربية واعتبرتها اللغة الثانية، وليست اللغة الام، وركزت أهتمامها كله على تدريس اللغة الاجنبية  وكانت النتيجة، طلاب لايعرفون شيئاًعن لغتهم الاساسية وفي الوقت نفسه لايتحدثون الانكليزية بطلاقة، فالجيل الجديد بدءاً من مواليد التسعينات نجد إن لغتهم العربية، ركيكة ويكتبون بأخطاء لغوية واضحة.

2 ـ كما ان اللغة العربية تواجه تحدياً ثقافياً يتمثل بالتصاق أبنائنا بوسائل التكنولوجيا الحديثة، مثل الهاتف المحمول والحواسب المتعددة الاحجام والاشكال، أدت الى تراجع الاهتمام باللغة العربية لتفوق اللغة الانكليزية على العربية .

3 ـ أما التحدي الاجتماعي، يظهر في حصر نطاق استعمال العربية في فصول الدراسة والنظرة المادية والدونية للمتخرجين في التعليم العربي من قبل افراد المجتمع حتى على مستوى اساتذة الجامعات .

4 ـ كما ان التحدي الاداري يتمثل في عدم التخطيط لتطوير العربية في المدارس والجامعات، وذلك بتقديم الدعم باستخدام التقنيات الحديثة في الطرق والاساليب والمناهج الخاصة بتعليم اللغة العربية، وانتاج المضامين التربوية والافادة من المراكزالتخصصية في اصدار معاجم العلوم الحديثة، وتحديث المعجم الوسيط الذي أُصدر منذ خمسين عاماً من دون أن يتم تحديثه حتى اليوم .

 

أ. م. ليلى مناتي محمود

 

 

رحمن خضير عباسفي مجموعته القصصية (الهدى هولدينغ) والتي صدرت قبل عدة سنوات، يسعى الكاتب والشاعر المغربي أحمد طليمات إلى تغيير العالم المحيط به، من خلال ترميم الخلل الذي اعتراه، نتيجة لهيمنة ما يسمى بالتيارات السلفية. سلاحُهُ في ذلك أوراقه ومحبرته التي يصرخ بصوته من خلالها، ذلك الصوت الذي يتحوّل إلى شعر ونثر، حاملًا حزمةُ القيم الفكرية التي يؤمن ويتشبثُ بها، وكأنّ الكاتب يحارب طواحين الهواء التي تحيط به، وتكتم قدرته على البوح.

لذلك فقد لجأ في مجموعته القصصية هذه، إلى تعرية ما أطلقَ عليه ساخراً ب (الهدى هولدينغ)، وذلك من خلال تسفيه سلوكيات ووصايا تلك الفئة، التي تسلطت على المجتمع من خلال استغلال هيبة الدين، ومفردة العنوان التي استخدمها على سبيل الاستعارة، هي مجرد ترميز لحالة الحيازة التي جعلت الهدى هولدنغ كوصي، يترصد السلوكيات الفردية، ويخضعها لمبدأ الصحّ والخطأ وفق وجهة نظر أحادية الجانب. ولكي لا يكون الكاتب مباشرًا في الطرح الفني، فقد لجأ إلى تشفير المسمّيات، فمنح قصصه القدرة على التحرك والامتداد، كي تعرّي الظواهر، وتجرّدها من ورقة التوت التي تستر عورتها .

تبدو قصص المجموعة ذات إشراقة عذبة، موّشاة بالفكاهة والطرافة، رغم أنّها تنوء بعبئ معالجة مشاكل حادة، ومنها إشكالية الوصاية على السلوك والأخلاق، من قِبَلِ هذه القوّة والتي أباحت لنفسها مهمة (الأمر والنهي)، والتي تباغت الآخرين في غرف نومهم وفي حميميتهم، كما تراقب ملامحهم وعلامات وجوههم، وحلاقة شواربهم أو إطالة لحاهم،  بل أنهم يباغتونك في نشوة الفرح في الموسيقى أو غيرها من الفنون ليغلقوا حياتك بجدران من القواعد الشكلية، والتي تجعل الحياة جحيما . بل يتعدى الأمر إلى تحريم أناشيد الطفولة واستبدالها بأناشيد بديلة، وتشويه البراءة في الطفولة من خلال الانهماك في تلقين الأطفال بمفاهيم التحريم والتحليل، وخنق براءة الطفولة فيهم.

هذا ما ورد في النصوص والتي تميّزت بوحدة الموضوع، فهناك خيط واحد يشدّ عرى المجموعة، وهو الدفاع عن قيم الحرية، والإعلاء من شأن العقل في تحليل الظواهر . فهو يطرح موقفين متناقضين، من أجل التمسك بعقلانية الأوّل وتعرية الموقف الثاني، حيث يتناوله بكَيْفِيّة هزلية، تجعل القارئ يستأنس بجدلية الطرح.

في قصته (بيت الحكمة) يتخيّل بطل القصة أن مكتبته التي شيّدها لسنين طويلة، ورفدها بالكتب الرصينة التي تنهل من معين الفكر الإنساني. وبينما يطمئن، أن السارق يحتاج الكتب لبيعها كورق رخيص لبعض الحوانيت التجارية، والتي تستفيد من الأوراق لتغليف البضاعة المّشتراة !

ولكنه يكتشف بأنّ مكتبته لم تُسرق بالمعنى التقليدي للسرقة، بل استبدلت بكتب أخرى . ذات قيمة متدنية حيث أنها مجموعة من الكتب التي تسعى إلى غرس الجهل، وذلك من خلال عناوينها (والتي أعتقد بأن الكاتب حرص - متعمدًا- على اختيار عناوين كاريكاتيرية).

فالسرقة هنا هي عملية غسل الأدمغة، وإفراغها من المعرفة. ومن ثمّ استبدالها بالغث من المفاهيم والأفكار. لذلك فهو ينشب أظفار سخريته في وجوه التعسف، الذي يضع الأغلال الفكرية والعقائدية على الأفكار الحرة .

إن تسويق الوصاية العقائدية على الناس، لا تكتفي بالغسيل الفكري، بل تتعداه إلى خصوصيات الحياة الفردية، حيث تتجاوز حتى إلى فحولته الذكورية التي وضعت ضمن قوانين الحيازة للهدى، وكذلك تسريحة شعره، وشواربه غير المُستحبة لديهم، واللحية التي تأبى أن تغزو وجهه لأسباب فيزيولوجية وعدم وجود( الزبيبة) على جبهته، مما يجرّده من صفة (المؤمن) المثالي.

تأتي نصوص أحمد طليمات رشيقة وشفافة وحافلةً بالمُلح والطرائف.

ثمة إيقاع لغوي متناسق، وتلاعب بالكلمات والحروف، وتحوير في العبارات كي تؤدي أثرها في القوّة التعبيرية كقوله "تبدّت بتبنّدها الذي يبدو أنّه أبدي" والكثير من الجمل والكلمات والعبارات التي تخلق الابتسامات لدى القارئ.

ينتهج الكاتب أحمد طليمات أسلوبًا واقعيًا في طرح شخوصه وأبطاله. ورغم أنّ أغلب أبطال قصصه يتكلمون بضمير الأنا. ولكنهم مختلفون، ولديهم هواجسهم بسبب مصادرة إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم. فرغم أنّ أبطاله مستلبون. لكنهم متشبثون بقناعاتهم.

كل ذلك يتمّ بأدوات ساخرة تتدفق بسلاسة من خلال سبر أغوار شخوصه وكشف همومهم، ومن خلال رصد بعض الظواهر التي تبدأ ببراءة الأطفال وهم في مدارسهم، وقد تنتهي بهموم الشيخوخة .

وفي كلّ ذلك نجد الكاتب منهمكًا في البحث عن مفهوم الحق، وتقديسه للحرية في إطار قيمها الإنسانية النبيلة.

 

رحمن خضير عباس

 

عبير خالد يحيىمقدمة وإغناء: إن مصطلح أدب الرسائل يطلق على المراسلات أو الرسائل التي تكون بين شخصين شهيرَين في عالم الأدب، وغالبًا ما تكون بين صديقين أو ربما عشيقين[1] .

"وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه المنمقة" [2].

 أو هو مخاطبات رسمية تاريخية أو دولية.

 وبذلك تنقسم الرسائل إلى نوعين: النوع الأدبي، والنوع الرسمي، والرسمية في تلك الرسائل تأخذها من الاتجاه الأدبي إلى اتجاه التوثيق.

لم يكن لفن الرسائل دور يُذكر في الحياة الأدبية والاجتماعية في العصر الجاهلي لقلّة شيوع الكتابة والقراءة، وبروز الفنون الأدبية الأخرى كالخطابة والشعر وهي فنون مشافهة. بينما شهد ازدهارًا كبيرًا في القرنين الثالث والرابع الهجري، أواسط العصر العباسي، وأواخر العصر الأموي (رسائل ابن زيدون وولادة بنت المستكفي)، فظهر بكامل هيبته، متكئًا على ركيزة أن الدعوة الإسلامية حثّت على تعلّم الكتابة والقراءة، وعندما قامت الدولة الإسلامية أُنشئ ديوان الرسائل، فهو أكثر الفنون الأدبية التي تقوم على هذين العمودين (الكتابة- القراءة)، فجاءت تعريفات تخصّ الرسالة بهذا المفهوم تحديدًا: "الرسالة هي ما ينشئه الكاتب في نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويوجّهه إلى شخص آخر، ويشمل ذلك الجواب والخطاب"[3].

وقد حفلت الكتب التراثية ودواوين الأدب العربي بضروب من الرسائل الإخوانية والعلمية والأدبية، منها ما حمل لفظ الرسائل بدلالاتها المختلفة مثل: رسائل الجاحظ، ورسائل أخوان الصفا، ورسائل بديع الزمان الهمذاني، ورسائل أبي بكر الخوارزمي...[4]

أمّا في العصر الحالي، فقد تراجع هذا الفن - أو على الأقل- لنقل أنه لم يعد يتمتع بذات القوة التي كان عليها سابقًا، بسبب انتشار أجناس أدبية عديدة في السرد والشعر، لكن بحال من الأحوال لا يمكننا أن نغفل قوّة حضوره في الساحة الأدبية في مراسلات أدباء اشتُهروا به خلال ماض قريب العهد بنا، منها رسائل مي وجبران، غادة السّمان وغسان كنفاني، في أوروبا جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، كافكا وميلينا، وغيرهم من الأدباء الذين كتبوا ونشروا رسائلهم في العشق والأدب.  

مستويات الدراسة الذرائعية  

1- التبئير الفكري أو البؤرة الثابتة Static Core:

وهي استراتيجية الكاتبة في كتابة نصوصها، أو على الأقل في كتابة هذا النص تحديدًا، والاستراتيجية التي اتبعتها الكاتبة في التناص التاريخي، ونقصد بالتناص التاريخي الالتزام بحُبَك قديمة تغذّيها بمجريات العصرنة في التطوّر والتجريد، أي أن التاريخ يعيد نفسه، بماذا؟ بإعادة الحوادث التاريخية، فالأدب يعيد نفسه في الحدث الإنساني، ولهذا السبب عندما كان شيكسبير يكتب مسرحياته، لم يكتبها بحبكة من عنده، وإنّما جميع حبكه أخذها من التناص التاريخي من روايات أو مسرحيات أدبية من أمم أخرى قد اشتهرت فيها كبؤر أدبية أو فلوكلورية، وكُتبت بتكنيكات وأسلوب أدبي هو الأسلوب الشعري الشيكسبيري الذي أدخل فيه فلسفات متعددة، فأصبحت نصوصًا موازية عبر التناص التاريخي، فكل نهاية تعيسة سُبِقت بحب عذري هي روميو وجولييت، وكل من قتل حبيبته هو عطيل، وكل من تردّد في الانتقام هو هاملت، وكل من بالغ في الشّح هو شايلوك، وكل من طارده البوليس عن جريمة لم يرتكبها هو جان فان جان، وكل طفل عاش حياته مشرّدًا هو أوليفرتويست، وكل رجل كبير لم تثنه مجاهل الحياة هو سانتياغو...

إذًا لا تخرج هذه الرواية (شاعر وملهمة) عن التناص التاريخي الشامل، ولا تعطينا عبرة جديدة إلا من خلال التجارب القديمة، وسنرى ذلك عند التفسير التدريجي المدعّم بذرائع علمية موزعة على المستويات الذرائعية.

التقنيات السردية في هذا العمل الأدبي:

استخدمت الكاتبة أدب الرسائل، وهو أدب شحيح في أدبنا الحالي، لأنه يعتمد على أشياء علمية (وثائق مكتوبة بخط صاحبها)، فهو أدب وثائقي يثبّت الوقائع، وقد يعتقد الكثيرون أن أدب الرسائل هو أدب رومانسي في التجنيس الأدبي، لكنه ذرائعيًّا يُعتبر وثائق رومانسية، حيث تُعتبر الرسالة المكتوبة نصًّا، أي وثيقة لا يمكن التغيير فيها، فعند التجنيس لا نقول أن الرواية أدب رومانسي، وإنما أدب وثائقي رومانسي، لأن المحتوى العام الذي كُتبت فيه الرواية هو البؤرة (الرومانسية) التي تحملها تلك الرسائل، واستطاعت فيها الكاتبة أن تنقلها ببراعة من بؤر إلى أحداث مرتبطة بخيوط سردية تجنح نحو خيمة الروي.

إن التشويق مرهون بوجود التكنيك، فإن لم يكن هناك تكنيك يختفي التشويق، ولهذا السبب نجد أن الروي المعاصر يحمل تشويقًا أكثر من الروتينية الكلاسيكية.

وتجنيس العمل رواية كلاسيكية واقعية موثّقة عبر رسائل.

2- الخلفية الأخلاقية Moral Background:

هذا العمل فيه دعوة لتلمّس معالم الجمال والأخلاق والفضيلة في كل ما يحيط بالإنسان، ودعوة لقبول الآخر وتقديره واحترامه على النحو الذي يليق مهما كانت الاختلافات الشكلية والفكرية والطبائع، بما لا يتنافى مع تقدير واحترام الذات، فالاحترام والتقدير لا يعني قبول المشاركة الحياتية بأي حال من الأحوال، فللقلب اختيارته أيضًا ولو كانت خاطئة، كما وجدت في هذا النص الكثير من الارشاد التربوي الذي تدعو فيه الكاتبة من خلال تجربتها التربوية إلى اتباع أساليب سلوكية إيجابية في التعليم بعيدًا عن أساليب العنف والترهيب النفسي المتّبع وإلى الآن للأسف في الكثير من المدارس العربية.

ومن البؤرة ننطلق إلى المستويات الذرائعية الأخرى:

أولًا- المستوى البصري واللساني: External and Linguistic Level

أتجاوز بهذا المستوى عن عتبة الغلاف لأن الرواية جاءتني ملف pdf بدون صورة غلاف، وأنتقل للعتبة البصرية الثانية وهي:

العنوان: شاعر وملهمة، جملة اسمية، عنوان ثنائي القطب، الواصل بينهما حرف عطف، كاشف لفحوى الرواية وملخّص لها، فالأحداث ستدور بين هاتين الشخصيتين الفاعلتين.

العتبة الداخلية:

الإهداء: إلى شخص باسمه وهو شاعر وأديب غيّبه الموت مغمورًا، الكاتبة باسمه الصريح، وإلى من القطب الأول في الرواية (فيروز) ونقول لعلّه الاسم الحركي للشخص الأول، ولم تفصح الكاتبة عن ذلك صراحة:

الإهداء

إلى

روح الشاعر والأديب الكبير

الذي رحل ولم يحظ بالمكانة التي تنبغي له

فوزي عبد الهادي عبد الله (رحمه الله)

 

إلى

" فيروز"

بعض دين في عنقي

(وصية حان تنفيذها)

 ميّ

 منوف – أبريل 2016

إن الإهداء بهذه الصيغة يحيل إلى أن العمل سيرة ذاتية تكتبها الكاتبة عن أحداث جرت بينها وبين الشاعر المذكور باسمه الصريح، لكن إن لم تصرّح الكاتبة بذلك فلا يمكن الجزم بذلك، سيما وأنها لم تذكر اسمها الصريح في الإمضاء، لذلك نحيل السرد بكل الرسائل والوثائق والمذكرات إلى ذمّة الساردة (ميّ).

العمل يقع في 10 فصول معنونة وموزعة على 183 صفحة،

بالنسبة إلى التنسيق المطبعي لا يمكنني أيضًا الحكم لأن العمل مقدم لي بصيغة ملف، وعلامات الترقيم كما هي بالملف ليست كما يجب، فهناك تكرار لعلامات بعينها من غير مبرر، وتحل النقاط الثلاث أو النقطتين مكان الفاصلة، وأفترض أن المطبوع الورقي أفضل حالًا من الملف.

راعت الكاتبة عند نشر الرسائل المنظور أو الخصائص العامة للرسالة، من ذكر المرسل والمرسَل إليه، وتذييل الرسالة بالإمضاء والتأريخ.

على المستوى اللساني:

الألفاظ المستخدمة من قبل الكاتبة في هذا العمل هي ألفاظ سهلة مألوفة، صاغتها في تراكيب وجمل تراوحت بين القصيرة والمتوسطة، في سياق النظم والنحو لم أجد أي خلل أو خطأ في تركيب الجملة نحويًّا، والعاطفة هي العنصر الأكثر بروزًا في هذا العمل، ولا نستغرب ذلك، فموضوع العمل قائم عليها منذ الاستهلال إلى النهاية، الأفكار كلاسيكية متناسبة مع موضوع العمل، والخيال بالقدر الذي يستلزمه الوصف لا أكثر، أما الصور الأدبية فقد زخر بها العمل ضمن علَمي البديع والبيان:

- اليأس والوحدة سيفان .. سيفان يقتلان عصارة الأمل (استعارة)

- نفسي نهر مليء بالنتوءات والهضاب والصخور العالية (استعارة)

- خلتُ قرص الشمس غاب ثم حضرتِ، فحضر البهاء (كناية)....

الموسيقى الشعرية تخلّلت بعض فقرات الرسائل، فالمرسل شاعر، والصياغة الأدبية لا تخطئها لا العين ولا الأذن، وبالعودة إلى تعريف أدب الرسالة سنجد أن أهم ما يميزه هو الموهبة الأدبية والأسلوب القوي المنمّق، وكان للسجع حضور لافت.

الكاتبة طبعًا على دراية تامة بالأجناس الأدبية، وظهر ذلك واضحًا باستخدامها تقنية الرسائل والمذكرات والخواطر، بمعرفة تامة بحدودها الجنسية وميزاتها الأدبية والبلاغية.

 ثانيًّا– المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level

أتناول فيه بنائَي العمل، البناء الفني والبناء الجمالي.

- البناء الفني:

وندرس فيه التشابك السردي وعناصره، ابتداء من قاعدة المثلث السفلي التي تحمل العنوان والاستهلال، وكنّا قد تحدثنا عن العنوان، ونتحدّث الآن عن:

1- الاستهلال أو المقدمة:

عنونت الكاتبة أول فصل بروايتها ب (هذه الرواية)، أما استهلاله فكان مقدمة زمانية، الزمان فيها ليس صريحًا وإنما هو حقبة زمنية معروفة ومقرونة بعروض فنية سينمائية نقول عنها مجازًا (أيام الزمن الجميل) تقول الكاتبة:

أذكر أن أحداث هذه الرواية دارت في نفس العام الذي عرضت فيه هذه الفلام السينمائية الرائعة، وكم تأثرت بها كثيرًا، (حبيبي دائمًا لنور الشريف وبوسي وقد أحدث ضجة واسعة وحقق نجاحًا جماهيريًّا بيننا نحن جيل الشباب العشريني....)

ثم تنتقل لذكر ووصف المكان الذي بدأت منه الأحداث:

ولعل أغلب الأحداث انطلقت من المدرسة الاعدادية التي عملت فيها في بدء حياتي العلمية في إحدى القرى التابعة العريقة في أقصى جنوب دلتا نهر النيل.... 

2- الصراع الدرامي وبناء الحدث:

استخدمت الكاتبة في بناء الحدث الطريقة التقليدية: حيث تدرّجت بحدثها من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية، متتبعة التطور السببي المنطقي.

على النحو التالي: تدور أحداث الرواية في قرية من قرى الدلتا شمال مصر، بطلتها مدرسة علوم تدعى (أمنية- أو مي كما تحب أن يناديها الغير) خانها خطيبها مع صديقتها، فانعزلت على نفسها، في المدرسة تعرّفت على مدرّس لم يكن له حظ من الوسامة في الشكل ولا من الرتابة في الهندام، حتى اسمه كان غريبًا (فيروز)، حالما رأته زميلتها صافيناز سخرت من شكله بالغمز واللمز، فلم يرق ذلك لمي، فهي لم تعتد السخرية من الغير، ولكنها أيضًا لم تتورّع عن وصفه، (وكما أسلفت سنجد الوصف متوفرًا بكثيرة في هذا العمل) وكان فيروز شاعرًا وأديبًا، عندما عرف (فيروز) أن (مي) تقرض الشعر وتكتب الرواية والقصة أهداها أول أعماله المنشورة " انتحار عاشق"، ردّت عليه بخواطر مكتوبة حولها، وبدأت الرسائل بينهما، تطورت لغة الرسائل التي كان يرسلها فيروز من تعريف بنفسه وإمكانياته الأدبية وغرابة تفكيره وتفرّده إلى إعجاب ب (مي) ثم حبّ جارف لم تستطع (مي) أن تجاريه فيه، لأنها كانت ما تزال تحمل لخطيبها حبًّا لم تمحه خيانته، كما أنها لم تستسغ الارتباط ب (فيروز) لانعدام التكافؤ بينهما، بالمختصر هي لم تحبه، وكتبت له رسائل تخبره بشعورها الحقيقي اتجاهه، لكنه واصل إرسال رسائلة العاشقة، ففكّرت أن تلعب معه لعبة (تطفيش) كما يقال بالمعنى المجازي، وهو أن تشوّه صورتها بذهنه، حتى يكرهها ويكفّ عن ملاحقتها بحبّه، فأخبرته أنها تقبل الزواج منه شريطة أن يقدم لها سيارة وفيللا ومصاغًا ذهبيًّا، اندهش من طلباتها ولكنه قبل بها! عندها أخبرته صراحة أنها لا تحبه ولن تقبل الارتباط به، وتركت المدرسة واتجهت نحو الدراسات العليا، في تلك الفترة عاد إليها خطيبها السابق، وافقت على الرجوع إليه انتقامًا من صديقتها التي خانها معها، تزوجته وسافرت إلى الخليج لتدرس في إحدى الجامعات هناك، ثم عادت إلى مصر ونشرت روايتها الأولى، وبدأت البحث عن فيروز، التقت به في إحدى الندوات، وأنه تحوّل عن الكتابة الأدبية إلى إلى كتابة الأبحاث الدينية، وعرفت منه أنه تزوّج زواجًا تقليديًّا، وأخبرها أنه لم ولن يحب غيرها، تساعده بالانتساب لاتحاد الكتاب بعد أن أصبحت أديبة مشهورة وبقي هو شاعرًا مغمورًا رغم إبداعه، وكان قد أخذ منها وعدًا أن تنشر رسائله لها عندما يموت، تعود إلى الخليج وتغيب سنوات، تعود بعدها لتجده قد مات، فتقرر عندها نشر قصتها معه مضمنة إياها رسائله تنفيذًا لوصيته.

تعذّبتْ كثيرًا وتالّمت وحزنت بلا حدود حين بلّغها المرسال برحيله، فانبعثت الذكرى حيّة مرة أخرى تؤكد حضوره، عاشت حزنًا كبيرًا لم يزل يصاحبها كلما استرجعت ذكراه، فأخرجت أوراقها المخطوطة منذ ربع قرن، تهمس لنفسها: الآن آن الأوان ... الآن آن الأوان.

حبكة بسيطة لا عقدة بارزة فيها، قصة حب من طرف واحد ومعالجة واقعية متناصّة مع الكثير من قصص الحب المشابهة غير المتكافئة، ونهاية حزينة كانت منطلقًا لنشر الرسائل بقالب روائي.

لم تغب العاطفة عن العمل، وأظنّ أن الكاتبة نجحت في أن تولّد في المتلقي تعاطفًا مع فيروز ذلك الشاعر الذي لم تساعده (الكريزما) الخاصة به على الظهور كما ينبغي لشاعر حقيقي مبدع، لينال مكانته الأدبية المفترضة كأديب بمستوى إبداعه، كما لم يفز بقلب من أحب. التعاطف الآخر - ولو كان أقل- كان من نصيب (مي) التي لم تتحرّر من حبّ مَن خانها، وعاشت معاناة مؤلمة نتيجة تلك التجربة القاسية، ولكنها نجحت في الانكماش على جرحها دون أن تضحّي أو تلقي بنفسها في قصة حب لم تلامس مشاعرها، وبقيت مخلصة لوعد قطعته لإنسان لم تهبه قلبها.

حققت الكاتبة عنصر زمن الحدث الذي امتد على طول عام دراسي 1979-1980

أما زمن الرواية منذ البداية إلى النهاية فقد استغرق ربع قرن من الزمن.

أما سردية الحدث أي طريقة سرد الأحداث، فقد استخدمت الكاتبة طريقة السرد المباشر حيث قدّمت الأحداث في صيغة ضمير الغائب (السارد العليم)، كما استخدمت طريقة الوثائق والرسائل عند معالجتها لموضوع الرواية.

 تناوب على السرد سارد عليم(ضمير الغائب)، وسارد مشارك هو (مي) (ضمير المتكلم)، ويتنقّل السرد بينهما بذات الفقرة أحيانًا.

3- الشخصيات

شخصيتان رئيسيتان قامت عليهما الرواية:

فيروز: الذي قدّمت (مي) بعده الجسدي بهذا الوصف:

(كل شيء فيه كان غريبًا شاذّا لافتًا، قصره مع انحناء ظهر محدودب بانكسار حزين، شعره الأكرت الذي تركه طويلًا متعامدًا محتجًّا فوق رأسه الذي يحمل عينين جاحظتين مؤرقتين مفتوحتين مشدودتين وقد برزت حمرتهما بشكل لافت دالة على سهر وأرق طويل، وجهه مستدير باتقان كوجه أنثى في غير جمال أو وسامة، وجبينه مقطب كأنه لم يعرف الابتسامة ولا انفرجت أساريره بالفرح طول عمره، فتحتا أنفه الأفطس المتسعتان كأنهما خلقتا لجمع هواء الكون كله في شهيق واحد، شفتاه المطبقتان في صمت بائس واسى واضح، نظراته الزائغة تدور في أنحاء الحجرة شاردة لا تستقر على شيء...ملابسه المهملة التي يرتديها بغير عناية كفتى بوهيمي يهيم في الطرقات، جاكته المفتوح بتراخ وتهدل، كرافتته المفكوكة المعوجة كأنه أراد أن يخلعها قبلما يخرج ونسى).

طبعًا لم تغفل الكاتبة البعدَين الآخرَين، الاجتماعي والنفسي، وسأتكلم عن هذين البعدين معًا عند (مي) كما أوردته الكاتبة:

زهرة تتفتّح على الحياة، عذراء خجلى نشيطة متفوقة طموحة تملك إرادتها ولديها الكثير من الأحلام ورصيد هائل من أحزان وجراح، تختزنها صامتة بكبرياء معاند،وإصرار عنيد لتخطي الصعوبات وتحديّها، لا تعترف بفشل ولا تستسلم ليأس، يدعمها أبوها الحنون العطوف الموجه والمرشد بخبرة حكيم، والصديق الصدوق الذي الذي يحتويها ويصدقها النصيحة أولًا وأخيرًا ودائمًا، .... تميزت بالخلق القويم والاستقامة المشهود لها بها والتي يشيد بها الجميع، حتى صارت مضرب الأمثال ، ومحطّ الأنظار كفتاة مثالية جمعت بين الجمال والعلم والأخلاق وأناقة المظهر وصيت العائلة العريقة ما لم يتوفر لكثيرات غيرها.....

- البناء الجمالي:

ناقشنا السرد في البناء الفني، وهو العنصر الذي يراوح بين البنائين، أنتقل للحديث عن:

1- الأسلوب:

استخدمت الكاتبة الأسلوب الواقعي لأنها كتبت برسائل، والرسائل هي إخبار بين شخصين عن موضوع موثّق.

2- الحوار:

لم يكن هناك حوارات خارجية، ولا حوارات داخلية، فالكاتبة اكتفت بالخواطر كبديل للحوار الداخلي، وبالرسائل كبديل للحوار الخارجي، معتمدة على حقيقة أن الرسائل لها ذراعَين تجعلها ثنائية الإخبار (حوار – ومتن للحدث). لذلك أفقدت العمل الأدبي التشويق، لأن الحوار يعطي حيوية وديناميكية في التشويق والإخبار بنفس الوقت، والحواريزيد النص تشويقًا، ويعطيه إدراكًا سهلًا وسريعًا لمحتويات النص الموازي من قِبَل المتلقي لإيصال الحدث إليه بيسر واكتفاء. 

ثالثًا- المستوى النفسي

نأخذ منه:

1- المدخل السلوكي Behavioral entrance:

وهو مدخل استفزازي ومحفّز، يهتم بحركة الكاتب السلوكية في الكتابة[5]، سأحاول أن استخرج بعض المسميات السلوكية والتساؤلات التي تخص تلك المسميات التي تخرج من رأس قلم الكاتب والتي برزت من الحبك الأدبي وكوّنت أفكارًا قد لا ينتبه لها الكاتب أحيانًا.

كان هناك:

تساؤلات فلسفية:

- هل الإنسان إلا روح وقلب نابض يضيفان للعقل سحره وجلاله واكتماله؟

- أنعيش مجرد أجساد، وتزن كل أمورنا وكل مقاييسنا مقياس الجسد والعقل والحكمة ، هل الحياة فقط جسد وعقل وحكمة؟

تساؤلات نفسية:

- لِمَ ألوم نفسي كثيرًا وأعذبها وأكثر من ندمي؟ هل لأني أخطأت في حق نفسي وحق أهلي معه عندما خنت ثقتهم بي ورحت أقابله من وراء ظهورهم، بل وأسافر له وأقضي سويعات معه

- ولكن هو الاخر يلوم نفسه ويعذبها مثلي لأنه يشجعني على ذلك ولم يعترض أو يمنعني او يوجهني، أليس هو الآخر بمخطئ؟

- أم أن الخطأ بالنسبة لي يظل عارًا وبالنسبة له لا شيء على الإطلاق ؟ لا لأي فضل يعود إليه ولكن لأنه رجل.

تساؤلات اجتماعية:

- إن الحياة حياة بكل ما فيها، بكل تناقضاتها، لكن لِمَ دائمًا يلومون علينا نحن معشر النساء، ولا يلومون على الرجل؟

2- المدخل العقلاني أو التوليدي Mentalist entrance

وهذا المدخل يهتم بكل ما يتولد من فكر وأحداث، فهي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها[6]، فالواقع الافتراضي هو عالم استنساخي للواقع الحقيقي، وصورة مزيّنة له يزوّقها الكاتب لتكون محببة للمتلقي، فما يكتبه الأديب مأخوذ من تجربة ثلاثية تتكون من ثلاث عناصر كما تراها الذرائعية، وتلك الثلاثية تتحكم في قلم الكاتب وتوجهه نحو خدمة المجتمع عملًا بالمبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب المجتمع)، والثلاثية هي:

- أحداث الحياة الحقيقية: تناصت الكاتب مع أحداث الحياة الواقعية، فالخيانة، والحب من طرف واحد، والموت، كلها أحداث ولّدتها الحياة.

- تجارب الكاتب الشخصية: والمرجح أن الكاتبة في هذا العمل تكتب تجربة شخصية

- التجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها:

لقد تناصت الكاتبة مع غيرها من الأدباء بالرسائل المتبادلة بين أديب وأديبة، وقد ذكرت ذلك صراحة على لسان (فيروز) في إحدى رسائله:

" أأناديك بمي؟ أم بولادة بنت المستكفي وقد كانت تعيش في العصر الأندلسي، وعشقها ابن زيدون"

" صدقيني الارتباط الحقيقي هو الارتباط الروحي والفكري على الأقل لأمثالنا، فهكذا ارتبطت مي بجبران ، وولادة بابن زيدون، وسيمون دي بوفوار بسارتر"

" صدقيني هذه هي الحقيقة والعقيدة الفكرية الروحية هي الباقية و الجسد سينتهي ولذا تكلمت الأيام عنهم جميعًا بعد الموت، وكذلك كان دانتي وبياتريس وهكذا كان أبو قاسم الشابي وحبيبته"

فالتناص عنصر مشترك بين الأديب والحياة وتجارب الآخرين، وقد دخلت الكاتبة حيّز التناص بثلاثيته.

الخاتمة:

مؤكد أن العمل ينفتح على رؤى غير محدودة بقدر القراءات وبقدر المتلقيّن، وهذا ما أعانني الله على تقديمه في حضرة عمل أعادتنا فيه الكاتبة فعلًا إلى زمن الحب العذري - الزمن الجميل- الذي كانت فيه المشاعر تُسطر على ورق ملوّن بأزاهير البوح الشفيف، فشكرًا لها، إن قصّرتُ فمن نفسي، وأعتذر، وعذري أن الكمال لله وحده.

 ***

دراسة ذرائعية مستقطعة رواية (شاعر وملهمة) للدكتورة أميمة منير جادو أنموذجًا

بقلم الناقدة الذرائعية الدكتورة عبير خالد يحيي

......................................

 المصادر:

- مقال لمحمود الدموكي – 26 مارس 2019 موقع تسعة

- الذرائعية في التطبيق – طبعة مزيدة منقحة – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار نشر النابغة – 2019

 - الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي –

الهوامش

[1] مقال لمحمود الدموكي – 26 مارس 2019 موقع تسعة

[2] الذرائعية في التطبيق – طبعة مزيدة منقحة – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار نشر النابغة – 2019 صفحة 32 

[3] الذرائعية في التطبيق – عبد الرزاق عودة الغالبي – طبعة مزيدة منقحة – دار نشر النابغة 2019 – صفحة 32

[4] نفس المصدر السابق.

[5] الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار النابغة للنشر والتوزيع – 2019 صفحة 158

[6] الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – صفحة 159

 

معراج احمد الندويإن طاغور يمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث الأدبي البنغالي، ولقد احتل طاغور مكانا فريدا في تاريخ الهند الحديث، بل في تاريخ الشرق كله، حتى استحق بحق أن تخلع عليه جائزة نوبل في عام 1914م.

 كان طاغور في حياته وفعله ونشاطاته وإنجازاته وإبداعات المتنوعة والفنية، عالمياً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ. تفسّر كتاباته أحلام الإنسانية كلها. تناول في كتاباته أفكاراً عالمية تهّم البشر جميعاً وتدافع الإنسانية كلها.

جمع طاغور في شعره حكمة الشرق وثقافة الغرب والإيمان العميق بالشعب والجماعة الإنسانية. كان يحب الإنسان ويقدس حقه ويجهد في سبيله، لم يفقد قط حتى في أحلك ساعات حياته إيمانه بالإنسان، ولم يئن قط عن السعى الدائب في سبيل تحقيق سعادة الإنسان.

كان الإ نسان عنده هو الإنسان في أية صورة ركب، وفي أي أرض ولد ونشأ، كان يرى الإنسان قديسا لأن الصورة التي تتجلى فيها القادر المطلق وعظمة الخالق على الأرض، كان يريد أن يعيد للبشرية إتزانها وإيمانها القيم الإنسانية التي تحتفي بالمادة وتقدر الروح حق قدرها بلا اسراف في الأولى أوتطفيف في إثباته.

لقد ترك طاغور أكثر من ألف قصيدة وأكثر من ألفي أغنية بالإضافة إلى العديد من القصص القصيرة والطويلة والمسرحيات والمقالات التي عالجت موضوعات كثيرة مختلفة. ولوأن انتاج طاغور لم يقف على هذا، فالشعر والأدب يستنفدا كل طاقاته الكامنة العارمة، فعمد إلى الموسيقى يؤلف فيها ويفرغ بعض طاقاته وإلى الرسم ينفس عن بعض مكون طاقاته الفنية.

شكلت الأوضاع المعيشية المتردية للفلاحين، وتخلفهم الاجتماعي والثقافي موضوعاً متكررا في العديد من كتاباته دون أن يخفي تعاطفه معهم ويعود أروع ما كتب من نثر وقصص قصيرة تحديدا إلى تلك الحقبة الثرية معنويا في حياته، وهي قصص تتناول حياة البسطاء، آمالهم وخيباتهم بحس يجمع بين رهافة عالية في التقاط الصورة وميل إلى الفكاهة والدعابة الذكية التي ميزت مجمل تجربته النثرية عموما.

في العام 1901م أسس طاغور مدرسة تجريبية في شانتينكاتن لتطبيق نظرياته الجديدة في التربية والتعليم، وذلك عبر مزج التقاليد الهندية العريقة بالغربية الحديثة، واستقر طاغور في دراسته مبدئيا التي تحولت في العام 1921 إلى جامعة فيشقا بهاراتيا ، جامعة الهندية للتعليم العالمي.

قام طاغور بإنتاج عمل ذو هيكلية استثنائية تمكنت من تغيير وجه الأدب الهندي، لم يكن مجرد شاعر أو مبشر هندي حيث بعد عقود من الزمن على وفاته لا يزال هذا الرجل الأشبه بالقديس حيًّا من خلال أعماله و في قلوب أهل الهنود الذين لن ينسو فضله في إغناء تراثهم.

كرس طاغور حياته وقلمه لخدمة الإنسان وتثبيت حقوقه، تحمل قصائد طاغور صبغة إنسانية كتبها لكل البشرية بمختلف مشاربها وجنسياتها، كانت كل قصائده عملية زراعة حب في الكون وفي الناس وفي الشوارع:

لقد جاء الحب.. وذهب

ترك الباب مفتوحاً

ولكنه قال انه لن يعود

لم أعد أنتظر إلا ضيفاً واحداً

انتظره في سكون

سيأتي هذا الضيف يوماً

ليطفئ المصباح الباقي..

ويأخذه في عربته المطهمة

بعيداً.. بعيدا..

في طريق لا بيوت فيه ولا أكواخ

كان طاغور المنافح الإنسان في كل مكان يذوب قلبه وعصارة ذهنه،لا يعرف في دفاعه حدودا ولا سدودا، ولا يفرق في تقدير الإنسان وقيمته بين جنس وجنس، ولا بين لون وعرق، ولا بين دين وثقافة.

هذا الإنسان الفريد الذي كرس حياته للإنسان واستلهم شعره من روح الإنسان. ومن رسالته خالق الكون  للبشرية جمعاء، ومن إيمانه العميق بأن كلمة الله العليا ورسالته البشرية لن تدرك حق الإدراك إلا حين تسود الحرية وتتحقق العدالة الاجتماعية.هذا الإنسان الفريد بحق كلنا منا في الحرية والعدالة الاجتماعية ،ومن حقه علينا وعلى الإنسانية التي وجه ضراعاته إلى مالك الملك لييتقذها من سالك الضلال ويهيدها إلى الصراط المستقيم، أرسل أغانيه واشعاره ليوقظها من سباتها وينضها من كبوتها.

لقد كتب طاغور في رسالته الأخيرة وهو يقول: "مهما يكن من شيء فاني لن ارتكب الخطيئة الخطيرة: خطيئة فقدان الايمان بالانسان او الاذعان للهزيمة التي حاقت بنا في الوقت الحاضر على اعتبارها نهائية وحاسمة، بل سأظل اتطلع بأمل الى تحول في مجرى التاريخ بعد ان تزول هذه الغمة الجاثمة، وتصفو السماء ثانية وتهدأ، وربما بزغ الفجر الجديد من افقنا هذا، افق الشرق، حيث تشرق الشمس. وعندئذ تهب روح الانسان التي تهزم لتقوده من جديد الى طريقه، طريق التقدم رغم كل العو ائق، ليسترد تراثه الضائع".

إن هذه الرسالة هي رسالة الإيمان بالإنسان، ورسالة الإيمان بأن البعث الجديد سيأتي من الشرق، وهي التي تغنى بها طاغور في شعرهوهي التي تمثل لب فلسفته كلها.

طلع طاغور على المسرح العالمي من خلال كتاب صغير للقصائد النثرية كتبه باللغة الإنكليزية يسمى"جيتا نجالي" وهو عبارة عن ترجمة طاغور نفسه للمؤلف الأصلي الذي كتبه باللغة البنغالية، وكان هذا العمل تعبيراً عن عاطفة دينية، ومع ذلك نال شهرة كبيرة، وحظي باقتباسات كثيرة من قبل كبار الأدباء والفلاسفة في العالم، مما يثبت أن معلمي الحكمة الشرقية لديهم رسالة يمكن أن يفهمها البشر جميعاً. وهويقول: "أيتها البشرية العريقة هبي للعالم مثل طاغور فليصيح الناس ويهتفوا للاخاء والسلام والحرية وليرفعوا راية الايمان لرفعة الانسان وحبه لاخيه الانسان." هكذا نجد أن شاعرنا جعل منها رسالة فكرية وإنسانية، ومن أجل ذلك كافح وناضل فخسر مباهج الحياة ليظفر بالثمرة الناضجة، ووظف سنوات عمره في سبيل رفعة الكلمة وسمو الحرف.

كان يعتقد الشاعر أنه سيأتي اليوم الذي تصبح فيه القوى العظيمة للطبيعة في خدمة كل إنسان، ويتاح لكل فرد الضرورات الأساسية للحياة بالقليل جداً من العناء والتكلفة، وستكون الحياة سهلة على الإنسان مثل عملية استنشاق الهواء، وستكون روحه حّرة لينشئ عالمه الخاص.

عاش طاغور كل حياته مؤمنا بالانسان والحب والجمال، وكرس كل جهده ونشاطه الفكري لخير الانسان وانتج فكره النير كل القيم من اجل الانسانية. لقد فجّرت المعاني السامية للمحبة والجمال في ديوانه جيتنجالي الذي عبر فيه عن أمل جديد للإنسانية وهي غارقة في الحرب العالمية الأولى. كان يؤمن طاغور بأنه سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان ذلك الكائن الأبيّ فخطّ مسيرته الظافرة على الرغم من كافة العراقيل ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

فالح الحجيةالشعر العربي  منذ ان وجد على الارض العربية وقالوه الشعراء وتغنوا به شق له طريقا واسعا من الريادة وكانت له الاولوية في تمثيل الحياة  العربية العامة واليومية في جزيرة العرب او في كل البلدان التي تكلمت اللغة العربية في ظل الاسلام  بعد  انتشاره على ايدى المسلمين الذين يعتبرون العرب نواة الحركة الاسلامية في تطورها وشموخها .

فللشعر كان دوره البارز والكبير في حياة الامة العربية وإن لم تبق له حاليا تلك المساحة التي كان يحتلها في عصوره المتقدمة وذلك لأن العرب بتطور حياتهم  تخلّوا عن الشعر او تغاضوا عنه أو أن الشعر لم يعد ممتعا  لهم كما كان في العهود الماضية وذلك بسبب تغيير ظروف الحياة وما الت اليه وتطوراتها ومدياتها وسبل ايجاد متعة افضل منه للنفوس العربية الا ان بعضا منهم وهم الشعراء ومستسيغوا الشعر والكلمة الفاضلة حيث دخلت إلى حياتنا أمور كثيرة  قللت من اهمية الشعر وضيقت مساحته على ساحة الحياة الواسعة  فقلصت مساحتها كثيرا .

كان العرب في الجاهلية يقضون اوقاتهم في السعي في طلب الرزق ورعي انعامهم  وابلهم نهارا اما في الليل فيتجمعون للتسامر والتحدث والاستماع للشعر باعتباره الفن الوحيد الذي كان سائدا في بلادهم تقريبا لذا كان العرب يعلّمون أولادهم الشعر وحفظه وقولهم له اضافة الى تعليمهم الأنساب لاعتزاز العرب بانسابهم وهي الامة الوحيدة من بين الامم العالمية التي لا زالت تحتفظ  بانسابها  لحد الان وتحفظها لاولادها حتى هذا اليوم  وتعتز بها وكذلك أخبار القبائل العربية .

يتبين لمن يقرأ دواوين الشعر الجاهلي ان الشعر الجاهلي يدور حول موضوعات بعينها مثل الوقوف على الاطلال لدى اغلب الشعراء في هذا العصر كالتشبيب بالمراة والفخر والمديح والهجاء والرثاء والحكمة وما اليها من الفنون التي كانت معروفة في ذلك الزمن والتي ربما لا يزال بعضها او اغلبها شاخصا ينسج الشعراء على منواله قصائدهم، فهذه الفنون او الاغراض كانت مالوفة في الشعر الجاهلي وما بعده من الشعر العربي .حيث كانت غايتها تسجيل القيم الخلقية والاجتماعية والقبلية في هذا العصر وهذه الفنون يظهر انها فيما بعد مما وصلت الينا في نصوص هذا الشعر في مراحلها الاولى، كموضوعات لمقطوعات شعرية كان يقولها الشاعر في هذه المناسبة او تلك ثم ما لبثت ان تطورت بتطور الحياة فتجمعت في عمل شعري واحد فكانت القصيدة .

ومن اهم خصائص القصيدة الجاهلية الجودة في استخدام الالفاظ ومعانيها بحيث تغلب جزالة الالفاظ القوية ومتانة الاسلو ب ووضوحه وعدم وجود المحسات البديعية و ان اتت فتاتي عفوية ويلاحظ ايثار الايجاز في القصيدة الا ان بعض الشعراء اطنب في قصائده ومع ذلك كانت معانيه جلية واضحة ومطابقة لحقيقة القول لانها فطرية وبعيد عن التعميق فتاتي بعيدة عن التانق والترتيب في فكرتها وخيالاتها وصورها الشعرية في الاغلب سطحية قريبة من المتلقي وتعتمد على التشبيه والمجاز لذا كانت اساليب القصيدة الجاهلية متشابهة الافكار قريبة من الواقع وشديدة الاحساس التصويري فتاتي قريبة من النفس .

فالرسوم والتقاليد الفنية والموضوعية قد فرضت نفسها على الشعراء الجاهليين بحيث لم تعد تصح قصائدهم الا اذا نسجت على نسجها من حيث الجمع بين هذه المعاني او اكثرها في نص شعري بعينه وهم يلتزمون في هذه القصائد الطوال في امرين أساسيين:

مقدمة القصيدة حيث كان الشعراء الجاهليون اغلبهم يبدأ قصيدته بالغزل وما يثيره في النفوس من مشاعر ومن ذكريات وما يتصل بها من وصف للاطلال والوقوف على ديار الحبيبة والتشبيب والتغزل بها، ثم الاخر موضوع القصيدة الاصلي ويشمل أي فن من الفنون الشعرية التي يقصدها الشاعر كالمديح والرثاء والفخر والحكمة...، ونستبعد فن الهجاء من هذا التقسيم فلا توجد قصيدة هجاء يبدؤها شاعرها بالغزل او الوقوف على الاطلال، .

وقد ظلت القصيدة العربية الجاهلية باسطة هذا الشكل الفني والموضوعي نفسه في رحلة الشعر الطويلة عبر العصور وحتى العصور المتأخرة وحتى الان .

بلغ من صراحة هذا النظام الذي فرضه شعراء العصر الجاهلي على بناء القصيدة، وان اكثر نقاد الشعر في العصور المختلفة قد تحدثوا عنه واتخذوا منه مقياسا فنيا يقوّمون على اساسه شعر الشعراء فمقصد القصيدة انما تبتدئ بذكر الديار والالم ولاثارة المتلقي حيث انه اقربلى القلوب والانفس. فيبكي الشاعر حبيبته ويشكوها لوعته ويخاطب ربعها فكان وصول ذلك النسيب من شكى شدة الوجد والم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب ويصرف اليه الوجوه ويستلب الاسماع والمشاعر لما يقول، والشاعر المجيد من سلك هذه الاساليب وعدل الاقسام فلم يجعل واحدا منها اغلب على الشعر ولم يطل فيمل السامعين ولم يقطع النفوس ظمأ ها الى المزيد

ثمة راي اخر ربما نستنتج منه اتجاهين :

الاول السعي الى ايجاد رابطة نفسية وثيقة الصلة بين هذه الاغراض المختلفة وبين حياة الشاعر القديم، وبعبارة اخرى اضفاء نوع من الوحدة الفنية على هذا البناء الشعري .

الثاني يقرر حقيقة واقعية هي ان ذات البناء الشعري باغراضه المختلفة قد فرض نفسه على الشعر العربي واصبح تقليدا فنيا خالصا ينتج عن ضرورة فنية تقتضي بمتابعة الشعراء الجاهليين في منهجهم وتترسم خطاهم الفنية .

فالفنون الشعرية الجاهلية بقيت حية الى يومنا هذا في اغلبها ومن هذه الفنون اذكر منها ما يلي:

الفخر والحماسة:

كان العرب يفخرون بالشجاعة والكرم والصدق والعفاف وكان الشعراء بتبارون في الفخر بقبائلهم وبانسابهم وبانفسهم او بزعماء هذه القبائل وربما يصل الفخر الى حد المبالغة فهذا الشاعر عامر بن طفيل العامري يبالغ مفتخرا بقبيلته قيس عيلان فيقول :-

وما الارض الا قيس عيلان اهلها

لهم ساحتاها سهلها وحزونها

وقد نال افاق السموات مجدنا

لنا الصحو في افاقها وغيومها

اما في الحماسة فالشعر يعتبر احد الاسباب الرئيسة في تشجيع افراد القبيلة لمقاتلة العدو بحيث يمثل حقيقة الصراع القبلي على ارض الجزيرة العربية ويكاد يكون حاضرا في اغلب الوقائع والحروب بين تلك القبائل .يقول الشاعر عمرو بن كلثوم مفاخرا بقومه :

نعــمّ أناســنا ونعــفّ عنهـــــم

ونحـــمل عـنهـم مـا حمّلــــونا

نطــاعن ما تراخى الناس عنّـا

ونضـرب بالسـيوف إذا غشينا

بسمــرٍ مـن قــنا الخــطيّ لدنٍ

ذوابــل أو ببيــض يخـــتلــــينا

كأن جمـــاجـم الأبطــال فــيها

وســوق بالأمــاعــز يرتمـــينا

نشـــق بها رؤوس القـوم شقـاً

ونخــتلب الـرقــاب فتخــــتلينا

المديح :

و المدح في الشعر الجاهلي يتبين فيه نوعان :

الاول المدح الصادق: وهو مدح نابع عن عاطفة قوية تجاه الممدوح، ويتم مدحه بما فيه بحقيقة ما فيه ومنه ما جاء بمعلقة زهير بن ابي سلمى وهو يمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف يوم توسطا لفض القتال بين عبس وذبيان في حرب (داحس والغبراء) وما صرفاه من اموالهما لفض هذا النزاع الطويل بين القبيلتين فيقول:

يميناً لنعم الســـيدان وجدتما

على كلّ حال من سحيل ومبرم

تداركتما عبساً وذبيان بعدما

تفانوا ودقوا بينهم عطر منشــم

اما المدح الاخر فكان لاجل الحصول على المال وقد اشتهر به شعراء قصور الملوك والامراء مثل النابغة الذبياني والاعشى الذين كانا يتكسبان بشعرهما وقد كثرت فيه المبالغة فهذا الشاعرالنابغة الذبياني في يمدح الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة فيقول:

فانك شمس والملوك كواكب

اذا طلعت لم يبد منهن كوكب

 

فان اك مظلوما فعبد  ظلمته

وان تك  ذا عتبى فمثلك يعتب

الرثاء:

والرثاء في حقيقته لا يختلف عن المدح كثيراً إلا أنه يختص بذكر صفات الموتى الحميدة فتقترن بالحزن والأسى واللوعة على افتقاده. وظهر هذا الغرض بسبب كثرة الحروب التي كانت تؤدي إلى قتل الرجال الأبطال، ومن ثَمَّ يُرثَونهم. ومن أبرز مميزاته صدق العاطفة ورقة الإحساس والصبر والجلد والبعد عن التهويل والكذب ومن اهم شعراء الرثاء الخنساء والمهلهل ودريد بن الصمة ويقول المهلهل في رثاء اخيه كليب الذي قتل في حرب البسوس:

دعـوتك يا كليب فلم تجبني      وكيف  يجيبنـي البلــد القفارُ

سقاك  الغيث  إنك  كنت      غيثاً ويسراً حين يلتمس اليسارُ

الغزل:

يرجع سبب ظهور الغزل في الشعر الجاهلي إلى حياة الصحراء التي تفرض على ساكنيها الترحال والتنقل فيتم الفراق بين المحبين بسببه، وقد كانت المرأة العربية تعرف بعفافها، مما زاد من محبة الرّجال لها وأخلاقها، ولم يكن في البيئة الصحراوية ما هو أجمل من المرأة وقربها الى قلوب وافئدة الرجال. وقد انقسم الغزل في العصر الجاهلي إلى قسمين:

الغزل الصريح: هو نوع من الغزل يصّور جسد المرأة بطريقة مباشرة، ومفاتنها ويمثله شعر الأعشى و امرؤ القيس فيقول :

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا

لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ

فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ

وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا

عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ

عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ

تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ

والغزل العفيف: وهو الغزل السائد في العصر الجاهلي بكثرة، وفيه تصوير لحياء المراة وعفّافها وأخلاقها الجميلة، و يتميز هذا الغزل بكونه عفيفاً رفيع المستوى، يصوّر حياء وعفاف المرأة، ومنه ما جاء بشعر عنترة العبسي وزهير بن ابي سلمى وشعر ومنه ايضا قول الشاعر الشنفري :

لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعهـا

إذا ذكرت ولا بذات تلفت

كأن لها في الأرض نسيًا تقصه

على أمها وإن تكلمك تبلَّت

تبيت بُعيد النوم تهدي غبوقهـا

لجارتها  إذا  الهدية  قلت

تحل بمنجـاة من اللـوم بيتهـا

إذا ما بيوت  بالمذمة حلت

الوصف:

يرجع سبب ظهور الغزل في الشعر الجاهلي إلى حياة الصحراء التي تفرض على ساكنيها الترحال والتنقل فيتم الفراق بين المحبين بسببه، وقد كانت المرأة العربية تعرف بعفافها، مما زاد من محبة الرّجال لها وأخلاقها، ولم يكن في البيئة الصحراوية ما هو أجمل من المرأة وقربها الى قلوب وافئدة الرجال. وقد انقسم الغزل في العصر الجاهلي إلى قسمين:

الغزل الصريح: هو نوع من الغزل يصّور جسد المرأة بطريقة مباشرة، ومفاتنها ويمثله شعر الأعشى و امرؤ القيس فيقول:

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا

لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ

فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ

وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا

عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ

عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ

تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ

والغزل العفيف: وهو الغزل السائد في العصر الجاهلي بكثرة، وفيه تصوير لحياء المراة وعفّافها وأخلاقها الجميلة، و يتميز هذا الغزل بكونه عفيفاً رفيع المستوى، يصوّر حياء وعفاف المرأة، ومنه ما جاء بشعر عنترة العبسي وزهير بن ابي سلمى وشعر ومنه ايضا قول الشاعر الشنفري :

لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعهـا

إذا ذكرت ولا بذات تلفت

كأن لها في الأرض نسيًا تقصه

على أمها وإن تكلمك تبلَّت

تبيت بُعيد النوم تهدي غبوقهـا

لجارتها  إذا  الهدية  قلت

تحل بمنجـاة من اللـوم بيتهـا

إذا ما بيوت  بالمذمة حلت

الحكمة:

والحكمة قول موجز مشهور يمثل سداد الحكمة وصوت العقل النابه في قول رائع التعبير، يتضمن معنى يهدف إلى الخير والصواب وتعبر عن خلاصة خبرات وتجارب صاحبها في الحياة وربما تأتي الحِكَم في بعض أبيات القصيدة كمثل اسستشهاد وتمتزج بالإحساس والعاطفة المؤثرة. وقد شاعت الحكمة على ألسنة العرب لاعتمادها علي التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة واشتهر بالحكمة الشاعر زهير بن ابي سلمى حيث يقول:

ومن يجعل المعروف في غير اهله

يكن حمده  ذ ما  عليه ويندم

وطرفة بن العبد في الحكمة يقول:

وظلم ذوي القربى اشد مضاضة

على المرء من حد الحسام المهند

توجد اغراض وفنون شعرية غير ما ذكرت قال فيها شعراء الجاهلية منها الاعتذار والخمرة ....

الا ان حركة تطور الشعر العربي لم تتوقف عما جاءت به القصيدة الجاهلية على اعتبارها اصلا فنيا يقيس عليه الشعراء اشعارهم وقصائدهم الحديثة ويحملونها على احياء الاساليب التقليدية الفنية للقصيدة الجاهلية القديمة فكانت القصيدة الجاهلية ولا تزال نبراسا يحتذى بها في الشعر العربي قديما وحديثا .

.

امير البيـــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــــد روز

 

 

 

قاسم ماضيفي مجموعة القاص العراقي "شأت المندوي" التراشق بالعطر التاسع.

عن دار سطور للنشر والتوزيع -بغداد -شارع المتنبي، مدخل جديد حسن باشا - صدرت المجموعة القصصية للقاص العراقي المغترب الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية  "نشأت المندوي" والمعنونة "التراشق بالعطر التاسع" وتقع في ص85 من القطع المتوسط .

تشتعل في كل ذات إنسانية مجموعة من الآهات ترافقها انكسارات، والتي يُطلق عليها "انكسارات الحزن الإنساني" وهذه الانكسارات المؤلمة للنفس البشرية من الصعب اقتناصها،إلا من يملكون المواهب والذين يبحثون عنها ويشتغلون عليها  في تفاصيل الحياة اليومية .

"علتنا في ثقافة الكراسي" ص71

وخاصة من المعنيين في المجال الأدبي والفني، عبر آليات تدفعهم إلى طرق أخرى،محاولين بذلك تخفيف وطأة هذا الحزن الإنساني، الذي أصبح يشكل خطرا على الحياة اليومية على مستوى الأفراد في كل مكان " الحرب انتاج بشري بذيء يكثر حين يغيب العقل " ص 27

وهم يؤسسون للقيم العليا في المجتمعات،  ومن هؤلاء البشر هم الأدباء، ولأن الأدب الملتزم هو أن يحمل الأديب هموم الناس الاجتماعية والسياسية ومواقفهم الوطنية، كارهين جميع الحروب وكل ما يخدش الإنسان . والمعني بهذا الشأن يواكب مسيرة هؤلاء الناس  بكل دقة ويحاول رسم  أفقه النير عبر  العديد من الطرق المشتعلة بالحب والحياة، وأن يقف الأديب بحزم لمواجهة ما يتطلبه هذا الأمر، ويصل إلى حد إنكار الذات في سبيل ما التزم به

" خبز السلطات ملوث لأنه يفتقر للمحبة "ص71

وهذا التيه  الطويل الذي يبحث عنه القاص "المندوي" ويسطره على الورق الأبيض حتى يلسع به قلوبنا المتصدئة، والتي تعبت جراء الحروب،  والموت، والقتل،والمشاكل التي أوصلتنا إلى ما هو عليه الآن  بسبب البعض، حتى صرنا في واد  والعالم في واد آخر،وهنا نقول للقارئ العربي بوصف النص كما يصفه البعض من المشتغلين في الحقل النقدي تعبيرا عن حساسية العلاقة بين الذات والآخر، أو بين القاص صاحب المنجز والواقع، أو بين النص والوجود، لأن الوجود بحد ذاته نص مبهم يحتاج إلى من ينهض به ويفك طلاسمه، "أن النواح لا يحمي وحيدك، كثري القطرات فالحزن الابيض اذا اقتحم الروح رمًدها "ص 29

وحتى لا يغيب عنا وعن المشتغلين في هذا المجال وأقصد المجال القصصي، ومنهم القاص المبدع  " نشات المندوي " الذي يكتب قصصه بمضامين إنسانية نابعة من أعماق إنسان يعيش المعاناة والحرمان "تتلوى بين محنة الأنتماء ونظرية الوطن " ص29

أن ما بين القص وفلسفته مسافة خاصة تشكل الرؤيا الجمالية عند المبدع الذي يكتب القصة أو الرواية، فالكل يعرف أن القصة رسالة وفلسفة تحمل رسالتها المجتمعية والإنسانية في قالب جمالي،و ما يدور من حوله من صور ومشاهد مؤلمة وخاصة نحن الذين يعيشون في هذا العصر،  وهو عصر الانحطاط  ورائحة الدم التي أصبحت تتناثر في مدننا المتعبة.

 "أن الحياة تتمدد لفصول باليوم وتضيق لساعات بالمزاج "ص44

 ومن إستعمال اللغة القادرة على الوصف والتوصيف، وصولاً بالقارئ إلى الرؤيا الجمالية التأملية، ومن خلال العنوان يتدفق هذا السيل الجارف بعذابات هذا الإنسان سواء كان رجلا أو امرأة أو طفلا،كما  أن للقصة دور في تقليل مقاومة التغيير،والقصة تجعل الموضوع حقيقا للمتلقي أوالجمهور وذلك لسهولة فهمها عبر لغة مختزلة، ومكثفة، وفيها من الدلالات الكثير حتى يضعك على جادة الصواب .

"متى يقلقك الوطن فتشعر بوجوب التضحية " ص81

  يقول عنه الناقد الكبير الدكتور "حاتم الصكر" يترك "المندوي" لقارئه التراكيب والعبارات، النهايات غالبا مفتوحة وأن يسهم في تخيل وقائعها .مؤكدا للقارئ لا تعيش القصة القصيرة هذه الأيام أفضل حالاتها، بسبب الهبَة الروائية الكاسحة التي نشهدها  منذ سنوات.وجاء القاص " المندوي " منذ العنوان إلى آخر قصة في مجموعته برسائل تبحث عن إيجاد حلول لمشكلات هذا العالم، وهي انسانية في غالبها تنحاز للمهمشين ومنهم المرأة خاصة وموقعها في المجتمع،وكذلك ما يحصل لشخصيات عادية من الشبان  واليافعين أو الكادحين،ومن هنا تأتي مجموعة القاص العراقي "نشات المندوي " تعضيدا لهذا الفن الموصوف بأنه الأخت الصغرى للرواية، وهي موضوعات  تقترب من الواقعية، ولكن المندوي ينقذها من الفوتوغرافيا باعتماده لغة شفيفة، ترينا ما فيها من مجازات وتشبيهات مقدرة الشاعر على الأرتفاع عن أرضية  الحدث لخلق عالم سردي .

"بداخلي صعد الشيطان ثملا،وفي مخيلتي تبخرت كل تشوهاتي  قاطبة " ص18

"والمندوي" الذي بدأ بكتابة القصة والنقد والمقالة منذ منتصف الثمانينات وله نتاجات ادبية منها "رائحة التفاح " مجموعة قصصية عام 2005   "مرافئ خجولة" مجموعة قصصية عام 2009 " حين يتكلم الجسد " عام 2014 ,.

ولا ننسى أن القاص " المندوي" ومن خلال قصصه التي كتبها في هذه المجموعة " التراشق بالعطر التاسع" وهو السارد يحاول  شحن مفرداته بطاقة معبرة نسق يمنحها التماسك، وهو يسرد ويصورّ كيف جرت الأمور معه في هذه الحياة،وما حقيقة عصره المبتلى فيه، حيث نجد قصصه التي تحمل كل ندوب هذا العالم الذي يأخذ مكانه تحت أسواط هذا العالم الذي تسيطر عليه الأيدلوجيات، وكل هذا نجده في قصة " جندي " الكبرياء " محنة" وغيرها

"لأن الحرية حين تتساقط ليست لها فصول" ص82

وحتى لا يفوتنا في هذه المقالة لمجموعة القاص "المندوي" الذي أراد القول أن القصة هي تعبير عن إيقاع الحياة، واعادة صياغة الحياة بحس فني قصصي راق، تقول عنه الكاتبة اللبنانية "مريم شهاب" في جريدة " صدى الوطن " ثمة كتب إستثنائية تحمل شحنة إبداعية كما لو كانت بيت شعر أو حكمة أو مثل،فيها ما قل ودل، ومنتصرة باختزالها .

"سنين وطاحونة الوهم تدور بي كناعور، يتأرحج بين أمل متهور وثرثرة بائسة " ص63 

"التراشق بالعطر التاسع" وهو يسيل ببساطة وسلاسة وأدبا رفيعا في قالب ذكي يفوح عطرا ودفئا ورشاقة وبدون تشنج .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

جمعة عبد الله(الرواية الأولى) هي قصيدة للشاعر (عبد الستار نورعلي)، نُشرت لأول مرة عام 1971 في مجلة (الثقافة) العراقية التي كان يصدرها الراحل الدكتور (صلاح خالص)، ويرأس تحريرها زوجته الدكتورة (سعاد محمد خضر).

تمتاز القصيدة بأنّها واسعة الأفق والتداعيات اللامحدودة، التي تستنبط رحلة عذاب الانسان الطويلة، ومديات العشق ومراراته. قصيدة تعاطت في اسلوبها الشعري المؤثر اسلوبَ (الملاحم الشعرية) بنفَسها الطويل، الذي يستقرئ ويستنبط كلّ مرحلة من حكاية الرواية، في الإشارات الدالّة، في المجاز والاستعارة، من عمق طقوسها وتضاريسها، بين عذاب الانسان في العشق والخطيئة والدماء، والمشانق والرايات . إنّها رحلة طويلة من المعاناة والتحدّي في مراحل العشق، مراحل التاريخ العابقة بالدماء والخطيئة التي يتوارثها التاريخ الإنساني من عصر الى عصر، ولكلّ محطة من محطات عذابها في العشق .

لاشكّ أنَّ تأثيرات القصيدة ـ في تعبيرها وتصويرها ـ تستلهم الاسلوبَ الملحميّ في التعاطي مع الاساطير. وكما ذكر (سقراط) بأنّ الشعر هو (محاكاة الاسطورة بالخيال)، لذلك انطلق الشاعر الإغريقي (هوميروس) في ملحمتيه الخالدتين  (الالياذة) و(الاوديسيا) بمحاكاة فعل الخيال المبهر والملهم بعبقريته الفذة في تصوراته الخلابة. وهذه القصيدة (الرواية الأولى) تجاوزت تعاطي الشعر الملحمي بإدخال عنصر التأثير، في التأمل والرمز ودلالاته الإيحائية والتعبيرية. واشتملت على عدة معطيات رمزية (متحركة وثابتة)، يعني مثلاً رمزية (البحر) متحرك بدلالاته الرمزية عن العشق (وفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني)، بينما نجد مثلاً الدلالات الرمزية (الثابتة) في الإيحاء والمغزى في العشق بـ(التراب) لأنّه (سليل الطين)، وآدم خُلق من الطين (وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا) هذه رسوم العشق في الصحر اء، لم يقلْ في وصمة العشق بأنّها (اغنية رملية)، لأنّ الرمال متحركة، وبالتالي يكون العشق هلامياً، لكنه قال (أغنية ترابية)، يعني أنّه حدّد هوية العشق ومكانه الثابت في موجدات الواقع، لأنّ التراب والطين ينتميان الى بقعة محددة في مكان محدد، والتراب والطين من الاشياء الثابتة، لو كانت متحركة لانكشفتْ بطون القبور تحت التراب. يعني بهذه الدلالة أنّ عشقه ينتمي الى جهة محددة ومكان ثابت، ولا تتسلق على الأوهام المتحركة، فهو في عشقه سليل عصور وعهود من سنوات عجاف ومرارة وتشاؤم، ولم يحصد منها غير (وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ) لم يحصد منه إلا: (الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً / يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب)، لم يحصد إلا رواية عمياء عن حبّ (وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبةْ،) ليموت على جدار حلم راقص في ساحة النشوة (تموتُ دلالةُ الرؤيا، وترتفعُ التراتيلُ الصديديةْ) ولكن دماء العشق الذي يُحمل في زفة العرائس، في الحشود المتوجهة الى أرض المواعيد. لكنّه وقع في خيبة الحساب في (الخديعة العظمى)، ليحمل عذاب وشقاء العشق عبر توارث الازمنة .

تحمل القصيدة في تكويناتها الصياغية  بطلين: 

- الاول (آدم): وهو يحمل عذابات ومعاناة الانسان، طُرد من الجنة، يحمل خطيئة التفاحة، هو ابن الطين وصراعه الناشب مع ابن النار، فمن يكسر عظم الاخر . لذلك فإنّ رمزية (آدم) عامةً تخصّ الانسان في المرارات والعشق، في جفاف الغيث في قارورة اللهب، في صراعه مع قوى الشرّ والعدوان من أجل استلاب العشق ونخره ونحره.

- البطل الثاني: الفارس الهمام (وهو نفسه الشاعر) الذي يخوض صراعاً متعدد الاطراف الأخطبوطية من أجل الحفاظ على العشق ونقاوته . وهو يحكي ويسرد حكايات صراع الحبّ والعشق بالتوارث في طيات الحكايات الطفولية . في حكايات المشانق وأعراسها، في جحيم الخطيئة، والزمن الجائر، في وتر خداع الأضاليل، في العيون المسحوقة، في بساط الجوع والعطش:

وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيةْ

فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديةْ

وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحْكاتِ الأباطيلِ،

أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي

وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً، خِصبا

لذلك جفَّ في حلقه نبتُ العشق، وانطفأت شموس الرغبة الاولى.

دلالة الألوان في القصيدة:

1- الرايات السُود:

(ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ، والرماحُ لظىً)

2- الرايات الخُضْر:

تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ

وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ

عن الحبِّ، عن الصفعِ، عن الصفحِ،

عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ،

فاللون الأخضر دلالة (الخصب) و(الأمل) اللذين يقعان فريسةً للطعنات فتدمى الكتابات الخضراء (الأناجيل والكتب المقدسة) التي تدعو إلى (الحبّ/الخصب) و (الصفع) و(الصفح)، وهي إشارات متماهية مع تعاليم المسيح في الدعوة إلى التسامح والسلام: (مَنْ ضربك على خدك الأيمن فأدرْ له الأيسر)، لكنَّ الواقع غير الدعوات والآمال والتعاليم السمحاء.

3- الرايات الحُمْر:

وهي تدلّ على العشق والدماء والتحدي (أرفع الراياتِ للعباس) وهي ترميز للرايات الحمراء، لكي يرسم عشقه، وكذلك:

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ،

صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ،

وكذلك هي رايات المشانق. وهي تعني مَنْ يتسلق المشانق، وهم أصحاب الرايات الحمراء، ومَنْ تسعر النار في داخله. هم حملة الرايات الحمراء.

 

جمعة عبد الله

.............................

نصّ القصيدة:

الرواية الأولى:

وفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني

وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا

نحو هاجرة الهوى، رُحتُ أصلّي، 

أرفعُ الراياتِ للعباس، أستجلي

رسومَ العشقِ في صحراء أغنيةٍ ترابيةْ،

رميتُ شِباكَ شوقي اصطدْتُ ريحاً،

صرتُ أحصدُها، مررْتُ أناملي فيها،

تقصّيْتُ الحقيقةَ عنْ رؤىً في عِرقِ أمنيةٍ سرابيةْ،

 

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ،

صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ،

 

أتلك روايتي ؟

قالوا : نعم !

ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ، والرماحُ لظىً،

وخيلُ الشوقِ قد هُدّتْ أعنتُها،

 

فهامَ الفارسُ الغافي على صوتِ الشجا يروي ملاحمَهُ

ويحكي قصةَ الانسانِ في حبِّ المرايا

يرتمي في نبضها يغفو على هزِّ الأراجيحِ

فتاهَ وما خيولُ الشوقِ عادتْ منْ حصارِ البيدِ ماعادتْ،

 

يتصلّبُ الهواءُ على وقع سنابكِ الفارسِ المرميِّ في أحضانِ العشقِ المراقِ دمُهُ، ينامُ على فراشِ الثعالبِ تحملُ أوزارَ الشوكِ النابتِ في قلبِ أمنيةٍ تلوحُ على راحةِ الليالي وتختفي في  أزقةِ النهارِ الجائع للمصابيح،

أينَ دمُهُ ؟

الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً

يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب،

 

وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبةْ،

يموتُ الرسمُ فوق جدار حلمٍ راقصٍ في ساحةِ النشوةْ،

يذوبُ الصوتُ في وهجِ التراتيلِ

تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ

وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ

عن الحبِّ، عن الصفعِ، عن الصفحِ،

عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ،

تموتُ دلالةُ الرؤيا، وترتفعُ التراتيلُ الصديديةْ

تنزُّ هوىً بطياتِ الحكايات الطفوليةْ

 عن العشاقِ هاموا في سماء الوجدِ مارجعوا صواباً

غيرَ أنَّ دماءَهم زُفّتْ عرائسَ في حشودِ الموجةِ الكبرى

إلى أرض المواعيدِ

فغابوا في حسابِ الخدعةِ العظمى، وغنوا جوقةً،

عادوا هياكلَ ترتوي طينا،

وتشربُ من كؤوس الخدعةِ الأولى،

 

ايا آدمْ،

سليلَ الطينِ، يأكلُ نسلُكَ الطينا،

أيا آدمْ،

لقد ضيَّعتْ فينا كلَّ أسرار الرسالاتِ

وأشبعتْ السلالاتِ

بكلِّ الحبِّ والتوقِ إلى دنيا المراراتِ،

أيا سُحُباً، ومدَّتْ ظلَّها الأجوفَ

في عينيكَ ياحبّي ويا سهري،

هذاكَ الخِصبُ في جسدِ العرايا ضلَّ صاحبُهُ

وجفَّ الغيثُ في قارورة اللهبِ،

 

وتلكَ روايةٌ هزّتْ أسانيدَ الأحاديثِ

 

وتلكَ روايتي!

قالوا : صدقْتَ.

 

غاب الصوتُ في الحلم الذائب في رجع الصدى القادم من بين السطور، فأكل آدمُ التفاحةَ راضياً مرضيّاً ليضيع في متاهات المرئيِّ.

 

منحتُ الفارسَ الغافي تعاويذي

أدارَ يديهِ في قُفلي فما فتحَتْ

فصارَ يطوفُ في شُهُبٍ على روحي

وألقى الرحلَ في لغةِ المراراتِ

وفي حِممِ الخطيئةِ راحَ لونُ الشمسِ منطفئاً،

فيا حواءُ، هذا ابنُكِ قد شُلّتْ بقاياهُ،

تعوّدْتِ الخطيئةَ في انطلاق النارِ منْ حَلْقِ الأباطيلِ

ومنْ وترِ الأضاليلِ،

رميتِ ابنكِ في الشارعِ ظلاً للخفايا

رُحْتِ تلتهمين فاكهةَ الخطايا

تحملينَ أجنّةَ الشيطانِ في الحشرِ

وتلتقطينَ نجمَ العشقِ تسليةً وتحتلمين بالبدرِ،

فلا كانتْ رياحُ العشقِ، لا كانتْ، ولا بقيتْ،

فمنذُ تآكلتْ روحُ البريّةِ منْ تماديها

فقد حالَ الرحيقُ العذبُ مُرّاً

تاهَ عزفُ النور في وترِ الأقاصيصِ،

وهذا اسمُ الطريقِ تغرُّبٌ، صمتٌ على الأجيالِ يهبطُ ينشرُ الغفوةْ،

وهذا اسمُكَ، يا آدمُ، صنوُ القمةِ الشوهاءِ

في جبلِ الطحالبِ، في غروبِ الأمسِ واليومِ ونيرانِ الغدِ،

وهذا اسمُ الخطيئةِ في انحدار السفحِ نحو قرارةِ الوادي المشاعِ

لكلِّ ذي عينٍ تمجُّ اللونَ في خضرةِ أثمارِ

وتنفرُ من بذارِ السعدِ في رَحَمِ المسراتِ

 وفي سِفرِ الرسالاتِ،

 

أيا صوتَ الرغائبِ،

تلكَ ملحمةٌ تئنُّ على صراطِ القلبِ تروي ظلَّنا صمتاً

يداعبُ سمعَنا المشحونَ بالنومِ،

 

صُلِبَ الوجهُ على وجهِ الرصيفِ ومرّتِ العرباتُ وقرعُ الأقدامِ فوقه ... تصبّبَ  العرَقُ  في شعابِ العينين ... فشربتِ الشفتانِ كأسَ الملحِ ... تصلّبتا على شفيرِ الكأسِ ... سقطتا في مزالقِ التمنّي .....

 

أيا وجهاً رواهُ الحزنُ،

طافَ على ملامحهِ اصطخابُ الدهرِ بالأحلامِ والنشوةْ

رحلْتَ على عيونِ الآخرينَ شربتَ

منْ كأس المرارةِ رحلةَ الغصةْ

وعُدْتَ على بساطِ الجوعِ والعطشِ

تحمّلْتَ الشرائعَ فوق كاهلكَ

أخذتَ تهزُّ نشواناً على انشادِ سُمّار السلاطينِ

رجعْتَ مُسمَّرَ العينينِ والشفتينِ والأذنِ

وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيةْ

فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديةْ

وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحْكاتِ الأباطيلِ،

أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي

وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً، خِصبا

ودُرْتُ على ميادينِ المغافلِ رؤيةَ الغاوي

وعشْتُ مع المغانم صورةً خرساءَ

لا لونٌ ولا أُطُرُ

فديسَتْ رحلةُ الأيامِ في حربِ المسافاتِ

وغابتْ طرقُ اللهفةِ في سيلِ الأحابيلِ

فقالوا، ثم زادوا :

آهِ يا قصصَ الحناجرِ في التهامِ العشقِ،

هذا ابنُ المزاميرِ صدى الواحاتِ لم يروِهِ نبعٌ

جفَّ في حلقهِ نبتُ العشقِ،

وانطفأتْ شموسُ الرغبةِ الأولى ...

 

1971

عبد الستار نورعلي

 

عدنان حسين احمدصدر عن دار ضفاف للنشر في الشارقة- بغداد كتاب "حكايات أسطورية من شبه جزيرة القرم" ترجمة الدكتور حسن البياتي. يضمّ الكتاب 34 حكاية أسطورية مع مقدمة نقدية شافية، وثبتْ بالسيرة الذاتية والإبداعية للمترجم الذي صدر له حتى الآن 17 كتابًا مُترجمًا عن اللغة الروسية.

قبل أن نلج في تفاصيل هذا الكتاب المُترجَم لابد من الوقوف عند الحكاية الأسطورية وفهم مضامينها وفضاءاتها السردية. فالأسطورة في أبسط تعريف لها هي "حكاية تقليدية تروي أحداثًا خارقة للعادة" وتتمحور، في الأعم الأغلب، على الآلهة أو الأبطال أو الشخصيات المتفردة التي تأتي بالأعاجيب وتترسّخ أفعالها ومآثرها في الذاكرة الجمعية للناس. تتأسس الأسطورة في قسم كبير منها على الخيال المجنّح لكنها تُبقي على النتوء الواقعي مثل خلية وحيدة قادرة على الحياة في الجسد الفانتازي الذي يتشظّى إلى عوالم سُريالية مُبهرة لكنها تحمل في طيّاتها تبريراتها المنطقية التي تُقنع القارئ.

كل الحكايات في هذا الكتاب مجهولة المؤلف باستثناء حكاية "الخان وابنه" التي دوّنها الأديب الروسي مكسيم كَوركي. تركِّز هذه الحكاية على علاقة الأب بالابن حينما يُحبّان امرأة واحدة ولا يستطيع أحدهما أن يتخلى عنها للآخر. الأب هو الخان مسيلمة الأصوب الذي يمتلك 300 زوجة جميلة لكنه يفضِّل واحدة منهن على الجميع. وحينما سأل الأب ابنه أن يطلب منه ما يشاء أجابه:"هِب لي الأسيرة الروسية يا أبتي الأمير!" كان الأب يتمنى على ابنه أن يأخذ مئة من نسائه ويترك له هذه الفتاة القوزاقية التي تمثل له المسرة الأخيرة في حياته لكن فلذّة الكبد يُصرّ على طلبه فلم يجدا بُدًا من الاتفاق على قتلها، إذ يقبِّلها الأب ويرفعها فوق رأسه، ويقذفها من فوق صخرة شاهقة إلى البحر. لا تنتهي الحكاية عند هذا الحدّ لأن مضمونها العميق يفلسف الحُب، ويكشف عن جوهره، "فحُب المرأة هو وحده الباقي" وإذا لم يُحببك أحد فمن الخطل أن تحيا على الأرض، فلاغرابة أن يستدير الخان بخطىً سريعة ويقذف بنفسه من الجرف الشاهق إلى لُجة البحر العميق ليلحقَ بالمرأة التي أحبّته وكرّست حياتها له.

في كل حكاية لابد من حكمة يستشفها القارئ من خلال الصراع بين الخير والشرّ، ففي "طير السعد" تقوم الحكاية على حوار بين غني وفقير، فالأول ينصح الثاني باقتناص طير السعد لكن زوجته تنزعج حين يأتيها بهذا الطير الذي لا يُباع ولا يُشترى لكنه يجلب السعادة، ومع ذلك يسمع الصعلوك كلام زوجته ويأخذ الطير إلى الخان، وبدلاً من أن يعطيه هذا الأخير مكافأة كبيرة يجزّ له رأسه كي يكون عبرة للصعاليك الآخرين الذين يفكرون في البحث عن السعادة.

تتمحور حكاية "كَيكييا- بطلة خيرسونيس" على فكرة الخيانة فبعد أن توافق كَيكييا، الابنة الوحيدة للأرخونت لاماخ على الزواج من ابن أساندرا شرط ألا يُوضع على رأس إدارة المدينة ولا يغادرها إلى مكان آخر لكنه كان يدبّر المكيدة في ليل كي يستولي على المدينة برمتها حيث جمع نحو مئتي محارب ووضعهم في أقبية القصر لكن شاءت الصدف أن تعاقب كَيكييا وصفيتها التي اكتشفت وجود الأعداء في أحد الأقبية فأحرقت القصر بعد أن أفرغته من محتوياته الثمينة وانتقمت من زوجها الخائن الذي كان يتربص بها الدوائر.

يتوفر بعض الحكايات على نَفَس سردي عجائبي كما في حكاية "الحور والرمّان والسرو" التي يعاني فيها الصيّاد وزوجته من بناتهما الثلاث، فالأولى تلعن والديها لأنها دميمة، والثانية تؤنبهما لأنها ليست رائعة الجمال، والثالثة جميلة ومرحة لكنها تسخر منهما وتزدريهما. وذات مرة انهلنَ ضربًا عليهما فتضرعا إلى السماء وانطلق صوت من مكان مجهول تحولت إثره الحورة إلى أطول شجرة في الوجود لكن بلا زهر ولا ثمر، وصارت الرمّانة شجرة عديمة الرائحة، أما السروة فتحولت إلى نبتة جميلة وحزينة. ما إن خرجت الفتيات الثلاث إلى الباحة حتى شاهدنَ ثلاث شجرات منتصبات لم يكن لهن وجود من قبل وقد أطلق الناس عليهم أسماء البنات الثلاث: حورة ورمانة وسروة.

يتكرر النَفَس العجائبي في غالبية هذه الحكايات، فنيموفليس، أحد الخدم يترك سِفطين للشقيقين بوتر وكَيوركَي بعد أن تتوفى أمهما الكونتيسة يلينا، ففي السفط الأول صولجان إذا رفعه ينشق البحر وإذا أنزله يرى كل ما يوجد في اللُجة. والثاني فيه جناحان إذا ربطهما يحملانه إلى حيثما يشاء، وسيعرف هناك كل ما يرغب في معرفته. وفي المقابل هناك شقيقتان جميلتان يأخذانهما قسرًا إلى الشمس وفي اليوم الثاني غاصا بهما إلى البحر الهائج لكن الرمح ثلاثي الشوكات صرعهما ثم صرع الشقيقتين وتحوّلا إلى صخرتين تحكيان مصير من يحاول الاستيلاء عنوة على شيء ما من النفس البشرية.

يمكن أن تؤخذحكاية "عائشة الأبيّة" على أكثر من مَحمل فهي تعالج ثنائية الحُب والكبرياء، واللين والصلابة كما تنطوي على نهاية مفاجئة فبعد أن يرفض الفتى الذهاب إليها والانحناء أمامها قبل أن يطلب يدها للزواج تذهب إليه لكنها تطعنه بخنجرها في صميم القلب.

لا يخلو بعض الحكايات من نَفَس فكاهي وربما تكون حكاية "ينبوع أي - بيتري" خير أنموذج لما نذهب إليه، فالزوج التسعيني الذي قرّر أن يجمع الحطب ويبيعه ليؤمّن تكاليف جنازته قد شرب من ينبوع الشباب فعاد فتىً يافعًا، وبينما هو في الطريق إلى بيته شاهد امرأة عجوز تبحث عن زوجها الطاعن في السن فدلّها على ينبوع الماء فشربت منه بنهم وعادت طفلة صغيرة. وحينما يئس العجوز من العثور على زوجته التي ذهبت كي تبحث عنه سمع صوت طفل في الغابة فحمله إلى البيت، وعند حلول الفجر كانت دهشة كبيرة وهو يرى أن الطفل الذي يحمله بين يديه ملفوف بأسمال زوجته العجوز التي شربت من ينبوع الشباب أكثر مما ينبغي.

تناقش كل حكاية ثيمة محددة فحكاية "الحصن الطويل" تركّز على جشع التاجر الملقب بالفيل الذهب الذي اشترى القمح من الفلاحين ليبيعه في السنة الجدباء بأسعار مضاعفة لكن السائح الروسي الذي مرّ من هناك نصحهم بأخذ الحبوب بالقوة فهم كُثار وهو واحد الأمر الذي شتّت الحرّاس وجعله يدفن رأسه في القمح ويواجه مصيره المحتوم. تتواصل الثيمات، والشذرات، والالتماعات التي تأخذ شكل الحِكم، والأقوال المأثورة، والصور الشعرية التي لا تبرح الذاكرة وهي ترصد قصص الحُب والغرام، والطمع والجشع، والتضحية والإيثار  وما إلى ذلك من قيم وأعراف نبيلة، ومشاعر وطنية دفّاقة يعتز بها مواطنو شبه جزيرة القرم.

لابد من الإشارة إلى أنّ المترجم حسن البياتي قد بذل جهدًا كبيرًا في ترجمة هذه الحكايات الأسطورية، وحافط على الأسلوب الذي وردت فيه بلغته الأصلية "الروسية" إلاّ ما كان يتعارض وطبيعة اللغة العربية. ولو وضعنا المصادر الروسية جانبًا فإن المترجم نفسه قد زار لعشر مرات العديد من الأماكن والمدن التي وقعت فيها أحداث الحكايات وما خلّفته من آثار شاخصة تركت أثرها الواضح على المترجم قبل أن يفقد بصره في حادث مؤسف ليترجم لنا هذه الحكايات الأسطورية التي توحي لقارئها وكأنها مكتوبة باللغة العربية مباشرة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

فالح الحجيةالشعر العربي تعبير مقصود به أي شعر كتب او مكتوب باللغة العربية، بشرط أن يكون موزونا ومقفى فالوزن شرط لازم في جميع أنواع الشعر، القديم والحديث، على حد سواء، بما فيه الشعر المعاصر باستثناء ما يسمى (قصيدة النثر)، أما القافية فهي لازمة في معظم أنواع الشعر القديم، اما في الشعر الحديث فقد أخذ يتقلص دور القافية الخارجية، فاستعمل مفهوم (الشعر المرسل) أي الشعر دون تقفية خارجية، وإن كان قد سعى، في الواقع، إلى تعويضها بنوع من التقفية الداخلية حيث لا يمكن الاستغناء عنها في عموم أنواع الشعر العربي، وفي أي عصر من العصور التي قيل فيه هذا الشعر، جاهلي أو إسلامي أو أموي أو عباسي أو أندلسي أو حديث او معاصر .

وكان الشعر العربي في الجاهلية، ديوان العرب، وعلمهم الذي لم يكن لهم علم غيره أصح منه اذ كان يصور حياتهم العامة والخاصة بما في ذلك المنازعات والمعارك التي كانت من اهم اسباب وجود شعر الحماسة والفخر في الشعر الجاهلي .

ان اهم ما يميز الشعر العربي التزام الشعراء بالوزن والقافية، في مجمل أنماطه، وفي مختلف أجياله، وإن جاءت بعض المحاولات المعاصرة خالية من الوزن والقافية، إلا أنها في الواقع محاولات قد تحسب على الشعر في بعضها، لكنها تعتبر من الشعر المنثور وهو اقرب لمجال النثر منه في مجال الشعر الا انه والحق يقال ان فيه بعض قصائد النثر جميلة ورائعة وتعبر بحق عن شاعرية قائلها، ومع ذلك اقول ان أبرز ما يفرق بين الشعر والنثر هو الوزن، وما عدا ذلك قد تكون اشبه بعناصر مشتركة بينهما.

الشعر الجاهلي كان لسان الامة العربية ووسيلتها للتعبيرعما يقع في المجتمع العربي وكانت العرب تقيم الأفراح في حالة ظهور احد أبنائها كشاعر مبدع، فالشعر عند العرب قديما يرفع من شأن القبيلة وكذلك ولادة الشاعر فيها.

وكان الشعر صدر الإسلام وسيلة من وسائل الدفاع عن رسالة الإسلام ازاء كفار ومشركي قريش ومن حولها من القبائل التي لم تؤمن بالاسلام في حينها . واستمر الشعر، في العصر الأموي، وفي العصر العباسي كوسيلة من وسائل الاحزاب والفرق السياسية والفكرية المتنازعة ويمثل كل النزعات التي سادت المجتمع العربي والاسلامي بقصد تبليغ آرائها، والدفاع عن مبادئها، في مواجهة خصومها او بيان خلافاتها مع الاخرين.

لذا فللشعر العربي دور بارز في الحياة الأدبية والفكرية والسياسية، وحتى الاجتماعية والدينية وقد تطور بتطور الشعوب العربية والإسلامية، وعلاقاتها بالشعوب الأخرى المجاورة لها.والتاثير اللغوي بينها مما ادى الى بروز فنون شعرية مستوحاة من الشعرالعربي ومتطورة في كل مجالات التاثير من حيث المضمون ومن حيث الأسلوب واللغة و الأوزان والقوافي وما إليها فكان سبيلا لظهور انواع من الفنون الشعرية مثل الفخر والمدح والهجاء والوصف والبكاء على الاطلال ثم ظهور الشعر السياسي، والشعر الصوفي، وشعر الغزل والشعر الاجتماعي ورثاء المدن والاوطان والشعر الوطني، وشعر الموشحات في العصر الاندلسي .....

اما في العصر الحديث والمعاصر فحدث ولا حرج حيث كثرت الفنون الشعرية وتشعبت بتشعب مفردات الحياة اليومية وكل ما يعبر عن نوازع هذه الامة والذود عنها فظهر شعر النكبة وشعر النهضة الحديثة وشعر الثور ة العر بية بجوار الفنون الشعرية القديمة والمستحدثة .

  

امير البيان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق – ديالى – بلدروز

 

بليغ حمدي اسماعيلالبَحْثُ عَنْ شَفْرَةِ النَّصِّ: هناك قاعدة نقدية تفيد أن التحول الأساسي في الشعر العربي المعاصر يشير عادة إلى ما يسمى بالحساسية اللغوية الجديدة، أو ما يعرف بالحداثة، وهذه الحداثة هي التي قامت بفصل عالم النص الشعري عن مرجعية عالم الواقع الفيزيقي والاجتماعي المحيط، بحيث إننا لا نستطيع أن ندعي بأن الشاعر يريد كذا أو يقصد كذا، كما أن النقد المعاصر دائماً ما يؤكد أن شعراء الحداثة الشعرية بعيدون كمال البعد فيما يسطرونه من كلمات عن صور وتشكيلات الواقع الفعلي .

من ناحية أخرى فإن شعراء الحداثة الشعرية يقيمون عالماً افتراضياً موازياً لعالم الواقع، وربما ينفصلون عنه انفصالاً تاماً من حيث مواد وأدوات التشكيل، ومن حيث الاستهداف، وإذا كان هذا الانفصال غير المبرر بين العالمين " عالم النص " و " عالم الواقع " كانا يتعانقان منذ المحاولات الأولى لشعر الحداثة، فإن ناهدة الحلبي في ديوانها " أبعد من وحدتي "  تحاول جاهدة قطع حالة الانفصال تلك، بل وتبدو خطوط الاتصال بين العالمين واضحة لا مجال للشك فيها .

والديوان في مجمله حالة استثنائية رغم إعلان صاحبته أنها شاعرة غير استثنائية، وهذه الاستثنائية تبدو من خلال تعدد الأصوات والحالات في قصائد الديوان، وهو ما نحاول الكشف عنه بإيجاز لضيق المساحة والمقام دون رصد العلاقة بين الشاعرة والنص، إنما الإشارة السريعة إلى العلاقة بين النص ذاته وبين مجتمعه .

فالنص نفسه " أبعد من وحدتي " يتداخل فيه صوتان رئيسان هما صوت الحضور الجسدي، وصوت الحضور الأنثوي البارز في قصائد الديوان، وهذان الصوتان يقيمان علاقة فريدة ومميزة ؛ وهي علاقة التوازي والتحاور في آن واحد، مثلهما مثل الجوقة والممثلين في عالم النص الشعري المسرحي اليوناني، حيث تصف الجوقة ما لا يمكن إظهاره بالأداء التمثيلي . وما ينبغي أن نلفت إليه النظر هو أن الحضور الجسدي في النص وظف في أكثر من وظيفة ووضع في أكثر من موضع، لأنه باختصار ـ الحضور الجسدي ـ قام بأكثر من دور وكل دور تضمن دلالة متعددة، اختلفت عن سابقتها في شعر الحداثة النسائي الذي كان يصر على جعل الحضور الجسدي للمرأة ظلاً غير واضح المعالم والتشكيل.

لكن الحضور الجسدي عند ناهدة الحلبي في ديوانها  يتجلى لغوياً، وهي في ذلك تسعى إلى تكريس وتحقيق رؤيتها للعالم والمجتمع، وهذا الحضور يمكن رصده من خلال الإشارات الشعرية التالية:

تعْتادُهُ  النَّهْداتُ حتّى شابَهَتْ

شُرُفاتَ لَذَّاتٍ بِطَعمِ جَنانِ

عُتْبي على جَرحٍ تَقوَّسَ قَدُّهُ

فأَهاجَ عندَ رُموشِهِ أجْفاني

كجداول السُّهدِ المُعَتَّقِ بِالجَفا

مُتَعثِّرًا بالوَصلِ والخَفَقانِ

يا بوحَهُ الثغرُ المزنّرُ بالشذا

كالعطرِ معقودٌ على الرَّيْحانِ

وفكرة الإمساك بشبكة من الكلمات المرتبطة بفعل الجسد وحركته تعتبر نقطة انطلاق لدلالة النص الشعري عند ناهدة الحلبي، فدائما تظهر حركة الجسد الذي يأبى السكون، لذا فنجد صوت الفعل المضارع بازغاً وواضحاً عندما يقترن بالجسد، بالإضافة إلى أن حضور الفعل المضارع المقترن بحركة الجسد تغلب عليه صيغة المتكلم وهو الملمح الذي غلب على سياق النص اللغوي في نصفه الأول:

إذا يمكننا رصد حالة الجسد في نص ناهدة الحلبي  الشعري بأنه يثور دائماً وأنه رفيق اللحظة الآنية لواقعه الحالي لا يجتر ذكريات فائته إلا ليؤكد حالات شديدة الحضور الوقتي وهذه الثنائية لا تمثل ضدية أو نوعاً من التعارض .

وكما كان للفعل الماضي حضور، فإن له حضور مماثل لحضور الحدث المضارع الذي يشكل فعل الحركة والاستمرار دون تعقيد أو تركيب لغوي يثير الغموض كما في باقي شعر الحداثة، وهذان الحضوران يتطلبان متابعة مستمرة لإدراك فعل الجسد الذي يمكن القارئ من فهم وتأويل النص الشعري ز

وهي بذلك تحاول أن تكسر الصورة الصريحة الكلاسيكية في استخدام الفعل الماضي المرتبط بالجسد والذي يشير إلى حالة ومقام السكون، وذلك عن طريق تزاوج الكلمة الماضية بمفردة مستمرة نشطة .ومثلما كان صوت الحضور الجسدي، وحضور التزاوج بين استخدام الفعل في صيغتيه الماضي والحاضر أكثر تميزاً ووضوحاً في نص الشاعرة ناهدة الحلبي، فإن الصوت الأنثوي أو ما يعرف بالحضور الأنثوي كان على مقربة من هذا الحضور السابق، فالنص لا يقدم شخصاً غائباً نتلمس أصداءه من مفردات ذات خصوصية، تتصف بالسرد الرتيب والذي يقمع بدوره كل محاولة لظهور الذات أو إحدى صوره.

ولكن يبدو الحضور الأنثوي في النص واضحاً ومجسداً لمراحل التطور السردي غير الرتيب والذي أصبح ـ السرد ـ ملمحاً رئيساً لقصيدة النثر المعاصرة، وعادة ما تحاول الشاعرة ـ أية شاعرة ـ أن تعيد صياغة الشكل الهرمي لعلاقة المرأة بمجتمعها وغالباً ما تكون صورة هذه العلاقة مستترة غير واضحة مستخدمة فيها لسان امرأة أخرى غير لسان الشاعرة نفسها، بل لعل النصوص الشعرية النسائية المعاصرة تتستر خلف أقنعة وهي تحارب المد الذكوري في المجتمع، أما النص الشعري عند ناهدة الحلبي فهو ليس في حرب شرسة مع هذه الذكورية الطاغية والتي تمارس قمعاً ثقافياً داخل النص، ويبرهن على ذلك حرص الشاعرة على وجود صيغة المتكلم بشكل صريح، مع قوة الكلمات التي تفيد محو التبعية وحالة القمعية تلك .

بقي إلى أن نشير إلى الملمح الرئيس في نص الشاعرة ناهدة الحلبي والذي أسهب بعض النقاد في التنويه عنه وربما محاولين رصد هذا الملمح الذي نقصده بالمعجم الصوفي، وليست الحالة أو المقام . فالنص الشعري يؤكد بطول قصائده المتعددة على استنطاق المفردات اللغوية التي عادة لا تخرج عن المعجم الصوفي، وهي في استخدامها لهذه المفردات ربما تحاول أن تنأى قليلاً عن المشهد الاجتماعي الذي يبدو واضحا من أول قصائد الديوان وأن الشاعرة ليست بمنأى عن واقعها ومجتمعها ولا ترتدي أقنعة وهمية تواجه به مجتمعها .

ولأن ناهدة الحلبي تملك حضوراً ذاتياً سواء على مستوى الاستخدام الجسدي للمفردات، أو من حيث حضورها الأنثوي والأفعال التي ترصد حركتها فهي تجنح إلى عالم متصوف يسمح من جديد بإعادة ظهورها بغير تستر أو غياب، فنجد ألفاظ وعبارات شعرية تعود إلى معجمعها الصوفي مثل: ( والزمن سرقك من غرفتي / تطفو الروح / سأرفع أسدال كعبتي / هكذا أكشفني / وهذا الفجر فاتحة أمري / أجمع فضائل الوجود / حاملة مشكاة فيها نوايا سماوية / أصعد إلى السماء أتباهى في صعودي / إنه العدم السرمدي ) .

وهذا ونستطيع أن نجمل قراءتنا غير الاستثنائية لشاعرة تبدو بنصها الشعر استثنائية أنها مهتمة جد الاهتمام بصورة المرأة والإعلان عن بوحها الصامت منذ سنوات ضاربة في الأزل، وهي تدعي عبر الديوان القيام بدور البطولة متجنبة القمع الذكوري الذي يبدو باهتاً لا نلتمسه إلا في لحيظات شعرية بسيطة وسريعة، وكأن الشاعرة أرادت أن تهرب بعيداً عن سجن القصيدة النسائية المعاصرة والتي تجعل استهداف القصيدة موجهاً نحو الرجل الذي يقاسمها المجتمع بل يقتنص الجزء الأكبر منه، كما أن النص الشعري عند ناهدة الحلبي يدعو القارئ دائما لكي يكون واعياً بقيمة الوعي تجاه المفردات التي تشكله ـ النص ـ وأن استخدامها يقيم علاقة متقاربة بين الشاعر والمجتمع بخلاف النصوص المعاصرة التي تفصل عالم النص عن عالم الواقع

وقد لا يحتاج الناقد أو القارئ على السواء إلى إطلالة ببلوغرافية توثيقية للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي قبيل مطالعة قصائدها المتوهجة بالشعر الذي يمكن توصيفه بأنه ديوان العرب، عدم الاحتياج هذا مفاده عدة أسباب وعوامل أبرزها على الإطلاق التزام ناهدة الحلبي بالصورة الرصينة للقصيدة العمودية التي تشترط توافر الوزن والقافية هذا ما استطاعت ناهدة الاكتراث به وتفضيله في مجمل قصائدها، ومن الأسباب أيضا أنها رغم التزامها بصورة شكلية قديمة وتقليدية يمكن توصيفها في الوزن والقافية إلا أنها تحررت مطلقا صوب اللغة التداولية القريبة من القارئ العربي المعاصر الأمر الذي جعل من قصائدها ما يشاكل رغيف الخبز اليومي الذي لا يمكن للمرء الاستغناء عنه، وإن جاز للناقد مدح شاعر فالأحرى أن نمدح لغة الشاعرة ناهدة الحلبي وموضوعاتها الشعرية قريبة الصلة من القلب والتي ابتعدت بها عن لوغاريتمات القصيدة العربية الراهنة الموغلة في الغموض والالتباس والرمزية التي تفقد الشعر العربي الرائق براءته وبريقه .

والسبب الثالث من أسباب تفرد ناهدة الحلبي كونها لبنانية الأصل، ولبنان على الاختصاص موطن استقر في مظاننا التاريخية بأنه وطن الشعر الأكثر مشاكلة للغة القلب والوجدان والأبعد عن القصيدة الفلسفية الضاربة في السردية التي امتاز بها الشعراء المعاصرون الأمر الذي جعل الكثير من قراء الشعر ينأون بعيدا عنهم وعن نصوصهم التي تشبه الأحجية والتعاويذ القديمة .

أبْعَدُ مِنْ وَحْدَتِي .. أقْرَبُ مِن القَلْبِ:

ومنذ أكثر من خمسة أشهر وديوان " أبعد من وحدتي " للشاعرة ناهدة الحلبي يعلو مكتبي الخشبي، أتأمل صفحة الغلاف الخارجي، ثم أمر على قصائده الاستثنائية عبر قراءة عابرة متحفظاً الولوج في إحداثياته من أجل اقتناص سويعات تناسب النص الرائق بلغته المعاصرة والتزامه بالشكل الصحيح والسليم والفطري للقصيدة العربية وكأن العنوان نفسه أجبرني على الاحتفاء بالوحدة أو الهروب بالديوان بعيدة عن زحمة الفلسفة والمشاهد السياسية التي غلبت بسطوتها على حياتنا العربية، وجاءت لحظة اقتناص القراءة بفضل حالة اليقين التي تمتلكها ناهدة الحلبي بقصائدها المتوهجة شكلا وموضوعا من خلال نص شعري يحظى بلغة معاصرة وحالات وجدانية لا يمكن للقارئ الفكاك من شراكها .والأجمل والأروع عند تناول قصائد مجموعة أبعد من وحدتي للشاعرة ناهدة الحلبي أنك مضطر للتخلي عن كافة التقنيات النقدية التقليدية المكرورة إذ أنك تتعامل مع نص يستهدف الوجدان أولا ويدفعك للتعاطف مع قضاياه ومضامينه وليس للتفتيش عن زوايا أخرى كامنة .

الكَشْفُ عَنْ التِّيْمَاتِ النَّصِّيَّةِ:

وهناك ثمة ملحوظات تمثل بالفعل إحداثيات لغوية وشعرية تفرض نفسها عند تناول قصائد ديوان " أبعد من وحدتي " للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي لعل أبرزها فعل الأمر الذي يغلب على معظم قصائد الديوان، وربما لا يكترث النقاد المعاصرون بدلالات اللغة في قصائد المرأة أو ما يعرف بالأدب النسوي، رغم أن استخدام المرأة الشاعرة أو القاصة أو الروائية لفعل الأمر يحدد ملامح مهمة تكشف عن صاحبة النص دون اللهاث وراء معلومات تاريخية عنها تماما حينما نستقرئ روايا الجزائرية أحلام مستغانمي لاسيما في عابر سرير أو ذاكرة الجسد أو الأسود يليق بك وأخيرا عليك اللهفة .

هذا ما يكشف عنه فعل الأمر الغالب على قصائد ديوان أبعد من وحدتي والذي يدل على أن ناهدة الحلبي شاعرة بدرجة ثائر أو مبدعة تصر على الوصول إلى منصة التتويج عن طريق إطلاق صرحات شعرية تعبر عن مطامح الأنثى المشروعة في مجتمع ذكروري بات مضطربا وقلقا بفضل الشهود السياسي الراهن تارة، وتارة أخرى هذا القلق الأنثوي المصاحب لكافة المشاهد الإنسانية المتعلقة بالحب والوصل والغرام وعلاقة المرأة بالوطن والسفر . استخدامها لفعل الأمر جاء متلازما ومصاحبا عن حالة القصيدة أو المشهد الشعري القائم فحينما نطالع القصائد العاطفية على سبيل الرصد لا الحصر نجدها تستخدم أفعالا مثل " قل لي أحبك "، " خذني إليك "، " واكذب عليَّ "، "واحضن فمي"، "أعني على النسيان"، "واستصرخي وجعي" .

والملمح اللغوي الآخر الذي يطغى في الاستخدام النصي في ديوان " أبعد من وحدتي " هو اللغة الاتصالية مع الآخر / الرجل، وهو استخدام يتناسب كثيرا مع الالتزام بالشكل الرصين للقصيدة الشعرية العربية المتمثل في الوزن والقافية، ومن الملفت أيضا أن ناهدة الحلبي وهي تحرص على تيمات لغوية داخل نصوصها على وعي مستدام بتقديم جمل شعرية تقريرية وليست إنشائية وهي بذلك أشبه بحالة البوح الرقيق الذي لا يميل إلى الاستعطاف أو استجداء حالة الحب بقدر ما هي على يقين بأن الذائقة اللغوية تتطلب الجملة الإخبارية عقب استخدام تيمة لغوية راسخة في المظان العقلية العربية ذات الثقافة الذكورية السائدة مثل أيا سيدي، ويا سيدي، ويا سادتي، و نتلمس هذا الملمح من خلال قصيدة "ريشة على خد وجسد " إذ تقول:

"إني نظرت إليه ذات مرارة

وخصوبة الأشواق طعم خناجر

يا سادتي ما الحب إن أذوى الردى

وجد الحبيب، وجفن غيم ماطر."

وتقول في قصيدتها " مسجي على قلب وورق ":

"يا سيدا حسنت للكون صورته

في قلب سيدة من بارئ النعم

كما البدور إذا ما الحسن كللها

لها الشموس إذا ما القلب في ضرم."

وتقول في قصيدة " رعشة زمن ثمل وقداح ":

"أترعت كأسك بالملذات التي

عتقتها في القلب خوف سراق

يا سيدي، إن ذقت خمرة عاشق

لا تخش من سكر فلست بباق ".

غَيْرُ المَسْكُوتِ عَنْه:

لماذا تصر ناهدة الحلبي أن تقول أكثر مما ينبغي السكوت أو الصمت عنه ؟ هذا التساؤل هو إجابة بسيطة وسريعة لملمح أكثر بزوغا في ديوان " أبعد من وحدتي " وهو عناوين قصائد الديوان التي تشبه بالمواضعات أكثر منها مجرد عناوين لقصائد تأتي، والملفت للنظر والمسترعي للانتباه هو أن بعض العناوين تتشكل من كلمات تبدو طويلة وهذا يستلزم من القارئ أن يكون على وعي مستدام بأن ناهدة الحلبي أرادت تحقيق مزيتين في قصائدها ؛ الأولى أنها شاعرة عمودية أكثر حرصا على الشكل التقليدي للقصيدة العربية، والثانية أنها شديدة المعاصرة للمشهد الشعري الراهن لاسيما قصيدة النثر التي تمتاز بعناوين متفردة تجبر القارئ وتحثه على متابعة القصيدة رغم سرديتها . فنجد من بين عناوين القصائد " عطرك على ساعدي والعبق "، " برق في دموع حارقة "، " جفون عارية وحب مهاجر "، " عشق على ضفة وقلق "، " شوق إلى سفر ووعد " .

وحرص الشاعر على استخدامه مواضعات طويلة لقصائده هو هدف يسعى إليه، هذا الهدف يتمثل أولا في البوح عن حالة القصيدة، وثانيا إشراك القارئ في حالة القلق المتزامنة مع الشاعر حينما يختار عنوانا لقصيدته، وربما نجح علماء النفس اللغويون حينما أقروا بأن الشاعر عندما يطيل في عنوان قصيدته فهو يعاني قلقا ويجد صعوبة في اختزال إبداعه العصي على المراس في كلمة واحدة فقط لذلك يلجأ كثير من المبدعين ومنهم ناهدة الحلبي إلى قرار إطالة العنوان تجنبا لاختزال القصيدة في عنوان ضيق وإن كان ضيق العنوان لغة يكشف عن مدى تكثيف القصيدة أيضا .

صُوْرَةُ الأنْثَى العَاشِقَةِ .. بَعِيْدًا عَن الرَّبِيْعِ العَرَبِيِّ:

أعادت الشاعرة ناهدة الحلبي في ديوانها " أبعد من وحدتي " الأنثى العربية إلى صورتها الرقيقة البعيدة عن مظاهر الوحشية والتمرد والسفور التي لازمت المرأة المعاصرة تحديدا منذ اشتعال ثورات الربيع العربي التي حولت المرأة العربية إلى ناشطة سياسية وثائرة ومتمردة على الأوضاع السياسية المجتمعية الأمر الذي أغفل الجوانب الرقيقة في المرأة والتي كانت المصدر والرافد الأول والأصيل لإبداع الشعراء على مر العصور .

وصورة الأنثى في ديوان أبعد من وحدتي رقيقة وهادئة الطباع، رصينة بغير جموح، عاقلة بدون جنوح، وهذا ما تكشف عنه ناهدة الحلبي في قصائد ديوانها، إذ تقول في قصيدة " فوضى الجسد والروح ":

"كم قال يهواني على مسمعي

ناجيت منه الحسن لم يسمع

يا لحظ جفن كم كواني به

مثل هجاء الشاعر المقذع

إن في ذبول فالهوى مؤرق

كنور وجه نافر المدمع

والقلب من فيض الهوى عاشق

كامنهل الهارب للمنبع"

وتقول ناهدة الحلبي في قصيدتها "ويقول يحبني .... ":

"إني عشقتك رد ما حطمت يدي

من أكؤس برضاب ثغرك ترفل

كم لائم في الحب قد برح الهوى

إن القلوب براقع تتبدل

أنسيت نقتسم المغيب ووحدتي

لون الغروب أنين وجدك يحمل"

وصورة الأنثى العاشقة التي تلازم مجمل قصائد الديوان تأتي على موعد دائم بخيبة الحب ولوعة الفراق، بل أحيانا كثيرة تأتي الحالة الوجدانية للأنثى ذات الحضور المشهود في ديوان " أبعد من وحدتي " لتعكس ما جناه الرجل بزيفه وخداعه وقصصه التي يعبث بها طامعا في علاقة عابرة مع المرأة، لذا فإن ناهدة الحلبي نجحت بامتيار في توصيف هذه الحالة وتلك العلاقة المنتهية بانتهاء فورة القلب الذي اعتاد على العشق لكنه لم يتمرس في تلقي صدمات غدره.

تقول ناهدة الحلبي في قصيدة " قلق على جفن وردة ":

"أحكي لكم يا سادتي عن قصتي

ولسان حالي ناطق بشقائي

فالعمر يمضي كيفما شاء الهوى

ما شئت يوما واستجيب ندائي

ذنبي إليه أن أغللت بضوئه

مستبرقا في ليلتي الظلماء

والدهر في أرزائه سرف بنا

فقذى بعين غير ذات ضياء

وخطيئتي أني أقمت بقلبه

والوصل عندي لا يخط بماء

لم يأت بالبدر المنير غواية

فعلى جبين الشمس شق ردائي"

وتقول الحلبي في قصيدتها المعنونة بـ "جفون عارية وحب مهاجر":

"وكم قال هذا الليل لون ضفائري

وما بين عينيه سواد مضلل

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

 

عدنان حسين احمدتُمثِّل رواية "تلّ الورد" الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت للروائية السورية أسماء معيكل نموذجًا للأدب الديستوبي Dystopian الذي يقف بالضد من الأدب اليوتوبي  Utopian، فالأول هو أدب المدينة الفاسدة التي تعمُّها الفوضى، ويُهيمن عليها الشرّ المُطلَق، أما الثاني فهو أدب المدينة المثالية الفاضلة التي تسكن في مخيّلة الحالمين من البشر، وشتّان ما بين الاثنين. وعلى الرغم من بساطة قرية "تلّ الورد" إلاّ أنها يوتوبيا من نوع ما، فهي مدينة حُلُمية للشخصيتَين المركزيتَين اللتين تناصفتا البطولة، وتعلّقتا بها كمكان طُوباوي لا مثيل له على أرض الواقع رغم ما أصابها من دمار وخراب.

سعت أسماء معيكل منذ البدء لإحاطة القارئ بمكونات المجتمع السوري الذي يتألف من عرب وكرد وأرمن، ومسلمين ومسيحيين، وسنّة وشيعة، ودروز وما إلى ذلك من قوميات وأديان ومذاهب متعايشة منذ حقب وأزمان بعيدة، بل أن عائلة عمران راغد المعرّاوي، الشخصية الرئيسة تجمع المذهبين السنّي والشيعي تحت سقف واحد قبل أن تتفرّق وتتوزع في المنافي الأوروبية ثم تقفل راجعة إلى "تلّ الورد"، المكان اليوتوبي الوحيد الذي يتآلفون معه في حياتهم ومماتهم على حدٍ سواء.

تتمحور أحداث هذه الرواية على أهالي "تلّ الورد" لكنّ التركيز كان مُنصبًا على هذه الأسرة السورية التي تتألف من الأب راغد المعرّاوي وزوجته حسيبة لاذقاني وأولادهم الثلاثة عمران وربيع وباهرة. وبما أنّ عمران سوف يقع في حُب "كافي" فإن نطاق الأسرة يتوسّع قليلاً وينضاف إليها ولدهما البِكر "حيّان" الذي يأخذ بأحداث الرواية إلى المنفى الهولندي ويطعِّم أنساقها السردية بمعطيات ثقافية واجتماعية ودينية جديدة لا تتلاءم مع عقلية الأبوين القرويين.

وبما أنّ أحداث الرواية طويلة ومتشعِّبة فلابد من اختصارها قدر الإمكان كي نحيط بالثيمة الرئيسة للرواية وبعض الأفكار الجانبية المؤازرة. لابد من الإشارة إلى أنّ عمران المعرّاوي قد خدم في الجيش لمدة عامين ونصف العام، ثم سُرِّح من الخدمة العسكرية، وبحسب قناعته الشخصية، فـ "إن الإنسان بعد ذهابة للجيش لا يغدو رجلاً، بل يستحيل وحشًا أو يؤول ذليلاً" ومع ذلك فقد التحق في معمل الغزل والنسيج في حلب. أما شقيقه "ربيع" فلم يتابع دراسته الجامعية وإنما أصبح شرطيًا وعُيِّن في "تلّ الورد" لكنهم ما إن غيّروا رئيس المخفر وجاؤوا بآخر  أمرهم بقمع المظاهرات، وعدم التهاون مع "الخونة والعملاء"  حتى نُقل "ربيع" إلى الحسكة لكنه لم يذهب فسُجن داخل المخفر وتعرّض لتعذيبٍ وحشي سوف يدفعه للانشقاق والالتحاق بجماعة دينية مسلّحة تمارس سلوكًا تكفيريًا متطرفًا حتى مع عوائل المنتسبين إليها. لبس "ربيع" الزي الإسلامي، وحفّ شاربه وأطال لحيته. أما الشخصية الثالثة في العائلة فهي "باهرة" التي رفضت كل من تقدّم إليها من شباب القرية لكنها سوف تتعرض للاغتصاب وتقتل مُغتصِبها "أبو ظافر التونسي" طعنًا بالسكّين. يختفي عمران لمدة أسبوعين يتعرّض فيها للتعذيب، كما تتعرّض فيها "كافي" للاغتصاب على يد ضابط أول الأمر، ثم على أيدي الجهاديين، وحينما يتم استدعائه لخدمة الاحتياط يوافق أبواه على الرحيل والسفر إلى تركيا حيث عمل في مهن متعددة كالبناء والمداجن وأعمال التنظيف لكن معاملة الأتراك تبدلت بعد أن طالت الحرب وصاروا يعتدون على اللاجئين السوريين، وأكثر من ذلك فقد تناوب على اغتصابها ثلاثة أتراك خلّفوا في روحها جُرحًا لم يندمل. تتوفر هذه الرواية على انعطافات متعددة ربما تكون أخطرها اتخاد الوالدين قرارًا بتهريب ولدهما الوحيد "حيّان" إلى هولندا حيث تحتضنه عائلة السيد ميشيل وزوجته كوليت وأولاده الثلاثة جورج وطوني وميريانة ويربيانة تربية مسيحية، ويُحرِّفان اسمه من "حيّان" إلى "حنّا"، وها هو قد نجا من الموت وعاش في بلده الجديد "ولكن لابد أن يُميت معتقداته وثقافته لكي يعيش" ويسدّد ثمن الضريبة المفروضة عليه. وعلى الرغم من أهمية التركيز على محنة الأبوين وما عانياه من ظروف شاقة تفوق قدرتهما على التحمّل إلاّ أن محنة الابن لا تقل أهمية عن محنة الأبوين المُهاجرين اللذين اكتشفا فجأة أنّ ابنهما حيّان قد ترّبى تربية أوروبية لا تنسجم مع التقاليد الاجتماعية السورية بشعره الطويل، وأذنيه المزيّنتين بالأقراط، والإسوارة التي تطوّق معصمه كما البنات، وحينما تبدأ أمه بقصّ شعره بعد لمّ الشمل يشرع في البكاء مثل صغير فقدَ شيئًا عزيزًا عليه فينفر من والديه ويهرب من أمستردام إلى مدينة لاهاي على دراجة، ويذوب شيئًا فشيئًا في عالَم المشرّدين. أما "ربيع" فقد تبيّن أنه راقد في المستشفى وليس مع "الحور العين في الجنّة" وإنما بُترت ساقه ولديه العديد من الرصاصات في الظهر والعُنُق والحوض، ويعاني من شبح الأطراف المبتورة، وقد أدرك بأنه لم يعد رجلاً لكنه أيقنَ بأنه كان "خسيسًا ودنيئًا" حينما جوّع أبيه وعذّبه، وقدّم لأمه العَلَوية ورقة الاستتابة كي تخرج من الفرقة الضالة وتلتحق بالفرقة الناجية، وقال عن شقيقه عمران بأنه "ولّى الدُبُر" و "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، كما طلب من أخته "باهرة" أن تكون زوجة للتونسي الذي اغتصبها من قبل.

يبدو أن الروائية أسماء معيكل قد اشتغلت كثيرًا في هذه الرواية على الشخصيات النسوية وخاصة "كافي" و "باهرة" حتى أنها أوصلت الأولى إلى مرحلة الأسطورة بحيث جعلت من جسدها خريطة موشومة بالأفاعي والعقارب السامة بينما انقطع عمران في مرحلة مرضها وانهيارها النفسي إلى ملذاته الشخصية، وأفلامه الإباحية، وتورّط بتهريب العملة طوال مدة انتظاره الطويلة في إستانبول. وحينما يئس من إرجاع ابنه إلى بلده قرّر أن يعود مع "كافي" إلى "تلّ الورد" عسى أن يموتا هناك وتحتضن جسديهما إلى الأبد. وبما أنّ القوانين الهولندية لا تسمح لهما بالمغادرة فينبغي أن يهرب مع كافي مثلما هربا من بلادهما، وهنا تكمن المفارقة حيث يدفعان كل ما لديهما من نقود ومصوغات ذهبية كي يصلا إلى "تلّ الورد" في رحلة شاقة مليئة بالمصاعب بعد أن تُصاب زوجته بسرطان الدم وتنطفئ بين يديه قبل أن يطأ أرض القرية التي اختلفت رائحتها. ومن هول الصدمة لا يتعرّف على أخته باهرة التي لم تتعرف هي الأخرى. فلقد مات أبوه منذ وقت طويل، وفقدت أمه الذاكرة، وبدأ يبحث عن مساحة كافية لدفن زوجته التي أحبّها من الأعماق. وتأكيدًا للمناخ الديستوبي الذي أشرناه إليه في مستهل المقال لم يحضر أحد لمجلس العزاء بعد أن أصبحت الحياة كابوسًا مروِّعًا، وتحوّلت القرية إلى مقبرة جماعية، ومع ذلك فقد سيطرت عليه الهواجس بأن شقيقه "ربيع" لم يمت، وجارهم "الدهلوج" فقدَ عقله بعد أن سقط أحد البراميل المتفجرة على بيته، وأنه بدأ يأكل أشلاء البشر حينما لا يجد جيفة حيوان، وأنّ حَبّة اللشمانيا قد انتشرت في "تلّ الورد"، وأنّ الأطفال تشوّهت وجوههم، ثم تُوقظه "باهرة" من الكابوس الجائم على رأسه وتوبِّخه لأنه يريد أن يغادر ويتركها وحيدة، عند ذلك يخبرها بأن "حيّان" لم يمت بداء عضال كما أخبرها لحظة وصوله، وإنما ضاع في هولندا لأنه لم يرضَ بالعيش معهما. وفي الختام ترسم أسماء معيكل النهاية بطريقة مُعبّرة حينما يُصاب عمران بالشلل ويصبح رخوًا فيطلب منها أن تأخذه سحلاً إلى بيته وهما يستذكران أشياء كثيرة ويردِّدان أغاني الوالد:

"خضرة يا بلادي خضرة رزقك فوّار / محروسة بعين القدرة تبقى هالدار".

إن رواية "تلّ الورد هي أوديسة سورية بحق استنطقت ثورة الشعب السوري من خلال أسرة صغيرة تشظّت داخل البلاد وخارجها على أمل النجاة بأقل الخسائر، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن أشداق الموت كانت مفتوحة على سعتها فالتهمت الجميع دفعة واحدة مُذكِّرة إيانا بمقولة كفافي الشهيرة: " إذا خرّبت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فهي خراب أينما حللت".

 

عدنان حسين أحمد

 

حميد الحريزي معزوفة سرد شعري، تكشف وجه القبح، وتمزق شرنقة الوهم

 (ماذا ستفعلين؟

اصرخ اقبع في قمة سلالم الهدير / ارتد الى مكامن القوة، اتلفع بموطن الوهن)

 انتظري ي ي ي ي ...

يطبق الزعيق على كل الانحاء، يسيل رصاصا يتكاثف، يتصلب نوارس تحلق في صفحة السماء، تسير على خطوط، او سكك بيضاء)ص107

هكذا يختتم مهدي ازنين روايته (سلالم التيه) في حين يبدأها في الصفحة الاولى

(تساير قطعانا من نعاج بشرية،مسوخ الاصباغ والتصنع توائم \ تنافر جمالا فطريا في خطوط مللامحها، ترفل في مروج تفوح منها انوار بهيجة، تعطر واقعا ينتأ من ثنايا الزمن)ص7.

هكذا قادتني سلالم مهدي ازبين وسط شعر سردي او سرد شعري هذا اذا افترضنا ان للتيه سلالم .هنا يوحي العنوان بالوهم والضياع لحياة اشخاص تأسرهم شخصية الديكتاتور ..

(تتوكأ على عكاز من شعر متعب، يتهدل عباءة بلون خجول .. ذيل حصان هائج ينشد الهرب ...) الخ من الصور الشعرية والروائي يأنسن الكلمات ويهبها روحا وسلوك، ويصطاد المفردات بصنارة من ذهب من اعماق بحر اللغة ألمترامي فتبهر حروف الكلم فتعلق في سبابة قلمه فرحة مطاوعة ترتدي حلة الجمال والكمال، كم يخرج لؤلؤة من محارة مغمورة لتنتظم ضمن قلادة الجمل المنسابة في نهر السرد الدافق بالحياة والمعنى .

تتضمن الرواية درسا سيكولوجيا، ونموذجا لمسخ الانسان ذاته وتماهيه مع صورة البطل الاله والقائد المخلص .

(نحول) طفلة تعيش في كنف عائلة تقدس القائد، تتملقه تؤهله، تعبده، هو المثل الاعلى للانب المؤدلج، والأم التي ترى فيه الفارس الذي لا يدرك ...تتزين بصوره جدران الدار، وتضمه ساعات المعاصم وقلائد الصدر ..

المدرسة التي تعلم حب القائد وتربي الجيل على عبوديته، رمز القوة، الشجاعة، البطولة، الكرم، صانع المعجزات وخالق الاساطير، المحاط بالهيبة والشموخ والعظمة في فعله وكلامه في نومه ويقضته، الذي فاقت اسماؤه اسماء وأوصافه اسماء وأوصاف الله الحسنى

ما ان تبلغ النضج الجسدي حتى يكون ديدنها الاقتراب من معبود، تكلمه، تحتضنه، تخدمه، تعطيه كل ما يسره ويسعده ...

تحصل على فرصة المواجهة، تقدم فرائض الطاعة وتمنيات اللقاء حد الاستعباد والذوبان عند اقدام الحبيب، تفوز بموعد، تطير فرحا وفخرا ومباهاة وسط حشد من الرفاق القرود فقد منحها العظيم صك العظمة ومن عليها يفيض من هيبته وعظمته وهاهي قاب قوسين او ادنى من عرش الاله لا بل من ملامسة الاله ذاته، وبقدر ما يقترب اليوم الموعود،تحف بها السعادة وتنثر في طريقها الزهور وتغني لها الطيور،انها الاجمل، انها حبيبته الاله وحبيبته المختارة ...

تزف روحها قبل جسدها للاله في يوم اللقاء، عد طول ترقب وانتظار يصطحبها الاله رفقة غجريةمشعشعة بمظاهر الابتذال والغنج الرخيص، مشبعة بعطر البداوة والشبق، تدخل قصر الجواري المدجج بالشوارب الكثة والزيتوني الاشن، طاولات تضج بالكؤوس الذهبية وقناني الويسكي مختلفة الماركات المتاهبة لمنح النشوة للاله ...

تفور دهاليز انوثتها انهار الرغبة، تزعق اهات الشبق المكبوت المدخرة للاقتران بالإله في معبد العشق، فهي البغي المقدس في زقورة الرب المعبود .

يوميء للغجرية، يغيبان في دهاليز القصر، تتحرق شوقا وغيرة لايكبتها سوى انه الاله ولا مرد لرغبته وهو مالك الاسرار وله الفعل والارادة والخيار يقرب من يشاء ويبعد من يشاء .

يهشم على راسها امل اللقاء حين ينصرف دون ان يبادلها حتى نظرة وداع ناهيك عن الاعتذار، فالاله لايعتذر وما على العبد الا التوسل بالمعبود .

يصرفها الزيتوني على امل الاتصال بها حين يشاء الاله ..

تغسل وجهها ببصاق اهماله مرتدية قناع الامل بلقاء جديد، فالالهة لا تخلف وعودها ولابد ان يأتي اليوم الموعود .

تمسك بحبل الامل بالتعرف على الابن الاكبر للإله، فيراودها عن نفسها، ترفع بوجهه ورقة الحصانة الموقعة بقلم الاله، ولكي يثبت الابن انه اله ونصف دبر لها شياطين العرش فراش الاغتصاب ممزقا صك الحصانة هازئا بتصابي الوالد كاسرا ومحطاماً نهجه باحتكار الجواري لصالحه وحده وان لا شريك له في امتلاك البلاد والعباد ..

تخذلها مظلات الهبوط بتدبير من شياطين الاله الاصغر ...تسقط مرمية على ارصفة احد الشوارع، تعود للوعي في المستشفى متحسسة اللزوجة بين فخذيها، يستشيط الوالد الرفيق غضبا يتوعد ويزبد ويرعد، تصر هي على تسجيل الحادث ضد مجهول، يبتلع الرفيق الاب زبد غضبه ووعيده بعد ان علم بالفعل والفاعل !!

تحاول صديقتها الاقرلاب والأعز (نورس)، الانسانة المثقفة الواثقة من نفسها الجريئة التي تحاول (نحول) ان تكون مثلها، عسى ان تتمكن من نزع قشرة الزيف والتباهي والأبهة الفارغة التي مرغها الذئب الصغير بالوحل ...

نجحت (نورس) من اعادتها الى الحياة من جديد ورمي الماضي ورائها وممارسة حياتها بشكل طبيعي .

ولكن يد القهر السلطوي تغيب (نورس) في غياهب المجهول دون ان تعثر لها على اثر هي وعائلتها، في حين يسائل ازلام السلطة (نحول) حول طبيعتها علاقتها بنورس وإذا تعرف عنها .

بعد وعكة وقيء تخبرها الممرضة في المستشفى بأنها حامل ... الذئب الصغير الاله الابن نفخ من روحه وأنفاسه القذرة في رحمها فأودعها روحا، يسقط الخبر على راسها سقوط الصاعقة على هشيم اشواك جافة فيشعل حريقا مدمرا في ذاتها المدحورة فيغلي في دماغها سؤال:-

(الان ماذا تفعلين ؟؟)

اما انا سأحاول ان اتخلص من سحر السرد الشعري لمهدي ازنين لانتقل الى فصل التحليل الموضوعي لإحداث الرواية وشخصية نحول حيث اراد الكاتب ان يظهرانا شخصية المراهقة المشبعة بثقافة حب القائد ضمن محيطها العائلي والمدرسي والإعلامي المنافق، فتقع فريسة لحب موهوم يرضي تطلعها لتكون الاقرب للقائد الاله .. كعشق الشاة للذئب، وقد تجسد ذلك من خلال تصرف المعبود وتفضيله العاهرة الغجرية على العاشقة الولهانة لأنها توافق ذائقته المتدنية وبيته الهابطة معى جل احترامنا لإنسانية الغجر، نرى انهم ايضا ضحية مجتمعات القهر والاستعباد والطبقية والتراتبية الاجتماعية المقيتة ..

ثم تقودها اوهامها الساذجة ومرضها يعشق الاله للتعلق بولده الذئب الصغير كوسيط مرجو لايصالها لمعبودها فيقوم هذا بافتراسها ولم يقم أي وزن لوالده المتصابي والذي يحاول ان يكون المفترس الوحيد الاوحد .

كما يظهر الروائي واقع الدونية والنفاق والقردنة لدى (الرفاق) من زمرة الزيتوني وخنوعهم لسيدهم ومعبودهم، وأوهام بعضهم حول عدالته وإنسانيته وترفعه عند افتراس عبيده ومواليه كما هوحال (الرفيق) والد (نحول) الذي كتم صوته كأي ديوث حينما علم بالفاعل ...

توصيف وتعريف بواقع الحال المؤلم في مجتمع يقاد من قبل حزب شمولي لابل من قبل شخص فرد تفرد بالقرار والتحكم بحياة الناس ومصائرهم بأرزاقهم وشرفهم وكرامتهم، كشف قناع الزيف والوهم لقطعان من الاتباع عشاق العبودية والمذلمة.

لمح ولم يصرح الروائي للنهاية المأساوية لنحول بالانتحار غرقا في نهر دجلة للخلاص من الفضيحة وماتعرضت له من القهر والإذلال نتيجة اوهامها وطموحها الزائف، وهو درس بليغ لكل من يعلق الامال بالسعادة والحرية والانعتاق على يد الانظمة الشمولية والطغاة المتالهين .

لسنا بحاجة للتعريف بأسلوب مهدي ازبين السردي المتميز بالاختزال والتكثيف واللغة الرصينة والأسلوب السردي الرصين والحبكة المحكمة . فرواية (سلالم التيه) اضافة قيمة للسرد العراقي والعربي، رغم انها ليست الاولى من سلسلة ابداعات الروائي (مهدي علي ازنين).

 

حميد الحريزي

 

 

 

1295 اوراق اللعببعد روايته الأولى ليال بلا جدران، والتي تركت صدى جميلا في الصحافة المغربية،يقوم الروائي المغربي حسن المددي بإنجاز عمله الروائي الثاني ( أوراق اللعب)، والذي صدر عن المركز الثقافي للكتاب في مدينة الدار البيضاء المغربية. وتحتوي الرواية على ٣٣٤ صفحة من القطع المتوسط. ويبدو أنّ الكاتب منهمكٌ في إنجاز مشروع روائي، يتقصى فيه الظواهر الشاذة في السلوك الإنساني الذي يتمثل بالقسوة في سلوك البشر إزاء بعضهم البعض، والتي عبّر عنها بالسلوك الذئبي بقوله: "الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان "

ومن خلال هذه الرؤية، تنمو الرواية وأحداثها في ظلّ فصول من العنف والقسوة، بين بشر لا يعرف بعضهم بعضًا. ولكنّ روح الانتقام والتشفي والتعذيب حتى الموت، تسود بينهم،في ظلّ علاقات مشوّهة وغير مفهومة، وبين أبطال القصة الذين يتبادلون الأدوار في السرد الروائي، والذي يقدمه لنا الكاتب بأصوات منفردة .مرة بلسان الجلاد العقيد التائب، ومرة بلسان الضحية، ومرات بلسان المحام أو المرأة الظلّ التي أحبّها الضحية ذات زمن .

وقد شكّلت هذه الأصوات بمجملها المتن الحكائي للرواية المتشابكة الخيوط والمتشعبة الزوايا، والتي تنطلق من لغز رسالة أرسلت من شخصٍ مجهول إلى محام في مدينة ما، تتحدث عن سرٍ مكتوب ومرقون على أوراق اللعب للتمويه . وكأنّ الرواية تريد أنْ تُفصح عن أنّ الحياة عبارةٌ عن أوراق لعبٍ عبثية لا تتمتع بمنطق إنساني، بل هي ألعاب حجرية تحركها الصدف القاهرة والأحداث اللا معقولة.

فهذه الرجل الضحية أو الجلاد الذي يجد نفسه مغرقًا في سادية عنيفة، نتيجة لمقتل زوجته وابنه بشكل عنيف عن طريق تقديمهما طعاما للذئاب، فبدلًا من أنْ يتعظ ويتجرد من عوامل القسوة التي تسلطت عليه، يتحوّل إلى مخلوق ساخط وسادي، يتسلح بأنياب من العنف والقسوة والشراسة، ويستخدمها ضد إنسان بريء، وهو عباس الوفي الذي خُطف عبر الحدود، وعاش في معتقلات التعذيب التي فتكت بروحه وجسده.

ولكن عباس الضحية، ينجو من آثار التعذيب، بفضل التسامي الروحي،الذي يجعل عذابات الجسد جسرًا إلى روح قوية، تعلو على الألم وتتحداه . وبذلك تنتصر روح عباس الوفي الذي يخرج من المعتقلات مُثْخَناً بجراحاتها الجسدية . ولكنه استطاع أنْ يلملم بقايا الروح، كي يصمد أمام عوامل القسوة الإنسانية التي ساهمت في استعباده، على يد جلّاد متوحش، وهو العقيد الذي مارس كل ما يمتلك من سادية. ولكنّه يعترف في نهاية المطاف بذنوبه.

عباس الوفي خرج من معتقل خطفٍ عبثيٍ، دمّر جسده، وأتى على الرمق الأخير من روحه التي أبت أنْ تنهزم، فانتصر على جلّاده، فقد عاد إلى الحياة من جديد،متحديا القسوة في استيلاء الآخرين على بيته. ولكنه يرمم بقايا حياته ويفتتح مكتبة، والتي تعبّر عن هواجسه في أهمية المعرفة والبناء الفكري للإنسان، كما أنّ الضحية عباس والذي خرج كحطام بشري، بقي متشبثًا بطيف حبيبته التي كان شغوفًا بها قبل خطفة، وهذا يدلّ على أنّ روح المحبة أقوى من روح الكراهية. لكنّ عباس العائد إلى الحياة من جديد، يكتشف بأنّ ظروف الخطف واليأس من عودته قد أجبرت حبيبته الأبدية على إكراهات زواج قسري، بحيث يخبو الحب ويتلاشى في ظلّ العنف البشري.

وهكذا فأن لا إنسانية الخطف والعنف، لا تطال الضحية فحسب، وانّما تسطو على كثير من الدوائر الإنسانية المحيطة بها،مثل الحب والحياة والألفة والمودة.

يموت عباس الوفي بعد فترة من إطلاق سراحه، وهو مثخنٌ بجراحات المعتقل والتعذيب اللاإنساني، ولكنّ موته يترك عميق الأثر والإدانة للقسوة والعنف .

أما الجلاد، وهو العقيد مصطفى الركباني، والذي وصل إلى كندا لاجئاً، وعاش في مدينة اوتاوة الكندية،وقد فضح الكاتب حالات اللجوء الكاذب في كندا. والتي تحتضن من يدّعي أنّ حياته تتعرض إلى الخطر في بلده . فليس هناك مجسات لمعرفة الضحية من الجلاد.

وهكذا تتناول الرواية بشكل سريع وعابر، معنى أن يستحق الانسان صفة اللجوء؟

مصطفى الذي نجا من ماضيه،والذي اعتقد أن اللجوء إلى كندا سيمسح آثار الماضي. ولكنه لم يتمتع بسلام الروح، فقد استعرت في أغواره أصوات الضحايا وصورة القتل والتعذيب الذي اقترفه. وبقي يعيش عقابًا ديستوفسكيا، حتّم عليه أن يسجل اعترافاته، ليتخلص من عبئها.

هذا الانسان (الذئب) قد ندم على ما اقترفه من عنف وتعذيب وجرائم بحق الإنسانية، لذلك حاول أنْ يتطّهّر من رجسه، وأن يكتب رسالة اعتراف عن جرائمه إلى المحام جلال،والذي استطاع أنْ يرتب. الأوراق ويقدمها إلى القارئ .

الرواية تتوزع من حيث التلوّن الصوتي،الذي يضيء زوايا الحدث. فمرة يأتي السرد على لسان الجلاد، ومرة يأتي على لسان الضحية. ومرات أخرى يتدخل الراوي لترتيب الأوراق، حيث نستشفًّ ُ أنّ ثمة جرائم أرتكبت عبر حدود دولتين لم يحدد الكاتب اسميهما، سوى أنّ واحدة قد تعرضت إلى فوضى ما يسمى بالربيع العربي، وأصبح القتل والفتك بالإنسان شيئًا عاديًا، العروس وزوجها يتعرضان إلى موت تعسفي ودون سبب مقنع. وكأنّ الكاتب يريد أنْ يرسم لنا ابشع المشاهد عن عنف عبثي وهو نتاج لغياب القانون، بين أنظمة اجتماعية تعرضت إلى الفوضى، والتي أفقدتها بوصلة الحس الإنساني، وجعلتها تسير وفق قوانين الغاب.لذلك فكان موضوع الاختطاف عبثيا، ويندرج ضمن عوامل الفوضى وغياب القوانين والقيم والتي تحوّل الإنسان إلى وحش،لا يعرف سوى وسائل الفناء والقتل.

لقد قدم لنا الكاتب دروسًا عن بشاعة العنف والكراهية. وكيفية وصول هذا العنف في النهاية إلى طريق مسدود، لتنتصر الإنسانية، وذلك من خلال إعترافات العقيد ومحاولته التبرء من ماضيه في العنف.

أمّا موت عباس الوفي والذي خذله جسده، فقد انتصر بإنسانيته، وبحبه الإبدي إلى المرأة التي تركته مضطرة، بعدما علمت بأنه قتل بيد أعداء مجهولين.

أوراق اللعب رواية استطاعت أنْ تتلمس المناطق الرخوة لدى الإنسان، واكّدت مواطن القوة في القيم النبيلة التي تنتصر أخيرًا على عوامل القسوة .

لقد انتصر النبض الإنساني في الأعماق النفسية السحيقة للبشر، الذين حاولوا أنْ يتحرروا من عبودية الكراهية، والتي تحوّلهم إلى ضباع مفترسة.

رواية أوراق اللعب تسعى إلى البحث عن القيم النبيلة، في عالم تجتاحه الوحشية والعنف. حيث تعالج مفهوم الشراسة والعنف، ممن أجل عالم نقيّ، يتّسع للجميع.

 

رحمن خضير عباس

 

فالح الحجيةالشعرالعربي بين الحداثة والمعاصرة (15)

ثم ولدت قصيدة النثر او ما يسمى بالسطر الشعري بالشعر الحديث او المعاصر والتي أثبتت في نهايات القرن العشرين وبدايات هذا القرن حضورا متميزا في الساحة الشعرية العربية على الرغم من شدة المعارضة  – من اصحاب عمود الشعر او الشعر التقليدي (التقييدي) او الذين شكّلوا دافعاً قويّاً لاستهداف التغيير والحط من قيمته ومكانته – غير عابهين بهم او غير مستمعين  – للتطور الزمني الرافض لهذه الحالة والسائر في مسيرة متقدمة نحو المستقبل بنزعاته وارهاصاته وفيه تقول الشاعرة المغربية فاطمة المنصوري  في قصيدتها (آهات قمر):

على جناح الطير  الشادي

سافرت ....

الى الورد الجوري

وكتائب البوح تنادي

من اعماق النيلوفر

خرجت حكاية

ترويها الحواري

على  نغمات اليمام

وجرس الحمام

رعد في قلوب الجبناء

يغتال العنجهية

على نغمات الاوتار

وحفيف الاشجار

شددت تلابيب عمري المندلق

ازحف بين الافاعي

ارسم طريقا

اجتث شوكا

فالشعر الحديث صمد أمام تيارات الرفض هذه وبدأت هذه المعارضة الرافضة تضعف رويداً رويداً أمام رغبة الأغلبية في حتمية التغيير والتحديث وذلك لان الشعر عالمٌ يختلف كليا عن عالمنا المرئي فهو عالم ملئ بالسحر والجمال والطقوس والرمزية (المعاصرة) في بعض الاحيان بعيداً ومتجرداً تماماً من المادة

راجع كتابي – (الموجز في الشعر العربي) –

الرمزية في الشعر المعاصر\ ج 4 صفحة\632 وما بعدها)

 

اما الشعر الجيد فهو الكنز الثمين والوجه الحقيقي للواقع الإنساني ولطالما حلم الإنسان به منذ أقدم العصور بأ ن يكون شاعرا او يولد شاعرا . لذا استطيع ان اقول ان الشعر حالة روحية او نفسية تكتنفها العاطفة الحقة و تتأ رجح بين التأمل والالهام والحدس فالانسان الحديث ربما كانت له حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيريالية والقلق الوجودي فهو غير الانسان العربي القديم الذي كان هائما في الصحراء ينشد الكلآ والماء ويتغنى بما يجيش في نفسه من مشاعر واحا سيس في حدود امكانيته وظروف طبيعته فالإنسان العربي الحديث ربما تعتريه حالة او مجموعة حالات متناقضة بما تمليه عليه نفسيته والواقع المعاش في الوقت الحاضر وتناقضات المجتمع الانساني المختلفة المحيطة به .

والشاعر الحقيقي هو هذا الذي يرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة انسانية عالية  ومشاعر مركبة ومعبرة عن طموحات نفسية الشاعر ومدى تأثيرها في الاخرين و ابداعات خلابة وطموحة . فالقصيدة الحالية تمثل كائنا حيا او هي أشبه بالكائن الحي حيث يمثل شكل القصيدة او بنيتها جسده . ومضمونها روحيته فهي تمثل الصدى الذي تنبلج منه اسرار روح الشاعر واراؤه ممتزجة بعواطفه واحاسيه .ومن المفيد ان ابين ان الشاعر الحديث المطبوع شاعر تتمثل فيه غزارة الثقافة في امتدادات عميقة وكأنه وارث الحضارات كلها ومطلع على ثقافات الامم المختلفة .

لذا اصبح متمكنا من استخدام مفردات اللغة لتصوير افكاره وارائه وعواطفه وخلجات نفسه دون تاثير من خارج او امر من احد و يرتكز على فلسفة عميقة غنية تحصنه عن القول الضحل الفاني او الركيك الى القول العميق والرصين فهو اذن يمثل فيضا هادرا وتلقائيا للمشاعر النفسية القويَّةِ المنبثقة من اعماقه يَأْخذُ بها مِنْ العاطفة المتأملة المتجددة المنطلقة نحو الافضل متألقة متناغمة تنشد الحياة والانتشاء فيها والحب للانسان المثالي ونحو الافضل في توليده للافكار والابداعات الشعرية الجميلة ومحـــاولة خلـــقها مـــن جــديد واختم بحثي  بقصيدة الشاعرة الفلسطينية المعاصرة (ايمان مصاروة) وهي تغني لمدينتها المقدسة القدس قصيدتها (تنهيدة  عشق):

على أعتابِ حزنكِ قد مَضَينا

فُرادىً في المنافي نُستباحُ

أيا فجرَ الأماني في عيوني

أيا وجعاً يُناجيهِ الصباحُ

تَسيلُ دماؤُنا حِيناً فتَروي

على أعتابِها جُرحاً يُباحُ

ألا يا قدسُ يَبكي الشعرُ مِنّي

دماً يُشفَى إذا حُمِلَ السلاحُ

عروسٌ تَستقي مُرَّ النوايا

وتأنَفُ مِن هوانٍ لا يُزاحُ

أكلّمُ   تربَها   شوقًا   كأنّي

ملَكْتُ الروحَ أن هبّت رياحُ

لِمَن هذا الشهيدُ ومَن يُصلي

هو القدسُ العتيقةُ والبِطاحُ

أيا وطنَ الجنائنِ أنتَ قلبٌ

تُكبّلُه السلاسلُ والجراحُ

***

. امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز