 قراءات نقدية

الخط البياني للحركة الشعرية في التأريخ العربي

يواجه البحث عن التأريخ العربي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام صعوبة بالغة ترجع لسببين، هما عدم اعتماد العرب على تدوين الكتب حيث أن أوّل كتاب عربي دون هو القران الكريم، والثاني يتمثل في أن العقلية العربية بعد الرسالة المحمدية كانت تنظر لتراث ما قبل الإسلام على أنّه تراث جاهلية، فشحّت الأقلام عن تناوله، وكانت النافذة الوحيدة لفهم العقلية العربية هي من خلال الشعر العربي الذي هو بحق كما يقولون (ديوان العرب).

والذي كان يمثل قنوات الإعلام والصحافة في ذلك العصر والتي تعكس ثقافته وقيمة وسلوكه.

عندما يفتح الباحث هذه النافذة سوف تتراءى ملامح تلك الشخصية التي تمتاز بقوة المشاهدة ودقتها بحيث كان خيال الشخصية العربية خيال تصوري ولم يكن خيال تركيبي وأعني بالخيال التصوري أنه يسترجع في صُورِهِ الذهنية تلك الصور من مجسمات حقيقية، عكس الخيال التركيبي الذي يركب صور جديدة غير حقيقية من صور حقيقية كأن يتصور جسم ثور برأس أسد.

 فالأدب العربي ليس فيه سوى الخيال التصوري الرائع فعندما نفتح المعلقات والشعر الجاهلي نجد الشاعر يصف الفرس، السيف، الجمال، الحرب والصحراء ولا نجد هناك خيال مزجي (تركيبي) مثل أبطال اليونان في (الإلياذة)

وأبطال الفرس في (الشاهنامه) وأبطال الهند في (المها بهاراتا)، وهذا يرجع لطبيعة البيئة الصحراوية وما تعكسه في نفسه، وهنا لا أعني جميع العرب وإنما عرب شبة الجزيرة لأن الشعر العربي الحالي انحدر من تلك البيئة، بينما السامية العربية في بابل عاشوا حياة مدنية فيها عنصر الحضارة يلوّن الأدب بمخيلة تركيبية تزدهر فيها لغة الإبداع (التركيب).

لا اقصد الأساءة للغة العربية، فهي لغة حضارة وواقع ومنطق، لأنّها لغة معربة (متحركة مع النص) وليست جامدة . فمثلا يُرفع الفاعل في اللغة العربية، لأنّه من يقوم بالفعل والفعل يمثل الخلق والابتكار وكسر الجمود، فكأّن اللغة ترفع شأن الحركة والحيوية والخلق والتجديد والتي هي من عناصر حركة الرقي الحضاري، التي فيها مفهوم الرفعة والعلو.

ومن جانب أخر هي تنصب المفعول بهِ أي من وقع علية الفعل فكأّنّها تريد أن تبيين أنّ النصب (التعب) يكون نصيب من لا يصنع الأحداث ويؤثر بها ويُسيرها وليست هي من تؤثر به، فيكون واقع تحت سطوتها.

و في هذا القالب يدخل مفهوم التعريف والتنكير للأسماء .... إلخ أي أن ّ هذه اللغة تجسد الواقع، وهنا نجد صورة التطابق في أنّها لغة القران الكريم، التشريع الشامل والأمثل لمسيرة الأنسان نحو بناء ذاتهُ وحضارته.

وشخصية العربي واقعية، بعيدة عن الخيال والاسطورة، فكانت اللغة نتاج تلك الطبيعة، فمثلا بعض اللغات طبيعتها (تركيبية) في خلق المعاني، وخير مثال على ذلك هو اللغة الفارسية، فمثلا اسم الفرس السريع في الفارسية (بادبا) فباد تعني الريح وبا تعني قدم ومن المزج بين الاسمين يولد اسم جديد .

وهنا استبعد في بحثي هذا الاسطورة، فلم تكن هناك أساطير في العقلية العربية، وإن تسربت بعض الأساطير الدينية من اليهودية إلى التراث الإسلامي، إلا أنها لم تكن من نتاج العقل العربي.

وإنما كان هناك قدر يسير من الخرافات والخرافة تختلف عن الاسطورة، لأنّ الخرافة قصة تحكي قدرة فائقة لأ شخاص عادين ولا تظفي طابع القدسية

بينما الاسطورة كانت وليدة تساؤل يفسر الظواهر الطبيعية المبهمة وتظفي عليها صبغة القداسة في ربطها بعنصر مقدس هو ال (الإله).

 وكان هناك ترابط بين الدين والاسطورة في مرّ العصور وكانت لغة الاسطورة في الغالب توضع بشكل تراتيل.

وفيها بعد إيحائي ليس كلاما مباشرا وربما هذا ما جعل الخلط يقع بينه وبين الشعر، ووقع فيه كتّاب كبار مثل الدكتور علي الوردي بكتابة (اسطورة الشعر العربي) فالشعر العربي كان خالي من الاسطورة.

فالاسطورة تولد من رحم بيئة تمتلك ابعاد مقومات الدولة في الغالب، لأنّها كانت تمثل دين الدولة بينما العرب لم يشكلوا دولة في البادية .

ومن الظريف أن افلاطون في كتاب المدينة الفاضلة دعا الى نبذ الشعر، لأنه اعتبره نافذة لدخول الاسطورة، فالتاريخ الشعري في جميع الحضارات هو وليد الاسطورة

لأن الاسطورة كلام ايحائي منمق ......

حينما نضجت الاسطورة وتكاملت خرج من شرنقتها الشعر والمسرح، حيث كان البابليون يقيمون في الاحتفالات الدينية مسرحا يجسد فيه اشخاصا أدوار الآلهه . كما في اسطورة التكوين البابلية والتي كانت تروي قصة نشوء الكون.  

فالتأريخ الشعري العربي غير معروف بالضبط متى نشأ وكيف نشأ ولكن سبب نشأته هي دقة التصور السمعي عند الشخصية العربية، فقد طبقت التصور السمعي على تغريدة الطيور، حسب الأوزان، نظرا لصعودها ونزولها، والدليل على أنّ العرب تأخذ الأوزان وتُطبقها على أصوات الطيور هو المثل الذي يقول (أكذب من فاختة)، لأنّهم كانوا يقولون بأنّ الفاختة تقول (هذا أوان الرطب) والنخل لم يظهر الطلع بعد، ولم تكن هناك مدارس تُعلم أوزان الشعر وإنما صفاء الذهنية ودقة التصور السمعي والمخيلة التصورية هي كونت المقاييس التي لا تقبل الخطأ . ولعل قصة نزار المعروفة في التراث العربي تكون شاهد على ذلك والتي هي (لما حضرت نزار الوفاة دعا أبنائه الأربعة وهم أياد، وأنمار، وربيعة، ومضر.. فقال لهم اذهبوا إلى القلمس ابن عمرو والأفعى الجرهمي وكان ملك نجران فهما حكماء العرب

فلما مات نزار ركبوا رواحلهم قاصدين الأفعى الجرهمي تنفيذا لوصية أباهم .. فلما كانوا من نجران على مسافة قريبة رأوا أثر بعير، فقال أياد أنه أعور، وقال أنمار أنه أبتر (مقطوع الذيل)، وقال ربيعة أنه لأزور (أعرج)، وقال مضر أنه شرود.

طبعا كانت هذه أوصاف البعير الذي لم يروا إلا أثاره على الأرض .. فبينما هم كذلك مر بهم رجل يسألهم عن بعير له فقده فقال له أياد هل هو أعور، فقال الرجل نعم، وقال له أنمار هل بعيرك أبتر؟ فقال الرجل أنه كذلك، فقال له ربيعة هل بعيرك أزور؟ فرد الرجل : نعم، وقال مضر: هل هو شرود؟ فقال الرجل: هذه أوصاف بعيري فأين هو؟ فقالوا له لم نره

فجن الرجل من جوابهم وقال لهم أنتم تكذبون، سرقتم بعيري ووصفتموه وها أنتم تنكرون ذلك .. أنني لن أترككم حتى تردوا لي بعيري أو أشكوكم للملك الأفعى الجرهمي .. ولم يتركهم الرجل إلا عند الأفعى الجرهمي الذي سمع قصة صاحب البعير

والذي بدوره سأل أبناء نزار عن العبير، فأجابوه بأنهم لم يروه .. فتعجب منهم وقال: إذاً كيف عرفتم أوصافه ولم تروه

فقال أياد رأيته يأكل العشب من جهة واحدة فقط فعرفت أنه أعور .. وقال أنمار: رأيت بعره متجمعاً في مكان واحد فعرفت أنه أبتر ولو كان له ذيل لمصع به (أي فرق بعره)، وقال ربيعة: عرفت أنه أزور (أعرج) بأن هناك خف غير واضح على الأرض دون الثلاث الأخريات فعرفت أنه أزور .. وقال مضر: رأيته يترك المكان الوفير بالعشب ويذهب لمكان قليل العشب فعرفت أنه شرود

فقال الأفعى: صدقتم! وليسوا بأصحابك فالتمس بعيرك .

وكذلك كان العرب يتميزون بعلم العرافة وعلم القيافة، فالعرافة لا أعني بها الكهانة وإنّما علم خاص كانت بداياته الطيرة، والتشاؤم، والتفاؤل وهو أقرب ما يكون للحاسة السادسة (أو ما يسمى حاليا بالعين الثالثة) وكان لهُ قواعد تستدل بالعلامات فمثلا يروى، أن الإسكندر دخل على امرأه كانت تخيط في بداية فتوحاته وكانت تقيس الطول والعرض بقطعة قماش فقالت للإسكندر: أيّها الملك أعطيت ملكا عرضا وطول، ثم دخل عليها والي المدينة وكانت تمسك بقطعة قماش في يدها فقالت له: سيعزلك الإسكندر، فغضب فقالت له

:لا تغضب إن النفوس تعلم أمورا بعلامات فعندما دخل الإسكندر كنت أقيس الثوب طوله وعرضه، وعندما دخلت عليّ كنت أنْهيت القياس وأردت قطعه. وهنا لا أريد أن أتوسع بتفاصيل ذلك العلم وتحليله بقدر ما أردت أبين العقلية التي أنتجت الشعر. ودعني أشير لعلم القيافة عند العرب

والتي تميزت بهِ بعض القبائل حيث كان الرجل يرى الأثر فيعرف إن كان لمرأة أم رجل ومن أي قبيلة وإن كان الأثر لامرأة يعرف هل هي متزوجة أم غير متزوجة أو إن كانت بكر أو ثيب.

ومما سبق عرفنا طبيعة الشخصية العربية وقوة مخيلتها البصرية والسمعية ودقة المشاهدة وصفاءها وارتباطها بالطبيعة المادية دون البعد الروحي في الغالب

فكانت الشخصية العربية شخصية جدلية دهرية أي لا تولي البعد الروحي الكثير، حيث أنّ العامل الرئيسي في الحياة هو الزمن (الدهر) حيث قال الله تعالى في محكم كتابة العزيز على لسانهم (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ) وهذا ما تردد في أشعارهم فهم ينسبون المرض والفقر والكبر ....الخ إلى متقلبات الدهر حتى أنهم جعلوا صنمي (مناة) و(عوض) رمزا للدهر وعبدوهما، لذلك العقلية العربية تعشق الخلود ولا تكاد قصيدة تخلو من كلمة الدهر والخلود.

 ولعل قصة قصيدة (عيون المها بين الرصافـة والجسـر) خير شاهد على ما ذكرت حيث قدم علي بن الجهم على المتوكل - وكان بدويًّا جافياً - فأنشده قصيدة قال فيها

أنت كالكلب في حفاظـك للـود وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمنـاك دلـواً من كبار الدلا كثيـر الذنـوب

فعرف المتوكل قوته، ورقّة مقصده وخشونة لفظه، وذ لك لأنه وصف كما رأى ولعدم المخالطة وملازمة البادية . فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة فيها بستان يتخلله نسيم لطيف والجسر قريب منه، فأقام ستتة اشهر على ذلك ثم استدعاه الخليفة لينشد، فقال :

عيون المها بين الرصافـة والجسـر **جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

خليلـي مـا أحلـى الهـوى وأمـره ** أعرفنـي بالحلـو منـه وبالـمـرَّ !

كفى بالهوى شغلاً وبالشيـب زاجـراً ** لو أن الهوى ممـا ينهنـه بالزجـر

بما بيننا مـن حرمـة هـل علمتمـا ** أرق من الشكوى وأقسى من الهجر؟

..............الخ

فقال المتوكل: أوقفوه، فأنا أخشى أن يذوب رقة ولطافة

من هنا أريد أبين أن الشعر العربي حينما نشأة الحياة الحضرية والتمدن، بدأ يأخذ باللطافة وخَلق صور فيها ألوان جديدة فيها الكثير من التجديد، إلا أنه بقي داخل تلك الأطر، ووفق معطى حضاري ظهر حركات التجديد في الشعر ومنها الشعر الحر واستمرت حركة التجديد وسوف تستمر لأن تلك الحركات هي وليدة واقع وضرورة حضارية تفرض نفسها على الذهنية العربية، لأنَ البيئة تغيّرت والنمطية في الحياة والتفكير تغير، ولذلك نجد أن شعراء المهجر هم من غيروا في منهجية بناء معاني القصيدة واسلوبها في تناول الموضوعات، لأنّهم امتزجوا بمزاج أخر ونظرة أخرى للحياة، لذلك فالدعوة للسلفية الشعرية هي دعوة للجمود والتجرد عن المخيلة الخصبة والأفق الإبداعي في اللغة والتي هي من أروع اللغات وأوسعها أفق.

 

 بقلم أحمد مانع الركابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4502 المصادف: 2019-01-02 03:07:00