 قراءات نقدية

وجهة نظر في رواية (بيت الأم) لصالح البياتي

صالح الرزوقلا يبتعد صالح البياتي كثيرا في روايته (بيت الأم)* عن قصصه، فهو يقدم لنا لوحات لأشخاص وأمكنة. المكان هو أي علامة يمكن التعبير عنها برمز. والشخص هو أي إنسان يمكنه تداول تلك الرموز وتحويلها من أثر إلى إشارة.  ولكن إذا كانت الشخصيات كثيرة العدد ومتباينة، وتتراوح في انتماءاتها بين الأحمق والعراف وحتى المثقف والعالم، فالمكان له إطار محدود، وهو لا يزيد عن عدة كيلو مترات تفصل ميسان عن الأرياف القريبة منها. بمعنى آخر إذا كانت الشخصيات موزعة بين إدراك معنى الهوية وبين الوجود المجرد، أو ما هو بحكمه (مثل أي حادث يقع بالصدفة) فإن المكان متكرر ومتشابه. ومن هذه الملاحظة نستطيع أن نؤكد أن رواية (بيت الأم) هي عن سلوك ومواقف نماذج بشرية. وهذا يعني أنها رواية أزمة، أو الأدق تأزيم. فكل إنسان ينظر لحياته وكأنها خطأ أو مشكلة، حتى أن الراوي ينفر من اسمه ويبدله في السطور الأولى من الرواية.

وهذا يفسر لماذا اختار البياتي لروايته موضوعا واحدا هو "الحرب". فقد وضعنا بمواجهة سلسلة لامتناهية من المعارك، كانت أولاها هي السفر برلك، وآخرها حرب الخليج الثانية. وبينهما عدة حروب وانقلابات. ولا سيما انقلاب قاسم، وما تبعه من كساد أو جمود في المجتمع وفوضى في السياسة. وعن ذلك يقول على لسان الراوي: إنه تحول سياسي. ثم يضيف: إنه أجنحة الخوف الكئيب الأسود، قبل أن يقرر أنه ندبة في "تلافيف العقل الباطن". 

وبوجيز العبارة نحن في الرواية إزاء مكان محدد وهوية متبدلة. وهذا يفسر سبب استعمال عدة مستويات في السرد.

- الأول هو المحاكاة. ومع أن الراوي لجأ لضمير المتكلم، فقد كان يتكلم بالإنابة. بمعنى أنه ليس متحدا مع ذاته، وهناك مسافة تفصل الفضاء النفسي عن محتوى الذاكرة. لقد كان الراوي يقدم أحداث الماضي وكأنه يتكلم عن أمنية أو كأنه يعيشها في هذه اللحظة. والتعايش بطريق التذكر لا يفترض الاستعادة ولكن التماهي. وقد استعمل  علي بدر نفس الأسلوب في (حارس التبغ). فالشخصية المركزية كانت مجزأة وموزعة بين واقع ورغبة وضرورة لا بد منها. والعكس بالعكس. كان الراوي ينظر للحاضر من فوق كأنه يتابعه بواسطة منظار أو من خلف جدار شفاف. وترتب على ذلك اتباع أسلوب تداخل المرويات لا تفريعها. والفرق بين الأسلوبين هو مثل الفرق بين الحكاية الغريبة والحكاية العجائبية، إذا استعملنا مفردات تودوروف. فالتداخل ينطوي على وجهة نظر واحدة لعدة مستويات من التفكير، في حين أن التفريع يعني عدة وجهات نظر لنفس الطور أو أسلوب الحياة. وأعتقد أن أفضل مثال على ذلك هو التجاور بين محور الطفل ومحور الأم. كانت حكايات أمه تنبع من ذهن خرافي لا يتورع عن استعمال السحر لحل المشاكل، في حين أن حكاية الطفل لم تكن تزيد على مشاهدات بريئة لما حوله. وتجاور المنطقي مع الفانتازي قلب كل المعادلة. فهو يعيد توزيع أساليب الوعي بشكل معاكس. الخرافة للكبار والواقع للصغار. وبلغة كولن ولسون: اللامعقول للماضي المألوف، والمعقول لحاضر تسلبه الحداثة من إدراكه لنفسه. وهذا، إن شئت الحقيقة، يضع فكرة الرواية في سياقها الطبيعي. فهي وجهة نظر شرقية عن مكان مؤنث. لقد كان للمذكرأولوية على المؤنث، حتى لو أنه في مرحلة مبكرة، وهذا يفسر تفشي روح القتل والسلوك العدواني والسادي الذي يغلب على حبكة الرواية، كما في مشهد سحل جثة مشوهة بلا رأس ولا أطراف (انظر فصل: الطريق إلى بغداد). وفي ذهني رواية مشابهة، وهي (قصة عائلة) لقصي الشيخ عسكر. فهي تهتم ببروز شوارب الولد الصغير، وبهروبه المتكرر من المدرسة للعمل في السر وإعالة أسرته.

وأعتقد أن الرواية العربية متخصصة بهذا السلوك، أو باختبار قدرات الصغار قبل أن يبلغوا سن الحلم. إن أدب العالم الثالث، بشكل عام، يعزو للمخاطرة الجنسية أهمية كبيرة. بينما في أوروبا تكون المخاطرة بالمعنى الاجتماعي للغريزة. وتنفرد الرواية العربية وحدها بالمراوحة في مساحة من خارج السرد. وهي مساحة لمشروع الطبقة المتوسطة بما عرف عنها من تردد، وعدم قدرة على الجزم. وتلبك يقود لمفاجآت أو ردود فعل عنيفة. وبلغة جون ماكوري: لتقبل الموضوعات و ليس لخلقها**.

وبعيدا عن هذا التأويل الاجتماعي لمشكلة الطبقات، وعلاقته السببية بالحروب، وقبلها بالفتن والانقلابات، أعتقد أن رواية (بيت الأم) كانت تبحث عن مخرج من تهمتين.

1- عقدة الخصاء التي سببها لنا الاستعمار، وذلك ببناء ذاكرة غير استعمارية أو ذاكرة وطنية تجد في الأطفال رمزا لرجولة مقموعة ومكبوتة.

2- وعقدة الجمود أو النكوص، وذلك بالالتفاف من حولها بالسفر واستعمال أدوات الحركة وتسلسل الأفعال،

مع تعميم معنى المهد أو بيت الطفولة، ليدل على شيء أشمل وأغنى، كأن يكون الوطن أو ربما العالم. وأول من وظف هذا الأسلوب هو شاعر الهند طاغور بروايته المعروفة (البيت والعالم). فقد حول الجدل بين الخاص والعام إلى تكامل بين الكل مع الجزء. ولم يخرج البياتي عن ذلك. فقد أسقط بيوتات المدينة على المدينة، حتى أصبحت العلاقة بين الطرفين هي علاقة الأثر بالأثر. فالمدينة هي شكل المجتمع وبيوتاتها هي مضمونه. وعن ذلك يقول على لسان التاجر موسى الكيال: لتعرف أحوال المدينة يجب أن تعرف أولا وضع بيوتاتها وعشائرها. بمعنى أسرها. فالمكان يدين بمعناه للإنسان، أو كما قال الراوي بضمير المتكلم: هوية المدينة تتغير بتغير أهلها وقاطنيها.

- الثاني. هو موقف الرواية المتردد أو فلسفتها المحتارة وغير الجازمة تجاه المواقف والذكريات. فهي منحازة قليلا ولكنها ليست منتمية. ويمكن أن تجد ذلك في اتباعها للأسلوب الواقعي الطبيعي المنقلب والمتحول. فقد تخللتها عناصر أوديبية منها الرغبة بالأم، والروح الدموية والعنيفة التي تحمل بصمات جريمة قتل الأب، أو أقله النية بتصفيته. فقد كان غائبا من مجرى الأحداث ولكن ترك صورا باهتة على جدار الذاكرة. وهذا يفسر لماذا اختار البياتي عنوان (بيت الأم) لعمل يدور كله تقريبا حول الموت لأسباب غير طبيعية. ناهيك عن التبديل بين الضمائر، من استعمال أنا المتكلم في معظم الفصول، وحقنه بضمير المخاطب في بعض الأحيان.

- المستوى الثالث والأخير هو رمزية الأم والحرب. فالرواية لا تدق طبول الحرب، وتهجو مر الهجاء الأعمال العسكرية وفوضى أحداث الفرهود. ويبدو أن البياتي كان يرفع العلم الأبيض منذ البداية، إذا قارنته بكاتب آخر مثل جبرا. فشخصيات جبرا لديها نوستالجيا لأرض مفقودة، بينما شخصيات البياتي تنظر بعين الشفقة للإنسان وهو يصارع قدره. إن صور الحرب في رواية البياتي تدل على مشكلة إنسانية مع القدر بشكل عام، وبالأخص مع مسألة حضارية شغلت فكر أبناء الرافدين وهي مشكلة الموت المحتوم. ولا توجد أية إشارة تحمل الشعارات المعروفة في النضال أو التحرير. ويبدو لي أن هدف الرواية الأساسي هو هدف درامي. فهي تبذل جهدها لتنظيف الروح البشرية من أي رغبة بالخطيئة أو بالغلط. وهي بعكس أطروحة عمل من نوع (الخطايا الشائعة) لفاتن المر على سبيل المثال. إن شخصيات المر سياسية بامتياز، ومن الشباب، والأنتلجنسيا. وهي ترتكب الأخطاء الشائنة لأن دورة التاريخ تدور باتجاه معاكس لدورة المنطق أو الحكمة الإنسانية. في حين أن شخصيات البياتي مفصّلة لتدرك حجمها في الوجود. بتعبير آخر إنها لا تفهم الوجود إذا كان خارج دائرة نشاط الأفراد. وباختصار هي رواية نظيفة ومعقمة من الرغبات، وتضع عنايتها في إفشاء روح المتابعة الطاهرة والنقية لعاطفة الشفقة نحو الطبيعة، وعاطفة الرهبة نحو الماضي، مع شيء غير قليل من الاحترام للبيت كبديل عن الأرض.

 

د. صالح الرزوق

................

* منشورة في صحيفة المثقف الالكترونية مسلسلة على حلقات.

** الوجودية. ترجمة إمام عبدالفتاح إمام. عالم المعرفة. ص 279.

كانون الأول 2019

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا شكر على واجب انما كنت اقدم عملا يستحق الثناء فقط.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

يؤسفني جدا، د. صالح، انني لم اعلق في حينه بكلمة شكر على قراءتك النقدية القيمة لرواية بيت الام، وذلك لأن المقال فاتني ولَم انتبه الا عند النظر الى قائمة كتاباتك المنشورة ، وعلقت على مقال نقدي لك عن الروائي العراقي نجم والي، معذرة دكتور والف شكر ارجو تقبلهما وإن جاءا في وقت متأخر كثيرا.

صالح البياتي
This comment was minimized by the moderator on the site

بل كل الشكر لك و لمن يهتم بنجم والي يجد دراسات وافية عنه بقلم حمزة عليوي،
شكرا لكم جميعا.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4511 المصادف: 2019-01-11 13:27:42