 قراءات نقدية

تأويل المعنى الشعري في شعر كاظم الحجاج

رحيم زاير الغانممجموعة جدارية النهرين أنموذجا.. مقاربة تأويلية

يُؤسس شلايرماخر الهيرمينوطيقا على قاعدة أخرى مناقضة للأولى : أننا (لا نفهم أي شيء ما دمنا لم نمسك بمعناه أو لم ندرك أهميته بعد. وحسب القاعدة الثانية فأن التأويل يغدو مهمة غير منتهية)*، لذا يجب إدراك أنَّ فهم النص الشعري لا يقف عند معنى محدد بل هو مفتوح على عديد التأويلات، وهذا يتجلى بحسب فهم المؤول، ففي التأويل يخضع النص الشعري لقراءة واعية يوجهها الفهم وصولا  لتطابق الرؤى ما بين القارئ والمؤلف ومعطيات النص ذاته، لذا يجدر بنا وضع المجس النقدي على النص الإبداعي، اخذين بنظر الاعتبار ما اكتنفه من تأثيرات خارجية أو داخلية أحاطت بالمبدع، فلا خوض في التجربة الشعرية لشاعر ما من دون التنبه إلى تلك التأثيرات التي تشكل بمجملها مع الموهبة الشعرية نصا إبداعيا، معتمدين (مبدأ سوء الفهم) أي تجنب الأحكام القبلية التي يتم إطلاقها على النص الشعري ابتداءً، مهما كان نوعها والجدير بنا محاكمة النص نفسه، لذا يعدُّ سوء الفهم هو الواعز الحقيقي للوصول إلى  فهم النص وصولا للمعنى الذي أراده الشاعر، فهما في محايثة دائمة، وأن حدث وتجلّى كشفا جديدا للمعنى فلا ضير لو تم تبديل الحكم القبلي الذي سبقه، متداركين الترهل الذي قد يلقيه التفسير الحرفي، الذي قد يقصي بدوره  الكثير من المعطيات عن دائرة الفهم للنص، لكي لا يُلقي بضلاله على إيهام المتلقي/البسيط، فمن المفيد أن نجرد النص من الرموز التي يحدثها النقل الحرفي للنص الشعري، عبر فكِّ هذه الرموز وتخليصه مما قد يعلق في ذهنه لكي لا يحول بينه وبين الفهم الحقيقي، وهذه مهمة القارئ الخبير، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن التأويل وحسب شلايرماخر مهمة غير منتهية، وهذا مثار خلاف بيِّن مع دريدا/ التفكيكية، الذي لايسع المجال للخوض فيه، لذا سيتم تناول مجموعة (جدارية النهرين)* للشاعر كاظم الحجاج، بحسب ما سبق من الرؤى، مشددين على المعطى الدلالي لثيمتي الحرب والموت، وما يتشظى عنهما من ثيم،  كاشفين عن تقلب صورتيهما في اغتيال الحياة سواء أكان من خلال آلة الموت/الحرب أو التسلط/ الإقصاء.

لكي تعرف المدينة، أنظرْ في وجهيها معاً، وجهها

الذي كانَ، ووجهها الآن. وأنت لن تعرف المدينة إلا

من أهلها: زوجتي وأنا!. ص221

من خلال نظرة متأملة للنص، قد يبدو التأويل مهمة غير منتهية ولذا يجب علينا إيجاد تأويلا/ فهما، مطابقا لما ذهب إليه النص والمؤلف في آن واحد، فالنص يشي بانفتاح على المعني/ المواطن/ المنتمي وغير المعني/ الوافد/ الغريب على حدٍ سواء، وعلى تقلبات المدينة من خلال تعرضها للتغيير الذي لم ينصب في صالحها بحسب معطى التغيير، فالمدينة وقعت تحت طائلين، الأول: التغيير البشري/ الديمغرافي، والثاني تقدمها بالسن، فكل ما حول الرائي في هرم، فالموت، لما يبدو عليه أهلها(زوجتي وأنا)، وهذا بحد ذاته علامة شاخصة لشيخوخة المدينة، فلن ترفدَنا بمواليد لتديم الحياة، أو على أقل تقدير هي في انحسار فالمدينة في إجهاض مستمر، وبهذا تترك فرصة لاستحواذ الآخر/ غير المنتمي، مع عجزها التام للمبادرة لِتُحيل دون تقويضها، وهذا بحد ذاته انعكاس حقيقي لما تشهده المدن في وقتنا الحاضر، والأمر شائع حتى أنَّ يده طالت كبريات المدن .

أتركوا توبة الناس للناس، لا تقتلوا الخاطئين!

كانت (رابعة العدوية) راقصةً... أو أكثر!

لكنْ: لم يقتلها أحدٌ، حتى امتد بها العمرُ.

فصارت.. (عذراء البصرة!).. ص222

أنَّ الخوض في هذا النص الشعري، يفرض علينا ترك مساحة واسعة للتدبر وإبداء الاستغراق العالي لفهم مقاصده النبيلة، مستفيدين من جملة المعطيات التي تم بثها، لما فيه من الدعوة للتسامح وفسح المجال للآخر، من أجل استثمار فرص التلاقي، فالجميع يعيش في كنف المدينة / الوطن، إذا هي دعوة لتجنب القتل الغير مبرر، الذي جلب تدهور وانحطاط المدن/ الأوطان، وهذه دلالة واضحة عن الذي ملك مفاتيح اللعبة ولم يدحرج كرة المحبة في ملعبها الفسيح، وما افرزه من تسلط عقول بليدة لا تميز بين ماهية الخلق أو حكمة السماء، فنحن لا نسكن في مدن فاضلة، أو تحت حكم رشيد، أو على أقل تقدير نحن لسنا في مدينة/ وطن، تتمتع بمزاج وتوجه فكري بلون واحد، كي يُقصى الآخر أو تعلق له أعواد المشانق/ الموت، على عجالة، كإطلاق الأحكام جزافا، فرابعة العدوية كانت راقصة، وقيل عنها الكثير، ( لكنْ: لم يقتلها أحدٌ، حتى امتد بها العمرُ)، فالحياة أم واهبة صبورة تهبُ الكثير، ولا تسترد عطاياها جملة واحدة، تتحلى بالصفح لمن خرق المألوف من شرائعها، حبلُها طويل، لكنَّها لم تشده يوما، ولم تُرخيه ليتوتر على رقاب أبنائها الطرية.

قد ينطفئ العراقيون هنا يوماً:

في سومرَ وبابلَ وآشورَ و..البصرة..

وقد لا يجدون مصباح (أديسون).

لكنَنهم يُضيئون، مثل الشمسِ، هناك..في المنافي! ص236

لا يمكننا فهم النص الشعري ما لم نمسك بالمعنى، ولذا نجد أنفسنا مُلزمين على تأمل النص وهو يفتح نافذة على تنوع السكان القاطنين في الوطن، فالتنوع يشمل المدن جميعها، لكن هذا التنوع لم يشفع لوحدة أبنائه، فلم يبصرْ نور عقولهم، ولو بمصباح، فالغرباء ظلاميون طاردون  للنور بامتياز، أنَّ الإقصاء الأعمى الذي حال والبصيرة أهدر الطاقات، فالانطفاء للعراقيين، وأن حقق هدفه في إفشاء  ثقافة القنوط/ الكسل، لكنه يبدو سمة وقتية يتحقق زوالها، بتحقق المنافي/ البيئة الآمنة للإبداع بشتى أنواعه عموما، والإبداعي العلمي النوعي خاصة، وهذا بحد ذاته أزمة، فالمنافي هنا حققت موت الوطن، في مقابل إنارة العقول بوطن بديل.

ليست الجسور معابرنا فوق الأنهارِ

أقولُ لأولادي القناطر والجسورُ كرامةُ الماء،

كي لا تدوسَهُ الأرجل! ص238

من خلال معطيات النص الشعري نجد لزاما علينا الكشف عن مكنوناته العميقة، ويتحققُ ذلك بالقراءة الفاحصة، من أجل الولوج إلى معناه وصولا للفهم الحقيقي لرؤى الشاعر التي تمَّ بثها فيه، وهذا يأتي من القدسية التي أحيطت بالنص، فالمدينة التي قد تعرضت للتقويض من جهة، والأبناء الذين علقُوا في هامشها من جهة أخرى، مازال يُضفى عليها قداسة من نوع خاص، قداسة الماء، رمز النماء والطهر والتجدد والأمل، فهو المعول عليه، لذا يكون حريّاً بأبنائه الحؤول دون تدنيسه، من الأرجل التي أريد لها إلا تدوس/ تدنس الماء، وهي طرف فاعل ضمن منظومة المُستبيح الذي علَّقت يده أعواد المشانق/ الموت، أما أرجل الأبناء هي أطراف من صنع الماء ذاته/ الامتداد الطبيعي لتتمة دورة الحياة، منه ارتوت ومنه تدبُّ فيها الحياة، فلا حراجة ان يُلامس الماءَ بعضُهُ بعضاً .

أرض السواد:

الأمهات على السواتر، ينتظرنَ إجازة الأبناء،

من يأتي .. ومن (يُؤتى به!)

أرضُ السواد.

في الحروب: الجنين تكيفه الأم خوفا عليه،

ليخرج.. أنثى! ص240

أن إخضاع النص الشعري لقراءة فاحصة، يُعدّ من ضرورات الفهم الذي يوصلنا إلى ادراك المعنى الذي أنشئ لأجله النص الشعري، فالقصدية حاضرة من خلال قصدية  المؤلف و النص ذاته في وقت واحد، لذا يتوجب على القارئ الخبير فهم المعنى المراد تأويله، أنَّ فرز معطى انقراض النوع، وهذا يبدو جليا من خلال ثيمتي (الحرب/ السواتر) و (الخوف/ الموت)، نجد انحراف المعطى الدلالي لبنية، (أرض السواد)، من كونها معطى متعين إلى انحراف دلالتها، لتشكل معطى غير متعين، فلم نجد دلالة الوفرة و فيوض الخيرات، بل انصرفت إلى دلالة اللون الأسود تحديدا، دلالة الشؤم المشوب بالفناء/ الموت، للموجودات، -وكما نعلم أنَّ ارض السواد سمة لخيرات أرض العراق ممثلة بكثافة حقولها وبساتينها، التي كانت ممتدة من البصرة إلى بغداد، إلا إننا نجدها اليوم لا ترتقي إلى أكثر من كونها أرضا للسواتر، وترقب لأنباء الموت وانقراض النوع، فالأمهات تحرص على تكييف الذكور من أبنائها وهي أجنة لكي يخرج المولود أنثى، وهذا بحد ذاته خسران مجاني يهبه الخوف/ الموت/ الحرب للآخر بقسميه في تشاكل مريب، الغرباء/ غير المنتمين، والأعداء/ المحتلين.

رغم أنف السواد:

تغسلُ الفاتنات الخدودْ

كي يصيرَ الصباح نظيفاً..

والعمر قصيرٌ.. ص243

أن نظرة للنص الشعري تفتح افقأ لفهم واعٍ للفجيعة التي حلَّت على الرؤوس وان بدا  التحدي بيّن لإدانة الحرب، وما التفريط بطرف فاعل للديمومة/الذكر إلا دليل جلي لذلك (رغم أنف السواد:/ تغسلُ الفاتنات الخدودْ)، فالموت والنكبات; سواد قابع على الأرض/ المباني والبشر/ الزَّي، فالسواد/ الموت،حقيقة ماثلة لا تقبل الشك، ونهاية حتمية، لقصر العمر الذي يعدُّ علامة الشروع لختام، أريد له أن يكون نظيفاً نوعا ما، في إحكام لقبضة السواد/ الموت الذي طال بأذرعه المدن/ الوطن، وفي هذا توافق للموت الذي يعدُّ هنا مجانيا هذه المرة، فالمدن/ الوطن خالية من الذكور والإناث/ الفاتنات، بعمرٍ قصير، وبهذا يضحى الوطنُ خالياً تماما من عناصر الديمومة والبقاء وما استهداف النوع البشري بجنسيه إلا علامة شاخصة لذلك الاستهداف.

في الحروب بأرض السوادْ:

تدفن الأمهاتُ بنينهنَّ

والجدُّ يرثي الحفيد. ص243

أنَّ القراءة المتأملة والفاحصة للنص الشعري تكشف لنا الفهم الحقيقي للمعنى الذي تم بثَّه من خلال ُبنى متجاورة بنية (الحرب/ السواد/ الموت، وبنية (الرثاء/ الفقد)، اللواتي أهلنَ المدن/ الوطن، إلى النهاية الحتمية له وللقاطنين في هذه المدن/ الوطن، فالحرب جعلت من المدن ساحة  مفتوحة للموت، بلاعبينَ لا يعيرون لها أي اعتبار أصول/ انتماء/ تاريخي، أو كوجود/ حاضر، فالأول غريب-وهنا يتجسد شعوره بالغربة فيها، لعدم إدراكه ماهية المدن- فهو صاحب مشروع التغيير الديمغرافي، والثاني، عدو/ محتل غاشم، والحرب هذه المرة كانت سخية كعادتها فلم تترك من البشر الأحياء إلا أمَّاً ثكلى أو جَدا يرثي الحفيد، والشبيبة تحت الثرى، ليأتي معطى موت البنين هنا متجاورا مع معطى قصر عمر الفاتنات، في نص سبق ذكره في ص243، (والعمر قصيرٌ..)، في إطباق كامل على صفحة الحياة تحت ظلّ الحرب الدائرة في المدن غير مكترثة لما مما تحمله هذه المدن من قدسية ساكنيها، أو قدسية الفاعلية والإقبال على الحياة.

لا مجد للخفاش إلا في الظلام

والنوارس تخسرُ ألوانها

إذ تَحوّم  حول الشراع ص244

ان للنص إستراتيجيته الخاصة به في الكشف عن مضامين ومعطيات عدة، فالنص يوجه خطابه للغرباء/ الهوامش، الذين طرأوا في غفلة من الزمن على المدينة/ الوطن، عندما صارت تشتكي العتمة- البيئة المناسبة لممارسة رغباتهم المريضة-، وما دلالة حوم النوارس حول الأشرعة إلا دلالة واضحة لهجرة الأبناء الأصليين من مدنهم/ الأوطان، وهي فرصة سانحة للاستحواذ عليها وضمها في أتون الظلمة/السواد، لأجل ممارسة الفعل الاقصائي، وما خسارة النوارس لألوانها إلا إشارة دالة على تغيير ملامح نقاء المدن وشفافيتها ونضارتها، فالنوارس كما المدن، في مركب الخسران/ النأي، بدلالة حوم النوارس/ الأبناء، حول الشراع/ المنفى  .

نحنُ لم نشتكِ البرد والحرّا

نحن لم ندخل الحربَ بعدُ

ولسنا الذين هُزمنا.. الخليفة فرّا! ص245

أن اعتماد القراءة الواعية لاشتغال النص الشعري تجعلنا في مرحلة فهم المعنى من خلال العمل ( بمبدأ سوء الفهم) وهذا ما جرى العمل به مع النصوص السالفة، فهو قطعا ليس محايدة النص وإنما تجنب الحكم القبلي مع الانحياز الدائم لرأي القارئ، في معادلة محكمة لتجنب الوقوع في اللبس، من خلال الوقوف على مدركات الوهن بين المدينة/ الوطن، والأبناء/ المنفيون، وهنا في هذا النص الأخير تحديدا نجد البون بدا شاسعا، فوشائج الانتماء قد أفلت واضمحلت، إلى الحد الذي أحدث شرخا في صف الانتماء/ المواطنة، حتى من أبنائها الأصليين، فالمدن التي احتلت من الغرباء وصار مقاليد حكمها بأيديهم، وما ما مورس في حقِّهم من إقصاء، حال دون تواصل الأبناء/ المواطنين معها، وحال كذلك دون رؤية الخطر الداهم، لذا نجد عدم الدخول باتون الحرب إشارة واضحة لفكِّ عَقْدِ الانتماء، (نحن لم ندخل الحربَ بعدُ)، وهذا خير دليل على التوجه الجديد الذي أنتجه الشعور بالإقصاء/ العزل، حتى في مواجهة الفناء/ الموت الذي يترتب على الموقف،  كما يمكننا عّده إدانة صريحة للسلطة، متماهيا مع ما سبق من إدانة للحرب، ان إلقاء تهمة الانهزام تقع على عاتق الآخر/ الخليفة / المهيمن، علما أن المهيمن قد يُخوّن من غادر السواتر، إلى المنافي، وقد يأتي المنفي/ المهمش، مُحملا بأفكار غير متوقعة هذه المرة، وكأن الحرب تقع على أرض لا تمت للسكان الأصليين بصلة، أهل المدن/ الوطن، (ولسنا الذين هُزمنا.. الخليفة فرّا! )، أعلنوا الهزيمة هكذا في غفلةٍ عما يدور على ارض الواقع، غير مكترثين عن كون الجميع في مركب الخسران، أنْ استمر هذا الحال، شاءوا أم أبوا.

 

رحيم زاير الغانم

........................

الهوامش:

* من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، عبد الكريم شرفي منشورات الاختلاف-الجزائر،ط1 ص26

* الأعمال الشعرية، كاظم الحجاج، دار سطور-بغداد،ط1

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4547 المصادف: 2019-02-16 00:30:22