 قراءات نقدية

الاحتجاج والرفض في شعر فراس طه الصكر

رحيم زاير الغانمتعول المناهج الحديثة على دور القارئ في تلقي النص، وما يمكن أن ينتجه هذا التلقي من إعادة لإنتاج المعنى، والذي يتحقق بفكٍّ شفرات بنياته النصية، وأن تجلت (أنا المؤلف)، في النص الشعري، بأن صُرِحَ في بعضها بأسماء أشخاص أو أحداث أو وقائع، مرجعيتها ذاكرة (المؤلف)، فهي رافد من روافد خيال مبدع، والتي لا يمكن اعتبارها تكريساً لأنا، أو لذاتية مفرطة، بل هي كشف لذات ذائبة في قضايا واقعها المعاش، ذات منتجة/ موضوعية، برؤى وأفكار إنسانية سامية هادفة، بعدما اعتصرتها الفاقة، واختبرتها الحروب، وأدمتها النكبات، لتتبلور وعياً جمعياً، رافضاً ومحتجاً لما يدور حولها، لتغدو مرآةً لذوات متلقيها، في إنتاج لنص يمكن عده مزيجاً من قيم راحلة، وأخرى ماكثة للان، تحتاج منا إعادة إنتاجها في ضوء معطيات حاضر ومستقبل بمرجعية تاريخية متهالكة، أن سارت فهي مُتجهة إلى نفق مُظلم،  إذ لا بارقة ضوء، وأن مكثت فإلى هلاك، في إدانة صريحة الى هكذا مآل.

كلُّ هذا سيتم معاينته في ضوء ثيمتي الاحتجاج والرفض في مجموعة ( بريد العائلة)، للشاعر فراس طه الصكر ، وفق متبنيات القراءة التأويلية العميقة للنص الشعري.

(مؤخرا لم يعد بمقدورنا الكلام../ الكلامُ / طيشنا العابر،/ وفضاؤنا الضرير/ لم يعد بمقدورنا أن نتحمل بسالة الهزيمة / أو فداحة الجرح/وهو يتماثل للغياب..) ص17

في النص الشعري نجد الحوار مفتوحا على مصراعيه بينه وبين متلقيه، عبر ثيمة الرفض التي هي نتاج عدم التمكن من التعاطي مع الواقع المعاش/ ممثلا بالهزيمة التي تتكرر في فترات زمنية متقاربة أو متباعدة، فهي تلقي بضلالها عليه، وما عدم القدرة على الكلام إلا إنتاج لمعنى الموقف في زمن الضياع، الذي يعدُّ من أبلغ معاني الرفض والاحتجاج، فالقول بعدم تحمل (بسالة الهزيمة) على طريقة الإمعات، أو تحمل فداحة الجرح الذي يتماثل للغياب من دون الإشارة إليه أو بالوقوف على أسبابه من أشد أنواع الشعور بالخذلان، إذ يمكن بعدها التأسيس لتقبل هزيمة أبلغ وجرح أعمق وأكثر إيلاما.

(سأكتفي بتضميد دمعكَ/ وأترك خيارا واحدا لدمي../ سأنقش الحبَّ على وسادة خاوية،/ فيفضحني ركام هائل من النعاس../ سأبللُ البكاء بعيون لا تتكلم/ عيون أصيبت بالخرس) ص21

ان  قراءة عميقة للنص الشعري يمكننا بعدها من اكتناه بواطن النص، لما فيه من تعدد للدلالات الذي يجاورها تعدد للفهم/ التأويل، وما ثيمة الرفض التي تتكشف بعد فهم بنيات النص، فما يشي به الاكتفاء بتضميد الدمع وترك خيارا واحدا للدم وما سينقش على الوسادة الخالية التي ستؤدي مجتمعة إلى تنامي الشعور بالنكوص جراء الخشية من فضيحة ركام هائل من النعاس، وما ينبي به هذا النعاس من علامة اليأس والقنوط، الذي أصاب العيون بالخرس، عيون لا تتكلم، في إنتاج لمعنى عدم التعاطي مع ما يدور حولها من واقع مؤلم، بعدما فقدت الحياة مقومات الديمومة، فلا غرابة ان سكت صوتها، مقارنة بصخب الحرب، وعلو كعبها .

(لم أشأْ../ أنْ أوقظ الغيم الذي فسرني/ لم أشأْ../ أنْ أحسدَ القبر على شاهدةٍ نخرتها الذكريات / لم أشأْ../ أن أفرطَ أصابعي / باحثا عن تاريخ مليء بالحشرات/ وجفاف القبل ) ص27

يطرح النص الشعري أسئلة متوالية، عن الوجود والذكريات والتاريخ في تراتبية قصدية خاضعة للمنطق في التفكير، عبر رابط يجمع كل هذه البنيات النصية الدالة على مدلول يسري في جسد النص في وحدة عضوية متسقة، ممثلا بثيمة الرفض، عبر بنية (لم أشأْ..) لينتج لنا معنى الإدانة لواقع معاش، واقعٌ تجف فيه القبل، وما لجفافها من علامة لفناء الأشياء، فلا تواصل مع الحياة ولا استمرارية للنوع البشري، ولا إمكانية لتقبل الجمال، نتيجة لاستشراء القبح ممارسة وفعلاً ، يمكن عدها من تداعيات المرحلة والذكريات والتاريخ المليء بالحروب والخراب والدماء وما هذا  الرفض إلا للحرب لا الحياة أو الوجود بمعناه الاشمل.

(معطف آخر للرماد/ وجيبٌ لا يسعُ أحزاننا الباردة../ في قمرٍ ما،/ توانى القدرُ/ أنْ يصبغ أصابعنا برائحة الوداع../ كانوا هنا / رحلوا بلا حقائب/ لذلك فضلوا الرجوع حفاة..) ص31

في هذا النص الشعري المتخم بالدلالات، نقف تجاه بنيتي الرماد والجيب الذي لايسع لأحزاننا الباردة، لتترسخ في أذهاننا ثيمة الاحتجاج على موت الأوطان إذ ان القمر/ قمر ما، والرحيل رحيل حقائب، والرجوع لأصابعنا المصبوغة برائحة الوداع، وأما رجوع الراحلين فرجوع حفاة، فلا المكوث في هكذا وطن يحقق الكرامة ولا الرحيل كذلك فما بالك بالرجوع، في إعادة لإنتاج معنى الخيبة التي تلازم هكذا أبناء ينتسبون إلى أوطان  تتوشح بالرماد، فيضيق أفقها للدفء، إذن هي أوطان بمساحة على ورق الخرائط لا أكثر.

(قل لها أن تنتظر:/ حروبُك التي راودتني صغيراً/ لم أعد قادرا / على ابتلاع رمادها../ قل لها مازلت صغيراً/ على كمائن باردة / وقناع أخرس/ ما زلت صغيراً يا أبي،/ وأحضانك لا تتسع..) ص42

نلمح في هذا النص الشعري تمركزاً لبؤرة انتظار الحرب التي تراود الناس والأشياء، ليتشظى عنها معانٍ ودلالات عدة، (لم أعد قادرا/ على ابتلاع الرماد) و(مازلت صغيراً/ على كمائن باردة/ وقناع أخرس) في مجملها تستدرج المتلقي إلى إنتاج معنى رفض أعم وأشمل رفض قبالة الأب/ الوطن، (ما زلت صغيراً يا أبي،/ وأحضانك لا تتسع..)، فالأبُ هنا على العكس من معناه، أي الوطن/ الحضن الكبير، فهو لا يتسع حتى لإحجامنا أو طموحاتنا الصغيرة، فما الرد لو اتسع الحجم والعقل/ التفكير معا، أي حجم وعقل الابن الصغير، فما دام الوطن لا يتسع، لنا ونحن بهذا الحال، كيف لو نراهن على اتساع رقعة أفق حضوره، الذي نرجو ونأمل؟!

(قبل ذلك،/ أبصرت نجما زاحفاً/ فظننته الصباح../ كانَ ليلاً أبيضَ/ طرزتُهُ الحتوف../ هذا دمُك أيّها القتيلُ/ لا يشبه لون الجريمة،/ له طعم وشايةٍ/ ورائحةٍ تنوء..) ص45

في النص الانف، تتوالى الصور الشعرية التي تُنبئ عن موت قادم، لكنَّ التصويرَ مختلفٌ هذه المرة، فما إبصار النجم الزاحف، والتعليل بظنه ليلا ابيضَ، في انكسار للصورة الشعرية، الذي أضاف معنى جديدا لرفض الموت الذي طرزته الحتوف، وما نكران دم القتيل الذي لا يشبه لون القتيل إلا تكريساً لمعنى جديد لتنوع طرق الموت وصوره وأشكاله، مقارنة بجمود الحياة، معنى رافض لموت بطعم الوشاية ومحتج كونه برائحة تنوء، تبتعد ليندرس بعدها دليل الجريمة.

(انظري إلى هذه الحروب / إنها تلملمُ أوزارها وتغادر،/ وقد دونت أسماءَنا كُلَّنا في (دفاتر النسيان):-/ ساقٌ يسرى،/ ذراع يمنى،/ عينٌ سوداء،/ ورأسٌ أسمرٌ../ أترين ذلك يا حبيبتي؟/ إنهم يحفظوننا/ بأسماء أعضائنا المبتورة!!) ص75

يشي النص الشعري عن دعوةٍ إلى إلقاء نظرة فاحصة على الحرب، وهي تلملم أوزارها، وأن لا يعد كشفا مبكرا في هذا النص تحديدا، بعدما عمدت النصوص الآنفة إلى البوح به، مما استدعى منا اكتناه معناها، ان ثيمة الاحتجاج في هذا النص الشعري، تبدو جلية بعدما عمدت الحرب إلى لملمة أوزارها استعدادا للمغادرة، تاركة وراءها طوابيرَ من مآسٍ وأهات، مدونة في (دفاتر النسيان)، ومحفوظة، (بأسماء أعضائنا المبتورة!!)، في إعادة لإنتاج معنى الموت الذي يتشظى لنا في هيئة انكسار لصورة الحياة في عيون متلقيها من البشر العاديين قُراء نصها غير المكتوب/ المرئي/ الواقع، حصيلة حروب وإن بمسميات بطولية، تطرز لصانعيها التاريخ المشوب بالعار، وتفرض حاضراً معاقاً مجهولَ العواقب، حاضرٌ لغير هدى، كأعضائنا البشرية المبتورة (ساقٌ يسرى،/ ذراع يمنى،/ عينٌ سوداء،/ ورأسٌ أسمرٌ..)

 

رحيم زاير الغانم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4550 المصادف: 2019-02-19 03:44:20