 قراءات نقدية

البُعد السيميائي للأنساق الشعرية.. خسوف الضمير أنموذجا.. مقاربة سيميائية

رحيم زاير الغانميصف د. يوسف عليمات النسق بأنّه (نظام علائقي فوقي متعالي محمل بمرجعيات ثقافية ايدلوجية وأُطر معرفية جمعية)*، يتشكل النسق من خلال تراكم ثقافة تبثها مؤسسة السلطة، الموجه والراعي للنسق المهيمن، الذي يقوم بدور ترسيخ القيم التي تقف قبالة كلّ ما من شأنه الوقوف بوجه هذه الماكنة القمعية، فهي تُقاد بفكر إقصائي يستمر في تأصيل أطروحات الهيمنة لتهميش الأخر وإقصاءه، وتقويض دوره المجتمعي، ناسية أو متناسية أن الأنساق التي قامت بزجّها داخل منظومة السلطة، لم تعد جاذبة، فهي لمن تجلب لها الديمومة لقلة فاعليتها، على العكس تماما من المنظومة المجتمعية، نشطة وفاعلة فهي ولود، مقارنة بمؤسسة السلطة المستبدة / العجوز، فرحمها يشكو انسداد قنواته المعرفية، لذا تمضي تدريجيا للعزلة، وما يؤكد ذلك خلو ذهنها عمَّا يفكر به الطرف الآخر/ المهمش، تجاه الحياة واتجاهها هي بالذات، لذا نجد من المفيد فحص عينات لنصوص شعرية، مراعين فيها البعد السيميائي للنسق، لما للعلامة والنسق من إعادة إنتاج المعنى، لكن هذه المرة تحت مظلة النقد الثقافي لما يوفره من حرية في استهداف نسق السلطة المستبد، ولما يترك المجال واسعا كي يتسنى لنا طرح ما يعانيه الفرد/ المهمش، والتنبه إلى إعطاءه الدور الحقيقي ليتمكن من إظهار فعله الايجابي في المؤسسة المجتمعية الحيّة (الجماهير/ الشعب)، كلُّ هذا سيتم الكشف عنه من خلال تناول مجموعة (خسوف الضمير)* للشاعر (رعد زامل)

(لم تكن حياتي

غير موجٍ يغشاه موج

فلا تسأليني عن الظلام

الذي أوصلني إلى

الظلام)

ما تشكله السلطة من نسق مهيمن، من خلال ما يتم ضخه من قيم ثابتة، بحسب مفهومها ، ويجب الانصياع لها، على الرغم من إدراكها لما تنتجه هذه القيم من إيغال في تهميش الآخر، لتزيد بسط يدها لسلب حقوقه، وهذا ما ندركه جليا في ثيمة (الظلام / السلطة )وما تمثله من نسق مهيمن، في مواجهة المهمش (حياتي/ الشاعر) في النص الشعري، الظلام الذي يوصل إلى ظلام أخر، في تتابع للسيطرة المفرطة في ممارسة الإقصاء ، ويبدو واضحا أن الشاعر يتناص مع قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ......﴾*، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الآية الكريمة تصف ظاهرة طبيعية تحدث في أعماق البحر، وهي واضحة الدلالة والمعنى، وما تحمل بين طياتها من علامة العتمة بحسب النص(موج يغشاه موج) مُشكّلا نسقا مضمرا، وثيمة (الظلام) هنا تشكل علامة للنسق المهيمن / مؤسسة السلطة.

(لا تسأليني عن أخر الموانئ

فكلها محفوفة بالقراصنة

لا تسأليني عن البوصلة

فهي الأخرى

تغضُّ الطرف عن الضياع)

في النص نجد النسق المهيمن يزدادُ إيغالا في اخذ دور التعسف فثيمة القراصنة / السلطة/ المُهيمن، وما يحمل من نسق مضمر، السيطرة والاستحواذ، فمهنة القرصنة من المهن المشينة، فهي علامة دالة على من يقوم بفعل السرقة بالإكراه وما يقوم به القراصنة في البحر تمارسه السلطة على الأرض/ السفينة، من مصادرة لحقوق المُهمش/ الإنسان (لا تسأليني عن آخر الموانئ)،حتى أن المهمش لم يظهر بدلالة متعينة، بخلاف النسق المهيمن/ القراصنة التي تظهر بكامل وجودها المعنوي، وما يحدثه هذا النسق المسيطر من فرض ضبابية على الوجهة (الضياع)، فالبوصلة وما تمثله من علامة الاستدلال للوجهة الصحيحة، لأجل الانفتاح على المستقبل، لذا تزداد الحيرة والتردد في العودة لكنف الوطن/ الأرض، فالموانئ هي الأخرى محفوفة بخطر القراصنة/ السلطة، وما تمثله من كونها بوابة للعائدين إلى الوطن/ الأرض، ومنطلقا للباحثين عن سبل الخلاص/ الحرية بعيدا عن الهيمنة، ورغم ذاك نجد النسق المضمر يشي بتقويض فسحة الحرية هذه، فالسفينة/ الحياة من دون بوصلة/ من دون رؤية مستقبلية، كونها تشكل علامة التشتت والاضطراب التي يدأب النسق المهيمن على إنتاجها، من خلال سلب الحقوق ومصادرة الحريات على الأرض جلية .

(الأبواقُ والطبول

ثمَّ الغنائمُ والشرارةُ الأولى

هذا ما جنيناهُ من الحرب

ولان الأبواق للمنشدين

والطبول للمهرجين

والغنائم للمتخمين)

الحرب تضفي نوعا من البؤس الذي يُؤطر حياة الفرد ومنظومته المجتمعية المقترن بضجيج الأبواق والطبول، فعسكرة المجتمع تشكل خرقا لنسق المدنية، وهذا بحد ذاته نسقا مضمرا تثقف له مؤسسة السلطة، وكلّ ذلك يحدث عبر نسقها المهيمن ثيمة (الحرب)الذي يتشابه ومرجعيته (الأبواق والطبول)، التي تشكل نذير شؤم لهيمنة لا يمكن الخلاص من مخالبها الناشبة في جسد الحياة الطري، الحرب هنا في تتابع لفرض السيطرة، على جملة من الخاسرين الجنود/ المهمشين، فهم وقود الحرب، أما غنائم الحرب فهم الخاسر الأوحد، / النساء/ الأطفال/ الشجر/ الحيوان، في تتابع للأنساق المضمرة التي من شأنها كشف زيف حرب مؤسسة السلطة، التي يسحق فيها المهمشين/ الجنود/ الغنائم، تلك العوامل المساعدة على الاحتراق التي تشكل سمة لقسوة المؤسسة / السلطة.

(أتوسل بالحيتان

وهي تبتلع أخر الأبناء

فأقول لها :

لماذا تقطعين نسلي

أيتها الحروب

وأنا جذع نخلة)

النسق المهيمن يكرر طقوسه، من إشاعة طقس الخراب اليومي المعاش، وما تمثله ثيمة الحرب/ الحيتان من بؤرة تمركز النص الذي من شأنه إنتاج نسق مهيمن فعلامة الحيتان/ الابتلاع وهي سمة / الحرب التي تبتلع / وتقطع(لماذا تقطعين نسلي)،وفي المقابل نجد جذع نخلة/ الإنسان/ المهمش، من غير امتداد طبيعي وهذا مخالف لسجية الله في خلقه، وهذا ما نلحظه كعلامة لقطع النسل، فحروب السلطة لا يعنيها أمر الفقراء/ المهمشين أو استمرار النوع البشري، فتأتي الأنساق المضمرة تباعا، مُبينة قسوة السلطة في ممارسة فعلها القمعي، في ابتلاع آخر الأبناء رغم التوسل، وهذا إيغال في تهميش الآخر.

(في كل الحروب

التي هدأت

وظلت رحاها تدور

رأيت الجنود

يخلعون أعمارهم

والحرب تطحن ما يخلعون

وعلى وجوه الأرامل

رأيت القحط

يمحو ما كان الأحبة

على الشفاه يرسمون)

نسق الحرب الهادئة لا ينسجم مع دوران رحاها، إذ انه لا يشكل معطى علاماتي لإيغال النسق المهيمن في ممارسة فعل الهيمنة، نجد هنا نسق (الحرب) / المحرك الأساسي لماكنة السلطة/ المهيمنة، فمن خلالها يمكن لمؤسسة السلطة أن تبث أنساقها المهيمنة، أن مؤسسة السلطة/ لا يمكنها الهدوء أو الجنوح للسلم، فهي لا تؤمن بالهدوء فالحرب في دوران دائم، لما يشكله الهدوء من علامة معرقلة لديمومتها ،وما سمة رحى تدور/ طحن/ محو، الإيغال في إلغاء الأخر، وما (القحط) إلا نتيجة لذلك، ففي هذا النص بالتحديد يأتي نسق( القحط)، ليشكل علامة شُح المعنوي، فالحياة لا تقف عند المعطى المادي فقط لتُدام فحسب، بل أنها تتعداه للمعطى المعنوي (الفعل الحياتي)، نسق(الديمومة والنماء) بالضد من القحط، فالمشاعر والأحاسيس الكامنة في الصدور وسيماء الوجوه، ترسل علامة للحياة المعترضة على هذا الجدب، الذي خلفته السلطة/ المهيمنة، وأثره السلبي على أرامل الجنود/ المهمشين(يمحو ما كان الأحبة/ على الشفاه يرسمون)، وما فيه من رفض واضح لهكذا ممارسة قمعية.

(مرة..

في الليل

لو طرق سمعك هذا العواء

فتأكدي انه البؤس

لازال يعوي ورائي

مثل ذئب

بينما لازلت أتقهقر

أمامه مثل أرنب)

ثيمة (الذئب ) سمة السلطة، التي تحمل في جنباتها علامة الغدر فهي من صفات الذئب/ السلطة، ليأتي بعده، العواء/ البؤس، وهذا كلّه يحدث تحت سلطة الليل/ مؤسسة السلطة، مشكلا دلالة الاحتواء والإحاطة ،مع بقاء المهمش/ الإنسان منتجا لمعنى الجبن، بدلالة تقهقر الأرنب، الذي يفترض أنّه لو طرق سمعك هذا العواء سيتقهقر، النسق المضمر هنا جعل السلطة/ المهيمن، تفرض سطوتها على الإنسان/ الأرنب/ المهمش، وتجعله يعيش دوامة الخوف والخواء الداخلي وهذه ثقافة أزلية ناتجة عن تراكم نسقي منذ أزمان موغلة بالقدم، والجدير بالذكر هنا أن هذه الأنساق تبقى تدور في فلك مؤسسة السلطة، وتعمل على تغذيتها لتنمو وتصبح ثقافة مجتمع، والأجواء مناسبة لبقائها مادام الإنسان/ المهمش يستجيب لنسق السلطة فلم يستطع للان إنتاج معنى الثبات والصمود الذي من شأنه لو حصل، لنشأ جيل جديد يؤمن بفكر الإصلاح والتغيير، لكنه وبحسب النصوص التي تم معاينتها لم يحصل البتة .

(أنا والجنود غدا

طرفا معادلة خاسرة

فالجنود حطبا

يمضون في الحرب

وأنا سيقانا

من خشب أغدو

للراجعين منها

بقدم واحدة)

تتخذ مؤسسة السلطة من تكرارها لثيمة (الحرب) متكأ لرفد نفسها بما تبثه من ثقافة التعبئة الجماهيرية وعسكرة المجتمع لردم الهوة بين السلطة والمنظومة المجتمعية المعارضة/ المهمشين، ولتقويض حضور الأخر الشعبي، ظنَّناً منها في ضمه لصفها، فيتوالى دفعها لثقافة العسكرة/ الحرب، المحرك الفاعل في أدارة مؤسسة سلطة الأزمة، وفي إقصاء المهمش/ أنا / الجنود/ الإنسان، ويكون بذلك طرفا في معادلة خاسرة، فنتاج المعركة التدمير والقتل، (فالجنود حطبا/ يمضون في الحرب)، لتعيد إنتاج المعنى ولكن هذه المرة موت / وسلب السيقان الخشبية، لتكون بديلا لطرف/ قدم جندي بائس/ مهمش، يمكن للسلطة استغلاله، فتبقيه على قيد الحركة، مُشكلة علامة لسلب حقوق الجُند/ المهمشين، فهم ليسوا أكثر من كونهم بيادق أو شرارة لنشوب الحرب ثم إلى احتراق فرماد، ليتشكل النسق المضمر، لما يدخره النسق المهيمن/ مؤسسة السلطة من الفتك والجور وسلب الإرادة من جهة، وخنوع واستسلام من المهمشين/ الجنود من جهة أخرى، وهذا ما لمسناه من سياق النصوص الشعرية التي تم معاينتها، وهذه بالضبط ثقافة النسق المهيمن/ السلطة، الذي لا يمكن التخلص من سطوته في حقبة زمنية قصيرة، فالمنظومة المجتمعية عليها أن تنتج انساقا متتابعة تؤمن بفكر التغيير الذي من شأنه الثورة على الموروث/ النسق الثابت/ المهيمن، لتُعيد إنتاج المعنى المقاوم/ التحرري/ المتجدد في ضوء معطيات الإصلاح ، الذي يحقق ما تطالب به من مشاركة فعلية وفاعلة على إدارة السلطة والاستجابة لتمكين الفرد من حقوقه مع الأخذ بنظر الاهتمام ما يُلقى على عاتقه من واجبات، مبرهنة على تمكنها من إنتاج معناها وفق نسقها التحرري/ الإصلاحي/ المتجدد .

 

رحيم زاير الغانم

............................

الاحالات

* جماليات التحليل الثقافي الشعر الجاهلي نموذجا، يوسف عليمات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004: ص44

* خسوف الضمير، رعد زامل، دار الروسم،ط1 بغداد، 2014

* سورة النور: آية 40

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4551 المصادف: 2019-02-20 01:55:33