 قراءات نقدية

الفضاء التاريخي في روايات باكثير

معراج احمد الندويإن الرواية التاريخية هي الرواية التي تنطق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة وتشكل جزءا من تاريخنا وماضينا. فالرواية التاريخية تقوم على بنية زمنية تاريخية تتشخص في فضاء تاريخي يمتد من الماضي وحتى اللحظة الراهنة أو القادمة. تثير الرواية التاريخية الحاضر وترتبطه بالماضي الخالد في رؤية فنية شاملة اعتمادا على الفن روعة الخيال وصدق الحقيقة. يحاول الأديب في نسيج الفن ويعتمد على كل من ما يدور في خلده ووجدانه ويندفع للترجمة عن مشاعره والتعبير عن أحاسيسه ثم يصوره تقنية مما يجعل إنتاجه صورة صادقة عن نفسه وفكره وعواطفه ويتحول العنصر التاريخي إلى العنصر الأدبي.

ظهر في العصر الحاضر عدد كبير من الأدباء و الشعراء لهم اسهامات في مجال الشعر والقصة والرواية والمسرحية ومنهم علي أحمد باكثير الذي هو الأديب الأروع والشاعر المبدع. تميز أدبه وشعره بالخصائ الفنية والعقلية والنفسية كما تتميز بوضوح تام في الأسلوب والموضوع. تأثر هذا الأديب البارع والشاعر المطبوع في كتاباته بالتصور الإسلامي فجعل الفكر الإسلامي فلسفة لأدبه ومنهجا لحياته. استطاع أن يبرز من خلالها الفكرة الإسلامية والقيم الخلقية في أدبه في صورة فنية ممتعة. تدل آثاره من الشعر والقصة والرواية والمسرحية على سعة ثقافته وكثرة اطلاعه واتساع أفقه ورحابة فكره بالجد والمثابرة بحيث يعتبر من أكبر كتاب الرواية التاريخية من منظور إسلامي في الأدب العربي المعاصر.

مولده ونشاته:

ولد هذا العبقري في اندونسيا في مدينة سورابا عام1910م لأبوين يمنيين من حضر موت في أسرة محافظة ملتزمة. ولما بلغ العاشرة من عمره ارسله أبوه إلى موطنه الأصلي حضر موت. تعلم هناك العلوم الشرعية في المعاهد الدينية ونشأ نشأة إسلامية على أيدي المؤدبين العرب الذين يلقونه حب العربية ويسقونه عشق الإسلام. درس الإسلام من ينابيع الأصلية دراسة عميقة. فكان يطمع أن يكون فقيها في اوائل عمره ولكن سرعان مالت رغبته إلى الأدب وظهرت مواهبه الأدبية مبكرا فبدأ يقرض الشعر وهو في الثالثة عشر من عمره.[i] وفي عام1934م سافر إلى مصر والتحق في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الأداب في جامعة فؤاد وتخرج فيها عام1939 ثم دخل معهد التربية للمعلمين وحصل على شهادة الدبلوم في التربية والتعليم عام1940م.[ii] وفي نفس السنة تم تعيينه كمدرس في مدرسة الرشاد بالمنصورة وهكذا بدأ حياته المهنية بالتدريس. استمر هذه الوظيفة حوالى أربعة عشر عاما بالمنصورة وسبعة أعوام بالقاهرة. ثم انتقل إلى مصلحة الفنون قسم الرقابة على المصنفات الفنية في وزارة الثقافة.[iii] قضى باكثير ردحا من الزمن مؤظفا وزارة الثقافة ثم أصبح مدير المكتب الفني للرقابة على المصنغات الفنية. تزوج من عائلة مصرية محافظة. قامت صلته برجال الفكر والأدب فيها أمثال: العقاد والمازني و شكري ومحب الدين الخطيب ونجيب محفوظ وصالح جودت. وفي ذلك الأثناء هبت ريح الإيمان بظهور حركة دعوة الإصلاح في العالم العربي على أيدي مصلحين كبيرين جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. تأثر علي أحمد باكثير من أفكار هذين المصلحين وكرس حياته أن يخدم الإسلام والأمة الإسلامية من خلال فكره وأدبه. وجد أن في حضر موت لم يتيح له الجو المناسب لتحقيق طموحاته فبدأ يفكر إلى مكان آخر من هنا يرتفع صوته وإيصاله في كل ناحية من العالم العربي والإسلامي، إذ توفيت زوجتها التي كان يحبها حبا جما كأن القدر كان يهيئ له الظروف فغادر حضر موت إلى عدن حيث أقام في عدن [iv] لعام وزار الصومال والحبشة حيث أنشد وخطب وكتب عن خلجات قلبه والتقى برجال الفكر والدعوة، ثم قصد لزيارة الحرمين الشريفين فسافر من عدن إلى جدة عن طريق البحر الذي استغرق عاما. وعندما وصل في المملكة العربية السعودية نشرت جريدة "صوت الحجاز" خبر وصوله في عدد الأثنين1932م في الصفحة الأولى بعنوان" وصول شاعر حضر موت الأكبر". قامت صلاته مع سعود وفيصل الملكين فيما بعد ثم وغادر الحجاز بحرا عبر ميناء ينبوع على الباخرة في عام 1934م، وفي هذه المرحلة أخرج تراثا أدبيا من أهمه ديوان شعري بعنوان "صبا نجد وأنفاس الحجاز" ومحاضرات مذكرات ومراسلات مع الأدباء. تكرمت المملكة العربية السعودية وتقدمت له التقدير والإعجاب.[v] توفي باكثير في مصر في العاشر من نوفمبر عام 1969م إثر أزمة قلبية ودفن بمدفن الإمام الشافعي. خلف هذا العبقري بحرا من الأفكار الرائعة والخواطر البديعة الذي ضمنها دواوينه الشعرية ورواياته التاريخية ومسرحياته الشعرية ومسرحياته النثرية كما ترك لنا هذا الشاعر العظيم والأديب الكبير ست روايات وتسع مسرحيات شعرية وحوالي خمس وأربعين مسرحية نثرية.

من آثاره الخالدة:

تنوعت مواهب باكثير الفنية وتعددت إنتاجاته الأدبية والفكرية بين شعر والقصة والرواية والمسرحية. وهذا التنوع يؤكد أنه قدم في أدبه ألوانا متعددة وأنماطا مختلفة من أشكال التعبير الأدبي من شعر غنائ ورواية تاريخية ومسرحية شعرية ومسرحية نثرية. وكلها تختلف في المضمون والشكل وتميز عن الآخر في الأسلوب والبيان. ومن أهم رواياته: سلامة القس، وا إسلاماه، ليلة النهر، الثائر الأحمر، سيرة شجاع، الفارس الجميل،

صبّ علي أحمد باكثير اهتمامَه على التاريخ الإسلامي في أوطانه المتعدِّدة بما احتوى من صِراعات سياسيَّة واجتماعيَّة.واتَّصف باكثير بعدَّة صِفات جعلَتْ منه رائدًا للرواية التاريخيَّة الإسلاميَّة فهو مُتعدِّد المواهب، غزير الإنتاج، صاحب رسالة.كان ملتزمًا بالقِيَم والمبادئ الإسلاميَّة مع المحافظة على النواحي الفنيَّة فقد جمَع بين الالتِزام والفن في مزيجٍ جميل بديع حتى أصبح رائدًا للاتِّجاه الإسلامي في الرواية التاريخيَّة العربيَّة.

"سلامة القس" أصدر هذه الرواية في عام 1944م. وهي رواية تاريخية تحكي قصة حب عذري بين عبد الرحمن القس والمغنية سلامة. ويدور الصراع فيها بين التقوى والهوى وأخيرا تغلب التقوى على الهوى. فلا عجب أت يختار باكثير من التاريخ الإسلامي هذا الموضوع يمثل فيه الحب العذري العفيف في قصة سلامة. ينتقل محور الصراع بأحداث من المثالية الرومانسية إلى الواقعية الإسلامية. ولعل هذه المعالجة الواقعية للقصة الرومانسية في هذه الرواية كانت وراء اختيار إخلراجها للسنيما في فيلم غنائ يحمل عنوانها طار به شهرته . ولا يزال فيلم " سلامة يعرض إلى اليوم.

"واإسلاماه" أصدر هذه الرواية عام 1944م. وهي رواية تاريخية تناول الكاتب فيها فترة حساسة من التاريخ الإسلامي تعرض فيها العالم الإسلامي لهجمة شرسة من التتار القادمين من الشرق والصلبيين القادمين من الغرب. تبين الرواية شر الكفار عن هذه البلاد الإسلامية، وتلك العزيمة الراسخة للنضال التي كامنة في قلوب المسلمين المخلصين. تقف الرواية على سيرة البطل المسلم سيف الدين قطز قاهر التتار وتقص قصة خاده كأروع ما تكون سيرة المجاهدين. إن الرواية تجلو صفحة رائعة من صفحات التاريخ الإسلامي كما تقدم نموذجا مشرقا للعالم العامل في الشيخ العز بن عبد السلام الذي نهض بمسؤولياته كقيادة روحية للأمة الإسلامية . فصانت الامة وعصمت تراث الإسلامي . 

"ليلة النهر" أخرج باكثير هذه الرواية عام 1946م. وهي رواية خيالية تناول فيها حياة الموسيقار المصري المعروف فؤاد حلمي. صور فيها علاقة الحب بين بطل الرواية فؤاد حلمي وأحسان ولكنه لا يسمح بطله بالاستهتار واحتساء الخمر. تدور أحداثها عن قصة حب نقي رعاه الصباء بطهره وبراءته. ونما الشباب باندفاعه وطموحه الوثاب،حب تفجر في قلب شاعر موسيقي شاب، فأجاد بشعر رقيق رائع، ولكن الشباب يصطدم بعقبة طأدء تحول بينه وبين الزواج من حبيبته. تتلخص قصة ليلة نهر هي أن فؤاد حلمي بطل الرواية فقد أباه وهو كان طفلا صغيرا فرعاه أمه. كان يسكن في بيت صغير في حي المنيل حيث تعرف على فتاة اسمها إحسان التي فقدت أباها أيضا وكانت تسكن مع خالها ضياء الدين، وهناك وقع الحب بينهما ولكن سرعان انتقل خالها إلى مكان آخر فانتقلت معها. ولكن يتبادل الحب بينهما. وكان فؤاد حلمي يحلم بها حتى جاء الخبر الذي انكسر أمله وهو أن خالها فضل عليع شابا آخر ليس له من المؤهلات إلا أنه ابن أحد أصحاب الثراء . فحزن فؤاد حلمي حزنا شديجا حتى مات من أجلها.

"الثائر الأحمر" أصدر هذه الرواية عام 1948م. وهي رواية تاريخية تحكي قصة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية وانتصار العدل الإسلامي عن طريق ثورة القرامطة. يقسم علي أحمد باكثير هذه الرواية إلى أدوار أربعة. ولكل دور في الرواراية طبيعة خاصة في بنائها من سرد الأحداث والوقائع. وفي بداية كل دور من الأدوار الرواية يحاول الكاتب أن يثبت آية قرآنية بكل وضوح وصراحة على مقتضى الموضوع مما يجعل النص القرآني ذا صلة وثيقة بالبناء الروائي على سبيل المثال قد وضع على الضفحة الرئيسية الأية القرانية "و إذا أردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيا ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا"[vi] والجدير بالذكر أنه يبدأ كل دور هذه الرواية بالآيات القرآنية.

"سيرة شجاع" أخرجها في عام 1056م. وهي رواية تاريخية تدور أحدثها حوا آخر أيام الحكم الفاطمي وبداية الحكم الأيوبي في مصر. تكشف الرواية بشكل درامى شخصية ضرغام التى كانت غامضة لدى عامة الشعب رغم وفائة و إخلاصة الشديدين حتى أن شجاع فى نهاية المطاف يتمنى أن يكون إبن ضرغام الذى يراه الناس خائن وقاس ولا يكن إبن شاور الذى بإسلوبة العذب و كلامة الملتف يكسب تأييدهم .

"الفارس الجميل" وهي رواية تاريخية أصدرها عام 1965م. تحكي هذه الرواية عن الصراع بين العاطفة والواجب في نفس مصعب بن زبير. يرسم باكثير في هذه الرواية صورة أخرى للصراع من أجل المصالح الشخصية والتوسيع في السلطة على حساب وحدة الأمة ومصلحتها الحقيقية. اختار موقف من تاريخ الصراع بين بني أمية وبني هاشم، وبين خلفاء معاوية بن أبي سفيان ومثلهم عبد الملك بن مروان، وخلفاء علي بن أبي طالب ومثلهم عبد الله الزبير وأخوه الفارس الجميل مصعب بن الزبير الذي هو بطل الرواية. أظهر على أحمد باكثير براعة في السرد والتخيل والتحليل لشخصية البطل، ورغم ذلك لا أستطيع تصنيفها بالقصة التاريخية حتى وإن اعتمدت في مادتها الأساسية على هذا الحدث التاريخي الضخم، لأن الهدف منها ليس قص لأحداث تاريخية بقدر ما هو تخيل لحورارات وصراعات البطل الداخلية على عدة مستويات اجتماعية وسياسية ونفسية.

 نتيجة البحث: إن اعتماد الرواية التاريخية على الحدث التاريخي لا يعني أنها تعيد كتابة التاريخ بطريقة روائية فحسب، بل ترتبط صلتها بالتاريخ للتعبير عما لا يقول عنها التاريخ. وهي نتيجة امتزاج التاريخ بالأدب الحاضر، يصوغ فيها الكاتب صياغة جديدة لا أن ينقلها كما حدث في التاريخ، وإنما يستمد من التاريخ مادة للرواية عملا مشروعا.[vii] قد فعلت روايات باكثير بعناصر إبداعية متنوعة وعالجت قضايا مهمة تتعلق بالفرد والجماعة. تظهر في رواياته جرأته الفنية في تطوير الشكل والمضمون وفي تقديم صياغة جديدة لم تعهد روايات من قبله ولم يسبق إليه أحد من الكتاب. لقد حاول علي أحمد باكثير من خلال هذه الروايات التاريخية لإفهام التاريخ الإسلامي والتبصر فيه والاتعاظ به والاستفادة منه إحياء التراث الإسلامي وإعادة القيم الخلقية والمثل العليا التي ازدهرت في ظل الإسلام. قد أبدى رؤيته مستلهما من أحداث التاريخ الإسلامي وأبطاله مشيرا إلى أحداث الواقع وشخصياته البارزة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية- كولكاتا- الهند

....................

 الهوامش:

[i] عبد الله الخطيب: روايات علي أحمد باكثير في الروئية والتشكيل، ص 17

[ii] علي أحمد باكثير في حضر موت: محمد أبو بكر حميد، مجلة الأدب الإسلامي ص 14-21

[iii] Omotos, Ali Ahmad Bakathir, a contemporary conservative Arab writer- An appraisal of his main plays and novels , P 28

[iv] السومحي، علي أحمد باكثير: حياته و شعره الوطني والإسلامي، ص 34

[v] المصدر السابق: ص 40

[vi] سورة الإسراء رقم الآية 16

[vii] عبد الفتاح الحجمري: هل لدينا رواية تاريخية، مجلة فصول،ج، 2، ‘ 16 ص، 62 عام 1995

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4565 المصادف: 2019-03-06 01:48:40