 قراءات نقدية

الروح الشرقية في قصص محمود تيمور

معراج احمد الندويالقصة القصيرة "في القطار" لمحمود تيمور هي أول قصة عربية مستكملة للعناصر الأساسية في فن القصة القصيرة الحديثة. فكان محمود تيمور من المبتدعين الأولين لملامح أصيلة في القصة والأقصوصة في الأدب العربي المعاصر. وهو واحد من القلائل الذين نهضوا بهذا الفن الذي شهد نضوجا مبكرا.  قطع محمود تيمور شوطا طويلا مع القصة القصيرة واستطاع أن يقدم ألوانا مختلفة من القصص الواقعية والرومانسية والتاريخية والاجتماعية.

كانت ولا تزال القصة القصيرة أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر. تدور القصة القصة القصيرة على محور واحد ولا تشمل من حياة أشخاصها إلا فترة محدودة أو حادثة خاصة أو حالة شعورية معينة. فمن هذه الناحية تستخدم القصة القصيرة كل الأجناس الأدبية.

توجه العرب في العصر الحديث إلى القصة بعد اتصالهم بالغرب وقاموا بنقل القصص الغربية إلى العربية. عندما اطلع أدباء العرب بالأداب الغربية فأعجبوا بها واقبلوا على دراسة تلك النماذج الجديدة التي ليست لهم بمثلها عهد في المسرحية والشاعر والقصص والروايات. بدأ الكتاب العرب أن يترجموها إلى اللغة العربية ولكن الترجمة لم تؤثر كثيرا كما هو المزعوم في نشأة القصة القصيرة العربية وإنما كان التأثر المباشر عن الاتصال المباشر بالآداب الغربية. إن محمود تيمور هو  الذي مهد الطريق للقصة القصيرة عربية متكاملة ثم جاءوا لأمثاله بعده وكتبوا القصص القصيرة وأحسنوها وأبدعوها.

تميز أدب محمود تيمور ببساطة اللغة ورشاقة التعبير وجمال الصورة التي قدمها في جميع رواياته وقصصه. بلغت مؤلفاته نحو خمسين كتابا في القصة القصيرة والطويلة والصور والخواطر والرحلات والمسرحية التاريخية والدراسات اللغوية والأدبية والعلمية.

انتج محمود تيمور الكثير من القصص التي تحلل طبائع الافراد وسلوك النفوس، شملت أعماله شخوصا مختلفة وأنماطا متعددة. فمنهم من كان يمثل الطبقة القادحة، ومنهم من يمثل الطبقة الارستقراطية. ومنهم من كان شابا وامرأة، ومنهم من كان طفلا أو شيخا. حاول في أعماله القصصية أن يكشف عن نواح من الصراع بين الطبقات ويحلل الشخصيات تحليلا دقيقا واضحا.

استفاد محمود تيمور من روائع الأدب العالمي. فدرس الأدب الفرنسي والأدب الروسي بلإضافة إلى سعة اطلاعه في الأدب العربي. أقبل محمود تيمور في بداية الأمر على قراءة المنفلوطي وتأثر بأفكاره الرومانسية وهو الذي غرس في قلبه النزعة الرومانسية التي تملك على مشاعره وعواطفه. وقد تأثر محمود تيمور بمؤثرات أخيه محمد تيمور الذي مال إلى النزعة الواقعية في أدبه. فمن إثر  هذا التأثر ألف محمود تيمور باكوراته القصصية الأولى "الشيخ جمعة" على غرار مجموعة أخيه القصصية "ما تراه العيون".

تأثر محمود تيمور بأخيه في اتجاهه نحو المذهب الواقعي في الكتابة القصصية، والذي ظهر واضحًا في مجموعته القصصية الأولى "ما تراه العيون"، فأعجب بها محمود إعجابًا دعاه إلى أن يؤلف على غرارها. فكتب باكورته القصصية "الشيخ جمعة" سنة 1925م. وفجأة تُوفِّي أخوه محمد تيمور وهو في ريعان الصبا وشرخ الشباب. فشعر محمود تيمور بانهيار آماله وفقد حماسه،وأصابه اليأس، وانزوى حزينًا مستسلمًا للأسى والإحباط ولكن بمرور الأيام بدأ الجرح يندمل في قلبه، وأقبل من جديد على الحياة، وراح ينفض عن نفسه الفشل والإحباط، واعتمد على نفسه مهتديًا بهُدى شقيقه الراحل، ومترسمًا خطاه في عالم الأدب والإبداع، وأقبل على الكتابة بنشاط وروح جديدة.  لجأ محمود تيمور إلى الواقعية وفسر لنا زمنا خاصا حيث قدم قلق الإنسان كما أشار إلى حياة الناس الصعبة وحاول أن يحرك ذاكرة القارئ وسار به في  افراحه وأحزانه.

" في القطار" أول قصة قصيرة في الأدب العربي الحديث:

اتفق النقاد والباحثون على أن  القصة القصيرة  "في القطار" لمحمود تيمور هي أول قصة قصيرة أدبية فنية في الأدب العربي المعاصر. قد أتاح هذا الرائد القصة العربية صورة مغرية جذابة. وله الفضل في ما هو الموجود من الأفكار والمفاهيم القصصية الرائعة في أدبنا العربي الحديث.  تمثل قصته "في القطار"  الرئادة الناضجة إلى الكمال في هذا الفن في خطوة تالية لخطوط المنفلوطي. وقد كان محمود تيمور على صلة قوية بالفن القصصي الغربي وكان متأثرا بموباسان. هكذا نجد أن قصته " في القطار" تمثل ميلاد القصة القصيرة الفنية في الأدب العربي الحديث.

لقد تناول محمود تيمور في قصصه ورواياته الطبقة المتوسطة والفقيرة وعرض جوانب سيئة من حياة أفرادها وسخر من عاداتهم وتقاليدهم. وتميزت القصة محود تيمور بالواقعية حيث أخذ يصور الحياة اليومية ولا سيما للمهمشين من طبقات المجتمع كما أنه جنح إلى استخدام العامية في قصصه مع استخدام لغة سهلة بسيطة حيث كان يرى أن الفصحى لا يمكن أن تعبر عن توجهات الشعب وطموحاته.

إن محمود تيمور هو شرقي عربي مصري في أدبه وفنه. تتسم بذلك الروح الشرقية الخالصة حين يرسم صورة المجتمع المصري  البيئة المصرية صورة صادقة. ربط بالمجتمع عن طريق معالجته لمشكلاته وتصوير لآلامه وآماله وإشباع نزعاته بما يصورها تصويرا صادقا. كان محمود تيمور مصلحا اجتماعيا، وهو الذي جمع بين الفكر والفن. استطاع أن يتجاوب في الكثير من قصصه ورواياته مع ابناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة تجاوبا عجز عنه الكثيرون من الأدباء الذين نشأوا في الطبقة المتخلفة. قد تناول محمود تيمور في قصصه ورواياته الطبقة المتوسطة والفقيرة وعرض جوانب سيئة من حياة أفرادها وسخر من عاداتهم وتقاليدهم. ركز محمود تيمور جل اهتمامه على الجانب الخيالي والعنصر الروحي للحياة الإنسانية. قد حذا في قصصه حذو الكتاب الغربين ولكن في نفس الوقت أنه لم يغفل عن القيم الشرقية الأصيلة ولم يتساهل من اثبات أهمية الروحانيات الشرقية في سبيل الحل للمشاكل التي نتجت عن الحضارة الصناعية الحديثة الغربية.

 

ا. م. د. معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4619 المصادف: 2019-04-29 00:52:04