 قراءات نقدية

الوطن والحرية في شعر فدوى طوقان

معراج احمد الندوييلف شعر فدوى طوقان صراعا بين أسر القيد وانطلاق الحرية. وهي شاعرة الوجدان التي يغمره جو من اللطف والحنان. تتصف فدوى بصحة الفكرة ووحدة القصيدة وصدق النظرة والثقافة الشاملة. كانت لفدوى طوقان رسالة تدفعه إلى السمو بالإنسانية إلى أرفع مكان تستهلها بحيث لا يكون لها من هدف إلا الوطن والحب والحرية.

 إن المرأة في كل عصر ومصر قد جمعت في شعرها من المميزات والخصائص التي تميزه عن شعر الرجال. فلم تتخذ المرأة من الشعر وسيلة لاكتساب المال بل يتدفق الشعر من قلبها مباشرة نتيجة لانفعال قوي وتأثر مباشر وهي محصورة بعواطفها. فالشعر أصبح صوتا من قلبها الفائز. وفي العصر الحديث برزت على الساحة الأدبية الشاعرات العربيات لهن جولة وصولة في الآدب والشعر. مثل ليلى الأخلية ، سلمى خضراء الجيوسي ونازك الملائكة وغيرها. فمن بين تلك الكوكبة المنيرة والنخبة الممتازة فدوى طوقان. تعد فدوي طوقان من الشاعرات العربيات اللاتي لا تقل مساهمتهن في الأدب والشعر عن كبار شعراء العصر الجديد.

مولدها ونشأتها:

 وهي فدوي طوقان بنت عبدالفتاح طوقان وشقيقة الشاعر الشهير ابراهيم طوقان. ولدت في مدينة نابلس عام 1920م حيث تفتحت عينيها في أسرة مثقفة. وكانت هذه الأسرة شديدة التمسك بتقاليد المجتمع القديمة. أحبت القراءة والكتابة منذ نعومة أظفارها. وكانت تختلف عن أخواتها في الطبع تلجأ إلى العزلة وتشعر الرغبة في الحصول على المعرفة ولكن الظروف لم تتح لها فرصة لتكميل دراستها العليا في الخارج. ولكن شقيقها ابراهيم قد أدرك ميولها الأدبية فخصص لها فترات من وقته وبدأ يدرسها بعض الدروس في الأدب والشعر. وقد تعلمت اللغة الإنجليزية حتى استطاعت ان تطالع أدبها وشعرها. وما زالت مكبة على الدراسة والاستفادة من مطالعتها الخاصة. وقد اهتمت بالقصص العلمية والنفسية والفلسفية. وكانت هناك زاوية في مكتبتها من كتب علم النفس والفلسفة. أيقضت موهبتها الشعرية مبكرا. ولكن كانت عائلة فدوى لا تحب أن تقرض فتاة منها الشعر وتنشره في الصحف والمجلات وإن كان ذلك بأسم مستعار أو تحضر المجالس الشعرية. فالشخص الوحيد الذي قام بتشجيع أخته أن تحصل مطامحها ومواهبها كن أخوها أبراهيم طوقان. فأسبغ عليها قدرا كبيرا من عطفه وعنايته وشجعها على مواصلة إظهار موهبتها الشعرية.

أصدرت ديوانها الأول "وحدي مع الأيام" وأهدته إلى شقيقها ابراهيم طوقان. تناولت المواضيع في هذا الديوان حول تأملات ذاتية وذكريات وحب وأشواق حائرة. أما ديوانها الثاني "وجدتها" فيتميز أسلوبها بشعر الانطلاق حيث عالجت في هذا الديوان الموضوعات الأساسية الخاصة بالشكوى والألم وأدخلت فيه نوعا جديدا للحب والأمل والحرية في ثوب الشرق.

 حب الوطن كما ينعكس في شعر فدوى طوقان:

لقد كان حب الوطن عند فدوى فطريا وإن كان نصيبه من شعرها في بداية الأمر قليلا. يتواصل التدفق العاطفي لدى فدوى ويتطور مغهوم الحب. فيتمازج حب البشر بحب الوطن ليتربع حب الوطن على عرش قلبها وشعرها. فتشرب ألفاظ قصائد ها نكهة الوطن وحب الوطن. ولا شاعرة تتلذذ بذكر الأرض متعدد. فكانت لفظها عنوانا لقصيدتين "نداء الأرض" و"الفدائي والأرض"من هنا تتضح لنا مكانة الأرض في قلب الشاعرة مما جعل عواطفها تجاه الوطن في نمو عبرت عنه عبر ثلاثية: الوطن، الأرض، الأم التي تجلت في أعمالها وتحكي لنا فدوى طوقان حكاية في قصيدتها "الفدائ والأرض" حكاية بلغة الرمز " الأم الفلسطينية وولددها المناضل" فالمجادلة الجارية بينهما أحسن نموذج عن نظرة الشاعرة إلى الوطن. فهي تقول:

 يا ولدي

 يا كبدي

من أجل هذا اليوم

 من أجله ولدتك

 من أجله أرضعتك

 دمي وكل النبض

 وكل ما يمنه أن تمنحه أموته

 يا ولدي، يا عريسة كريمة

 اقتلعت من أرضها الكريمة

 اذهب، فما أعز منك يا بني إلا الأرض 

تكرر صورة الأرض، الأم، والمرأة في أكثر موضع في في معظم شعرها. وهي تشير في مجملها إلى مكانة الأرض وأهميتها للفلسطيني فهي الأم والحبيب.

قضية فلسطين في شعر فدوى طوقان:

شكلت قضية فلسطين من أهم الموضوعات والأغراض الشعرية في الشعر العربي المعاصر. فهي أقل تقدير مثلت خلال القرن العشرين أرضا خصبة في وجدان الأمة العربية والإسلامية. لقد استطاعت الثقافة الفلسطينة ، والشعر في طليعتها حراسة الروح الوطنية الفلسطينية. تعددت صور فلسطين في الشعر. فهي أرض المغتصبة والزمن المفقود، واللغة الدامية والرموز والدلالات المتعددة، والشخصية الضائعة الغريبة. اتخذت قضية فلسطين جانبا مهما في من شعرها. وكان شعر المقاومة عندها عنصرا أساسيا. وكان طابع الحزن والتأمل من أبرز الطوابع في شعر فدو طوقان والعاطفة والوجدان جعلها تعبر عن إحساس الأنثى دون تكلف أو محاكاة أو ابتدال.

 هذه الأرض امرأة

 في الأخاويد وفي الأرحام

 سر الخصب واحد

 قوة السر التي تنبث نخلا

 وسنابل

 تنبت الشعب المقاتل

تعبر الشاعرة بعض القضايا الحساسية بلغة الرمز. فلا تخلو دواوينها من الرمز. فقد ظفرت جميعها من الديوان الأول بعدد من الرموز. وتتميز رموزها بالشفافية غير الموغلة في الغموض وتتمحور هذه الرموز حول مرموزات معينة. هي: الوطن، الفدائي، العدو والرمز الاجتماعي إلا أننا نجد تكثيفا لموز العدو في خماسية العدو قصيدتان رامزتان أولهما بعنان الطاعون. تقول فيها:

 يوم فشا الطاعون في مدينتي

 خرجت للعراء

 مفتوحة الصدر إلى السماء

 أهتف من قرار الأخزان بالرياح

 هي وسوقي نحونا الساحاب يا رياح

 وأنزلي الأمطار، تطهر الهواء في مدينتي

 وتغسل البيوت والجبال والأشجار

 هي وسوقي نحونا السحاب يا رياح

 ولتنزل الأمطار!

 ولتنزل الأمطار

 ولتنزل اأمطار

الحرية في شعر فدوى طوقان:

عاشت فدوى طوقان بين حربين عالمتين. فلما فتحت عينها وجدت الاحتلال الإنجليزي جاثما على وطنها الحبيب. ولما أدركت الشاعرة معنى الحياة ومدلولها وجدت أن العرب يموجون غيضا وكانت فلسطين تعمها ثورات وتموج بمظاهرات وتسودها اضطرابات. رأت الشاعرة أن العرب يقاتلون من أجل حريتهم ويبذلون كل ما في وسعهم لإعادة مجدهم وبقاء شرفهم ويقدمون أنفسهم وأموالهم لوطنهم ويفدون بكل غال وثمين في سبيل الحرية. فلم تبق للشاعرة أن تحس هذه المقاومة ولم تلبث أن تعبر عن خلجات نفسها في قالب الشعر. فتقول:

 حريتي!

 حريتي

 حريتي

 صوت أردده بملء فم الغضب

 تحت الرصاص وفي اللهب

 وأظل رغم القيد أعدو خلفها وأظل رغم الليل أقفو

 خطوها

 وأظل محمولا على حد الغضب

وأنا أناضل واعيا حريتي

إن الحنين إلى الوطن وحبه العميق نفسية من نفائس الإيمان عندها، قضت هذه الشاعرة معظم حياتها لوطنها الحبيب ولأمته ولصلاح شعبه. تتجلى أهمية الوطنية الصافية التي عبرتها الشاعرة من أعماق قلبها. إن شعورها الوطني الواسع يحضها على الانطلاق لتحقيق هذه الحرية. يمتاز شعرها بالرقة والعذوبة والوجدان، والمزج بين الشعر والفكر الناطق الذي تصب فيها هموما معاصرة من خلال انفعالها وأحاسيسها ومشاعرها. وهي أمام حنين الحب وعواطف الوجدان ترق وتلين، وأمام القضايا الوطنية والإنسانية تثور وتمرد. صاغت قصائدها أحلاما للحرية والمحبة والكرامة. عبرت فدوي طوقان عن حلمها لوطنها فلسطين وغرست في النفوس أن يكون الحب والحرية للجميع.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية، كولكاتا -الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4620 المصادف: 2019-04-30 02:22:19