 قراءات نقدية

الواقعية الإسلامية في رويات نجيب الكيلاني

معراج احمد الندويالملخص: انتهل الدكتور نجيب الكيلاني من مناهل الشرق والغرب ولكنه مثل في كتاباته الواقعية الإسلامية، لا الواقعية الأوربية، لأنه رأى أن الواقعية الأوربية هي محكومة بروح الإسلام. برز هذا الأديب العبقري كرائدا من رواد الفكر الإسلامي المعاصر والقصة الإسلامية في العصر الحديث. له اسهامات جيدة في تطوير الأدب الإسلامي عن طريق القصة والرواية والمسرحيات ألف روايات تاريخية مستمدة من التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية وعالج القضايا الإجتماعية والسياسية عن طريق رواياته وقصصه لإبراز الإتجاه الإسلامي.

 المدخل:

كان الدكتور نجيب الكيلاني عبقريا من عباقرة الإسلام ورائدا من رواد الفكر الإسلامي المعاصر والقصة الإسلامية في العصر الحديث. استقى نجيب الكيلاني فكره الإسلامي من ينابيع االأصلية القرآن والسنة ورأى أن الإسلام هو دين المساواة، ودين العلم ودين الأخلاق والفضائل، ودين العزة والكرامة، لا دين الضعف والخرافات والبدع. ومن سمات رواياته أنه يضمن الحوار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. تظهر براعته في الوصف وتشخيص الأحداث وسرد الحكايات. فهو يستلهم أحداث التاريخ وشخصياته ويشيرا في نفس الوقت إلى احداث الواقع وشخصياته. ولم يسمح نجيب في رواياته أن تخل الفكرة التي يدعو إليها وينتصر لها أحيانا بل التزم بالشكل الفني للرواية. 

مولده ونشأته:

 ولد نجيب الكيلاني بن الكيلاني بن إبراهيم بن عبد اللطيف في قرية "شرشابه" في محافظة غربية من محافظات مصر في أول من يونيو عام1931م في أسرة متوسطة ليست لها سمعة في الثروة والثقافة.[i] بدأ القراءة والكتابة على كتاب القرية وحفظ أكثر من سور القرآن الكريم. دخل في مدرسة سنباط للدراسة الإبتدائية الرسمية ثم التحق بمدرسة "طنطا" للمرحلة الثانوية. قصد إلى جامعة فؤاد الأول وهو يريد الدخول في كلية الآداب أو الحقوق ولكنه مع رغمه الشديد إلى الأدب دخل في كلية الطب. وفي أثناء دراسته انضم إلى جماعة الإخوان وبينما كان في السنة الرابعة في كلية الطب القى القبض بسبب صلاته بجماعة الإخوان. قضى في السجن مدة أكثر من ثلاث سنوات وبعد اطلاق سراحه أكمل دراسته. لم تظهر في بداية أمره ميوله إلى الأدب ولكنه كان مغرما بالقراءة لدراسات الأدباء والشعراء من أمثال الشهيد سيد قطب ومصطفى صادق الرافعي وتأثر بهم تأثرا عميقا. وبعد التخرج من كلية الطب بدأ حياته العملية والمهنية في الوحدات المجمعة في وزارة النقل وثم التحق بمجمع السلك الحديد الطبي في مصر. ولكنه لك تطب هذه الوظيفة فتركها وسافر إلى الكويت طلبا للحياة الناعمة وللرزق المرتاح. ثم غادر إلى الإمارات العربية المتحدة وعمل هناك كمدير للثقافة الصحية في وزارة الصحة. شارك في بحث الحلول لقضايا الأمة الإسلامية المعاصرة. أدرك أهمية الأدب وتأثيره على أذهان الناس ودوره في بناء المجتمع. فدعا إلى أن يكون للمسلمين أدب متميز. لقد استمر الدكتور نجيب الكيلاني في إقامة منهج إسلامي في الأدب بنشر مقالاته وبحوثه حتى أتاه اليقين في القاهرة.

فاز بجائزة التراجم والسير عن كتابه "اقبال الثائر"عام 1957م. وفي عام 1958م فاز مرة أخرى بعدد من جوائز من وزارة التربية والتعليم. ففي مجال الدراسة الفسية والإجتماعية فاز كتابه "المجتمع المريض" وهو دراسة متميزة عن مجتمع السجون. وفي مجال الرواية فازت قصته "في الظلام" كما فازت بجائزة مجلة "الشبان المسلمين" في مسابقة القصة القصيرة التي أعلن عنها عام 1957م. وفي عام 1959م فاز بجائزة القصة القصيرة لنادي القصة القصيرة الميدالية الذهبية كما فاز في 1960م بجائة المجلس الاعلى لرعاية الفنون والآدب على روايته " اليوم الموعود". 

أثاره العلمية والأدبية:

تنوعت مواهب نجيب الكيلاني الفنية وتعدد انتاجه الأدبي بين الشعر ةالمسرحية والرواية والقصة. وهذا التنوع في أدب نجيب الكيلاني يؤكدأنه قد أصدر في أدبه عن ألوان متعددة وأنماط مختلفة من أشكال التعبير الأدبية من الرواية والقصة والمسرحية والبحوث والدرسات والمقالات والكتب الطبية. يبلغ عدد رواياته 43 رواية. وله مسرحيات استلهمها من التاريخ.

الواقعية الإسلامية في رويات نجيب الكيلاني:

قد انتهل الدكتور نجيب الكيلاني من مناهل الشرق والغرب ولكنه مثل في كتاباته الواقعية الإسلامية، لا الواقعية الأوربية لأنه رأى أن الواقعية الأوربية هي محكومة بروح الإسلام. أما ميزته الأدبية القصصية فهي إبراز الواقعية الإسلامية. يقول الدكتور محمد حلمي في هذا الصدد: "أن الواقية لدى نجيب الكيلاني تعني الإنتماء لقضايا الأمة والاهتمام بشؤون الناس وأمرهم مواجهة المشكلات الخطيرة التي يعانوها بطريقة جادة واثقة، لذا دارت أحداث رواياته في بيئة يتعرض أهلها عادة للظلم والقهر ويعانون الفقر والقمع، ويعيشون بين مطرفة الخوف وسنوان النفاق. وقد قدم الكتب نماذج لشخصيات مؤمنة تجعل غاياتها إرضاء الله قبل إرضاء الناس.[ii] كان نجيب في آثاره صاحب فكرة وصاحب رسالة يدعو إليها ويسعى إلى خدمتها ويسلك في سبيلها كل الطرق ما دامت سليمة من الخطل، بعيدة عن المزالق التي لا تؤدي إلى إلى خير، دون أن يخالف في ذلك لومة لائم. وليس اتجاه نجيب إلى النتاريخ الإسلامي في رواياته هروبا من الواقع، بل هو محاولة لفهم التاريخ والتبصر فيه والاتعاظ به والاستفادة منه لإحياء التراث الإسلامي. يقول سماحة الشيخ العلامة أبو الحسن علي الندوي: "إن حياة الدكتور نجيب الكيلاني حافلة بالعطاءات الأدبية. وقد خلد بقلمه آثارا قيمة نالت الاعتراف من رجال الفن والأدب وغطت أعماله جميع أقسام الأدب. فقد كان كاتبا قصصيا. له اتجاه خاص في القصة. ولم يكن الكاتب كالأدباء الآخرين مصورا لواقع الحياة وإنما كان معالجا ومحللا لقضايا الحياة.

نجيب الكيلاني وروايته "نور الله" نموذج إسلامي في الرواية الحديثة:

هذه الرواية رواية تاريخية تستمد أحداثها من التاريخ الإسلامي وتمتد من البعثة المحمدية إلى فتح مكة. صور المؤلف فيها أهم الأحداث من السيرة النبوية مثل الهجرة من مكة إلى الحبشة وصلح الحديبية وأحوال يهود بني قريضة وبني قينقاع وبني نضير وقصة عمر رضي الله عنه كيف أنه اسلم وما إلى ذلك. وظلت الرواية تلتزم بالنزعات الإسلامية في عرض كل من الأحداث التاريخية التزاما تاما مع مرااعاة الفنية واختيار اللغة المناسبة لفن الرواية. ويرتسم من خلالها ملحمة الصراع بين الحق والباطل كما يبرز الكاتب سماحة تعاليم الإسلام وموقفه مع التعايش السلمي مع أعداه. والجدير بالذكر أنه مزج الفن بالتاريخ دون أن يغطي أحدهما على الآخر.[iii] استعرض الكاتب الوقائع التاريخية الإسلامية وجعل الشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي أبطالها. نجد كل المحاسن الفنية في هذه الرواية كالوحدة في الموضوع والتشويق من البداية إلى النهاية. زين صاحبه لغته بإستخدام الألفاظ القرانية والتراكيب المستمدة من آيات القرآن والحديث الشريف. تميز الدكتور الكيلاني عن الكتاب الآخرين بفكرته السليمة وعرض الدعوة الإسلامية وترسيخ دعائم العقيدة وإبراز الجوانب المشرقة للحضارة الإسلامية.[iv] دعنا نقرأ كيف يصور عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحوار بين بطلي الرواية وهو يقول: " هذا ما أمرنا به رسول الله الكريم، محمد بن عبد الله.. ومحمد يا أم عبد الله.. رجل.. طيب.. شريف.. صادق.. ليس في يده سوط، ولا يسوق الناس بالقهر والإذلال. إنه لا يملك غير الكلمة المضيئة، والحجة الدامغة، والسلوك البا هر. إنه حبيب القفراء والعبيد والمسكين.. أجل.. أقول الكلمة المضيئة، إنها شيئ كبير يا إمرأة.. ألم تعجز السيوف عن إطفاء نورها، لكأن المعذبين والمضطهدين منا زيت يمد تلك الكلمة بمزيد من الضياء والقوة.. لا إله إلا الله محمد رسول الله."[v] ومن سمات رواياته أنه يضمن الحوار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. تظهر براعته في الوصف وتشخيص الأحداث وسرد الحكايات. فهو يستلهم أحداث التاريخ وشخصياته ويشيرا في نفس الوقت إلى احداث الواقع وشخصياته. ولم يسمح نجيب في رواياته أن تخل الفكرة التي يدعو إليها وينتصر لها أحيانا بل التزم بالشكل الفني للرواية. 

الحب في رواية" نور الله":

يستعمل الكاتب في هذه الرواية عنصر الحب وذكر الجنس لعرض الدعوة الإسلامية من خلالها ولإصلاح المجتمع ولإنفاذ الأقدار السليمة. يجعل الكاتب الحب سببا للخير والسعادة. وفي هذا السياق نقرأ الحوار الذي دار بين الحبيبين حول الموضوعات الملتزمة وهو يقول: "قالت هند وقطرات الدمع تبلل أهدابها.. آمنت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا.. ثم انكفأت على ذراعه وأخذت تقول في براءة وهي تبكي: سامحني با رابح.. لقد ارتعدت مفاصلي من ذكر الموت.. إني أحبك يا رابح، وأتمنى أن نظل معا في الدنيا والآخرة.. أن نحيها، وأن نموت معا، وأن نبعث معا.. إن وجودك إلى جواري متعة ما بهدها متعة.. أعذرني أيها الحبيب.. حدثني كثيرا عن الله.. عن محمد.. عن دين الله.. أريد أن أكون مثلك.. بل ليتني استطيع أن أحمل سيفي وأعلو به هامات المشركين والمنافقين.. إن الموت الذي تتحدث عنه رائع حقا.. إنني في مسيس الحاجة لأن يقوى إيماني أكثر وأكثر.. أن أنسى كل شئي تافه ولا أذكر سوى الأشياء العظيمة التي يعلمنا إياها رسول الله.. وتمتم رابح: لقد قال الرسول يا هند "لن يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.. قالت هند: وهي تجفف دموعها: وهذا هو السر الذي جعلكم نتدفعون وراءه في شوق جارف تاركين ورائكم الدنيا بكل ما فيها من مال وزخارف وأهل وولد.. لقد كنت أحب الرسول حبا كبيرا.. أما حبي له الآن فقد نما وازداد .. إنني أحبه لأنه الرسول.. وأحبه أيضا من خلالك.. إن الرجل الذي تزوجني من صنع كلمات محمد.. أعني أنه سوى فكرك، وشكل قلبك وروحك .. وهذب سلوكك وكلماتك.. وأنت من تكون؟؟؟ أنت الفكر والقلب والروح والسلوك.. هذا ما أحبه فيك.. انفجر رابح ضاحكا وهو يقول: تتكلمين وكأنك عجوز في الستين.. وأنت تتحدث وكأنك فيلسوف في الثمانين.."[vi]

وفي هذه الرواية يقدم أم عبد الله كإمرأة مؤمنة مكافحة صابرة. فإن الكيلاني يؤمن بأن المرأة هي نصف المجتمع و صانعة الأجيال ولذلك يصور المرأة في معظم رواياته كالمرأة الملتزمة بالقيم الإسلامية والشرقية ويعرض الحياة الزوجية الصحيحة دون الإضطرابية والمتخاصمة. قد بدأ للدارس من خلال هذه الرواية حشد كبير من المظاهر الإسلامية تتجلى من خلالها ثقافته الدينية ورؤيته الإسلامية.

نتيجة البحث:

 لقد حاول نجيب الكيلاني في روايته أن يبرز من خلالها الفكر الإسلامي والقيم الإسلامية في صورة فنية ممتعة. ومن أهم منجزاته الدعوة إلى قيام أدب إسلامي فجعل الفكر الإسلامي من فلسفة لأدبه ومنهجا لحياته وتعمق فيه تعمقا كبيرا. وظلت دراسته للفكر الإسلامي باقية يقوتها إلى آخر حياته ولم يتخيل عن فكره الإسلامي بل ظل متمسكا به ومتحمسا له ومدافعا عنه بفنه وأدبه. استقى نجيب الكيلاني فكره الإسلامي من ينابيع االأصلية القرآن والسنة ورأى أن الإسلام هو دين المساواة، ودين العلم ودين الأخلاق والفضائل، ودين العزة والكرامة، لا دين الضعف والخرافات والبدع. وهو يؤمن أن الإسلام هو قوة روحية ومدنية كبرى، وأن الإنسانية الحائرة تحتاج دائما إلى الاهتداء بنوره. يتجلى اتجا هه الإسلامي والتزامه في آثاره الروائية والقصصية والمسرحية بصورة واضحة. واليوم أخذ اسمه يتردد في أنحاء العالم الإسلامي والعربي حيث أصبح علما مدرسة الأدب الإسلامي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

....

الهوامش:

[i] د.عبد بن صالح العريني: الإتجاه الإسلامي في أعمال نجيب الكيلاني ص42

[ii] د. حلمي محمد القاعود، الواقعة الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني، عمان، 1996 ص 131

[iii] دكتور محمد طارق الايوبي الندوي، الأدب الإسلامي رؤية وتاريخ، مركز الثقافة والتحقيق، عليجراه، الهند 2014م، ص 234

[iv] المصدر السابق،ص 236

[v]  الدكتور نجيب الكيلاني، نور الله، ص18

[vi] المصدر السابق، ص 258

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4626 المصادف: 2019-05-06 04:09:47