 قراءات نقدية

السرد بضمير المخاطب

ثائر العذاريعلى الرغم من الطاقات الجمالية الهائلة التي يتمتع بها تكنيك السرد بضمير المخاطب فإنه لم يحظ بما يناسب ذلك من الدراسة والتنظير، وقد يكون أهم ما كتب في الموضوع ورقة براين ريتشاردسون (The Poetics And Politics Of Second Person Narrative) التي نشرها عام ١٩٩١ وترجمها إلى العربية د.خيري دومة في سياق اهتمامه الكبير بالموضوع وهي متاحة على صفحته في موقع أكاديميا، ولكننا نعتمد في هذا المقال النص الأصلي.

يبدأ ريتشاردسون ورقته بشكوى مرة من إهمال من اشتغلوا بنظريات السرد لهذا التكنيك، ويلوم بعضهم بالاسم كما فعل حين ذكر واين بوت، ثم يستعرض الكثير من الأعمال السردية المهمة التي كتبت بضمير المخاطب ويحاول تصميم تصنيف يستطيع استيعاب طرائق السرد بالمخاطب.

ولا يمكن إغفال كتاب د.خيري دومة (أنت، ضمير المخاطب في السرد العربي) لأنه الوحيد في بابه، ويشير في مقدمته إلى أهمية الموضوع وسعته، حتى أنه يرى أن كتابه سيظل مفتوحاً لإضافة فصول أخرى. وهو يبني الكتاب على فكرة (الحديث) أو توجيه الخطاب إلى مخاطب مفترض وهي فكرة قارة في الأدب العربي القديم التي بلغت أقصى نضجها- كما برى- في كتاب التوحيدي (الإشارات الإلهية)، تم ينتقل إلى تمثلاتها في السرد العربي الحديث كما رصده في أعمال طه حسين ويوسف إدريس.

ونريد في هذا المقال التركيز على الشكل الأكثر جمالاً من هذا التكنيك، حيث نرى العالم بعيون المخاطب نفسه فيكون هو بطل العمل السردي كما فعل ميشيل بوتور في رواية (التحول) التي نشرها عام١٩٥٧ وترجمتها إلى العربية د.هناء صبحي عام٢٠١٠ والتي توقف عندها ريتشاردسون طويلاً:

وضعت قدمك اليسرى على الفرضة النُحاسية وبكتفك اليمني تحاول عبثاً أن تدفع الباب المنزلق، أكثر قليلاً.

تدلف عبر الفتحة الضيقة وأنت تحتك بحافتيها، ثم تنتزع حقيبتك المغلفة بجلد مُحبب غامق في لون قنينة دكناء، حقيبتك الصغيرة جدا لرّجل تعوّد الأسفار الطويلة….

يبدو في هذه البداية أن الراوي يحدث المخاطب عن نفسه كما تفعل العرافات، لكننا نكتشف مع تقدمنا في القراءة أن الراوي هو البطل المخاطب نفسه، فضلاً عن احتمال إحساس القارئ بأنه هو المعني بالخطاب. وهكذا يصبح الراوي والمروي له والقارئ واحداً، وهنا يكمن جمال هذا الأسلوب السردي.

ثمة أنماط متعددة لتوظيف السرد بضمير المخاطب، قد يكون أهمها ما سماه ريتشاردسون النمط المثالي، الذي يبدو فيه الراوي كما لو أنه ضمير البطل فيخاطبه بنبرة محاسبة، كما فعل طالب الرفاعي في متواليته القصصية (الكرسي) التي كتبت كلها بضمير المخاطب:

"لا يمكن.."

صرخت تكلم نفسك كالمجنون وأنت تلمح الساعة الثامنة والنصف.. نهضت، لم تستطع البقاء جالسا في مكتبك، خرجت

تغلي بغيظك:

"سأقتله الليلة".

 هذه بداية القصة الأولى التي يعيش بطلها ضابط الأمن موقفاً درامياً بين رغبته في تعذيب معتقل سياسي ورغبة في اللحاق بموعد مع فتاة في شقته، غير أن السرد يضمير المخاطب أعطى القاص إمكانية محاسبة الراوي للبطل، مع أنهما ذات واحدة، فنحن لا نرى إلا ما يراه البطل نفسه حتى أن بالإمكان إعادة كتابة القصة بضمير المتكلم، لكن أسلوب الخطاب أعطى القصة بعداً آخر يعبر عن إزدواج الذات الإنسانية بينما نفعل و ما ينبغي أن تفعل. ويغلب على هذا النمط أن تعلو فيه نبرة الوجدانية وأن يكتب بالزمن الحاضر فيصور ما يحدث الآن.

أما النمط الثاني فهو ما يمكن أن نسميه الإيهامي، وفيه يذكر الراوي وهو يخاطب البطل أشياء لم يكن البطل قد رآها، وفي هذه الحالة سيقع القارئ فى حيرة السؤال عن كنه الراوي وهويته، والمثال النموذجي هنا هو رواية (خرائط) التي نشرها الروائي الصومالي نورالدين فا رح عام ١٩٨٩ بالإنكليزية و ترجمها إلى العربية سهيل نجم عام ٢٠٠٥، وفيها:

عند الفجر، حين أفشت المرأة سر عثورها عليك لبعض الجيران، تولى الرجال أمر دفن أمك. لاحظت مصرا، وهي تخلو بك، أن عينبك مشحونتان بالريبة. إنهما تحدقان فيها، تركزان النظر على يديها بشك!

لا يمكن هنا أبداً إعادة صياغة المقطع بضمير المتكلم لأن هذه أحداث لم يرها البطل، بينما يمكن صياغتها يضير الغائب. مع أن معظم الرواية تتحدث عن العوالم الداخلية للشخصيته، وهكذا يونعنا فا رح في لعبة الضمائر التي يتخفى بوساطتها بطل روايته لأننا نكتشف فيما بعد أن كل ما مر ليس سوى تيار وعي البطل صيغ بصيغة المخاطب.

أما النمط الثالث وسنسميه نمط الأمر والتوجيه، إذ يستغل السارد هنا إمكانات الأمر والتوجيه التي يتيحها ضمير المخاطب، فيصدر الراوي اوامر للمخاطب ويتخيل ما سيحدث في الخطوات التي تلي تنفيذ الأمر، وهذا هو الأسلوب نفسه الذي استعمله التوحيدي في (الإشارات الإلهية)، وهو الأسلوب نفسه المستعمل في الإعلانات التجارية مثل (استعملي حبوب التنحيف كذا وبعد أسبوعين قومي بقياس خصرك وسيذهلك الفرق)، ومثال هذا النمط المقطع الذي اقتبسه ريتشاردسون من قصة (كيف) للقاصة لوريا مور:

إبدئي بلقائه في الصف، أو في البار، أو في مهرجان تخفيض أسعار، قد يكون مديرا لمحل قطع الحواسيب، أو رئيس عمال معمل الورق المقوى، سيكون راقصا جيدا، وستكون تسريحة شعره مثالية…

ومع أن القارئ لن يشعر بالتطابق مع هذا البطل فإنه لن يستطيع التخلص من محاولة التماهي معه.

ثمة إمكانات وأنماط أخرى يتيحها السرد بضمير المخاطب، لكنها جميعا تشترك في إحداث هذه المفارقة، الراوي والمروي له والبطل كلهم واحد، لكنه واحد تشظى ليصبح ثلاثة.

 

د. ثائر العذاري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4628 المصادف: 2019-05-08 06:14:17