 قراءات نقدية

التَّشفي إنشائيةً ـ التَّجني مناكدةً

عند الدكتور ثائر العذاري

شتّان بين لغة النقد الموضوعية التي من سماتها التدليل على الظواهر والتعليل للمسائل بالرصد والتحليل والتأويل والتفكيك والمثاقفة، وبين لغة الانشاء التي لا تعرف الجدة بل تتفنن بالحدة، متعكزة على مزاجية التحامل والتعصب والأنانية، مذوتنة الأمور بشخصانية. وما أكثر ما جلبته اللغة الانشائية إلى نقدنا العربي الحديث من تصادمات وتناحرات فيها كثير من الغصة والازدراء ولزمن ليس بالقليل.

وكنت في آخر مقالين نشرا لي في ثقافيتي المدى والصباح الجديد قد عزمت على إنهاء الرد، تاركة البت في قضية التجنيس للمتوالية مفتوحًا للنقاد ليخوضوا فيه، غير أني وجدت نفسي مضطرة إلى الرد على مقالة د.ثائر الأخيرة المنشورة في جريدة المدى يوم الاحد 5/5/ 2019 لا لأنها تعدت الحدود مبطنة بالتمادي والكيدية حسب؛ بل هو الشعور بالمسؤولية في تحصين نقدنا العراقي من الانجرار وراء انشائيات لا جدوى منها سوى التجريح والمناكدة.

وللأسف يبدو أن الجدال المعرفي الذي تناولته في مقالاتي حول موضوعة (المتوالية السردية) صار يثير حفيظة د. ثائر حتى أنه بدا يحسب كل مقالة أنشرها أنها تعنيه، ولعل هذا ما جعله في الاونة الاخيرة يكتب منحرفا أكثر فأكثر عن جادة النقاش العلمي، مائلا الى الانشائية مشخصنا الجدل على وفق مرام ذاتية ودواع نفعية ليست من النقد الأدبي في شيء.

والمعروف أن الانشائية هي عدوة اللغة النقدية الباحثة عن المعطيات المعرفية، لانها تستبدل الدقة والموضوعية بالتعصب. هكذا صارت المكاشفة عند د.ثائر تعني التجني والتشفي زورا، أما الموضوع أساس الجدل الذي هو (المتوالية وأحقية كونها اشتغالًا وتقانة) الذي أردته أن يكون معرفيا فقد ضاع مغيبا في خبر كان، وحل محله خصام واحتكام تعدى حدود اللياقة الاكاديمية، وصفحات الجرائد اليومية إلى بعض وسائل التواصل الاجتماعي تمريرا للوعيد والتهديد وهذا ما لا تنفع معه لا مقالة ولا مقالات.

ولكي لا يساء فهم ما أعنيه سأقف عند انشائية د.ثائر التي بسببها هجر مسلك الجدل العلمي واختار مسلك التعريض والتجريح، وكالاتي :

1) الاستهلال الممهور بالعدائية والعصابية وبدعاوٍ كيدية غيبت الموضوع الأصل الذي هو (المتوالية) مستحضرة لغة الأنا المتسمة بالتجني والاستهانة والتهجم من قبيل (لا اقع في اخطاء فادحة / اغير اتجاه النقاش / اجهد نفسي / وصفتني / ما كنت اتمنى/ تتبع مقالاتي / تشغلني / لأني أجد نفسي / اني لا اسير/ لن انشغل/ انوي / حتى اضطررت)

2) العرض المشوب بجزافية كلامية تتعكز على اللغة الانجليزية، وهذا لأن د.ثائر متابع غير جيد لما أنشر، ولو تابعني لوجد لي نقدا لكتب قرأتها بلغتها الأم الانجليزية من ذلك ما تضمنه كتابي (السرد القابض على التاريخ) من نصوص ترجمتها من أكثر من كتاب للمفكر الامريكي هايدن وايت، وكذلك مقالات نشرتها هي نقود لكتب أو دراسات لنقاد ناهيك عن عشرات الترجمات التي أعددتها كملخصات لأبحاثي المنشورة في مجلات علمية محكمة. وهنا أنبه إلى حقيقة يبدو أنه غافل عنها وهي أن الترجمة باب من أبواب الابداع وهي نوع من الاغتراب والنفي كما يرى دومنيك فاريا، وهي ليست خيانة وارتيابا، وعن ذلك يقول موريس بلانشو في كتابه (اسئلة الكتابة) :" أن العمل لا يكون أهلا لأن يترجم إلا اذا افصح عن استعداد للاختلاف" ص78 كما تساءل لماذا لا ننظر إلى عمل المترجم كما لو كان عملا كون النص المترجم يسعى إلى توليد لغة اخرى تحاكي الاولى في المظهر (ينظر: ص80) وليس خافيا أن الترجمة واحدة من أزمات نقدنا العربي الذي يفتقر إلى جهاز اصطلاحي يوحد عمل المترجمين. ومع ذلك أضيف أن اللغة الانجليزية هي سبب تعريفي بمصطلحات واتجاهات لم أنسبها لنفسي كي أكون صاحبة اجتراح كما سيرد ذكره في المقال لاحقا. ومن المصطلحات التي عرفت بها القارئ العربي (النوع الذري) و(دورة القصة القصيرة).

3) الادعاء أن لا مرجع سوى مقالة روبرت لوشر، متناسيا أنني أنا التي عرّفته بكتاب تودوروف (القصة الرواية المؤلف) بترجمة خيري دومة. وقد ذكّر القاص منير عتيبة العذاري بتعريفه على دومة مؤخرا، ولا أدري إن كانت هذه المدة الوجيزة قد جعلت من دومة صديقا عزيزا على العذاري.

4) الأداة التي اعتمدها د.ثائر في اتهامي بالسطو والإغارة وعدم التوثيق والغلط كانت من قبيل (الضرب بالودع) زاعما أني اعتمدت على محمد عزام ومدعيا التصحيح، ممارسا دور العرّاف الذي يعرف الغيب، والمنجم الذي انكشف له المجهول، خادعا نفسه قبل غيره. وهنا أقول أن ما أثبته في مقالي السابق عن شلوفسكي كان من ترجمة الدكتور صلاح فضل عن الاسبانية في كتابه (نظرية البنائية في النقد الادبي) الصفحة 104. وإذ لم أذكر المصدر فلسببين : الأول ضيق المساحة التي ينبغي أن يكون المقال في حدودها؛ والثاني أن هذا الكتاب مرجع في التنظيرات الشكلانية والبنيوية، لذا لا يخفى على أبسط طالب دراسات عليا؛ فكيف بعد ذلك يخفى على صاحب لقب ليحتار أياما ثم يقول وجدتها.

 والذي يبدو هنا أن الزميل العذاري لم يطلع على مرجعيات مماثلة وإلا ما احتار حيرته العظمى وهو يقف امام الاسم (شلوفسكي ام شكلوفسكي) والاعجب من ذلك والاغرب أنه لم يطلع على كتاب مهم منه انطلقت التنظيرات النقدية اللاحقة حول البنية وهو (نظرية المنهج الشكلي نصوص الشكلانيين الروس) الذي فيه استعمل المترجم ابراهيم الخطيب اسم (شلوفسكي) كما استعمله الدكتور صلاح فضل ايضا في كتابه آنف الذكر، علما أن لشلوفسكي مقالة مهمة عنوانها (الفن كنسق) ضمن مجموعة مقالات حول نظرية اللغة الشعرية كتبها العام 1917 وفيها تحدث عن نسق التوازي في بناء القصة القصيرة وكيف يتحول من متوالية الوقائع الى متوالية دلالية، لكن عيب شلوفسكي انه بنى على نظرية برونتير الطبيعية التي ترى أن الاعمال تنطلق من دينامية تطورية لها صلة بالتاريخ والتاريخية. وكان بعض الشكلانيين كجاكوبسون وتيناتوف قد ربطوا تاريخ الادب او الفن بالمتواليات التاريخية الاخرى واجدين أن كل متوالية تتضمن نسيجا معقدا من القوانين البنيوية الخاصة بها (ينظر: الكتاب اعلاه، ص103)

5)  ونأتي إلى النقطة التي ارجأنا الحديث عنها وهي ادعاء السبق والاجتراح بالاغارة على كتاب ( Modern American Short Story Sequences Composite Fictions and Fictive Communities) الذي حرره جيرالد كيندي وقدّم له بمقدمة قيمة بين فيها أن النقد الامريكي وجّه عنايته للقصة القصيرة انطلاقا من سوء نية ظاهرة ازاء الرواية، لكنه لم يقطع جازما أن التوالي جنس مستقل تنطبق عليه مواصفات الاجناسية ومنها النقاء والاختلافية، بل تعامل معه تعاملا وصفيا يرتبط بالتجريب وهو يرى أن النقاد ما زالوا غير متفقين حول مناقشة الجنس كمتوالية فيقول في ص7: (the critics still disagree about what to call: The genre dicussed here as the sequence) ، كما تساءل : ما المقياس المنطقي الذي به ينبغي لمستوى من القصص تشكيل تسلسل او توالٍ؟ ص8. وعلل الأمر بالشغف في البحث عن وحدة تجمع الولايات المتنوعة والمجموعات السكانية المختلفة في جمهورية متحدة. ويبدو جليا هنا تأثر جينفر سمث بهذا الكتاب وهي تتحدث عن unclassifiable genre و الاختلال الوظيفي dysfunction وعلاقة ذلك بالهوية والهامشية للامة؛ لكن تأثر عند د.ثائر تعدى الى الانبهار مرة بتغييب مراجع الموضوع وكلها أمريكية مموها الامر على القارئ، ليقول (أني ربما أكون أول دارس عربي يكتب وصفا نظريا دقيقا لهذا النوع من السرد) ومرات بانكار وجود الاختلاف في تسمية تقانة التوالي او التسلسل في القصة القصيرة، أما لسوء فهم أو عدم اتقان الانجليزية أو هوى في النفس يريد التباهي ببراءة اختراع نقدية ليقول مثلا (لا أحد في الكتابات الإنكليزية يناقش فيما إذا كانت المتوالية جنسا أدبيا أم لا، وكل من يكتب عنها يصفها بأنها جنس أدبي) ومن يتقن اللغة الانجليزية يعلم أن الفرق كبير بين sequence و anti-sequence و genre as hybrid وmotivtion و short fiction و sequence of stories وما فيها من accumulation و juxtaposition مما طرحته غاسيا بودي التي أكدت في كتابها (القصة القصيرة الامريكية حتى العام 1950) نسقية التوالي في الفصل الرابع المعنون (experiment is out , concern is in) جامعة بين sequence وaccumulations في الفصل السادس مميزة بين collection و parts وهي تتحدث عن ادجار الن بو وفوكنر وكيف تصبح القصة القصيرة وحدة كتابية هي عبارة عن رواية تدخل في اطار ما يسمى سرديات مجتمعية ( narratives of communities) والكلام في ذلك يطول... والخلاصة أن التوالي السردي هو تقانة من تقنيات القصة القصيرة (short story techniques) ليس إلا.

إن الاتهام الباطل بالمجان، والانحراف عن لغة العلم هما السبب وراء تملص د.ثائر من مناقشتي حول (النظرية الادبية) التي هي لب مقالي، وكان حريا به الانصراف الى هذه المسألة لا أن يبدو خالي الوفاض من الاحتجاج عليها..

بيد أن عزاءنا هو ما وجدناه في ختام مقالته التي فيها وقع في الذي يخشاه وهو الاقرار ضمنا أن التوالي ليس جنسا، وهذا هو المقصد الذي نجحت في توصيله. وما التأشير على هذه القضية سوى تذكير لأنفسنا بعدم الانجرار وراء ظواهر نقدية فيها يريد الاخر توكيد أسبقية ما، مدللا بها على تقدمه، الذي به ييريد مضاهاة أمم أخرى متقدمة عليه تاريخيا وفلسفيا، حذرين في الوقت نفسه من الوقوع في أتون ظاهرة لم يخمد أوارها بعد.

 

أ. د. نادية هناوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4645 المصادف: 2019-05-25 02:02:15