 قراءات نقدية

قراءة في قصيدة: وصية الرّغيف لصالحة الجلاصي

سوف عبيدمن سِمات الشّعر العربي الحديث أنه يستلهم من الأجناس الأخرى في الأدب وحتّى من غيره من الفنون والتعبيرات المختلفة ممّا يجعل نصّ القصيدة الحديثة مُشرّع النوافذ على عدة أصناف في القول فأضحى بذلك الشّعر الحديث متعدّد الأشكال متنوّع الفنون والمُتون ولم يعد مقتصرا على هذا البلد أو ذاك فقد شاع التجديد والبحث بحيث صار الاِبتكار والتوق إلى الإضافة هاجس الكثيرين وقد يوجد في النّهر ما لا يوجد في البحر

إن العنوان في الشّعر العربي المعاصر والحديث أمر جديد في القصيدة تلك التي كانت تُعرف بمطلعها أو بمناسبتها أو بصاحبها أو بقافيته فصار العنوان حينئذ جزءًا من القصيدة نفسها وليس بشيء خارج عنها أو مضاف إليها وهذا جعله يمثّل زيادة في معناها وبُعدا من أبعادها الأخرى

في هذا السياق تندرج قصيدة " الوصية" للشّاعرة ـ صالحة الجلاصي ـ المنشورة ضمن مجموعتها الشعرية " أكبر من أن تراني"، والصّادرة بتونس سنة 2004، وهذا نصها:

ـ الوصيّة ـ

(هديّة إلى ماجدة عراقية)

تَجذُّرها في رصيف اللَيل

ينطق بالصَمود

و يدها الممتدَة بالرغيف

تلوّح للعابرين

و تتوهّج في وجه البرد القاسي

ستبقى جالسة حِذو برك الماء

تحت سماء لم ترحمها

تحت أجنحة اللّيل البارد

إلا من ثورتها

ستبقى هنا كتلةً سوداء

مثل أحلامنا وصباحاتنا

تبيع أرغفة لسائحي الحرب مثلنا

حين اِنحنت عيناي في حضرتها

ألمَّ بي جُوعٌ كاذبٌ

وأجهشت بالشّهية

ووددتُ أن أزرع حولها

ألف وردة ووردة

أن أمنحها روحي

ما في جيبي وكلّ ما لديّ

لكنّها اِعتصمت بالكبرياء

و اِنغلقت في وجه الهديّة

و اِمتدّ لي الرّغيف هكذا...بكل جديّة

حينها أدركت أنّها كانت وصيّة

كم تمنيّتُ اِحتضانها في ذاك اللّيل

إلا من دموعي

رغم صخب الرّفاق حولي

ظللتُ طوال اللّيل

أحدّق في الرّغيف

بعينين غائمتين

وقلبٍ مذبوح

...وعقل مشلول

ـ 2 ـ

إنّ القصيدة مُهداة إلى ـ ماجدة عراقية ـ فإهداء القصيدة أمر مستحدث هو كذلك في الشّعر العربي الجديد بالرّغم من أن قصائد المديح قديمة قِدم الشّعرالجاهلي حيث أنّ قصيدة المدح يقولها الشاعر طلبا للهدية أو العطية أو الجائزة أو النّوال أو المكرمة وغيرها من المرادفات، فشتّان بين إهداء قصيدة إلى إنسان بسيط أو مُعدَم كتعبير عن المحبّة والتضامن والتوافق والاِنسجام ، وبين قول القصيدة لنيل المكسب والحظوة وتحقيق المآرب من شخص هو أعلى منزلة عند الشّاعر نفسه

إنّ إهداء هذه القصيدة لهذه المرأة العراقية الماجدة تعبير من لدن الشّاعرة عن إكبارها لشخص هذه المرأة بما وجدت فيها من شرف وإباء وعزّة وكرامة وصمود أيضا رغم المعانات الضارية في سنوات الحصار والحرب على العراق

أما موضوع القصيدة فيتمثّل في وصف مشهد لقاء بين الشاعرة الزائرة للعراق وبين إمرأة تبيع الرّغيف على رصيف زمن الحرب

وتتوالى ثلاثة مشاهد متوالية في القصيدة

فالمشهد الأول يمكن أن يعتبر اللّقطة العامة الإجمالية التي نجد فيها المرأة جالسة عند الرصيف بجانب بِرك الماء في الليل عند البرد مع التركيز على يدها الممتدّة نحو المارّة بالرّغيف وإبراز اللّون الأسود الطاغي على المشهد

أما المشهد الثاني فهو يشتمل على الاِلتقاء والاِقتراب بين الشاعرة والمرأة مع الغوص في العواطف والشجون وقراءة النوايا والمواقف وقد أبرزت الشاعرة منها خاصة إباءها وكرامتها واِعتزازها بذاتها رغم المعاناة القاسية.

و المشهد الثالث عبارة عن اِستنتاج وخلاصة لما سبق في المشهدين السّابقين ليصوّر التأثر البالغ والحزن والحيرة والألم الذي تركته حالة تلك المرأة في نفس الشاعرة

ـ 3 ـ

و لكن أين مضمون الوصية في كلّ هذا؟ أو بالتّالي ما علاقة العنوان بمتن القصيدة؟.

أمّا مضمون الوصية فليس إلا دعوة إلى الاِعتبار والتأمّل من صورة هذه المرأة الماجدة العراقية التي ظلّت صابرة في الليل والبرد من أجل لقمة العيش رافضة التوسّل والتسوّل وذلّ السؤال محافظةً على كبريائها رغم الظروف القاهرةو عسف الحرب فالقصيدة إذن تمجيد وإكبار لموقف هذه المرأة وإدانة للحرب التي جعلتها ترزح تحت تلك المعاناة القاسية ومن هنا يصبح العنوان ذا دلالة مزدوجة فهو إشارة ضمنية إلى الدعوة إلى أخذ الدّرس من المرأة في كفاحها اليوميّ بشرف وصمود وهو تشهير أيضا بما تركته الحرب من مآس للفئة المستضعفة.

و هو كذلك اِعتذار من لدن الشاعرة بل شعور بالذّنب نحو تلك السّيدة العراقية التي تركتها في اللّيل والبرد والاِحتياج وراحت مع رفاقها في سهرة ليليّة وهم الذين وفدوا إلى العراق ضمن جحافل ـ سائحي الحرب ـ وبالتالي فإنّ الشّاعرة تدين نفسها صراحة وهي بذلك تعبّر عن موقف الكثيرين الذين يقفون متفرّجين على ضحايا الحرب لا وسع لهم ولا حول إلّا العطف والدموع والألم ولكن من دون فعل حقيقيّ لتغيير الواقع.

إنّ هذه القصيدة للشّاعرة صالحة الجلاصي يمكن اِعتبارها من النّماذج البديعة التي تمثّل الشّعر العربي الحديث في بحثه عن الطرق الجديدة للإبداع وفي تعبيره عن المعاناة الإنسانية .

 

سُوف عبيد ـ تونس

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

فعلا تأخذ الإنسان أحيانا قطارات الحياة.. فتراه يركبها وينزل منها وينتقل عبر المدن ويتناوب على دخول المحطات الواحدة تلو الأخرى وفد تشد انتباهه بعض المشاهد والتي ترسخ في ذهنه ويتمنى لو يفدم على فعل شيء ما ليكون له دور في الإضافة إلا ان الخوف من انطلاق الركب والقطار دونه يجعله يعجل ويساير الحركة التي تفرضها نظام الجماعات على الفرد.. وبعد فوات الأوان نشعر بالخطأ او الندم ويبفى٨الحدث عالقا في الذهن.. شكرا الأستاذ الاديب سوف عبيد على هذه القراءة لهذا النص.

سونيا عبد اللطيف
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4653 المصادف: 2019-06-02 01:42:43