 قراءات نقدية

متخيل الفضاء في مجموعة: ضرع لا ينضب

محمد الشغروشنيتذهب المعجمية العربية إلى تفسير دال الفضاء بمصطلح الخلاء والاتساع، ويظل المفهوم الذي اكتسبه الفضاء في الدراسات الفلسفية والنقدية حاملا لمدلولاته المتسعة، والتي لم تجد لها تعريفا جامعا، يبعدها عن لبس التعريفات النابعة أساسا من وجهات النظر المختلفة، غير أن الفضاء في النص الأدبي، والنص السردي بصفة التعيين، هو أقرب ما يكون إلى التحديد الصوفي، القائم على تلازم المكان والزمان، مادام المكان زمانا متجمدا، والزمان مكانا سائلا .

وعليه لن يخرج الفضاء عن كونه علامة لغوية في الفنون الأدبية يجري امتلاؤها بالوصف كما نجد عند الروائيين أمثال بلزاك وديستويفسكي ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وغيرهم، أو عن طريق السرد وحوار الشخصيات، ومن ثم يكون الفضاء ببعديه المكاني والزماني جزءا من البناء السردي في فنون القص، غير أن تحديده الفيزيائي والجغرافي، وإن استند إلى مرجع خارج النص السردي، فإنه ما انفك ارتباطه بمخيلة القارئ والمتلقي . فمقولة الفضاء بهذا المعنى تبقى مجرد مقترح تجري عليه التحولات اللاحقة زمن القراءة، فيستدعي خبرات المتلقي ومخياله المشهدي ليؤثث الفضاءات التي تحتضن الأحداث والشخصيات وصراعاتها السرية والمعلنة .

استنادا لذلك تتوخى هذه القراءة مقاربة أفضية النص السردي في مجموعة "ضرع لا ينضب" للأستاذ والقاص لحسن حمامة، والبحث عن مضمرها الاجتماعي والنفسي، ودلالاتها الرمزية بكونها رسالة مشفرة تستدمج المتلقي للمشاركة الواعية في فك مفردات خطابها، انطلاقا مما يتسم به الفضاء في المنجز السردي للكاتب، ويتساوق مع أسلوبه الخاص في الاشتغال على هذا المكون الأساسي من البناء القصصي، ولذلك يمكن تقسيمه إلى ما يلي:

الفضاءات المفتوحة

وهي الفضاءات ذات الطابع البيئي والاجتماعي العام، وتشتبك فيها العلاقات الاجتماعية والأحداث والصراعات البرانية، ومنها:

الفضاء البيئي:

 يستدعي السارد من خلال متخيل الطفولة، كما نجد في قصة "الرمانة"، وهو إبحار في الذاكرة لاستعادة المحكي الشعبي، وإعادة بنائه استعاريا لتحليل واقع الصدام بين الحالم والسلطة القامعة لرغباته، ( حامرتني بعض الظنون والشكوك والوساوس على أن ما أراه حلما . لكن عرائش الدالية وعناقيدها البلورية التي تقطر لذة، ولون التفاح الذي يشبه وجنات العذارى...أبعد عني وسواس الحلم، لأن الحلم لا يختار ولا يرتب) .[2]

 وهو بنفس المعنى الذي تدور حوله الحكاية  في قصة  " مواء قط"، بتوظيف التراث القصصي العربي عند ابن المقفع، ليحمل دلالة الحراك العربي ومآلاته المؤلمة (من أعماق الغابة تناهى إلى سمعي زمجرة قوية لفيل، وخوار ثور، ومواء لقط، ويد قرد تربت على كتفي، استيقظت مذعورا (...) الأسد الضخم مازال يحتل شاشة التلفاز، نزع أنيابه من الجثة، كانت خياشيمه ولبدته مخضبة بالدماء الطرية) .[3]

فضاء السوق:

كما ورد في قصة "البردعة"، والسوق هو فضاء تجاري واجتماعي وثقافي، حيث يعتبر السوق الأسبوعي في البوادي المغربية أحد المراكز الحيوية في بناء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، كما أنه كان وما يزال يمثل صحيفة مفتوحة لتداول الأخبار والمحمولات الثقافية في القرى والبوادي .والجزء الأهم من المحكي في هذه القصة يدور في فضاء السوق ليلا، بعدما ترك العم ابن أخيه الطفل بانتظاره طول النهار، ونسي أن يأخذه في المساء، فتركه فريسة للخوف والرعب، فالنص السردي يكشف عن العلاقات اللامرئية، علاقات الزيف والرياء وادعاء قرابة الدم .[4]

فضاء المقهى: 

وهو عادة ما يقدم في المنجز السردي للكاتب كفضاء اجتماعي، ينتمي للمدينة، يقوم بوظيفة الصورة الخفية للشخصية أو الشخصيات التي تلعب دور البطولة في العمل السردي، من حوار باقي الشخصيات وخطاب السارد، كما يظهر من خلال قصة "كل الطرق تؤدي إلى روما" .[5]

الفضاء العام:

 ويقصد بها الشوارع والأزقة والساحات العامة، وهي فضاءات مستدعاة من الذاكرة الشخصية للكاتب ،فهي تنتمي واقعيا لمدينة فاس، كما جاء في قصة " النابغة"، حيث تشتغل كواجهات لاستعراض ذوات الشخصيات، (أسرع الخطا ليصل إلى وسط المدينة حيث المقاهي والمارة والازدحام... وكأنه يريد أن يقول لهم: انتبهوا نابغة العصر يتجول بينكم نواضعا )[6]، وكما يرد في قصة "التحفة الفنية" إذ يخبرنا البطل بقوله: (لقد تأخرت عن موعد جولتي..بدأت دروب وأزقة باب السلسلة وراس الشراطين ومولاي إدريس في الاكتظاظ والازدحام ...) .[7]  

الفضاءات المغلقة

والمقصود بها تلك الفضاءات ذات الطبيعة الحميمية، الكاشفة لخصوصية الشخصيات الصانعة لأحداث الكون القصصي، ومنها:

فضاء المنزل:

ويتجلى في ثناياه صراع الذات مع أناها  أو محيطها الحميمي حينا، (غدا سيقام لي جفل تكريمي بمناسبة تقاعدي... غدا كل من سيأخذ الكلمة  سيجعل مني سوبرمانا أو إنسانا أنقى من الملائكة...)[8]، أو تعبيرها عن طموحاتها وآمالها أحيانا أخرى، (ها هو الحاج الكتاني أمام المرآة ، يطيل النظر إلى وجهه ويقول: صناعة الرحمان ما أجمل خلقه) [9]، ويتخذ خطاب الفضاء المنزلي صيغة مونولوجات وحوارات مرآوية، لا ترفع الحجب عن الذات الساردة أو المسرود لها فحسب، بل تفضح علاقاتها الحميمية، (الحقيقة المرة، يا صديقتي نوال أنه أصبح لا يطاق في المنزل، يضايقني ويحرجني، منذ أن تقاعد وهو يتدخل بصورة فظيعة في شؤون البيت والمطبخ وطريقة اللباس...)[10] .

فضاء الحلم:

وهو لازمة أساسية في المنجز السردي للقاص لحسن حمامة، بتخذه كأسلوب فني وجمالي لتصريف رؤى السارد حول الكون والمجتمع المحيط، كما تشكل إطارا جامعا لسرديات الفضاءات المفتوحة، ويتجلى ذلك في قصتي "مواء قط" و "الرمانة"، الشيء الذي يجعل من الحلم صيغة لنفي النفي وترميزا لواقع محال عليه، (لأن الحلم لا يختار ولا يرتب) بالطريقة التي يقدمها الكاتب في منجزه السردي، بل غايته أن يحفز المتلقي على المشاركة في إنتاج المعنى .[11]

الفضاء الافتراضي:

لاشك بأن شيوع الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي قد بصم الحياة الاجتماعية والثقافية، وخلق وضعيات تواصلية يندمج فيها الواقعي بالافتراضي، والذي أضحى من المستحيل أحيانا الفصل بينهما، إلى الدرجة التي طفت فيها حالات مرضية على سطح الواقع، ولذلك خصص الكاتب قصة "النابغة" لمعالجة الظاهرة ورصد مظاهرها، (أعاد قراءة ما كتبه لأكثر من عشر مرات...تسلل خيط أمل رفيع إلى حناياه، وتذكر أن الموقع الاجتماعي فايسبوك ينشر للجميع بدون زبونية أو محاباة...أرسلها بعد هنيهة بدأت تنهال عليه الجيمات..)[12].

الفضاء / الجسد:

إذا أمكن اعتبار الجسد فضاءا متحركا، يحمل بين ثناياه ذاكرته الطبيعية والثقافية فهو فضاء عابر لكل النصوص السردية في المجموعة، وبالأخص قصة " الزيارة"، التي يمكن إدراجها ضمن نمط الميتاقص، حيث ينوب السارد عن الكاتب في التعبير عن قلقه ومعاناته الخاصة كمبدع، تترافع أمامه الشخصيات معلنة مظالمها ومعارضتها لاختياراته الموضوعاتية والفنية، فيما يشبه متخيلا مضاعفا، يسعى لاستدماج المتلقي في المطبخ السري للمبدع، وهي سمة أخرى من مميزات المنجز السردي للقاص لحسن حمامة تعبر مجاميع القصصية المختلفة منذ المجموعة الأولى "عندما تتكلم الحيطان" 1984 .

إن اهتمام الكاتب بالمكون الفضائي لا يعود إلى التنوع الماثل في المزج بين الفضاءات المغلقة والمفتوحة، والتي تكشف الجوانب الاجتماعية والنفسية للسخصيات، وتنوع مساقط الضوء ومسارات السرد القصصي في مجموعة "ضرع لا ينضب"، وإنما يرجع بالأساس إلى الطابع الواقعي لأغلب هذه الفضاءات، لكونها تنبع من الذاكرة الخصبة للكاتب، وما يطبعها من ملمح وجودي، يخرج بها من دائرة الخلفية المحايدة للشخصيات والأحداث والحكايات، ويرفعها إلى درجة التفاعل الرمزي مع الواقع واستكمال الصورة المروية عن فواعل القص حكيا وسردا وحوارا .

 

 محمد الشغروشني

.........................

[1]  لجسن حمامة: ضرع لا ينضب، مجموعة قصصية، مطبعة الكرامة 4، الرباط، الطبعة الأولى، 2019

[2]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 45

[3]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 14

[4]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص  35 وما بعدها

[5]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 27 وما بعدها

[6]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 52

[7]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 59

[8]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 17

[9]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 67

[10]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 19

[11]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 45

[12]  لحسن حمامة: المرجع السابق ذكره، ص 51

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4659 المصادف: 2019-06-08 03:18:30