 قراءات نقدية

محطات حميد الحريزي.. زفاف الابداع من عربانة (مظلوم) حتى هودج (سعيدة)

عدنان النجمكيف لي أن اخبر (حميد الحريزي) بان روايته التي اهداها لي بأجزائها الثلاثة قد ضاعت بين قبائل المستعيرين.. دون ان اقرأ منها حرفا واحدا ؟؟.. وبعد عناء وطول انتظار عاد اليّ (البياض الدامي).. ولكن كيف لي ان استطلع بياضا دون (عربانه) توصلني الى (كفاح).. ادركت الحرج الشديد.. حينما كان متلهفا وهو يريد ان يرى خلجات وحيه ماثلة على وجهي.. تذكرت يوما ان (أبا أمجد) اهداني رابطا الكترونيا لمحطاته عبر حوار بيني وبينه على (الماسنجر) لذلك عدت الى المحادثات القديمة.. فكم كانت فرحتي لا توصف وانا اظفر بالرواية باجزائها الثلاثة عبر هذ الرابط..

 لذلك كانت قرائتي لها مختلفة، تتمثل بشوق عارم يحدو بي للولوج في عوالم حميد الحريزي، فضلا عن الرغبة الجامحة لإيفاء حالة الانتظار للرواية.. كما أن قرائتي لهذه الرواية انتهت بأبعاد مختلفة، لانها تمحورت في اربعة اتجاهات، الاتجاه الاول: هو قراءة ترتكز على ايجاد الابعاد الفنية في الرواية فيما يتعلق بقواعد السرد الروائي كالراوي والزمان والمكان والعقدة والشخصيات والحوار والحبكة والخيال والاساليب واللغة وغيرها..

فيما كان اتجاه القراءة الثاني وهو ما يتعلق بصفتي قارئا باحثا عن المتعة والتشويق والاثارة التي غالبا ما كنت ابحث عنها في سرديات حميد الحريزي سواء كانت في مجال القصة القصيرة او القصيرة جدا او القصة الطويلة او الرواية القصيرة وغيرها من فنون السرد .

أما الاتجاه الثالث وهو الغوص التاريخي باطار روائي محترف ضمن فن الرواية التاريخية الذي يعد مشوقا ومثيرا وخصوصا ما امتازت به (المحطات) من سلوك ممر التاريخ الوطني الشامل .

اما الاتجاه الرابع: فهو أجمل ما اكتشفته في الرواية من خلال ما تضمنته من ابعاد اجتماعية ومحاولة أرشفة الواقع الاجتماعي العراقي بعاداته وتقاليده ومقدرة الكاتب العجيبة على تدوين الاستعمالات اللفظية للادوات والاصطلاحات التي يعجز حتى ابن الواقع نفسه من استذكارها نظرا لضخامة الكمية ودقة النوع..

 ولكي اكون منصفا في هذه القراءة كان يجب أن تأتي وفق هذه الاتجاهات الاربعة.. لكني ساكتفي ببحثين ربما هما سيكونان كافيين لابراز معالم هذا الانجاز الجبار.. ضمن حلقتين هما:

الحلقة الاولى (من عربانة حميد الحريزي الى بياضه الدامي.. البنية السردية وعوامل الابداع الفني في رواية محطات)

الحلقة الثانية (المصطلح التراثي في رواية محطات للروائي حميد الحريزي)

 

 

 

 

 

الحلقة الاولى (من عربانة حميد الحريزي الى بياضه الدامي.. البنية السردية وعوامل الابداع الفني في رواية محطات)

1- محاور الرواية (عناصر السرد)

 تبنى الرواية عادة على ثلاثة محاور يسميها بعضهم عناصر السرد (الراوي – المروي – المروي له) وهو ما يراه عمر عيلان في كتابه (مناهج تحليل الخطاب السردي).. وعند تقصي العناصر الثلاثة في محطات حميد الحريزي نكتشف ما يلي:

 أولا: الراوي:

هو ذلك الشخص الذي يروي الحكاية او يخبرعنها.. بمعنى ان لا وجود للراوي بدون (مروي) ولا وجود لمروي بدون (مروي له).. رغم ان هناك من يرى بأن الراوي ليس هو (الكاتب) نفسه، حيث ان الكاتب هو من يخلق العناصر الثلاثة.. بما فيها تقنية الراوي التي قد تكون بضمير (الأنا).. حيث سيكون فيها بطلا مفترضا داخل الراوية، أو ظلا من شخصية سردية لا يجب ان تظهر في الاحداث والوقائع وازمنة الرواية . وقد عرفه حميد الحميداني في كتابه (بنية النص السردي) على انه: (الاداة أو تقنية القاص في تقديم العالم المصور، فيصبح هذا العالم تجربة انسانية مرسومة على صفحة عقل او ذاكرة او وعيا انسانيا مدركا) .

 وهكذا فإن الراوي الذي صنعه حميد الحريزي في محطاته متغيرا بحسب فصول السرد فكان في جزئها الاول ضميرا منفصلا يشاهد ما يرى.. وخبيرا عارفا مهيمنا على جيلين من الزمن.. ومُشاهدا حيا لعوالم الفت الموت.. فكان الراوي غير متقيد بزمن معين ولا بشخصية ثابتة ضمن شخوص الرواية وان كان (كفاح) بطلا افتراضيا يبدو في مطلع الاحداث (شخصا مجنونا) يحاول الراوي اظهار هويته رويدا رويدا..ثم تتوالى الاحداث التي يسوقها ضمن مشاهد متعددة يبدو فيها (كفاح) وحبيبته (احلام) وهما يتبادلان الغزل المشروط بسرد الاحداث وهكذا يتحول الراوي من شخصية وهمية الى واقعية تمكن (الكاتب) من خلقها لتكون هي الرواي في معترك الانهمار السردي الى اخر الرواية .

 وغالبا ما يعهد المؤلف او الكاتب الى الراوي مهمة سرد الحكاية..لكي يكتسب وجود احد عناصر نجاح روايته.. وتمكن حميد الحريزي من ايجاد راو ٍ مميز عاش زمن الرواية بكل تفاصيله، حتى انه لا يمكن تحديد هويته الاجتماعية او السياسية حيث منحه صلاحية ابن القرية وابن الهور وابن المدينة على حد سواء، كما البسه ثوب السياسي الحاذق والمفكر الملهم وهو يكشف حيثيات الاحداث وظروفها، ولم يكتفي بذلك بل قلده مهمة المكافح والمناضل .

 أراد حميد الحريزي من خلال (الراوي) اقحام ذاته بما تحمله من ايديولوجيا، فتارة يصبح الراوي مفسرا للاحداث، كاشفا للافكار، مبررا للمسارات التي تتجه اليها الرواية، وتارة اخرى يجعل (الكاتب) من الراوي اداة مهمة لتوجيه رسائله الاجتماعية والسياسية، فكان الرواي عنصرا مهما وجادا في صناعة احد اركان الراوية باجزائها الثلاثة .

ثانيا: المروي (الرواية):

يعرفه محمد ابراهيم في مجموعة السرد العربي على انه: (كل ما يصدر عن الراوي وينتظم ليشكل مجموعة من الاحداث مقترنة باشخاص ومؤطرة بفضاء الزمان والمكان، وتعد الحكاية جوهر المروي والمركز الذي تتفاعل كل العناصر حوله)

 وكان حجم المروي الذي هيأه المؤلف في رواية محطات كفيلا بأن يضع مهمة معقدة للراوي حيث تراكم الاحداث وازدحام الامكنة وتعدد الشخوص، الامر الذي اجبره على الخوض في ازمنة متعددة فضلا عن الامكنة التي تنوعت بحسب سير الاحداث، هذا الكم الهائل من (المروي) يحتاج بالتأكيد الى (حبكة سردية متقنة) وهذا ما امتازت به المحطات وهي تكشف عن مادة روائية متراصة.. الامر الذي هيأ ليكون المتن الروائي عبارة عن مجموعة متون متحدة (مظلوم وقصته – كفاح واحلام وقصتهما – الاقطاع – الثورات – مراحل النظال – سعيدة – سرحان....الخ) كلها اجتمعت في متن واحد هو (مراحل التغيير السياسي في العراق لستين عاما مضت)، واتخذ الراوي اسلوب التدرج السردي من اجل الظفر بالعقدة الرئيسية للرواية ومنح هذه التدرجات السردية شكلا فنيا مميزا لتبدو مجموعة كبيرة من العقد الفرعية (فعقدة العربانه) و(وعقدة العلاقة بين مظلوم وغنودة) و(عقدة العلاقة بين مظلوم وغزالة) و(عقدة احلام وكفاح) و(عقدة سعيدة وسرحان) و(عقدة التكيف للعيش في المدينة) و(عقدة التكيف للعيش في العاصمة) فضلا عن العقدة الرئيسة التي جعلها الراوية تتماهى ضمن الاطار العام والتي قد تكون (الثورات الجماهيرية وانحرافاتها) او (قصة حياة مظلوم ورحلته الايديولوجية) أو (العراق في العهود الجمهورية حتى عام 2003) .

 وكان السرد والحكاية بصفتهما وجها المروي ماثلين بشكل واضح وجلي في كل صفحات الرواية، إذ تمكن المؤلف من رسم معالم السرد سواء كان باسلوبه او بلغته او بنقاط الحوار، وان كان بالاسلوب الكلاسيكي لكنه اخذ بعين الاعتبار (الحشو الحكائي) في كل مقطع او في كل جملة.. حتى في التسطير التاريخي (الذي سأتناوله في عنوان اخر) بدا السرد واضحا مبتعدا تماما عن تقليد التدوين الذي يعتمده المؤرخون .

 ان ميزة الانهمار الحكائي وكثافة السرد شكلت سمة خاصة انفرد بها حميد الحريزي في رواية محطات.. حيث مطاولته في نزف المزيد من الاجزاء وان وصلت ثلاثة، لكنه جعلها مفتوحة لتبتلع اجزاء اخرى تحمل المعالم والعوالم نفسها وتكشف بنية روائية جديدة تعكس صورة (مطلوم آخر) ضمن مرحلة ما بعد التغيير .

ثالثا: المروي له (القارئ)

 يقول صادق قسومه في كتابه (طرف تحليل القصة) (ان وجود راو يروي القصة (نظريا ومنطقيا) يقتضي وجود طرف ثاني يتلقى الرواية باعتبارها شكلا من اشكال التواصل القائم – وجوبا- على ثنائية المرسل والمتلقي)

 ولذلك فالمتلقي كشحصية الرواي في الرواية، يبنيها قبل الشروع في الحكي، وحميد الحريزي عندما شرع بكتابة روايته وحدد الراوي لم يحدد المروي له بل جعله مجهولا يبتكره الزمن، وربما كانت غايته ايصال (المروي) الى الانسان.. الانسان الذي قد يكون ممثلا بشعب، او عدة شعوب، او الانسان الذي قد يكون مناضلا او مكافحا، او الانسان الواعي والمفكر أو البسيط المتواضع، الانسان العاشق الرومنسي .

 ولكنه في مواضع مختلفة من روايته يبدو حميد الحريزي مخاطبا (الضمير).. الضمير الحي القادر على تمييز الجمال من القبح، او الضمير الحاكم بمطلق العدالة الانسانية، او الضمير المثالي الكامل.. حيث ان (الاعدامات الكيفية) أو (التعذيب في السجون) أو حتى (التقاليد العرفية المنحرفة) أو (الخدع الاجتماعية)...الخ، هي كانت رسائل واضحة للضمير الحي، فضلا عن كونها أرشفة تاريخية موجهة للاجيال القادمة تكشف غياب هذا الضمير او انتحاره في زمن ما من ازمنة (العراق) .

2- البنية السردية

ليس السرد هو الحكي أو القصّ.. وانما هو تحليل مكونات الحكي وآلياته، كما يراه عبد الله ابراهيم، وان البنية السردية هي عملية (الحبكة) التي تنتج سيلا من الاحداث مستغرقة زمنا معينا.. ويذهب البعض الى ان القص مبنيّ على الجملة الفعلية عادة (أكل – شرب – ذهب....الخ) بينما تأتي الرواية لربط هذه الافعال بآليات محكمة وفق اسلوب فني عالي التقنية، فضلا عن تبيرير الفعل (لماذا أكل – لماذا شرب – لماذا ذهب...) او (كيف اكل – كيف شرب – كيف ذهب....) او بمرافقة الزمن لتصبح (متى أكل – متى شرب – متى ذهب...) هذه الكيفية غالبا ما تكون هي قواعد البنية السردية المتمثلة بالحبكة التي يعتقدها (والاس مارتن) . وقد استعمل حميد الحريزي في المحطات بنية سردية متكاملة العناصر، كيف لا وهو العارف المتمكن والناقد المتمرس بأصول السرد،

 ومن اجل الاطلاع على البنية القوية في رواية محطات نستطلع ثلاثة من عناصر البنية السردية فيها وهما (الشخصية والزمان والمكان)

 (أ) الشخصية: تعد الشخصة العنصر الذي يحرك احداث الرواية ويدرك الكتاب عموما اهمية اختار الشخصية لاسيما الشخصية المركزية (الرئيسية) في الرواية، ويهتم الكثيرون بجعلها مميزة وتمتلك خصائص مهمة ونادرة،ولذلك فإن شخصية (مظلوم) التي اظهرتها احداث رواية محطات على انها الشخصية الرئيسية، ليست خيالية الى الحد الذي يجعلها مستحيلة على الواقع، ولا واقعية بما تمتلكه من امكانات وقدرات خلاقة، فقرويته وطيبته من جهة واميته وجلهه من جهة اخرى ربما ستكونان عاملي الاستحالة على من مثله التعاطي مع الافكار والتناغم مع الوقائع وهو الذي كل جهده ليحيا برفقة (عربانة اللبلبي) ليصبح مفكرا ثوريا ووسيلة فاعلة من وسائل السمو الاجتماعي، نعم وان كان الكاتب يريد تضمين رسالة مفادها (ان الفكر الذي آمن به مظلوم هو فكر البسطاء والكادحين والمظلومين)، لكنها ستظل شخصية (مظلوم) علامة فارقة ميزت البناء السردي في المحطات .

 كما عكست الشخصية الرئيسية (المركزية) بما تحمله من صفات انسانية خيرة روح الكاتب وفكره وهو الذي تعمق كثيرا في كشف تفاصيلها النادرة، ودلّ ذلك العمق على مقدرة الكاتب الفذة من التوغل بعيدا في جوهر الانسان العراقي (المكافح) وهو يكشف حتى التفاصيل الدقيقة في مفاصل حياته..

 وقد بنى حميد الحريزي شخصياته وفق متضادين ظاهرين هما الشخصية السلبية والشخصية الايجابية وان كان منحازا الى الشخصية الايجابية التي تحمل روح رسالته التي يريد ايصالها الى الجمهور فبناءه لشخصية (حاشوش) بالتأكيد يختلف عن المادة التي بنى عليها شخصية (سرحان)، إذ ان الراوي عادة ما يكون محايدا وهو يكشف بواطن شخصياته، غير انه في رواية محطات عمد الى الوقوف بجانب (سرحان) – مثلا- مبررا له تحركاته وافعاله واهدافه، بينما حاول عرض الفعل الذي قامت به شخصية (حاشوش) دون العناء في ايجاد المبرر سوى انها شخصية شريرة، وفي ذلك دلالة واضحة لبيان اهمية رسالته كـ (كاتب) .

 والجدير بالاشارة والملاحظة ان شخصيات حميد الحريزي (الايجابية) امثال (الاستاذ منير وحسن وجمال وكفاح وحيوته وغزيله وحتى غنودة...) هي شخصيات لا يمكن عدها (ثانوية) نظرا لأهميتها في تشكيل الاحداث وبناءها، واجتهد حميد الحريزي كي يربطها بسلسلة الاحداث المهمة في الرواية من اجل خلق دراما مميزة تشد المتلقي وتجذب المتابع .

 (ب): الزمن / تقول مها حسن القصراوي في كتابها (الزمن في الرواية العربية) (ان الزمن هو محور الرواية وعمودها الفقري كما هو محور الحياة ونسيجها) ولذلك فعملية تحليل الزمن نقديا تحتاج الى قراءة دقيقة وفاحصة للرواية، وهكذا حينما نريد تفحص الزمن رواية محطات يجب ان تحاط جميع اجزاءها باهتمام دقيق واستغراق تام، من اجل الحصول على رؤية حقيقية لزمن المحطات، وحينما يقسم النقاد الزمن في الرواية الى ازمنة متداخلة في الخطاب الروائي هي زمن المغامرة، وزمن النص، وزمن الخطاب، نجد ان حميد الحريزي اعتنى كثيرا بها من اجل اتمام ابعاد الراوية المهمة وتهيئة قالبها الحقيقي وتقديمه للقارئ جاهزا .

 فكان زمن المغامرة، أي زمن القصة الحقيقي ضمن الرواية هو زمنا طويلا نسبيا حيث امتد ليشمل جيلين كاملين (1952- 2005)، وهي دلالة على الامكانية السردية في المطاولة لدى الراوي، كما ان الزمن في رواية محطات لم يكن رتيبا مملا، حيث كان زاخرا بالحوادث المتراكمة وهي تحكي حقبة تاريخية في زمن العراق حافلة بالثورات والانقلابات والتغييرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن التطورات المتسارعة في الفكر والايديولجيا، والتي تمكن الكاتب من تضمينها والاحاطة بها بشكل ملفت للنظر، يدل على اتساع الذاكرة الروائية وعمق الفهم والتحليل، في المقابل كانت تلك الحقبة الزمنية حديث المئات من الكتب والمجلدات والبحوث والاطاريح، لكن الراوي تمكن من رص ّ الزمن بما يحتويه من حوادث في ثلاثة اجزاء من القطع المتوسط، كانت كفيلة لتعكس للقارئ صورة واضحة وجلية للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للعراق في تلك الفترة من خلال المصادر الحية التي اعتمدها الكاتب سرد بعض الاحداث الواقعية .

وقت استعمل الكاتب ترتيبا زمنيا مباغتا.. أسس فيه عنصري المفاجأة والتشويق، فهو انطلق باسلوب السرد الاستذكاري او (الاسترجاع) كما تسميه (سمر روحي الفيصل) في كتابها الرواية العربية البناء والرواية، فكانت اول لبنات البناء الرواي انطلقت من دخول قوات الاحتلال الامريكي للعراق، حيث يبدو كفاح المجنون، ومن خلاله انتقل الكاتب بالزمن نحو (احلام) في منتصف الزمن تقريبا ليعودا – كفاح واحلام – سوية مستحضرين الزمن والحوادث.. ويرى حميد الحميداني في بنية النص السردي ان التلاعب بالزمن يدل امكانية الكاتب في الاحاطة بموضوعه وهو يحافظ على الثيمة النهائية للرواية، وهذا ما يحسب لحميد الحريزي بصفته روائيا محدثا ومعاصرا..

 اما زمن النص، وهو الزمن الذي استغرقه الكاتب في كتابة الراوية، يبدو انه يشغل احتمالات عدة، لعل ايرزها ان الكاتب شرع في كتابة روايته منذ ظهور كفاح المجنون على الساحة حيا يرزق، وربما منذ الاختلاف الايديولوجي حول ماهية الاحتلال الامريكي والوقوف معه من عدمه.. وقد يكون الشروع في الكتابة نتيجة موقف مشابه او حادثة مؤثرة يجهلها القارئ، لكن كل تلك الاحتمالات لا يمكنها الغاء حقيقة ان الروائي يشرع في كتابة نصوصه داخل جمجمته اولا، ومن ثم يحاول ترجمتها على الورق، سواء كان زمنا قصيرا او طويلا، ويرى بعض النقاد ان الرواية المشبعة بالامكانيات السردية هي تلك التي يطول زمن ولادتها، أو انها تنام وتستيقظ طويلا في رأس الراوي، والمحطات هي جزء من حياة الروائي حميد الحريزي وهو ما يؤكد مثولها طويلا في ذاكرته لما تحمله من العديد الحوادث التي خلدت ضمن مسيرته المهنية والسياسية .

 بينما كان زمن الخطاب - وهو الزمن الذي يستغرقه القارئ للرواية – عبارة عن اداة فاعلة ربطت الراوي بالمروي له وتمكن حميد الحريزي من الاخذ بيد القارئ نحو تقليص تقليص الزمن ومحاولته الفاعلة في تأجيج مبادرة المقارنة الزمنية من خلال اصطحاب المتلقي لممارسة زمن المغامرة وان كان يسمى هذا الزمن بالزمن النفسي، غير ان الزمن الخارجي الذي يحيط متلقي النص الروائي يعتمد كثيرا على عدد الاسطر وحتى الكلمات، فضلا عن اعتماده على مقدرة المتلقي في تفسير الجمل والالفاظ واستغراقه في معاينها، غير ان حميد الحريزي اختصر ذلك كثيرا على المتلقي وهو يثبت الزمن بالتاريخ واليوم للكثير من الاحداث، الامر الذي يساعد المتلقي على اختصار زمن الخطاب ويبعده كثيرا عن عناء احتساب الزمن الذي هو ليس من مهمة المتلقي .

 فكان زمن الخطاب سلسا للغاية في رواية محطات رغم انها بثلاثة اجزاء بمعدل 200 صفحة للجزء الواحد.. كما ان اشعال عنصر التشويق في العديد من مقاطع الرواية يساعد كثيرا على تخطي الملل حينما يتعلق الامر بسرد الحوادث وتفاصيلها .

(جـ) المكان او الفضاء: يعد المكان بأنه المسرح الذي تجري عليه احداث الرواية، وقد استعمل حميد الحريزي الامكنة المفتوحة في محطاته من اجل خلق عملية الاتصال بين شخوص روايته فضلا عن قابلية انتاج مسرح واسع للسرد بما تقتضيه حاجة الحدث .

 وقد تنوعت الامكنة في في رواية المحطات تبعا لخيال الكاتب وانسجاما مع متطلبات القص، فكانت (القرية) احد ابرز الامكنة التي اتاحت للكاتب الانفتاح والتخيل حيث ولادة مظلوم ونشاته، كما انها نقطة انطلاق الطيبة والبراءة من جهة والجهل والتخلف من جهة الاخرى ومنها ايضا انبثقت الامكنة الفرعية كالنهر والبستان وحقول الزراعة وصولا الى تفرعات دقيقة كشفها الكاتب بحكم خبرته ودرايته بفضاءات القرية وتفاصيلها .

 ثم انتقل الكاتب يتبع بطله (مظلوم) في المدينة (ولاية النجف) لتكون مكانا واسعا لمجريات الاحداث الكبيرة كالمظاهرات والاسواق والازقة والشوارع والبيوت العالية وغيرها، وعندما علم انه بحاجة لمسرح اوسع حمل بطله واتجه الى العاصمة (بغداد) ـ حيث هناك تبدأ الاحداث بحاجة لأمكنة اكثر التصاقا بمجريات الرواية كالمطبعة والمعسكرات والبيوت والحدائق، فضلا عن نهر دجلة الذي يعد ابرز الامكنة الرومنسية والتي حاورها الكاتب كثيرا..

 وعندما تطلب النضال مساحة اخرى انسحب متجها للاهوار حيث كانت غايته الكشف عن هذه البيئة بطبيعتها وسكانها كما جعلها محطة لمجريات العديد من الاحداث .

 هذه الامكنة وظفها الكاتب من اجل الحصول على الحياة ممثلة بمجالات عدة، فمنها الرومنسية، حيث بساتين النخيل والحقول، او بيت غنوده، او الانتقال الى نهر دجلة وبستان فؤاد او العودة الى الاهوار والمشحوف وغابات البردي والقصب، او منها الاماكن الاجتماعية كـ (المضيف) في القرية أو المقاهي في المدن، او تجمعات الصيادين في الاهوار، أو منها الاماكن الاقتصادية، كالاسواق وغيرها .

 في الختام.. ان رواية محطات بجميع اجزائها (العربانه – كفاح – البياض الدامي) كانت في معظم احداثها قد تضمنت افكارا متناقضة فيها الصراع بين الوجود واللاوجود، وذلك يعود الى خيال الراوي وطبيعة ما تحتويه من حقائق تاريخية وواقعية، لقد كان الراوي هو من صناعة الكاتب في اغلب تفاصيل الرواية، وقد اراد الكاتب ان يكون الراوي قريبا من ذاته وهو يكلفه بعملية السرد والنطق والعرض لوجهات نظره ولا تظهر الشخصيات الاخرى الا من خلاله او من خلال علاقته معهم، فضلا عن تضمينها لشخصيات نموذجية وتاريخية كشخصية عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وسلام عادل وحسن سريع وغيرهم .

 تحددت المدة الزمنية للرواية من خلال تقنيتين وهما تبطئة السرد في بعض الاحداث التي تتطلب الوقوف عندها كثيرا، مفصلا، ومفسرا، ومحللا، ومبررا، كما استعمل ايضا تقنية تسريع السرد تحديدا في المدة الزمنية التي تواجد فيها الراوي في الاهوار ايام الثمانينيات والتسعينيات وايام الحصار، ويعود السبب في ذلك بحسب وجهة نظري الى فسح المجال لتناول هذه المدة الزمنية وتحديدا في الاهوار الى سرد اخر سواء منه او من كتاب اخرين .

 وقد حمل المكان ايضا دلالات كثيرة حينما اجاد الراوي في تخطي الامكنة المفتوحة وان كان قد ركز كثيرا ووقف الى جانب مكاني الاهوار والقرية، نظرا لتعلق الكاتب بالطبيعة الحية وتفرعاتها في هاتين البيئتين الجميلتين .

يتبع

 

عدنان النجم

..................

الحلقة الثانية (المصطلح التراثي في رواية محطات للروائي حميد الحريزي)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم
تحياتي لكم الاديب الرائع شقيق الروح عدنان النجم ، حقية كنت اترقب هذه القراءة للثلاثية من قبلكم لاني اعلم ان روحكم قريبة من مجريات الاحداث وسرديات الثلاثية ، لقد ابهرتني بقرائتكم الرائعة وامكانياتكم ومهارتكم النقدية ، فطنتكم والقدرة في التحليل والتاويل واضاءة هذه المحطات بكاشف فكركم وحسكم الادبي والانساني الرائع ... انتظر بلهفة حلقاتكم النقدية القادمة لتكون اجمل قلادة تزين جيد الثلاثية
لكم مني كل الحب والتقدير والاحترام

حميد الحريزي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4687 المصادف: 2019-07-06 04:20:30