 قراءات نقدية

ديستوبيا.. قراءة نقدية

(بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله، كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة، هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي المكسَّرة، مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب...)، صحيفة المثقف، ٣/٧/٢٠١٩

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/938081

المقدمة:

إن الحضارة الغربية رغم كلِّ ما أبدَعته من الإنجازات المادية والعلمية والتكنولوجيَّة، وما ترتَّب عليها من رفاهية مادية، كانت وما زالت في موقع الاقتدار المدني، فلا شكَّ أنها تَشهد الآن انحدارًا منحرفا وانْحِطَاطا متقهقراً في المعايير الأخلاقية والحضارية في مقابل مضاعفة الإنهماك الجامح في الإشباع الذاتي المادي الحِسي، للتعبير عن حقيقة حال المجتمع الغربي، الذي طغَت عليه قِيَمُ الاستهلاك، ونَزعة إشباع الغرائز بشكل مجنونٍ؛ حيث ينتشر الفساد

و تتفشى الإبَاحيَّة، ويعم الإِنْحِرَاف

والانحطاط الأخلاقي ويذاع التزييف الثقافي.

ولعل تلك التداعيات بتفاعُلها السلبي، مع التناقضات البنيوية الأخرى التي تُعاني منها الحضارة الغربية - ستكون من أهم عوامل انهيارها، رغم كل عناصر الاقتدار المادي التي تعمل على إطالة عُمرها إلى أقصى سقفٍ زمني مُمكن.

لا يُمكن أن تكون الحضارة الغربية

ﻣﻨﻬﺞ ﺣﻴﺎﺓ، ﻭﻣﺸﺮﻭﻉ ﺣﻀﺎﺭﺓ، ﻭﻣُﻨﻄﻠﻖ ﺩﻋﻮﺓ، ﻭﻭﺛﻴﻘﺔ ﺇﺻﻼﺡ، ﻭﺣﻞّ ﻟﻤﺸﻜﻼﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﻭﺷﻔﺎﺀ ﻷﺳﻘﺎﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ولا نمطا عالميا نبيلا، تَحظى بقَبول شعوب العالم الأخرى، وهي لَم تزَل تَغَصُّ بالعشرات من الجرائم الأخلاقية والسلوكيات المنحرفة؟! كالتغطرس والإحتلال والإنتهاك والإستعباد .

التحليل الأدبي والفني:

ديستوبيا..العنوان نكرة لقصة بيانها ناطق، ولفظها دافق، وأسلوبها سامق.

القاصة دعاء عادل سلطت الأضواء على أبعاد عظيمة المرغب وجليلة المقصد ..

قلّت ودلت، مكثفة الإيحاء مشبعة الاثارة والمفارقة والقفلة الصادمة المدهشة.. أفعال حركة ماضية، مجاز وكناية، لوحة اخبارية تقريرية وسرد أدبي بليغ البيان، غاية في الوصف، آسرة في الحبك ساحرة في السبك. من خلال توظيف أسماء ذات معانى عميقة، واسهاب وافر لتبحر بنا الى عالم الإستبداد بكل أشكاله وتجنح بنا الى الفتنة الغاشمة والتوتر الهدام وتدنو بنا

الى التسلط الطاغي والحكم الظالم والإحساس الهمجي، للتاريخ، القيم والمبادئ وبالخصوص ضرب الانسان في كرامته وفطرته، وتاريخه.

(ديستوبيا): ﺑﺪﺍﻳﺔً ﻣﻊ عنوان.. كاشف ﻟﺪﺧﻮﻝ ﺍﻟﻤﺘﻦ .. ﻣﻔﺮﺩﺓ ﻭﺍﺿﺤﺔ المعلم، ظاهرة المقصد واضحة المرغب هادفة المغزى .

العنوان يعد بيت القصيد ..لقصة ققج بليغة السبك، فصيحة الحبك، صقلتها الكناية المجازية وحوتها الإستعارة والبيان، أبعادها أنثروبولوجية، أكاديمية، علمية، دينية، سياسية وفلسفية .

ديستوبيا كلمة يونانية..قلت ودلت احتوت البنية السردية، لمفهوم إصطلاحي معناه المكان الخبيث ..لفظ يرمز بها أدب المدينة الفاسدة او عالم الواقع المرير: (بالانجليزية: Dystopia) هو ذلك المجتمع الخيالي، المنحرف والفاسق، مذموم ومنبوذ غير مرغوب فيه . وقد تعني الديستوبيا مجتمع متوحش غير فاضل، تسوده الفوضىٰ، لعالم وهمي ليس للخير فيه مكان، تحكمه قوى الشر المطلق، وتسيره أيادي آثمة فاجرة ومن أبرز ملامحه الخراب والقتل والدمار والقمع والفقر والمرض، بإختصار هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، فتغيب البصيرة والبصر ويتحوّل فيه المجتمع إلىٰ مجموعة من المسوخ تناحر بعضها بعضاً.

"بلا أذنين ولا شفتين أودعني الحق ظله"...الفقرة مشبعة بالدلالة السيميولوجية، نستنبط لمسات بيانية تلميح وتصريح لإقصاء لغة الحوار وإلجام العقل وصفد الافواه وتكبيل حرية المحبة وإبعاد أواصر التلاحم والاخوة وفرض ثقافة القساوة وفنون الصلابة .

"كانَ الثَّمنُ أبخس من رعشةِ ذبابة "...الفقرة ترمز للظلم وضرب المثل بالذبابة مجاز للمبالغة حتى تصل فكرة الإحتقار والإستصغار والمذلة وهوان الروح البشرية.

"هددني الغول بالمزيد إنْ لم تسند ظهره أصابعي المكسَّرة".. الفقرة اشارة لتشبيه الحاكم بالغول والمثل يضرب في الشيء الوهمي الذي لا وجود له، يرمز للتَحْذِير، والتَنْبِيه، واطلاق آلة التَرْهِيب، التَفْزِيع والتَهْدِيد .

"مع أول رمشة بوح صفعتني مطرقة القاضي الذي أنكر معرفتي في حفلة التعذيب".. تلكم المفارقة الصادمة والقفلة المدهشة ..المقام رهيب، انقلاب سلم القيم وتحول القيم البشرية إلى أشياء هامشية، ومن ثم سطوة الأحزاب السلطوية والشمولية على الناس والشعوب ليكونوا مجرد أرقام في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف، وليس لديهم طموحات أو آمال، حيث يعملون كالآلات خوفًا من سياسة الحديد والنار. حب التسلط والهيمنة والمناصب نوع من العشق، فحب السلطة وجنون العظمة وهذيان الأنفة، يسكر الانسان ويعمي بصيرته، فيظلم ويستبد ويعمل المستحيل حتى يبقى في طغيانه وعدوانه، فيعادي ويسيئ اقاربه ويضر حتى أحبابه.

 

ابراهيم ميزي/ الجزائر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4688 المصادف: 2019-07-07 03:50:06