 قراءات نقدية

براعة الاستهلال في رواية: مصل الجمال اولاد الكلب

صفاء الصالحياولت الدراسات السردية الحديثة باالسنوات الاخيرة اهمية كبيرة لدراسة العتبات النصية، ودلالاتها ووظائفها في النص الروائي، لاسيما عتبة الاستهلال، بأعتبارها مفتاح الرواية وأول خيوط نسيجها السردي، وفرصة الإلتقاء الاول قبل الاندماج بين النص والمتلقي، كما انه يشكل العنصر الاهم في بناء النص، لذلك شكل الاستهلال هاجس عانى منه حتى كبار الروائيين في العلم عند شروعهم بكتابة رواية  جديدة . وعن أهمية الاستهلال بالرواية يقول ماركيز "المشكلة الرئيسية تكمن في البداية، الجملة الاولى في الرواية او القصة تحددان امتداد النص، ونطاقه، ونبرته، وإيقاعه، وأسلوبه، وأصعب ما في الرواية الفقرة الاولى، ما أن تتقن ذلك حتى تسير الامور بانسيابية وسهولة، في الفقرة الاولى تحل كل المشاكل التي تواجهك في كتابة الرواية، لقد بحثت عن الجملة الاولى المناسبة لرواية خريف البطريرك طوال ثلاث اشهر،ولكن عندما وجدتها أدركت كيف تكون الرواية بأسرها(1) .

بلعبة سردية فنية مغايرة للسرود التقليدية، وبقالب طبع عليه البعد الغرائبي والواقعي، وعلى شكل مقاطع مرقمة تنتهي بالمقطع (28)  منثورة على 184 صفحة بلسان سارد دائم الحضور، يقدم الروائي عبد الزهر علي منجزه الروائي السادس بالعنوان الموسوم " مصل الجمال اولاد الكلب "، والصادر عن دار لارسا للطباعة والنشر. الرواية تصور صراع بين طائفتين من البشر يحاول كل منهما ان يصرع الاخر، طائفة تحمل الجينات الانسانية تشترك بمعاني نبيلة تشتعل فيهم جذوة الخير والحب والجمال والخير متمثلين في الرواية بشخصيات (الراوي، المهبول، ثائر، حسنة، وكل من يشترك معهم بالمعاني النبيلة)، وطائفة أخرى مستكلبة تشتعل فيهم جذوة الطمع والقبح والخراب متمثلين في الرواية بشخصية (جلاب وكل من يهم في تخريب معالم الجمال والحب والخير)، تتسع دائرة الصراع في متن النص فيستولي جلاب على بعض الاراضي من خلال تقربه من النافذين الجدد في البلد، ويصبح بعد بيعه هذه الاراضي من الأغنياء، ويتكاثر نسله وما عاد يتوانى في محطات أنحطاطه، لينشب مخالبه في اجساد ألآخرين، وينتهي الصراع الى صنع مصل هو خليط من الثقافة والادب والوعي والتعاون الذي يكافح الآفات التي جاءت بها الطائفة المستكلبة وتحميهم من شراسة المستكلبين (في دورق كبير جمع ثائر قصاصات الشعر وجمل النثر، وقطع اشرطة الغناء، واجزاء من لوحات فنية، ثم اضاف اليها اوراق من شجرة السدر، وازهار الحديقة العامة، وسكب عليها ماء فاتر مذاباً فيه عسل النحل، ثم قام بتسخين المواد كلها على نار هادئة .. بعدها بأ بتقطير المحلول الناتج منه، حصل على مصل ذو لون بنفسجي لقد غطى لون الأحبار على لون العسل، اسماه مصل الجمال  ص173)، تتجلى في البنية السردية تفاصيل فنطازية غرائبية مبنية على بؤر أشارية تتعدد فيها الدلالات والمعاني والرموز، مزجت بين العالم الواقعي المحسوس بعالم آخر من انتاج الخيال، لايقتصر على الوعي والفائدة والتعرف على حياة المتجاوزين القاطنين بالعشوائيات الجغرافية وإنما فيها من متعة المحاكاة التهكمية التي تتبنى ثيمة ذات طبيغة سياسية، وكثيراً ما يتسلل السرد الغرائبي الى بعض البنيات السردية الاخرى ويلتحم معها محركاً الاحداث واضعاً اياها في بوتقة الحدث الفانتزي الغرائبي . في نقطة اللقاء الاول بين الكاتب والمتلقي يمسك الكاتب بتلابيب القارئ ويثير سلطته التأويلية، وينقله من صورة مرئية بشعرية خاصة الى عالم الرواية التخيلي بكل ابعاده، بأفتتاح الرواية بأستهلال نثري بارع يحاكي بتهكم الانسان المستكلب بتقديمه " الكلب الرمادي " الرمز الدال الى نمط معين من الانسان الكلب وبالتحديد الى الشخصية المحورية المستكلبة في الرواية " جلاب " الذي سيشكل لاحقاً بؤرة مركزية في الرواية ترتبط بها الاحداث (وقد تناثرت السحب، وتوقف المطر، بدأ شعاع الشمس ينسل خجولاً الى الطرقات الموحلة، في هذا الوقت عينه كان يركض بمفرده وحيداً بلونه الرمادي، مر وقت طويل وهو يخوض في البرك والطين تتعثر قوائمه باغصان الأشجار الساقطة في الوحل .. ص5) . ثم يستمر نمط الاستهلال ويمتد بسعته ليشمل فصلاً كاملاً من الرواية ليؤسس الى متن حكائي للرواية، مشحون بكثافة رمزية، تلعب فيه الاشارات والرموز دورها للوصول الى دلالاتها العميقة في النص . وبالاضافة الى الاشارة الى الشخصية المحورية في الرواية تضمن الاستهلال مجموعة من المكونات تمثل بتقديم صور عن فضاء الرواية، من خلالتعين الفضاء الزمني للرواية بعد التغير عام 2003  والاحتلال الامريكي وتداعياته المختلفة على الواقع من خلال الاشارة الى الواضحة (حيث رأى رجالها يغادرون مواقعهم، تاركين اسلحتهم ومعداتهم في اماكنهم، يهربون وهم متخفون بين الادغال والاحراش  ..ص5)، ومن خلال  الاشارة الجغرافية الى المكان (أخذ من الحفرة العميقة التي احدثتها الحفارة عند بناء مشفى لمعوقين الحرب ملاذ له .. ص7) حد الفضاء الجغرافي للرواية كما فصلها لاحقاً في المقطع الثالث من النص (ومن هيكل المشفى المتروك والذي كان مخصصاً بعد اكماله لمعالجة معوقي حرب الثمانيننات، يقع على تقاطع الطريق بين الاعلام وحي الشرطة والمعالف في بغداد ..ص26)، كما تجلى في الاستهلال تصوير رمزي لبعض الحيوانات كالقرود تقبلت اجتياح المزرعة المرموزة للعراق، والكلاب التي رأت ان المائدة مدت وعليهم تقاسمها، فكانت بمثابة تمهيداً لأحداث رئيسية تم تفصيلها ضمن اللاحق من الفصول . لقد حقق الاستهلال في رواية "مصل الجمال اولاد الكلب" وظيفة جذب انتباه القارئ الى عالم النص من خلال الكلمات المشحونة بالإيحاء والاسلوب المتميز الذي أحال المتلقي الى مدارات التأويل والتحليل والكشف، وحقق ايضاً وظيفة التلميح لمضمون الرواية، وقدم فكرة عن الشخصيات والأحداث في الرواية فكان بمثابة البداية البارعة التي كان لها الدور الحاسم في اثارة انتباه القارئ وتحفيزه لمواصلة التفاعل مع النص .

 

صفاء الصالحي

........................

1- افاق واعماق عشرون رواية مصرية، احمد فضل شبلول، ص167 .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4690 المصادف: 2019-07-09 00:52:17