 قراءات نقدية

شطحات الثعبان الأرقط.. سردية استنطاق عالم السلبية والنقصان

احمد الشيخاوييطالعنا القاص المغربي أحمد العراف، عبر مجموعته القصصية "شطحات الثعبان الأرقط" الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، بمتوالية نصوص تنضو عن مرايا هذا الجيل، ضباب الدوخة الوجودية، بحيث تفتحه على جهات العراء الكامل فيما يتعلّق بكارثية،ما يحصى عليه من أخطاء وانزلاقات، أسهمت في عيش مثل هذه الغيبوبة ومكابدات الخدر الذي حقنته به التسويفات الأيديولوجية المعطّلة لبزوغ فجر، تتبدّد معه العديد من الأوبئة المشتعلة في مركزية كما هوامش  الكائن المعني بخطاب،كهذه فسيفساء سردية، أعمق انتصارا لهمومه ومشاغله وهواجسه، وهو المحروم والمغبون والمطعون في حريته وحقوقه وكرامته وهويته.

نجد الدكتور خالد التوزاني،وقد بصم مقدّمة هذا المنجز اللافت، يقول: [إن الكاتب المبدع الأستاذ أحمد العراف وهو يرصد لحظات من المعيش اليومي لا يركز على الوصف والسرد فحسب، وإنما يستدعي ثقافته التاريخية والفلسفية الواسعة ليخاطب قارئا مثقفا ذكيا، يدرك جيدا معنى بعض الإشارات الخفية التي قد لا يفقهها إلا من عاش في الهامش وخبر حياة المهمشين، وبذلك يحقق الكاتب المبدع الأستاذ أحمد العراف جزء من رسالة المثقف في البوح بالوجع والثبات على المبدأ والصمود أمام عوادي الزمن الرديء].

صفحات المجموعة تربو على الثمانين، قطع متوسط، زاخرة بعناوينها ومضامينها،التي تركّز على الرأسمال البشري،وتتوسل صور بناءه البناء الصحيح،على نحو يمنحه التوازن الذاتي، مابين كفتي الحق والواجب.

درءا لما يمكن أن تتولد عنه الحالات الإنسانية الشاذة، والأكثر تعصبا وتطرّفا، تغذي خيار الفوضى والاضطراب، وتسجن هذا الرأسمال في ثالوث الدم والجنس، حسب تعبير الكاتب، علاوة على التطبّع بالعقلية الاستهلاكية، بدل محاصرة الراهن بأسئلة حارقة ومقلقة، بغية تأجيج الاستفزازات الكافية لملامسة كامن الهوية وأنْوية الوجود.

ما يثبت سريانا أو دينامية وجودية غير صحية،تترجمها رواسب حضور عقلية القطيع، عوض أرق البحث عن بدائل تقترح مقاربات جديدة في أبجديات تحرير العقل وفك الغربة عن روح الكائن المصفّد بتجاوزات عصر التقنية والتوحش السياسي.

نقتبس للقاص قوله : [همست: الورقة بين يديك فنفذ ما ورد فيه، أرواح الموتى والأحياء معك وتحميك، فأنت نصف حي ونصف ميت،صوتها وقع عليه كجرس يرنّ في رأسه المتهدّم،نبست بهذه الكلمات وانصرفت مع النسوة اللواتي كن داخل الضريح يتبرّكن ببركة ولي مجهول الأصل والهوية،فقد اختلفت الروايات حول أصله وفصله.

الهدايا والمأكولات يستفيد منها القائم على الضريح، ذو العينين الجاحظتن والجسم المكتنز، ظاهريا يدعي الورع والوقار،أما باطنيا فهو أكبر صعلوك أنجبه القرن.يوهم الناس بأنه من حفدة الولي المدفون  و أنه من سلالة شريفة فهو نسج خرافات حول الولي بأنه ذو كرامات لا تحصى وكل من مسه بسوء يصاب بأذى أو تلحق  مصيبة، وهكذا يروج الأضاليل  لينعم بتك الإتاوات والهدايا.

يملك عقارات بالمدن المجاورة، وأبناؤه يركبون أحدث السيارات،كل ذلك من فضل بركة الولي الصالح،لمح هذا المخلوق العجيب المعلم يذبح الديك فطلب القسمة وهو عرف ساري المفعول بينهما خصوصا إذا كان من ذات الخمار الأسود](1).

تصوير فني بديع، يعكس ثقافة عقلية القطيع السائدة، إزاء الاستغلال غير البريء للدين،والمنطق الانتهازي المقنع باللبوس العقدي، كون هذا الأخير، أي الجانب العقدي وترا حساسا يسهل على الدجالين والمحتالين والأبالسة والآلهة الصغيرة، استثماره والعزف عليه، في ضحاياهم المترهّلين بملامح الفقر والجهل وسائر أشكال التخلف، ليسهل جذبهم إلى حقل الدين الملغوم بالخرافة وتعطيل الوظائف والأدوار العقلية الدامغة.

بذلك يلتقي سماسرة وتجار السياسة والدين، في هذه النقطة بالذات الواصمة بعار التاريخ، أو خندق التلاعب بمن لم يجتز بعد، حضورهم وهويتهم، مجرد كونهم متخلّفين متأخرين عن زمانهم بسنين ضوئية، تحكمهم، كما أسلفنا، عقلية القطيع.

نقرأ له في موضع آخر، أيضا، قوله: [جماجم منتشرة بشكل مبعثر، سأل حارس المقبرة عن مصدرها فأجابه هؤلاء أكلوا من شجرة اللعنة ولم يشفع لهم لا نسبهم ولا ولاؤهم، أراد أن يروض الزمن الرديء إلا أن الأمر استعصى عليه فمن مقبرة إلى أخرى ومن تساؤل إلى آخر، الجلاد في الأسواق ينعق ويصيح :حقوق الإنسان، ديمقراطية من يشتري؟ كل شيء في المزاد العلني، الذئب أصبح حملا والحمل تحول إلى ذئب، الثعبان الأرقط خرج من مزبلة التاريخ يطلق سمومه، أصيب بالذهول لأن سمه لم يقتل أحدا،إيقاعات دفوف عيساوة أبطلت مفعوله، " شيلاه سيدي بنعيسى" تحلّق الناس حول هذا المخلوق الأرقط، وهو يقدم شطحاته وصوت البندير والمزامير يحرّكانه](2).

بالعودة إلة عتبة المجموعة ذات الطابع الغرائبي، نلفي المبدع وكأنما يجبر المتلقي على أن يعيش وضعية فرجوية، ساخرة من سلبية ونقصان عالمه، مادام هذا الكائن عاجزا، أو فلتقل نسبي التحرر والانعتاق من عقلية القطيع، راضيا بالخطاب الخرافي الذي يصادر مكامن العوز الوجودي والخور الآدمي والخدر أو الدوخة، فيه.

ما يشبه الاصطدام بطقس بوذي، تستعرضه ساحات "جامع الفنا" صارخة بنظير هذه المفارقات الحزينة جدا.

وإذن هي سردية شعب يدفع ضريبة الخنوع للخرافي، في الوقت الذي هو ملزم ببعض التمرد على زوايا الإيديولوجي والعقدي المتكالبان على أفق ثقافة التوعية والتنوير عبر رهان تحرير العقل والانتصاف لروح الكائن المغتربة.

 

احمد الشيخاوي

.................

هامش :

(1)مقتطف من نص " ذات الخمار الأسود" صفحة 24.

(2) مقتطف من قصة " شطحات الثعبان الأرقط" صفحة 46/47.

* شطحات الثعبان الأرقط (مجموعة قصصية)،لأحمد العراف، طبعة أولى 2019،جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء.

* شاعر وناقد مغربي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4693 المصادف: 2019-07-12 02:58:11