 قراءات نقدية

قراءة في المجموعة القصصية (حياة سابقة) للعلامة الاديب علي القاسمي

جمعة عبد اللهيضعنا امام براعة مقتدرة في الفن القصة الحديثة، بشكل متألق من الابداع الجميل، ويأخذنا بكل شوق الى مسارات غير مألوفة، في الطرح والمناقشة، في قضايا حساسة وجوهرية وملتهبة . في معالم الكون والحياة والوجود، وعلاقتهم بالانسان، يطرحها في المنصات الرؤية الفكرية والفلسفية، التي تتناول قضايا الكون الحساسة، بحبكة سردية بسيطة لكنها مدهشة وعميقة المحتوى والمضمون، يطرحها بكل بجرأة ، من اجل استفزاز وتحريك العقل والذهن، في المناقشة الفكرية في معانيها وترميزها الدال، وهي موجهة بالصميم لاشياء الكون والحياة . تحرث في تلافيف عقيد التناسخ، او انتقال الروح من جسد الى جسد آخر، في الحياة الموازية، او الحياة السابقة، في تعاملها اليومي بالسلوك والتصرف . لذا يضعنا امام شخوص المجموعة القصصية (حياة سابقة)، بأنهم يمتلكون قوة الحدس والتنبوء، قوة المناعة في المواجهة في اشياء الواقع ومفاجأته الصادمة ، يملكون القدرة والدراية في مواجهتها . يطرحها بأسلوب واقعي بسيط ورصين، ويمتلكون المناعة في المواجهة ، يملكون رصيد من الاقناع بافعالهم وسلوكهم الانساني السوي ، لكن افعالهم تملك عمق وبعد فكري وفلسفي، ليس بالطرح البوليسي، او كما في الادب الروايات الخيال العلمي، الذي تكمن فيها جوانب الفزع والرعب، وانما بالطرح الذي يمتلك  النزعة الانسانية . لذلك يسخر الاديب العلامة خزينه الثقافي المتنوع والكبير، ويوظفه قدرته في تناول هذه الاشياء الصعبة والمتشابكة، بكل اقتدار رصين . والمجموعة القصصية تقدم شخوص متفاعلة في الحدث ومعالجته، في الانحياز الى الهموم الانسانية، بهواجسها العامة، في مسألة البحث عن الهوية أو البحث عن الذات، في جوهر الاشياء المحيطة بها . يقدمها في قوة الحجة في حكايات واقعية مبسطة في لغتها الجميلة، دون تعقيد وابهام وغموض، وانما يجعل مسارات احداثها واضحة المعنى والمغزى الدال في مدلولاته . في مناقشة مسألة استنساخ الروح، او عقيدة التناسخ . وقد تناولها القرآن الكريم، في الكثير من الآيات القرآنية ، التي تشير الى هذا الجانب، او بما يطلق عليه في علم النفس التحليلي (الحياة الموازية) او (حياة سابقة) . ونذكر بعض الآيات القرأنية التي تشير الى هذا الجانب .

1 - {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] .

2 - ((يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ).

3 - (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)

4 - (اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (يونس: 34)،

5 - ((مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ).

ومحاولة تسليط الضوء، على بعض النصوص القصصية في المجموعة (حياة سابقة) .

1 - قصة (الوهم): طالب من القرية، انهى دراسته الثانوية وحصل على منحة دراسية في الجامعة الامريكية في بيروت، ويشد الرحال الى لبنان، ويصل الى القسم الداخلي، المخصص لسكن الطلبة، ويقع حظه العاثر مع زميل شريكه في الغرفة، من اول وهلة لم يشعر بالراحة النفسية، ليس لان زميله عيناه اليسرى مطفأة او مغلقة، لكنه من اول نظرة شعر بالقلق والخوف والتوجس بأن زميله يضمر له شراً ، هكذا تراوده الشكوك، ويتخذ الحيطة والحذر، في تجنب وقوع الكارثة، لذلك يتابع خطواته بالترصد والحذر والمراقبة ، وفعلاً تحققت هواجسه وحدسه وتنبوئه، حين التفت فجأة اليه، ليجده ماسكاً السكين يهم بطعنه في الظهر، ويتفادها في آخر لحظة

2 - قصة (اللقاء): منذ عام وهو يطاردها ويترصدها في كل مكان . ويكثر من اتصالاته التليفونية، بهدف الظفر بعلاقة حب معها ، ويكشف اسراره الحياتية لها . بأنه ارمل توفيت زوجته، ولديه ابنة يرعاها بالحب الابوي، وهي تعزف على البيانو، وتواصل دراساتها العليا . ولكن يتفاجئ بكلام المحبوبة المعنية بقولها (تمنيت لو كنت والدي) وبعد سهرة مسائية تأتي معه الى البيت، واشار اليها ان تنام في غرفة ابنته وتنام على فراشها . وفي لحظات تصاعد الشهوة الجنسية للاقتحام بجواده الجاهز للاقتحام، فجأة ترأت امامه، بأن النائمة هي ابنته في السرير، فهبطت عزيمته وأنطفأت شهوته، وتركها تنام بوداعة في فراش ابنته .

3 - قصة (موعد في كراتشي): يكون من بين المدعوين في المشاركة في المؤتمر الدولي المنعقد في (بنغلادش) ويلتقي دون سابق معرفة وموعد مع البرفيسور (انو دل) كأنه هذا على معرفة حميمة سابقة، ويعرف اسمه (علي) ويقدم له هدية، مزهرية منقوشة عليها اسمه (علي) . ثم يدعوه الى المائدة المسائية في كراتتشي، فيعتذر لانه سيسافر على الخطوط الجوية الفرنسية في المساء الى باريس . ولكن البرفيسور يصر على انه على يقين سيصحبه الى كراتشي، وان موعد الطائرة، سيتأجل الى الصباح، وان الخطوط الجوية ستغير وجهة طيرانها، الى كراتشي ثم وتقلع في الصباح الى باريس ، وبالفعل تحقق التنبوء والحدس، وصحبه الى كراتشي الى المائدة المسائية .

4 - قصة (التخاطر): كان استاذاً جامعياً عمره (35) عاماً . وهي طالبة عمرها (21) عاماً اسمها (رابحة) ، ارتبط معها في علاقة حب وطيدة بهدف الزواج، لكنه تركها بكل خسة دناءة وسافر الى الخارج . وبعد تقدمه في العمر رجع الى مدينته، محملاً بالذنب والندم على فعلته الشنيعة، بترك حبيبته دون ان يلتزم بوعده بالزواج . عرفت حبيبته القديمة (رابحة) التي تزوجت وانجبت اولاد، برجوعه الى مدينته في آخر العمر ، كانت تتصل عليه على الدوام، بحجة الاستفسار عن احواله وصحته، وكذلك تقدم له التهنئة بعيد ميلاده او بمناسبة عيد الاضحى ، ويستغرب من كثرة هذه الاتصال ، ويتوجس بقلق ويقول لها:

ـ إذن، لماذا تتّصلين بي بكثرة هذه الأيام؟

  ـ تعرف، يا سليم، أنَّ في هذه الدنيا الحياة والموت.

  ـ صحيح أنا متقدِّم في السنِّ، ولكن مَن أنبأكِ بأنَّني سأموت قريباً؟

لكن المفاجأة، بأن هناك فتاة تتردد على صالة الالعاب الرياضية . فتاة تشبه (رابحة) تماماً (يخلق الله من الشبه اربعين) يطيل النظر اليها طويلاً ويتابع حركاتها وخطواتها عن كثب . وشعرت الفتاة بهذه النظرات الحرجة التي تطاردها وترصدها بتأمل طويل . فتفتح الفتاة الحديث معه، عن سبب هذا التبحلق والتحليق الطويل بها، فيقول لها بأنه عندما كان شاباً أحب فتاة تشبهها بالضبط، ويستفسر عن اسمها، فتقول بأن أسمها (رابحة) .

5 - قصة (النداء): كان على صلة حميمية مع صديقه (سيدي محمد) يقضي معه احلى ساعات المسائية بالسمر والمناقشة . بالارتباط الاخوي العميق، لكن صديقه توفى وترك جرح لايشفى وفراغاً لا يعوض، فقد شعر بصدمة الوحشة لفراق صديقه، حتى ضاقت نفسه وشعر بالغربة والوحدة الحياتية الثقيلة . وفي احدى الليالي داهمه الحلم، ليجد صديقه المتوفي، في فرح وبهجة وسرور، وترجاه ان يجمع مقالاته المبعثرة، بجمعها في كتاب واحد للنشر، ووعده بتنفيذ طلبه . وفي الصباح يرن جرس التليفون وينهض من فراش النوم، ليعرف من المتكلم، واجابه المتكلم:

ـ أنتَ لا تعرفني، يا سيدي، ولكنّني أعرفك. اسمي الخرشاف. قمتُ وبعض زملائي من قدامى طلاب الأستاذ سيدي محمد بجمع مقالاته التي كتبها بالإنكليزية عن المغرب، وترجمناها إلى العربية بقصد نشرها في كتابٍ واحدٍ إكرامًا لذكراه. ونحن نرجوك مساعدتنا في مراجعة الترجمة.

ـ سأفعل بكلِّ سرور. شكرًا، شكرًا لكم.

.................

6 - قصة (لقد سقاني قهوة): كان يعيش حالة القلق والتوجس تنتابه، من نتائج الامتحانات البكلوريا للمدرسة الثانوية، لكن أباه يطمئنه بارتياح، بأن طاف في الحلم بأنه قرأ نتائج الامتحانات في اللوحة المعلقة في المدرسة، ليجده الناجح الاول، وبالفعل ظهرت نتائج الامتحانات وكان الناجح الاول في محافظته، ويروم مواصلة دراسته في الجامعة، وعليه ان يحصل على شهادة حسن السلوك من الشرطة، وهنا تكمن صعوبة الحصول، لانه ذات يوم اشترك في مظاهرة غير مجازة، لذا عليه ان يسافر الى العاصمة، ليحصل على شهادة حسن السلوك من مديرية الامن، ويسافر مع ابيه الى العاصمة، ويجد تزاحم الناس بشكل كبير جداً، من اجل الحصول على شهادة حسن السلوك لاولادهم، حتى يكون بمقدورهم السماح بدخول الجامعة، وفي معمعة الصخب والتزاحم . يقبل عليهم رجل وقور في هيئة مهابة، في شكل سعاة القهوة . ويقول لهم (هل جئتم للحصول على شهادة حسن السلوك) يجبه الاب بنعم، فيسقيه فنجان قهوة، ويغيب دقائق معدودة ويجلب معه ورقة شهادة حسن السلوك، ويختفي في لمح البصر، ويفتشون عنه هنا وهناك، ويسألون سعاة القهوة، لا احد يعرفه، ولم يكن من سعاة القهوة، ويقول الاب بفرح وبكثير من الرضا:

ـ " لقد سقاني القهوة."

7 - قصة (حياة سابقة) التي حملت عنوان المجموعة القصصية . تحمل رؤى الحياة السابقة . كان في رحلة في الطائرة وجلس قربه الدكتور (جيمس هندرسون) متخصص في مجال علم النفس الموازي، ويحمل دورقاً زجاجياً يحمل ثلاث عينات لاشخاص كانوا في حياة سابقة، وهذه العينات:

1 - طفل بلغ السنة الرابعة، ولد بثلاث اصابع مقطوعة في يده اليسرى، واخذ يكشف عن نفسه الى عائلته، بأنه كان في الحياة السابقة، مهندساً تعرض لحادثة في العمل وقطعت ثلاث اصابع من يده اليسرى . وبعد التحري والتدقيق في هويته، يثبت حقاً صحة ادعاءاته .

2 - طفل رضيع كان يصرخ برعب وفزع، كلما دخل اباه الى محطة الوقود ليملأ خزان البنزين، ولم يهدأ، إلا بالابتعاد عن محطة الوقود، وهو في السنة الثالثة يعترض على اسمه (جوني) وانما يصر بأن اسمه (هاري) وحينما يسأله ابواه (هاري منْ ؟)، وبعد التحقيق في هويته، يظهر فعلاً ان اسمه (هاري) مدير اعمال، وابنته تدير شؤون اعماله في الشركة، ولكنه لقي حتفه وهو يملي خزان البنزين في احدى محطات الوقود، التي شبت فيها النيران واحترق فيها .

3 - الحالة الثالثة: طفل صغير اسمه (فرانكي) من عائلة امريكية يتكلمون الانكليزية فقط لاغيرها، ولكن الطفل يتكلم الالمانية بطلاقة، وحين يتحقق في هويته، يظهر، بأن بيته تعرض في الحرب العالمية الثانية في المانيا الى قذيفة صاروخية هدمت البيت وقتلت جميع افراد العائلة

 

جمعة عبدالله

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4693 المصادف: 2019-07-12 03:15:16