 قراءات نقدية

طيور الأحواز تحلّق جنوبًا.. رواية واقعية لم تنجُ من الخيال

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "أروقة" في القاهرة رواية "طيور الأحواز تحلّق جنوبًا" للشاعر والروائي الأحوازي محمد عامر الذي تندرج غالبية كتاباته الشعرية والنثرية ضمن أدب المقاومة الأحوازية. ورغم إقرار الكاتب بأنّ روايته "حقيقية الأحداث" إلاّ أنها لم تنجُ من الخيال الذي يتسرّب إلى الجملة الروائية ويمنحها نكهة خاصة تُخفّف من ثقلها الواقعي الذي تنوء به منذ مُستهل الرواية حتى خاتمتها المدروسة بعناية فائقة.

تعتمد ثيمة الرواية على المذكّرات الشخصية التي تتعالق مع بعض الوقائع والأحداث التي ارتبطت بالثورة الإيرانية التي فجّرها الخميني من منفاه الباريسي عام 1979 وأزاح الشاه محمد رضا بهلوي، وتعهّد منذ تسنّمهِ سدة الحُكم بتحقيق العدالة، وإعادة الحقوق المسلوبة للشعوب غير الفارسية كالعرب والبلوش والكُرد والأذريين لكن ما إن ترأس الشيخ محمد طاهر الخاقاني الوفد الثلاثيني وطرح مطالب الشعب الأحوازي حتى تجهّم الخميني ورفض المشروع، ووصف انتفاضة المحمّرة بالفتنة التي يجب إخمادها فورًا، وسرعان ما التقطت الأجهزة الأمنية هذه الإشارة فأغلقت المراكز الثقافية في المحمرة، وزجّت بالمحتجين والمعارضين إلى السجون والمحاكمات التعسفية التي يشرف عليها صادق خلخالي الملقب بجلاد العصر الذي أمر بإطلاق النار على عبدالرضا شفيع الكناني وحسن دغلاوي من دون أن يسألهما عن الجرم الذي ارتكباه، فلاغرابة أن تتعمّق فكرة المقاومة وتأخذ أشكالاً متعددة أبرزها المشاركة في العمليات الفدائية في عمق الأراضي الإيرانية خاصة بعد قرار تشكيل جيش تحرير الأحواز .

تتكئ الرواية على شخصيتين أساسيتين وهما محمد شفيع الكناني وصديق طفولته بدر معتوق الكعبي اللذين استقيا أفكارهما الوطنية من عبدالرضا شفيع الكناني لكن النسق السردي الذي يسير بخط مستقيم سيعتمد على بدر، الشخصية المحورية التي طوّرها الروائي بدقة وأناة، فهو وفيّ مع أصدقائه، وله علاقات اجتماعية متشعبة، والأهمّ من ذلك هو ارتباطه بقصة حُب مع زهرة، الفتاة التي تعلّق بها لكنه لم يستطع الاقتران بها لأن الموت كان يتربّص به من كل حدبٍ وصوب.

يُكلَّف بدر على مدار النص الروائي بثلاث عمليات خطيرة ينجح فيها كلها بعد التدريب المكثّف عليها، الأولى هي التسلّل خلف خطوط العدو في قاطع ميسان، الهدف منها رصد آلياته الثابتة والمتحركة، ومراقبة مواضعة الدفاعية، وتحديد مواقع المدفعية الثقيلة، وحينما أمضى خمس ليالٍ عاد وفي جعبته معلومات كثيرة. أما العملية الثانية فكانت ثُكنة عسكرية إسرائيلية في حيفا تضمّ آليات وخزّانًا كبيرًا للوقود نجح في تفجيرها وعاد إلى قاعدة انطلاقه سالمًا. وقبل تنفيذ العملية الثالثة يتم احتلال الكويت من قِبل الجيش العراقي فتتوعّد أمريكا بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة، وهذا ما حصل فعلاً بعد أربعين يومًا من القصف الجهنّمي المتواصل قبل أن تشرع دول التحالف بهجومها البريّ في نهاية شباط/فبراير 1991 لتندلع في إثره الانتفاضة الشعبانية في محافظات الجنوب كلها، وينهار جيش تحرير الأحواز بسبب الحصار الاقتصادي، ويسبّب في عودة عناصره برفقة عوائلهم إلى الأحواز باستثناء من كانت عقوبته السجن المؤبد أو الإعدام. وعلى الرغم من وجود عمليات أخرى متفرقة تستهدف دوائر المخابرات الإيرانية أو حافلات كانت تُقلّ ضباطًا من الحرس الثوري، أو مقرات للتشكيلات العراقية المُعارضة لنظام صدام حسين، إلاّ أنّ العملية الرئيسة هي تفجير مضخة "مارون 2" التي أوجعت النظام الإيراني وتسبّبت في إيقاف تصدير النفط لمدة أربعة أشهر، وسرعان ما حضر بدر معتوق إلى أذهان العناصر الأمنية المجتمعة في إقليم الأحواز، ووضعوا خطة مُحكمة للقبض عليه وهم المعروفون بنَفَسهم الطويل، وروحهم الانتقامية. وعلى الرغم من أنّ السجين كاظم ديوان كان محكومًا لمدة 35 عامًا في سجن سبيدار إلاّ أنّ المخابرات الإيرانية، التي جنّدته للتعاون معها، تُرتّب له هروبًا مُفبركًا كي يستدرج بدر معتوق ويعيده إلى الأحواز حيًّا. وبعد سنتين من البحث والتقصّي يلتقط هذا العميل الإمّعة خبرًا مفاده بأنّ بدر معتوق موجود في البصرة، فيذهب إلى هناك، ويحدّد هدفه بدقة، ويلتقيه في شتاء 2001 في سوق حنّا الشيخ في البصرة، ويسرد له قصة هروبه من السجن، وما عاناه في عبور الحدود. تعزز المخابرات عميلها بعنصرين آخرين حبكت لهما رواية الهروب من إيران التي يُحتمل أن يُصدّقها بدر ويقع في الفخ الذي نصبوه له. دعاه العميل كاظم ديوان لوجبة أحوازية ولم يترك له فرصة للاعتذار بحجة المفاجأة التي رتّبها له وهناك يُصعق حينما يرى الرائد عبدالله حمزة والسياسي القيادي غازي ضاحي. وما إن وضع اللقمة الأولى في فمه حتى شعر بالدوار وأخذ المخدّر يسري في شرايين دمه حتى سقط مغشيًا عليه، فوضعوه في تابوت معزز بشهادة وفاة، ونقلوه ليلاً في قارب صغير إلى عبادان، ومنها إلى المقرّ الرئيس للمخابرات الإيرانية في مدينة الأحواز لكنهم ما إن فتحوا الكيس حتى وجدوه جثة هامدة، وحينما استعانوا بطبيب كي يفحصه أشار إلى جُرح في يده اليمنى. "لقد حرمهم بموته من نشوة التشفّي، وأذاقهم الهوان حيًا وميتًا، وهزمهم حتى وهو مسجىً أمامهم ". فتشوا جيوبه فعثروا على وريقة فيها حساب لشقيقه الأصغر الذي اعترف جرّاء التعذيب بكل العمليات التي نفّذها بالتعاون محمد شفيع وبدر وآخرين. لم يعترف محمد شفيع فنُفِّذ به حُكم الإعدام بينما كان يردِّد:"عاشت الأحواز حرّة عربية. عاش الشعب الأحوازي الأبيّ".

لم تتزوج زهرة رغم كُثرة خُطّابها فقد كانت تحلم ببدر ليل نهار لكنها بعد ثلاثة أعوام ستوافق على الزواج وتُنجب حفنة أطفال يملؤون البيت وقد أطلقت على بِكرها اسم بدر. وبينما هي تحتضتر على فراش الموت كانت تردّد هذه الأبيات الشعرية:"بدر معتوق يا كُلّي / بدر مو بس أنا وأهلي / بدر حتى النخل يسجد له ويصلّي".

تتميّز هذه الرواية بنهايتها الفنية الجميلة على الرغم من حدثها التراجيدي فبينما كان جسد زهرة يبرد رويدًا رويدًا أغلق بدر عيناه مستسلمًا للقدر وهو مسجىً داخل التابوت وخرج بثياب بيضاء يعلو في سماء الأحواز حيث تلتقيه زهرة، ويطوفان حول المدينة الغافية، ثم يرحلان صوب النأي الأعظم.

جدير ذكره أنّ محمد عامر صدرت له رواية "الاغتيال"، وقد وضع اللمسات الأخيرة على روايته الثالثة "سبعة أيام حُب" التي سترى النور قريبًا. وهناك روائيون عربستانيون قدّموا منجزًا ملموسًا مثل عدنان غريفي، وأحمد أغايي، ومسعود ميناوي، ومريم كعبي، وصادق حسن، وسعيد مقدّم أبو شروق، وعمّار تاسائي الأحوازي وغيرهم. ولابد من الإشارة إلى أنّ هناك قصاصين وروائيين إيرانيين كتبوا نتاجهم الأدبي بالفارسية لكنهم يعيشون في إقليم عربستان نذكر منهم أحمد محمود ونسيم خاسكار وناصر تقوايي وأحمد أغايي وبرويز مسجدي وحسين رحمت وبهرام حيدري إضافة إلى كُتّاب آخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا لكن قراءة منجزهم الأدبي سيسلّط الضوء، بالتأكيد، على المجتمع العربستاني وإن اختلفت لغة التعبير والكتابة.

 

عدنان حسين أحمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4742 المصادف: 2019-08-30 01:22:28