 قراءات نقدية

قراءة في رواية (أخبار آخر العشاق) للاديب برهان الخطيب

جمعة عبد اللهيتميز الروائي الخطيب، في المهارة والخبرة في التقنية السردية، في اسلوبه الواقعي. الذي يتعامل مع الواقع برؤية وابداع في طرح الواقع الحياتي والمعاشي، والغوص في اعماق المؤثرات الاجتماعية والدينية والسياسية وتأثيراتها، وبراعة استغلال وتوظيف الزمكان في المتن الروائي. بتسليط الضوء في التجاذبات الصراع من مختلف القوى المتصارعة، في هدف الاستيلاء والاستحواذ. يرسم شخصياته بدقة متناهية، ويجعلها تتحرك وتتفاعل على رقعة واسعة في المنظور الزمكان، في الاحداث الجارية والعاصفة، والمتنقلة والمتغيرة، في دلالتها المتنوعة والمختلفة في النص السردي، رواية (أخبار أخر العشاق)، تحرث في الكشف عن تفاعلات العقلية العراقية بكل جوانب الحياة، وفي علاقتها مع البيئة والمجتمع الريفي او القروي، الذي تلعب به مختلف المؤثرات، التي تتحكم بعقليته، وتقوده الى الفعل ورد الفعل المضاد، وخاصة في الجوانب الدينية والسياسية، وعلاقته في الارض والترحال، هذه العلاقات حتى تتحكم في مصير حياته . ففي جانب المؤثرات الدينية، تلعب دوراً هاماً في عقليته، التي تسيره الخرافة والجهل، بحيث يعتقد الانسان البسيط، بأن التعاويذ والادعية والحجاب . كفيلة بطرد سم الافعى من جسم الانسان . ومن الناحية الاجتماعية، هناك انتهاك صارخ بحق المرأة، بالظلم والحيف والاجحاف . بحيث تقرر مصير حياتها، الظنون والشكوك والاقاويل، القيل والقال بثرثرتها المجة، بذريعة غسل العار . اما من ناحية التمسك بالارض والتراحل، هناك ازدواجية في التعامل المتناقض . بين التشبث الصارم بالارض، والرغبة في الترحال، او الانتقال من مكان الى آخر. او الهجرة الداخلية والخارجية (- أجدادنا عشاق ترحال تدري.. لم يكن لهم مكان ثابت .. خلقنا متنقلين مثل ذرات التراب) ص152 . اما في العقلية المحافظة، التي ترفض الجديد، او ادخال التطور في حياتها . مثل رفض شق طريق جديد في القرية، بحجة هدم خرائب البيوت. ولم يستوعبوا بأن شق الطريق سيساعد على بناء بيوت جديدة، وليس بيوت خرائب آلية للسقوط، سيدخل التطور في القرية يرفل بحياة جديدة . ويظل هذا الصراع المحتدم . حتى انتصرت عقلية التطور في نهاية الامر، ودخل الى القرية شيء جديداً لم تعهده من قبل (تتغير قريتنا كثيراً، أنابيب الماء تدخل بيوتنا، مشروع الخزان يكتمل. الطريق بيننا بين المدينة تعبد، أسلاك الكهرباء تمد) ص256 . اما من ناحية الهجرة . بعد سدت الابواب في المعاناة الحياتية في الداخل، واصبح العراق، كالنسر الجريح الذي تطارده سيارة الصيادين في الصحراء، كما جاء في بداية الرواية، يدل على الصراع القوى في مختلف اغراضهم واطماعهم، في الاستحواذ والاستيلاء، في منفعة الضيقة، او دفعه الى حروب عبثية، او مسك السلطة بالقبضة الحديدية، مما يدفع أنسان الوطن الى الرحيل والهجرة (تهاجر الطيور جماعات جماعات، يطير الجراد أسرباً أسرابا، والانسان عاشق الاستقرار يولي الادبار أحياناً لأهله والديار) ص73 . وسحر الهجرة تفعل فعلها من اجل ايجاد عشب اخضر وحياة جديدة (لم لا ... هيا نعبر الحدود ..... الى هناك ...

ويرسل بصره بعيداً الى حافة الافق .. يتنهد :

- هناك كل شيء أخضر .....) ص151 . ولكن مصيبة الهجرة في بلدان الهجرة، تضيع فيها المعايير والمقاييس . يتساوى الاخضر واليابس معاً، او النبتة الصالحة، والنبتة النتنة والفاسدة معاً . يعني بكل بساطة تتساوى سوية (القرعة وأم الشعر) يتحول العشق الى بزنس، او الى انحلال وانحطاط حتى بين أبناء البلد الواحد . ثم بعض المؤثرات الدينية الجديدة التي ادخلتها الاحزاب الدينية في حكمها القائم، هي عقلية الحواسم، تضفي عليها شرعية دينية . بحجة سرقة مال الكفار حلال وشرعاً . أو هي غنيمة حواسم . هذه الاخلاق الجديدة التي جاءت بها الاحزاب الدينية، وروجتها وطبقتها بشكل بارع يفوق الوصف . لذلك الرواية مليئة بالاحداث العاصفة، في تتبع أخبار العشاق في الزمن الصعب . وقسمت الرواية الى قسمين . القسم الاول، عشاق الفيافي وهو يضم تسعة الاخبار أو قصص قصيرة . والقسم الثاني عشاق المنافي، يضم ثمانية اخبار أو قصص قصيرة . رغم ان الرواية تضم مجموعة قصص قصيرة من الجانبين، لكنها ترتبط بنسق روائي مترابط ومتناسق بشكل واضح، وبلغة سردية شفافة، تغوص الى عمق الحدث في المتن الروائي، لذلك نتابع اخبار آخر العشاق، بشكل موجز قصير . واهم الشخوص العاشقة في النص الروائي :

1 - أحسان: المهندس، وكان منذ الطفولة يتميز بالذكاء والفطنة ومتابعة الدروس بجد واهتمام . وبعيداً عن الزعرنة الطفولية والمراهقة . مسالم في السلوك والتصرف . وعندما اصبح مهندساً تحلى بروحية العمل والاخلاص وحب الناس والعاملين، ساهم في انقاذ القرية من طوفان الفيضان . وكان يحظى باحترام وحب الناس له . هذه الخصائل حرثت في عشق الوطن وتحمل تبعياتها . بالمعاناة والوجع، من وطن تفترسه الذئاب وتقوده الى الحروب . وعندما ضاق به الحال في الوطن، اختار الرحيل والهجرة الى بلدان المهجر و هناك وجد معاناة اخرى، في ضياع المعايير، واللازمة المحبوبة للحصول على اللجوء، يدعي انه كان مناضلاً سياسياً يعاني المطاردة والملاحقة، حتى تجار البزنس، وتجار الباحثين عن المتعة الجنسية، اصبحوا مناضلين سياسيين في سبيل الوطن، واخلاقهم وسلوكهم تحرث في الاعمال غير الشرعية والقبيحة في السلوك، في الغربة تساوت القرعة وأم الشعر سوية، وفي نفس الكيل والمعيار الواحد، بحجة البحث عن الجنة في بلدان المهجر . بينما الوطن المستباح يعاني من لعنة الحروب (تبهدلنا في الغربة، القرعة وأم الشعر منا فيها سواء، لا يتركوننا نعمر بلدنا يحركون غرور زعماء، أطماع أتباع، يثيرون الحروب ونتشرد) ص267 .

2 - شتيوي ومشتهاية: الراعي الفقير. يرعى في قطيع الشيخ ضاري الاقطاعي، دأب في محاولاته التقرب من (مشتهاية) في الحب وان يقنعها بالزواج الحلال والشريف، بدون الاحتيال، لكنها تحاول ان تتملص منه بذريعة أنه فقير لا يملك شيئاً (لا حلال ولا مال ولا سقف عندك، تريد ذياب أبوي يوافق ؟) ص118 . لكنه لم ييأس في محاولاته حتى يظفر بالزواج منها . وعند مخاض الولادة تموت، ويخرج الجنين سالماً، ويسمى (حسان)، لم يقتنع في تغيير المكان والرحيل عن القرية . من اجل طفله، ويعتقد بقناعة، أن الفقير في كل مكان بلا سند . ويكون غريباً ويتيماً في كل مكان . لكنه بعد ذلك يتزوج من أمرأة لديها بنت (حسنة) بعمر ابنه (حسان) .

3 - غضبان ورمزية: أبن الشيخ ضاري الاقطاعي، وعند زواج ابيه من أمرأة اخرى، كف ان يصرف عليه ويقدم الدعم المالي له، مما اضطر الى ترك المدرسة ويشتغل عامل في الفحم، ويتبنى الافكار الثورية المناهضة للاقطاع والاستغلال، يصبح ثورياً متمرداً على المجتمع وتقاليده . يرتبط بعلاقة صداقية مع (احسان) منذ الطفولة . وبسبب افكار الثورية المتمردة، يعاني المطاردة والملاحقة والاضطهاد من رجال الشرطة . لكن معاناته تجعله يستمر في مواصلة طريق النضال . يقع في حب وعشق الغجرية (رمزية) وتبادله نفس العشق والحب، حتى هي تتمرد على عادات الغجر، ان تكون نساء الغجر للكيف والطرب والرقص، ويحاول ابيها تبرير تمردها بأنها مجنونة (- لا تهتموا للبنت رمزية تراها مجنونة .... أنا حالف برأس والدي غير بناتي لا ترقص واحدة تحت سقف هذي الخيمة.. لكن عجيب .. الزلم عشاق الطرب تحبها.. دق يا أعور) ص172 . وتتمنى (رمزية) ان تهرب مع (غضبان) الى الولاية، لتتخلص من حياة الغجر . ولكن (غضبان) لا يريد ان يترك قريته، ويتردد في الموفقة في أزدراء . عناد العاشق (- تريدين ننزل الولاية ... نسلم حالنا يد المدينة .. تحبسنا بيوت طابوق.. نمشي شوارع رفيعة حد السيف ... أضيع رمزية وهذا الهوأ) ص179 . . وفي احدى مطارات رجال الشرطة له، يطلقون في اتجاهه وهو ينهزم منهم، لكن الرصاص يلاحقه، ويقال قتل، حين رجع حصانه وحده، وتضيع اخباره . ولكن عندما يلتقي (حسان) في بلاد المهجر بالمهندس (أحسان) حينما سأله عند صديق وزميل مدرسته (غضبان) يجيبه بأنه يقال عن ابن الشيخ ضاري بأنه (قتل دفاعاً عن مطار بغداد أيام غزو تخوم الالفين) ص277 .

4 - حسان وحسنة : بينهما حب وعشق خفي، فهي أبنة زوجة ابيه، وفي نفس العمر . يجدان في خلوتهما الانسجام والتودد . وكانت ترافقه ولا تتخلى عنه في رعي الاغنام،ولكن هذه الخلوة تناوشتها القيل والقال والظنون المريبة، بالفعل الفاحش بينهما (لولاها لا يجد حسان، مكاناً لخلوته الاثمة مع حسنة، وهي مثل أخته

- روح تصيبها لعنة العشق قل عليهما السلام، تنسخ شياطينها في ذريتها .

- لا عجب، لحقولنا بساتيننا من حكايات الحب ما لطلع نخيلها قبل الرطب ......

- فما ذنب الهرية .. وأي جديد من حرام بها يلصق أو منها ينبق !) ص196 . لذلك صارت خلوتهما مرتع للاكاذيب والخيالات بشى النعوت البذيئة . بأن فعل الحرام وقع لا ريب بينهما . وتحت ضغط الظنون المريبة، تطلب منه (حسنة) ان يهربان سوية . قبل ان يقع المحظور على رأسهما، لكنه يريد الهرب بنفسه من دونها، لذلك تقول له (- لا تصدق خوفي عليك .. والله تعمى عيوني من البكاء لو تترك ديرتنا) ص220 . وبالفعل يهرب بمفرده، ويتركها علكة لظنون والشكوك، بأنه هرب بعدما فعل الخسة الحرام، وخوفاً من الفضيحة هرب . التي ارتكبها في نشوة العشق الحرام، ولم تستطع (حسنة) تحمل هذه الضغوط، التي تلوح بالسيف فوق رقبتها . وجدت نفسها في محنة عويصة لا تطاق، لذلك هربت، ولكنها لم تجد الشفيع الذي ينقذها، فرجعت وكان السيف لها بالمرصاد لغسل العار، وهذا ما حدث فعلاً . ولكن بعد رجوع (حسان) الى القرية، اصيب بالصدمة الحزينة على مقتل (حسنة) . واعتكف بعيداً عن الناس، يناجي حزنه ومعاناته، صوب النهر، يتطلع اليه عسى ان تظهر حسنة، وتسكن اوجاعه واحزانه، التي استسلم لها . وبعد ذلك ضجر وجزع من الحياة، لم يعد أمامه، سوى الهجرة . وحين يلتقي بالمهندس (أحسان) يذكره بأن ابيه اعطاه اسم (حسان) تكريماً واحتراما لاسمه .

هذه أخبار آخر العشاق، سواء عشاق الفيافي، او عشاق المنافي .

 

× الكتاب : رواية أخبار آخر العشاق

× المؤلف : برهان الخطيب

× الطبعة الاولى : القاهرة عام 2017

عدد الصحات : 288 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم
تحياتي لجهدكم النقدي الرائع ... روايات برهان الخطيب تستحق كل التقدير والمتابعة والانارة
دمتم للثقافة والادب

حميد الحريزي
This comment was minimized by the moderator on the site

هذه الشهادة اعتز بها . من اديب وناقد قدير , له خبرة وتجربة طويلة
شكراً من القلب

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4749 المصادف: 2019-09-06 04:42:54