 قراءات نقدية

البنيوية التكوينية والنقد الروائي بالمغرب

صلاح الدين اشرقي.. حميد لحمداني أنموذجا

مقدمة: يعد المنهج الاجتماعي من أهم المناهج النقدية الأدبية الغربية الحديثة، ويرتكز هذا المنهج على فكرة محورية مؤداها أن العلاقة بين الأدب والواقع هي علاقة آلية ميكانيكية  فالأدب ـ من منظور المنهج الاجتماعي ـ هو تعبير مباشر عن القضايا الاجتماعية، فهو لا يؤمن بالكيفية التي يعالج بها الأدب الواقع وإنما ما يهمه فعلا المعطيات السوسيولوجية التي يعكسها الأديب، فهو منهج كمي مضموني، وعليه فإنه يقصي أهم خاصية تميز الأدب وهي عالمه الفني التخييلي أي إنه يلغي الجانب الكيفي، فهو يبعد مختلف المقاييس الجمالية من ميدان أبحاثه، وبالمقابل يدعو إلى التركيز على الفعل الاجتماعي لأنه هو الأصل في المنهج الاجتماعي. أما الأدب فوظيفته ثانوية تتمثل في اجترار وتكرار الأحداث الاجتماعية، وعليه فإن الأدب، مع المنهج الاجتماعي، يتجرد من خاصيته الجمالية ليصبح ظاهرة اجتماعية صرفة؛ لأن المنهج الاجتماعي التقليدي يرفض تدخل الذات في وصف وتحليل الظواهر الاجتماعية، لذا فإن هذا الرفض يؤدي إلى انتفاء التجديد وغياب الإبداع، غير أن هذا المنهج العام تفرعت عنه مجموعة من التيارات والاتجاهات التي تختلف في نظرتها إلى الطريقة التي بها يعالج الأدب الواقع، ومن بين هذه الاتجاهات نجد الاتجاه البنيوي التكويني، والذي يرجع إليه الفضل في ابتكار هذا الاتجاه، هو" لوسيان غولدمان " الذي انطلق من بعض أفكار لوكاتش إلا أنه أقام عليها تعديلات كثيرة كما أنه ابتكر تصورات ومفاهيم جديدة أدت إلى تشكيل ما يسمى "بالبنيوية التكوينية"، وقد جاءت أطروحات غولدمان في أعمال متفرقة من أبرزها كتاب من أجل سوسيولوجية الرواية سنة 1964م، وكتاب الإله الخفي سنة 1976م والأساس الذي يقوم عليه عمل لوسيان غولدمان هو دحض نظرية الانعكاس، وقد جاء غولدمان ببديل لهذه النظرية ويتجلى في فكرة مركزية مفادها أن العلاقة بين الأدب والواقع ليست علاقة مباشرة وإنما تمر عبر البنى الذهنية، غير أن الجديد الذي جاء به غولدمان هو مفهوما الفهم والتفسير، فانطلاقا من هذين المفهومين يتأسس مشروع لوسيان غولدمان، وبهذه الأفكار الجديدة ظهر المنهج البنيوي التكويني ليعبر عن مستوى متقدم بالنسبة للاتجاهات الاجتماعية السابقة.

ـ مفاهيم البنيوية التكوينية

ـ مفهوم البنية الدالة

يعتبر مفهوم البنية الدينامية الدالة من أهم المفاهيم التي تشكل الأساس النظري لأطروحات لوسيان غولدمان في البنيوية التكوينية، ويتأسس هذا المفهوم على فكرة محورية مفادها أن الأعمال الأدبية تحتوي على أبنية دلالية كلية، إذ نجد دائما في أي عمل أدبي فكرة عامة تتواتر باستمرار كلما انتقلنا من فقرة إلى أخرى، وهذه البنية تختلف من عمل إلى آخر، وتعتبر الكلية من الخصائص المميزة لأبنية الأعمال الأدبية، لذا فإن الظاهرة الأدبية ـ من منظور البنيوية التكوينية ـ يجب أن تُدرس في شموليتها، إذ لكل عنصر في بنية النص الأدبي وظيفته المنوطة به، لذا فإن إهمال أي عنصر من هذه العناصر يؤدي إلى كسر وحدة النص الأدبي، وهذا يوحي لنا ـ ضمنيا ـ أن مفهوم البنية الدالة كما نظر إليه غولدمان يسعى إلى خلق وحدة داخلية بين مكونات النص، وعليه فإننا لسنا بإزاء بنية شكلية اعتباطية، بل نحن أمام بنية تحمل دلالة معينة، وذلك ـ وبحسب تعبير لوسيان غولدمان ـ "أي سلوك بشري هو محاولة لإعطاء إجابة دالة لوضعية معطاة"، "غير أن هذا المفهوم يفسح المجال لبعض الأسئلة التي لا تحمل صفة تقنية خالصة، مثل: ما هو بالتحديد مفهوم البنية الدالة؟ هل هناك نظرية للدلالة (...) تسمح بتعريف هذه البنية الدالة في نص أدبي أو فلسفي "، وقد حاول غولدمان الإجابة عن هذا التساؤل من خلال كتاباته الأولى، إذ سعى إلى إنشاء تصور شامل حول النُّظم والأنساق الداخلية للأعمال الأدبية إلا أن هذه المحاولة لم تنجح بشكل دقيق، وذلك لأن الاقتراحات التي قدمها لم تقتصر على الجانب الأدبي فقط، بل استهدفت جميع أنواع النتاج الثقافي (الأدبي والفلسفي)، وقد كان غولدمان واعيا بهذه الفجوة التي من شأنها أن تُقلل من نظريته وتفسح المجال أمام الانتقادات، وهذا ما جعله يتقدم خطوة إلى الأمام من أجل تجاوز هذا النقص من خلال ما أسماه بـ "البنيات الصغرى" في كتابه " البُنى الذهنية والإبداع الثقافي "، فقد حاول تتبع البنيات الدقيقة في كل جملة لإبراز إشاراتها ودلالاتها الصغرى بالتفتيش في نسقها البنيوي، وقد كان لهذا البحث نتائج مهمة من الناحية المنهجية خاصة في تحليل غولدمان لمقاطع من مسرحية "الزُّنوج" لـ "جون جنيه" .

على الرغم من أن البنية الدالة تخلق وحدة بين العناصر الداخلية للنص الأدبي، إلا أنها تختلف بشكل واضح عن مفهوم البنية في البنيوية اللغوية أو الشكلية، ويتجلى هذا الاختلاف أساسا في إقصاء البنيوية اللغوية للذات في إحداث التناسق الباطني للنص الأدبي وفي إعطاء هذا النص دلالة، مما يؤدي إلى إلغاء التاريخ وإقصاء الوظيفة، فتصبح البنية اعتباطية لا تحمل أي معنًى، أما غولدمان فقد ربط البنية بالذات الفاعلة، مما أدى إلى الانتقال من شكلية البنيوية إلى توليدية البنية، فقد استطاع لوسيان غولدمان أن يُقلص من الطابع التجريدي للبنية كما كانت عليه في البنيوية، إذ تميزت بالانغلاق على النص، لكن في البنيوية التكوينية تحولت إلى بنية دينامية ومرنة، فهي ناتجة عن السلوك البشري الذي يحمل موقف معين يحاول الدفاع عنه، وعليه فإن البنية تابعة لموقف الذات (الأديب) فإذا استقر هذا الموقف استقرت معه البنية، وكلما تغير فإن البنية تتحول وتتغير، وربط غولدمان البنية بالذات يقتضي ـ ضمنيا ـ انفتاح بنية النص الأدبي على بنية أعم وأشمل وهي البنية الاجتماعية، لأن الذات الفاعلة هي جزء من المجتمع، وعليه فإن البنية الأدبية ـ مع لوسيان غولدمان ـ أضحى لها وظيفتين: الأولى مرتبطة بالنص الأدبي وتتمثل في الانسجام الذي تحدثه بين مكونات النص، والثانية لها علاقة بما هو خارج عن النص، أي بالبنية الاجتماعية، فقد نظَر غولدمان إلى البنية من زاوية مزاوجتها للوحدة والتنوع في آنٍ، والبنية الدالة تشرح لنا مفهوم البنيوية التكوينية، إذ من جهة تؤدي دورا بنيويا يتجلى في وحدة عناصر النص، ومن جهة ثانية فهي تُمثل الجانب التكويني من خلال انفتاحها على البنية الاجتماعية.

  ـ مفهوم الرؤية إلى العالم

يعتبر هذا المفهوم جوهر نظرية لوسيان غولدمان، ومن خلاله تم تجاوز العلاقة المباشرة الآلية بين الأدب والواقع، وأُنتجت رؤية جديدة حول طبيعة هذه العلاقة، تتجلى أساسا في عقد تماثل بين البُنى الأدبية والبُنى الاجتماعية، والرؤية إلى العالم هي ذلك التصور الذهني الذي يصور به المبدع إبداعه، فهي تسبق عملية تحقق الإبداع، وهي كذلك الفلسفة والطريقة التي يحس ويرى بها الأديب إلى القضايا المحيطة به، ومن أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في هذه الرؤية الانسجام والتناغم مع رؤى وتطلعات الجماعات الاجتماعية، إذ يجب على المبدع ـ في تأمله للواقع الاجتماعي ـ أن لا ينطلق من ذاته فقط، بل عليه أن يحاول إقحام قدرا مهما من أفكار وآمال مختلف أفراد المجتمع، وذلك باعتبار الأديب لسان ناطق باسم الجماعة وبكل ما يحيط بهذه الجماعة من مشاكل وآمال أيضا، إلا أن هذا الانسجام الذي يفرضه مفهوم الرؤية إلى العالم على علاقة الفرد بالجماعة ليس انسجاما أو تلاحما ميتافيزيقيا مجردا، وإنما هو عبارة عن نسق فكري وذهني يحاول أن يعالج بعض القضايا الموجودة في الواقع، وبما أن هذا التصور يرتبط بالجانب الاجتماعي، فإن درجة التجريد فيه تتقلص، فلو كانت هذه الرؤية مستقلة عن الواقع ومرتبطة بالتصورات الذهنية فقط لقلنا عنها بأنها تصور مجرد ومعقول، لكن ما دام أنها حريصة الارتباط بالعوامل الاجتماعية والتاريخية فإنها تتطرق أيضا إلى الأحداث الملموسة المادية، لذلك يمكن القول بأن هذا التناسق الذي يقترحه غولدمان هو تناسق مجرد وملموس في آن، مجرد بالنظر إلى الرؤية الذهنية التي ينظر بها الفرد إلى الجماعة، وملموس بربط نظرة الفرد بالجماعات الاجتماعية تجريبيا، أي عمليا وواقعيا، والهدف من هذا الربط تحقيق التوازن بين البنية الذهنية للمبدع والبنيات الذهنية للجماعات الاجتماعية، ويظهر هذا في قول غولدمان: " كل توازن بين البنيات الذهنية للفاعل من جهة والعالم من جهة أخرى، يوصل إلى وضعية يمكن فيها للسلوك البشري أن يغير العالم، فيجعل هذا التوازن القديم ناقصا، ويدفع بالتالي إلى إيجاد توازن جديد "، ويتضح من خلال هذا القول أن " تغيير العالم " يستدعي التوافق بين قضايا الأديب وبين قضايا مختلِف فئات المجتمع، نظرا لانتماء الأديب إلى نفس المجتمع، وعليه فإن مبدع الرؤية إلى العالم يتخذ طابعا جماعيا، ويقول غولدمان في هذا الصدد ـ متحدثا عن الفكر ـ بأنه: " ليس سوى مظهر جزئي من واقع أقل تجريدا : هو الإنسان بكليته، وهذا الإنسان ليس سوى عنصر جزئي من مجموعة هي الطائفة الاجتماعية، وكل فكرة وكل أثر لا يكتسب دلالته الحقيقية إلا عند دمجه في مجموع حياة معينة ومجموع تصرف معين " ، لكن على الرغم من ذلك فإن دور الأديب مهم في خلق هذا التصور (الرؤية إلى العالم)، ويتمثل في الصياغة الفنية للأعمال الأدبية التي تنقل الرؤية من مستواها التجريدي إلى مجالها الملموس المادي، بمعنى أن تلك الخصائص الفنية التي يوظفها المبدع في عمله الأدبي، هي التي تعبر عن أقصى ما تطمح إليه الجماعة، وذلك بواسطة الكتابة، أي أنها تنقل  التصورات الذهنية من التفكير إلى التعبير، فكلما كانت هذه الوسائل الجمالية منسجمة كلما أدى ذلك إلى اكتمال شكل رؤية العالم، وكلما أدى أيضا إلى التعبير عن آمال ومطالب الجماعات الاجتماعية.

من أهم مكونات الرؤية إلى العالم هما "الوعي الكائن" و"الوعي الممكن"، فما يجمع بين الطبقات الاجتماعية هو إحساسهم بالظرفية الاجتماعية المزرية التي يمرون بها في الحاضر وسعيهم إلى إيجاد حلول لهذه المشاكل في المستقبل ، ويمكن القول بأن الوعي الكائن هو وعي تجريبي وواقعي يهتم بما هو ملموس ومادي، وهو ليس وعي ثابت وإنما متحرك ودينامي يتولد عنه وعي ممكن، وهو وعي ذهني افتراضي لأنه مرتبط بزمن لم يصل بعد وهو المستقبل؛ وعليه فإن هذا الوعي يبقى مجرد أمل قد يتحقق وقد لا يتحقق، إلا أن حضوره في الرؤية للعالم يعتبر أمر ضروري فهو جوهر هذه الرؤية، وهو الذي يبرز الغاية منها وهو تجاوز التوازن القديم وإيجاد توازن جديد.

ـ مفهوما الفهم والتفسير

إن مفهوما الفهم والتفسير يعتبران من أهم الخطوات المنهجية التي حددها لوسيان غولدمان في بنيويته التكوينية؛ ذلك لأنهما يقومان بدور كبير في دراسة العمل الأدبي في جانبيه الجمالي الشكلي (الفهم) والاجتماعي المضموني (التفسير).

ـ أولا: مفهوم الفهم

يرتبط هذا المفهوم أساسا بدراسة العمل الأدبي في ذاته ووصف عناصره وبنياته وكذا العلاقات الأساسية التي تتشكل البنية من صيرورتها، فلوسيان غولدمان ينص في مرحلة الفهم على فصل العمل الأدبي عن علة الوجود أي عن المعطيات الاجتماعية والتاريخية والسياسية والإيديولوجية، لكن هذا الفصل متعلق بمرحلة الفهم فقط، وعليه فإن الناقد في هذه المرحلة موجه نحو الاهتمام بالنص ولا شيء سواه والبحث عن كل ما يساعد في إنتاج المعنى العام لهذا النص، وهذا لا يتحقق إلا باستخلاص بنيته وذلك من خلال تتبع كل جزء من أجزاء البنية ثم دراسة العلاقات التي تربط بين الجزء والكل وهذا لا يتم إلا بمقاربة داخلية ومحايثة للنص أي من خلال التفتيش في نسقه البنيوي، وبهذه الخطوات يتمكن الناقد من استنباط المعنى العام للنص ومعرفة مدى التحام أجزاء النص بعضها ببعض وإدراك دور هذا الالتحام في تشكيل البنية الدالة للعمل الأدبي، فتحليل أي عمل أدبي يجب أن يتجه في المقام الأول إلى بنية العمل الداخلية وفهمها، لأن الغاية من مرحلة الفهم ـ حسب غولدمان ـ هي إبراز البنية الدالة للعمل الأدبي، وعليه فإن أهم مبدأ يقوم عليه مفهوم الفهم هو مبدأ "المحايثة"، فمن خلال هذا المبدأ استطاع لوسيان غولدمان أن يتجاوز "السوسيولوجيا المبتذلة" كما يسميها والتي تعتمد في دراستها للأعمال الأدبية على المعطيات الخارجية التي أدت إلى إنتاج هذه الأعمال دون الالتفات إلى خصوصيتها باعتبارها قائمة أساسا على تشابك وترابط وانسجام مجموعة من الأجزاء والعناصر بعضها ببعض وهذا ما يمنحها قيمة فنية وخصوصية ذاتية.

إن الدراسة الداخلية أو المحايثة تختلف بين "المنهج البنيوي اللغوي" وبين "البنيوية التكوينية"، فالمنهج البنيوي التكويني يكتفي بالإشارة إلى ضرورة الاهتمام بالنسق الكلي للنص دون أن يمتلك وسائل إجرائية لدراسة هذا النسق، ولوسيان غولدمان نفسه في دراسته لبعض النماذج الروائية "لأندريه مالرو" في كتابه " من أجل سوسيولوجية الرواية " وظف في مرحلة الفهم المبادئ المنطقية العامة للتفكير، مثل: (المقارنة، الانسجام، التناقض.....) وعليه فإن الناقد البنيوي التكويني في فهمه للنص الأدبي يلجأ كثيرا إلى ذوقه وحدسه بخلاف ما نجد في البنيوية اللغوية إذ إن النقاد الذين ينتمون إلى هذا المنهج يوظفون قواعد محددة في دراستهم لبنية النص الأدبي، لذلك فإن الدراسة التي يدعو إليها غولدمان في مرحلة الفهم هي دراسة " حدسية " وليست دراسة "علمية " مثلما نجد في البنيوية اللغوية، ومهمة الناقد في مرحلة الفهم هو البحث عن الطرائق والسبل التي توصله إلى استخراج بنية النص وذلك من خلال تتبع كل عنصر من عناصر النص ومحاولة جمع أكبر قدر من المقولات المتواترة في النص من أجل الوصول إلى البنية العامة، وبما أن الهدف من مرحلة الفهم هو إبراز البنية الدالة فإن الناقد لا يجب أن يعطي أهمية خاصة للنوايا الشعورية للمؤلف، بمعنى أنه لا ينبغي أن يهتم بالعوامل الخارجة عن النص بل يجب عليه أن يدرس البنيات الداخلية للنص وأن يتحرى درجة الانسجام والتوافق أو الوحدة النوعية فيها، أي إعطاء الأولوية في مرحلة الفهم للعناصر التي تميز الفعل الأدبي كالخصائص التعبيرية واللغة وكذا الأسلوب البنائي وكل ما له علاقة بالبناء الداخلي للنص الذي أُهمل من قِبل السوسيولوجيا التقليدية، لذا يمكن القول بأن الفهم درس أدبي؛ لأنه ملازم للعمل الأدبي ومتعلق به ولأن وظيفته الكشف عن مميزات النص الداخلية التي تجعله مستقل بشكل نسبي عن العالم الخارجي، فالدراسة البنيوية التكوينية لا تقف عند مرحلة الفهم فقط بل إن هذه العملية تعد خطوة أولى لمرحلة لاحقة وهي مرحلة التفسير، بمعنى أن الفهم ليس إجراء مستقل بذاته وإنما هو منفتح بطريقة جدلية على خطوة ثانية يحتاج إليها الفهم وهو التفسير، فتلك المقولات المتكررة في النص التي تستخلص من مرحلة الفهم ناتجة عن البنيات الذهنية التي تشكل في نظر غولدمان ظواهر اجتماعية وليست ظواهر فردية، لذلك فإن فهم هذه المقولات لا يكتمل بالدراسة المحايثة للنص فقط بل يجب ربط هذه المقولات المتلاحمة بالعوامل الخارجة عن النص التي أدت إلى إنتاجها، وهذا لا يتحقق إلا بواسطة بحث على غرار البحث البنيوي التكويني، وقد استطاعت البنيوية التكوينية من خلال مفهوم الفهم أن تعيد الاعتبار للأعمال الأدبية حيث نظرت إلى بنيات هذه الأعمال من زاوية جمالية وفنية أي أنها دخلت إلى أعماق هذه الأعمال ولم تكتف بالجانب السطحي فقط كما فعلت من قبل النظريات السوسيولوجية التقليدية، مثل نظرية "الانعكاس".

 ـ ثانيا: مفهوم التفسير

إن الهدف الأساسي من هذا المفهوم هو إبراز ما للمجتمع من دور في صياغة المجال الأدبي أي أن دوره متعلق بالعوامل الخارجية التي أدت إلى إنتاج العمل الأدبي، وتعتبر هذه العوامل في نظر لوسيان غولدمان " البنى الشاملة التي تحلل صيرورة البنى الجزئية "  والناقد في مرحلة التفسير وبعد أن استخلص البنية الدالة للنص من خلال مرحلة الفهم يجب عليه أن يُدرج هذه البنية ضمن بنيات أوسع وأشمل تتضمن البنية الأدبية وهي البنى الاجتماعية بمعنى يجب أن ينظر إلى البنية الأدبية باعتبارها وظيفة لبنية اجتماعية أوسع منها، والتفسير يُمكن الناقد البنيوي التكويني من الوصول إلى الدلالة الموضوعية للبنية الأدبية من خلال ربطها بالعوامل الخارجية التي أنتجتها، لكن هذا لا يعني السقوط في الانعكاس الآلي، كما هو الشأن في المنهج الاجتماعي في شكله الماركسي، لأن العلاقة بين البنية الأدبية والبنية الاجتماعية ـ بحسب غولدمان ـ ليست مادية ملموسة بل " تمر عبر البنيات الذهنية " وهذا هو جوهر الاختلاف بين البنيوية التكوينية والاتجاهات الاجتماعية السابقة، وبما أن لوسيان غولدمان تجاوز هذه الاتجاهات فإن نظرته إلى تفسير النصوص الأدبية تختلف، فنظرية الانعكاس كانت ترى أن البنى الاجتماعية هي التي تحدد ماهية البنى الأدبية لكن دون أن تكون هناك دراسة داخلية لبنيات النصوص الأدبية وذلك لأن هذه النصوص هي مجرد استنساخ وانعكاس آلي للمجتمع، في حين أن غولدمان يدرس أولا البنى الأدبية ثم بعد ذلك يمر إلى مرحلة التفسير من أجل الإجابة عن سؤال ما هي الأسباب التي أنتجت البنى الأدبية؟

إن التفسير هو محاولة لإلقاء الضوء على البنية الأدبية من خلال مقارنتها مع إحدى بنيات رؤى العالم الموجودة لدى الطبقات القائمة في المجتمع وذلك بهدف إثبات مظاهر التماثل والانسجام بين البنيتين الأدبية والاجتماعية، وما ينتج عن هذه المقارنة بين البنيتين أن الصلة بين الإبداع والمجتمع ليست مباشرة ولكنها تمر عبر البنى الذهنية، ومن خلال مرحلة التفسير تكتمل معالم الدراسة البنيوية التكوينية؛ لأنه يُمَكِّن الناقد من إدراك التناظر والتماثل بين البنية الأدبية والبنية الاجتماعية وكذلك معرفة كيف يتم توليد البنية الأدبية عن طريق البنية الأعم وهي البنية الاجتماعية، وبما أن غولدمان يرى بأن التفسير مرتبط بما هو خارج عن النص، فإن وظيفته الأساسية هو البحث عن الفاعل فردا كان أو جماعة وهو في الإنتاجات الثقافية ـ حسب غولدمان ـ يكون دائما جماعي، وهذا يحيلنا على أن الناقد لا يجب أن ينطلق في تفسيره للنصوص الأدبية من نوايا الفرد بل يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار الجماعات الاجتماعية باعتبارها هي المبدع الحقيقي للنص، وعليه فإن تفسير البنية الدالة لا يكون إلا اجتماعيا في نظر لوسيان غولدمان ؛ لأن العمل الأدبي هو أولا وقبل كل شيء نوع من الإشباع الفكري والفني لتطلعات الطبقات الاجتماعية لذلك فإن الناقد في شرحه للعمل الأدبي يجب أن يلجأ إلى هذه الجماعات، وعليه فإن التفسير ـ بوصفه خطوة أساسية في تحليل النص من الخارج ـ هو الذي يؤكد انتماء منهج لوسيان غولدمان إلى سوسيولوجيا الأدب، لكن يجب التنبيه إلى شيء مهم هنا وهو أن التفسير لا يستنفد النتاج؛ لأن العمل الأدبي في نظر البنيوية التكوينية لا يُستنفد بالتفسير أو بالفهم وإنما يكتمل بهما معا، ومن هنا يتبين مدى ارتباط مفهوم الفهم بمفهوم التفسير إذ لا يمكن الفصل بينهما؛ لأن " التعريف بالموضوع المراد تفسيره يتعلق بالفهم كعمل أولي، ومن جهة أخرى يصبح الفهم شبه مستحيل دون وجود عدد معين من المعطيات السوسيولوجية "، وقد عبر لوسيان غولدمان عن وحدة المفهومين والعلاقة التكاملية التي تربطهما حين قال: " إن التفسير والفهم ليسا عمليتين ثقافيتين مختلفتين بل عملية واحدة ترد إلى إطارين مرجعيين "، غير أن ما يجب الإشارة إليه هنا أن كيفية توظيفهما في دراسة العمل الأدبي تختلف، فالفهم هو دائما محايث للنص يتعلق بدراسة البنى الداخلية للعمل الأدبي، في حين أن التفسير يهتم بدراسة العوامل الخارجية التي أنتجت النص أي أنه دائما خارج عن العمل الأدبي.

ـ البنيوية التكوينية في النقد الروائي بالمغرب

ـ حميد لحمداني: (الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي)

من أهم التجارب النقدية المغربية التي تَمثلت البنيوية التكوينية، كتاب حميد لحمداني "الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي"، وقد سوَّغ لحمداني اختياره للبنيوية التكوينية منهجا لدراسة الرواية المغربية، في قوله بأن: " المنهج البنيوي التكويني يعبر عن مستوى متقدم بالنسبة للمناهج السابقة في فهم يقترب من الروح العلمية لطبيعة العلاقة الموجودة بين الإبداع والواقع الاجتماعي والإنساني، وأنه يستوعب جل جهود أنماط النقد الأدبي المعاصر بما فيها الاتجاه البنيوي الحديث، ويترك نفسه مفتوحا على إمكانية الاستفادة من الدراسات الجمالية التي تهتم بالبنى الداخلية للأعمال الأدبية "، ومن خلال هذا النص يتضح لنا أن للحمداني تصور خاص للبنيوية التكوينية، حيث يعتقد أنها قابلة للانفتاح على مناهج ونظريات أخرى وخاصة النظرية البنيوية.

يتضح تمثل حميد لحمداني للبنيوية التكوينية من خلال أربع نقاط أساسية حددها لوسيان غولدمان في كتابه " من أجل سوسيولوجية الرواية "، غير أن هذه المرتكزات وإن كانت تحيل بشكل ضمني إلى منهجية غولدمان إلا أنها في الواقع لا تشكل سوى عنصر جزئي من الخلفيات والمبادئ العامة التي ترتكز عليها البنيوية التكوينية كما حددها لوسيان غولدمان، وهذه المرتكزات هي كالآتي:

ـ أولا: أن الأدب يمثل وعيا جماعيا، أي أنه يضم مجموعة من الطبقات الاجتماعية التي تتطلع إلى تحقيق التوازن في وعيها الكائن، وهذا يستدعي القول بأن الأدب هو تعبير عن درجة عالية من الانسجام بين طموحات الفئات الاجتماعية التي منها يصوغ المبدع رؤيته إلى العالم.

ـ ثانيا: أن الصلة بين الإبداع والواقع ليست مباشرة وإنما تمر عبر البنى الذهنية، وهذا يتطلب أن تكون البنيات الأدبية الدالة مناظرة للبنيات الذهنية الجماعية، ومن هنا تتجلى أهمية مفهوم التناظر أو التماثل في الحد من السيطرة المطلقة للمجتمع على الأدب.

ـ ثالثا: أن الرؤية إلى العالم ليست من ابتكار الفرد وإنما من إبداع الجماعة وذلك نظرا لما تتطلبه هذه الرؤية من مجهودات ذهنية كبيرة، ولهذا السبب يشترط أن يكون هناك انسجام بين المبدع والجماعة التي تنبثق منها هذه الرؤية.

ـ رابعا: أن الإنتاج الأدبي يحتوي على وعي جماعي وهذا الوعي يتم إعداده ضمن السلوك الشامل للأفراد المشاركين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية....، بمعنى أن هذا الوعي ناتج عن تشابك وترابط مجموعة من الأوعية الفردية التي تنتج لنا وعيا جماعيا.

إن الطريقة التي نقل بها لحمداني هذه المرتكزات هي طريقة تقوم على أساس النقل الحرفي، كما أن الصياغة اللغوية لهذه الأفكار أفقدتها الكثير من المعاني التي قصدها لوسيان غولدمان، فصحيح أن لحمداني بهذه الطريقة حاول أن يتصرف في النص الأصلي وفقا لفهمه الخاص إلا أن هذا التصرف لا يجب أن يكون تعسفا على النص الأصلي.

إن سوء التصرف الصادر عن لحمداني ناتج عن أخطاء في الترجمة وهذا راجع أيضا إلى سببين وهما الحذف والتحريف، فبالنسبة للحذف فكثيرا ما لجأ الناقد إلى حذف بعض الكلمات التي تحمل دلالة خاصة في نص غولدمان، ومن مظاهر الحذف التي مارسها في كتابه مثلا أن لوسيان غولدمان يتحدث في نقطه الأربعة التي وظفها لحمداني عن وعي جمعي واقعي ومعطى، في حين أن الناقد لحمداني حذف كلمة معطى، كما أن غولدمان يصف لنا هذا الوعي باعتباره حقيقة دينامية، بمعنى أن هذا الوعي ليس ثابتا وإنما متحرك ومتحول، بخلاف ما قام به لحمداني حيث حذف هذه الصفة رغم ما تحمله من دلالة بالغة الأهمية في سياق كلام غولدمان، أما في ما يتعلق بالتحريف فيتمثل أساسا في ترجمة لحمداني بعض المصطلحات الرئيسية في البنيوية التكوينية، مثل ترجمة مصطلح              structure mental إلى بنية فكرية، وفي الأصل يُترجم إلى بنية ذهنية .

لقد حاول حميد لحمداني من خلال كتابه أن يوظف البنيوية التكوينية من أجل دراسة الأعمال الروائية المغربية انطلاقا من أهم مفهوم عند لوسيان غولدمان وهو مفهوم  "الوعي"  الذي يعد النقطة المركزية التي تتأسس على إثرها البنيوية التكوينية، فقد تحدث عنه غولدمان في مجموعة من أعماله وخاصة في كتابيه: " الإبداع الثقافي في المجتمع المعاصر " و "العلوم الإنسانية والفلسفة "، لذلك فإن عملية تطبيق هذا المفهوم يجب أن تكون دقيقة، ولحمداني في كتابه لم يُوفق كثيرا في تمثل هذا المفهوم فقد وظف مفهوم الوعي توظيفا عاما وكأن هذا الوعي نوع واحد فقط، في حين أن غولدمان في حديثه عن الوعي يميز بين أنماط من الأوعية، مثل: (الوعي الكائن، الوعي الممكن، الوعي الضمني، الوعي الجمعي....)، وكل وعي من هذه الأوعية له دوره الخاص المنوط به داخل منظومة البنيوية التكوينية، وعليه فإن إقصاء لحمداني لهذا التنوع في الأوعية سيُفرز صعوبة في عملية التمييز بين نوعية الفئات الاجتماعية التي تعد أنواعا مختلفة من الأوعية والتي لها الدور الأساسي في تشكيل الأوعية الجماعية الموجودة في المجتمع المغربي .

لقد أوضح لحمداني في مقدمة كتابه أن تحليله للرواية المغربية كان تحليلا بنيويا تكوينيا ويعود إلى إطار بعدين أساسيين:

ـ أولهما: يدرس النص ولا شيء سواه؛ حيث يهدف إلى استخلاص البنى الداخلية للأعمال الروائية والبحث عن الوسائل الفنية المميزة للنصوص الروائية التي حللها الناقد.

ـ ثانيهما: يرتبط بما هو خارج عن النص؛ إذ يهدف إلى وضع البنيات الأدبية المستخلصة سلفا ضمن بنيات أوسع وأشمل وهي البنيات الاجتماعية.

إن الدراسة التي نص عليها لحمداني تعتمد على عمليتي: الفهم والتفسير، أي تعتمد على أهم الأصول المنهجية التي حددها لوسيان غولدمان في بنيويته التكوينية، غير أن ما قام به لحمداني في مرحلة الفهم يحتاج إلى إعادة نظر، حيث لجأ إلى  "تطعيم" المنهج البنيوي التكويني ببعض التقنيات والوسائل التي توظفها البنيوية الشكلية في دراستها لبنيات الأعمال الأدبية، ويظهر هذا في قوله: " إن ما نجده من ملامح التحليل البنيوي في هذه الدراسة إنما هو استلهام لبعض المفاهيم الأساسية الأولى التي يعتمد عليها البنيويون، وهي مفاهيم متصلة بالحقائق التي ظهرت في مجال إدراك طبيعة التعبير اللغوي بشكل عام "  إن السؤال الجوهري الذي نطرحه هنا هو هل يجوز ما قام به لحمداني من تطعيم البنيوية التكوينية بوسائل وآليات البنيوية اللغوية من أجل دراسة العمق الداخلي للنصوص الروائية مع العلم أن هناك اختلافا جذريا في مفهوم البنيوية بين المنهجين، فالدراسة الداخلية في البنيوية التكوينية هي دراسة حدسية تعتمد على آليات ذهنية، مثل: (التركيب، التفكيك، التأويل، الانسجام، التناقض....)، بينما الدراسة البنيوية في البنيوية الشكلية تخضع لقوانين علمية مستمدة من القواعد التي وضعها دوسوسور في كتابه "دروس في اللسانيات العامة"، كما أن مفهوم البنية أيضا يختلف، فالبنية في المنهج البنيوي منغلقة على نفسها وثابتة غير متحركة، في حين أن البنية في المنهج البنيوي التكويني تتميز بالدينامية فهي مرنة، فكيف يزعم لحمداني بأنه يتمثل المنهج البنيوي التكويني الجدلي وهو يدرس البنيات الداخلية للأعمال الروائية المغربية من منظور ثابت وسكوني مغلق، هذا بالإضافة إلى أن الرواية التي اتخذها لحمداني موضوعا لدراسته تعبر عن فئات متعددة من المجتمع، أي أن بنياتها تتميز بالحركية والتنوع، وعلى هذا الأساس فإن بنية الرواية لا يمكن دراستها إلا من منظور بنيوي تكويني، وليس من خلال رؤية سكونية ثابتة مثلما يدرس المنهج البنيوي اللغوي العمق الداخلي للأعمال الروائية.

وقد أرجع لحمداني استلهامه العام للتحليل البنيوي إلى كثرة الروايات التي درسها في كتابه، كما قال مدافعا عن اختياره المنهج البنيوي في دراسة البنى الداخلية للنصوص الروائية المغربية  " ومع ذلك فإن الدراسة الداخلية التي قمنا بها للأعمال الروائية حاولت أن تتقصى قدر الإمكان وفي حدود ما تسمح به طبيعة البحث، أهم العناصر التي يمكن أن تشكل نسقا داخليا يسمح بفهم رؤى المبدعين وتصوراتهم للواقع الاجتماعي الذي يعيشون فيه "، كما اعتمد حميد لحمداني ـ حسب قوله ـ طريقة مميزة في دراسته البنيات الداخلية للأعمال الروائية، إذ تعامل مع كل رواية باعتبارها وحدة فنية قائمة بذاتها .

على الرغم من بعض الهفوات التي وقع فيها حميد لحمداني إلا أن دراسته تعتبر من أهم التجارب النقدية العربية والمغربية خاصة التي حاولت أن تتمثل المنهج البنيوي التكويني تمثلا واضحا، وذلك على اعتبار أن التجارب السابقة كانت تبدو غامضة المعالم، في حين أن لحمداني صرح في مقدمة كتابه على أنه سيبني دراسته للرواية المغربية على أعمدة المنهج البنيوي التكويني.

خاتمة

لقد استطاع غولدمان من خلال بنيويته التكوينية أن يُخلص الأدب من سيطرت العوامل الخارجية عليه، إذ بعد ما كانت دراسة الأدب ـ في المنهج الاجتماعي التقليدي ـ مقتصرة على تحديد مسببات الإبداع وخاصة الاجتماعية، مثل: (العوامل السياسية والتاريخية...)، حيث كان يُنظر إلى الأدب من منظور كمِّي، انتقل الوضع مع لوسيان غولدمان الذي ابتكر تصورات جديدة متطورة تجاوز من خلالها النظرة الآلية للأدب، فقد اعتبر أن العلاقة بين الأدب والواقع ليست علاقة واضحة وسهلة، بل إنها تمر عبر عمليات ذهنية معقدة تتمثل في مفهوما البنية الدالة والرؤية إلى العالم، وعليه فقد تم إعادة الجانب الكيفي في دراسة الأدب مما مكّن من خلق توازن بين الظاهرة الاجتماعية من جهة، وبين الأعمال الأدبية من جهة ثانية، وما يُؤكد هذا التوازن مفهوما الفهم والتفسير، فالأول إجراء نصِّي يهتم بتحليل بنيات النص الداخلية فهو يستهدف دراسة جماليات النص الأدبي، أما الثاني فهو إجراء خارج نصِّي، إذ يركز على البحث في العوامل الخارجية للنص، وخاصة العوامل الاجتماعية.

لقد شكلت أطروحات لوسيان غولدمان هاجسا لدى النقاد العرب عامة، والمغاربة خاصة، فقد وظفها مجموعة من النقاد المغاربة على أجناس أدبية مختلفة، وبالخصوص الجنس الروائي، مثلما نجد في تجربة حميد لحمداني التي نحن بصدد تقديمها، وما يمكن القول عن تَمثل لحمداني للبنيوية التكوينية أنه لجأ إلى " المنهج التكاملي "، حيث حدد منذ البداية اختياره للبنيوية التكوينية كأساس معرفي ومنهجي لتحليل الرواية، غير أن المنهج البنيوي التكويني في دراسة لحمداني هذه يُشَكل الإطار العام، لكنه لا يفرض وجوده لوحده فحسب، بل هو قابل للتكيف والانفتاح على مناهج أخرى.

 

الاسم والنسب: صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بالمغرب

...........................................

الهامش

 

1)ـ مناهج النقد المعاصر، صلاح فضل، ميريت للطباعة والنشر ـ القاهرة، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 58

 2)Lucien Goldman – introduction aux premiers écrits de Lukacs -in- ¨Théorie du roman¨ -Ed- Gonthier – Paris 

 p: 156 -157      

 نقلا من: في نقد المناهج المعاصرة : البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة ـالرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص:19

 3)P.Zima , manuel de sociocritique ; picard ; paris ; 1985 ;p :93

 نقلا من:  مدارات القراءة : تفسير القراءة من مداخل العلوم الإنسانية، محمد مريني؛ دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2015م / 1436مـ، ص:  15

4)Lucien Goldman ,Microـ structures dans les vingt ـcinq premières répliques des Negres de jean ـgenet,in structures mentales et création culturelle  p : 341

نقلا من: المرجع السابق، مدارات القراءة، ص: 160

5)ـ نظريات معاصرة، جابر عصفور؛ دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1998م، ص: 14

6)ـ في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة ـ الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص : 19

7)ـ نفسه، ص : 20

8)ـ البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، لوسيان غولدمان وآخرون، ترجمة جماعية، مراجعة الترجمة، محمد سبيلا؛ مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1986م، ص: 48

9)Pour une sociologie du roman , Ed ـGallimard ـparis 1964 p : 338

نقلا من : المرجع السابق، في نقد المناهج المعاصرة، ص:20

10) L . Goldman , le dieu cache ـtel Gallimard ـparis 1976 p :16

نقلا من: المرجع السابق، في نقد المناهج العاصرة، ص: 20

11)ـ الفكر النقدي الأدبي المعاصر : مناهج ونظريات ومواقف، حميد لحمداني، الطبعة الثانية، 2012م، ص : 71

12)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو ـ فاس، الطبعة الأولى، 2002م، ص: 39

13) L.Goldman ـ introduction aux  premiers  écrits de Lukacs p : 158

نقلا من: في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص:21

14)ـ النقد الروائي والإديولوجيا، حميد لحمداني؛ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1990م، ص: 68

15)ـ الفكر النقدي الأدبي المعاصر: مناهج ونظريات ومواقف، حميد لحمداني، الطبعة الثانية، 2012م، ص: 73

16)ـ نفسه، ص: 73

17)ـ البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، لوسيان غولدمان وآخرون، ترجمة جماعية، مراجعة الترجمة، محمد سبيلا؛ مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1986م، ص: 53

18)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو، فاس، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 28

19)ـ المرجع السابق، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ص: 45

20) L. Goldmanـ  introduction aux premiers écrits de Lukacs, p : 158

نقلا من: في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص: 22

21)ـ نظريات معاصرة، جابر عصفور؛ دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1998م، ص: 129

22)ـ الفكر النقدي الأدبي المعاصر: مناهج ونظريات ومواقف، حميد لحمداني، الطبعة الثانية، 2012م، ص: 73

23)ـ النقد الروائي والإديولوجيا، حميد لحمداني؛ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1990م، ص: 67

24)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو، فاس، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 26

25)ـ نفسه، ص: 29

26)ـ جاك لينهارد، قراءة سياسية لرواية الغيرة، ص: 21

27)ـ لوسيان غولدمان، من أجل سوسيولوجية الرواية، ص: 232

28)ـ الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي: دراسة بنيوية تكوينية، حميد لحمداني؛ دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1985م، ص: 14

29)ـ في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص: 35

30)ـ نفسه، ص: 35

31)ـ نفسه، ص: 36

32)ـ نفسه، ص: 36

33)ـ نفسه، ص: 37

34)ـ نفسه، ص: 37

35)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو، فاس، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 85

36)ـ الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي: دراسة بنيوية تكوينية، حميد لحمداني؛ دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1985م، ص:14

37)ـ نفسه، ص: 15

38)ـ نفسه، ص: 15

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للعرض ..ثمة تجربة سابقة وهي تجربة محمد بنيس ...هل من نقد وجه لهذه التظرية

د خليل .فلسطين
This comment was minimized by the moderator on the site

هناك دراسات حللت تجربة محمد بنيس مع البنيوية التكوينية، مثل:( محمد خرماش في كتابه إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر، ونور الدين صدار في كتابه البنيوية التكوينية في المقاربات النقدية العربية المعاصرة، ومبارك ازارا في كتابه روافد التحليل في النقد الأدبي المغربي الحديث.... )

صلاح الدين اشرقي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4845 المصادف: 2019-12-11 02:03:23