 قراءات نقدية

الحفر في تفاصيل الكون بمهماز التساؤل

مالكة عسالتقديم محترم لعمل أدبي تحت عنوان (تساؤلات) للأديب السعودي حاتم الشهري

توطئة: في داخل كل واحد منا فكرة أصل الوجود، فلا يوجد من لا يستشعر في داخله التساؤل من أين أتى، ومن أوجده وأرسل به إلى هذا الكون، يسع في جوفه العديد من القضايا، ليس بغريب عن مثقف ممتلئ، التوغل بالتأمل العميق في أحشاء الوجود، أن يثير أسئلة أنطولوجية عملاقة حول حياته وعوالمه المتنوعة، وبدء الخلق والنهاية، أسئلة حيرت العلماء والفلاسفة والفقهاء، والمثقفين، على اختلاف مشاربهم الثقافية والعلمية والدينية والفلسفية، قديما وحديثا، فتنوعت لدى البعض، وتضخمت لدى غيرهم، وتفاقمت لدى الآخرين، وستظل وتستمر طالما لم تجد لها أجوبة مقنعة ..وتدور هذه الأسئلة حول نقط معينة مثل :

ــ ما سر هذا الوجود؟ ــ كيف خلقنا؟ ــ وما مصيرنا؟ وكيف حصل التناغم بين الكون واحتياجات الانسان، بتصميم محكم في كل مستويات الوجود، بجماله بالبساطة في التنوع، بالانضباط والمنطقية للكائنات والأشياء؟...، معضلة تخز بإبهامها العقول الراجحة والمتوقدة تولدت عنها عدة تصورات شديدة، لفهم الكون بعوالمه ومتغيراته، تراوحت بين نظرة علمية منطقية مغرقة في ماديتها، وأخرى غيبية ميتافيزيقية ترى أن نشأة الحياة من المسلمات الصرفة التي لا ينبغي الخوض في غمارها، أو مناقشتها، آراء ونظريات وتصورات تضاربت واختلفت، منها ما تؤكد أن ظهور الحياة لم يكن أمراً عشوائياً، بل بتخطيط مسبق، تُحكم انتظامه وتناسقه آليات وقدرة وطاقة لا ندريها ..

ومبدعنا كغيره حين تعذر عليه فهم الوجود بعوالمه البشرية والطبيعية المتغيرة باستمرار، انتابته سلسلة من الأسئلة الأساسية المحيرة بعضها موجه إليه من الواقع المحيط، وأخرى من تلقاء نفسه بعد تفكير عميق للخروج من الدوامة ...وهذا هو سر وضع عنوان (تساؤلات) لأضمومته المباركة ...

ــ الأضمومة

لقد استهلها بصيغة فلسفية، حين تأمل واقعا آيلا نحو الفناء، حيث فقد أديبنا الأعزاء والأحبة من حوله، فأصبح وجوده عبارة عن نقطة ستتلاشى في يوم من الأيام، أو دمية بشرية فارغة لادور لها في هذا الوجود، أو مجرد حطام من البشر، أفقده ذاك الحس المعنوي المؤسس عن الحب والعلاقات الإنسانية الطيبة، فلم تعد لكلمة (أحبك) معنى واردا في ظل الأيام المجحفة هذه، حيث أيادي القدر توجه بوصلتها إلى الكائنات الوجودية، فتغير كل شيء، لذا أديبنا امتطى ركنا قصيا من زاوية هذه الحياة يتأمل ويفسر، علّه يصل إلى الحقيقة ..لحظات عصيبة أمطرته بجملة من الأسئلة المرة حول وجوده والكائنات من حوله، والعلاقات بينها، ومصير هذه الحياة، وهل من حياة أخرى بعد الموت، أسئلة فلسفية جامحة خلخلت كيانه في هذا العالم، إلى درجة الشك في كينونته، الشيء الذي أفقده حسه بنفسه كذات لها حسها و حيزها في الوجود، وهذا السؤال ليس بغريب فقد حيّر ثلة من الفلاسفة قبله ...

بعض من التيمات المطروحة

يتماهى أديبنا حاتم الشهري بين العالمين الفوقي والتحتي، منطلقا من نفسه أولا، مرورا بمحيطه القريب، رافعا عنان فكره بتأن وثبات وعمق إلى الأمداء البعيدة، يستفسر عن ذاته، كنقطة لها كينونتها في متسع هذا الفضاء المطنب، ليدرك بالضبط ما دورها وما علاقتها بما حولها، فيتقاسم نفس النقطة مع المفكر جورج دفورسكي حين يتساءل بنفس الحدة قائلا (ونسأل أنفسنا: لماذا توجد كل هذه الأشياء في الكون، ولماذا تحكمها هذه القوانين الدقيقة بشكل رائع؟ وماذا ينبغي لوجود أي شيء على الإطلاق؟) هكذا هم المفكرون حين يستبصرون الوجود الإنساني في هذا الكون مع انتظام الحياة اليومية، الشيء الذي تعجز عنه الكلمات، يدخلون في حالة عميقة من الوعي الوجودي لإثارة المبدأ الإنساني بالخصوص...وأديبنا تخطى الواقع بنظمه بفوضاه ليحلق على أجنحة فكره الجامح، محللا خاصيتي الحياة والموت بشكل ساخر (لماذا تاء الموت مبسوطة كاليد، وتاء الحياة معلقة كالمشنقة؟ ربما كانت تاء الموت مبسوطة كأنها قبر لأن نهاية الإنسان فيه، وتاء الحياة مدورة كأنها دورة الحياة محكوم عليك فيها أن تسعى وتدور) .. ومن منا من يرعبه الموت رغم أنه حدث يومي يلازمنا في هذا الكون، ومع ذلك تهزنا الربكة ويتزلزل الكيان لمّا يتخطف الموت عزيزا أو صديقا محبوبا من عشيرتنا أو رفقانا، فنُطالَب بالعض على نواجذ الصبر، ودراية النكبة بتلفيقات وهمية لا ندريها صحيحة أو خاطئة، كي نسكتَ الروع الهائم فينا، ونخرج من الأزمة وتستمر الحياة، مادام الموت سرّا مبهما عالقا على مشجب وجودنا، ووجودنا زمن متناه نحو الفناء ..ويقف أديبنا على مرحلة الموت والحياة و المصير بعد الموت، متسائلا عن الحياة الأخرى، (لو كانت هناك حياة أخرى أتمنى أن أكون جذع نخلة أو حائط مبكى، أوكرسي في الصف الأول. أتمنى أكون مسك ختام في حفلة) تساؤل مبني على حرف شرط يفيد التعليق في الماضي والمستقبل، لامتناع الجواب نظرا لامتناع الشرط، مع اختيار العديد من المتمنيات يتحول فيها إلى أشياء هادفة تسدي خدمات نافعة، تترك بصمتها الذهبية في عنق التاريخ، لتبقى خالدة ..ولم يبق قيد التمني، بل تمنى أن يكون له خيار تحويل رفاته كما يشتهي، لينتفع به غيره، (لو كان لك الخيار ماذا ستفعل برفاتك بعد الموت؟ أعتقد سأوصي بوضعي في قنينات فارغة مكتوبٌ ظاهرها غاز سام.) ..

قمة التشرذم والتيه نتجت عن تأملات وأفكار تهاطلت بغزارة على رأس مبدعنا، فالتساؤل المحير لم يبق قيد الحياة في التمعن في عناصرها، بل رحل به بعد الموت، باحثا عن شيء يجعل من رفاته أداة هامة تقدم خدمات جليلة للبشرية، حس إنساني أصيل تفجر عن قاعدة التأمل والتمني والرغبة في تغيير ما هو معتم ودامس إلى غد مشرق بفجره المضيء ..

ثم يطيرمبدعنا يتعقب كما الفلكي الكواكب على مختلف مشاربها، بنظرة فيزيائية صرفة، فيعدد معالمها، وخصائص تكوينها وهذا ـــ (بين قوسين لن يأتي إلا من أديب مطلع على الأجرام السماوية وكواكبها، وتشرب مواد تكوينها)ـــ ليس بنية إبلاغنا معلومة عن الكواكب، ومحاولة تقديم معرفة عنها، وإنما هو نوع من الصراع الأبدي المحتد في نفسية الشاعر، أصبح معه كالطائر الفاقد لوكره، ولا يدري إلى أين المسير، فهو يريد وفي نفس الوقت لا يريد، عالقا بخيط أشياء يريدها ويطمح إليها لتحقيقها، ومتدليا من مشانق أشياء يكرهها ويمقتها ولا يطيقها ؛ وفي غياب الممكن لتحقيق ما يصبو إليه أديبنا، يعيش أزمة نفسية، يفك خيوطها بتساؤلاته الملحة العالقة، ومتمنياته المأمولة، إلى درجة الشك في وجوده، حيث يرى نفسه مجرد سراب عابر، أو جثة هامدة بين الموتى (من قال لك بأني حقيقي ربما أنا كذبة، ربما أكون شبحا، أحتاج لشاهد واحد يخبرني بأني موجود)، وهذا بالكاد يوضح أن مبدعنا في خلوته، يسلط عدسته المجهرية بمفرده على الكون بأسره ليكشف أسراره ويفهم أغواره .

المبدأ الإنساني حافز قوي

هذه التساؤلات الملحة والمتنوعة، لم تأت عبثا، ولا انهالت أقراطا من فراغ تومض في ذهن مبدعنا، وإنما من مبدأ إنساني عظيم نتج عن تجربة الحياة المعيشة بمقتضياتها الإنسانية، والظواهر القاتلة المرة، والبلايا المتفشية بين البشر، أصبح معه الواقع كالغاب الغلبة للأقوى (فمن الأرجح أن لديهم طاغية يسومهم سوء العذاب وهم يعملون على التخلص منه، فالحياة بكرامة مطلب كل الشعوب حتى في الأجرام السماوية.) يصنعون الأسلحة الفاتكة بالإنسان، زارعة روعَ الحروب، وهول القتل في الكون، مما أدى إلى غياب القيم النبيلة كالصبر والحب والإصغاء والصداقة الحقة، والصدق والعلاقات الحميمية بكل أطيافها، والتسامح وحب الآخر، والحوار والرأي المختلف، والتضحية، وتمتين العلاقات الطيبة بين الجميع، والعيش بسلام، وكتم الأسرار ؛وحل محلها سلوكيات ممقوتة كالذبح والغش والمكر والكره والحقد، وتغلِيب المصالح الشخصية بأنانية على المصالح العامة :كسيادة الطمع، والاختلاس، والسرقات وغيرها ...

كما يقف بحذر حول الأفكار التي تتنوع ما بين البالية المتحجرة التي لا تزود الإنسان بإلهام والأفكار اللامعة المتنورة، والتي تنطوي عليها أمهات الكتب، أو قد نستوردها من الواقع بالتجربة المعيشة، فبقراءة الأشياء تنمو المعرفة وتضيف ألوانا جديدة إلى الحياة، مما قد يسكت عواء ربة الإلهام ؛فبالتفكير العلمي نقضي على الجهل، حتى ولو أحيانا لا يحل مشكلة الالتباس الحاصل من الظواهر الطبيعية والإنسانية، وقوانينها التي تديرها وتسيرها ..هي بالكاد دعوة جريئة من أديبنا حاتم الشهري إلى قراءة الأشياء، سواء من خلال التجربة في الواقع، أو في الكتب بالوعي والبصيرة، أي بالتأمل الفاحص، والتفكير الثاقب، والتدقيق في تفاصيل الأشياء، ثم الخروج منها بمغزى هادف، ولو أن التدقيق في المعرفة وتوسيعها في فهم الأشياء ومسبباتها وطرق علاجها، قد يؤدي بالمبدع أحيانا إلى الشؤم والهلاك، خاصة في عدم امتلاك الأدوات، وغياب الطرق والإمكانيات، للتغيير حسب التصور والمراد .

معلومات وعظية للتنوير

لقد توغل مبدعنا في تفاصيل الكون بعوالمه في الحياة وما بعدها، وتمعن ببصيرة متوقدة في كائناته، بمصطلحاتها ومفاهيمها، ليعطي تفسيرات لها من منظوره الشخصي، والتدقيق في تعاريفها لتقديمها أطباقا شهية إلى القراء من أجل الوعي والتنوير، واقفا بإمعان على مصطلح (الحب) هذه الكلمة اللبيبة التي تنقر القلوب في خفاء، موضحا أنه لن يصح من طرف واحد، بل يجب أن يكون الأمر متبادلا، ساعيا إلى تنبيه المرء إلى فرصة الحياة الوحيدة التي لن تكرر، محفزا إياه أن يقضيها سعيدا بعيدا عن التوتر والقلق (الحزن أو الفرح. هي حركة دائمة ودائبة تسير إلى الأمام لا إلى الخلف، باعتبار القلق من منغصات الحياة) التي تغطيها بنظارتين سوداويين قاتلتين لكل حلم ولكل أمل، مصرا على أن يكون الإنسان مختلفا عن غيره بخصال يشتهيها هو لبناء شخصيته لا كما أراده غيره، متطرقا إلى عوالم الكتابة والخيال، ومواضيع الأدب التي يختارها المؤلف بأساليب تشويقية مدهشة، يثري ذلك بحِكَم وعظية خصبة، تدعو إلى جمال الروح، وصفاء الجوهر، وكأنه بذلك يريد من جديد غرس القيم النبيلة في النفوس، كي يحيا المرء في سعادة وراحة البال ..

الخاتمة

من خلال ما ورد تبين لي أن المبدع موسوعة ثقافية طبية علمية اجتماعية فلسفية، فلكية، دينية له باع طويل في تفاصيل الكون، بكل أطيافه الطبيعية والإنسانية /الأرضية والفوقية/ الحياتية وما بعدها ..صاغها بمهماز التساؤل اللانهائي في نصوص مفتوحة، لاهي قصصية ولا شعرية، تعتمد السرد الانسيابي بوضوح، مطَعّمة بحِكَم رشيدة، (حينما أكون بين) يديك (احذرمن (كيدي)؛ لأن كلمة (مدن) قد تنقلب إلى (ندم).. تلاعب لغوي متجدد بكل ثقة في النفس، يستنطق اللغة بغير المعتاد لتنمو وتحيا، وتأتي بما ليس في مخيلة القارئ، من أجل تصحيح وتقويم الخصال السيئة المبنية على أرض هشة، ونشر القيم النبيلة الروحية، التي تخلق السعادة للإنسان، وبث بعض المعلومات الغائبة في خطاب توجيهي بأسلوب بسيط مقنع، له حقه من الصور الشعرية، والنكهة الساخرة التي تشد القارئ من أول خيط

 

بقلم مالكة عسال

.......................

المراجع:

ـــ كيف بدأ الخلق

المدون: د/عمرو شريف | كتب في: 26-01-2014/ موقع وراق

- الفيلسوف العربي / بقلم جورج دفورسكي(مقال من النيت)

ترجمة: فاطمة القريشي و أحمد الجنابي

***

ــ تساؤلات للمؤلف حاتم الشهري

هو حاتم بن علي الشهري/ أديب سعودي

صدر له 7 كتب وهي تباعا كالتالي:

١- تحفة الزمان في مدح سيد ولد عدنان

جمعت فيه قصائد عن مدح النبي.

٢- الدر النفيس في متعة الجليس

جمعت الدرر من خلال جولاتي في بطون الكتب.

٣- حديث الروح

نصوص أدبية نثرية.

٤- ليته يعلم

نصوص أدبية نثرية

٥- أنا وصديقي

مراسلات أدبية بيني وبين الشاعر بدر المطيري

٦- شعثر

جمعت فيه نثري وشعري.

٧- جمع الشتات

كتاب أدبي يجمع اختلاف المباني وائتلاف المعاني.

أكتب منذ قرابة ١-٢- سنة، وأول كتاب صدر لي عام ١-٤-٢-٩- هـ

بكالريوس دراسات إسلامية.

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

وترجم لي في معجم أدباء مجلس التعاون الخليجي.

تحت الطبع:

١- أفانين.

٢- ندامى مجموعة قصصية.

٣- سلاسل الذهب نصوص أدبية.

٤- الجمال اليوسفي.

٥- قبضٌ من الريح مقالات

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4848 المصادف: 2019-12-14 03:43:44