 قراءات نقدية

الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة (3): الفنون الشعرية الحديثة

فالح الحجيةاما الفنون الشعرية او الاغراض الشعرية فقد كثرت وتشعبت بتشعب الحياة وا ن اهمها واكثرها التصاقا بالشعب او بحياة المجتمع العربي بفرديته او جماعيته في هذا العصر هو الشعرالسياسي فقد توسع الشعر السياسي في بدايات هذا العصر توسعا عظيما حتى قيل ان بدايات العصرالحديث- نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين- كان الشعر فيه سياسيا ثوريا ناهضا وكان الدافع الرئيس لهذا الشيء هو الحالة الجديدة الناهضة في الوطن العربي .

فقد شارك الشعراء العرب في اذكاء كل حركات التحرر الثورية العربية بل كا نوا رؤوساء ودعاة لها ومشتركين فعليا فيها ويعد الشعراء هم الاساس الاول في النهضة العربية لذلك فالمطلع على شعر شعراء النهضة العربية في بدايات هذا العصر يجد ان القصيدة العربية تقطردما وفي طياتها روح ثورية جامحة صارمة وكأن ابيات قصائدهم سيوفا مصلتة مسلولة من اغمادها وهم قد ركبوا جيادهم للجها د في سبيل الحق ونصرة شعبهم والذود عن وطنهم .فالشعب العربي المضطهد ويرزح تحت وطأة الاستعمار الاجني والشعراء يرون شعبهم قد تقاسمت الامم اسلابه فهتفوا في الشعب العربي وتغنوا ببطولات هذا الشعب الذي هب كالمارد يشق طريقه الى التحرر والحرية والانعتاق من الاستعمار وينشد النور والامان بالايمان بقدراته وبروحيته الابية الطامحة الى العلو والارتقاء والتحرر والثورة .

فالشعرالسياسي يمثل الاحداث العربية تمثيلا صادقا فقد ذكرت فيه

الصغيرة والكبيرة من الاحداث التي أ لمت بالامة العربية وكان الشعراء هم صوت الشعب الهادر والمدوي فالشعر نار تلتهب لتحرق ظهور الاجنبي وثورة في نفس العربي زيدها الشعر قوة واندلاعا فالشعراء كل الشعراء العرب هتفوا للتحرر العربي .

وتتمثل هذه الحركة الثورية بثلاثة محاور:

الاول- تحرير الاقطار العربية من الاستعمارالاجنبي

الثاني - قضية فلسطين وهذه قضية محورية في الشعر العربي ولا تزال حتى الان حيث لا يوجد شاعرعربي في المشرق العربي او في مغربه الا ونظم فيها ودعى الى طرد اليهود من فلسطين وعودة الفلسطنيين العرب الى بلدهم السليب وهذه بعض ابيات قصيدة نظمتها في هذا المجال بعنوان (الطريق الى غزة):

حروب وقتل والمكاره جمة

والدهر قاس والقديم جديد

 

كم موطن فيه الانام سعيدة

-الاك غزة – والرفاه وجيد

 

اضاقت بك الدنيا بما رحبت

غما بكيت بل ألم يز يد

 

ان الديارالتي كانت يمازحها

نسيم الروابي والرجاء رشيد

 

اضحت بأ يدي الظالمين تجبّرا

من ال صهيون الدمار وجود

 

لاخير في من شره بفعاله

نار الجحيم . في غد ستزيد

 

لاخير في نفس امرئ متلون

حيث تميل النفس مال شرود

 

ايا غزة فيك الورود حزينة

ترنو اليها والحياة تريد

 

يا غزة الخير انت رمز رجائنا

فما دمت فينا لانخاف وعيد

 

جئناك نجعل في عداك رزية

قتيلا او اسيرا او اليك عبيد

 

ارض العروبة موئل لنضالنا

وجهادنا ووفائنا لا نحيد

 

والقدس او بغداد تجمعنا معا

شرخ الرجولة و الاباء وجود

 

اتيناك في جنح الظلام نشنها

حربا على الاعداء والحرب قيد

 

شباب وشيب كل هبة ماجد

نسعى بعزم او نكون شهيد

 

اما لنحياها حياة عزيزة

بعز ومجد او نموت سعيد

 

وانت في كنف الرجال مهابة

وعلى مرّ الدهور صمود

الثالث - الحالات الوطنية في البلد الواحد وتتمثل في الاحداث الوطنية في كل بلد عربي وقصائد الشعراء ازاءها. ومن الشعر السياسي هذه الابيات من قصيدة للشاعر رشيد سليم الخوري يقول:

 

شمس العروبة عيل صبر المجتلي

شقي حجابك قبل شق الرمس لي

 

اني لمحت سناءك في غسق الدجى

رغم الصبابة والحجاب المسد ل

 

فلقد يرى بالروح شاعر امة

من لا يرى غير النبي المرسل

 

واشعة الايمان تبتد ر المنى

وترد للمكفوف عيني احد ل

 

وكواكب الشهداء فيك بشائر

ما آ ذنت بالفجر لو لم تا فل

 

ياهاتفا بالفرقدين تلاقيا

كلفت نفسك وصل ما لم يفصل

 

ما الشام ما بيروت في البلوى سوى

عيني مولهة وحدي فيصل

 

واعز من دنيا الاعزة كلها

جاري القريب واخوتي في المنزل

 

يامن يعدون الدفاع تهجما

ويؤولون النقد شر مؤول

ا ما الفخر والمدح فقد افتخر الشعراء العرب في هذا العصر بعروبتهم كما افتخروا بانفسهم ومدحوا ابطال العروبة ورجالها وافتخروا بشجاعتهم وباعمالهم المجيدة. وتميز المدح في هذا العصر بالضعف وبعده عن المبالغة فيه. ومما يقوله الشاعر محمود سامي البارودي يفخر بنفسه يقول:

انا لا اقر على القبيح مهابة

ان القرار على القبيح نفاق

 

قلبي على ثقــــة ونفسي حــرة

تأبى الدنــــا وصارمي ذلا ق

 

فعلام يخشى المرء فرقة روحه

او ليس عاقبة الحياة فراق

وقد كثرت في اول هذا العصر النكبات على الوطن العربي وتوالت عليه المحن في ظل ظروف قاسية قد مثلها الشعراء اعظم تمثيل وادق وصف في قصائدهم وجل هذه النكبات نكبات قام بها الاستعمار ضد الامة العربية منها نكبة ضياع فلسطين ومنها اعدام افضل رجال العرب ومناضليهم من اجل التحررى وطرد الاستعمار مثل عمرالمختار في ليبيا وزهاينه الجزائري وشهداء ثورة مايس \ 1941 في العراق وتكاد تكون هذه النكبات في كل اقطار الامة العربية. فهذا احمد شوقي اميرالشعراء يبكي دمشق فيقول:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ              وَدَمعٌ  لا  يُكَفكَفُ  يا دِمَشقُ

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي             جَلالُ الرُزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي             جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ

وَيَجمَعُنا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ               بَيانٌ غَيرُ  مُختَلِفٍ    وَنُطقُ

وَقَفتُمْ بَينَ مَوتٍ أَو حَياةٍ               فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْقَوا

وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ               يَدٌ   سَلَفَت   وَدَينٌ  مُستَحِقُّ

وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا         إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا          وَلا يُدني الحُقوقَ  وَلا  يُحِقُّ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ   حَياةٌ             وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُرِّيَّةِ   الحَمراءِ  بابٌ                 بِكُلِّ   يَدٍ    مُضَرَّجَةٍ    يُدَقُّ

جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ            وَعِزُّ  الشَرقِ  أَوَّلُهُ  دِمَشقُ

رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا             أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ

إِذاما جاءَهُ طُلّابُ حَقٍّ    يَقولُ          عِصابَةٌ   خَرَجوا   وَشَقّوا

دَمُ الثُوّارِ  تَعرِفُهُ    فَرَنسا                 وَتَعلَمُ   أَنَّهُ    نورٌ   وَحَقُّ

بِلادٌ ماتَ  فِتيَتُها   لِتَحيا                وَزالوا دونَ  قَومِهِمُ  لِيَبقوا

وَحُرِّرَتِ الشُعوبُ عَلى قَناها             فَكَيفَ  عَلى قَناها  تُستَرَقُّ

رُباعُ الخلدِ وَيحَكِ ما دَهاها            أَحَقٌّ   أَنَّها   دَرَسَت  أَحَقُّ؟

إِذا عَصَفَ الحَديدُ احمَرَّ أُفقٌ             عَلى  جَنَباتِهِ  وَاسوَدَّ  أُفقُ

سَلي مَن راعَ غيدَكِ بَعدَ وَهنٍ           أَبَينَ  فُؤادِهِ  وَالصَخرِ فَرقُ

وَلِلمُستَعمِرينَ   وَإِن  أَلانوا     ر    قُلوبٌ   كَالحِجارَةِ  لا  تَرِقُّ

اما الغزل : فشعر الغزل وجد منذ وجد الانسان بعاطفته وحبه اتجاه قرينته وحبيبته وفي الشعر العربي وجد في كل العصور الشعرية فهو تسجيل لعواطف الشاعر المحب اتجاه من يحب وما يكنه في قلبه الملتاع وفؤاده المكتوي بنار الحب والعشق ونفسه الحرى وروحه الحيرى وفكره المشغول وعقله المسلوب ولها ً وحبا وشوقا .

شعر الغزل في هذا العصر اتسم بتمثيل طبيعة النفس العربية النبيلة العفيفة فهو بعيد عن الابتذال والتفسخ الخلقي الذي كان موجودا في شعر العصور العباسية وخاصة الاخير منها نتيجة للاختلاط مع الاعاجم شرقا وغربا وشمالا وفساد الاخلاق العربية تبعا لعادات وتقاليد رعاع الناس وشواذهم الاجتماعية التي انتقلت الى العرب ما يتميز ببعده عن المادية الا بعض قصائد لشاعر او اكثر ومن شعر الغزل اقول في احدى قصائدي :

 

وفاتنة تغازلني بضفر جديلة

مثل الاقاحة ســـــحرها يتألق

 

حتى كأن الزهر ينثر عطرها

فتعــــانقت انداؤهــــا تتموسق

 

تتمنى النفس تمسك بعضه

فأ ناملي في بعضــــه تتـــرفق

 

فمجازف كمراهــــــق متعطش

يهوى . اليك بشـــــوقه يتعلق

وفي فن الوصف وهو من الاغراض القديمة في الشعر العربي ايضا فقد وصف الشعراء كل ما وقعت عليه اعينهم ودخل في نفوسهم واخيلتهم من مشاهد طبيعية خلابة ومخترعات حديثة وقد تعمق بعض الشعراء في الوصف . يقول عمر ابو ريشة الشاعرالسوري في وصف اطلال مر بها :-

قفي قدمي ان هذا المكان

يغيب به المرء عن حسه

 

رمال وانقاض صرح هوت

اعاليه تبحث عن اسه

 

اقلب طرفي به ذاهـــــــــــــــلا

واسأ ل يومي عن امسه

 

اكانت تسيل عليه الحيـــــــاة

وتغفو الجفون على انسه

 

وتنشد البلابل في ســــــعد ه

وتجري المقادير في نحسه

وفي مطلع هذ العصر اي في بدايات القرن العشرين كثر شعر الحنين الى الوطن اذ ان كثيرا من الشعراء نفتهم حكومات بلدانهم الى خارجها بسبب ميولهم الوطنية وثورتهم على الاستبداد والظلم تخلصا منهم .ومنهم من هاجر من نفسه وراء لقمة العيش . ويظهرهذا جليا في شعر شعراء المهجرالذين ما زالوا يحنون الى الوطن العزيز- وهل هناك اعز من الوطن ؟- فانشدوا قصائد تقطرحنينا ودمعا بعاطفة فياضة وحسرة غامرة لرؤية الوطن اوالرغبة في تحريره من ايدي حاكميه المستبدين يقول الشاعر شفيق جبري:

حلم على جنبات الشام ام عيد

لا الهم هم ولا التسهيد تسهيد

 

اتكذب العين و الرايات خافقة

ام تكذب الاذن و الدنيا اغاريد

 

ويل النماريد لا حسن ولا نبأ

الا ترى ما غدت تلك النماريد

 

كأ، كل فؤاد في جلائهـــــــــــم

نشوان قد لعبت فيه العناقيد

 

ملء العيون دموع من هناءتها

فالدمع در على الخدين منضود

 

لو جاء داوود و النعمى تضاحكنا

لهنأ الشــــــام في المزمار داود

 

على النواقيس انغـــــــام مسبحة

وفي المأذن تســــــبيح وتحميد

 

لو ينشد الدهر في افراحنا ملاْت

جوانب الدهر في البشرى الاناشيد

وشكى بعض الشعراء صروف الدهر من نكبة اصابتهم او من خطر احدق بهم او ببلدهم ومن قصيدة في الحنين الى الوطن للشاعر المهجري جبران خليل جبران هذه الابيا ت يقول:-

يابلادا حجبت منذ الازل

كيف نرجوك ومن أي سبيل

 

أي قفر دونها أي جبل

سورها العالي من منا الدليل

 

اسراب انت ام انت الامل

في نفوس تتمنى المستحيل

واطلع بعض الشعراء على مجريات العلم والادب والفلسفة فنظموا قصائد في تعلم الطب والفلك والعلوم وفي امور اخرى مثلما نظم الشعراء قبلهم مطولات في قواعد النحو والصرف مثل الفية ابن مالك التي حوت تفاصيل قواعد اللغة العربية في قصيدة مكونة من الف بيت شعري شرحها العلامة ابن عقيل في مجلدين كبيرين على سبيل المثال . والشعر التعليمي نظم في هيئة الشعر وشكله بل هو جسد شعري لا روح فيه. لذلك اطلق عليه بلغاء اللغة وشعراؤها نظما وقد نظم فيه كثيرون في العصور المظلمة الا انه في هذا العصر اصابه الضعف والوهن . ومن قصيدة للشاعرالزهاوي في العلم يقول:

لماذا  تحركت  الانجم             كانك    مثلي  لا   تعلم

وما هو كنه الاثير الذي          فسيح الفضاء به مفعم

بين الجواهر جذب فما           دواعيه   اني   مستعلم

هل الدفع اوضح من ذاته       من الجذب ام هل هما تؤام

هما   قوتان   تخالفتا           فذالك   يبني  وذا  يهدم

والشعر الاجتماعي هو شعر الاخوانيات وكل ما في المجتمع من امور وقد دعى الشعراء فيه الى ا لثورة على العادات البالية و القديمة التي سادت المجتمع العربي وعلقت به خلال فترات الحكم المتلاحقة عليه قبل النهضة الحديثة وتعتبر من مخلفات الفترة المظلمة فدعى الشعراء الى تحرير المرأة والى فتح المدارس وتمجيدها والدعوة الى دخولها بنين وبنا ت وذم التعصب القبلي والطائفي والاقطاع الذي جثم فوق صدورالناس والفساد المستشري . ومن قصيدة للشاعر العراقي معروف الرصافي في تشجيع بناء المدارس وفتحها هذه الابيات:

ابنوا المدارس واستقصوا بها الاملا

حتى تطاول في بنيانها زحلا

 

هذي مدارسكم شروى مزارعكم

فانبتوا في ثراها ماعلا وغلا

 

يلق بها النشىء للاعمال مختبرا

وللطباع من الادران مغتسلا

 

ربوا البنين مع التعليم تربية

يمسي بها ناقص الاخلاق مكتملا

 

انا لمن امة في عهد نهضتها

العلم والسيف قبلا انشأت دولا

والفنون الشعرية في بدايات عصرالنهضة العربية كثيرة منها قديمة ومنها ما ظهرت حديثا حسب متطلبات هذا العصر ودواعيه الا انه تبقى السمة الوطنية هي السمة الغالبة لشعر هذا العصر والمحرك الاقوى للشبا ب العربي المؤمن برسالة امته ومن اجل الحرية والتحرر واعادتها الى سالف عهدها التليد . 

فالشعر العربي يمتميز في هذا الوقت بان جله ثوري وطني يدعو الى استنهاض الهمم والتخلص من الاستعمار بكل اشكاله والثورة على كل ما هو- قديم وبال لا خير فيه لأمتنا العربية - فهو في اغلبه شعر هادف قاد البلاد الى حركة وطنية قومية فكان الشعراء والمفكرون والادباء هم قا دة الثورات التحررية وزعماؤها ووقودها ولسانها الناطق وقلبها النابض في كل الوطن العربي.

 

امير البيــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4849 المصادف: 2019-12-15 00:46:31