 قراءات نقدية

فن الرسالة في الأدب السردي

عبير خالد يحيىمقدمة وإغناء: إن مصطلح أدب الرسائل يطلق على المراسلات أو الرسائل التي تكون بين شخصين شهيرَين في عالم الأدب، وغالبًا ما تكون بين صديقين أو ربما عشيقين[1] .

"وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه المنمقة" [2].

 أو هو مخاطبات رسمية تاريخية أو دولية.

 وبذلك تنقسم الرسائل إلى نوعين: النوع الأدبي، والنوع الرسمي، والرسمية في تلك الرسائل تأخذها من الاتجاه الأدبي إلى اتجاه التوثيق.

لم يكن لفن الرسائل دور يُذكر في الحياة الأدبية والاجتماعية في العصر الجاهلي لقلّة شيوع الكتابة والقراءة، وبروز الفنون الأدبية الأخرى كالخطابة والشعر وهي فنون مشافهة. بينما شهد ازدهارًا كبيرًا في القرنين الثالث والرابع الهجري، أواسط العصر العباسي، وأواخر العصر الأموي (رسائل ابن زيدون وولادة بنت المستكفي)، فظهر بكامل هيبته، متكئًا على ركيزة أن الدعوة الإسلامية حثّت على تعلّم الكتابة والقراءة، وعندما قامت الدولة الإسلامية أُنشئ ديوان الرسائل، فهو أكثر الفنون الأدبية التي تقوم على هذين العمودين (الكتابة- القراءة)، فجاءت تعريفات تخصّ الرسالة بهذا المفهوم تحديدًا: "الرسالة هي ما ينشئه الكاتب في نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويوجّهه إلى شخص آخر، ويشمل ذلك الجواب والخطاب"[3].

وقد حفلت الكتب التراثية ودواوين الأدب العربي بضروب من الرسائل الإخوانية والعلمية والأدبية، منها ما حمل لفظ الرسائل بدلالاتها المختلفة مثل: رسائل الجاحظ، ورسائل أخوان الصفا، ورسائل بديع الزمان الهمذاني، ورسائل أبي بكر الخوارزمي...[4]

أمّا في العصر الحالي، فقد تراجع هذا الفن - أو على الأقل- لنقل أنه لم يعد يتمتع بذات القوة التي كان عليها سابقًا، بسبب انتشار أجناس أدبية عديدة في السرد والشعر، لكن بحال من الأحوال لا يمكننا أن نغفل قوّة حضوره في الساحة الأدبية في مراسلات أدباء اشتُهروا به خلال ماض قريب العهد بنا، منها رسائل مي وجبران، غادة السّمان وغسان كنفاني، في أوروبا جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، كافكا وميلينا، وغيرهم من الأدباء الذين كتبوا ونشروا رسائلهم في العشق والأدب.  

مستويات الدراسة الذرائعية  

1- التبئير الفكري أو البؤرة الثابتة Static Core:

وهي استراتيجية الكاتبة في كتابة نصوصها، أو على الأقل في كتابة هذا النص تحديدًا، والاستراتيجية التي اتبعتها الكاتبة في التناص التاريخي، ونقصد بالتناص التاريخي الالتزام بحُبَك قديمة تغذّيها بمجريات العصرنة في التطوّر والتجريد، أي أن التاريخ يعيد نفسه، بماذا؟ بإعادة الحوادث التاريخية، فالأدب يعيد نفسه في الحدث الإنساني، ولهذا السبب عندما كان شيكسبير يكتب مسرحياته، لم يكتبها بحبكة من عنده، وإنّما جميع حبكه أخذها من التناص التاريخي من روايات أو مسرحيات أدبية من أمم أخرى قد اشتهرت فيها كبؤر أدبية أو فلوكلورية، وكُتبت بتكنيكات وأسلوب أدبي هو الأسلوب الشعري الشيكسبيري الذي أدخل فيه فلسفات متعددة، فأصبحت نصوصًا موازية عبر التناص التاريخي، فكل نهاية تعيسة سُبِقت بحب عذري هي روميو وجولييت، وكل من قتل حبيبته هو عطيل، وكل من تردّد في الانتقام هو هاملت، وكل من بالغ في الشّح هو شايلوك، وكل من طارده البوليس عن جريمة لم يرتكبها هو جان فان جان، وكل طفل عاش حياته مشرّدًا هو أوليفرتويست، وكل رجل كبير لم تثنه مجاهل الحياة هو سانتياغو...

إذًا لا تخرج هذه الرواية (شاعر وملهمة) عن التناص التاريخي الشامل، ولا تعطينا عبرة جديدة إلا من خلال التجارب القديمة، وسنرى ذلك عند التفسير التدريجي المدعّم بذرائع علمية موزعة على المستويات الذرائعية.

التقنيات السردية في هذا العمل الأدبي:

استخدمت الكاتبة أدب الرسائل، وهو أدب شحيح في أدبنا الحالي، لأنه يعتمد على أشياء علمية (وثائق مكتوبة بخط صاحبها)، فهو أدب وثائقي يثبّت الوقائع، وقد يعتقد الكثيرون أن أدب الرسائل هو أدب رومانسي في التجنيس الأدبي، لكنه ذرائعيًّا يُعتبر وثائق رومانسية، حيث تُعتبر الرسالة المكتوبة نصًّا، أي وثيقة لا يمكن التغيير فيها، فعند التجنيس لا نقول أن الرواية أدب رومانسي، وإنما أدب وثائقي رومانسي، لأن المحتوى العام الذي كُتبت فيه الرواية هو البؤرة (الرومانسية) التي تحملها تلك الرسائل، واستطاعت فيها الكاتبة أن تنقلها ببراعة من بؤر إلى أحداث مرتبطة بخيوط سردية تجنح نحو خيمة الروي.

إن التشويق مرهون بوجود التكنيك، فإن لم يكن هناك تكنيك يختفي التشويق، ولهذا السبب نجد أن الروي المعاصر يحمل تشويقًا أكثر من الروتينية الكلاسيكية.

وتجنيس العمل رواية كلاسيكية واقعية موثّقة عبر رسائل.

2- الخلفية الأخلاقية Moral Background:

هذا العمل فيه دعوة لتلمّس معالم الجمال والأخلاق والفضيلة في كل ما يحيط بالإنسان، ودعوة لقبول الآخر وتقديره واحترامه على النحو الذي يليق مهما كانت الاختلافات الشكلية والفكرية والطبائع، بما لا يتنافى مع تقدير واحترام الذات، فالاحترام والتقدير لا يعني قبول المشاركة الحياتية بأي حال من الأحوال، فللقلب اختيارته أيضًا ولو كانت خاطئة، كما وجدت في هذا النص الكثير من الارشاد التربوي الذي تدعو فيه الكاتبة من خلال تجربتها التربوية إلى اتباع أساليب سلوكية إيجابية في التعليم بعيدًا عن أساليب العنف والترهيب النفسي المتّبع وإلى الآن للأسف في الكثير من المدارس العربية.

ومن البؤرة ننطلق إلى المستويات الذرائعية الأخرى:

أولًا- المستوى البصري واللساني: External and Linguistic Level

أتجاوز بهذا المستوى عن عتبة الغلاف لأن الرواية جاءتني ملف pdf بدون صورة غلاف، وأنتقل للعتبة البصرية الثانية وهي:

العنوان: شاعر وملهمة، جملة اسمية، عنوان ثنائي القطب، الواصل بينهما حرف عطف، كاشف لفحوى الرواية وملخّص لها، فالأحداث ستدور بين هاتين الشخصيتين الفاعلتين.

العتبة الداخلية:

الإهداء: إلى شخص باسمه وهو شاعر وأديب غيّبه الموت مغمورًا، الكاتبة باسمه الصريح، وإلى من القطب الأول في الرواية (فيروز) ونقول لعلّه الاسم الحركي للشخص الأول، ولم تفصح الكاتبة عن ذلك صراحة:

الإهداء

إلى

روح الشاعر والأديب الكبير

الذي رحل ولم يحظ بالمكانة التي تنبغي له

فوزي عبد الهادي عبد الله (رحمه الله)

 

إلى

" فيروز"

بعض دين في عنقي

(وصية حان تنفيذها)

 ميّ

 منوف – أبريل 2016

إن الإهداء بهذه الصيغة يحيل إلى أن العمل سيرة ذاتية تكتبها الكاتبة عن أحداث جرت بينها وبين الشاعر المذكور باسمه الصريح، لكن إن لم تصرّح الكاتبة بذلك فلا يمكن الجزم بذلك، سيما وأنها لم تذكر اسمها الصريح في الإمضاء، لذلك نحيل السرد بكل الرسائل والوثائق والمذكرات إلى ذمّة الساردة (ميّ).

العمل يقع في 10 فصول معنونة وموزعة على 183 صفحة،

بالنسبة إلى التنسيق المطبعي لا يمكنني أيضًا الحكم لأن العمل مقدم لي بصيغة ملف، وعلامات الترقيم كما هي بالملف ليست كما يجب، فهناك تكرار لعلامات بعينها من غير مبرر، وتحل النقاط الثلاث أو النقطتين مكان الفاصلة، وأفترض أن المطبوع الورقي أفضل حالًا من الملف.

راعت الكاتبة عند نشر الرسائل المنظور أو الخصائص العامة للرسالة، من ذكر المرسل والمرسَل إليه، وتذييل الرسالة بالإمضاء والتأريخ.

على المستوى اللساني:

الألفاظ المستخدمة من قبل الكاتبة في هذا العمل هي ألفاظ سهلة مألوفة، صاغتها في تراكيب وجمل تراوحت بين القصيرة والمتوسطة، في سياق النظم والنحو لم أجد أي خلل أو خطأ في تركيب الجملة نحويًّا، والعاطفة هي العنصر الأكثر بروزًا في هذا العمل، ولا نستغرب ذلك، فموضوع العمل قائم عليها منذ الاستهلال إلى النهاية، الأفكار كلاسيكية متناسبة مع موضوع العمل، والخيال بالقدر الذي يستلزمه الوصف لا أكثر، أما الصور الأدبية فقد زخر بها العمل ضمن علَمي البديع والبيان:

- اليأس والوحدة سيفان .. سيفان يقتلان عصارة الأمل (استعارة)

- نفسي نهر مليء بالنتوءات والهضاب والصخور العالية (استعارة)

- خلتُ قرص الشمس غاب ثم حضرتِ، فحضر البهاء (كناية)....

الموسيقى الشعرية تخلّلت بعض فقرات الرسائل، فالمرسل شاعر، والصياغة الأدبية لا تخطئها لا العين ولا الأذن، وبالعودة إلى تعريف أدب الرسالة سنجد أن أهم ما يميزه هو الموهبة الأدبية والأسلوب القوي المنمّق، وكان للسجع حضور لافت.

الكاتبة طبعًا على دراية تامة بالأجناس الأدبية، وظهر ذلك واضحًا باستخدامها تقنية الرسائل والمذكرات والخواطر، بمعرفة تامة بحدودها الجنسية وميزاتها الأدبية والبلاغية.

 ثانيًّا– المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level

أتناول فيه بنائَي العمل، البناء الفني والبناء الجمالي.

- البناء الفني:

وندرس فيه التشابك السردي وعناصره، ابتداء من قاعدة المثلث السفلي التي تحمل العنوان والاستهلال، وكنّا قد تحدثنا عن العنوان، ونتحدّث الآن عن:

1- الاستهلال أو المقدمة:

عنونت الكاتبة أول فصل بروايتها ب (هذه الرواية)، أما استهلاله فكان مقدمة زمانية، الزمان فيها ليس صريحًا وإنما هو حقبة زمنية معروفة ومقرونة بعروض فنية سينمائية نقول عنها مجازًا (أيام الزمن الجميل) تقول الكاتبة:

أذكر أن أحداث هذه الرواية دارت في نفس العام الذي عرضت فيه هذه الفلام السينمائية الرائعة، وكم تأثرت بها كثيرًا، (حبيبي دائمًا لنور الشريف وبوسي وقد أحدث ضجة واسعة وحقق نجاحًا جماهيريًّا بيننا نحن جيل الشباب العشريني....)

ثم تنتقل لذكر ووصف المكان الذي بدأت منه الأحداث:

ولعل أغلب الأحداث انطلقت من المدرسة الاعدادية التي عملت فيها في بدء حياتي العلمية في إحدى القرى التابعة العريقة في أقصى جنوب دلتا نهر النيل.... 

2- الصراع الدرامي وبناء الحدث:

استخدمت الكاتبة في بناء الحدث الطريقة التقليدية: حيث تدرّجت بحدثها من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية، متتبعة التطور السببي المنطقي.

على النحو التالي: تدور أحداث الرواية في قرية من قرى الدلتا شمال مصر، بطلتها مدرسة علوم تدعى (أمنية- أو مي كما تحب أن يناديها الغير) خانها خطيبها مع صديقتها، فانعزلت على نفسها، في المدرسة تعرّفت على مدرّس لم يكن له حظ من الوسامة في الشكل ولا من الرتابة في الهندام، حتى اسمه كان غريبًا (فيروز)، حالما رأته زميلتها صافيناز سخرت من شكله بالغمز واللمز، فلم يرق ذلك لمي، فهي لم تعتد السخرية من الغير، ولكنها أيضًا لم تتورّع عن وصفه، (وكما أسلفت سنجد الوصف متوفرًا بكثيرة في هذا العمل) وكان فيروز شاعرًا وأديبًا، عندما عرف (فيروز) أن (مي) تقرض الشعر وتكتب الرواية والقصة أهداها أول أعماله المنشورة " انتحار عاشق"، ردّت عليه بخواطر مكتوبة حولها، وبدأت الرسائل بينهما، تطورت لغة الرسائل التي كان يرسلها فيروز من تعريف بنفسه وإمكانياته الأدبية وغرابة تفكيره وتفرّده إلى إعجاب ب (مي) ثم حبّ جارف لم تستطع (مي) أن تجاريه فيه، لأنها كانت ما تزال تحمل لخطيبها حبًّا لم تمحه خيانته، كما أنها لم تستسغ الارتباط ب (فيروز) لانعدام التكافؤ بينهما، بالمختصر هي لم تحبه، وكتبت له رسائل تخبره بشعورها الحقيقي اتجاهه، لكنه واصل إرسال رسائلة العاشقة، ففكّرت أن تلعب معه لعبة (تطفيش) كما يقال بالمعنى المجازي، وهو أن تشوّه صورتها بذهنه، حتى يكرهها ويكفّ عن ملاحقتها بحبّه، فأخبرته أنها تقبل الزواج منه شريطة أن يقدم لها سيارة وفيللا ومصاغًا ذهبيًّا، اندهش من طلباتها ولكنه قبل بها! عندها أخبرته صراحة أنها لا تحبه ولن تقبل الارتباط به، وتركت المدرسة واتجهت نحو الدراسات العليا، في تلك الفترة عاد إليها خطيبها السابق، وافقت على الرجوع إليه انتقامًا من صديقتها التي خانها معها، تزوجته وسافرت إلى الخليج لتدرس في إحدى الجامعات هناك، ثم عادت إلى مصر ونشرت روايتها الأولى، وبدأت البحث عن فيروز، التقت به في إحدى الندوات، وأنه تحوّل عن الكتابة الأدبية إلى إلى كتابة الأبحاث الدينية، وعرفت منه أنه تزوّج زواجًا تقليديًّا، وأخبرها أنه لم ولن يحب غيرها، تساعده بالانتساب لاتحاد الكتاب بعد أن أصبحت أديبة مشهورة وبقي هو شاعرًا مغمورًا رغم إبداعه، وكان قد أخذ منها وعدًا أن تنشر رسائله لها عندما يموت، تعود إلى الخليج وتغيب سنوات، تعود بعدها لتجده قد مات، فتقرر عندها نشر قصتها معه مضمنة إياها رسائله تنفيذًا لوصيته.

تعذّبتْ كثيرًا وتالّمت وحزنت بلا حدود حين بلّغها المرسال برحيله، فانبعثت الذكرى حيّة مرة أخرى تؤكد حضوره، عاشت حزنًا كبيرًا لم يزل يصاحبها كلما استرجعت ذكراه، فأخرجت أوراقها المخطوطة منذ ربع قرن، تهمس لنفسها: الآن آن الأوان ... الآن آن الأوان.

حبكة بسيطة لا عقدة بارزة فيها، قصة حب من طرف واحد ومعالجة واقعية متناصّة مع الكثير من قصص الحب المشابهة غير المتكافئة، ونهاية حزينة كانت منطلقًا لنشر الرسائل بقالب روائي.

لم تغب العاطفة عن العمل، وأظنّ أن الكاتبة نجحت في أن تولّد في المتلقي تعاطفًا مع فيروز ذلك الشاعر الذي لم تساعده (الكريزما) الخاصة به على الظهور كما ينبغي لشاعر حقيقي مبدع، لينال مكانته الأدبية المفترضة كأديب بمستوى إبداعه، كما لم يفز بقلب من أحب. التعاطف الآخر - ولو كان أقل- كان من نصيب (مي) التي لم تتحرّر من حبّ مَن خانها، وعاشت معاناة مؤلمة نتيجة تلك التجربة القاسية، ولكنها نجحت في الانكماش على جرحها دون أن تضحّي أو تلقي بنفسها في قصة حب لم تلامس مشاعرها، وبقيت مخلصة لوعد قطعته لإنسان لم تهبه قلبها.

حققت الكاتبة عنصر زمن الحدث الذي امتد على طول عام دراسي 1979-1980

أما زمن الرواية منذ البداية إلى النهاية فقد استغرق ربع قرن من الزمن.

أما سردية الحدث أي طريقة سرد الأحداث، فقد استخدمت الكاتبة طريقة السرد المباشر حيث قدّمت الأحداث في صيغة ضمير الغائب (السارد العليم)، كما استخدمت طريقة الوثائق والرسائل عند معالجتها لموضوع الرواية.

 تناوب على السرد سارد عليم(ضمير الغائب)، وسارد مشارك هو (مي) (ضمير المتكلم)، ويتنقّل السرد بينهما بذات الفقرة أحيانًا.

3- الشخصيات

شخصيتان رئيسيتان قامت عليهما الرواية:

فيروز: الذي قدّمت (مي) بعده الجسدي بهذا الوصف:

(كل شيء فيه كان غريبًا شاذّا لافتًا، قصره مع انحناء ظهر محدودب بانكسار حزين، شعره الأكرت الذي تركه طويلًا متعامدًا محتجًّا فوق رأسه الذي يحمل عينين جاحظتين مؤرقتين مفتوحتين مشدودتين وقد برزت حمرتهما بشكل لافت دالة على سهر وأرق طويل، وجهه مستدير باتقان كوجه أنثى في غير جمال أو وسامة، وجبينه مقطب كأنه لم يعرف الابتسامة ولا انفرجت أساريره بالفرح طول عمره، فتحتا أنفه الأفطس المتسعتان كأنهما خلقتا لجمع هواء الكون كله في شهيق واحد، شفتاه المطبقتان في صمت بائس واسى واضح، نظراته الزائغة تدور في أنحاء الحجرة شاردة لا تستقر على شيء...ملابسه المهملة التي يرتديها بغير عناية كفتى بوهيمي يهيم في الطرقات، جاكته المفتوح بتراخ وتهدل، كرافتته المفكوكة المعوجة كأنه أراد أن يخلعها قبلما يخرج ونسى).

طبعًا لم تغفل الكاتبة البعدَين الآخرَين، الاجتماعي والنفسي، وسأتكلم عن هذين البعدين معًا عند (مي) كما أوردته الكاتبة:

زهرة تتفتّح على الحياة، عذراء خجلى نشيطة متفوقة طموحة تملك إرادتها ولديها الكثير من الأحلام ورصيد هائل من أحزان وجراح، تختزنها صامتة بكبرياء معاند،وإصرار عنيد لتخطي الصعوبات وتحديّها، لا تعترف بفشل ولا تستسلم ليأس، يدعمها أبوها الحنون العطوف الموجه والمرشد بخبرة حكيم، والصديق الصدوق الذي الذي يحتويها ويصدقها النصيحة أولًا وأخيرًا ودائمًا، .... تميزت بالخلق القويم والاستقامة المشهود لها بها والتي يشيد بها الجميع، حتى صارت مضرب الأمثال ، ومحطّ الأنظار كفتاة مثالية جمعت بين الجمال والعلم والأخلاق وأناقة المظهر وصيت العائلة العريقة ما لم يتوفر لكثيرات غيرها.....

- البناء الجمالي:

ناقشنا السرد في البناء الفني، وهو العنصر الذي يراوح بين البنائين، أنتقل للحديث عن:

1- الأسلوب:

استخدمت الكاتبة الأسلوب الواقعي لأنها كتبت برسائل، والرسائل هي إخبار بين شخصين عن موضوع موثّق.

2- الحوار:

لم يكن هناك حوارات خارجية، ولا حوارات داخلية، فالكاتبة اكتفت بالخواطر كبديل للحوار الداخلي، وبالرسائل كبديل للحوار الخارجي، معتمدة على حقيقة أن الرسائل لها ذراعَين تجعلها ثنائية الإخبار (حوار – ومتن للحدث). لذلك أفقدت العمل الأدبي التشويق، لأن الحوار يعطي حيوية وديناميكية في التشويق والإخبار بنفس الوقت، والحواريزيد النص تشويقًا، ويعطيه إدراكًا سهلًا وسريعًا لمحتويات النص الموازي من قِبَل المتلقي لإيصال الحدث إليه بيسر واكتفاء. 

ثالثًا- المستوى النفسي

نأخذ منه:

1- المدخل السلوكي Behavioral entrance:

وهو مدخل استفزازي ومحفّز، يهتم بحركة الكاتب السلوكية في الكتابة[5]، سأحاول أن استخرج بعض المسميات السلوكية والتساؤلات التي تخص تلك المسميات التي تخرج من رأس قلم الكاتب والتي برزت من الحبك الأدبي وكوّنت أفكارًا قد لا ينتبه لها الكاتب أحيانًا.

كان هناك:

تساؤلات فلسفية:

- هل الإنسان إلا روح وقلب نابض يضيفان للعقل سحره وجلاله واكتماله؟

- أنعيش مجرد أجساد، وتزن كل أمورنا وكل مقاييسنا مقياس الجسد والعقل والحكمة ، هل الحياة فقط جسد وعقل وحكمة؟

تساؤلات نفسية:

- لِمَ ألوم نفسي كثيرًا وأعذبها وأكثر من ندمي؟ هل لأني أخطأت في حق نفسي وحق أهلي معه عندما خنت ثقتهم بي ورحت أقابله من وراء ظهورهم، بل وأسافر له وأقضي سويعات معه

- ولكن هو الاخر يلوم نفسه ويعذبها مثلي لأنه يشجعني على ذلك ولم يعترض أو يمنعني او يوجهني، أليس هو الآخر بمخطئ؟

- أم أن الخطأ بالنسبة لي يظل عارًا وبالنسبة له لا شيء على الإطلاق ؟ لا لأي فضل يعود إليه ولكن لأنه رجل.

تساؤلات اجتماعية:

- إن الحياة حياة بكل ما فيها، بكل تناقضاتها، لكن لِمَ دائمًا يلومون علينا نحن معشر النساء، ولا يلومون على الرجل؟

2- المدخل العقلاني أو التوليدي Mentalist entrance

وهذا المدخل يهتم بكل ما يتولد من فكر وأحداث، فهي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها[6]، فالواقع الافتراضي هو عالم استنساخي للواقع الحقيقي، وصورة مزيّنة له يزوّقها الكاتب لتكون محببة للمتلقي، فما يكتبه الأديب مأخوذ من تجربة ثلاثية تتكون من ثلاث عناصر كما تراها الذرائعية، وتلك الثلاثية تتحكم في قلم الكاتب وتوجهه نحو خدمة المجتمع عملًا بالمبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب المجتمع)، والثلاثية هي:

- أحداث الحياة الحقيقية: تناصت الكاتب مع أحداث الحياة الواقعية، فالخيانة، والحب من طرف واحد، والموت، كلها أحداث ولّدتها الحياة.

- تجارب الكاتب الشخصية: والمرجح أن الكاتبة في هذا العمل تكتب تجربة شخصية

- التجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها:

لقد تناصت الكاتبة مع غيرها من الأدباء بالرسائل المتبادلة بين أديب وأديبة، وقد ذكرت ذلك صراحة على لسان (فيروز) في إحدى رسائله:

" أأناديك بمي؟ أم بولادة بنت المستكفي وقد كانت تعيش في العصر الأندلسي، وعشقها ابن زيدون"

" صدقيني الارتباط الحقيقي هو الارتباط الروحي والفكري على الأقل لأمثالنا، فهكذا ارتبطت مي بجبران ، وولادة بابن زيدون، وسيمون دي بوفوار بسارتر"

" صدقيني هذه هي الحقيقة والعقيدة الفكرية الروحية هي الباقية و الجسد سينتهي ولذا تكلمت الأيام عنهم جميعًا بعد الموت، وكذلك كان دانتي وبياتريس وهكذا كان أبو قاسم الشابي وحبيبته"

فالتناص عنصر مشترك بين الأديب والحياة وتجارب الآخرين، وقد دخلت الكاتبة حيّز التناص بثلاثيته.

الخاتمة:

مؤكد أن العمل ينفتح على رؤى غير محدودة بقدر القراءات وبقدر المتلقيّن، وهذا ما أعانني الله على تقديمه في حضرة عمل أعادتنا فيه الكاتبة فعلًا إلى زمن الحب العذري - الزمن الجميل- الذي كانت فيه المشاعر تُسطر على ورق ملوّن بأزاهير البوح الشفيف، فشكرًا لها، إن قصّرتُ فمن نفسي، وأعتذر، وعذري أن الكمال لله وحده.

 ***

دراسة ذرائعية مستقطعة رواية (شاعر وملهمة) للدكتورة أميمة منير جادو أنموذجًا

بقلم الناقدة الذرائعية الدكتورة عبير خالد يحيي

......................................

 المصادر:

- مقال لمحمود الدموكي – 26 مارس 2019 موقع تسعة

- الذرائعية في التطبيق – طبعة مزيدة منقحة – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار نشر النابغة – 2019

 - الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي –

الهوامش

[1] مقال لمحمود الدموكي – 26 مارس 2019 موقع تسعة

[2] الذرائعية في التطبيق – طبعة مزيدة منقحة – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار نشر النابغة – 2019 صفحة 32 

[3] الذرائعية في التطبيق – عبد الرزاق عودة الغالبي – طبعة مزيدة منقحة – دار نشر النابغة 2019 – صفحة 32

[4] نفس المصدر السابق.

[5] الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار النابغة للنشر والتوزيع – 2019 صفحة 158

[6] الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – صفحة 159

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

دكتورة عبير .. هذا نص من رواية قنابل الثقوب السوداء ، فهل استطعت ان اوفر شكل الفن السردي في الرسائل علما بان الرسالة مرتبطة باحداث الرواية لا تفك عنها ابدا ...........
الرسالة لا تحتاج الى شرح للقارئ او توضيح لك وخاصة انك علامة بارزة في علم الادب والنقد ...
وترك فطين حائرًا لا يدري ماذا يفعل ، أصابه الإبلاس والتيه ، وأخيرًا قرّر إرسال خطاب إلى ابنه كتب فيه..

بسم الله الرحمن الرحيم
ولدي الغالي ..السلام عليكم .
أرجو أنْ تكون بصحة جيدة .
لقدْ سعدتُ كثيرًا باختراعك الأوّل ..الخليّة الصماميّة ، وفي انتظار المزيد والمزيد مِن ابتكاراتك ، وأنا متأكد أنّكَ سوف تنجز الكثير منها .
وكلُّ ما أرجوه أن تبتكر لنا ما يُخرج مصر من دهاليز القيعان المعتمة ويحلّق بها إلى قمم الشموس المضيئة.
كلّ ما أرجوه أن تبتكر لنا ما يُطفئ النار التي شبّتْ في عروبتنا ، وتمزّق أشرعة الأهواء التي مزّقت أشرعة سفينتنا .
يجب أن ينتهي رماد الاحتراق المنبعث من ..
أهوائنا .
أحقادنا .
نزاعاتنا .
أطماعنا .
**
ولدي ..
إنّى أشمُّ رائحة اليهود وأنا أكتب كلامي هذا ، وأنّ مخططهم لحرْق العالم تطرق أُذنيّ الآن .
إنّ العالم مقبل على حرب عالميّة ثالثة لا محالة ، وستكون كلمة الفصل للعلم والتكنولوجيا.
العالم سيحترق ، فاجعل علمك يطفئ ناره ولا يشعلها ، اجعله سلاحًا في يدك اثقبْ به طبول الحرب ، وسُدّ أبواقها ، وصُمّ به آذان الشياطين ، وهذّبْ به النفوس الآثمة ، وأشهرْه عاليًا ، ستجد حمائم السلام يتخذونه متكأ وأيكاً.
ولدي ..أريدك أن تكون ردءاً لمِصر مِن هذه الصراعات ، تعَلّمْ وعلِّمْ وحاول أن تصلّ بقلبك إلى رئيس بلدك فتعينه ويعينك على الخلاص مِن أضراس الحرب النوويّة القادمة..لا تعملْ لدى أحد ..اِعملْ في بلدك ..كُنْ نابغة عصرك تجدُ رئيس بلدك مِن أمامكَ وخلفكَ وعن يمينكَ وعن شمالكَ ، لا تعملْ خارج مصر ، لا تعملْ لدى أحد .

**
ولدي..
تثبت ولا تهن ولا تترك مكانك ، فإنّي راحل عاجلاً أم آجلاً ، فاتخذ مؤيدًا أبيك فهو رجل ليس له نظير .
ولدي لا أحبّ أن أرى دموعك إلّا عند الفرح ، فلا تحزن ، فكلنا راحلون. كلنا راحلون .

**
ولدي ..لقد آثرت أن أكتب لا أن أتكلم حتى تظلّ كلماتي منتصبة على سمعكَ وبصركَ وفؤادكَ فتتلوها وتذكرها ولا تنساها أبدًا.. فاحتفظْ بخطابي هذا ما دمتَ حيّاً .
ليكن خطابي وحيك ودربك ونجاتك.
ولدي ..لا تعملْ لدى أحد .أكرر كُن بين أبناء وطنك ولا تعمل لدى أحد .
أبوك :فطين المصريّ .

ابراهيم امين مؤمن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4884 المصادف: 2020-01-19 01:45:49