 قراءات نقدية

تحليل قصيدة: كما يستمع أحد إلى المطر لأوكتافيو باث

اسمتع الي كما يستمع أحد إلى المطر،

لا يبال ولا يذهل،

خطى خفيفة ورذاذ خفيف،

الماء هو الهواء والهواء هو الوقت،

مازالت اليوم تغادر،

و لم يصل الليل بعد،

أشكال من الضباب

في نهاية الزاوية،

وأشكال الزمن هنا

عند انحناءة هذا التوقف،

استمع الي كما يستمع أحد إلى المطر،

دون الاستماع، اسمع ما أقول

مع عيون مفتوحة للداخل أو نائما

و الحواس الخمس مستيقظا،

انها تمطر، خطى خفيفة وخريرالمقاطع،

الماء والهواء، كلمات دون الثقل:

ما نحن

وما الأيام والسنوات، في هذه اللحظة،

الوقت عديم الوزن والحزن شديد،

اسمتع الي كما يستمع أحد إلى المطر،

الأسفلت المبلل يلمع،

يرتفع منه البخار ويذهب بعيدا،

يتجلى الليل وينظر إليّ،

أنت، أنت وجسمك بخار،

أنت ووجهك الليل،

أنت وشعرك، البريق المتمهل،

أنت تعبر الشارع وتدخل جبهتي،

خطى الماء اجتازت عيناي،

اسمتع الي كما يستمع أحد إلى المطر

الأسفلت المبلل يلمع وأنت عبرت الشارع

إنه ضباب، يطوف  في الليل،

ها قد أتى الليل، نم على سريرك،

إنها تدفق الأمواج في أنفاسك،

أصابعك من الماء تبلل جبهتي،

أصابعك من اللهب تحرق عيناي،

أصابعك من الهواء تفتح جفون الزمن،

ربيع النظر والنشور،

استمع الي كما يستمع أحد إلى المطر،

بمرور السنوات  ستعود اللحظات،

هل تسمع الخطى في الغرفة المجاورة؟

ليس هنا، ولا هنالك: تسمعهم

وقت آخر وهي الآن،

استمع إلى خطى الوقت،

مبتكر الأماكن دون وزن، في لا مكان،

استمع إلى المطر الذي يركض على الشرفة،

الليل ... الآن أكثر ليلا في الايكة،

الوميض مشعشع بين الأوراق،

الحديقة المضطربة منجرفة،

و يغطي ظلك هذه الصفحة

.............................

المصدر:

poemhunter/Octavio-Paz

***

 تحليل القصيدة:

لقد قام الناقد 'صاموئيل وصلي' بكتابة هذا التحليل، لكنه ترك باب التحاليل مفتوحة للقراء أيضا، لأن هذا النص في حد ذاته نص مفتوح وغني يستوعب تحاليل مختلفة.

ان هذه القصيدة مكتوبة بلغة الشخص المتكلم قد تبدو وكأنها تخاطب شخصًا ما. في حين يعتبرها الكثيرون مفتوحة ولها العديد من التفاسير، إلا أنه يمكن تحليل البنية الأدبية والموضوعات واللغة والأدوات الشعرية المستخدمة فيها من خلال زاوية نقدية محددة كذلك:

استخدم الشاعر هنا العديد من الصور المرئية مأخوذة من الطبيعة التي تجذب الحواس بشكل كافٍ. مع نبرة هادئة في جميع مقاطع القصيدة، يخلق الشاعر في هذا النص أجواء من المتناقضات بحيث يمكن للقراء طرح وجهات نظرهم الخاصة حولها. وقد استخدم الشاعر أيضًا أسلوب "التجسيد" كما جاء في (يرتفع البخار ويمشي بعيدًا) و(يتجلی الليل وينظر إلي)

كما استفاد الشاعر من تقنيات شعرية اخرى مثل التكرار والإيقاعات الثابتة، يصبح هذا أكثر وضوحًا عندما يدرس المرء الهيكل الشكلي للنص.

كما ذكرنا سابقا فإن إحدى الأمثلة الملحوظة للتكرار هي السطر "اسمتع الي كما يستمع أحد إلى المطر" والذي ورد خمس مرات في هذه القصيدة. يبدو الأمر كما لو أن الشاعر يطالب القراء بالاستماع إليه، مع التأكيد على الطريقة التي يود أن يسمع بها. ولكي نسهل شرح بنية القصيدة، فلنفصل القصيدة إلى مقاطع بالرغم من ان الشاعر لم يكتبه بشكل المقاطع، فلربما لغرض ان يكون الاسطر متدفقا..

المقطع الاول:

يرغب الشاعر في أن يسمع – ولو إن لم يكن بانتباه، على الأقل من خلال عدم تشتيت الانتباه. ربما من خلال "خطوات خفيفة ورذاذ خفيف" يلمح إلى العلامة الصغيرة التي نتركها في هذا العالم بعد مغادرتنا لها. ومن خلال الهواء الذي هو الوقت إلى إيجاز الحياة. ومهما كانت تحاليل القراء، فإن أحد الجوانب الجديرة بالذكر هو أن "اليوم ما زال تغادر والليل لم يأت بعد." اذا ان الوقت الذي تبدأ فيه القصيدة هو الغسق.

المقطع الثاني:

هنا قد يتمكن الشاعر من ايجاد فئة قليلة من الناس الذين يفهمونه في هذه المرحلة. ربما حاول استنباط الأفكار المذكورة أصلاً في المجالات الميتافيزيقية للتعمق. يبدو أن "النوم مع كل الحواس الخمس مستيقظًا" يشير إلى حالة ذهنية كان موضوعًا مهما لتحقيق فلسفي على مدار القرون الماضية. وبقوله "دون الاستماع، استمع الی ما أقول"، ربما لا يطلب الشاعر هذا إلا من الشخص الذي يتحدث إليه، أن يكون على دراية بما يقوله أو بمعنی آخر يمكن أن يكون هذا الشخص هو القاريء نفسه.

المقطع الثالث:

أخيرًا، "يتجلى الليل" وتتحول الوقت إلى الليل. قد تكون أحد التفسيرات المحتملة لـ "ارتفاع البخار ويمشي" هي أنها تشير إلى الرائحة الترابية التي ترتفع بعد المطر؛ ولكن لسبب ما يتلاشى ويتكشف الليل. في هذا المقطع، يبدأ الشاعر بإلقاء الضوء على الشخص الذي يتحدث إليه. وقد فسر البعض هذه القصيدة بأكملها على أنها موجهة إلى امرأة يحبها، أو إلى صديق عزيز. بحيث يؤدي ذلك إلى تساءل المرء عن السبب في وصف الشخص بـ "وجه الليل". كما يمكن للمرء أن يحلله بـ(أنت) الذي/التي دخلت جبهتي. ويمكن أن يفسر "خطى الأقدام من الماء " بالدموع المنهمر و" دخول الجبهة " يقرأ أيضا على أنه مكان مخصص للذكريات!..

المقطع الرابع:

كما يشير هذا السطر "أصابعك من الهواء.... إلى: فتح أجفان الزمن" إلى أن الشاعر يتذكر الماضي. وبالتالي قد يكون التفسير الأكثر منطقية هو أن كل هذا يشير إلى شخص ربما قد أحبته كثيرا، لكنه يبدو أنه يشعر الآن بالألم والحزن بداخله من  جراء الفراق. ويدعم هذا القول أيضًا السطر الأخير من المقطع الثاني حيث يتحدث عن "وقت بلا وزن وحزن شديد"

المقطع الخامس:

في هذا المقطع بالذات، يطلب الشاعر من الشخص أن يستمع اليه، الآن ولقد مرت "السنوات" وعندما يتذكر تلك اللحظات، يبدو الأمر كما لو أنه "يسمع خطى في الغرفة المجاورة". لذا "بعد أن استمع إلى خطى الوقت"، لا يزال هذه الأفكار تلقي بظلالها الغريبة على وجهه،  وربما هي مسحة من الحزن. لكن اللغز وراء هذه الانطباعات الغامضة لا تزال كامنة بين الاسطر وفي طيات هذه القصيدة وداخل قلب الشاعر .

* الصور الشعرية المتناقضة:

يبدو أن الشاعر قد استخدم عبارات يعتبرها الاكثرية إما سخيفة علميا، أو متناقضة حرفيا، لكن يحاول الشاعر هنا بناء شعور اللاعقلانية الذي يتفوق في بعض الأحيان على العقل الخارجي، خاصة عندما يبدأ المرء بالنوم، أو عندما يرى حلما في المنام، أو عندما يعاني من الهذيان أو من بعض الأمراض. لذا، يستخدم الشاعر هذه العبارات لاستكشاف عالم مختلف تمامًا، ليس عقلانيًا، ولكن في بعض الأحيان يمكن للعقل البشري أن يختبره. بل تبدو القصيدة بأكملها بمثابة حلم، لا يكون فيها العالم حقيقيا، کأستعمال دوال: الوقت وجفونه وانعدام الوزن... لكن ليس الشرط ان يطابق هذه الاستعارات ما هو في العالم الحقيقي الملموس كما هي، بل يصنع الشاعر من الواقع والخيال شيئا مغايرا تماما..

لقد ألمح العديد من المفكرين على مر العصور إلى أن المنطق البشري والعقلانية قد لا يكونان مستقلين حقًا بل هو جزء من بنيان الانسان. إن موضوع اللاعقلانية الذي يستخدمه الشاعر هنا يحاول من خلاله اللعب بهذه الفكرة. وهنا نلتمس تأثير الادب السريالي في ثنايا الاسطر والمقاطع.

تظهر الحواس هنا - البصر، السمع، اللمس، المشاعر الجميلة والرائحة..وتشير الى: الحنين إلى الماضي - والصور الجميلة كالـ "أشكال من الضباب في نهاية الزاوية، أشكال من الزمن في نهاية هذا التوقف"  كما استخدم اوصافا من الطبيعة كالـ ؛ المطر، البرق، الأمواج، الهواء، الإسفلت المبلل. وهذا ما قد ينجذب القاريء كي يشعر به دون أن يعرف تفاصيله..

أحد التأثير الايقاعي الذي يدغدغ الاحساس هوعندما تقرأ هذه القصيدة يبدو وكأنك تستمع الی همسة صامتة كما لو كنت تستمع إلى خرير المطر. هنا  يبقيك الجناس أيضًا على يقين وتواصل لغرض ان يجعلك حريصا على معرفة معنى ما مخفي ومختبيء وراء العبارات.

 

سوران محمد

...................

النص بالانجليزية:

Listen to me as one listens to the rain,

not attentive, not distracted,

light footsteps, thin drizzle,

water that is air, air that is time,

the day is still leaving,

the night has yet to arrive,

figurations of mist

at the turn of the corner,

figurations of time

at the bend in this pause,

listen to me as one listens to the rain,

without listening, hear what I say

with eyes open inward, asleep

with all five senses awake,

it's raining, light footsteps, a murmur of syllables,

air and water, words with no weight:

what we are and are,

the days and years, this moment,

weightless time and heavy sorrow,

listen to me as one listens to the rain,

wet asphalt is shining,

steam rises and walks away,

night unfolds and looks at me,

you are you and your body of steam,

you and your face of night,

you and your hair, unhurried lightning,

you cross the street and enter my forehead,

footsteps of water across my eyes,

listen to me as one listens to the rain,

the asphalt's shining, you cross the street,

it is the mist, wandering in the night,

it is the night, asleep in your bed,

it is the surge of waves in your breath,

your fingers of water dampen my forehead,

your fingers of flame burn my eyes,

your fingers of air open eyelids of time,

a spring of visions and resurrections,

listen to me as one listens to the rain,

the years go by, the moments return,

do you hear the footsteps in the next room?

not here, not there: you hear them

in another time that is now,

listen to the footsteps of time,

inventor of places with no weight, nowhere,

listen to the rain running over the terrace,

the night is now more night in the grove,

lightning has nestled among the leaves,

a restless garden adrift-go in,

your shadow covers this page.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4921 المصادف: 2020-02-25 02:03:06