 قراءات نقدية

سقوط الممالك قراءة في قصيدة (خطأ نظري) للشاعر سامي مهدي

رحيم الغرباويما عاد الشعر في عصر الأفكار والطروحات الفلسفية لوحات تتغنى بها القلوب وتصدح في مهرجاناتها الأغاني والألحان، بل صار يناغم روح العصر وذوقه وهو يعالج قضايا المجتمع ويقيم صلواته في صومعاتها البنائية، ولمَّا كان الشعر  يعالج مساحات من الإشكالات المجتمعية، صار يقحم نفسه في كثير من إشكالاتها بوصفه أداة إقناع، ووسيلة إيضاح، ومفتي رأي، فسلَّمنا له بالقبول، وقبلنا فيه ذوق العصر، ولعل قصيدة الافكار والمعالجات هي نسيج مختزل يتضمن دلالات مكتنزة بسيطة في عباراتها عميقة في إشاراتها، ولعل هذا الشعر بات مستساغاً، لأنْ يتجاوز "النسق الغنائي المناسباتي وانفتاح التجربة الشعرية على فضاءات وجودية " (1)، وفكرية متنوعة " تحاول أنْ تؤطر التجربة الكلية بما تحمل من تناقضات الحياة وتعدد أشكالها " (2).

ويبدو أنَّ المجتمع العراقي انفتح على أفكار إشتراكية وقومية أخذت أبعاداً في طروحاتها، مما جعل الشعراء يتأثرون في هذه الطروحات فمنهم من انساق تجاه الأفكار الاشتراكية، لما يعيشه الشعب العراقي من فقر وتهميش طبقي دفعهم ينادون للقضاء على الفقر والاستغلال ونصرة الطبقات المسحوقة ونصرة الحركات التحررية و الدعوة إلى الحرية، ومنهم من توجه توجهاً قومياً في نشدان وحدة الأقطار العربية والدعوة إلى تحرير أرضنا السليبة فلسطين، ومنهم من نهل من الفكرين، كونهما مطروحين في الساحة الثقافية ويؤديان مشاريع إنسانية مقبولة.

ومن بين الشعراء الذين مزجوا بين ذلك هو الشاعر سامي مهدي، إذعالج في أشعاره مسائل إنسانية كثيرة، كما عُرف شأنه شأن شعراء جيله بنزعته الوجودية في موضوعات الزوال والاغتراب والضياع، لكنه لم يكتف بذلك، إنما انتقد الكثير من الممارسات سواء أكانت مظاهر مجتمعية أم سياسية لها أثرها السلبي على المجتمع، ومن بين قصائده قصيدة (خطأ نظري) من مجموعته الشعرية (يحدث دائما) والتي صدرت عام 2014م،

يقول :

لم يعد وحدكَ هذا الفضاء

فقد آنَ للآخرين

أنْ تكون لهم حصَّةٌ فيه

حصَّتهم هي

ما عادَ يُجديك نكرانُها

والتعلل بالسبقِ والسابقين .

هم هنا شركاؤك في الأرضِ والشمس

في الماء والريح،

في قولِ لا، أو نعم،

وإذا أنتَ أنكرتهم

فستُنكر نفسكَ بعدَ حينْ .

وكأنَّ الشاعر يؤنِّب ذاته، لكن نراه يعمم هذه الفكرة التي يرى أنَّ بعضهم يستشعر أنه ملكَ كلَّ شيء، وليس سواه ينفرد بالرأي أو القول، ولعلَّه يطرح   فكرة الشاعرالقديم حين كان يهيمن على جماهيره، وهو يلقي أشعاره، فيصفِّقون له من دون اعتراض أو نقد، كما هم الملوك والحكام الدكتاتوريون الذين سلبوا حرية المواطنين في بلدانهم، فيشير في نصه : لقد أصبحنا في زمن الديمقراطية التي يشترك بالرأي الجميع، فنختار وننتقد، كذلك القصيدة اليوم هي ملك الآخرين فيمكنهم أنْ يقولوا آراءهم فيها، ينتجون، وينتقدون . ولعل ما تحمله سطور القصيدة من تأوِّل واقتراحات هو ما يمثل الأسلوب الجديد الذي اتخذته القصيدة الحداثية، ودعوة الشاعر فيها إلى مواكبة العصر . فعلى الشاعر أن يستوعب ذلك كما صار لزاماً على كل سياسات العالم لاسيما الحكومات أنْ تنصاع للرأي المعارض وذوق العصر، كذلك الأفراد والجماعات .

ثم يقول :

فلتدع عنك أوهام ماضيك

هذا خريفك

والحُلَّة الملكية راحت ورثَّتْ

وما عادَ في المهرجانات ما

يخدعُ الناظرين .

سبق وأن قلنا أنَّ بعض الشعراء نهلوا من ثقافات وأفكار متنوعة، ومن بينهم شاعرنا، إذ نراه هنا يعدل إلى فكرة الزوال التي طرحتها الافكار الوجودية، فيرى أنَّ كلَّ شيء آيلٌ إلى زوال، و أنَّ أوهام الماضي زائله، فيشير إلى مجيء الخريف بعد فصل الربيع ولو بعد حين، كما أنَّ الحلَّة الملكيَّة رثَّتْ، إشارة إلى تبدل العصر وتغير التوجّهات والمشارب، بينما المهرجانات والتمثيل والتضليل فيها ما عادت تنفع؛ لأنَّ الوعي هو من جعل الناظرين يستبصرون الحقيقة، وليس الخدع أو البهرجة هي ما تنفع الحكام المُضللين .

ثم يقول :

خطأ

خطأ كان منذ البداية

والنظريات تُخطئ

بل سقطةٌ

وَغَدتْ مرضاً

حينَ أيقنتَ أنَّكَ وحدَك

كاللهِ

تملكُ كُلَّ الحقيقةِ

كاللهِ

أجدر بالمُلكِ

كالحلِّ والعقدِ

من سائر العالمين .

فهو يكذِّب النظريات التي ترى أنَّها فوق جميع النظريات، وأنَّها هي من أصابت الحقيقة دون غيرها، فشبه ادعاء أصحابها بالله سبحانه وتعالى العارف بكل شيء إنكاراً منه لذلك، فالأفكار تتغير وكل شيء إلى زوال، إذ لاتكامل في الحياة، والذي يغري أنَّ الشاعر كأنَّه يحيلنا إلى حقيقة الحكومات الجائرة التي تحكم باسم الدين، تظن أنَّها تحيي العقيدة بالقتل والترهيب والتعنيف، بيد أنَّها أخطأت منذ تأسسها، كونها ارتكزت على جمود وانكماش في الفكر، وليس لها إلا أن تميل عن جادتها بمرور الأيام والأعوام، كونها لم تراعِ أفكار وتطلعات الأجيال، فبقيت بقصورها العاجية، كما يحدث اليوم في بعض الأقطار التي لاتنظر إلى تطلعات رعيتها، ما جعلها تخسر حتى قواعدها بعدما صار ملكها رثَّاً ... وكما المناهج السياقية في الأدب التي حالت دون البقاء، فزالت، كونها لم تكن قادرة على مواكبة العصر  فجاءت بدلها مناهج جديدة تساير الثقافة وتطلعات المتلقين في قراءة النصوص الحداثية التي هي من صميم  ذوق العصر ثقافةً وتطلُّعاً، فهو مَن يقول: (أنا صاحب رؤى وأفكار ومواقف يحبّ أن يعبِّر عن رؤاه وأفكاره،ويعرب عن آرائه في ما يقرأ، وفي ما يجدّ ويدور في الساحة الأدبية والفكرية) لهذا نراه يسعى إلى الجديد ويقول للقديم أنْ لاتغتر في قِدَمك وما كنتَ به من ألقٍ في يوم ما، فإنَّ الساحة لم تخل من عقول ونظريات وأفكار تفوق الأفكار التي طُرحت في أزمنة مضت، إذ لاتنفع أفكارها، كونها تماهت واندثرت إلى غير رجعة .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

.....................

الهوامش:

(1) مقاربات نقدية لنصوص حداثية، د. سمير الخليل، دار الجواهري،

بغداد، ط1، 2013م : 71

(2) المصدر نفسه والصفحة نفسها .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4959 المصادف: 2020-04-03 12:49:47