 قراءات نقدية

جمال الغيطاني: رائد التوظيف التراثي للرواية العربية (1)

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنه ليس الكاتب الروائي، إلا مفكراً يستبدل لغة الفن بلغة الفكر، يقوم بفعل السيطرة علي الواقع من حوله سيطرة بناء يلملم من شتات مواد العمارة عينات مختارة، يخلق من مزج مفرداتها بناءً متماسكاً متناسقاً ذا نظام وجوهره. والروائي يسعي من خلال هذه السيطرة إلي شكل من أشكال تغيير الواقع، وفق منظور يبرز أحد الاحتمالات الممكنة لمستقبل ذلك الواقع الخام، وهو منظور يمثل في الحصيلة بعض ملامح فكر الكاتب الروائي، في رؤية شمولية ذات بناء فني جمالي خاص؛ ونحن إذ نؤكد دور المفكر في العمل الروائي، ننطلق من أنه قد بات " من المؤكد أن وشائج القرابة قائمة بين الفنان ووليده الروحي"، حتي إن الفنان عموماً " مهما ادعي أن فنه كان نتاج اللاوعي أو اللاشعور، فهو يعي ويشعر بما يصنع أو بما يبدع" . وقد تقود هذه الوشائج إلي حد أن تحل شخصية الكاتب داخل روايته، واحدة من شخصياتها، أو رواية لها، فإن غابت هذه الشخصية عن الظهور، هي شخصيات العمل الروائي، المحكومة حتماً بمنطق إدارته لعالم الرواية موضوعياً وفنياً، وهو ما يؤكد أن الروائي حاضر في الحالتين لا محالة .

ومن هنا يمكن القول بأنه ليس من المعقول أن تمر علينا هذه الأيام الذكري الخامسة لوفاة الأديب الكبير، والروائي القدير " جمال أحمد الغيطاني (ولد 9 مايو 1945 - وتوفي 18 أكتوبر 2015)"، روائي وصحفي مصري، حامل الروائح المحفوظية، ورفيق أديب نوبل، نجيب محفوظ، وأحد أبرز أعضاء "شلة الحرافيش"، ومؤسس صحيفة أخبار الأدب (أول صحيفة أسبوعية ثقافية متخصصة تخرج من المؤسسات الصحفية القومية المصرية)، وأن نمر عليها مرور الكرام، دون ذكر، أو وقفة، أو تسليط الضوء على شيء من منجزاته وابداعاته ؛ فقد كان سيادته صاحب مشروع روائي فريد، استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالمًا روائيًا عجيبًا نال فيه نجاحاً كبيراً، ومحبة لا تغيب في قلوب قطاعات واسعة من القراء.. ثقافته الموسوعية وسعة اطلاعه، فتحت الطريق لإحياء الكثير من النصوص العربية المنسية، وإعادة النظر في تاريخ الأدب العربي القديم... وعلى الرغم من وعود كثيرة بتخليد ذكراه رسمياً في صورة مركز ثقافي يحمل اسمه، إلا أن هذه الوعود تراجعت ولم ينفذ منها إلا تسمية أحد شوارع القاهرة الفاطمية باسمه، وهو شارع متفرع من شارع المعز لدين الله الفاطمي، كما تم إطلاق اسمه على إحدى المدارس بمسقط رأسه في محافظ سوهاج جنوب مصر.

كما يعد جمال الغيطاني من أبرز كتاب الرواية التراثية في عالم العربي بروايته (الزيني بركات): حيث يختار جمال الغيطاني في رواية الزيني بركات الشكل التاريخي متخذاً من كتاب (بدائع الزهور في عجائب الزهور) للشيخ محمد بن أحمد بن إياس طريقاَ ونمطاَ للإبداع والتخييل لمساءلة الواقع والبحث عن الأسباب والنتائج بالغوص في أعماق الزمن واستقراء لحظات التاريخ .

فقد اختار الغيطاني من التاريخ ما شاء ليوظفه في عمله الروائي كجزء من عمله السردي والجمالي، وعلي هذا النحو من التصوير لعملية إبداع الرواية يتراءى اللجوء إلي التاريخ باعثاَ علي تجديد الأساليب السردية باستخدامه العناصر السردية التي أعاد بناءها روائياً بما يتلاءم العامة لهدف الكتابة الفنية والفكرية اللتين راح الكاتب يبثهما في هذا البناء .

علاوة علي أن جمال الغيطاني أحد أبرز أدباء جيل الستينات، اللذين عاصروا الحلم الناصري والفكر الاشتراكي، والآمال المجهضة في تحقيق وحدة عربية قوية، تتصدي للعدو الإسرائيلي والغربي، ذلك الجيل الذي استيقظ علي هزائم سياسية وعسكرية، وقد مني بها الوطن العربي، وكانت سبباَ رئيسياً في تمرده – كجيل – علي واقعه المعاش بكل تناقضاته السياسية والاجتماعية، ودفعه إلي رفض معظم القيم السائدة، والبحث عن طرق جديدة للحياة، تحمل لواء الحداثة والتجديد .

انفتحت تجربته الفنية في السنوات الأخيرة على العمل التلفزيوني مع المحافظة على نفس الملامح التي نجدها في الرواية،إذ كشف النقاب عن عالم آخر يعيش بيننا من المعمار والناس، ولذلك يعد الغيطاني من أكثر الكتاب العرب شهرة على شبكة الانترنت، إذ أن أغلب رواياته ومجموعاته القصصية متوفرة في نسخات رقمية يسهل تبادلها أضافت بعدا جديدا لهذا الكاتب الذي جمع بين الأصالة العميقة والحداثة الواعية.

وقد استطاع هذا الجيل – بإبداعه السردي المتميز، أن يتجاوز تقليدات السرد في العصري: الكلاسيكي والرومانسي ويحطم فكرة القوالب والأنماط والخيال الجامح، وينقل الرواية والسرد بشكل عام إلي مرحلة حداثية جديدة، تتسم بالعمق والأصالة والمجاوزة، حيث استطاعوا أن يمزجوا التعددية في طرائق التعبير، بالعوالم الخيالية والصوفية والواقعية والتاريخية، وهو ما جعل إبداعهم يتجلي في خطاب سردي أكثر تعقيدا وأعمق تركيبا، وهم في هذا قد نحوا بالرواية العربية صوب مرحلة متقدمة، أكملت ما بدأه جيل الرواد: محمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وطه حسين وعباس العقاد وعبد القادر المازني ويوسف إدريس وغيرهم .

علي أن هذه الفترة الستينية من القرن العشرين، بكل تناقضاتها – قد أفرزت لنا مجموعة متميزة من كتاب السرد في العالم العربي، أمثال: صنع الله إبراهيم، حنا مينا، عبد الكريم غلاب، غسان كنفاني، إدوارد الخراط، الطيب صالح، صبري موسي، بهاء طاهر، إميل حبيبي، الطاهر وطار، عبد الرحمن منيف، يوسف القعيد، جمال الغيطاني، غيرهم .

ورغم كثرة مبدعي جيل الستينيات، وتميزهم، فقد استطاع " جمال الغيطاني " أن يؤكد تفرده وصدارته لكتاب جيله: وهو ما يتضح لنا شهادة الأديبين الكبيرين " نجيب محفوظ، ويوسف إدريس " عندما سئلا عن رأيهما في جيل الستينيات بشكل عام، وفي جمال الغيطاني بشكل خاص، " حيث قال الأديب الكبير نجيب محفوظ: هو نكهة جديدة تحت راية الأدب الاشتراكي، وقال يوسف إدريس عن الرواية في هذا الجيل: الرواية رواية جمال الغيطاني فحسب ."

ولد جمال الغيطاني في 9 مايو 1945، في قرية جهينة محافظة جرجا (محافظة سوهاج حالياً). نشأ في القاهرة القديمة، حيث عاشت الأسرة في منطقة الجمالية، وأمضى فيها ثلاثين عاما. تلقى تعليمه في مدرسة عبد الرحمن متخذاً الابتدائية، ومدرسة الجمالية الإبتدائية. تلقى تعليمه الاعدادي في مدرسة محمد علي الإعدادية. بعد الشهادة الإعدادية التي حصل عليها عام 1959، التحق بمدرسة العباسية الثانوية الفنية التي درس بها ثلاث سنوات فن تصميم السجاد الشرقي وصباغة الألوان.

ولعل اشتغال الغيطاني بهذا العمل قد أسهم في تعميق حسه الفني واستكشافه أسرار الفن الإسلامي بزخارفه التي تشي بفلسفة الجمال في تراثنا الفني، تماماً كتأثير التراث المعماري القديم، متمثلاً في عمارة المساجد، والكنائس، والمعابد الفرعونية التي " لم تكن حجارة صماء، وإنما كانت تعكس موقفاً ورؤية للحياة، خصوصاً، وأن الغيطاني يتمتع فيما يلوح من بعض تصريحاته بدرجة عالية من دقة الملاحظة، وتأثير الجمال، فهو يروي أنه وقف يوماً أمام زخارف جدارية دقيقة في المغرب، فراح يتأملها قائلاً في نفسه " لو أنني نجحت في الوصول إلي هذه الخصوصية من خلال اللغة، أكون قد نجحت في خلق شكل متميز".. وللحديث بقية ..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

........................

المراجع

1- محمد أحمد عبد العزيز: النص الروائي والتراث: نموذج من أعمال جمال الغيطاني، دراسات – العلوم الإنسانية والاجتماعية، الجامعة الأدرنية، المجلد الخامس والعشرين، العدد الثاني، 1998م.

2- وائل غالي: جمال الغيطاني .. ناثراً المحو، الرواية – قضايا وآفاق، العدد الثاني، 2010.

3-  جمال الغيطاني: التجليات،القاهرة، 1998م.

4- حكايات موظف كبير في جريدة المحرر، وحكايات موظف صغير في مجلة الجمهور الجديد اللبنانية".

5-عبد الرازق الهمامي: الحكاية وتأويلها في قصص الغيطاني، المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، العدد السادس والخمسين، 2002م.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية حارة للمفكر الدكتور محمود محمد علي بمناسبة هذه المقالة التي تحمل عبق الوفاء.
أعد المرحوم الغيطاني من أصدقائي الذين كنت ألتقيهم بانتظام في مصر والمغرب. وكان كثيراً ما يغتنم المناسبات لزيارة المغرب، لأن شيخه (في التصوف) كان في إحدى نواحي مدينة مراكش، كما أخبرني. وفي القاهرة يصطحبني معه للقاء المرحوم نجيب محفوظ الذي كان يلتقي بشلته مرة في الأسبوع.
مقال رائع كالعادة بقلم الدكتور محمد علي. وقع فيه خطأ مطبعي في عنوان الكتاب " بدائع الزهور في وقائع الدهور" للمؤرخ المصري المرحوم محمد بن إياس الحنفي.
تمنياتي للدكتور محمد علي بالصحة والخير والهناء.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

شرف كبير أن يطل علينا عالم ومفكر ومبدع مثل علي القاسمي مع حفظ الألقاب والتمس لي العذر ياسيدي علي أي أي خطأ مطبعي وأشكركم شكر المحب

د. محمود محمد علي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5051 المصادف: 2020-07-04 02:12:01