 قراءات نقدية

جمال الغيطاني: رائد التوظيف التراثي للرواية العربية (2)

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن جمال الغيطاني رائد التوظيف التراثي للرواية العربية، فنقول:" كتب الغيطاني أول تجربة محاولة قصصية عام 1959، أي وهو بعد في حدود الرابعة عشرة من عمره، ولكنه لم يتمكن من النشر إلا في عام 1963، إذ نشر أول قصة له بعنوان "زبارة" في مجلة الأديب اللبنانية . وتابع النشر بعد ذلك في الدوريات والصحف حتي عام 1968، حيث نشر خلال هذه السنوات الست " عشرات القصص، وروايتين قصيرتين (حكايات موظف كبير في جريدة المحرر، وحكايات موظف صغير في مجلة الجمهور الجديد اللبنانية)".

وفي عام 1965 كان قد بدأ ينخرط  في تنظيم سياسي سري منشق عن الاتحاد الاشتراكي، ليمارس من خلاله كشف بعض الانحرافات الاقتصادية الموجودة داخل المؤسسة، التي يعمل كغيرها من المؤسسات في تلك الآونة، وينقل بسبب هذه التحرك السياسي إلي محافظة المنيا في الصعيد، ولا تلبث السلطات السياسية أن تعتقله في نهاية عام 1966،حتي مارس 1967، أي قبل النكسة بثلاثة شهور، ثم قررت المؤسسة أن يكون عمله هذه المرة في القاهرة نفسها في منطقة خان الخليلي، ويظل علي رأس عمله فيها حتي عام 1968، وهو العام الذي نشر فيه مجموعته القصصية الأولي بعنوان " أوراق شاب عاش منذ ألف عام " . لقد كانت هذه المجموعة الأخيرة علامة تحول في سياق إبادع الغيطاني الأدبي غلي صعيد احتراف الأدب من جهة، وعلي صعيد ما طرأ علي حياته العملية من جهة أخري . فلقد استدعاه بمجرد صدور هذه المجموعة محمود أمين العالم رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم آنذاك، وطلب إليه العمل في الصحافة، فكان أن قبل العرض، ودخل بذلك عالم الصحافة، الذي هو حتما أقرب إلي عالم الكتابة من العمل الحرفي الذي كان يمارسه الغيطاني لسنوات خلت قبل هذا التاريخ .

تخرج عام 1962، وعمل في المؤسسة العامة للتعاون الانتاجي رساما للسجاد الشرقي، ومفتشا على مصانع السجاد الصغيرة في قرى مصر، أتاح له ذلك زيارة معظم أنحاء ومقاطعات مصر في الوجهين القبلي والبحري، تزوج عام 1975، من ماجدة الجندي، رئيس تحرير مجلة علاء الدين، للأطفال الصادرة عن مؤسسة الأهرام، وهو أب لمحمد وماجدة.

بدأ جمال الغيطاني الكتابة سنة 1959م بالتحديد، وبدأ كروائي وليس ككاتب قصة قصيرة . كتب ثلاث روايات لم يقدر لها أن تنشر وعددا كبيرا جدا من القصص القصيرة في الفترة الواقعة بين 1959م و 1968م و تاريخ صدور أول مجموعة قصصية له: أوراق شاب عاش منذ ألف عام (1969م)، الذي تضم خمس قصص قصيرة: " أوراق شاب عاش منذ ألف عام، والمقتبس من عودة ابن إياس إلي زماننا، وأيام الرعب، وهداية أهل الوري لبعض مما جري في المقشرة . عثر " علماؤنا " علي " أوراق " ذلك الشاب الذي عاش منذ ألف عام مدينة كبيرة يحتمل أن يكون اسمها " المنيا " أو " أسيوط "، ونص تلك الأوراق أحد سكان هذه المدينة .

منذ بدأ الروائي الكتابة عام 1959م . لم يتوقف عن الكتابة والسرد، حتي في أصعب الظروف، حتي في السجن عام 1966 زمن جمال عبد الناصر منذ البداية، كانت " البداية غامضة "، إذا جاز التعبير . يروي السارد في " نثار المحو ": " .. يحيرني جهل البدايات، كما تحيرني مضامين النهاية، أي صور ستمثل عندي قبل إسدال بصري إلي الأبد، أهي صورة من ذلك النثار؟، هل ستكون فكرة لن يتاح التعبير عنها أبدا ؟، حقا

أما أبوه فقد ولد عام 1923، وفجع باليتم وهو ما زال في سن السابعة من عمره، " عرفت أنه يتيم، ولا يذكر ملامح أبيه الذي رحل فجأة"، وقد حُرِم هذا الأب من الذهاب إلي " الكتاب " في صغره بسبب خشية أمه التي ظنت أنه ربما يختطفه أحد عند ذهابه اليومي، وبقي طواة مدة مكوثه في جهينة علي خلاف مع عمه، الذي كان الطرف . أما جوهر الخلاف فهو أن عمه قد طمع بحيازة حق التصرف بمجموعة من أشجار نخيل كان قد تركها له والده ز ويبدو أن الأب قد ضاقت به سبل العيش في القرية، وفشل في إزالة أسباب النزاع مع عمه، فيسافر إلي القاهرة طلباً للكسب مع صديق له اسمه " عمر الماخوت" الذي صار فيما بعد من أثرياء سوق العتبة في القاهرة، ويظل في القاهرة متأرجحاً بين عمل وأخر، إلي أن يستقر به المقام في وزارة الزراعة موظفاً فيها وذلك حسب ما قاله الغيطاني في الجزء الأول من كتابه التجليات .

وبعد أن يجمع بعض المال يعود إلي جهينة، فيتزوج من ابنة علي باشا المداح صاحب الكرامات، ويعود بزوجه إلي القاهرة، فيقيمان في حجرة " فوق السطوح" في حارة الطبلاوي، ثم ينتقلان وقد أنجبا إلي شقة في الدرب الأصفر، ثم مرة أخري إلي درب الطبلاوي، ثم إلي باب الشعرية، فالمطرية لمدة شهرين، ثم أخيراً إلي شقة تقع في مساكن جديدة بُنيت شمال القاهرة، هي " آخر ما شيد للفقراء في زمن عبد الناصر".

وفي سياق حديث الغيطاني عن ظروف أسرته الاقتصادية الصعبة يقول: " كان والدي رجلاً فقيراً، مر في ظروف حياة صعبة جدا "، ولا شك أن هذا الإحساس قد أثر في نفسية الروائي تأثيراً كبيراً، فهو يعترف في موضع آخر أنه كان في مراهقته يخجل من فقر أبيه، وهو اعتراف يجعلنا أكثر فهما للسبب الذي  جعل الأسرة تقضي معظم حياتها في أحد الأحياء الشعبية الفقيرة، وهو حي الجمالية المشتمل علي الأماكن المشار إليها سابقاً.

وعلي الرغم من أن الحياة في أحياء القاهرة الشعبية أقرب إلي الحياة في الريف المصري، إلا أن هاجساً قوياً ظل يلح  علي والد الغيطاني بالعودة إلي جهينة، ولكن الظروف لم تكن لتسمح، ويمكن فهم ذلك من خلال خواطر الرجل التي كان يكشف عنها أمام أفراد أسرته:" سأتعلم وأرجع .. سأطلب نقلي إلي البلدة .. بعد أن يتعلم الأولاد في مصر سأرجع إلي البلدة .. بعد تخرج جمال، بعد تخرج إسماعيل، سأسافر لأموت هناك في الأرض التي خرجت منها".

ويبدو أيضاً أن الظروف الاقتصادية التي عاشها الغيطاني قد جعلته أكثر التصاقاً بواقع الحياة، وأنماط التفكير في الأجواء الشعبية، سواء في جهينة، التي لم تكن الأسرة لتقطع اتصالها بها، أو في الجمالية حيث ضريح الحسين – رضي الله عنه – صاحب المنزلة الكبرى عند المصريين، والذي يحتل – حسب تقدير الغيطاني – نفس المكانة التي يحتلها الإله أوزوريس الفرعوني.

ورغم أن أحدا لا يكاد يشك في أمر تأثر المبدع هذه الجواء الشعبية، فإنه نفسه يؤكد هذه الحقيقة ويقرها: " في هذه المنطقة نشأت (يعني الجمالية)، واعتقد أن هذه النشأة قد أثرت علي تكويني بشكل تلقائي جدا .

أما في صعيد مصر، فإن أنماط التفكير الشعبي هي الأطر الثقافية التي يشي عليها الناشئة هناك، وذلك لترسخها في وجدان الشعب بقوة . ولم تكن أسرة الغيطاني بمعزل عن هذه الأنماط الشعبية في التفكير وخصوصا عند جدته لأمه، إذ طالما رويت عنها قصص البطولات الخرافية، والكرامات الصوفية، وقصص الجان وغيرها، حتي أنها أورثت الإيمان بهذه " الأدبيات" وعقولهم كما سيبدو لاحقا.

فلا عجب بعد ذلك أن يترسب العديد من جزئيات هذا التراث الشعبي في لاوعي الغيطاني، باعتباره واحداً من أفراد هذه الفئات الشعبية  . وقد بدا الغيطاني في غير موقف تعبيري مسلماً بتأثير هذا التراث فيه وفي ابداعه، إذ إن هذا التراث " الذي يدخل في نسيج الواقع اليومي كان المنطلق الأول.. لمحاولة خلق أشكال فنية جديدة.

كما أن نشأة الغيطاني الأسرية والبيئية كان لها كبير الأثر في توجهه هذه الوجهة الإبداعية، فكذلك الأمر فيما يتعلق بثقافته، فلقد حصل ثقافته الخاصة عبر منافذ ثلاثة رئيسية. أما الأول، فمن خلال مكتبة مدرسة الجمالية الابتدائية في شبابه المبكر . وأما الثاني فمن خلال الكتب المعروضة علي رصيف الأزهر، بعد سن السادسة عشرة. وأما الأخير، فكان من خلال دار الكتب المصرية، وذلك في مرحلة متأخرة من مراحل تكوينه أطره الثقافية الخاصة.

ويمكن القول إن مطالعات الرجل من خلال هذه المنافذ قد بدت موزعة بين الأدب العالمي المترجم، والثقافة التراثية،مع نزر يسير من نماذج الأدب العربي الحديث . ولعل الثقافة التراثية تحديداً، لم يتح لها أن تحتل موقع الصدارة بين مطالعاته، إلا في المرحلة الخيرة، أعني من خلال دار الكتب، وبتوجيه من أمين الخولي الذي لم يلفت الغيطاني أن يحضر عددا من ندواته الأسبوعية التي كان يحضرها جماعة (الأمناء).

لقد اطلع الغيطاني من خلال تلك المنافذ علي قدر لا باس به من عيون الأدب العالمي المترجم لأبرز مشاهيره، أمثال تولستوي، هيجو،غوركي، زولا، وغيرهم الكثير.. ولا شك أن الرجل قد أفاد كثيرا من هذه القراءات، ولكن أهميتها الخاصة في سبيل ترغيبه الواعي بانتهاج منهج التوظيف التراثي في الإبداع ..

والمتابع لأعمال جمال الغيطاني السردية، يلحظ أنه كاتب غزير الإنتاج في مجالي الرواية والقصة القصيرة، فمن رواياته: " الزيني بركات 1970 م، الزويل 1970 م، وقائع حارة الزعفران 1976م، خطط الغيطان 1980م، كتاب التجليات (الأول 1983م، والثاني 1985 م، الثالث 1987م)، رسالة في الصبابة والوجد 1987م، رسالة البصائر في المصائر 1988م، شطح المدينة 1991م، هاتف المغير 1992م، متون الأهرام 1994م، نوافذ النوافذ 2004م، وغيرهم " .

ومن مجموعاته القصصية: أوراق شاب عاش منذ ألف عام 1969م، أرض – أرض 1972م، الحصار من ثلاث جهات 1975م، حكايات الغريب 1976م، ذكري ما جري 1978م، الرفاعي 1980م، اتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان 1984م، أحراش المدينة 1984م، ثمار الوقت 1987م، نفثة مصدور 1993 .

ويمزج جمال الغيطاني في عمله الروائي بين أنماط متعددة من المقاربة السردية، في محاولة للنظر، من زوايا عديدة، إلي موضوعه الأثير المتمثل في الكشف عن آليات عمل السلطة، ونقدها من خلال استحضار موازيات تاريخية لها.ويمكن القول  إن رواياته بداية من الزيني بركات وصولا إلي حكايات المؤسسة تسعي في جوهرها إلي معرفة الكيفيات التي يتجلي فيها مفهوم السلطة، بغض النظر عن الأزمنة والأمكنة وطبائع البشر  الذين يمسكون بتلك  السلطة، ويحركونها ويسلطونها علي رقاب العباد.

ولكي يحقق الغيطاني تحولا في الكتابة الروائية العربية، التي بدت في ستينات  القرن الماضي أقرب إلي السرد الخطي منها إلي الكتابة الروائية ذات السطوح  الغنية المتعددة، القادرة علي تنبيه القارئ بدلاً من تطمينه وتنويمه، تنبه إلي ما تنطوي عليه كتب التاريخ في العصور الإسلامية المتأخرة، وكتب الخطط كذلك، من مادة سردية غنية يمكن النسج علي منوالها ومحاكاة لغتها بصورة ساخرة، وبناء عالم شبيه بعالمها.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

.................

المراجع

1- محمد رياض وتار: توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003م.

2- علي باقر طاهري نيا: الخصائص السردية وجمالياتها في رواية الزيني بركات لجمال أحمد الغيطاني، الجمعية المصرية للدراسات السردية، العدد الثالث، 2012م.

3- محمود حنفي: فانتازيا الحكم الأب في تجليات الغيطاني، مجلة فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، المجلد السادس عشر، العدد الرابع، 1998م.

4- جمال الغيطاني: التجليات،القاهرة، 1998م.

5- حكايات موظف كبير في جريدة المحرر، وحكايات موظف صغير في مجلة الجمهور الجديد اللبنانية".

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5052 المصادف: 2020-07-05 02:16:17