 قراءات نقدية

وجع عبر تنهدات القلب

توفيق الشيخ حسينرواية حلال أسود للروائي علاء المرقب

ما من روائي قرر أن يكتب رواية إلا وفكر كثيرا ً في صياغة العبارة الأولى لروايته وكيف يكون أستهلاله لها،الذي يجعل القارىء يتعاطى مع النص الروائي بوضوح وتناغم، وهذا ما كشف عنه إستهلال الرواية .

في كثير من الأحيان، تمر بنا مواقف لا نستطيع مواجهتها، ولا نستطيع التخلصّ منها، أشياء تتمكن منا،تعيش في داخلنا ورغم إننا نصاب بالضرر منها، إلا أنها مصدر سعادتنا .السعادة التي تسبب الألم، والألم الذي يكون مصدرا ً للسعادة، معادلة يصعب فهمها إلا لمن يعيشها .

عن دار أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع / دمشق، صدر للروائي "علاء المرقب " رواية " حلال أسود " / 2019 .

تبدأ الرواية بسرد الأحداث التي تمر بها الشخصية والتي تشكل فارقا ً في طريقة تعامله مع الواقع وبأسلوب بسيط رغم كل ما تحمله من معاني جميلة وأنتقالات رائعة كأننا نعيش اللحظة في رحلة مشوقة وبعالم رومانسي، قصة تحكي عن شخصية تعيش تجربة غير مستقرة وتتعرض للكثير من المصاعب الإجتماعية .

في مجتمعنا يشكل الحب عند الأطفال هاجسا ً مخيفا ً لا يمكن أن تنطق بها ألسنتهم، ينمو الشعور بالرومانسية والإنجذاب العاطفي، حب طالب مراهق (عدي) لإيمان بإعوامها الخمس والثلاثين، أجمل نساء المنطقة بشهادة الجميع، هي عذبة اللسان، تزوجت من خالد وهي ما تزال طالبة في أول سنة جامعة، وتركها تكمل الدراسة ولكنه أبى أن تتوظف وبعد سنتين من زواجهما أكتشف بأنها لا يمكن أن تنجب فتزوج ثانية من " نجلاء " فسبب لها ألما ً كانت تخفيه . 

1639 حلال مرعبيشكل كل من المكان والزمان أحد المكونات الأساسية في بناء الرواية فهما يدخلان بعلاقات متعددة مع المكونات الحكائية الأخرى للسرد كالشخصيات والأحداث، ويعتبر المكان هو عالم الثوابت بينما يندرج الزمان في عالم المتغيرات ..

بيئة أجتماعية شعبية تآلف أهلها، عدد الدور فيها قليلا ً مقارنة بالمناطق الأخرى، متانة العلاقة لا يحددها البعد أو القرب بل مرهونة بعدد الزيارات اليومية .

يصور الروائي " علاء المرقب " بكل دقة البيئة حتى يشد ّ القارىء وبأسلوب يعبر عن أحساس وبشكل مشوق يجذب القارىء الى متابعة الأحداث .

قامت أم عدي بأرسال أبنها عدي " المراهق " بعمر 13 سنة للمبيت عند إيمان لكون زوجها خالد حكم عليه بالسجن ثلاث سنين بسبب (الرشوة

والفساد) حيث كان يعمل في دائرة الجمارك، بعد أن ضاع كل الطرق، لم يعصمه إيمانه عن مد يده لمال لا يمتلكه فخان الأمانة .

الفتى المدلل في بيت إيمان تعامله بطيب وحنان وأزدادت علاقته بها وثوقا ً، تعلم أشياء لم يكن يعرفها، الأختلاط بمجتمع جديد يكسب المرء عادات وتقاليد قد تغير ّ الكثير من مفاهيمه وأزدادت ثقته بنفسه.

بدأت السعادة تتملك " عدي " وهو يفكر بإيمان، وبدأ القلق يساوره

" ماذا حصل لي ؟ هل من المعقول أن يصل تعلقي بها لهذه الدرجة، أنا أشعر بالحب تجاهها، وأعلم أن هذا الشيء مرفوض من قبل أهلي والمجتمع، كونها إمرأة متزوجة، لا يمكن أن يسامحني أحد لما أشعر به، ربما لو علمت بحبي لن تسامحني رغم علمي بفارق السن الذي تجاوز الثلاثين عاما ً " .

ماذا يعني كل هذا الحب، هل هو إحساس أم هو فكرة أم هو فعل؟ ما مصدره؟ كيف يتم؟ هل له دخول حين يدخل الى القلب، وهل له خروج حين يخرج منه؟ هل الحب حين يحب أحدنا الآخر قدر أم أختيار؟ هل في الشرع قانون يحرم الأرتباط إذا تفاوتت الأعمار، من يستطيع الإجابة بعق وحكمة على هذه الأسئلة؟.

درس الروائي " علاء المرقب " شخصية البطل " عدي " نفسيا ً عبر مناجاة نفسية طويلة يعيشها، جعل حالات التداعي النفسي تعبر عن فقدان " عدي " التواصل مع ذاته أو مع الذوات الأخرى من ناحية كون الصراع داخلي أو خارجي، شعر وكأنه تجاوز حدوده في النظر الى إيمان بنظرات ثاقبة، وقلب نابض تتملكه السعادة المشوبة بالقلق وهو يفكر فيها، ماذا حصل له؟ هل من المعقول أن يصل تعلقه لها لهذه الدرجة؟ إنه يشعر بالحب تجاهها وأصبح هذا الحب حبيس صدره .

وبعد مضي إقامة عدي في منزل إيمان مدة سنتين كبر وأشتد عوده، ولم يعد ذلك الصغير الذي لا يفقه شيئا ً، مرت ّ الأيام سريعة وإذا بخبر خروج خالد من السجن، وإن مهمة عدي قد أنتهت في بيت إيمان، لكن الخبر حمل له الآسى هنالك ما يشدّه للمكان، الأعتياد لا يقل تأثيرا ً عن الحب، فالسكن لدى إيمان له الكثير ويحمل له السعادة.

إيمان قدّمت أوراقها للتعيين في سلك التدريس وتمت الموافقة على تعينها وذلك لكونها تشعر بالملل لوجودها المستمر بالبيت وضعف المردودات المالية بعد أن أصبح زوجها خالد جنديا ً لإلتحاقه بالخدمة العسكرية عند خروجه من السجن ووحدته العسكرية قريبة من المنطقة ويذهب صباحا ً ويعود ظهرا ً الى البيت ويتكفل برعاية عائلتين،

أضحت العلاقة واهنة بينهما وأختلفت طبيعة تعامل خالد لإيمان بعد خروجه من السجن تغير كليا ً، تخلّى عما يرتبط بالمساواة والعدالة ورفض دوامها في سلك التدريس ولم تسير الأوضاع الى التحسّن بل أزدادت سوءا ً بعد أن باشرت بعملها .

يقول خالد:

" إني أكتشفت إن زواجي من إيمان لم يكن عن حب، حقيقة عرفتها متأخرا ً، لا يمكن للجمال أن يشعر المرء بالسعادة بل التقارب النفسي، أما نجلاء فقد أردتها كي تنجب لي بعد أن ثبت لي إيمان لن تنجب " .

أرسل خالد الى إيمان من يبلغها بالطلاق، وصل الخبر الى عدي تملكته سعادة أنه من الطبيعي أن تتقارب الأرواح والأنفس تجاه بعضها البعض دون الرجوع الى أية فوارق الحب .

تمر الأيام سريعا ً حتى جاء اليوم الذي قالت أم عدي لإبنها بأن إيمان جاءها عريس، مدرس معها في المدرسة، فاتحها اليوم بالزواج، لم يستطع عدي موازنة الرؤيا فتشابه الكل لديه لا يسمع ما يقولون كأن رأسه في بئر، تتقاطع فيه أصداء أصوات عدة، حاول إلا يفقد توازنه ثم بدأ يفقد الرؤيا، بدأ يرى المكان أحمر ثم داكن ثم أصبح أسودا ً، قلبه لا أثر فيه للنبض ولم يعد يشعر بشيء، فطرح أرضا ً بلا حراك ولا قدرة لفعل شيء حتى فارق الوعي تماما ً .

في هذا الموقف يعمل الروائي " علاء المرقب " بتحليل وتوصيف أفكار ومواقف ودوافع شخصية عدي، فإن هذه الرواية تمثل الواقع المعاش والذي يظهر لنا فيه البطل في صراع داخلي وخارجي ويسلط الضوء على الجانب النفسي لهذه الشخصية،حيث إن كبت الرغبات والغرائز تجعله عرضة للإصابة بمرض الصراع النفسي وتضارب العواطف مما يجعله غير قادر على إتخاذ قرار بذاته مع الشعور بالقلق والحيرة والتوتر الإنفعالي، وغير قادر على التحكم في تصرفاته أو السيطرة على أفكاره.

مهمة " عدي " الأن لقاء إيمان والأعتراف لها بحبه، أسترسل بتلقائيته التي تتدفق بالصدق والمعاناة، ويشعر أن كلاما ً كثيرا ً يزدحم على لسانه لا يمكنه السيطرة عليه ولا ترتيبه ليبدوا مقنعا ً، وفعلا ألتقى إيمان وأحس ّ بغصة في بلعومه من خلال كلماته المرتعشة بينما لسانه يلتصق بباطن فمه بعد أن تيبس وفي النهاية قال لها (أنا أحبك) وإن صمت السنين كان بركانا ً حان إنفجاره الآن فقال:

" لا يمكن لأحد أن يحبك مثلي، أنا أعي كل حرف أقوله، لقد أحببتك بقناعة، عشقتك بكل قناعة، أغرقت بك بكل قناعة، همت بك بكل قناعة، حتى أصبحت ِ سر حياتي " ..

بدأ التأثر عليها وأصبحت تهرب بوجهها عنه وأخذ الأرتباك ظاهرا ً عليها ولكنها شعرت بصحة موقفه وقناعته ولم تعطه الوقت الكافي ليكمل كلامه فقاطعته وقالت له :

" عدي لا تظن للحظة بإني غافلة عما بداخلك، أو إني لا أعرف ما بك، أنا لست سوى أمرأة كباقي النساء، تملؤها المشاعر والأحاسيس ويسعدها الكلمة الجميلة، ووصلني كل ما تشعر به وتقوله وتفعله فكان يسقي روحي التي تصحّرت وزهرتي التي كادت أن تذبل لولاك".

نعم هو من أعاد ثقتها بنفسها وأحسّت بإنوثتها، وهو من دق ّ لها القلب ورقت له الروح، لم يشعر للحظة أن فارق العمر من الممكن أن يكون عائقا ً عن السعادة إلا بعد أن فكر فيها بشكل حقيقي .

أستمرت في كلامها الموجه الى عدي :

" هل تدرك ما أشعره حينما يتقاتل بداخلي القلب والعقل ؟ الواقع والحلم؟ أنت من أريد ولكنه أكفأ إذا ما فكرنا بالمنطق متجردين من العاطفة، إنه الأنسب في ظل هذا المجتمع والحياة، هناك قرارات لا يمكن إلا للعقل أن يتخذها، الحب يجعلنا نفكر بقلوبنا، والقلوب لا ترضخ لعقل أو منطق، لذلك تكون نهايات الحب فاشلة بالغالب، أنت أمامك مستقبل وطريق طويل ما زلت في أوله وأنا في وضع لا يسمح لي بالمغامرة " .

مازالت إيمان تحدثه وتحدثه فيشعر إن كلماتها وحروفها كالمشرط يقطع أحشائه، أيهرب من هذا الألم، إنه يفهم ما تقوله، فأي تناقض هذا الذي نعيشه ويعيش معنا، بل وكيف نستطيع العيش ونحن في صراع فكري ونفسي يهدم كل حياتنا، يا لنا من قساة على إنفسنا أذلاء أمام طقوسنا وواقعنا، لا نؤمن بالتحدي ولا نعمل به، لكننا نجعله شعارات نهتف بها، وهذه إحدى النتائج ونعاند أنفسنا ..

 

بقلم : توفيق الشيخ حسين

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5066 المصادف: 2020-07-19 13:03:34